الشبهة الأولى
: اعتقادهم أن الإيمان كل لا يتجزأ، إما أن يوجد كله، وإما أن يذهب كله. يقول -رحمه الله- عن هذه الشبهة: "أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذ ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه".2
## الشبهة الثانية : أنه لا يجتمع في الإنسان كفر وإيمان.
ويقول المصنف -رحمه الله-: "ومن العجب أن الأصل الذي أوقعهم في هذا، اعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان بعض الإيمان وبعض الكفر، أو ما هو إيمان وما هو كفر، واعتقدوا أن هذا متفق عليه بين المسلمين"3"وادعوا أن هذا خلاف الإجماع".4
فاعتبار الإيمان حقيقة واحدة، لا يتجزأ، ولا يتبعض، ولا يزول منه جزء، ويبقى منه جزء، إما أن يوجد كله، أو يذهب كله، كان هو الشبهة الأولى والأصل الفاسد الكبير الذي شيدت عليه أقوال أهل البدع في الإيمان.
وكذلك القول بأنه لا يجتمع في العبد إيمان وبعض من الكفر، واعتبار هذا الأصل الفاسد، أصلاً مجمعاً عليه بين المسلمين، مع أن الصحيح هو أن إجماع سلف الأمة بخلافه.
فالخوارج والمعتزلة -الذين يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان- قد
بنوا مذهبهم في تصور حقيقة الإيمان، وفي حكم مرتكب الكبيرة في ضوء هاتين الشبهتين الفاسدتين.
وطوائف المرجئة من مرجئة الفقهاء وجهمية وكرامية وأشعرية وماتريدية -وهم متفقون على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان- قد أقاموا مذاهبهم في الإيمان على هاتين الشبهتين الفاسدتين أيضاً.
يقول المصنف -رحمه الله-: "ثم قالت الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان، فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان، فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان.
وقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئاً واحداً، لا يتبعض، إما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة، قالوا: لأنا إذا أدخلنا يه الأعمال صارت جزءاً منه، فإذا ذهبت ذهب بعضه، فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج"1، فلهذا عمدوا إلى إخراج الأعمال من الإيمان.
ويقول أيضاً في موضع آخر: "وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله، لم يبق منه شيء.
ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث، قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار.
وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئاً من الإيمان، إذ لو ذهب شيء منه يبق منه شيء، يكون شيئاً واحداً يستوي فيه البر والفاجر.. ".2 وعلى هذا فنقول: إن الخوارج والمعتزلة خالفوا أهل السُّنّة والجماعة في الاسم
والحكم، فنزعوا عن صاحب الكبيرة اسم المؤمن، وكفرته الخوارج، وجعلته المعتزلة في منزلة دين المنزلتين. أما في الحكم فقد حكمت عليه كلا الطائفتين -كما سبق- بالخلود في النار. وأما المرجئة فقد خالفوا أهل السنَّة والجماعة في الاسم لا في الحكم، حيث يجعلون المرء مؤمناً ولو لم يعمل شيئاً قط، فهم قد نازعوا في اسم الإيمان، ومن يستحقه. أما في الحكم فقد أجازوا أن يعذب أهل الكبائر، غير أن شيخ الإسلام -رحمه الله- يذكر أن هناك فرقتين من المرجئة نازعوا في ذلك، وهما: فرقة الواقفة التي توقفت في أهل الكبائر، وقالوا: لا نعلم أن أحداً منهم يدخل النار. وفرقة الغلاة الذين يجزمون أن النار لا يدخلها أحد منهم.1
أما الكرامية فيخالفون في الاسم لا في الحكم، فهم وإن سموا المنافقين مؤمنين، فإنهم يقولون إنهم مخلدون في النار. وأما الجهمية فقد خالفوا أهل السنَّة والجماعة في الاسم والحكم جميعاً.2
ويلخص المصنف -رحمه الله- ذلك بقوله: "وقول المعتزلة والخوارج والكرامية في اسم الإيمان والإسلام أقرب إلى قول السلف من قول الجهمية، لكن المعتزلة والخوارج يقولون بتخليد العصاة، وهذا أبعد، عن قول السلف من كل قول، فهم أقرب في الاسم وأبعد في الحكم، والجهمية وإن كانوا في قولهم: بأن الفساق لا يخلدون أقرب في الحكم إلى السلف، فقولهم في مسمى الإسلام والإيمان وحقيقتهما أبعد من كل قول عن الكتاب والسنّة.. ".3
وقد فهم علماء السلف الصالح رضوان الله عليهم شبهات المخالفين في الإيمان من قبل، وعرفوا أصولهم الفاسدة، وعلموا أن الإيمان عندهم شيء واحد، لا أكثر، لا يتجزأ، إما أن يذهب كله، وإما أن يبقى كله. ومن أجل ذلك فقد كانت مناظراتهم مع المرجئة -على سبيل المثال- تنصب محطمة هذه الأصول الفاسدة، وكاشفة لهذه الشبهات الباطلة. يذكر المصنف -رحمه الله- أن الإمام أحمد قد بعث بجواب إلى أبي عبد الرحيم الجوزجاني في خرسان يتضمن ردوداً على المرجئة، ومن هذه الردود: "وأما من زعم أن الإيمان الإقرار، فما يقول في المعرفة؟ هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج أن يكون مصدقاً بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار، فقد زعم أنه من شيئين، وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقراً ومصدقاً بما عرف، فهو من ثلاثة أشياء، وإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق، فقد قال قولاً عظيماً ولا أحسب أحداً يدفع المعرفة والتصديق، وكذلك العمل مع هذه الأشياء".1
كما ينقل عن الإمام أبي ثور -رحمه الله- قوله في رده على المرجئة: "فأما الطائفة التي ذهبت إلى أن العمل ليس من الإيمان، فيقال لهم: ماذا أراد الله من العباد إذ قال لهم: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، الإقرار بذلك أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل، فقد كفرت، وإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل، قيل: فإذا كان أراد منهم الأمرين جميعاً، لم زعمتم أنه يكون مؤمناً بأحدهما دون الآخر، وقد أرادهما جميعاً؟ أرأيتم لو أن رجلًا قال: أعمل جميع ما أمر به الله ولا أقر به، أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فإن قال أقر بجميع ما أمر الله به، ولا أعمل به، أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: نعم، قيل: ما الفرق؟ فقد زعمتم
أن الله أراد الأمرين جميعًا، فإن جاز أن يكون أحدهما مؤمنًا إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر إذا عمل به ولم يقر مؤمنًا..".1 ويعقب المصنف رحمه الله على مناظرة الإمامين بقوله: "قلت: أحمد وأبو ثور وغيرهما من الأئمة كانوا قد عرفوا أصل قول المرجئة، وهو أن الإيمان لا يذهب بعضه ويبقى بعضه، فلا يكون إلا شيئًا واحدًا، فلا يكون ذا عدد اثنين أو ثلاثة، فإنه إذا كان له عدد، أمكن ذهاب بعضه وبقاء بعضه.. فلهذا صاروا يناظرونهم بما يدل على أنه ليس شيئًا واحدًا..".2 ## ثانيًا: تقرير شبهتهم في الإيمان: بذكر المصنف أن من خالف في مسمى الإيمان يقولون: إن الحقيقة المركبة المكونة من أجزاء، تزول إذا زالت بعض أجزائها، ومثلوا لذلك بالرقم عشرة، ومركب السكنجبين، وغيرهما من المركبات.3
فالعشرة إذا زال بعضها، لم تبق عشرة، فإذا زال منها واحد مثلًا، صارت تسعة، ولم تعد عشرة، والسكنجبين الذي يتكون من خل وعسل، إذا زال أحدهما، لم يبق سكنجبينًا؛ بل يصير إما خلاً أو عسلاً.4
وبناء على هذا الأساس؛ فالإيمان إذا كان مركبًا من أقوال وأعمال، ظاهرة وباطنة، فإنه يزول إذا زالت بعض هذه الأقوال والأعمال.
وهذا مأخذ كل من الخوارج والمعتزلة.
وأما الجهمية والمرجئة فمأخذهم: أنه إذا كان الإيمان مركبًا من أقوال وأعمال -ومرتكب الكبيرة خارج عنه، كما تقوله الخوارج والمعتزلة، وهو قول فاسد- فإنه يلزم أن يكون الرجل مؤمنًا بما فيه من
الإيمان، كافرًا بما فيه من الكفر، فيقوم به كفر وإيمان، وادعت المرجئة أن هذا خلاف الإجماع. لذا كان إخراج الأعمال من الإيمان عندهم هو الطريق الصحيح، لتجنب قول الخوارج والمعتزلة من جهة، ولموافقة هذا الأصل الفاسد من جهة أخرى.1
ويزيد شيخ الإسلام رحمه الله في توضيح شبهة من مغ من أهل البدع أن يجتمع في الرجل شعبة من إيمان وشعبة من كفر، وتداعيات هذه الشبهة.
حين قال بعضهم: لا يجتمع في الرجل الواحد طاعة ومعصية، لأن الطاعة من الإيمان، والمعصية من الكفر، فلا يجتمع فيه كفر وإيمان، وقالوا: ما ثم إلا مؤمن محض، أو كافر محض.
وهذا الأصل الفاسد الذي شيدت عليه المرجئة مذهبهم في الإيمان، وهو أنه لا يجتمع في الإنسان ما هو إيمان وما هو كفر -وزعموا أن الإجماع عليه- طرده كثير من أهل البدع، واستعملوه في بعض القضايا الفلسفية.
فقد نقل بعض هؤلاء حكم الواحد من الناس إلى الواحد من الأعمال، فقالوا: لا يكون العمل الواحد محبوبًا من وجه، مكروهًا من وجه.
وغلا بعضهم فنقله إلى الواحد بالنوع، فقال: لا يجوز أن يكون جنس السجود أو جنس الركوع أو غير ذلك من الأعمال بعض أنواعه طاعة، وبعض أنواعه معصية، وعلل ذلك بقوله: لأن الحقيقة الواحدة لا توصف بوصفين مختلفين، بل الطاعة والمعصية تتعلقان بأعمال القلوب، وهو ما يقصده الساجد أو الراكع، ولا علاقة لهما بالعمل الظاهر.2
وقال شيخ الإسلام في موضع آخر موضحًا بعض الآثار المترتبة على هذا الأصل الفاسد المتعلقة بالإيمان: "بل الخوارج والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد، وقالوا: لا يجتمع في الشخص الواحد طاعة يستحق بها الثواب، ومعصية يستحق بها العقاب، ولا يكون الشخص الواحد محمودًا من وجه، مذمومًا من وجه، ولا محبوبًا مدعوًا له من وجه، مسخوطًا ملعونًا من وجه، ولا يتصور أن الشخص الواحد يدخل الجنة والنار جميعًا عندهم، بل من دخل إحداهما لم يدخل الأخرى عندهم، ولهذا أنكروا خروج أحد من النار، أو الشفاعة في أحد من أهل النار، وحكي عن غالية المرجئة أنهم وافقوهم على هذا الأصل، لكن هؤلاء قالوا: إن أهل الكبائر يدخلون الجنة ولا يدخلون النار مقابلة لأولئك".1
## ثالثًا: الرد على شبهتم في الإيمان، وذلك من وجوه: وقد قام شيخ الإعلام رحمه الله تعالى بتفنيد شبهتهم التي تقوم على أن الإيمان حقيقة واحدة، إما أن يبقى كله، أو يذهب كله، وكان تفنيده في عدة وجوه: الأول: إن الحقيقة الجامعة لأمور أو أجزاء (كالمركبات) -أعيانًا كانت أو أعراضًا- إذا زال بعض أجزائها، لم يلزم من ذلك زوال سائر الأجزاء.
والرد عليهم بما أوردوه من أمثلة، فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة، بل التسعة باقية، وكذلك إذا زال أحد جزئي السكنجبين لم يلزم من ذلك زوال الجزء الآخر.
الثاني: إن هذه الحقيقة الجامعة لأمور أو أجزاء إذا زال بعض أجزائها، فإن صورتها المجتمعة، وهيئتها الاجتماعية قد زالت.
وبالتالي فإن الاسم الذي كان يطلق عليها بسبب هذه الأجزاء المجتمعة قد زال، كما زال اسم العشرة، واسم السكنجبين.
الثالث: أن هذه الحقيقة، أو تلك المركبات لم تبق كما كانت، ولم تعد على تركيبها، كالشجرة إذا زال بعض أجزائها، لم تبق كما كانت قبل زوال تلك الأجزاء. والإيمان والصلاة والحج من هذا الباب، فإذا زال بعضها لم تبق كما كانت قبل زوال بعضها. ولكن لا يلزم -كما سبق- من زوال بعضها أن تزول بقية أجزائها. الرابع: هل يلزم من زوال بعض أجزاء المركبات زوال اسمها؟. والجواب: أن المركبات في ذلك على قسمين: قسم: ما يكون التركيب فيها شرطًا في إطلاق الاسم عليها. فإذا زالت بعض أجزاء التركيب، زال الاسم بزوالها، ومثال ذلك اسم العشرة واسم السكنجيين، واسم الإيمان المطلق إذا نظرنا إلى أنه مركب من قول وعمل. وقسم: ما لا يكون التركيب فيها شرطًا في الاسم. فهذه المركبات لا يزول الاسم عنها بزوال بعض أجزائها، لأن التركيب فيها ليس شرطًا في إطلاق الاسم عليها. والأمثلة على هذا القسم كثيرة، "وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء من هذا الباب، وكذلك المخلفة الأجزاء".1
ومن الأمثلة على هذا القسم: العباد، والطاعة، والخير، والبر، والإحسان، والصدقة، والعلم، مما يدخل فيه أمور كثيرة، ويتكون من أجزاء عديدة، فإن الاسم في هذه الأشياء يطلق على القليل منها وعلى الكبير، ويطلق الاسم أيضًا عليها إذا زالت بعض أجزائها، وبقيت أجزاء أخرى منها.
ومن ذلك لفظ القرآن، فإنه يطلق على جميع القرآن، ويطلق على بعضه، ولو نزل قرآن أكثر من هذا لسمي قرآنًا.
وكذلك لفظ القول والكلام والذكر والدعاء، يطلق على القليل والكثير. وكذلك لفظ البحر والنهر والمدينة والقرية، يطلق عليها الاسم حتى ولو نقصت بعض أجزائها. وكذلك لفظ النبات والحيوان والإنسان، لو قطع شيء من النبات، أو من الحيوان، أو من الإنسان، لسمي المقطوع منه نباتًا وحيوانًا وإنسانًا. وهكذا نرى أنَّ كثيرًا من المركبات، إذا زالت بعض أجزائها، لا تزول أجزاؤها الأخرى، ولا يزول الاسم عنها بزوال بعض أجزائها. وعلى هذا فلا يصح قولهم: إن الشيء إذا زال جزء منه، لزم أن يزول الاسم، إذا أمكن أن يبقى الاسم مع بقاء الجزء الثاني. الخاص: اسم الإيمان من القسم الثاني من المركبات، التي يطلق الاسم فيها على قليله وغيره، باعتبار أن الإيمان بضع وسبعون شعبة، وعلى هذا لا يلزم أن يزول الإيمان كلها إذا زال بعض أجزائه، ولا يلزم أيضًا أن يزول اسم الإيمان بالكلية بزوال بعض الأجزاء. ففي الحديث الصحيح: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان". ومعلوم أنه إذا زالت الإماطة، لم يزل اسم الإيمان. وفي الحديث الآخر - صلى الله عليه وسلم -: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان". فأخبر في هذا الحديث أنه يتبعض، وأنه يذهب بعضه، ويبقى بعضه.1
السادس: الإيمان له كمالان: كمال واجب، وكمال مستحب.
كالصلاة والحج، فالصلاة فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمال
الاستحباب، وفيها أجزاء واجبة تنقص بزوالها عن الكمال الواجب. والحج فيه أجزاء ينقص بزوالها عن كماله الواجب، ولا يبطل بتركها؛ كرمي الجمار، والمبيت بمنى، وكير ذلك؛ وفيه أجزاء ينقص بزواله عن كماله المستحب. فتبين أن المركبات من القسم الثاني، لها كمال واجب، وكمال مستحب، بحسب الأجزاء الناقصة منها.1
السابع: ليس للإيمان حقيقة واحدة، مثل حقيقة السواد والبياض؛ بل الإيمان -وكذلك الكفر- يختلف بسبب عدة أمور: منها: اختلاف حال المكلف، واختلاف بلوغ التكليف له، وزوال الخطاب الذي به التكليف.
وتفصيل ذلك بما يلي: 1 - في بداية الدعوة كان الإيمان تامًا بما نزل فقط، فمن آمن قبل أن تفرض الصلوات الخمس، كان مؤمنًا تام الإيمان، ومن آمن بعد فرضها، وقبل أن يفرض الصيام كان أيضًا مؤمنًا تام الإيمان، ومن آمن قبل أن تحرم الخمر، ويحرم الربا كان مؤمنًا تام الإيمان، مع أن مثل هذا الإيمان لا يقبل بعد نزول الفرائض، وتحريم هذه الأمور، واكتمال الدين، الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
2 - بعد إكمال الدين، كما بلغ الإنسان شيء من الدين وجب عليه الإيمان به، وما لم يبلغه، ولم يمكنه معرفته، فلا يجب عليه، فصار الإيمان يختلف هنا بحسب حال المكلف.
3 - إذا آمن الإنسان ثم مات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال، فقد مات كامل الإيمان الذي وجب عليه.
# 4 - ومن ذلك أن الأمر يختلف بحسب القدرة والعجز، فيجب على القادر مثلاً من واجبات الإيمان ما لا يجب على العاجز. والخلاصة: أن ما يجب من الإيمان يختلف باختلاف نزول الوحي من السماء، وباختلاف حال المكلف في البلاغ وعدمه.1
ويقول المصنف بعد ذلكم: "فمن المعلوم أن بعض الناس إذا أتى ببعض ما يجب عليه دون بعض، كان قد تبعض ما أتى فيه من الإيمان، كتبعض سائر الواجبات".2
وكل هذه الأمور من الأدلة على أن الإيمان يتبعض، وأنه ليس كلاً لا تجزأ، وأنه يذهب بعضه، ويبقى بعضه، وأنه كذلك يزيد وينقص.
ويقول المصنف في موضع آخر: "وذلك أن أصل أهل السنّة أن الإيمان يتفاضل من وجهين: من جهة أمر الرب، ومن جهة فعل العبد.
أما الأول: فإنه ليس الإيمان الذي أمر به شخص من المؤمنين هو الإيمان الذي أمر به كل شخص، فإن المسلمين في أول الأمر كانوا مأمورين بمقدار من الإيمان، ثم بعد ذلك أمروا بغير ذلك، وأمروا بترك ما كانوا مأمورين به كالقبلة، فكان من الإيمان في أول الأمر الإيمان بوجوب استقبال بيت المقدس، ثم صار من الإيمان تحريم استقباله ووجوب استقبال الكعبة، فقد تنوع الإيمان في الشريعة الواحدة.
وأيضًا فمن وجب عليه الحج والزكاة أو الجهاد يجب عليه من الإيمان أن يعلم ما أمر به ويؤمن بأن الله أوجب عليه ما لا يجب على غيره إلا مجملاً، وهذا يجب عليه الإيمان المفصل، وكذلك الرجل أول ما يسلم إنما يجب عليه الإقرار المجمل، ثم إذا جاء وقت الصلاة كان عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها، فلم يتساو الناس فيما أمروا به من الإيمان، وهذا من أصول غلط المرجئة، فإنهم ظنوا أنه شيء واحد، وأنه يستوي فيه جميع المكلفين، فقالوا: إيمان الملائكة والأنبياء وأفسق الناس سواء، كما
أنه إذا تلفظ الفاسق بالشهادتين، أو قرأ فاتحة الكتاب كان لفظه كلفظ غيره من الناس.... والنوع الثاني هو تفاضل الناس في الإتيان به مع استوائهم في الواجب، وهذا هو الذي يظن أنه محل النزاع، وكلاهما محل النزاع، وهذا أيضًا يتفاضلون فيه، فليس إيمان السارق والزاني والشارب كإيمان غيرهم، ولا إيمان من أدى الواجبات كإيمان من أخل ببعضها.. ".1 الثامن: قد تكون بعض الأجزاء المتروكة شرطًا في الأجزاء الأخرى، كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه، أو آمن ببعض الرسل وكفر ببعضهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151)﴾ [النساء: 150 - 151]. وقد تكون تلك الأجزاء المتروكة ليست شرطًا في وجود الأجزاء الأخرى، ومن ذلك الأمثلة الكثيرة التي ذكرناها سابقًا، كالعلم والخير والدعاء.2
التاسع: قد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، ويجتمع فيه أيضًا بعض شعب الإيمان، وبعض شعب من الكفر، كما في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها.. ". وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق".
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر".
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".3
ولكننا ننبه -وقد سبق ذلك- إلى أن هناك كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، فالكفر كفران، كفر أصغر وكفر أكبر، والنفاق نفاقان أيضًا، نفاق أصغر ونفاق أكبر.
وبالتالي فإننا نخرج بعد كل هذه الردود باستخلاص قاعدتين هامتين وهما: