فصل [الكلام على الأحاديث التي تبين حقيقة الإسلام والإيمان]
أول ما في الحديث سؤاله عن "الإسلام" فأجابه3: بأنّ الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت.4
وهذه الخمس هي المذكورة في حديث ابن عمر المتفق عليه: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام
الصلاة، وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا).1
وهذا قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن فرض الله الحج، فلهذا ذكر الخمس، وأكثر الأحاديث لا يوجد فيها ذكر الحج كما2في حديث وفد عبد القيس3: "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟
..................................
شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس".1
## [الكلام على حديث وفد عبد القيس] وحديث وفد عبد القيس من أشهر الأحاديث وأصحها، وفي بعض طرق البخاري لم يذكر الصيام لكن هو مذكور في كثير من طرقه، وفي مسلم، وهو أيضًا مذكور في حديث أبي سعيد الذي ذكر فيه قصة وفد عبد القيس، رواه مسلم في صحيحه عنه، واتفقا على حديث ابن عباس2، وفيه: أنه أمرهم بإيتاء الخمس من المغنم، والخمس إنما فرض في غزوة بدر3، وشهر
رمضان فرض قبل ذلك.1
ووفد عبد القيس من خير2الوفد الذين وفدوا على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقدومهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قبل فرض الحج، وقد قيل: إنهم3قدموا سنة الوفود سنة تسع.4
والصواب أنهم قدموا قبل ذلك، فإنهم قالوا: بيننا5وبينك هذا الحي من كفار مضر6-يعنون أهل نجد- وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام.
وسنة تسع كانت العرب قد ذلت وتركت الحرب، وكانوا بين مسلم أو معاهد خائف، لما فتح الله مكة1، ثم هزم هوازن يوم حنين2، وإنما كانوا ينتظرون بإسلامهم فتح مكة.3
وقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر - رضي الله عنه - أميرًا على الحج سنة تسع، وأردفه بعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، لتنفيذ العهود التي كانت بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين العرب، إلا أنه أجلهم أربعة أشهر من حين حجة أبي بكر4وكانت
في ذي القعدة1
..................................
وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ الآية [التوبة: 5]، وهذه الأربعة التي أجلوها هي الأربعة الحرم.
ولهذا غزا النبي - صلى الله عليه وسلم - النصارى بأرض الروم عام تبوك سنة تسع قبل إرسال أبي بكر - رضي الله عنه - أميرًا على الموسم1، وإنما أمكنه غزو النصارى لما اطمأن من جهة مشركي العرب، وعلم أنه لا خوف على الإسلام منهم.
ولهذا لم يأذن لأحد ممن يصلح للقتال في التخلف، فلم يتخلف إلا منافق، أو الثلاثة الذين تيب عليهم2، أو معذور.
ولهذا لما استخلف عليًا على المدينة3عام تبوك طعن المنافقون فيه
..................................
لضعف هذا الاستخلاف، وقالوا إنما خلفه لأنه يبغضه، فأتبعه علي وهو يبكي فقال: (أتخلفني مع النساء والصبيان؟ ) فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي".1
وكان قبل ذلك يستخلف على المدينة من يستخلفه، وفيها رجال من أهل القتال وذاك لأنه لم يكن حينئذ بأرض العرب، لا بمكة، ولا بنجد ونحوهما، من يقاتل أهل دار الإسلام -مكة والمدينة وغيرهما- ولا يخيفهم.
ثم لما رجع من تبوك أمر2أبا بكر على الموسم، يقيم الحج والصلاة، ويأمر أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان3، وأتبعه بعلي لأجل نقض العهود، إذ كانت عادة العرب أنهم لا يقبلون4
إلا من المطاع الكبير، أو من رجل من أهل بيته.1
والمقصود أن بهذا يتبين2أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل ذلك.