خُطْبَةُ الْكِتَابِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن حجر الهيتمي
- الكتاب
- تحفة المحتاج في شرح المنهاج
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتميروجعت وصححت: على عدة نسخ بمعرفة لجنة من العلماء
- الناشر
- المكتبة التجارية الكبرى بمصر لصاحبها مصطفى محمد
- الطبعة
- بدون طبعةعام النشر: 1357 هـ - 1983 م (ثم صورتها دار إحياء التراث العربي - بيروت، بدون طبعة وبدون تاريخ)
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]- بأعلى الصفحة: كتاب «تحفة المحتاج في شرح المنهاج» لابن حجر الهيتمي- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية الإمام عبد الحميد الشرواني- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية الإمام أحمد بن قاسم العبادي (992).
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَخَصَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِأَوْضَحِهِمَا أَحْكَامًا وَحِجَاجًا، وَهَدَاهُمْ إلَى مَا آثَرَهُمْ بِهِ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ تَمْهِيدِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَتَحْرِيرِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ لِتُسْتَنْتَجَ مِنْهَا الْعَوِيصَاتُ اسْتِنْتَاجًا وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي مَيَّزَهُ اللَّهُ عَلَى خَوَاصِّ رُسُلِهِ مُعْجَزَةً وَخَصَائِصَ وَمِعْرَاجًا صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ فَطَمُوا أَعْدَاءَ الدِّينِ الْقَوِيمِ عَنْ أَنْ يُلْحِقُوا بِشَيْءٍ مِنْ مَقَاصِدِهِ أَوْ مُبَادِيهِ شُبْهَةً أَوْ اعْوِجَاجًا صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ بِدَوَامِ جُودِهِ الَّذِي لَا يَزَالُ هَطَّالًا ثَجَّاجًا (وَبَعْدُ) فَإِنَّهُ طَالَمَا يَخْطِرُ لِي أَنْ أَتَبَرَّكَ بِخِدْمَةِ شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ لِلْقُطْبِ الرَّبَّانِيِّ
[حاشية الشرواني]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ (قَوْلُهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ) أَيْ جَمَاعَةٍ فَإِنَّ كُلَّ أُمَّةٍ جَمَاعَةٌ لِنَبِيِّهِمْ، وَالنَّبِيُّ إمَامُهُمْ (قَوْلُهُ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) الْأَوَّلُ الطَّرِيقُ إلَى الْمَاءِ وَالثَّانِي مُطْلَقُ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ شَبَّهَ بِهِ الدِّينَ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ وَمُوصِلٌ إلَيْهَا وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا بَرَاعَةُ الِاسْتِهْلَالِ (قَوْلُهُ وَخَصَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ) أَيْ أُمَّةَ الْإِجَابَةِ (قَوْلُهُ بِأَوْضَحِهَا) الْبَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَقْصُورِ فَهِيَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَإِنَّمَا التَّأْوِيلُ فِي مَادَّةِ الْخُصُوصِ بِحَمْلِهَا عَلَى مَعْنَى التَّمْيِيزِ أَوْ بِتَضْمِينِهِ لَهَا، وَالضَّمِيرُ لِلشَّرَائِعِ (قَوْلُهُ أَحْكَامًا وَحِجَاجًا) تَمْيِيزٌ مِنْ النِّسْبَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ النِّسَبُ التَّامَّةُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ الشَّرَائِعِ مُطْلَقًا أَوْ الْمُتَعَلِّقَةُ بِخُصُوصِ كَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ وَبِالثَّانِي أَدِلَّتُهَا مُطْلَقًا أَوْ خُصُوصُ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ (قَوْلُهُ وَهَدَاهُمْ) أَيْ أَرْشَدَهُمْ وَأَوْصَلَهُمْ (قَوْلُهُ مِنْ تَمْهِيدِ الْأُصُولِ) أَيْ أُصُولِ الدِّينِ وَالْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ وَالتَّفْصِيلِيَّةِ أَوْ الْمُرَادُ خُصُوصُ أُصُولِ الْفِقْهِ أَيْ أَدِلَّتِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وَيُرَجِّحُهُ عَطْفُ الْفُرُوعِ عَلَيْهَا الْمُرَادُ بِهَا الْفِقْهُ (قَوْلُهُ لِتُسْتَنْتَجَ مِنْهَا) أَيْ لِتَخْرُجَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ بِالنَّظَرِ وَالْفِكْرِ (قَوْلُهُ الْعَوِيصَاتُ) جَمْعُ عَوِيصٍ عَلَى وَزْنِ أَمِيرٍ أَيْ الْمَسَائِلُ الصَّعْبَةُ (قَوْلُهُ مُعْجِزَةً إلَخْ) لَعَلَّهُ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ الْبَاءِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ سَمَاعِيًّا لَكِنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْقِيَاسِيِّ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِينَ، وَسَهَّلَهُ رِعَايَةُ الْقَافِيَةِ (قَوْلُهُ فَطَمِعُوا) أَيْ مَنَعُوا وَدَفَعُوا (قَوْلُهُ الْقَوِيمِ) أَيْ الْمُسْتَقِيمِ (قَوْلُهُ مِنْ مَقَاصِدِهِ أَوْ مَبَادِيهِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِمَقَاصِدِ الدِّينِ مَسَائِلُ عِلْمَيْ التَّوْحِيدِ وَالْفِقْهِ وَبِمُبَادِيهِ أَدِلَّتُهُمَا (قَوْلُهُ أَوْ اعْوِجَاجًا) إنَّمَا أَخَّرَهُ عَنْ الشُّبْهَةِ لِلسَّجْعِ، وَإِلَّا فَحَقُّ التَّرَقِّي التَّقْدِيمُ (قَوْلُهُ هَطَّالًا ثَجَّاجًا) كَشَدَّادٍ يُقَالُ هَطَلَ الْمَطَرُ إذَا نَزَلَ مُتَتَابِعًا مُتَفَرِّقًا عَظِيمَ الْقَطْرِ، وَثَجَّ الْمَاءُ إذَا سَالَ كَذَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمُرَادُ بِهِمَا هُنَا الْمُبَالَغَةُ فِي الْكَمِّ وَالْكَيْفِ (قَوْلُهُ طَالَ مَا) مَا هُنَا زَائِدَةٌ كَافَّةٌ عَنْ عَمَلِ الرَّفْعِ فَحَقُّهَا أَنْ يُكْتَبَ مُتَّصِلًا بِالْفِعْلِ كَمَا فِي نُسْخَةِ الطَّبْعِ (قَوْلُهُ الْقُطْبِ) أَيْ الْمُشْبَعِ عِلْمًا وَعَمَلًا (قَوْلُهُ الرَّبَّانِيِّ) أَيْ الْمُتَأَلِّهِ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ أَئِمَّةَ كُلِّ عَصْرٍ لِتَحْرِيرِ الْأَحْكَامِ، وَفَقَّهَ فِي دِينِهِ الْقَوِيمِ مَنْ أَرَادَهُ مِنْ الْأَنَامِ، وَسَلَكَ بِمَنْ شَاءَ الْمِنْهَاجَ الْمُسْتَقِيمَ فَلَا يَحِيدُ عَنْ مَنْهَجِ الصَّوَابِ وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى مَنْ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ
وَالْعَالَمِ الصَّمَدَانِيِّ وَلِيِّ اللَّهِ بِلَا نِزَاعٍ وَمُحَرَّرِ الْمَذْهَبِ بِلَا دِفَاعٍ أَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى النَّوَاوِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ إلَى أَنْ عَزَمْت ثَانِيَ عَشْرَ مُحْرِمٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ عَلَى خِدْمَةِ مِنْهَاجِهِ الْوَاضِحِ ظَاهِرُهُ الْكَثِيرَةِ كُنُوزُهُ وَذَخَائِرُهُ مُلَخِّصًا مُعْتَمِدًا شُرُوحَهُ الْمُتَدَاوَلَةَ وَمُجِيبًا عَمَّا فِيهَا مِنْ الْإِيرَادَاتِ الْمُتَطَاوِلَةِ طَاوِيًا بَسْطَ الْكَلَامِ عَلَى الدَّلِيلِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّعْلِيلِ وَعَلَى عَزْوِ الْمَقَالَاتِ وَالْأَبْحَاثِ لِأَرْبَابِهَا لِتَعَطُّلِ الْهِمَمِ عَنْ التَّحْقِيقَاتِ فَكَيْفَ بِإِطْنَابِهَا وَمُشِيرًا إلَى الْمُقَابِلِ بِرَدِّ قِيَاسِهِ أَوْ عِلَّتِهِ وَإِلَى مَا تَمَيَّزَ بِهِ أَصْلُهُ لِقِلَّتِهِ فَشَرَعْت فِي ذَلِكَ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ وَمُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ وَمَادًّا أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ وَالِافْتِقَارِ إلَيْهِ أَنْ يُسْبِغَ عَلَيَّ وَاسِعَ جُودِهِ وَكَرَمِهِ وَأَنْ لَا يُعَامِلَنِي فِيهِ بِمَا قَصَّرْت فِي خِدَمِهِ لَا سِيَّمَا فِي أَمْنِهِ وَحَرَمِهِ إنَّهُ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ (وَسَمَّيْته تُحْفَةَ الْمُحْتَاجِ بِشَرْحِ الْمِنْهَاجِ)
قَالَ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (بِسْمِ) أَيْ أُؤَلِّفُ أَوْ أَفْتَتِحُ تَأْلِيفِي
[حاشية الشرواني]
وَالْعَارِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى اهـ مُخْتَارٌ وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ أَيْ الْمَنْسُوبِ إلَى الرَّبِّ أَيْ الْمَالِكِ اهـ فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ هُوَ مَنْ أُفِيضَتْ عَلَيْهِ الْمَعَارِفُ الْإِلَهِيَّةُ فَعَرَفَ رَبَّهُ وَرَبَّى النَّاسَ بِعِلْمِهِ اهـ مُبَيَّنٌ بِمُرَادٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرَّبِّ (قَوْلُهُ وَالْعَالِمِ الصَّمَدَانِيِّ) أَيْ الْمَنْسُوبِ إلَى الصَّمَدِ أَيْ الْمَقْصُودِ فِي الْحَوَائِجِ قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالنِّسْبَةِ هُنَا أَنَّهُ يَعْتَمِدُ فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا عَلَى اللَّهِ بِحَيْثُ لَا يَلْتَجِئُ إلَى غَيْرِهِ تَعَالَى فِي أَمْرٍ مَا ع ش.
(قَوْلُهُ النَّوَاوِيِّ) نِسْبَةً إلَى نَوَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الشَّامِ وَالْأَلِفُ مَزِيدَةٌ فِي النِّسْبَةِ (قَوْلُهُ ثَانِيَ عَشْرَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ إلَخْ) وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ فَرَغَ مِنْ تَسْوِيدِ هَذَا الشَّرْحِ عَشِيَّةَ خَمِيسِ لَيْلَةِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ اهـ وَقَالَ الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ إنَّهُ شَرَعَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ عَامَ تِسْعِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ اهـ وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ فَرَغَ مِنْهُ سَابِعَ عَشْرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ عَامَ ثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ وَتِسْعِمِائَةٍ اهـ، وَقَالَ الْجَمَالُ الرَّمْلِيُّ إنَّهُ شَرَعَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِي شَهْرِ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَتِسْعِمِائَةٍ اهـ وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ فَرَغَ مِنْهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ تَاسِعَ عَشْرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ اهـ وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ تَأْلِيفَ النِّهَايَةِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ تَأْلِيفِ التُّحْفَةِ وَالْمُغْنِي كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ع ش وَأَنَّ تَأْلِيفَ الْمُغْنِي مُتَأَخِّرٌ عَنْ تَأْلِيفِ التُّحْفَةِ (قَوْلُهُ مُلَخِّصًا) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ عَزَمْت أَيْ مَرِيدٌ لِلتَّلْخِيصِ وَالتَّنْقِيَةِ (قَوْلُهُ وَمَا فِيهِ) أَيْ فِي الدَّلِيلِ (قَوْلُهُ وَالتَّعْلِيلِ) أَيْ الِاعْتِرَاضِ عُطِفَ عَلَى الْخِلَافِ (قَوْلُهُ وَعَلَى عَزْوِ الْمَقَالَاتِ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ عَلَى الدَّلِيلِ (قَوْلُهُ وَالْأَبْحَاثِ) يَظْهَرُ أَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ لِتَعَطُّلِ الْهِمَمِ) أَيْ ضَعْفِهَا عِلَّةً لِلطَّيِّ (قَوْلُهُ عَنْ التَّحْقِيقَاتِ) أَيْ عَنْ تَحْصِيلِ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ.
(قَوْلُهُ بَاطِنًا بِهَا) أَيْ الْأَدِلَّةِ (قَوْلُهُ أَوْ مُشِيرًا) عُطِفَ عَلَى طَاوِيًا أَوْ مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ إلَى الْمُقَابِلِ) أَيْ مُقَابِلِ الْمُعْتَمَدِ (قَوْلُهُ أَوْ عِلَّتِهِ) أَيْ الْقِيَاسِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ دَلِيلُ الْمُقَابِلِ مُطْلَقًا وَهُوَ أَفْيَدُ لَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي عَلَيْهِ الْعَطْفُ بِالْوَاوِ، وَلِأَنَّ عَطْفَ الْعَامِّ مَخْصُوصٌ بِهِ كَمَا قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ (قَوْلُهُ أَصْلُهُ) أَيْ الْقِيَاسِ وَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى فِي (قَوْلِهِ لِقِلَّتِهِ) أَيْ مَا تَمَيَّزَ بِهِ الْأَصْلُ (قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي خِدْمَةِ الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، (قَوْلُهُ وَالِافْتِقَارِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ إلَيْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ مَاذَا (قَوْلُهُ فِيهِ) أَيْ فِي تَأْلِيفِ ذَلِكَ الشَّرْحِ (قَوْلُهُ بِمَا قَصَّرْت فِي خِدَمِهِ) جَمْعُ خِدْمَةٍ كَكِسْرَةِ وَكِسَرٍ وَالضَّمِيرُ لِلْمِنْهَاجِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى أَيْ بِمُكَافَأَةِ التَّقْصِيرِ الصَّادِرِ مِنِّي فِي خِدَمِ الْمِنْهَاجِ (قَوْلُهُ أَنَّهُ الْجَوَادُ إلَخْ) عِلَّةٌ لِلِاسْتِعَانَةِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ وَسَمَّيْته) أَيْ الشَّرْحَ الْمُسْتَحْضَرَ فِي الذِّهْنِ، إذْ ظَاهِرُ صَنِيعِهِ أَنَّ الْخُطْبَةَ سَابِقَةٌ عَلَى التَّأْلِيفِ (قَوْلُهُ بِشَرْحِ الْمِنْهَاجِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمُحْتَاجِ فِي الْأَصْلِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْعَلَمِيَّةِ فَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ جَزْءٌ مِنْ الْعِلْمِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ
(قَوْلُهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) إلَى آخِرِ الْكِتَابِ مَقُولُ قَالَ (قَوْلُهُ أَيْ أُؤَلِّفُ إلَخْ) بَيَانٌ لِمُتَعَلِّقِ الْبَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا أَصْلِيَّةٌ وَقِيلَ زَائِدَةٌ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ فَمَدْخُولُهَا مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَوْ بِالْعَكْسِ وَعَلَى الْأَوَّلِ الْأَصَحُّ فَالْمُتَعَلِّقُ إمَّا فِعْلٌ أَوْ اسْمٌ وَعَلَى كُلٍّ إمَّا خَاصٌّ أَوْ عَامٌّ وَعَلَى كُلٍّ إمَّا مُقَدَّمٌ أَوْ مُؤَخَّرٌ، وَأَوْلَى هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الثَّمَانِيَةِ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْعَمَلِ وَلِقِلَّةِ الْحَذْفِ عَلَيْهِ وَلِكَثْرَةِ التَّصْرِيحِ بِالْمُتَعَلِّقِ فِعْلًا وَأَنْ يَكُونَ خَاصًّا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ فِي شَيْءٍ إنَّمَا يُضْمِرُ فِي نَفْسِهِ لَفْظَ مَا جَعَلَ التَّسْمِيَةَ مَبْدَأً لَهُ، فَالْمُبَسْمِلُ الْمُسَافِرُ يُلَاحِظُ أُسَافِرُ وَالْآكِلُ يُلَاحِظُ آكُلُ وَهَكَذَا، وَأَنْ يَكُونَ مُؤَخَّرًا لِيُوَافِقَ الْوُجُودَ الذِّكْرِيَّ لِلْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ وَلِيُفِيدَ الْقَصْرَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] . وَإِنَّمَا قُدِّمَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] ؛ لِأَنَّهُ مَقَامُ ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ وَتَعْلِيمِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا نَزَلَ فَكَانَ الْأَمْرُ بِالْقِرَاءَةِ أَهَمَّ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْعَارِضِ وَكَثِيرًا مَا تُرَجَّحُ فِي الْبَلَاغَةِ الْأَهَمِّيَّةُ الْعَرَضِيَّةُ عَلَى الْأَهَمِّيَّةِ الذَّاتِيَّةِ إذَا اقْتَضَى الْحَالُ ذَلِكَ كَمَا هُنَا، وَلَمْ يَقْتَصِرْ الشَّارِحُ عَلَى أُؤَلِّفُ مَعَ أَنَّهُ أَوْلَى لِمَا مَرَّ، وَلِتَعُمَّ الْبَرَكَةُ جَمِيعَ التَّأْلِيفِ بِخِلَافِ مَادَّةِ الِافْتِتَاح مَثَلًا فَإِنْ الْبَرَكَةَ خَاصَّةٌ بِالِابْتِدَاءِ لِلْإِشَارَةِ إلَى جَوَازِ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
وَعَلَى آلِهِ الْأَنْجَابِ وَأَصْحَابِهِ النُّجُومِ وَتَابِعِيهِمْ إلَى يَوْمِ الْمَآبِ (وَبَعْدُ) فَيَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنْصُورٌ سِبْطُ الشَّيْخِ الطَّبَلَاوِيِّ الشَّافِعِيِّ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِحُسْنِ الْعَمَلِ وَغَفَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْ الزَّلَلِ هَذِهِ حَوَاشٍ رَقِيقَةٌ وَنِكَاتٌ دَقِيقَةٌ وَتَحْرِيرَاتٌ شَرِيفَةٌ وَتَنْبِيهَاتٌ مُهِمَّةٌ وَفُرُوعٌ مُسَلَّمَةٌ لَمْ يَسْبِقْ لِغَالِبِهَا رَسْمٌ فِي الدَّفَاتِرِ، وَلَمْ تَسْمَحْ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ الْخَوَاطِرُ جَمَعْتهَا مِنْ خَطِّ مُحَرِّرِهَا وَرَسْمِ مُحَبِّرِهَا مَوْلَانَا وَشَيْخِنَا خَاتِمَةِ مَنْ حَقَّقَ وَجَهْبَذِ مَنْ دَقَّقَ
وَالْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ، وَيَصِحُّ كَوْنُهَا لِلِاسْتِعَانَةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ الْمَبْدُوءَ بِاسْمِهِ تَعَالَى لَا يَتِمُّ شَرْعًا بِدُونِهِ، وَأَصْلُ اسْمٍ سِمْوٌ مِنْ السُّمُوِّ، وَهُوَ الِارْتِفَاعُ حُذِفَ عَجُزُهُ وَعُوِّضَ عَنْهُ هَمْزَةُ الْوَصْلِ فَوَزْنُهُ افْعٌ وَقِيلَ افْلٌ مِنْ السِّيمَا وَقِيلَ اعْلٌ مِنْ الْوَسْمِ وَطُوِّلَتْ الْبَاءُ لِتَكُونَ
[حاشية الشرواني]
تَقْدِيرِهِ عَامًّا، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيرَهُ خَاصًّا (قَوْلُهُ وَالْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ) أَيْ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ (قَوْلُهُ وَيَصِحُّ) أَيْ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الرُّجْحَانِ (قَوْلُهُ كَوْنُهَا لِلِاسْتِعَانَةِ) رَجَّحَهُ الْبَيْضَاوِيُّ، وَرَجَّحَ الزَّمَخْشَرِيّ الْمُصَاحَبَةَ وَإِلَيْهِ مَيْلُ كَلَامِ الشَّارِحِ وَأَطَالَ الْمُحَشُّونَ لَهُمَا فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا بِوُجُوهٍ طَوِيلَةٍ فَرَاجِعْ حَاشِيَةَ الشِّهَابِ الْخَفَاجِيِّ عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ (قَوْلُهُ نَظَرًا إلَى أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ إلَخْ)
قَالَ شَيْخُ زَادَهُ فِي حَوَاشِي الْبَيْضَاوِيِّ لَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْآلِيَّةَ تَقْتَضِي التَّبَعِيَّةَ وَالِابْتِذَالَ فَهِيَ تُنَافِي التَّعْظِيمَ وَالْإِجْلَالَ دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْفِعْلَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا مَا لَمْ يَصْدُرْ بِاسْمِهِ تَعَالَى فَإِنَّ لِلْآلَةِ جِهَتَيْنِ جِهَةَ التَّبَعِيَّةِ وَتَوَقُّفَ نَفْسِ الْفِعْلِ أَوْ كَمَالِهِ عَلَيْهَا، وَقَدْ لُوحِظَ هُنَا الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ دُونَ الْأُولَى اهـ، وَرَدَّهُ الصَّبَّانُ فِي رِسَالَتِهِ الْكُبْرَى عَلَى الْبَسْمَلَةِ بِأَنَّ هَذَا لَا يَدْفَعُ الِاعْتِرَاضَ لِبَقَاءِ إيهَامِ أَنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ لَا يَتِمُّ شَرْعًا) لَعَلَّ الْمُرَادَ بَرَكَةً أَوْ كَمَالًا، وَإِلَّا أَشْكَلَ سم وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ شَرْعًا كَالنَّصِّ فِي ذَلِكَ الْمُرَادِ فَلَا مَوْقِعَ لِقَوْلِهِ لَعَلَّ، وَقَوْلُهُ وَإِلَّا أَشْكَلَ عِبَارَةُ الصَّبَّانِ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَيْ الِاسْتِعَانَةِ بِأَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى تَوَقُّفِ وُجُودِ الْأَمْرِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يُصَدَّرْ بِهِ لَا يُوجَدُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ الْآلَةِ فَيَكُونُ فِيهِ تَنْزِيلُ تَوَقُّفِ الْكَمَالِ مَنْزِلَةَ تَوَقُّفِ الْوُجُودِ وَتَنْزِيلُ الْمَوْجُودِ الَّذِي لَمْ يَكْمُلْ شَرْعًا مَنْزِلَةَ الْمَعْدُومِ، وَذَلِكَ يُعَدُّ مِنْ الْمُحَسِّنَاتِ اهـ.
(قَوْلُهُ بِدُونِهِ) أَيْ الْبَدْءِ بِاسْمِهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ وَأَصْلُ اسْمٍ سِمْوٌ) أَيْ بِكَسْرٍ أَوْ ضَمٍّ فَسُكُونٍ هَذَا مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ، وَيَشْهَدُ لَهُ جَمْعُهُ عَلَى أَسْمَاءٍ وَجَمْعُ جَمْعِهِ عَلَى أَسَامٍ وَتَصْغِيرُهُ عَلَى سُمَيٌّ وَقَوْلُهُمْ فِي فِعْلِهِ سَمَّيْت وَأَسْمَيْت وَتَسَمَّيْت صَبَّانٌ وَفِي النِّهَايَةِ مَا يُوَافِقُهُ قَالَ الرَّشِيدِيُّ قَوْلُهُ م ر عَلَى أَسْمَاءٍ أَيْ فَإِنَّ أَصْلَهُ أَسْمَاءٌ وَوَقَعَتْ الْوَاوُ مُتَطَرِّفَةً إثْرَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ فَقُلِبَتْ هَمْزَةً قَوْلُهُ عَلَى سُمَيٌّ أَيْ فَإِنَّ أَصْلَهُ سُمَيْوٌ اجْتَمَعَتْ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَسُبِقَتْ إحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً وَالتَّكْسِيرُ وَالتَّصْغِيرُ يَرُدَّانِ الْأَشْيَاءَ إلَى أُصُولِهَا، وَقَوْلُهُ سَمَّيْت إلَخْ لِبَيَانِ حَذْفِ مُطْلَقِ الْعَجُزِ، وَإِلَّا فَهَذَا التَّصْرِيفُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَأْتِي اهـ.
(قَوْلُهُ مِنْ السُّمُوِّ إلَخْ) كَالْعُلُوِّ وَزْنًا وَمَعْنًى أَيْ؛ لِأَنَّهُ يُعْلِي مُسَمَّاهُ وَيُظْهِرُهُ صَبَّانٌ (قَوْلُهُ حُذِفَ عَجُزُهُ) عِبَارَةُ الصَّبَّانِ فَخُفِّفَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ بِحَذْفِ عَجُزِهِ وَحَرَكَةِ صَدْرِهِ فَوَقَعَ التَّخْفِيفُ فِي طَرَفَيْهِ، وَأُتِيَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ تَعْوِيضًا عَنْ اللَّامِ، وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ حَذْفَ الْوَاوِ اعْتِبَاطِيٌّ لَا لِعِلَّةٍ تَصْرِيفِيَّةٍ اهـ.
(قَوْلُهُ وَقِيلَ افْلٌ إلَخْ) مُسْتَأْنَفٌ أَوْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَأَصْلُ اسْمٍ سِمْوٌ إلَخْ وَلَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى مَدْخُولِ الْفَاءِ وَإِنْ أَوْهَمَهُ صَنِيعُهُ؛ لِأَنَّ حَذْفَ الْعَجُزِ لَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَزْنَ افْلٌ أَوْ اعْلٌ سم.
(قَوْلُهُ وَقِيلَ اعْلٌ إلَخْ) عِبَارَةُ الصَّبَّانِ وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ مِنْ وُسِمَ بِمَعْنَى عُلِّمَ بِعَلَامَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى مُسَمَّاهُ، وَأَصْلُهُ الْإِعْلَالِيُّ وَسْمٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ السِّينِ فَخُفِّفَ بِحَذْفِ صَدْرِهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَأَتَى بِهَمْزَةٍ لِمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا مِنْ وُسِمَ؛ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِتَقْرِيرِ مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ لِجَعْلِهِمْ الْفِعْلَ الْمَاضِيَ أَصْلًا يُشْتَقُّ مِنْهُ غَيْرُهُ وَلِسَلَامَتِهِ مِنْ لُزُومِ اشْتِقَاقِ الشَّيْءِ مِنْ نَفْسِهِ بِحَسَبِ الْأَصْلِ الْوَارِدِ عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ الْوَسْمِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَطُوِّلَتْ الْبَاءُ إلَخْ) عِبَارَةُ الصَّبَّانِ وَطُوِّلَ رَأْسُهَا بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِ أَلِفٍ قِيلَ تَعْظِيمًا لِلْحَرْفِ الَّذِي اُبْتُدِئَ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ طَرَدَ التَّطْوِيلَ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
إمَامِ التَّحْقِيقِ وَالتَّحْرِيرِ الْمُجْمَعِ عَلَى أَنَّهُ عَالِمُ الْعَصْرِ الْأَخِيرِ فَخْرُ الْأَئِمَّةِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ الْعَبَّادِيُّ الْأَزْهَرِيُّ أَحَلَّهُ اللَّهُ دَارَ الْإِكْرَامِ وَجَعَلَنَا مَعَهُ مِنْ الْفَائِزِينَ فِي مَوْطِنِ السَّعَادَةِ وَالسَّلَامِ عَلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِخَاتِمَةِ أَهْلِ التَّصْنِيفِ وَخَطِيبِ ذَوِي التَّأْلِيفِ إمَامِ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ وَلِسَانِ الْفُقَهَاءِ الْمُدَقِّقِينَ مَوْلَانَا شَيْخِ مَشَايِخِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ عَالِمِ الْحَرَمِ الْأَمِينِ شِهَابِ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ ابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ ثُمَّ الْمَكِّيِّ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيجَهُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ حَيْثُ رُمِزَ بِقَوْلِهِ م ر فَمُرَادُهُ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَأَحَدُ الْأَعْلَامِ مُحَمَّدٌ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ شَيْخِهِ خَاتِمَةِ الْفُقَهَاءِ الْعِظَامِ شَيْخِ مَشَايِخِ الْأَعْلَامِ أَحْمَدَ الرَّمْلِيِّ الْأَنْصَارِيِّ سَقَى اللَّهُ ثَرَاهُ وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مَأْوَاهُ
قَالَ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ (قَوْلُهُ وَيَصِحُّ كَوْنُهَا لِلِاسْتِعَانَةِ) فِي جَوَازِ هَذَا الْإِطْلَاقِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى نَظَرٌ (قَوْلُهُ لَا يَتِمُّ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بَرَكَةً أَوْ كَمَالًا وَإِلَّا أُشْكِلَ (قَوْلُهُ وَقِيلَ افْلٌ) قَدْ يَدُلُّ ظَاهِرُ الصَّنِيعِ أَنَّهُ فِي حَيِّزِ التَّفْرِيعِ عَلَى قَوْلِهِ حُذِفَ عَجُزُهُ إلَخْ مَعَ مَا قَبْلَهُ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ إذْ حَذْفُ الْعَجُزِ لَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَزْنَ افْلٌ أَوْ اعْلٌ فَلْيُجْعَلْ مُسْتَأْنَفًا أَوْ يَعْطِفُهُ عَلَى وَأَصْلُ اسْمٍ سِمْوٌ إلَخْ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَطُوِّلَتْ) أَيْ خَطًّا، وَقَوْلُهُ عِوَضًا عَنْ حَذْفِهَا قَدْ يُقَالُ لَا عِلَّةَ لِحَذْفِهَا إلَّا التَّخْفِيفُ وَالتَّعْوِيضُ يُنَافِيهِ إذْ لَا تَخْفِيفَ مَعَهُ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا
عِوَضًا عَنْ حَذْفِهَا، وَهُوَ إنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ غَيْرُ الْمُسَمَّى إجْمَاعًا أَوْ الذَّاتُ عَيْنُهُ كَمَا لَوْ أُطْلِقَ لِأَنَّ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ وَرَدَ عَلَى اسْمٍ فَهُوَ عَلَى مَدْلُولِهِ أَوْ الصِّفَةِ كَانَ تَارَةً غَيْرًا كَالْخَالِقِ وَتَارَةً عَيْنًا
[حاشية الشرواني]
فِي بَسْمَلَةِ غَيْرِهِ وَقِيلَ تَعْوِيضًا عَنْ أَلِفِ اسْمٍ الْمَحْذُوفَةِ مِنْهُ بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِهَا، وَلِانْتِفَاءِ النُّكْتَتَيْنِ فِي نَحْوِ بِاسْمِ رَبِّك لَمْ يُطَوِّلْ رَأْسَ بَائِهِ وَبِقَوْلِنَا بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِهَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ التَّعْوِيضُ عَنْ الْأَلِفِ يُنَافِي التَّخْفِيفَ بِحَذْفِهَا.
ثُمَّ قَالَ وَحُذِفَتْ أَلِفُهُ خَطًّا مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ أَنْ تُكْتَبَ عَلَى صُورَةِ لَفْظِهَا بِتَقْدِيرِ الِابْتِدَاءِ بِهَا وَالْوُقُوفِ عَلَيْهَا لِمَجْمُوعِ أَمْرَيْنِ كَثْرَةِ الْكِتَابَةِ وَشِدَّةِ اتِّصَالِ الْبَاءِ بِاسْمٍ اهـ.
(قَوْلُهُ عِوَضًا عَنْ حَذْفِهَا) إنْ أُرِيدَ أَنَّ تَطْوِيلَ الْبَاءِ خَطًّا عِوَضٌ عَنْ خَطِّ الْهَمْزَةِ فَظَاهِرٌ أَوْ عَنْ لَفْظِهَا فَمُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ تَطْوِيلَ الْبَاءِ غَيْرُ لَفْظِيٍّ فَجَعْلُهُ عِوَضًا عَنْ اللَّفْظِيِّ بَعِيدٌ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَوْلُهُ عَنْ حَذْفِهَا مُشْكِلٌ إذْ الْحَذْفُ غَيْرُ مُعَوَّضٍ عَنْهُ كَيْفَ وَهُوَ مَوْجُودٌ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَحْمِلَ عَنْ عَلَى التَّعْلِيلِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَعَسُّفٌ فَلْيُتَأَمَّلْ سم وَلَك أَنْ تَجْعَلَهُ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى مَوْصُوفِهَا (قَوْلُهُ وَهُوَ إنْ أُرِيدَ إلَخْ) أَيْ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الِاسْمِ كَزَيْدٍ إنْ أُرِيدَ بِهِ لَفْظُهُ كَقَوْلِنَا زَيْدٌ ثُلَاثِيٌّ فَهُوَ غَيْرُ الْمُسَمَّى أَوْ الذَّاتِ كَقَوْلِنَا زَيْدٌ طَوِيلٌ أَوْ أَسْوَدُ فَهُوَ عَيْنُ الْمُسَمَّى، وَكَذَا لَوْ أُطْلِقَ بِأَنْ لَمْ يُرَدْ بِهِ لَفْظٌ وَلَا ذَاتٌ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ حَمْلِهِ حِينَئِذٍ عَلَى الذَّاتِ مَا إذَا صَلُحَتْ لِلِاتِّصَافِ بِالْمَحْمُولِ كَقَوْلِنَا زَيْدٌ مَوْجُودٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالِاسْمِ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَهُوَ إلَخْ لَفْظَ الِاسْمِ أَيْ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْهَمْزَةِ وَالسِّينِ وَالْمِيمِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَحِينَئِذٍ فَلَا وُرُودَ لِمَا أَوْرَدَهُ عَلَيْهِ الْفَاضِلُ الْمُحَشِّي سم هُنَا سَيِّدُ عُمَرَ الْبَصْرِيِّ وَع ش.
(قَوْلُهُ غَيْرُ الْمُسَمَّى) الْأَوْلَى هُنَا وَفِي نَظَائِرِهِ الْآتِيَةِ الِاقْتِرَانُ بِالْفَاءِ كَمَا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ إجْمَاعًا) أَيْ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ يَتَأَلَّفُ مِنْ أَصْوَاتٍ مُقَطَّعَةٍ غَيْرِ قَادِرَةٍ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ وَالْأَعْصَارِ، وَيَتَعَدَّدُ تَارَةً وَيَتَّحِدُ أُخْرَى وَالْمُسَمَّى لَا يَكُونُ كَذَلِكَ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي (قَوْلُهُ أَوْ الذَّاتُ إلَخْ) لَكِنَّهُ لَمْ يُشْتَهَرْ بِهَذَا الْمَعْنَى نِهَايَةٌ وَمُغْنِي أَيْ فِيمَا إذَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ مَعَ عَامِلٍ كَأَنْ يُقَالَ لَفْظُ كَذَا مُرَادًا بِهِ الذَّاتُ الْمَخْصُوصَةُ فَلَا يُنَافِي هَذَا مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ مِنْ كَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ بِمَعْنَى الذَّاتِ فَإِنَّهُ فِيمَا إذَا كَانَ مُرَكَّبًا مَعَ الْعَامِلِ كَقَوْلِك اللَّهُ الْهَادِي وَمُحَمَّدٌ الشَّفِيعُ وَقَدْ يُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ كَمَا لَوْ أُطْلِقَ ع ش (قَوْلُهُ فَهُوَ عَلَى مَدْلُولِهِ) أَيْ إلَّا لِصَارِفٍ كَزَيْدٍ اسْمٌ (قَوْلُهُ أَوْ الصُّفَّةِ إلَخْ) عِبَارَةُ النِّهَايَة وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الصُّفَّةُ كَمَا هُوَ رَأْيُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ انْقَسَمَ انْقِسَامُ الصِّفَةِ عِنْدَهُ إلَى مَا هُوَ نَفَسُ الْمُسَمَّى كَالْوَاحِدِ وَالْقَدِيمِ وَإِلَى مَا هُوَ غَيْرُهُ كَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ وَإِلَى مَا هُوَ لَيْسَ هُوَ وَلَا غَيْرَهُ كَالْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَالْقَادِرِ وَالْمُرِيدِ وَالْمُتَكَلِّمِ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ اهـ.
وَكَذَا فِي الْمُغْنِي إلَّا أَنَّهُ تَسَمُّحٌ، وَعَبَّرَ فِي الْقِسْمِ الْأَخِيرِ بِالْمَصَادِرِ، وَعِبَارَةُ الصَّبَّانِ، ثُمَّ الِاسْمُ إنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمُسَمَّى كَلَفْظِ زَيْدٍ الدَّالِ عَلَى ذَاتٍ مُشَخَّصَةٍ فَغَيْرُ الْمُسَمَّى قَطْعًا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَدْلُولُ مَجَازٌ الْعِلَاقَةُ الْمَحَلِّيَّةُ أَوْ السَّبَبِيَّةُ بِاعْتِبَارِ فَهْمِ الْمَدْلُولِ مِنْ الدَّالِّ، فَعَيْنُهُ إنْ كَانَ جَامِدًا كَاَللَّهِ وَغَيْرَهُ إنْ كَانَ مُشْتَقًّا مِنْ صِفَةِ فِعْلٍ كَالْخَالِقِ وَلَا عَيْنِهِ وَلَا غَيْرِهِ إنْ كَانَ مُشْتَقًّا مِنْ صِفَةِ ذَاتٍ كَالْعَالِمِ قَالَ السَّعْدُ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ الْأَصْحَابُ اعْتَبَرُوا الْمَدْلُولَ الْمُطَابِقِيَّ فَأَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِأَنَّ مَدْلُولَ الْخَالِقِ شَيْءٌ مَا لَهُ الْخَلْقُ لَا نَفْسُ الْخَلْقِ وَمَدْلُولَ الْعَالِمِ شَيْءٌ مَا لَهُ الْعِلْمُ لَا نَفْسُ الْعِلْمِ وَالْأَشْعَرِيُّ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
تُطَوَّلُ دُونَ الْأَوَّلِ فَلَا يُنَافِي التَّخْفِيفَ بَقِيَ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّ تَطْوِيلَ الْبَاءِ عِوَضٌ عَنْ خَطِّ الْهَمْزَةِ فَظَاهِرٌ أَوْ عَنْ لَفْظِهَا فَمُشْكِلٌ لِأَنَّ تَطْوِيلَ الْبَاءِ غَيْرُ لَفْظِيٍّ فَجَعْلُهُ عِوَضًا عَنْ اللَّفْظِيِّ بَعِيدٌ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَوْلُهُ عَنْ حَذْفِهَا مُشْكِلٌ، إذْ الْحَذْفُ غَيْرُ مُعَوَّضٍ عَنْهُ وَكَيْفَ وَهُوَ مَوْجُودٌ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تُحْمَلَ عَنْ عَلَى التَّعْلِيلِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَعَسُّفٌ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَهُوَ إنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ) ظَاهِرُهُ جَوَازُ إرَادَةِ كُلٍّ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَقَدْ يُقَالُ عَلَى تَقْدِيرِ إرَادَةِ الذَّاتِ يُوهِمُ الْقَسَمَ مَعَ أَنَّهُ حَذَّرَ عَنْ إيهَامِهِ، وَأَيْضًا لَا يَأْتِي قَوْلُهُ وَلِيَعُمَّ إلَخْ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لِأَنَّ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ لَا دَلَالَةَ فِي هَذَا الدَّلِيلِ عَلَى الْمَطْلُوبِ لِأَنَّ مَدْلُولَ لَفْظِ الِاسْمِ الْأَسْمَاءُ كَلَفْظِ اللَّهِ وَلَفْظِ الرَّحْمَنِ لَا نَفْسُ الذَّاتِ فَتَأَمَّلْهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّ الذَّاتَ مَدْلُولٌ بِالْوَاسِطَةِ فَإِنَّهَا مَدْلُولُ الْمَدْلُولِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَوْ الصِّفَةِ) قَالَ ع س وَأَنَا أَقُولُ الْمُرَادُ بِالصِّفَةِ عِنْدَ الشَّيْخِ الْأَمْرُ الْمَحْمُولُ عَلَى الذَّاتِ بِحَمْلِ الِاشْتِقَاقِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ السَّيِّدِ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ حَيْثُ قَالَ ذَهَبَ الشَّيْخُ وَعَامَّةُ الْأَصْحَابِ إلَى أَنَّ مِنْ الصِّفَاتِ مَا هُوَ عَيْنُ الْمَوْصُوفِ كَالْوُجُودِ إلَى قَوْلِهِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ قَالَ انْقِسَامُ الصِّفَةِ إلَى الْعَيْنِ وَإِلَى مَا هُوَ غَيْرٌ وَإِلَى مَا هُوَ لَا عَيْنٌ وَلَا غَيْرٌ فَاسِدٌ إذْ الصِّفَةُ هُوَ الْأَمْرُ الْخَارِجُ أَوْ الزَّائِدُ عَلَى الذَّاتِ فَلَا يَحْتَمِلُ الْعَيْنِيَّةَ وَلَا حَاجَةَ إلَى مَا اُرْتُكِبَ مِنْ التَّمَحُّلَاتِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ وَتَارَةً عَيْنًا عِبَارَةُ الْبَيْضَاوِيِّ إلَى
كَاَللَّهِ وَتَارَةً لَا وَلَا كَالْعَالِمِ، وَلَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ حَذَرًا مِنْ إيهَامِ الْقَسَمِ وَلِيَعُمَّ جَمِيعَ أَسْمَائِهِ تَعَالَى
(اللَّهِ) هُوَ عَلَى عَلَمِ الذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْمُسْتَحِقِّ لِجَمِيعِ الْكَمَالَاتِ لِذَاتِهِ
[حاشية الشرواني]
أَخَذَ الْمَدْلُولَ الْأَعَمَّ وَاعْتَبَرَ فِي أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْمَعَانِيَ الْمَقْصُودَةَ فَزَعَمَ أَنَّ مَدْلُولَ الْخَالِقِ الْخَلْقُ، وَهُوَ غَيْرُ الذَّاتِ وَمَدْلُولَ الْعَالِمِ الْعِلْمُ وَهُوَ لَا عَيْنٌ وَلَا غَيْرٌ اهـ.
فَتَحَصَّلَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الِاسْمَ بِمَعْنَى اللَّفْظِ الدَّالِّ غَيْرُ الْمُسَمَّى قَطْعًا وَبِمَعْنَى الْمَدْلُولِ الْمُطَابِقِيِّ عَيْنُهُ قَطْعًا وَبِمَعْنَى مُطْلَقِ الْمَدْلُولِ تَارَةً يَكُونُ غَيْرَهُ وَتَارَةً يَكُونُ عَيْنَهُ وَتَارَةً يَكُونُ لَا غَيْرَهُ وَلَا عَيْنَهُ، فَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ لَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ فِي أَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى أَوْ عَيْنُهُ وَالْغَيْرُ الْمَنْفِيُّ فِي قَوْلِهِمْ صِفَةُ الذَّاتِ لَيْسَتْ غَيْرًا الْغَيْرُ الْمُنْفَكُّ لَا مُطْلَقُ الْغَيْرِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الصِّفَةَ غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، وَإِنْ لَزِمَتْهُ أَمَّا التَّسْمِيَةُ فَتُطْلَقُ عَلَى وَضْعِ الِاسْمِ لِلْمُسَمَّى وَعَلَى ذِكْرِ الْمُسَمَّى بِاسْمِهِ فَهِيَ غَيْرُ الْمُسَمَّى وَغَيْرُ الِاسْمِ اهـ.
(قَوْلُهُ كَاَللَّهِ) مَثَّلَ بِهِ فِي الْمَوَاقِفِ لِلِاسْمِ الَّذِي مَدْلُولُهُ عَيْنُ الذَّاتِ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الِاسْمِ بِمَعْنَى الصِّفَةِ فَالتَّمْثِيلُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلصِّفَةِ فَكَيْفَ يُمَثَّلُ لَهَا بِقَوْلِ اللَّهِ سم أَيْ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُمَثَّلَ بِالْوَاحِدِ وَنَحْوِهِ كَمَا مَرَّ عَنْ النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي، وَأَجَابَ عَنْهُ الْكُرْدِيُّ بِمَا نَصُّهُ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ قَدْ يُرَادُ بِاَللَّهِ الْوُجُودُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَيْنَ الذَّاتِ فَالدَّالُّ عَلَى الذَّاتِ دَالٌّ عَلَيْهِ لَكِنْ لَمَّا كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ بِالِاعْتِبَارِ فَالدَّالُّ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الذَّاتِ عَلَمٌ وَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الْوُجُودِ صِفَةٌ، وَهَكَذَا كُلُّ عَلَمٍ مَعَ الذَّاتِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ عَيْنُهُ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ فَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ الثَّانِي صِفَةٌ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا اهـ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ حَذَّرَ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ لَا يَحْتَمِلُ الْقَسَمَ وَفِيهِ كَلَامٌ فِي الْأَيْمَانِ سم وَحَاصِلُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشِّهَابُ الْحِجَازِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ يَمِينٌ ع ش عِبَارَةُ الصَّبَّانِ وَإِنَّمَا قِيلَ بِسْمِ اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ مَعَ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْأَمْرِ بِاسْمِ اللَّهِ حَاصِلٌ بِقَوْلِ بِاَللَّهِ مُبَالَغَةً فِي التَّعْظِيمِ وَالْأَدَبِ فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ سَلَامٌ عَلَى الْمَجْلِسِ الْعَالِي، وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ إيهَامِ الْقَسَمِ مِنْ بِاَللَّهِ وَلِإِشْعَارِهِ أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ وَالتَّبَرُّكَ يَكُونَانِ بِاسْمِهِ كَمَا بِذَاتِهِ وَلِإِفَادَةِ الْعُمُومِ إنْ قُلْنَا الْإِضَافَةُ اسْتِغْرَاقِيَّةٌ أَوْ جِنْسِيَّةٌ وَإِعْمَالُ نَفْسِ السَّامِعِ فِي تَعْيِينِ الْمَعْهُودِ إنْ قُلْنَا عَهْدِيَّةٌ وَالْإِجْمَالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ إنْ قُلْنَا لِلْبَيَانِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِنَا وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ إيهَامِ الْقَسَمِ مِنْ اللَّهِ أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ يَصْلُحُ قَسَمًا، وَإِنَّ الْقَائِلَ بِسْمِ اللَّهِ حَالِفًا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ اللَّفْظَ كَلَفْظِ اللَّهِ إنْ قُصِدَ اللَّفْظُ الثَّابِتُ فِي الْقُرْآنِ لِمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ مِنْ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ بِالْمُصْحَفِ أَوْ بِالْمَكْتُوبِ فِيهِ أَوْ بِالْقُرْآنِ فَيَمِينٌ اهـ.
(قَوْلُهُ وَلِيَعُمَّ جَمِيعَ أَسْمَائِهِ تَعَالَى) أَيْ عُمُومًا شُمُولِيًّا إذَا كَانَتْ الْإِضَافَةُ اسْتِغْرَاقِيَّةً وَبَدَلِيًّا إذَا كَانَتْ جِنْسِيَّةً صَبَّانٌ
(قَوْلُهُ هُوَ عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ) وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا تَحَيَّرَتْ الْعُقُولُ فِي الْمُسَمَّى تَحَيَّرَتْ فِي الِاسْمِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ اخْتِلَافَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي كَوْنِهِ عَلَمًا أَوْ وَصْفًا أَوْ اسْمَ جِنْسٍ فَقَالَ الْجُمْهُورُ إنَّهُ عَلَمٌ لِلذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْمُسْتَحِقِّ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ وَالْوَصْفَانِ الْمَذْكُورَانِ لِإِيضَاحِ الْمُسَمَّى لَا لِاعْتِبَارِهِمَا فِي الْمُسَمَّى، وَإِلَّا لَكَانَ الْمُسَمَّى مَجْمُوعَ الذَّاتِ وَالصِّفَةِ مَعَ أَنَّهُ الذَّاتُ فَقَطْ، وَاسْتَدَلُّوا بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ يُوصَفُ وَلَا يُوصَفُ بِهِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ تَعَالَى مِنْ اسْمٍ تَجْرِي عَلَيْهِ صِفَاتُهُ وَلَا يَصْلُحُ لَهُ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ سِوَاهُ لِظُهُورِ مَعْنَى الْوَصْفِيَّةِ فِي غَيْرِهِ بِخِلَافِهِ الثَّالِثُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَمًا بِأَنْ كَانَ صِفَةً أَوْ اسْمَ جِنْسٍ لَكَانَ كُلِّيًّا فَلَا يَكُونُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تَوْحِيدًا مَعَ أَنَّهُ تَوْحِيدٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ وَصْفٌ فِي أَصْلِهِ لَكِنَّهُ لَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِحَيْثُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ وَصَارَ عَلَمًا مِثْلُ الثُّرَيَّا وَالصَّعِقِ أُجْرِيَ كَالْعَلَمِ فِي إجْرَاءِ الْأَوْصَافِ عَلَيْهِ وَامْتِنَاعِ الْوَصْفِ بِهِ وَعَدَمِ تَطَرُّقِ احْتِمَالِ الشَّرِكَةِ اهـ. وَقَوْلُهُ لَكِنَّهُ لَمَّا غَلَبَ إلَخْ دَفْعٌ لِلْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ فِي كَوْنِهِ عَلَمًا وَضْعِيًّا لِذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ زَادَهْ أَنَّهُ عِنْدَ الْبَيْضَاوِيِّ صَارَ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ، وَيُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ الْبَيْضَاوِيِّ وَصْفٌ فِي أَصْلِهِ وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ الشِّرْوَانِيِّ أَيْضًا فَهُوَ إنَّمَا يُنْكِرُ كَوْنَهُ عَلَمًا وَضْعِيًّا، ثُمَّ اسْتَدَلَّ الْبَيْضَاوِيُّ عَلَى مُخْتَارِهِ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ ذَاتَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ بِلَا اعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ مَعَهُ حَقِيقِيٌّ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ أَوْ غَيْرِ حَقِيقِيٍّ كَكَوْنِهِ مَعْبُودًا أَوْ رَازِقًا غَيْرُ مَعْقُولٍ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
مَا هُوَ نَفْسُ الْمُسَمَّى قَالَ ع ش كَالْوُجُودِ عِنْدَ الشَّيْخِ مُطْلَقًا وَفِي الْوَاجِبِ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ أَيْضًا انْتَهَى (قَوْلُهُ كَاَللَّهِ) مَثَّلَ بِهِ فِي الْمَوَاقِفِ لِلِاسْمِ الَّذِي مَدْلُولُهُ عَيْنُ الذَّاتِ وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الِاسْمِ بِمَعْنَى الصِّفَةِ فَالتَّمْثِيلُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلصِّفَةِ فَكَيْفَ يُمَثِّلُ لَهَا بِقَوْلِهِ كَاَللَّهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّمْثِيلُ بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ أَصْلَهُ إلَهٌ بِمَعْنَى مَعْبُودٍ أَوْ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِلَهَ صِفَةٌ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ عَلَيْهِمَا لَيْسَ عَيْنًا بَلْ هُوَ كَالْخَالِقِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِالصِّفَةِ
وَلَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ تَعَالَى وَلَوْ تَعَنُّتًا فِي الْكُفْرِ بِخِلَافِ الرَّحْمَنِ عَلَى نِزَاعٍ فِيهِ، وَأَصْلُهُ إلَهٌ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ وَعُوِّضَ عَنْهَا أَلْ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ مَعْبُودٍ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ فَقَطْ فَوُصِفَ وَلَمْ يُوصَفْ بِهِ وَعَلَيْهِ فَمَفْهُومُ الْجَلَالَةِ بِالنَّظَرِ لِأَصْلِهِ كُلِّيٌّ
[حاشية الشرواني]
لِلْبَشَرِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهَا بِلَفْظِ الثَّانِي أَنَّ الِاسْمَ الْكَرِيمَ لَوْ دَلَّ عَلَى مُجَرَّدِ ذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ لَمَا أَفَادَ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الأنعام: 3] إلَخْ مَعْنًى صَحِيحًا.
الثَّالِثُ أَنَّ مَعْنَى الِاشْتِقَاقِ هُوَ كَوْنُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ مُشَارِكًا لِلْآخَرِ فِي الْمَعْنَى وَالتَّرْكِيبِ وَهُوَ حَاصِلٌ بَيْنَ لَفْظِ الْجَلَالَةِ وَالْأُصُولِ الَّتِي تُذْكَرُ لَهُ أَيْ فَهُوَ مُشْتَقٌّ فَيَكُونُ وَصْفًا، وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ التَّعَلُّقَ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ لِلْبَشَرِ هُوَ التَّعَقُّلُ بِالْكُنْهِ، وَأَمَّا التَّعَقُّلُ بِوَجْهٍ مُخْتَصٍّ فَحَاصِلٌ لَهُمْ وَهُوَ كَافٍ فِي فَهْمِهِمْ الْمَعْنَى مِنْ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ حِكْمَةُ الْوَضْعِ إنْ قُلْنَا الْوَاضِعُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي إمْكَانِ وَضْعِهِمْ إنْ قُلْنَا الْوَاضِعُ هُمْ بِدَلِيلِ وَضْعِ الْأَبِ عَلَمًا لِوَلَدِهِ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ تَعَلُّقَهُ بِالِاسْمِ الْكَرِيمِ لَا يَقْتَضِي وَصْفِيَّتَهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ تَعَلُّقُهُ بِهِ بِاعْتِبَارِ مُلَاحَظَةِ الْمَعْنَى الْوَصْفِيِّ الْخَارِجِ عَنْهُ الْمَفْهُومِ مِنْ أَصْلِ اشْتِقَاقِهِ أَوْ الْمَشْهُورِ بِهِ مُسَمَّاهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ
أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الْحُرُوبِ نَعَامَةٌ
وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ كَوْنَهُ مُشْتَقًّا لَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ وَصْفًا فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِيهِ لَوْ وَجَبَ كَوْنُ الْمُشْتَقِّ مَوْضُوعًا لِذَاتٍ مُبْهَمَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ أَسْمَاءَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْآلَةِ مُشْتَقَّاتٌ، وَلَيْسَتْ بِصِفَاتٍ لِدَلَالَتِهَا عَلَى ذَوَاتٍ مُعَيَّنَةٍ بِنَوْعِ تَعْيِينٍ صَبَّانٌ وَسَيَأْتِي مِنْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِنْدَ قَوْلِ الشَّارِحِ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ إلَخْ وَكَلَامُ النِّهَايَةِ يَمِيلُ إلَى تَرْجِيحِ مَا قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَكَلَامُ الشَّارِحِ الْآتِي كَالصَّرِيحِ فِي اخْتِيَارِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَبِهِ جَزَمَ الْمُغْنِي كَمَا يَأْتِي وَكَذَا الْبُجَيْرَمِيُّ وَشَيْخُنَا حَيْثُ قَالَا وَاللَّفْظُ الثَّانِي قَوْلُهُ وَاَللَّهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ أَيْ بِوَضْعِهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَمَّى نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ عَلَّمَهُ لِعِبَادِهِ فَهُوَ عَلَمٌ شَخْصِيٌّ جُزْئِيٌّ وَإِنْ كَانَ لَا يُقَالُ ذَلِكَ إلَّا فِي مَقَامِ التَّعْلِيمِ، وَلَيْسَ فِيهِ غَلَبَةٌ أَصْلًا لَا تَحْقِيقِيَّةٌ وَلَا تَقْدِيرِيَّةٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يَسْبِقُ لِلْكُلِّيِّ اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ الْفَرْدِ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ كَالنَّجْمِ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ كَوْكَبٍ لَيْلِيٍّ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الثُّرَيَّا بَعْدَ سَبْقِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِهَا.
وَالثَّانِيَةُ أَنْ لَا يَسْبِقَ لِلْكُلِّيِّ اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ الْفَرْدِ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ لَكِنْ يُقَدَّرُ ذَلِكَ كَالْإِلَهِ الْمُعَرَّفِ بِأَلْ فَإِنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ تَعَالَى بَعْدَ تَقْدِيرِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا لَفْظُ الْجَلَالَةِ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى التَّحْقِيقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ تَعَالَى) وَعِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فِي أَلْفَيْنِ وَثَلَثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَوْضِعًا، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ أَنَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ قَالَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ وَطَه مُغْنِي، وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ وَاخْتَارَ إلَخْ، وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ فِي شَرْحٍ بِأَفْضَلَ وَهُوَ أَيْ اللَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ وَعَدَمُ الِاسْتِجَابَةِ لِأَكْثَرِ النَّاسِ مَعَ الدُّعَاءِ بِهِ لِعَدَمِ اسْتِجْمَاعِهِمْ لِشَرَائِطِ الدُّعَاءِ اهـ.
أَيْ الَّتِي مِنْهَا أَكْلُ الْحَلَالِ (قَوْلُهُ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَأَصْلُهُ إلَهٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ كَإِمَامٍ، ثُمَّ أَدْخَلُوا عَلَيْهِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ، ثُمَّ حُذِفَتْ الْهَمْزَةُ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ، وَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إلَى اللَّامِ فَصَارَ اللَّامُ بِلَامَيْنِ مُتَحَرِّكَتَيْنِ، ثُمَّ سُكِّنَتْ الْأُولَى وَأُدْغِمَتْ فِي الثَّانِيَةِ لِلتَّسْهِيلِ انْتَهَى وَقِيلَ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ وَعُوِّضَ عَنْهَا حَرْفُ التَّعْرِيفِ، ثُمَّ جُعِلَ عَلَمًا وَالْإِلَهُ فِي الْأَصْلِ أَيْ قَبْلَ دُخُولِ أَلْ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَعْبُودٍ بِحَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ كَمَا أَنَّ النَّجْمَ اسْمٌ لِكُلِّ كَوْكَبٍ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الثُّرَيَّا، وَهَلْ هُوَ مُشْتَقٌّ أَوْ مُرْتَجَلٌ فِيهِ خِلَافٌ وَالْحَقُّ أَنَّهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مَأْخُوذٍ مِنْ شَيْءٍ بَلْ وُضِعَ عَلَمًا ابْتِدَاءً فَكَمَا أَنَّ ذَاتَهُ لَا يُحِيطُ بِهَا شَيْءٌ وَلَا تَرْجِعُ إلَى شَيْءٍ فَكَذَلِكَ اسْمُهُ تَعَالَى اهـ أَيْ لَا يَرْجِعُ إلَى شَيْءٍ يُشْتَقُّ مِنْهُ (قَوْلُهُ: ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ إلَخْ) أَيْ بِالْغَلَبَةِ التَّحْقِيقِيَّةِ قَبْلَ حَذْفِ الْهَمْزَةِ وَتَعْوِيضِ أَلْ أَيْ إلَهٌ وَالتَّقْدِيرِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ الْإِلَهُ، وَأَمَّا اللَّهُ فَلَيْسَ فِيهِ غَلَبَةٌ أَصْلًا بُجَيْرِمِيٌّ (قَوْلُهُ فَوَصْفٌ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ إلَخْ عِبَارَةُ الصَّبَّانِ اُخْتُلِفَ فِي إلَهٌ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْجَلَالَةِ عَلَى الْأَصَحِّ فَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ إنَّهُ وَصْفٌ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ إنَّهُ اسْمٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُوصَفُ وَلَا يُوصَفُ بِهِ لَا تَقُولُ شَيْءٌ إلَهٌ وَتَقُولُ إلَهٌ وَاحِدٌ اهـ.
أَوْ لِقَوْلِهِ هُوَ عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ إلَخْ كَمَا هُوَ صَرِيحُ صَنِيعِ النِّهَايَةِ وَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الصَّبَّانِ فِي حَاشِيَتِهِ هُوَ عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ إلَخْ أَوْ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ إلَخْ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ الْبُجَيْرَمِيِّ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ مَعْبُودٍ إلَخْ (قَوْلُهُ لِأَصْلِهِ) أَيْ الْأَوَّلِ وَهُوَ إلَهٌ أَوْ الثَّانِي وَهُوَ الْإِلَهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ الْآتِي مِنْ حَيْثُ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
الْأَمْرُ الْمَحْمُولُ بِحَمْلِ الِاشْتِقَاقِ صَحَّ التَّمْثِيلُ بِقَوْلِهِ اللَّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُشْتَقٌّ (قَوْلُهُ حَذَرًا إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ لَا يَحْتَمِلُ الْقَسَمَ وَفِيهِ كَلَامٌ فِي هَامِشِ الْأَيْمَانِ
(قَوْلُهُ فَوَصْفٌ) يُتَأَمَّلُ هَذَا التَّفْرِيعُ.
الْوَاجِبِ الْوُجُودِ (قَوْلُهُ
وَبِالنَّظَرِ إلَيْهِ جُزْئِيٌّ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ مِنْ الْأَعْلَامِ الْخَاصَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ تَعَالَى وَمِنْ الْغَالِبَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ أَصْلَهُ الْإِلَهُ بِالنَّظَرِ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ فَقَطْ، وَكَانَ قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةَ تَوْحِيدٍ أَيْ لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلَّا ذَلِكَ الْوَاحِدُ الْحَقُّ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ اسْمٌ لِمَفْهُومِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ أَوْ الْمُسْتَحِقِّ لِلْمَعْبُودِيَّةِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا كُلِّيٌّ انْحَصَرَ فِي فَرْدٍ فَلَا يَكُونُ عَلَمًا لِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَلَمِ جُزْئِيٌّ فَقَدْ سَهَا وَلَزِمَهُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا تُفِيدُ تَوْحِيدًا كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ مِنْ أَلِهِ بِكَسْرِ عَيْنِهِ إذَا تَحَيَّرَ لِتَحَيُّرِ الْخَلْقِ فِي مَعْرِفَتِهِ أَوْ بِفَتْحِهَا إذَا عَبَدَ أَوْ مِنْ لَاهَ إذَا ارْتَفَعَ أَوْ إذَا احْتَجَبَ، وَهَذَا لِكَوْنِهِ نَظَرًا لِأَصْلِهِ قَبْلَ الْعَلَمِيَّةِ لَا يُنَافِي عَلَمِيَّتَهُ وَهُوَ عَرَبِيٌّ وَوُرُودُهُ فِي غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ تَوَافُقِ اللُّغَاتِ كَمَا أَنَّ الْحَقَّ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ أَنَّ كُلَّ مَا قِيلَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ الْأَعْلَامِ أَنَّهُ مُعَرَّبٌ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ عَرَبِيٌّ تَوَافَقَتْ فِيهِ اللُّغَاتُ وَلَا بِدَعَ أَنْ يَخْفَى عَلَى مِثْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَوْنُهُ عَرَبِيًّا كَمَا خَفِيَ عَلَيْهِ مَعْنَى فَاطِرٍ وَفَاتِحٍ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يُحِيطُ بِاللُّغَةِ إلَّا نَبِيٌّ وَمُشْتَقٌّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَقَوْلُ أَبِي حَيَّانَ فِي نَهْرِهِ لَيْسَ مُشْتَقًّا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لَعَلَّهُ أَرَادَ مِنْ النُّحَاةِ وَأَعْرَفُ الْمَعَارِفِ وَإِنْ كَانَ عَلَمًا
(الرَّحْمَنِ) هُوَ صِفَةٌ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى كَثِيرِ الرَّحْمَةِ جِدًّا
[حاشية الشرواني]
إنَّ أَصْلَهُ الْإِلَهُ (قَوْلُهُ وَبِالنَّظَرِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى حَالَتِهِ الرَّاهِنَةِ وَهِيَ اللَّهُ (قَوْلُهُ وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ لِأَجْلِ التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ فَمَفْهُومُ الْجَلَالَةِ بِالنَّظَرِ لِأَصْلِهِ كُلِّيٌّ إلَخْ (قَوْلُهُ كَانَ) أَيْ لَفْظُ الْجَلَالَةِ (قَوْلُهُ وَمِنْ الْغَالِبَةِ) أَيْ غَلَبَةً تَقْدِيرِيَّةً كَمَا مَرَّ عَنْ الْبُجَيْرَمِيِّ وَيُفِيدُهُ أَيْضًا قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي فَقَطْ (قَوْلُهُ وَكَانَ قَوْلُ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ كَانَ مِنْ الْأَعْلَامِ إلَخْ وَقَوْلُهُ وَمَنْ زَعَمَ إلَخْ عِبَارَةُ الصَّبَّانِ وَقِيلَ إنَّهُ اسْمٌ لِمَفْهُومِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ إلَخْ وَرُدَّ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا إجْمَاعُهُمْ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تُفِيدُ التَّوْحِيدَ وَلَوْ كَانَ اسْمًا لِمَفْهُومٍ كُلِّيٍّ لَمْ تُفِدْهُ لِأَنَّ الْكُلِّيَّ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَحْتَمِلُ الْكَثْرَةَ.
ثَانِيهِمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ اسْمًا لِلْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ لَزِمَ اسْتِثْنَاءُ الشَّيْءِ مِنْ نَفْسِهِ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ إنْ أُرِيدَ بِإِلَهٍ فِيهَا الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ وَالْكَذِبُ إنْ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ الْمَعْبُودِ لِكَثْرَةِ الْمَعْبُودَاتِ الْبَاطِلَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إلَهٌ فِيهَا بِمَعْنَى الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ، وَاَللَّهُ عَلَمًا وَضْعِيًّا لِلْفَرْدِ الْمَوْجُودِ مِنْهُ.
أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَوْلِ يَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ صَارَ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ عَلَى هَذَا الْفَرْدِ الْمُنْحَصِرِ فِيهِ الْكُلِّيُّ إذْ لَا يَسَعُهُ إنْكَارُ ذَلِكَ، وَقَدْ نَقَلَ الشِّرْوَانِيُّ عَنْ الْخَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ أَطْبَقَ جَمِيعُ الْخَلَائِقِ عَلَى أَنَّ قَوْلَنَا اللَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ تَعَالَى أَيْ إمَّا بِطَرِيقِ الْوَضْعِ أَوْ الْغَلَبَةِ، ثُمَّ رَأَيْت لِلْعَلَّامَةِ سم فِي حَوَاشِيهِ عَلَى مُخْتَصَرِ السَّعْدِ مَا يُرَشِّحُهُ حَيْثُ كَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ فَلَا يَكُونُ عَلَمًا مَا نَصُّهُ أَيْ بِالْأَصَالَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ عَلَى هَذَا قَدْ يُجْعَلُ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ اهـ وَحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ الْأَمْرَانِ الْمَذْكُورَانِ وَعَلَى هَذَا وَمَا سَبَقَ فِي تَقْرِيرِ كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ يَكُونُ اسْمُ الْجَلَالَةِ فِي الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ عَلَمًا بِاتِّفَاقِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ إلَّا أَنَّ عَلَمِيَّتَهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مُتَأَصِّلَةٌ وَضْعِيَّةٌ وَعَلَى الْأَخِيرَيْنِ غَلَبِيَّةٌ طَارِئَةٌ اهـ.
وَقَوْلُهُ فَلَا يَكُونُ عَلَمًا أَيْ بَلْ هُوَ اسْمُ جِنْسٍ صَبَّانٌ (قَوْلُهُ فَقَدْ سَهَا كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ) الَّذِي بَيَّنَهُ السَّعْدُ سم وَقَدْ مَرَّ عَنْ الصَّبَّانِ آنِفًا بَيَانُهُ بِأَمْرَيْنِ، ثُمَّ رَدَّهُمَا (قَوْلُهُ مِنْ إلَهٍ) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ وَأَصْلُهُ إلَهٌ إلَخْ عِبَارَةُ الصَّبَّانِ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ عَلَمٌ بِالْوَضْعِ فَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِيهِ فَقِيلَ إنَّهُ مَنْقُولٌ أَيْ مَأْخُوذٌ مِنْ أَصْلٍ بِنَوْعِ تَصَرُّفٍ قَالَ الشَّيْخُ زَادَهْ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْمُشْتَقِّ فِي عِبَارَةِ مَنْ عَبَّرَ بِهِ لَا مُقَابِلُ الْأَعْلَامِ وَأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ مِنْ الْوَصْفِ اهـ وَنُسِبَ هَذَا الْقَوْلُ إلَى الْجُمْهُورِ غَيْرَ وَاحِدٍ كَالشَّرْوَانِيِّ فِي حَوَاشِي الْبَيْضَاوِيِّ وَقِيلَ مُرْتَجَلٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا اشْتِقَاقَ بَلْ هُوَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ ابْتِدَاءً لِذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْخَلِيلُ وَالْخَارِجِيُّ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَنَسَبَهُ إلَى سِيبَوَيْهِ وَأَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ كَمَا فِي حَوَاشِي الْبَيْضَاوِيِّ عَلَى أَنَّهُ مَنْقُولٌ فَقِيلَ إنَّهُ مَنْقُولٌ مِنْ أَصْلٍ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَقِيلَ مِنْ لَاهَ يَلُوهُ لَوْهًا إذَا خَلَقَ، وَقِيلَ مِنْ لَاهَ يَلُوهُ لَيْهًا إذَا احْتَجَبَ أَوْ ارْتَفَعَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ أَقْوَالٍ أُخَرَ وَأَرْجَحُ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ مِنْ أَلِهَ إذَا عَبَدَ وَأَصْلُهُ إلَهٌ كَفِعَالٍ وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا قَالَ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ كَثْرَةُ دَوَرَانِ إلَهٍ كَفِعَالٍ وَاسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ وَإِطْلَاقِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى اهـ.
عِبَارَةُ النِّهَايَةِ مُتَفَرِّعًا عَلَى عَلَمِيَّتِهِ فَهُوَ مُرْتَجَلٌ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مُشْتَقٌّ وَنُقِلَ عَنْ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ أَيْضًا وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ أَلِهَ أَيْ بِكَسْرِ اللَّامِ بِمَعْنَى تَحَيَّرَ إلَخْ (قَوْلُهُ إذَا تَحَيَّرَ إلَخْ) فَإِلَهٌ بِمَعْنَى مَأْلُوهٍ فِيهِ وَقَوْلُهُ إذَا عَبَدَ فَإِلَهٌ بِمَعْنَى مَأْلُوهٍ كَكِتَابٍ بِمَعْنَى مَكْتُوبٍ صَبَّانٌ (قَوْلُهُ إذَا ارْتَفَعَ إلَخْ) أَيْ فَإِلَهٌ بِمَعْنَى آلِهٍ اسْمِ فَاعِلٍ (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ الْأَخْذُ مِمَّا ذُكِرَ (قَوْلُهُ نَظَرًا إلَخْ) عِلَّةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْ الْمُدَّعِي (قَوْلُهُ لِأَصْلِهِ) أَيْ أَصْلِ اللَّهِ وَهُوَ إلَهٌ (قَوْلُهُ وَهُوَ عَرَبِيٌّ) خِلَافًا لِلْبَلْخِيِّ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَرَّبٌ نِهَايَةٌ عِبَارَةُ الصَّبَّانِ، وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الِاسْمَ الْكَرِيمَ عَرَبِيٌّ وَضْعًا وَقِيلَ عَجَمِيٌّ وَضْعًا، وَأَصْلُهُ قِيلَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَقِيلَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ لَاهَا فَعُرِّبَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ الْأَخِيرَةِ وَإِدْخَالِ أَلْ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَانِيِّينَ أَوْ السُّرْيَانِيِّينَ يَقُولُونَ لَاهَا كَثِيرًا وَمَعْنَاهُ مَنْ لَهُ الْقُدْرَةُ اهـ (قَوْلُهُ كَوْنُهُ إلَخْ) أَيْ مَا قِيلَ فِي الْقُرْآنِ إلَخْ (قَوْلُهُ وَقَدْ قَالَ إلَخْ) تَأْيِيدٌ لِقَوْلِهِ وَلَا بِدَعَ إلَخْ (قَوْلُهُ وَمُشْتَقٌّ إلَخْ) كَانَ حَقُّهُ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى قَوْلِهِ وَهُوَ عَرَبِيٌّ لِمَا قَدَّمْنَا عَنْ الصَّبَّانِ عَنْ الشَّيْخِ زَادَهْ (قَوْلُهُ وَأَعْرَفُ الْمَعَارِفِ إلَخْ) فَقَدْ حُكِيَ أَنَّ سِيبَوَيْهِ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك فَقَالَ خَيْرًا كَثِيرًا لِجَعْلِي اسْمَهُ أَعْرَفَ الْمَعَارِفِ نِهَايَةٌ
(قَوْلُهُ بِمَعْنَى كَثِيرِ الرَّحْمَةِ جِدًّا) اعْلَمْ أَنَّهُمْ عَبَّرُوا بِأَنَّ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ اسْمَانِ بُنِيَا لِلْمُبَالَغَةِ وَقَدْ تُوُهِّمَ إشْكَالُهُ بِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَمْثِلَةِ الْمُبَالَغَةِ الْخَمْسَةِ وَلَا إشْكَالَ؛ لِأَنَّ مَا يَنْحَصِرُ فِي الْخَمْسَةِ هُوَ مَا يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ بِالصِّيغَةِ، وَمَا هُنَا مِمَّا يُفِيدُهَا بِالْمَادَّةِ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
وَبِالنَّظَرِ إلَيْهِ جُزْئِيٌّ) أَيْنَ مَرْجِعُ هَذَا الضَّمِيرِ (قَوْلُهُ كَمَا بَيَّنْتُهُ) الَّذِي بَيَّنَهُ السَّعْدُ
(قَوْلُهُ بِمَعْنَى كَثِيرِ الرَّحْمَةِ) اعْلَمْ أَنَّهُمْ عَبَّرُوا بِأَنَّ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ اسْمَانِ بُنِيَا لِلْمُبَالَغَةِ، وَقَدْ تَوَهَّمَ إشْكَالَهُ بِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَمْثِلَةِ الْمُبَالَغَةِ الْخَمْسَةِ وَلَا
ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الْبَالِغِ فِي الرَّحْمَةِ وَالْإِنْعَامِ بِحَيْثُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ تَعَالَى وَغَلَبَةُ عَلَمِيَّتِهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِإِعْرَابِهِ بَدَلًا هُنَا لَا تَمْنَعُ اعْتِبَارَ وَصْفِيَّتِهِ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ نَعْتًا بِاعْتِبَارِهَا لِوُقُوعِهِ صِفَةً وَلِكَوْنِهِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى وَمَجِيئِهِ غَيْرَ تَابِعٍ لِلْعَلَمِ بِحَذْفِ مَوْصُوفِهِ، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ وَعَدَمُهُ لِتَعَارُضِ سَبَبَيْهِمَا (الرَّحِيمِ) أَيْ ذِي الرَّحْمَةِ الْكَثِيرَةِ
[حاشية الشرواني]
فَإِنْ قُلْت قَدْ يُشْكِلُ الْحَصْرُ فِي الْخَمْسَةِ بِقَوْلِهِمْ إنَّ نَحْوَ التَّرْحَالِ وَالتَّحْوَالِ وَالتَّرْدَادِ بِفَتْحِ التَّاءِ فِي الْجَمِيعِ مَصَادِرُ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِيرِ قُلْت لَا إشْكَالَ لِأَنَّ تِلْكَ الْخَمْسَةَ لِأَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ لَا مُطْلَقًا فَلْيُتَأَمَّلْ سم عِبَارَةُ الصَّبَّانِ وَأُورِدَ عَلَى قَوْلِهِمْ مَوْضُوعَتَانِ لِلْمُبَالَغَةِ أُمُورٌ: الْأَوَّلُ أَنَّ صِيَغَ الْمُبَالَغَةِ مَحْصُورَةٌ فِي خَمْسٍ فَعَّالٍ وَمِفْعَالٍ وَفَعُولٍ وَفَعِلٌ وَفَعِيلٌ الْعَامِلُ نَصْبًا وَالصِّفَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ لَيْسَتَا مِنْهَا أَمَّا الرَّحْمَنُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الرَّحِيمُ فَلِأَنَّهُ هُنَا غَيْرُ عَامِلٍ نَصْبًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَحْصُورَ فِي الْخَمْسَةِ مَا يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ إلَخْ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُمْنَعُ كَوْنُهُمْ قَصَدُوا الْحَصْرَ فِي الْخَمْسِ الثَّانِي أَنَّ الْمُبَالَغَةَ هِيَ أَنْ تَنْسِبَ لِلشَّيْءِ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ لَهُ، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا فِي نِهَايَةِ الْكَمَالِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ الْمُفَسَّرَةَ بِمَا ذُكِرَ هِيَ الْمُبَالَغَةُ الْبَيَانِيَّةُ وَلَيْسَتْ مُرَادَةً هُنَا حَتَّى يَتَوَجَّهَ الِاعْتِرَاضُ بَلْ الْمُرَادُ بِالْمُبَالَغَةِ هُنَا قُوَّةُ الْمَعْنَى أَوْ كَثْرَةُ أَفْرَادِهِ.
الثَّالِثُ أَنَّ وَضْعَهُمَا لِلْمُبَالَغَةِ يُنَافِي كَوْنَهُمَا صِفَتَيْنِ مُشَبَّهَتَيْنِ لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمُشَبَّهَةَ لِلدَّوَامِ وَالْمُبَالَغَةُ كَثْرَةُ الْأَفْرَادِ الْمُتَجَدِّدَةِ أَقُولُ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِمَا صِفَتَيْنِ مُشَبَّهَتَيْنِ أَنَّهُمَا عَلَى صُورَةِ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ، وَبِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُرَادَ بِالدَّوَامِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ بِطَرِيقِ غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ مَا يَشْمَلُ دَوَامَ تَجَدُّدِ الْأَفْرَادِ، وَقَدْ رَجَّحَ الشِّهَابُ أَيْ الْخَفَاجِيُّ كَوْنَهُمَا مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ وَضَعَّفَ كَوْنَهُمَا مِنْ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ حَقِيقَةً بِمَا يَطُولُ فَانْظُرْهُ فِي حَوَاشِيهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ غَلَبَ إلَخْ) أَيْ غَلَبَةً تَقْدِيرِيَّةً (قَوْلُهُ عَلَى الْبَالِغِ فِي الرَّحْمَةِ) أَيْ بِجَلَائِلِ النِّعَمِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ غَايَتُهَا (قَوْلُهُ بِحَيْثُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ تَعَالَى) أَيْ وَتَسْمِيَةُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ مُسَيْلِمَةَ بِهِ تَعَنُّتٌ فِي الْكُفْرِ فَخَرَجُوا بِمُبَالَغَتِهِمْ فِي الْكُفْرِ عَنْ مَنْهَجِ اللُّغَةِ حَتَّى اسْتَعْمَلُوا الْمُخْتَصَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي غَيْرِهِ، وَقِيلَ إنَّهُ شَاذٌّ لَا اعْتِدَادَ بِهِ، وَقِيلَ الْمُخْتَصُّ بِاَللَّهِ تَعَالَى الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ وَمَذْهَبُ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعَالَى شَرْعًا قَالَ الصَّبَّانُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ لَا إشْكَالَ عَلَيْهِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَغَلَبَةُ عَلَمِيَّتِهِ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ الْمُقْتَضِيَةُ صِفَتُهُ وَقَوْلُهُ لَا تَمْنَعُ إلَخْ خَبَرُهُ (قَوْلُهُ بَدَلًا) أَيْ أَوْ بَيَانًا صَبَّانٌ (قَوْلُهُ اعْتِبَارَ وَصْفِيَّتِهِ) أَيْ الْأَصْلِيَّةِ (قَوْلُهُ لِوُقُوعِهِ صِفَةً إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ هُوَ صِفَةٌ فِي الْأَصْلِ عِبَارَةُ الصَّبَّانِ وَكَوْنُ الرَّحْمَنِ صِفَةً هُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ لِوُقُوعِهِ نَعْتًا، وَلِأَنَّ مَعْنَاهُ الْبَالِغُ فِي الرَّحْمَةِ لَا الذَّاتُ الْمَخْصُوصَةُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَمًا لَأَفَادَ لَا إلَهَ إلَّا الرَّحْمَنُ التَّوْحِيدَ صَرِيحًا كَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَذَهَبَ الْأَعْلَمُ وَابْنُ مَالِكِ وَابْنُ هِشَامٍ إلَى أَنَّهُ عَلَمٌ أَيْ بِالْغَلَبَةِ كَمَا فِي ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ وَاسْتَدَلُّوا بِمَجِيئِهِ كَثِيرًا غَيْرَ تَابِعٍ كَمَا فِي ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن: 1] ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: 2] ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: 110] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: 60] وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُنْتِجُ أَعَمَّ مِنْ الْمُدَّعِي وَلَا يُنْتِجُ الْمُدَّعِي إلَّا بِمَعُونَةٍ أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَلَمٍ وَلَا صِفَةٍ مَعَ أَنَّ كَلَامَ الرَّصَّاعِ يُفِيدُ أَنَّهُ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي غَلَبَ عَلَيْهَا الِاسْمِيَّةُ، وَلَيْسَ بِعَلَمٍ كَأَبْطَحَ وَأَجْرَعَ وَالنَّعْتُ بِهِ بِاعْتِبَارِ وَصْفِيَّتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَأَمَّا رَدُّ اسْتِدْلَالِهِمْ بِجَوَازِ تَبَعِيَّتِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْآيَاتِ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ لِجَوَازِ حَذْفِ الْمَوْصُوفِ إذَا عُلِمَ فَضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ حَذْفَ الْمَوْصُوفِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذِكْرِهِ وَاسْتِدْلَالُهُمْ إنَّمَا هُوَ بِكَثْرَةِ مَجِيئِهِ غَيْرَ تَابِعٍ اهـ وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ مَجِيءَ الرَّحْمَنِ غَيْرَ تَابِعٍ دَلِيلٌ وَمُقَوٍّ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَعْلَمُ وَمَنْ مَعَهُ الَّذِي إلَيْهِ مَيْلُ كَلَامِ النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي.
وَكَلَامُ الشَّارِحِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ عَلَمٌ بِالْغَلَبَةِ فَرَدُّ الشَّارِحِ لَهُ بِأَنَّهُ لِلْعِلْمِ بِحَذْفِ مَوْصُوفِهِ لَوْ سُلِّمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ (قَوْلُهُ لِلْعِلْمِ بِحَذْفِ مَوْصُوفِهِ) أَقُولُ أَوْ بِالنَّظَرِ لِعِلْمِيَّتِهِ الْغَالِبَةِ سم (قَوْلُهُ وَيَجُوزُ صَرْفُهُ وَعَدَمُهُ) هُمَا قَوْلَانِ سم فَمَنْ يَقُولُ إنَّ شَرْطَ الْأَلِفِ وَالنُّونِ فِي الصِّفَةِ انْتِفَاءُ فَعْلَانَةَ يَمْنَعُ صَرْفَهُ وَمَنْ يَقُولُ إنَّهُ وُجُودٌ فِعْلِيٌّ يَصْرِفُهُ قَالَ الصَّبَّانُ، وَالتَّحْقِيقُ الَّذِي اخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيّ وَالْبَيْضَاوِيُّ أَنَّ رَحْمَنَ مُجَرَّدًا مِنْ أَلْ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّرْفِ إلْحَاقًا لَهُ بِالْغَالِبِ فِي بَابِهِ قَالَ السُّيُوطِيّ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا تَعَارَضَ فِيهِ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ فِي النَّحْوِ، وَمَالَ السَّعْدُ إلَى جَوَازِ صَرْفِهِ وَعَدَمِهِ عَمَلًا بِالْأَمْرَيْنِ قَالَ الْعِصَامُ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ اشْتَبَهَ حَالُ رَحْمَنَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامِ مِنْ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ وَالْبَيَانِ حَتَّى بَنَوْا أَمْرَهُمْ فِيهِ عَلَى الْمَعْقُولِ، وَلَمْ يَعْثُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى الْمَنْقُولِ، وَلَمْ يَكْشِفْ عَنْ الْمَعْمُولِ عِنْدَ الْبُلَغَاءِ قُلْت كَأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوهُ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا نُقِلَ عَنْ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
إشْكَالٌ لِأَنَّ مَا يَنْحَصِرُ فِي الْخَمْسَةِ هُوَ مَا يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ بِالصِّيغَةِ وَمَا هُنَا مِمَّا يُفِيدُهَا بِالْمَادَّةِ كَالْجُودِ وَنَحْوِهِ (فَإِنْ قُلْت) قَدْ يُشْكَلُ الْحَصْرُ فِي الْخَمْسَةِ بِقَوْلِهِمْ إنَّ نَحْوَ التَّرْحَالِ وَالتَّحْوَالِ وَالتَّرْدَادِ بِفَتْحِ التَّاءِ فِي الْجَمْعِ مَصَادِرُ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِيرِ (قُلْت) لَا إشْكَالَ لِأَنَّ تِلْكَ الْخَمْسَةَ لِأَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ لَا مُطْلَقًا فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لِلْعِلْمِ بِحَذْفِ مَوْصُوفِهِ) أَقُولُ أَوْ بِالنَّظَرِ لِعِلْمِيَّتِهِ الْغَالِبَةِ (قَوْلُهُ وَيَجُوزُ صَرْفُهُ وَعَدَمُهُ) هُمَا قَوْلَانِ (قَوْلُهُ
فَالرَّحْمَنُ أَبْلَغُ مِنْهُ بِشَهَادَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَلَا يُعَارِضُهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ «يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا» وَالْقِيَاسُ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى غَالِبًا وَجُعِلَ كَالتَّتِمَّةِ لِمَا دَلَّ عَلَى جَلَائِلِ الرَّحْمَةِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ لِئَلَّا يَغْفُلَ عَمَّا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ دَقَائِقِهَا فَلَا يُسْأَلُ وَلَا يُعْطِي وَمِنْ حَيِّزِ التَّدَلِّي لِأَنَّ الْأَوَّلَ صَارَ كَالْعِلْمِ كَمَا تَقَرَّرَ وَكِلَاهُمَا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِنْ رَحِمَ بِكَسْرِ عَيْنِهِ بَعْدَ نَقْلِهِ إلَى رَحُمَ بِضَمِّهَا
[حاشية الشرواني]
الْعَرَبِ إلَّا مُعَرَّفًا بِاللَّامِ أَوْ مُضَافًا أَوْ مُنَادَى اهـ وَأَمَّا وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لَا زِلْت رَحْمَانَا فَلَا شَاهِدَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْمَنْعَ فَتَكُونُ أَلِفُهُ لِلْإِطْلَاقِ وَالصَّرْفَ فَتَكُونُ أَلِفُهُ بَدَلًا مِنْ التَّنْوِينِ اهـ. (قَوْلُهُ فَالرَّحْمَنُ أَبْلَغُ إلَخْ) مُتَفَرِّعٌ عَلَى إطْلَاقِ تَفْسِيرِ الرَّحِيمِ وَتَقْيِيدِ تَفْسِيرِ الرَّحْمَنِ بِقَوْلِهِ جِدًّا، وَلَكِنَّ الْمُنَاسِبَ لِقَوْلِهِ بِشَهَادَةٍ إلَخْ الْوَاوُ بَدَلُ الْفَاءِ كَمَا فِي غَيْرِهِ لِئَلَّا تَتَوَارَدَ عِلَّتَانِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ بِلَا تَبَعِيَّةٍ (قَوْلُهُ وَلَا يُعَارِضُهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّ اسْتِوَاءَهُمَا فِي تَعَلُّقِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالدَّارَيْنِ لَا يُنَافِي أَنَّ أَحَدَهُمَا أَبْلَغُ وَأَزْيَدُ مَعْنًى سم عِبَارَةُ الصَّبَّانِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ أَبْلَغِيَّةُ الرَّحْمَنِ بِاعْتِبَارِ الْكَيْفِ فَقَطْ، وَأَنَّهُ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ إنْعَامُهُ بِالنِّعَمِ الْعَظِيمَةِ رَحْمَنُ وَمِنْ حَيْثُ إنْعَامُهُ بِمَا دُونَهَا رَحِيمٌ وَيُؤَيِّدُهُ تَفْسِيرُ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الرَّحْمَنَ بِالْمُنْعِمِ بِجَلَائِلِ النِّعَمِ وَالرَّحِيمَ بِالْمُنْعِمِ بِدَقَائِقِهَا وَبَعْضِهِمْ الرَّحْمَنَ بِالْمُنْعِمِ بِمَا لَا يُتَصَوَّرُ جِنْسُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَالرَّحِيمَ بِالْمُنْعِمِ بِمَا يُتَصَوَّرُ جِنْسُهُ مِنْهُمْ اهـ (قَوْلُهُ وَالْقِيَاسُ) أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ سم (قَوْلُهُ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ إلَخْ) هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَشْرُوطَةٌ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصِّفَاتِ الْجِبِلِّيَّةِ فَخَرَجَ نَحْوُ شَرِهٍ وَنَهِمٍ، وَأَنْ يَتَّحِدَ اللَّفْظَانِ فِي النَّوْعِ فَخَرَجَ حَذِرٌ وَحَاذِرٌ وَأَنْ يَتَّحِدَا فِي الِاشْتِقَاقِ فَخَرَجَ زَمَنٌ وَزَمَانٌ إذْ لَا اشْتِقَاقَ فِيهِمَا بُجَيْرِمِيٌّ (قَوْلُهُ غَالِبُ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ نَحْوِ حَذِرٍ وَحَاذِرٍ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ تَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ أَوْ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ وَالثَّانِي اسْمُ فَاعِلٍ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى الِاتِّصَافِ بِمَضْمُونِهِ وَلَوْ مَرَّةً (قَوْلُهُ وَجُعِلَ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا قِيلَ لِمَ قَدَّمَ الرَّحْمَنَ عَلَى الرَّحِيمِ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي التَّرَقِّي مِنْ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَقُدِّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ اسْمُ ذَاتٍ وَهُمَا اسْمَا صِفَةٍ وَالرَّحْمَنُ عَلَى الرَّحِيمِ؛ لِأَنَّهُ خَاصٌّ إذْ لَا يُقَالُ لِغَيْرِ اللَّهِ بِخِلَافِ الرَّحِيمِ وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي التَّرَقِّي مِنْ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى كَقَوْلِهِمْ عَالِمٌ نِحْرِيرٌ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْعِلْمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ تَعَالَى لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْمُنْعِمُ الْحَقِيقِيُّ الْبَالِغُ فِي الرَّحْمَةِ غَايَتِهَا، وَذَلِكَ لَا يَصْدُقُ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى وَلِذَلِكَ رَجَّحَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ عَلَمٌ وَلِأَنَّهُ لَمَّا دَلَّ عَلَى جَلَائِلِ النِّعَمِ وَأُصُولِهَا ذَكَرَ الرَّحِيمَ كَالتَّابِعِ وَالتَّتِمَّةِ لِيَتَنَاوَلَ مَا دَقَّ مِنْهَا وَلَطُفَ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ التَّرَقِّي بَلْ مِنْ بَابِ التَّعْمِيمِ وَالتَّكْمِيلِ وَلِلْمُحَافَظَةِ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ (فَائِدَةٌ) قَالَ النَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ قِيلَ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الدُّنْيَا مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ صُحُفُ شِيثٍ سِتُّونَ وَصُحُفُ إبْرَاهِيمَ ثَلَاثُونَ وَصُحُفُ مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرَةٌ وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفُرْقَانُ وَمَعَانِي كُلِّ الْكُتُبِ أَيْ غَيْرِ الْقُرْآنِ مَجْمُوعَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَمَعَانِي كُلِّ الْقُرْآنِ مَجْمُوعَةٌ فِي الْفَاتِحَةِ وَمَعَانِي الْفَاتِحَةِ مَجْمُوعَةٌ فِي الْبَسْمَلَةِ وَمَعَانِي الْبَسْمَلَةِ مَجْمُوعَةٌ فِي بَائِهَا وَمَعْنَاهَا أَيْ الْإِشَارِيُّ بِي كَانَ مَا كَانَ وَبِي يَكُونُ مَا يَكُونُ زَادَ بَعْضُهُمْ وَمَعَانِي الْبَاءِ فِي نُقْطَتِهَا اهـ قَالَ شَيْخُنَا، وَالْمُرَادُ بِهَا أَوَّلُ نُقْطَةٍ تَنْزِلُ مِنْ الْقَلَمِ الَّتِي يُسْتَمَدُّ مِنْهَا الْخَطُّ لَا النُّقْطَةُ الَّتِي تَحْتَ الْبَاءِ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَهُ وَمَعْنَاهَا الْإِشَارِيُّ أَنَّ ذَاتَهُ تَعَالَى نُقْطَةُ الْوُجُودِ الْمُسْتَمَدُّ مِنْهَا كُلُّ مَوْجُودٍ اهـ. (قَوْلُهُ لِمَا دَلَّ إلَخْ) اللَّامُ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّتِمَّةِ وَمَا كِنَايَةٌ عَنْ الرَّحْمَنِ (قَوْلُهُ وَمِنْ التَّدَلِّي) أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى أَنَّهُ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ كَالتَّتِمَّةِ سم وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالتَّدَلِّي هُنَا مُقَابِلُ التَّرَقِّي أَيْ التَّنَزُّلِ مِنْ الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى، وَقَالَ الْكُرْدِيُّ قَوْلُهُ وَمِنْ حَيِّزِ التَّدَلِّي وَهُوَ أَيْ التَّدَلِّي الْقُرْبُ وَالْمُقَارَنَةُ، أَيْ وَلِئَلَّا يُغْفَلَ عَنْ مَكَانِ الْمُقَارَنَةِ بَيْنَ الْمُتَنَاسِبَيْنِ فَهُوَ دَلِيلٌ ثَانٍ لِتَأْخِيرِ الرَّحِيمِ وَجَعْلِهِ كَالتَّتِمَّةِ لِلرَّحْمَنِ، وَالْمُرَادُ أَخَّرَهُ لِيُقَارِنَ النَّظِيرَ وَهُوَ لَفْظُ الرَّحْمَنِ بِالنَّظِيرِ، وَهُوَ لَفْظُ اللَّهِ وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ تَقْدِيمُهُ لِلتَّرَقِّي مِنْ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى اهـ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَمِنْ حَيِّزِ التَّدَلِّي عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ إلَخْ قَدْ تَقَدَّمَ خِلَافُهُ عَنْ سم عَنْ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَوَّلَ إلَخْ) أَقُولُ وَلِرِعَايَةِ الْفَوَاصِلِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا فِي الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ طُرِدَ فِي غَيْرِهَا سم (قَوْلُهُ كَالْعَلَمِ) أَيْ بِالْوَضْعِ، وَإِلَّا فَقَدْ قُدِّمَ أَنَّهُ عَلَمٌ بِالْغَلَبَةِ (قَوْلُهُ مِنْ رَحِمَ إلَخْ) أَيْ مِنْ مَصْدَرِهِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْفِعْلِ تَقْرِيبًا وَلِضِيقِ الْعِبَارَةِ إذْ لَيْسَ لَهُ مَصْدَرٌ وَاحِدٌ حَتَّى يُعَوَّلَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ مِنْ أَنَّ الِاشْتِقَاقَ مِنْ الْفِعْلِ رَشِيدِيٌّ (قَوْلُهُ بَعْدَ نَقْلِهِ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
وَلَا يُعَارِضُهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ) أَيْ لِأَنَّ اسْتِوَاءَهُمَا فِي تَعَلُّقِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالدَّارَيْنِ لَا يُنَافِي أَنَّ أَحَدَهُمَا أَبْلَغُ وَأَزْيَدُ مَعْنًى (قَوْلُهُ وَالْقِيَاسُ) أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ (قَوْلُهُ عَلَيْهِ مِنْ دَقَائِقِهِمَا) مُقَابَلَتُهُ بِالْجَلَائِلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ الْجَلَائِلِ وَقَوْلُهُ وَمِنْ حَيِّزِ التَّدَلِّي أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى أَنَّهُ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ كَالتَّتِمَّةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إلَخْ) أَقُولُ وَلِرِعَايَةِ الْفَوَاصِلِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا فِي الْفَاتِحَةِ ثُمَّ طَرَدَ فِي غَيْرِهَا (قَوْلُهُ
أَوْ تَنْزِيلِهِ مَنْزِلَتَهُ وَالرَّحْمَةُ مَيْلٌ نَفْسَانِيٌّ أُرِيدَ بِهَا لِاسْتِحَالَتِهَا فِي حَقِّهِ تَعَالَى غَايَتُهَا مِنْ الْإِنْعَامِ أَوْ إرَادَتُهُ وَكَذَا كُلُّ صِفَةٍ اسْتَحَالَ مَعْنَاهَا فِي حَقِّهِ تَعَالَى
(الْحَمْدُ) الَّذِي هُوَ لُغَةً الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ
[حاشية الشرواني]
إلَخْ) أَيْ لِاطِّرَادِ نَقْلِ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي إلَى فَعُلَ بِالضَّمِّ فِي بَابَيْ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ صَبَّانٌ (قَوْلُهُ أَوْ تَنْزِيلُهُ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى نَقْلِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ مَنْزِلَتَهُ) أَيْ فِي اللُّزُومِ بِأَنْ لَا يُعْتَبَرَ تَعَلُّقُهُ بِمَفْعُولِ لَا لَفْظًا وَلَا تَقْدِيرًا كَقَوْلِك زَيْدٌ يُعْطِي أَيْ يَصْدُرُ مِنْهُ الْإِعْطَاءُ قَاصِدًا الرَّدَّ عَلَى مَنْ نَفَى عَنْهُ أَصْلَ الْإِعْطَاءِ صَبَّانٌ.
(قَوْلُهُ مَيْلٌ نَفْسَانِيٌّ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةِ رِقَّةٌ فِي الْقَلْبِ تَقْتَضِي التَّفَضُّلَ وَالْإِحْسَانَ، فَالتَّفَضُّلُ غَايَتُهَا وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى الْمَأْخُوذَةُ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ إنَّمَا تُؤْخَذُ بِاعْتِبَارِ الْغَايَاتِ دُونَ الْمَبَادِئِ الَّتِي تَكُونُ انْفِعَالَاتٍ، فَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى إرَادَةُ إيصَالِ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ أَوْ نَفْسُ إيصَالِ ذَلِكَ فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ عَلَى الْأَوَّلِ وَمِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ عَلَى الثَّانِي اهـ، زَادَ الصَّبَّانُ أَيْ فَهِيَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ فِي الْمُسَبَّبِ الْقَرِيبِ أَوْ الْبَعِيدِ أَوْ اسْمِ الْمَلْزُومِ فِي اللَّازِمِ الْقَرِيبِ أَوْ الْبَعِيدِ هَذَا أَيْ مَجَازِيَّةُ وَصْفِهِ تَعَالَى بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هُوَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ أَمَّا وَصْفُهُ تَعَالَى بِهِمَا بِحَسَبِ الشَّرْعِ فَقَالَ الْأُسْتَاذُ الصَّفَوِيُّ الْأَقْرَبُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي الْإِحْسَانِ أَوْ إرَادَتِهِ اهـ.
عَلَى أَنَّ الْخَادِمِيَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضٍ أَنَّ مِنْ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ إرَادَةَ الْخَيْرِ وَعَنْ بَعْضٍ آخَرَ أَنَّ مِنْهَا الْإِحْسَانَ فَعَلَى هَذَيْنِ لَا تَجُوزُ أَصْلًا فَاحْفَظْهُ اهـ كَلَامُ الصَّبَّانِ عِبَارَةُ ع ش وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ هُوَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْإِحْسَانِ أَوْ إرَادَتِهِ فَقَوْلُ م ر إمَّا مَجَازٌ إلَخْ مَعْنَاهُ بِحَسَبِ أَصْلِهِ قَبْلَ اشْتِهَارِهِ شَرْعًا فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْغَايَاتِ اهـ وَعِبَارَةُ الْمُلَّا إبْرَاهِيمَ الْكُرْدِيِّ، ثُمَّ الْمَدَنِيُّ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ الْأَعْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ هِيَ الرَّحْمَةُ الْقَائِمَةُ بِنَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقُ الرَّحْمَةِ كَذَلِكَ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْهُ كَوْنُ الرَّحْمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِهَا الْحَقُّ سُبْحَانَهُ مَجَازًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِلْمَ الْقَائِمَ بِنَا مِنْ الْأَعْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ وَقَدْ وُصِفَ الْحَقُّ بِالْعِلْمِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ الْعِلْمَ الَّذِي وُصِفَ بِهِ الْحَقُّ مَجَازٌ مَعَ أَنَّ عِلْمَ الْحَقِّ ذَاتِيٌّ أَزَلِيٌّ حُضُورِيٌّ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ وَعِلْمُنَا مَجْعُولٌ حَادِثٌ حُصُولِيٌّ غَيْرُ مُحِيطٍ، وَكَذَلِكَ الْقُدْرَةُ الْقَائِمَةُ بِنَا مِنْ الْأَعْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ وَصْفَ الْحَقِّ بِالْقُدْرَةِ مَجَازٌ مَعَ أَنَّ قُدْرَتَهُ تَعَالَى ذَاتِيَّةٌ أَزَلِيَّةٌ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ وَقُدْرَتُنَا مَجْعُولَةٌ حَادِثَةٌ غَيْرُ شَامِلَةٍ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ الْإِرَادَةُ وَغَيْرُهَا فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرَّحْمَةُ حَقِيقَةً وَاحِدَةً هِيَ الْعَطْفُ، ثُمَّ الْعَطْفُ تَخْتَلِفُ وُجُوهُهُ وَأَنْوَاعُهُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَوْصُوفِينَ بِهِ فَإِذَا نُسِبَ إلَيْنَا كَانَ كَيْفِيَّةً نَفْسَانِيَّةً وَإِذَا نُسِبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَ عَلَى حَسَبِ مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ ذَاتِهِ مِنْ نَحْوِ الْإِنْعَامِ أَوْ إرَادَتِهِ، كَمَا أَنَّ الْعِلْمَ وَنَحْوَهُ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا نُسِبَتْ إلَيْنَا كَانَتْ كَيْفِيَّةً نَفْسَانِيَّةً، وَإِذَا نُسِبَتْ إلَى الْحَقِّ كَانَتْ كَمَا تَلِيقُ بِجَلَالِ ذَاتِهِ.
وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ وَلَا يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَتْ الْحَقِيقَةُ وَلَا تَتَعَذَّرُ إلَّا إذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ مُطْلَقًا مُنْحَصِرَةٌ فِي الْكَيْفِيَّةِ النَّفْسَانِيَّةِ وَضْعًا وَدُونَهُ خَرْطُ الْقَتَادِ، وَهَذِهِ نُكْتَةٌ مَنْ تَنَبَّهَ لَهَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّكَلُّفَاتِ فِي تَأْوِيلِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا وَرَدَ إطْلَاقُهَا عَلَى اللَّهِ فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ اهـ.
(قَوْلُهُ لِاسْتِحَالَتِهَا) أَيْ بِهَذَا الْمَعْنَى سم (قَوْلُهُ وَكَذَا كُلُّ صِفَةٍ اسْتَحَالَ إلَخْ) أَيْ كَالْغَضَبِ وَالرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ وَالْحَيَاءِ وَالْفَرَحِ وَالْحُزْنِ وَالْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ وَالِاسْتِهْزَاءِ إنَّمَا تُؤْخَذُ بِاعْتِبَارِ الْغَايَةِ ع ش وَصَبَّانٌ
(قَوْلُهُ لُغَةً) مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مُنْدَرِجًا فِي الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَهَذَا الْأَخِيرُ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَهُوَ وَإِنْ كَانَ سَمَاعِيًّا مُلْحَقٌ بِالْقِيَاسِيِّ لِكَثْرَتِهِ فِي كَلَامِهِمْ بُجَيْرِمِيٌّ، وَقَوْلُهُ أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ فِيهِ نَظَرٌ رَاجِعْ عِلْمَ النَّحْوِ (قَوْلُهُ بِالْجَمِيلِ) إنْ كَانَتْ الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَانَ بَيَانًا لِلْمَحْمُودِ بِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ اخْتِيَارِيًّا، وَإِنْ كَانَتْ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوْ بِمَعْنَى عَلَى كَانَ بَيَانًا لِلْمَحْمُودِ عَلَيْهِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ اخْتِيَارِيًّا وَلَوْ حُكْمًا أَيْ بِأَنْ لَا يَكُونَ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ فَيَشْمَلُ ذَاتَهُ تَعَالَى وَصِفَاتَهُ، أَوْ بِأَنْ كَانَ مَنْشَأً لِأَفْعَالٍ اخْتِيَارِيَّةٍ كَذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِ التَّأْثِيرِ كَالْقُدْرَةِ أَوْ مُلَازِمًا لِلْمَنْشَأِ كَبَقِيَّةِ الصِّفَاتِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْجَمِيلُ الْمَحْمُودُ عَلَيْهِ مِنْ الْفَضَائِلِ وَهِيَ الْمَزَايَا الْقَاصِرَةُ الَّتِي لَا يَتَوَقَّفُ الِاتِّصَافُ بِهَا عَلَى تَعَدِّي أَثَرِهَا لِلْغَيْرِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ أَوْ مِنْ الْفَوَاضِلِ وَهِيَ الْمَزَايَا الَّتِي يَتَوَقَّفُ الِاتِّصَافُ بِهَا عَلَى تَعَدِّي أَثَرِهَا لِلْغَيْرِ كَالْإِنْعَامِ وَالشَّجَاعَةِ، ثُمَّ الْمُرَادُ الْجَمِيلُ عِنْدَ الْحَامِدِ أَوْ الْمَحْمُودِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَمِيلًا فِي الشَّرْعِ فَيَشْمَلُ الثَّنَاءَ عَلَى الْقَتْلِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ ذَلِكَ الْوَصْفِ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ وَلَوْ ظَاهِرًا بِأَنْ لَا يَصْدُرَ عَنْ الْحَامِدِ مَا يُخَالِفُهُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْحَلَبِيُّ وَوَافَقَهُ الْبُجَيْرَمِيُّ وَشَيْخُنَا وَاشْتَرَطَ الْمُغْنِي
[حاشية ابن قاسم العبادي]
مَنْزِلَتَهُ) أَيْ فِي اللُّزُومِ وَقَوْلُهُ لِاسْتِحَالَتِهَا أَيْ بِهَذَا الْمَعْنَى
وَعُرْفًا فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ لِإِنْعَامِهِ وَهَذَا هُوَ الشُّكْرُ لُغَةً، وَأَمَّا اصْطِلَاحًا فَهُوَ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ إلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ فَهُوَ أَخَصُّ مُطْلَقًا مِنْ الثَّلَاثَةِ - قَبْلَهُ أَيْ مَاهِيَّتُهُ إنْ جُعِلَتْ أَلْ لِلْجِنْسِ وَهُوَ الْأَصْلُ أَوْ جَمِيعُ أَفْرَادِهِ إنْ جُعِلَتْ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَهُوَ أَبْلَغُ
[حاشية الشرواني]
مُوَافَقَةَ الْبَاطِنِ لِلظَّاهِرِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ وَعُرْفًا فِعْلٌ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذِكْرًا بِاللِّسَانِ أَوْ اعْتِقَادًا وَمَحَبَّةً بِالْجِنَانِ أَوْ عَمَلًا وَخِدْمَةً بِالْأَرْكَانِ فَمَوْرِدُ اللُّغَوِيِّ هُوَ اللِّسَانُ وَحْدَهُ وَمُتَعَلِّقُهُ يَعُمُّ النِّعْمَةَ وَغَيْرَهَا وَمَوْرِدُ الْعُرْفِيِّ يَعُمُّ اللِّسَانَ وَغَيْرَهُ وَمُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ وَحْدَهَا فَاللُّغَوِيُّ أَعَمُّ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقِ وَأَخَصُّ بِاعْتِبَارِ الْمَوْرِدِ وَالْعُرْفِيُّ بِالْعَكْسِ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي.
(قَوْلُهُ لِإِنْعَامِهِ) أَيْ عَلَى الْحَامِدِ أَوْ غَيْرِهِ مُغْنِي سَوَاءٌ كَانَ لِلْغَيْرِ خُصُوصِيَّةٌ بِالْحَامِدِ كَوَلَدِهِ وَصَدِيقِهِ أَوْ لَا وَلَوْ كَافِرًا ع ش (قَوْلُهُ وَهَذَا هُوَ الشُّكْرُ لُغَةً) وِفَاقًا لِلْمُغْنِي، وَقَالَ النِّهَايَةُ وَالشُّكْرُ لُغَةً فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا عَلَى الشَّاكِرِ اهـ وَيَأْتِي عَنْ النَّتَائِجِ وَتُحْفَةِ الرَّشِيدِيِّ مِثْلُهُ بَلْ هُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ (قَوْلُهُ صَرْفُ الْعَبْدِ إلَخْ) أَيْ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْعَبْدُ أَعْضَاءَهُ وَمَعَانِيَهُ فِيمَا طَلَبَ الشَّارِعُ اسْتِعْمَالَهَا فِيهِ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَسَمَاعِ نَحْوِ عِلْمٍ وَهَكَذَا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ قَلْيُوبِيٌّ قَالَ سم إذَا صَرَفَ الْعَبْدُ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ سُمِّيَ شَكُورًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13] وَإِذَا صَرَفَهَا فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ سُمِّيَ شَاكِرًا قَالَ شَيْخُنَا ع ش وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُ صَرْفِهَا كُلِّهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ بِمَنْ حَمَلَ جِنَازَةً مُتَفَكِّرًا فِي مَصْنُوعَاتِهِ عَزَّ وَجَلَّ نَاظِرًا بَيْنَ يَدَيْهِ لِئَلَّا يَزِلَّ بِالْمَيِّتِ مَاشِيًا بِرِجْلِهِ إلَى الْقَبْرِ شَاغِلًا لِسَانَهُ بِالذِّكْرِ وَأُذُنَهُ بِاسْتِمَاعِ مَا فِيهِ ثَوَابٌ كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ إطْفِيحِيٌّ اهـ.
بُجَيْرِمِيٌّ (قَوْلُهُ فَهُوَ أَخَصُّ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الشُّكْرَ الْعُرْفِيَّ أَخَصُّ مُطْلَقًا مِنْ الْحَمَدَيْنِ وَالشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ أَيْ وَبَيْنَ الشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ وَالْحَمْدِ الْعُرْفِيِّ تَرَادُفٌ وَبَيْنَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ اللُّغَوِيَّيْنِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ يَجْتَمِعَانِ فِي ثَنَاءٍ بِلِسَانٍ فِي مُقَابَلَةِ إحْسَانٍ، وَيَنْفَرِدُ الْحَمْدُ اللُّغَوِيُّ فِي ثَنَاءٍ بِلِسَانٍ لَا فِي مُقَابَلَةِ إحْسَانٍ، وَيَنْفَرِدُ الشُّكْرُ اللُّغَوِيُّ فِي ثَنَاءٍ بِغَيْرِ لِسَانٍ فِي مُقَابَلَةِ إحْسَانٍ بُجَيْرِمِيٌّ عِبَارَةُ تُحْفَةِ الرَّشِيدِيِّ وَالنَّتَائِجِ الْحَمْدُ لَهُ مَعْنًى لُغَوِيٌّ وَهُوَ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ تَعْظِيمًا عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ مُطْلَقًا وَعُرْفِيٌّ وَهُوَ فِعْلٌ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ قَصْدًا لِإِنْعَامِهِ مُطْلَقًا، وَلِلشُّكْرِ أَيْضًا مَعْنًى لُغَوِيٌّ وَهُوَ فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ قَصْدًا لِإِنْعَامِهِ عَلَى الشَّاكِرِ وَعُرْفِيٌّ وَهُوَ صَرْفُ الْعَبْدِ إلَخْ وَالْمَدْحُ هُوَ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ تَعْظِيمًا عَلَى الْجَمِيلِ مُطْلَقًا أَيْ اخْتِيَارِيًّا أَوْ لَا، وَالثَّنَاءُ فِعْلٌ يُشْعِرُ بِالتَّعْظِيمِ فَهُوَ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِاللِّسَانِ وَغَيْرِهِ وَبِمُقَابَلَةِ الْإِنْعَامِ وَغَيْرِهِ اخْتِيَارِيًّا وَغَيْرَهُ وَالْحَمْدُ اللُّغَوِيُّ أَخَصُّ مُطْلَقًا مِنْ الْمَدْحِ وَمِنْ وَجْهٍ مِنْ الْحَمْدِ الْعُرْفِيِّ وَالشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ وَمُبَايِنٌ لِلشُّكْرِ الْعُرْفِيِّ بِحَسَبِ الْحَمْلِ إذْ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ جَزْءٌ مِنْ الصَّرْفِ الْمَذْكُورِ وَالْجُزْءُ مُبَايِنٌ لِلْكُلِّ وَأَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْهُ بِحَسَبِ الْوُجُودِ، وَالْحَمْدُ الْعُرْفِيُّ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ الشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ وَالْعُرْفِيِّ وَمِنْ وَجْهٍ مِنْ الْمَدْحِ وَالشُّكْرُ الْعُرْفِيُّ مُبَايِنٍ لِلْمَدْحِ بِحَسَبِ الْحَمْلِ عَلَى مَا مَرَّ وَجْهُهُ فِي الْحَمْدِ اللُّغَوِيِّ، وَأَخَصُّ مِنْهُ مُطْلَقًا بِحَسَبِ الْوُجُودِ اهـ.
(قَوْلُهُ أَيْ مَاهِيَّتُهُ) رَاجِعٌ لِلْمَتْنِ سم (قَوْلُهُ وَهُوَ الْأَصْلُ) فَإِنَّ حَرْفَ التَّعْرِيفِ مَوْضُوعٌ لِلْإِشَارَةِ إلَى مَعْهُودٍ أَوْ إلَى نَفْسِ الْحَقِيقَةِ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا الِاسْتِغْرَاقُ وَالْعَهْدُ الذِّهْنِيُّ فَمِنْ مُتَفَرِّعَاتِ الثَّانِي فَالْمُعَرَّفُ فَاللَّامُ الْجِنْسِ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْفَرْدِ الذِّهْنِيِّ أَوْ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ إلَّا بِقَرِينَةٍ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكَّاكِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَوْ مَوْضُوعٌ لِلْإِشَارَةِ إلَى نَفْسِ الْحَقِيقَةِ فَقَطْ، وَأَمَّا الِاسْتِغْرَاقُ وَالْعَهْدَانِ فَمِنْ مُتَفَرِّعَاتِهَا فَإِطْلَاقُهُ عَلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إنَّمَا هُوَ بِالْقَرِينَةِ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ عَلَى هَذَا وَهُوَ مُخْتَارُ الْمُحَقِّقِينَ وَهُنَا قَوْلَانِ آخَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَشْتَرِكُ لَفْظًا بَيْنَ الْجِنْسِ وَالْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ وَالِاسْتِغْرَاقِ وَالْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ مُتَفَرِّعٌ عَلَى الْجِنْسِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَشْتَرِكُ لَفْظًا بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ (قَوْلُهُ وَهُوَ أَبْلَغُ) اخْتَارَهُ الْعَلَّامَةُ الْبِرْكَوِيُّ أَيْضًا فَقَالَ لِظُهُورِهِ فِي أَدَاءِ الْمَرَامِ، وَلِأَنَّ مَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْمَحَامِدِ وَحُصُولِهَا لَهُ تَعَالَى بِخِلَافِ مَعْنَى
[حاشية ابن قاسم العبادي]
(قَوْلُهُ فَهُوَ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ إلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ) فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْمَطَالِعِ لِلدَّوَانِي كَلَامٌ طَوِيلٌ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ جُمْلَتِهِ قَوْلُهُ بَلْ الْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَنْ صَرَفَ الْجَمِيعَ فِيمَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ دُونَ وَقْتٍ آخَرَ لَيْسَ شَاكِرًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي تَحَقَّقَ فِيهِ صَرْفُ الْجَمِيعِ بَلْ هُوَ شَاكِرٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاكِرًا فِي وَقْتٍ آخَرَ فَإِنَّ عُمُومَ الْأَوْقَاتِ لَا يُعْتَبَرُ فِي التَّعْرِيفِ إلَخْ انْتَهَى (قَوْلُهُ أَيْ مَاهِيَّتُهُ) رَاجِعٌ لِلْمَتْنِ (قَوْلُهُ وَهُوَ أَبْلَغُ) فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْجِنْسَ يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِغْرَاقَ وَفِي الْحَمْلِ عَلَيْهِ سُلُوكُ طَرِيقِ الْبُرْهَانِ كَمَا قَرَّرَهُ السَّيِّدُ فِي تَوْجِيهِ تَرْجِيحِ صَاحِبِ الْكَشَّافِ الْحَمْلَ عَلَى الْجِنْسِ.
(قَوْلُهُ
مَمْلُوكٌ أَوْ مُسْتَحَقٌّ (لِلَّهِ) أَيْ لِذَاتِهِ وَإِنْ انْتَقَمَ فَلَا مَرَدَّ مِنْهُ لِغَيْرِهِ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ وَالْجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنَى إذْ الْقَصْدُ بِهَا الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَضْمُونِهَا الْمَذْكُورِ مِنْ اتِّصَافِهِ تَعَالَى بِصِفَاتِ ذَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ الْجَمِيلَة وَمِلْكِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِجَمِيعِ الْحَمْدِ مِنْ الْخَلْقِ.
قِيلَ وَيُرَادِفُهُ الْمَدْحُ، وَرُجِّحَ وَاعْتُرِضَ وَقِيلَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَفِي تَحْقِيقِهِ أَقْوَالٌ وَجَمَعَ بَيْنَ الِابْتِدَاءَيْنِ الْحَقِيقِيِّ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْإِضَافِيِّ بِالْحَمْدَلَةِ
[حاشية الشرواني]
الْجِنْسِ إذْ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ فَيَكُونُ فِي الْإِفَادَةِ أَوْفَى وَبِمَقَامِ الثَّنَاءِ أَحْرَى اهـ وَرَجَّحَ الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةُ مَعْنَى الْجِنْسِ عِبَارَتَهُمَا، وَالْحَمْدُ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ سَوَاءٌ أَجُعِلَتْ فِيهِ أَلْ لِلِاسْتِغْرَاقِ كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَمْ لِلْجِنْسِ كَمَا عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيّ؛ لِأَنَّ لَامَ لِلَّهِ لِلِاخْتِصَاصِ فَلَا فَرْدَ مِنْهُ لِغَيْرِهِ تَعَالَى وَإِلَّا فَلَا اخْتِصَاصَ لِتَحَقُّقِ الْجِنْسِ فِي الْفَرْدِ الثَّابِتِ لِغَيْرِهِ أَمْ لِلْعَهْدِ كَاَلَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: 40] كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَجَازَهُ الْوَاحِدِيُّ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْحَمْدَ الَّذِي حَمِدَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَحَمِدَهُ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعَالَى وَالْعِبْرَةُ بِحَمْدِ مَنْ ذُكِرَ فَلَا مَرَدَّ مِنْهُ لِغَيْرِهِ وَأُولَى الثَّلَاثَةِ الْجِنْسُ اهـ.
زَادَ الثَّانِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ثَمَانِيَةُ أَحْرُفٍ وَأَبْوَابُ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةٌ فَمَنْ قَالَهَا عَنْ صَفَاءِ قَلْبِهِ اسْتَحَقَّ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ اهـ أَيْ اسْتَحَقَّ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ، فَيُخَيَّرُ إكْرَامًا وَإِنَّمَا يَخْتَارُ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ مِنْهُ ع ش وَقَوْلُهُمَا لِلِاخْتِصَاصِ أَيْ لِتَوْكِيدِهِ، وَإِلَّا فَالِاخْتِصَاصُ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْجُمْلَةِ بِوَاسِطَةِ تَعْرِيفِ الْمُبْتَدَأِ فِيهَا كَمَا فِي التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَالْكَرَمِ فِي الْعَرَبِ ع ش وَبُجَيْرِمِيٌّ وَقَوْلُهُمَا وَالْعِبْرَةُ بِحَمْدِ مَنْ ذُكِرَ أَمَّا حَمْدُ غَيْرِهِمْ فَكَالْعَدِمِ فَإِذَا صَدَرَ مِنْهُمْ حَمْدٌ لِغَيْرِهِ تَعَالَى لَا يَفُوتُ اخْتِصَاصُ الْحَمْدِ بِهِ تَعَالَى ع ش وَقَوْلُهُمَا وَأَوْلَى الثَّلَاثَةِ الْجِنْسُ أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ بِالِالْتِزَامِ عَلَى ثُبُوتِ جَمِيعِ الْمَحَامِدِ لَهُ تَعَالَى فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بُرْهَانِيٌّ فَإِنَّهُ فِي قُوَّةِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الْأَفْرَادَ مُخْتَصَّةٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى بِدَلِيلِ اخْتِصَاصِ الْجِنْسِ بِهِ سم وَع ش وَشَيْخُنَا (قَوْلُهُ مَمْلُوكٌ أَوْ مُسْتَحَقٌّ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ اللَّامَ لِلْمِلْكِ أَوْ لِلِاسْتِحْقَاقِ أَيْ لِلِاخْتِصَاصِ عِنْدَ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ يُعْتَبَرُ بَيْنَ الذَّاتِ وَالصِّفَةِ نَحْوُ الْعِزَّةُ لِلَّهِ وَالِاخْتِصَاصُ بِالذَّاتَيْنِ نَحْوُ الْجَنَّةُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَوْ وَلِلِاخْتِصَاصِ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، وَعَمَّمَ الثَّانِيَ لِلْأَوَّلِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ هِشَامٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الِاشْتِرَاكِ، وَاخْتَارَهُ الْعَلَّامَةُ الْبِرْكَوِيُّ فِي الْإِمْعَانِ نَتَائِج (قَوْلُهُ أَيْ لِذَاتِهِ) وَلَمَّا كَانَ اسْتِحْقَاقُهُ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ لِذَاتِهِ لَمْ يَقُلْ الْحَمْدُ لِلْخَالِقِ أَوْ لِلرَّازِقِ أَوْ نَحْوِهِ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لِلْحَمْدِ لِذَلِكَ الْوَصْفِ نِهَايَةٌ أَيْ لَمْ يَقُلْ نَحْوُ لِلْخَالِقِ ابْتِدَاءً فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ الْبَرُّ الْجَوَادُ إلَخْ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الصَّنِيعِ إلَى اسْتِحْقَاقِهِ تَعَالَى لِلْحَمْدِ لِذَاتِهِ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ وَلِصِفَاتِهِ ثَانِيًا وَبِالْعَرْضِ رَشِيدِيٌّ (قَوْلُهُ فَلَا مَرَدَّ مِنْهُ إلَخْ) مُفَرَّعٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ احْتِمَالِيِّ الْجِنْسِ وَالِاسْتِغْرَاقِ كَمَا مَرَّ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ عَنْ النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ النَّتَائِجُ، ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قُلْت فِي أَيِّ مَعْنَى الْحَمْدِ اُعْتُبِرَ الْجِنْسُ أَوْ الِاسْتِغْرَاقُ يَكُونُ بَعْضُ أَفْرَادِ الْآخَرِ خَارِجًا عَنْ التَّخْصِيصِ الَّذِي يُفِيدُهُ تَعْرِيفُ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ بِاللَّامِ فَلَا يَكُونُ حَمْدُ الْمُخَصَّصِ عَلَى وَجْهٍ أَكْمَلَ؟ قُلْت: فَإِنْ أَرَدْت الْإِكْمَالَ فَعَلَيْك بِعُمُومِ الْمَجَازِ اهـ.
(قَوْلُهُ لِغَيْرِهِ تَعَالَى إلَخْ) أَيْ وَمَا وَقَعَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الظَّاهِرِ فَرَاجِعٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَقِيقَةِ نَتَائِجُ وَأَيْضًا الْوُقُوعُ لِلْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ لَا يُنَافِي اسْتِحْقَاقَ الْكُلِّ لِلَّهِ إذْ الِاسْتِحْقَاقُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْحَكِيمِ (قَوْلُهُ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى) وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً شَرْعًا لِلْإِنْشَاءِ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي وَهَذَا قَوْلٌ آخَرُ ع ش وَقَالَ شَيْخُنَا، وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ خَبَرِيَّةً لَفْظًا وَمَعْنًى لِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِالْحَمْدِ حَمْدٌ فَيَحْصُلُ الْحَمْدُ بِهَا وَإِنْ قُصِدَ بِهَا الْإِخْبَارُ اهـ (قَوْلُهُ مِنْ اتِّصَافِهِ إلَخْ) بَيَانٌ لِلْمَضْمُونِ (قَوْلُهُ بِصِفَاتِ ذَاتِهِ إلَخْ) وَجْهُ إدْخَالِ هَذَا فِي مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ أَنَّ مَضْمُونَهَا يَسْتَلْزِمُهُ إذْ ثَبَاتُ الثَّنَاءِ بِالْجَمِيلِ لَهُ يَسْتَلْزِمُ إثْبَاتَ الْجَمِيلِ لَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ سم (قَوْلُهُ وَمِلْكِهِ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى اتِّصَافِهِ إلَخْ أَوْ صِفَاتِ ذَاتِهِ سم (قَوْلُهُ وَاسْتِحْقَاقِهِ إلَخْ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ أَخْذًا مِنْ أَوَّلِ كَلَامِهِ إلَّا أَنْ يُشِيرَ بِهِ هُنَا إلَى جَوَازِ إرَادَاتِهِمَا مَعًا بِعُمُومِ الْمُشْتَرَكِ كَمَا جَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ، وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَوْ بِعُمُومِ الْمَجَازِ عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ قِيلَ وَيُرَادِفُهُ الْمَدْحُ) وَهُوَ رَأْيُ الزَّمَخْشَرِيّ حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِطْ كَوْنَ الْمَحْمُودِ عَلَيْهِ اخْتِيَارِيًّا شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَقِيلَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ) وَهُوَ رَأْيُ الْجُمْهُورِ فَيَشْتَرِطُونَ كَوْنَ الْمَحْمُودِ عَلَيْهِ اخْتِيَارِيًّا دُونَ الْمَمْدُوحِ عَلَيْهِ كَمَدَحْتُ اللُّؤْلُؤَ لِصِفَاتِهِ (قَوْلُهُ وَفِي تَحْقِيقِهِ أَقْوَالٌ) ، وَالرَّاجِحُ مِنْهَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ النَّتَائِجِ وَتُحْفَةِ الرَّشِيدِيِّ (قَوْلُهُ الْحِسِّيُّ) كَذَا فِي أَصْلِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْحَقِيقِيِّ سَيِّدِي عُمَرَ وَالِابْتِدَاءُ الْحَقِيقِيُّ جَعْلُ الشَّيْءِ أَوَّلًا غَيْرَ مَسْبُوقٍ بِشَيْءٍ آخَرَ أَصْلًا، وَالِابْتِدَاءُ الْإِضَافِيُّ وَيُسَمَّى الْعُرْفِيَّ أَيْضًا جَعْلُ الشَّيْءِ أَوَّلًا بِالْإِضَافَةِ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
بِصِفَاتِ ذَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ الْجَمِيلَةِ) وَجْهُ إدْخَالِ هَذَا فِي مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ أَنَّ مَضْمُونَهَا يَسْتَلْزِمُهُ لِأَنَّ إثْبَاتَ الثَّنَاءِ بِالْجَمِيلِ لَهُ يَسْتَلْزِمُ إثْبَاتَ الْجَمِيلِ لَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَمَلَكَهُ) عُطِفَ عَلَى اتِّصَافِهِ أَوْ صِفَاتِ ذَاتِهِ
اقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَعَمَلًا بِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ» أَيْ حَالٍ يُهْتَمُّ بِهِ أَيْ وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ وَقَدْ يَخْرُجَانِ بِذِي الْبَالِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ ذَوُوهُ شَرْعًا لَا عُرْفًا وَلَا ذِكْرٍ مَحْضٍ وَلَا جَعَلَ الشَّارِعُ لَهُ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ الْبَسْمَلَةِ كَالصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ «بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» بِجِيمٍ فَمُعْجَمَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ «أَقْطَعُ» وَفِي أُخْرَى «أَبْتَرُ» أَيْ قَلِيلُ الْبَرَكَةِ، وَقِيلَ مَقْطُوعُهَا وَفِي رِوَايَةِ «بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَفِي أُخْرَى «بِذِكْرِ اللَّهِ» وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ لِلْمُرَادِ وَعَدَمُ التَّعَارُضِ بِفَرْضِ إرَادَةِ الِابْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ فِيهِمَا وَفِي أُخْرَى سَنَدُهَا ضَعِيفٌ «لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيَّ فَهُوَ أَبْتَرُ مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ» ثُمَّ لَمَّا كَانَ عَادَةُ الْبُلَغَاءِ تَحْسِينَ مَا يُكْسِبُ الْكَلَامَ رَوْنَقًا وَطَلَاوَةً لَا سِيَّمَا الِابْتِدَاءُ ثَنَّى بِمَا فِيهِ بَرَاعَةُ الِاسْتِهْلَالِ
[حاشية الشرواني]
إلَى الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ سَوَاءٌ سَبَقَهُ شَيْءٌ أَمْ لَا فَهُوَ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ الْحَقِيقِيِّ صَبَّانٌ وَع ش (قَوْلُهُ اقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ) أَيْ بِأُسْلُوبِهِ وَهَذَا عِلَّةٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَلِتَقْدِيمِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ (قَوْلُهُ وَعَمَلًا بِالْخَبَرِ إلَخْ) أَيْ وَإِشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِحَمْلِ حَدِيثِ الْبَسْمَلَةِ عَلَى الْبَدْءِ الْحَقِيقِيِّ وَحَدِيثِ الْحَمْدَلَةِ عَلَى الْبَدْءِ الْإِضَافِيِّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي دَفْعِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا وَهُنَاكَ أَوْجُهٌ أُخَرُ لِدَفْعِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا مَذْكُورٌ فِي الْمُطَوَّلَاتِ شَيْخُنَا وَعُبِّرَ فِي جَانِبِ الْكِتَابِ بِالِاقْتِدَاءِ وَفِي جَانِبِ الْحَدِيثِ بِالْعَمَلِ إذْ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَمْرٌ بِذَلِكَ لَا تَصْرِيحًا وَلَا ضِمْنًا، وَإِنَّمَا نَزَلَ بِذَلِكَ الْأُسْلُوبِ فَاقْتَدَى بِهِ، وَالْحَدِيثُ مُتَضَمِّنٌ لِلْأَمْرِ كَأَنَّهُ يَقُولُ ابْدَءُوا بِالْبَسْمَلَةِ فِي كُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ.
(قَوْلُهُ وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ) أَيْ لِذَاتِهِ وَلَا مَكْرُوهٍ أَيْ كَذَلِكَ وَلَا مِنْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ أَيْ مُحَقَّرَاتِهَا فَتَحْرُمُ عَلَى الْمُحَرَّمِ لِذَاتِهِ كَالزِّنَا وَتُكْرَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ لِذَاتِهِ كَالنَّظَرِ لِلْفَرْجِ بِلَا حَاجَةٍ بِخِلَافِ الْمَكْرُوهِ لِعَارِضٍ كَأَكْلِ الْبَصَلِ وَلَا تُطْلَبُ عَلَى مُحَقَّرَاتِ الْأُمُورِ كَكَنْسِ زِبْلٍ صَوْنًا لِاسْمِهِ تَعَالَى عَنْ اقْتِرَانِهِ بِالْمُحَقَّرَاتِ وَتَخْفِيفًا عَلَى الْعِبَادِ شَيْخُنَا، وَكَذَا فِي الْبُجَيْرَمِيِّ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ أَكْلَ الْبَصَلِ مِنْ الْمَكْرُوهِ لِذَاتِهِ فَتُكْرَهُ عَلَيْهِ وَمَثَّلَ لِلْمَكْرُوهِ لِعَارِضٍ بِالْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُشْمِسِ، وَزَادَ وَبِخِلَافِ الْمُحَرَّمِ لَا لِذَاتِهِ كَالْوُضُوءِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ فَتُسَنُّ اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ يَخْرُجَانِ) أَيْ الْمُحَرَّمُ وَالْمَكْرُوهُ (قَوْلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ ذَوُوهُ) فِيهِ إضَافَةُ ذُو إلَى الْمُضْمَرِ، وَأَكْثَرُ النُّحَاةِ عَلَى مَنْعِهَا عِبَارَةُ الْكَافِيَةِ وَذُو لَا يُضَافُ إلَى مُضْمَرٍ وَقَالَ شُرَّاحُهُ وَقَدْ أُضِيفَ إلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الشُّذُوذِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ
إنَّمَا يَعْرِفُ ذَا الْفَضْلِ ذَوُوهُ
اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَا ذِكْرٍ مَحْضٍ) أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مُحَرَّمٍ سم أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ ذِكْرٌ أَصْلًا أَوْ كَانَ ذِكْرًا غَيْرَ مَحْضٍ كَالْقُرْآنِ فَتُسَنُّ التَّسْمِيَةُ فِيهِ بِخِلَافِ الذِّكْرِ الْمَحْضِ كَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ شَيْخُنَا زَادَ الْبُجَيْرَمِيُّ فَإِنْ قُلْت وَمِنْ الْأُمُورِ ذِي الْبَالِ الْبَسْمَلَةُ فَتَحْتَاجُ فِي تَحْصِيلِ الْبَرَكَةِ فِيهَا إلَى سَبْقِ مِثْلِهَا، وَيَتَسَلْسَلُ قُلْت هِيَ مُحَصِّلَةٌ لِلْبَرَكَةِ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا كَالشَّاةِ مِنْ الْأَرْبَعِينَ تُزَكِّي نَفْسَهَا وَغَيْرَهَا فَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ عُمُومِ الْأَمْرِ ذِي الْبَالِ فِي الْحَدِيثِ اهـ.
عَبْدُ الْحَقِّ وَأَجَابَ الْمَدَابِغِيُّ بِتَقْيِيدِ الْأَمْرِ ذِي الْبَالِ أَيْضًا بِأَنْ لَا يَكُونَ وَسِيلَةً إلَى الْمَقْصُودِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ أَمْرٌ ذُو بَالٍ فَتَحْتَاجُ إلَى سَبْقِ مِثْلِهَا وَيَتَسَلْسَلُ اهـ.
(قَوْلُهُ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيْ بِالرَّفْعِ فَإِنَّ التَّعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ رَفْعُ الْحَمْدِ وَتَسَاوِي الرِّوَايَتَيْنِ وَكَوْنُ رِوَايَةِ الْبَسْمَلَةِ بِبَاءَيْنِ، وَأَنْ يُرَادَ بِالِابْتِدَاءِ فِيهِمَا الِابْتِدَاءُ الْحَقِيقِيُّ وَكَوْنُ الْبَاءِ صِلَةَ يَبْدَأُ فَإِنْ جُعِلَتْ لِلِاسْتِعَانَةِ فَلَا تَعَارُضَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِشَيْءٍ لَا تُنَافِي الِاسْتِعَانَةَ بِآخَرَ، وَكَذَا إنْ جُعِلَتْ لِلْمُلَابَسَةِ بُجَيْرِمِيٌّ (قَوْلُهُ كَالصَّلَاةِ إلَخْ) أَيْ كَابْتِدَائِهَا (قَوْلُهُ وَفِي رِوَايَةٍ بِحَمْدِ اللَّهِ) النُّكْتَةُ فِي ذِكْرِهَا إفَادَةُ عَدَمِ اشْتِرَاطِ لَفْظِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَفَادَتْ اشْتِرَاطَهُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى رَشِيدِيٌّ (قَوْلُهُ فَهُوَ أَجْذَمُ إلَخْ) الْأَجْذَمُ الْمَقْطُوعُ إلَيْهِ أَوْ الذَّاهِبُ الْأَنَامِلِ قَامُوسٌ وَهَذَا التَّرْكِيبُ وَنَحْوُهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ وَوَجْهِ الشَّبَهِ وَالْأَصْلُ فَهُوَ كَالْأَجْذَمِ فِي عَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ وَلَا يَضُرُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ يُنْبِئُ عَنْ التَّشْبِيهِ لَا مُطْلَقًا لِتَصْرِيحِهِمْ بِكَوْنِ نَحْوِ قَدْ زَرَّ أَزْرَارَهُ عَلَى الْقَمَرِ اسْتِعَارَةً عَلَى أَنَّ الْمُشَبَّهَ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ مَحْذُوفٌ أَيْ هُوَ نَاقِصٌ كَالْأَجْذَمِ فَحُذِفَ الْمُشَبَّهُ وَهُوَ النَّاقِصُ وَعُبِّرَ عَنْهُ بِاسْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَصَارَ الْمُرَادُ مِنْ الْأَجْذَمِ النَّاقِصَ فَلَيْسَ هُنَا جَمْعٌ بَيْنَ طَرَفَيْ التَّشْبِيهِ، وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَقَطْ ع ش.
(قَوْلُهُ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ) يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَمْدِ وَالتَّسْمِيَةِ فِي رِوَايَتَيْهِمَا مُجَرَّدُ الذِّكْرِ لَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ، وَإِلَّا يَلْزَمْ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ؛ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ بِأَحَدِهِمَا يَمْنَعُ الِابْتِدَاءَ بِالْآخَرِ، وَذَلِكَ إنْ أُرِيدَ بِالِابْتِدَاءِ فِيهِمَا الِابْتِدَاءُ الْحَقِيقِيُّ، وَأَمَّا إنْ أُرِيدَ بِهِ الْأَعَمُّ مِنْهُ وَمِنْ الْإِضَافِيِّ فَلَا تَعَارُضَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ أَوَّلًا كُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ وَعَدَمُ التَّعَارُضِ) عُطِفَ عَلَى الْمُرَادِ (قَوْلُهُ بِفَرْضِ إرَادَةِ الِابْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ إلَخْ) أَيْ مَعَ فَرْضِ وُجُودِ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ الْخَمْسَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنْ الْبُجَيْرِمِيِّ (قَوْلُهُ رَوْنَقًا) أَيْ جِنْسًا (قَوْلُهُ وَطَلَاوَةٌ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ لَا سِيَّمَا الِابْتِدَاءُ) أَيْ الْمُبْتَدَأُ بِهِ (قَوْلُهُ ثَنَّى بِمَا فِيهِ بَرَاعَةُ الِاسْتِهْلَالِ) هِيَ أَنْ يُورِدَ مُصَنِّفٌ أَوْ شَاعِرٌ أَوْ خَطِيبٌ فِي
[حاشية ابن قاسم العبادي]
قَوْلُهُ اقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ) تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِذَلِكَ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِابْتِدَاءِ الْقُرْآنِ بِهَا، وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَتْ مِنْهُ (قَوْلُهُ وَلَا ذِكْرٌ مَحْضٌ) أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ
إشَارَةً إلَى أَنَّ تَيْسِيرَ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي لَهُ هُوَ نِعْمَةٌ أَيُّ نِعْمَةٍ إنَّمَا هُوَ مِنْ مَحْضِ بِرِّ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ لَهُ وَجُودِهِ عَلَيْهِ وَلُطْفِهِ بِهِ.
فَقَالَ (الْبَرِّ) أَيْ الْمُحْسِنِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اشْتِقَاقُهُ مِنْ الْبِرِّ بِسَائِرِ مَوَادِّهِ لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى الْإِحْسَانِ كَبَرَّ فِي يَمِينِهِ أَيْ صَدَقَ لِأَنَّ الصِّدْقَ إحْسَانٌ فِي ذَاتِهِ، وَيَلْزَمُهُ الْإِحْسَانُ لِلْغَيْرِ وَأَبَرَّ اللَّهُ حَجَّهُ أَيْ قَبِلَهُ لِأَنَّ الْقَبُولَ إحْسَانٌ وَزِيَادَةٌ، وَأَبَرَّ فُلَانٌ عَلَى أَصْحَابِهِ أَيْ عَلَاهُمْ لِأَنَّهُ غَالِبًا يَنْشَأُ عَنْ الْإِحْسَانِ لَهُمْ فَتَفْسِيرُهُ بِاللَّطِيفِ أَوْ الْعَالِي فِي صِفَاتِهِ أَوْ خَالِقُ الْبِرِّ أَوْ الصَّادِقُ فِيمَا وَعَدَ أَوْلِيَاءَهُ بَعِيدٌ إلَّا أَنْ يُرَادَ بَعْضُ مَاصَدَقَاتِ أَوْ غَايَاتِ ذَلِكَ الْبِرِّ (الْجَوَادِ) بِالتَّخْفِيفِ أَيْ كَثِيرِ الْجُودِ أَيْ الْعَطَاءِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَوْقِيفٌ أَيْ وَأَسْمَاؤُهُ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ عَلَى الْأَصَحِّ فَلَا يَجُوزُ اخْتِرَاعُ اسْمٍ أَوْ صِفَةٍ لَهُ تَعَالَى إلَّا بِقُرْآنٍ أَوْ خَبَرٍ صَحِيحٍ وَإِنْ لَمْ يَتَوَاتَرْ كَمَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْجَمِيلِ بَلْ صَوَّبَهُ خِلَافًا لِجَمْعٍ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْعَمَلِيَّاتِ الَّتِي يَكْفِي فِيهَا الظَّنُّ لَا الِاعْتِقَادِيَّاتُ مُصَرَّحٌ بِهِ لَا بِأَصْلِهِ الَّذِي اُشْتُقَّ مِنْهُ فَحَسْبُ أَيْ وَبِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ ذِكْرُهُ لِمُقَابَلَةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ نَحْوِ ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: 64] ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54] .
وَقَوْلُ الْحَلِيمِيِّ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَلْقَى بَذْرًا فِي أَرْضٍ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ الزَّارِعُ وَالْمُنْبِتُ وَالْمُبَلِّغُ إنَّمَا يَأْتِي فِي الثَّلَاثَةِ عَلَى الْمَرْجُوحِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيمَا صَحَّ مَعْنَاهُ تَوْقِيفٌ فَإِنْ قُلْت الْجَمِيلُ ذُكِرَ لِلْمُقَابَلَةِ
[حاشية الشرواني]
أَوَّلَ كَلَامِهِ عِبَارَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْهُ وَالْمُرَادُ هُنَا حُصُولُ بَرَاعَةِ الِاسْتِهْلَالِ لِلْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مَقْصُودُ الْخُطْبَةِ، وَأَمَّا بَرَاعَةُ الِاسْتِهْلَالِ لِلْكِتَابِ فَفِي قَوْلِهِ الْآتِي الْمُوَفِّقِ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ لِأَنَّ الْكِتَابَ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ قَالَ الْكُرْدِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّ مَا فِي قَوْلِ الشَّارِحِ بِمَا فِيهِ إلَخْ وَاقِعَةٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْبَرِّ إلَى قَوْلِهِ أَحْمَدُهُ إلَخْ فَيَشْمَلُ قَوْلَهُ الْمُوَفِّقُ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، وَأَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ إشَارَةٌ إلَخْ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ ثَنَّى بِمَعْنَى مُشِيرًا، وَلَيْسَ بَيَانًا لِلْمَقْصُودِ بِمَا فِيهِ الْبَرَاعَةُ (قَوْلُهُ إشَارَةً إلَخْ) أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى رُجُوعِهِ لِقَوْلِهِ ثَنَّى إلَخْ عَلَى كَوْنِهِ مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ لَهُ مَثَلًا سم وَالْأَوْلَى جَعْلُهُ حَالًا مِنْ فَاعِلِ ثَنَّى لَا مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ لَهُ لِئَلَّا تَتَوَارَدَ عِلَّتَانِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ فَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْمَتْنِ (الْبَرِّ) بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَعْنًى (قَوْلُهُ أَيْ الْمُحْسِنِ) أَيْ بِكَثْرَةٍ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي شَرْحِ الَّذِي جَلَّتْ (قَوْلُهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنَّ الْبَرَّ بِمَعْنَى الْمُحْسِنِ اشْتِقَاقُهُ مِنْ الْبِرِّ أَيْ اشْتِقَاقُ الْبَرِّ بِفَتْحِ الْبَاءِ مِنْ الْبِرِّ بِكَسْرِهَا بِمَعْنَى الْإِحْسَانِ (قَوْلُهُ بِسَائِرِ مَوَادِّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِالِاشْتِقَاقِ وَالضَّمِيرُ لِلْبَرِّ بِفَتْحِ الْبَاءِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا) أَيْ مَوَادُّهُ الْبَاقِيَةُ يَعْنِي تَفَاسِيرَهَا (قَوْلُهُ تَرْجِعُ إلَى الْإِحْسَانِ) فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهَا إلَيْهِ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ الْمَدْلُولُ لِجَوَازِ أَنَّهَا الْمَدْلُولُ مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهَا بَلْ ظَاهِرُ الْكَلَامِ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ سم وَقَدْ يَدَّعِي الِاقْتِضَاءَ بِوَسَطِ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ الْعُلُوُّ عَلَى الْأَصْحَابِ (قَوْلُهُ فَتَفْسِيرُهُ) أَيْ الْبَرِّ بِفَتْحِ الْبَاءِ (قَوْلُهُ أَوْ خَالِقِ الْبِرِّ) بِكَسْرِ الْبَاءِ الَّذِي هُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي وَلِذَا حُكِيَ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي هَذِهِ التَّفَاسِيرُ بِقِيلَ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُرَادَ) أَيْ بِالتَّفْسِيرِ بِمَا ذُكِرَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَالِي فِي صِفَاتِهِ (قَوْلُهُ أَوْ غَايَاتِ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى مَاصَدَقَاتِ (قَوْلُهُ ذَلِكَ الْبَرِّ) أَيْ الْمُحْسِنِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ التَّفْسِيرَ بِالْعَالِي فِي صِفَاتِهِ مِنْ التَّفْسِيرِ بِالْمَلْزُومِ أَوْ السَّبَبِ، وَالتَّفْسِيرُ بِغَيْرِهِ مِنْ التَّفْسِيرِ بِالْمَاصَدَقَ (قَوْلُهُ أَيْ كَثِيرُ الْجُودِ) تَقَدَّمَ عَنْ سم أَنَّ الْجَوَادَ مِمَّا يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ بِالْمَادَّةِ لَا الْهَيْئَةِ (قَوْلُهُ أَيْ الْعَطَاءِ) فَسَّرَهُ ع ش شَيْخُنَا بِالْإِعْطَاءِ أَيْ؛ لِأَنَّ الْعَطَاءَ الشَّيْءُ الْمُعْطَى وَالْقَصْدُ وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِكَثْرَةِ الْإِسْدَاءِ وَالْإِعْطَاءِ فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَثِيرُ الْبَذْلِ وَالْإِعْطَاءِ لَا يَنْقَطِعُ إعْطَاؤُهُ فِي وَقْتٍ وَيُعْطِي الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، وَلَيْسَ الْقَصْدُ أَنَّهُ إذَا أَعْطَى لَا يُعْطِي إلَّا كَثِيرَ الصَّادِقِ بِالْإِعْطَاءِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْوَاقِعِ عَلَى أَنَّهُ فِي نُسَخٍ أَيْ لِلنِّهَايَةِ أَيْ الْإِعْطَاءِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ الْجُودِ بِأَنَّهُ إعْطَاءُ مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي كَمَا فَسَّرُوهُ بِهِ رَشِيدِيٌّ.
(قَوْلُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَوْقِيفٌ) أَيْ لَمْ يَرِدْ إذْنُ الشَّارِعِ بِإِطْلَاقِ الْجَوَادِ عَلَيْهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ تَوْقِيفِيَّةٌ) أَيْ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إذْنِ الشَّارِعِ بِإِطْلَاقِهَا (قَوْلُهُ فَلَا يَجُوزُ اخْتِرَاعُ اسْمٍ أَوْ وَصْفٍ لَهُ تَعَالَى) وَمِثْلُهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُسَمِّيَهُ بِاسْمٍ لَمْ يُسَمِّهِ بِهِ أَبُوهُ وَلَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ كَذَا نُقِلَ عَنْ سِيرَةِ الشَّامِيِّ وَمُرَادُهُ بِأَبِيهِ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِمَوْتِ أَبِيهِ قَبْلَ وِلَادَتِهِ ع ش (قَوْلُهُ أَوْ خَبَرٍ صَحِيحٍ) أَيْ أَوْ حَسَنٍ كَمَا قَالَهُ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ ع ش وَرَشِيدِيٌّ (قَوْلُهُ كَمَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْجَمِيلِ) يَعْنِي صَحَّحَ الْمُصَنِّفُ التَّوْقِيفَ فِي لَفْظِ الْجَمِيلِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْغَيْرِ الْمُتَوَاتِرِ أَيْ الَّذِي يَأْتِي قَرِيبًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذَا إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَاتَرْ يَعْنِي أَنَّ هَذَا الِاخْتِرَاعَ وَالْإِطْلَاقَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ فَيَكْفِي فِي ثُبُوتِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الْمُفِيدُ لِلظَّنِّ كُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ مُصَرَّحٍ) نَعْتُ قُرْآنٍ أَوْ خَبَرٌ سم أَيْ وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِأَوْ (قَوْلُهُ لَا بِأَصْلِهِ) أَشَارَ فِي بَابِ الرِّدَّةِ إلَى خِلَافِ فِي الِاكْتِفَاء بِالْأَصْلِ سم (قَوْلُهُ وَبِشَرْطِ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى مُصَرَّحٍ بِهِ بِالنَّظَرِ لِلْمَعْنَى إذْ مَعْنَاهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُصَرَّحًا بِهِ (قَوْلُهُ ذِكْرُهُ) أَيْ ذِكْرُ الِاسْمِ أَوْ الْوَصْفِ (قَوْلُهُ نَحْوُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ إلَخْ) مِنْ أَمْثِلَةِ الذِّكْرِ لِلْمُقَابَلَةِ (قَوْلُهُ عَلَى الْمَرْجُوحِ إلَخْ) عِبَارَةُ شَيْخِنَا فِي حَاشِيَةِ الْجَوْهَرَةِ وَاخْتَارَ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ أَسْمَاءَهُ تَعَالَى تَوْفِيقِيَّةٌ وَكَذَا صِفَاتُهُ فَلَا نُثْبَتُ لِلَّهِ اسْمًا وَلَا صِفَةً إلَّا إذَا وَرَدَ بِذَلِكَ تَوْقِيفٌ مِنْ الشَّارِعِ، وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى جَوَازِ إثْبَاتِ مَا كَانَ مُتَّصِفًا بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يُوهِمْ نَقْصًا وَإِنْ لَمْ يَرِدْ بِهِ تَوْقِيفٌ مِنْ الشَّارِعِ، وَمَالَ إلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَتَوَقَّفَ فِيهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَفَصَّلَ الْغَزَالِيُّ فَجَوَّزَ إطْلَاقَ الصِّفَةِ وَهِيَ مَا دَلَّ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
عَلَى مُحَرَّمٍ (قَوْلُهُ إشَارَةً إلَخْ) أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى رُجُوعِهِ لِقَوْلِهِ ثَنَّى عَلَى كَوْنِهِ مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ مَثَلًا (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إلَخْ) فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ رُجُوعَهَا إلَيْهِ لَا يَقْتَضِي أَنَّهَا الْمَدْلُولُ لِجَوَازِ أَنَّهَا الْمَدْلُولُ مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهَا بَلْ ظَاهِرُ الْكَلَامِ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ بَعِيدٌ) فِيهِ بَحْثٌ أَشَرْنَا إلَيْهِ (قَوْلُهُ مُصَرَّحٌ بِهِ) نَعْتُ قُرْآنٍ أَوْ خَبَرٌ (قَوْلُهُ لَا بِأَصْلِهِ)
أَيْضًا إذْ لَفْظُ الْحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» فَجَعْلُ الْمُصَنِّفِ لَهُ مِنْ التَّوْقِيفِيِّ يُلْغِي اعْتِبَارَ قَيْدِ الْمُقَابَلَةِ.
قُلْت الْمُقَابَلَةُ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهَا عِنْدَ اسْتِحَالَةِ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ اللَّفْظُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ الْجَمَالُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى إبْدَاعِ الشَّيْءِ عَلَى آنَقْ وَجْهٍ وَأَحْسَنِهِ وَسَيَأْتِي فِي الرِّدَّةِ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ فِيهِ مُرْسَلًا اُعْتُضِدَ بِمُسْنَدٍ بَلْ رَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ «ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ» وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُنَكَّرَ وَالْمُعَرَّفِ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْمُنَكَّرِ لَا يُغَيِّرُ مَعْنَاهُ كَمَا يَأْتِي فِي اللَّهُ الْأَكْبَرُ وَبِالْإِجْمَاعِ النُّطْقِيِّ الْمُسْتَلْزِمِ لِتَلَقِّي ذَلِكَ الْمُرْسَلِ بِالْقَبُولِ وَلِإِشْعَارِ الْعَاطِفِ بِالتَّغَايُرِ الْحَقِيقِيِّ أَوْ الْمُنَزَّلِ مَنْزِلَتَهُ حُذِفَ هُنَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾ [الجمعة: 1] ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [التحريم: 5] ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: 112] الْآيَاتُ وَأُتِيَ بِهِ فِي نَحْوِ ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد: 3] ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: 5] ﴿الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 112]
(الَّذِي) لِكَثْرَةِ بِرِّهِ وَسَعَةِ جُودِهِ فَلِذَا أُخِّرَ عَنْ ذَيْنِك (جَلَّتْ) عَظُمَتْ وَلِاسْتِقْرَارِ هَذِهِ الصِّلَةِ فِي النُّفُوسِ وَإِذْعَانِهَا لَهَا
[حاشية الشرواني]
عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ عَلَى الذَّاتِ وَمَنَعَ إطْلَاقَ الِاسْمِ وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى نَفْسِ الذَّاتِ اهـ.
وَمَالَ الْجَلَالُ الدَّوَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ إلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ (قَوْلُهُ أَيْضًا) أَيْ كَالزَّارِعِ وَالْمَاكِرِ (قَوْلُهُ فَجَعْلُ الْمُصَنِّفِ لَهُ) أَيْ لِلْجَمِيلِ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ قَوْلُهُ يُلْغِي اعْتِبَارَ إلَخْ (قَوْلُهُ قَيْدِ الْمُقَابَلَةِ) أَيْ عَدَمًا (قَوْلُهُ قُلْت الْمُقَابَلَةُ إلَخْ) قَدْ يَمْنَعُ وُجُودَ الْمُقَابَلَةِ هُنَا وَيَدَّعِي أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ نِسْبَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى لِلْغَيْرِ سم (قَوْلُهُ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهَا عِنْدَ اسْتِحَالَةِ الْمَعْنَى إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ حَيْثُ وَرَدَ إطْلَاقُ اسْمٍ عَلَيْهِ تَعَالَى وَلَمْ يَسْتَحِلْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ وَصَحَّ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ وَإِنْ اتَّفَقَ أَنَّهُ حِينَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ كَانَ مَعَهُ مَا يُقَابِلُهُ.
وَأَمَّا إذَا اسْتَحَالَ مَعْنَاهُ عَلَيْهِ تُوقَفُ صِحَّةُ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ عَلَى مُسَوِّغٍ فَإِذَا اتَّفَقَ وُقُوعُ مَا يُقَابِلُهُ مَعَهُ كَانَ ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِإِطْلَاقِهِ عَلَيْهِ ع ش (قَوْلُهُ عَلَى آنَقْ وَجْهٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ بَعْدَهَا قَافٌ (قَوْلُهُ وَأَحْسَنِهِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ وَأُجِيبَ عَنْهُ) أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي عَنْهُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَاعْتُرِضَ إلَخْ أَيْ لِلِاعْتِرَاضِ الْمَفْهُومِ مِنْهُ سم (قَوْلُهُ وَحَدِيثًا طَوِيلًا إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي حَدِيثًا مَرْفُوعًا ذُكِرَ فِيهِ عَنْ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ «إنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ» اهـ.
(قَوْلُهُ ذَلِكَ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَاعِلُ قَوْلِهِ فِيهِ فَالْإِشَارَةُ إلَى لَفْظِ الْجَوَادِ وَقَوْلِهِ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ بَدَلٌ مِنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَجْمُوعَ هُوَ الْفَاعِلُ وَلَفْظُ ذَلِكَ مِنْ الْحَدِيثِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ وَلَا فَرْقَ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ غَنِيٌّ عَنْ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ وَبِالْإِجْمَاعِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِمُسْنَدٍ (قَوْلُهُ الْمُسْتَلْزِمِ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ سم أَيْ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلْإِجْمَاعِ مُسْتَنَدٌ آخَرُ (قَوْلُهُ وَلِإِشْعَارِ الْعَاطِفِ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الْآتِي حُذِفَ مِنْهَا قَالَ سم وَيُوَجَّهُ تَرْكُ الْعَاطِفِ أَيْضًا بِأَنَّ فِي تَرْكِهِ يَكُونُ كُلُّ وَصْفٍ مَنْسُوبًا اسْتِقْلَالًا لَا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِيَّةِ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
(قَوْلُهُ بِالتَّغَايُرِ الْحَقِيقِيِّ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنْ أُرِيدَ التَّغَايُرُ الْحَقِيقِيُّ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ فَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ وَإِنْ أُرِيدَ بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ فِي هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ سم وَقَدْ يُجَابُ بِاخْتِيَارِ الْأَوَّلِ وَحُمِلَ التَّغَايُرُ عَلَى التَّنَافِي فِي التَّحَقُّقِ فِي ذَاتٍ وَاحِدَةٍ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَوُجُودُهُ فِي نَحْوِ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ دُونَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ وَأَتَى بِهِ) أَيْ بِالْعَاطِفِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ حُذِفَ يَعْنِي حُذِفَ فِي الْأَوْصَافِ الْمُتَّحِدَةِ فِي التَّحَقُّقِ فِي زَمَنٍ لِئَلَّا يُوهِمَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ، وَأُتِيَ بِهِ فِي الْمُخْتَلِفَةِ فِيهِ لِئَلَّا يُوهِمَ الِاتِّحَادُ فِيهِ
(قَوْلُ الْمَتْنِ الَّذِي جَلَّتْ نِعَمُهُ) اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَةَ الَّذِي وَاقِعَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَارَةُ عَنْهُ فَالتَّذْكِيرُ فِيهَا وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَتْ صِلَتُهَا سَبَبِيَّةً وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سَبَبِيَّةِ صِلَتِهَا وَإِسْنَادِ الْفِعْلِ فِيهَا إلَى النِّعَمِ أَنَّ الْمَوْصُولَ وَاقِعٌ عَلَى النِّعَمِ، وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ وُجُوبَ تَأْنِيثِ الْمَوْصُولِ هُنَا وَبَعْضُهُمْ جَوَازَهُ فَيُقَالُ الَّتِي جَلَّتْ نِعَمُهُ، وَذَلِكَ خَطَأٌ وَاضِحٌ سم (قَوْلُهُ لِكَثْرَةِ بِرِّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ جَلَّتْ الْمُتَضَمِّنُ لِمَعْنَى امْتَنَعَتْ لِيَصِحَّ تَعَلُّقُ قَوْلِهِ عَنْ الْإِحْصَاءِ بِهِ كُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ فَلِذَا أُخِّرَ عَنْ ذَيْنِك) أَيْ فَإِنَّهُ كَالنَّتِيجَةِ لَهُمَا سم أَيْ لِلْبَرِّ وَالْجَوَادِ (قَوْلُهُ وَلِاسْتِقْرَارِ هَذِهِ الصِّلَةِ إلَخْ) يُتَأَمَّلُ هَذَا التَّوْجِيهُ وَكَوْنُ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
أَشَارَ فِي بَابِ الرِّدَّةِ إلَى خِلَافٍ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْأَصْلِ (قَوْلُهُ قُلْت الْمُقَابَلَةُ إلَخْ) قَدْ يُمْنَعُ وُجُودُ الْمُقَابَلَةِ وَيُدَّعَى أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ نِسْبَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى لِلْغَيْرِ (قَوْلُهُ وَأُجِيبَ عَنْهُ) أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي عَنْهُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَاعْتُرِضَ أَيْ لِلِاعْتِرَاضِ الْمَفْهُومِ مِنْ اُعْتُرِضَ (قَوْلُهُ وَالْمُسْتَلْزِمُ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ (قَوْلُهُ وَلِإِشْعَارِ الْعَاطِفِ) بِوَجْهِ تَرْكِ الْعَاطِفِ أَيْضًا بِأَنَّ فِي تَرْكِهِ يَكُونُ كُلُّ وَصْفٍ مَنْسُوبًا اسْتِقْلَالًا لَا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِيَّةِ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ بِالتَّغَايُرِ الْحَقِيقِيِّ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنْ أُرِيدَ التَّغَايُرُ الْحَقِيقِيُّ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ فَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ وَإِنْ أُرِيدَ بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ فِي الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ
(قَوْلُهُ الَّذِي جَلَّتْ نِعَمُهُ) اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَةَ الَّذِي وَاقِعَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَارَةٌ عَنْهُ فَالتَّذْكِيرُ فِيهَا وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَتْ صِلَتُهَا سَبَبِيَّةً وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سَبَبِيَّةِ صِلَتِهَا وَإِسْنَادِ الْفِعْلِ فِيهَا إلَى النِّعَمِ أَنَّ الْمَوْصُولَ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ وَاقِعٌ عَلَى النِّعَمِ وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ وُجُوبَ تَأْنِيثِ الْمَوْصُولِ هُنَا فَيُقَالُ الَّتِي جَلَّتْ نِعَمُهُ وَبَعْضُهُمْ جَوَّزَ التَّأْنِيثَ وَذَلِكَ خَطَأٌ وَاضِحٌ وَلَا يُؤَيِّدُ مَا تَوَهَّمُوهُ جَاءَ رَجُلٌ قَائِمَةٌ أُمُّهُ لِأَنَّ هَذَا نَعْتٌ سَبَبِيٌّ نَظِيرُ الصِّلَةِ هُنَا بَلْ نَعْتِيَّتُهُ بِالتَّأْوِيلِ أَيْ قَائِمُ الْأُمِّ (قَوْلُهُ فَلِذَا أَخَّرَ عَنْ ذَيْنِك) أَيْ فَإِنَّهُ كَالنَّتِيجَةِ لَهُمَا (قَوْلُهُ وَلِاسْتِقْرَارٍ إلَخْ) يُتَأَمَّلُ هَذَا التَّوْجِيهُ وَكَوْنُ الْجَلِيلَةِ نِعَمُهُ لَا يُنَاسِبُ الْمَعْدُولَ لَهُ
عُدِلَ لِذَلِكَ عَنْ الْجَلِيلَةِ نِعَمُهُ عَنْ الْإِحْصَاءِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّهُ إنَّمَا أُتِيَ بِالْمَوْصُولِ هُنَا لِقَاعِدَةٍ هِيَ أَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِاَلَّذِي لِوَصْفِهِ تَعَالَى بِمَا ثَبَتَ لَهُ وَلَمْ يَرِدْ بِهِ تَوْقِيفٌ وَكَانَ قَائِلُهُ فَهِمَ أَنَّ هَذَا لَا يُؤَدَّى إلَّا بِوَصْفٍ لَهُ تَعَالَى وَقَدْ عَلِمْت تَأْدِيَتَهُ بِوَصْفِ النِّعَمِ بِمَا ذُكِرَ وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ لِتَوْقِيفٍ (نِعَمُهُ) فِيهِ إيهَامٌ أَنَّ سَبَبَ عَدَمِ حَصْرِهَا جَمْعُهَا الْمُنَافِي ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [النحل: 18] أَيْ تُرِيدُوا عَدَّ أَوْ تَشْرَعُوا فِي عَدِّ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ نِعَمِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ أَنَّ مَدْلُولَ الْعَامِّ كَالْمُفْرَدِ الْمُضَافِ هُنَا كُلِّيَّةً ﴿لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34] أَيْ لَا تَحْصُرُوهَا فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ جَمْعُ نِعْمَةٍ بِمَعْنَى أَنْعَامٍ وَجَمْعُهُ لَا إيهَامَ فِيهِ أَيْ جَلَّتْ أَنَعَمَاتِهِ أَيْ بِاعْتِبَارِ كُلِّ أَثَرٍ مِنْ آثَارِهَا عَنْ أَنْ تُحَدَّ فَيَشْمَلُ الْقَلِيلَ أَيْضًا
[حاشية الشرواني]
الْجَلِيلَةِ نِعَمُهُ لَا يُنَاسِبُ الْمَعْدُولَ لَهُ سم (قَوْلُهُ عُدِلَ إلَخْ) فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْجَلِيلَةَ نِعَمُهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَوْصُولِ وَالصِّلَةِ عَلَى قَوْلٍ، وَلِأَنَّ اسْتِقْرَارَ هَذِهِ الصِّلَةِ فِي النُّفُوسِ لَا تَقْتَضِي تَرْجِيحَ طَرِيقِ الْمَوْصُولِيَّةِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُصَحِّحُهُ، وَالْكَلَامُ فِي التَّرْجِيحِ لَا فِي التَّصْحِيحِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَقَدْ يُوَجَّهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ أَرَادَ النِّعَمَ الْحَادِثَةَ الْوَاصِلَةَ لِخَلْقِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَعَبَّرَ بِالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى حُدُوثِ الْعِظَمِ الْمُسْتَلْزِمِ لِحُدُوثِ النِّعَمِ وَوُصُولِهَا سم، وَدَفَعَ الْكُرْدِيُّ قَوْلَ سم وَلِأَنَّ اسْتِقْرَارَ إلَخْ بِمَا نَصُّهُ قَوْلُهُ عُدِلَ لِذَلِكَ اللَّامَ بِمَعْنَى إلَى أَيْ عُدِلَ إلَى تَرْكِيبِ الَّذِي جَلَّتْ إلَخْ عَنْ تَرْكِيبِ الْجَلِيلَةِ إلَخْ لِأَنَّ اسْتِقْرَارَ الْفِعْلِيَّةِ أَقْوَى مِنْ الِاسْمِيَّةِ اهـ.
(قَوْلُهُ عَنْ الْجَلِيلَةِ نِعَمُهُ) أَيْ وَالْجَلِيلُ النِّعَمِ بِالْإِضَافَةِ سم (قَوْلُهُ بِمَا ثَبَتَ لَهُ) وَهُوَ هُنَا جَلَالَةُ نِعَمِهِ عَنْ الْإِحْصَاءِ (قَوْلُهُ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ) أَيْ بِوَصْفِهِ تَعَالَى بِذَلِكَ (قَوْلُهُ إنَّ هَذَا) أَيْ ثُبُوتَ جَلَالَةِ النِّعَمِ عَنْ الْإِحْصَاءِ لَهُ تَعَالَى وَقَالَ الْكُرْدِيُّ أَيْ ثُبُوتُ مَعْنَى جَلَّتْ لَهُ تَعَالَى اهـ (قَوْلُهُ لَا يُؤَدَّى) بِبِنَاءِ الْمَفْعُولِ (قَوْلُهُ إلَّا بِوَصْفٍ لَهُ) أَيْ بِجَعْلِهِ وَصْفًا وَحَالًا لَهُ تَعَالَى كُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ وَقَدْ عَلِمْت إلَخْ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ أَيْ وَلَيْسَ كَمَا فُهِمَ؛ لِأَنَّك قَدْ عَلِمْت إلَخْ أَيْ مِنْ قَوْلِنَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا، وَيَصِحُّ كَوْنُ عُلِمَتْ بِبِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيْضًا (قَوْلُهُ بِوَصْفِ النِّعَمِ بِمَا ذُكِرَ) أَيْ بِجَعْلِ الْجَلَالَةِ صِفَةً لِلنِّعَمِ وَإِسْنَادِهَا إلَيْهَا (قَوْلُهُ وَهُوَ إلَخْ) أَيْ وَصْفُ النِّعَمِ بِمَا ذُكِرَ قَوْلُ الْمَتْنِ (نِعَمُهُ) جَمْعُ نِعْمَةٍ بِكَسْرِ النُّونِ بِمَعْنَى إنْعَامٍ وَهُوَ الْإِحْسَانُ.
وَأَمَّا النَّعْمَةُ بِفَتْحِ النُّونِ فَهِيَ التَّنَعُّمُ وَبِضَمِّهَا الْمَسَرَّةُ
نِهَايَةٌ زَادَ الْمُغْنِي وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ نِعْمَتُهُ بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18] وَأَبْلَغُ فِي الْمَعْنَى اهـ قَالَ الرَّشِيدِيُّ قَوْلُهُ م ر بِمَعْنَى إنْعَامٍ لَمْ يُبْقِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إيهَامِ أَنَّ سَبَبَ عَدَمِ حَصْرِهَا جَمْعُهَا فَيُنَافِي صَرِيحًا ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18] الْمُقْتَضَى انْتِفَاءُ الْإِحْصَاءِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ النِّعَمِ أَيْ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقَاتِ فَالْحَمْدُ عَلَى الْإِنْعَامِ وَإِنْ أَوْهَمَ أَنَّ عَدَمَ الْإِحْصَاءِ بِسَبَبِ جَمْعِيَّتِهِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُنَافَاةٌ صَرِيحَةٌ لِلْآيَةِ، وَهَذَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ اهـ.
(قَوْلُهُ الْمُنَافِي) يَنْبَغِي أَنَّهُ نَعْتُ أَنَّ سَبَبَ إلَخْ إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مُجَرَّدِ الْجَمْعِ وَالْآيَةِ فَتَأَمَّلْهُ سم (قَوْلُهُ مِنْ أَفْرَادِ نِعَمِهِ) أَيْ إنْعَامَاتِهِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْجَمْعِ تَقْرِيبًا لِتَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ مِمَّا فِي الْآيَةِ وَإِلَّا فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ مِنْ أَفْرَادِ نِعْمَتِهِ بِالْإِفْرَادِ (قَوْلُهُ كَمَا يُعْلَمُ إلَخْ) عِلَّةٌ لِحَمْلِ الْآيَةِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ (قَوْلُهُ كَالْمُفْرَدِ الْمُضَافِ هُنَا) أَيْ نِعْمَةُ اللَّهِ وَهُوَ مِثَالٌ لِلْعَامِّ (قَوْلُهُ كُلِّيَّةً) أَيْ الْحُكْمُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ (قَوْلُهُ فَتَعَيَّنَ) أَيْ لِدَفْعِ الْإِيهَامِ أَنَّهُ جَمْعُ نِعْمَةٍ بِفَتْحِ النُّونِ بِمَعْنَى إنْعَامِ وَالنِّعْمَةُ بِالْكَسْرِ أَثَرُهَا كُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ لِدَفْعِ الْإِيهَامِ) الْأَوْلَى لِدَفْعِ الْمُنَافَاةِ وَقَوْلُهُ بِفَتْحِ إلَخْ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ آنِفًا عَنْ الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةِ (قَوْلُهُ وَجَمْعُهُ) أَيْ لَفْظُ نِعَمِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى.
وَقَوْلُهُ لَا إيهَامَ فِيهِ فِيهِ تَوَقُّفٌ وَلَوْ قَالَ لَا مُنَافَاةَ فِيهِ لِظَهَرَ (قَوْلُهُ أَيْ جَلَّتْ إنْعَامَاتُهُ أَيْ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِلْمَتْنِ عَلَى مَا قَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ فَتَعَيَّنَ وَفِي الْمَعْنَى عِلَّةٌ لِنَفْيِ الْإِيهَامِ بَلْ لِنَفْيِ الْمُنَافَاةِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ بِاعْتِبَارِ كُلِّ أَثَرٍ مِنْ آثَارِهَا) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنْ أُرِيدَ الْإِنْعَامَاتُ بِالْإِمْكَانِ فَهِيَ نَفْسُهَا لَا تُحْصَى مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى اعْتِبَارِ آثَارِهَا ضَرُورَةَ عَدَمِ تَنَاهِيهَا، وَإِنْ أُرِيدَ الْإِنْعَامَاتُ بِالْفِعْلِ فَهِيَ وَآثَارُهَا مُحْصَاةٌ مَعْدُودَةٌ قَطْعًا ضَرُورَةَ أَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ ضَرُورَةً أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ مُتَنَاهٍ وَكُلُّ مُتَنَاهٍ مُحْصًى مَعْدُودٌ فَلْيُتَأَمَّلْ سم وَأَجَابَ ع ش بِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ فِي إحْصَاءِ الْآثَارِ وَآثَارِ إنْعَامَاتِهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَتْ مُحْصَاةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكِنْ لَا قُدْرَةَ لِلْبَشَرِ عَلَى عَدِّهَا وَإِحْصَائِهَا اهـ.
(قَوْلُهُ فَتَشْمَلُ إلَخْ) مُتَفَرِّعٌ عَلَى اعْتِبَارِ أَثَرِ الْإِنْعَامِ يَعْنِي لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ نِعَمُهُ بِمَعْنَى الْإِنْعَامَاتِ، وَكَانَ عَدَمُ إحْصَائِهَا بِاعْتِبَارِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ آثَارِهَا فَيَشْمَلُ ذَلِكَ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
قَوْلُهُ عُدِلَ لِذَلِكَ عَنْ الْجَلِيلَةِ نِعَمُهُ) فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْجَلِيلَةَ نِعَمُهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَوْصُولِ وَالصِّلَةُ عَلَى قَوْلٍ، وَلِأَنَّ اسْتِقْرَارَ هَذِهِ الصِّلَةِ فِي النُّفُوسِ لَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ طَرِيقِ الْمَوْصُولِيَّةِ.
غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُصَحِّحُهُ وَالْكَلَامُ فِي التَّرْجِيحِ لَا فِي التَّصْحِيحِ فَلْيَتَأَمَّلْ، وَقَدْ يُوَجَّهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ أَرَادَ النِّعَمَ الْحَادِثَةَ الْوَاصِلَةَ لِخَلْقِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَعَبَّرَ بِالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى حُدُوثِ الْعِظَمِ الْمُسْتَلْزِمِ لِحُدُوثِ النِّعَمِ وَوُصُولِهَا (قَوْلُهُ عَنْ الْجَلِيلَةِ نِعَمُهُ) أَيْ وَالْجَلِيلُ النِّعَمِ بِالْإِضَافَةِ (قَوْلُهُ الْمُنَافِي) يَنْبَغِي أَنَّهُ نَعْتٌ أَنَّ سَبَبَ إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مُجَرَّدِ الْجَمْعِ وَالْآيَةِ فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ بِاعْتِبَارِ كُلِّ أَثَرٍ مِنْ آثَارِهَا) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنْ أُرِيدَ الْإِنْعَامَاتُ بِالْإِمْكَانِ فَهِيَ نَفْسُهَا لَا تُحْصَى مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى اعْتِبَارِ آثَارِهَا ضَرُورَةَ عَدَمِ تَنَاهِيهَا وَإِنْ أُرِيدَ الْإِنْعَامَاتُ بِالْفِعْلِ فَهِيَ وَآثَارُهَا مُحْصَاةٌ مَعْدُودَةٌ قَطْعًا ضَرُورَةَ أَنَّهَا
وَمَعَ هَذَا التَّعْبِيرِ بِنِعْمَةٍ مُوَافَقَةٍ لِلَفْظِ الْآيَةِ أَوْلَى وَمِنْ ثَمَّ أَصْلَحَ فِي نُسْخَةٍ وَكُلُّ نِعْمَةٍ وَإِنْ سَلِمَ حَصْرُهَا هُوَ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا لَا مُتَعَلِّقَاتِهَا مَعَ دَوَامِهَا مَعَاشًا وَمَعَادًا وَهِيَ أَيْ حَقِيقَةُ كُلِّ مُلَائِمٍ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ.
وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا لَا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كَافِرٍ، وَإِنَّمَا مَلَاذُّهُ اسْتِدْرَاجٌ فَإِنْ قُلْت هَذَا لَا يُوَافِقُ تَفْسِيرَ النِّعْمَةِ لُغَةً مِنْ أَنَّهَا مُطْلَقُ الْمُلَائِمِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي أَكْثَرِ النُّصُوصِ فَمَا حِكْمَتُهُ قُلْت شَأْنُ الْمُصْطَلَحَاتِ الْعُرْفِيَّةِ مُخَالَفَتُهَا لِلْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ وَكَوْنُهَا أَخَصَّ مِنْهَا كَالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عُرْفًا وَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْعَبْدِ مَا يُوَضِّحُ ذَلِكَ وَفَائِدَتُهَا هُنَا بَيَانُ مَا هُوَ نِعْمَةٌ بِالْحَقِيقَةِ لَا بِالصُّورَةِ الَّتِي اكْتَفَى بِهَا أَهْلُ اللُّغَةِ وَالرِّزْقُ أَعَمُّ مِنْهَا لِأَنَّهُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَوْ حَرَامًا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ (عَنْ الْإِحْصَاءِ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَبِالْمَدِّ أَيْ الضَّبْطِ وَهُوَ الْحَصْرُ وَفُسِّرَ بِالْعَدِّ، وَهُوَ الْفِعْلُ فَهُوَ غَيْرُ الْعَدَدِ فِي (بِالْإِعْدَادِ) أَيْ بِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْهَا لَا بِقَيْدِ الْقِلَّةِ الَّتِي أَوْهَمَتْهَا الْعِبَارَةُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِأَلْ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ أَيْ عَظُمَتْ عَنْ أَنْ تُحْصَرَ أَوْ تُعَدَّ بِعَدَدٍ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَمَعْنَى ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: 28] عَلِمَهُ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ
[حاشية الشرواني]
الْقَوْلُ قَلِيلَ الْإِنْعَامَاتِ كَمَا يَشْمَلُ جَمِيعَهَا كُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ وَمَعَ هَذَا) أَيْ التَّوْجِيهِ الدَّافِعِ لِلْإِيهَامِ بَلْ لِلْمُنَافَاةِ (قَوْلُهُ مُوَافَقَةً) مَفْعُولٌ لَهُ لِقَوْلِهِ أَوْلَى أَوْ حَالٌ مِنْ نِعْمَتِهِ وَقَوْلُهُ أَوْلَى خَبَرٌ لِتَعْبِيرٍ (قَوْلُهُ أَصْلَحَ) أَيْ الْمُصَنِّفُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِبِنَاءِ الْمَفْعُولِ فَالْمُصْلِحُ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ وَكُلُّ نِعْمَةٍ) مُبْتَدَأٌ سم أَيْ بِمَعْنَى الْإِنْعَامِ عِبَارَةُ الْكُرْدِيِّ هُوَ جَوَابُ سُؤَالٍ، كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ إنَّ الْفَرْدَ لَا يَكُونُ إلَّا مَحْصُورًا فَكَيْفَ يُقَالُ كُلُّ فَرْدٍ مُمْتَنِعٌ عَنْ الْإِحْصَاءِ اهـ. (قَوْلُهُ وَإِنْ سُلِّمَ حَصْرُهَا) لَعَلَّ الْوَاوَ حَالِيَّةٌ لَا غَائِيَّةٌ (قَوْلُهُ هُوَ إلَخْ) أَيْ الْحَصْرُ (قَوْلُهُ مَعَ دَوَامِهَا) أَيْ مُتَعَلِّقَاتِهَا (قَوْلُهُ وَهِيَ) أَيْ النِّعْمَةُ وَقَوْلُهُ أَيْ حَقِيقَةٌ أَيْ بِمَعْنَى الْأَثَرِ الْحَاصِلِ بِالْإِنْعَامِ ع ش (قَوْلُهُ كُلُّ مُلَائِمٍ إلَخْ) الْأَوْلَى حَذْفُ لَفْظَةِ كُلٍّ (قَوْلُهُ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ) فَهَذَا يُخْرِجُ الْحَرَامَ سم وَكَذَا يُخْرِجُ الْمَكْرُوهَ (قَوْلُهُ فَمَا حِكْمَتُهُ) أَيْ الْمُخَالَفَةِ بِالتَّقْيِيدِ بِتُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ (قَوْلُهُ شَأْنُ الْمُصْطَلَحَاتِ) أَيْ الْغَالِبُ فِيهَا (قَوْلُهُ وَكَوْنُهَا إلَخْ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِ مُخَالَفَتُهَا إلَخْ كُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ أَخَصُّ مِنْهَا) إنْ أَرَادَ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ كَذَلِكَ أَيْ فَمُسَلَّمٌ أَوْ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ فَمَمْنُوعٌ يُؤَيِّدُ الْمَنْعَ أَنَّ الزَّكَاةَ لُغَةً لِمَعَانٍ كَالنَّمَاءِ لَا تُصَدَّقُ عَلَى الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ أَيْ الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ سم وَمَرَّ أَنَّ مَعْنَى الْغَلَبَةِ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا فَلَا اعْتِرَاضَ (قَوْلُهُ وَفَائِدَتُهَا) أَيْ الْمُخَالَفَةِ وَرَجَّحَ الْكُرْدِيُّ التَّمْيِيزَ إلَى الْمُصْطَلَحَاتِ اهـ. (قَوْلُهُ وَالرِّزْقُ أَعَمُّ) قَدْ يُشْكِلُ عَلَى الْأَعَمِّيَّةِ أَنَّهُ يَتَبَادَرُ أَنَّ نَحْوَ هَلَاكِ الْعَدُوِّ نِعْمَةٌ لَا رِزْقٌ وَقَوْلُهُ وَلَوْ حَرَامًا أَيْ وَالْحَرَامُ لَا تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ سم وَقَدْ يُمْنَعُ قَوْلُهُ لَا رِزْقٌ وَلَوْ سَلَمَ فَيُحْمَلُ الْعُمُومُ عَلَى الْوَجْهِيِّ كَمَا تَرَجَّاهُ الْبَصْرِيُّ (قَوْلُهُ وَهُوَ الْحَصْرُ) أَيْ الْإِحَاطَةُ (قَوْلُهُ وَفَسَّرَ) أَيْ الْإِحْصَاءَ قَوْلُ الْمَتْنِ (بِالْأَعْدَادِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ عَدَدٍ مُغْنِي زَادَ النِّهَايَةُ وَالْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ أَوْ الْمُصَاحَبَةِ (قَوْلُهُ لَا بِقَيْدِ الْقِلَّةِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةِ فَإِنْ قِيلَ الْأَعْدَادُ جَمْعُ قِلَّةٍ وَالشَّيْءُ قَدْ لَا يَضْبِطُهُ الْعَدَدُ الْقَلِيلُ وَيَضْبِطُهُ الْكَثِيرُ وَلِذَا قِيلَ لَوْ عَبَّرَ بِالتَّعْدَادِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ عَدَّ لَكَانَ أَوْلَى أُجِيبَ بِأَنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يُفِيدُ الْعُمُومَ اهـ. أَيْ: لِأَنَّ أَلْ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْجَمْعِ أَبْطَلَتْ مِنْهُ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ وَصَيَّرَتْ أَفْرَادَهُ آحَادًا عَلَى الصَّحِيحِ رَشِيدِيٌّ (قَوْلُهُ الَّتِي أَوْهَمَتْهَا الْعِبَارَةُ) أَيْ قَبْلَ التَّأَمُّلِ وَإِلَّا فَالصِّيغَةُ مَعَ أَلْ لِلْكَثْرَةِ سم (قَوْلُهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى اسْتِغْرَاقِ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ الْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِأَلْ أَيْ كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّ الْحُكْمَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ بَلْ مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ وَلَمْ يَكُنْ قَرِينَةُ الْبَعْضِيَّةِ، وَكَانَ الْمَقَامُ خَطَابِيًّا يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ عَبْدُ الْحَكِيمِ عَلَى الْمُطَوَّلِ (قَوْلُهُ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ) أَيْ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَنَّ اللَّامَ مَوْضُوعٌ لِلْجِنْسِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَهْمٌ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُسْتَفَادُ بِمَعُونَةِ الْقَرَائِنِ عَبْدُ الْحَكِيمِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ ع ش أَنَّ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ مُفْرَدًا كَانَ أَوْ جَمْعًا لِلِاسْتِغْرَاقِ إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ فَإِفَادَتُهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ وَضْعِيٌّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَرِينَةٍ فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ فِيهِ نَظَرٌ اهـ. (قَوْلُهُ أَيْ عَظُمَتْ عَنْ أَنْ تُحْصَرَ إلَخْ) وَنِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَتْ لَا تُحْصَى تَنْحَصِرُ فِي جِنْسَيْنِ دُنْيَوِيٍّ وَأُخْرَوِيٍّ، وَالْأَوَّلُ قِسْمَانِ مَوْهِبِيٌّ وَكَسْبِيٌّ وَالْمَوْهِبِيُّ قِسْمَانِ رُوحَانِيٌّ كَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وَإِشْرَافِهِ بِالْعَقْلِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ الْقُوَى كَالْفِكْرِ وَالْفَهْمِ وَالنُّطْقِ وَجُسْمَانِيٌّ كَتَحْلِيقِ الْبَدَنِ وَالْقُوَى الْحَالَّةِ فِيهِ وَالْهَيْئَاتِ الْعَارِضَةِ لَهُ مِنْ الصِّحَّةِ وَكَمَالِ الْأَعْضَاءِ، وَالْكَسْبِيُّ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنْ الرَّذَائِلِ وَتَحْلِيَتُهَا بِالْأَخْلَاقِ وَالْمَلَكَاتِ الْفَاضِلَةِ وَتَزَيُّنُ الْبَدَنِ بِالْهَيْئَاتِ الْمَطْبُوعَةِ وَالْحُلِيِّ الْمُسْتَحْسَنَةِ وَحُصُولُ الْجَاهِ وَالْمَالِ وَالثَّانِي أَيْ الْأُخْرَوِيُّ أَنْ يَعْفُوَ عَمَّا فَرَطَ مِنْهُ وَيَرْضَى عَنْهُ وَيُبَوِّئَهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ) أَيْ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي شَرْحِ نِعَمِهِ (قَوْلُهُ وَمَعْنَى وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ عَلِمَهُ مِنْ جِهَةِ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
مُتَنَاهِيَةٌ ضَرُورَةَ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ مُتَنَاهٍ وَكُلُّ مُتَنَاهٍ مُحْصًى مَعْدُودٌ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَكُلُّ نِعْمَةٍ) مُبْتَدَأٌ (قَوْلُهُ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ) هَذَا يُخْرِجُ الْحَرَامَ (قَوْلُهُ وَكَوْنُهَا أَخَصَّ) إنْ أَرَادَ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ كَذَلِكَ فَكَذَلِكَ أَوْ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ فَمَمْنُوعٌ يُؤَيِّدُ الْمَنْعَ أَنَّ الزَّكَاةَ لُغَةً لَمَعَانٍ كَالنَّمَاءِ لَا تَصْدُقُ عَلَى الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ أَيْ الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ.
(قَوْلُهُ وَالرِّزْقُ أَعَمُّ) قَدْ يُشْكِلُ عَلَى الْأَعَمِّيَّةِ أَنَّهُ يَتَبَادَرُ أَنَّ نَحْوَ هَلَاكِ الْعَدُوِّ نِعْمَةٌ لَا رِزْقٌ وَقَوْلُهُ وَلَوْ حَرَامًا أَيْ وَالْحَرَامُ لَا تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ (قَوْلُهُ الَّتِي أَوْهَمَتْهَا الْعِبَارَةُ) أَيْ قَبْلَ التَّأَمُّلِ وَإِلَّا فَالصِّيغَةُ مَعَ أَلْ لِلْكَثْرَةِ (قَوْلُهُ وَمَعْنَى ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: 28] إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ عَلِمَهُ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْمُحْصِي أَيْ الْعَالِمُ أَوْ الْقَوِيُّ أَوْ الْعَادُّ أَقْوَالٌ نَعَمْ فِي الْأَخِيرِ إيهَامُ أَنَّ عِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُتَوَقِّفٌ عَلَى عَدِّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ (الْمَانِّ) مِنْ الْمِنَّةِ وَهِيَ النِّعْمَةُ مُطْلَقًا أَوْ بِقَيْدِ كَوْنِهَا ثَقِيلَةً مُبْتَدَأَةً مِنْ غَيْرِ مُقَابِلٍ يُوجِبُهَا فَنِعَمُهُ تَعَالَى مِنْ مَحْضِ فَضْلِهِ إذْ لَا يَجِبُ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ شَيْءٌ خِلَافًا لِزَعْمِ الْمُعْتَزِلَةِ وُجُوبَ الْأَصْلَحِ عَلَيْهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ (بِاللُّطْفِ) وَهُوَ مَا يَقَعُ بِهِ صَلَاحُ الْعَبْدِ آخِرَهُ وَيُسَاوِيهِ التَّوْفِيقُ الَّذِي هُوَ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ فِي الْعَبْدِ مَاصَدَقًا لَا مَفْهُومًا وَلِعِزَّتِهِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ إلَّا مَرَّةً فِي هُودٍ وَلَيْسَ مِنْهُ إلَّا إحْسَانًا وَتَوْفِيقًا يُوَفِّقُ اللَّهُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ الْوِفَاقِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْخِلَافِ وَقَدْ يُطْلَقُ التَّوْفِيقُ عَلَى أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ اللُّطْفُ مَا يَحْمِلُ الْمُكَلَّفَ عَلَى الطَّاعَةِ ثُمَّ إنْ حُمِلَ عَلَى فِعْلِ الْمَطْلُوبِ سُمِّيَ تَوْفِيقًا أَوْ تَرْكِ الْقَبِيحِ سُمِّيَ عِصْمَةً، وَصَرَّحَ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي بَحْثِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ بِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى لُطْفًا لَوْ فَعَلَهُ بِالْكُفَّارِ لَآمَنُوا اخْتِيَارًا غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ وَهُوَ فِي فِعْلِهِ مُتَفَضِّلٌ وَفِي تَرْكِهِ عَادِلٌ (وَالْإِرْشَادِ) أَيْ الدَّلَالَةِ عَلَى سَبِيلِ الْخَيْرِ أَوْ الْإِيصَالِ إلَيْهَا (الْهَادِي) أَيْ الدَّالِّ أَوْ الْمُوَصِّلِ (إلَى سَبِيلِ) أَيْ طَرِيقِ (الرَّشَادِ)
[حاشية الشرواني]
الْعَدَدِ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَلِمَ عَدَدَهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُتَنَاهِيَاتِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الشَّيْءِ لِأَنَّهُ عِنْدَنَا هُوَ الْمَوْجُودَاتُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِهِ وَحِينَئِذٍ فَلْيُنْظَرْ مَا مَوْقِعُ كَلَامِهِ هَذَا فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ دَفْعَ اعْتِرَاضٍ يَرِدُ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الَّذِي جَلَّتْ نِعَمُهُ إلَخْ بِأَنْ يُقَالَ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ عَدَدَ الْأَشْيَاءِ، وَمِنْهَا النِّعَمُ كَانَ اللَّائِقُ فِي دَفْعِهِ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَلَا يَرِدُ قَوْلُهُ وَأَحْصَى إلَخْ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَوْجُودَاتِ وَالْمُرَادُ هُنَا بِالنِّعَمِ أَعَمُّ.
وَأَمَّا مُجَرَّدُ مَا ذَكَرَهُ فَلَا يَتَّجِهُ مِنْهُ الدَّفْعُ فَلْيُتَأَمَّلْ سم بِحَذْفِ وَأَشَارَ الْكُرْدِيُّ إلَى دَفْعِ اعْتِرَاضِ سم بِمَا نَصُّهُ قَوْلُهُ وَمَعْنَى أَحْصَى إلَخْ هَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ عَظُمَتْ عَنْ أَنْ تُعَدَّ بِدَلِيلِ تِلْكَ الْآيَةِ وَهَذِهِ الْآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهَا تُعَدُّ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَادَ لِكُلِّ شَيْءٍ وَمِنْ الْأَشْيَاءِ النِّعَمُ فَأَجَابَ بِأَنَّ مَعْنَى الْإِحْصَاءِ فِيهَا الْعِلْمُ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْعِلْمِ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ الْعَدُّ اهـ.
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ الْعَدُّ فَلَا مُنَافَاةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا فِي الْمَتْنِ عَدُّ الْخَلْقِ كَمَا مَرَّ عَنْ ع ش (قَوْلُهُ وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى إلَخْ) تَقْوِيَةً لِهَذَا الْمَعْنَى كُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ أَقْوَالٌ) أَيْ هَذِهِ التَّفَاسِيرُ الثَّلَاثَةُ أَقْوَالٌ لِكُلٍّ مِنْهَا قَائِلٌ (قَوْلُهُ نَعَمْ فِي الْأَخِيرِ إيهَامٌ) قَدْ يَتَوَقَّفُ فِي هَذَا الْإِيهَامِ بَصَرِيٌّ وَالْإِيهَامُ ظَاهِرٌ لَا مَجَالَ لِإِنْكَارِهِ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ ثَقِيلَةً كَانَتْ أَوْ لَا (قَوْلُهُ مُبْتَدَأَةً إلَخْ) حَالٌ مِنْ النِّعْمَةِ بِقِسْمَيْهِ أَيْ حَالَ كَوْنِ النِّعْمَةِ الثَّقِيلَةِ وَغَيْرِهَا مُبْتَدَأَةً إلَخْ فَيَصِحُّ التَّفْرِيعُ الْآتِي كُرْدِيٌّ أَيْ فَيَسْقُطُ مَا لسم هُنَا مِنْ اسْتِشْكَالِهِ (قَوْلُهُ أَخَرَةٌ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ وَالرَّاءِ فِي شَرْحِ اللُّبِّ أَيْ آخِرَ عُمْرِهِ الْبَصْرِيُّ عِبَارَةُ ع ش أَيْ فِي آخِرِ أَمْرِهِ وَهُوَ بِوَزْنِ دَرَجَةٍ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ ظَرْفٌ لِصَلَاحٍ إلَخْ، وَقَالَ الْكُرْدِيُّ لِيَقَعَ اهـ.
(قَوْلُهُ وَيُسَاوِيهِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي عَقِبَ الْمَتْنِ بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِ الطَّاءِ أَيْ الرَّأْفَةُ وَالرِّفْقُ وَهُوَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ بِأَنْ يَخْلُقَ قُدْرَةَ الطَّاعَةِ فِي الْعَبْدِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَفَتْحُهُمَا لُغَةٌ فِيهِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ السُّهَيْلِيُّ لَمَّا جَاءَ الْبَشِيرُ إلَى يَعْقُوبَ أَعْطَاهُ فِي الْبِشَارَةِ كَلِمَاتٍ يَرْوِيهَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهِيَ يَا لَطِيفًا فَوْقَ كُلِّ لَطِيفٍ اُلْطُفْ بِي فِي أُمُورِي كُلِّهَا كَمَا أُحِبُّ وَرَضِّنِي فِي دُنْيَايَ وَآخِرَتِي اهـ.
(قَوْلُهُ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ فِعْلَ مَطْلُوبٍ أَوْ تَرْكَ مَعْصِيَةٍ ع ش (قَوْلُهُ وَلِعِزَّتِهِ) أَيْ نُدْرَةِ التَّوْفِيقِ فِي الْإِنْسَانِ كُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ إلَّا مَرَّةً فِي هُودٍ) أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ﴾ [هود: 88] فِي الْحَدِيثِ «لَا يَتَوَفَّقُ عَبْدٌ حَتَّى يُوَفِّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى» وَفِي أَوَائِلِ الْإِحْيَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَالَ «قَلِيلٌ مِنْ التَّوْفِيقِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْعِلْمِ» نِهَايَةٌ أَيْ الْخَالِي عَنْ التَّوْفِيقِ ع ش (قَوْلُهُ وَلَيْسَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ التَّوْفِيقِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمَا) أَيْ الْآيَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ اللُّطْفِ أَوْ مِنْ مَعْنَى التَّوْفِيقِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ الَّذِي هُوَ إلَخْ (قَوْلُهُ عَلَى الطَّاعَةِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ فِعْلَ مَطْلُوبٍ أَوْ تَرْكَ مَعْصِيَةٍ (قَوْله وَصَرَّحَ أَهْلُ السُّنَّةِ) أَيْ أَئِمَّتُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ (قَوْلُهُ لُطْفًا) أَيْ نَوْعًا مِنْ اللُّطْفِ (قَوْلُهُ أَوْ الْإِيصَالِ إلَيْهَا) أَيْ إلَى سَبِيلِ الْخَيْرِ وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ وَاسْتَحْسَنَ الرَّشِيدِيُّ حَمْلَ الْإِرْشَادِ عَلَى مَعْنَى الْإِيصَالِ وَالْهَادِي عَلَى مَعْنَى الدَّالِّ فِرَارًا عَنْ التَّكْرَارِ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
عُلِمَ عَدَدُهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُتَنَاهِيَاتِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الشَّيْءِ لِأَنَّهُ عِنْدَنَا هُوَ الْمَوْجُودُ.
قَالَ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِهِ مَا نَصُّهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: 28] فَيَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ فَإِنْ قِيلَ إحْصَاءُ الْعَدَدِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُتَنَاهِي، وَأَمَّا لَفْظَةُ كُلَّ شَيْءٍ فَتَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَنَاهٍ فَيَلْزَمُ وُقُوعُ التَّنَاقُضِ فِي الْآيَةِ قُلْنَا لَا شَكَّ أَنَّ إحْصَاءَ الْعَدَدِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُتَنَاهِي، وَأَمَّا لَفْظَةُ كُلَّ شَيْءٍ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَنَاهٍ لِأَنَّ الشَّيْءَ عِنْدَنَا هُوَ الْمَوْجُودَاتُ وَالْمَوْجُودَاتُ مُتَنَاهِيَةٌ فِي الْعَدَدِ وَهَذِهِ الْآيَةُ أَحَدُ مَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَوْ كَانَ شَيْئًا لَكَانَتْ الْأَشْيَاءُ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ وَقَوْلُهُ ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: 28] يَقْتَضِي كَوْنَ تِلْكَ الْمَحْصِيَّاتِ مُتَنَاهِيَةً فَيَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِهَا مُتَنَاهِيَةً وَغَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ، وَذَلِكَ مُحَالٌ يُوجِبُ الْقَطْعَ بِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَنْدَفِعَ التَّنَاقُضُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَحِينَئِذٍ فَلْيُنْظَرْ مَا مَوْقِعُ كَلَامِ الشَّيْخِ الشَّارِحِ هَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ وَمَعْنَى إلَخْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ دَفْعَ اعْتِرَاضٍ يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ الَّذِي جَلَّتْ نِعَمُهُ عَنْ الْإِحْصَاءِ بِالْأَعْدَادِ بِأَنْ يُقَالَ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ عَدَدَ الْأَشْيَاءِ وَمِنْهَا النِّعَمُ فَكَانَ اللَّائِقُ فِي دَفْعِهِ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَلَا يَرِدُ قَوْلُهُ وَأَحْصَى إلَخْ لِأَنَّهُ فِي الْمَوْجُودَاتِ، وَالْمُرَادُ هُنَا بِالنِّعَمِ أَعَمُّ.
وَأَمَّا مُجَرَّدُ مَا ذَكَرَهُ فَلَا يَتَّجِهُ مِنْهُ الدَّفْعُ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَنِعَمُهُ تَعَالَى
وَهُوَ كَالرُّشْدِ ضِدَّ الْغَيِّ وَمِنْ أَعْظَمِ طُرُقِهِ وَأَفْضَلِهَا التَّفَقُّهُ فَلِذَا أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ (الْمُوَفِّقِ) أَيْ الْمُقَدِّرِ وَهُوَ جَرْيٌ عَلَى مَنْ يُجِيزُ غَيْرَ التَّوْقِيفِيَّةِ إذَا لَوْ يُوهِمُ نَقْصًا
(لِلتَّفَقُّهِ) أَيْ التَّفَهُّمِ وَأَخْذِ الْفِقْهِ تَدْرِيجًا وَهُوَ أَعْنِي الْفِقْهَ لُغَةً الْفَهْمُ مِنْ فَقِهَ بِكَسْرِ عَيْنِهِ فَإِنْ صَارَ الْفِقْهُ سَجِيَّةً لَهُ قِيلَ فَقُهَ بِضَمِّهَا، وَاصْطِلَاحًا الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ النَّاشِئَةِ عَنْ الِاجْتِهَادِ وَمَوْضُوعُهُ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ تَعَاوُرُ تِلْكَ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ وَاسْتِمْدَادُهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ وَالْمُخْتَلَفِ فِيهَا كَالِاسْتِصْحَابِ وَمَسَائِلِهِ كُلُّ مَطْلُوبٍ خَبَرِيٌّ يُبَرْهَنُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ وَفَائِدَتُهُ امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي وَغَايَتُهُ انْتِظَامُ أَمْرِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ مَعَ الْفَوْزِ بِكُلِّ خَيْرٍ دُنْيَوِيٍّ وَأُخْرَوِيٍّ (فِي الدِّينِ) وَهُوَ عُرْفًا وَضْعٌ إلَهِيٌّ
[حاشية الشرواني]
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ الْإِطْنَابِ وَلَا يُعَابُ فِيهِ بِتَكَرُّرِ نَحْوِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ (قَوْلُهُ كَالرُّشْدِ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ بِفَتْحِهِمَا نِهَايَةٌ وَمُغْنِي.
(قَوْلُهُ ضِدُّ الْغَيِّ) وَهُوَ الْهُدَى وَالِاسْتِقَامَةُ وَهِدَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى تَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا لَا يُحْصِيهَا عَدٌّ لَكِنَّهَا تَنْحَصِرُ فِي أَجْنَاسٍ مُتَرَتِّبَةٍ الْأَوَّلُ إفَاضَةُ الْقُوَى الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِهَا مِنْ الِاهْتِدَاءِ إلَى مَصَالِحِهِ كَالْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْحَوَاسِّ الْبَاطِنَةِ وَالثَّانِي نَصْبُ الدَّلَائِلِ الْفَارِقَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ، وَالثَّالِثُ الْهِدَايَةُ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ، وَالرَّابِعُ أَنْ يَكْشِفَ عَلَى قُلُوبِهِمْ السَّرَائِرَ وَيُرِيَهُمْ الْأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ بِالْوَحْيِ أَوْ الْإِلْهَامِ أَوْ الْمَنَامَاتِ الصَّادِقَةِ وَهَذَا قِسْمٌ يَخْتَصُّ بِنَيْلِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ نِهَايَةٌ قَالَ الرَّشِيدِيُّ لَا يَظْهَرُ تَرَتُّبُ الرَّابِعِ عَلَى مَا قُبَيْلَهُ؛ لِأَنَّهُ قِسْمٌ بِرَأْسِهِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ تَرَتُّبُهُ عَلَى الْأَوَّلِ فَلَعَلَّ قَوْلَهُ مُتَرَتِّبَةً أَيْ فِي الْجُمْلَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ أَعْقَبَهُ) كَذَا فِي النُّسْخَةِ الْمُقَابِلَةِ عَلَى أَصْلِ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِرَارًا مِنْ التَّعْقِيبِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَعْقَبَهُ مِنْ الْأَفْعَالِ وَلَعَلَّهُ مِنْ تَحْرِيفِ النَّاسِخِ (قَوْلُهُ أَيْ الْمُقَدَّرُ) مِنْ الْأَقْدَارِ بِمَعْنَى خَلْقِ الْقُدْرَةِ (قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ إطْلَاقُ الْمُوَفِّقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ عَلَى مَنْ إلَخْ) أَيْ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ إلَخْ (قَوْلُهُ إذَا لَمْ تُوهِمْ) أَيْ الصِّفَةُ الْغَيْرُ التَّوْقِيفِيَّةِ
(قَوْلُهُ وَأَخْذِ الْفِقْهِ إلَخْ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِلتَّفَهُّمِ إشَارَةً إلَى أَنَّ التَّفَقُّهَ وَإِنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى مُطْلَقِ التَّفَهُّمِ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا التَّفَهُّمُ الْمُتَعَلِّقُ بِخُصُوصِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى الْمُوَفِّقَ لِتَحْصِيلِ عِلْمِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كُرْدِيٌّ بِزِيَادَةِ إيضَاحٍ أَيْ فَيَنْدَفِعُ بِهِ مَا لسم هُنَا (قَوْلُهُ وَهُوَ) إلَى قَوْلِهِ وَاسْتِمْدَادُهُ فِي النِّهَايَةِ وَإِلَى الْمَتْنِ فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ مِنْ فِقْهٍ إلَى وَاصْطِلَاحًا وَقَوْلُهُ وَمَسَائِلُهُ إلَى وَغَايَتِهِ (قَوْلُهُ بِكَسْرِ عَيْنِهِ) كَفَرِحَ يَفْرَحُ فَرَحًا نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ قِيلَ فَقُهَ بِضَمِّهَا) وَإِذَا سَبَقَ غَيْرَهُ إلَى الْفَهْمِ يُقَالُ فَقَهَ بِالْفَتْحِ نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ وَاصْطِلَاحًا الْعِلْمُ إلَخْ) يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَامِلٌ لِعِلْمِ الْمُقَلِّدِ بِالْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِقْهًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْأُصُولِ فَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ النَّاشِئِ لِيَكُونَ صِفَةً لِلْعِلْمِ بَدَلَ النَّاشِئَةِ الْوَاقِعِ صِفَةَ الْأَحْكَامِ خَرَجَ عِلْمُ الْمُقَلِّدِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا التَّعْرِيفُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ قَدْ يُطْلِقُونَ الْفِقْهَ عَلَى مَا يَشْمَلُ عِلْمَ الْمُقَلَّدِ فَلْيُتَأَمَّلْ سم وَأَبْدَلَ النِّهَايَةُ وَالْمُغْنِي عَنْ قَوْلِ الشَّارِحِ النَّاشِئَةِ إلَخْ بِالْمُكْتَسَبِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ اهـ.
وَلَك أَنْ تُجِيبَ عَنْ الشَّارِحِ بِمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ مِنْ أَنْ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الْمُشْتَقِّ مُشْعِرٌ بِعَلِيَّةِ مَأْخَذِ الِاشْتِقَاقِ فَكَأَنَّهُ قَالَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ مِنْ حَيْثُ نَشْأَتُهَا عَنْ الِاجْتِهَادِ (قَوْلُهُ الْعَمَلِيَّةِ) أَيْ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالنِّيَّةِ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ مَا يَشْمَلُ عَمَلَ الْقَلْبِ ع ش (قَوْلُهُ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ) أَيْ بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِقَوْلِهِ بَلْ وَنِيَّتِهِ وَاعْتِقَادِهِ سم (قَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ تَعَاوُرُ تِلْكَ الْأَحْكَامِ) أَيْ عُرُوضِهَا مُغْنِي قَوْلُ الْمَتْنِ (فِي الدِّينِ) مُتَعَلِّقٌ بِالتَّفَقُّهِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ التَّفَهُّمِ لَا كَمَا يَقْتَضِيهِ تَفْسِيرُ الشَّارِحِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْرَارُ؛ لِأَنَّ الْفِقْهَ مِنْ الدِّينِ سم أَيْ وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ الْمَحَلِّيُّ وَالْمُغْنِي عَلَى التَّفْسِيرِ بِالتَّفَهُّمِ (قَوْلُهُ وَهُوَ) إلَى الْمَتْنِ فِي النِّهَايَةِ إلَّا لَفْظَةَ عُرْفًا وَمَا أُنَبِّهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَضْعٌ إلَهِيٌّ إلَخْ) عِبَارَةُ السَّيِّدِ فِي حَوَاشِي الْعَضُدِ.
وَأَمَّا الدِّينُ فَهُوَ وَضْعٌ إلَهِيٌّ سَائِقٌ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
إلَخْ) إنْ كَانَ هَذَا التَّفْرِيعُ أَيْضًا عَلَى الْأَوَّلِ الشَّامِلِ لِمَا إذَا كَانَتْ النِّعْمَةُ غَيْرَ الْمُبْتَدَأَةِ بَلْ فِي مُقَابَلَةِ مَا يُوجِبُهَا فَالْمُرَادُ بِالْمُوجِبِ حِينَئِذٍ الْمُقْتَضِي بِقَضِيَّةِ الْفَضْلِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ إذْ لَا يَجِبُ إلَخْ، وَإِنْ اخْتَصَّ بِالثَّانِي أَشْكَلَ الْأَوَّلُ حِينَئِذٍ حَيْثُ اقْتَضَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحْضِ الْفَضْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ قَدْ يُمْنَعُ شُمُولُ الْأَوَّلِ لِغَيْرِ الْمُبْتَدَأَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مُبْتَدَأَةٌ رَاجِعٌ لِلْأَوَّلِ أَيْضًا
(قَوْلُهُ أَيْ التَّفَهُّمُ إلَخْ) الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ حَمْلُ التَّفَقُّهِ عَلَى مَعْنَى تَفَهُّمِ الْفِقْهِ فَلَا يُنَاسِبُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَفْسِيرِهِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا إذْ لَا يُتَفَهَّمُ الْفَهْمُ وَلَا الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ بَلْ نَفْسُ الْأَحْكَامِ (قَوْلُهُ وَاصْطِلَاحًا الْعِلْمُ إلَخْ) يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَامِلٌ لِعِلْمِ الْمُقَلِّدِ بِالْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِقْهًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْأُصُولِ فَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ النَّاشِئِ لِيَكُونَ صِفَةً لِلْعِلْمِ بَدَلَ النَّاشِئَةِ الْوَاقِعِ صِفَةً لِلْأَحْكَامِ لَخَرَجَ عِلْمُ الْمُقَلِّدِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا التَّعْرِيفُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ قَدْ يُطْلِقُونَ الْفِقْهَ عَلَى مَا يَشْمَلُ عِلْمَ الْمُقَلِّدِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ) أَيْ بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِقَوْلِهِ بَلْ وَنِيَّتُهُ وَاعْتِقَادُهُ (قَوْلُهُ فِي الدِّينِ) مُتَعَلِّقٌ بِالتَّفَقُّهِ وَقَضِيَّتُهُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مُجَرَّدُ التَّفَهُّمِ كَمَا يَقْتَضِيهِ تَفْسِيرُ الشَّارِحِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْرَارُ لِأَنَّ الْفِقْهَ مِنْ الدِّينِ (قَوْلُهُ وَهُوَ عُرْفًا وَضْعٌ إلَخْ) عِبَارَةُ السَّيِّدِ فِي حَوَاشِي الْعَضُدِ وَأَمَّا الدِّينُ فَهُوَ وَضْعٌ إلَهِيٌّ سَائِقٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودِ إلَى الْخَيْرِ بِالذَّاتِ
سَائِقٌ لِذَوِي الْعُقُولِ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودِ إلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ بِالذَّاتِ، وَقَدْ يُفَسَّرُ بِمَا شُرِعَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَيُسَاوِيهِ الْمِلَّةُ مَاصَدَقًا كَالشَّرِيعَةِ لِأَنَّهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا يُدَانُ أَيْ يُخْضَعُ لَهَا تُسَمَّى دِينًا وَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا يُجْتَمَعُ عَلَيْهَا وَتُمْلَى أَحْكَامُهَا تُسَمَّى مِلَّةً وَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُقْصَدُ لِإِنْقَاذِ النُّفُوسِ مِنْ مُهْلِكَاتِهَا تُسَمَّى شَرِيعَةً (مَنْ) مَفْعُولٌ أَوَّلُ لِلْمُوَفِّقِ الْمُتَعَدِّي لِلثَّانِي بِاللَّامِ (لَطَفَ بِهِ) أَيْ أَرَادَ لَهُ الْخَيْرَ وَسَهَّلَهُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَنَّ عَلَيْهِ بِفَهْمٍ تَامٍّ وَمُعَلِّمٍ نَاصِحٍ وَشِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِالطَّلَبِ وَدَوَامِهِ (وَاخْتَارَهُ) أَيْ انْتَقَاهُ لِلُطْفِهِ وَتَوْفِيقِهِ (مِنْ الْعِبَادِ) يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِمَنْ فَأَلْ فِيهِ لِلْعَهْدِ وَالْمَعْهُودُ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: 65] . وَشَاهِدُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا أَيْ عَظِيمًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» وَفِي رِوَايَةٍ «وَيُلْهِمْهُ رُشْدَهُ» وَمَفْعُولًا ثَانِيًا لِاخْتَارَ فَأَلْ فِيهِ لِلْجِنْسِ وَالْعَبْدُ لُغَةً الْإِنْسَانُ وَاصْطِلَاحًا الْمُكَلَّفُ وَلَوْ مَلَكًا أَوْ جِنِّيًّا (أَحْمَدُهُ) أَيْ أَصِفُهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ إذْ كُلٌّ مِنْهَا جَمِيلٌ وَرِعَايَةُ جَمِيعِهَا أَبْلَغُ فِي التَّعْظِيمِ وَمَعَ هَذَا التَّحْقِيقِ أَنَّ الْحَمْدَ الْأَوَّلَ أَبْلَغُ وَأَفْضَلُ وَمِنْ ثَمَّ قُدِّمَ
[حاشية الشرواني]
لِأُولِي الْأَلْبَابِ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودِ إلَى الْخَيْرِ بِالذَّاتِ، وَيَتَنَاوَلُ الْأُصُولَ وَالْفُرُوعَ وَقَدْ يُخَصُّ بِالْفُرُوعِ وَالْإِسْلَامُ هُوَ هَذَا الدِّينُ الْمَنْسُوبُ إلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ انْتَهَتْ، وَفِي بَعْضِ الْحَوَاشِي عَلَيْهَا لِبَعْضِهِمْ اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ إلَهِيٌّ عَنْ الْأَوْضَاعِ الْبَشَرِيَّةِ نَحْوِ الرُّسُومِ السِّيَاسِيَّةِ وَالتَّدْبِيرَاتِ الْمَعَاشِيَّةِ وَقَوْلُهُ سَائِقٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ احْتِرَازٌ عَنْ الْأَوْضَاعِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي يَهْتَدِي بِهَا الْحَيَوَانَاتُ لِخَصَائِصِ مَنَافِعِهَا وَمَضَارِّهَا، وَقَوْلُهُ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودِ عَنْ الْمَعَانِي الِاتِّفَاقِيَّةِ وَالْأَوْضَاعِ الْقَسْرِيَّةِ وَقَوْلُهُ إلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ بِالذَّاتِ عَنْ نَحْوِ صِنَاعَتَيْ الطِّبِّ وَالْفِلَاحَةِ فَإِنَّهُمَا وَإِنْ تَعَلَّقَتَا بِالْوَضْعِ الْإِلَهِيِّ أَعْنِي تَأْثِيرَ الْأَجْسَامِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ وَكَانَتَا سَائِقَتَيْنِ لِأُولِي الْأَلْبَابِ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودِ إلَى صِنْفٍ مِنْ الْخَيْرِ فَلَيْسَتَا تُؤَدِّيَانِهِمْ إلَى الْخَيْرِ الْمُطْلَقِ الذَّاتِيِّ أَعَنَى مَا يَكُونُ خَبَرًا بِالْقِيَاسِ إلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ وَالْقُرْبُ إلَى خَالِقِ الْبَرِيَّةِ انْتَهَى اهـ. سم (قَوْلُهُ وَقَدْ يُفَسَّرُ إلَخْ) فَالدِّينُ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ شَرْعُ الْأَحْكَامِ وَبِالثَّانِي نَفْسُ الْأَحْكَامِ كُرْدِيٌّ وَفِيهِ تَوَقُّفٌ؛ لِأَنَّ الْوَضْعَ فِي الْأَوَّلِ بِمَعْنَى الْمَوْضُوعِ كَمَا نَبَّهُوا عَلَيْهِ بَلْ قَوْلُ النِّهَايَةِ وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ وَهُوَ وَضْعٌ إلَخْ صَرِيحٌ فِي الِاتِّحَادِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا) أَيْ الْأَحْكَامَ الْمَشْرُوعَةَ (قَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُقْصَدُ إلَخْ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَمِنْ حَيْثُ إظْهَارُ الشَّارِعِ لَهَا شَرْعًا وَشَرِيعَةً اهـ أَيْ كَمَا أَنَّ الشَّرِيعَةَ مَشْرَعَةُ الْمَاءِ، وَهِيَ مَوْرِدُ الشَّارِبَةِ ع ش (قَوْلُهُ لِلثَّانِي) وَهُوَ لِلتَّفَقُّهِ سم وَكُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ وَسَهَّلَهُ عَلَيْهِ) قَدْ يَنْبَغِي تَرْكُهُ سم وَلَعَلَّهُ لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّفَقُّهِ (قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ مَنَّ عَلَيْهِ) الْأَخْصَرُ الْأُولَى بِأَنَّ مَنْ إلَخْ (قَوْلُهُ بِفَهْمٍ تَامٍّ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالتَّوْفِيقُ الْمُخْتَصُّ بِالْمُتَعَلِّمِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ شِدَّةُ الْعِنَايَةِ وَمُعَلَّمٌ ذُو نَصِيحَةٍ وَذَكَاءُ الْقَرِيحَةِ وَاسْتِوَاءُ الطَّبِيعَةِ أَيْ خُلُوُّهَا مِنْ الْمَيْلِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ اهـ. وَالْمُرَادُ بِالتَّوْفِيقِ الْمَذْكُورِ تَيْسِيرُ الْأَسْبَابِ الْمُوَافِقَةِ لِلْمَقْصُودِ وَالْمُحَصِّلَةِ لَهُ ع ش (قَوْلُهُ لِلُطْفِهِ إلَخْ) أَيْ أَوْ لِلتَّفَقُّهِ سم (قَوْلُهُ وَشَاهِدُ ذَلِكَ إلَى قَوْلِهِ وَمَفْعُولًا إلَخْ) كَانَ الْمُنَاسِبُ إمَّا تَأْخِيرُهُ عَنْ بَيَانِ الْإِعْرَابِ وَأَلْ كَمَا فِي النِّهَايَةِ أَوْ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمُغْنِي حَيْثُ قَالَ عَقِبَ مِنْ الْعِبَادِ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» أَيْ وَيُلْهِمُهُ الْعَمَلَ بِهِ اهـ (قَوْلُهُ فَأَلْ فِيهِ إلَخْ) أَيْ وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ سم (قَوْلُهُ لِلْجِنْسِ) أَوْ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَوْ لِلْعَهْدِ نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ أَيْ أَصِفُهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ) لَمْ يُرِدْ الشَّارِحُ أَنَّ هَذَا مَدْلُولُ أَحْمَدُهُ إذْ الَّذِي يَدُلُّ هُوَ عَلَيْهِ أَصِفُهُ بِالْجَمِيلِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ خَارِجَتَيْنِ أَشَارَ إلَى أُولَاهُمَا بِقَوْلِهِ إذْ كُلٌّ مِنْهَا جَمِيلٌ وَإِلَى ثَانِيَتِهِمَا بِقَوْلِهِ وَرِعَايَةُ جَمِيعِهَا إلَخْ بُنَانِيٌّ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ (قَوْلُهُ أَبْلَغُ فِي التَّعْظِيمِ) أَيْ الْمُرَادُ بِمَا ذُكِرَ إذْ الْمُرَادُ بِهِ إيجَادُ الْحَمْدِ لَا الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ سَيُوجَدُ نِهَايَةٌ وَشَرْحُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ (قَوْلُهُ التَّحْقِيقُ أَنَّ الْحَمْدَ الْأَوَّلَ أَبْلَغُ إلَخْ) خَالَفَ الشَّارِحُ الْمُحَقِّقَ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَبَيَّنَ أَنَّ الثَّانِيَ أَبْلَغُ، وَبَسَطْنَا فِي كِتَابِنَا الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ تَأْيِيدَهُ وَرَدَّ خِلَافِهِ، وَمَا اعْتَرَضُوا بِهِ عَلَيْهِ مِمَّا لَا يَمْتَرِي فِيهِ الْعَاقِلُ الْفَاضِلُ بَلْ يَتَحَقَّقُ لَهُ مِنْهُ أَنَّ زَعْمَ أَبْلَغِيَّةِ الْأَوَّلِ مَنْشَؤُهُ عَدَمُ إمْعَانِ التَّأَمُّلِ وَعَدَمُ فَهْمِ مَعْنَى الْحَمَدَيْنِ عَلَى وَجْهِهِ فَرَاجِعْهُ سم وَكَذَا وَافَقَ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي لِلشَّارِحِ الْمُحَقِّقِ عِبَارَتَهُمَا
[حاشية ابن قاسم العبادي]
وَيَتَنَاوَلُ الْأُصُولَ وَالْفُرُوعَ وَقَدْ يَخُصُّ بِالْفُرُوعِ وَالْإِسْلَامُ هُوَ هَذَا الدِّينُ الْمَنْسُوبُ إلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَفِي بَعْضِ الْحَوَاشِي عَلَيْهَا لِبَعْضِهِمْ اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ إلَهِيٌّ عَنْ الْأَوْضَاعِ الْبَشَرِيَّةِ نَحْوُ الرُّسُومِ السِّيَاسِيَّةِ وَالتَّدْبِيرَاتِ الْمَعَاشِيَّةِ، وَقَوْلُهُ سَائِقٍ لِذَوِي الْأَلْبَابِ احْتِرَازٌ عَنْ الْأَوْضَاعِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي يَهْتَدِي بِهَا الْحَيَوَانَاتُ لِخَصَائِصِ مَنَافِعِهَا وَمَضَارِّهَا وَقَوْلُهُ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودِ عَنْ الْمَعَانِي الِاتِّفَاقِيَّةِ وَالْأَوْضَاعِ الْقَسْرِيَّةِ وَقَوْلُهُ إلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ بِالذَّاتِ عَنْ نَحْوِ صِنَاعَتَيْ الطِّبِّ وَالْفِلَاحَةِ فَإِنَّهُمَا وَإِنْ تَعَلَّقَتَا بِالْوَضْعِ الْإِلَهِيِّ أَعْنِي تَأْثِيرَ الْأَجْسَامِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ وَكَانَتَا سَائِقَتَيْنِ لِأُولِي الْأَلْبَابِ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودِ إلَى صِنْفٍ مِنْ الْخَيْرِ فَلَيْسَتَا تُؤَدِّيَانِهِمْ إلَى الْخَيْرِ الْمُطْلَقِ الذَّاتِيِّ أَعْنِي مَا يَكُونُ خَيْرًا بِالْقِيَاسِ إلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ وَالْقُرْبُ إلَى خَالِقِ الْبَرِّيَّةِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ الْمُتَعَدِّي لِلثَّانِي) أَعْنِي التَّفَقُّهَ (قَوْلُهُ وَسَهَّلَهُ) قَدْ يَنْبَغِي تَرْكُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَيْ انْتِفَاءُ لِلُطْفِهِ) أَيْ أَوْ لِلتَّفَقُّهِ (قَوْلُهُ فَأَلْ فِيهِ لِلْجِنْسِ) أَيْ وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ (قَوْلُهُ التَّحْقِيقُ أَنَّ الْحَمْدَ الْأَوَّلَ أَبْلَغُ إلَخْ) خَالَفَهُ الشَّارِحُ الْمُحَقِّقُ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الثَّانِيَ أَبْلَغُ وَبَسَطْنَا
بَلْ أَخَذَ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ إيثَارِ الْقُرْآنِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] بِالِابْتِدَاءِ بِهِ أَنَّهُ أَبْلَغُ صِيَغِ الْحَمْدِ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا تَأَسِّيًا بِحَدِيثِ «إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ» وَلِيَجْمَعَ بَيْنَ مَا يَدُلُّ عَلَى دَوَامِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ، وَهُوَ الْأَوَّلُ وَعَلَى تَجَدُّدِهِ وَحُدُوثِهِ وَهُوَ الثَّانِي (أَبْلَغَ حَمْدٍ) أَيْ أَنْهَاهُ مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالُ لَا التَّفْصِيلُ لِعَجْزِ الْخَلْقِ عَنْهُ حَتَّى الرُّسُلِ حَتَّى أَكْمَلَهُمْ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ قَالَ «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك» (وَأَكْمَلَهُ) أَيْ أَتَمَّهُ وَرُدَّ بِأَنَّهُ إطْنَابٌ فَقَطْ كَاَلَّذِي بَعْدَهُ وَبِأَنَّ التَّمَامَ غَيْرُ الْكَمَالِ كَمَا يُومِئُ إلَيْهِ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: 3] فَالْإِتْمَامُ لِإِزَالَةِ نَقْصِ الْأَصْلِ وَالْإِكْمَالُ لِإِزَالَةِ نَقْصِ الْعَوَارِضِ مَعَ تَمَامِ الْأَصْلِ.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196] لِأَنَّ التَّمَامَ فِي الْعَدَدِ قَدْ عُلِمَ وَإِنَّمَا بَقِيَ احْتِمَالُ نَقْصِ بَعْضِ صِفَاتِهِ وَيُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمَاهِيَّاتِ الْحِسِّيَّةِ لَا الِاعْتِبَارِيَّةِ كَمَاهِيَّةِ الْحَمْدِ وَبِأَنَّ الْإِكْمَالَ فِي الْآيَةِ لِلدِّينِ وَالْإِتْمَامُ لِلنِّعْمَةِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا ذَلِكَ الْإِكْمَالُ وَالنَّصْرُ الْعَامُّ عَلَى كُلِّ مُنَافِقٍ وَمُعَانِدٍ فَلَمْ يَتَعَاوَرَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فَاتَّجَهَ أَنَّهُمَا فِيهِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ
[حاشية الشرواني]
وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ حَمْدِهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ حَمْدٌ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ بِرِعَايَةِ الْأَبْلَغِيَّةِ وَذَاكَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا وَهِيَ الْمَالِكِيَّةُ أَيْ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ وَإِنْ لَمْ تُرَاعَ الْأَبْلَغِيَّةُ بِأَنْ يُرَادَ الثَّنَاءُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ فَذَاكَ الْبَعْضُ أَعَمُّ مِنْ هَذِهِ الْوَاحِدَةِ لِصِدْقِهِ بِهَا وَبِغَيْرِهَا الْكَثِيرِ فَالثَّنَاءُ بِهَا أَبْلَغُ فِي الْجُمْلَةِ أَيْضًا نَعَمْ الثَّنَاءُ بِالْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ تَفْصِيلُهُ أَيْ تَعْيِينُهُ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ مِنْ هَذَا.
اهـ.
وَزَادَ الثَّانِي فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ أَبْلَغَ مَعَ أَنَّ الْأَوَّلَ اُفْتُتِحَ بِهِ الْكِتَابُ أُجِيبَ بِأَنَّ الْحَمْدَ فِيهِ لِمَقَامِ التَّعْلِيمِ وَالتَّعْيِينُ لَهُ أَوْلَى اهـ.
(قَوْلُهُ بَلْ أَخَذَ الْبُلْقِينِيُّ إلَخْ) مَرْجُوًّا بِهِ عَنْ الْمُغْنِي آنِفًا (قَوْلُهُ وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا) يَعْنِي جَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ الْحَمْدِ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَالْحَمْدِ بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ، وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي فَقَوْلُهُ نَاسِيًا إلَخْ عِلَّةٌ لِكُلٍّ مِنْ الدَّعْوَيَيْنِ وَلِذَا قَدَّمَهُ (قَوْلُهُ وَلِيَجْمَعَ إلَخْ) عِلَّةٌ لِلْأُولَى فَقَطْ (قَوْلُهُ وَحُدُوثُهُ) مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ وَلَوْ عُكِسَ الْعَطْفُ كَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ الْمَتْنُ أَبْلَغُ حَمْدٍ) يَنْبَغِي أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ، وَإِلَّا فَإِنْ أَرَادَ أَبْلَغَ الْحَمْدِ مُطْلَقًا فَهُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ إذْ حَمْدُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالُ خُصُوصًا حَمْدُ سَيِّدِهِمْ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَبْلَغُ مِنْ حَمْدِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ مِنْ إجْمَالَاتِ الْحَمْدِ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَإِنْ أَرَادَ حَمْدًا مَا أَبْلَغَ مِنْ حَمْدٍ مَا فَلَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ أَمْرٍ فَتَأَمَّلْهُ سم.
(قَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالُ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالِ عِبَارَةِ الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَتَصَوَّرُ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ عُمُومُ الْحَمْدِ مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْمَحْمُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ النِّعَمُ لَا يُتَصَوَّرُ حَصْرُهَا كَمَا مَرَّ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُنْسَبَ عُمُومُ الْمَحَامِدِ إلَيْهِ تَعَالَى عَلَى جِهَةِ الْإِجْمَالِ بِأَنْ يَعْتَرِفَ مَثَلًا بِاشْتِمَالِهِ عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ الْجَلَّالِيَّةِ وَالْجَمَالِيَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ حَدُّ الْحَمْدِ الْمَذْكُورِ اهـ قَالَ الرَّشِيدِيُّ وَمَعَ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ ادِّعَاءِ إرَادَةِ الْمُصَنِّفِ الْمُبَالَغَةَ؛ لِأَنَّ حَمْدَهُ وَلَوْ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ دُونَ حَمْدِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَوْ إجْمَالِيًّا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ قَاسِمٍ اهـ.
(قَوْلُهُ وَرُدَّ) أَيْ تَفْسِيرُ الْكَمَالِ بِالتَّمَامِ سم (قَوْلُهُ بِأَنَّهُ إطْنَابٌ فَقَطْ) يَعْنِي أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ وَأَكْمَلُهُ مُجَرَّدُ إطْنَابٍ فَالْمُرَادُ بِهِ عَيْنُ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ أَبْلَغُ حَمْدٍ وَتَفْسِيرُ الْكَمَال بِالتَّمَامِ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ وَعَدَمَ الْإِطْنَابِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ كَاَلَّذِي بَعْدَهُ أَيْ قَوْلِهِ وَأَزْكَاهُ وَأَشْمَلُهُ وَقَالَ الْكُرْدِيُّ قَوْلُهُ وَرُدَّ بِأَنَّهُ إطْنَابٌ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ وَنَحْوِهَا شَائِعٌ فِي الْخُطَبِ اهـ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى ضِدِّ مَا قُلْته وَيَرُدُّهُ قَوْلُ الشَّارِحِ وَبِأَنَّ التَّمَامَ إلَخْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْمَرَامِ.
(قَوْلُهُ وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ (قَوْلُهُ قَدْ عُلِمَ) أَيْ مِنْ لَفْظَةِ عَشْرَةٍ (قَوْلُهُ وَيُرَدُّ) أَيْ الرَّدُّ الثَّانِي (قَوْلُهُ بِأَنَّ هَذَا) أَيْ الْفَرْقَ الْمَذْكُورَ (قَوْلُهُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمَاهِيَّاتِ الْحِسِّيَّةِ إلَخْ) قَالَ سم لَك مَنْعُ هَذَا الْحَصْرِ، ثُمَّ أَطَالَ فِي رَدِّ كَلَامِ الشَّارِحِ وَجَعَلَهُ مَاهِيَّةَ الْحَمْدِ اعْتِبَارِيَّةً رَاجِعْهُ (قَوْلُهُ وَمُعَانِدٍ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ لَمِنَّا وَكُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ فَلَمْ يُتَعَاوَرَا) أَيْ لَمْ يُتَوَارَدَا الْإِكْمَالَ وَالْإِتْمَامَ فِي الْآيَةِ قَالَ سم هَذَا قَدْ لَا يَمْنَعُ مَا ذُكِرَ اهـ.
وَأَقُولُ إنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ بِذَلِكَ إنَّمَا هُوَ رَدُّ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ لِمَا ذُكِرَ لَا مَنْعُهُ فَلَا إشْكَالَ (قَوْلُهُ فِيهِ) أَيْ فِي
[حاشية ابن قاسم العبادي]
فِي كِتَابِنَا الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ تَأْيِيدُهُ وَرَدُّ خِلَافِهِ وَمَا اعْتَرَضُوا بِهِ عَلَيْهِ بِمَا لَا يَمْتَرِي فِيهِ الْعَاقِلُ الْفَاضِلُ بَلْ يَتَحَقَّقُ لَهُ مِنْهُ أَنَّ زَعْمَ أَبْلَغِيَّةِ الْأَوَّلِ مُنْشَؤُهُ عَدَمُ إمْعَانِ التَّأَمُّلِ وَعَدَمُ فَهْمِ مَعْنَى الْحَمَدَيْنِ عَلَى وَجْهِهِ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ أَبْلَغُ حَمْدٍ) يَنْبَغِي أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ وَإِلَّا فَإِنْ أَرَادَ أَبْلَغَ الْحَمْدِ مُطْلَقًا فَهُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ إذْ حَمْدُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالُ خُصُوصًا حَمْدُ سَيِّدِهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِمْ أَبْلَغُ مِنْ حَمْدِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ مِنْ إجْمَالَاتِ الْحَمْدِ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَإِنْ أَرَادَ حَمْدًا مَا فَلَيْسَ فِيهِ كَبِيرًا مَرَّ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَرُدَّ) أَيْ تَفْسِيرُ الْكَمَالِ بِالتَّمَامِ (قَوْلُهُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمَاهِيَّاتِ الْحِسِّيَّةِ) لَك مَنْعُ هَذَا الْحَصْرِ ثُمَّ إنْ أَرَادَ بِحِسِّيَّةِ الْمَاهِيَّاتِ حِسِّيَّتَهَا فِي نَفْسِهَا فَلَا شَيْءَ مِنْهَا بِحِسِّيٍّ؛ لِأَنَّهَا كُلِّيَّاتٌ وَالْكُلِّيَّاتُ لَا تُحَسُّ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ حِسِّيَّتَهَا بِحِسِّيَّةِ أَفْرَادِهَا الْمَوْجُودَةِ هِيَ فِيهَا فِي الْخَارِجِ فَمَاهِيَّةُ الْحَمْدِ كَذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ أَفْرَادًا فِي الْخَارِجِ فَإِنْ كَانَتْ أَقْوَالًا فَهِيَ مَحْسُوسَةٌ بِالسَّمْعِ أَوْ أَفْعَالًا فَبِالْبَصَرِ، وَأَيْضًا إنْ أَرَادَ بِالِاعْتِبَارِيِّ الِاصْطِلَاحِيَّ فَالِاصْطِلَاحِيُّ لَا يُنَافِي الْمَحْسُوسَ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ مَالَهُ تَحَقُّقٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ اعْتِبَارِ مُعْتَبَرٍ لَكِنَّهُ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ أَوْ مَا يَكُونُ تَحَقُّقُهُ بِاعْتِبَارِنَا وَلَوْ قَطَعَ النَّظَرَ عَنْ اعْتِبَارِنَا لَا يَكُونُ لَهُ تَحَقُّقٌ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَاهِيَّةَ الْحَمْدِ كَذَلِكَ أَمَّا عَلَى الثَّانِي فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلِتَحَقُّقِهَا فِي الْخَارِجِ بِتَحَقُّقِ أَفْرَادِهَا (قَوْلُهُ فَلَمْ يُتَعَاوَرَا) هَذَا قَدْ لَا يَمْنَعُ مَا ذُكِرَ وَقَوْلُهُ فَاتَّجَهَ أَنَّهُمَا فِيهِ كَانَ
وَبِأَنَّ التَّمَامَ يُشْعِرُ بِسَبْقِ نَقْصٍ بِخِلَافِ الْكَمَالِ، وَيُرَدُّ بِفَرْضِ تَسْلِيمِهِ بِنَحْوِ مَا قَبْلَهُ (وَأَزْكَاهُ) أَنَمَاهُ (وَأَشْمَلَهُ) أَعَمَّهُ
(وَأَشْهَدُ) أَعْلَمُ أُتِيَ بِهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» أَيْ الْقَلِيلَةِ الْبَرَكَةِ (أَنْ لَا إلَهَ) أَيْ لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ (إلَّا اللَّهُ) وَفِي نُسْخَةٍ زِيَادَةُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَحِينَئِذٍ فَوَحْدَهُ تَأْكِيدٌ لِتَوْحِيدِ الذَّاتِ وَمَا بَعْدَهُ تَأْكِيدٌ لِتَوْحِيدِ الْأَفْعَالِ رَدًّا عَلَى نَحْوِ الْمُعْتَزِلَةِ (الْوَاحِدُ) فِي ذَاتِهِ فَلَا تَعَدُّدَ لَهُ بِوَجْهٍ وَصِفَاتِهِ فَلَا نَظِيرَ لَهُ بِوَجْهٍ وَأَفْعَالِهِ فَلَا شَرِيكَ لَهُ بِوَجْهٍ وَلَمَّا نَظَرَ إلَى حَقَائِقِهَا وَمَا يَلِيقُ بِهَا حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَبْدَعُ مِمَّا كَانَ أَيْ كُلُّ كَائِنٍ إلَى الْأَبَدِ مَتَى دَخَلَ فِي حَيِّزٍ كَانَ لَا أَبْدَعَ
[حاشية الشرواني]
قَوْله تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ﴾ [المائدة: 3] إلَخْ وَقَالَ الْكُرْدِيُّ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْمُتَعَاوِرِ أَيْ فِي الْمُتَعَاوِرِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ كَالْحَمْدِ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، ثُمَّ رَأَيْت قَالَ سم قَوْلُهُ فَاتَّجَهَ أَنَّهُمَا فِيهِ كَانَ الْمُرَادُ فِي الْمَذْكُورِ مِنْ الْآيَةِ اهـ فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَى الْآيَةِ بِتَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ وَبِأَنَّ التَّمَامَ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ بِأَنَّهُ إطْنَابٌ إلَخْ (قَوْلُهُ وَيُرَدُّ بِفَرْضٍ إلَخْ) فِيهِ مَا فِيهِ سم (قَوْلُهُ بِنَحْوِ مَا قَبْلَهُ) يَعْنِي أَنَّ هَذَا فِي الْمَاهِيَّاتِ الْحِسِّيَّةِ كُرْدِيٌّ
قَوْلُ الْمَتْنِ (وَأَشْهَدُ) قَالَ الشِّهَابُ الْأَشْبِيطِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْخُطْبَةِ مَعْنَاهَا هُنَا أَعْلَمُ ذَلِكَ بِقَلْبِي وَأُبَيِّنُهُ بِلِسَانِي قَاصِدًا بِهِ الْإِنْشَاءَ حَالَ تَلَفُّظِهِ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَذْكَارِ وَالتَّنْزِيهَاتِ انْتَهَى اهـ سم (قَوْلُهُ أُعْلِمُ) هَلْ هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ كَمَا هُوَ مُنَاسِبٌ لِمَعْنَى الشَّهَادَةِ أَوَّلًا سم عَلَى حَجّ أَقُولُ قَضِيَّةُ مَا قَدَّمَهُ عَنْ الشِّهَابِ الْأَشْبِيطِيِّ ضَبْطُهُ بِالضَّمِّ فَإِنَّ قَوْلَهُ وَأُبَيِّنُهُ بِلِسَانِي إلَخْ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَعْنَى الشَّهَادَةِ قَبْلَهُ، وَتَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ ع ش عِبَارَةُ الرَّشِيدِيِّ هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ كَمَا ضَبَطَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَحْرِيرِ التَّنْبِيهِ فِي بَابِ الْأَذَانِ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَمَا هُنَا بِأَنَّ الْأَذَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ الْإِعْلَامُ اهـ قَوْلُ الشِّهَابِ الْأَشْبِيطِيِّ الْمَارُّ بِقَلْبِي صَرِيحٌ فِي الْفَتْحِ وَأَصْرَحُ مِنْهُ قَوْلُ الْبُجَيْرِمِيِّ أَيْ أَعْلَمُ وَأُذْعِنُ فَلَا يَكْفِي الْعِلْمُ مِنْ غَيْرِ إذْعَانٍ وَهُوَ تَسْلِيمُ الْقَلْبِ حَقِيقَةَ مَا عَلِمَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ أَيْ لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ) أَيْ فِي الْوُجُودِ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي قَوْلُ الْمَتْنِ (إلَّا اللَّهُ) أَيْ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ»
وَفِي الْبُخَارِيِّ قِيلَ لِوَهْبٍ أَلَيْسَ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إلَّا وَلَهُ أَسْنَانٌ فَإِنْ جِئْت بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَك أَيْ مَعَ السَّابِقِينَ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ مُسْلِمًا لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ وَذُكِرَ لِابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُ وَهْبٍ فَقَالَ صَدَقَ وَأَنَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ الْأَسْنَانِ مَا هِيَ فَذَكَرَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ مُغْنِي (قَوْلُهُ تَأْكِيدٌ لِتَوْحِيدِ الذَّاتِ) قَدْ يُقَالُ تَأْكِيدٌ لِاخْتِصَاصِ الْأُلُوهِيَّةِ بِاَللَّهِ الَّذِي أَفَادَهُ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ سم (قَوْلُهُ لِتَوْحِيدِ الذَّاتِ) أَيْ وَالصِّفَاتِ (قَوْلُهُ وَمَا بَعْدَهُ) أَيْ قَوْلُهُ لَا شَرِيكَ لَهُ (قَوْلُهُ عَلَى نَحْوِ الْمُعْتَزِلَةِ) أَيْ مِمَّا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْأَشَاعِرَةِ لَوْ صَحَّ مِنْ أَنَّهَا بِالْقُدْرَتَيْنِ أَيْ قُدْرَتِهِ تَعَالَى وَقُدْرَةِ الْعَبْدِ (قَوْلُهُ فَلَا تَعَدُّدَ لَهُ بِوَجْهٍ) أَيْ لَا تَعَدُّدَ اتِّصَالِ بَابٍ يَتَرَكَّبُ مِنْ أَجْزَاءٍ وَلَا تَعَدُّدَ انْفِصَالٌ بِأَنْ يَكُونَ إلَهٌ آخَرُ (قَوْلُهُ فَلَا شَرِيكَ لَهُ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَحْدَةَ الشَّامِلَةَ لِوَحْدَةِ الذَّاتِ وَوَحْدَةِ الصِّفَاتِ وَوَحْدَةِ الْأَفْعَالِ تَنْفِي كُمُومًا خَمْسَةً الْكُمَّ الْمُتَّصِلَ فِي الذَّاتِ، وَهُوَ تَرَكُّبُهَا مِنْ أَجْزَاءِ وَالْكُمَّ الْمُنْفَصِلَ فِيهَا وَهُوَ تَعَدُّدُهَا بِأَنْ يَكُونَ هُنَاكَ لَهُ ثَانٍ فَأَكْثَرُ وَهَذَانِ مَنْفِيَّانِ بِوَحْدَةِ الذَّاتِ وَالْكَمُّ الْمُتَّصِلُ فِي الصِّفَاتِ وَهُوَ تَعَدُّدُهَا بِأَنْ يَكُونَ لَهُ صِفَتَانِ فَأَكْثَرُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَقُدْرَتَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَالْكَمُّ الْمُنْفَصِلُ فِيهَا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ تَعَالَى صِفَةٌ تُشْبِهُ صِفَتَهُ تَعَالَى كَأَنْ يَكُونَ لِزَيْدٍ قُدْرَةٌ يُوجِدُ بِهَا وَيُعْدِمُ كَقُدْرَتِهِ تَعَالَى وَهَذَانِ مَنْفِيَّانِ بِوَحْدَةِ الصِّفَاتِ.
وَالْخَامِسُ الْكَمُّ الْمُنْفَصِلُ فِي الْأَفْعَالِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِعْلٌ مِنْ الْأَفْعَالِ عَلَى وَجْهِ الْإِيجَادِ وَهُوَ مَنْفِيٌّ بِوَحْدَةِ الْأَفْعَالِ أَيْ وَإِنْ كَانَ نَفْيُهُ لَازِمًا مِنْ وَحْدَةِ الصِّفَاتِ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ الْجَوْهَرَةِ وَفِي تَصْوِيرِهِ الْكَمَّ الْمُتَّصِلَ فِي الصِّفَاتِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إلَى حَقَائِقِهَا) أَيْ حَقَائِقِ ذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ النَّظَرِ فِيهَا عِلْمُهَا بِكُنْهِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْأَفْعَالِ فَقَطْ (قَوْلُهُ مِمَّا كَانَ) أَيْ مِمَّا أَوْجَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ (قَوْلُهُ فِي حَيِّزِ كَانَ) أَيْ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
الْمُرَادُ فِي الْمَذْكُورِ مِنْ الْآيَةِ وَقَوْلُهُ وَيُرَدُّ بِفَرْضٍ إلَخْ فِيهِ مَا فِيهِ
(قَوْلُهُ وَأَشْهَدُ) قَالَ الشِّهَابُ الْأَشْبِيطِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْخُطْبَةِ مَعْنَاهَا هُنَا أُعْلَمُ ذَلِكَ بِقَلْبِي وَأُبَيِّنُهُ بِلِسَانِي قَاصِدًا بِهِ الْإِنْشَاءَ حَالَ تَلَفُّظِهِ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَذْكَارِ وَالتَّنْزِيهَاتِ اهـ.
(قَوْلُهُ أُعْلِمُ) هَلْ هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ كَمَا هُوَ مُنَاسِبٌ لِمَعْنَى الشَّهَادَةِ أَوَّلًا (قَوْلُهُ تَأْكِيدٌ لِتَوْحِيدِ الذَّاتِ) قَدْ يُقَالُ بَلْ هُوَ تَأْكِيدٌ لِاخْتِصَاصِ الْأُلُوهِيَّةِ بِاَللَّهِ الَّذِي أَفَادَهُ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ (قَوْلُهُ لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَبْدَعُ مِمَّا كَانَ) صَرِيحٌ فِي إمْكَانِ غَيْرِ مَا كَانَ، وَإِلَّا لَقَالَ لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ إلَّا مَا كَانَ وَإِمْكَانُ غَيْرِ مَا كَانَ مَعَ الْتِزَامِ أَنَّ مَا كَانَ هُوَ الْأَبْدَعَ يَسْتَلْزِمُ إمْكَانَ غَيْرِ الْأَبْدَعِ وَإِذَا كَانَ غَيْرُ الْأَبْدَعِ مُمْكِنًا فَمِنْ أَيْنَ أَنَّ مَا كَانَ هُوَ الْأَبْدَعَ بَلْ جَازَ أَنْ لَا يَكُونَ هُوَ الْأَبْدَعَ لِأَنَّ غَيْرَ الْأَبْدَعِ مُمْكِنٌ أَيْضًا فَتَأَمَّلْهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ غَيْرَ الْأَبْدَعِ إنْ كَانَ مُمْكِنًا جَازَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْوَاقِعَ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا فَمِنْ أَيْنَ أَنَّ الْوَاقِعَ هُوَ الْأَبْدَعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا فَلَا يُقَالُ لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَبْدَعُ مِمَّا كَانَ بَلْ يُقَالُ لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ إلَّا مَا كَانَ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِاخْتِيَارِ الْأَوَّلِ لَكِنَّ الْمُمْكِنَ بِالذَّاتِ قَدْ يَمْتَنِعُ بِالْغَيْرِ فَجَازَ أَنْ يَمْتَنِعَ
مِنْهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعِلْمَ أَتْقَنَهُ وَالْإِرَادَةُ خَصَّصَتْهُ وَالْقُدْرَةُ أَبْرَزَتْهُ وَلَا نَقْصَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَكَانَ بُرُوزُهُ عَلَى أَبْدَعِ وَجْهٍ وَأَكْمَلِهِ وَلَمْ يَتَفَاوَتْ بِالنِّسْبَةِ لِبَارِئِهِ ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: 3] بَلْ لِذَوَاتِهِ بِاعْتِبَارِ الْأَحْكَامِ فَاعْتِرَاضُهُ بِاسْتِلْزَامِ ذَلِكَ عَجْزُ الْمُحْدِثِ لِهَذَا الْعَالِمِ عَنْ إيجَادِ أَبْدَعَ مِنْهُ أَوْ بُخْلُهُ بِهِ أَوْ وُجُوبُ فِعْلِ الْأَصْلَحِ عَلَيْهِ أَوْ أَنَّهُ مُوجَبٌ بِالذَّاتِ هُوَ عَيْنُ الْحُمْقِ وَالْجَهْلِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ أَبْدَعُ مِنْهُ بِأَنْ تَتَعَلَّقَ الْقُدْرَةُ بِإِعْدَامِهِ حَالَ وُجُودِهِ لَزِمَ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ وَهُوَ مُحَالٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ فَلَمْ يُنَافِ ذَلِكَ صُلُوحَ الْقُدْرَةِ لِلطَّرَفَيْنِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ بِأَنْ تَتَعَلَّقَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ ثُمَّ الِاعْتِرَاضُ إنَّمَا يُتَوَهَّمُ حَيْثُ لَمْ تُجْعَلْ مَا مَصْدَرِيَّةً كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (الْغَفَّارُ) أَيْ السَّتَّارُ لِذُنُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يُؤَاخِذُهُمْ بِهَا وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَأْنِ الْوَاحِدِ الْقَهْرُ آثَرَهُ عَلَى الْقَهَّارِ لِئَلَّا تَنْزَعِجَ الْقُلُوبُ مِنْ تَوَالِيهِمَا وَلِيَتِمَّ لَهُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الطِّبَاقِ الْمَعْنَوِيِّ لِإِشَارَةِ الْأَوَّلِ لِمَقَامِ الْخَوْفِ وَالثَّانِي لِضِدِّهِ.
(تَنْبِيهٌ) فَرَّقُوا بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْأَحَدِ وَأَصْلُهُ وَحِدَ
[حاشية الشرواني]
وُجِدَ (قَوْلُهُ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا كَانَ (قَوْلُهُ فَكَانَ بُرُوزُهُ إلَخْ) هَذَا التَّفْرِيعُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إثْبَاتِ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يُتْقِنُ إلَّا الْأَبْدَعَ وَالْإِرَادَةُ لَا تُخَصِّصُ إلَّا الْأَبْدَعَ وَالْقُدْرَةُ لَا تُبْرِزُ إلَّا الْأَبْدَعَ وَمَا ذَكَرَهُ لَا يُثْبِتُ ذَلِكَ سم (قَوْلُهُ وَمَا ذَكَرَهُ إلَخْ) يَمْنَعُهُ مَا حَكَاهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ عَنْ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي جَوَابِهِ نَفْسَهُ عَنْ السُّؤَالِ عَنْهُ عَنْ كَلِمَتِهِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى إذَا فَعَلَ فَلَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَيْ فَضْلًا مِنْهُ وَمَنَالًا وُجُوبًا تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَ إلَّا نِهَايَةُ مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ فَكُلُّ مَا قَضَاهُ وَيَقْضِيهِ مِنْ خَلْقِهِ بِعِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى غَايَةِ الْحِكْمَةِ وَنِهَايَةِ الْإِتْقَانِ وَمَبْلَغُ جَوْدَةِ الصُّنْعِ اهـ.
ثُمَّ قَالَ الْجَلَالُ وَالْحَاصِلُ أَنَّا نَقُولُ كُلُّ مَوْجُودٍ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ إيجَادُهُ عَلَى عِدَّةِ أَوْجُهٍ أُخْرَى، وَأَنَّ الْقُدْرَةَ صَالِحَةٌ لِذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي أَوْجَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ أَبْدَعَهَا لِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِوَجْهِ الْحِكْمَةِ فِيهِ، وَإِيجَادُهُ وَلَا نَنْفِي أَنْ يُوجَدَ بَعْدَهُ ضِدُّهُ وَنَقُولُ أَنَّهُ إذَا أُوجِدَ ضِدُّهُ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي كَانَ ذَلِكَ الضِّدُّ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي أَبْدَعَ مِنْ الضِّدِّ الْأَوَّلِ فَكُلُّ مَوْجُودٍ أَبْدَعُ فِي وَقْتِهِ مِنْ خِلَافِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ فَاعْتِرَاضُهُ) أَيْ قَوْلُ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ الْمَذْكُورُ وَلِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيّ رِسَالَةٌ سَمَّاهَا بِتَشْيِيدِ الْأَرْكَانِ مِنْ لَا أَبْدَعَ فِي الْإِمْكَانِ مِمَّا كَانَ بَسَطَ فِيهَا بَيَانَ مَقْصِدِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ وَحَقَّقَهُ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَيَّدَهُ بِكَلَامِ الْمُفَسِّرِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيِّينَ، وَدَفَعَ الِاعْتِرَاضَاتِ الْمُورَدَةَ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ عَدِيدَةٍ نَقْلِيَّةٍ وَعَقْلِيَّةٍ رَاجِعْهَا (قَوْلُهُ عَنْ إيجَادِ إلَخْ) أَيْ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ أَوْ بُخْلِهِ بِهِ) أَيْ إنْ اقْتَدَرَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ أَوْ وُجُوبِ فِعْلِ الْأَصْلَحِ) أَيْ كَمَا يَقُولُ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ (قَوْلُهُ أَوْ أَنَّهُ مُوجِبٌ إلَخْ) أَيْ كَمَا يَقُولُ بِهِ الْفَلَاسِفَةُ وَرَدَّ سم دَعْوَى الِاسْتِلْزَامِ الْمَذْكُورِ بِمَا نَصُّهُ امْتِنَاعُ إيجَادِ أَبْدَعَ مِنْهُ لِكَوْنِهِ لَا أَبْدَعَ مِنْهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْعَجْزِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ اهـ.
(قَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ إلَخْ) هَذِهِ الْعِلَاوَةُ فَرْعُ أَنَّ الْوَاقِعَ هُوَ الْأَبْدَعُ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ آنِفًا سم وَقَدْ مَرَّ هُنَاكَ مَنْعُهُ (قَوْلُهُ حَالَ وُجُودِهِ) التَّقْيِيدُ بِهِ غَيْرُ لَازِمٍ فِي الْإِيرَادِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بَلْ لِلْمُورِدِ أَنْ يُعَبِّرَ هَكَذَا يُمْكِنُ أَبْدَعُ مِنْ الْمَوْجُودِ بِأَنْ يُعْدِمَهُ وَيُوجِدَ بَدَلَهُ أَبْدَعَ مِنْهُ أَوْ بِأَنْ يُوجِدَ الْإِبْدَاعَ ابْتِدَاءً فَلَا يَلْزَمُهُ مَا أَلْزَمَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ سم.
(قَوْلُهُ حَيْثُ لَمْ تُجْعَلْ مَا مَصْدَرِيَّةً) يُتَأَمَّلُ الْمَعْنَى عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ سم أَقُولُ الْمُغْنِي عَلَيْهَا كَمَا فِي تَشْيِيدِ الْأَرْكَانِ عَنْ الزَّرْكَشِيّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَبْدَعُ مِنْ وُجُودِ هَذَا الْعَالَمِ فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يَحْصُلُ لِلْمُمْكِنِ مِنْ الْحَقِّ سِوَى الْوُجُودِ وَقَدْ حَصَلَ (قَوْلُهُ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) يَقْتَضِي أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُغْفَرُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَعَاصِي الزَّائِدَةِ عَلَى الْكُفْرِ وَهُوَ ظَاهِرُ عَمِيرَةَ وَيُوَافِقُهُ تَصْرِيحُهُمْ فِي الْجَنَائِزِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لِلْكَافِرِ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا عَدَا الشِّرْكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْجَوَازِ الْوُقُوعُ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ ع ش (قَوْلُهُ فَلَا يُؤَاخِذُهُمْ بِهَا) عِبَارَةُ غَيْرِهِ فَلَا يُظْهِرُهَا بِالْعِقَابِ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ مِنْ شَأْنِ الْوَاحِدِ إلَخْ) أَيْ فِي مِلْكِهِ مَحَلِّيٌّ (قَوْلُهُ آثَرَهُ) أَيْ الْغَفَّارَ وَقَوْلُهُ مِنْ تَوَالِيهِمَا أَيْ الْقَهَّارِ وَالْوَاحِدِ (قَوْلُهُ مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ الْوَاحِدِ وَالْغَفَّارِ فَفِي تَعْبِيرِهِ تَشْتِيتٌ لِلضَّمَائِرِ بَصْرِيٌّ (قَوْلُهُ لِئَلَّا تَنْزَعِجَ إلَخْ) لَا يُقَالُ هُوَ مُعَارَضٌ بِمَا فِي التَّنْزِيلِ لِأَنَّا نَقُولُ الْمَقَامُ هُنَا مَقَامُ الْوَصْفِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرَّحْمَةِ وَالْإِنْعَامِ فَكَانَ ذِكْرُ الْغَفَّارِ هُنَا أَنْسَبَ عَمِيرَةٌ (قَوْلُهُ مِنْ الطِّبَاقِ الْمَعْنَوِيِّ) وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ (قَوْلُهُ وَأَصْلُهُ وَحْدٌ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَوْ وَحْدٌ بَدَلٌ مِنْ أَصْلِهِ بِالْجَرِّ عُطِفَ عَلَى الْوَاحِدِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ قَالَ الْكُرْدِيُّ وَوَحْدٌ بِمَعْنَى وَاحِدٍ اهـ.
وَفِي كُلِّيَّاتِ أَبِي الْبَقَاءِ مَا نَصُّهُ وَهَمْزَتُهُ أَيْ الْأَحَدِ إمَّا أَصْلِيَّةٌ وَإِمَّا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ الْوَاوِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ وَحْدٌ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
وُقُوعُ غَيْرِ الْأَبْدَعِ لِتَرْجِيحِ وُقُوعِ الْأَبْدَعِ بِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ بِهِ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ (قَوْلُهُ فَكَانَ بُرُوزُهُ) هَذَا التَّفْرِيعُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إثْبَاتِ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَقْتَنُّ إلَّا الْأَبْدَعَ وَالْإِرَادَةُ لَا تُخَصِّصُ إلَّا الْأَبْدَعَ وَالْقُدْرَةُ لَا تُبْرِزُ إلَّا الْأَبْدَعَ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يُثْبِتُ ذَلِكَ انْتَهَى (قَوْلُهُ عَنْ إيجَادِ أَبْدَعَ مِنْهُ) امْتِنَاعُ إيجَادِ أَبْدَعَ مِنْهُ لِكَوْنِهِ لَا أَبْدَعَ مِنْهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْعَجْزِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ (قَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ) هَذِهِ الْعِلَاوَةُ فَرْعٌ أَنَّ الْوَاقِعَ هُوَ الْأَبْدَعُ وَلَمْ يُثْبِتْ ذَلِكَ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ آنِفًا (قَوْلُهُ حَالَ وُجُودِهِ) التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ حَالَ وُجُودِهِ غَيْرُ لَازِمٍ فِي الْإِيرَادِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بَلْ لِلْمَوْرِدِ أَنْ يُعَبِّرَ هَكَذَا يُمْكِنُ أَبْدَعُ مِنْ الْمَوْجُودِ بِأَنْ يُعْدِمَهُ وَيُوجِدَ بَدَلَهُ أَبْدَعَ مِنْهُ أَوْ بِأَنْ يُوجِدَ الْأَبْدَعَ ابْتِدَاءً فَلَا يَلْزَمُ مَا أَلْزَمَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ حَيْثُ لَمْ تُجْعَلْ مَا مَصْدَرِيَّةً) يُتَأَمَّلُ الْمَعْنَى عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ (قَوْلُهُ
بِأَنَّ أَحَدًا يَخْتَصُّ بِأُولِي الْعِلْمِ وَبِالنَّفْيِ إلَّا إنْ أُرِيدَ بِهِ الْوَاحِدُ أَوْ الْأَوَّلُ كَمَا فِي الْآيَةِ وَوَصْفًا بِاَللَّهِ دُونَ وَاحِدٍ وَوَحْدٍ وَبِأَنَّ نَفْيَهُ نَفْيٌ لِلْمَاهِيَّةِ بِخِلَافٍ فِي الْوَاحِدِ إذْ لَا يَنْفِي الِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَبِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُؤَنَّثِ أَيْضًا نَحْوُ ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: 32] وَالْمُفْرَدُ وَالْجَمْعُ نَحْوُ ﴿مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 47] وَبِأَنَّ لَهُ جَمْعًا مِنْ لَفْظِهِ وَهُوَ الْأَحَدُونَ وَالْآحَادُ وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ بِتَرَادُفِهِمَا وَلَكِنَّ الْغَالِبَ اسْتِعْمَالُ أَحَدٍ بَعْدَ النَّفْيِ اخْتِيَارٌ لَهُ
(وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا) عَلَمٌ مَنْقُولٌ مِنْ اسْمِ مَفْعُولِ الْمُضَعَّفِ سُمِّيَ بِهِ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُؤْلَفْ قَبْلُ أَوْ أَنَّ ظُهُورَهُ بِإِلْهَامٍ مِنْ اللَّهِ لِجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إشَارَةً إلَى كَثْرَةِ خِصَالِهِ الْمَحْمُودَةِ وَرَجَاءَ أَنْ يَحْمَدَهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا سِيَّمَا إنْ صَحَّ مَا نُقِلَ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ رَأَى سِلْسِلَةً بَيْضَاءَ خَرَجَتْ مِنْهُ أَضَاءَ لَهَا الْعَالَمُ فَأُوِّلَتْ بِوَلَدٍ يَخْرُجُ مِنْهُ يَكُونُ كَذَلِكَ (عَبْدُهُ) قُدِّمَ لِأَنَّ وَصْفَ الْعُبُودِيَّةِ أَشْرَفُ الْأَوْصَافِ وَمِنْ ثَمَّ ذُكِرَ فِي أَفْخَمِ مَقَامَاتِهِ ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ - نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: 1] ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ [النجم: 10] (وَرَسُولُهُ) لِكَافَّةِ الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ إجْمَاعًا مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهُ وَكَذَا الْمَلَائِكَةُ كَمَا رَجَّحَهُ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ كَالسُّبْكِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَرَدُّوا عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ وَصَرِيحُ آيَةِ ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1] إذْ الْعَالَمُ مَا سِوَى اللَّهِ وَخَبَرُ مُسْلِمٍ «وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً» يُؤَيِّدُ ذَلِكَ بَلْ.
قَالَ الْبَارِزِيُّ أَنَّهُ أُرْسِلَ حَتَّى لِلْجَمَادَاتِ بَعْدَ جَعْلِهَا مُدْرِكَةً وَفَائِدَةُ الْإِرْسَالِ لِلْمَعْصُومِ وَغَيْرِ الْمُكَلَّفِ طَلَبُ إذْعَانِهِمَا لِشَرَفِهِ وَدُخُولُهُمَا تَحْتَ دَعْوَتِهِ وَاتِّبَاعِهِ تَشْرِيفًا لَهُ عَلَى سَائِرِ الْمُرْسَلِينَ وَالرَّسُولُ مِنْ الْبَشَرِ ذَكَرٌ حُرٌّ أَكْمَلُ مُعَاصِرِيهِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ عَقْلًا وَفِطْنَةً وَقُوَّةَ رَأْيٍ
[حاشية الشرواني]
وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ يُرَادُ بِالْأَحَدِ مَا يَكُونُ وَاحِدًا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَلِأَنَّ الْأَحَدِيَّةَ هِيَ الْبَسَاطَةُ الصِّرْفَةُ عَنْ جَمِيعِ أَنْحَاءِ التَّعَدُّدِ عَدَدِيًّا أَوْ تَرْكِيبِيًّا أَوْ تَحْلِيلِيًّا فَاسْتُهْلِكَتْ الْكَثْرَةُ النِّسْبِيَّةُ الْوُجُودِيَّةُ فِي أَحَدِّيَّةِ الذَّاتِ.
وَلِهَذَا رَجَحَ عَلَى الْوَاحِدِ فِي مَقَامِ التَّنْزِيهِ لِأَنَّ الْوَاحِدِيَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ انْتِفَاءِ التَّعَدُّدِ الْعَدَدِيِّ فَالْكَثْرَةُ الْعَيْنِيَّةُ وَإِنْ كَانَتْ مُنْتَفِيَةً فِي الْوَاحِدِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْكَثْرَةَ النِّسْبِيَّةَ مُتَعَقَّلٌ فِيهَا اهـ.
(قَوْلُهُ بِأَنَّ أَحَدٌ) كَأَنَّهُ عَلَى الْحِكَايَةِ عَلَى أَوَّلِ أَحْوَالِهِ بَصْرِيٌّ اهـ.
(قَوْلُهُ وَبِالنَّفْيِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْكُلِّيَّاتِ الْأَحَدُ بِمَعْنَى الْوَاحِدِ وَيَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ وَاسْمٍ لِمَنْ يَصْلُحُ أَنْ يُخَاطَبَ مَوْضُوعٌ لِلْعُمُومِ فِي النَّفْيِ مُخْتَصٌّ بِبَعْدِ نَفْيٍ مَحْضٍ نَحْوِ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4] أَوْ نَهْيٍ نَحْوُ ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ [هود: 81] أَوْ اسْتِفْهَامٍ يُشْبِهُهُمَا نَحْوُ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: 98] وَلَا يَقَعُ فِي الْإِثْبَاتِ إلَّا بَعْدَ كُلٍّ وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ كَيَوْمِ الْأَحَدِ وَمِنْهُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَبِمَعْنَى الْوَاحِدِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَوَصْفًا) أَيْ وَيَخْتَصُّ وَصْفًا فَهُوَ حَالٌ سم عِبَارَةُ الْكُلِّيَّاتِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى اسْتَأْثَرَ بِهَا فَلَا يَشْتَرِكُ فِيهَا شَيْءٌ اهـ.
(قَوْلُهُ إذْ لَا يَنْفِي) أَيْ نَفْيَ الْوَاحِدِ (قَوْلُهُ وَبِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْكُلِّيَّاتِ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ وَحِينَ أُضِيفَ إلَيْهِ أَوْ أُعِيدَ إلَيْهِ ضَمِيرُ الْجَمْعِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ يُرَادُ بِهِ جَمْعٌ مِنْ الْجِنْسِ الَّذِي يَدُلُّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فَمَعْنَى ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] أَيْ بَيْنَ جَمْعٍ مِنْ الرُّسُلِ وَمَعْنَى ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [الحاقة: 47] أَيْ مِنْ جَمَاعَةٍ وَمَعْنَى ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: 32] أَيْ كَجَمَاعَةٍ مِنْ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ اهـ.
(قَوْلُهُ نَحْوُ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ إلَخْ) مِثَالٌ لِلْجَمْعِ (قَوْلُهُ بِتَرَادُفِهِمَا) أَيْ الْوَاحِدِ وَالْأَحَدِ (قَوْلُهُ اخْتِيَارٌ لَهُ) خَبَرٌ وَقَوْلُ إلَخْ وَالضَّمِيرُ لِأَبِي عُبَيْدٍ
(قَوْلُهُ مِنْ اسْمِ مَفْعُولِ الْمُضَعَّفِ) بِالْإِضَافَةِ (قَوْلُهُ الْمُضَعَّفِ) أَيْ مُكَرَّرِ الْعَيْنِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ التَّضْعِيفِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ عِنْدَ الصَّرْفِيِّينَ وَهُوَ فِي الثُّلَاثِيِّ مَا كَانَتْ عَيْنُهُ وَلَامُهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَمَدَّ وَفِي الرُّبَاعِيِّ مَا كَانَتْ فَاؤُهُ وَلَامُهُ الْأُولَى مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَعَيْنُهُ وَلَامُهُ الثَّانِيَةُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَزَلْزَلَ ع ش (قَوْلُهُ سُمِّيَ بِهِ نَبِيُّنَا إلَخْ) وَلَمْ يُسَمَّ أَحَدٌ بِمُحَمَّدٍ قَبْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنْ لَمَّا قَرُبَ زَمَنُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَشَرَ أَهْلُ الْكِتَابِ نَعْتَهُ سَمَّى قَوْمٌ أَوْلَادَهُمْ بِهِ رَجَاءَ النُّبُوَّةِ لَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ وَهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ نَفْسًا كُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ بِإِلْهَامٍ) مُتَعَلِّقٌ بِسُمِّي (قَوْلُهُ إشَارَةً إلَخْ) مَفْعُولٌ لَهُ لِسُمِّي الْمُقَيَّدِ بِقَوْلِهِ بِإِلْهَامٍ إلَخْ وَقَوْلُهُ وَرَجَاءٌ إلَخْ عُطِفَ عَلَيْهِ لَكِنْ بِدُونِ اعْتِبَارِ تَقَيُّدِ عَامِلِهِ أَيْ سُمِّيَ بِالْإِلْهَامِ فَتَأَمَّلْ عِبَارَةُ الْمُغْنِي سُمِّيَ بِهِ إلْهَامًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَكْثُرُ حَمْدُ الْخَلْقِ لَهُ لِكَثْرَةِ خِصَالِهِ الْجَمِيلَةِ كَمَا رُوِيَ فِي السِّيَرِ أَنَّهُ قِيلَ لِجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَدْ سَمَّاهُ فِي سَابِعِ وِلَادَتِهِ لِمَوْتِ أَبِيهِ قَبْلَهَا لِمَ سَمَّيْت ابْنَك مُحَمَّدًا وَلَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ آبَائِك وَلَا قَوْمِك قَالَ رَجَوْت أَنْ يُحْمَدَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجَاءَهُ كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ لِلَّهِ تَعَالَى أَلْفُ اسْمٍ وَلِنَبِيِّهِ كَذَلِكَ اهـ.
(قَوْلُهُ إنَّهُ رَأَى إلَخْ) أَيْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ (قَوْلُهُ مَعْلُومًا إلَخْ) الْأَوْلَى الْعَطْفُ (قَوْلُهُ وَكَذَا الْمَلَائِكَةُ إلَخْ) خِلَافًا لِلنِّهَايَةِ عِبَارَتُهُ وَقَوْلُ الشَّارِحِ أَيْ فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ مِنْ النَّاسِ لِيَدْعُوَهُمْ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ إلَى الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا أَوْضَحَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَتَاوِيهِ اهـ وَيَأْتِي عَنْ الْمُغْنِي مَا يُشِيرُ إلَى مَا اخْتَارَهُ الشَّارِحُ مِنْ بَعْثِهِ إلَى الْمَلَائِكَةِ (قَوْلُهُ إذْ الْعَالَمُ إلَخْ) عِلَّةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْ الْمُدَّعِي (قَوْلُهُ وَصَرِيحُ إلَخْ) الْأَوْلَى وَظَاهِرُ آيَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ وَخَبَرُ مُسْلِمٍ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى آيَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ يُؤَيِّدُ إلَخْ) خَبَرٌ وَصَرِيحُ إلَخْ (قَوْلُهُ ذَلِكَ) أَيْ بَعْثُهُ إلَى الْمَلَائِكَةِ (قَوْلُهُ بَلْ قَوْلُ الْبَارِزِيِّ إلَخْ) عَطَفَ عَلَى ذَلِكَ عِبَارَتَهُ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ لِلْمُصَنِّفِ بَلْ أَخَذَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِعُمُومِهِ حَتَّى لِلْجَمَادَاتِ بِأَنْ رَكَّبَ فِيهَا عَقْلٌ حَتَّى آمَنَتْ بِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَفَائِدَةُ الْإِرْسَالِ إلَخْ) عِبَارَتُهُ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ فَإِنْ قُلْت تَكْلِيفُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ أَصْلِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ قُلْت الْحَقُّ تَكْلِيفُهُمْ بِالطَّاعَاتِ الْعَمَلِيَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6] بِخِلَافِ نَحْوِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ فِيهِمْ فَالتَّكْلِيفُ بِهِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ فَهُوَ مُحَالٌ اهـ.
(قَوْلُهُ مِنْ الْبَشَرِ) يُخْرِجُ الرَّسُولُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَإِنَّ الْإِرْسَالَ مِنْهُمْ هُوَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
وَوَصْفًا) أَيْ وَيَخْتَصُّ وَصْفًا فَهُوَ حَالٌ
وَخَلْقًا بِالْفَتْحِ وَعُقْدَةُ مُوسَى أُزِيلَتْ بِدَعْوَتِهِ عِنْدَ الْإِرْسَالِ كَمَا فِي الْآيَةِ مَعْصُومٌ وَلَوْ مِنْ صَغِيرَةٍ سَهْوًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ سَلِيمٌ مِنْ دَنَاءَةِ أَبٍ وَخَنَى أُمٍّ وَإِنْ عَلِيًّا وَمِنْ مُنَفِّرٍ كَعَمًى وَبَرَصٍ وَجُذَامٍ وَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا نَحْوُ بَلَاءِ أَيُّوبَ وَعَمًى نَحْوِ يَعْقُوبَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِطُرُوِّهِ بَعْدَ الْأَنْبَاءِ وَالْكَلَامُ فِيمَا قَارَنَهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ هَذَا مُنَفِّرٌ بِخِلَافِهِ فِيمَنْ اسْتَقَرَّتْ نُبُوَّتُهُ وَمِنْ قِلَّةِ مُرُوءَةٍ كَأَكْلٍ بِطَرِيقٍ وَمِنْ دَنَاءَةِ صَنْعَةٍ كَحِجَامَةٍ أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كِتَابٌ وَلَا نَسْخٌ كَيُوشَعَ فَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ فَنَبِيٌّ فَحَسْبُ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ النَّبِيِّ إجْمَاعًا لِتَمَيُّزِهِ بِالرِّسَالَةِ الَّتِي هِيَ عَلَى الْأَصَحِّ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَفْضَلُ مِنْ النُّبُوَّةِ فِيهِ وَزَعَمَ تَعَلُّقَهَا بِالْحَقِّ يَرُدُّهُ أَنَّ الرِّسَالَةَ فِيهَا ذَلِكَ مَعَ التَّعَلُّقِ بِالْخَلْقِ فَهُوَ زِيَادَةُ كَمَالٍ فِيهَا، وَصَحَّ خَبَرُ أَنَّ «عَدَدَ الْأَنْبِيَاءِ مِائَةٌ وَأَلْفٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا» وَخَبَرُ أَنَّ «عَدَدَ الرُّسُلِ ثَلَثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ» . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى عَدِّهِمَا فَفِي سَنَدٍ لَهُ ضَعِيفٍ وَفِي آخَرَ مُخْتَلِطٌ لَكِنَّهُ انْجَبَرَ بِتَعَدُّدِهِ فَصَارَ حَسَنًا لِغَيْرِهِ وَهُوَ حُجَّةٌ، وَمِمَّا يُقَوِّيهِ تَكَرُّرُ رِوَايَةِ أَحْمَدَ لَهُ فِي مُسْنَدِهِ وَقَدْ قَرَّرُوا أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ الضَّعِيفِ فِي مَرْتَبَةِ الْحَسَنِ وَبِمَا ذُكِرَ الصَّرِيحُ فِي تَغَايُرِ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ يَتَبَيَّنُ غَلَطُ مَنْ زَعَمَ اتِّحَادَهُمَا فِي اشْتِرَاطِ التَّبْلِيغِ وَاسْتِرْوَاحُ ابْنِ الْهُمَامِ مَعَ تَحْقِيقِهِ فِي نِسْبَتِهِ ذَلِكَ الْغَلَطَ لَلْمُحَقِّقِينَ
[حاشية الشرواني]
الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ السِّفَارَةِ رَشِيدِيٌّ عِبَارَةُ شَيْخِنَا وَمَعْنَى كَوْنِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أَنَّهُمْ وَاسِطَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْخَلْقِ مِنْ الْبَشَرِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَخَلْقًا) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْكَلَامَ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ وَلَوْ مِنْ صَغِيرَةٍ سَهْوًا) مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ تَشْرِيعٌ.
وَأَمَّا السَّهْوُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَجَائِزٌ كَمَا وَقَعَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِيَامِهِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ مُعْتَقِدًا التَّمَامَ بُنَانِيٌّ (قَوْلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ) رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الْغَايَاتِ الثَّلَاثَةِ (قَوْلُهُ وَخَنَى أُمٍّ) أَيْ بِالْقَصْرِ أَيْ فُحْشُهَا وَزِنَاهَا (قَوْلُهُ وَعَمَى) وَفِي كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: 91] مَا يُصَرِّحُ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ فَقْدِ الْعَمَى وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي حَاشِيَتِهِ بَصْرِيٌّ (قَوْلُهُ نَحْوُ يَعْقُوبَ) كَشُعَيْبٍ (قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ) أَيْ عَمَى نَحْوِ يَعْقُوبَ (قَوْلُهُ لِطَرْدِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْبَلَاءِ وَالْعَمَى (قَوْلُهُ أَنَّ هَذَا) أَيْ الْمُقَارَنَ (قَوْلُهُ بِخِلَافِهِ) أَيْ الطَّارِئِ (قَوْلُهُ وَمِنْ قِلَّةٍ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى مِنْ دَنَاءَةِ أَبٍ (قَوْلُهُ أُوحِيَ إلَيْهِ إلَخْ) نَعْتٌ خَامِسٌ لِذَكَرٍ (قَوْلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ إلَخْ) وَالْكَلَامُ فِي نُبُوَّةِ رَسُولٍ وَرِسَالَتِهِ وَإِلَّا فَالرَّسُولُ أَفْضَلُ مِنْ النَّبِيِّ قَطْعًا وَالنُّبُوَّةُ أَفْضَلُ مِنْ الْوِلَايَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْوِلَايَةُ لِنَبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ تَعْلِيلَهُ فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالنُّبُوَّةِ الْمَعْنَى الْمُتَعَارَفَ وَهُوَ الْإِيحَاءُ إلَى شَخْصٍ بِتَشْرِيعٍ خَاصٍّ بِهِ وَبِالرِّسَالَةِ الْإِيحَاءُ بِتَشْرِيعٍ لَهُ وَلِغَيْرِهِ أَوْ بِنَحْوِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّفَاسِيرِ الْمَشْهُورَةِ إذْ مِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ النُّبُوَّةَ بِكُلِّ هَذِهِ الْمَعَانِي لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْخَلْقِ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ مُتَعَلِّقَهَا فِعْلُ مُكَلَّفٍ كَمَا أَنَّ الرِّسَالَةَ كَذَلِكَ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ كَيْفِيَّةُ التَّعَلُّقِ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا تَعَلُّقٌ بِالْحَقِّ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ صُدُورِهِمَا عَنْهُ، وَهَذَا الْبَيَانُ لَا يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَى غَيْرِ مِثْلِهِ فَكَيْفَ بِهِ وَقَدْ شُرِّفَ بِالتَّلْقِيبِ بِسُلْطَانِ الْعُلَمَاءِ مِنْ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ فَيَحُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالنُّبُوَّةِ بَاطِنَهَا الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الْوِلَايَةِ وَهِيَ الْإِيحَاءُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، وَمَا يُلَائِمُهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَسْرَارِ الْمَوْجُودَاتِ وَمَعْرِفَتِهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ وَأَحْوَالِ النَّشْأَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ وَالْبَرْزَخِيَّةِ وَبِالرِّسَالَةِ ظَاهِرُ النُّبُوَّةِ الَّذِي هُوَ الْإِيحَاءُ بِالتَّشْرِيعِ الْخَاصِّ أَوْ الْعَامِّ إذْ الْأَوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِالْحَقِّ تَعَالَى وَالثَّانِي مُتَعَلِّقٌ بِالْخَلْقِ أَيْ بِتَكْمِيلِهِمْ لِيَتَهَيَّئُوا لِإِفَاضَةِ شَيْءٍ مَا مِنْ انْعِكَاسِ أَنْوَارِ بَاطِنِ النُّبُوَّةِ الْمُشَارِ إلَيْهِ أَمَّا تَوْجِيهُ كَوْنِ الثَّانِي مُتَعَلِّقًا بِالْخَلْقِ فَظَاهِرٌ وَكَذَا تَوْجِيهُ تَعَلُّقِ الْأَوَّلِ بِالْحَقِّ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالذَّاتِ وَالصِّفَاتِ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَا ذُكِرَ مَعَهَا فَلِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى حَقَائِقِ الْمَوْجُودَاتِ وَاخْتِلَافِ النَّشَآتِ وَأَسْرَارِ الْمَوْجُودَاتِ مِنْ أَقْوَى الْأَسْبَابِ الْبَاعِثَةِ عَلَى تَأَكُّدِ التَّصْدِيقِ بِكَمَالِ الذَّاتِ وَاتِّصَافِهَا بِسَنِيِّ الصِّفَاتِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ مَا قَالَهُ بَعْضُ كُمَّلِ الْعَارِفِينَ مِنْ أَنَّ وِلَايَةَ النَّبِيِّ أَكْمَلُ مِنْ نُبُوَّتِهِ بَصْرِيٌّ (قَوْلُهُ وَزَعْمُ تَعَلُّقِهَا إلَخْ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى مَفْعُولِهِ أَيْ وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ تَعَلُّقَ النُّبُوَّةِ بِالْحَقِّ وَتَعَلُّقَ الرِّسَالَةِ بِالْخَلْقِ (قَوْلُهُ فَهُوَ) أَيْ التَّعَلُّقُ بِالْخَلْقِ (قَوْلُهُ إنَّ عَدَدَ الرُّسُلِ ثَلَثُمِائَةٍ إلَخْ) .
(فَائِدَةٌ)
اسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ مُحَمَّدٍ ثَلَثَمِائَةٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ رَسُولًا فَقَالَ فِيهِ ثَلَاثُ مِيمَاتٍ وَإِذَا بَسَطْت كُلًّا مِنْهَا قُلْت فِيهِ م ي م وَعِدَّتُهَا بِحِسَابِ الْجُمَلِ الْكَبِيرِ تِسْعُونَ فَيَحْصُلُ مِنْهَا مِائَتَانِ وَسَبْعُونَ وَإِذَا بُسِطَتْ الْحَاءُ وَالدَّالُ قُلْت دَالٌ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ وَحَاءٌ بِتِسْعَةِ فَالْجُمْلَةُ مَا ذُكِرَ وَالِاسْمُ وَاحِدٌ فَتَمَّ عَدَدُ الرُّسُلِ كَمَا قِيلَ إنَّهُمْ ثَلَثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ وَأُولُوا الْعَزْمِ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ كَمَا قِيلَ فِيهِمْ
مُحَمَّدٌ إبْرَاهِيمُ مُوسَى كَلِيمُهُ ... فَعِيسَى فَنُوحٌ هُمْ أُولُو الْعَزْمِ فَاعْلَمْ
مُغْنِي وَتَرْتِيبُهُمْ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى مَا فِي هَذَا الْبَيْتِ ع ش وَبُجَيْرِمِيٌّ (قَوْلُهُ وَخَمْسَةَ عَشْرَ) أَوْ وَأَرْبَعَةَ عَشْرَ أَوْ وَثَلَاثَةَ عَشْرَ أَقْوَالُ شَيْخِنَا (قَوْلُهُ وَأَمَّا الْحَدِيثُ إلَخْ) أَيْ الْوَاحِدُ (قَوْلُهُ ضَعِيفٌ) أَيْ رَاوٍ ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ وَفِي آخَرَ) أَيْ سَنَدٍ آخَرَ (قَوْلُهُ لَكِنَّهُ انْجَبَرَ) أَيْ الْحَدِيثُ الْمُشْتَمِلُ إلَخْ (قَوْلُهُ بِتَعَدُّدِهِ) أَيْ السَّنَدِ (قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ الْحَسَنُ لِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ أَنَّ مَا فِيهِ) أَيْ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ (قَوْلُهُ تَبَيَّنَ غَلَطُ مَنْ زَعَمَ اتِّحَادَهُمَا وَهُمَا إلَخْ) أَقُولُ هَذَا الْقَوْلُ مَحْكِيٌّ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ عَلَى أَنَّهُ مَرْجُوحٌ لَا غَلَطٌ وَمِنْهَا النِّهَايَةُ وَفِي ع ش بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الشَّارِحِ مَا نَصُّهُ فَلْيُرَاجَعْ فَإِنَّ مُجَرَّدَ مَا عُلِّلَ بِهِ وَمِنْهُ وُرُودُ الْخَبَرِ بِعَدَدِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ لَا يَقْتَضِي التَّغْلِيطَ اهـ.
(قَوْلُهُ وَاسْتِرْوَاحُ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ غَلَطٌ إلَخْ وَالِاسْتِرْوَاحُ أَخْذُ الشَّيْءِ بِلَا تَعَبٍ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فِي نِسْبَةِ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِرْوَاحِ (قَوْلُهُ مَعَ تَحْقِيقِهِ) أَيْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ (قَوْلُهُ لِلْمُحَقِّقِينَ إلَخْ) فِي شَرْحِ الْهَمَزِيَّةِ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَقَدْ صُرِّحَ قَبْلُ بِأَنَّ الْخَبَرَ إنْ صَحَّ بِعَدَدِهِمَا الْمَذْكُورِ وَجَبَ ظَنًّا اعْتِقَادُهُ عَلَى أَنَّ الَّذِي فِي كَلَامِ مُحَقِّقِي أَئِمَّةِ الْأَصْلَيْنِ وَغَيْرِهِمَا خِلَافُ ذَلِكَ الِاتِّحَادِ، وَأَيُّ مُحَقِّقِينَ خِلَافُ هَؤُلَاءِ ثُمَّ رَأَيْت تِلْمِيذَهُ الْكَمَالَ بْنَ أَبِي شَرِيفٍ أَشَارَ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ بِبَعْضِ مَا ذَكَرْته وَوَقَعَ فِي بَعْضِ كُتُبِ التَّوَارِيخِ وَالتَّفْسِيرِ مَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الشُّرُوطِ، وَهُوَ تَقَوُّلٌ لَا أَصْلَ لَهُ فَوَجَبَ اعْتِقَادُ خِلَافِهِ (الْمُصْطَفَى) أَيْ الْمُسْتَخْلَصِ مِنْ الصَّفْوَةِ (الْمُخْتَارُ) مِنْ الْعَالَمِينَ لِدُعَائِهِمْ إلَى رَبِّهِمْ فَهُوَ أَفْضَلُهُمْ بِنَصِّ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] إذْ كَمَالُ الْأُمَّةِ تَابِعٌ لِكَمَالِ نَبِيِّهَا ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: 90] إذْ لَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا لَهُ إلَّا إنْ حَوَى جَمِيعَ كَمَالَاتِهِمْ «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ آدَم وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي» وَنَهْيُهُ عَنْ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَعَنْ تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِمْ مَحَلُّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253] فِيمَا يُؤَدِّي لِخُصُومَةٍ أَوْ تَنْقِيصِ بَعْضِهِمْ أَوْ هُوَ تَوَاضُعٌ أَوْ قَبْلَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ
(- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) مِنْ الصَّلَاةِ وَهِيَ مِنْ اللَّهِ الرَّحْمَةُ الْمَقْرُونَةُ بِالتَّعْظِيمِ وَخُصَّ الْأَنْبِيَاءُ بِلَفْظِهَا فَلَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِمْ إلَّا تَبَعًا تَمْيِيزًا لِمَرَاتِبِهِمْ الرَّفِيعَةِ وَأُلْحِقَ بِهِمْ الْمَلَائِكَةُ لِمُشَارَكَتِهِمْ لَهُمْ فِي الْعِصْمَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلَ مِنْ جَمِيعِهِمْ وَمَنْ عَدَاهُمْ مِنْ الصُّلَحَاءِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ خَوَاصِّهِمْ وَالسَّلَامُ وَهُوَ التَّسْلِيمُ مِنْ الْآفَاتِ الْمُنَافِيَةِ لِغَايَاتِ الْكِمَالَاتِ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِنَقْلِهِ عَنْ الْعُلَمَاءِ كَرَاهِيَةَ إفْرَادِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ أَيْ لَفْظًا لَا خَطًّا خِلَافًا لِمَنْ عَمَّمَ قِيلَ وَالْإِفْرَادُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إنْ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ أَوْ الْكِتَابُ أَيْ بِنَاءً عَلَى التَّعْمِيمِ، وَكَانَ يَنْبَغِي وَعَلَى آلِهِ لِأَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ عَلَيْهِمْ بِالنَّصِّ وَصَحْبِهِ
[حاشية الشرواني]
لِلشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ كَيْفَ تُرَقَّى إلَخْ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ مُوَافَقَتُهُ لِمَا نُقِلَ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ، ثُمَّ قَالَ عَلَى أَنَّ الْمُحَقِّقَ ابْنَ الْهُمَامِ نَقَلَ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى تَرَادُفِهِمَا، وَإِنْ كُنْت رَدَدْته فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بَصْرِيٌّ (قَوْلُهُ وَقَدْ صَرَّحَ إلَخْ) أَيْ ابْنُ الْهُمَامِ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُؤَيِّدَةٌ لِلِاسْتِرْوَاحِ (قَوْلُهُ الْأَصْلَيْنِ) أَيْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَأُصُولِ الدِّينِ (قَوْلُهُ وَأَيُّ مُحَقِّقِينَ إلَخْ) اسْتِفْهَامٌ إنْكَارِيٌّ (قَوْلُهُ تِلْمِيذَهُ) أَيْ ابْنِ الْهُمَامِ (قَوْلُهُ مِنْ الشُّرُوطِ) أَيْ فِي الرَّسُولِ قَوْلُ الْمَتْنِ (الْمُصْطَفَى) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ الصَّفْوَةِ وَهِيَ الْخُلُوصُ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» الْمُخْتَارُ اسْمُ مَفْعُولٍ أَصْلُهُ مُخْتِيرٌ اخْتَارَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ لِيَدْعُوَهُمْ إلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَحَذَفَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمُفَضَّلَ عَلَيْهِ إيذَانًا مِنْهُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلَكٍ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَذْفَ الْمَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِالْعُمُومِ مُغْنِي (قَوْلُهُ وَحُذِفَ إلَخْ) فِي النِّهَايَةِ مِثْلُهُ (قَوْلُهُ فَهُوَ أَفْضَلُهُمْ) وَقَدْ حَكَى الرَّازِيّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ مُفَضَّلٌ عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ إذْ كَمَالُ الْأُمَّةِ إلَخْ) بَيَانٌ لِوَجْهِ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى مُدَّعَاهُ وَكَذَا قَوْلُهُ إذْ لَا يَكُونُ إلَخْ بَيَانٌ لِوَجْهِ الدَّلَالَةِ (قَوْلُهُ مُمْتَثِلًا لَهُ) أَيْ لِهَذَا الْأَمْرِ (قَوْلُهُ وَنَهْيُهُ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ ظَاهِرِ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ مَحَلُّهُ) مُبْتَدَأٌ ثَانٍ (قَوْلُهُ فِيمَا يُؤَدِّي إلَخْ) خَبَرُهُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ وَنَهْيُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إلَخْ) عِلَّةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْ الْمُدَّعِي (قَوْلُهُ فِيمَا يُؤَدِّي إلَخْ) أَوْ فِي نَفْسِ النُّبُوَّةِ الَّتِي لَا تَفَاوُتَ إلَّا فِي ذَوَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَفَاوِتِينَ بِالْخَصَائِصِ نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ أَوْ تَنْقِيصِ بَعْضِهِمْ) أَيْ فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ نِهَايَةٌ
قَوْلُ الْمَتْنِ (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قَرَنَ الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ بِالثَّنَاءِ عَلَى نَبِيِّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] أَيْ لَا أُذْكَرُ إلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي كَمَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَلِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُحِبُّ أَنْ يُقَدِّمَ الْمَرْءُ بَيْنَ يَدَيْ خِطْبَتِهِ أَيْ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَكُلِّ أَمْرٍ طَلَبَهُ غَيْرَهَا حَمْدَ اللَّهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُغْنِي (قَوْلُهُ إلَّا تَبَعًا إلَخْ) وَفِي الشَّبْرَخِيتِيِّ عَلَى الْأَرْبَعِينَ مَا نَصُّهُ تَتِمَّةٌ فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ اسْتِقْلَالًا وَكَرَاهَتِهَا وَكَوْنِهَا خِلَافَ الْأَوْلَى خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ الْكَرَاهَةُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى فَهُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ بُجَيْرِمِيٌّ (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ إلَخْ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ قَالُوا أَيْ أَهْلُ السُّنَّةِ إنَّ النَّوْعَ الْإِنْسَانِيَّ أَفْضَلُ مِنْ نَوْعِ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنَّ خَوَاصَّ بَنِي آدَمَ وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ وَهُمْ الرُّسُلُ مِنْهُمْ وَإِنَّ عَوَامَّ بَنِي آدَمَ وَهُمْ الْأَتْقِيَاءُ الْأَوْلِيَاءُ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ كَالسَّيَّاحِينَ اهـ. (قَوْلُهُ وَجَمَعَ) إلَى قَوْلِهِ أَيْ لَفْظًا فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي (قَوْلُهُ وَالسَّلَامِ) أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الصَّلَاةِ سم (قَوْلُهُ لَا خَطًّا) بَقِيَ مَا لَوْ أُتِيَ بِأَحَدِهِمَا لَفْظًا وَبِالْآخَرِ خَطًّا أَوْ بِهِمَا مَعًا خَطًّا هَلْ تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ أَوْ لَا وَهَلْ الْإِفْرَادُ مَكْرُوهٌ فِي حَقِّ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا أَوْ لَا؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا إنَّمَا وَرَدَ فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُرَاجَعْ وَكَتَبَ الْبُجَيْرِمِيُّ عَلَى قَوْلِ الْإِقْنَاعِ أَتَى بِهَا لَفْظًا وَأَسْقَطَهَا خَطًّا، وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ الْكَرَاهَةِ مَا نَصُّهُ هَذَا وَجْهٌ وَالرَّاجِحُ خِلَافُهُ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْكَرَاهَةِ إلَّا إذَا أَتَى بِهِمَا لَفْظًا وَخَطًّا لِمَنْ أَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْخَطِّ فَصُوَرُ الْإِفْرَادِ الْمَكْرُوهِ خَمْسَةٌ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِإِحْدَاهُمَا فَقَطْ أَوْ يَكْتُبَ إحْدَاهُمَا فَقَطْ أَوْ يَتَلَفَّظَ بِإِحْدَاهُمَا وَيَكْتُبَ الْأُخْرَى أَوْ يَتَلَفَّظَ بِهِمَا مَعًا وَيَكْتُبَ إحْدَاهُمَا فَقَطْ أَوْ يَكْتُبَهُمَا مَعًا وَيَتَلَفَّظَ بِإِحْدَاهُمَا فَقَطْ، وَصُوَرُ الْقَرْنِ الْخَالِي عَنْ الْكَرَاهَةِ ثَلَاثٌ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهِمَا مَعًا مِنْ غَيْرِ كِتَابَةٍ أَوْ يَكْتُبَهُمَا مَعًا مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ أَوْ يَتَلَفَّظَ بِهِمَا مَعًا وَيَكْتُبَهُمَا مَعًا كَذَلِكَ اهـ. (قَوْلُهُ أَيْ بِنَاءً عَلَى التَّعْمِيمِ) رَاجِعٌ لِلْمَعْطُوفِ فَقَطْ وَفِي سم مَا نَصُّهُ أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى التَّعْمِيمِ فِي قَوْلِهِ خِلَافًا لِمَنْ عَمَّمَ اهـ. (قَوْلُهُ وَكَانَ يَنْبَغِي وَعَلَى آلِهِ) قَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى
[حاشية ابن قاسم العبادي]
قَوْلُهُ وَالسَّلَامُ) أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ لَفْظًا لَا خَطًّا) بَقِيَ مَا لَوْ أَتَى بِأَحَدِهِمَا لَفْظًا وَبِالْآخَرِ خَطًّا أَوْ بِهِمَا مَعًا خَطًّا هَلْ تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ أَوْ لَا وَهَلْ الْإِفْرَادُ مَكْرُوهٌ فِي حَقِّ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا أَوْ لَا لِأَنَّ طَلَبَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا إنَّمَا وَرَدَ فِي حَقِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - دُونَ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ أَيْ بِنَاءً عَلَى التَّعْمِيمِ) أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى التَّعْمِيمِ فِي قَوْلِهِ خِلَافًا لِمَنْ عَمَّمَ (قَوْلُهُ وَكَانَ يَنْبَغِي وَعَلَى آلِهِ)
لِأَنَّهُمْ مُلْحَقُونَ بِهِمْ بِقِيَاسٍ أَوْلَى لِأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ آلِ لَا صُحْبَةَ لَهُمْ وَالنَّظَرُ لِمَا فِيهِمْ مِنْ الْبِضْعَةِ الْكَرِيمَةِ إنَّمَا يَقْتَضِي الشَّرَفَ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ.
وَكَلَامُنَا فِي وَصْفِ يَقْتَضِي أَكْثَرِيَّةَ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ (وَزَادَهُ فَضْلًا وَشَرَفًا) الظَّاهِرُ تَرَادُفُهُمَا فَالْجَمْعُ لِلْإِطْنَابِ، وَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ لِطَلَبِ زِيَادَةِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ الْبَاطِنَةِ وَالثَّانِي لِطَلَبِ زِيَادَةِ الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ الظَّاهِرَةِ ثُمَّ رَأَيْت مَنْ فَرَّقَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ ضِدُّ النَّقْصِ وَالثَّانِي عُلُوُّ الْمَجْدِ، وَهُوَ أَمْيَلُ إلَى التَّرَادُفِ (لَدَيْهِ) أَيْ عِنْدَهُ وَسُؤَالُ الزِّيَادَةِ لَا يُشْعِرُ بِسَبْقِ نَقْصٍ؛ لِأَنَّ الْكَامِلَ يَقْبَلُ زِيَادَةَ التَّرَقِّي فِي غَايَاتِ الْكَمَالِ فَانْدَفَعَ زَعْمُ جَمْعٍ امْتِنَاعَ الدُّعَاءِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقِبَ نَحْوِ خَتْمِ الْقُرْآنِ بِاَللَّهُمِ اجْعَلْ ثَوَابَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي شَرَفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَعْمَالِ أُمَّتِهِ يَتَضَاعَفُ لَهُ نَظِيرُهَا؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِيهَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً لَا تُحْصَى فَهِيَ زِيَادَةٌ فِي شَرَفِهِ وَإِنْ لَمْ يُسْأَلْ لَهُ ذَلِكَ فَسُؤَالُهُ تَصْرِيحٌ بِالْمَعْلُومِ (أَمَّا بَعْدُ) بِالْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ لِحَذْفِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَنِيَّةِ مَعْنَاهُ فَإِنْ لَمْ يُنْوَ شَيْءٌ نُوِّنَتْ وَإِنْ نُوِيَ لَفْظُهُ نُصِبَتْ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَوْ جُرَّتْ بِمِنْ وَهِيَ لِلِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبٍ إلَى آخَرَ.
وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْتِي بِهَا فِي خُطَبِهِ فَهِيَ سُنَّةٌ قِيلَ وَأَوَّلُ مَنْ قَالَهَا دَاوُد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَرُجِّحَ وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ تَكَلُّمٌ بِغَيْرِ لُغَتِهِ وَفَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ هُوَ فَصْلُ الْخُصُومَةِ أَوْ غَيْرُهَا بِكَلَامٍ مُسْتَوْعِبٍ لِجَمِيعِ الْمُعْتَبَرَاتِ مِنْ غَيْرِ إخْلَالٍ مِنْهَا بِشَيْءٍ وَفِي خَبَرٍ ضَعِيفٍ أَنَّ يَعْقُوبَ قَالَهَا وَتَلْزَمُ الْفَاءُ فِي حَيِّزِهَا غَالِبًا لِتَضَمُّنِ أَمَّا مَعْنَى الشَّرْطِ مَعَ مَزِيدِ تَأْكِيدٍ وَمِنْ ثَمَّ أَفَادَ أَمَّا زَيْدٌ فَذَاهِبٌ مَا لَمْ يُفِدْهُ زَيْدٌ ذَاهِبٌ مِنْ أَنَّهُ لَا مَحَالَةَ ذَاهِبٌ، وَأَنَّهُ مِنْهُ عَزِيمَةٌ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْأَصْلُ
[حاشية الشرواني]
الْآلِ وَالصَّحْبِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ وَلَا كَرَاهَةَ سم (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُمْ) أَيْ أَصْحَابَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ مِنْ الْبَضْعَةِ) وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ اللَّحْمِ يَعْنِي أَنَّهُمْ قِطْعَةٌ مِنْهُ كُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ الظَّاهِرُ) إلَى الْمَتْنِ فِي النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ وَهُوَ أَمْيَلُ إلَى التَّرَادُفِ) فِيهِ نَظَرٌ سم عَلَى حَجّ وَلَعَلَّهُ أَنَّ انْتِفَاءَ النَّقْصِ لَا يُحَصِّلُ مَجْدًا وَلَا رِفْعَةً مَثَلًا كَفِعْلِ الْمُبَاحَاتِ، وَالْمَجْدُ فَوْقَ ذَلِكَ كَالسَّخَاوَةِ وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ع ش (قَوْلُهُ بِالْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ إلَخْ) مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَعْرِفَةً أَمَّا إذَا كَانَ نَكِرَةً فَتُعْرِبُ نُوِيَ مَعْنَاهُ أَوْ لَا كَمَا فِي التَّصْرِيحِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُضَافَ إلَيْهِ الْمَعْرِفَةَ جُزْئِيٌّ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ شَبِيهًا بِالْحَرْفِ فِي الِاحْتِيَاجِ إلَى الْجُزْئِيِّ بِخِلَافِ النَّكِرَةِ فَضَعُفَتْ الْمُشَابَهَةُ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْأَسْمَاءِ مِنْ الْإِعْرَابِ ع ش (قَوْلُهُ لِحَذْفِ الْمُضَافِ إلَيْهِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ سَبَبَ بِنَائِهَا الْمُشَابَهَةُ بِالْحَرْفِ فِي الِافْتِقَارِ وَرُدَّ بِأَنَّ الِافْتِقَارَ الْمُوجِبَ لِلْبِنَاءِ إذَا كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ جُمْلَةً وَهُوَ هُنَا مُفْرَدٌ فِعْلُهُ بِنَائِهَا شَبَهُهَا بِأَحْرُفِ الْجَوَابِ كَنَعَمْ فِي الِاسْتِغْنَاءِ بِهَا عَمَّا بَعْدَهَا فَاللَّامُ لِلتَّوْقِيتِ لَا لِلتَّعْلِيلِ (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يُنْوَ شَيْءٌ نُوِّنَتْ) أَيْ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَرُوِيَ تَنْوِينُهَا مَرْفُوعَةً وَمَنْصُوبَةً لِعَدَمِ الْإِضَافَةِ لَفْظًا وَتَقْدِيرًا اهـ. (قَوْلُهُ أَوْ جُرَّتْ بِمِنْ) لَعَلَّ هَذَا بِاعْتِبَارِهَا فِي الْجُمْلَةِ لَا فِي خُصُوصِ هَذَا التَّرْكِيبِ سم أَقُولُ وَكَذَا قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يُنْوَ شَيْءٌ نُوِّنَتْ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا التَّرْكِيبِ هُنَا وَهُوَ كَمَا فِي الْأَطْوَلِ تَذْكِيرًا ابْتِدَاءُ تَأْلِيفِهِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْمُتَبَرَّكِ بِهَا لِيَكُونَ آنُ الشُّرُوعِ فِيمَا بَعْدَهَا غَيْرَ ذَاهِلٍ عَنْهَا فَيَزِيدُ فِي التَّبَرُّكِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِمُلَاحَظَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ لِلِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبٍ إلَى آخَرَ) أَيْ بِقَصْدِ نَوْعٍ مِنْ الرَّبْطِ فَإِنَّ أَمَّا بَعْدُ لَمَّا كَانَ مَعْنَاهُ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَكَذَا وَكَذَا أَفَادَ أَنَّ ذَلِكَ الْكَذَا مَرْبُوطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَوَاقِعٌ عَلَى وَجْهِ اللُّزُومِ بِالدَّعْوَى بَعْدَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ فَأَفَادَ رَبْطَهُ بِمَا قَبْلَهُ بِأَنَّهُ وَاقِعٌ بَعْدَهُ وَلَا بُدَّ ابْنُ يَعْقُوبَ قَالَ الْمُغْنِي وَلَا يَجُوزُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ اهـ أَيْ صِنَاعَةً وَإِلَّا فَيَجُوزُ شَرْعًا أَوْ الْمُرَادُ لَا يُسْتَحْسَنُ بُجَيْرِمِيٌّ (قَوْلُهُ فَهِيَ سُنَّةٌ) أَيْ فِي الْخُطَبِ وَالْمُكَاتَبَاتِ مُغْنِي (قَوْلُهُ وَأَوَّلُ مَنْ قَالَهَا دَاوُد إلَخْ) وَهُوَ أَشْبَهُ نِهَايَةٌ أَيْ أَقْرَبُ لِلصِّحَّةِ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ع ش عِبَارَةُ الْبُجَيْرِمِيِّ وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَهِيَ فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ لِأَنَّهَا تَفْصِلُ بَيْنَ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْمَقَاصِدِ وَالْخُطَبِ وَالْمَوَاعِظِ اهـ. (قَوْلُهُ وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إلَخْ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ مُجَرَّدَ هَذَا لَا يَرُدُّ نَقْلَ الثِّقَاتِ تَكَلُّمُهُ بِهَذَا الْأَمْرِ الْخَاصِّ مِنْ غَيْرِ لُغَتِهِ خُصُوصًا مَعَ أَنَّهُ قَدْ تَتَوَافَقُ اللُّغَاتُ سم (قَوْلُهُ غَالِبًا) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَالْمُطَوَّلِ وَأَصْلُهَا مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ فَوَقَعَتْ كَلِمَةُ أَمَّا مَوْضِعَ اسْمٍ هُوَ الْمُبْتَدَأُ وَفِعْلٍ هُوَ الشَّرْطُ وَتَضَمَّنَتْ مَعْنَاهُمَا فَلِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الشَّرْطِ لَزِمَتْهَا الْفَاءُ اللَّازِمَةُ لِلشَّرْطِ غَالِبًا اهـ وَفِي حَوَاشِيهِمَا مَا حَاصِلُهُ، وَإِنَّمَا لَزِمَتْ الْفَاءُ بَعْدَ أَمَّا وَلَمْ تَلْزَمْ بَعْدَ غَيْرِهَا مِنْ الشُّرُوط؛ لِأَنَّ أَمَّا لَمَّا كَانَتْ دَلَالَتُهَا عَلَى مَعْنَى الشَّرْطِ بِالنِّيَابَةِ ضَعُفَتْ فَاحْتَاجَتْ إلَى دَلِيلٍ لِذَلِكَ فَوَجَبَ لُزُومُ الْفَاءِ كُلِّيًّا بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الشُّرُوطِ فَإِنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى الشَّرْطِيَّةِ بِالْأَصَالَةِ اهـ وَيُمْكِنُ أَنْ يُعْتَذَرَ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّ تَقْيِيدَهُ بِالْغَالِبِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ حَذْفِهَا فِي نَحْوِ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: 106] أَيْ فَيُقَالُ لَهُمْ أَكَفَرْتُمْ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا (قَوْلُهُ وَمِنْ ثَمَّ أَفَادَ إلَخْ) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ مَعَ مَزِيدِ تَأْكِيدٍ (قَوْلُهُ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ إلَخْ) رَاجِعٌ إلَى مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ الْأَصْلُ) أَيْ مَا حَقُّ التَّرْكِيبِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ هَذَا الْأَصْلُ اخْتِصَارًا فَنَرَى عَلَى الْمُطَوَّلِ (قَوْلُهُ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
قَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ وَالصَّحْبِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ وَلَا كَرَاهَةَ (قَوْلُهُ وَهُوَ أَمْيَلُ إلَى التَّرَادُفِ) فِيهِ نَظَرٌ (قَوْلُهُ بِالْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ) وَتُرْفَعُ أَيْ بِتَنْوِينٍ عَلَى عَدَمِ نِيَّةِ ثُبُوتِ شَيْءٍ، فَالرَّفْعُ عَلَى أَصْلِ الْمُبْتَدَأِ بَكْرِيٌّ قَالَ الشَّيْخُ خَالِدٌ فِي شَرْحِ التَّوْضِيحِ وَقَالَ الْحُوفِيُّ وَإِنَّمَا يَبْنِيَانِ أَيْ قَبْلَ وَبَعْدَ عَلَى الضَّمِّ إذَا كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَعْرِفَةً أَمَّا إذَا كَانَ نَكِرَةً فَإِنَّهُمَا يُعْرَبَانِ سَوَاءٌ نَوَيْت مَعْنَاهُ أَوْ لَا اهـ وَمِثْلُهُ فِي كَنْزِ الْأُسْتَاذِ الْبَكْرِيِّ وَشَرْحِ الْعُبَابِ لِلشَّارِحِ (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يُنْوَ شَيْءٌ نُوِّنَتْ) لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ التَّنْوِينَ مَعَ النَّصْبِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ حِينَئِذٍ أَوْ مَعَ الضَّمِّ (قَوْلُهُ أَوْ جُرَّتْ بِمِنْ) لَعَلَّ هَذَا بِاعْتِبَارِهَا فِي الْجُمْلَةِ لَا فِي خُصُوصِ هَذَا التَّرْكِيبِ (قَوْلُهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ
هُنَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَمَا ذُكِرَ
(فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ) افْتِعَالٌ مِنْ الشَّغْلِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ (بِالْعِلْمِ) الْمَعْهُودِ شَرْعًا وَهُوَ التَّفْسِيرُ وَالْحَدِيثُ وَالْفِقْهُ وَآلَاتُهَا وَاخْتِصَاصُهُ بِالثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ عُرْفٌ خَاصٌّ بِنَحْوِ الْوَصِيَّةِ (مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ) فَفَرْضُ عَيْنِهِ أَفْضَلُ الْفُرُوضِ الْعَيْنِيَّةِ لِتَفَرُّعِهَا عَلَيْهِ وَأَفْضَلُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْعِلْمَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَعْلُومِهِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ إجْمَاعًا وَكَذَا النَّظَرُ الْمُؤَدِّي إلَيْهَا وَوُجُوبُهُمَا بِالشَّرْعِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَشَاعِرَةِ إذْ لَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ وَعِنْدَ بَعْضٍ مِنَّا وَالْمُعْتَزِلَةِ بِالْعَقْلِ وَبَسْطُ ذَلِكَ يَطُولُ قِيلَ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَلْزَمُهُ دَوْرٌ لَا مَحِيدَ عَنْهُ اهـ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ مِنْهُ أَفْضَلُ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ وَنَفْلُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ النَّوَافِلِ وَكَوْنُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلَ مُطْلَقًا ثُمَّ بَقِيَّةُ الْعُلُومِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ التَّفْصِيلِ لَا يُنَافِي
[حاشية الشرواني]
هُنَا) اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ نَحْوِ أَمَّا قُرَيْشًا فَأَنَا أَفْضَلُهَا فَإِنَّ التَّقْدِيرَ مَهْمَا ذَكَرْت قُرَيْشًا إلَخْ عَبْدُ الْحَكِيمِ (قَوْلُهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ إلَخْ) وَقَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ مُرَادُ سِيبَوَيْهِ بَيَانُ الْمَعْنَى الْبَحْتِ وَتَصْوِيرُ أَنَّ أَمَّا تُفِيدُ لُزُومَ مَا بَعْدَ فَائِهَا لِمَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَصْلِ كَذَلِكَ بَلْ الْأَصْلُ إنْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ فَحُذِفَ الشَّرْطُ وَزِيدَتْ مَا وَأُدْغِمَتْ النُّونُ فِي الْمِيمِ وَفُتِحَتْ الْهَمْزَةُ وَالتَّفْصِيلُ فِي الرَّضِيِّ (قَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِهِ) أَيْ تَرْكِيبِ أَمَّا بَعْدُ وَقَوْلُهُ مَهْمَا بَسِيطَةٌ لَا مُرَكَّبَةٌ مِنْهُ وَمَا وَلَا مِنْ مَامَا خِلَافًا لِزَاعِمِيهِمَا قَامُوسٌ (قَوْلُهُ بَعْدَ مَا ذُكِرَ) التَّحْقِيقُ أَنَّ بَعْدَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْجَزَاءِ لَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الشَّرْطِ فَالتَّقْدِيرُ عَلَيْهِ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَبَعْدَ مَا ذَكَرَ رَشِيدِيٌّ وَحَفِيدُ السَّعْدِ وَشَيْخُنَا
(قَوْلُهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ) أَيْ مَصْدَرًا وَضَمِّهِ أَيْ اسْمًا وَفِي الْمُخْتَارِ الشُّغْلُ بِضَمِّ الشِّينِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ وَضَمِّهَا وَبِفَتْحِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ وَفَتْحِهَا فَصَارَتْ أَرْبَعَ لُغَاتٍ، وَالْجَمْعُ أَشْغَالٌ وَشَغَلَهُ مِنْ بَابِ قَطَعَ وَلَا تَقُلْ أَشْغَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ انْتَهَى وَفِي الْقَامُوسِ وَأَشْغَلَهُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ أَوْ قَلِيلَةٌ أَوْ رَدِيئَةٌ انْتَهَى اهـ ع ش (قَوْلُهُ الْمَعْهُودِ) إلَى قَوْلِهِ وَاخْتِصَاصُهُ فِي الْمُغْنِي وَقَالَ النِّهَايَةُ وَاللَّامُ فِي الْعَلَمِ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ وَهُوَ الْفِقْهُ الْمُتَقَدِّمُ فِي قَوْلِهِ لِلتَّفَقُّهِ أَوْ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ الصَّادِقُ بِالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهُ الْمُتَقَدِّمُ فِي قَوْلِهِ فِي الدِّينِ أَوْ لِاسْتِغْرَاقِ أَفْرَادِ الْعِلْمِ الْمَشْرُوعِ أَيْ الَّذِي يَسُوغُ تَعَلُّمُهُ شَرْعًا قَالَ بَعْضُهُمْ وَعِدَّتُهُ تَزِيدُ عَلَى الْمِائَةِ اهـ. قَالَ ع ش قَوْلُهُ تَزِيدُ عَلَى الْمِائَةِ هَذَا لَا يُبَايِنُ مَا هُوَ الْمَشْهُورُ تَبَايُنًا كُلِّيًّا بَلْ الْفِقْهُ مَثَلًا يَجْمَعُ أَنْوَاعًا مِنْهَا مُسَمًّى بِاسْمٍ عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَهَا بِذَلِكَ الْعَدِّ اهـ. (قَوْلُهُ وَآلَاتُهَا) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ التَّفْسِيرُ (قَوْلُهُ وَاخْتِصَاصُهُ إلَخْ) هَذَا صَرِيحٌ فِي خُرُوجِ الْآلَاتِ عَنْ الْوَصِيَّةِ سم أَيْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ هُنَاكَ (قَوْلُهُ بِنَحْوِ الْوَصِيَّةِ) أَيْ كَالْوَقْفِ (قَوْلُهُ فَفَرْضُ عَيْنِهِ) مَا وَجْهُ التَّفْرِيعِ إلَّا أَنْ تُجْعَلَ الْفَاءُ لِلتَّفْسِيرِ (قَوْلُهُ أَفْضَلُ الْفُرُوضِ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ نَحْوِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ سم (قَوْلُهُ وَأَفْضَلُهُ) أَيْ فَرْضُ عَيْنِ الْعِلْمِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ هُنَا مَا يَشْمَلُ عِلْمَ التَّوْحِيدِ، وَقَدْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ السَّابِقُ، وَهُوَ التَّفْسِيرُ إلَخْ وَلَوْ زَادَ هُنَاكَ قَوْلَهُ أَوْ جِنْسَ الْعِلْمِ أَوْ كُلَّ عِلْمٍ يَسُوغُ تَعَلُّمُهُ نَظِيرَ مَا مَرَّ عَنْ النِّهَايَةِ لَكَانَ أَظْهَرَ وَأَسْلَمَ (قَوْلُهُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْوُجُوبِ بِالشَّرْعِ وَالْوُجُوبِ بِالْعَقْلِ (قَوْلُهُ يَلْزَمُهُ دَوْرٌ إلَخْ) قَالَ فِي الْمَوَاقِفِ احْتَجَّ الْمُعْتَزِلَةُ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ إلَّا بِالشَّرْعِ لَزِمَ إفْحَامُ الْأَنْبِيَاءِ إذْ يَقُولُ الْمُكَلَّفُ لَا أَنْظُرُ مَا لَمْ يَجِبْ أَيْ النَّظَرُ وَلَا يَجِبُ مَا لَمْ يَثْبُتْ الشَّرْعُ وَلَا يَثْبُتُ الشَّرْعُ مَا لَمْ أَنْظُرْ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ إذْ لَوْ وَجَبَ النَّظَرُ بِالْعَقْلِ فَبِالنَّظَرِ اتِّفَاقًا فَيَقُولُ لَا أَنْظُرُ مَا لَمْ يَجِبْ وَلَا يَجِبُ مَا لَمْ أَنْظُرْ إلَى أَنْ قَالَ فِي الْمَوَاقِفِ وَشَرْحِهِ الثَّانِي الْحَلَّ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَك لَا يَجِبُ النَّظَرُ عَلَى مَا لَمْ يَثْبُتْ الشَّرْعُ عِنْدِي قُلْنَا، هَذَا إنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ نَفْسِ الْأَمْرِ مَوْقُوفًا عَلَى الْعِلْمِ بِالْوُجُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْعِلْمِ بِثُبُوتِ الشَّرْعِ لَكِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ الْوُجُوبُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ إذْ الْعِلْمُ بِالْوُجُوبِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْوُجُوبِ، وَلَوْ تَوَقَّفَ الْوُجُوبُ عَلَى الْعِلْمِ بِالْوُجُوبِ لَزِمَ الدَّوْرُ وَلَزِمَ أَيْضًا أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ عَلَى الْكَافِرِ بَلْ نَقُولُ الْوُجُوبُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ الشَّرْعِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَالشَّرْعُ ثَابِتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلِمَ الْمُكَلَّفُ ثُبُوتَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ نَظَرَ فِيهِ أَوْ لَمْ يَنْظُرْ، وَكَذَلِكَ الْوُجُوبُ أَيْ ثَابِتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا تَكْلِيفُ الْغَافِلِ؛ لِأَنَّ الْغَافِلَ مَنْ لَمْ يَتَصَوَّرْ التَّكْلِيفَ لَا مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِهِ، وَهَذَا مَعْنَى مَا قِيلَ إنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ هُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْعِلْمِ بِهِ لَا الْعِلْمُ بِهِ وَبِهَذَا الْحَلِّ أَيْضًا يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ فَيُقَالُ قَوْلُك لَا يَجِبُ النَّظَرُ عَلَيَّ مَا لَمْ أَنْظُرْ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ ثَابِتٌ بِالْعَقْلِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِالْوُجُوبِ وَالنَّظَرِ فِيهِ اهـ. وَبِهِ يَتَّضِحُ الدَّوْرُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ سم (قَوْلُهُ لَا مَحِيدَ عَنْهُ) أَيْ لَا مَخْلَصَ عَنْهُ وَيَأْتِي بَيَانُ الدَّوْرِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ فِي فَصْلِ إنَّمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ كُرْدِيٌّ وَمَرَّ آنِفًا عَنْ سم بَيَانُهُمَا (قَوْلُهُ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ مِنْهُ) الْأَوْلَى وَفَرْضُ كِفَايَتِهِ (قَوْلُهُ وَكَوْنُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ نَشَأَ مِنْ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
إلَخْ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مُجَرَّدُ هَذَا لَا يَرُدُّ نَقْلَ الثِّقَاتِ تَكَلُّمُهُ بِهَذَا الْأَمْرِ الْخَاصِّ مِنْ غَيْرِ لُغَتِهِ خُصُوصًا مَعَ أَنَّهُ قَدْ تَتَوَافَقُ اللُّغَاتُ
(قَوْلُهُ وَاخْتِصَاصُهُ إلَخْ) هَذَا صَرِيحٌ فِي اخْتِصَاصِ الْآلَاتِ عَنْ الْوَصِيَّةِ (قَوْلُهُ فَفَرْضُ عَيْنِهِ) مَا وَجْهُ التَّفْرِيعِ إلَّا أَنْ تُجْعَلَ الْفَاءُ لِلتَّفْسِيرِ، وَقَوْلُهُ أَفْضَلُ الْفُرُوضِ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ نَحْوِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ (قَوْلُهُ يَلْزَمُهُ دَوْرٌ لَا مَحِيدَ عَنْهُ) قَالَ فِي الْمَوَاقِفِ احْتَجَّ الْمُعْتَزِلَةُ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ إلَّا بِالشَّرْعِ لَزِمَ إفْحَامُ الْأَنْبِيَاءِ
عُدَّ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْضَلِ إذْ بَعْضُ الْأَفْضَلِ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ بَقِيَّةِ أَفْرَادِهِ، وَقَدْ لَا فَزَعْمُ خُرُوجِ الْمَعْرِفَةِ أَوْ إيرَادِهَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَحِينَئِذٍ فَأَوْلَى مَعْطُوفٌ عَلَى أَفْضَلَ كَمَا يَأْتِي، وَيَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى مِنْ أَفْضَلَ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ كَوْنَهُ أَفْضَلَ لَا يُنَافِي أَنَّهُ مِنْ الْأَفْضَلِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا صَحَّ عَنْ أَنَسٍ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا» فَأَتَى هُنَا بِمِنْ مَعَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنُ النَّاسِ خُلُقًا إجْمَاعًا فَنَتَجَ أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ مِنْ الْأَفْضَلِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ أَفْضَلَ بِنَصِّ كَلَامِ أَنَسٍ هَذَا الَّذِي هُوَ أَقْوَى حُجَّةً فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَمَا صَحَّ عَنْهَا أَيْضًا فَإِذَا اُنْتُهِكَ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ كَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ فِي ذَلِكَ غَضَبًا فَأَتَتْ بِمِنْ مَعَ أَنَّهُ أَشَدُّهُمْ وَزَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ أَنَّ مِنْ هُنَا زَائِدَةٌ بِخِلَافِهَا فِي كَلَامِ أَنَسٍ.
فَإِنْ قُلْت إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ أَفْضَلُ الطَّاعَاتِ فَمَا فَائِدَةُ مِنْ الْمُوهِمَةِ خِلَافَ ذَلِكَ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْهَا قُلْت فَائِدَتُهَا الْإِشَارَةُ إلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْته وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْعُلُومِ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلُ بَقِيَّةِ أَفْرَادِ نَوْعِهِ
[حاشية الشرواني]
إدْخَالِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ وَأَفْضَلُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ عَدَّ ذَلِكَ) أَيْ الْعِلْمَ كُرْدِيٌّ أَيْ الشَّامِلَ عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ (قَوْلُهُ إذْ بَعْضُ الْأَفْضَلِ قَدْ يَكُونُ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي ذَاتِهِ مُتَفَاوِتُ الرُّتَبِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ بَعْضَ الْأَفْضَلِ أَنْ لَا يَكُونَ أَفْضَلَ كَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ بَعْضُ الْأَفْضَلِ الَّذِينَ هُمْ الْأَنْبِيَاءُ مَعَ أَنَّهُ أَفْضَلُهُمْ عَمِيرَةٌ (قَوْلُهُ أَفْضَلَ بَقِيَّةِ أَفْرَادِهِ) الْمُرَادُ بِالْأَفْرَادِ هُنَا مَا يَشْمَلُ الْإِضَافِيَّةَ (قَوْلُهُ فَزَعَمَ خُرُوجَ الْمَعْرِفَةِ) أَيْ عَدَمَ انْدِرَاجِهَا فِي الْعِلْمِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَحَلِّيِّ وَصَرِيحُ الْمُغْنِي (قَوْلُهُ أَوْ إيرَادَهَا) أَيْ إيرَادَ الْمَعْرِفَةِ بِزَعْمِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ كَوْنِهَا أَفْضَلَ مُطْلَقًا وَكَوْنِهَا مِنْ الْأَفْضَلِ، وَيَجُوزُ إرْجَاعُ الضَّمِيرِ إلَى الْمُنَافَاةِ (قَوْلُهُ وَحِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ دَخَلَ الْمَعْرِفَةُ فِي الْعِلْمِ هُنَا (قَوْلُهُ كَمَا يَأْتِي) أَيْ مِنْ تَقْدِيرِ مِنْ (قَوْلُهُ وَيَصِحُّ إلَخْ) أَيْ خِلَافًا لِلْمَحَلِّيِّ وَالنِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي عِبَارَتُهُ قَالَ الشَّارِحُ وَلَا يَصِحُّ عَطْفُ أَوْلَى عَلَى مِنْ أَفْضَلَ بَيْنَهُمَا لِلتَّنَافِي عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَيْ لَوْ قُدِّرَ عَطْفُ أَوْلَى عَلَى مِنْ أَفْضَلِ كَانَ كَوْنُهُ أَوْلَى مَا أَنْفَقَتْ إلَخْ مُنَافِيًا لِكَوْنِهِ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ أَوْلَى يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ أَفْضَلَ، وَكَوْنُهُ مِنْ أَفْضَلِ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ مِنْ أَوْلَى لَا كَوْنَهُ أَوْلَى فَالْإِشَارَةُ بِهَذَا التَّقْدِيرِ إلَى تَقْدِيرِ عَطْفِ أَوْلَى عَلَى مِنْ أَفْضَلِ اهـ. (قَوْلُهُ عَطْفُهُ عَلَى مِنْ أَفْضَلِ) أَيْ فَالِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ الشَّامِلِ لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ بَعْضُ فُرُوضِ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالْعِلْمِ مَا عَدَا مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَحِينَئِذٍ فَمِنْ لَا بُدَّ مِنْهَا وَيَمْتَنِعُ عَطْفُ أَوْلَى عَلَى مِنْ أَفْضَلِ، وَيُحْمَلُ عَلَى هَذَا كَلَامُ الْمَحَلِّيِّ سم أَيْ فَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ وَكَلَامُ الْمَحَلِّيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ شُمُولِ الْعِلْمِ فِي الْمَتْنِ لِلْمَعْرِفَةِ وَكَلَامُ الشَّارِحِ عَلَى الشُّمُولِ (قَوْلُهُ إنَّ كَوْنَهُ) أَيْ الشَّيْءِ وَقَالَ الْكُرْدِيُّ أَيْ الْعِلْمُ (قَوْلُهُ وَيُؤَيِّدُهُ) أَيْ مَا تَقَرَّرَ مِنْ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ (قَوْلُهُ فَأَتَى إلَخْ) أَيْ أَنَسٌ وَالْفَاءُ لِلتَّعْلِيلِ (قَوْلُهُ فَنَتَجَ) أَيْ ثَبَتَ (قَوْلُهُ هَذَا) نَعْتٌ لِكَلَامِ أَنَسٍ وَقَوْلُهُ الَّذِي إلَخْ نَعْتٌ لِهَذَا (قَوْلُهُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ كَمَا صَحَّ إلَخْ) هَلَّا قَالَ وَمَا صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا إلَخْ (قَوْلُهُ أَيْضًا) أَيْ كَحَدِيثِ أَنَسٍ (قَوْلُهُ إنَّ مِنْ هُنَا إلَخْ) أَيْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ (قَوْلُهُ الْمُوهِمَةُ خِلَافَ ذَلِكَ) أَيْ مُسَاوَاتَهُ لِبَقِيَّةِ أَفْرَادِ الْأَفْضَلِ (قَوْلُهُ كَمَا هُوَ) أَيْ الْخِلَافُ (قَوْلُهُ فَائِدَتُهَا الْإِشَارَةُ إلَخْ) فِي إفَادَتِهَا الْإِشَارَةَ إلَى مَا ذُكِرَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ بَعْضَ الْأَفْضَلِ صَادِقٌ مَعَ مُسَاوَاتِهِ لِبَقِيَّةِ أَفْرَادِ الْأَفْضَلِ بَلْ بَعْضُ الطَّاعَاتِ غَيْرُ الْمَعْرِفَةِ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ حَتَّى مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَوْ تَعَارَضَ مَعَ صَلَاةِ الْفَرْضِ فِي وَقْتِهَا إنْقَاذُ نَبِيٍّ بَلْ أَوْ غَيْرِ نَبِيٍّ مِنْ الْهَلَاكِ تَعَيَّنَ تَقْدِيمُ الْإِنْقَاذِ وَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا سم وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَوْ تَعَارَضَ مَعَ صَلَاةِ الْفَرْضِ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
إذْ يَقُولُ الْمُكَلَّفُ لَا أَنْظُرُ مَا لَمْ يَجِبْ أَيْ النَّظَرُ وَلَا يَجِبُ مَا لَمْ يَثْبُتْ الشَّرْعُ وَلَا يَثْبُتُ الشَّرْعُ مَا لَمْ أَنْظُرْ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ إذْ لَوْ وَجَبَ النَّظَرُ بِالْعَقْلِ فَبِالنَّظَرِ اتِّفَاقًا فَيَقُولُ لَا أَنْظُرُ مَا لَمْ يَجِبْ وَلَا يَجِبُ مَا لَمْ أَنْظُرْ إلَى أَنْ قَالَ فِي الْمَوَاقِفِ وَشَرْحِهِ الثَّانِي الْحَلُّ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَك لَا يَجِبُ النَّظَرُ عَلَى مَا لَمْ يَثْبُتْ الشَّرْعُ عِنْدِي قُلْنَا هَذَا إنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ الْوُجُوبُ عَيْنَهُ بِحَسَبِ نَفْسِ الْأَمْرِ مَوْقُوفًا عَلَى الْعِلْمِ بِالْوُجُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْعِلْمِ بِثُبُوتِ الشَّرْعِ لَكِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ إذْ الْعِلْمُ بِالْوُجُوبِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْوُجُوبِ فَلَوْ تَوَقَّفَ الْوُجُوبُ عَلَى الْعِلْمِ بِالْوُجُوبِ لَزِمَ الدَّوْرُ وَلَزِمَ أَيْضًا أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ عَلَى الْكَافِرِ بَلْ نَقُولُ الْوُجُوبُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ الشَّرْعِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالشَّرْعُ ثَابِتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلِمَ الْمُكَلَّفُ بِثُبُوتِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ نَظَرَ فِيهِ أَوْ لَمْ يَنْظُرْ، وَكَذَلِكَ الْوُجُوبُ أَيْ ثَابِتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا تَكْلِيفُ الْغَافِلِ لِأَنَّ الْغَافِلَ مَنْ لَمْ يَتَصَوَّرْ التَّكْلِيفَ لَا مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِهِ وَهَذَا مَعْنَى مَا قِيلَ إنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ هُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْعِلْمِ بِهِ لَا الْعِلْمُ بِهِ وَبِهَذَا الْحَلِّ أَيْضًا يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ فَيُقَالُ قَوْلُك لَا يَجِبُ النَّظَرُ عَلَيَّ مَا لَمْ أَنْظُرْ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْوُجُوبَ ثَابِتٌ بِالْعَقْلِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِالْوُجُوبِ وَالنَّظَرِ فِيهِ اهـ. وَبِهِ يَتَّضِحُ الدَّوْرُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ (قَوْلُهُ وَيَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى مِنْ أَفْضَلِ) أَيْ فَالِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ الشَّامِلِ لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ بَعْضُ فُرُوضِ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا (قَوْلُهُ الْإِشَارَةُ إلَخْ) فِي إفَادَتِهَا الْإِشَارَةُ إلَى مَا ذُكِرَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ كَوْنَهُ بَعْضَ الْأَفْضَلِ صَادِقٌ مَعَ مُسَاوَاتِهِ لِبَقِيَّةِ أَفْرَادِ الْأَفْضَلِ بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالْعِلْمِ مَا عَدَا مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَحِينَئِذٍ فَمِنْ لَا بُدَّ مِنْهَا وَيَمْتَنِعُ عَطْفُ أَوْلَى عَلَى مِنْ
وَمَفْضُولٌ بِالنِّسْبَةِ لِنَوْعٍ آخَرَ أَعْلَى مِنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ بَقِيَّةِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ وَالنَّوَافِلِ وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ أَيْ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ هُوَ مَفْضُولٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْفُرُوضِ الْعَيْنِيَّةِ غَيْرِ الْعِلْمِ وَنَفْلُهُ أَفْضَلُ النَّوَافِلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ إذْ حَمْلُهُ الْمَذْكُورُ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ مِنْ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ أَفْضَلُ مِنْ نَفْلِ الصَّلَاةِ فَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْعِلْمِ حِينَئِذٍ وَلَا بِدْعَ أَنْ يَخُصَّ قَوْلَهُمْ أَفْضَلُ عِبَادَةِ الْبَدَنِ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَمَفْضُولٌ بِالنِّسْبَةِ لِفُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَالْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْعِلْمِ فَلَمْ يَصِحَّ حَذْفُ مِنْ لِهَذَا الِاعْتِبَارِ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ فَتَأَمَّلْهُ ثُمَّ فَضْلُهُ الْوَارِدُ فِيهِ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ مَا يَحْمِلُ مَنْ لَهُ أَدْنَى نَظَرٍ إلَى كَمَالِ اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي تَحْصِيلِهِ مَعَ الْإِخْلَاصِ فِيهِ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ فِيهِ وِرَاثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَحِيَازَةُ فَضِيلَةِ الصَّالِحِينَ الْقَائِمِينَ بِمَا تَحَتَّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ خَلْقِهِ.
وَيَظْهَرُ حُصُولُ أَدْنَى مَرَاتِبِ ذَلِكَ بِالِاتِّصَافِ بِوَصْفِ الْعَدَالَةِ الْآتِي فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ
(و) مِنْ (أَوْلَى مَا أُنْفِقَتْ)
[حاشية الشرواني]
إلَخْ لَعَلَّهُ تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُقَايَسَةِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ حَقَّ التَّقْرِيبِ أَنْ يَقُولَ مَعَ الِاشْتِغَالِ بِفَرْضِ عَيْنِ الْعِلْمِ كَعِلْمِ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَيْنًا.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ اعْتِرَاضِ سم بِأَنَّ مُرَادَ التُّحْفَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْعُلُومِ الثَّلَاثَةِ أَيْ فَرْضِ عَيْنِ الْعِلْمِ وَفَرْضِ كِفَايَتِهِ وَنَفْلِهِ أَفْضَلُ بَقِيَّةِ أَفْرَادِ نَوْعِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ طَاعَةٌ لِدُخُولِهِ تَحْتَهَا اهـ أَيْ وَلَيْسَ غَيْرُ الْإِنْقَاذِ فِي صُورَةِ الْمُعَارَضَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِ الْمَعْرِفَةِ طَاعَةً (قَوْلُهُ وَمَفْضُولٌ بِالنِّسْبَةِ لِنَوْعٍ آخَرَ إلَخْ) وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِي فَرْضِ عَيْنٍ الْعِلْمُ وَلِذَا تَرَكَهُ فِي التَّفْصِيلِ الْآتِي آنِفًا (قَوْلُهُ إنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْعِلْمِ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ) أَيْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ (قَوْلُهُ هُوَ مَفْضُولٌ إلَخْ) خَبَرُ إنَّ فَرْضَ إلَخْ (قَوْلُهُ وَنَفْلُهُ أَفْضَلُ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى اسْمِ أَنَّ وَخَبَرُهُ (قَوْلُهُ وَحَمَلَهُ الْمَذْكُورُ) أَيْ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ (قَوْلُهُ وَلَا بِدْعَ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ نَشَأَ عَنْ قَوْلِهِ، وَنَفْلُهُ أَفْضَلُ النَّوَافِلِ إلَخْ (قَوْلُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ بِغَيْرِ الْعِلْمِ، وَقَدْ يُسْتَغْنَى عَنْ التَّخْصِيصِ بِادِّعَاءِ عَدَمِ انْدِرَاجِ الْعِلْمِ فِي عِبَادَةِ الْبَدَنِ إذْ الْمُتَبَادَرُ مِنْهَا أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ دُونَ الْقَلْبِ (قَوْلُهُ وَمَفْضُولٌ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى أَفْضَلِ النَّوَافِلِ (قَوْلُهُ فَلَمْ يَصِحَّ حَذْفُ مِنْ إلَخْ) أَقُولُ إذَا لَمْ يَصِحَّ حَذْفُ مِنْ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَمْ يَصِحَّ عَطْفُ أَوْلَى عَلَى مِنْ أَفْضَلِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَهَذَا يُنَافِي قَوْلَهُ السَّابِقَ، وَيَصِحُّ عَطْفُهُ إلَخْ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَى أَفْرَادِ الْعِلْمِ وَلَا إلَى أَصْنَافِهِ، وَيُحْمَلُ الْكَلَامُ عَلَى نَوْعِهِ فَيَصِحُّ أَنَّ نَوْعَ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ أَفْضَلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ نَوْعِ الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهِ، وَيَصِحُّ حِينَئِذٍ عَطْفُ أَوْلَى عَلَى مِنْ أَفْضَلِ وَحَذْفُ مِنْ وَإِنَّمَا أَتَى بِهَا إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَكْفِي فِي حَمْلِ الْعَاقِلِ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِهِ كَوْنُهُ بَعْضَ الْأَفْضَلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَفْضَلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَا يُنَافِي أَفْضَلِيَّتَهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ كَوْنُ بَعْضِ أَفْرَادِهِ مَفْضُولًا كَمَا عُلِمَ مِنْ تَفْصِيلِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ كَمَا أَنَّ نَوْعَ الْإِنْسَانِ أَفْضَلُ مِنْ نَوْعِ الْمَلَكِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَفْرَادِ الْمَلَكِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضِ أَفْرَادِهِ سم بِحَذْفِ (قَوْلُهُ الْجِنْسُ) الْأَنْسَبُ لِسَابِقِهِ النَّوْعُ (قَوْلُهُ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ) أَوْرَدَ النِّهَايَةُ جُمْلَةً مِنْهُمَا وَالْمُغْنِي جُمَلًا كَثِيرَةً مِنْهُمَا وَمِنْ الْآثَارِ وَقَوْلُهُ مَا يُحْمَلُ فَاعِلُ الْوَارِدِ (قَوْلُهُ إلَى كَمَالٍ) مُتَعَلِّقٌ بِنَظَرَ (قَوْلُهُ عَلَى اسْتِفْرَاغِ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِيُحْمَلُ (قَوْلُهُ مَعَ الْإِخْلَاصِ فِيهِ إلَخْ) الْأَوْلَى إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ أَخْلَصَ فِيهِ، وَعَمِلَ بِعِلْمِهِ حَتَّى إلَخْ عِبَارَةُ الْمُغْنِي.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ طَلَبَهُ مُرِيدًا بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى فَمَنْ أَرَادَهُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ كَمَالٍ أَوْ رِيَاسَةٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ شُهْرَةٍ أَوْ اسْتِمَالَةِ النَّاسِ إلَيْهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهُوَ مَذْمُومٌ، ثُمَّ ذَكَرَ آيَةً وَأَخْبَارًا وَآثَارًا وَارِدَةً فِي ذَمِّهِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ الْقَائِمِينَ إلَخْ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِلصَّالِحِينَ (قَوْلُهُ ذَلِكَ) أَيْ الْعَمَلِ أَوْ الصَّلَاحِ
(قَوْلُ الْمَتْنِ مَا أَنْفَقْت إلَخْ) وَهُوَ الْعِبَادَاتُ نِهَايَةٌ وَقَضِيَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي تَعَلُّمًا إلَخْ أَنَّ مَا وَاقِعَةٌ عَلَى مُطْلَقِ عِلْمٍ وَلَعَلَّ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
أَفْضَلَ، وَيُحْمَلُ عَلَى هَذَا كَلَامُ الْمَحَلِّيِّ وَقَوْلُهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَيْ مَعَ مُرَاعَاةِ مُطَابَقَةِ مَا أَفَادَهُ مِنْ أَنَّهُ بَعْضُ الْأَفْضَلِ لَا الْأَفْضَلُ لِلْوَاقِعِ فَلْيُتَأَمَّلْ بَلْ بَعْضُ الطَّاعَاتِ غَيْرُ الْمَعْرِفَةِ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ حَتَّى مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَوْ تَعَارَضَ مَعَ صَلَاةِ الْفَرْضِ فِي وَقْتِهَا إنْقَاذُ نَبِيٍّ أَوْ غَيْرِ نَبِيٍّ مِنْ الْهَلَاكِ تَعَيَّنَ تَقْدِيمُ الْإِنْقَاذِ، وَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ الْفَرْضِ فِي وَقْتِهَا (قَوْلُهُ فَلَمْ يَصِحَّ حَذْفُ مِنْ) أَقُولُ إذَا لَمْ يَصِحَّ حَذْفُ مِنْ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَمْ يَصِحَّ عَطْفُ أَوْلَى عَلَى مِنْ أَفْضَلَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِلَّا لَصَحَّ حَذْفُ مِنْ وَالْمُقَرَّرُ خِلَافُهُ وَحِينَئِذٍ فَهَذَا يُنَافِي قَوْلَهُ السَّابِقَ وَيَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى مِنْ أَفْضَلَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَاكَ بِبَعْضِ الِاعْتِبَارَاتِ نَعَمْ لَنَا أَنْ لَا نَنْظُرَ إلَى أَفْرَادِ الْعِلْمِ وَلَا إلَى أَصْنَافِهِ وَيُحْمَلُ الْكَلَامُ عَلَى نَوْعِهِ فَيَصِحُّ لَنَا أَنَّ نَوْعَ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ أَفْضَلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ نَوْعِ الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهِ وَيَصِحُّ حِينَئِذٍ عَطْفُ أَوْلَى عَلَى مِنْ أَفْضَلَ، وَيَصِحُّ أَيْضًا حَذْفُ مِنْ.
وَإِنَّمَا أَتَى بِهَا إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَكْفِي فِي حَمْلِ الْعَاقِلِ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِهِ كَوْنُهُ بَعْضَ الْأَفْضَلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَفْضَلَ وَلَا يُنَافِي أَفْضَلِيَّتَهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ كَوْنُ بَعْضِ أَفْرَادِهِ مَفْضُولًا كَمَا عُلِمَ مِنْ تَفْصِيلِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ كَمَا أَنَّ نَوْعَ الْإِنْسَانِ أَفْضَلُ مِنْ نَوْعِ الْمَلَكِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَفْرَادِ الْمَلَكِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَكَمَا أَنَّ نَوْعَ الرَّجُلِ أَفْضَلُ مِنْ نَوْعِ الْمَرْأَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَفْرَادِ الْمَرْأَةِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضِ أَفْرَادِ الرَّجُلِ فَلْيُتَأَمَّلْ (فَإِنْ قُلْت) يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ هَذَا مُحْتَرَزَ قَوْلِهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ (قُلْت) لَا مَانِعَ، وَقَدْ يُقَالُ هَذَا الِاعْتِبَارُ إنْ كَانَ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَصِحَّ غَيْرُهُ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ تَوْجِيهُ كَلَامِهِ بِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ
آثَرَهُ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ إلَّا فِيمَا صُرِفَ فِي خَيْرٍ وَمَا عَدَاهُ وَلَوْ فِي مَكْرُوهٍ يُقَالُ فِيهِ ضُيِّعَ وَخُسِرَ وَغُرِمَ وَبَنَاهُ لِلْمَجْهُولِ لِلْعِلْمِ بِفَاعِلِهِ وَلِكَوْنِ عَيْنِهِ غَيْرَ مَنْظُورٍ إلَيْهَا بِخُصُوصِهَا وَلِيَعُمَّ (فِيهِ) تَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا (نَفَائِسُ الْأَوْقَاتِ) مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ إلَى الْأَخَصِّ أَوْ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ أَوْ هِيَ بَيَانِيَّةٌ وَمُفْرَدُ نَفَائِسَ نَفِيسَةٌ لَا نَفِيسٌ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ الْآتِي مِنْ النَّفَائِسِ الْمُسْتَجَادَاتِ إذْ فَعَائِلُ إنَّمَا تَكُونُ جَمْعًا لِفَعِيلَةٍ فَإِضَافَتُهَا لِلْأَوْقَاتِ الَّتِي هِيَ جَمْعٌ مُذَكَّرٌ لِتَأْوِيلِهَا بِالسَّاعَاتِ شِبْهُ شُغْلِ الْأَوْقَاتِ بِالْعُلُومِ بِصَرْفِ الْمَالِ فِي الْخَبَرِ الْمُكَنَّى عَنْهُ بِالْإِنْفَاقِ، وَوَصْفُهَا بِالنَّفَاسَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِخَطَرِ الْقَدْرِ وَعِزَّةِ النَّظِيرِ إشَارَةً إلَى أَنَّ فَائِتَهَا بِلَا خَيْرٍ لَا يُمْكِنُ تَعْوِيضُهُ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ الْوَقْتُ سَيْفٌ إنْ لَمْ تَقْطَعْهُ قَطَعَك
(وَقَدْ) لِلتَّحْقِيقِ هُنَا (أَكُثْرُ أَصْحَابِنَا) الَّذِينَ نَظَمْنَا وَإِيَّاهُمْ سِلْكُ اتِّبَاعِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَشْبِيهًا بِالْمُجْتَمِعِينَ فِي الْعَشَرَةِ بِجَامِعِ الْمُوَافَقَةِ وَشِدَّةِ الِارْتِبَاطِ وَهُوَ جَمْعُ صَحْبٍ الَّذِي هُوَ اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبٍ لِأَنَّ أَفْعَالًا لَا يَكُونُ جَمْعًا لِفَاعِلٍ (- رَحِمَهُمُ اللَّهُ -) تَعَالَى أَبْلَغُ مِنْ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمْ لِإِشْعَارِهِ
[حاشية الشرواني]
مَا فِي النِّهَايَةِ أَحْسَنُ مِنْهُ (قَوْلُهُ آثَرَهُ) أَيْ عَلَى نَحْوِ صُرِفَتْ سم (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ إلَخْ) قَالَ فِي الدَّقَائِقِ يُقَالُ فِي الْخَيْرِ أَنْفَقَتْ وَفِي الْبَاطِلِ ضَيَّعَتْ وَخَسِرَتْ وَغَرِمَتْ مُغْنِي وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْأَفْعَالَ الثَّلَاثَةَ فِي الشَّرْحِ بِبِنَاءِ الْفَاعِل وَيَجُزْ كَوْنُهَا بِبِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيْضًا عَلَى وَفْقِ مَا فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ فِي خَيْرٍ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْمُبَاحَ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ لِلْعِلْمِ بِفَاعِلِهِ) أَيْ أَنَّهُ الْمُكَلَّفُ أَوْ طَالِبُ الْعِلْمِ (قَوْله وَلِيَعُمَّ) أَيْ مَعَ الِاخْتِصَارِ (قَوْلُهُ تَعَلُّمًا إلَخْ) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْمُضَافِ (قَوْلُهُ مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ) إلَى قَوْلِهِ كَمَا أَفَادَهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي (قَوْلُهُ مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ إلَى الْأَخَصِّ) أَيْ كَمَسْجِدِ الْجَامِعِ (قَوْلُهُ أَوْ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ) أَيْ كَجَرْدِ قَطِيفَةٍ أَيْ قَطِيفَةٍ مَجْرُودَةٍ إذْ الْأَوْقَاتُ كُلُّهَا نَفِيسَةٌ (قَوْلُهُ أَوْ هِيَ بَيَانِيَّةٌ) أَيْ، وَالْمُرَادُ بِنَفَائِسِ الْأَوْقَاتِ أَزْمِنَةُ الصِّحَّةِ وَالْفَرَاغِ مُغْنِي عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إضَافَتُهُ بَيَانِيَّةً لِأَنَّ الْإِضَافَةَ الْبَيَانِيَّةَ عَلَى تَقْدِيرِ مِنْ الْبَيَانِيَّةِ أَوْ التَّبْعِيضِيَّةِ أَوْ الِابْتِدَائِيَّةِ.
وَالْكُلُّ مُمْكِنٌ هُنَا؛ لِأَنَّ الْأَوْقَاتَ وَإِنْ كَانَتْ نَفِيسَةً كُلُّهَا فِي الْحَقِيقَةِ لَكِنَّ بَعْضَهَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ نَفِيسًا بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضٍ آخَرَ، وَقَدْ جَاءَ الشَّرْعُ بِتَفْصِيلِ بَعْضِهَا اهـ قَالَ الرَّشِيدِيُّ وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْإِضَافَةَ الْبَيَانِيَّةَ هِيَ الَّتِي تَكُونُ عَلَى مَعْنَى مِنْ الْمُبَيِّنَةِ لِلْجِنْسِ لَا مُطْلَقًا فَلَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ طَرِيقَةُ أَوْ أَنَّ مُرَادَهُ حِكَايَةُ أَقْوَالٍ فِي الْمَسْأَلَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ كَمَا أَفَادَهُ إلَخْ) كَانَ وَجْهُ الْإِفَادَةِ أَنَّ الْوَصْفَ بِجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ أَعْنِي الْمُسْتَجَادَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْصُوفَهُ جَمْعُ نَفِيسَةٍ سم (قَوْلُهُ إذْ فَعَائِلُ إلَخْ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا لِنَفِيسٍ، وَإِنَّمَا هُوَ جَمْعٌ لِكُلِّ رُبَاعِيٍّ مُؤَنَّثٍ بِمُدَّةٍ قَبْلَ آخِرِهِ مَخْتُومًا بِالتَّاءِ أَوْ مُجَرَّدًا عَنْهَا اهـ.
(قَوْلُهُ فَإِضَافَتُهَا) أَيْ نِسْبَتُهَا (قَوْلُهُ لِتَأْوِيلِهَا بِالسَّاعَاتِ) أَوْ كَانَ الْمُصَنِّفُ قَدْ وَصَفَ الْأَوْقَاتِ بِالنَّفِيسَةِ، ثُمَّ جَمَعَ النَّفِيسَةَ عَلَى النَّفَائِسِ مُغْنِي (قَوْلُهُ شَبَّهَ شُغْلَ الْأَوْقَاتِ إلَخْ) هَلَّا قَالَ شَبَّهَ الْأَوْقَاتَ بِالْأَمْوَالِ وَأَسْنَدَ إلَيْهَا الْإِنْفَاقَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ (قَوْلُهُ الْمُكَنَّى عَنْهُ إلَخْ) أَيْ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْإِنْفَاقِ مَجَازًا مُغْنِي وَنِهَايَةٌ أَيْ اسْتِعَارَةٌ رَشِيدِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَوَصْفُهَا بِالنَّفَاسَةِ إلَخْ) أَيْ أَضَافَ إلَيْهَا صِفَتَهَا لِلسَّجْعِ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي (قَوْلُهُ بِلَا خَيْرٍ) أَيْ عِبَادَةٍ نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ إنْ لَمْ تَقْطَعْهُ قَطَعَك) أَيْ إنْ لَمْ تَشْغَلْهُ بِالْعِبَادَةِ فَاتَك
(قَوْلُهُ لِلتَّحْقِيقِ هُنَا) أَيْ لَا لِلتَّكْثِيرِ وَقَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ إنَّهَا لَهُمَا مَعًا، وَيُرَادُ عَلَيْهِ أَنَّ التَّكْثِيرَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ وَأَكْثَرَ وَجَعْلُهَا لِلتَّكْثِيرِ يَصِيرُ الْمَعْنَى وَكَثُرَ إكْثَارَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ ع ش قَوْلُ الْمَتْنِ (أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا) أَيْ مَجْمُوعُهُمْ لَا كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْهُمْ عَمِيرَةٌ (قَوْلُهُ الَّذِينَ نَظَمْنَا إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي أَيْ أَتْبَاعُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَالصُّحْبَةُ مِنْهَا الِاجْتِمَاعُ فِي اتِّبَاعِ الْإِمَامِ الْمُجْتَهِدِ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ الْأَحْكَامِ فَهُوَ مَجَازٌ سَبَبُهُ الْمُوَافَقَةُ بَيْنَهُمْ وَشِدَّةُ ارْتِبَاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ كَالصَّاحِبِ حَقِيقَةً اهـ. (قَوْلُهُ اتِّبَاعُ الشَّافِعِيِّ) مِنْ الِافْتِعَالِ (قَوْلُهُ تَشْبِيهًا) أَيْ لِأَتْبَاعِ الشَّافِعِيِّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (قَوْلُهُ بِجَامِعِ الْمُوَافَقَةِ إلَخْ) الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ (قَوْلُهُ وَشِدَّةِ الِارْتِبَاطِ) وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ الْعِلْمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ رَحِمٌ مُتَّصِلَةٌ نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ أَفْعَالًا إلَخْ) أَيْ وَلَيْسَ الْأَصْحَابُ جَمْعُ صَاحِبٍ لِأَنَّ إلَخْ (قَوْلُهُ لَا يَكُونُ جَمْعًا لِفَاعِلٍ) أَقُولُ وَلَا لِفَعَلَ الْمَفْتُوحِ الْفَاءِ الصَّحِيحِ الْعَيْنِ السَّاكِنَةِ إلَّا شُذُوذًا كَمَا فِي التَّوْضِيحِ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
قَوْلُهُ آثَرَهُ) أَيْ عَلَى نَحْوِ صَرَفْت (قَوْلُهُ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ الْآتِي مِنْ النَّفَائِسِ) فِيهِ بَحْثٌ إذْ يُحْتَمَلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ نَفِيسٍ وَنَفِيسَةٍ يُجْمَعُ عَلَى فَعَائِلَ (قَوْلُهُ كَمَا أَفَادَهُ إلَخْ) كَانَ وَجْهُ الْإِفَادَةِ أَنَّ الْوَصْفَ بِجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ أَعْنِي الْمُسْتَجَادَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْصُوفَهُ جَمْعُ نَفِيسَةٍ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ فَعَائِلَ لِكُلٍّ مِنْ نَفِيسٍ وَنَفِيسَةٍ بَلْ عِبَارَةُ الْأَلْفِيَّةِ تَقْتَضِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُمْ قَيَّدُوا فَعِيلًا فِيهَا بِمَا يُخْرِجُ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا دَلَالَةَ لِمَا يَأْتِي عَلَى أَنَّ نَفَائِسَ هُنَا جَمْعُ نَفِيسَةٍ (قَوْلُهُ إنَّمَا يَكُونُ جَمْعًا لِفَعِيلَةٍ) فِيهِ قُصُورٌ وَلِذَا قَالَ فِي الْأَلْفِيَّةِ وَبِفَعَائِلَ اجْمَعْنَ فَعَالَهْ ... وَشِبْهَهُ ذَا تَاءٍ أَوْ مُزَالَهْ اهـ. لَكِنْ قَيَّدُوا الْمُزَالَ وَمِنْهُ فَعَيْلٌ بِمَا يُخْرِجُ مَا نَحْنُ فِيهِ (قَوْلُهُ فَإِضَافَتُهَا لِلْأَوْقَاتِ إلَخْ) فِي ابْنِ شُهْبَةَ الصَّغِيرِ الْإِشَارَةُ إلَى جَوَابٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ وَنَفَائِسُ جَمْعُ نَفِيسَةٍ فَكَانَ الْمُصَنِّفُ قَدْ وَصَفَ الْأَوْقَاتَ بِالنَّفِيسَةِ ثُمَّ جَمَعَ النَّفِيسَةَ عَلَى النَّفَائِسِ اهـ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مُفْرَدَ نَفَائِسَ نَفِيسَةٌ بِمَعْنَى الْأَوْقَاتِ لَا بِمَعْنَى الْوَقْتِ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ أَفْعَالًا لَا يَكُونُ جَمْعًا لِفَاعِلٍ) أَقُولُ وَلَا لِفَعْلٍ كَمَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ كَمَا شَذَّ أَيْ أَفْعَالٌ فِي فَعْلٍ الْمَفْتُوحِ الْفَاءِ صَحِيحِ الْعَيْنِ السَّاكِنَةِ اهـ. (فَإِنْ قُلْت) أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ جَمْعًا لِفَاعِلٍ مُطْلَقًا أَيْ لَا قِيَاسًا وَلَا شُذُوذًا بِخِلَافِ فَعْلٍ فَإِنَّهُ
بِتَحَقُّقِ الْوُقُوعِ تَفَاؤُلًا وَفِيهِ اقْتِدَاءٌ بِمَنْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ قَائِلًا ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: 10] الْآيَةَ فَإِنْ قُلْت لِمَ لَمْ يُعَبِّرْ بِمَا فِي الْآيَةِ قُلْت إشَارَةً إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِكُلِّ دُعَاءٍ أُخْرَوِيٍّ عَلَى أَنَّ فِي إيثَارِ لَفْظِ الرَّحْمَةِ تَأَسِّيًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَحِمَ اللَّهُ أَخِي مُوسَى» (مِنْ) الظَّاهِرُ أَنَّهَا زَائِدَةٌ لِصِحَّةِ الْمَعْنَى بِدُونِهَا وَقِيلَ مِنْ بِمَعْنَى فِي كَإِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَفِيهِ تَعَسُّفٌ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ وَقِيلَ لِلْمُجَاوَزَةِ كَمَا فِي زَيْدٌ أَفْضَلُ مِنْ عَمْرٍو أَيْ جَاوَزَهُ فِي الْفَضْلِ كَمَا أَنَّهُمْ هُنَا جَاوَزُوا الْإِكْثَارَ فِي (التَّصْنِيفِ) وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ أَصْنَافًا مُتَمَيِّزَةً وَأَخَصُّ مِنْهُ التَّأْلِيفَ لِاسْتِدْعَائِهِ زِيَادَةً هِيَ إيقَاعُ الْأُلْفَةِ بَيْنَ الْأَنْوَاعِ الْمُتَمَيِّزَةِ وَكُتُبُ الْأَصْحَابِ مِنْ ذَلِكَ فَالتَّصْنِيفُ هُنَا بِمَعْنَى التَّأْلِيفِ وَهُوَ فِي الْعُلُومِ الْوَاجِبَةِ لَا الْمَنْدُوبَةِ كَالْعَرُوضِ خِلَافًا لِمَنْ عَدَّهُ مِنْ جُمْلَةِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ مِنْ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ مَنْ اخْتَرَعَهُ فَقِيلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ شَيْخُ شَيْخِ الشَّافِعِيِّ وَقِيلَ غَيْرُهُ وَكِتَابَةُ الْعِلْمِ مُسْتَحَبَّةٌ وَقِيلَ وَاجِبَةٌ وَهُوَ وَجِيهٌ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ وَإِلَّا لَضَاعَ الْعِلْمُ وَإِذَا وَجَبَتْ كِتَابَةُ الْوَثَائِقِ لِحِفْظِ الْحُقُوقِ فَالْعِلْمُ أَوْلَى (مِنْ) قِيلَ بَيَانِيَّةٌ وَفِيهِ إنْ لَمْ يُجْعَلْ الْمَصْدَرُ بِمَعْنَى اسْمِ مَفْعُولٍ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّصْنِيفَ غَيْرُ الْمَبْسُوطِ وَالْمُخْتَصَرِ فَالْوَجْهُ أَنَّهُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ، وَالْأَصْلُ وَقَدْ أَكْثَرَ أَصْحَابُنَا الْمُصَنَّفَاتِ (الْمَبْسُوطَاتِ) هِيَ مَا كَثُرَ لَفْظُهَا وَمَعْنَاهَا
[حاشية الشرواني]
فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ جَمْعًا لِفَاعِلٍ مُطْلَقًا أَيْ لَا قِيَاسًا وَلَا شُذُوذًا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَكُونُ جَمْعَ فَاعِلٍ شُذُوذًا نَحْوُ جَاهِلٍ وَإِجْهَالٍ فَإِنْ ثَبَتَ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ صَحْبٍ شُذُوذًا فِيهَا، وَإِلَّا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ جَمْعُ صَاحِبٍ شُذُوذًا فَتَخْصِيصُ الْأَوَّلِ تَحَكُّمٌ فَلْيُتَأَمَّلْ سم (قَوْلُهُ بِتَحْقِيقِ الْوُقُوعِ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ إلَى نَائِبِ فَاعِلِهِ وَلَوْ قَالَ بِتَحَقُّقِ الْوُقُوعِ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ كَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ وَفِيهِ) أَيْ فِي دُعَائِهِ لِلْأَصْحَابِ (قَوْلُهُ اقْتِدَاءً بِمَنْ إلَخْ) أَيْ بِجَامِعِ الدُّعَاءِ لِلسَّابِقِ سم (قَوْلُهُ إشَارَةً إلَخْ) وَلِأَنَّ الرَّحْمَةَ أَعَمُّ مِنْ الْمَغْفِرَةِ سم قَوْلُ الْمَتْنِ (مِنْ التَّصْنِيفِ) يَسْبِقُ لِلْفَهْمِ أَنَّهَا صِلَةُ أَكْثَرَ سم (قَوْلُهُ الظَّاهِرُ) إلَى قَوْلِهِ وَأَخُصُّ فِي النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ إنَّهَا زَائِدَةٌ) أَيْ فِي الْإِثْبَاتِ سم عَلَى حَجّ أَيْ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ الْمُجِيزُ لِزِيَادَتِهَا فِي الْإِثْبَاتِ لَكِنَّ الْأَخْفَشَ يُوَافِقُ الْجُمْهُورَ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَجْرُورُهَا نَكِرَةً وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ رَشِيدِيٌّ وَقَدْ يُتَكَلَّفُ فَيُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا فِي قُوَّةِ مَا قَصَّرُوا فِي الْإِكْثَارِ فَهُوَ نَفْيٌ فِي الْمَعْنَى، وَبِأَنَّ أَلْ فِي التَّصْنِيفِ فَهُوَ نَكِرَةٌ فِي الْمَعْنَى (قَوْلُهُ لِصِحَّةِ الْمَعْنَى إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ كُلَّ مَا يَصِحُّ الْمَعْنَى بِدُونِهِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا وَيَرِدُ عَلَيْهِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: 4] وقَوْله تَعَالَى ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 25] .
وَقَدْ يُقَالُ مَا الْمَانِعُ مِنْ جَعْلِ مِنْ هُنَا لِلتَّقْوِيَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاحْتِيجَ إلَيْهِ لِضَعْفِ الْعَامِلِ بِفَصْلِهِ بِالْجُمْلَةِ الدِّعَائِيَّةِ رَشِيدِيٌّ (قَوْلُهُ وَفِيهِ تَعَسُّفٌ) وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الطَّرِيقِ الظَّاهِرِ ع ش (قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ) أَيْ؛ لِأَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ طَرَفٌ لِلنِّدَاءِ وَالتَّصْنِيفُ لَيْسَ ظَرْفًا لِلْإِكْثَارِ رَشِيدِيٌّ وع ش وَقَدْ يُقَالُ إنَّ التَّصْنِيفَ مَكَانٌ مَعْنَوِيٌّ لِلْكَثْرَةِ (قَوْلُهُ جَاوَزُوا الْإِكْثَارَ إلَخْ) فِيهِ تَأَمُّلٌ سم وَلَعَلَّ وَجْهَ أَمْرِهِ بِالتَّأَمُّلِ أَنَّ حَلَّهُ لِلْمَتْنِ حِينَئِذٍ لَيْسَ عَلَى نَظِيرِ حَلِّهِ لِلْمِثَالِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ عُمْرًا الَّذِي هُوَ مَدْخُولُ مِنْ فِيهِ مَفْعُولًا فَنَظِيرُهُ فِي الْمَتْنِ أَنْ يُقَالَ تَجَاوَزُوا التَّصْنِيفَ فِي الْإِكْثَارِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنًى هُنَا رَشِيدِيٌّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مِنْ وُجُوهِهِ أَنَّ الْإِكْثَارَ لَا حَدَّ لَهُ يَقِفُ عِنْدَهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْمُجَاوَزَةُ عَنْهُ (قَوْلُهُ وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ أَصْنَافًا مُتَمَيِّزَةً) أَيْ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ فَمُؤَلِّفُ الْكِتَابِ يُفْرِدُ الصِّنْفَ الَّذِي هُوَ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ وَيُفْرِدُ كُلَّ صِنْفٍ مِمَّا هُوَ فِيهِ عَنْ الْآخِرَةِ فَالْفَقِيهُ يُفْرِدُ مَثَلًا الْعِبَادَاتِ عَنْ الْمُعَامَلَاتِ وَنَحْوِهَا وَكَذَا الْأَبْوَابُ مُغْنِي (قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ التَّصْنِيفُ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ مِنْ الْبِدَعِ إلَخْ خَبَرٌ (قَوْلُهُ فِي الْعُلُومِ الْوَاجِبَةِ) أَيْ عَيْنًا أَوْ كِفَايَةً (قَوْلُهُ مِنْ عِدَّةٍ) أَيْ عِلْمُ الْعُرُوضِ (قَوْلُهُ مِنْ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ) لَعَلَّ مَحَلَّ الْوُجُوبِ إذَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ حِفْظُ الْعِلْمِ عَنْ الضَّيَاعِ وَفِي الْكَنْزِ لِلْأُسْتَاذِ الْبَكْرِيِّ وَتَصْنِيفُ الْعِلْمِ مُسْتَحَبٌّ سم (قَوْلُهُ الَّتِي حَدَثَتْ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ تَفْسِيرَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَا يُعَدُّ تَصْنِيفًا (قَوْلُهُ فَقِيلَ عَبْدُ الْمَلِكِ إلَخْ) وَقِيلَ الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ وَقِيلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مُغْنِي (قَوْلُهُ وَقِيلَ وَاجِبَةٌ) أَيْ كِفَايَةٌ كُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ لِحِفْظِ الْحُقُوقِ) لَعَلَّ الْوُجُوبَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَتْ لِنَحْوِ الْيَتِيمِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ قِيلَ) إلَى قَوْلِهِ وَالْإِيجَازُ فِي النِّهَايَةِ.
(قَوْلُهُ وَفِيهِ إنْ لَمْ يُجْعَلْ إلَخْ) وَيُجَابُ بِحَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ مِنْ تَصْنِيفِ الْمَبْسُوطَاتِ سم (قَوْلُهُ فَالْوَجْهُ أَنَّهُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ) فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ تُعْلَمُ مِنْ مُرَاجَعَةِ كَلَامِ النُّحَاةِ فِي بَدَلِ الِاشْتِمَالِ وَنَبَّهَ عَلَى بَعْضِهَا هُنَا الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ رَشِيدِيٌّ عِبَارَةُ سم وَفِي كَوْنِهِ لِلِاشْتِمَالِ نَظَرٌ إذْ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ يَحْتَاجُ إلَى ضَمِيرٍ فَالْوَجْهُ أَنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ إنْ لَمْ يُؤَوَّلْ التَّصْنِيفُ بِالْمُصَنَّفِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ إلَخْ) أَيْ الْمُرَادُ مِنْ الْعِبَارَةِ لَا أَنَّهُ كَانَ صِفَةً فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ صَارَ بَدَلًا ع ش قَوْلُ الْمَتْنِ (مِنْ الْمَبْسُوطَاتِ إلَخْ) أَيْ فِي الْفِقْهِ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي (قَوْلُهُ هِيَ مَا كَثُرَ إلَخْ) الْأَوْلَى هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي تَذْكِيرُ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
يَكُونُ جَمْعًا لَهُ شُذُوذًا (قُلْت) وَهُوَ جَمْعٌ لِفَاعِلٍ شُذُوذًا فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ أَفْعَالًا مِمَّا حُفِظَ فِي فَاعِلٍ نَحْوُ جَاهِلٍ وَأَجْهَالٍ فَإِنْ ثَبَتَ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ صَحْبٍ شُذُوذًا وَإِلَّا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ صَاحِبٍ شُذُوذًا فَتَخْصِيصُ الْأَوَّلِ تَحَكُّمٌ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَفِيهِ اقْتِدَاءٌ) أَيْ بِجَامِعِ الدُّعَاءِ السَّابِقِ (قَوْلُهُ قُلْت إشَارَةً إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ أَيْضًا الرَّحْمَةُ أَعَمُّ مِنْ الْمَغْفِرَةِ (قَوْلُهُ مِنْ التَّصْنِيفِ) يَسْبِقُ لِلْفَهْمِ أَنَّهَا صِلَةُ أَكْثَرَ (قَوْلُهُ زَائِدَةٌ) أَيْ فِي الْإِثْبَاتِ (قَوْلُهُ جَاوَزَا الْإِكْثَارَ) فِيهِ تَأَمُّلٌ (قَوْلُهُ مِنْ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ) لَعَلَّ مَحَلَّ الْوُجُوبِ إذَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ حِفْظُ الْعِلْمِ عَنْ الضَّيَاعِ وَفِي الْكَنْزِ لِلْأُسْتَاذِ الْبَكْرِيِّ وَتَصْنِيفُ الْعِلْمِ مُسْتَحَبٌّ (قَوْلُهُ وَفِيهِ إنْ لَمْ يُجْعَلْ إلَخْ) يُجَابُ بِحَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ مِنْ تَصْنِيفِ الْمَبْسُوطَاتِ إلَخْ (قَوْلُهُ أَنَّهُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ) أَيْ أَوْ بَدَلُ كُلٍّ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ مِنْ تَصْنِيفِ إلَخْ
(وَالْمُخْتَصَرَاتِ) هِيَ مَا قَلَّ لَفْظُهَا وَكَثُرَ مَعْنَاهَا قِيلَ وَالْإِيجَازُ لِكَوْنِهِ حَذْفَ طُولِ الْكَلَامِ وَهُوَ الْإِطْنَابُ غَيْرُ الِاخْتِصَارِ؛ لِأَنَّهُ حَذْفُ تَكْرِيرِهِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَعْنَى وَيَشْهَدُ لَهُ ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: 51] وَفِيهِ تَحَكُّمٌ وَاسْتِدْلَالٌ بِمَا لَا يَدُلُّ إذْ لَيْسَ فِي الْآيَةِ حَذْفُ ذَلِكَ الْعَرْضِ فَضْلًا عَنْ تَسْمِيَتِهِ فَالْحَقُّ تَرَادُفُهُمَا كَمَا فِي الصِّحَاحِ
(وَأَتْقَنُ) أَحْكَمَ كُلَّ (مُخْتَصَرٍ) مِنْ الْمُخْتَصَرَاتِ فَفِيهِ تَفْضِيلٌ مُسَوِّغٌ لِلِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَةِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ قَاعِدَةِ إذَا اجْتَمَعَتْ مَعْرِفَةٌ وَنَكِرَةٌ تَعْيِينُ كَوْنِ الْمَعْرِفَةِ الْمُبْتَدَأَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ مَحَلُّهَا فِي نَكِرَةٍ غَيْرِ اسْمِ اسْتِفْهَامٍ نَحْوُ كَمْ مَالُكَ وَغَيْرُ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ نَحْوُ خَيْرٌ مِنْك زَيْدٌ فَفِي هَذَيْنِ يَتَعَيَّنُ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ النَّكِرَةُ وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ يَجُوزُ كُلٌّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ لِتَعَارُضِ دَلِيلَيْ الْجُمْهُورِ وَسِيبَوَيْهِ.
وَذَكَرَ السَّيِّدُ فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ أَنَّ كَوْنَ النَّكِرَةِ الْمُبْتَدَأَ أَيْ فِي غَيْرِ صُورَتَيْ سِيبَوَيْهِ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْفُصَحَاءِ وَلَا يَرِدُ عَلَى الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ الْمُجَوِّزِ لِلْحُكْمِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِمَا لِلْآخَرِ وَعَلَيْهِ فَهُوَ لَا يُخَالِفُ قَوْلَ ابْنِ هِشَامٍ إلَّا مِنْ حَيْثُ الْمُسَوِّغُ فَهُوَ عِنْدَ ابْنِ هِشَامٍ تَعَارُضُ الدَّلِيلَيْنِ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ اعْتِبَارُ الْقَلْبِ فَإِنْ قُلْت خَصَّ الرَّضِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ كَوْنَ أَفْعَلُ الْمُبْتَدَأَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِمَا إذَا وَقَعَ جُزْءًا لِجُمْلَةٍ وَقَعَتْ صِفَةً لِنَكِرَةٍ كَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ أَفْضَلَ مِنْهُ أَبُوهُ قُلْت هَذَا اسْتِرْوَاحٌ تَوَهَّمُوهُ مِنْ هَذَا الْمِثَالِ وَغَفَلُوا عَنْ كَوْنِ سِيبَوَيْهِ مَثَّلَ بِخَيْرٌ مِنْك زَيْدٌ كَمَا رَأَيْته فِي كِتَابِهِ وَهَذَا يُبْطِلُ مَا اشْتَرَطُوهُ وَلَمَّا كَانَ الْمُحَقِّقُونَ كَابْنِ هِشَامٍ وَغَيْرِهِ مُسْتَحْضِرِينَ لِكَلَامِهِ مَثَّلُوا بِمِثَالِهِ هَذَا وَأَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ الِاشْتِرَاطِ الَّذِي زَعَمَهُ هَؤُلَاءِ، وَقَدْ سَمِعْنَا مِنْ مُحَقِّقِي مَشَايِخِنَا أَنَّ نَقْلَ هَؤُلَاءِ مُقَدَّمٌ عَلَى نَقْلِ الْعَجَمِ لِاسْتِرْوَاحِهِمْ فِيهِ كَثِيرًا وَتَعْوِيلِهِمْ عَلَى التَّقْيِيدِ بِالْمَعْقُولِ أَكْثَرَ مِنْ الْمَنْقُولِ فَإِنْ قُلْت الْمُنَاسِبُ لِلسِّيَاقِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ مَدْحُ الْمُحَرَّرِ وُصْلَةً لِمَدْحِ كِتَابِهِ كَوْنُ الْمُحَرَّرِ هُوَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بالْأَتْقَنِيَّةِ فَلِمَ عَكَسْتُهُ.
قُلْت؛ لِأَنَّ تَخْرِيجَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ الْأَبْلَغِ اقْتَضَى ذَلِكَ وَالتَّقْدِيرُ إذَا أَكْثَرُوا مِنْ الْمُخْتَصَرَاتِ فَلَا حَاجَةَ لِلْمُحَرَّرِ وَلَا لِكِتَابِك فَأَجَابَ بِأَنَّهَا مَعَ كَثْرَتِهَا مُتَفَاوِتَةٌ فِي الْأَتْقَنِيَّةِ وَأَتْقَنُهَا هُوَ الْمُحَرِّرُ فَاحْتِيجَ إلَيْهِ لِهَذِهِ الْأَتْقَنِيَّةِ الْمَحْصُورَةِ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ وَحِينَئِذٍ تَعَيَّنَ ذَلِكَ الْإِعْرَابُ لِهَذَا الْغَرَضِ الْعَارِضِ؛ لِأَنَّ غَرَضَ الْأَبْلَغِيَّةِ يُحْوِجُ لِذَلِكَ كَمَا يُعْرَفُ مِنْ أَسَالِيبِ الْبُلَغَاءِ (الْمُحَرَّرُ) الْمُهَذَّبُ الْمُنَقَّى
[حاشية الشرواني]
الضَّمِيرِ (قَوْلُهُ هِيَ مَا قَلَّ لَفْظُهَا إلَخْ) بَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ مَوْجُودٌ قَطْعًا وَهُوَ مَا قَلَّ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ فَكَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ مَا قَلَّ لَفْظُهُ سَوَاءٌ كَثُرَ مَعْنَاهُ أَوْ لَا سم وَعِ ش (قَوْلُهُ وَالْإِيجَازُ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ غَيْرُ الِاخْتِصَارِ خَبَرُهُ (قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ إلَخْ) عِلَّةً مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ طَرَفَيْ الْمُدَّعِي (قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ طُولُ الْكَلَامِ الْإِطْنَابُ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ الِاخْتِصَارَ (قَوْلُهُ وَيَشْهَدُ لَهُ) أَيْ لِتَفْسِيرِ الِاخْتِصَارِ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ إذْ لَيْسَ فِي الْآيَةِ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ يَجْعَلُ الِاخْتِصَارَ حَذْفَ عَرَضِ الْكَلَامِ، وَإِنَّ عَرَضَهُ هُوَ تَكْرِيرُهُ سم.
(قَوْلُهُ عَنْ تَسْمِيَتِهِ) أَيْ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ الْحَذْفِ بِاسْمٍ هُوَ الِاخْتِصَارُ دُونَ اسْمٍ هُوَ الْإِيجَازُ كُرْدِيٌّ
(قَوْلُهُ مِنْ الْمُخْتَصَرَاتِ) أَيْ الْمَذْكُورَةِ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ فَفِيهِ) أَيْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَأَتْقَنُ مُخْتَصَرٍ) تَفْضِيلٌ أَيْ نَوْعُ تَفْضِيلٍ وَهُوَ التَّفْضِيلُ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ (قَوْلُهُ مُسَوِّغٌ لِلِابْتِدَاءِ إلَخْ) لَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِ أَتْقَنَ مُبْتَدَأً لِجَوَازِ كَوْنِهِ خَبَرًا، وَالْمُبْتَدَأُ هُوَ الْمُحَرَّرُ بَلْ هُوَ الْمُتَبَادِرُ، وَأَيْضًا الْإِضَافَةُ مُسَوِّغَةٌ لِلِابْتِدَاءِ سم (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ كَوْنُ أَتْقَنَ مُبْتَدَأً مَعَ كَوْنِ الْخَبَرِ مَعْرِفَةً كُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى إلَخْ) أَيْ نَحْوُ تَرْكِيبِ الْمُصَنِّفِ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَى أَفْعَلَ الْمُنَكَّرِ فَمَعْرِفَةٌ (قَوْلُهُ مَحَلُّهَا) أَيْ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ وَلَا يَرِدُ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ (قَوْلُهُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ) أَيْ قَلْبِ الْمَعْنَى بِأَنْ جَعَلَ مَعْنَى أَحَدِهِمَا مَحْكُومًا عَلَيْهِ وَالْآخَرِ حُكْمًا وَيَعْكِسُ كُرْدِيٌّ.
عِبَارَةَ سم عَلَى مُخْتَصَرِ السَّعْدِ بِأَنْ يُثْبِتَ لِأَحَدِ الْجُزْأَيْنِ حُكْمَ الْجُزْءِ الْآخَرِ وَعَكْسَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ) أَيْ كَوْنُ مَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ، وَقَوْلُهُ فَهُوَ أَيْ مَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ (قَوْلُهُ إلَّا مِنْ حَيْثُ الْمُسَوِّغُ) أَيْ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ (قَوْلُهُ قُلْت هَذَا) أَيْ التَّخْصِيصُ الْمَذْكُورُ أَقُولُ يَبْعُدُ كُلَّ بُعْدٍ اسْتِرْوَاحُ هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامِ بِرُمَّتِهِمْ، ثُمَّ لَا يُنَاسِبُ مَقَامَ الشَّارِحِ نِسْبَتُهُمْ إلَى الْخَطَأِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ الْمِثَالَ الْمَذْكُورَ فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ مَعَ احْتِمَالِ عُذْرِ تَعَدُّدِ كِتَابِهِ أَوْ نُسَخِهِ أَوْ مَوْضِعِ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ وَتَصْرِيحِهِ فِي بَعْضِهَا بِاشْتِرَاطِ مَا ذَكَرُوهُ وَاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ وَقَوْلُهُ تَوَهَّمُوهُ أَيْ الرَّضِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَالْجَمْعُ نَظَرًا لِمَعْنَى مِنْ الْمَوْصُولَةِ (قَوْلُهُ مَا اشْتَرَطُوهُ) أَيْ مِنْ وُقُوعِ أَفْعَلَ جَزَاءً جُمْلَةٌ صِفَةٌ لِنَكِرَةٍ (قَوْلُهُ إنْ نَقَلَ هَؤُلَاءِ) أَيْ عُلَمَاءُ الْعَرَبِ (قَوْلَهُ عَلَى التَّقْيِيدِ) مَصْدَرٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ (قَوْلُهُ قُلْت؛ لِأَنَّ تَخْرِيجَهُ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ هَذَا الْمَعْنَى حَاصِلٌ مَعَ كَوْنِ الْمُحَرَّرِ هُوَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ قَالَهُ سم وَقَدْ يُمْنَعُ بِأَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ بِأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ جَعْلُ الْأَهَمِّ لِعَارِضِ الْمَقَامِ أَصْلًا مَحْكُومًا عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ مُسْنَدًا مَطْلُوبًا لِأَجْلِهِ (قَوْلُهُ اقْتَضَى ذَلِكَ) أَيْ اخْتِيَارُ الْعَكْسِ (قَوْلُهُ فَأَجَابَ إلَخْ) أَيْ الْمُصَنِّفُ (قَوْلُهُ فَاحْتِيجَ إلَيْهِ لِهَذِهِ الْأَتْقَنِيَّةِ) قَدْ يُقَالُ لَا حَاجَةَ فِي تَحْصِيلِ هَذَا الْمَعْنَى إلَى الْإِتْيَانِ بِصُورَةِ الْحَصْرِ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ الزِّيَادَةُ عَلَى كُلِّ مَا عَدَاهُ مِمَّا يُشَارِكُهُ فِي أَصْلِ الْمَعْنَى فَلَا يَتَصَوَّرُ مَعَهُ مُشَارِكٌ وَلَا أَبْلَغُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بَصْرِيٌّ.
(قَوْلُهُ الْمُهَذِّبُ الْمُنَقِّي) تَفْسِيرٌ لِلْمُحَرَّرِ بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ لَا بِالنَّظَرِ لِحَالِ الْعَلَمِيَّةِ رَشِيدِيٌّ (قَوْلُهُ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
وَفِي كَوْنِهِ لِلِاشْتِمَالِ أَنَّ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ يَحْتَاجُ إلَى ضَمِيرٍ فَالْوَجْهُ أَنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ إنْ لَمْ يُؤَوَّلُ التَّصْنِيفُ بِالْمُصَنَّفِ (قَوْلُهُ هِيَ مَا قَلَّ لَفْظُهَا) بَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ مَوْجُودٌ قَطْعًا، وَهُوَ مَا قَلَّ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ فَالْوَجْهُ تَفْسِيرُ الْمُخْتَصَرِ بِمَا يَشْمَلُهُ كَأَنْ يُقَالَ مَا قَلَّ لَفْظُهُ سَوَاءٌ كَثُرَ مَعْنَاهُ أَوْ لَا (قَوْلُهُ إذْ لَيْسَ فِي الْآيَةِ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ يَجْعَلُ الِاخْتِصَارَ حَذْفَ عَرْضَ الْكَلَامِ وَأَنَّ عَرْضَهُ هُوَ تَكْرِيرُهُ
(قَوْلُهُ مُسَوِّغٌ لِلِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَةِ) لَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِ أَتْقَنَ مُبْتَدَأً لِجَوَازِ كَوْنِهِ خَبَرًا وَالْمُبْتَدَأُ هُوَ الْمُحَرَّرُ بَلْ هُوَ الْمُتَبَادِرُ، وَأَيْضًا فَالْإِضَافَةُ مُسَوِّغَةٌ لِلِابْتِدَاءِ (قَوْلُهُ قُلْت لِأَنَّ تَخْرِيجَهُ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ هَذَا الْمَعْنَى حَاصِلٌ مَعَ كَوْنِ الْمُحَرَّرِ هُوَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ
وَلَا مَانِعَ مِنْ كَوْن الْوَصْفِ فِي الْأَصْل يُجْعَلُ عَلَمَ جِنْسٍ أَوْ شَخْصٍ أَوْ بِالْغَلَبَةِ، وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ بِأَنْ يُسَمَّى بِهِ أَشْيَاءُ ثُمَّ يَغْلِبُ عَلَى بَعْضِهَا وَتَسْمِيَتُهُ مُخْتَصَرًا لِقِلَّةِ لَفْظِهِ لَا لِكَوْنِهِ مُلَخَّصًا مِنْ كِتَابٍ بِعَيْنِهِ
(تَنْبِيهٌ) .
التَّحْقِيقُ أَنَّ أَسْمَاءَ الْكُتُبِ مِنْ حَيِّزِ عَلَمِ الْجِنْسِ لَا اسْمِهِ وَإِنْ صَحَّ اعْتِبَارُهُ وَلَا عَلَمُ الشَّخْصِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ وَإِنْ أُلِّفَ فِيهِ بِمَا يَحْتَاجُ رَدُّهُ إلَى بَسْطٍ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّهُ، وَأَنَّ أَسْمَاءَ الْعُلُومِ مِنْ حَيِّزِ عَلَمِ الشَّخْصِ (لِلْإِمَامِ) هُوَ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي الدِّينِ (أَبِي الْقَاسِمِ) إمَامِ الدِّينِ عَبْدِ الْكَرِيمِ قِيلَ وَهَذِهِ التَّكْنِيَةُ لَا تُوَافِقُ مَا صَحَّحَهُ مِنْ حُرْمَتِهَا مُطْلَقًا بَلْ مَا اخْتَارَهُ مِنْ تَخْصِيصِ الْمَنْعِ بِزَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ حُرْمَتِهَا فِيمَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ فَقَطْ اهـ وَيُرَدُّ بِأَنَّ مِنْ الْوَاضِحِ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ وَضْعُهَا أَوَّلًا، وَأَمَّا إذَا وُضِعَتْ لِإِنْسَانٍ وَاشْتَهَرَ بِهَا فَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَشْمَلُهُ وَلِلْحَاجَةِ كَمَا اغْتَفَرُوا التَّلْقِيبَ بِنَحْوِ الْأَعْمَشِ لِذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ وَيَرُدُّ الْأَخِيرَيْنِ الْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي «لَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي» لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ نَعَمْ صَحَّ خَبَرُ «مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِي فَلَا يَكْتَنِي بِكُنْيَتِي وَمَنْ اكْتَنَى بِكُنْيَتِي فَلَا يَتَسَمَّى بِاسْمِي» وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْأَخِيرِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ فَقُدِّمَ لِذَلِكَ.
ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ أَشَارَ لِذَلِكَ (الرَّافِعِيُّ) نِسْبَةً لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ الصَّحَابِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَمَا حُكِيَ عَنْ خَطِّ الرَّافِعِيِّ نَفْسِهِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِرَافِعَان بَلْدَةٌ مِنْ بِلَادِ قَزْوِينَ اعْتَرَضُوهُ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) نَظِيرُ مَا مَرَّ (ذِي) أَيْ صَاحِبٍ
[حاشية الشرواني]
وَلَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ الْأَصْلِيُّ وَهُوَ هُنَا عِلْمٌ لِلْكِتَابِ وَلَا مَانِعَ إلَخْ (قَوْلُهُ يُجْعَلُ عَلَمَ جِنْسٍ) أَيْ بِالْوَضْعِ فَقَوْلُهُ أَوْ بِالْغَلَبَةِ عُطِفَ عَلَى هَذَا الْمُقَدَّرِ (قَوْلُهُ وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ) أَيْ كَوْنُ الِاسْمِ عَلَمًا لِجِنْسٍ أَوْ شَخْصٍ بِالْوَضْعِ وَكَوْنُهُ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ، وَنَظَرَ فِيهِ الْبَصْرِيُّ بِمَا نَصُّهُ قَوْلُهُ وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ أَيْ الْعَلَمُ بِالْغَلَبَةِ مَعَ أَحَدِ الْأَوَّلَيْنِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْعَلَمِيَّةَ فِيمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ بِأَنْ يُسَمَّى إلَخْ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْوَضْعِ لَا مِنْ الْغَلَبَةِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ بِالْغَلَبَةِ هُنَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ لَا الْعُرْفِيُّ الْمُقْتَضِي سَبْقَ الْوَضْعِ لِمَفْهُومٍ كُلِّيٍّ (قَوْلُهُ بِأَنْ يُسَمَّى بِهِ أَشْيَاءُ) أَيْ أَجْنَاسٌ أَوْ أَشْخَاصٌ (قَوْلُهُ وَإِنَّ أَسْمَاءَ الْعُلُومِ مِنْ حَيِّزِ عَلَمِ الشَّخْصِ) وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ كُلًّا مِنْ أَسَامِي الْعُلُومِ وَأَسَامِي الْكُتُبِ مِنْ حَيِّزِ عَلَمِ الْجِنْسِ لِاتِّفَاقِ الْحُكَمَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ لِمُحَالِ الْإِعْرَاضِ مَدْخَلًا فِي تَشَخُّصِهَا، وَلِذَا لَمْ يُجَوِّزُوا انْتِقَالَهُ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ فَكَيْفَ يَكُونُ الصَّوْتُ الْقَائِمُ بِهَذَا الْهَوَاءِ وَاللَّوْنُ الْقَائِمُ بِهَذِهِ الْوَرَقَةِ وَالْمَعْلُومُ الْقَائِمُ بِهَذَا الذِّهْنِ عَيَّنَ الْقَائِمَ بِآخَرَ بِالشَّخْصِ كَالنَّبَوِيِّ وَفِي سم بَعْدَ ذِكْرِ نَحْوِهِ عَنْ الْفَوَائِدِ الْغِيَاثِيَّةِ مَا نَصُّهُ، ثُمَّ سَيَأْتِي أَوَّلَ كِتَابِ الطَّهَارَةِ تَفْسِيرُ الْكِتَابِ وَالْبَابِ وَالْفَصْلِ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْكُتُبِ بِجُمْلَةٍ مِنْ الْعِلْمِ فَمُسَمَّى الْكُتُبِ الْمَسَائِلُ كَالْعُلُومِ فَجَعْلُ أَسْمَاءِ الْعُلُومِ مِنْ حَيِّزِ عَلَمِ الشَّخْصِ وَأَسْمَاءِ الْكُتُبِ مِنْ حَيِّزِ عَلَمِ الْجِنْسِ تَحَكُّمٌ اهـ. (قَوْلُهُ قِيلَ) إلَى قَوْلِهِ وَيُرَدُّ بِأَنَّ فِي الْمُغْنِي وَإِلَى قَوْلِهِ وَيَرُدُّ الْأَخِيرَيْنِ فِي النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ وَهَذِهِ التَّكْنِيَةُ) أَيْ تَكْنِيَةُ الْمُصَنِّفِ لِلرَّافِعِيِّ بِأَبِي الْقَاسِمِ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي (قَوْلُهُ مَا صَحَّحَهُ) أَيْ الْمُصَنِّفُ مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ عَنْ الشَّافِعِيِّ (قَوْلُهُ مِنْ حُرْمَتِهَا مُطْلَقًا) أَيْ وَلَوْ لِغَيْرِ مَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ مُغْنِي وَنِهَايَةٌ (قَوْلُهُ وَيُرَدُّ) أَيْ الِاعْتِرَاضُ الْمَذْكُورُ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ إلَخْ (قَوْلُهُ فَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ) أَيْ التَّكْنِيَةُ (قَوْلُهُ إلَى ذَلِكَ) أَيْ إلَى أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إلَخْ (قَوْلُهُ وَيَرُدُّ الْأَخِيرَيْنِ إلَخْ) رَدُّ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ لِمُصَحِّحِ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ لِعَدَمِ مُنَافَاتِهِ لَهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بَصْرِيٌّ أَقُولُ الْمُنَافَاةُ ظَاهِرَةٌ إذْ النَّهْيُ الْآتِي شَامِلٌ لِمَنْ سُمِّيَ بِغَيْرِ مُحَمَّدٍ أَيْضًا (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُجَابَ إلَخْ) يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ أَصَحِّيَّةَ الْأَوَّلِ إنَّمَا تُوجِبُ تَقْدِيمَهُ إنْ لَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ وَهُوَ مُمْكِنٌ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى هَذَا عَلَى وَجْهِ التَّخْصِيصِ أَوْ التَّقْيِيدِ سم عِبَارَةُ الْبَصْرِيِّ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُعْدَلُ إلَى التَّرْجِيحِ إلَّا مَعَ عَدَمِ إمْكَانِ الْجَمْعِ وَهُوَ هُنَا مُتَأَتٍّ بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَفِيهِ أَعْمَالُهُمَا اهـ. (قَوْلُهُ نِسْبَةً) إلَى الْمَتْنِ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي (قَوْلُهُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي قَالَ فِي الدَّقَائِقِ هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى رَافِعَانِ بَلْدَةٍ مَعْرُوفَةٍ مِنْ بِلَادِ قَزْوِينَ وَاعْتَرَضَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ جَلَالُ الدِّينِ الْقَزْوِينِيُّ بِأَنَّهُ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
تَنْبِيهٌ التَّحْقِيقُ إلَخْ) فِي شَرْحِ الْفَوَائِدِ الْغِيَاثِيَّةِ لِشَيْخِنَا الشَّرِيفِ عِيسَى الصَّفَوِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّ أَسْمَاءَ الْعُلُومِ كَأَسْمَاءِ الْكُتُبِ أَعْلَامُ أَجْنَاسٍ عِنْدَ التَّحْقِيقِ وُضِعَتْ لِأَنْوَاعِ أَعْرَاضٍ تَتَعَدَّدُ أَفْرَادُهَا بِتَعَدُّدِ الْمَحَلِّ كَالْقَائِمِ بِزَيْدٍ وَبِعَمْرٍو، وَقَدْ تُجْعَلُ أَعْلَامَ أَشْخَاصٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُتَعَدِّدَ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ يُعَدُّ عُرْفًا وَاحِدًا وَهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إنْ لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً لِلْمَفْهُومِ الْإِجْمَالِيِّ كَمَا مَرَّ اهـ وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ الْمُحَقِّقَ قَالَ اسْمُ كُلِّ عِلْمٍ مَوْضُوعٌ بِإِزَاءِ مَفْهُومٍ إجْمَالِيٍّ هُوَ حَدُّهُ الِاسْمِيُّ اهـ وَلِلسُّبْكِيِّ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ وَإِنَّ أَسْمَاءَ الْعُلُومِ إلَخْ) سَيَأْتِي أَوَّلَ كِتَابِ الطَّهَارَةِ تَفْسِيرُ الْكِتَابِ وَالْبَابِ وَالْفَصْلِ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْكُتُبِ بِجُمْلَةٍ مِنْ الْعِلْمِ فَمُسَمَّى الْكُتُبِ الْمَسَائِلُ كَالْعُلُومِ فَجَعْلُ أَسْمَاءِ الْعُلُومِ مِنْ حَيِّزِ عِلْمِ الشَّخْصِ وَأَسْمَاءِ الْكُتُبِ مِنْ حَيِّزِ عِلْمِ الْجِنْسِ تَحَكُّمٌ 1 - (قَوْلُهُ وَيَرُدُّ الْأَخِيرَيْنِ الْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ) وَمِمَّا يُؤَيِّدُ الْمَذْهَبَ مَا فِي الْخَصَائِصِ لِلسُّيُوطِيِّ مِمَّا نَصُّهُ وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ وَقَعَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ فَقَالَ لَهُ لَا كَجُرْأَتِك عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُمِّيت بِاسْمِهِ وَكُنِّيت بِكُنْيَتِهِ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَجْمَعَهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ بَعْدَهُ فَدَعَا عَلِيٌّ بِنَفَرٍ فَقَالُوا نَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إنَّهُ سَيُولَدُ لَك بَعْدِي غُلَامٌ فَقَدْ نَحَلْته اسْمِي وَكُنْيَتِي وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِي بَعْدَهُ اهـ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الِاخْتِصَاصِ بِزَمَنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَكِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْعَ مُخْتَصٌّ بِجَمْعِ الِاسْمِ مَعَ الْكُنْيَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُجَابَ إلَخْ) يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ أَصِحِّيَّةَ الْأَوَّلِ إنَّمَا تُوجِبُ تَقْدِيمَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ الْجَمْعُ وَهُوَ مُمْكِنٌ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهِ التَّخْصِيصِ أَوْ
وَآثَرَهَا عَلَى صَاحِبٍ لِاقْتِضَائِهَا تَعْظِيمَ الْمُضَافِ إلَيْهَا وَالْمَوْصُوفِ بِهَا بِخِلَافِهِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ مَدْحِ يُونُسَ ﴿وَذَا النُّونِ﴾ [الأنبياء: 87] وَالنَّهْيُ عَنْ اتِّبَاعِهِ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إذْ النُّونُ لِكَوْنِهِ جُعِلَ فَاتِحَةَ سُورَةٍ أَفْخَمُ وَأَشْرَفُ مِنْ لَفْظِ الْحُوتِ، وَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ صِحَّةُ إضَافَتِهَا لِلْمَعْرِفَةِ بِمَا فِيهِ (التَّحْقِيقَاتُ) فِي الْعِلْمِ جَمْعُ تَحْقِيقَةٍ وَهِيَ الْمَرَّةُ مِنْ التَّحْقِيقِ وَهُوَ إثْبَاتُ الْمَسْأَلَةِ بِدَلِيلِهَا أَوْ عِلَّتِهَا مَعَ رَدِّ قَوَادِحِهَا وَحَقِيقَةُ الشَّيْءِ وَمَاهِيَّتُهُ مَا بِهِ الشَّيْءُ هُوَ هُوَ كَالْحَيَوَانِ النَّاطِقِ لِلْإِنْسَانِ، وَقَدْ يَفْتَرِقَانِ اعْتِبَارًا وَكَوْنُ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ مَاهِيَّةً حَقِيقِيَّةً جَعْلِيَّةً خَارِجِيَّةً هُوَ الصَّوَابُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَاهِيَّةَ بِجَعْلِ الْجَاعِلِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَعَلَى أَنَّهَا لَا بِشَرْطِ شَيْءٍ مَوْجُودٍ خَارِجًا كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ.
[حاشية الشرواني]
لَا يُعْرَفُ بِبِلَادِ قَزْوِينَ بَلْدَةٌ يُقَالُ لَهَا رَافِعَانِ بَلْ هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى جَدٍّ مِنْ أَجْدَادِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَآثَرَهَا) أَيْ لَفْظَةَ ذِي عَلَى صَاحِبٍ سم (قَوْلُهُ تَعْظِيمُ الْمُضَافِ إلَيْهَا) يَعْنِي مَا تُضَافُ هِيَ إلَيْهِ (قَوْلُهُ وَالنَّهْيِ) عُطِفَ عَلَى مَدْحٍ سم (قَوْلُهُ ذَا النُّونِ إلَخْ) هَذَا تَعْلِيلٌ لِاسْتِدْعَاءِ ذِي لِتَعْظِيمِ الْمُضَافِ إلَيْهَا، وَأَمَّا اسْتِدْعَاؤُهَا لِتَعْظِيمِ الْمَوْصُوفِ بِهَا فَظَاهِرٌ مِنْ كَوْنِ الْأَوَّلِ فِي الْمَدْحِ وَالثَّانِي فِي النَّهْيِ.
(قَوْلُهُ وَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ إلَخْ) أَيْ فِي شَرْحِ وَيَحْرُمُ عَلَى ذِي الْجُمُعَةِ التَّشَاغُلُ بِالْبَيْعِ إلَخْ، وَيَأْتِي بِهَامِشِهِ رَدُّهُ سم (قَوْلُهُ مَعَ رَدِّ قَوَادِحِهِمَا) أَيْ قَوَادِحِ الدَّلِيلِ الْمُبَيَّنَةِ فِي عِلْمِ الْمُنَاظَرَةِ وَقَوَادِحِ الْعِلَّةِ الْمُبَيَّنَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ (قَوْلُهُ وَحَقِيقَةُ الشَّيْءِ إلَخْ) اسْتِطْرَادِيٌّ لِمُجَرَّدِ مُشَارَكَتِهِ لِلْحَقِيقَةِ فِي الْمَادَّةِ (قَوْلُهُ وَقَدْ يَفْتَرِقَانِ) الْأَوْلَى التَّأْنِيثُ (قَوْلُهُ اعْتِبَارُ) عِبَارَةِ السَّعْدِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ مَا بِهِ الشَّيْءُ هُوَ هُوَ بِاعْتِبَارِ تَحَقُّقِهِ حَقِيقَةً وَبِاعْتِبَارِ تَشَخُّصِهِ هَوِيَّةً اهـ وَعِبَارَةُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْلَمْ أَنَّ الصُّورَةَ فِي الْعَقْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُقْصَدُ بِاللَّفْظِ تُسَمَّى مَعْنًى وَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَحْصُلُ مِنْ اللَّفْظِ تُسَمَّى مَفْهُومًا وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَقُولٌ فِي جَوَابِ مَا هُوَ تُسَمَّى مَاهِيَّةً وَمِنْ حَيْثُ ثُبُوتُهُ فِي الْخَارِجِ تُسَمَّى حَقِيقَةً، وَمِنْ حَيْثُ امْتِيَازُهُ عَنْ الْأَغْيَارِ تُسَمَّى هُوِيَّةً فَالذَّاتُ وَاحِدَةٌ وَاخْتِلَافُ الْعِبَارَاتِ بِاخْتِلَافِ الِاعْتِبَارَاتِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَكَوْنُ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ مَاهِيَّةً إلَخْ) لَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ تَحْرِيرُ مَعْنَى جَعْلِيَّةِ الْمَاهِيَّاتِ بَلْ يُوهِمُ أَنَّهَا فِي نَفْسِهَا جَعْلِيَّةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ لَخَصَّهُ الْكَمَالُ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ سم عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَوَاقِفِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْمَاهِيَّةُ لَيْسَتْ مَجْعُولَةً أَنَّهَا فِي حَدِّ أَنْفُسِهَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا جَعْلُ جَاعِلٍ وَتَأْثِيرُ مُؤَثِّرٍ، فَإِنَّك إذَا لَاحَظْت مَاهِيَّةَ السَّوَادِ، وَلَمْ تُلَاحِظْ مَعَهَا مَفْهُومًا سِوَاهَا لَمْ يُعْقَلْ هُنَاكَ جَعْلُ إذْ لَا مُغَايَرَةَ بَيْنَ الْمَاهِيَّةِ وَنَفْسِهَا حَتَّى يُتَصَوَّرَ تَوَسُّطُ جَعْلٍ بَيْنَهُمَا فَتَكُونُ إحْدَاهُمَا مَجْعُولَةً تِلْكَ الْأُخْرَى.
وَكَذَا لَا يُتَصَوَّرُ تَأْثِيرُ الْفَاعِلِ فِي الْوُجُودِ بِمَعْنَى جَعْلِ الْوُجُودِ وُجُودًا بَلْ تَأْثِيرُهُ فِي الْمَاهِيَّةِ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجْعَلُهَا مُتَّصِفَةً بِالْوُجُودِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجْعَلُ اتِّصَافَهَا مَوْجُودًا مُتَحَقِّقًا فِي الْخَارِجِ فَإِنَّ الصَّبَّاغَ إذَا صَبَغَ ثَوْبًا لَا يُجْعَلُ الثَّوْبُ ثَوْبًا وَلَا الصَّبْغُ صَبْغًا بَلْ يُجْعَلُ الثَّوْبُ مُتَّصِفًا بِالصَّبْغِ فِي الْخَارِجِ، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ اتِّصَافُهُ بِهِ مَوْجُودًا ثَابِتًا فِي الْخَارِجِ فَلَيْسَتْ الْمَاهِيَّاتُ فِي أَنْفُسِهَا مَجْعُولَةً وَلَا وُجُودَاتُهَا أَيْضًا فِي أَنْفُسِهَا مَجْعُولَةً بَلْ الْمَاهِيَّاتُ فِي كَوْنِهَا مَوْجُودَةً مَجْعُولَةً يَعْنِي أَنَّهَا بِالنَّظَرِ إلَى اتِّصَافِهَا بِالْوُجُودِ مَجْعُولَةً، وَهَذَا الْمَعْنَى مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنَازَعَ فِيهِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ نَفْيِ الْمَجْعُولِيَّةِ عَنْ الْمَاهِيَّاتِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَبَيْنَ إثْبَاتِهَا لَهَا بِمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا أَنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا يُتَوَهَّمُ بُطْلَانُهُ فَالْقَوْلُ بِنَفْيِ الْمَجْعُولِيَّةِ مُطْلَقًا وَبِإِثْبَاتِهَا مُطْلَقًا كِلَاهُمَا صَحِيحٌ إذَا حُمِلَا عَلَى مَا صَوَّرْنَاهُ اهـ.
أَيْ لِعَدَمِ تَوَارُدِهِمَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ وَعَلَى أَنَّهَا لَا بِشَرْطِ شَيْءٍ مَوْجُودٌ خَارِجًا إلَخْ) هَذَا خِلَافُ التَّحْقِيقِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ وَغَيْرِهِ عِبَارَةُ الْبُرْهَانِ لِلْفَاضِلِ الْكَلَنْبَوِيِّ وَلَا شَيْءَ مِنْ هَذِهِ الْكُلِّيَّاتِ أَيْ الْمَنْطِقِيِّ وَالْعَقْلِيِّ وَالطَّبِيعِيِّ بِمَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ لِاسْتِحَالَةِ الْوُجُودِ بِدُونِ التَّشَخُّصِ بِدَاهِيَةٍ، وَإِنْ ذَهَبَ الْبَعْضُ إلَى وُجُودِ الْمَنْطِقِيِّ وَالْعَقْلِيِّ وَالْكَثِيرِ إلَى وُجُودِ الطَّبِيعِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَيْ الطَّبِيعِيَّ جَزْءُ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ وَهُوَ الْفَرْدُ الْمُرَكَّبُ مِنْهُ وَمِنْ الْمُشَخِّصَاتِ كَزَيْدٍ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْإِنْسَانِ وَالْمُشَخِّصَاتِ لَكِنَّهُ أَيْ الطَّبِيعِيَّ جَزْءٌ عَقْلِيٌّ مِنْ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ لَا جَزْءٌ خَارِجِيٌّ مِنْهُ فِي مَذْهَبِ التَّحْقِيقِ فَالْحَقُّ أَنَّ وُجُودَهُ أَيْ الطَّبِيعِيِّ عِبَارَةٌ عَنْ وُجُودِ أَفْرَادِهِ وَأَشْخَاصِهِ لَا أَنَّ نَفْسَهُ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
التَّقْيِيدِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَآثَرَهَا) أَيْ عَلَى صَاحِبٍ وَقَوْلُهُ وَالنَّهْيُ أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَدْحٍ (قَوْلُهُ وَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ صِحَّةُ إضَافَتِهَا لِلْمَعْرِفَةِ بِمَا فِيهِ) أَيْ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْجُمُعَةِ وَيَحْرُمُ عَلَى ذِي الْجُمُعَةِ التَّشَاغُلُ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَعِبَارَتُهُ هُنَاكَ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ أَضَافَ ذِي بِمَعْنَى صَاحِبٍ إلَى مَعْرِفَةٍ قُلْنَا أَلْ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ أَوْ الْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي مَعْنَى النَّكِرَةِ فَصَحَّتْ الْإِضَافَةُ لِذَلِكَ إلَخْ اهـ وَقَدْ بَيَّنَّا بِهَامِشِهِ هُنَاكَ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ وَهْمٌ فَقَدْ قَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ مَا نَصُّهُ، وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِاسْمِ الْجِنْسِ أَيْ فِي قَوْلِهِمْ أَنَّ ذُو لَا تُضَافُ إلَّا لِاسْمِ الْجِنْسِ النَّكِرَةِ فَاسْتُشْكِلَ سَبَبُ هَذَا الْوَهْمِ الْفَاسِدِ مَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ «أَنْ تَصِلَ ذَا رَحِمِك» وَغَابَ عَنْهُ مَوَاضِعُ فِي التَّنْزِيلِ ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: 105] ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: 15] ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: 3] ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27] اهـ أَيْ بَلْ الْمُرَادُ بِاسْمِ الْجِنْسِ مَا يُقَابِلُ الصِّفَةَ 1 - (قَوْلُهُ وَحَقِيقَةُ الشَّيْءِ وَمَاهِيَّتُهُ إلَخْ) لَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ تَحْرِيرُ مَعْنَى
وَالتَّدْقِيقُ إثْبَاتُ الدَّلِيلِ بِدَلِيلٍ آخَرَ فَإِنْ قُلْت جَمْعُ السَّلَامَةِ لِلْقِلَّةِ بِاتِّفَاقِ النُّحَاةِ وَمَدْلُولُ جُمُوعِ الْقِلَّةِ الْعَشَرَةُ فَمَا دُونَهَا وَلَا مَدْحَ فِي ذَلِكَ.
قُلْت أَلْ فِي مِثْلِ هَذَا تُفِيدُ الْعُمُومَ إذْ الْأَصَحُّ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أَوْ الْإِضَافَةِ لِلْعُمُومِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَمَا ذُكِرَ عَنْ النُّحَاةِ، إمَّا لِأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي جَمْعِ السَّلَامَةِ الْمُنَكَّرِ وَكَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ فِي الْمُعَرَّفِ كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ مُفِيدَ الْعُمُومِ كَأَلْ لَمَّا دَخَلَ عَلَى الْجَمْعِ فَإِنْ قُلْنَا بِمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ إنَّ أَفْرَادَهُ الَّتِي عَمَّهَا وِحْدَانٌ فَقَدْ ذَهَبَ اعْتِبَارُ الْجَمْعِيَّةِ مِنْ أَصْلِهَا الْمُسْتَلْزِمِ لِلنَّظَرِ إلَى كَوْنِ آحَادِهِ عَشَرَةً فَأَقَلَّ، وَإِنْ قُلْنَا بِمَا عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ إنَّ أَفْرَادَهُ جُمُوعٌ فَلَا تَنَافِي بَيْنَ اسْتِغْرَاقِ كُلِّ جَمْعٍ جُمِعَ وَكَوْنِ تِلْكَ الْجُمُوعِ لِكُلِّ جَمْعٍ مِنْهَا عَدَدٌ مُعَيَّنٌ، وَأَمَّا لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ وَضْعِ جَمْعِ السَّلَامَةِ لِلْقِلَّةِ وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعُمُومِ لِعُرْفٍ أَوْ شَرْعٍ فَنَظَرُ النُّحَاةِ لِأَصْلِ الْوَضْعِ وَالْأُصُولِيِّينَ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ عَنْ نَيِّفٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَلَهُ كَرَامَاتٌ مِنْهَا أَنَّ شَجَرَةَ عِنَبٍ أَضَاءَتْ لَهُ لِفَقْدِ مَا يُسْرِجُهُ وَقْتَ التَّصْنِيفِ، وَوُلِدَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِنَحْوِ سَبْعِ سِنِينَ بِنَوَى مِنْ قُرَى دِمَشْقَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ عَنْ نَحْوِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَذَكَرَ تِلْمِيذُهُ الْإِمَامُ ابْنُ الْعَطَّارِ أَنَّ بَعْضَ الصَّالِحِينَ رَأَى أَنَّهُ قُطْبٌ، وَأَنَّ الشَّيْخَ كَاشَفَهُ بِذَلِكَ وَاسْتَكْتَمَهُ وَكَشَفَ لِبَعْضِ الصَّالِحِينَ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ حَظٌّ وَافِرٌ مِنْ تَجَلِّي اللَّهِ عَلَيْهِ بِرِضَاهُ وَعَطْفِهِ فَسَأَلَ اللَّهَ عَوْدَ بَعْضِهِ عَلَى كُتُبِهِ فَعَادَ فَعَمَّ النَّفْعُ بِهَا شَرْقًا وَغَرْبًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ
(وَهُوَ) أَيْ الْمُحَرَّرُ وَمَدْحُهُ بِمَا يَأْتِي مَدْحٌ لِكِتَابِهِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ مَعَ مَا تَمَيَّزَ بِهِ، وَلَيْسَ مَدْحُ الْأَئِمَّةِ لِكُتُبِهِمْ فَخْرًا بَلْ هُوَ حَثٌّ عَلَى تَحَرِّي الْأَوْلَى وَالْأَكْمَلِ مُبَالَغَةً فِي النُّصْحِ لِلْمُسْلِمِينَ (كَثِيرُ الْفَوَائِدِ) الَّتِي ابْتَدَعَهَا مُؤَلِّفُهُ وَلَمْ يَعْثُرْ عَلَيْهَا مَنْ قَبْلَهُ جَمْعُ فَائِدَةٍ وَهِيَ مَا يُرْغَبُ فِي اسْتِفَادَتِهِ
[حاشية الشرواني]
مَعَ كَوْنِهِ مَعْرُوضًا لِقَابِلِيَّةِ التَّكَثُّرِ مَوْجُودٌ فِيهِ أَيْ فِي الْخَارِجِ، وَلِذَا جَعَلُوا الْكُلِّيَّةَ وَأَقْسَامَهَا مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ لَا مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ، وَأَمَّا الْكُلِّيُّ الْمَنْطِقِيُّ وَالْعَقْلِيُّ فَكَمَا لَا وُجُودَ لِأَنْفُسِهِمَا فِي الْخَارِجِ لَا وُجُودَ لِإِفْرَادِهِمَا فِيهِ اهـ.
زَادَ عَلَيْهَا الرُّشْدِيُّ مَا نَصُّهُ، وَقَالَ الْإِمَامُ الْبِرْكَوِيُّ فِي الْإِمْعَانِ وُجُودُ الْكُلِّيِّ الطَّبِيعِيِّ فِي الْأَشْخَاصِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ جُزْئِيٍّ مَعْنًى كُلِّيٌّ حَاصِلٌ فِي الْعَقْلِ بِتَجْرِيدِهِ عَنْ الْمُشَخِّصَاتِ إذْ الْكُلِّيُّ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ إذْ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ مَوْجُودًا فِي أَمْكِنَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَذَلِكَ بَيِّنُ الِاسْتِحَالَةِ وَإِنْ قَالَ أَكْثَرُ النَّاسِ إنَّهُ مَوْجُودٌ فِي ضِمْنِ الْأَشْخَاصِ؛ لِأَنَّهُ جَزْءٌ مِنْهَا اهـ وَعِبَارَةُ تَهْذِيبِ السَّعْدِ وَتُؤْخَذُ بِشَرْطِ شَيْءٍ، وَتُسَمَّى مَخْلُوطَةً وَلَا خَفَاءَ فِي وُجُودِهَا وَبِشَرْطِ لَا شَيْءَ تُسَمَّى مُجَرَّدَةً وَلَا تُوجَدُ فِي الْأَذْهَانِ فَضْلًا عَنْ الْأَعْيَانِ وَلَا بِشَرْطِ شَيْءٍ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَخْلُوطَةِ فَتُوجَدُ لِكَوْنِهَا نَفْسَهَا فِي الْخَارِجِ لَا جُزْءًا مِنْهَا لِعَدَمِ التَّمَايُزِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْعَقْلِ اهـ.
وَقَالَ مُحَشِّيهِ عَبْدُ اللَّهِ الْيَزْدِيُّ الْمَاهِيَّةُ لَهَا اعْتِبَارَاتٌ ثَلَاثَةٌ أَوَّلُهَا أَنَّهَا تُؤْخَذُ مَعَ شَيْءٍ مِنْ الْعَوَارِضِ وَحِينَئِذٍ تُسَمَّى تِلْكَ الْمَاهِيَّةُ مَاهِيَّةً مَخْلُوطَةً وَمَاهِيَّةً بِشَرْطِ شَيْءٍ، وَلَا خَفَاءَ فِي وُجُودِهَا وَثَانِيهَا أَنَّهَا تُؤْخَذُ بِشَرْطِ الْخُلُوِّ عَنْ جَمِيعِ اللَّوَاحِقِ، وَهَذِهِ تُسَمَّى مَاهِيَّةً مُجَرَّدَةً وَمَاهِيَّةً بِشَرْطٍ لَا شَيْءَ، وَهَذِهِ لَا تُوجَدُ فِي الْأَذْهَانِ فَضْلًا عَنْ الْأَعْيَانِ، وَثَالِثُهَا أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْغَيْرِ إثْبَاتًا وَنَفْيًا وَهَذِهِ تُسَمَّى مَاهِيَّةً مُطْلَقَةً وَمَاهِيَّةً لَا بِشَرْطِ شَيْءٍ وَالْأَوَّلِيَّانِ نَوْعَانِ مِنْ الثَّالِثَةِ فَهِيَ أَعَمُّ مِنْهُمَا وَمَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ أَمَّا عِنْدَ النَّافِي لِوُجُودِ الطَّبَائِعِ فَوُجُودُهَا بِوُجُودِ الْمَاهِيَّةِ الْمَخْلُوطَةِ كَوُجُودِ الْكُلِّيَّاتِ بِوُجُودِ الْأَشْخَاصِ وَعِنْدَ الْقَائِلِ بِوُجُودِهَا هِيَ مَوْجُودَةٌ بِنَفْسِهَا بِوُجُودِ مُغَايِرٍ كَالْجِسْمِ الْأَبْيَضِ الْمَوْجُودِ بِوُجُودٍ غَيْرِ وُجُودِ الْبَيَاضِ وَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ الْأَوَّلَ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لَا جَزَّأَ مِنْهَا إلَى حُجَّةِ الْمُخَالِفِينَ، وَرَدَّهَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا الْمَاهِيَّةُ لَا بِشَرْطِ شَيْءٍ مَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهَا جَزْءُ الْمَخْلُوطَةِ الْمَوْجُودَةِ فِيهِ وَجُزْءُ الْمَوْجُودِ مَوْجُودٌ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ جُزْءًا خَارِجِيًّا لِعَدَمِ التَّمَايُزِ بَلْ جَزْءٌ عَقْلِيٌّ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الْخَارِج اهـ بِاخْتِصَارٍ.
(قَوْلُهُ وَالتَّدْقِيقُ إلَخْ) زَادَ الْمُغْنِي وَالتَّعْبِيرُ عَنْهَا بِفَائِقِ الْعِبَارَةِ الْحُلْوَةِ تَرْقِيقٌ وَبِمُرَاعَاةِ عِلْمِ الْمَعَانِي وَالْبَدِيعِ تَنْمِيقٌ وَالسَّلَامَةُ فِيهَا مِنْ اعْتِرَاضِ الشَّرْعِ تَوْفِيقٌ اهـ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ قُلْت) إلَى قَوْلِهِ إذْ الْأَصَحُّ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي (قَوْلُهُ وَلَا مَدْحَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ بِجَمْعِ الْقِلَّةِ فَلَوْ عُدِلَ إلَى جَمْعِ الْكَثْرَةِ لَكَانَ أَنْسَبَ نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ إنَّ الْجَمْعَ الْمَعْرُوفَ إلَخْ) أَيْ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ بَيْنَ هَذَا) أَيْ الْأَصَحِّ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ فِي جَمْعِ السَّلَامَةِ) الْأَوْلَى فِي جَمْعِ الْقِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ لِمَا دَخَلَ) الْأَوْلَى إذَا دَخَلَ إلَخْ (قَوْلُهُ وُحْدَانٌ) بِضَمِّ الْوَاوِ أَيْ آحَادٌ كَالْمُفْرَدِ الْعَامِّ (قَوْلُهُ الْمُسْتَلْزِمُ إلَخْ) صِفَةٌ لِاعْتِبَارِ إلَخْ (قَوْلُهُ لِكُلِّ جَمْعٍ مِنْهَا) حَاجَةٌ إلَى جَمْعٍ (قَوْلُهُ فَنَظَرَ النُّحَاةُ) فِعْلٌ وَفَاعِلٌ (قَوْلُهُ وَأَمَّا لِأَنَّهُ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ أَمَّا؛ لِأَنَّ إلَخْ (قَوْلُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ وَضْعِ جَمْعِ السَّلَامَةِ) أَيْ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ) أَيْ إذَا عُرِفَ فَفِي كَلَامِهِ اسْتِخْدَامٌ (قَوْلُهُ وَتُوُفِّيَ) إلَى قَوْلِهِ وَوَلَدُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي (قَوْلُهُ عَنْ نَيِّفٍ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَضَاءَتْ لَهُ الْكُرُومُ وَحُكِيَ أَنَّ شَجَرَةً أَضَاءَتْ عَلَيْهِ لَمَّا فَقَدَ عِنْدَ التَّصْنِيفِ مَا يُسْرِجُهُ عَلَيْهِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَوَلَدُ الْمُصَنِّفِ إلَخْ) ذَكَرَ الْمُغْنِي طَرَفًا مِنْ أَحْوَالِ الْمُصَنِّفِ قُبَيْلَ كِتَابِ الطَّهَارَةِ فَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ إنَّهُ قُطْبٌ) أَيْ الْمُصَنِّفُ (قَوْلُهُ وَأَنَّ الشَّيْخَ) أَيْ الْمُصَنِّفَ عُطِفَ عَلَى أَنَّ بَعْضَ إلَخْ (قَوْلُهُ كَاشَفَهُ بِذَلِكَ) أَيْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ أَيْ بِعِلْمِهِ بِقُطْبِيَّتِهِ فِي الْقَامُوسِ كَاشَفَهُ بِالْعَدَاوَةِ بِإِدَامِهَا اهـ
(قَوْلُهُ الَّتِي ابْتَدَعَهَا إلَخْ) فِي كَوْنِ مَا فِي الْمُحَرَّرِ كَذَلِكَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ سم (قَوْلُهُ مَا يَرْغَبُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
جَعْلِيَّةِ الْمَاهِيَّاتِ بَلْ يُوهِمُ أَنَّهَا فِي نَفْسِهَا جَعْلِيَّةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ لَخَصَّهُ الْكَمَالُ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ
(قَوْلُهُ الَّتِي ابْتَدَعَهَا إلَخْ) فِي كَوْنِ مَا فِي الْمُحَرَّرِ وَكَذَلِكَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ
مِنْ الْفُؤَادِ؛ لِأَنَّهَا تُعْقَلُ بِهِ فَتَرِدُ عَلَيْهِ اسْتِفَادَةً، وَمِنْهُ إفَادَةٌ وَعُرِّفَتْ بِكُلِّ نَافِعٍ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ مِنْ فَادَ أَتَى بِنَفْعٍ (عُمْدَةٌ فِي تَحْقِيقِ الْمَذْهَبِ) أَيْ بَيَانِ الرَّاجِحِ وَإِيضَاحِ الْمُشْتَبَهِ مِنْهُ، وَأَصْلُهُ مَكَانُ الذَّهَابِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِمَا يُذْهَبُ إلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ تَشْبِيهًا لِلْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الرَّاجِحِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ الْمَذْهَبُ فِي الْمَسْأَلَةِ كَذَا (مُعْتَمَدٌ) تَرَقٍّ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ عُمْدَةٍ فَهُوَ مُغْنٍ عَنْهُ لَوْلَا غَرَضُ الْإِطْنَابِ فِي الْمَدْحِ (لِلْمُفْتِي) أَيْ الْمُجِيبِ فِي الْحَوَادِثِ بِمَا يَسْتَنْبِطُهُ أَوْ يُرَجِّحُهُ وَلِحُدُوثِ جَوَابِهِ وَقُوَّتِهِ شُبِّهَ بِالْفَتَى فِي السِّنِّ مِنْ فَتِيَ يَفْتَى كَعَلِمَ يَعْلَمُ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لَهُ لَفْظَا الْفَتْوَى بِالْفَتْحِ أَوْ الْفُتْيَا بِالضَّمِّ (وَغَيْرِهِ) وَهُوَ الْمُسْتَفِيدُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِإِفَادَةِ غَيْرِهِ (مِنْ) بَيَانِيَّةٌ (أَوْلَى) أَصْحَابُ (الرَّغَبَاتِ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ جَمْعُ رَغْبَةٍ بِسُكُونِهَا وَهِيَ الِانْهِمَاكُ عَلَى الْخَيْرِ طَلَبًا لِحِيَازَةِ مَعَالِيهِ.
(تَنْبِيهٌ)
مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ مِنْ جَوَازِ النَّقْلِ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ وَنِسْبَةِ مَا فِيهَا لِمُؤَلِّفِيهَا
[حاشية الشرواني]
عِلْمٍ أَوْ مَالٍ اهـ.
(قَوْلُهُ مِنْ الْفُؤَادِ) أَيْ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفُؤَادِ وَهُوَ الْقَلْبُ (قَوْلُهُ وَمِنْهُ) ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلَيْهِ سم قَوْلُ الْمَتْنِ (عُمْدَةٌ) خَبَرٌ ثَانٍ عَمِيرَةُ أَيْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مُغْنِي (قَوْلُهُ أَيْ بَيَانُ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِلْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ مَعًا عَلَى الثَّانِي (قَوْلُهُ وَإِيضَاحُ الْمُشْتَبَهِ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا (قَوْلُهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَذْهَبِ تَنَازَعَ فِيهِ الرَّاجِحُ وَالْمُشْتَبَهُ (قَوْلُهُ وَأَصْلُهُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْبُجَيْرِمِيِّ وَالْمَذْهَبُ لُغَةً مَكَانُ الذَّهَابِ وَهُوَ الطَّرِيقُ وَاصْطِلَاحًا الْأَحْكَامُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا الْمَسَائِلُ شُبِّهَتْ بِمَكَانِ الذَّهَابِ بِجَامِعِ أَنَّ الطَّرِيقَ يُوَصِّلُ إلَى الْمَعَاشِ، وَتِلْكَ الْأَحْكَامُ تُوَصِّلُ إلَى الْمَعَادِ أَوْ بِجَامِعِ أَنَّ الْأَجْسَامَ تَتَرَدَّدُ فِي الطَّرِيقِ، وَالْأَفْكَارُ تَتَرَدَّدُ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَيْهَا الْمَذْهَبُ اسْتِعَارَةً مُصَرَّحَةً وَهَلْ هِيَ أَصْلِيَّةٌ أَوْ تَبَعِيَّةٌ قَوْلَانِ الْأَرْجَحُ مِنْهُمَا الثَّانِي اهـ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ اُسْتُعِيرَ إلَخْ) أَيْ اسْتِعَارَةً تَصْرِيحِيَّةً تَبَعِيَّةً بِأَنْ شُبِّهَ اخْتِيَارُ الْأَحْكَامِ بِمَعْنَى الذَّهَابِ وَاسْتُعِيرَ الذَّهَابُ لِاخْتِيَارِ الْأَحْكَامِ، وَاشْتُقَّ مِنْهُ مَذْهَبٌ بِمَعْنَى أَحْكَامٍ مُخْتَارَةٍ، ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً شَيْخُنَا وَبُجَيْرِمِيٌّ (قَوْلُهُ وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُغَلَّبِ قَوْلُ الْمَتْنِ مُعْتَمَدٌ خَبَرٌ ثَالِثٌ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ تَرَقٍّ) أَيْ هَذَا تَرَقٍّ فِي الْمَدْحِ كُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ فَهُوَ مُغْنٍ عَنْهُ) قَدْ يَمْنَعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا أَفَادَهُ الْأَوَّلُ مِنْ أَنَّ عَمْدِيَّتَهُ فِي تَحْقِيقِ خُصُوصِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ الثَّانِي، بَلْ الثَّانِي أَعَمُّ كَمَا أَنَّ مَا فِي الثَّانِي مِنْ التَّفْصِيلِ لَيْسَ فِي الْأَوَّلِ فَلْيُتَأَمَّلْ سم وَفِيهِ نَظَرٌ قَوْلُ الْمَتْنِ (لِلْمُفْتِي) بِسُكُونِ الْيَاءِ كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا مَعَ كَسْرِهَا عَلَى أَنَّهُ نِسْبَةٌ إلَى السَّاكِنِ الْيَاءِ نِسْبَةَ الْجُزْئِيِّ إلَى الْكُلِّ، ثُمَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْمُحَرَّرِ مُعْتَمَدًا لِلْمُفْتِي إلَّا أَنَّ الْمُفْتِيَ يُجِيبُ بِمَا فِيهِ، وَيَسْتَنِدُ فِي جَوَابِهِ لِتَقْرِيرِهِ وَتَرْجِيحِهِ فَكَيْفَ يُقَيَّدُ الْمُفْتِي بِقَوْلِهِ بِمَا يَسْتَنْبِطُهُ أَوْ يُرَجِّحُهُ؛ لِأَنَّ مَنْ أَجَابَ بِمَا يَسْتَنْبِطُهُ أَوْ يُرَجِّحُهُ لَمْ يَعْتَمِدْ فِي جَوَابِهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ فَلْيُتَأَمَّلْ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ مَنْ هَذَا شَأْنُهُ يُتْرَكُ شَأْنُهُ وَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَفِيهِ نَظَرٌ سم، وَقَدْ يُقَالُ الْقَصْدُ بِاعْتِمَادِهِ عَلَيْهِ جَعْلُهُ أَصْلًا لِاسْتِنْبَاطِهِ وَتَرْجِيحِهِ بَصْرِيٌّ.
(قَوْلُهُ بِمَا يَسْتَنْبِطُهُ إلَخْ) بَقِيَ مَا لَا اسْتِنْبَاطَ فِيهِ وَلَا تَرْجِيحَ بَلْ هُوَ نَقْلٌ مَحْضٌ فَقَضِيَّتُهُ خُرُوجُ الْمُجِيبِ بِهِ عَنْ الْمُفْتِي سم أَيْ فَهَذَا التَّعْرِيفُ غَيْرُ جَامِعٍ (قَوْلُهُ شَبَّهَ) أَيْ جَوَابَهُ بِدَلِيلِ، ثُمَّ اُسْتُعِيرَ إلَخْ سم (قَوْلُهُ بِالْفَتَى) كَالْعَصَا الشَّابُّ (قَوْلُهُ وَهُوَ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي مِمَّنْ يُصَنِّفُ أَوْ يُدَرِّسُ اهـ وَعِبَارَةُ النِّهَايَةِ كَالْقَاضِي وَالْمُدَرِّسِ اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ لِإِفَادَةِ غَيْرِهِ) يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَمِلَ الْقَاضِيَ كَالْمُصَنِّفِ سم (قَوْلُهُ بَيَانِيَّةٌ) كَانَ الْمُبَيِّنُ قَوْلَهُ غَيْرِهِ أَوْ وَمَا قَبْلَهُ، وَيُمْكِنُ أَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ بِأَنْ يُرَادَ بِالرَّغَبَاتِ أَعَمُّ مِنْ الرَّغَبَاتِ فِي الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ سم عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَهُوَ بَيَانٌ لِغَيْرِهِ وَلِكُلٍّ مِنْ سَابِقَيْهِ اهـ قَوْلُ الْمَتْنِ (مِنْ أُولِي الرَّغَبَاتِ) كَانَ وَجْهُ هَذَا التَّقَيُّدِ أَنَّ الْوَصْفَ حِينَئِذٍ أَقْوَى وَأَمْدَحُ، وَإِلَّا فَهُوَ مُعْتَمَدٌ لِغَيْرِ أُولِي الرَّغَبَاتِ أَيْضًا إذْ لَهُمْ وَيَصِحُّ مِنْهُمْ أَنْ يَعْتَمِدُوا عَلَيْهِ سم (قَوْلُهُ وَهِيَ الِانْهِمَاكُ عَلَى الْخَيْرِ إلَخْ)
قَضِيَّتُهُ أَنَّ الِانْهِمَاكَ عَلَى غَيْرِ الْخَيْرِ لَا يُسَمَّى رَغْبَةً وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بَيَانُ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
فَتَرِدُ عَلَيْهِ) ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِنْهُ (قَوْلُهُ فَهُوَ مُغْنٍ عَنْهُ) قَدْ يُمْنَعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا أَفَادَهُ الْأَوَّلُ مِنْ أَنَّ عَمْدِيَّتَهُ فِي تَحْقِيقِ خُصُوصِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ كَمَا هُوَ الْمُرَادُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ الثَّانِي بَلْ الثَّانِي أَعَمُّ كَمَا أَنَّ مَا فِي الثَّانِي مِنْ التَّفْصِيلِ لَيْسَ فِي الْأَوَّلِ فَلْيُتَأَمَّلْ لَا يُقَالُ يَلْزَمُ مِنْ أَنَّهُ مُعْتَمَدٌ لِلْمُفْتِي وَغَيْرِهِ أَنَّهُ عُمْدَةٌ فِي تَحْقِيقِ الْمَذْهَبِ الْمَخْصُوصِ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْكَوْنَ مُعْتَمِدًا لِلْمُفْتِي وَغَيْرِهِ قَدْ يَكُونُ بِتَحْرِيرِ مَذْهَبٍ آخَرَ أَوْ دَلِيلٌ يَصِحُّ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَالْأَخْذُ بِهِ (قَوْلُهُ لِلْمُفْتِي) بِسُكُونِ الْيَاءِ كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ، وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا مَعَ كَسْرِهَا عَلَى أَنَّهُ نِسْبَةٌ إلَى السَّاكِنِ الْيَاءِ نِسْبَةَ الْجُزْئِيِّ إلَى الْكُلِّيِّ فَلْيُتَأَمَّلْ ثُمَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ مُعْتَمَدٌ لِلْمُفْتِي إلَّا أَنَّ الْمُفْتِيَ يُجِيبُ بِمَا فِيهِ، وَيَسْتَنِدُ فِي جَوَابِهِ لِتَقْرِيرِ الْمُحَرَّرِ وَتَرْجِيحِهِ فَكَيْفَ يُقَيِّدُ الْمُفْتِي بِقَوْلِهِ بِمَا يَسْتَنْبِطُهُ أَوْ يُرَجِّحُهُ لِأَنَّ مَنْ أَجَابَ بِمَا يَسْتَنْبِطُهُ أَوْ يُرَجِّحُهُ لَمْ يَعْتَمِدْ فِي جَوَابِهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ فَلْيُتَأَمَّلْ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ هَذَا شَأْنُهُ يُتْرَكُ شَأْنُهُ وَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
(قَوْلُهُ بِمَا يَسْتَنْبِطُهُ) بَقِيَ مَا لَا اسْتِنْبَاطَ فِيهِ وَلَا تَرْجِيحَ بَلْ هُوَ نَقْلٌ مَحْضٌ فَقَضِيَّتُهُ خُرُوجُ الْمُجِيبِ بِهِ عَنْ الْمُفْتِي (قَوْلُهُ مُشَبَّهٌ) أَيْ جَوَابُهُ بِدَلِيلِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ إلَخْ (قَوْلُهُ أَوْ لِإِفَادَةِ غَيْرِهِ) يُمْكِنُ أَنْ يَشْمَلَ الْقَاضِيَ كَالْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ بَيَانِيَّةٌ) كَانَ الْمُبَيِّنُ قَوْلَهُ وَغَيْرِهِ أَوْ وَمَا قَبْلَهُ وَيُمْكِنُ أَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ بِأَنْ يُرَادَ بِالرَّغَبَاتِ أَعَمُّ مِنْ الرَّغَبَاتِ فِي الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ (قَوْلُهُ مِنْ أُولِي الرَّغَبَاتِ) كَأَنَّ وَجْهَ هَذَا التَّقْيِيدِ أَنَّ الْوَصْفَ حِينَئِذٍ أَقْوَى وَأَمْدَحُ وَإِلَّا فَهُوَ مُعْتَمِدٌ لِغَيْرِ أُولِي
مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ سَنَدُ النَّاقِلِ بِمُؤَلِّفِيهَا نَعَمْ النَّقْلُ مِنْ نُسْخَةِ كِتَابٍ لَا يَجُوزُ إلَّا إنْ وَثِقَ بِصِحَّتِهَا أَوْ تَعَدَّدَتْ تَعَدُّدًا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّتُهَا أَوْ رَأَى لَفْظَهَا مُنْتَظِمًا وَهُوَ خَبِيرٌ فَطِنٌ يُدْرِكُ السَّقَطَ وَالتَّحْرِيفَ فَإِنْ انْتَفَى ذَلِكَ قَالَ وَجَدْت كَذَا أَوْ نَحْوَهُ وَمِنْ جَوَازِ اعْتِمَادِ الْمُفْتِي مَا يَرَاهُ فِي كِتَابٍ مُعْتَمَدٍ فِيهِ تَفْصِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ أَنَّ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى الشَّيْخَيْنِ لَا يُعْتَمَدُ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا بَعْدَ مَزِيدِ الْفَحْصِ وَالتَّحَرِّي حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَلَا يُغْتَرُّ بِتَتَابُعِ كُتُبٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ هَذِهِ الْكَثْرَةَ قَدْ تَنْتَهِي إلَى وَاحِدٍ أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَ الْقَفَّالِ أَوْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ مَعَ كَثْرَتِهِمْ لَا يُفَرِّعُونَ وَيُؤَصِّلُونَ إلَّا عَلَى طَرِيقَتِهِ غَالِبًا، وَإِنْ خَالَفَتْ سَائِرَ الْأَصْحَابِ فَتَعَيَّنَ سَبْرُ كُتُبِهِمْ هَذَا كُلُّهُ فِي حُكْمٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَإِلَّا فَاَلَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ مُحَقِّقُو الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَمْ تَزَلْ مَشَايِخُنَا يُوصُونَ بِهِ وَيَنْقُلُونَهُ عَنْ مَشَايِخِهِمْ وَهُمْ عَمَّنْ قَبْلَهُمْ.
وَهَكَذَا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ أَيْ مَا لَمْ يُجْمِعْ مُتَعَقِّبُو كَلَامِهِمَا عَلَى أَنَّهُ سَهْوٌ وَأَنَّى بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ كَادُوا يُجْمِعُونَ عَلَيْهِ فِي إيجَابِهِمَا النَّفَقَةَ بِفَرْضِ الْقَاضِي وَمَعَ ذَلِكَ بَالَغْت فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ كَبَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْمُصَنِّفُ فَإِنْ وُجِدَ لِلرَّافِعِيِّ تَرْجِيحٌ دُونَهُ فَهُوَ، وَقَدْ بَيَّنْت سَبَبَ إيثَارِهِمَا وَإِنْ خَالَفَا الْأَكْثَرِينَ فِي خُطْبَةِ شَرْحِ الْعُبَابِ بِمَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ مُرَاجَعَتِهِ وَمِنْ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ مُقَدَّمٌ عَلَى بَقِيَّةِ كُتُبِهِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ أَيْضًا بَلْ الْغَالِبُ تَقْدِيمُ مَا هُوَ مُتَتَبَّعٌ فِيهِ كَالتَّحْقِيقِ فَالْمَجْمُوعِ فَالتَّنْقِيحِ ثُمَّ مَا هُوَ مُخْتَصَرٌ فِيهِ كَالرَّوْضَةِ فَالْمِنْهَاجِ وَنَحْوِ فَتَاوَاهُ فَشَرْحِ مُسْلِمٍ فَتَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ وَنُكَتِهِ مِنْ أَوَائِلِ تَأْلِيفِهِ فَهِيَ مُؤَخَّرَةٌ عَمَّا ذُكِرَ وَهَذَا تَقْرِيبٌ، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ فِي الْحَقِيقَةِ عِنْدَ تَعَارُضِ هَذِهِ الْكُتُبِ مُرَاجَعَةُ كَلَامِ مُعْتَمِدِي الْمُتَأَخِّرِينَ وَاتِّبَاعُ مَا رَجَّحُوهُ مِنْهَا (وَقَدْ اُلْتُزِمَ) اسْتِئْنَافٌ أَوْ حَالٌ فَقَدْ حِينَئِذٍ وَاجِبَةُ الذِّكْرِ أَوْ التَّقْدِيرِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ لِتُقَرِّبَ الْمَاضِيَ مِنْ الْحَالِ وَاعْتَرَضَهُمْ السَّيِّدُ الْجُرْجَانِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ بِمَا رَدَدْته عَلَيْهِمْ فِي شَرْحِ الْهَمَزِيَّةِ فَانْظُرْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ.
(مُصَنَّفَةٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ فِي خُطْبَتِهِ نَاصٌّ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ
[حاشية الشرواني]
الْمُرَادِ بِالرَّغْبَةِ هُنَا ع ش (قَوْلُهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إلَخْ) خَبَرُ مَا أَفْهَمَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ وَمِنْ جَوَازِ اعْتِمَادِ الْمُفْتِي) أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مِنْ جَوَازِ النَّقْلِ إلَخْ أَيْ مَا أَفْهَمَ كَلَامَهُ مِنْ جَوَازٍ إلَخْ سم أَيْ وَقَوْلُهُ فِيهِ تَفْصِيلُ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى التَّفْصِيلِ (قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ التَّفْصِيلُ (قَوْلُهُ وَيُؤَصِّلُونَ) مِنْ التَّأْصِيلِ (قَوْلُهُ عَلَى طَرِيقَتِهِ) أَيْ طَرِيقَةِ الْقَفَّالِ أَوْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ عَلَى التَّوْزِيعِ (قَوْلُهُ سَبْرُ كُتُبِهِمْ) أَيْ كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى الشَّيْخَيْنِ وَالْإِفْتَاءُ بِمَا فِي الْأَكْثَرِ (قَوْلُهُ أَوْ أَحَدِهِمَا) الْأَوْلَى وَلَا وَاحِدٍ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ إلَخْ) خَبَرُ فَاَلَّذِي أَطْبَقَ إلَخْ (قَوْلُهُ وَأَنَّى بِهِ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى سَهْوِ مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا وَرَجَعَ الْكُرْدِيُّ الضَّمِيرَ إلَى وُقُوعِ السَّهْوِ عَنْهُمَا (قَوْلُهُ يُجْمِعُونَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى سَهْوِهِمَا (قَوْلُهُ فِي إيجَابِهِمَا النَّفَقَةَ إلَخْ) أَيْ لِلْأَقَارِبِ (قَوْلُهُ فَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْمُصَنِّفُ) يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ غَالِبًا وَإِلَّا فَقَدْ اعْتَمَدَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا مِمَّنْ لَهُ غَايَةُ الِاعْتِنَاءِ بِهِمَا مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي نَظَرِ الْأَمْرَدِ سم (قَوْلُهُ وَمِنْ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ إلَخْ) أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مِنْ جَوَازِ النَّقْلِ إلَخْ أَيْ مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ هَذَا إلَخْ سم أَيْ وَقَوْلُهُ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ هَذَا الْكِتَابَ) أَيْ الْمِنْهَاجَ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ وَنَحْوُ فَتَاوَاهُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مِنْ أَوَائِلِ إلَخْ بَصْرِيٌّ (قَوْلُهُ فَشَرْحِ مُسْلِمٍ) عُطِفَ عَلَى نَحْوِ إلَخْ وَقَوْلُهُ فَتَصْحِيحٍ إلَخْ عَلَى شَرْحِ مُسْلِمٍ وَقَوْلُهُ وَنُكَتِهِ أَيْ التَّنْبِيهِ عَلَى تَصْحِيحٍ إلَخْ (قَوْلُهُ بِمَا رَدَدْته عَلَيْهِمْ فِي شَرْحِ الْهَمَزِيَّةِ إلَخْ) ذَكَرَ سم بَعْدَ سَرْدِ عِبَارَتِهِ وَرَدَّهَا جَوَابُ نَفْسِ السَّيِّدِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُتَوَسِّطِ وَالْمُطَوَّلِ عَنْ اعْتِرَاضِهِ وَاسْتَحْسَنَهُ، ثُمَّ قَالَ وَلَوْ اطَّلَعَ الشَّارِحُ عَلَى حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ أَوْ حَاشِيَةِ الْمُتَوَسِّطِ كَانَ الْأَوْلَى بِهِ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا فِيهِمَا اهـ رَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ ادِّعَاءَ الْمُصَنِّفِ الْتِزَامَ الرَّافِعِيِّ مَا يَأْتِي إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
الرَّغَبَاتِ أَيْضًا إذْ لَهُمْ.
وَيَصِحُّ مِنْهُمْ أَنْ يَعْتَمِدُوا عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَمِنْ جَوَازِ اعْتِمَادِ الْمُفْتِي) أَيْ مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ مِنْ جَوَازِ إلَخْ فَقَدْ أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مِنْ جَوَازِ النَّقْلِ (قَوْلُهُ فَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْمُصَنِّفُ) يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ غَالِبًا، وَإِلَّا فَقَدْ اعْتَمَدَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا مِمَّنْ لَهُ غَايَةُ الِاعْتِنَاءِ بِهِمَا مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي نَظَرِ الْأَمْرَدِ (قَوْلُهُ وَمِنْ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ) أَشَارَ بِالتَّضْبِيبِ إلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مِنْ جَوَازِ النَّقْلِ أَيْ وَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ إلَخْ (قَوْلُهُ بِمَا رَدَدْته عَلَيْهِمْ فِي شَرْحِ الْهَمَزِيَّةِ) مِنْ تَأَمُّلِ مَا أَجَابَ بِهِ فِي شَرْحِ الْهَمَزِيَّةِ أَدْنَى تَأَمُّلٍ عَجِبَ مِنْ قَوْلِهِ رَدَدْته عَلَيْهِمْ وَقَوْلِهِ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَعِبَارَةُ ذَلِكَ الشَّرْحِ مَا نَصُّهُ وَاعْتَرَضَهُمْ الْمُحَقِّقُ السَّيِّدُ الْجُرْجَانِيُّ وَتَبِعَهُ الْمُحَقِّقُ الْكَافِيجِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْهُمْ سَبَبُهُ اشْتِبَاهُ لَفْظِ الْحَالِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ الْحَالَ الَّذِي تُقَرِّبُهُ قَدْ حَالُ الزَّمَانِ وَالْحَالُ الْمُبَيِّنُ لِلْهَيْئَةِ حَالُ الصِّفَاتِ وَلَكَ رَدُّهُ بِأَنَّهُمَا وَإِنْ تَغَايَرَا لَكِنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْحَالِ وَعَامِلِهَا وَحِينَئِذٍ لَزِمَ مِنْ تَقْرِيبِ الْأُولَى تَقْرِيبُ الثَّانِيَةِ الْمُقَارِنَةِ لَهَا فِي الزَّمَنِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ إذْ تَغْلِيطُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ لَا يَنْحَصِرُونَ مَعَ إمْكَانِ تَأْوِيلِ كَلَامِهِمْ تَسَاهُلٌ اهـ فَتَأَمَّلْ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ هَذَا وَالسَّيِّدُ إنَّمَا نَقَلَ فِي حَاشِيَةِ الْمُتَوَسِّطِ هَذَا الِاعْتِرَاضَ بِلَفْظِ قِيلَ ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِجَوَابٍ حَسَنٍ أَجَابَ بِهِ أَيْضًا فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ فِي الْمُطَوَّلِ مَضْمُونَ ذَلِكَ الِاعْتِرَاضِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنِسْبَةِ الِاشْتِبَاهِ الْمَذْكُورِ إلَيْهِمْ، وَأَجَابَ عَنْهُ بِمَا لَمْ يَرْتَضِهِ السَّيِّدُ وَعِبَارَةُ حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ فِي الْجَوَابِ مَا نَصُّهُ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ الْأَفْعَالَ إذَا وَقَعَتْ قُيُودًا لِمَا لَهُ اخْتِصَاصٌ بِأَحَدِ الْأَزْمِنَةِ فُهِمَ مِنْهَا اسْتِقْبَالِيَّتُهُ اوَحَالِيَّتُهَا وَمَاضَوِيَّتُهَا بِالْقِيَاسِ إلَى ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ لَا بِالْقِيَاسِ إلَى زَمَانِ التَّكَلُّمِ كَمَا فِي مَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّةِ إلَى أَنْ قَالَ فَإِذَا قُلْت جَاءَنِي زَيْدٌ رَكِبَ كَانَ
فَقَوْلُ السُّبْكِيّ أَنَّ هَذَا لَا يُفْهَمُ الْتِزَامًا مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يُصَرَّحُ بِهِ (أَنْ يَنُصَّ) فِيمَا فِيهِ خِلَافًا أَيْ غَالِبًا (عَلَى مَا صَحَّحَهُ) فِيهِ (مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ) ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ إلَى الْقَلِيلِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْكَثِيرِ، وَهَذَا حَيْثُ لَا دَلِيلَ يُعَضِّدُ مَا عَلَيْهِ الْأَقَلُّونَ وَإِلَّا اتَّبَعُوا وَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ لَهُمَا أَعْنِي الشَّيْخَيْنِ تَرْجِيحُ مَا عَلَيْهِ الْأَقَلُّ وَلَوْ وَاحِدًا فِي مُقَابَلَةِ الْأَصْحَابِ وَاعْتَرَضَهُمَا الْمُتَأَخِّرُونَ بِمَا رَدَدْته عَلَيْهِمْ فِي خُطْبَةِ شَرْحِ الْعُبَابِ وَأَشَرْت إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ آنِفًا، وَبِمَا قَرَّرْته يَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الرَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ قَدْ يَجْزِمُ بِبَحْثٍ لِلْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ فِيمَا فِيهِ تَقْيِيدٌ لِمَا أَطْلَقُوهُ وَرَدَّهُ بِأَنَّ هَذَا لَا يَطَّرِدُ فِي كَلَامِهِ عَلَى أَنَّ الَّذِي فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَا دَخَلَ فِي إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ تَصْرِيحِهِمْ بِهِ فَلَعَلَّ الرَّافِعِيَّ فَهِمَ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ وَاحِدٌ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِإِطْلَاقِهِمْ فَنَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ تَصْرِيحِهِمْ بِهِ (وَوَفَّى) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ أَيْ الرَّافِعِيُّ وَيَصِحُّ عَلَى
[حاشية الشرواني]
مِنْ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ فِي خُطْبَةِ الْمُحَرَّرِ نَاصٌّ إلَخْ (قَوْلُهُ فَقَوْلُ السُّبْكِيّ إلَخْ) أَقُولُ قَوْلُهُ نَاصٌّ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ لِكِتَابِهِ وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ أَنَّهُ مُلْتَزِمٌ لَهُ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِلْمَدْحِ بِهِ فَتَأَمَّلْهُ سم قَوْلُ الْمَتْنِ (عَلَى مَا صَحَّحَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ) أَيْ مَا رَجَّحَهُ أَكْثَرُهُمْ (قَوْلُهُ فِيهِ) أَيْ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْخَطَأَ إلَخْ) عِلَّةٌ لِالْتِزَامِ الرَّافِعِيِّ مَا ذُكِرَ أَوْ لِنَصِّهِ عَلَيْهِ وَتَرْجِيحِهِ (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ اتِّبَاعُ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْظَمُ وَتَرْجِيحُهُ (قَوْلُهُ حَيْثُ لَا دَلِيلَ إلَخْ) فَإِنْ قُلْت لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ الْمُعْظَمُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَرْجِيحُهُ وَاعْتِمَادُهُ، قُلْت سَوْقُ ذَلِكَ مُسَاقٌ الْمَدْحُ بِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إنَّمَا يَذْكُرُهُ لِلِاعْتِمَادِ وَالتَّرْجِيحِ سم.
(قَوْلُهُ وَمِنْ ثَمَّ) الْمُشَارُ إلَيْهِ قَوْلُهُ وَإِلَّا اتَّبَعُوا (قَوْلُهُ فِيمَا مَرَّ آنِفًا) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَمَعَ ذَلِكَ بَالَغْت إلَخْ (قَوْلُهُ وَبِمَا قَرَّرْته) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ غَالِبًا وَقَوْلُهُ وَهَذَا حَيْثُ إلَخْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُلْتَزِمَ النَّصَّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ الْمُعْظَمُ فِيمَا فِيهِ تَصْحِيحٌ لِلْمُعْظَمِ فَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِبَحْثِ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ أَمَّا فِيمَا لَيْسَ فِيهِ تَصْحِيحٌ لِلْمُعْظَمِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فِيمَا فِيهِ تَصْحِيحٌ لَهُمْ فَإِمَّا عَنْ قَصْدٍ وَإِمَّا لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَإِمَّا حَيْثُ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِمْ عَلَيْهِ فَلَا يَرِدُ إذْ لَمْ يُخَالِفْ مَا صَحَّحُوهُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِمَّا حَيْثُ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فَلَا يَرِدُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ النَّصُّ عَلَى ذَلِكَ غَالِبًا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا يَرِدُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْتِزَامُ النَّصِّ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ اطَّلَعَ عَلَيْهِ سم (قَوْلُهُ وَالْجَوَابُ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى الِاعْتِرَاضِ.
وَكَذَا قَوْلُهُ وَرَدَّهُ إلَخْ عُطِفَ عَلَيْهِ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِانْدِفَاعِ الرَّدِّ عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ بِأَنَّ هَذَا لَا يَطَّرِدُ) أَيْ وَقَدْ يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَقَامِ التَّقْيِيدِ (قَوْلُهُ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ وَاحِدٌ) إنْ أَرَادَ بِانْفِرَادِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُعْظَمِ تَصْحِيحٌ هُنَاكَ فَلَا حَاجَةَ لِلْجَوَابِ عَنْ هَذَا لِخُرُوجِهِ عَنْ الْمُلْتَزَمِ، أَوْ أَنَّ لَهُمْ فِيهِ تَصْحِيحًا فَإِنْ كَانَ مُنَافِيًا لِذَلِكَ الِانْفِرَادِ لَمْ يَتَأَتَّ قَوْلُهُ إنَّهُ مُوَافِقٌ لِإِطْلَاقِهِمْ إلَخْ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ لَهُمْ تَصْحِيحًا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ الِانْفِرَادِ سم (قَوْلُهُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ) قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ الصَّغِيرُ وَأَوْفَى بِالْهَمْزِ أَيْضًا سم
[حاشية ابن قاسم العبادي]
الْمَفْهُومُ مِنْهُ كَوْنَ الرُّكُوبِ مَاضِيًا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَجِيءِ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ فَلَا تَحْصُلُ مُقَارَنَةُ الْحَالِ لِعَامِلِهَا، وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَدْ قَرَّبَتْهُ مِنْ زَمَانِ الْمَجِيءِ وَتُفْهَمُ الْمُقَارَنَةُ بَيْنَهُمَا فَكَانَ ابْتِدَاءُ الرُّكُوبِ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمَجِيءِ لَكِنَّهُ قَارَنَهُ دَوَامًا، وَإِذَا قُلْت جَاءَنِي زَيْدٌ يَرْكَبُ دَلَّ عَلَى كَوْنِ الرُّكُوبِ فِي حَالِ الْمَجِيءِ وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ صِحَّةُ كَلَامِهِمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ اهـ.
وَقَدْ عَقَّبَ الْجَوَابَ فِي حَاشِيَةِ الْمُتَوَسِّطِ بِقَوْلِهِ فَتَأَمَّلْ اهـ قِيلَ وَجْهُ التَّأَمُّلِ أَنَّ قَدْ فِي الْأَصْلِ لِتَقْرِيبِ الْمَاضِي مِنْ الْحَالِ وَلَزِمَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَنْ تَكُونَ لِتَقْرِيبِ الْمَاضِي مِنْ الْمَاضِي، وَالْجَوَابُ أَنَّ قَدْ وُضِعَ وَضْعًا عَامًّا صَالِحًا لِتَقْرِيبِ الْمَاضِي مِنْ الْحَالِ وَلِتَقْرِيبِهِ مِنْ الْمَاضِي اهـ وَلَوْ اطَّلَعَ الشَّارِحُ عَلَى حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ أَوْ حَاشِيَةِ الْمُتَوَسِّطِ كَانَ الْأَوْلَى بِهِ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا فِيهِمَا (قَوْلُهُ فَقَوْلُ السُّبْكِيّ إنَّ هَذَا لَا يُفْهَمُ الْتِزَامًا إلَخْ) أَقُولُ قَوْلُهُ نَاصٌّ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ لِكِتَابِهِ وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ أَنَّهُ مُلْتَزِمٌ لَهُ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِلْمَدْحِ بِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَبِطَرِيقٍ آخَرَ مَا عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ إمَّا أَرْجَحُ أَوْ لَا إنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا مَعْنَى لِالْتِزَامِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ دُونَ بَعْضٍ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ الِالْتِزَامُ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا مَعْنَى لِلْمَدْحِ بِهِ (قَوْلُهُ وَهَذَا حَيْثُ لَا دَلِيلَ يُعَضِّدُ مَا عَلَيْهِ الْأَقَلُّونَ) فَإِنْ قُلْت لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ الْمُعْظَمُ لَا يَلْزَمُ سُنَّةً تَرْجِيحُهُ وَاعْتِمَادُهُ (قُلْت) سَوْقُ ذَلِكَ مَسَاقَ الْمَدْحِ بِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إنَّمَا يَذْكُرُهُ لِلِاعْتِمَادِ وَالتَّرْجِيحِ إذْ لَا مَدْحَ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ مَا صَحَّحَهُ الْمُعْظَمُ مَعَ اعْتِقَادِ ضَعْفِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَبِمَا قَرَّرْته) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ غَالِبًا وَقَوْلُهُ وَهَذَا حَيْثُ إلَخْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُلْتَزَمَ النَّصُّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ الْمُعْظَمُ فِيمَا فِيهِ تَصْحِيحٌ لِلْمُعْظَمِ فَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِبَحْثِ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ أَمَّا فِيمَا لَيْسَ فِيهِ تَصْحِيحٌ لِلْمُعْظَمِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فِيمَا فِيهِ تَصْحِيحٌ لَهُمْ فَإِمَّا عَنْ قَصْدٍ وَإِمَّا لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَإِمَّا حَيْثُ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِمْ عَلَيْهِ فَلَا يَرِدُ إذْ لَمْ يُخَالِفْ مَا صَحَّحُوهُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِمَّا حَيْثُ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فَلَا يَرِدُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ الْتِزَامُ النَّصِّ عَلَى ذَلِكَ غَالِبًا وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا يَرِدُ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْتِزَامُ النَّصِّ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ اطَّلَعَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ وَاحِدٌ) إنْ أَرَادَ بِانْفِرَادِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُعْظَمِ تَصْحِيحٌ هُنَاكَ فَلَا حَاجَةَ لِلْجَوَابِ عَنْ هَذَا لِخُرُوجِهِ عَنْ الْمُلْتَزَمِ لِأَنَّ فَرْضَهُ فِيمَا لِلْمُعْظَمِ فِيهِ تَصْحِيحٌ أَوْ أَنَّ لَهُمْ فِيهِ تَصْحِيحًا فَإِنْ كَانَ مُنَافِيًا لِذَلِكَ الِانْفِرَادِ لَمْ يَتَأَتَّ قَوْلُهُ مُوَافِقٌ لِإِطْلَاقِهِمْ إلَخْ فَيُتَعَيَّنُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ لَهُمْ تَصْحِيحًا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ الِانْفِرَادِ (قَوْلُهُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ)
قَالَ
بُعْدٍ عَوْدُهُ لِلْمُحَرَّرِ (بِمَا الْتَزَمَهُ) حَسْبَمَا ظَهَرَ لَهُ أَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا يُنَافِي اسْتِدْرَاكَهُ عَلَيْهِ فِيمَا يَأْتِي (وَهُوَ) أَيْ مَا الْتَزَمَهُ (مِنْ أَهَمِّ) الْمَطْلُوبَاتِ (أَوْ) أَيْ بَلْ هُوَ (أَهَمُّ) وَجَرُّهُ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنَى (الْمَطْلُوبَاتِ) لِمَنْ يُرِيدُ مَعْرِفَةَ الرَّاجِحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَيَصِحُّ كَوْنُ أَوْ لِلتَّرْدِيدِ إبْهَامًا عَلَى السَّامِعِ وَتَنْشِيطًا لَهُ إلَى الْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ وَلِلتَّنْوِيعِ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الرَّاجِحِ مَذْهَبًا مِنْ الْأَهَمِّ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يُرِيدُ الْإِحَاطَةَ بِالْمَدَارِكِ وَهِيَ الْأَهَمُّ لِمَنْ يُرِيدُ مُجَرَّدَ الْإِفْتَاءِ أَوْ الْعَمَلِ، وَمُدْرَكًا بِالْعَكْسِ بَلْ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ الْأَهَمُّ مُطْلَقًا وَإِنْ قَلَّ نَائِلُوهَا وَمِنْ ثَمَّ خَالَفَ الشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ
(لَكِنْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الْكَمَالَاتِ فَلِمَ اخْتَصَرْته وَاعْتَرَضْته بِإِبْدَاءِ عُذْرَيْنِ ثَانِيهُمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ مِنْهَا التَّنْبِيهُ إلَى آخِرِهِ وَأَوَّلُهُمَا هُوَ أَنَّهُ وَقَعَ (فِي حَجْمِهِ) وَحَجْمِ الشَّيْءِ جُرْمُهُ النَّاتِئُ مِنْ الْأَرْضِ (كَبُرَ) اقْتَضَى بَعْدَهُ (عَنْ حِفْظِ أَكْثَرِ أَهْلِ) أَيْ جَمَاعَةِ (الْعَصْرِ) الرَّاغِبِينَ فِيمَا هُوَ الْأَحْرَى لِلْمُتَفَقِّهِ مِنْ حِفْظِ مُخْتَصَرٍ فِي الْفِقْهِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ وَالْعَصْرُ بِفَتْحٍ أَوْ ضَمٍّ فَسُكُونٍ وَبِضَمَّتَيْنِ وَأَلْ فِيهِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ وَهُوَ هُنَا الزَّمَنُ الْحَاضِرُ وَفِي الْآيَةِ كُلُّ الزَّمَنِ (إلَّا بَعْضَ أَهْلِ) أَيْ أَصْحَابِ (الْعِنَايَاتِ) مِنْهُمْ وَهُوَ مِنْ أُتْحِفَ بِخَارِقِ الْعَادَةِ فِي حِفْظِهِ فَلَا يَكْبُرُ أَيْ يَعْظُمُ عَلَيْهِمْ حِفْظُ أَبْسَطَ مِنْهُ فَضْلًا عَنْهُ، ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلٍ لَزِمَ أَنَّهُ مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فَإِنَّهُ عُلِمَ مِنْ مَفْهُومِ أَكْثَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَرَّحَ بِهِ
[حاشية الشرواني]
قَوْلُهُ عَوْدُهُ لِلْمُحَرَّرِ) الْمُنَاسِبُ عَلَى هَذَا عَوْدُهَا الْتَزَمَهُ لِلرَّافِعِيِّ سم وَفِيهِ نَظَرٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْمُنَاسِبِ الْأَنْسَبَ (قَوْلُهُ حَسْبَمَا ظَهَرَ لَهُ إلَخْ) لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَعَ مَا قَدَّرَهُ سَابِقًا أَعْنِي قَوْلَهُ غَالِبًا فَتَأَمَّلْهُ بَصْرِيٌّ (قَوْلُهُ حَسْبَمَا إلَخْ) صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَفَاءً حَسْبَمَا إلَخْ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ) أَيْ وَقْتِ تَأْلِيفِ الْمُحَرَّرِ (قَوْلُهُ فَلَا يُنَافِي) أَيْ قَوْلُ الْمُصَنِّفُ وَوَفَّى بِمَا الْتَزَمَهُ (قَوْلُهُ وَجَرُّهُ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنَى) يَعْنِي يَلْزَمُ عَلَيْهِ اتِّحَادُ الْإِضْرَابِ مَعَ مَا قَبْلَهُ سم (قَوْلُهُ لِمَنْ يُرِيدُ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِأَهَمَّ إلَخْ (قَوْلُهُ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ أَنَّ مَا الْتَزَمَهُ أَهَمُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَوْ بَعْضُ الْأَهَمِّ (قَوْلُهُ لِمَنْ يُرِيدُ الْإِحَاطَةَ إلَخْ) أَيْ وَالْإِفْتَاءَ أَوْ الْعَمَلَ أَيْضًا بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ بِالْمَدَارِكِ) هِيَ الْأَدِلَّةُ التَّفْصِيلِيَّةُ كُرْدِيٌّ (قَوْلُهُ وَمُدْرَكًا) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ مَذْهَبًا إلَخْ وَقَوْلُهُ بِالْعَكْسِ يَعْنِي أَنَّ مَعْرِفَةَ الرَّاجِحِ مُدْرَكًا مِنْ الْأَهَمِّ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يُرِيدُ مُجَرَّدَ الْإِفْتَاءِ أَوْ الْعَمَلِ، وَهِيَ الْأَهَمُّ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يُرِيدُ الْإِحَاطَةَ بِالْمَدَارِكِ أَيْضًا وَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ مَا فِي سم مِنْ دَعْوَى الْمُنَافَاةِ بَيْنَ كَلَامَيْ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ هِيَ الْأَهَمُّ) أَيْ مَعْرِفَةُ الرَّاجِحِ مُدْرَكًا وَقَوْلُهُ مُطْلَقًا أَيْ لِمُرِيدِ الْإِحَاطَةِ بِالْمَدَارِكِ وَمُرِيدِ مُجَرَّدِ الْإِفْتَاءِ أَوْ الْعَمَلِ أَوْ الْقَضَاءِ أَوْ التَّدْرِيسِ أَوْ التَّصْنِيفِ (قَوْلُهُ نَائِلُوهَا) أَيْ مَعْرِفَةُ الرَّاجِحِ مُدْرَكًا (قَوْلُهُ وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ مِنْ أَجْلِ قِلَّةِ مَنْ ذُكِرَ (قَوْلُهُ الشَّافِعِيَّ إلَخْ) مَفْعُولُ خَالَفَ وَقَوْلُهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ فَاعِلُهُ يَعْنِي أَنَّ مُخَالَفَةَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِلشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ الْمَدَارِكَ الرَّاجِحَةَ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ الَّتِي أَدْرَكَهَا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ
(قَوْلُهُ إذَا كَانَ) أَيْ الْمُحَرَّرُ (قَوْلُهُ وَاعْتَرَضَتْهُ) أَيْ بِذِكْرِ الْقُيُودِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ وَالْمُخَالَفَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَالْإِبْدَالِ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ (قَوْلُهُ بِإِبْدَاءِ إلَخْ) ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ جَوَابٌ إلَخْ سم (قَوْلُهُ جُرْمُهُ النَّاتِئُ مِنْ الْأَرْضِ) عِبَارَةُ الْمُخْتَارِ نَتَأَ فَهُوَ نَاتِئٌ ارْتَفَعَ وَبَابُهُ قَطَعَ وَخَضَعَ اهـ فَقَوْلُهُ مِنْ الْأَرْضِ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمُرَادُ جِرْمُ الشَّيْءِ النَّاتِئُ مِنْهُ ع ش (قَوْلُهُ اقْتَضَى بَعْدَهُ) إشَارَةً لِتَضْمِينِ الْعَامِلِ سم أَيْ تَضْمِينِ كَبُرَ مَعْنَى بَعُدَ (قَوْلُهُ لِلْمُتَفَقِّهِ) أَيْ طَالِبِ الْفِقْهِ (قَوْلُهُ بِفَتْحِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْقَامُوسِ وَالْعَصْرُ مُثَلَّثَةٌ وَبِضَمَّتَيْنِ الدَّهْرُ ج أَعْصَارٌ وَعُصُورٌ وَعُصُرٌ اهـ. (قَوْلُهُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ) أَيْ بِالِاصْطِلَاحِ النَّحْوِيِّ سم أَيْ وَلِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ فِي اصْطِلَاحِ الْمَعَانِيِّينَ (قَوْلُهُ الزَّمَنُ الْحَاضِرُ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُصَنِّفِ سم (قَوْلُهُ وَفِي الْآيَةِ) أَيْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: 1] إلَخْ (قَوْلُهُ كُلُّ الزَّمَنِ) عِبَارَةُ الْجَلَالَيْنِ الدَّهْرُ أَوْ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ أَوْ صَلَاةُ الْعَصْرِ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ الدَّهْرُ الزَّمَانُ اهـ. وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَةَ كُلٍّ هُنَا مَقْحَمَةٌ قَوْلُ الْمَتْنِ (إلَّا بَعْضَ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ) يَجُوزُ كَوْنُ إضَافَتِهِ بَيَانِيَّةً سم (قَوْلُهُ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ مُغْنِي وَعَمِيرَةُ هَذَا عَلَى أَوَّلِ الِاحْتِمَالَيْنِ الْآتِيَيْنِ، وَأَمَّا عَلَى ثَانِيهِمَا فَالضَّمِيرُ لِلْأَكْثَرِ (قَوْلُهُ وَهُوَ) وَقَوْلُهُ عَلَيْهِمْ الضَّمِيرُ فِيهِمَا لِلْبَعْضِ الْأَوَّلِ نَظَرًا لِلَّفْظِ وَالثَّانِي نَظَرًا لِلْمَعْنَى (قَوْلُهُ لَزِمَ أَنَّهُ مُسْتَدْرَكٌ إلَخْ) لَك مَنْعُ الِاسْتِدْرَاكِ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ أَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقَلِّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ لَا جَمِيعُهُمْ وَلَوْلَاهُ لَتُوُهِّمَ أَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُهُمْ
[حاشية ابن قاسم العبادي]
ابْنُ شُهْبَةَ الصَّغِيرُ وَأَوْفَى بِالْهَمْزِ أَيْضًا (قَوْلُهُ عَوْدُهُ لِلْمُحَرَّرِ) وَالْمُنَاسِبُ عَلَى هَذَا عَوْدُ مَا إلَى مَا الْتَزَمَهُ الرَّافِعِيُّ (قَوْلُهُ أَيْ بَلْ هُوَ) أَقُولُ لَا يَتَعَيَّنُ أَنَّ بَلْ لِلْإِضْرَابِ بَلْ يَجُوزُ كَوْنُهَا لِمُطْلَقِ التَّرْدِيدِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَكْفِي فِي الْمَدْحِ كَوْنُهُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ أَوْ احْتِمَالُ كَوْنِهِ الْأَهَمَّ فَلْيُتَأَمَّلْ فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَيَصِحُّ إلَخْ فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ وَجَرُّهُ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنَى) لَا يَخْفَى أَنَّ الْجَرَّ يَلْزَمُ عَلَيْهِ اتِّحَادُ الْإِضْرَابِ مَعَ مَا قَبْلَهُ فَهَذَا مُرَادُهُ بِفَسَادِ الْمَعْنَى (قَوْلُهُ وَمُدْرَكًا بِالْعَكْسِ) هَذَا مُنَافٍ لِمَا قَبْلَهُ لِأَنَّ مَعْنَى هَذَا أَنَّ مَعْرِفَةَ الرَّاجِحِ مُدْرَكًا مِنْ الْأَهَمِّ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يُرِيدُ مُجَرَّدَ الْإِفْتَاءِ أَوْ الْعَمَلِ وَهَذَا مُنَافٍ لِقَوْلِهِ السَّابِقِ فِي مَعْرِفَةِ الرَّاجِحِ مَذْهَبًا وَهِيَ الْأَهَمُّ لِمَنْ يُرِيدُ مُجَرَّدَ الْإِفْتَاءِ وَالْعَمَلِ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ هِيَ الْأَهَمَّ لَهُ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهَا أَهَمَّ لَهُ وَإِلَّا بَطَلَ هَذَا الْحَصْرُ وَأَنَّ مَعْرِفَةَ الرَّاجِحِ مُدْرَكًا هِيَ الْأَهَمُّ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يُرِيدُ الْإِحَاطَةَ بِالْمَدَارِكِ لِأَنَّ كَوْنَهَا مِنْ الْأَهَمِّ بِالنِّسْبَةِ لَهُ يُنَافِي انْحِصَارَ الْأَهَمِّيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لَهُ فِي مَعْرِفَةِ الرَّاجِحِ مُدْرَكًا فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ جَوَابٌ) ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ بِإِبْدَاءٍ إلَخْ (قَوْلُهُ اقْتَضَى بَعْدَهُ) فِيهِ إشَارَةٌ لِتَضْمِينِ الْعَامِلِ (قَوْلُهُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ) أَيْ بِالِاصْطِلَاحِ النَّحْوِيِّ وَقَوْلُهُ الزَّمَنُ الْحَاضِرُ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ إلَّا بَعْضَ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ) يَجُوزُ كَوْنُ إضَافَتِهِ بَيَانِيَّةً (قَوْلُهُ لَزِمَ أَنَّهُ مُسْتَدْرَكٌ إلَخْ) أَقُولُ هَذَا مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ