الإحسان في العلم
: ويبدأ المصنف بالإحسان في العلم، ويعرف المصنف العلم بأنه كل ما قام عليه الدليل، وأن النافع منه ما كان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يذكر أن من الأمور التي يتحقق بها الإحسان في العلم ما يلي:
أولًا: ابتغاء وجه الله عزّ وجلّ بهذا العلم، والإخلاص فيه، وطلب مرضاته به، فإن أول من تسعر به النار يوم القيامة رجل تعلم حتى يقال عنه: عالم، وقد قيل، كما جاء في الحديث الصحيح، أو الحديث الذي في السنن وفيه: "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله، ولم يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من عرض الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة".1
ثانيًا: أن يستعمل العدل في علمه الذي هو ميزان الأعمال، وفي ذلك يقول المصنف: "فينبغي لمن علم علمًا أن يستعمل في علمه العدل الذي هو ميزان الأعمال، ولا ينسى حظه من الإحسان الذي به يستحق القرب والرضوان".2
واستعمال العدل في العلم -كما أشار المصنف- من أعلى درجات الإحسان فيه، ويمكننا أن نستخرج منه بعض الفوائد، منها على سبيل المثال: ما ينبغي على طالب العلم أن يكون عادلًا مع الله قبل أي شيء آخر، فلا يطلب بعلمه أحدًا غيره، ومن ذلك أن يبلغ ما تعلمه إلى الناس، ولا يخشى أحدًا إلا الله.
ومها: أن يكون طالب العلم عادلًا مع نفسه، وذلك بأن يختار من الشيوخ والعلوم ما يكون به صلاح أمره في دينه ودنياه، وأن يكون منصفًا لشيوخه.
ومنها: أن يعمل بما تعلم، وهذا الأمر -وهو العمل بالعلم- من أهم جوانب استعمال العدل في العلم.
ومها: أن يكون عادلًا مع إخوانه الآخرين من طلبة العلم، فلا يحسدهم ولا يزدريهم.
ومنها: أن يكون عادلًا مع الناس، فيعلمهم ويدعوهم بكل رفق ولين، ولا يتعالى عليهم، ويحتمل خطاهم، وغير ذلك من الفوائد.
ثالثاً: أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم، وفي ذلك يقول
المصنف: "فمن الإحسان: أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم، أو يسمع عليه الحديث، لينال بذلك بركة العلم، فقد كان بعض المتقدمين إذا خرج إلى شيخه تصدق في طريقه بشيء من المال، وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه مني".1
إن إحسان الظن بالمعلم أو الشيخ لمن الإحسان في العلم، وكيف يرجو طالب النفع والبركة في العلم، وهو سيئ الظن بشيخه، رديء الاعتقاد فيه، وليس معنى هذا أن يهرع الطالب إلى كل من قيل عنه: شيخ، ويتعامى عن بدعه ومخالفاته، بحجة حسن الظن بالشيخ، وحسن الظن في هذا المقام ليس هو ما يعنيه المتصوفة حين يقول بعضهم: كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسل2، ولكنه اختيار المعلم الصالح، واصطفاء الشيخ العالم العامل، عند ذلك يأتي حسن الظن مع حسن الاختيار.
وفي إشارة المصنف رحمه الله إلى البركة في العلم تنبيه لطيف، يغفل عنه كثير من الشيوخ والطلبة، فإن البركة تزيد في العلم وتنميه، وترسخه وتقويه، فلا ينساه صاحبه، ويعمل بما فيه، ويعلمه الله سواه.
لأن كثيرًا منهم يعتمد على قدرته وحوله وحفظه ونشاطه ومذاكرته، ويغفل عن الله عزّ وجلّ إن لم يهبه البركة في علمه وتعليمه، فكل ذلك إلى ضياع.
وإن الناظر إلى حال الناس اليوم ليرى أن البركة قد انتزعت من الحلم -إلا من رحم الله وقليل ما هم- كما نزعت في الأرزاق والأقوات والأولاد والأموال والثروات والأوقات.
وإنه يخشى والله أن تكون شهادات زماننا هذا هي الآفة الكبرى لذهاب البركات من العلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وبعد أن ذكر المصنف أن من الإحسان في العلم أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم، ذكر ببعض الآداب والتوجيهات والوصايا التي ينبغي لطالب العلم أن يتخلق بها مع شيخه، والتي تعد من حقوق العالم على المتعلم، ومنها: 1 - التسليم على الشيخ خاصة. 2 - الجلوس أمامه. 3 - عدم الإشارة باليد عنده. 4 - عدم الغمز بالعين في حضرته. 5 - عدم الغيبة في مجلسه. 6 - عدم المساررة في مجلسه. 7 - عدم الإلحاح عليه إذا تعب. 8 - عدم الملل من طول صحبته. 9 - رد الغيبة عنه مع القدرة على ذلك.1
ولو تأملنا هذه الآداب جميعًا لوجدنا جلها آدابًا عامة، ينبغي على المسلم أن يتأدب بها مع إخوانه المسلمين، ولكنها مع أهل العلم والعلماء أحرى بأن يعمل بها، وأولى من أن تنسى.
رابعًا: أن يقف عندما يسمع ويكتب، وفي ذلك يقول رحمه الله: "ومن حق العلم لمن استعمل الإحسان فيه أن يقف عندما يسمع ويكتب، فإذا بلغ فضيلة أخذ بحظه منها، فإن كانت نافلة عمل بها ولو مرة في عمره.. وإن كان أدبًا من آداب السنّة أخذ نفسه بذلك، فقد قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282] ".2 ووقوف المتعلم عند ما يسمعه أو يكتبه والعمل بذلك، ثمرة العلم والتعليم، وما فائدة علم لا يعمل به؟ وكم من الطلبة الذين يعلمون كثيرًا
من الفضائل والسنن والمستحبات، ولكنهم لا يعملون بها، حتى ولو مرة واحدة في حياتهم. خامسًا: محاسبة النفس، وفي ذلك يقول رحمه الله: "وأن يحاسب نفسه، ويطالبها بالخشية لله والحذر والمراقبة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. وقال عبد الله بن مسعود: من ازداد علمًا ولم يزدد هدى، لم يزدد من الله إلا بعدًا. وهذا باب واسع".1
## الإحسان في أعمال الجوارح : بقسم المصنف الإحسان في أعمال الجوارح إلى فرض عين، وفرض كفاية، وسنّة مؤكدة، وفضيلة، وفي ذلك يقول: "وأما الإحسان في أعمال الجوارح بعد إحكام قاعدة العلم فعلى أنواع: منه فرض عين، ومنه فرض كفاية، ومنه سنّة مؤكدة، ومنه فضيلة لا يسع من له عقل ومروءة أن يفوت نفسه حظها من ذلك، وذلك يختلف باختلاف الأحوال.
قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: 90 - 91] ".2 ثم شرع المصنف رحمه الله في بيان التعاون بين المسلمين الذي هو من الإحسان في أعمال الجوارح، فتحدث عن وجوب بذل المسلم بعض المنافع التي لا يضره بذلها، ويحتاج غيره إليها، ومن ذلك الدلو والفأس والقدر، وما إلى ذلك، وذكر أن هناك خلافًا في بذلها، هل يكون بأجرة المثل، أو يكون تبرعًا مجانًا، ورجح القول الثاني، وقال: إنه مذهب الصحابة والتابعين وأهل الحديث، وما عليه الكتاب والسنّة.
وقد استدل المصنف على ما رجحه بما يلي:
قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)﴾ [الماعون: 4 - 7]. وفي السنن عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: "كنا نعد ذلك على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - عارية، الدلو والقدر والفأس ونحوهن" وفي الصحيح مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر الخيل قال: "هي لرجل أجر، ولرجل ستر، فأما الذي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، فشبعها وريها وبولها وروثها حسنات، وأما الذي هي له ستر، فرجل ربطها تعففًا وتغنيًا، فهو يرى حق الله في بطونها وظهورها". وفي الصحيح خرجه البخاري مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ومن حق الإبل إعارة ذكرها، وإطراق فحلها". ثم قال: فلا يمنع المعروف من الناس بطلب الأجرة على مثل هذه الأشياء، فإن الله يأمر بالعدل والإحسان".1
وصدق رحمه اللهُ، فلو قيل بوجوب دفع أجرة المثل، لانقطع المعروف بين الناس، وقل الإحسان فيهم، وسادت المادية بينهم. ومن ذلك سماح الرجل لغيره بأن يجري ماؤه في أرضه ليعل إلى أرض صاحبه، من غير إضرار بصاحب الأرض، والراجح وجوب ذلك. ومن ذلك أيضًا إعارة الحلي للمحتاجة من النساء، في نكاح أو عيد أو مناسبة، واستدل المصنف لذلك يقول عدة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن زكاة الحلي عاريته.2
وبعد ذلك يأتي المصنف بقاعدة عظيمة شاملة لكل ما سبق، وهي ما عبر عنها بقوله: "وبذل هذه الأشياء يستحب تارة، ويجب أخرى بحسب الحاجة إليها، وكذلك بذل منافع البدن يجب تارة، فلا يحل منعها، كنصر المظلوم باللسان وباليد.
كما يجب بذل العلم، وإفتاء الناس، وتعليم الأمي ما وجب عليه،
والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، وغير ذلك من منافع الأبدان.. ". ويفرع المصنف على منافع الأبدان منافع اللسان، ويذكر أن من منافع اللسان الشهادة بالحق، ويستطرد -حتمًا- إلى خلاف العلماء في جواز أخذ الأجرة على الشهادة، والأقوال في ذلك، ويختم بقوله عن الشهود: "وعلى الجملة فإنهم يكرمون، لأن الله بهم حفظ الحقوق، وأقام الحدود، وصان بهم الفروج والأنساب.. ".1 ## فروض الكفاية : ومن الإحسان في أعمال الجوارح ما ذكره المصنف وعده فرض كفاية، ومن ذلك: الفلاحة والزراعة، والصناعة، والنساجة، والبناية، والعمران، وكذلك الحرف اليدوية والمهنية، كالطحن، والعجن، والخبز وغير ذلك، وكذلك طلب العلم والجهاد في سبيل الله إذا لم يتعين، وكذلك غسل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك الولايات الدينية كإمرة المؤمنين، وما دونها من وزارة، وديونة، وإمرة حرب، وقضاء، وحسبة، وغير ذلك. وقد استدل المصنف على وجوب ذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتولى الأحكام والفتاوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود. وكان يقوم بكل ما تعلق بالولايات الدينية، ويولي ما بعد عنه، ويؤمر على السرايا، ويبعث على الصدقة السعاة الذين يجبونها ممن هي عليه، ويدفعونها إلى مستحقيها، وكان عليه السلام يحاسب العمال.2
قاعدة: يذكر المصنف قاعدة مفادها أن فروض الكفايات قد تنقلب إلى
فروض أعيان متى ألجأت الضرورات إليها، وفي ذلك يقول: "والمقصود هنا أن هذه الأعمال التي هي فرض كفاية متى وقعت الضرورات إلى شيء منها تعينت، وصارت من الواجبات، لا سيما إن كان الذي تلجئ الضرورة إليه غير عاجز عن القيام بالقدر المطلوب من ذلك.. ".1 ويضرب لتلك القاعدة مثالًا يقول فيه: "فإذا كان الناس يحتاجون إلى نساجة قوم، أو فلاحتهم، صار ذلك العمل واجبًا عليهم، يجبرهم ولي الأمر عليه.
فإذا قاموا بما وجب عليهم من الفلاحة، وجب عليه منعهم أن يظلموا، ولا يمكن الجند من انتقاصهم من حقهم، فإن الجند لا بد لهم من الفلاحين، فيلزمون أن لا يمنعوا الفلاح حقه، كما أنهم يلزمون أن يقوموا بالفلاحة.. ". ثم تحدث المصنف عن المزارعة وأنها سنة صحيحة ماضية، باعتبارها من الإحسان في أعمال الجوارح، لأنها تعاون بين صاحب الأرض من جهة، وبين من يزرع الأرض ويقوم عليها من جهة أخرى.
وفي أثناء الاستدلال لصحتها ذكر رحمه الله انشغال الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بالجهاد ونشر الإسلام، ولذا فقد عهد بزراعة خيبر بعد فتحها -على سبيل المثال- إلى أهلها.
مع أن المصنف ينبه على ضرورة الاستغناء عن الكفار في كل ما يحتاجه المسلمون، إذا كانوا قادرين على القيام به.
ثم تحدث المصنف عن وجوب الجهاد ووجوب صناعة آلاته، ووجوبه على كل مسلم حسب طاقته، وفي ذلك يقول: "فكما أن الجهاد واجب، فعمل آلاته وبيعها إذا اضطر إليها عند قوم تعين وجوب العمل بأجرة المثل، وبذل الآلة بثمن المثل، أو بالمشترى الأول، وما يقع عليه الرضا من الكسب، فإنه إن بذل ذلك تبرعًا كان مجاهدًا، فإن المؤمن عليه أن يجاهد بيده وبلسانه وبقلبه، وعليه النفقة في عسره ويسره، ومنشطه
ومكرهه، وأثرة عليه، فمن عجز عن الجهاد ببدنه، لم يسقط عنه الجهاد بماله، وعكس ذلك، ومن لم يطق أن يجاهد بيده، فليس بمعذور إن ترك الجهاد بلسانه وقلبه.. ".1 ويقول المصنف معقبًا على ما ذكره من فروض الكفايات، وأن القيام به من الإحسان: "والغرض هنا إذا كان الكافر الذي هو عدو الملة، يجاور ويعامل ويعطى أجرة المثل عند الحاجة، ولا يحل ظلمه في شيء، فكيف المسلم إذا قام بما يجب عليه من مصالح إخوانه، من طحن بر وإصلاح خبز وتسوية طعام، وإحكام بناء، ونسج ثوب، وغير ذلك، مما هو فرض كفاية، فحقه أن من احتاج إلى أخيه في شيء من ذلك الإحسان إليه، يدفع ما يتعين له من أجرة أو ثمن أو قرض أو عوض".2
## الإحسان في أعمال القلوب والجوارح : ويذكر المصنف في ذلك المقام ثلاثة أمور: الأول: نية نفع الخلق في كل يوم.
الثاني: طاعة الله عز وجل بأخذ ما حل، وترك ما حرم.
الثالث: التورع عن الشبهات ما استطاع.
يقول رحمه الله: "ومن أحب أن يلحق بدرجة الأبرار، ويتشبه بالأخيار، فلينوِ في كل يوم تطلع فيه الشمس نفع الخلق، فيما يسَّر الله من مصالحهم على يديه، وليطع الله في أخذ ما حل، وترك ما حرم، وليتورع عن الشبهات ما استطاع.. ".3 ثم شرع المصنف في بيان أهمية النفقة الحلال على الأهل والعيال، ويرى أنه باب عظيم، لا يعدله شيء من أعمال البر.
ثم ذكر فضيلة من يأكل من عمل يده، وأنه صنيع داود عليه السلام.