[محاولة اليهود رشوة عبد الله بن رواحة]
ولقد قالوا له مرة: يا عبد الله لقد زدت علينا، ورشوه بشيء من حلي نسائهم، فقال: يا معشر يهود كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد، قال: فإني عاهدت محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أن لا أكتم حقًّا، أو أواطئ على باطل، فرد إليهم الحلي، فأيسوا مه، ولم يجدوا بدًا من دفع الحق إلى المسلمين.2
وروي مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: لعن الله الراشي والمرتشي".1
ولقد مر علي - رضي الله عنه - يهودي، فنظر من ثلمة2في الحائط، فبصر باليهودي يستقي ببكرة3، فقال: يا أخا العرب هل لك في كل دلو تمرة! قال: نعم، فدخل علي - رضي الله عنه - فأخذ الدلو، قال: فجعلت كلما نزعت دلوًا رمي لي بتمرة، حتى جمعت ملئي كفي، تركت الدلو وذهبت، قال: ما بدا لك، قلت: حسبي، فأخذت التمر فأكلته، ثم أتيت المسجد، فما أن غزونا خيبر، فأغنمها الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقتل اليهودي، وقسمت
أمواله ورباعه في أهل بيعة الرضوان وأصحاب السفينة.1
ولا خلاف أن عمل فلاحي2المسلمين أنفع لأرضهم، واشتراكهم فيما يرزقهم الله من ثمر وزرع أصلح في دينهم ودنياهم، من أن يفلحها الكفار، ويبقى فلاحو3المسلمين فقراء محتاجين.
وإذا أراد صاحب الأرض أن يغرسها، فعامله إنسان على أن يكون له نصف الثمر ويقوم بمصالحها، ونصف الثمر لصاحب الأرض جاز ذلك.4
ولو قال: اسق هذه الثمرة بعد ظهورها، على شيء معلوم من الثمر، وأن يخرصها جاز ذلك.1
## [أصل مذهب أحمد في العقود الجواز] وأصل مذهب أحمد في العقود الجواز، فلا يحرم منها إلَّا ما حرمه الله ورسوله، ومذهبه أوسع المذاهب في باب المزارعة والمناصبة والمساقاة، وكل ما كان من المعاملات المباحة.2
وعلى العامل الحرث وآلته، وبقره، وإصلاح طرق الماء، وقطع الشوك والشجر اليابس، وزبار الكرم3، وتسوية الثمرة، والحفظ والتشميس، وإصلاح موضعه، وقيل: ما يتكرر كل عام فهو على العامل، وما عداه فعلى رب الأرض.4
## فصل [رفع الجوائح من الإحسان] وأما الجائحة5في بيع الثمار ففيها نزاع مشهور، فلو اشترى ثمرًا قد
بدا صلاحها، فأصابته جائحة، كان من ضمان البائع في مذهب مالك، والإمام أحمد، وجماعة من علماء السلف.
وقد صح النقل وثبت الخبر في صحيح مسلم مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن بعت من أخيك ثمرة، فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئًا! أيأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق! ! ".1 وأما أبو حنيفة فلا يفرق بين ما بيع قبل بدو الصلاح أو بعده.2
وأما ضمان البساتين عامًا أو أعوامًا، ليستغلها الضامن بسقيه وعمله، كالإجارة، وكذلك إذا بدا الصلاح في جنس من الثمر3إذا أكل منه، وبيع جميع ثمر البستان فأظهر الأقوال جواز ذلك.4
وكذلك لو أعطى ماء ليسقي به زرعه، ويكون له الربع منه، أو أقل أو أكثر جاز، سواء كان الماء من صاحب البذر العامل فيها، أو من صاحب الأرض، أو من غيرهما، كل هذا جائز، وهذا من جنس المشاركة، لا من جنس الإجارة، وهو بمنزلة المساقاة والمزارعة.
والصحيح على مذهب أهل الحديث، أن المزارعة جائزة، سواء كان البذر من المالك، أو من الفلاح، أو منهما، وسواء كان على أرض بيضاء، أو ذات شجر، وكذلك تصبح المساقاة على جميع الأشجار، ويورث من كل منهم، وتقسم الشجرة أو الزرع في ورثته قسمة شرعية، فإن هذا كله من فضل الله الَّذي يبتغى في الأرض.
ومن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20)﴾ [الحجر: 20].
ومن قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا في مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: 15].
ومن قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63)...﴾ [الواقعة: 63].
وقد كان إبراهيم بن أدهم1وشقيق2بعد ما كانا فيه من سعة الرزق، يقومان على الكروم، ويسترزقان الله من العمل في البساتين، ويتقوتان3من الحصاد، وهو سنة ماضية من عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، وخلفائه الراشدين، فمن بعدهم.