الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي[مذهب الماتريدي في الإيمان]

[مذهب الماتريدي في الإيمان]

وقد ذهب طائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة، كأبي منصور الماتريدي5وأمثاله إلى نظير هذا القول في الأصل، وقالوا: إن الإيمان هو ما في القلب، وأن القول الظاهر شرط لثبوت أحكام الدنيا، لكن هؤلاء يقولون بالاستثناء ونحو ذلك، كما عرف من أصلهم.6

وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان، من الخوارج، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعاً1، فلم يقولوا بذهاب بعضه، وبقاء بعضه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان2".3 ## [احتجاج الخوارج والمعتزلة والمرجئة والجهمية بهذا الأصل الفاسد] ثم قال الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان، فإذا ذهب بعضها، ذهب بعض الإيمان، فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة، ليس معه شيء من الإيمان.
وقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئاً واحداً لا يتبعض، إما مجرد تصديق القلب، كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة.
قالوا: لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءاً منه، فإذا ذهبت

ذهب بعضه فيلزم إخراج [ذي]1الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج، لكن قد يكون له لوازم ودلائل، فيستدل بعدمه على عدمه.
وصار2كل من الطائفتين بعد السلف والجماعة وأهل الحديث متناقضين، حيث قالوا: الإيمان قول وعمل، وقالوا: مع ذلك لا يزول بزوال بعض الأعمال, حتى أن ابن الخطيب3وأمثاله، جعلوا الشافعي متناقضاً في ذلك، فإن الشافعي كان من أئمة السنة، وله في الرد على المرجئة كلام مشهور، وقد ذكر في كتاب الطهارة من الأم إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم على قول أهل السنة4فلما5صنف ابن الخطيب تصنيفاً فيه6، وهو يقول في الإيمان بقول جهم والصالحي واستشكل قول

الشافعي ورآه متناقضاً.1
## [إبطال شبهة هذه الفروق في الإيمان] وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها، كالعشرة فإنه إذا زال بعضها، لم تبق2عشرة، وكذلك الأجسام المركبة كالسكنجبين3إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجبيناً.
قالوا: فإذا كان الإيمان مركباً من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة، لزم زواله، بزوال بعضها، وهذا قول الخوارج والمعتزلة.
قالوا: ولأنه يلزم أن يكون الرجل مؤمناً بما فيه من الإيمان، كافراً بما فيه من الكفر، فيقوم به كفر وإيمان، وادعوا أن هذا خلاف الإجماع.
ولهذه الشبهة -والله أعلم- امتنع من امتنع من أئمة الفقهاء أن يقول: ينقص4كأنه ظن إذا قال ذلك يلزم ذهابه كله بخلاف ما إذا زاد. ثم إن هذه الشبهة هي شبهة من منع أن يكون في الرجل الواحد طاعة ومعصية، لأن الطاعة جزء من الإيمان، والمعصية جزء من الكفر، فلا يجتمع فيه كفر وإيمان وقالوا: ما ثم إلا مؤمن محض، أو كافر محض، أو مؤمن وكافر وفاسق.5
ثم نقلوا حكم الواحد من الأشخاص إلى الواحد من الأعمال، فقالوا: لا يكون العمل الواحد محبوباً من وجه مكروهاً من وجه.

وغلا فيه أبو هاشم1فنقله إلى الواحد بالنوع فقال: لا يجوز أن يكون جنس السجود أو الركوع أو غير ذلك من الأعمال بعض أنواعه طاعة، وبعضها معصية، لأن الحقيقة الواحدة لا توصف بوصفين مختلفين، بل الطاعة والمعصية تتعلق بأعمال القلوب، وهو قصد الساجد دون عمله الظاهر، واشتد نكير الناس عليه في هذا القول، وذكروا من مخالفته للإجماع وجحده للضروريات شرعاً وعقلاً ما يتبين به فساده.2

وهؤلاء منتهى نظرهم أن يروا حقيقة مطلقة مجردة تقوم في أنفسهم فيقولون: الإيمان من حيث هو [هو]1، والسجود من حيث هو هو، لا يجوز أن يتفاضل، ولا يجوز أن يختلف، وأمثال ذلك.
ولو اهتدوا لعلموا أن الأمور الموجودة في الخارج عن الذهن متميزة بخصائصها، وأن الحقيقة المجردة المطلقة لا تكون إلا في الذهن2، وأن الناس إذا تكلموا في التفاضل والاختلاف فإنما تكلموا في تفاضل الأمور الموجودة واختلافها لأن تفاضل أمر مطلق مجرد في الذهن لا وجود له في الخارج.
ومعلوم أن السواد مختلف، فبعضه أشد من بعض، وكذلك البياض، وغيره من الألوان، وأما إذا قدرنا السواد المجرد المطلق الذي يتصوره الذهن فهذا لا يقبل الاختلاف والتفاضل، لكن هذا هو في الأذهان لا في الأعيان.
ومثل هذا الغلط وقع فيه كثير من الخائضين في الأصول والفقه3، حيث أنكروا تفاضل العقل، أو الإيجاب و4التحريم.
وإنكار التفاضل في ذلك قول القاضي أبي بكر وابن عقيل5

وأمثالهما، لكن الجمهور على خلاف ذلك، وهو قول أبي الحسن التميمي1، وأبي محمد البربهارى2، والقاضي أبي يعلى3، وأبي

الخطاب1، وغيرهم.2

ولذلك1وقع نظير هذا لأهل المنطق والفلسفة ولمن تابعهم من أهل الكلام والإلحاد2في توحيد واجب الوجود ووحدته حتى أخرجهم الأمر إلى ما يستلزم التعطيل المحض كما بيناه في غير هذا الموضع.3
وأهل المنطق اليونان مضطربون في هذا المقام، يقول أحدهم القول،

ويقول نقيضه كما هو مذكور في موضعه، ونحن نذكر ما يتعلق بهذا الموضع فنقول: -ولا حول ولا قوة إلا بالله- الكلام في طرفين: (أحدهما): أن شعب الإيمان هل هي متلازمة في الانتفاء؟ والثاني: هل هي متلازمة في الثبوت؟

جارٍ التحميل