[هل شعب الإيمان متلازمة في الانتفاء والثبوت]
أما الأول: فإن الحقيقة الجامعة لأمور- سواء كانت في الأعيان أو الأعراض- إذا زال بعض تلك الأمور فقد يزول سائرها وقد لا يزول، ولا يلزم من زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها، وسواء سميت مركبة أو مؤلفة أو غير ذلك، لا يلزم من زوال بعض الأجزاء زوال سائرها، وما مثلوا به من العشرة والسكنجبين مطابق لذلك.
فإن الواحد من عشرة1إذا زال لم يلزم زوال التسعة، [بل قد تبقى التسعة]2وإذا زال3أحد جزئي المركب لم4يلزم زوال الجزء الآخر، لكن أكبر5ما يقولون زالت [الصورة]6المجتمعة, وزالت الهيئة الاجتماعية، وزال ذلك الاسم الذي استحقته الهيئة بذلك الاجتماع والتركيب، كما يزول اسم العشرة والسكنجبين.
فيقال لهم: أما كون ذلك المجتمع المركب ما بقي على تركيبه فهذا لا ينازع فيه عاقل، ولا يدعي عاقل أن الإيمان أو الصلاة أو الحج أو غير ذلك من العبادات المتناولة لأمور إذا زال بعضها [بقي]7ذلك المجتمع المركب كما كان قبل [زوال بعضه].8
ولا يقول أحد: إن الشجرة أو الدار إذا زال بعضها بقيت مجتمعة
كما كانت، ولا أن الإنسان أو غيره من الحيوان إذا زال بعض أعضائه بقي مجموعاً.
كما قال النبى - صلى الله عليه وسلم -: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، و1ينصرانه، ويمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء2، هل تحسون فيها من جدعاء؟3".4 فالمجتمعة الخلق بعد الجدع لا تبقى مجتمعة، ولكن لا يلزم زوال بقية الأجزاء. وأما زوال الاسم فيقال لهم: هذا أولاً بحث لفظي، إذا قدر أن الإيمان له أبعاض وشعب كما قال رسول الله في الحديث المتفق عليه: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".5
كما أن الصلاة والحج له أجزاء وشعب، ولا يلزم من زوال شعبة من شعبه زوال سائر الأجزاء والشعب، كما لا يلزم من زوال بعض أجزاء
الحج والصلاة زوال سائر الأجزاء1، فدعواهم أنه إذا زال بعض المركب زال البعض الآخر ليس بصواب، ونحن نسلم لهم أنه ما بقي إلا بعضه لا كله، وأن الهيئة الاجتماعية ما بقيت كما كانت.
يبقى النزاع هل يلزم زوال الاسم بزوال بعض الأجزاء؟ فيقال لهم: المركبات في ذلك على وجهين، منها: ما يكون التركيب شرطاً في إطلاق الإسم، ومنها: ما لا يكون كذلك، فالأول: كاسم العشرة، وكذلك السكنجبين، ومنها: ما يبقى الاسم بعد زوال بعض الأجزاء، وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء من هذا الباب، وكذلك من المختلفة الأجزاء، فإن المكيلات والموزونات تسمى حنطة وهي بعد النقص تسمى حنطة، وكذلك التراب والماء ونحو ذلك.
وكذلك لفظ العبادة، والطاعة، والخير، والحسنة، والإحسان، والصدقة، والعلم، ونحو ذلك مما تدخل2فيه أمور كثيرة يطلق الاسم عليها قليلها وكثيرها، وعند زوال بعض الأجزاء وبقاء بعض، وكذلك لفظ القرآن فيقال على جميعه وعلى بعضه، ولو نزل قرآن أكثر من هذا لسمي قرآناً، وقد تسمى الكتب القديمة قرآناً كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خفف على داود القرآن".3
وكذلك لفظ القول والكلام والنطق4ونحو ذلك تقع5على القليل من ذلك وعلى الكثير.
وكذلك لفظ الذكر والدعاء يقال على كل القليل والكثير6، وكذلك لفظ الجبل يقال على الجبل، وإن ذهب منه أجزاء كثيرة، ولفظ البحر والنهر يقال عليه وإن نقصت أجزاؤه.
وكذلك المدينة
والدار والقرية والمسجد ونحو ذلك يقال على الجملة المجتمعة، ثم ينقص كثير من أجزائها والاسم باق، وكذلك أسماء بعض الحيوان والنبات كلفظ الشجرة يقال على جملتها، فتدخل1فيه الأغصان وغيرها، ثم يقطع منها ما يقطع والاسم باق، وكذلك لفظ الإنسان والفرس والحمار يقال على الحيوان المجتمع الخلق، ثم يذهب كثير من أعضائه والاسم باق، وكذلك أسماء بعض الأعلام، كزيد وعمرو يتناول الجملة المجتمعة، ثم يزول بعض أجزائها والاسم باق.
وإذا كانت المركبات على نوعين بل غالبها من هذا النوع، لم يصح قولهم: إنه إذا زال جزؤه لزم أن يزول الاسم، إذا أمكن أن يبقى الاسم مع بقاء الجزء الباقي.