[المدلول المستلزم للدليل]
والمقصود هنا أن المدلول إذا كان وجوده مستلزمًا لوجود دليله كان انتفاء دليله دليلًا على انتفائه، أما إذا أمكن وجوده وأمكن أن لا نعلم نحن دليل ثبوته لم يكن عدم علمنا بدليل وجوده دليلًا على عدمه. فأسماء الله تبارك وتعالى وصفاته إذا لم يكن عندنا ما يدلنا عليها لم يكن ذلك مستلزمًا لانتفائها، إذ ليس في الشرع ولا في العقل ما يدل على أنا لا بد أن نعلم كل ما هو ثابت له تعالى من الأسماء والصفات. بل قد قال أفضل الخلق وأعلمهم بالله عز وجل في الحديث الصحيح: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك).1
وفي الحديث الصحيح حديث الشفاعة: "فأخرّ ساجدًا فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحصيها الآن".2
فإذا كان أعلم3الخلق بالله تعالى4لا يحصي ثناء عليه، ولا يعرف الآن محامده التي يحمده بها عند السجود للشفاعة، فكيف يكون غيره عارفًا بجميع محامد الله والثناء عليه، وكل ما له من الأسماء الحسنى فإنه
داخل في محامده وفي ما يثنى عليه، وإذا كان كذلك فمن كان بما له من الأسماء والصفات أعلم وأعرف [كان بالله أعلم وأعرف]1، بل من كان بأسماء النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفاته أعلم كان بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أعلم، فليس من علم أنه نبي كمن علم أنه رسول، ولا من علم أنه رسول كمن يعلم أنه خاتم الرسل، ولا من علم أنه خاتم الرسل كمن علم أنه سيد ولد آدم، ولا من علم ذلك كمن علم ما خصه الله به من الشفاعة والحوض والمقام المحمود والملة وغير ذلك من فضائله - صلى الله عليه وسلم -، وليس كل من جهل شيئًا [من خصائصه]2يكون كافرًا، بل كثير من المؤمنين لم يسمع بكثير من فضائله وخصائصه، فكذلك ليس كل من جهل بعض أسماء الله وصفاته يكون كافرًا، إذ كثير من المؤمنين لم يسمع كثيرًا مما وصفه به رسوله وأخبر به عنه، فهذه الوجوه3ونحوها مما تبين4تفاضل الإيمان الذي في القلب، وأما تفاضلهم في الأقوال والأعمال الظاهرة فلا يشبه5على أحد والله أعلم.
فصل