[مكاتبة النبي عليه الصلاة والسلام العالم، ودعوتهم إلى الإسلام]
ولقد بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرسل إلى ملوك الأرض4، فبعث إلى
كسرى1، وقيصر2، وملك الإسكندرية3،
وإلى أكيدر دومة1، وغيرهم من ملوك الأطراف، وكب إليهم كتبًا، وذلك ما عرف ونقل واشتهر.
وإنما بعث إلى كل واحد منهم رجلًا من أصحابه، ودعاهم إلى الله وإلى التصديق برسالته لإقامة2الحجة وظهور الدعوة وقطع العذر لقوله
تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ...﴾ [النساء: 165] الآيات. فإن الأنبياء كانوا يبعث النبي إلى قومه، وبعث - عليه السلام - إلى الناس كافة.1
## [دعوة النبي عليه الصلاة والسلام الناس، وإرساله الدعاة لذلك] وإنما قصد ببعث هذه الرسل إلى الملوك، بث الدعوة في جميع الممالك، ودعا الناس عامة إلى دينه، على حسب ما أمره الله. وقد كان إذا أنزل الله وحيًا، أو أحدث نسخًا، فيه تأكيد بحجة أو رخصة تدل على سعة الرحمة، بعث الأمناء الأمراء النجباء يعلمون من بعد عنه. كما بعث عليًّا - رضي الله عنه - بسورة براءة، مناديًا ألا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، وكل من كان بينه وبين النبي عهد فمدته إلى أربعة أشهر، وأنه لا يدخل الجنّة إلَّا نفس مسلمة. وبعث معاذًا - رضي الله عنه - إلى اليمن.2
وبعث إلى أهل خيبر من يقول: "إما أن تؤدوا القتيل، أو فأذنوا بحرب من الله ورسوله".3
وبعث إلى بني قريظة أبا لبابة - رضي الله عنه - يستنزلهم على حكمه.1
وجاء أهل قباء واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم في مسجدهم يصلون، فأخبرهم بصرف القبلة إلى المسجد الحرام، فاستداروا وهم في صلاتهم.2
وبعث العلاء بن الحضرمي - رضي الله عنه - إلى أعمال البحرين.3
وبعث عدي بن حاتم - رضي الله عنه - على صدقة طيء.4
## [اجتناب البيوع الفاسدة من الإحسان] ومن الإحسان في البيوع، والتزام العقود الشرعية، والورع في المعاملات المباحة، ما ذكره الإمام أبو الوفا بن عقيل البغدادي في كتاب التذكرة، في باب ما يجتنب من البيوع الفاسدة، فقال:
(يجتنب منها خمسة وعشرون شيئًا، كلها كانوا في الجاهلية يجيزونه، فجاء الإسلام برده وكان تحريمه، فمنها تلقي الركبان، وأن يبيع حاضر لباد1، والنجش2هو من شرها موقعًا، وأذرعها3للحق وفي القلوب4، وأن يسوم الرجل على سوم أخيه المسلم5، ونهى عن بيع
الملامسة، وعن بيع المنابذة1، ونهى عن المحاقلة، وهي مما يقع فيه كثير من الجند، الذين يعاملون الفلاحين، ولا يعرفون شرطه، ونهى عن المزابنة2، وعن بيع الحصاة3، وعن بيع الكلب4، وعن بيع نفع البئر
يعني: مائه1، وعن بيع وسلف2، وعن بيع ما لم يقبض3، وعن بيع ما ليس عندك4وعن بيع الحب حتَّى يفرك5، وعن بيع الثمرة حتَّى
تزهي1، أي: يبدو صلاحها، وهو أن تحمر أو تصفر، وعن بيع الحنطة في سنبلها2، وربح ما لم يضمن خسارته.3
ونهى عن بيعين في بيعة4، وعن بيع المضامين، وحرم بيع
الملاقيح1، ونهى عن بيع وشرط2، ونهى عن بيع الغرر3، وعن بيع
حبل الحبلة1، وعن بيع اللحم، لحيوان.2
وعن عسب الفحل1، وعن بيع الرطب بالتمر2، ورخص في العرايا من أجل الفقراء3،
وعن بيع المجر1، وعن بيع الكالئ بالكالئ).2
فهذه بيوع كثيرة عرف تفصيلها، ووجه الاحتراز منها، من مشهور الأحاديث، وجملة أحاديث النهي عن البيوع الفاسدة ثلاثة وخمسون حديثًا.
وقد بوب العلماء على أكثرها، وأحسنوا التنبيه على ذلك، لئلا يكون
للآكل حجة إذا أخذ الحرام، وسماه بغير اسمه، واحتج لغلبة هواه، ورغبته في تثمير المال بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، ولا يعلم أن من العلم جهلًا، وهو: أن يتكلف العالم الكلام فيما لا يعلم تأويله، ولا يعرف صحته، فينسب إلى الجهل مع علمه بفنون من العلم.
قيل لعفان بن مسلم1، وقد سئل في حضرة الخليفة مسألة فقال: لا أعلم. فقيل له: أيصرف إليك من بيت المال في كل شهر ألف درهم، وأنت لا تعلم! ! فقال: إنما آخذ على ما أعلم، وإلا فلو أخذت على ما لا أعلم لفني بيت المال، قبل أن يفنى ما لا أعلم.2
فمن العلم جهلًا، ومن القول عيلًا، وهو أن تقبل بحديثك على من لا يسمعه، وتخص به من لا يفهمه.3
ومن البيوع فاسد، لا يحل ربحه، ولا يصح العقد فيه.
وللعلماء من التصانيف الجليلة في البيوع ما بيّن الحالي من العاطل1، وأوضح الحق من الباطل، وليس هذا مما يستغني عنه العوام، بل هو مما لا يسعهم جهله، ولا يعذر التجار في التساهل في حفظه.
فقد قال قتادة2في قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 37] الآية قال: (ليس هو أنَّه لم يكن لهم معايش، وأسباب، وتجارة وأعمال، بل كانت عامة أقواتهم من التجارة , والصناعة).3
وكان فيهم أعني: الأنصار، من يعيش من عمل النخيل، والتصدي لازدراع ونحوه.
وقد جاء في الصحيح: (ما من مسلم يزرع زرعًا، أو يغرس غرسًا،
فيأكل منه طير، أو سبع، أو حيوان، إلَّا كان له صدقة).1
## [اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بفقه الحلال والحرام] ولا خلاف أن الصحابة كانت لهم أسباب ومعائش شتى، مع كثرة اشتغالهم بالغزو، الَّذي هو من أشد الأعمال على النفوس، وكان تورعهم واجتهادهم وفقههم الَّذي يتدارسونه بينهم معرفة الحلال والحرام، في المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، ونحو ذلك، وكانوا يرجعون في ذلك كله إلى الكتاب والسنة، ويستفتون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حال حياته، ويسأل بعضهم بعضًا عن سنته بعد وفاته، حتى حفظ عنهم في باب المعاملات ما قطع حجة كل أفاك أثيم، وعرف من شعارهم ما لو تمسكنا به لم نعدل عن النهج القويم، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.
باع عثمان بن عفان - رضي الله عنه - طعامًا، فجاء فاستفتى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرجل يبيع الطعام، أجرة الكيل على البائع، أم على المشتري، فأفتاه أنها على البائع.2
وجاء رجل يوم خيبر، فقال: (يا رسول الله، ما ربح أحد من أهل الوادي ما ربحت اليوم، ما زلت أبيع وأشتري حتَّى ربحت ثلاثمائة أوقية من الذهب، أو قال من الفضة) رواه أبو داود.1
وقد خرَّج البخاري في باب من لم يبال من أين يكسب المال، عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء من أين أخذ المال، من حرام، أم من حلال.2
وفي باب التجارة في البز3وغيره قال قتادة: (كان القوم يتبايعون، ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله، لم تلههم تجارة، ولا بيع
عن ذكر الله، حتَّى يؤدونه إلى الله).1
وفيه عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال: كنت أتجر في الصرف2، قال: قالت زيد بن أرقم فقال: كنت أنا والبراء بن عازب تاجرين في الصرف على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسألناه في الصرف فقال: "إن كان يدًا بيد فلا بأس، وإن كان إلى أجل لا يصلح".3
وروى الشعبي عن النعمان بن بشير يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ [على] ما يشك فيه [من الإثم]، أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه".1
وعن عقبة بن الحارث2: (أن امرأة دخلت عليه، فأخبرته أنها أرضعت امرأته، الحديث، وفيه: فكيف وقد قيل! ! ).3 وقد روي مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: "غبن المسترسل ربا"4،
والمسترسل: الَّذي لا يماكس، بل يقول: خذ أعطني1، فيرجع في بيعه إلى قيمة المثل، أو يكسب عليه القدر المعارف من غير شطط، ولا جور.
وكيف يصح أن الدنيا ملعونة، وليس من رزق، ولا من نعمة، ينالها العبد إلَّا على ظهرها.
وقد قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: 15]، وإنما يذم منها حرام من غير وجهه، أو حلال على سبيل التكاثر والتفاخر، وما يقتنى قصد المباهاة والمماراة، فذلك الَّذي هو ممقوت عند ذوي الألباب.2
وقد جاء رجل يوم خيبر فقال: (يا رسول الله ما ربح أحد من أهل هذا الوادي ما ربحت اليوم، ما زلت أبيع وأشتري حتَّى ربحت ثلاثمائة أوقية).1
وقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عروة براي أبي الجعد البارقي، يشتري له شاة بدينار، فاشتري شاتين بدينار، ثم رجع التي النبي - صلى الله عليه وسلم - بشاة ودينار، وقال: (إني اشتريت شاتين بدينار، فبعت إحداهما بدينار، وهذه شاة ودينار)، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أربح الله بيعك" رواه البخاري. وفيه: (وكان عروة البارقي لو اتجر في التراب لربح).2
وكان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - تاجرًا.3
وقد روى أهل العلم بأحوال الصحابة وأيام الناس، أن الزبير - رضي الله عنه - مات وعليه ثمانون ألف دينار، فقضيت من تركته، ثم كان الثمن من تركته بعد ذلك ستين ألف دينار، وكان مما ترك من كراع وسلاح وأثاث ألف فرس.1
وقد عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا وهو ممن شهد بدرًا وفتح خيبر فقال: يا رسول الله إنك زوجتني فلانة ولم أسم لها مهرًا وإني قد جعلت لها من ذلك سهمي الَّذي بخيبر فأجاز ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فباعته بمائة ألف، خرجته العلماء في كتب الأحكام"، واتسع الإسلام في زمن عمر - رضي الله عنه -، وفشى
المال حتَّى تحدث أن نخلة بيعت بألف واشترى علي فيه فرسًا بمائة ناقة.
وقد قال حاتم الأصم1: (من اكتفى بتحسين المقال دون التفقه والعمل به تزندق، ومن عمل بغير علم وقع في البدع، ومن تفقه ولم ينشر العلم ولم ير العمل به من شرطه فسق، ومن تفنن في الأبواب كلها تخلص).2
فما وجدناه من كتاب الله تعالى، وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو عن جميع أصحابه الطاهرين رضي الله عنهم أجمعين، أخذناه باليدين، وعضضنا عليه بالناجذين3، وتمسكنا به حتَّى نلقى الله به معتصمين، وما لم نجده في هذه الأنوار الساطعة، والطرق المأمونة، والسبيل المضمونة المقطوع على أنها حق عند الله تعالى نفرنا منه ولم نجسر عليه ووليناه من تولاه وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين#.4