[قول الفلاسفة في الوعد والعيد]
من أن الرسل خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعد والوعيد لا حقيقة لها في الباطن وإنما هي أمثال مضروبة لتفهيم1حال النفس بعد المفارقة، وما أظهروه لهم من الوعد والوعيد وإن كان لا حقيقة له2فإنما تعلق3لمصلحتهم في الدنيا إذ كان لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريق.4
وهذا القول مع أنه معلوم الفساد بالضرورة من دين الرسل، فلو كان الأمر كذلك لكان خواص الرسل الأذكياء يعلمون ذلك، وإذا علموا زالت محافظتهم على الأمر والنهي، كما يصيب خواص ملاحدة المتفلسفة والقرامطة من الإسماعيلية5، والنصيرية6ونحوهم، فإن البارع منهم في
العلم والمعرفة يزول عنه عندهم الأمر والنهي، وتباح له المحظورات، وتسقط عنه الواجبات، فتظهر أضغانهم، وتنكشف أسرارهم، ويعرف عموم الناس حقيقة دينهم الباطل، حتى سموهم باطنية لإبطانهم خلاف ما يظهرون، فلو كان والعياذ بالله دين الرسل كذلك، لكان خواصه قد عرفوه، ولظهر1باطنه، وكان عند أهل المعرفة والتحقيق من جنس دين الباطنية2، ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا أعلم الناس بباطن الرسول وظاهره، وأخبر الناس بمقاصده ومراداته كانوا أعظم الأمة لزوماً لطاعة أمره سراً وعلانية ومحافظة على ذلك إلى الموت، وكل من كان منهم إليه أقرب3وبه أخص وبباطنه أعلم كأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - كان أعظمهم4لزوماً لطاعته سراً وعلانية، ومحافظة على أداء الواجب، واجتناب المحرم باطناً وظاهراً، وقد أشبه هؤلاء في بعض الأمور ملاحدة المتصوفة، الذين يجعلون فعل المأمور وترك المحظور
واجباً على السالك، حتى يصير عارفاً محققاً في زعمهم وحينئذ يسقط عنه التكليف، ويتأولون على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ99﴾1[الحجر: 99] زاعمين أن اليقين هو ما يدعونه من المعرفة،
واليقين هنا الموت1وما بعده كما قال تعالى عن أهل النار: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)﴾2[المدثر: 45 - 47] قال الحسن البصري: (إن الله لم يجعل لعباده المؤمنين أجلاً دون الموت) وتلا هذه الآية.
ومنه قول النبي3- صلى الله عليه وسلم - لما توفي عثمان بن مظعون: (أما عثمان بن مظعون فقد أتاه اليقين من ربه).4
وهؤلاء قد يشهدون القدر أولاً، وهي الحقيقة الكونية، ويظنون أن غاية العارف أن يشهد القدر ويفنى عن هذا الشهود، وذلك المشهد لا تميز5فيه بين المأمور والمحظور، وموجبات الله ومكروهاته، وأوليائه وأعدائه وقد يقول أحدهم: العارف شهد أولاً الطاعة والمعصية، ثم شهد طاعة بلا معصية، يريد بذلك طاعة القدر، كقول بعض شيوخهم: أنا كافر برب يعصى! ! وقيل له عن بعض الظالمين: هذا ماله حرام، فقال: إن كان عصى الأمر فقد أطاع الإرادة، ثم ينتقلون إلى المشهد الثالث، لا طاعة ولا معصية، وهو مشهد أهل الوحدة القائلين بوحدة الوجود، وهذا غاية إلحاد المبتدعة جهمية الصوفية، كما أن القرمطة آخر إلحاد الشيعة، وكلا الإلحادين يتقاربان، وفيهما من الكفر ما ليس في دين اليهود والنصارى ومشركى العرب والله أعلم.