الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزيالثائي: نفاق عملي

: وهو النفاق في الأعمال، كحديث: "آية المنافق ثلاث.. ".1 فالأول: هو النفاق الأكبر.
والثاني: هو النفاق الأصغر.
وقد أشار المصنف -رحمه الله- إلى ذلك بقوله: "وحينئذٍ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق (أصغر)، وبعض شعب الإيمان، وبعض شعب الكفر، كما في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب.... ".2 وذكر -رحمه الله- أن هناك كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.3
ويقول: (والنفاق كالكفر، نفاق دون نفاق، ولهذا كثيراً ما يقال: كفر ينقل عن الملة، وكفر لا ينقل، ونفاق أكبر، ونفاق أصغر، كما يقال: الشرك شركان: أصغر وأكبر... ).4 ## خوف الصحابة والسلف من النفاق: وخير من يعبر عن ذلك ما ذكره المصنف عن التابعي الجليل ابن أبي مليكة -رحمه الله- حيث يقول: "أدركت ثلاثين من أصحاب محمد، كلهم يخاف النفاق على نفسه.. ".5

وقد ذكر الحافظ ابن رجب -رحمه الله- جمعاً من السلف الصالح كانوا يخشون النفاق على أنفسهم ثم قال: "وأصل هذا يرجع إلى ما سبق ذكره من أن النفاق أصغر وأكبر، فالنفاق الأصغر هو نفاق العمل، وهو الذي خافه هؤلاء على أنفسهم، وهو باب النفاق الأكبر، فيخشى على من غلب عليه خصال النفاق الأصغر في حياته، أن يخرجه ذلك إلى النفاق الأكبر، حتى ينسلخ من الإيمان بالكلية.. ".1 وذكر الحافظ ابن حجر أن النفاق الذي كان يخشاه السلف رضوان الله عليهم هو نفاق الأعمال، وليس نفاق الاعتقاد.2
## قاعدة: كما ازداد عز الإسلام وعظمت قوة المسلمين، كما ازداد التزام المنافقين بأحكام الإسلام الظاهرة، وكلما ضعف أمر الإسلام، وتلاشت قوة المسلمين، كان إظهار المنافقين لنفاقهم أشد وأعظم، والتزامهم بأحكام الإسلام الظاهرة ضعيفاً. فهناك تناسب طردي بين عز الإسلام، والتزام المنافقين بالأحكام الظاهرة. وهناك تناسب عكسي بين ضعف الإسلام، وقوة المنافقين، بمعنى أنه كما ضعف الإسلام قري المنافقون، والعكس صحيح. هذه القاعدة استنبطت من كلام المصنف -رحمه الله- في كتاب "شرح حديث جبريل"، وذكر من كلام السلف ما يدل عليها، كقول حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -: "النفاق اليوم أكثر منه على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم -"، أو في الرواية الأخرى: " كانوا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يسرونه، واليوم يظهرونه".3
يقول المصنف حول تلك القاعدة: "وقد كان المنافقون يلتزمون أحكام الإسلام الظاهرة، لا سيما في آخر الأمر، ما لم يلتزمه كثير من

المنافقين الذين من بعدهم، لعز الإسلام، وظهوره إذ ذاك بالحجة والسيف، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)﴾1". ويقول: "ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعاً واحداً، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب، وفيه شعبة من نفاق، وكان كثير ذنوبهم بحسب ظهور الإيمان، ولما قوي الإيمان وظهر الإيمان وقوته عام تبوك، صاروا يعاتبون من النفاق على ما لم يكونوا يعاتبون عليه قبل ذلك.. ".2 ## حكم المنافقين: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله عزّ وجل، وعلى هذا فحكمهم في الدنيا: أن تجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة.
وأما حكمهم في الآخرة: فهم في الدرك الأسفل من النار، خالدون فيها وبئس المصير.
وفي ذلك يقول المصنف في سياق الحكم على تاركي الصلاة الذين يصلون تارة ويدعون أخرى: "فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام، فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض -كابن أبي وأمثاله من المنافقين- فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى.. ". "وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات، بل لا يشكون في نفاقه، ومن نزل القرآن ببيان نفاقه -كابن أبي وأمثاله- ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه، وكانت تعصم دماؤهم، حتى تقوم البينة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته.. ".3

جارٍ التحميل