رابعاً: كثرة الاستطرادات والتكرار في "الإيمان الكبير" دون "شرح حديث جبريل":
ومن الفروق التي ظهرت بين الكتابين ورود التكرار في "الإيمان الكبير" أكثر من مرة، نجد ذلك واضحاً في مسألة الاستثناء، وفي مناقشة الإمام محمد بن نصر، وإن كان لذلك دواعي رآها المؤلف، كما وقع في مسألة الاستثناء، حين بحثها عبد مناقشة لمسمى الإيمان عند الأشاعرة، مستدلاً بها على تناقضهم، ثم عاد وبحثها ثانية بحثاً مستفيضاً في آخر الكتاب. أما كتاب "شرح حديث جبريل" فلم يقع فيه أي تكرار تقريباً. أما الاستطرادات فلم يخل منها الكتابان، وقد جاءت متفقة مع حجم كل منهما تقريباً، على أننا نؤكد في هذا المقام أهمية هذه الاستطرادات، وعظيم نفعها، فمن الاستطرادات التي وقعت في كتاب "الإيمان الكبير" ما بحث فيه المؤلف مسألة المجاز، والأقوال فيها، وقد بلغ هذا الاستطراد ستاً وعشرين صفحة، وكذلك مسألة الكلام النفسي، "والعجيب أنَّ شيخ الإسلام استوفى مباحث هذه المسألة -مسألة الكلام النفسي والرد على الأشاعرة فيه- في كتاب الإيمان أكثر من غيره من كتبه ورسائله".1
وهناك أيضاً الاستطراد الذي وقع في مسألة "القدر" في نحو ست
صفحات، والاستطراد عن "الظلم وأنواعه" الذي بلغ أكثر من عشر صفحات. أما الاستطرادات الواقعة في كتاب "شرح حديث جبريل"، فمنها ما وقع في معرض رده على الفلاسفة وغلاة المتصوفة، وهو استطراد كبير، لا سيما إذا قورن بحجم الكتاب، حيث بلغ أكثر من عشر صفحات. على أنَّ لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى من وراء هذه الاستطرادات النافعة أهدافاً يريد الوصول إليها، وهي ما عبر عنه في كتاب "شرح حديث جبريل" بقوله: "ولكن المقصود التنبيه على تشابه رؤوس الضلال، حتى إذا فهم المؤمن قول أحدهم أعانه على فهم قول الآخر، واحترز منهم وبيّن ضلالهم، لكثرة ما أوقعوا في الوجود من الضلالات".1
وهذه ميزة لكتاب "شرح حديث جبريل" حيث نبه المؤلف -رحمه الله- على الأسباب التي تدعوه في كثير من الأحيان أن يستطرد، وأن غالب استطرادات شيخ الإسلام -إنَّ لم تكن كلها- كانت بقصد بيّنه -رحمه الله- في ذلك الكتاب، وقمنا بإبراز هذه القضية والتعليق عليها أثناء التحقيق.
وهذا منهج عظيم في البحث والتقصي، يعتمد على أساليب التمثيل والمقارنة بين عقائد الفرق والطوائف المنحرفة، وينتفع به العالم والمتعلم على حد سواء.
ولم يكد يظفر بهذا المنهج سوى أفراد قلائل، أوتوا حظاً عظيماً من العلم والمعرفة والتحقيق -كشيخ الإسلام رحمه الله- الذي يعد بحق فارس هذا الميدان.