[قد تتلازم شعب الإيمان عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف]
أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف، فإذا قوي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله، أوجب بغض أعداء الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ [المائدة: 81].
وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: 22]، وقد يحصل من الرجال نوع من موادتهم1لرحم أو حاجة، فيكون2ذنبًا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنزل الله فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ الآية3[الممتحنة: 1].
وكما حصل من4سعد بن عبادة لما انتصر لابن أبو نوبة5الإفك، فقال لسعد بن معاذ: (كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله). قالت عائشة: (وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية).6
ولهذه الشبهة سمى عمر حاطبًا منافقًا، فقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال له: (إنه قد شهد بدرًا)، فكان عمر متأولًا في تسميته منافقًا للشعبة7التي فعلها، وكذلك قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين، هو من هذا الباب.
وكذلك قول من قال من الصحابة عن مالك بن الدخشن8منافق،
إن1كان قال ذلك لما رأي فيه من نوع معاشرة، ومودة للمنافقين.
ولهذا لم يكن المتهومون2بالنفاق نوعًا واحدًا، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب، وفيه شعبة من النفاق، وكان كثير ذنوبهم بحسب ظهور الإيمان، ولما قوي الإيمان.
وظهور3الإيمان وقوته عام تبوك، صاروا يتعاقبون4من النفاق على ما لم يكونوا يتعاقبون5عليه قبل ذلك.