الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي[احتجاج الخوارج والمعتزلة على مذهبهم]

[احتجاج الخوارج والمعتزلة على مذهبهم]

وقد احتجت الخوارج والمعتزلة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾6[المائدة: 27] قالوا: فصاحب الكبيرة ليس من المتقين، فلا

يتقبل الله منه عملاً، فلا تكون1له حسنة، وأعظم الحسنات الإيمان، فلا يكون معه إيمان فيستحق2الخلود [في النار].3
وقد أجابتهم المرجئة بأن المراد بالمتقين: من يتقي الكفر، فقالوا: اسم المتقين في القرآن يتناول المستحقين للثواب كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾ [القمر: 54، 55]. وأيضًا فابنا آدم حين قربا قرباناً، لم يكن المقرب المردود قربانه حينئذ كافراً، وإنما كفر بعد ذلك، إذ لو كان كافراً لم يتقرب.
وأيضًا فما زال السلف يخافون من هذه الآية، ولو أريد بها من يتقي الكفر لم يخافوا، وأيضاً فإطلاق لفظ المتقين والمراد به من ليس بكافر، لا أصل له في خطاب الشارع، فلا يجوز حمله عليه.
والجواب الصحيح: أن المراد من اتقى الله في ذلك العمل، كما قال الفضيل بن عياض4في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ

عَمَلاً﴾1[الملك: 2] قال: "أخلصه وأصوبه، قيل يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً" والخالص: أن يكون لله والصواب: أن يكون على السنة، فمن عمل لغير الله كأهل الرياء لم يقل منه ذلك، كما في الحديث الصحيح: (يقول الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري، فأنا بريء منه وهو كله للذي أشركه).2
وقال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول".3
وقال: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار".4

وقال في الحديث الصحيح: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"1أي: فهو مردود غير مقبول.
فمن اتقى الكفر وعمل عملاً ليس عليه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل منه، وإذا2صلى بغير وضوء لم يقبل منه لأنه ليس متقياً في ذلك العمل، وإن كان متقياً للشرك وقد3قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)﴾ [المؤمنون: 60]، وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف أن يعذب؟ فقال: "لا يا بنت4الصديق، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف أن لا يقبل منه".5
## [مأخذ أكثر السلف في الاستثناء] وخوف من خاف من السلف أن لا يتقبل منه، لخوفه أن لا يكون أتى بالعمل على الوجه6المأمور، وهذا أظهر الوجوه في استثناء من استثنى منهم في الإيمان، وفي أعمال الإيمان، كقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله، وصليت إن شاء الله7، لخوف أن لا يكون أتى بالواجب على

..................................

..................................

..................................

الوجه المأمور به، لا على جهة الشك فيما بقلبه من التصديق، لا يجوز أن يراد بالآية أن الله لا يقبل1العمل إلا ممن اتقى2الذنوب كلها، لأن الكافر والفاسق حين يريد أن يتوب ليس متقياً، فإن كان قبول العمل مشروطاً يكون الفاعل حين فعله3لا ذنب له، امتنع قبول التوبة، بخلاف ما إذا اشترط التقوى في العمل، فإن التائب حين يتوب يأتي بالتوبة الواجبة، وهو حين شروعه في التوبة منتقل من الشر إلى الخير، لم يخلص من الذنب، بل هو متقٍ في حال الخلصة4منه.
وأيضاً فلو أتى الإنسان بأعمال البر وهو مصر على كبيرة، ثم تاب لوجب أن تسقط سيئاته بالتوبة، وتقبل منه تلك الحسنات، وهو حين أتى بها كان فاسقاً.
وأيضاً فالكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم من قتل وغصب وقذف، وكذلك الذمي إذا أسلم قبل إسلامه مع بقاء مظالم العباد عليه5،

..................................

فلو كان العمل لا يقبل إلا ممن لا كبيرة عليه، لم يصح إسلام الذمي حتى يتوب من الفواحش والمظالم، بل يكون مع إسلامه مخلداً.
وقد كان الناس يسلمون1على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولهم ذنوب معروفة، وعليهم تبعات، فيقبل إسلامهم، ويبرؤون إلى الله من التبعات، كما ثبت في الصحيح: "أن المغيرة بن شعبة لما أسلم, وكان قد رافق قوماً في الجاهلية فغدر بهم، وأخذ أموالهم، وجاء فأسلم، فلما جاء عروة بن مسعود عام الحديبية، والمغيرة قائم على رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسيف, دفعه المغيرة بالسيف، فقال: من هذا؟ فقالوا: ابن أختك المغيرة فقال: يا غدر [ألست]2أسعى في غدرتك! ! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أما الإسلام فأقبله، وأما المال فلست منه في شيء".3
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)﴾ [الأنعام: 52].
وقال لنوح -عليه السلام-: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113)﴾ [الشعراء: 111].

ولا يعرف1أحد من المسلمين جاءه ذمي يسلم فقال له: لا يصح إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب، وكذلك سائر أعمال البر من الصلاة والزكاة والصيام.2
السبب الرابع: الدافع للعقاب دعاء المؤمنين للمؤمن، مثل صلاتهم على [جنازته]3فعن عائشة وأنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له4إلا شفعوا فيه ".5 وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً، لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه"6رواهما مسلم.
وهذا دعاء له بعد الموت، فلا يجوز أن تحمل المغفرة على المؤمن التقي الذي اجتنب الكبائر، وكفِّرت عنه الصغائر وحده، فإن ذلك مغفور له عند المنازعين7، فعلم أن هذا الدعاء من أسباب المغفرة للميت.
السبب الخامس: ما يعمل عنه8من أعمال البر كالصدقة ونحوها، فإن هذا9ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة واتفاق الأئمة، وكذلك العتق والحج.

بل قد ثبت في الصحيحين أنه قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه).1
وثبت مثل ذلك في الصحيح في صوم النذر من وجوه أخرى.2
ولا يجوز أن يعارض هذا بقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)﴾ [النجم: 39] لوجهين: أحدهما: أنه قد ثبت بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة، أن المؤمن ينتفع بما ليس من سعيه، كدعاء الملائكة واستغفارهم له كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)﴾ [غافر: 7 - 9].3 ودعاء النبيين والمؤمنين واستغفارهم كما في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: 103]. وقوله سبحانه: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ [يؤمن بالله واليوم الآخر و]4يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: 99].
وقوله -عز وجل-: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19] وكدعاء المصلين للميت ولمن زار قبره من المؤمنين.

الثاني: أن الآية ليس1في ظاهرها إلا أنه ليس له إلا سعيه، وهذا حق فإنه لا يملك و2يستحق إلا سعي نفسه، وأما سعي غيره فلا يملكه، لا يستحقه لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به، كما أنه دائماً يرحم عباده بأسباب خارجة عن مقدورهم، وهو سبحانه بحكمته ورحمته يرحم العباد بأسباب [تفعلها]3العباد ليثيب أولئك على تلك الأسباب، فيرحم الجميع كما في الحديث الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من رجل يدعو لأخيه بدعوة إلا وكل الله به ملكاً كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل".4
وذلك5كما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح أنه قال: "من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان أصغرهما مثل أحد".6
فهو قد يرحم المصلي على الميت بدعائه [له]7، ويرحم الميت أيضاً بدعاء هذا الحي له.
السبب السادس: شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة، كما قد تواترت عنه أحاديث الشفاعة، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).8

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة، وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى1أترونها للمتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين".2
السبب السابع: المصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا كما في الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه".3
السبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة فإن هذا مما تكفَّر4به الخطايا.
السبب التاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها.
السبب العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد.
فإذا ثبت أن الذم والعقاب قد يدفع عن أهل الذنوب بهذه الأسباب العشرة كان دعواهم أن عقوبات الكبائر لا تندفع إلا بالتوبة مخالف لذلك.5

جارٍ التحميل