[جواز المزارعة]
والمزارعة1صحيحة ماضية، وهي عمل المسلمين على عهد نبيهم، وخلفائه الراشدين، وعليها عمل آل أبي بكر، وآل عمر، وآل عثمان، وآل علي - رضي الله عنهم -، وهو مذهب عامة المهاجرين والأنصار، وهو قول أكابر
الصحابة، كابن مسعود وأمثاله، وهو مذهب علماء الحديث، كأحمد، وإسحاق، وأبي بكر بن المنذر1، والليث بن سعد، وابن أبي ليلى2، وأبي يوسف3، ومحمد4، وغيرهم من فقهاء المسلمين، كان النبي - صلى الله عليه وسلم -
عامل أهل خيبر1لشطر ما تخرج الأرض من ثمر وزرع2، حتَّى مات الرسول - صلى الله عليه وسلم - والأمر كذلك، وما زالوا حتَّى أجلاهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن خيبر، وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم، وكان -عليه السلام- قد قال: "نقرّكم فيها ما شئنا".3
## [أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب] وما سمع منه قل وفاته أنَّه قال: "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب".4
..................................
وقد كان أصحابه مشغولين بالجهاد، لأنهم فرض عليهم الجهاد بأموالهم وأنفسهم حتَّى كانوا يتلذذون بقولهم: نحن الذين بايعوا محمدًا... على الجهاد ما بقينا أبدا1فلأجل ذلك أقر اليهود على أن يعملوا ولهم شطر ما أخرجت الأرض، فإن الذين شهدوا فتح خيبر كانوا أهل بيعة الرضوان، الذين بايعوا تحت الشجرة، نحو ألف وأربع مائة، وانضم إليهم أهل سفينة جعفر2، فهؤلاء الذين قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم خيبر، فلو أقام طائفة من هؤلاء، وهم أبطال الموحدين، وحماة المسلمين، وشغلوا بفلاحتها لتعذرت مصالح الإسلام من قبل قوم لا يقوم بها غيرهم.
فلما كان في زمن عمر - رضي الله عنه - كثر أهل الإسلام، وأغنى الله عن اليهود وغيرهم من الكفار فأجلوهم، وكان -عليه السلام- قد قال قبل موته ما تقدم1، وعلى ما تقرر من هذه الأصول، فكما أن الجهاد واجب، فعمل آلاته وبيعها إذا اضطر إليها عند قوم تعين وجوب العمل بأجرة المثل، وبذل الآلة بثمن المثل، أو بالمشترى الأول، وما يقع عليه الرضا من الكسب، فإنه إن بذل ذلك تبرعًا كان مجاهدًا، فإن المؤمن [عليه]2أن يجاهد بيده وبلسانه وبقلبه، وعليه النفقة في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وأثرة عليه، فمن عجز عن الجهاد ببدنه، لم يسقط عنه الجهاد بماله، وعكس ذلك، ومن لم يطق أن يجاهد بيده، فليس بمعذور إن ترك الجهاد بلسانه وقلبه.
وإذا كان الناس وهم أهل العلم، وأهل الجهاد، وأهل التجارة، وأصناف البيوع المباحة لا بد لهم ممن يطحن ويعجن ويخبز، كما كان أهل الإسلام بالمدينة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز، وإنما كانوا كالأعاريب في بواديهم، ولا من يبيع خبزًا ولا دقيقًا، وإنما كانوا يشترون الحب ويطحنونه بأيديهم، ويخبزونه في بيوتهم، ولا يجدون من يتولى ذلك بأجرة، حتَّى إن المنخل3لم يعرف بينهم على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا رأى النقي، وكانوا يجدون لذلك مشقة، مع شغلهم بالغزو والعلم والعبادة.
فلهذا لما غلا السعر قال له رجل: يا رسول الله سعر لنا!، قال: "بل أدعو الله لكم"4، فلما كثر ذلك منهم قال: "إن الله هو الخافض الرافع المسعر القابض الباسط، وإني أحب أن ألقى الله وليس
أحد منكم يطالبني بمظلمة".1
فلم يكونوا يحتاجون إذ ذاك إلى الشعير، وكان من قدم بالحب مؤمنًا أو كافرًا أو يهوديًا أو نصرانيًّا باعه، وتيسر به الناس، فكانوا يفرحون بالجالبين. ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون".2
وقال: "لا يحتكر إلَّا خاطئ" رواه مسلم.3
وأما ما جاء في قفيز الطحان من النهي فهذا لا أصل له4، لأنه لم
يكن يومئذ بالمدينة طحان ولا خباز، لعدم حاجتهم إلى ذلك، كما أن المسلمين لما فتحوا البلاد كان الفلاحون1كفارًا، فاستعملوهم فيها حتَّى أغناهم الله عنهم.
ولهذا ذهب طائفة من أهل العلم كمحمد بن جرير الطبري2، أن الكفار لا يقرون في دار الإسلام بالجزية، إلَّا إذا كان أهل القبلة يحتاجون إليهم، فإذا استغنوا عنهم أجلوهم3، كما أجلى النبي -صلى الله عليه وسلم - بني
النضير1، وأجلى عمر - رضي الله عنه - أهل خيبر2، وهو موضع خلاف بين أهل العلم، ليس هذا موضع بسطه.
والغرض هنا إذا كان الكافر الَّذي هو عدو الملة، يجاور ويعامل ويعطى أجرة المثل عند الحاجة، ولا يحل ظلمه في شيء، فكيف المسلم إذا قام بما يجب عليه من مصالح إخوانه، من طحن بر3وإصلاح خبز4وتسوية طعام، وإحكام بناء، ونسج ثوب، وغير ذلك، مما هو فرض
كفاية، فحقه أن من احتاج إلى أخيه في شيء من ذلك الإحسان إليه، يدفع ما يتعين له من أجرة أو ثمن أو قرض أو عوض. فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "خيركم أحسنكم قضاء".1
وهؤلاء الذين يبيعون سائر أصناف الحلال، فعليهم فيما يبيعون فيه ويشترون الزكاة إذا بلغ النصاب، وحال عليه الحول.