[حكاية الأشعري مقالة أهل السنة]
جملة ما عليه أصحاب الحديث [و]4أهل السنة، الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يردون من ذلك شيئًا، وأن الله سبحانه إله واحد فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن الجنّة حق، وأن5النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى5﴾ [طه: 5]، وأن له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]، وإن له عينين كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: 14]، وأن له وجهًا كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ
رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)﴾ [الرحمن: 27]، وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج إلى أن قال: ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف واللفظ بدعة، من قال بالوقف أو اللفظ فهو مبتدع عندهم، لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال غير مخلوق، إلى أن قال: ولا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك، من الكبائر، وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون، وإن ارتكبوا الكبائر.
والإيمان عندهم هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطأهم.
والإسلام هو أن تشهد1أن لا إله إلَّا الله على ما جاء في الحديث، والإسلام عنده غير الإيمان إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق، وذكر كلامًا طويلًا ثم قال في آخره: وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول إليه نذهب.2
فهذا قوله في هذا الكتاب، وافق فيه أهل السنة وأصحاب الحديث، بخلاف القول الذي نصره في الموجز.
والمقصود هنا أن عامة فرق الأمة تدخل ما هو من أعمال القلوب3، حتَّى عامة فرق المرجئة تقول بذلك.4
وأما المعتزلة والخوارج وأهل السنة وأصحاب الحديث فقولهم في ذلك معروف5، وإنما نازع في ذلك من اتبع جهم بن صفوان من المرجئة.
وهذا القول شاذ كما أن قول الكرامية الذين يقولون [هو]1مجرد قول اللسان شاذ أيضًا.
وهذا2مما ينبغي الاعتناء به، فإن كثيرًا ممن تكلم في مسألة الإيمان هل تدخل فيه)3الأعمال؟ وهل هو قول وعمل؟ يظن4أن النزاع إنما هو في أعمال الجوارح، وأن المراد بالقول قول اللسان، وهذا غلط، بل القول المجرد عن اعتقاد الإيمان ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، إلَّا من شذ من اتباع ابن كرام، وكذلك تصديق القلب الَّذي ليس معه حب لله ولا تعظيم، بل فيه بغض وعداوة لله ولرسله، ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، فليس مجرد التصديق بالباطن هو الإيمان عبد عامة المسلمين، إلَّا من شذ من أتباع جهم والصالحي5، وفي قولهما6من السفسطة العقلية والمخالفة في الأحكام الدينية أعظم مما في قول ابن كرام، وقول ابن كرام فيه مخالفة في الاسم دون الحكم، فإنه وإن سمى المنافقين مؤمنين يقول إنهم مخلدون في النار، فيخالف الجماعة في الاسم دون الحكم7وأتباع جهم يخالفون في الاسم والحكم جميعًا.
فصل إذا عرف أن أصل الإيمان في القلب، فاسم الإيمان تارة يطلق على ما في القلب من الأقوال القلبية، والأعمال القلبية، من الصديق والمحبة والتعظيم ونحو ذلك، وتكون الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة لوازمه وموجباته ودلائله، وتارة على ما في القلب والبدن، جعلا لموجب الإيمان ومقتضاه داخلًا في مسماه.