نهاية المحتاج إلى شرح المنهاجصفحات 151-190

كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ

صفحات 151-190

(قَوْلُهُ: ذَكَرَهَا) أَنَّثَ الضَّمِيرَ مَعَ رُجُوعِهِ لِلنَّقْلِ لِكَوْنِهِ صَدَقَةً (قَوْلُهُ: وَلِشُمُولِهَا) أَيْ فِي حَدِّ ذَاتِهَا، أَمَّا مَعَ تَفْسِيرِهَا بِالزَّكَوَاتِ فَلَا شُمُولَ، وَلَعَلَّهُ فَسَّرَ بِالزَّكَوَاتِ بِالنَّظَرِ لِمَقْصُودِ الْبَابِ وَأَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ وَلِشُمُولِهَا.
لِلنَّقْلِ وَضْعًا وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا قَالَهُ (قَوْلُهُ: لَا يَحْتَاجُ إلَى رَابِطٍ نَحْوِيٍّ) أَيْ كَأَنْ يُقَالَ كِتَابُ قِسْمِ الصَّدَقَاتِ وَهِيَ الزَّكَوَاتُ وَيَجِبُ قَسْمُهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ إلَى آخِرِ مَا فِي الْآيَةِ، ثُمَّ يَقُولُ فَالْفَقِيرُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَوْ مَجْمُوعُهُ) أَيْ الْجُمْلَةِ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا أَنْ يَتَجَاوَزَ الْحَدَّ بِهِ فِي الصَّرْفِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ

[حاشية الرشيدي]

الْأَوْلَى حَذْفُ مَا هُنَا لِإِغْنَاءِ مَا مَرَّ عَنْهُ مَعَ الزِّيَادَةِ، وَعَجِيبٌ أَخْذُ الشَّيْخِ بِمَفْهُومِ مَا هُنَا مِنْ مَنْعِ الزِّيَادَةِ مَعَ تَقَدُّمِ التَّصْرِيحِ بِهَا فِي الشَّارِحِ.

[كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ] ِ (قَوْلُهُ: كَسَابِقَيْهِ) أَيْ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ

وَإِنْ اعْتَرَضَ بِأَنَّهُ يَقَعُ مَوْقِعًا.
وَقَضِيَّةُ الْحَدِّ أَنَّ الْكَسُوبَ غَيْرُ فَقِيرٍ وَإِنْ لَمْ يَكْتَسِبْ وَهُوَ كَذَلِكَ هُنَا، وَفِي الْحَجِّ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ كَمَا مَرَّ، وَفِيمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ فَرْعِهِ بِخِلَافِهِ فِي الْأَصْلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ لِحُرْمَتِهِ كَمَا يَأْتِي إنْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ: أَيْ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً فِيمَا يَظْهَرُ وَحَلَّ لَهُ تَعَاطِيهِ وَلَاقَ بِهِ وَإِلَّا أُعْطِيَ، وَأَنَّ ذَا الْمَالِ الَّذِي عَلَيْهِ قَدْرُهُ وَلَوْ حَالًّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ غَيْرُ فَقِيرٍ أَيْضًا فَلَا يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ حَتَّى يَصْرِفَ مَا مَعَهُ فِي الدَّيْنِ، وَنِزَاعُ الرَّافِعِيِّ فِيهِ النَّاشِئُ عَنْ تَنَاقُضٍ حَكَى عَنْهُ هُنَا وَفِي الْعِتْقِ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَبَرَ كَمَا مَنَعَ وُجُوبَ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ مَنْعِهِ لِلْفِطْرَةِ، وَعَلَى الْمَنْعِ ثُمَّ يُفَرَّقُ بِأَنَّ تِلْكَ مُوَاسَاةٌ فِي مُقَابَلَةِ طُهْرَةٌ الْبَدَنِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا لِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِذِمَّتِهِ، وَمَا هُنَا مَلْحَظُهُ الِاحْتِيَاجُ، وَهُوَ قَبْلَ صَرْفِ مَا بِيَدِهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ، وَبِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ تَجِبُ مَعَ الدَّيْنِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْفَلَسِ، فَوُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِ وَنَفَقَةُ الْقَرِيبِ مَعَهُ يَقْتَضِيَانِ الْغِنَى، ثُمَّ هَذَا الْحَدُّ لِفَقِيرِ الزَّكَاةِ لَا فَقِيرَ الْعَرَايَا وَنَفَقَةُ الْمُمَوِّنِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ فِي مَحَالِّهِ، وَمَنْ لَهُ عَقَارٌ يَنْقُصُ دَخْلُهُ عَنْ كِفَايَتِهِ فَقِيرٌ أَوْ مِسْكِينٌ بِنَاءً عَلَى إعْطَائِهِ كِفَايَةَ الْعُمْرِ الْغَالِبِ كَمَا يَأْتِي.
نَعَمْ إنْ كَانَ نَفِيسًا وَلَوْ بَاعَهُ حَصَلَ بِهِ مَا يَكْفِيهِ دَخْلُهُ لَزِمَهُ بَيْعُهُ فِيمَا يَظْهَرُ (وَلَا يَمْنَعُ الْفَقْرَ) وَالْمَسْكَنَةَ (مَسْكَنُهُ) الَّذِي يَحْتَاجُهُ وَلَاقَ بِهِ فَإِنْ اعْتَادَ السَّكَنَ بِالْأُجْرَةِ أَوْ فِي الْمَدْرَسَةِ وَمَعَهُ ثَمَنُ مَسْكَنٍ أَوْ لَهُ مَسْكَنٌ خَرَجَ عَنْ اسْمِ الْفَقْرِ بِمَا مَعَهُ كَمَا بَحَثَهُ السُّبْكِيُّ (وَثِيَابُهُ) وَلَوْ لِلتَّجَمُّلِ بِهَا فِي بَعْضِ أَيَّامِ السَّنَةِ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ إنْ لَاقَتْ بِهِ أَيْضًا فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ السُّبْكِيّ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ حُلِيَّ الْمَرْأَةِ اللَّائِقِ بِهَا الْمُحْتَاجَةُ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ عَادَةً لَا يَمْنَعُ فَقْرَهَا، وَقِنَّهُ الْمُحْتَاجُ لِخِدْمَتِهِ وَلَوْ لِمُرُوءَتِهِ لَكِنْ إنْ اخْتَلَّتْ مُرُوءَتُهُ بِخِدْمَتِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ شَقَّتْ عَلَيْهِ مَشَقَّةً لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً، وَكُتُبُهُ الَّتِي يَحْتَاجُهَا وَلَوْ نَادِرًا كَمَرَّةٍ فِي السَّنَةِ مِنْ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ، أَوْ آلَةٍ لَهُ أَوْ لِطِبٍّ وَلَيْسَ ثَمَّ مِنْ يَعْتَنِي بِهِ، أَوْ وَعْظٍ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ وَاعِظٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَّعِظُ مِنْ نَفْسِهِ مَا لَا يَتَّعِظُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ تَكَرَّرَتْ عِنْدَهُ كُتُبٌ مِنْ فَنٍّ وَاحِدٍ بَقِيَتْ كُلُّهَا لِمُدَرِّسٍ وَالْمَبْسُوطُ لِغَيْرِهِ، فَيَبِيعُ الْمُوجَزَ إلَّا إنْ كَانَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِي الْمَبْسُوطِ فِيمَا

[حاشية الشبراملسي]

وَإِنْ كَانَ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمُلَابِسِ النَّفِيسَةِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكْتَسِبْ) يَعْنِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَا كَسْبَ لَهُ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَفِيمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ فَرْعِهِ) أَيْ فَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ فَرْعِهِ الْكَسُوبِ وَإِنْ لَمْ يَكْتَسِبْ، وَقَوْلُهُ بِخِلَافِهِ فِي الْأَصْلِ أَيْ فَيَلْزَمُ فَرْعَهُ إنْفَاقُهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ مُكْتَسِبًا وَلَمْ يَكْتَسِبْ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: غَيْرُ فَقِيرٍ أَيْضًا) أَيْ هُنَا، وَكَذَا فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِيهِمَا كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَبَرَ إلَخْ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: وَزَكَاةِ الْفِطْرِ) أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَإِلَّا فَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّارِحِ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ مُطْلَقًا كَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَهُ وَغَيْرِهِمْ) مِنْهُ فُقَرَاءُ الْعَاقِلَةِ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ بَيْعُهُ فِيمَا يَظْهَرُ) شَمَلَ مَا لَوْ كَانَ بِيَدِهِ عَقَارُ غَلَّتِهِ لَا تَفِي بِنَفَقَتِهِ، وَثَمَنُهُ يَفِي بِتَحْصِيلِ جَامَكِيَّةٍ أَوْ وَظِيفَةٍ يُحَصِّلُ مِنْهَا مَا يَكْفِيهِ فَيُكَلَّفُ بَيْعُ الْعَقَارِ لِذَلِكَ وَلَا يَدْفَعُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الزَّكَاةِ (قَوْلُهُ: خَرَجَ عَنْ اسْمِ الْفَقْرِ) خِلَافًا لحج فِيمَنْ اعْتَادَ السَّكَنَ بِالْأُجْرَةِ وَلَكِنْ جَرَى الزِّيَادِيُّ عَلَى مَا فِي حَجّ (قَوْلُهُ: أَوْ لِطِبٍّ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ كُتُبِ الطِّبِّ وَكُتُبِ الْوَعْظِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَّعِظُ بِنَفْسِهِ غَالِبًا وَلَا يُطَبِّبُ نَفْسَهُ بَلْ يَحْتَاجُ لِلطَّبِيبِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجِ (قَوْلُهُ: فَيَبِيعُ الْمُوجَزَ) أَيْ الْمُخْتَصَرَ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَفِيمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةٌ قَرِيبِهِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: نَفَقَةُ فَرْعِهِ انْتَهَتْ.
وَهِيَ أَصْوَبُ لِمُقَابَلَتِهَا بَعْدُ بِالْأَصْلِ، ثُمَّ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَفِي الْحَجِّ: أَيْ فَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ فَرْعِهِ الْكَسُوبِ وَإِنْ لَمْ يَكْتَسِبْ، بِخِلَافِ الْأَصْلِ يَلْزَمُ فَرْعَهُ إنْفَاقُهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ مُكْتَسِبًا وَلَمْ يَكْتَسِبْ (قَوْلُهُ: إنْ وُجِدَ) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ إنَّ الْكَسُوبَ غَيْرُ فَقِيرٍ (قَوْلُهُ: أَوْ لَهُ مَسْكَنٌ) فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ مَا لَا يَخْفَى، عَلَى أَنَّ الَّذِي نَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنْ السُّبْكِيّ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ مَعَهُ ثَمَنُ الْمَسْكَنِ

يَظْهَرُ أَوْ نُسَخٍ مِنْ كِتَابٍ بَقِيَ لَهُ الْأَصَحُّ لَا الْأَحْسَنُ، وَآلَةُ الْمُحْتَرِفِ كَخَيْلِ جُنْدِيٍّ مُرْتَزِقٍ وَسِلَاحِهِ إنْ لَمْ يُعْطِهِ الْإِمَامُ بَدَلَهُمَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَمُتَطَوِّعٌ احْتَاجَهُمَا وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الْفَلَسِ كَمَا سَيَأْتِي بِقَيْدِهِ، وَثَمَنُ مَا ذُكِرَ مَا دَامَ مَعَهُ يَمْنَعُ إعْطَاءَهُ بِالْفَقْرِ حَتَّى يَصْرِفَهُ (وَمَالُهُ الْغَائِبُ فِي مَرْحَلَتَيْنِ) أَوْ الْحَاضِرُ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ (وَ) مَالُهُ (الْمُؤَجَّلُ) لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ الْآنَ فِيهِمَا فَيَأْخُذُ إلَى أَنْ يَصِلَ أَوْ يَحِلَّ، أَمَّا مَا دُونَهُمَا وَلَا حَائِلٌ فَحُكْمُهُ كَالْحَاضِرِ.
وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَحِلَّ قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَمْ لَا، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمَّا كَانَ مَعْدُومًا لَمْ يُعْتَبَرْ لَهُ زَمَنٌ بَلْ أُعْطِيَ إلَى حُلُولِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى خَلَاصِهِ، بِخِلَافِ الْمَالِ الْغَائِبِ فَفَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ وَبُعْدِهَا (وَكَسْبٌ لَا يَلِيقُ) بِهِ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا لِحُرْمَتِهِ أَوْ إخْلَالِهِ بِمُرُوءَتِهِ لِكَوْنِهِ كَالْعَدَمِ كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ إلَّا مَنْ مَالُهُ حَرَامٌ: أَيْ أَوْ فِيهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ فِيمَا يَظْهَرُ، وَأَفْتَى الْغَزَالِيُّ بِأَنَّ أَرْبَابَ الْبُيُوتِ الَّذِينَ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُمْ بِالْكَسْبِ: أَيْ وَهُوَ يَخِلُّ بِمُرُوءَتِهِمْ لَهُمْ الْأَخْذُ وَكَلَامُهُمْ يَشْمَلُهُ، وَقَوْلُهُ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ تَرْكَ الشَّرِيفِ نَحْوَ النَّسْخِ وَالْخَيَّاطَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ حَمَاقَةٌ وَرُعُونَةُ نَفْسٍ وَأَخْذُهُ الْأَوْسَاخَ عِنْدَ قُدْرَتِهِ أَذْهَبُ لِلْمُرُوءَةِ مَحْمُولٌ عَلَى إرْشَادِهِ لِلْأَكْمَلِ مِنْ الْكَسْبِ، فَإِنْ أَرَادَ مَنْعَهُ مِنْ الْأَخْذِ اتَّجَهَ الْأَوَّلُ حَيْثُ أَخَلَّ الْكَسْبُ بِمُرُوءَتِهِ عُرْفًا وَإِنْ كَانَ نَسْخًا لَكُتُبِ الْعِلْمِ (وَلَوْ اشْتَغَلَ) بِحِفْظِ قُرْآنٍ أَوْ (بِعِلْمٍ) شَرْعِيٍّ وَمِنْهُ بَلْ أَهَمُّهُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ قَلْبًا سَلِيمًا عِلْمُ الْبَاطِنِ الْمُطَهِّرُ لِلنَّفْسِ أَوْ آلَةٌ لَهُ، وَأَمْكَنَ عَادَةً تَأَتَّى تَحْصِيلُهُ فِيهِ كَمَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَأَقَرَّاهُ (وَالْكَسْبُ) الَّذِي يُحْسِنُهُ (يَمْنَعُهُ) مِنْ أَصْلِهِ أَوْ كَمَالِهِ (فَقِيرٌ) فَيُعْطَى وَيَتْرُكُ الْكَسْبَ لِتَعَدِّي نَفْعِهِ وَعُمُومِهِ، أَمَّا مَنْ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ التَّحْصِيلُ فَلَا يُعْطَى إذَا كَانَ يَلِيقُ بِهِ مِثْلُهُ (وَلَوْ اشْتَغَلَ بِالنَّوَافِلِ) مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ الْمُطَلَّقَةُ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَوْ تَعَارَضَ كَسْبٌ وَرَاتِبَةٌ كُلِّفَ الْكَسْبُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْعِلَّةِ الْآتِيَةِ (فَلَا) يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ شَيْئًا وَإِنْ اسْتَغْرَقَ بِذَلِكَ جَمِيعَ وَقْتِهِ، خِلَافًا لِلْقَفَّالِ لِأَنَّ نَفْعَهُ قَاصِرٌ عَلَيْهِ سَوَاءٌ الصُّوفِيُّ وَغَيْرُهُ.
نَعَمْ أَفْتَى ابْنُ الْبَزْرِيِّ بِأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ وَانْعَقَدَ نَذْرُهُ وَمَنَعَهُ صَوْمُهُ عَنْ كَسْبِهِ أُعْطِيَ لِلضَّرُورَةِ حِينَئِذٍ كَمَا لَوْ احْتَاجَ لِلنِّكَاحِ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ فَيُعْطَى مَا يَصْرِفُ فِيهِ (وَلَا

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ الْآنَ فِيهِمَا) أَيْ مَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُقْرِضُهُ عَلَى الْأَوْجَهِ؛ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ فَلَا نَظَرَ لِاحْتِمَالِ تَلَفِهِمَا فَتَبْقَى ذِمَّتُهُ مُعَلَّقَةٌ اهـ حَجّ.
وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مَا يُصَرِّحُ بِهِ فِي قَوْلِهِ وَشَرْطُهُ: أَيْ ابْنُ السَّبِيلِ الْحَاجَةُ (قَوْلُهُ: وَكَلَامُهُ يَشْمَلُهُ) مُعْتَمَدٌ، وَقَوْلُهُ: أَيْ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ (قَوْلُهُ أَوْ بِعِلْمٍ شَرْعِيٍّ) . [فَرْعٌ] قَالَ ع: لَوْ كَانَ فَقِيهًا فَهَلْ يُعْطَى مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ الْكُتُبِ؟ هُوَ مُحْتَمَلٌ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ فِي كِتَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ.
وَالْأَقْرَبُ إعْطَاؤُهُ ذَلِكَ لِاحْتِيَاجِهِ لَهُ (قَوْلُهُ: وَأَمْكَنَ عَادَةً تَأَتَّى تَحْصِيلُهُ) وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ تَصِيرَ فِيهِ قُوَّةٌ بِحَيْثُ إذَا رَاجَعَ الْكَلَامَ فَهِمَ كُلَّ مَسَائِلِهِ أَوْ بَعْضِهَا (قَوْلُهُ: مِثْلُهُ) أَيْ الْكَسْبِ (قَوْلُهُ: وَانْعَقَدَ نَذْرُهُ) أَيْ بِأَنْ كَانَ الصَّوْمُ لَا يَضُرُّهُ (قَوْلُهُ: أُعْطِيَ لِلضَّرُورَةِ) قَدْ يُمْنَعُ بِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ وَقْتَ النَّذْرِ ثُمَّ طَرَأَ مَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ سَقَطَ وُجُوبُهُ،

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: مِنْ الْكَسْبِ) بَيَانٌ لِلْأَكْمَلِ (قَوْلُهُ: اتَّجَهَ الْأَوَّلُ) يَعْنِي مَا فِي الْفَتَاوَى، وَحَاصِلُ الْمُرَادِ أَنَّ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ الْمُخَالِفَ لِمَا فِي فَتَاوِيهِ إنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْإِرْشَادِ وَإِلَّا فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْأَوْجَهُ مَا فِي الْفَتَاوَى (قَوْلُهُ: حَيْثُ أَخَلَّ الْكَسْبُ بِمُرُوءَتِهِ) أَيْ كَمَا قُيِّدَ بِهِ فِيمَا مَرَّ وَكَانَ يَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: تَأَتِّي تَحْصِيلِهِ فِيهِ) أَيْ تَحْصِيلِ الْمُشْتَغِلِ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ

يُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ الْفَقِيرِ (الزَّمَانَةُ وَلَا التَّعَفُّفُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْجَدِيدِ) فِيهِمَا لِصِدْقِ اسْمِ الْفَقْرِ مَعَ ذَلِكَ وَلِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ؛ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الْقَوِيَّ وَالسَّائِلَ وَضِدَّهُمَا وَالْقَدِيمُ يَشْتَرِطَانِ (وَالْمَكْفِيِّ بِنَفَقَةِ قَرِيبٍ) أَصْلٍ أَوْ فَرْعٍ (أَوْ زَوْجٍ) وَلَوْ فِي عِدَّةِ طَلَاقٍ رَجِّعِي أَوْ بَائِنٍ وَهِيَ حَامِلٌ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (لَيْسَ فَقِيرًا) وَلَا مِسْكِينًا (فِي الْأَصَحِّ) لِاسْتِغْنَائِهِ وَلِلْمُنْفِقِ وَغَيْرِهِ الصَّرْفُ إلَيْهِ بِغَيْرِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ.
وَالثَّانِي نَعَمْ لِاحْتِيَاجِهِمَا إلَى غَيْرِهِمَا، نَعَمْ لَا يُعْطِي الْمُنْفِقُ قَرِيبَهُ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ مَا يُغْنِيهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا ابْنَ السَّبِيلِ إلَّا مَا زَادَ بِسَبَبِ السَّفَرِ، وَلِأَحَدِهِمَا بِالنِّسْبَةِ لِكِفَايَةٍ نَحْوَ قِنٍّ الْأَخْذُ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُ الْمُزَكِّي إنْفَاقُهُ، وَلَوْ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا بِنُشُوزٍ لَمْ تُعْطَ لِقُدْرَتِهَا عَلَى النَّفَقَةِ حَالًا بِالطَّاعَةِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ سَافَرَتْ بِلَا إذْنٍ أَوْ مَعَهُ وَمَنَعَهَا أُعْطِيت مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ حَيْثُ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الْعَوْدِ حَالًا لِعُذْرِهَا، وَإِلَّا فَمِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ إذَا عَزَمَتْ عَلَى الرُّجُوعِ لِانْتِهَاءِ الْمَعْصِيَةِ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ الْمَكْفِيِّ بِنَفَقَةِ مُتَبَرِّعٍ فَيَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ، وَعَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ قَوْلٍ أَصْلُهُ كَالشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ لَا يُعْطَيَانِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ الْمُفِيد صِدْقُ الْحَدِّ عَلَى الْقَرِيبِ بِأَنَّهُ فَقِيرٌ، غَيْرَ أَنَّا إنَّمَا لَمْ نُعْطِهِ لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الْقَادِرِ بِالْكَسْبِ، وَأَمَّا الْمَكْفِيَّةُ بِنَفَقَةِ الزَّوْجِ فَغَنِيَّةٌ قَطْعًا بِمَا تَمْلِكُهُ فِي ذِمَّتِهِ إلَى تَعْبِيرِهِ بِمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ صَنِيعَ أَصْلِهِ يُوهِمُ أَنَّ الْحَدَّ غَيْرُ مَانِعٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَرِيبِ لِمَا قَرَّرَهُ الْمُعْتَرِضُ أَنَّهُ فَقِيرٌ وَلَا يُعْطَى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ غَيْرُ فَقِيرٍ؛ لِأَنَّ قُدْرَةَ بَعْضِهِ كَقُدْرَتِهِ لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَتَهُ، فَمَا سَلَكَهُ الْمُصَنِّفُ أَوْجَهُ وَأَدَقُّ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ " الْمَكْفِيِّ " أَنَّ الْكَلَامَ فِي زَوْجٍ مُوسِرٍ، أَمَّا مُعْسِرٍ لَا يَكْفِي فَتَأْخُذُ تَمَامَ كِفَايَتِهَا بِالْفَقْرِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكْفِهَا مَا وَجَبَ لَهَا عَلَى الْمُوسِرِ لِكَوْنِهَا أَكُولَةً تَأْخُذُ تَمَامَ كِفَايَتِهَا بِالْفَقْرِ وَلَوْ مِنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ، وَأَنَّهُ لَوْ غَابَ زَوْجُهَا وَلَا مَالَ لَهُ وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَيْهِ وَعَجَزَتْ عَنْ الِاقْتِرَاضِ

[حاشية الشبراملسي]

فَعَجْزُهُ عَنْ الصَّوْمِ هُنَا بِدُونِ الْكَسْبِ قَدْ يُقَالُ هُوَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الصَّوْمِ فَيُكَلَّفُ الْكَسْبُ (قَوْلُهُ: وَلِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ) قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ اللَّهُ يُعْطِي وَأَنَا أَقْسِمُ» مَا نَصُّهُ: وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَالَ مَالُ اللَّهِ وَالْعِبَادَ عِبَادُ اللَّهِ وَأَنَا قَاسِمٌ بِإِذْنِهِ مَالَهُ بَيْنَكُمْ، فَمَنْ قَسَمْت لَهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا فَبِإِذْنِ اللَّهِ.
وَقَدْ يَشْمَلُ قِسْمَةَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ: أَيْ مَا أَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ مِنْ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ وَالْحِكَمِ يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ، فَيُلْقِي إلَى كُلِّ أَحَدٍ مَا يَلِيقُ بِهِ وَيَحْتَمِلُهُ وَاَللَّهُ يُعْطِي فَهْمَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ا. هـ. (قَوْلُهُ: أَوْ زَوْجٍ) قَضِيَّةُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْإِسْرَافِ وَالتَّقْتِيرِ فِي حَدِّ الْفَقْرِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ كَانَتْ لَا يَكْفِيهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِهَا نَفَقَةُ الزَّوْجِ لِإِعْسَارِهِ مَثَلًا أَخَذَتْ مِنْ الزَّكَاةِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي تَحْصِيلِ النَّفَقَةِ الَّتِي تَلِيقُ بِهَا خُصُوصًا إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ ثُمَّ رَأَيْت قَوْلَهُ الْآتِي وَيُؤْخَذُ مِنْهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلِأَحَدِهِمَا) أَيْ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكَيْنِ (قَوْلُهُ: لِكِفَايَةٍ نَحْوَ قِنٍّ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: وَبَحَثَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ الِابْنَ لَوْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ جَازَ أَنْ يُعْطِيَهُ أَبُوهُ مِنْ سَهْمِ الْمَسَاكِينِ مَا يَصْرِفُهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ لَا تَلْزَمُ الْأَبَ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: أَوْ مَعَهُ وَمَنَعَهَا) أَيْ مِنْ السَّفَرِ، وَقَوْلُهُ أُعْطِيت لَمْ يُبَيِّنْ مَا تُعْطَاهُ، فَإِنْ كَانَتْ تُعْطَى

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: نَعَمْ لَا يُعْطَى الْمُنْفِقُ إلَخْ) هُوَ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلِلْمُنْفِقِ وَغَيْرِهِ الصَّرْفُ إلَيْهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلِأَحَدِهِمَا) أَيْ الْمَكْفِيِّ بِنَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَالْمُكَفِّيَةِ بِنَفَقَةِ الزَّوْجِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مِنْ تَرْجِيعِ الضَّمِيرِ إلَى الْفَقِيرِ الْمِسْكِينِ إذْ لَا يَصِحُّ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: أَوْ مَعَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَكْفِيَّةُ بِنَفَقَةِ الزَّوْجِ إلَخْ) هَذَا لَا مَوْضِعَ لَهُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُعْتَرِضِ الَّذِي قَصَدَ الشَّارِحُ الرَّدَّ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالِاعْتِرَاضِ، وَالشِّهَابُ حَجّ صَرَّحَ فِي تُحْفَتِهِ بِالِاعْتِرَاضِ حَاكِيًا لَهُ بِقِيلَ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ قَوْلُهُ وَأَمَّا الْمَكْفِيَّةُ إلَخْ، وَغَرَضُ الْمُعْتَرِضِ مِنْهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمَتْنِ أَيْضًا فِي حِكَايَتِهِ الْخِلَافَ فِيهَا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ صَنِيعَ أَصْلِهِ يُوهِمُ إلَخْ) قَالَ الشِّهَابُ سم:

أَخَذَتْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَفَتَاوَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ الزَّوْجَ أَوْ الْبَعْضَ لَوْ أَعْسَرَ أَوْ غَابَ وَلَمْ يَتْرُكْ مُنْفِقًا وَلَا مَالًا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ أُعْطِيت الزَّوْجَةُ أَوْ الْقَرِيبُ بِالْفَقْرِ أَوْ الْمَسْكَنَةِ، وَيُسَنُّ لَهَا أَنَّ تُعْطِي زَوْجَهَا مِنْ زَكَاتِهَا وَلَوْ بِالْفَقْرِ وَإِنْ أَنْفَقَهَا عَلَيْهَا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ خِلَافًا لِلْقَاضِي

(وَالْمِسْكِينُ مَنْ قَدَرَ عَلَى مَالٍ أَوْ كَسْبٍ) حَلَالٍ لَائِقٍ (يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ) وَكِفَايَةُ مُمَوَّنِهِ مِنْ مَطْعَمٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ (وَلَا يَكْفِيهِ) كَمَنْ يَحْتَاجُ عَشَرَةً فَيَجِدُ سَبْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً وَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا أَوْ أَنْصِبَاءَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: قَدْ يَمْلِكُ أَلْفًا وَهُوَ فَقِيرٌ، وَقَدْ لَا يَمْلِكُ إلَّا فَأْسًا وَحَبْلًا وَهُوَ غَنِيٌّ وَلَا يَمْنَعُ الْمَسْكَنَةَ الْمَسْكَنُ وَمَا مَعَهُ مِمَّا مَرَّ مَبْسُوطًا، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِفَايَةِ هُنَا وَفِيمَا مَرَّ كِفَايَةُ الْعُمْرِ الْغَالِبِ نَظِيرُ مَا يَأْتِي فِي الْإِعْطَاءِ وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
لَا يُقَالُ: يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَخْذُ أَكْثَرِ الْأَغْنِيَاءِ بَلْ الْمُلُوكِ مِنْ الزَّكَاةِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: مَنْ مَعَهُ مَالٌ يَكْفِيهِ رِبْحُهُ أَوْ عَقَارٌ يَكْفِيهِ دَخْلُهُ غَنِيٌّ، وَالْأَغْنِيَاءُ غَالِبُهُمْ كَذَلِكَ فَضْلًا عَنْ الْمُلُوكِ فَلَا يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمِسْكِينَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الْفَقِيرِ خِلَافًا لِمَنْ عَكَسَ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: 79] حَيْثُ سَمَّى مَالِكِيهَا مَسَاكِينَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ مَنْ يَمْلِكُ مَا مَرَّ

(وَالْعَامِلُ) الْمُسْتَحِقُّ لِلزَّكَاةِ بِأَنْ فَرَّقَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ أُجْرَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ هُوَ (سَاعٍ) يُجْبِيهَا (وَكَاتِبٌ) مَا وَصَلَ مِنْ ذَوِي الْأَمْوَالِ وَمَا عَلَيْهِمْ وَحَاسِبٌ (وَقَاسِمٌ وَحَاشِرٌ) وَهُوَ الَّذِي (يَجْمَعُ ذَوِي الْأَمْوَالِ) أَوْ السُّهْمَانِ وَحَافِظٌ وَعَرِيفٌ وَهُوَ كَالنَّقِيبِ لِلْقَبِيلَةِ وَمُشِدٌّ اُحْتِيجَ إلَيْهِ وَكَيَّالٌ وَوَزَّانٌ وَعَدَّادٌ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ (لَا) الَّذِي يُمَيِّزُ نَصِيبَ الْمُسْتَحِقِّينَ مِنْ مَالِ الْمَالِكِ بَلْ أُجْرَتُهُ عَلَيْهِ وَلَا نَحْوَ رَاعٍ وَحَافِظٍ بَعْدَ قَبْضِ الْإِمَامِ لَهَا بَلْ أُجْرَتُهُ مِنْ أَصْلِ الزَّكَاةِ لَا مِنْ خُصُوصِ سَهْمِ الْعَامِلِ، وَلَا (الْقَاضِي وَالْوَالِي) عَلَى الْإِقْلِيمِ إذَا قَامَا بِذَلِكَ بَلْ يَرْزُقُهُمَا الْإِمَامُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصَالِحِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُمَا عَامٌّ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ دُخُولُ قَبْضِ الزَّكَاةِ وَصَرْفِهَا فِي عُمُومِ وِلَايَةِ الْقَاضِي، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْهَرَوِيِّ وَأَقَرَّهُ مَا لَمْ يُنَصَّبْ لَهُمَا مُتَكَلِّمٌ خَاصٌّ، وَالْأَوْجَهُ جَوَازُ أَخْذِهِ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِ إذَا اسْتَدَانَ لِلْإِصْلَاحِ، وَمِنْ سَهْمِ الْغَازِي الْمُتَطَوِّعِ وَمِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفِ الضَّعِيفِ النِّيَّةِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ إذَا مُنِعَ حَقُّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ جَازَ لَهُ الْأَخْذُ بِنَحْوِ الْفَقْرِ وَالْغُرْمِ مُطْلَقًا، وَسَيَأْتِي فِي الرِّشْوَةِ أَنَّ غَيْرَ السُّبْكِيّ بَحَثَ الْقَطْعَ بِجَوَازِ أَخْذِهِ لِلزَّكَاةِ.

(وَالْمُؤَلَّفَةُ) جَمْعُ مُؤَلَّفٍ مِنْ التَّأْلِيفِ وَهُوَ جَمْعُ الْقُلُوبِ، وَهُوَ (مَنْ أَسْلَمَ وَنِيَّتُهُ ضَعِيفَةٌ) فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي الْإِسْلَامِ نَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى

[حاشية الشبراملسي]

كَغَيْرِهَا كِفَايَةَ الْعُمْرِ الْغَالِبِ أَشْكَلَ؛ لِأَنَّهَا إذَا عَادَتْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا عَلَى الزَّوْجِ فَلَا يَبْعُدُ أَنَّهَا تُعْطَى كِفَايَتُهَا إلَى عَوْدِهَا وَوُجُوبِ نَفَقَتِهَا اهـ سم عَلَى حَجّ

قَوْلُهُ (أَوْ كَسْبٍ حَلَالٍ) أَيْ وَلَيْسَ فِيهِ شُبْهَةٌ أَخْذًا مِمَّا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ أَوْ فِيهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ إلَخْ (قَوْلُهُ فَيَجِدُ سَبْعَةً) أَيْ بَلْ أَوْ خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مِنْ يَمْلِكُ أَرْبَعَةً فَقِيرٌ عَلَى الْأَوْجَهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ لَا يَمْلِكُ إلَّا فَأْسًا) بِالْهَمْزِ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ (قَوْلُهُ: كِفَايَةُ الْعُمْرِ الْغَالِبِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَخْذِ نَفْسِهِ، أَمَّا مُمَوَّنُهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ فِيهِ بَلْ يُلَاحَظُ فِيهِ كِفَايَةُ مَا يَحْتَاجُهُ الْآنَ مِنْ زَوْجَةٍ وَعَبْدٍ وَدَابَّةٍ مَثَلًا بِتَقْدِيرِ بَقَائِهَا أَوْ بَدَلِهَا لَوْ عُدِمَتْ بَقِيَّةُ عُمْرِهِ الْغَالِبِ

(قَوْلُهُ وَمِشَدٍّ) هُوَ الَّذِي يَنْظُرُ فِي مَصَالِحِ الْمَحَلِّ (قَوْلُهُ وَالْأَوْجَهُ جَوَازُ أَخْذِهِ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقَاضِي إلَخْ

(قَوْلُهُ: وَالْمُؤَلَّفَةُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ يُعْطُونَ وَلَوْ مَعَ الْغِنَى اهـ سم عَلَى مَنْهَجِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ جَمْعُ الْقُلُوبِ) أَيْ

[حاشية الرشيدي]

يُتَأَمَّلُ (قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّ الزَّوْجَ أَوْ الْبَعْضَ لَوْ أُعْسِرَ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ أَعْسَرَ زَوْجُهَا بِنَفَقَتِهَا تَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَمَكِّنَةً مِنْ الْفَسْخِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْفَسْخَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِغْنَاؤُهَا، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الِاسْتِغْنَاءُ بِأَنْ كَانَ لَهَا قَرِيبٌ مُوسِرٌ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا لَوْ فُسِخَتْ أَنَّهَا لَا تُعْطَى فَلْيُرَاجَعْ الْحُكْمُ

(قَوْلُهُ: مَنْ مَعَهُ مَالٌ يَكْفِيهِ رِبْحُهُ إلَخْ) هَذَا هُوَ الْجَوَابُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ الْمَالِ يَكْفِيهِ الْعُمُرَ الْغَالِبَ أَنَّهُ تَكْفِيهِ عَيْنُهُ يَصْرِفُهَا كَمَا بَنَى عَلَيْهِ

مَا عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا كَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْإِيمَانَ: أَيْ التَّصْدِيقَ نَفْسَهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ كَثَمَرَتِهِ فَيُعْطَى وَلَوْ امْرَأَةً لِيُقَوِّيَ إيمَانَهُ (أَوْ) مَنْ نِيَّتُهُ قَوِيَّةٌ لَكِنْ (لَهُ شَرَفٌ) بِحَيْثُ (يَتَوَقَّعُ بِإِعْطَائِهِ إسْلَامَ غَيْرِهِ) وَلَوْ امْرَأَةً (وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ) لِنَصِّ الْآيَةِ عَلَيْهِمْ فَلَوْ حُرِمُوا لَزِمَ أَنْ لَا مَحْمَلَ لَهَا، وَدَعْوَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَزَّ الْإِسْلَامَ عَنْ التَّأْلِيفِ بِالْمَالِ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا تَتَّجِهُ رَدًّا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ مُؤَلَّفَةِ الْكُفَّارِ يُعْطَوْنَ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ لَعَلَّهُمْ يُسْلِمُونَ، وَعِنْدَنَا لَا يُعْطَوْنَ مِنْهَا قَطْعًا وَلَا مِنْ غَيْرِهَا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا يُعْطَوْنَ.
وَالثَّالِثُ يُعْطَوْنَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصَالِحِ وَهَذَا مِنْهَا وَمِنْ الْمُؤَلَّفَةِ أَيْضًا مَنْ يُقَاتِلُ أَوْ يُخَوِّفُ مَانِعِي الزَّكَاةِ حَتَّى يَحْمِلَهَا مِنْهُمْ إلَى الْإِمَامِ وَمَنْ يُقَاتِلُ مَنْ يَلِيه مِنْ الْكُفَّارِ أَوْ الْبُغَاةِ فَيُعْطَيَانِ إنْ كَانَ إعْطَاؤُهُمَا أَسْهَلَ مِنْ بَعْثِ جَيْشٍ وَحَذَفَهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِي مَعْنَى الْعَامِلِ، وَالثَّانِيَ فِي مَعْنَى الْغَازِي، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ الْآتِي وَإِلَّا فَالْقِسْمَةُ عَلَى سَبْعَةٍ أَنَّ الْمُؤَلَّفَ بِأَقْسَامِهِ يُعْطَى وَإِنْ قَسَمَ الْمَالِكُ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا خِلَافًا لِجَمْعٍ مُتَأَخِّرِينَ، وَجَزَمَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ بِمَا قَالُوهُ يُنَاقِضُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ قُبَيْلِ الْفَصْلِ الثَّانِي، وَالْمُؤَلَّفَةُ يُعْطِيهَا الْإِمَامُ أَوْ الْمَالِكُ مَا يَرَاهُ.
نَعَمْ اشْتِرَاطٌ أَنَّ لِلْإِمَامِ دَخْلًا فِي الْأَخِيرَيْنِ ظَاهِرٌ لِتَعَلُّقِهِمَا بِالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَلَا وَجْهَ لِتَوَقُّفِ إعْطَاءِ الْأَوَّلَيْنِ عَلَى نَظَرِ الْإِمَامِ، ثُمَّ اشْتِرَاطُ جَمْعٍ فِي إعْطَاءِ الْأَرْبَعَةِ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِمْ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْطِي الْمُؤَلَّفَةَ إلَّا الْإِمَامُ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا مَرَّ فِي الْأَخِيرَيْنِ مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِ إعْطَائِهِمَا أَسْهَلَ مِنْ بَعْثِ جَيْشٍ إذْ ذَلِكَ يُغْنِي عَنْ اشْتِرَاطِ الْحَاجَةِ إلَيْهِمَا بَلْ الضَّعْفُ وَالشَّرَفُ فِي الْأَوَّلَيْنِ كَافٍ فِي الْحَاجَةِ.

(وَالرِّقَابُ الْمُكَاتَبُونَ) كَمَا فَسَّرَ بِهِمْ الْآيَةَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ بِشَرْطِ صِحَّةِ كِتَابَتِهِمْ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فَخَرَجَ الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِإِعْطَاءِ مَالٍ، فَإِنْ عَتَقَ بِمَا اقْتَرَضَهُ وَأَدَّاهُ فَهُوَ غَارِمٌ، وَأَنْ لَا يَكُون مَعَهُمْ وَفَاءٌ بِالنُّجُومِ وَإِنْ قَدَرُوا عَلَى الْكَسْبِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْطَ الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ الْقَادِرَانِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُمَا تَتَحَقَّقُ يَوْمًا بِيَوْمِ وَالْكَسُوبُ يَحْصُلُ كُلَّ يَوْمٍ كِفَايَتُهُ، وَلَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ كِفَايَةِ الدَّيْنِ إلَّا بِالتَّدْرِيجِ غَالِبًا لَا حُلُولُ النُّجُومِ تَوْسِيعًا لِطُرُقِ الْعِتْقِ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَيْهِ، وَبِهِ فَارَقَ الْغَارِمَ وَلَا إذْنَ لِلسَّيِّدِ فِي الْإِعْطَاءِ، وَإِذَا صَحَحْنَا كِتَابَةَ بَعْضِ قِنٍّ كَأَنْ أَوْصَى بِكِتَابِهِ عَبْدٌ فَعَجَزَ الثُّلُثُ عَنْ كُلِّهِ لَمْ يُعْطَ، وَلَا يُعْطَى مُكَاتَبُ نَفْسِهِ مِنْ زَكَاتِهِ، وَيُسْتَرَدُّ مِنْهُ إنْ عَجَّزَ نَفْسَهُ أَوْ عَتَقَ بِغَيْرِ الْمَدْفُوعِ، وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُعْطَى لِغَرِيمِهِ مِنْ زَكَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ فَكَأَنَّهُ أَعْطَى مَمْلُوكَهُ بِخِلَافِ الْغَارِمِ.
نَعَمْ مَا أَتْلَفَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ وَالْبَرَاءَةِ لَا يُغَرَّمُ بَدَّلَهُ لِتَلَفِهِ عَلَى مِلْكِهِ مَعَ حُصُولِ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ إنْفَاقِهِ فِي غَيْرِ الْعِتْقِ وَإِنْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ لَكِنْ قَبْلَ كَسْبِ مَا عَلَيْهِ لَا بَعْدَهُ لَيُقَوِّيَ ظَنَّ حُصُولِهِ الْمُتَشَوِّفَ إلَيْهِ الشَّارِعُ.

(وَالْغَارِمُ) الْمَدِينُ وَمِنْهُ مُكَاتَبٌ اسْتَدَانَ النُّجُومَ وَعَتَقَ كَمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا يُعْطَى (إنَّ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ) شَيْئًا

[حاشية الشبراملسي]

هُنَا، وَإِلَّا فَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ مُطْلَقًا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي فِي مَعْنَى الْغَازِي) لَكِنْ جَعَلَهُمَا فِي مَعْنَى مَنْ ذَكَرَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُقَاتِلَ وَالْمَخُوفَ يُعْطِيَانِ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ، وَأَنَّ مَنْ يُقَاتِلُ مَنْ يَلِيه مِنْ الْكُفَّارِ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا وَإِنَّمَا يُعْطَوْنَ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ الْمَالِكُ) أَيْ حَيْثُ قُلْنَا بِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَا مُنَاقَضَةَ (قَوْلُهُ ظَاهِرٌ) أَيْ وَمَعَ ظُهُورِهِ فِي ذَلِكَ الْمُعْتَمَدِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِعْطَاءَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ (قَوْلُهُ: بَلْ الضَّعْفُ) أَيْ كَافٍ

(قَوْلُهُ بِشَرْطِ صِحَّةِ كِتَابَتِهِمْ) وَكَوْنُ الْكِتَابَةِ لِجَمِيعِ الْمُكَاتَبِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: نَعَمْ مَا أَتْلَفَهُ) أَيْ مِمَّا أَخَذَهُ وَهُوَ اسْتِدْرَاكٌ

[حاشية الرشيدي]

الْمُعْتَرِضُ اعْتِرَاضَهُ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ رِبْحُهُ

(قَوْلُهُ:: لَا حُلُولُ النُّجُومِ) أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ (قَوْلُهُ وَيُسْتَرَدُّ مِنْهُ) أَيْ الزَّكَاةُ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهِ وَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَهُ عَمَّا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: نَعَمْ مَا أَتْلَفَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ وَتُسْتَرَدُّ إلَخْ

يَصْرِفُهُ (فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ) طَاعَةً كَانَ أَوْ مُبَاحًا وَإِنْ صَرَفَهُ فِيهَا، وَلَوْ لَمْ يَتُبْ إذَا عُلِمَ قَصْدُهُ الْإِبَاحَةَ أَوْ لَا، لَكِنَّا لَا نُصَدِّقُهُ فِيهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِقَرَائِنَ تُفِيدُ مَا ذُكِرَ، وَتَمْثِيلُ الرَّافِعِيِّ الِاسْتِدَانَةَ لِلْمَعْصِيَةِ بِمَا لَوْ اشْتَرَى خَمْرًا فِي ذِمَّتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى كَافِرٍ اشْتَرَاهَا وَقَبَضَهَا فِي الْكُفْرِ فَيَسْتَقِرُّ بَدَلُهَا فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ يُرَادُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَدَانَ شَيْئًا فَقَصَدَ صَرْفَهُ فِي تَحْصِيلِ خَمْرٍ وَصَرَفَهُ فِيهِ فَالِاسْتِدَانَةُ بِهَذَا الْقَصْدِ مَعْصِيَةٌ، وَتَعْبِيرُهُ بِالِاسْتِدَانَةِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، فَلَوْ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ عَمْدًا أَوْ أَسْرَفَ فِي النَّفَقَةِ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنْ صَرَفَ الْمَالَ فِي الْمَلَاذِّ الْمُبَاحَةِ لَيْسَ بِصَرْفِ مَحَلِّهِ فِيمَنْ يَصْرِفُ مِنْ مَالِهِ إلَّا بِالِاسْتِدَانَةِ مِنْ غَيْرِ رَجَاءِ وَفَائِهِ: أَيْ حَالًّا فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ سَبَبٍ ظَاهِرٍ.
لَا يُقَالُ: لَوْ أُرِيدَ هَذَا لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالْإِسْرَافِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْإِسْرَافِ هُنَا الزَّائِدُ عَلَى الضَّرُورَةِ أَمَّا الِاقْتِرَاضُ لِلضَّرُورَةِ فَلَا حُرْمَةَ فِيهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي وُجُوبِ الْبَيْعِ لِلْمُضْطَرِّ الْمُعْسِرِ، وَإِنَّمَا (أُعْطِيَ) الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي لِتَقْصِيرِهِ بِالِاسْتِدَانَةِ لِلْمَعْصِيَةِ مَعَ صَرْفِهَا فِيهَا (قُلْت: الْأَصَحُّ يُعْطَى إذَا تَابَ) حَالًّا إنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَكَذَا إذَا صَرَفَهُ فِي مُبَاحٍ كَعَكْسِهِ السَّابِقِ، وَلَا يُعْطَى غَارِمٌ مَاتَ وَلَا وَفَاءَ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَصَى بِهِ فَوَاضِحٌ وَإِلَّا فَغَيْرُ مُحْتَاجٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُطَالِبُ بِهِ.
وَالثَّانِي لَا يُعْطَى؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا اتَّخَذَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً ثُمَّ يَعُودُ (وَالْأَظْهَرُ اشْتِرَاطُ حَاجَتِهِ) أَيْ الْمُسْتَدِينِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ قَضَى دَيْنَهُ مِمَّا مَعَهُ تَمَسْكَنَ كَمَا رَجَحَاهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْمَجْمُوعِ فَيُتْرَكُ لَهُ مِمَّا مَعَهُ مَا يَكْفِيهِ: أَيْ الْكِفَايَةُ السَّابِقَةُ لِلْعُمْرِ الْغَالِبِ فِيمَا يَظْهَرُ، ثُمَّ إنْ فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ صَرَفَهُ فِي دَيْنِهِ وَتَمَّمَ لَهُ بَاقِيَهُ وَإِلَّا قَضَى عَنْهُ الْكُلَّ، وَلَا يُكَلَّفُ كَسُوبٌ الْكَسْبَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ مِنْهُ غَالِبًا إلَّا بِتَدْرِيجٍ، وَفِيهِ حَرَجٌ شَدِيدٌ.
وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَلَسِ مِنْ وُجُوبِ الِاكْتِسَابِ عَلَى عَاصٍ بِالِاسْتِدَانَةِ يَجِيءُ نَظِيرُهُ هُنَا، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ ذَاكَ حَقُّ آدَمِيٍّ فَغَلُظَ فِيهِ أَكْثَرُ (دُونَ حُلُولِ الدَّيْنِ) لِأَنَّهُ يُسَمَّى الْآنَ مَدِينًا (قُلْت: الْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ حُلُولِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) . لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ الْآنَ (أَوْ) اسْتَدَانَ (لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ) أَيْ الْحَالُ بَيْنَ الْقَوْمِ بِأَنْ يَخَافَ فِتْنَةً بَيْنَ شَخْصَيْنِ أَوْ قَبِيلَتَيْنِ تَنَازَعَا فِي قَتِيلٍ أَوْ مَالٍ مُتْلَفٍ، وَإِنْ عَرَفَ قَاتَلَهُ أَوْ مُتْلِفَهُ فَيَسْتَدِينُ مَا يُسَكِّنُ بِهِ الْفِتْنَةَ

[حاشية الشبراملسي]

عَلَى قَوْلِهِ وَيَسْتَرِدُّ مِنْهُ إلَخْ

(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا أُعْطِيَ الْأَوَّلُ) هُوَ مَنْ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ دُونَ الْمَعْصِيَةِ، وَالثَّانِي هُوَ مَنْ اسْتَدَانَ لِلْمَعْصِيَةِ وَصَرَفَهُ فِيهَا (قَوْلُهُ: لَا يُطَالِبُ بِهِ) أَيْ الْآنَ (قَوْلُهُ مِمَّا مَعَهُ تَمَسْكُنٌ) أَيْ صَارَ مِسْكِينًا (قَوْلُهُ: فَيَسْتَدِينُ مَا يَسْكُنُ بِهِ) فِي سم عَلَى حَجّ: قَدْ يُقَالُ الِاسْتِدَانَةُ بِالْقَرْضِ وَلَا يَكُونُ إلَّا حَالًا إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَتَمْثِيلُ الرَّافِعِيِّ الِاسْتِدَانَةَ لِلْمَعْصِيَةِ) هَذَا سَقَطَ مِنْ نُسَخِ الشَّارِحِ مِنْ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ: وَالْغَارِمُ إنْ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ أُعْطِي أَوْ لِمَعْصِيَةٍ فَلَا قُلْت إلَخْ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَتَمْثِيلُ الرَّافِعِيِّ إلَخْ مِنْ تَعَلُّقِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ لِمَعْصِيَةٍ فَلَا الَّذِي سَقَطَ شَرْحُهُ مِنْ نُسَخِ الشَّارِحِ، وَفِي نُسَخِ الشَّارِحِ أَيْضًا كِتَابَةً أُعْطِيَ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي آخِرَ السَّوَادَةِ وَإِنَّمَا أُعْطِيَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي إلَخْ بِالْأَحْمَرِ وَهُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ كَمَا عَرَفْت (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَغَيْرُ مُحْتَاجٍ) أَيْ؛ لِأَنَّ مُطَالَبَةَ الدَّائِنِ الَّتِي كُنَّا نُعْطِيهِ لِدَفْعِهَا قَدْ انْدَفَعَتْ عَنْهُ بِالْمَوْتِ، فَالْمُرَادُ بِالْمُطَالَبَةِ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ الْمُطَالَبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ كَمَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ كَلَامُ الدَّمِيرِيِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيُ الْمُطَالَبَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا فِي التُّحْفَةِ مِمَّا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ لِلشَّارِحِ مَعَ الْمَتْنِ أَوْ اسْتَدَانَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ بِحَسَبِ مَا حَلَّ بِهِ الشَّارِحُ الْمَتْنَ أَوَّلًا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إنْ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ الَّذِي قَطَعَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْمَتْنِ قَبْلُ وَدَخَلَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا يُعْطَى فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ وَإِنَّمَا يُعْطَى إنْ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ أَوْ اسْتَدَانَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَحِينَئِذٍ فَيَصِيرُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أُعْطِيَ غَيْرُهُ مُتَعَلِّقًا بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ، فَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يُقَدِّرَ لَهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَإِلَّا صَارَ مُهْمَلًا فَتَأَمَّلْ

وَلَوْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يُسَكِّنُهَا غَيْرُهُ (أُعْطِيَ) إنْ حَلَّ الدَّيْنُ هُنَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ (مَعَ الْغَنِيِّ) وَلَوْ بِنَقْدٍ وَإِلَّا لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ (وَقِيلَ إنْ كَانَ غَنِيًّا بِنَقْدٍ فَلَا) يُعْطَى إذْ لَيْسَ فِي صَرْفِهِ إلَى الدَّيْنِ مَا يَهْتِكُ الْمُرُوءَةَ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْمَلْحَظَ هُنَا الْحَمْلُ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الْمُقْتَضِي عَدَمَ الْفَرْقِ، وَأَفْهَمَ ذِكْرَهُ الِاسْتِدَانَةَ الدَّالُّ عَلَيْهَا الْعَطْفُ، كَمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَوْ أَعْطَى مِنْ مَالِهِ لَمْ يُعْطَ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ اسْتَدَانَ وَوَفَّى مِنْ مَالِهِ، وَمِنْ الْغَارِمِ الضَّامِنِ لِغَيْرِهِ لَا لَتَسْكِينِ فِتْنَةٍ وَهُوَ مُعْسِرٌ بِمَا عَلَى مُعْسِرٍ فَيُعْطَى.
فَإِنْ وَفَّى فَلَا رُجُوعَ كَمُعْسِرٍ مُلْتَزِمٍ بِمَا عَلَى مُوسِرٍ بِلَا إذْنٍ، وَصَرْفُهُ إلَى الْأَصِيلِ الْمُعْسِرِ أَوْلَى أَوْ هُوَ مُوسِرٌ بِمَا عَلَى مُوسِرٍ فَلَا، وَشَمَلَ ذَلِكَ الضَّمَانُ بِالْإِذْنِ وَبِدُونِهِ، وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي الشِّقِّ الثَّانِي وَاسْتَوْجَهَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، أَوْ مُوسِرٌ بِمَا عَلَى مُعْسِرٍ أُعْطِيَ دُونَ الضَّامِنِ، وَمَنْ اسْتَدَانَ لِنَحْوِ عِمَارَةِ مَسْجِدٍ وَقِرَى ضَيْفٍ وَفَكِّ أَسِيرٍ يُعْطَى عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ النَّقْدِ لَا عَنْ غَيْرِهِ كَالْعَقَارِ، كَذَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي تَبَعًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ اسْتَدَانَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْحِجَازِيُّ وَصَاحِبُ الْأَنْوَارِ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْأَكْثَرِينَ وَاعْتَمَدَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، عَلَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَا أَثَرَ لِغِنَاهُ بِالنَّقْدِ أَيْضًا حَمْلًا عَلَى هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ الْعَامِّ نَفْعُهَا لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَا اكْتَسَبَهُ مُكَاتَبٌ وَنَحْوُ غَارِمٍ وَابْنِ سَبِيلٍ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ صَرْفُ قَدْرِ مَا أَخَذَ فِيمَا أَخَذَ لَهُ.

(وَسَبِيلُ اللَّهِ تَعَالَى غُزَاةٌ لَا فَيْءَ لَهُمْ) أَيْ لَا سَهْمَ لَهُمْ فِي دِيوَانِ الْمُرْتَزِقَةِ بَلْ هُمْ مُتَطَوِّعَةٌ يَغْزُونَ إذَا نَشِطُوا بَلْ هُمْ فِي حِرَفِهِمْ وَصَنَائِعِهِمْ وَسَبِيلُ اللَّهِ وَضْعًا الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلَةُ لَهُ تَعَالَى، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجِهَادِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الشَّهَادَةِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ وُضِعَ عَلَى هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ جَاهَدُوا لَا فِي مُقَابِلٍ فَكَانُوا أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا تَفْسِيرُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ الْمُخَالِفِ لِمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَهُ بِالْحَجِّ لِحَدِيثٍ فِيهِ فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ: أَيْ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ الَّتِي زَعَمَهَا الْحَاكِمُ، وَإِلَّا فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّ فِي سَنَدِهِ مَجْهُولًا، وَبِأَنَّ فِيهِ عَنْعَنَةَ مُدَلِّسٍ وَبِأَنَّ فِيهِ اضْطِرَابًا بِأَنَّا لَا نَمْنَعُ أَنَّهُ يُسَمَّى بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي مُرَادِ الْآيَةِ بِسَبِيلِ اللَّهِ لَا سِيَّمَا وَخَبَرُ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إلَّا لِخَمْسَةٍ، ذَكَر مِنْهَا الْغَازِيَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ ذَكَرْنَاهُ (فَيُعْطَوْنَ مَعَ الْغَنِيِّ) إعَانَةً لَهُمْ عَلَى الْغَزْوِ، وَمَرَّ أَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ كَمَا لَا حَظَّ لِأَهْلِهِ فِي الزَّكَاةِ، فَإِنْ عُدِمَ وَاضْطُرِرْنَا إلَى الْمُرْتَزِقِ أَعَانَهُ الْأَغْنِيَاءُ مِنَّا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لَا مِنْ الزَّكَاةِ.

(وَابْنُ السَّبِيلِ) هُوَ شَامِلٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَفِيهِ تَغْلِيبٌ (مُنْشِئُ سَفَرٍ) مِنْ بَلَدِ الزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَطَنَهُ، وَقُدِّمَ اهْتِمَامًا بِهِ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ الْقَوِيِّ فِيهِ إذْ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ مَجَازٌ لِدَلِيلٍ هُوَ عِنْدَنَا الْقِيَاسُ عَلَى الثَّانِي بِجَامِعِ احْتِيَاجِ كُلٍّ لِأُهْبَةِ السَّفَرِ (أَوْ مُجْتَازٌ) بِهِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُلَازِمَتِهِ السَّبِيلَ، وَهِيَ الطَّرِيقُ، وَأُفْرِدَ فِي الْآيَةِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ مَحَلُّ الْوِحْدَةِ وَالِانْفِرَادِ (وَشَرْطُهُ) مِنْ جِهَةِ الْإِعْطَاءِ لَا التَّسْمِيَةِ (الْحَاجَةُ) بِأَنْ لَا يَجِدَ مَا يَقُومُ بِحَوَائِجِ سَفَرِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ بِغَيْرِهِ وَلَوْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَإِنْ وَجَدَ مِنْ يُقْرِضُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ مِنْ اشْتِرَاطِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَعَدَمِ وُجُودِ مُقْرِضٍ بِأَنَّ الضَّرُورَةَ فِي السَّفَرِ وَالْحَاجَةَ فِيهِ أَغْلَبُ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُفَرِّقُوا فِيهِ بَيْنَ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ، وَلَوْ بِلَا مَشَقَّةٍ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لِتَحَقُّقِ حَاجَتِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ هُنَا دُونَ مَا مَرَّ

[حاشية الشبراملسي]

فِي ذِمَّتِهِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ مَا يَصْرِفُهُ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ كَإِبِلِ الدِّيَةِ اهـ (قَوْلُهُ: فَإِنْ وَفَّى) يَعْنِي الضَّامِنَ مَا عَلَى الْأَصِيلِ بِمَا قَبَضَهُ مِنْ الزَّكَاةِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْأَصِيلِ

(قَوْلُهُ: لَا فِي مُقَابِلِ) هِيَ بِمَعْنَى اللَّامِ

(قَوْلُهُ وَعَدَمِ وُجُودِ مُقْرِضٍ)

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: فَإِنْ وَفَّى) وَفِي عِبَارَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ، وَإِذَا قَضَى وَقَوْلُهُ فَلَا رُجُوعَ: أَيْ عَلَى الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ إذَا غَرِمَ مِنْ مَالِهِ (قَوْلُهُ: إلَى الْأَصِيلِ الْمُعْسِرِ) أَيْ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: وَشَمِلَ ذَلِكَ) أَيْ ضَمَانُ الْمُوسِرِ مَا عَلَى الْمُوسِرِ (قَوْلُهُ: فِي الشِّقِّ الثَّانِي) أَيْ قَوْلِهِ وَبِدُونِهِ

(قَوْلُهُ: وَعَدَمُ وُجُودِ مُقْرِضٍ) تَبِعَ فِي هَذِهِ الْإِحَالَةِ

(وَعَدَمُ الْمَعْصِيَةِ) سَوَاءٌ أَكَانَ السَّفَرُ طَاعَةً أَمْ مَكْرُوهًا أَمْ مُبَاحًا وَلَوْ سَفَرَ نُزْهَةٍ، بِخِلَافِ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ بِأَنْ عَصَى بِهِ لَا فِيهِ كَسَفَرِ الْهَائِمِ، لِأَنَّ إتْعَابَ النَّفْسِ وَالدَّابَّةِ بِلَا غَرَضٍ صَحِيحٍ حَرَامٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِإِعْطَائِهِ إعَانَتَهُ وَلَا يُعَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَإِنْ تَابَ أُعْطِيَ لِبَقِيَّةِ سَفَرِهِ.

(وَشَرْطُ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الْحُرِّيَّةُ) الْكَامِلَةُ إلَّا الْمُكَاتَبَ فَلَا يُعْطَى مُبَعَّضٌ وَلَوْ فِي نَوْبَتِهِ (وَالْإِسْلَامُ) فَلَا يُدْفَعُ مِنْهَا لِكَافِرٍ إجْمَاعًا، نَعَمْ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ كَافِرٍ وَعَبْدٍ كَيَّالٍ أَوْ جَمَالٍ أَوْ حَافِظٍ أَوْ نَحْوِهِمْ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ لِأَنَّهُ أُجْرَةٌ لَا زَكَاةَ بِخِلَافِ نَحْوِ سَاعٍ وَإِنْ كَانَ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةً أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ اسْتِئْجَارِ ذَوِي الْقُرْبَى مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، بِخِلَافِ عَمَلِهِ فِيهِ بِلَا إجَارَةٍ؛ لِأَنَّ فِيمَا يَأْخُذُهُ حِينَئِذٍ شَائِبَةُ زَكَاةٍ، وَبِهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ قَوْلِهِ (وَأَنْ لَا يَكُونَ هَاشِمِيًّا وَلَا مُطَّلِبِيًّا) وَإِنْ مُنِعُوا حَقَّهُمْ مِنْ الْخُمُسِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» وَبَنُو الْمُطَّلِبِ مِنْ الْآلِ كَمَا مَرَّ، وَكَالزَّكَاةِ كُلُّ وَاجِبٍ كَنَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُسْلَكُ بِالنَّذْرِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ عَلَى أَوْجُهِ احْتِمَالَيْنِ، كَمَا يُؤْخَذُ تَرْجِيحُ ذَلِكَ مِنْ إفْتَاءِ الْوَالِدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْأُضْحِيَّةَ الْوَاجِبَةُ وَالْجُزْءُ الْوَاجِبُ مِنْ أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ، وَحُرِّمَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكُلُّ؛ لِأَنَّ مَقَامَهُ أَشْرَفُ وَحَلَّتْ لَهُ الْهَدِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا شَأْنُ الْمُلُوكِ بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ (وَكَذَا مَوْلَاهُمْ فِي الْأَصَحِّ) لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» وَالثَّانِي قَالَ الْمَنْعُ فِيهِمْ لِاسْتِغْنَائِهِمْ بِخُمُسِ الْخُمُسِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي أَخَوَاتِهِمْ مَعَ صِحَّةِ حَدِيثِ «ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ» بِأَنَّ أُولَئِكَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَبٌ وَقَبَائِلُ يُنْسَبُونَ إلَيْهِمْ غَالِبًا تَمَحَّضَتْ نِسْبَتُهُمْ لِسَادَاتِهِمْ فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ تَحْقِيقًا لِشَرَفِ مَوَالِيهِمْ وَلَمْ يُعْطَوْا مِنْ الْخُمُسِ لِئَلَّا يُسَاوُوهُمْ فِي جَمِيعِ شَرَفِهِمْ، وَأَفْتَى الْمُصَنِّفُ فِي بَالِغٍ تَارِكِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَا يَقْبِضُهَا لَهُ إلَّا وَلِيُّهُ: أَيْ كَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ فَلَا يُعْطَى لَهُ وَإِنْ غَابَ وَلِيُّهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ طَرَأَ تَبْذِيرُهُ وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَقْبِضُهَا، وَيَجُوزُ دَفْعُهَا لِفَاسِقٍ إلَّا إنْ عُلِمَ أَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ فَيَحْرُمُ: أَيْ وَإِنْ أَجْزَأَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ، وَلِأَعْمَى دَفْعُهَا وَأَخْذُهَا كَمَا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ: يَجُوزُ دَفْعُهَا مَرْبُوطَةً مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِجِنْسٍ وَلَا قَدْرٍ وَلَا صِفَةٍ، نَعَمْ الْأُولَى تَوْكِيلُهُمَا خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مُسْتَنِدِ الْإِعْطَاءِ وَقَدْرِ الْمُعْطَى (مَنْ) (طَلَبَ زَكَاةً) أَوْ لَمْ يَطْلُبْ وَأُرِيدَ إعْطَاؤُهُ وَآثَرَ الطَّلَبَ؛ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ (وَعَلِمَ الْإِمَامُ) أَوْ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ

[حاشية الشبراملسي]

لَمْ يَتَقَدَّمْ هَذَا فِي كَلَامِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ حَجّ (قَوْلُهُ وَلَوْ سَفَرَ نُزْهَةٍ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْهَائِمَ عَاصٍ بِسَفَرِهِ، وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ: وَأُلْحِقَ بِهِ: أَيْ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ سَفَرٌ لَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَسَفَرِ الْهَائِمِ

(قَوْلُهُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكُلُّ) فَرْضًا أَوْ نَفْلًا.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مُسْتَنِدِ الْإِعْطَاءِ وَقَدْرِ الْمُعْطَى]

(فَصْلٌ) : فِي بَيَانِ مُسْتَنِدِ الْإِعْطَاءِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَقَدْرُ الْمُعْطَى) أَيْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ الْإِعْطَاءِ نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: وَأُرِيدَ إعْطَاؤُهُ) أَيْ بِأَنْ اقْتَضَاهُ الْحَالُ

[حاشية الرشيدي]

الشِّهَابَ حَجّ، لَكِنَّهُ أَسْقَطَ مَا أَحَالَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ الْمَذْكُورُ مِمَّا قَدَّمَهُ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْفَقِيرِ وَمَالِهِ الْغَائِبِ فِي مَرْحَلَتَيْنِ وَالْمُؤَجَّلُ مِنْ قَوْلِهِ مَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُقْرِضُهُ انْتَهَى.
فَإِنْ كَانَ الشَّارِحُ أَسْقَطَ ذَاكَ قَصْدًا فَتَبَعِيَّتُهُ هُنَا فِي هَذِهِ الْإِحَالَةِ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلْيُحَرَّرْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ سَفَرَ نُزْهَةٍ) لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ النُّزْهَةَ غَيْرُ حَامِلَةٍ لَهُ عَلَى السَّفَرِ لِيُوَافِقَ مَا سَيَأْتِي لَهُ آخِرَ الْفَصْلِ الْآتِي.

(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ مُسْتَنِدِ الْإِعْطَاءِ وَقَدْرِ الْمُعْطَى

الدَّفْعِ وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّ دَخْلَهُ فِيهَا أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ غَلَبَةُ الظَّنِّ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (اسْتِحْقَاقُهُ) لَهَا (أَوْ عَدَمُهُ عَمَلٌ بِعِلْمِهِ) وَلَا يَخْرُجُ عَلَى خِلَافِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الزَّكَاةِ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَلَيْسَ فِيهَا إضْرَارٌ بِالْغَيْرِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ حَالِهِ شَيْئًا (فَإِنْ) (ادَّعَى فَقْرًا أَوْ مَسْكَنَةً) وَأَنَّهُ غَيْرُ كَسُوبٍ (لَمْ يُكَلَّفْ بَيِّنَةً) لِعُسْرِهَا وَلَا يُحَلَّفْ أَيْضًا وَإِنْ اُتُّهِمَ.
وَلَوْ كَانَ جِلْدًا قَوِيًّا، وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَحَالُهُ يَشْهَدُ بِصِدْقِهِ بِأَنْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا أَوْ زَمِنًا جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَمِثْلُ الزَّكَاةِ فِيمَا ذُكِرَ الْوَقْفُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْوَصِيَّةُ لَهُمْ (فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ) يُغْنِيهِ (وَادَّعَى تَلَفَهُ كُلِّفَ) الْبَيِّنَةَ، وَهُوَ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَلَوْ لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ.
أَمَّا لَوْ كَانَ الْمَالُ قَدْرًا لَا يُغْنِيهِ لَمْ يُطَالَبْ بِبَيِّنَةٍ إلَّا عَلَى تَلَفِ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ، وَيُعْطَى تَمَامَ كِفَايَتِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيِّ مَجِيءُ مَا فِي الْوَدِيعَةِ هُنَا مِنْ دَعْوَاهُ التَّلَفَ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ أَوْ خَفِيٍّ، وَإِنْ فَرَّقَ ابْنُ الرِّفْعَةِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأَصْلَ ثَمَّ عَدَمُ الضَّمَانِ وَهُنَا عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ، وَجَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ (وَكَذَا إنْ ادَّعَى عِيَالًا فِي الْأَصَحِّ) يُكَلَّفُ بَيِّنَةً بِذَلِكَ لِسُهُولَتِهَا.
وَالثَّانِي: لَا وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِيَالِ مَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ فَغَيْرُهُمْ يَسْأَلُونَ لِأَنْفُسِهِمْ أَوْ يَسْأَلُ هُوَ لَهُمْ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ.

(وَيُعْطَى مُؤَلَّفٌ) بِقَوْلِهِ بِلَا يَمِينٍ إنْ ادَّعَى ضَعْفَ نِيَّتِهِ دُونَ شَرَفٍ أَوْ قِتَالٍ لِسُهُولَةِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِمَا وَتَعَذُّرِهَا فِي الْأَوَّلِ (وَغَازٍ وَابْنُ سَبِيلٍ) بِقِسْمَيْهِ (بِقَوْلِهِمَا) مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ لِأَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَإِنَّمَا يُعْطَيَانِ عِنْدَ الْخُرُوجِ لِيَتَهَيَّآ لَهُ (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجَا) بِأَنْ مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تَقْرِيبًا، وَلَمْ يَتَرَصَّدَا لِلْخُرُوجِ وَلَا انْتَظَرَا أُهْبَةً وَلَا رُفْقَةً (اسْتَرَدَّ) مِنْهُمَا مَا أَخَذَاهُ، وَكَذَا لَوْ خَرَجَ الْغَازِي وَلَمْ يَغْزُ ثُمَّ رَجَعَ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَوْ وَصَلَ بِلَادَهُمْ وَلَمْ يُقَاتِلْ لِبُعْدِ الْعَدُوِّ لَمْ يُسْتَرَدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى بِلَادِهِمْ، وَقَدْ وُجِدَ وَخَرَجَ بِ " رَجَعَ " مَوْتُهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ أَوْ الْمَقْصِدِ فَلَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُ إلَّا مَا بَقَّى، وَإِلْحَاقُ الرَّافِعِيِّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْغَزْوِ بِالْمَوْتِ رَدَّهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَرَّرَ، وَلَوْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْهُمَا بَعْدَ رُجُوعِهِمَا اُسْتُرِدَّ فَاضِلُ ابْنِ السَّبِيلِ مُطْلَقًا، وَكَذَا فَاضِلُ الْغَازِي بَعْدَ غَزْوِهِ كَانَ شَيْئًا لَهُ وَقَعَ عُرْفًا وَلَمْ يُقَتِّرْ عَلَى نَفْسِهِ لِتَبَيُّنِ أَنَّهُمَا أُعْطِيَا فَوْقَ حَاجَتَيْهِمَا.

(وَيُطَالِبُ عَامِلٌ وَمُكَاتَبٌ وَغَارِمٌ) وَلَوْ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ (بِبَيِّنَةٍ) لِسُهُولَتِهَا بِمَا ادَّعَاهُ كَمَا فِي طَلَبِهِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ أَوْ مِنْ الْإِمَامِ إذَا بَعَثَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ قَبَضَ الصَّدَقَةَ وَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ وَيُتَصَوَّرُ دَعْوَاهُ مَعَ عِلْمِ الْإِمَامِ بِحَالِهِ إذْ هُوَ الْبَاعِثُ لَهُ بِمَا لَوْ طَلَبَ مِنْ

[حاشية الشبراملسي]

وَإِلَّا فَالْإِعْطَاءُ وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ حَيْثُ عَلِمَ (قَوْلُهُ: عَمِلَ بِعِلْمِهِ) مَا لَمْ تُعَارِضْهُ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ عَارَضْته عَمِلَ بِهَا دُونَ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ (قَوْلُهُ: الْوَقْفُ عَلَى الْفُقَرَاءِ) أَيْ فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ مِنْ الْفُقَرَاءِ دُفِعَ لَهُ مِنْهُ بِلَا يَمِينٍ وَإِنْ كَانَ جِلْدًا قَوِيًّا (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ) عِلَّةً لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ (قَوْلُهُ: عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ) أَيْ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ) أَيْ حَيْثُ قَالَ الْمُرَادُ بِالْعِيَالِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ تَقْضِي الْمُرُوءَةُ بِإِنْفَاقِهِ اهـ حَجّ

(قَوْلُهُ وَغَازٍ) وَمِثْلُهُ الْمُؤَلَّفَةُ إذَا قَالُوا نَأْخُذُ لِنَدْفَعَ مَنْ خَلْفَنَا مِنْ الْكُفَّارِ أَوْ نَأْتِي بِالزَّكَاةِ مِنْ مَانِعِيهَا (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَرَّرَ) أَيْ مِنْ الْحُكْمِ وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْهُ عِلَّةً لِلرَّدِّ (قَوْلُهُ: فَاضِلُ ابْنِ السَّبِيلِ مُطْلَقًا) أَيْ قَلَّ أَوْ كَثُرَ (قَوْلُهُ: لِتَبَيُّنِ أَنَّهُمَا أُعْطِيَا فَوْقَ حَاجَتِهِمَا) هَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا لَوْ اتَّفَقَا فِي الطَّرِيقِ أَوْ الْمَقْصِدِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْمُعْتَادِ اُسْتُرِدَّ الزَّائِدُ مِنْهُمَا لَتَبَيَّنَ أَنَّهُمَا أَعْطَيَا فَوْقَ حَاجَتَيْهِمَا

(قَوْلُهُ وَيَتَصَوَّرُ دَعْوَاهُ) أَيْ الْعَامِلُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ غَيْرُ كَسُوبٍ) الصَّوَابُ إثْبَاتُ أَلِفٍ قَبْلَ الْوَاوِ فِي وَأَنَّهُ إذْ هُوَ مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ شَرْحِ الْجَلَالِ، وَلَعَلَّهَا سَقَطَتْ مِنْ الْكَتَبَةِ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الشَّارِحِ) يَعْنِي فِي مَسْأَلَةِ مَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ غَيْرُ كَسُوبٍ الَّتِي زَادَهَا كَمَا عَرَفْت

(قَوْلُهُ: كَمَا فِي طَلَبِهِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ أَوْ مِنْ الْإِمَامِ إلَخْ) مُرَادُهُ بِهَذَا تَصْوِيرُ دَعْوَى الْعَامِلِ مَعَ عِلْمِ الْإِمَامِ بِحَالِهِ

الْإِمَامِ حِصَّتَهُ مِنْ زَكَاةٍ وَصَلَتْ إلَيْهِ مِنْ نَائِبِهِ بِمَحَلِّ كَذَا لِكَوْنِ ذَلِكَ النَّائِبِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا حَتَّى أَوْصَلَهَا إلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ أُنْسِيت أَنَّك الْعَامِلُ، أَوْ مَاتَ مُسْتَعْمِلُهُ فَطَلَب مِمَّنْ تَوَلَّى مَحَلَّهُ حِصَّتَهُ، وَمَا صَوَّرَ بِهِ السُّبْكِيُّ مِنْ إتْيَانِهِ لِرَبِّ الْمَالِ وَمُطَالَبَتِهِ مَعَ جَهْلِ حَالِهِ رُدَّ بِأَنَّهُ إنْ فَرَّقَ فَلَا عَامِلَ وَإِنْ فَرَّقَ الْإِمَامُ فَلَا وَجْهَ لِمُطَالَبَةِ الْمَالِكِ، وَابْنُ الرِّفْعَةِ بِمَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ الْإِمَامُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ فَادَّعَى أَنَّهُ قَبَضَ الصَّدَقَاتِ وَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَطَالَبَ بِالْأُجْرَةِ رُدَّ بِخُرُوجِهِ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَدَّعِي بِأُجْرَةٍ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ لَا مِنْ الزَّكَاةِ: وَالْأَذْرَعِيُّ بِمَا إذَا فَوَّضَ التَّفْرِقَةَ إلَيْهِ أَيْضًا ثُمَّ جَاءَ، وَادَّعَى الْقَبْضَ وَالتَّفْرِقَةَ وَطَلَبَ أُجْرَتَهُ مِنْ الْمُصَالِحِ رُدَّ بِنَظِيرِ مَا قَبْلَهُ (وَهِيَ) أَيْ الْبَيِّنَةُ فِيمَا ذَكَرَ (إخْبَارُ عَدْلَيْنِ) أَوْ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَإِنْ عَرَى عَنْ لَفْظِ شَهَادَةٍ وَاسْتِشْهَادٍ وَدَعْوَى عِنْدَ حَاكِمٍ (وَتُغْنِي عَنْهَا) فِي سَائِرِ الصُّوَرِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ فِيهَا (الِاسْتِفَاضَةُ) بَيْنَ النَّاسِ مِنْ قَوْمٍ يَبْعُدُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَقَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِثَلَاثَةٍ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاسْتِغْرَابُ ابْنِ الرِّفْعَةِ لَهُ يُرَدُّ بِأَنَّ الْغَرَضَ هُنَا حُصُولُ الظَّنِّ الْمُجَوِّزِ لِلْإِعْطَاءِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ، وَبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَةِ وَمِمَّا صَرَّحَ بِذَلِكَ قَوْلُهُمْ (وَكَذَا تَصْدِيقُ رَبِّ الدَّيْنِ وَالسَّيِّدِ فِي الْأَصَحِّ) بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ وَلَا نَظَرٍ لِاحْتِمَالِ التَّوَاطُؤِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْغَالِبِ.
وَالثَّانِي لَا لِاحْتِمَالِ مَا مَرَّ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ اكْتِفَائِهِمْ بِإِخْبَارِ الْغَرِيمِ هُنَا وَحْدَهُ مَعَ تُهْمَتِهِ الِاكْتِفَاءُ بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ وَلَوْ عَدْلٍ رِوَايَةُ ظَنِّ صِدْقِهِ، بَلْ الْقِيَاسُ الِاكْتِفَاءُ بِمَنْ وَقَعَ فِي الْقَلْبِ صِدْقُهُ وَلَوْ فَاسِقًا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمَا.
نَعَمْ بَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْغَرِيمِ وَالسَّيِّدِ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا وُثِقَ بِقَوْلِهِمَا وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ الصِّدْقُ.
قَالَ وَإِلَّا لَمْ يَفِدْ قَطْعًا.

وَلَمَّا مَهَّدَ مِنْ أَوَّلِ الْفَصْلِ إلَى هُنَا مَا يُعْلَمُ بِهِ الْوَصْفُ الْمُقْتَضِي لِلِاسْتِحْقَاقِ شَرَعَ فِي بَيَانِ قَدْرِ مَا يُعْطَاهُ كُلٌّ، فَقَالَ (وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ) إنْ لَمْ يُحْسِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا كَسْبًا بِحِرْفَةٍ وَلَا تِجَارَةٍ (كِفَايَةَ سَنَةٍ) لِتَكْرَارِ الزَّكَاةِ كُلَّ سَنَةٍ فَتَحْصُلُ الْكِفَايَةُ بِهَا قُلْت: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ (وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ) يُعْطَى كُلٌّ مِنْهُمَا (كِفَايَةَ الْعُمْرِ الْغَالِبِ) أَيْ مَا بَقِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ إغْنَاؤُهُ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ، فَإِنْ زَادَ عُمْرُهُ عَلَيْهِ أُعْطِيَ سَنَةً بِسَنَةٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذْ لَا حَدَّ لِلزَّائِدِ عَلَيْهَا.
أَمَّا مَنْ يُحْسِنُ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَابْنُ الرِّفْعَةِ) أَيْ وَمَا صَوَّرَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ رُدَّ بِخُرُوجِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ أَوْ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) أَيْ عَدْلِ شَهَادَةٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَامْرَأَتَيْنِ، إذْ لَوْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ كَوْنَهُ عَدْلًا رِوَايَةً لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ التَّعَدُّدُ وَلَا الذُّكُورَةِ مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَرَى) أَيْ الْإِخْبَارُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِثَلَاثَةٍ) أَيْ الِاسْتِفَاضَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ عَدْلٍ رِوَايَةُ ظَنِّ صِدْقِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُظَنَّ صِدْقُهُ لَمْ يُعْتَمَدْ قَوْلُهُ وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّ خَبَرَ الْعَدْلِ بِمُجَرَّدِهِ يُفِيدُ الظَّنَّ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا يَجِدُهُ فِي نَفْسِهِ مَعَ خَبَرِهِ

(قَوْلُهُ: كِفَايَةُ الْعُمْرِ الْغَالِبِ) أَيْ وَأَمَّا الزَّوْجَةُ إذَا لَمْ يَكْفِهَا نَفَقَةُ زَوْجِهَا وَمَنْ لَهُ قَرِيبٌ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْطُوا كِفَايَةَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَوَقَّعُونَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَا يَدْفَعُ حَاجَتَهُمْ مِنْ تَوْسِعَةِ زَوْجِ الْمَرْأَةِ عَلَيْهَا إمَّا بِتَيَسُّرِ مَالٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْ كِفَايَةِ قَرِيبٍ لَهُ (قَوْلُهُ: كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ) أَيْ وَإِذَا مَاتَ فِي أَثْنَائِهَا لَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُ شَيْءٌ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأُوَلَ مِنْ الْأَصْنَافِ يَمْلِكُونَ

[حاشية الرشيدي]

وَإِنْ أَوْهَمَ سِيَاقُهُ خِلَافَهُ، لَكِنْ سَيَأْتِي لَهُ قَرِيبًا نَقْلُ الْأَوَّلِ عَنْ السُّبْكِيّ، وَالثَّانِي عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَرَدَّهُمَا فَالصَّوَابُ إسْقَاطُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا (قَوْلُهُ: لِكَوْنِ ذَلِكَ النَّائِبِ اسْتَعْمَلَهُ) أَيْ الْعَامِلَ وَقَوْلُهُ حَتَّى أَوْصَلَهَا إلَيْهِ أَيْ الْإِمَامُ (قَوْلُهُ: رُدَّ بِأَنَّهُ إنْ فُرِّقَ فَلَا عَامِلَ إلَخْ) قَالَ فِي التُّحْفَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ: أَيْ السُّبْكِيُّ أَنَّ الْعَامِلَ قَالَ لِلْمَالِكِ أَنَا عَامِلُ الْإِمَامِ فَادْفَعْ لِي زَكَاتَك، وَرُدَّ بِأَنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ فِي هَذَا بَلْ فِي طَلَبِ الْعَامِلِ لِحِصَّتِهِ الْمُقَابِلَةِ لِعَمَلِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْإِمَامَ تَرَكَ بَعْضَ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْمَالِكِ وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُعْطِيَ مَنْ أَرْسَلَهُ إلَيْهِ فَجَاءَ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ عَامِلُ الْإِمَامِ وَأَنَّهُ أَرْسَلَهُ إلَيْهِ فَيُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ حِينَئِذٍ.

حِرْفَةً تَكْفِيهِ لَائِقَةً كَمَا مَرَّ أَوَّلَ الْبَابِ فَيُعْطَى ثَمَنَ آلَةِ حِرْفَتِهِ وَإِنْ كَثُرَتْ أَوْ تِجَارَةً فَيُعْطَى رَأْسَ مَالٍ يَكْفِيهِ لِذَلِكَ رِبْحُهُ غَالِبًا بِاعْتِبَارِ عَادَةِ بَلَدِهِ فِيمَا يَظْهَرُ وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالنَّوَاحِي، وَتَقْدِيرُهُمْ ذَلِكَ فِي أَرْبَابِ الْمَتَاجِرِ بِاعْتِبَارِ تَعَارُفِهِمْ، وَأَمَّا فِي زَمَنِنَا فَالْأَوْجَهُ الضَّبْطُ فِيهِ بِمَا مَرَّ، وَلَوْ أَحْسَنَ أَكْثَرَ مِنْ حِرْفَةٍ وَالْكُلُّ يَكْفِيهِ أُعْطِيَ ثَمَنَ أَوْ رَأْسَ مَالِ الْأَدْنَى، وَإِنْ كَفَاهُ بَعْضُهَا فَقَطْ أُعْطِيَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَكْفِهِ وَاحِدَةٌ مِنْهَا أُعْطِيَ لِوَاحِدَةٍ وَزِيدَ لَهُ شِرَاءُ عَقَارٍ يُتِمُّ دَخَلَهُ بَقِيَّةَ كِفَايَتِهِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَالْعُمْرُ الْغَالِبُ هُنَا سِتُّونَ عَامًا وَبَعْدَهَا سَنَةٌ ثُمَّ سَنَةٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِإِعْطَاءِ مَنْ لَا يُحْسِنُ ذَلِكَ إعْطَاءَ نَقْدٍ يَكْفِيهِ تِلْكَ الْمُدَّةِ لِتَعَذُّرِهِ بَلْ ثَمَنُ مَا يَكْفِيهِ دَخْلُهُ (فَيَشْتَرِي بِهِ) إنْ كَانَ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَوَلِيُّهُ (عَقَارًا يَسْتَغِلُّهُ) وَيَغْتَنِي بِهِ عَنْ الزَّكَاةِ فَيَمْلِكُهُ وَيُورَثُ عَنْهُ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِلْمَصْلَحَةِ الْعَائِدَةِ عَلَيْهِ، إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ تِجَارَةً وَلَا حِرْفَةً، وَالْأَقْرَبُ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ لِلْإِمَامِ دُونَ الْمَالِكِ شِرَاءُهُ لَهُ، نَظِيرُ مَا يَأْتِي فِي الْغَازِي وَلَهُ إلْزَامُهُ بِالشِّرَاءِ وَعَدَمُ إخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ، وَحِينَئِذٍ لَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهُ فَلَا يَحِلُّ، وَلَا يَصِحُّ فِيمَا يَظْهَرُ، وَلَوْ مَلَكَ هَذَا دُونَ كِفَايَةِ الْعُمْرِ الْغَالِبِ كُمِّلَ لَهُ مِنْ الزَّكَاةِ كِفَايَتُهُ كَمَا بَحَثَهُ السُّبْكِيُّ، وَأَطَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى بَعْضِ مُعَاصِرِيهِ فِي اشْتِرَاطِهِ اتِّصَافِهِ يَوْمَ الْإِعْطَاءِ بِالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ: أَيْ بِاحْتِيَاجِهِ حِينَئِذٍ لِلْعَطَاءِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ: لَوْ كَانَ مَعَهُ تِسْعُونَ وَلَا يَكْفِيهِ إلَّا رِبْحُ مِائَةٍ أُعْطِيَ الْعَشَرَةُ الْأُخْرَى، وَإِنْ كَفَتْهُ التِّسْعُونَ لَوْ أَنْفَقَهَا مِنْ غَيْرِ اكْتِسَابٍ فِيهَا سِنِينَ لَا تَبْلُغُ الْعُمْرَ الْغَالِبَ، هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ مَحْصُورِينَ.
أَمَّا الْمَحْصُورُونَ فَسَيَأْتِي أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَهُ.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَهُ عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهِمْ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِأَقَلِّ مُتَمَوِّلٍ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْمِلْكِ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ ذَاكَ مَنُوطٌ بِالْعُرْفِ لَا بِمُسْتَحِقٍّ مُعَيَّنٍ فَنَظَرٌ فِيهِ لِاجْتِهَادِهِ وَرِعَايَةِ الْحَاجَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ إنَّمَا تَقْتَضِي الْإِثْمَ عِنْدَ الْإِخْلَالِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا مُرَجِّحَ إلَّا الْكِفَايَةُ فَوَجَبَ مِلْكُهُمْ بِحَبْسِهَا وَيُحْفَظُ الْفَاضِلُ عَنْهَا إلَى وُجُودِ غَيْرِهِمْ، وَمَا ادَّعَاهُ السُّبْكِيُّ فِيمَا لَوْ زَادَتْ الزَّكَاةُ عَلَى كِفَايَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِكَثْرَتِهَا وَقِلَّتِهِمْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قِسْمَتُهَا كُلُّهَا عَلَيْهِمْ وَيَنْتَقِلُ بَعْدَهُمْ لِوَرَثَتِهِمْ يُخَالِفُهُ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ أَوَّلًا أَنَّ مَا زَادَ مِنْ الزَّكَاةِ عَلَى كِفَايَتِهِمْ يُحْفَظُ لِوُجُودِهِمْ.
وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ أَقَلِّ مَا يُدْفَعُ مِنْ الزَّكَاةِ.
وَالْوَجْهُ جَوَازُ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَمَا فِي الْوَدَائِعِ لِابْنِ سُرَيْجٍ مِنْ أَنَّ أَقَلَّهُ نِصْفُ دِرْهَمٍ وَأَكْثَرَهُ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ إلَى حَالِ الْغِنَى مَحْمُولٌ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَالِكِ عِنْدَ عَدَمِ انْحِصَارِ مُسْتَحِقِّيهَا أَوْ انْحِصَارِهِمْ وَلَمْ يُوفِ بِهِمْ الْمَالُ.

(وَ) يُعْطَى (الْمُكَاتَبُ) الْمَارُّ (وَالْغَارِمُ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (قَدْرَ دَيْنِهِ) مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَفَاءٌ لِبَعْضِهِ وَإِلَّا فَمَا يُوَفِّيهِ فَقَطْ، وَمَحَلُّ مَا ذُكِرَ فِي الْغَارِمِ لِغَيْرِ إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يُعْطَى مَعَ الْغِنَى (وَابْنُ السَّبِيلِ مَا يُوصِلُهُ مَقْصَدَهُ) بِكَسْرِ الصَّادِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي طَرِيقِهِ إلَيْهِ مَالٌ (أَوْ مَوْضِعُ مَالِهِ) إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فِي طَرِيقِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ بِبَعْضِهِ بَعْضُ مَا يَكْفِيهِ تُمِّمَتْ لَهُ كِفَايَتُهُ وَيُعْطَى لِرُجُوعِهِ أَيْضًا إنْ عَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ، وَالْأَحْوَطُ تَأْخِيرُهُ إلَى شُرُوعِهِ فِيهِ إنْ تَيَسَّرَ، وَلَا

[حاشية الشبراملسي]

مَا أَخَذُوهُ مِلْكًا مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: عَقَارًا يَسْتَغِلُّهُ) أَيْ وَنَحْوَ مَاشِيَةٍ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا اهـ حَجّ (وَلَهُ أَنَّ لِلْإِمَامِ إلَخْ) أَيْ وَيَصِيرُ مِلْكًا لَهُ حَيْثُ اشْتَرَاهُ بِنِيَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَحِينَئِذٍ لَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهُ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ بِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ حَلَّ وَصَحَّ الْإِخْرَاجُ وَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ م ر اهـ سم عَلَى حَجّ، وَصَرِيحُهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ بِالشِّرَاءِ لَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ الْإِخْرَاجِ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ فَيُقَالُ مُجَرَّدُ الْأَمْرِ بِالشِّرَاءِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْإِلْزَامِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَلَكَ هَذَا) أَيْ مِنْ ذَكَرَ مِنْ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكَيْنِ أَوْ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْكَسْبَ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُمْ) أَيْ الْمَحْصُورُونَ (قَوْلُهُ: وَيَحْفَظُ الْفَاضِلَ) هَلْ يُنْقَلُ كَمَا يَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ عَدِمَ الْأَصْنَافَ إلَخْ أَنَّ الْفَاضِلَ عَنْ حَاجَتِهِمْ يُنْقَلُ، وَعَلَى ظَاهِرِ مَا هُنَا فَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالْمَحْصُورِينَ وَذَاكَ بِغَيْرِهِمْ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: يَعْنِي فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يُنْقَلُ (قَوْلُهُ يُخَالِفُهُ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَمَا فِي الْوَدَائِعِ) اسْمُ كِتَابٍ

(قَوْلُهُ الْمَارُّ) وَهُوَ الْمُكَاتَبُ كِتَابَةً صَحِيحَةً (قَوْلُهُ: وَالْأَحْوَطُ تَأْخِيرُهُ) أَيْ

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يُعْطَى لِمُدَّةِ الْإِقَامَةِ إلَّا إقَامَةَ مُدَّةِ الْمُسَافِرِينَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا لَوْ أَقَامَ لِحَاجَةٍ يَتَوَقَّعُهَا كُلَّ وَقْتٍ فَيُعْطَى لِثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ (وَ) يُعْطَى (الْغَازِي) إذَا حَانَ وَقْتُ خُرُوجِهِ (قَدْرَ حَاجَتِهِ) اللَّائِقَةِ بِهِ وَبِمُمَوَّنِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفَارِقِيُّ وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي النَّفَقَةِ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ غَيْرُ بَعِيدٍ وَقِيَاسًا فِي الْكِسْوَةِ (لِنَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَمُقِيمًا هُنَاكَ) أَيْ فِي الثَّغْرِ أَوْ نَحْوِهِ إلَى الْفَتْحِ وَإِنْ طَالَتْ الْإِقَامَةُ؛ لِأَنَّ اسْمَهُ لَا يَزُولُ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ السَّفَرِ لِابْنِ السَّبِيلِ، وَيُعْطَيَانِ جَمِيعَ الْمُؤْنَةِ لَا مَا زَادَ بِسَبَبِ السَّفَرِ فَقَطْ وَمُؤْنَةَ مَنْ تَلْزَمْهُمَا مُؤْنَتُهُ وَلَمْ يُقَدِّرُوا الْمُعْطَى لِإِقَامَةِ الْغَازِي، وَيَتَّجِهُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ إعْطَاؤُهُ لِأَقَلَّ مَا تُظَنُّ إقَامَتُهُ ثُمَّ، فَإِنْ زَادَ زِيدَ لَهُ، وَيُغْتَفَرُ النَّقْلُ حِينَئِذٍ لِدَارِ الْحَرْبِ لِلْحَاجَةِ أَوْ تَنْزِلُ إقَامَتُهُ ثَمَّ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ مَنْزِلَةَ إقَامَتِهِ بِبَلَدِ الْمَالِ (وَ) يُعْطِيهِ الْإِمَامُ لَا الْمَالِكُ لِامْتِنَاعِ الْإِبْدَالِ فِي الزَّكَاةِ عَلَيْهِ (فَرَسًا) إنْ كَانَ مِمَّنْ يُقَاتِلُ فَارِسًا (وَسِلَاحًا) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِشِرَاءٍ لِمَا يَأْتِي (وَيَصِيرُ ذَلِكَ) أَيْ الْفَرَسُ وَالسِّلَاحُ (مِلْكًا لَهُ) إنْ أَعْطَى الثَّمَنَ فَاشْتَرَى لِنَفْسِهِ أَوْ دَفَعَهُمَا لَهُ الْإِمَامُ مِلْكًا لَهُ إذَا رَآهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَهُمَا لَهُ أَوْ أَعَارَهُ إيَّاهُمَا لِكَوْنِهِمَا مَوْقُوفَيْنِ عِنْدَهُ إذْ لَهُ شِرَاؤُهُمَا مِنْ هَذَا السَّهْمِ وَبَقَاؤُهُمَا وَوَقْفُهُمَا، وَتَسْمِيَةُ ذَلِكَ عَارِيَّةً مَجَازٌ إذْ الْإِمَامُ لَا يَمْلِكَهُ وَالْآخِذُ لَا يَضْمَنُهُ وَإِنْ تَلَفَ بَلْ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيهِ بِيَمِينِهِ كَالْوَدِيعِ، لَكِنْ لَمَّا وَجَبَ رَدُّهُمَا عِنْدَ انْقِضَاءِ الْحَاجَةِ مِنْهُمَا أَشْبَهَا الْعَارِيَّةَ (وَيُهَيَّأُ لَهُ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ لِلْغَازِي (وَلِابْنِ السَّبِيلِ مَرْكُوبٌ إنْ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أَوْ) قَصِيرًا وَلَكِنَّهُ (كَانَ ضَعِيفًا لَا يُطِيقُ الْمَشْيَ) بِالضَّابِطِ الْمَارِّ فِي الْحَجِّ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ دَفْعًا لِضَرُورَتِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَرَ، وَهُوَ قَوِيٌّ وَأُعْطِي الْغَازِي مَرْكُوبًا غَيْرَ الْفَرَسِ كَمَا عُلِمَ مِنْ صَرِيحِ الْعِبَارَةِ لِتَوَفُّرِ فَرَسِهِ لِلْحَرْبِ، إذْ رُكُوبُهُ فِي الطَّرِيقِ يُضْعِفُهُ (وَمَا يَنْقُلُ عَلَيْهِ الزَّادَ وَمَتَاعَهُ) لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْرًا يُعْتَادُ مِثْلُهُ حَمَلَهُ بِنَفْسِهِ) لِانْتِفَاءِ الْحَاجَةِ وَأَفْهَمَ التَّعْبِيرُ بِيُهَيَّأُ اسْتِرْدَادَ الْمَرْكُوبِ، وَمَا يَنْقُلُ عَلَيْهِ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ إذَا رَجَعَا، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَحَلُّهُ فِي الْغَازِي إنْ لَمْ يُمَلِّكْهُ لَهُ الْإِمَامُ إذَا رَآهُ؛ لِأَنَّهُ لِحَاجَتِنَا إلَيْهِ أَقْوَى اسْتِحْقَاقًا مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ فَلِذَا اُسْتُرِدَّ مِنْهُ وَلَوْ مَا مَلَّكَهُ إيَّاهُ، وَشَمَلَ إطْلَاقُهُ ابْنَ السَّبِيلِ مَا لَوْ كَانَ سَفَرُهُ لِلنُّزْهَةِ، لَكِنْ بَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ مَنَعَ صَرْفِ الزَّكَاةِ فِيمَا لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ، وَالْأَوْجَهُ حَمَلَهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى السَّفَرِ لِلنُّزْهَةِ، وَيُعْطِي الْمُؤَلَّفَ مَا يَرَاهُ الدَّافِعُ وَالْعَامِلُ أُجْرَةَ عَمَلِهِ، فَإِنْ زَادَ سَهْمُهُ عَلَيْهَا رُدَّ الْفَاضِلُ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ أَوْ نَقَصَ كُمِّلَ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ أَوْ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، وَلَوْ رَأَى الْإِمَامُ جُعَلَ الْعَامِلِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إجَارَةً أَوْ جَعَالَةً جَازَ وَبَطَلَ سَهْمُهُ فَتُقْسَمُ الزَّكَاةُ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَامِلٌ.

(وَمَنْ فِيهِ صِفَتَا اسْتِحْقَاقٍ) لِلزَّكَاةِ كَفَقِيرٍ غَارِمٍ أَوْ غَازٍ

[حاشية الشبراملسي]

إنْ وُجِدَ شَرْطُ النَّقْلِ بِأَنْ كَانَ الْمُفَرِّقُ الْمَالِكَ انْتَهَى.
حَجّ: أَيْ أَمَّا إنْ كَانَ الْمُفَرِّقُ الْإِمَامَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اعْتِبَارِ شَرْطٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَهُ النَّقْلَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَقَوْلُهُ إلَى شُرُوعِهِ فِيهِ: أَيْ فِي الرُّجُوعِ (قَوْلُهُ: مُدَّةِ الْمُسَافِرِينَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُعْطَى لِمَا زَادَ عَلَى مُدَّةِ الْمُسَافِرِينَ وَإِنْ كَانَ عَدَمُ خُرُوجِهِ لِانْتِظَارِ رُفْقَةٍ أَوْ أُهْبَةٍ يَعْلَمُ عَدَمَ حُصُولِهَا قَبْلَ مَا يَقْطَعُ مُدَّةَ السَّفَرِ، وَلَوْ قِيلَ بِإِعْطَائِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ خُرُوجُهُ لِانْتِظَارِ مَا ذُكِرَ لَمْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: إذَا حَانَ) أَيْ دَخَلَ (قَوْلُهُ: وَيُغْتَفَرُ النَّقْلُ) أَيْ حَيْثُ كَانَ الْمُفَرِّقُ الْمَالِكَ.
أَمَّا الْإِمَامُ فَلَهُ النَّقْلُ مُطْلَقًا فَلَا يَحْتَاجُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ لِقَوْلِهِ وَيُفْتَقَرُ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِامْتِنَاعِ الْإِبْدَالِ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ لِلْإِمَامِ إبْدَالَهَا بِمَا يَرَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ لِلْمُسْتَحِقَّيْنِ، وَقَوْلُهُ لَهُ فَاشْتَرَى لِنَفْسِهِ: أَيْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: الْمَارِّ فِي الْحَجِّ) أَيْ بِأَنْ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَا مَلَكَهُ) أَيْ شَيْئًا (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ حَمْلُهُ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْحَامِلُ عَلَى السَّفَرِ مُجَرَّدَ النُّزْهَةِ لَا يُعْطَى، وَيُخَالِفُهُ مَا جَزَمَ بِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَعَدَمُ الْمَعْصِيَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ سَفَرَ نُزْهَةٍ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ النُّزْهَةُ حَامِلَةً عَلَى

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(يُعْطَى بِإِحْدَاهُمَا فَقَطْ) وَالْخِيَرَةُ إلَيْهِ (فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْعَطْفِ فِي الْآيَةِ.
وَالثَّانِي يُعْطَى بِهِمَا لِاتِّصَافِهِ بِهِمَا نَعَمْ إنْ أَخَذَ بِالْغُرْمِ أَوْ الْفَقْرِ مَثَلًا فَأَخْذُهُ غَرِيمُهُ وَبَقِيَ فَقِيرًا أَخَذَ بِالْفَقْرِ وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ كَثِيرُونَ، فَالْمُمْتَنِعُ كَمَا أَفَادَهُ الزَّرْكَشِيُّ إنَّمَا هُوَ الْأَخْذُ بِهِمَا دُفْعَةً وَاحِدَةً: أَيْ أَوْ مُرَتَّبًا، وَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِي الْمَأْخُوذِ أَوَّلًا كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. أَمَّا مِنْ زَكَاتَيْنِ فَيَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ وَاحِدَةٍ بِصِفَةٍ وَمِنْ الْأُخْرَى بِصِفَةٍ أُخْرَى، كَغَازٍ هَاشِمِيٍّ يَأْخُذُ بِهِمَا مِنْ الْفَيْءِ كَمَا مَرَّ.

(فَصْلٌ) فِي قِسْمَةِ الزَّكَاةِ بَيْنَ الْأَصْنَافِ وَنَقْلِهَا وَمَا يَتْبَعُهَا (يَجِبُ) (اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ) الثَّمَانِيَةِ بِالزَّكَاةِ وَلَوْ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَإِنْ اخْتَارَ جَمْعٌ جَوَازَ دَفْعِهَا لِثَلَاثَةِ فُقَرَاءَ أَوْ مَسَاكِينَ وَآخَرُونَ جَوَازَهُ لِوَاحِدٍ، وَأَطَالَ بَعْضُهُمْ فِي الِانْتِصَارِ لَهُ، بَلْ نَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَآخَرِينَ جَوَازَ دَفْعِ زَكَاةِ الْمَالِ أَيْضًا إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ، قَالَ: وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِمَذْهَبِنَا، وَلَوْ كَانَ الشَّافِعِيُّ حَيًّا لَأَفْتَى بِهِ اهـ (إنْ قَسَمَ الْإِمَامُ) أَوْ نَائِبُهُ (وَهُنَاكَ عَامِلٌ) لَمْ يَجْعَلْ الْإِمَامُ لَهُ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَهَا إلَيْهِمْ جَمِيعَهُمْ فَلَمْ يَجُزْ حِرْمَانُ بَعْضِهِمْ كَمَا لَوْ أَوْصَى أَوْ أَقَرَّ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ، وَمَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الدَّارِمِيِّ وَأَقَرَّهُ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ جَوَازِ إعْطَائِهِ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ مُتَبَرِّعٌ مَرْدُودٌ، فَالْأَوْجَهُ وِفَاقًا لِلسُّبْكِيِّ وَغَيْرِهِ جَوَازُهُ، وَإِنْ وُجِدَ فَيَسْتَحِقُّ إنْ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ فِي الْعَمَلِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ شَيْئًا وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَأْخُذَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِالْعَمَلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَحْتَاجُ لِشَرْطٍ مِنْ الْمَخْلُوقِ، كَمَا يَسْتَحِقُّ الْغَنِيمَةَ بِالْجِهَادِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إلَّا إعْلَاءَ كَلِمَةِ.

[حاشية الشبراملسي]

اخْتِيَارِ طَرِيقٍ يَسْلُكُهُ مَثَلًا لَا عَلَى أَصْلِ السَّفَرِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
أَوْ كَانَتْ النُّزْهَةُ لِإِزَالَةِ نَحْوِ مَرَضٍ بِهِ

(قَوْلُهُ: يُعْطَى بِإِحْدَاهُمَا) أَيْ مَا لَمْ تَكُنْ إحْدَى الصِّفَتَيْنِ الْفَقْرَ وَالْأُخْرَى الْيُتْمَ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِصِفَةِ الْيُتْمِ لَا بِصِفَةِ الْفَقْرِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْيَتَامَى لَا مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ كَمَا مَرَّ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالرَّابِعُ وَالْخَامِسُ الْمَسَاكِينُ وَابْنُ السَّبِيلِ.

[فَصْل فِي قِسْمَةِ الزَّكَاةِ بَيْنَ الْأَصْنَافِ]

(قَوْلُهُ: وَمَا يَتْبَعُهَا) أَيْ مِنْ سَنِّ الْوَسْمِ وَالْإِعْلَامِ بِأَخْذِهَا (قَوْلُهُ: يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ) فِي فَتَاوَى السُّيُوطِيّ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مَا الْمُرَادُ بِفَقِيرِ الْبَلَدِ الَّذِي تُصْرَفُ إلَيْهِ الزَّكَاةُ، هَلْ هُوَ مَنْ أَدْرَكَ وَقْتَ الْوُجُوبِ بِنِيَّةٍ تَقْطَعُ التَّرَخُّصَ أَمْ لَا.
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ الْمُرَادُ بِفَقِيرِ الْبَلَدِ مَنْ كَانَ بِبَلَدِ الْمَالِ عِنْدَ الْوُجُوبِ صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ سم عَلَى حَجّ، وَعِبَارَتُهُ عَلَى مَنْهَجٍ: فَرْعٌ هَلْ يُشَارِكُ الْقَادِمُ بَعْدَ الْحَوْلِ الْمَوْجُودِينَ عِنْدَهُ، نَعَمْ يُشَارِكُهُمْ إنْ كَانُوا غَيْرَ مَحْصُورِينَ وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ هَكَذَا مَذْكُورٌ، وَأَفْتَى شَيْخُنَا حَجّ بِخِلَافِهِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى الْمَحْصُورِينَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ زَكَاةَ الْفِطْرِ) مُعْتَمَدٌ، وَقَوْلُهُ وَإِنْ اخْتَارَ جَمْعٌ: أَيْ مِنْ حَيْثُ الْفَتْوَى (قَوْلُهُ: لِثَلَاثَةِ فُقَرَاءَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ عَلَى هَذَا لَا يَدْفَعُهَا لِغَيْرِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْ ذَوِي السُّهْمَانِ، وَعَلَيْهِ فَيُخَالِفُ مَا اُخْتِيرَ فِي زَكَاةِ الْمَالِ مَنْ دَفَعَهَا لِثَلَاثَةٍ مِنْ ذَوِي السُّهْمَانِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ الْفُقَرَاءِ، لَكِنْ قَالَ حَجّ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ مَسَاكِينَ مَثَلًا، وَهِيَ تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ (قَوْلُهُ: قَالَ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْفَتْوَى، وَقَوْلُهُ فَيُعْطَى فِي الْأَخِيرَةِ يُتَأَمَّلُ مَا الْمُرَادُ بِالْأَخِيرَةِ وَلَعَلَّهَا مَنْقُولَةٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا؛ لِأَنَّهَا عَيْنُ قَوْلِهِ الْآتِي فَيُعْطَى فِي الْأَخِيرَةِ حِصَّةَ إلَخْ، وَقَوْلُهُ إنْ جَعَلَ لِلْعَامِلِ إلَخْ مُحْتَرَزُ

[حاشية الرشيدي]

(فَصْلٌ) فِي قِسْمَةِ الزَّكَاةِ بَيْنَ الْأَصْنَافِ

اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ إلَّا بِنَاقِلٍ، فَيُعْطَى فِي الْأَخِيرَةِ حِصَّةَ الصِّنْفِ كُلِّهِ لِمَنْ وُجِدَ مِنْ أَفْرَادِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ قَسَمَ الْمَالِكُ أَوْ الْإِمَامُ وَلَا عَامِلَ هُنَاكَ أَوْ جُعِلَ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَأَنَّهُمْ إنَّمَا نَظَرُوا هُنَاكَ لِكَوْنِهِ فَرِيضَةً؛ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فِي الْبَدَلِ عَنْهَا فَلَمْ يَفُتْ هُنَا بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِهِمْ ثُمَّ (بِالْقِسْمَةِ عَلَى سَبْعَةٍ) مِنْهُمْ الْمُؤَلَّفُ كَمَا مَرَّ بِمَا فِيهِ (فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُهُمْ) أَيْ السَّبْعَةُ أَوْ الثَّمَانِيَةُ وَلَمْ يُبَالِ بِشُمُولِ هَذَا الْفَقْدِ الْعَامِلُ لِتَقْدِيمِهِ حُكْمَهُ: أَيُّ صِنْفٍ فَأَكْثَرَ، أَوْ بَعْضِ صِنْفٍ مِنْ الْبَلَدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَالِكِ وَحْدَهُ، وَمِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِمَامِ (فَعَلَى الْمَوْجُودِينَ) تَكُونُ الْقِسْمَةُ فَيُعْطَى فِي الْأَخِيرَةِ حِصَّةَ الصِّنْفِ كُلِّهِ لِمَنْ وُجِدَ مِنْ أَفْرَادِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَا سَهْمَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَالْمَوْجُودُ الْآنَ أَرْبَعَةٌ: فَقِيرٌ، وَمِسْكِينُ، وَغَارِمٌ، وَابْنُ سَبِيلٍ.
وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ فِي غَالِبِ الْبِلَادِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ حُفِظَتْ حَتَّى يُوجَدَ بَعْضُهُمْ، وَسَيَذْكُرُ هَذَا أَيْضًا بِقَوْلِهِ وَإِلَّا فَيُرَدُّ عَلَى الْبَاقِينَ، وَلَا تَكْرَارَ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ هُنَا لِضَرُورَةِ التَّقْسِيمِ وَثُمَّ لِبَيَانِ الْخِلَاف (وَإِذَا قَسَمَ الْإِمَامُ) أَوْ نَائِبُهُ الْمُفَوِّضُ إلَيْهِ الصَّرْفُ (اسْتَوْعَبَ) حَتْمًا (مِنْ الزَّكَوَاتِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَهُ آحَادُ كُلِّ صِنْفٍ) لِسُهُولَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِيعَابُ جَمِيعِ الْأَصْنَافِ بِزَكَاةِ كُلِّ مَالِكٍ بَلْ لَهُ إعْطَاءُ زَكَاةِ شَخْصٍ بِكَمَالِهَا لِوَاحِدٍ وَتَخْصِيصُ وَاحِدٍ بِنَوْعٍ وَآخَرَ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الزَّكَوَاتِ كُلَّهَا فِي يَدِهِ كَالزَّكَاةِ الْوَاحِدَةِ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي قَوْلِهِمْ أَوَّلَ الْفَصْلِ بِالزَّكَاةِ الْجِنْسُ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ إذَا لَمْ يَقِلَّ الْمَالُ، فَإِنْ قَلَّ بِأَنْ كَانَ قَدْرًا لَوْ وَزَّعَهُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَسُدَّ لَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِيعَابُ لِلضَّرُورَةِ بَلْ يُقَدِّمُ الْأَحْوَجَ فَالْأَحْوَجَ أَخْذًا مِنْ نَظِيرِهِ فِي الْفَيْءِ (وَكَذَا يَسْتَوْعِبُ) وُجُوبًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ (الْمَالِكُ) أَوْ وَكِيلُهُ الْآحَادَ (إنْ انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي الْبَلَدِ) بِأَنْ سَهُلَ ضَبْطُهُمْ وَمَعْرِفَةُ عَدَدِهِمْ عَادَةً، نَظِيرُ مَا يَأْتِي فِي النِّكَاحِ (وَوَفَّى بِهِمْ) أَيْ بِحَاجَتِهِمْ أَيْ النَّاجِزَةِ فِيمَا يَظْهَرُ (الْمَالُ) لِسُهُولَتِهِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ عَدَمِ الْوُجُوبِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَفِ بِهِمْ الْمَالُ كَمَا قَالَ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَنْحَصِرُوا أَوْ انْحَصَرُوا، وَلَمْ يَفِ بِهِمْ الْمَالُ (فَيَجِبُ إعْطَاءُ ثَلَاثَةٍ) فَأَكْثَرَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ؛ لِأَنَّهُمْ ذُكِرُوا فِي الْآيَةِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ إلَّا ابْنَ السَّبِيلِ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِيهِ أَيْضًا

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلِهِ السَّابِقِ لَمْ يَجْعَلْ الْإِمَامُ لَهُ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِهَا ثُمَّ) أَيْ وَهُوَ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَأْخُذَ شَيْئًا فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ الزَّكَاةِ شَيْئًا مَعَ الشَّرْطِ لَفَاتَ مَا يُقَابِلُ سُبْعَهُ بِالْكُلِّيَّةِ، بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّ الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ فَلَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ (قَوْلُهُ: وَالْمَوْجُودُ الْآنَ) أَيْ فِي زَمَنِهِ (قَوْلُهُ: إنْ انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ) هَلْ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ تُدْفَعُ إلَيْهِمْ الزَّكَاةُ كَوْنُهُمْ مِنْ بَنِي آدَمَ أَوْ لَا حَتَّى لَوْ عِلْمَ اسْتِحْقَاقَ جَمَاعَةٍ فِي الْبَلَدِ مِنْ الْجِنِّ يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِمْ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الدَّفْعُ لِلْجِنِّ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «صَدَقَةٌ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» إذْ الظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِ لِلْعَهْدِ وَالْمَعْهُودُ فُقَرَاءُ بَنِي آدَمَ (قَوْلُهُ أَيْ النَّاجِزَةِ) اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِهَا اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مُؤْنَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَكِسْوَةُ فَصْلٍ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ (قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ الْجَمْعُ، وَقَوْلُهُ الْمُرَادُ فِيهِ: أَيْ ابْنِ السَّبِيلِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: فَيُعْطَى فِي الْأَخِيرَةِ حِصَّةَ الصِّنْفِ كُلِّهِ) اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِالْأَخِيرَةِ هُنَا (قَوْلُهُ: وَكَأَنَّهُمْ إنَّمَا نَظَرُوا هُنَاكَ لِكَوْنِهِ فَرِيضَةً) أَيْ فِيمَا إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يَأْخُذَ شَيْئًا: أَيْ وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَيْهِ هُنَا، وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهُ بَلْ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ كَمَا فِي التُّحْفَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُعَلَّلُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُبَالِ بِشُمُولِ هَذَا إلَخْ) قَالَ الشِّهَابُ سم فِي حَوَاشِي التُّحْفَةِ الَّتِي تَبِعَهَا الشَّارِحُ فِيمَا ذَكَرَهُ مَا نَصُّهُ: إنْ أَرَادَ فِي هَذَا الشُّمُولِ تَكْرَارًا فَهُوَ لَا يَنْدَفِعُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ حُكْمَهُ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ التَّكْرَارِ بِأَنَّهُ بِالْعُمُومِ فَلَيْسَ مَحْذُورًا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَإِنْ أَرَادَ شَيْئًا آخَرَ فَلْيُحَرَّرْ.
اهـ. (قَوْلُهُ: بِالزَّكَاةِ) أَيْ الَّذِي مَرَّ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْأَصْنَافُ (قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ الْجَمْعُ، وَقَوْلُهُ الْمُرَادُ فِيهِ: أَيْ فِي ابْنِ السَّبِيلِ، وَقَوْلُهُ لِمَا مَرَّ فِيهِ: أَيْ

وَإِنَّمَا أُفْرِدَ لِمَا مَرَّ فِيهِ عَلَى أَنَّ إضَافَتَهُ لِلْمَعْرِفَةِ أَوْجَبَتْ عُمُومَهُ فَكَانَ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَحْصُورِينَ يَسْتَحِقُّونَهَا بِالْوُجُوبِ، وَيَجِبُ اسْتِيعَابُهُمْ إنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَوَفَّى بِهِمْ الْمَالُ، نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ مُتَّحِدًا حَيْثُ حَصَلَتْ بِهِ الْكِفَايَةُ، فَإِنْ أَخَلَّ بِصِنْفٍ غُرِّمَ لَهُ حِصَّتُهُ، أَوْ بِبَعْضِ الثَّلَاثَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ غُرِّمَ لَهُ أَقَلَّ مُتَمَوِّلٍ، ثُمَّ الْإِمَامُ إنَّمَا يَضْمَنُ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ الزَّكَاةِ لَا مِنْ مَالِهِ بِخِلَافِ الْمَالِكِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْمَحْصُورِ وَغَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّعْمِيمِ وَعَدَمِهِ: أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمِلْكِ فَمَتَى وُجِدَ وَقْتَ الْوُجُوبِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ ثَلَاثَةٌ فَأَقَلُّ مَلَكُوهَا وَإِنْ كَانُوا وَرَثَةَ الْمُزَكِّي بِنَفْسِ الْوُجُوبِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا يُورَثُ عَنْهُمْ وَإِنْ كَانَ وَرَثَتُهُمْ أَغْنِيَاءَ أَوْ الْمَالِكُ كَمَا اعْتَمَدَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَحِينَئِذٍ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنْهُ، وَالنِّيَّةُ لِسُقُوطِ الدَّفْعِ لَا لِتَعَذُّرِ أَخْذِهِ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُشَارِكْهُمْ فِيهِ مَنْ حَدَثَ وَلَهُمْ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ إلَّا بِالِاسْتِبْدَالِ عَنْهُ وَالْإِبْرَاءِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْقِيَاسُ، إذْ الْغَالِبُ عَلَى الزَّكَاةِ التَّعَبُّدُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَلَوْ انْحَصَرَ صِنْفٌ أَوْ أَكْثَرُ دُونَ الْبَقِيَّةِ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ وَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ جَوَازُ التَّوْكِيلِ بِمَا فِيهِ وَهُنَا أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهِمْ؛ لِأَنَّهَا الْمُرَجَّحَةُ فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ.

(وَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ) سَوَاءٌ أَقْسَمَ الْمَالِكُ أَمْ الْإِمَامُ وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةُ بَعْضِهِمْ أَشَدَّ لِانْحِصَارِهِمْ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُقْتَضَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمْ بِوَاوِ التَّشْرِيكِ.
نَعَمْ حَيْثُ اسْتَحَقَّ الْعَامِلُ لَمْ يُرَدَّ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ، فَإِنْ زَادَ الثَّمَنُ رُدَّ الزَّائِدُ لِلْبَاقِي كَمَا يَأْتِي، أَوْ نَقَصَ تُمِّمَ مِنْ الزَّكَاةِ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَمَا مَرَّ، وَلَوْ نَقَصَ سَهْمُ صِنْفٍ آخَرَ عَنْ كِفَايَتِهِمْ وَزَادَ سَهْمُ صِنْفٍ آخَرَ رُدَّ فَاضِلُ هَذَا عَلَى أُولَئِكَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي وَوَقَعَ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ تَصْحِيحٌ نَقْلَهُ لِأُولَئِكَ الصِّنْفِ، وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ (لَا بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ) فَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ إنْ قَسَمَ الْمَالِكُ لِعَدَمِ انْضِبَاطِ الْحَاجَاتِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا التَّفَاوُتُ، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ التَّسَاوِي إنْ تَسَاوَتْ حَاجَاتُهُمْ، وَيُفَارِقُ هَذَا مَا قَبْلَهُ بِأَنَّ الْأَصْنَافَ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا أَفْرَدَ لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَأَفْرَدَهُ فِي الْآيَةِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ مَحَلُّ الْوِحْدَةِ وَالِانْفِرَادِ (قَوْلُهُ: فَأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَيَجِبُ اسْتِيعَابُهُمْ لَا لِقَوْلِهِ يَسْتَحِقُّونَهَا فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا لَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَقَطْ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمِلْكِ فَمَتَى وُجِدَ إلَخْ (قَوْلُهُ: مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ الزَّكَاةِ) أَيْ دُونَ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، وَعَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ الزَّكَاةِ هَلْ يَسْقُطُ ذَلِكَ أَوْ يَبْقَى لَهُمْ إلَى أَنْ تُوجَدَ زَكَاةٌ أُخْرَى فَيُؤَدِّيَ مِنْهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالثَّانِي أَقْرَبُ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ لَهُ بِدُخُولِ وَقْتِ الْوُجُوبِ فَأَشْبَهَ الدَّيْنَ عَلَى الْمُعْسِرِ (قَوْلُهُ: مِنْ كُلِّ صِنْفٍ) أَيْ مِنْ جَمِيعِ الْأَصْنَافِ أَوْ مِنْ بَعْضِهِمْ، وَكَذَا لَوْ وُجِدَتْ الثَّلَاثَةُ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَكَتَبَ أَيْضًا لَطَفَ اللَّهُ بِهِ قَوْلَهُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ شَمَلَ ذَلِكَ الْغُزَاةَ وَالْمُسَافِرِينَ وَإِرْثَهُمْ لَا يُشْكَلُ بِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَخْرُجُوا اسْتَرَدَّ مَا أَخَذُوهُ لِتَبَيُّنِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ الْغُزَاةِ وَالْمُسَافِرِينَ، وَقِيَاسُهُ أَنَّهُمْ إذَا مَاتُوا هُنَا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوا، إلَّا أَنْ يُقَال: هَؤُلَاءِ لَمَّا انْحَصَرُوا مَلَكُوا مِلْكًا مُطْلَقًا وَالْأَصْلُ خُرُوجُهُمْ لَوْ لَمْ يَمُوتُوا (قَوْلُهُ: مَلَكُوهَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضُوهَا (قَوْلُهُ: إذْ الْغَالِبُ عَلَى الزَّكَاةِ) وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْعِلَّةِ امْتِنَاعُ الِاسْتِبْدَالِ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ (قَوْلُهُ وَهُنَا أَنَّهُمْ) أَيْ وَتَقَدَّمَ هُنَا وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَيَشْتَرِي بِهِ عَقَارًا يَسْتَغِلُّهُ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَهُ عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهِمْ

(قَوْلُهُ: فَإِنْ زَادَ الثَّمَنُ) أَيْ ثَمَنُ الزَّكَاةِ الَّذِي هُوَ حِصَّةُ الْعَامِلِ إذَا قُسِّمَتْ عَلَى ثَمَانِيَةٍ أَوْ مَا دُونَ الثُّمُنِ إنْ لَمْ تُوجَدْ الثَّمَانِيَةُ بَلْ وُجِدَ بَعْضُهُمْ (قَوْلُهُ: رُدَّ) مُعْتَمَدٌ، وَقَوْلُهُ نَقَلَهُ لِأُولَئِكَ أَيْ فِي بَلَدٍ آخَرَ (قَوْلُهُ: وَيُفَارِقُ هَذَا) أَيْ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لَا بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ وَمَا قَبْلَهُ هُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ إلَخْ

[حاشية الرشيدي]

فِي قَوْلِهِ وَأَفْرَدَهُ فِي الْآيَةِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ مَحَلُّ الْوَحْدَةِ وَالِانْفِرَادِ (قَوْلُهُ: وَمَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْصِيلِ إلَخْ) قَالَ الشِّهَابُ سم: قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمَحْصُورَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إنْ انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ وَفِي قَوْلِهِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِكِ إلَخْ وَاحِدٌ، لَكِنَّ

مَحْصُورُونَ فِي ثَمَانِيَةٍ فَأَقَلَّ وَعَدَدُ كُلِّ صِنْفٍ غَيْرُ مَحْصُورٍ غَالِبًا فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ (إلَّا أَنْ يَقْسِمَ الْإِمَامُ) أَوْ نَائِبُهُ وَهُنَاكَ مَا يَسُدُّ مَسَدًا لَوْ وُزِّعَ (فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّفْضِيلُ مَعَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ) الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا التَّفَاوُتُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ التَّعْمِيمَ فَكَذَا التَّسْوِيَةُ؛ وَلِأَنَّهُ نَائِبُهُمْ، فَلَا يُفَاوَتُ بَيْنَهُمْ عِنْدَ تَسَاوِي حَاجَاتِهِمْ، بِخِلَافِ الْمَالِكِ فِيهِمَا، وَهَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحَيْهِ عَلَى التَّتِمَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ.
قُلْت: مَا فِي التَّتِمَّةِ وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا فِي الدَّلِيلِ فَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْجُمْهُورِ اسْتِحْبَابُ التَّسْوِيَةِ وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي، أَمَّا لَوْ اخْتَلَفَتْ الْحَاجَاتُ فَيُرَاعِيهَا وَالْمُتَوَطَّنُونَ أَوْلَى عِنْدَ عَدَمِ وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ، وَعَلَى مَا فِي الْكِتَابِ تُسَنُّ التَّسْوِيَةُ عِنْدَ تَسَاوِي حَاجَاتِهِمْ، وَفَارَقَ هَذَا مَا قَبْلَهُ أَنَّ الْأَصْنَافَ مَحْصُورُونَ فِي ثَمَانِيَةٍ فَأَقَلَّ، وَعَدَدُ كُلِّ صِنْفٍ غَيْرُ مَحْصُورٍ غَالِبًا فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ وَجَازَ التَّفْضِيلُ.

(وَالْأَظْهَرُ مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ) مِنْ بَلَدِ الْوُجُوبِ الَّذِي بِهِ الْمُسْتَحِقُّونَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فِيهِ مُسْتَحِقُّوهَا فَتُصْرَفُ إلَيْهِمْ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» وَلِامْتِدَادِ أَطْمَاعِ أَصْنَافِ كُلِّ بَلْدَةٍ إلَى زَكَاةِ مَا فِيهَا مِنْ الْمَالِ، وَالنَّقْلُ يُوحِشُهُمْ، وَبِهِ فَارَقَتْ الزَّكَاةَ وَالنَّذْرَ وَالْوَصِيَّةَ لِفُقَرَاءَ أَوْ مَسَاكِينَ إذَا لَمْ يَنُصَّ الْمُوصِي وَنَحْوُهُ عَلَى نَقْلٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي الْجَوَازُ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَنُقِلَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَانْتَصَرَ لَهُ وَإِذَا مَنَعْنَا النَّقْلَ حَرُمَ وَلَمْ يَجُزْ، وَعُلِمَ مِنْ إنَاطَةِ الْحُكْمِ بِبَلَدِ الْمَالِ لَا الْمَالِكِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِبَلَدِ الْمَدِينِ لَا الدَّائِنِ، لَكِنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّ لَهُ صَرْفَهَا فِي أَيِّ بَلَدٍ شَاءَ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُوصَفُ بِأَنَّ لَهُ مَحَلًّا مَخْصُوصًا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ لَا حِسِّيٌّ فَاسْتَوَتْ الْأَمَاكِنُ كُلُّهَا إلَيْهِ فَيَتَخَيَّرُ مَالِكُهُ وَمَحَلُّهُ فِي دَيْنٍ يَلْزَمُ الْمَالِكَ الْإِخْرَاجُ عَنْهُ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يَلْزَمْ إخْرَاجُهَا عَنْهُ حَالًّا فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَحَلِّ قَبْضِهِ مِنْهُ فَيُخْرِجُ حِينَئِذٍ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ جَمِيعَ زَكَاةِ السَّنِينِ السَّابِقَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَالْأَوَّلِ فَيَتَخَيَّرُ هُنَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بِالْقَبْضِ تَبَيَّنَ تَعَلُّقُ وُجُوبِ كُلِّ حَوْلٍ مَرَّ بِهِ، وَقَدْ كَانَ حِينَئِذٍ غَيْرَ مَوْجُودٍ حِسًّا لَكِنْ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَالْأَظْهَرُ مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ) . [فَرْعٌ] مَا حَدُّ الْمَسَافَةِ الَّتِي يُمْتَنَعُ نَقْلُ الزَّكَاةِ إلَيْهَا؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالْمُتَّجِهُ مِنْهُ أَنَّ ضَابِطَهَا فِي الْبَلَدِ وَنَحْوِهِ مَا يَجُوزُ التَّرَخُّصُ بِبُلُوغِهِ، ثُمَّ رَأَيْت حَجّ مَشَى عَلَى ذَلِكَ فِي فَتَاوِيهِ.
فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُمْتَنَعُ نَقْلُهَا إلَى مَكَان يَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ وَيَجُوزُ إلَى مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجِ (قَوْلُهُ: وَالْوَصِيَّةُ) أَيْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا، وَقَوْلُهُ وَإِذَا مَنَعْنَا النَّقْلَ: أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَلْزَمْ إخْرَاجُهَا عَنْهُ حَالًّا) أَيْ بِأَنْ كَانَ عَلَى مُعْسِرٍ مَثَلًا أَوْ مُؤَجَّلًا

[حاشية الرشيدي]

قَوْلَهُ فِي هَذَا ثَلَاثَةٌ فَأَقَلُّ يُخَالِفُ مَا فَسَّرَهُ بِهِ فِي الْمَتْنِ

(قَوْلُهُ:: الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا التَّفَاوُتُ) اُنْظُرْ مَا الدَّاعِي إلَى هَذَا الْوَصْفِ هُنَا (قَوْلُهُ: عِنْدَ عَدَمِ وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ) الْأَصْوَبُ عِنْدَ عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى مَا فِي الْكِتَابِ) لَعَلَّ صَوَابَهُ وَعَلَى غَيْرِ مَا فِي الْكِتَابِ، إذْ الَّذِي فِي الْكِتَابِ حُرْمَةُ التَّفْضِيلِ الْمُسْتَلْزِمَةُ لِوُجُوبِ التَّسْوِيَةِ لَا لِسَنِّهَا (قَوْلُهُ: وَفَارَقَ هَذَا مَا قَبْلَهُ إلَخْ) مُكَرَّرٌ مَعَ مَا مَرَّ لَهُ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ وَعَلَى مَا فِي الْكِتَابِ إلَخْ سَاقِطٌ فِي نُسْخَةٍ مِنْ نُسَخِ الشَّارِحِ صَحِيحَةٍ

(قَوْلُهُ حَرُمَ وَلَمْ يُجَزْ) بِضَمِّ أَوَّلِ يُجَزْ قَالَ الشِّهَابُ سم: قَدْ يُقَالُ هَذَا هُوَ الْمَنْعُ فَتَرْتِيبُهُ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ إذَا مَنَعْنَاهُ عَمَّمْنَا الْمَنْعَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فَقَطْ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّ لَهُ) أَيْ الدَّائِنِ.
[فَائِدَةٌ] قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ أَدَبُ الْكَاتِبِ: قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ رَجُلٌ دَائِنٌ إذَا كَثُرَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ وَقَدْ دَانَ فَهُوَ يَدِينُ دَيْنًا، وَلَا يُقَالُ مِنْ الدَّيْنِ دِينَ فَهُوَ مَدِينٌ، وَلَا يُقَالُ مَدْيُونٌ أَيْضًا إذَا كَثُرَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَلَكِنْ يُقَالُ دِينَ الْمَلِكُ فَهُوَ مَدِينٌ إذَا دَانَ النَّاسُ لَهُ، وَيُقَالُ ادَّانَ الرَّجُلُ مُشَدَّدُ الدَّالِ إذَا أَخَذَ بِالدَّيْنِ فَهُوَ مُدَانٌ.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ فِي دَيْنٍ يَلْزَمُ الْمَالِكَ الْإِخْرَاجُ عَنْهُ) أَيْ وَهُوَ فِي الذِّمَّةِ (قَوْلُهُ: تَعَلُّقُ وُجُوبِ كُلِّ حَوْلٍ مَرَّ فِيهِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ:

بِاعْتِبَارِ بَلَدِ الْمَدْيُونِ، وَمَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ فِي مَالِكٍ مُقِيمٍ بِبَلَدٍ أَوْ بَادِيَةٍ لَا يَظْعَنُ عَنْهَا، أَمَّا الْإِمَامُ فَلَهُ نَقْلُهَا مُطْلَقًا لِمَا مَرَّ أَنَّ الزَّكَوَاتِ كُلَّهَا فِي يَدِهِ كَزَكَاةٍ وَاحِدَةٍ وَكَذَا السَّاعِي، بَلْ يَلْزَمُهُ نَقْلُهَا لِلْإِمَامِ إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي تَفْرِقَتِهَا، وَمِثْلُهُ قَاضٍ لَهُ دَخَلَ فِيهَا بِأَنْ لَمْ يُوَلِّهَا الْإِمَامُ غَيْرَهُ، وَلِمَنْ جَازَ لَهُ النَّقْلُ إذْنُ الْمَالِكِ فِيهِ فِيمَا يَظْهَرُ لَكِنْ لَا يَنْقُلُ أَوْ يَأْذَنُ إلَّا فِي عَمَلِهِ لَا خَارِجِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَقَدْ يَجُوزُ لِلْمَالِكِ أَيْضًا كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ عِشْرُونَ شَاةً فَلَهُ إخْرَاجُ شَاةٍ بِأَحَدِهِمَا حَذَرًا مِنْ التَّشْقِيصِ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَكَأَنْ حَالَ الْحَوْلِ وَالْمَالُ بِبَادِيَةٍ لَا مُسْتَحِقَّ بِهَا فَيُفَرِّقُهُ فِي أَقْرَبِ مَحَلٍّ إلَيْهِ بِهِ مُسْتَحِقٌّ وَلِلْمُنْتَجَعَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِيَامِ الَّذِينَ لَا قَرَارَ لَهُمْ صَرْفُهَا لِمَنْ مَعَهُمْ وَلَوْ بَعْضَ صِنْفٍ كَمَنْ بِسَفِينَةٍ فِي اللُّجَّةِ فِيمَا يَظْهَرُ، فَإِنْ فَقَدُوا فَلِمَنْ بِأَقْرَبِ مَحَلٍّ إلَيْهِمْ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ وَالْحُلَلِ الْمُتَمَايِزَةِ بِنَحْوِ مَرْعًى وَمَاءٍ كُلٌّ حُلَّةٌ كَبَلَدٍ فَيَحْرُمُ النَّقْلُ إلَيْهَا، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُتَمَيِّزَةِ فَلَهُ النَّقْلُ إلَيْهَا لِمَنْ بِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ مَحَلِّ الْوُجُوبِ (وَلَوْ عَدِمَ الْأَصْنَافَ فِي الْبَلَدِ) أَيْ بَلَدِ الْوُجُوبِ أَوْ فَضَلَ شَيْءٌ عَنْهُمْ (وَجَبَ النَّقْلُ) لَهَا أَوْ لِلْفَاضِلِ إلَى مِثْلِهِمْ بِأَقْرَبِ مَحَلٍّ لِمَحَلِّ الْمَالِ، فَإِنْ جَاوَزَهُ حُرُمَ وَامْتَنَعَ كَالنَّقْلِ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا وَجَبَ حِفْظُ دَمِ الْحَرَمِ إلَى وُجُودِ مَسَاكِينِهِ وَامْتَنَعَ نَقْلُهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لَهُمْ بِالنَّصِّ فَهُوَ كَمَنْ نَذَرَ تَصَدُّقًا عَلَى فُقَرَاءِ بَلَدِ كَذَا فَفُقِدُوا حَيْثُ تُحْفَظُ إلَى وُجُودِهِمْ، وَالزَّكَاةُ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ صَرِيحٌ بِتَخْصِيصِهَا بِالْبَلَدِ، وَإِذَا جَازَ النَّقْلُ فَمَؤُنَتُهُ عَلَى الْمَالِكِ قَبْلَ قَبَضَ السَّاعِي وَبَعْدَهُ فِي الزَّكَاةِ فَيُبَاعُ مِنْهَا مَا يَفِي بِذَلِكَ كَمَا لَوْ خَشِيَ وُقُوعَهَا فِي خَطَرٍ أَوْ احْتَاجَ لِرَدِّ جُبْرَانٍ (أَوْ) عُدِمَ (بَعْضُهُمْ) مِنْ بَلَدِ الْمَالِ وَوُجِدَ بِغَيْرِهِ أَوْ فَضَلَ شَيْءٌ عَنْهُ بِأَنْ وُجِدَ جَمِيعُهُمْ وَفَضَلَ شَيْءٌ عَنْ كِفَايَةِ بَعْضِهِمْ أَوْ وُجِدَ بَعْضُهُمْ وَفَضَلَ عَنْ كِفَايَةِ بَعْضِهِ شَيْءٌ (وَجَوَّزْنَا النَّقْلَ) مَعَ وُجُودِهِمْ (وَجَبَ) النَّقْلُ لِذَلِكَ الصِّنْفِ بِأَقْرَبِ بَلَدٍ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ نُجَوِّزْهُ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ (فَيُرَدَّ) بِالنَّصْبِ وُجُوبًا نَصِيبُ الْمَفْقُودِ مِنْ الْبَعْضِ أَوْ الْفَاضِلِ عَنْهُ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ (عَلَى الْبَاقِينَ) إنْ نَقَصَ نَصِيبُهُمْ عَنْ كِفَايَتِهِمْ وَلَا يُنْقَلُ إلَى غَيْرِهِمْ لِانْحِصَارِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيهِمْ فَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ نَقَلَهُ لِذَلِكَ الصِّنْفِ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ بَلَدِ الْمَدْيُونِ) هَذَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ لَكِنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّ لَهُ إلَخْ إلَّا أَنْ يُخَصَّ مَا سَبَقَ بِالدَّيْنِ الَّذِي تَجِبُ الزَّكَاةُ عَنْهُ حَالًّا بِأَنْ كَانَ حَالًّا عَلَى مُوسِرٍ بَاذِلٍ وَهَذَا يَخُصُّ بِخِلَافِهِ، وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ ذَاكَ لَمَّا وَجَبَتْ زَكَاتُهُ آخِرَ الْحَوْلِ وَلَمْ تَكُنْ عَيْنُهُ مَوْجُودَةً وَلَا تَوَقَّفَ وُجُوبُ الْإِخْرَاجِ عَلَى قَبْضِهِ اسْتَوَتْ الْأَمَاكِنُ فِيهِ، وَهَذَا لَمَّا لَمْ يَجِبْ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ فِيهِ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ اُلْتُحِقَ بِالْأَعْيَانِ فَاعْتُبِرَ بِبَلَدِ الْمَدْيُونِ، وَهُوَ مَحَلُّ الْقَبْضِ (قَوْلُهُ فَلَهُ نَقْلُهَا مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ وُجِدَ الْمُسْتَحِقُّونَ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ مَالُ غَيْرِهِ وَمَالُهُ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ.
وَقَوْلُهُ وَمِثْلُهُ قَاضٍ: أَيْ مِثْلُ السَّاعِي (قَوْلُهُ: بِأَنْ لَمْ يُوَلِّهَا الْإِمَامُ غَيْرَهُ) أَيْ بِأَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ وَلَمْ يُوَلِّ غَيْرَهُ.
وَقَوْلُهُ حَذَرًا مِنْ التَّشْقِيصِ مَعَ الْكَرَاهَةِ اُنْظُرْ مَا طَرِيقُهُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْكَرَاهَةِ، وَقَدْ يُقَالُ طَرِيقُهُ أَنْ يَدْفَعُهَا لِلْإِمَامِ أَوْ السَّاعِي وَيُخْرِجُ شَاتَيْنِ فِي الْبَلَدَيْنِ، وَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِالزِّيَادَةِ، وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي بَعِيرِ الزَّكَاةِ أَنْ يَقَعَ الْجَمِيعُ وَاجِبًا لِعَدَمِ تَأَتِّي التَّجْزِئَةِ (قَوْلُهُ: وَالْمَالُ بِبَادِيَةٍ) وَكَالْبَادِيَةِ الْبَحْرُ لِمُسَافِرٍ فِيهِ فَيَصْرِفُ الزَّكَاةَ لِأَقْرَبِ بَلَدٍ إلَى مَحَلِّ حَوَلَان الْحَوْلِ، وَلَوْ كَانَ الْمَالُ لِلتِّجَارَةِ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ فِي الْبَحْرِ أَوْ قِيمَةٌ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْبَحْرِ فَيَنْبَغِي اعْتِبَارُ أَقْرَبِ مَحَلٍّ مِنْ الْبَرِّ يَرْغَبُ فِيهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّفِينَةِ مَنْ يَصْرِفُ لَهُ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَلَوْ عَدِمَ) مِنْ بَابِ طَرِبَ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: قَبَضَ السَّاعِي) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِ إذَا دَفَعَهَا لِلْإِمَامِ (قَوْلُهُ: وُقُوعَهَا فِي خَطَرٍ) أَيْ هَلَاكٍ (قَوْلُهُ: فَإِنْ وَجَدَ) الْأُولَى أَوْ وَجَدَ (قَوْلُهُ: فَيَرُدَّ بِالنَّصْبِ)

[حاشية الرشيدي]

مَرَّ بِهِ انْتَهَتْ.
وَفِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِتَعَلُّقٍ وَلَعَلَّ مَا فِي الشَّارِحِ تَحْرِيفٌ (قَوْلُهُ: مَعَ الْكَرَاهَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِإِخْرَاجٍ (قَوْلِهِ صَرَفَهَا لِمَنْ مَعَهُمْ) يَعْنِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: حَرُمَ وَامْتَنَعَ) الْأَصْوَبُ حَرُمَ وَلَمْ يُجَزْ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ

بِأَقْرَبِ بَلَدٍ إلَيْهِمْ (وَقِيلَ يَنْقُلُ) إلَى أَقْرَبِ مَحَلٍّ إلَيْهِمْ لِلنَّصِّ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمْ فَيُقَدَّمُ عَلَى رِعَايَةِ الْمَكَانِ النَّاشِئَةِ عَنْ الِاجْتِهَادِ، وَرُدَّ بِأَنَّ النَّصَّ وَلَوْ سُلِّمَ عُمُومُهُ كَانَ فِي عُمُومِهِ فِي الْأَمْكِنَةِ خِلَافٌ فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَلَوْ امْتَنَعَ مُسْتَحِقُّوهَا مِنْ أَخْذِهَا قُوتِلُوا لِتَعْطِيلِهِمْ هَذَا الشِّعَارَ الْعَظِيمَ كَتَعْطِيلِ الْجَمَاعَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ بَلْ أَوْلَى، وَلَوْ قَالَ فُرِّقَ هَذَا عَلَى الْمَسَاكِينِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ وَلَا مُمَوَّنَهُ وَإِنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ.

(وَشَرْطُ السَّاعِي) وُصِفَ بِأَحَدِ أَوْصَافِهِ الْمَارَّةِ (كَوْنُهُ حُرًّا) ذَكَرًا (عَدْلًا) فِي الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ وَلَيْسَ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَلَا مَوَالِيهِمْ وَلَا مِنْ الْمُرْتَزِقَةِ، نَعَمْ مَرَّ اغْتِفَارُ كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ لَا وِلَايَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ فَكَانَ مَا يَأْخُذُهُ مَحْضُ أُجْرَةٍ (فَفِيهَا بِأَبْوَابِ الزَّكَاةِ) فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ وِلَايَتُهُ كَمَا قَيَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ لِيَعْرِفَ مَا يَأْخُذُهُ وَمَنْ يَدْفَعُهُ لَهُ، هَذَا إنْ كَانَ التَّفْوِيضُ عَامًّا (فَإِنْ عُيِّنَ لَهُ أَخْذٌ وَدَفْعٌ) فَقَطْ (لَمْ يُشْتَرَطْ) فِيهِ كَأَعْوَانِهِ مِنْ نَحْوِ حَاسِبٍ وَكَاتِبٍ وَمُشْرِفٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي (الْفِقْهُ) وَلَا الذُّكُورَةِ وَلَا الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّهَا سِفَارَةٌ لَا وِلَايَةٌ، نَعَمْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْإِسْلَامِ كَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لَا يُشْتَرَطُ الْإِسْلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَلَى أَخْذٍ مِنْ مُعَيَّنٍ وَصَرْفٍ مِنْ مُعَيَّنٍ كَمَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْآحَادِ لَهُ فِي الْقَبْضِ وَالدَّفْعِ، وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بَعْثُ السُّعَاةِ لَأَخْذِ الزَّكَاةِ (وَلِيُعْلِمَ) الْإِمَامُ أَوْ السَّاعِي نَدْبًا (شَهْرًا لِأَخْذِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ لِيَتَهَيَّأَ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ لِدَفْعِهَا وَالْمُسْتَحَقُّونَ لِأَخْذِهَا، وَيُسَنُّ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ كَوْنُ ذَلِكَ الشَّهْرِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْعَامِ الشَّرْعِيِّ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْلُ الْمُخْتَلِفُ، فِي حَقِّ النَّاسِ، بِخِلَافِ نَحْوِ زَرْعٍ وَثَمَرٍ لَا يُسَنُّ فِيهِ ذَلِكَ بَلْ يُبْعَثُ الْعَامِلُ وَقْتَ وُجُوبِهِ مِنْ اشْتِدَادِ الْحَبِّ وَإِدْرَاكِ الثَّمَرِ كَمَا قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ فِي النَّاحِيَةِ الْوَاحِدَةِ كَثِيرُ اخْتِلَافٍ، وَالْأَشْبَهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ لَا يَبْعَثُ فِي زَكَاةِ الْحُبُوبِ إلَّا عِنْدَ تَصْفِيَتِهَا، بِخِلَافِ الثِّمَارِ فَإِنَّهَا تُخْرَصُ حِينَئِذٍ، فَإِنْ بَعَثَ خَارِصًا لَمْ يَبْعَثْ السَّاعِيَ إلَّا عِنْدَ جَفَافِهَا، وَمَعْلُومٌ مِمَّا مَرَّ أَنَّ مَنْ تَمَّ حَوْلُهُ وَوُجِدَ الْمُسْتَحِقُّ وَلَا عُذْرَ لَهُ يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ فَوْرًا وَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ لِلْمُحَرَّمِ وَلَا لِغَيْرِهِ.

(وَيُسَنُّ وَسْمُ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَالْفَيْءِ) وَخَيْلِهِ وَحَمِيرِهِ وَبِغَالِهِ وَفِيَلَتِهِ لِلِاتِّبَاعِ فِي بَعْضِهَا وَقِيَاسًا فِي الْبَاقِي وَلِتَتَمَيَّزَ لِيَرُدَّهَا وَاجِدُهَا وَلِئَلَّا يَتَمَلَّكَهَا الْمُتَصَدِّقُ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ مِمَّنْ دَفَعَهُ لَهُ بِغَيْرِ نَحْوِ إرْثٍ، أَمَّا نَحْوُ نَعَمِ غَيْرِهِمَا فَيُبَاحُ وَسْمُهُ، وَهُوَ بِمُهْمَلَةٍ وَقِيلَ مُعْجَمَةٍ التَّأْثِيرُ بِنَحْوِ كَيٍّ، وَقِيلَ الْمُهْمَلَةُ لِلْوَجْهِ وَالْمُعْجَمَةُ لِسَائِرِ الْبَدَنِ وَيَكُونُ (فِي مَوْضِعٍ) ظَاهِرٍ صُلْبٍ (لَا يَكْثُرُ شَعْرُهُ) لِيَظْهَرَ، وَالْأَوْلَى

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ؛ لِأَنَّهُ فِي جَوَابِ النَّفْيِ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ: أَيْ وَإِلَّا فَهُوَ يَرُدُّ: أَيْ يَجِبُ رَدُّهُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ إعْطَاءِ نَفْسِهِ وَمُمَوَّنِهِ وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ الْمَأْخُوذَ مِنْ غَيْرِ إفْرَازٍ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَابِضًا مُقْبِضًا مِنْ نَفْسِهِ فَإِنْ أَفْرَزَهُ جَازَ

(قَوْلُهُ: فَكَانَ مَا يَأْخُذُهُ) وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ حَيْثُ لَمْ يَسْتَأْجِرْ، أَمَّا إذَا اُسْتُؤْجِرَ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ هَاشِمِيًّا أَوْ مُطَّلَبِيًّا (قَوْلُهُ: وَلَا الْحُرِّيَّةِ) وَقِيَاسُ مَا مَرَّ مِنْ جَوَازِ تَوْكِيلِ الصَّبِيِّ فِي تَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ حَيْثُ عَيَّنَ لَهُ مَا يَأْخُذُهُ وَمَا يَدْفَعُهُ (قَوْلُهُ: وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ) هَلْ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يُخْرِجُونَ الزَّكَاةَ أَوْ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَوْ يَشُكَّ تَرَدَّدَ فِيهِ سم.
أَقُولُ.
وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي بِشِقَّيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِالْإِخْرَاجِ لَا فَائِدَةَ لِلْبَعْثِ إلَّا أَنْ يُقَالَ فَائِدَتُهُ نَقْلُهَا لِلْمُحْتَاجِينَ وَإِمْكَانُ التَّعْمِيمِ وَالنَّظَرِ فِيمَا هُوَ أَصْلَحُ (قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ) أَيْ فَإِنْ أَخَّرَ وَتَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِهِ ضَمِنَ زَكَاتَهُ

(قَوْلُهُ: فَيُبَاحُ وَسْمُهُ) وَمِنْهُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي زَمَنِنَا مِنْ وَسْمِ الْمُلْتَزِمِينَ أَمْوَالَهُمْ بِكِتَابَةِ أَسْمَائِهِمْ عَلَى مَا يَسِمُونَ بِهِ وَلَوْ اشْتَمَلَتْ أَسْمَاؤُهُمْ

[حاشية الرشيدي]

فِي التُّحْفَةِ هُنَا

(قَوْلُهُ: وُصِفَ بِأَحَدِ أَوْصَافِهِ الْمَارَّةِ) قَالَ الْمُحَقِّقُ سم: هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَعْنَى الْعَامِلِ الْعَامِّ خِلَافَ مَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ الْآتِي كَأَعْوَانِهِ مِنْ نَحْوِ كَاتِبٍ إلَخْ.

فِي الْغَنَمِ آذَانُهَا وَفِي غَيْرِهَا فَخِذُهَا، وَكَوْنُ مِيسَمِ الْغَنَمِ الطَّلَفَ وَفَوْقَهُ الْبَقَرُ وَفَوْقَهُ الْإِبِلُ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ مِيسَمَ الْخَيْلِ فَوْقَ مِيسَمِ الْحُمْرِ وَدُونَ مِيسَمِ الْبَقَرِ وَالْبِغَالِ.
وَأَنَّ الْفِيلَ فَوْقَ الْإِبِلِ، وَيُكْتَبُ عَلَى نَعَمِ الزَّكَاةِ مَا يُمَيِّزُهَا عَنْ غَيْرِهَا مِنْ زَكَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ طُهْرَةٌ أَوْ لِلَّهِ، وَهُوَ أَبْرَكُ وَأَوْلَى اقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ؛ وَلِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا لِقِلَّةِ حُرُوفِهِ.
قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَحَكَاهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَأَقَرَّهُ.
وَعَلَى نَعَمِ الْجِزْيَةِ جِزْيَةٌ أَوْ صَغَارٌ بِفَتْحِ الصَّادِ: أَيْ ذُلٌّ وَهُوَ أَوْلَى، وَإِنَّمَا جَازَ لِلَّهِ مَعَ أَنَّهَا قَدْ تَتَمَرَّغُ عَلَى النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ التَّمْيِيزُ لَا الذِّكْرُ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ قَصْدَ غَيْرِ الدِّرَاسَةِ بِالْقُرْآنِ يُخْرِجُهُ عَنْ حُرْمَتِهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِحُرْمَةِ مَسِّهِ بِلَا طُهْرٍ، وَبِهِ يُرَدُّ مَا لِلْإِسْنَوِيِّ وَمِنْ تَبِعَهُ هُنَا، وَالْحَرْفُ الْكَبِيرُ كَكَافِّ الزَّكَاةِ أَوْ صَادِ الصَّدَقَةِ أَوْ جِيمِ الْجِزْيَةِ أَوْ فَاءِ الْفَيْءِ كَافٍ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ (وَيُكْرَهُ) الْوَسْمُ لِغَيْرِ آدَمِيٍّ (فِي الْوَجْهِ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ (قُلْت: الْأَصَحُّ تَحْرِيمُهُ وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيّ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ) خَبَرٌ فِيهِ (لَعْنُ فَاعِلِهِ) وَهُوَ «مَرَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحِمَارٍ وَقَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ لَعَنَ اللَّهُ الَّذِي وَسَمَهُ» ، وَحِينَئِذٍ فَمَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ أَرَادَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ هَذَا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) أَمَّا وَسْمُ وَجْهِ الْآدَمِيِّ فَحَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا ضَرْبُ وَجْهِهِ كَمَا يَأْتِي فِي الْأَشْرِبَةِ، وَيَحْرُمُ الْخِصَاءُ إلَّا لِصِغَارِ مَأْكُولٍ، وَالْأَوْجُهُ ضَبْطُ الصَّغِيرِ بِالْعُرْفِ أَوْ بِمَا يُسْرِعُ مَعَهُ الْبُرْءُ وَيَخِفُّ الْأَلَمُ وَقَدْ يَرْجِعُ لِمَا قَبْلَهُ، وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ تَحْرِيمَ إنْزَاءِ الْخَيْلِ عَلَى الْبَقَرِ لِكِبَرِ آلَتِهَا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ إنْزَاءٍ مُضِرٍّ ضَرَرًا لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً كَذَلِكَ، وَبِهِ يُرَدُّ تَنْظِيرُ بَعْضِ الشَّارِحِينَ حَيْثُ أَلْحَقَ إنْزَاءَ الْخَيْلِ عَلَى الْحَمِيرِ بِعَكْسِهِ فِي الْكَرَاهَةِ، نَعَمْ إنْ لَمْ يَحْتَمِلْ الْأَتَانُ الْفَرَسَ لِمَزِيدِ كِبَرِ جُثَّتِهِ اُتُّجِهَتْ الْحُرْمَةُ.

[حاشية الشبراملسي]

عَلَى اسْمٍ مُعْظَمٍ كَعَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَزِيدُوا فِي الْوَسْمِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، فَإِذَا حَصَلَتْ بِالْوَسْمِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسِمُونَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْذِيبِ لِلْحَيَوَانِ بِلَا حَاجَةٍ، فَإِنْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ فِي الْمَوْسُومِ مِنْ مَالِكٍ إلَى آخَرَ جَازَ لِلثَّانِي أَنْ يَسِمَ بِمَا يُعْلِمُ بِهِ انْتِقَالَهَا إلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْوَسْمَ لِمَا ذُكِرَ مُبَاحٌ وَإِنْ تَمَيَّزَ بِغَيْرِ الْوَسْمِ (قَوْلُهُ وَدُونَ مِيسَمِ الْبَقَرِ وَالْبِغَالِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَوْلَى) أَيْ صِغَارٌ (قَوْلُهُ: أَوْ فَاءِ الْفَيْءِ كَافٍ) أَيْ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَقَلَّ مِنْهُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَصْغِيرُهُ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَكَذَا ضَرْبُ وَجْهِهِ) أَيْ الْآدَمِيِّ وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا وَلَوْ بِقَصْدِ الْمُزَاحِ وَالتَّقْيِيدِ بِهِ لِذِكْرِ الْإِجْمَاعِ فِيهِ، وَأَمَّا وَجْهُ غَيْرِهِ فَفِيهِ الْخِلَافُ فِي وَسْمِهِ وَالرَّاجِحُ مِنْهُ التَّحْرِيمُ (قَوْلُهُ: إلَّا لِصِغَارِ مَأْكُولٍ) أَيْ وَبِشَرْطِ اعْتِدَالِ الزَّمَنِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: حَيْثُ أَلْحَقَ) الْأُولَى فِيمَنْ أَلْحَقَ؛ لِأَنَّ الْمُنْظَرَ غَيْرُ الْمُلْحَقِ.

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ لَمْ تَحْتَمِلْ الْأَتَانُ إلَخْ) هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الشَّارِحِينَ الْمَذْكُورِ، لَكِنَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ لَا تُفِيدُ ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ بِهِ يَرِدُ النَّظَرُ فِي قَوْلِ شَارِحِ يُلْحَقُ إنْزَاءُ الْخَيْلِ إلَخْ.

فَصْلٌ) فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَهِيَ الْمُرَادَةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ غَالِبًا (صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ لِلْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الشَّهِيرَةِ فِيهَا مِنْهَا الْخَبَرُ الصَّحِيحُ «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ» وَقَدْ تَحْرُمُ إنْ عَلِمَ: أَيْ وَلَوْ بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ أَنَّهُ يَصْرِفُهَا فِي مَعْصِيَةٍ.
لَا يُقَالُ: تَجِبُ لِلْمُضْطَرِّ لِتَصْرِيحِهِمْ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْبَدَلِ إلَّا بَعُوضٍ وَلَوْ فِي الذِّمَّةِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ.
نَعَمْ مَنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِلِالْتِزَامِ، وَلَيْسَ لَهُ ثَمَّ وَلِيٌّ يُمْكِنُ جَرَيَانُ ذَلِكَ فِيهِ، وَسَيَأْتِي فِي السِّيَرِ أَنَّهُ يُلْزِمُ الْمُوسِرِينَ عَلَى الْكِفَايَةِ نَحْوَ إطْعَامِ الْمُحْتَاجِينَ (وَتَحِلُّ لِغَنِيٍّ) وَلَوْ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى لِخَبَرِ «تُصُدِّقَ اللَّيْلَةُ عَلَى غَنِيٍّ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فَيُنْفِقَ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ» وَيُكْرَهُ لَهُ التَّعَرُّضُ لِأَخْذِهَا وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِ مَالُهُ أَوْ كَسْبُهُ إلَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْأَوْجَهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ آنِفًا عَدَمُ الِاعْتِبَارِ بِكَسْبٍ حَرَامٍ أَوْ غَيْرِ لَائِقٍ بِهِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيُكْرَهُ لَهُ أَخْذُهَا وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إنْ أَظْهَرَ الْفَاقَةَ،

[حاشية الشبراملسي]

فَصْلٌ) فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ (قَوْلُهُ: عِنْدَ الْإِطْلَاقِ غَالِبًا) أَيْ وَإِلَّا فَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْوَاجِبِ كَالزَّكَاةِ، وَهَلْ تُطْلَقُ عَلَى النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ وَدِمَاءِ الْحَجِّ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَفِي كَلَامِ الْبَهْجَةِ وَشَرْحِهَا لِلشَّيْخِ مَا يُفِيدُ الثَّانِي (قَوْلُهُ: حَتَّى يَفْصِلَ بَيْنَ النَّاسِ) أَيْ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ يَصْرِفُهَا فِي مَعْصِيَةٍ) وَهَلْ يَمْلِكُهَا حِينَئِذٍ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُرْمَةِ عَدَمُ الْمَلِكِ كَمَا فِي بَيْعِ الْعِنَبِ لِعَاصِرِ الْخَمْرِ (قَوْلُهُ: يُمْكِنُ جَرَيَانُ ذَلِكَ) أَيْ الْوُجُوبِ الْمَفْهُومِ مِنْ يَجِبُ لِلْمُضْطَرِّ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ يُلْزِمُ الْمُوسِرِينَ) رَاجِعْ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُضْطَرِّ، وَقَدْ يُصَوَّرُ مَا ذَكَرَ فِي الْمُضْطَرِّ الْمُحْتَاجِ بِمَا إذَا كَانَ الْبَاذِلُ مِنْ غَيْرِ الْمَيَاسِيرِ، أَوْ كَانَ الْمُضْطَرُّ غَنِيًّا لَكِنْ فَقَدَ مَا يَتَنَاوَلُهُ وَوَجَدَهُ مَعَ غَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمهُ دَفْعُهُ لَهُ مَجَّانًا فَلَا إشْكَالَ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِ مَالُهُ أَوْ كَسْبُهُ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَنِيِّ هُنَا مَا يَشْمَلُ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ (قَوْلُهُ: عَدَمُ الِاعْتِبَارِ) أَيْ فَلَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ (قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ لَهُ) أَيْ لِلْغَنِيِّ (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) أَيْ الْغَنِيِّ وَلَوْ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ، وَحِينَئِذٍ فَيَتَّضِحُ الِاسْتِثْنَاءُ الْآتِي عَنْ الْغَزَالِيِّ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ: إنْ أَظْهَرَ الْفَاقَةَ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ لِمَنْ يَعْرِفُ (قَوْلُهُ: إنْ أَظْهَرَ الْفَاقَةَ) أَيْ أَوْ سَأَلَ اهـ حَجّ: أَيْ وَمَعَ حُرْمَةِ الْقَبُولِ حِينَئِذٍ يَمْلِكُ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُ سم: يَمْلِكُ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ: أَيْ فِيمَا لَوْ سَأَلَ، أَمَّا لَوْ أَظْهَرَ الْفَاقَةَ وَظَنَّهُ الدَّافِعُ مُتَّصِفًا بِهَا لَمْ يَمْلِكْ مَا أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْ غَيْرِ رِضًا مِنْ صَاحِبِهِ إذْ لَمْ يَسْمَحْ لَهُ إلَّا عَنْ ظَنِّ

[حاشية الرشيدي]

[فَصْلٌ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ]

(فَصْلٌ) فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ تَحْرُمُ إنْ عَلِمَ إلَخْ) أَيْ وَكَمَا يَأْتِي فِي اسْتِدْرَاكِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي (قَوْلُهُ: أَيْ وَلَوْ بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ) لَا يَخْفَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ مُبَايِنَةٌ لِحَقِيقَةِ الظَّنِّ فَلَا يَصِحُّ أَخْذُهُ غَايَةً فِيهِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَقَدْ تَحْرُمُ إنْ عَلِمَ وَكَذَا إنْ ظَنَّ فِيمَا يَظْهَرُ إلَخْ (قَوْلُهُ: يُمْكِنُ جَرَيَانُ ذَلِكَ فِيهِ) قَالَ الشِّهَابُ حَجّ: حَيْثُ لَمْ يَنْوِ الرُّجُوعَ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ سم مَا نَصُّهُ: فِيهِ نَظَرٌ دَقِيقٌ فَتَأَمَّلْهُ.
اهـ. وَكَأَنَّ وَجْهَ النَّظَرِ أَنَّهُ صَارَ بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ مُخَيَّرًا بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَبَيْنَ دَفْعِهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ فَلَمْ تَجِبْ الصَّدَقَةُ عَيْنًا فَسَاوَى الْمُتَأَهِّلَ وَمَنْ لَهُ وَلِيٌّ حَاضِرٌ، إذْ لَا خَفَاءَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ أَيْضًا بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَبَيْنَ الْبَذْلِ بِعِوَضٍ، وَكَأَنَّ الشَّارِحَ إنَّمَا حَذَفَ هَذَا الْقَيْدَ لِهَذَا النَّظَرِ، لَكِنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ لَهُ إنْ كَانَ الْحُكْمُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى غَيْرِ الْمُتَأَهِّلِ

وَاسْتَثْنَى فِي الْإِحْيَاءِ مِنْ تَحْرِيمِ سُؤَالِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ مَا لَوْ كَانَ يَسْتَغْرِقُ الْوَقْتَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَفِيهِ أَيْضًا سُؤَالُ الْغَنِيِّ حَرَامٌ إنْ وَجَدَ مَا يَكْفِيهِ هُوَ وَمُمَوَّنَهُ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ وَسُتْرَتَهُمْ وَآنِيَةً يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا، وَالْأَوْجَهُ جَوَازُ سُؤَالِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إنْ كَانَ السُّؤَالُ عِنْدَ نَفَاذِ ذَلِكَ غَيْرَ مُتَيَسِّرٍ وَإِلَّا امْتَنَعَ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ غَايَةَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ، وَنَازَعَ الْأَذْرَعِيُّ فِي التَّحْدِيدِ بِهَا وَبَحَثَ جَوَازَ طَلَبِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إلَى وَقْتٍ يَعْلَمُ عَادَةً تَيَسُّرَ السُّؤَالِ وَالْإِعْطَاءِ فِيهِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى مَنْ عَلِمَ غِنَى سَائِلٍ أَوْ مُظْهِرٍ لِلْفَاقَةِ الدَّفْعُ إلَيْهِ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ، كَمَا صَرَّحَ بِعَدَمِهَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ إنَّمَا هِيَ لِتَغْرِيرِهِ بِإِظْهَارِ الْفَاقَةِ مَنْ لَا يُعْطِيهِ لَوْ عَلِمَ غِنَاهُ، فَمَنْ عَلِمَ وَأَعْطَاهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ تَغْرِيرٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُؤَالَ مَا اُعْتِيدَ سُؤَالُهُ مِنْ الْأَصْدِقَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّا لَا يَشُكُّ فِي رِضَا بَاذِلِهِ وَإِنْ عَلِمَ غِنَى آخِذِهِ لَا حُرْمَةَ فِيهِ وَلَوْ عَلَى الْغَنِيِّ لِاعْتِيَادِ الْمُسَامَحَةِ بِهِ، وَمَنْ أَعْطَى لِوَصْفٍ يَظُنُّ بِهِ كَفَقْرٍ أَوْ صَلَاحٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ عَلِمَ وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهِ أَوْ كَانَ بِهِ وَصْفٌ بَاطِنًا بِحَيْثُ لَوْ عَلِمَ لَمْ يُعْطِهِ حُرِّمَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ مُطْلَقًا، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي الْهَدِيَّةِ أَيْضًا فِيمَا يَظْهَرُ، بَلْ الْأَوْجَهُ إلْحَاقُ سَائِرِ عُقُودِ التَّبَرُّعِ بِهَا كَوَصِيَّةٍ وَهِبَةٍ وَنَذْرٍ وَوَقْفٍ، وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ نَدْبَ التَّنَزُّهِ عَنْ قَبُولِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إلَّا إنْ حَصَلَ لِلْمُعْطَى نَحْوَ تَأَذٍّ أَوْ قَطْعِ رَحِمٍ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ فِي الْأَخْذِ نَحْوَ شَكٍّ فِي الْحِلِّ أَوْ هَتْكٍ لِلْمُرُوءَةِ أَوْ دَنَاءَةٍ فِي التَّنَاوُلِ لِئَلَّا يُعَارِضَهُ خَبَرُ «مَا أَتَاك مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُسْتَشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ» ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: مَتَى أَذَلَّ نَفْسَهُ أَوْ أَلَحَّ فِي السُّؤَالِ أَوْ آذَى الْمَسْئُولَ حُرِّمَ اتِّفَاقًا وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَفِي الْإِحْيَاءِ: مَتَى أَخَذَ مَنْ جَوَّزْنَا لَهُ الْمَسْأَلَةَ عَالِمًا بِأَنَّ بَاعِثَ

[حاشية الشبراملسي]

الْفَاقَةِ (قَوْلُهُ: وَاسْتَثْنَى) أَيْ الْغَزَالِيُّ (قَوْلُهُ: مَا لَوْ كَانَ يَسْتَغْرِقُ الْوَقْتَ) أَيْ بِحَيْثُ كَانَ اشْتِغَالُهُ بِالْعِلْمِ يَمْنَعُهُ مِنْ الِاكْتِسَابِ وَمِنْهُ مَا لَوْ كَانَ الزَّمَنُ الَّذِي يَزِيدُ عَلَى أَوْقَاتِ الِاشْتِغَالِ لَا يَتَأَتَّى لَهُ فِيهِ الِاكْتِسَابُ عَادَةً فَهُوَ كَالْعَدَمِ (قَوْلُهُ: سُؤَالُ الْغَنِيِّ حَرَامٌ) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ يَمْلِكُ مَا أَخَذَهُ، وَمَحَلُّ حُرْمَةِ السُّؤَالِ فِي غَيْرِ مَا اُعْتِيدَ سُؤَالُهُ عَلَى مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَآنِيَةً يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا) قَالَ فِي الْقُوتِ عَنْ الْإِحْيَاءِ: وَيَكْفِي كَوْنُهَا خَزَفِيَّةً اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تَلْقَ بِهِمْ وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ (قَوْلُهُ: وَنَازَعَ الْأَذْرَعِيُّ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ، وَقَوْلُهُ: مَا اُعْتِيدَ سُؤَالُهُ، أَيْ كَقَلَمٍ وَسِوَاكٍ، وَقَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ لِتَغْرِيرِهِ وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ بِمَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ سُؤَالُ مَنْ عَرَفَ بِحَالِهِ لِعَدَمِ تَغْرِيرِهِ لَهُ (قَوْلُهُ: حَرُمَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ مُطْلَقًا) هَلْ يَمْلِكُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى قِيَاسِ مَا يَأْتِي عَنْ فَتْوَى شَيْخِنَا الشِّهَابِ الرَّمْلِيِّ أَوْ لَا، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْطَى هُنَا لِأَجْلِ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالثَّانِي أَوْجَهُ مَا لَمْ يُوجَدْ نَقْلٌ بِخِلَافِهِ، وَعَلَيْهِ فَهَلْ يَبْطُلُ الْوَقْفُ وَالنَّذْرُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، ثُمَّ رَأَيْت قَوْلَهُ الْآتِي: وَحَيْثُ حَرُمَ الْأَخْذُ لَمْ يَمْلِكْ مَا أَخَذَهُ إلَخْ فَتَعَيَّنَ الْفَرْقُ، لَكِنْ فِي بُطْلَانِ ذَلِكَ عَدَمُ انْعِقَادِ الْوَقْفِ وَالنَّذْرِ ا. هـ عَلَى حَجّ.
وَقَدْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مِلْكِ الصَّدَقَةِ بُطْلَانُ الْوَقْفِ وَالنَّذْرِ لِجَوَازِ إلْحَاقِهِمَا بِمَا فِيهِ مُعَاوَضَةٌ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ صِحَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَحْمُولٌ) أَيْ نَدْبُ التَّنَزُّهِ (قَوْلُهُ: وَأَنْتَ غَيْرُ مُسْتَشْرِفٍ) أَيْ: مُتَعَرِّضٍ لِلسُّؤَالِ (قَوْلُهُ: مَتَى أَذَلَّ نَفْسَهُ) وَمِنْهُ بَلْ أَقْبَحُهُ مَا اُعْتِيدَ مِنْ سُؤَالِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمَعَ ذَلِكَ يَمْلِكُ مَا أَخَذَهُ حَيْثُ لَمْ يُعْطَ عَلَى ظَنِّ صِفَةٍ لَيْسَتْ فِيهِ (قَوْلُهُ: أَوْ أَلَحَّ فِي السُّؤَالِ) ظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ يُؤْذِ الْمَسْئُولَ.
ا. هـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: أَوْ آذَى الْمَسْئُولَ حَرُمَ اتِّفَاقًا) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ يَمْلِكُ مَا أَخَذَهُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا) أَيْ إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ سم عَلَى

[حاشية الرشيدي]

الْمَذْكُورِ وَإِنْ قَصَدَ الرُّجُوعَ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَاسْتَثْنَى فِي الْإِحْيَاءِ) يَجِبُ تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِهِ وَفِيهِ أَيْضًا سُؤَالُ الْغَنِيِّ حَرَامٌ إلَخْ إذْ هُوَ إنَّمَا اسْتَثْنَاهُ مِنْهُ كَمَا فِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: مَنْ لَا يُعْطِيهِ) مَعْمُولٌ لِتَغْرِيرِهِ (قَوْلُهُ: بَلْ الْأَوْجَهُ إلْحَاقُ سَائِرِ عُقُودِ التَّبَرُّعِ إلَخْ) لَعَلَّ الْمُرَادَ إلْحَاقُ الْأَخْذِ بِعَقْدٍ مِنْ عُقُودِ التَّبَرُّعِ لِيُسَاوِيَ الْمُلْحَقُ مَا أُلْحِقَ بِهِ (قَوْلُهُ: حَرُمَ اتِّفَاقًا)

الْمُعْطِي الْحَيَاءِ مِنْهُ أَوْ مِنْ الْحَاضِرِينَ وَلَوْلَاهُ لَمَا أَعْطَاهُ فَهُوَ حَرَامٌ إجْمَاعًا وَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ.
ا. هـ. وَحَيْثُ أَعْطَاهُ عَلَى ظَنِّ صِفَةٍ وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهَا، وَلَوْ عَلِمَ مَا بِهِ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَمْلِكْ الْآخِذُ مَا أَخَذَهُ كَهِبَةِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجِيلِيُّ مِنْ حُرْمَةِ السُّؤَالِ بِاَللَّهِ تَعَالَى إنْ أَدَّى إلَى تَضَجُّرٍ وَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَرُدَّهُ، وَإِلَى أَنَّ رَدَّ السَّائِلِ صَغِيرَةٌ مَا لَمْ يَنْهَرْهُ وَإِلَّا فَكَبِيرَةٌ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ أَوَّلِهِ عَلَى مَا إذَا آذَى بِذَلِكَ وَثَانِيهِ عَلَى نَحْوِ مُضْطَرٍّ مَعَ الْعِلْمِ بِحَالِهِ، وَإِلَّا فَعُمُومُ مَا قَالَهُ غَرِيبٌ (وَكَافِرٍ) لِخَبَرِ «فِي كُلِّ كَبِدٍّ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» وَشَمِلَ كَلَامُهُ الْحَرْبِيَّ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَيَانِ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ، لَكِنَّ الْأَوْجَهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ لَهُ عَهْدٌ أَوْ ذِمَّةٌ أَوْ قَرَابَةٌ أَوْ يُرْجَى إسْلَامُهُ أَوْ كَانَ بِأَيْدِينَا بِأَسْرٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا وَيَأْتِي مَنْعُ إعْطَائِهِ مِنْ أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ (وَدَفْعُهَا سِرًّا) أَفْضَلُ مِنْهُ جَهْرًا لِآيَةِ ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: 271] ؛ وَلِأَنَّ مُخْفِيَهَا بِحَيْثُ لَا تَعْلَمُ شِمَالُهُ مَا أَنْفَقَتْ يَمِينُهُ كِنَايَةً عَنْ الْمُبَالَغَةِ فِي إخْفَائِهَا مِنْ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلِّهِ، نَعَمْ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَأَظْهَرُهَا لِلتَّأَسِّي بِهِ مِنْ غَيْرِ رِيَاءٍ وَلَا سُمْعَةٍ فَهُوَ أَفْضَلُ، أَمَّا الزَّكَاةُ فَإِظْهَارُهَا أَفْضَلُ إجْمَاعًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ إلَّا الْمَالَ الْبَاطِنَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَوْ خَافَ مَحْذُورًا وَإِلَّا فَهُوَ ضَعِيفٌ.

(وَفِي رَمَضَانَ) لَا سِيَّمَا فِي عَشْرِهِ الْأَخِيرِ أَفْضَلُ لِخَبَرِ «أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ فِي رَمَضَانَ» وَلِعَجْزِ الْفُقَرَاءِ عَنْ الْكَسْبِ فِيهِ وَيَلِيهِ فِيمَا يَظْهَرُ عَشْرُ الْحِجَّةِ، وَفِي الْأَمَاكِنِ الشَّرِيفَةِ كَمَكَّةَ ثُمَّ الْمَدِينَةِ، وَعِنْدَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ كَغَزْوٍ وَمَرَضٍ وَسَفَرٍ وَكُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ أَفْضَلُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَرَادَ صَدَقَةً يُنْدَبُ لَهُ تَأْخِيرُهَا لِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، بَلْ الِاعْتِنَاءُ عِنْدَ وُجُودِ ذَلِكَ بِالْإِكْثَارِ مِنْهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْرًا وَأَكْثَرُ فَائِدَةً (وَلِقَرِيبٍ) تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوَّلًا الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ الْمَحَارِمِ ثُمَّ الزَّوْجُ أَوْ الزَّوْجَةُ ثُمَّ غَيْرُ

[حاشية الشبراملسي]

حَجّ (قَوْلُهُ: وَحَيْثُ أَعْطَاهُ) أَيْ وَحَيْثُ حَرُمَ السُّؤَالُ مَلَكَ مَا أَخَذَهُ بِخِلَافِ هِبَةِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلَهُ: حَيْثُ أَعْطَاهُ إلَخْ، وَقَضَيْتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَعْطَى غَنِيًّا يَظُنُّهُ فَقِيرًا وَلَوْ عَلِمَ غِنَاهُ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَمْلِكْ مَا أَعْطَاهُ، فَمَا مَرَّ عَنْ فَتَاوَى شَيْخِنَا أَنَّهُ حَيْثُ حَرُمَ السُّؤَالُ مَلَكَ الْآخِذُ مَا أَخَذَهُ يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنَّ مُظْهِرَ الْفَاقَةِ يَمْلِكُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَصَدِّقُ لَوْ عَلِمَ لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ يُفِيدُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخَذَ وَظَنَّ الدَّافِعُ فِيهِ صِفَةً لَوْلَاهَا لَمَا دَفَعَ لَهُ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ لَمْ يَمْلِكْ مَا أَخَذَهُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ قَبُولُهُ، وَأَنَّهُ إذَا أَظْهَرَ صِفَةً لَمْ تَكُنْ فِيهِ كَالْفَقْرِ أَوْ سَأَلَ عَلَى وَجْهٍ أَذَلَّ بِهِ نَفْسَهُ حَرُمَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ، وَلَكِنْ يَمْلِكُ مَا أَخَذَهُ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ عَلِمَ الدَّافِعُ بِحَالِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ الدَّفْعِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: يَتَعَيَّنُ حَمْلُ أَوَّلِهِ) هُوَ قَوْلُهُ: يَتَعَيَّنُ السُّؤَالُ، وَقَوْلُهُ: وَثَانِيهِ هُوَ قَوْلُهُ: وَإِلَى أَنَّ رَدَّ السَّائِلِ (قَوْلُهُ: عَلَى نَحْوِ مُضْطَرٍّ) لَعَلَّ صُورَتَهُ أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ غَيْرَهُ يُعْطِيهِ مَا يُزِيلُ اضْطِرَارَهُ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنَّ رَدَّهُ كَبِيرَةٌ (قَوْلُهُ: أَنَّ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّ مَحَلَّ اسْتِحْبَابِهِ فِي حَقِّهِ فِيمَنْ إلَخْ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ، وَيُعْلَمُ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ حِلِّهَا عَلَى الْغَنِيِّ وَالْكَافِرِ الِاسْتِحْبَابُ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: قَوْلُهُ وَكَافِرٍ: أَيْ وَلَوْ حَرْبِيًّا خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا) أَيْ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ (قَوْلُهُ: وَيَأْتِي مَنْعُ إعْطَائِهِ) أَيْ الْكَافِرِ

(قَوْلُهُ: كَغَزْوٍ وَمَرَضٍ) أَيْ لَهُ أَوْ لِخَاصَّتِهِ كَقَرِيبِهِ أَوْ صَدِيقِهِ.
[فَرْعٌ] قَالَ سم عَلَى حَجّ فِي فَتَاوَى السُّيُوطِيّ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ: السُّؤَالُ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ،

[حاشية الرشيدي]

أَيْ السُّؤَالُ عَلَى وَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَإِلَى أَنْ رَدَّ السَّائِلَ إلَخْ) لَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ تَابِعٌ فِيهِ لِحَجِّ لَكِنَّ ذَاكَ صَدَّرَ عِبَارَتَهُ، وَذَهَبَ الْحَلِيمِيُّ إلَى حُرْمَةِ السُّؤَالِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، إلَى أَنْ قَالَ: وَإِلَى أَنْ رَدَّ السَّائِلَ فَالْعَطْفُ فِي كَلَامِهِ صَحِيحٌ (قَوْلُهُ: كِنَايَةٌ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ بِحَيْثُ لَا تُعْلَمُ إلَخْ وَقَوْلُهُ مِنْ السَّبْعَةِ خَبَرٌ

الْمَحْرَمِ وَالرَّحِمُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَمِنْ جِهَةِ الْأُمِّ سَوَاءٌ، ثُمَّ مَحْرَمُ الرَّضَاعِ ثُمَّ الْمُصَاهَرَةِ ثُمَّ الْمَوْلَى مِنْ أَعْلَى ثُمَّ مِنْ أَسْفَلَ أَفْضَلُ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي نَحْوِ الزَّكَاةِ أَيْضًا إذَا كَانُوا بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْعَدُوِّ مِنْ الْأَقَارِبِ أَوْلَى لِخَبَرٍ فِيهِ وَأَلْحَقَ بِهِ الْعَدُوَّ مِنْ غَيْرِهِمْ (وَ) دَفْعُهَا بَعْدَ الْقَرِيبِ إلَى (جَارٍ أَفْضَلُ) مِنْهُ لِغَيْرِهِ فَعُلِمَ أَنَّ الْقَرِيبَ الْبَعِيدَ الدَّارِ فِي الْبَلَدِ أَفْضَلُ مِنْ الْجَارِ الْأَجْنَبِيِّ، وَفِي غَيْرِهَا، وَأَهْلُ الْخَيْرِ وَالْمُحْتَاجُونَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِمْ مُطْلَقًا، وَيُكْرَهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَقَرَّهُ الْأَخْذُ مِمَّنْ بِيَدِهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ كَالسُّلْطَانِ الْجَائِرِ، وَتَخْتَلِفُ الْكَرَاهَةُ بِقِلَّةِ الشُّبْهَةِ وَكَثْرَتِهَا، وَلَا يَحْرُمُ إلَّا إنْ تَيَقُّنَ أَنَّ هَذَا مِنْ الْحَرَامِ الَّذِي يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ صَاحِبِهِ، وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ يَحْرُمُ الْأَخْذُ مِمَّنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ وَكَذَا مُعَامَلَتُهُ شَاذٌّ انْفَرَدَ بِهِ: أَيْ عَلَى أَنَّهُ فِي بَسِيطِهِ جَرَى عَلَى الْمَذْهَبِ فَجَعَلَ الْوَرَعَ اجْتِنَابَ مُعَامَلَةِ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ رِبًا، قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ رِبًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمُعْتَمَدَ فِي الْإِمْلَاكِ الْيَدُ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَنَا فِيهِ أَصْلٌ آخَرُ يُعَارِضُهُ فَاسْتُصْحِبَ وَلَمْ يُنَلْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ ا. هـ. قَالَ غَيْرُهُ: وَيَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْ الْحَرَامِ إنْ قَصَدَ بِهِ رَدُّهُ عَلَى مَالِكِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مُفْتِيًا أَوْ حَاكِمًا أَوْ شَاهِدًا فَيَلْزَمُهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ لِلرَّدِّ عَلَى مَالِكِهِ لِئَلَّا يَسُوءُ اعْتِقَادُ النَّاسِ فِي صِدْقِهِ وَدِينِهِ فَيَرُدُّونَ فَتْوَاهُ وَحَكَمَهُ وَشَهَادَتَهُ (وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ يُسْتَحَبُّ) لَهُ (أَنْ لَا يَتَصَدَّقْ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ) تَقْدِيمًا لِلْأَهَمِّ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَالْمُحَرَّرِ، لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَالْأُولَى أَوْلَى؛ لِأَنَّ أَهَمِّيَّةَ الدَّيْنِ إنْ لَمْ تَقْتَضِي الْحُرْمَةَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَقْتَضِيَ طَلَبَ عَدَمِ الصَّدَقَةِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ إذْ لَا يَقُولُ أَحَدٌ فِيمَا أَظُنُّ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ صَدَاقٌ أَوْ غَيْرُهُ إذَا تَصَدَّقَ بِنَحْوِ رَغِيفٍ مِمَّا يَقْطَعُ بِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ لَمْ يَدْفَعْهُ لِجِهَةِ الدَّيْنِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْمُسَارَعَةَ لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، أَوْلَى وَأَحَقُّ مِنْ التَّطَوُّعِ عَلَى الْجُمْلَةِ (قُلْت: الْأَصَحُّ تَحْرِيمُ صَدَقَتِهِ) وَمِنْهَا إبْرَاءُ مَدِينٍ لَهُ مُوسِرٌ فِيمَا يَظْهَرُ مُقِرًّا وَلَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ (بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ) حَالًا (لِنَفَقَةِ) وَمُؤْنَةِ (مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوْ لِدَيْنٍ) وَلَوْ مُؤَجَّلًا لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ (لَا يَرْجُو) أَيْ يَظُنُّ (لَهُ وَفَاءَ) حَالًّا فِي الْحَالِ وَعِنْدَ

[حاشية الشبراملسي]

وَإِعْطَاءُ السَّائِلِ فِيهِ قُرْبَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا، هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ، ثُمَّ أَطَالَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ اهـ. وَقَوْلُ سم السُّؤَالُ فِي الْمَسْجِدِ وَمِثْلُهُ التَّعَرُّضُ، وَمِنْهُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الْمَسَاجِدِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ لِيُتَصَدَّقْ عَلَيْهِمْ وَشَمَلَ ذَلِكَ أَيْضًا مَا لَوْ كَانَ السَّائِلُ فِي الْمَسْجِدِ يَسْأَلُ لِغَيْرِهِ فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وَإِلَّا انْتَفَتْ الْكَرَاهَةُ (قَوْلُهُ: وَالْعَدُوُّ مِنْ الْأَقَارِبِ أَوْلَى) أَيْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَظُنَّ أَنَّ إعْطَاءَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى زِيَادَةِ الضَّرَرِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ خَوْفًا مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَدَفْعُهَا بَعْدَ الْقَرِيبِ) أَيْ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ مِنْ مَحَارِمِ الرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَفِي غَيْرِهَا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْبَلَدِ: أَيْ وَفِي غَيْرِ الْبَلَدِ.
قَالَ حَجّ: وَفِي غَيْرِهَا الْجَارُ أَوْلَى مِنْهُ اهـ. وَهِيَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: وَأَهْلُ الْخَيْرِ) أَيْ حَيْثُ كَانُوا فُقَرَاءَ (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا إبْرَاءُ مَدِينٍ) . [فَرْعٌ] أَبْرَأهُ لِظَنِّ إعْسَارِهِ فَتَبَيَّنَ غِنَاهُ نَفَذَتْ الْبَرَاءَةُ، أَوْ بِشَرْطِ الْإِعْسَارِ فَتَبَيَّنَ غِنَاهُ بَطَلَتْ م ر اهـ سم عَلَى حَجّ وَفِيهِ أَيْضًا وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَمْ يَضْبِطْ الْحَاجَةَ بِالنِّسْبَةِ لِنَفْسِهِ فَهَلْ هِيَ مَا يَدْفَعُ الضَّرَرَ أَوْ مَا يَدْفَعُ الْمَشَقَّةَ الَّتِي لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ لِعِيَالِهِ وَإِنْ

[حاشية الرشيدي]

لِأَنَّ (قَوْلُهُ: أَفْضَلُ مِنْ الْجَارِ الْأَجْنَبِيِّ وَفِي غَيْرِهَا) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: أَفْضَلُ مِنْ الْجَارِ الْأَجْنَبِيِّ، وَفِي غَيْرِهَا الْجَارُ أَوْلَى مِنْهُ انْتَهَتْ.
فَلَعَلَّ الْوَاوَ قَبْلَ قَوْلِهِ فِي غَيْرِهَا وَمَا بَعْدَ غَيْرِهَا سَقَطَتْ مِنْ الْكَتَبَةِ فِي الشَّارِحِ.

الْحُلُولِ فِي الْمُؤَجَّلِ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ لِسُنَّةٍ، وَمَعَ حُرْمَةِ التَّصَدُّقِ يَمْلِكُهُ الْآخِذُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ التَّحْرِيمِ بِمَا يَحْتَاجُهُ لِنَفَقَةِ نَفْسِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُهُمْ فِي التَّيَمُّمِ يَحْرُمُ عَلَى عَطْشَانَ إيثَارُ عَطْشَانَ آخَرَ فَلَا يُنَافِيهِ مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ جَوَازِهِ بِذَلِكَ إذْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى مَا ذُكِرَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُمْ فِي التَّيَمُّمِ يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ إيثَارُ مُضْطَرٍّ آخَرَ مُسْلِمٍ وَلَا يُرَدُّ عَلَى الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ يَشْمَلُ نَفْسَهُ أَيْضًا، وَاسْتِشْكَالُ جَمْعِ ذَلِكَ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ تَصَدَّقُوا بِمَا يَحْتَاجُونَهُ لِعِيَالِهِمْ مَحْمُولٌ عَلَى عِلْمِهِمْ مِنْ عِيَالِهِمْ الْكَامِلِينَ الرِّضَا وَالصَّبْرَ وَالْإِيثَارَ، كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ جَمْعٍ لَوْ كَانَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بَالِغًا عَاقِلًا وَرَضِيَ بِذَلِكَ كَانَ الْأَفْضَلُ التَّصَدُّقَ، أَمَّا إذَا ظَنَّ وَفَاءَ دَيْنِهِ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ وَلَوْ عِنْدَ حُلُولِ الْمُؤَجَّلِ فَلَا بَأْسَ بِالتَّصَدُّقِ حَالًّا بَلْ قَدْ يُسَنُّ.
نَعَمْ إنْ وَجَبَ أَدَاؤُهُ فَوْرًا لِطَلَبِ صَاحِبِهِ لَهُ أَوْ لِعِصْيَانِهِ بِسَبَبِهِ مَعَ عَدَمِ رِضَا صَاحِبِهِ بِالتَّأْخِيرِ حَرُمَتْ الصَّدَقَةُ قَبْلَ وَفَائِهِ مُطْلَقًا: كَمَا تَحْرُمُ صَلَاةُ النَّفْلِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ فَوْرِيٌّ.

(وَفِي اسْتِحْبَابِ الصَّدَقَةِ بِمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ) الْمَارَّةِ مِنْ حَاجَةِ نَفْسِهِ وَمُمَوَّنِهِ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ وَكِسْوَةِ فَصْلِهِمْ وَوَفَاءِ دَيْنِهِ (أَوْجَهُ) أَحَدُهُمَا: تُسَنُّ مُطْلَقًا.
ثَانِيهَا لَا مُطْلَقًا.
ثَالِثُهَا وَهُوَ (أَصَحُّهَا) أَنَّهُ (إنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصَّبْرُ اُسْتُحِبَّ) ؛ لِأَنَّ الصِّدِّيقَ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَقَبِلَهُ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَإِلَّا) بِأَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّبْرُ (فَلَا) يُسْتَحَبُّ لَهُ بَلْ يُكْرَهُ لِخَبَرِ «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» أَيْ غِنَى النَّفْسِ، وَهُوَ صَبْرُهَا عَلَى الْفَقْرِ، وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ جَمَعَ بَيْنَ ظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَلِفَةِ كَهَذَا الْحَدِيثِ.
أَمَّا التَّصَدُّقُ بِبَعْضِ الْفَاضِلِ عَنْ ذَلِكَ فَيُنْدَبُ اتِّفَاقًا، نَعَمْ الْمُقَارِبُ لِلْكُلِّ كَالْكُلِّ، وَخَرَجَ بِالصَّدَقَةِ الضِّيَافَةُ فَلَا يُشْتَرَطُ فَضْلُهَا عَنْ مُؤْنَةِ مَا ذُكِرَ عَلَى مَا فِي الْمَجْمُوعِ لِلْخِلَافِ الْقَوِيِّ فِي وُجُوبِهَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُؤَدِّ إيثَارُهَا إلَى إلْحَاقِ أَدْنَى ضَرَرٍ بِمُمَوَّنِهِ الَّذِي لَا رِضَا لَهُ، عَلَى أَنَّهُ خَالَفَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَيُكْرَهُ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ إمْسَاكُ الْفَضْلِ وَغَيْرُ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ، كَمَا بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ وَبَحَثَ غَيْرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاقِي مَا زَادَ عَلَى كِفَايَةِ سَنَةٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهَا أَيْضًا إذَا كَانَ بِالنَّاسِ ضَرُورَةٌ لَزِمَهُ بَيْعُ مَا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ سَنَةً، فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ السُّلْطَانُ.
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الرَّوْضَةِ عَنْ الْإِمَامِ: يَلْزَمُ الْمُوسِرَ

[حاشية الشبراملسي]

لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ بِهِ ضَرَرٌ أَوْ وَصَلَ إلَيْهِ الضَّرَرُ مِنْ جَرَّائِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرُوا (قَوْلُهُ: مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ) وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْهُ صَاحِبُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي لَهُ فِي قَوْلِهِ نَعَمْ إنْ وَجَبَ أَدَاؤُهُ فَوْرًا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَا يُرَدُّ عَلَى الْكِتَابِ) هُوَ قَوْلُهُ: بِمَا يَحْتَاجُهُ لِنَفَقَةِ نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: حَرُمَتْ الصَّدَقَةُ) أَيْ بِمَا يُمْكِنُ أَنَّهُ يَدْفَعُ مِنْ الدَّيْنِ وَإِنْ قَلَّ كَجَدِيدٍ مَثَلًا (قَوْلُهُ: قَبْلَ وَفَائِهِ مُطْلَقًا) أَيْ لَهُ جِهَةٌ يَرْجُو الْوَفَاءَ مِنْهَا أَمْ لَا (قَوْلُهُ: كَمَا تَحْرُمُ صَلَاةُ النَّفْلِ) يَنْبَغِي إلَّا رَوَاتِبَ ذَلِكَ الْفَرْضِ الْفَوْرِيِّ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: وَكَذَا لَوْ خَافَ فَوْتَ رَاتِبِ الْحَاضِرَةِ فَيُقَدِّمَهُ عَلَى الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ فَوْرِيًّا؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهَا لَا يُعَدُّ تَقْصِيرًا

(قَوْلُهُ: وَقَبِلَهُ مِنْهُ) أَيْ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: خَالَفَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ) أَيْ فَجَعَلَ الضِّيَافَةَ كَالصَّدَقَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ا. هـ. شَيْخُنَا زِيَادِيٌّ (قَوْلُهُ: إمْسَاكُ الْفَضْلِ) اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِالْفَاضِلِ الَّذِي يُكْرَهُ إمْسَاكُهُ، وَمَا الْمُرَادُ بِالْفَاضِلِ الَّذِي يُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ بِهِ إنْ صَبَرَ، وَيُكْرَهُ إنْ لَمْ يَصْبِرْ، وَلِعِلَّةٍ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَبَحَثَ غَيْرُهُ إلَخْ إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْفَاضِلَ هُوَ غَيْرُ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ الْفَضْلِ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاقِي) هُوَ غَيْرُ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَقُوتِ عِيَالِهِ سَنَةً) أَيْ مَا لَمْ يَشْتَدَّ الضَّرَرُ وَإِلَّا أَجْبَرَهُ عَلَى بَيْعِ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ النَّاجِزَةِ (قَوْلُهُ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الرَّوْضَةِ إلَخْ) أَيْ فِي الْحَيْضِ فَلْيُرَاجَعْ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ:: كَهَذَا الْحَدِيثِ) قَالَ فِي التُّحْفَةِ مَعَ خَبَرِ أَبِي بَكْرٍ.
اهـ. فَلَعَلَّ هَذَا سَقَطَ مِنْ الْكَتَبَةِ أَيْضًا فِي الشَّارِحِ فَلْتُرَاجَعْ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ.

الْمُوَاسَاةُ بِمَا زَادَ عَلَى كِفَايَةِ سَنَةٍ، وَيُسَنُّ التَّصَدُّقُ عَقِبَ كُلِّ مَعْصِيَةٍ كَمَا قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ، وَمِنْهُ التَّصَدُّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ، وَيُسَنُّ لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا التَّصَدُّقُ بِالْقَدِيمِ وَهَلْ قَبُولُ الزَّكَاةِ لِلْمُحْتَاجِ أَفْضَلُ مِنْ قَبُولِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَوْ لَا؟ وَجْهَانِ، رَجَّحَ الْأَوَّلَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ الْمُقْرِي؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى وَاجِبٍ؛ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا مِنَّةَ فِيهَا، وَرَجَّحَ الثَّانِيَ آخَرُونَ، وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي الرَّوْضَةِ وَاحِدًا مِنْهُمَا، ثُمَّ قَالَ عَقِبَ ذَلِكَ: قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِالْأَشْخَاصِ فَإِنْ عَرَضَ لَهُ شُبْهَةٌ فِي اسْتِحْقَاقِهِ لَمْ يَأْخُذْ الزَّكَاةَ وَإِنْ قَطَعَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُتَصَدِّقُ إنْ لَمْ يَأْخُذْ هَذَا مِنْهُ لَا يَتَصَدَّقُ فَلْيَأْخُذْهَا فَإِنَّ إخْرَاجَ الزَّكَاةَ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهَا وَلَمْ يَضِقْ بِالزَّكَاةِ تَخَيَّرَ وَأَخْذُهَا أَشَدُّ فِي كَسِرِّ النَّفْسِ اهـ: أَيْ فَهُوَ حِينَئِذٍ أَفْضَلُ.

كِتَابُ النِّكَاحِ هُوَ لُغَةً: الضَّمُّ وَالْوَطْءُ، وَشَرْعًا: عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ إبَاحَةَ وَطْءٍ بِاللَّفْظِ الْآتِي، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ لِصِحَّةِ نَفْيِهِ عَنْهُ وَلِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهِ، وَيُكَنَّى بِهِ عَنْ الْعَقْدِ لِاسْتِقْبَاحِ ذِكْرِهِ كَفِعْلِهِ وَإِرَادَتِهِ فِي ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] دَلَّ عَلَيْهَا خَبَرُ «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» وَقِيلَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا فَلَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ حَنِثَ بِالْعَقْدِ،

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَطَعَ بِهِ) أَيْ الِاسْتِحْقَاقِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَضِقْ بِالزَّكَاةِ) أَيْ لَمْ يَضِقْ بِأَخْذِهِ مِنْهَا عَلَى أَهْلِ الزَّكَاةِ.

كِتَابُ النِّكَاحِ (قَوْلُهُ: بِاللَّفْظِ الْآتِي) أَيْ وَهُوَ الْإِنْكَاحُ وَالتَّزْوِيجُ، وَمَا اُشْتُقَّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ لِصِحَّةِ إلَخْ) أَيْ وَذَلِكَ عَلَامَةُ الْمَجَازِ كَقَوْلِك فِي الْبَلِيدِ لَيْسَ حِمَارًا وَقَوْلُهُ: نَفْيُهُ أَيْ النِّكَاحِ وَقَوْلُهُ: عَنْهُ أَيْ الْوَطْءِ (قَوْلُهُ: وَلِاسْتِحَالَةِ إلَخْ) هَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ.
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا فَلَا؛ لِأَنَّهُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى هَذَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهِ) أَيْ الْوَطْءِ (قَوْلُهُ: وَيُكَنَّى بِهِ) الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَقَوْلُهُ: لِاسْتِقْبَاحِ ذِكْرِهِ: أَيْ النِّكَاحِ: وَقَوْلُهُ: كَفِعْلِهِ وَالْأَقْبَحُ لَا يُكَنَّى بِهِ عَنْ غَيْرِهِ اهـ حَجّ.
وَقَوْلُهُ: وَإِرَادَتِهِ: أَيْ الْوَطْءِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ حَلَفَ) مُفَرَّعٌ عَلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْعَقْدِ (قَوْلُهُ: حَنِثَ بِالْعَقْدِ) لَا الْوَطْءِ إلَّا إذَا نَوَاهُ.
ا. هـ شَيْخُنَا زِيَادِيٌّ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ ظَاهِرًا، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ شُهْرَتُهُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مَجَازًا فَلْيُرَاجَعْ ثُمَّ قَضِيَّةُ قَوْلِهِ إنْ نَوَاهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِهِ حَيْثُ لَا نِيَّةَ وَإِنْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى إرَادَتِهِ كَأَنْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ زَوْجَتَهُ وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ عَمَلًا بِالْقَرِينَةِ

[حاشية الرشيدي]

[كِتَابُ النِّكَاحِ]

ِ (قَوْلُهُ: إبَاحَةُ وَطْءٍ) فِيهِ ذَهَابٌ إلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ الْآتِيَيْنِ أَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ إبَاحَةٍ أَوْ تَمْلِيكٍ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: لِصِحَّةِ نَفْيِهِ عَنْهُ) أَيْ وَصِحَّةُ النَّفْيِ دَلِيلُ الْمَجَازِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا لَا يُسَلِّمُهُ الْخَصْمُ (قَوْلُهُ: وَلِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ إلَخْ) أَيْ عُرْفًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: لِاسْتِقْبَاحِ ذِكْرِهِ كَفِعْلِهِ) أَيْ وَالْأَقْبَحُ لَا يُكَنَّى بِهِ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ حَجّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ لِاسْتِقْبَاحِ أَنَّ إلَخْ عِلَّةٌ لِلِاسْتِحَالَةِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا) وَقِيلَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ، وَلَعَلَّ، الْكَتَبَةَ أَسْقَطَتْهُ مِنْ الشَّارِحِ إذْ هُوَ فِي التُّحْفَةِ الَّتِي مَا هُنَا مَنْقُولٌ مِنْهَا (قَوْلُهُ: فَلَوْ حَلَفَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَوَّلِ

وَلَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ لَمْ تَثْبُتْ مُصَاهَرَةٌ، وَقَدْ بَلَّغَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أَسْمَاءَهُ أَلْفًا وَأَرْبَعِينَ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ الْكَثِيرَةُ، وَفَائِدَتُهُ حِفْظُ النَّسْلِ وَتَفْرِيغُ مَا يَضُرُّ حَبْسُهُ وَاسْتِيفَاءُ اللَّذَّةِ وَالتَّمَتُّعِ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي فِي الْجَنَّةِ، وَهَلْ هُوَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ أَوْ إبَاحَةٍ؟ وَجْهَانِ يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَلَهُ زَوْجَةٌ وَالْأَصَحُّ لَا حِنْثَ حَيْثُ لَا نِيَّةَ، وَعَلَى الْأَصَحِّ الْأَوَّلُ فَهُوَ مَالِكٌ؛ لَأَنْ يَنْتَفِعَ لَا لِلْمَنْفَعَةِ، فَلَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَالْمَهْرُ لَهَا اتِّفَاقًا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ، وَقَدْ افْتَتَحَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ بِذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ ذِكْرُهَا مُسْتَحَبٌّ لِئَلَّا يَرَاهَا جَاهِلٌ فَيَعْمَلُ بِهَا.
وَلِنَذْكُرْ طَرَفًا مِنْهَا عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ فَنَقُولُ: هِيَ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا الْوَاجِبَاتُ كَالضُّحَى وَالْوِتْرِ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَلَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ لَا يُسَمَّى نِكَاحًا وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ حَيْثُ أُطْلِقَ حُمِلَ عَلَى الْعَقْد إلَّا بِقَرِينَةٍ فَنَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: 22] مَعْنَاهُ: لَا تَنْكِحُوا مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا آبَاؤُكُمْ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ مَنْ زَنَى بِهَا أَبُوهُ لَا تَحْرُمُ (قَوْلُهُ: وَالْأَخْبَارُ الْكَثِيرَةُ) قَالَ حَجّ: وَقَدْ جَمَعْتهَا فَزَادَتْ عَلَى الْمِائَةِ بِكَثِيرٍ فِي تَصْنِيفٍ سَمَّيْته الْإِفْصَاحَ عَنْ أَحَادِيثِ النِّكَاحِ اهـ (قَوْلُهُ: وَهَذِهِ) أَيْ اسْتِيفَاءُ اللَّذَّةِ (قَوْلُهُ: أَوْ إبَاحَةٌ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ) مُسْتَأْنَفٌ، وَقَوْلُهُ: وَطْؤُهَا: أَيْ وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا، فَلَوْ عَلِمَ زِنَاهَا لَوْ لَمْ يَطَأْ فَالْقِيَاسُ وُجُوبُ الْوَطْءِ دَفْعًا لِهَذِهِ الْمَفْسَدَةِ لَا لِكَوْنِهِ حَقًّا لَهَا (قَوْلُهُ: مِنْ خَصَائِصِهِ) وَخَصَائِصُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِسْمَانِ: مِنْهَا مَا اخْتَصَّ بِهِ عَلَى أُمَّتِهِ وَإِنْ شَارَكَهُ غَيْرُ أُمَّتِهِ فِيهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمِنْهَا مَا اخْتَصَّ بِهِ عَنْ سَائِرِ الْخَلْقِ فَلَا يَنْتَقِضُ عَدُّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْخَصَائِصِ بِأَنَّ فِيهَا مَا شَارَكَ فِيهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُهُ (قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَرَاهَا) عِلَّةً لِاسْتِحْبَابِ ذِكْرِهَا، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ نَفَى الْفَائِدَةَ فِي ذِكْرِهَا الْآنَ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ ذِكْرُهَا مَعَ التَّوَهُّمِ الْمَذْكُورِ.
لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقَ الْوُقُوعَ فِيهِ سِيَّمَا وَالْجَاهِلُ لَا يَسْتَقِلُّ بِأَخْذِ الْحُكْمِ مِنْ الْكُتُبِ بَلْ يَبْحَثُ عَنْهَا، وَيَسْأَلُ الْعَالِمَ بِهَا (قَوْلُهُ: كَالضُّحَى) وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَقَلُّ الضُّحَى لَا أَكْثَرُهُ، وَقِيَاسُهُ فِي الْوِتْرِ كَذَلِكَ اهـ خَطِيبٌ عَلَى الْبَهْجَةِ.
أَقُولُ: قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ رَكْعَةً وَاحِدَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ثَلَاثَةٌ، وَيُحْمَلُ الْأَقَلُّ فِي حَقِّهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوِتْرِ عَلَى أَدْنَى الْكَمَالِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الضُّحَى

[حاشية الرشيدي]

وَقَوْلُهُ وَلَوْ زَنَى إلَخْ تَفْرِيعٌ ثَانٍ (وَقَوْلُهُ هَذِهِ) يَعْنِي اسْتِيفَاءَ اللَّذَّةِ وَالتَّمَتُّعِ إذْ الْعَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ لَا حِنْثَ) أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إبَاحَةٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الشِّهَابِ حَجّ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ سِيَاقُهُ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ فِي تَصْحِيحِهِ كَانَهُ اسْتِرْوَاحٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَعَلَى الْأَصَحِّ الْأَوَّلُ فَهُوَ مَالِكٌ لَأَنْ يَنْتَفِعَ إلَخْ، إذْ هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْمُرَادِ مِنْ الْمِلْكِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ، وَهُوَ تَابِعٌ فِي هَذَا التَّصْحِيحِ لِوَالِدِهِ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَعِبَارَةُ الشِّهَابِ حَجّ: وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ مَالِكٌ إلَخْ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صَحَّحَ مُقَابِلَهُ كَمَا سَبَقَ (قَوْلُهُ: إذْ ذِكْرُهَا مُسْتَحَبٌّ) يُقَالُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ بَاقٍ عَنْ حِكْمَةِ ذِكْرِهَا هُنَا بِالْخُصُوصِ الَّذِي هُوَ الْمُدَّعَى، وَقَوْلُهُ لِئَلَّا يَرَاهَا جَاهِلٌ إلَخْ هَذَا فِي الرَّوْضَةِ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ ذِكْرِهَا لَا لِاسْتِحْبَابِهِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ: وَابْتَدَأَ النَّاظِمُ كَجَمَاعَةِ الْبَابِ بِذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهَا فِي النِّكَاحِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: مَنَعَ ابْنُ خَيْرَانَ الْكَلَامَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ انْقَضَى فَلَا مَعْنَى لِلْكَلَامِ فِيهِ.
وَقَالَ سَائِرُ الْأَصْحَابِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْعِلْمِ.
قَالَ: وَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِجَوَازِهِ بَلْ اسْتِحْبَابِهِ، بَلْ لَا يَبْعُدُ وُجُوبُهُ لِئَلَّا يَرَى جَاهِلٌ بَعْضَ الْخَصَائِصِ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ فَيَعْمَلُ بِهَا أَخْذًا بِأَصْلِ التَّأَسِّي فَوَجَبَ بَيَانُهَا لِتُعْرَفَ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ أَهَمُّ مِنْ هَذِهِ؟ وَأَمَّا مَا يَقَعُ فِي ضِمْنِ الْخَصَائِصِ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ الْيَوْمَ فَقَلِيلٌ لَا تَخْلُو أَبْوَابُ الْفِقْهِ عَنْ مِثْلِهِ لِلتَّدَرُّبِ وَمَعْرِفَةِ الْأَدِلَّةِ وَتَحْقِيقِ الشَّيْءِ

وَالْأُضْحِيَّةِ وَالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَالْمُشَاوَرَةِ وَتَغْيِيرِ مُنْكَرٍ رَآهُ وَإِنْ خَافَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ فَاعِلَهُ يَزِيدُ فِيهِ عِنَادًا خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ وَمُصَابَرَةِ الْعَدُوِّ وَإِنْ كَثُرَ وَقَضَاءِ دَيْنِ مُسْلِمٍ مَاتَ مُعْسِرًا، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الْقَضَاءُ مِنْ الْمَصَالِحِ وَتَخْيِيرُ نِسَائِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْجَوَابُ فَوْرًا فَلَوْ اخْتَارَتْهُ وَاحِدَةٌ لَمْ يَحْرُمْ طَلَاقُهَا أَوْ كَرِهَتْهُ تَوَقَّفَتْ الْفُرْقَةُ عَلَى الطَّلَاقِ، وَقَوْلُهَا اخْتَرْت نَفْسِي لَيْسَ طَلَاقًا فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ، وَالْأَوْجَهُ جَوَازُ تَزَوُّجِهِ بِهَا بَعْدَ فِرَاقِهَا وَنُسِخَ وُجُوبُ التَّهَجُّدِ عَلَيْهِ لَا الْوِتْرَ.
الثَّانِي الْمُحَرَّمَاتُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَصَدَقَةٍ وَتَعَلُّمِ خَطٍّ وَشِعْرٍ لَا أَكْلِ نَحْوِ ثُومٍ أَوْ مُتَّكِئًا، وَيَحْرُمُ نَزْعُ لَأْمَتِهِ قَبْلَ قِتَالِ عَدُوٍّ دَعَتْ لَهُ حَاجَةٌ وَمَدُّ الْعَيْنِ إلَى مَتَاعِ النَّاسِ، وَخَائِنَةُ الْأَعْيُنِ، وَهِيَ الْإِيمَاءُ بِمَا يُظْهِرُ خِلَافَهُ مِنْ مُبَاحٍ دُونَ الْخَدِيعَةِ فِي الْحَرْبِ، وَإِمْسَاكُ مَنْ كَرِهَتْ نِكَاحَهُ وَلَوْ أَمَةً فَيَجِبُ إخْرَاجُهَا عَنْ مِلْكٍ، وَنِكَاحُ كِتَابِيَّةٍ لَا التَّسَرِّي بِهَا، وَنِكَاحُ الْأَمَةِ، وَلَوْ مُسْلِمَةً، وَالْمَنُّ لِيَسْتَكْثِرَ.
الثَّالِثُ التَّخْفِيفَاتُ وَالْمُبَاحَاتُ لَهُ وَهِيَ نِكَاحُ تِسْعٍ وَحَرُمَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِنَّ ثُمَّ نُسِخَ، وَيَنْعَقِدُ نِكَاحُهُ مُحْرِمًا وَعَلَى مُحْرِمَةٍ وَبِلَا وَلِيٍّ وَشُهُودٍ وَبِلَفْظِ الْهِبَةِ إيجَابًا وَقَبُولًا، وَلَا مَهْرَ لِلْوَاهِبَةِ لَهُ وَإِنْ دَخَلَ بِهَا، وَيَجِبُ إجَابَتُهُ عَلَى امْرَأَةٍ رَغِبَ فِيهَا وَعَلَى زَوْجِهَا طَلَاقُهَا، وَلَهُ تَزْوِيجُ مَنْ شَاءَ لِمَنْ شَاءَ وَلَوْ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ مُتَوَلِّيًا لِلطَّرَفَيْنِ، وَيُزَوِّجُهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأُبِيحَ لَهُ الْوِصَالُ

[حاشية الشبراملسي]

بِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الرَّكْعَةِ فِي الْوِتْرِ خِلَافُ الْأَوْلَى أَوْ مَكْرُوهٌ، وَلَا كَذَلِكَ رَكْعَتَا الضُّحَى (قَوْلُهُ: وَالسِّوَاكُ لِكُلِّ صَلَاةٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ نَفْلًا (قَوْلُهُ: وَالْمُشَاوَرَةِ) أَيْ لِأَصْحَابِهِ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ) صَرَّحَ بِهِ رَدًّا عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَتَخْيِيرُ نِسَائِهِ) أَيْ، وَذَلِكَ وَقْتَ نُزُولِ الْأَمْرِ بِهِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ الْجَوَابُ) أَيْ مِنْ الْمَرْأَةِ لِحُصُولِ الْفُرْقَةِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ اخْتَارَتْهُ) أَيْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: لَمْ يَحْرُمْ طَلَاقُهَا) أَيْ بَعْدَ اخْتِيَارِهَا لَهُ (قَوْلُهُ: بَعْدَ فِرَاقِهَا) أَيْ حَيْثُ كَانَ دُونَ الثَّلَاثِ، أَمَّا لَوْ كَانَ بِهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ نِكَاحُهُ لَهَا لِانْتِفَاءِ الْمُحَلَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ زَوْجَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَالٍ، وَإِبَاحَةُ نِكَاحِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الثَّلَاثِ لَمْ يَثْبُتْ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: كَصَدَقَةٍ) أَيْ لِمَا فِيهَا مِنْ الذُّلِّ وَمِنْ الصَّدَقَةِ الْوَقْفُ وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا وُقِفَ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ فَلَا يَصِحُّ، وَمَا وُقِفَ عَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَإِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْمُسَامَحَةِ مِنْهُ كَالشُّرْبِ مِنْ السِّقَايَاتِ وَالْوُضُوءِ مِنْ الْمَاءِ الْمُسَبَّلِ لَهُ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَدَارِسَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَى مَدَارِسَ خَاصَّةٍ يَجُوزُ لِغَيْرِ مَنْ وُقِفَتْ عَلَيْهِ دُخُولُهَا وَالشُّرْبُ وَالطَّهَارَةُ مِنْ مَائِهَا وَالْجُلُوسُ فِيهَا وَالنَّوْمُ حَيْثُ لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى أَهْلِهَا لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِالْمُسَامَحَةِ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ: وَتَعَلُّمِ خَطٍّ) لِجَرِّهِ لِقُوَّةِ شُبْهَةِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَنَّهُ يَنْقُلُ الْأَخْبَارَ مِنْ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ مُتَّكِئًا) أَيْ أَوْ أَكْلُهُ مُتَّكِئًا (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ نَزْعُ لَأْمَتِهِ) أَيْ سِلَاحِهِ عَنْ بَدَنِهِ (قَوْلُهُ: وَمَدِّ الْعَيْنِ) أَيْ بِأَنْ يَوَدُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَنِكَاحِ كِتَابِيَّةٍ) أَيْ بِعَقْدٍ (قَوْلُهُ: ثُمَّ نُسِخَ) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُتَّفَقْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَادَ عَلَيْهِنَّ، وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي النَّسْخِ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَفْعَلْ أَنْ تَكُونَ لَهُ الْمِنَّةُ عَلَى زَوْجَاتِهِ بِعَدَمِ التَّزَوُّجِ عَلَيْهِنَّ مَعَ إبَاحَتِهِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: إيجَابًا وَقَبُولًا) وَفِي نُسْخَةٍ: لَا قَبُولًا، وَمَا فِي الْأَصْلِ هُوَ الصَّوَابُ (قَوْلُهُ: وَعَلَى زَوْجِهَا) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَأُبِيحَ لَهُ الْوِصَالُ) أَيْ التَّوَالِي بَيْنَ الصَّوْمَيْنِ

[حاشية الرشيدي]

عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ: وَإِمْسَاكُ مَنْ كَرِهَتْ نِكَاحَهُ) الظَّاهِرُ مَا دَامَتْ كَارِهَةً أَخْذًا مِمَّا مَرَّ مِنْ جَوَازِ تَزَوُّجِهِ لَهَا بَعْدَ فِرَاقِهَا فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَهِيَ نِكَاحُ تِسْعٍ) اُنْظُرْ هَلْ الْحَصْرُ فِي هَذَا كَاَلَّذِي بَعْدَهُ دُونَ مَا قَبْلَهَا مُرَادٌ أَمْ لَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا فِي الْخَصَائِصِ هُوَ عِبَارَةُ مَتْنِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: إيجَابًا) أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ [الأحزاب: 50] الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ لَا قَبُولًا: أَيْ بَلْ يَجِبُ لَفْظُ النِّكَاحِ أَوْ التَّزَوُّجِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: 50] كَذَا

وَصَفِيُّ الْمَغْنَمِ وَخُمُسُ الْخُمُسِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ، وَيَقْضِي بِعِلْمِهِ وَيَحْكُمُ وَيَشْهَدُ لِنَفْسِهِ وَفَرْعِهِ وَعَلَى عَدُوِّهِ وَيَحْمِي لِنَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ، وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِمَا ادَّعَاهُ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ مِنْ شَهِدَ لَهُ، وَلَهُ أَخْذُ طَعَامِ غَيْرِهِ إنْ احْتَاجَهُ، وَيَجِبُ إعْطَاؤُهُ لَهُ وَبَذْلُ النَّفْسِ دُونَهُ، وَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ بِالنَّوْمِ، وَمَنْ شَتَمَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لَعَنَهُ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ قُرْبَةً وَمُعْظَمُ هَذِهِ الْمُبَاحَاتِ لَمْ يَفْعَلْهُ، الرَّابِعُ: الْفَضَائِلُ وَالْإِكْرَامُ، وَهِيَ تَحْرِيمُ زَوْجَاتِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ مُطَلَّقَاتٍ وَمُخْتَارَاتٍ فِرَاقَهُ وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَسَرَارِي، وَتَفْضِيلُ نِسَائِهِ عَلَى سَائِرِ النِّسَاءِ وَثَوَابُهُنَّ وَعِقَابُهُنَّ مُضَاعَفٌ وَهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ إكْرَامًا فَقَطْ كَهُوَ فِي الْأُبُوَّةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَتَحْرِيمُ سُؤَالِهِنَّ إلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَفْضَلُ نِسَاءِ الْعَالَمِ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ ثُمَّ فَاطِمَةُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ خَدِيجَةُ، وَمَنْ فَضَّلَهَا عَلَى ابْنَتِهَا فَمِنْ حَيْثُ الْأُمُومَةُ ثُمَّ عَائِشَةُ كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقَّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ، وَأُمَّتُهُ خَيْرُ الْأُمَمِ مَعْصُومَةٌ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَصُفُوفُهُمْ كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ وَشَرِيعَتُهُ مُؤَيِّدَةٌ نَاسِخَةٌ لِغَيْرِهَا، وَمُعْجِزَتُهُ بَاقِيَةٌ وَهِيَ الْقُرْآنُ، وَنُصِرَ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لَهُ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرَابُهَا طَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لَهُ الْغَنَائِمُ وَلَمْ يُورَثْ، وَتَرِكَتُهُ صَدَقَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأُكْرِمَ بِالشَّفَاعَاتِ الْخَمْسِ، وَخُصَّ بِالْعُظْمَى، وَدُخُولِ خَلْقٍ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَأُرْسِلَ إلَى الْإِنْسِ

[حاشية الشبراملسي]

بِلَا مُفْطِرٍ.
(قَوْلُهُ: وَصَفِيُّ الْمَغْنَمِ) أَيْ بِأَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ مَا شَاءَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَيَقْضِي بِعِلْمِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْعِلْمِ مِنْ خَصَائِصِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ ثَابِتٌ بِلَا شَرْطٍ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَلَهُ شُرُوطٌ عِنْدَ مَنْ جَوَّزَهُ (قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ لَهُ الشَّهَادَةُ) أَيْ مِنْ الْغَيْرِ لَهُ: أَيْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا ادَّعَاهُ، وَقَوْلُهُ: وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ: أَيْ مِنْ غَيْرِ تَزْكِيَةٍ وَمِنْ غَيْرِ ضَمِّ شَاهِدٍ آخَرَ لَهُ (قَوْلُهُ: إنْ احْتَاجَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْغَيْرُ، وَلَوْ قَالَ وَإِنْ احْتَاجَهُ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ الْحَالَةُ الَّتِي يُفَارِقُ فِيهَا غَيْرَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ لَعَنَهُ) أَيْ بِأَنْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ اللَّهُ فُلَانًا إلَخْ (قَوْلُهُ: جَعَلَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ الْمَشْتُومِ وَالْمَلْعُونِ وَلَعَلَّهُ مَفْرُوضٌ فِي الْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ: وَهِيَ تَحْرِيمُ زَوْجَاتِهِ عَلَى غَيْرِهِ) نَقَلَ الْقُضَاعِيُّ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ تَزْوِيجُ نِسَاءِ أَنْبِيَائِهِمْ اهـ ابْنُ شَرَفٍ عَلَى التَّحْرِيرِ، وَلَا يُرَدُّ ذَلِكَ عَلَى الشَّارِحِ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِي غَيْرِهَا مِنْ الْخَصَائِص امْتِيَازُهُ بِذَلِكَ عَنْ أُمَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ) فِي إدْخَالِهِنَّ فِي الزَّوْجَاتِ تَسَمُّحٌ (قَوْلُهُ: إكْرَامًا فَقَطْ) أَيْ دُونَ جَوَازِ النَّظَرِ لَهُنَّ وَعَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِلَمْسِهِنَّ وَغَيْرِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَتَحْرِيمُ سُؤَالِهِنَّ) أَيْ عَنْ شَيْءٍ مَا (قَوْلُهُ: إلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) أَيْ كَكَوْنِهِنَّ وَرَاءَ بَابٍ أَوْ سِتَارَةٍ أَوْ جِدَارٍ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ فَاطِمَةُ) وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: فُضْلَى النِّسَا بِنْتُ عِمْرَانَ فَفَاطِمَةُ ... فَأُمُّهَا ثُمَّ مَنْ قَدْ بَرَّأَ اللَّهُ وَقَوْلُ النَّاظِمِ: فَأُمُّهَا: أَيْ خَدِيجَةُ، وَقَوْلُهُ: أَيْضًا: مَنْ قَدْ بَرَّأَ اللَّهُ: أَيْ عَائِشَةَ (قَوْلُهُ: لَا تَجْتَمِعُ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِلْعِصْمَةِ (قَوْلُهُ: وَصُفُوفُهُمْ) أَيْ فِي صَلَاتِهِمْ حَيْثُ فُعِلَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُمْ (قَوْلُهُ: وَشَرِيعَتُهُ مُؤَيَّدَةٌ) أَيْ بِالْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُورَثْ) وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَعَدَّهَا مِنْ الْخُصُوصِيَّاتِ بِالنَّظَرِ لِأُمَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَخُصَّ بِالْعُظْمَى) وَهِيَ الشَّفَاعَةُ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ: أَيْ الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى يُذْهَبَ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ إلَيْهَا وَبِأَهْلِ النَّارِ إلَيْهَا

[حاشية الرشيدي]

فِي شَرْحِ الرَّوْضِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، فَسَقَطَ مَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مِنْ تَصْوِيبِ مَا وَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ قَوْلِهِ إيجَابًا وَقَبُولًا بِالْوَاوِ لَا بِالنَّفْيِ، وَلَمْ أَدْرِ مِنْ أَيْنَ هَذَا التَّصْوِيبُ (قَوْلُهُ: وَيَقْضِي بِعِلْمِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَلَوْ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا خِلَافٍ.
اهـ. أَيْ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّ فِي قَضَائِهِ بِهِ خِلَافًا، وَعَلَى جَوَازِهِ فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ حُدُودِهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ: إلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) أَيْ سَاتِرٍ لِشَخْصِهِنَّ كَجِدَارٍ (قَوْلُهُ: وَأَفْضَلُ نِسَاءِ الْعَالِمِينَ مَرْيَمُ) هَذَا لَا دَخْلَ لَهُ

وَالْجِنِّ لَا الْمَلَائِكَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ أَتْبَاعًا، وَكَانَ لَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَيَرَى مِنْ خَلْفِهِ وَتَطَوُّعُهُ قَاعِدًا كَقَائِمٍ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ خَاطَبَهُ بِالسَّلَامِ وَيَحْرُمُ رَفْعُ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِهِ، وَنِدَاؤُهُ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ وَبِاسْمِهِ، وَالتَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ مُطْلَقًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَتَجِبُ إجَابَتُهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا تَبْطُلُ بِهَا وَلَوْ فِعْلًا كَثِيرًا كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَشَمِلَهُ كَلَامُهُمَا، وَكَانَ يُتَبَرَّكُ وَيُسْتَشْفَى بِبَوْلِهِ وَدَمِهِ، وَمَنْ زَنَى بِحَضْرَتِهِ أَوْ اسْتَخَفَّ بِهِ كَفَرَ، وَإِنْ نَظَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الزِّنَا، وَأَوْلَادُ بَنَاتِهِ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ، وَتَحِلُّ لَهُ الْهَدِيَّةُ مُطْلَقًا، وَأُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَكَانَ يُؤْخَذُ عَنْ الدُّنْيَا عِنْدَ الْوَحْيِ مَعَ بَقَاءِ التَّكْلِيفِ، وَلَا يَجُوزُ الْجُنُونُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ وَلَا الِاحْتِلَامُ، وَرُؤْيَتُهُ فِي النَّوْمِ حَقٌّ وَلَا يُعْمَلُ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ لِعَدَمِ ضَبْطِ النَّائِمِ، وَلَا تَأْكُلُ الْأَرْضُ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْكَذِبُ عَلَيْهِ عَمْدًا كَبِيرَةٌ، وَنَبَعَ الْمَاءُ الطَّهُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَصَلَّ بِالْأَنْبِيَاءِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَكَانَ أَبْيَضَ الْإِبْطِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ، وَيَبْلُغُهُ سَلَامُ النَّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ بِالْأَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ إذَا مَشَى فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَا يَظْهَرُ لَهُ ظِلٌّ، وَلَا يَقَعُ مِنْهُ إيلَاءٌ وَلَا ظِهَارٌ، وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ لِعَانٌ.
وَنَقَلَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الذُّبَابُ وَلَا يَمْتَصُّ دَمَهُ الْبَعُوضُ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ صَلَّى فِيهِ وَضُبِطَ مَوْقِفُهُ امْتَنَعَ فِيهِ الِاجْتِهَادُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، وَوُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَعُرِضَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْخَلْقِ مِنْ آدَمَ إلَى مَنْ بَعْدَهُ كَمَا قَالَهُ فِي الذَّخَائِرِ، وَكَانَ لَا يَتَثَاءَبُ وَلَا يَظْهَرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِنْ الْغَائِطِ بَلْ تَبْتَلِعُهُ الْأَرْضُ كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ، وَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حَرَجٌ فِي حُكْمِهِ عَلَيْهِ يَكْفُرُ بِهِ.
قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ بَلْ صَلَّى النَّاسُ أَفْرَادًا (هُوَ) أَيْ النِّكَاحُ بِمَعْنَى التَّزَوُّجِ: أَيْ تَأَهُّلُهُ بِزَوْجَةٍ (مُسْتَحَبٌّ لِمُحْتَاجٍ إلَيْهِ) أَيْ تَائِقٌ لَهُ بِتَوَقَانِهِ لِلْوَطْءِ (يَجِدُ أُهْبَتَهُ) مِنْ مَهْرٍ وَكِسْوَةٍ فَصْلُ التَّمْكِينِ وَنَفَقَةِ يَوْمِهِ وَلَوْ خَصِيًّا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْإِحْيَاءِ أَوْ مُشْتَغِلًا بِالْعِبَادَةِ لِلْخَبَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: لَا الْمَلَائِكَةِ) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ أَتْبَاعًا) أَيْ وَهُمْ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ (قَوْلُهُ: وَيَرَى مِنْ خَلْفِهِ) أَيْ حَقِيقَةً (قَوْلُهُ: وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ خَاطَبَهُ) أَيْ بِالسَّلَامِ وَلَا غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَبِاسْمِهِ) أَيْ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدِهَا (قَوْلُهُ: وَالتَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ) أَيْ وَلَوْ سُمِّيَ بِهَا شَخْصُ ابْتِدَاءً كَأَبِي الْقَاسِمِ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ أَكَانَ اسْمُهُ مُحَمَّدًا أَمْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ فِي زَمَنِهِ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: وَمَنْ زَنَى بِحَضْرَتِهِ) أَيْ فِي حَيَاتِهِ (قَوْلُهُ: وَتَحِلُّ لَهُ الْهَدِيَّةُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمُهْدَى لَهُ فِي خُصُومَةٍ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: وَلَا الِاحْتِلَامِ) أَيْ النَّاشِئِ عَنْ رُؤْيَا مَنَامِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ، أَمَّا مُجَرَّدُ خُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ فَلَا يُمْتَنَعُ لِجَوَازِ كَوْنِهِ مِنْ امْتِلَاءِ أَوْعِيَةِ الْمَنِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَصَلَّى بِالْأَنْبِيَاءِ) أَيْ كَالصَّلَاةِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْإِسْرَاءِ فَلَا يُقَالُ الصَّلَاةُ لَمْ تَكُنْ فُرِضَتْ حِينَ صَلَّى بِالْأَنْبِيَاءِ (قَوْلُهُ: وَكَانَ أَبْيَضَ الْإِبْطِ) أَيْ بِلَا شَعْرٍ (قَوْلُهُ: وَيَبْلُغُهُ سَلَامُ النَّاسِ) أَيْ بِتَبْلِيغِ الْمَلَائِكَةِ وَلَوْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا مَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّهُ يَسْمَعُ صَلَاةَ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ بِلَا وَاسِطَةِ مَلَكٍ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ) أَيْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، قِيلَ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِغَيْرِهِ التَّقَدُّمُ لِلْإِمَامَةِ بِحَضْرَتِهِ تَعْظِيمًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَقَدُّمًا عَلَيْهِ لَكِنْ مُجَرَّدُ صُورَةِ تَقَدُّمٍ فَلَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ، وَقِيلَ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْخِلَافَةِ وَاسْتِقْرَارِهَا لِأَحَدٍ وَالْإِمَامَةُ إنَّمَا كَانَتْ لَهُ وَلِلْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَنَفَقَةِ يَوْمِهِ) أَيْ وَلَيْلَتِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ خَصِيًّا) أَخْذُهُ غَايَةً لِاحْتِمَالِ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إلَيْهِ لِقَطْعِ أَوْعِيَةِ الْمَنِيِّ

[حاشية الرشيدي]

فِي الْخَصَائِصِ وَلَعَلَّهُ ذَكَرَهُ تَتْمِيمًا (قَوْلُهُ: وَتَطَوُّعُهُ قَاعِدًا كَقَائِمٍ) أَيْ كَتَطَوُّعِهِ قَائِمًا (قَوْلُهُ: وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةٌ مَنْ خَاطِبِهِ بِالسَّلَامِ) أَيْ بِلَا طَلَبٍ مِنْهُ: أَيْ بِقَوْلِهِ فِي التَّشَهُّدِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ فِعْلًا) أَيْ إذَا كَانَتْ الْإِجَابَةُ مُتَوَقِّفَةً عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَتَحِلُّ لَهُ الْهَدِيَّةُ مُطْلَقًا) أَيْ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهُ (قَوْلُهُ: وَلَا يَقَعُ مِنْهُ إيلَاءٌ وَلَا ظِهَارٌ) أَيْ وَلَا يَصْدُرُ مِنْهُ ذَلِكَ لِحُرْمَتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يُقَالُ لَا حَاجَةَ لِتَخْصِيصِهِمَا بِالذِّكْرِ إذْ كُلُّ الْمُحَرَّمَاتِ

«يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ» وَالْبَاءَةُ بِالْمَدِّ لُغَةً: الْجِمَاعُ، وَالْمُرَادُ هُوَ مَعَ الْمُؤْنَةِ لِرِوَايَةِ «مِنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا طَوْلٍ فَلْيَتَزَوَّجْ» وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْجِمَاعُ يُنَافِيهِ (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ) ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ لَا يَحْتَاجُ لِلصَّوْمِ، وَتَأْوِيلُهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَ بِقُدْرَتِهِ عَلَى الْمُؤَنِ إلَخْ بَعِيدٌ لَا ضَرُورَةَ بَلْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَلَمْ يَجِبْ مَعَ هَذَا الْأَمْرِ لِآيَةِ ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَلَالُ مِنْ النِّسَاءِ، وَأَيْضًا فَلَمْ يَأْخُذْ بِظَاهِرِهِ أَحَدٌ فَإِنَّ الَّذِي حَكَوْهُ قَوْلًا إنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِبَقَاءِ النَّسْلِ.
نَعَمْ لَوْ خَافَ الْعَنَتَ وَتَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ وَجَبَ، وَلَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ مُطْلَقًا وَإِنْ اُسْتُحِبَّ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ وُجُوبِهِ أَيْضًا فِيمَا لَوْ طَلَّقَ مَظْلُومَةً فِي الْقَسْمِ لِيُوَفِّيَهَا حَقَّهَا مِنْ نَوْبَةِ الْمَظْلُومِ لَهَا ظَاهِرٌ، وَإِنْ رُدَّ بِأَنَّ الطَّلَاقَ بِدْعِيٌّ، وَقَدْ صَرَّحُوا فِي الْبِدَعِ بِنَدْبِ الرَّجْعَةِ فِيهِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بِأَنَّ الذِّمَّةَ اُشْتُغِلَتْ فِيهَا بِحَقٍّ لَهَا فَوَجَبَ رَدُّهُ، وَيَجِبُ مَا يَكُونُ طَرِيقًا مُتَعَيِّنًا لَهُ، وَلَا كَذَلِكَ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ إذْ لَمْ يَسْتَقِرُّ لَهَا فِي ذِمَّتِهِ حَقٌّ تُطَالِبُهُ بِرَدِّهِ، وَمَنَعَ جَمْعٌ التَّسَرِّي فِي هَذَا الزَّمَنِ لِعَدَمِ التَّخْمِيسِ مَرْدُودٌ، كَمَا يَأْتِي بِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَّجِهُ فِيمَنْ تَحَقَّقَ أَنَّ سَابِيهَا مُسْلِمٌ لَا فِيمَنْ شَكَّ فِي سَابِيهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ، وَلَا فِيمَنْ تَحَقَّقَ أَنَّ سَابِيهَا كَافِرٌ مِنْ كَافِرٍ أَوْ اشْتَرَى خُمُسَ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ نَاظِرِهِ لِحِلِّهَا يَقِينًا، وَمَا نُقِلَ عَنْ النَّصِّ مِنْ عَدَمِ اسْتِحْبَابِ النِّكَاحِ مُطْلَقًا لِمَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ خَوْفًا عَلَى وَلَدِهِ مِنْ التَّدَيُّنِ بِدِينِهِمْ، وَالِاسْتِرْقَاقِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ الزِّنَا لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ، إذْ الْمَصْلَحَةُ الْمُحَقَّقَةُ النَّاجِزَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ.
وَالْأَوْجَهُ إلْحَاقُ التَّسَرِّي بِالنِّكَاحِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا عَلَّلَ بِهِ يَأْتِي فِيهِ وَالضَّمَائِرُ الثَّلَاثَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رَاجِعَةٌ كُلُّهَا لِلْعَقْدِ الْمُرَادِ بِهِ أَحَدُ طَرَفَيْهِ، وَهُوَ التَّزَوُّجُ: أَيْ قَبُولُ التَّزْوِيجِ وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ، وَمَا يُوهِمُهُ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ) خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ تَغْلِبُ عَلَيْهِمْ الشَّهْوَةُ وَإِلَّا فَمِثْلُهُمْ غَيْرُهُمْ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ هُوَ) أَيْ الْجِمَاعُ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَجِبْ) أَيْ التَّزَوُّجُ، وَقَوْلُهُ: مَعَ هَذَا الْأَمْرِ هُوَ قَوْلُهُ: فَلْيَتَزَوَّجْ (قَوْلُهُ: وَرُدَّ) أَيْ قَوْلُهُ: مَا طَابَ لَكُمْ (قَوْلُهُ: وَأَيْضًا فَلَمْ يَأْخُذْ إلَخْ) أَيْ فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ، نَعَمْ دَلَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ عَيْنًا الْإِجْمَاعُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَأَيْضًا إلَخْ.
وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فُرُوعِ الرَّدِّ بَلْ تَوْجِيهٌ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الَّذِي حَكَوْهُ) أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي حَكَوْهُ قَوْلًا أَوْ الْوُجُوبَ الَّذِي إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ احْتَاجَ إلَيْهِ أَمْ لَا تَاقَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ) أَيْ ابْنِ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ إلْحَاقُ التَّسَرِّي بِالنِّكَاحِ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي كَوْنِهِ لَا يُسَنُّ، وَقَضَيْتُهُ إبَاحَةُ كُلٍّ مِنْ النِّكَاحِ وَالتَّسَرِّي.
(قَوْلُهُ: وَمَا يُوهِمُهُ) أَيْ وَالْمَحْذُورُ الَّذِي

[حاشية الرشيدي]

كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: بَعِيدٌ لَا ضَرُورَةَ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ لَا بُعْدَ فِيهِ مَعَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى السَّابِقَةِ وَالرِّوَايَاتُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَأَمَّا الْقُدْرَةُ عَلَى الْجِمَاعِ فَهِيَ مَفْهُومَةٌ مِنْ لَفْظِ الشَّبَابِ (قَوْلُهُ: وَأَيْضًا فَلَمْ يَأْخُذْ بِظَاهِرِهِ أَحَدٌ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِآيَةِ ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] فَهُوَ جَوَابٌ ثَانٍ (قَوْلُهُ: وَإِنْ رُدَّ بِأَنَّ الطَّلَاقَ بِدْعِيٌّ إلَخْ) الرَّدُّ أَقَرَّهُ حَجّ لَكِنَّ عِبَارَتَهُ: وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا الطَّلَاقَ بِدْعِيٌّ، وَقَدْ صَرَّحُوا فِي الْبِدْعِيِّ بِأَنَّهُ لَا تَجِبُ فِيهِ الرَّجْعَةُ إلَّا أَنْ يُسْتَثْنَى هَذَا لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِدْرَاكِ ظُلَامَةِ الْآدَمِيِّ (قَوْلُهُ: أَوْ اشْتَرَى خُمُسَ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ نَاظِرِهِ) قَالَ الشِّهَابُ سم: يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْخُمُسِ الْبَاقِيَةَ مِنْ مُسْتَحِقِّيهَا أَوْ أَوْلِيَائِهِمْ.
اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِخُمُسِ بَيْتِ الْمَالِ مَا قَابَلَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَانِمِينَ الَّذِي يُخَمَّسُ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ لَا خُمُسُ الْخُمُسِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْعِبَارَةِ، وَأُضِيفَ لِبَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي جَمِيعِهِ لِلْإِمَامِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ فِي بَابِهِ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ مُسْتَحِقِّيهَا أَوْ أَوْلِيَائِهِمْ لَا يَصِحُّ إذْ لَا مُسْتَحِقَّ لَهَا مُعَيَّنٌ حَتَّى يَصِحَّ مِنْهُ التَّصَرُّفُ وَإِنَّمَا التَّصَرُّفُ لِلْإِمَامِ كَمَا سَبَقَ (قَوْلُهُ: وَمَا يُوهِمُهُ) هُوَ تَابِعٌ فِي هَذَا التَّعْبِيرِ لِحَجِّ، لَكِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلضَّمِيرِ

فِي إلَيْهِ يَرُدُّهُ قَوْلُنَا: أَيْ تَائِقٌ إلَيْهِ بِتَوَقَانِهِ لِلْوَطْءِ وَهَذَا مَجَازٌ مَشْهُورٌ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فَانْدَفَعَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهَا الْعَقْدَ أَوْ الْوَطْءَ لَمْ يَصِحَّ أَوْ بِهُوَ وَأَهُبَّتَهُ الْعَقْدَ وَبِإِلَيْهِ الْوَطْءَ صَحَّ لَكِنْ فِيهِ تَعَسُّفٌ (فَإِنْ فَقَدَهَا اُسْتُحِبَّ تَرْكُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: 33] الْآيَةَ وَعَبَّرَ الرَّافِعِيُّ وَالْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ الْأُولَى أَنْ لَا يَنْكِحَ، وَدَعْوَى أَنَّهَا دُونَ الْأُولَى فِي الطَّلَبِ مَرْدُودَةٌ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ يُكْرَهُ فِعْلُهُ، وَرُدَّ بِأَنَّ مُقْتَضَى الْخَبَرِ عَدَمُ طَلَبِ الْفِعْلِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْفِعْلِ بَلْ وَمِنْ طَلَبِ التَّرْكِ، وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ وَعَلَيْهِ كَثِيرُونَ لِآيَةِ ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾ [النور: 32] مَعَ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ «تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ يَأْتِينَكُمْ بِالْمَالِ» وَصَحَّ أَيْضًا «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعِينَهُمْ مِنْهُمْ النَّاكِحُ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَعْفِفَ» وَفِي مُرْسَلٍ «مَنْ تَرَكَ التَّزَوُّجَ مَخَافَةَ الْعَيْلَةِ فَلَيْسَ مِنَّا» وَحَمَلُوا الْأَمْرَ بِالِاسْتِعْفَافِ فِي الْآيَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَجِدْ زَوْجَةً وَلَا دَلَالَةَ لَهُمْ عِنْدَ التَّأَمُّلِ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْفَقْرِ وَإِتْيَانِهِنَّ بِالْمَالِ وَالْإِعَانَةِ وَخَوْفِ الْعَيْلَةِ عَدَمُ وُجْدَانِ الْأُهْبَةِ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ لَا سِيَّمَا.
وَدَلِيلُنَا «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» أَيْ قَاطِعٌ أَصَحُّ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذُكِرَ لَا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا (وَيَكْسِرُ) إرْشَادًا (شَهْوَتَهُ بِالصَّوْمِ) لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَكَوْنُهُ يُثِيرُ الْحَرَارَةَ وَالشَّهْوَةَ إنَّمَا هُوَ فِي ابْتِدَائِهِ، فَإِنْ لَمْ تَنْكَسِرْ بِهِ تَزَوَّجَ، وَلَا يَكْسِرُهَا بِنَحْرِ كَافِرٍ بَلْ يُكْرَه لَهُ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَنَقَلَهُ فِي الْمَطْلَبِ عَنْ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْخِصَاءِ إنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ الشَّهْوَةَ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يُفَتِّرُهَا فِي الْحَالِ، وَلَوْ أَرَادَ إعَادَتَهَا بِاسْتِعْمَالِ ضِدِّ الْأَدْوِيَةِ لَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ مِنْ الْحُرْمَةِ

[حاشية الشبراملسي]

يُوهِمُهُ (قَوْلُهُ: صَحَّ) أَيْ وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ اسْتِخْدَامًا (قَوْلُهُ: وَدَعْوَى أَنَّهَا) أَيْ قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَنْكِحَ وَقَوْلُهُ: دُونُ الْأَوْلَى أَيْ قَوْلُهُ: اُسْتُحِبَّ تَرْكُهُ (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا) وَهُوَ مُتَّجِهٌ إذْ الْمُتَبَادِرُ مِنْهُمَا وَاحِدٌ هُوَ الطَّلَبُ الْغَيْرُ الْجَازِمِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ تَأَكُّدٍ وَعَدَمِهِ.
ا. هـ ابْنُ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: وَحَمَلُوا الْأَمْرَ) أَيْ الْأَكْثَرُونَ (قَوْلُهُ: أَصَحُّ) أَصَحُّ خَبَرٍ قَوْلُهُ: وَدَلِيلُنَا (قَوْلُهُ: وَيَكْسِرُ إرْشَادًا) وَمَعَ ذَلِكَ يُثَابُ؛ لِأَنَّ الْإِرْشَادَ الرَّاجِعَ إلَى تَكْمِيلٍ شَرْعِيٍّ كَالْعِفَّةِ هُنَا كَالشَّرْعِيِّ خِلَافًا لِمَنْ أَخَذَ بِإِطْلَاقِ أَنَّ الْإِرْشَادَ نَحْوَ ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] لَا ثَوَابَ فِيهِ اهـ حَجّ.
وَهُوَ يُفِيدُ حَيْثُ رَجَعَ لِتَكْمِيلٍ شَرْعِيٍّ لَا يَحْتَاجُ لِقَصْدِ الِامْتِثَالِ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ لِذَلِكَ فَلَا ثَوَابَ فِيهِ، وَإِنْ قَصَدَ الِامْتِثَالَ، وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ فِي بَابِ الْمِيَاهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُكْرَهُ الْمُشَمَّسُ مَا نَصُّهُ: قَالَ السُّبْكِيُّ: التَّحْقِيقُ أَنَّ فَاعِلَ الْإِرْشَادِ لِمُجَرَّدِ غَرَضِهِ لَا يُثَابُ، وَمُجَرَّدُ الِامْتِثَالِ يُثَابُ، وَلَهُمَا يُثَابُ ثَوَابًا أَنْقَصُ مِنْ ثَوَابِ مَنْ مَحَّضَ قَصْدَ الِامْتِثَالِ.
ا. هـ (قَوْلُهُ: بِالصَّوْمِ) وَلَا دَخْلَ لِلصَّوْمِ فِي الْمَرْأَةِ (قَوْلُهُ: تَزَوَّجَ) أَيْ مَعَ الِاحْتِيَاجِ وَعَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ تَرْضَ الْمَرْأَةُ بِذِمَّتِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَهْرِ تُكَلَّفَهُ بِالِاقْتِرَاضِ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَكْسِرُهَا بِنَحْوِ كَافُورٍ إلَخْ) وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّسَبُّبِ فِي إلْقَاءِ النُّطْفَةِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا فِي الرَّحِمِ فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْزَدِيُّ يَجُوزُ إلْقَاءُ النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْإِحْيَاءِ فِي مَبْحَثِ الْعَزْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ آيِلَةٌ إلَى التَّخَلُّقِ الْمُهَيَّأِ لِنَفْخِ الرُّوحِ وَلَا كَذَلِكَ الْعَزْلُ اهـ حَجّ.
وَحَكَى الشَّارِحُ خِلَافًا فِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَأَطَالَ فِيهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ ثَمَّ اعْتِمَادُ عَدَمِ الْحُرْمَةِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: إنْ غَلَبَ)

[حاشية الرشيدي]

فِي كَلَامِهِ مَرْجِعٌ، بِخِلَافِ حَجّ فَإِنَّهُ قَدَّمَ الْمَدْفُوعَ الْآتِيَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ حَاكِيًا لَهُ بِقِيلَ فَصَحَّ رُجُوعُ الضَّمِيرِ فِيهِ إلَى الْقَائِلِ الْمَفْهُومِ مِنْ قِيلَ (قَوْلُهُ: يَرُدُّهُ قَوْلُنَا: أَيْ تَائِقٌ إلَخْ) قَالَ الشِّهَابُ سم: بَلْ لَا حَاجَةَ لِلتَّفْسِيرِ بِقَوْلِهِ: أَيْ تَائِقٌ إلَخْ لِصِحَّةِ التَّفْسِيرِ: أَيْ إلَى النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ الْعَقْدُ لِكَوْنِهِ طَرِيقًا لِلْوَطْءِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحَاجَةَ لِلشَّيْءِ حَاجَةٌ لِطَرِيقِهِ (قَوْلُهُ: نَوْعٌ مِنْ الْخِصَاءِ) عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ نَوْعٌ مِنْ الِاخْتِصَاءِ.
اهـ. وَلَعَلَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ مُحَرَّفَةٌ عَنْهَا مِنْ الْكَتَبَةِ.

مَحْمُولٌ عَلَى الْقَطْعِ لَهَا مُطْلَقًا (فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ) أَيْ يَتَّقِ (لَهُ) أَيْ لِلنِّكَاحِ بِعَدَمِ تَوَقَانِهِ لِلْوَطْءِ خِلْقَةً أَوْ لِعَارِضٍ وَلَا عِلَّةَ بِهِ (كُرِهَ) لَهُ (إنْ فَقَدَ الْأُهْبَةَ) لَا الْتِزَامُهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِلَا حَاجَةٍ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ نِكَاحِ السَّفِيهِ الْحَاجَةُ فَلَا يُرَدُّ هُنَا (وَإِلَّا) بِأَنْ وَجَدَ الْأُهْبَةَ مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ لِلنِّكَاحِ (فَلَا) يُكْرَهُ لَهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَمَقَاصِدُهُ لَا تَنْحَصِرُ فِي الْوَطْءِ، بَلْ بَحَثَ جَمْعٌ نَدْبَهُ لِحَاجَةِ تَأَنُّسٍ وَخِدْمَةٍ.
وَكَلَامُهُمْ يَأْبَاهُ (لَكِنَّ الْعِبَادَةَ) أَيْ التَّخَلِّي لَهَا مِنْ الْمُتَعَبِّدِ (أَفْضَلُ) مِنْهُ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهَا، وَقَدَّرْنَا مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ ذَاتَ الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ مِنْ ذَاتِ النِّكَاحِ قَطْعًا، وَيَصِحُّ عَدَمُ التَّقْدِيرِ، وَيَكُونُ " أَفْضَلُ " بِمَعْنَى فَاضِلٍ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وَمَا اقْتَضَاهُ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، وَلَوْ لِابْتِغَاءِ النَّسْلِ صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مُسْتَدِلًّا عَلَى ذَلِكَ بِصِحَّتِهِ مِنْ الْكَافِرِ مَمْنُوعٌ، إذْ صِحَّتُهُ مِنْهُ لَا تَنْفِي كَوْنَهُ عِبَادَةً كَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ وَالْعِتْقِ؛ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ، وَالْعِبَادَةُ إنَّمَا تُتَلَقَّى مِنْ الشَّارِعِ، وَأَفْتَى الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ إنْ قُصِدَ بِهِ طَاعَةٌ مِنْ وَلَدٍ صَالِحٍ أَوْ إعْفَافٌ كَانَ مِنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ وَإِلَّا كَانَ مُبَاحًا وَسَبَقَهُ إلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْكَلَامَانِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ نِكَاحِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. أَمَّا هُوَ فَقُرْبَةٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّ فِيهِ نَشْرُ الشَّرِيعَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَحَاسِنِهِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ، وَمِنْ ثَمَّ وَسَّعَ لَهُ فِي عَدَدِ الزَّوْجَاتِ مَا لَمْ يُوَسِّعْ لِغَيْرِهِ لِيَحْفَظَ كُلَّ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ غَيْرُهُ لِتَعَذُّرِ إحَاطَةِ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ بِهَا لِكَثْرَتِهَا بَلْ خُرُوجِهَا عَنْ الْحَصْرِ.
(قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَتَعَبَّدْ فَالنِّكَاحُ أَفْضَلُ فِي الْأَصَحِّ) مِنْ الْبَطَالَةِ لِئَلَّا تُفْضِيَ بِهِ إلَى الْفَوَاحِشِ، فَأَفْضَلُ هُنَا بِمَعْنَى فَاضِلٍ مُطْلَقًا، وَالثَّانِي تَرْكُهُ أَفْضَلَ مِنْهُ لِلْخَطَرِ فِي الْقِيَامِ بِوَاجِبِهِ، وَفِي الصَّحِيحِ «اتَّقُوا اللَّهَ وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَتْ مِنْ النِّسَاءِ» (فَإِنْ وَجَدَ الْأُهْبَةَ وَبِهِ عِلَّةٌ كَهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ دَائِمٍ أَوْ تَعْنِينٍ) كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَنْ يَعِنُّ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ (كُرِهَ) لَهُ النِّكَاحُ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِعَدَمِ حَاجَتِهِ مَعَ عَدَمِ تَحْصِينِ الْمَرْأَةِ الْمُؤَدِّي غَالِبًا إلَى فَسَادِهَا، وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ الْإِحْيَاءِ يُسَنُّ لِنَحْوِ مَمْسُوحٍ تَشَبُّهًا بِالصَّالِحِينَ كَمَا يُسَنُّ إمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِ الْأَصْلَعِ، وَقَوْلُ الْفَزَارِيِّ: أَيْ نَهْيٌ وَرَدَ فِي نَحْوِ الْمَجْبُوبِ وَالْحَاجَةُ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِي الْجِمَاعِ، وَمَا اقْتَضَاهُ سِيَاقُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ عَدَمِ مَجِيءِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ فِي الْمَرْأَةِ غَيْرُ مُرَادٍ، فَفِي الْأُمِّ وَغَيْرِهَا نَدَبَهُ لِلتَّائِقَةِ وَأَلْحَقَ بِهَا مُحْتَاجَةً لِلنَّفَقَةِ وَخَائِفَةً مِنْ اقْتِحَامِ فَجَرَةٍ، وَفِي التَّنْبِيهِ مَنْ جَازَ لَهَا النِّكَاحُ إنْ احْتَاجَتْهُ نُدِبَ لَهَا وَإِلَّا كُرِهَ، وَنَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ، ثُمَّ نَقَلَ وُجُوبَهُ عَلَيْهَا.
إذَا لَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهَا الْفَجَرَةُ إلَّا بِهِ، وَبِمَا ذَكَرَ عُلِمَ ضَعْفُ قَوْلِ الزَّنْجَانِيِّ يُسَنُّ لَهَا مُطْلَقًا، إذْ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْقِيَام بِأَمْرِهَا وَسِتْرِهَا، وَقَوْلُ غَيْرِهِ لَا يُسَنُّ لَهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا حُقُوقًا خَطِيرَةً لِلزَّوْجِ لَا يَتَيَسَّرُ لَهَا الْقِيَامُ بِهَا، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ عَلِمَتْ مِنْ نَفْسِهَا عَدَمَ الْقِيَامِ بِهَا وَلَمْ تَحْتَجْ إلَيْهِ حُرُمَ عَلَيْهَا اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ آخِرًا ظَاهِرٌ.
.

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ الصَّوْمُ عَلَى الظَّنِّ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَكَلَامُهُمْ يَأْبَاهُ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَقَدَّرْنَا مَا ذَكَرَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ التَّخَلِّي لَهَا (قَوْلُهُ: وَمَا اقْتَضَاهُ ذَلِكَ) أَيْ التَّقْدِيرُ؟ (قَوْلُهُ: مَمْنُوعٌ) أَيْ مَا اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عِبَادَةً مُطْلَقًا، وَعِبَارَةُ حَجّ بَعْدَ قَوْلِهِ جَمْعٌ قَالَ بَعْضُهُمْ لِصِحَّتِهِ مِنْ الْكَافِرِ مَمْنُوعٌ إلَخْ (قَوْلُهُ: إذْ صِحَّتُهُ مِنْهُ) أَيْ الْكَافِرِ (قَوْلُهُ: وَيُثَابُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَصْدِ وَالنِّكَاحُ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَصَرِيحُ الشَّارِحِ هُنَا خِلَافُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ مَعَ قَصْدِ الطَّاعَةِ يُصَيِّرُ نَفْسَهُ طَاعَةً وَعِنْدِ عَدَمِ قَصْدِهَا هُوَ مُبَاحٌ لَكِنَّ قَوْلَهُ: فِيمَا مَرَّ بِعَدَمِ انْعِقَادِهِ يَقْتَضِي بَقَاءَهُ عَلَى إبَاحَتِهِ (قَوْلُهُ: كُرِهَ لَهُ النِّكَاحُ) لَوْ طَرَأَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَهَلْ يَلْحَقُ بِالِابْتِدَاءِ أَوْ لَا لِقُوَّةِ الدَّوَامِ؟ تَرَدَّدَ فِيهِ الزَّرْكَشِيُّ، وَالثَّانِي هُوَ الْوَجْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَرَدَ فِي نَحْوِ الْمَجْبُوبِ) أَيْ فِي تَزَوُّجِهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ نَقَلَ وُجُوبَهُ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: عَدَمُ الْقِيَامِ بِهَا) أَيْ بِحَاجَتِهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّكَاحِ كَاسْتِعْمَالِهَا الطِّيبَ إذَا أَمَرَهَا بِهِ وَالتَّزَيُّنِ بِأَنْوَاعِ الزِّينَةِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَإِحْضَارِ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ لَهَا، وَلَيْسَ مِنْ الْحَاجَةِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ تَهْيِئَةِ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ لِلزَّوْجِ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: حَرُمَ عَلَيْهَا)

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(وَيُسْتَحَبُّ دَيِّنَةٌ) بِحَيْثُ يُوجَدُ فِيهَا صِفَةُ الْعَدَالَةِ لَا الْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا فَقَطْ لِلْخَبَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك» أَيْ اسْتَغْنَيْت إنْ فَعَلْت أَوْ افْتَقَرْت إنْ لَمْ تَفْعَلْ، وَفِي مُسْلِمَةٍ تَارِكَةٍ لِلصَّلَاةِ وَكِتَابِيَّةٍ تَرَدُّدٌ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذِهِ أَوْلَى لِلْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ نِكَاحِهَا وَبَطَلَانِ نِكَاحِ تِلْكَ لِرِدَّتِهَا عِنْدَ قَوْمٍ، وَيُحْتَمَلُ تِلْكَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ نِكَاحِ هَذِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّة؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ الْقَوِيَّ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْأُولَى لِقَوِيِّ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ هَذِهِ لِأَمْنِهِ مِنْ فِتْنَتِهَا وَقُرْبِ سِيَاسَتِهِ لَهَا إلَى أَنْ تُسْلِمَ وَلِغَيْرِهِ تِلْكَ لِئَلَّا تَفْتِنَهُ هَذِهِ (بِكْرًا) لِلْأَمْرِ بِهِ مَعَ تَعْلِيلِهِ بِأَنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا: أَيْ أَلْيَنُ كَلَامًا، أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَطْيَبِيَّتِهِ وَحَلَاوَتِهِ، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا: أَيْ أَكْثَرُ أَوْلَادًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ مِنْ الْعَمَلِ: أَيْ الْجِمَاعِ، وَأَغَرَّ غِرَّةً بِالْكَسْرِ: أَيْ أَبْعَدُ مِنْ مَعْرِفَةِ الشَّرِّ وَالتَّفَطُّنِ لَهُ، وَبِالضَّمِّ: أَيْ غُرَّةُ الْبَيَاضِ أَوْ حُسْنُ الْخَلْقِ وَإِرَادَتُهُمَا مَعًا أَجْوَدُ.
نَعَمْ الثَّيِّبُ أَوْلَى لِلْعَاجِزِ عَنْ الِافْتِضَاضِ، وَلِمَنْ عِنْدَهُ عِيَالٌ يَحْتَاجُ إلَى كَامِلَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِنَّ كَمَا اسْتَصْوَبَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جَابِرٍ لِهَذَا، وَيُنْدَبُ كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ أَنْ لَا يُزَوِّجْ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ إلَّا مِنْ بِكْرٍ لَمْ يَتَزَوَّجْ قَطُّ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ عَنْ الْإِينَاسِ بِأَوَّلِ مَأْلُوفٍ مَجْبُولَةٌ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا تَقَرَّرَ مِنْ نَدْبِ الْبِكْرِ وَلَوْ لِلثَّيِّبِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِيمَا يُسَنُّ لِلزَّوْجِ وَهَذَا فِيمَا يُسَنُّ لِلْوَلِيِّ (نَسِيبَةٌ) أَيْ مَعْرُوفَةُ الْأَصْلِ طَيِّبَةٌ لِنِسْبَتِهَا إلَى الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَتُكْرَهُ بِنْتُ الزِّنَا وَالْفَاسِقِ، وَأَلْحَقَ بِهَا اللَّقِيطَةَ وَمِنْ لَا يُعْرَفْ أَبُوهَا لِخَبَرِ «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ وَلَا تَضَعُوهَا فِي غَيْرِ الْأَكْفَاءِ» صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَاعْتَرَضَ (لَيْسَتْ قَرَابَةً قَرِيبَةً) لِخَبَرٍ فِيهِ النَّهْيُ عَنْهُ وَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّ الْوَلَدَ يَجِيءُ نَحِيفًا لَكِنْ لَا أَصْلَ لَهُ، وَمِنْ ثَمَّ نَازَعَ جَمْعٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَبِإِنْكَاحِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَيُرَدُّ بِأَنَّ نَحَافَةَ الْوَلَدِ النَّاشِئَةِ غَالِبًا عَنْ الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ الْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ مَعْنًى ظَاهِرٌ يَصْلُحُ أَصْلًا لِذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالْقَرِيبَةِ مَنْ هِيَ فِي أَوَّلِ دَرَجَاتِ الْخُؤُولَةِ وَالْعُمُومَةِ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ ابْنِ عَمٍّ فَهِيَ بَعِيدَةٌ وَنِكَاحُهَا أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ لِانْتِفَاءِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَعَ حُنُوِّ الرَّحِمِ، وَتَزَوُّجُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِزَيْنَبِ بِنْتِ جَحْشٍ مَعَ كَوْنِهَا بِنْتَ عَمَّتِهِ لِمَصْلَحَةِ حِلِّ نِكَاحِ زَوْجَةِ الْمُتَبَنَّى، وَتَزْوِيجُهُ زَيْنَبَ بِنْتَهُ لِأَبِي الْعَاصِ مَعَ أَنَّهَا بِنْتُ خَالَتِهِ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَاقِعَةُ حَالٍ فِعْلِيَّةٍ فَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ لِمَصْلَحَةٍ يُسْقِطهَا، وَكُلٌّ مِمَّا ذُكِرَ مُسْتَقِلٌّ بِالنَّدْبِ.

[حاشية الشبراملسي]

وَمِثْلُهَا فِي ذَلِكَ الرَّجُلُ

(قَوْلُهُ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ) أَيْ الْكِتَابِيَّةَ (قَوْلُهُ: وَبُطْلَانُ نِكَاحِ تِلْكَ) أَيْ تَارِكَةِ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: كَرِدَّتِهَا عِنْدَ قَوْمٍ) نَسَبَ غَيْرُ الشَّارِحِ هَذَا الْقَوْلَ إلَى أَحْمَدَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مُجَرَّدَ التَّرْكِ رِدَّةٌ.
وَالْمَنْقُولُ فِي مَذْهَبِهِمْ خِلَافُهُ.
قَالَ فِي مُنْتَهَى الْإِرَادَاتِ: وَمَنْ تَرَكَهَا وَلَوْ جَهْلًا وَعُرِّفَ فَعَلِمَ وَأَصَرَّ كَفَرَ وَكَذَا تَهَاوُنًا وَكَسَلًا إذَا دَعَاهُ إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ لِفِعْلِهَا وَأَبَى حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا وَيُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ تَابَ بِفِعْلِهَا وَإِلَّا ضُرِبَ عُنُقُهُ.
قَالَ شَارِحُهُ: وَلَا قَتْلَ وَلَا تَكْفِيرَ قَبْلَ الدُّعَاءِ، وَكَذَا قَالَ صَاحِبُ الْإِقْنَاعِ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ النِّسَاءَ الْمَوْجُودَاتِ فِي زَمَنِنَا أَنْكِحَتُهَا صَحِيحَةٌ حَتَّى عِنْدَ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ تِلْكَ) أَيْ تَارِكَةُ الصَّلَاةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: هَذِهِ) أَيْ الْكِتَابِيَّةُ وَلِغَيْرِهِ تِلْكَ: أَيْ تَارِكَةُ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: أَكْثَرُ أَوْلَادًا) قَالَ حَجّ: وَأَسْخَنُ أَقْبَالًا اهـ (قَوْلُهُ: أَيْ غُرَّةُ الْبَيَاضِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ (قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ بِنْتُ الزِّنَا وَالْفَاسِقِ) أَيْ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُعَيَّرُ بِهَا لِدَنَاءَةِ أَصْلِهَا وَرُبَّمَا اكْتَسَبَتْ مِنْ طِبَاعِ أَبِيهَا (قَوْلُهُ: لَكِنْ لَا أَصْلَ لَهُ) أَيْ لِلْخَبَرِ (قَوْلُهُ: يَصْلُحُ أَصْلًا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ، وَقَوْلُهُ: لِذَلِكَ: أَيْ الْكَرَاهَةِ (قَوْلُهُ: يُسْقِطُهَا) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ فَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ (قَوْلُهُ: وَكُلٌّ مِمَّا ذُكِرَ)

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: أَيْ غُرَّةُ الْبَيَاضِ) قَالَ الشِّهَابُ سم: اُنْظُرْ الْمُرَادَ فَإِنَّ الْأَلْوَانَ لَا تَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ انْتَهَى.
وَقَدْ يُقَالُ: لَا مَانِعَ مِنْ نَقْصِ بِهَائِهَا وَإِشْرَاقِهَا بِزَوَالِ الْبَكَارَةِ وَإِنْ لَمْ يُدْرَكْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: يَصْلُحُ أَصْلًا لِذَلِكَ) نَظَرَ فِيهِ

وَيُنْدَبُ كَوْنُهَا وَدُودًا وَلُودًا وَيُعْرَفُ فِي الْبِكْرِ بِأَقَارِبِهَا، وَوَافِرَةُ الْعَقْلِ وَحَسَنَةُ الْخُلُقِ وَكَذَا بَالِغَةٌ وَفَاقِدَةُ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِهِ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ، وَحَسْنَاءُ وَالْمُرَادُ بِالْجَمَالِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْوَصْفُ الْقَائِمُ بِالذَّاتِ الْمُسْتَحْسَنُ عِنْدَ ذَوِي الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ نَعَمْ تُكْرَهُ ذَاتُ الْجَمَالِ الْمُفْرِطِ؛ لِأَنَّهَا تَزْهُو بِهِ وَتَتَطَلَّعُ إلَيْهَا أَعْيُنُ الْفَجَرَةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَحْمَدُ: مَا سَلِمَتْ ذَاتُ جَمَالٍ قَطُّ وَخَفِيفَةُ الْمَهْرِ، وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَيُقَاسُ بِالزَّوْجَةِ السُّرِّيَّةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ شَقْرَاءَ، قِيلَ الشُّقْرَةُ بَيَاضٌ نَاصِعٌ يُخَالِطُهُ نُقَطٌ فِي الْوَجْهِ لَوْنُهَا غَيْرُ لَوْنِهِ، وَلَا ذَاتَ مُطَلَّقٍ لَهَا إلَيْهِ رَغْبَةٌ أَوْ عَكْسُهُ وَلَا فِي حِلِّهَا لَهُ خِلَافٌ كَأَنْ زَنَى أَوْ تَمَتَّعَ بِأُمِّهَا أَوْ بِهَا فَرْعُهُ أَوْ أَصْلُهُ أَوْ شَكٌّ بِنَحْوِ رِضَاعٍ.
وَفِي حَدِيثٍ عِنْدَ الدَّيْلَمِيِّ وَالْخَطَّابِيِّ «النَّهْيُ عَنْ نِكَاحِ الشَّهْبَرَةِ الزَّرْقَاءِ الْبَذِيَّةِ، وَاللَّهْبَرَةِ الطَّوِيلَةِ الْمَهْزُولَةِ، وَالنَّهْبَرَةِ الْقَصِيرَةِ الذَّمِيمَةِ، أَوْ الْعَجُوزِ الْمُدْبِرَةِ» . وَالْهَنْدَرَةِ: الْعَجُوزُ الْمُدَبَّرَةِ أَوْ الْمُكْثِرَةِ لِلْهَذْرِ: أَيْ الْكَلَامِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، أَوْ الْقَصِيرَةِ الذَّمِيمَةِ، وَلَوْ تَعَارَضَتْ تِلْكَ الصِّفَاتُ فَالْأَوْجَهُ تَقْدِيمُ ذَاتِ الدِّينِ مُطْلَقًا ثُمَّ الْعَقْلُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ ثُمَّ النَّسَبُ ثُمَّ الْبَكَارَةُ ثُمَّ الْوِلَادَةُ ثُمَّ الْجَمَالُ ثُمَّ مَا الْمَصْلَحَةُ فِيهِ أَظْهَرُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي شَوَّالٍ، وَأَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، وَأَنْ يَعْقِدَ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَ جَمْعٍ وَأَوَّلَ النَّهَارِ.

(وَإِذَا) (قَصَدَ نِكَاحَهَا) وَرَجَا الْإِجَابَةَ رَجَاءً ظَاهِرًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ غَلَبَةِ الظَّنِّ الْمُجَوِّزِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِخُلُوِّهَا عَنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ تُحَرِّمُ التَّعْرِيضَ وَإِلَّا فَغَايَةُ النَّظَرِ مَعَ عِلْمِهَا بِهِ كَوْنُهُ كَالتَّعْرِيضِ، فَإِطْلَاقُ الْحُرْمَةِ حَيْثُ كَانَ بِإِذْنِهَا أَوْ مَعَ عِلْمِهَا بِأَنَّهُ

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ مِنْ دَيِّنَةٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَيُنْدَبُ كَوْنُهَا وَدُودًا) أَيْ مُتَحَبِّبَةٌ لِلزَّوْجِ (قَوْلُهُ: وَحَسْنَاءَ إلَخْ) عِبَارَةُ حَجّ: أَيْ بِحَسَبِ طَبْعِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْعِفَّةُ، وَهِيَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: مَا سَلِمَتْ ذَاتُ جَمَالٍ قَطُّ) أَيْ مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ تَطَلُّعِ فَاجِرٍ إلَيْهَا أَوْ تَقَوُّلِهِ عَلَيْهَا اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى امْرَأَةٍ) أَيْ وَاحِدَةٍ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ) وَمِنْهَا تَوَهُّمُ حُصُولِ وَلَدٍ مِنْهَا وَاحْتِيَاجُهُ لِلْخِدْمَةِ (قَوْلُهُ: وَيُقَاسُ بِالزَّوْجَةِ السُّرِّيَّةِ) أَيْ حَتَّى فِي النَّسَبِ فَتُقَدَّمُ الْإِسْرَائِيلِيَّة عَلَى غَيْرِهَا (قَوْلُهُ: أَوْ الْعَجُوزُ الْمُدَبَّرَةُ) أَيْ الَّتِي تَغَيَّرَتْ أَحْوَالُهَا (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ تَقْدِيمُ ذَاتِ الدِّينِ مُطْلَقًا) أَيْ جَمِيلَةٌ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْوِلَادَةِ) فِي حَجّ تَقْدِيمُ الْوِلَادَةِ عَلَى شَرَفِ النِّسَاءِ (قَوْلُهُ: بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ) قَالَ حَجّ: تَنْبِيهٌ كَمَا يُسَنُّ تَحَرِّي هَذِهِ الصِّفَاتِ فِيهَا يُسَنُّ لَهَا وَلِوَلِيِّهَا تَحَرِّيهَا فِيهِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ ا. هـ. (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي شَوَّالٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ «لِقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَوَّالٍ وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ» وَبِهَذَا الْحَدِيثِ رُدَّ مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ عَلَيْهِ وَمَا تَحْكِيهِ بَعْضُ الْعَوَامّ الْيَوْمَ مِنْ كَرَاهَةِ التَّزَوُّجِ، وَالتَّزْوِيجِ وَالدُّخُولِ فِي شَوَّالٍ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَهُوَ مِنْ آثَارِ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ بِذَلِكَ لِمَا فِي اسْمِ شَوَّالٍ مِنْ الْإِشَالَةِ وَالرَّفْعِ اهـ. وَصَحَّ التَّرْغِيبُ فِي صَفَرٍ أَيْضًا.
رَوَى الزُّهْرِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ عَلِيًّا فِي شَهْرِ صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ الْهِجْرَةِ» اهـ بَهْنَسِيٌّ.
وَكَتَبَ أَيْضًا لَطَفَ اللَّهُ بِهِ قَوْلَهُ: وَيُسَنُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي شَوَّالٍ: أَيْ حَيْثُ كَانَ يُمْكِنُهُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ عَلَى السَّوَاءِ، فَإِنْ وُجِدَ سَبَبٌ لِلنِّكَاحِ فِي غَيْرٍ فَعَلَهُ

(قَوْلُهُ: تُحَرِّمُ التَّعْرِيضِ)

[حاشية الرشيدي]

الشِّهَابُ سم بِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْحُكْمِ مِنْ أَصْلِ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ (قَوْلُهُ: إلَّا لِمَصْلَحَةٍ) رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ شَكٌّ) عَطْفٌ عَلَى خِلَافٍ

(قَوْلُهُ: وَعِدَّةٍ تُحَرِّمُ التَّعْرِيضَ وَإِلَّا فَغَايَةُ النَّظَرِ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَعِدَّةٌ تُحَرِّمُ التَّعْرِيضَ كَالرَّجْعِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ تُحَرِّمْهُ جَازَ النَّظَرُ وَإِنْ عُلِمَتْ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ إلَخْ، وَقَوْلُهُ كَالتَّعْرِيضِ قَالَ الشِّهَابُ سم: فِيهِ

لِرَغْبَتِهِ فِي نِكَاحِهَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذُكِرَ (سُنَّ نَظَرُهُ إلَيْهَا) لِلْأَمْرِ بِهِ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ مَعَ تَعْلِيلِهِ بِأَنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا: أَيْ تَدُومَ الْمَوَدَّةُ وَالْأُلْفَةُ، وَقِيلَ مِنْ الْأُدْمِ؛ لِأَنَّهُ يُطَيِّبُ الطَّعَامَ وَنَظَرُهَا إلَيْهِ كَذَلِكَ وَوَقْتُهُ (قَبْلَ الْخِطْبَةِ) لَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرُدُّ أَوْ يُعْرِضْ فَحَصَلَ التَّأَذِّي وَالْكَسْرُ، وَمَعْنَى خَطَبَ فِي رِوَايَةٍ أَرَادَ لِلْخَبَرِ الْآخَرِ «إذَا أَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِ امْرِئٍ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا» . وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ بَقَاءُ نَدْبِ النَّظَرِ وَإِنْ خَطَبَ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَدَعْوَى الْإِبَاحَةِ بَعْدهَا فَقَطْ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، إلَّا مَا أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ، وَهُوَ لَمْ يَأْذَنْ إلَّا قَبْلَ الْخِطْبَةِ مَمْنُوعٌ ذَلِكَ الْحَصْرُ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ الْخَبَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ إذْنُهُ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى (وَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ) هِيَ وَلَا وَلِيُّهَا اكْتِفَاءً بِإِذْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَفِي رِوَايَةٍ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ، بَلْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الْأَوْلَى عَدَمُ عِلْمِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَتَزَيَّنْ لَهُ بِمَا يَغُرُّهُ وَلَمْ يَنْظُرْ لِاشْتِرَاطِ مَالِكٍ إذْنِهَا كَأَنَّهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِلرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ (وَلَهُ تَكْرِيرُ نَظَرِهِ) وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ فِيمَا يَظْهَرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ هَيْئَتُهَا، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ اكْتَفَى بِنَظْرَةٍ حَرُمَ مَا زَادَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ نَظَرٌ أُبِيحَ لِضَرُورَةٍ فَلْيَتَقَيَّدْ بِهَا، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَخَافَ الْفِتْنَةِ أَمْ لَا كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالرُّويَانِيُّ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ فِي حَالَةِ الشَّهْوَةِ الْأَذْرَعِيُّ (وَلَا يَنْظُرُ) مِنْ الْحُرَّةِ (غَيْرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) ظَهْرًا وَبَطْنًا مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْكُوعِ بِلَا مَسِّ شَيْءٍ مِنْهُمَا لِدَلَالَةِ الْوَجْهِ عَلَى الْجَمَالِ وَالْكَفَّيْنِ عَلَى خِصْبِ الْبَدَنِ، وَاشْتِرَاطُ النَّصِّ وَكَثِيرِينَ سِتْرُ مَا عَدَاهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَنْعُ نَظَرِ غَيْرِهِمَا أَوْ نَظَرِهِمَا إنْ أَدَّى إلَى نَظَرِ غَيْرِهِمَا وَرُؤْيَتُهُمَا مَعَ عَدَمِ عِلْمِهَا لَا تَسْتَلْزِمُ تَعَمُّدَ رُؤْيَةِ مَا عَدَاهُمَا، فَانْدَفَعَ مَا مَالَ إلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْجُمْهُورِ الْجَوَازُ مُطْلَقًا سَتَرَتْ أَوْ لَا، وَتَوْجِيهُهُ بِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا مَعَ عَدَمِ عِلْمِهَا لَا تَسْتُرُ مَا عَدَاهُمَا وَبِأَنَّ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ يَسُدُّ بَابَ النَّظَرِ.
أَمَّا مَنْ فِيهَا رِقٌّ فَيَنْظُرُ مَا عَدَا مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَقَالَ إنَّهُ مَفْهُومُ كَلَامِهِمْ: أَيْ تَعْلِيلُهُمْ عَدَمِ حِلِّ مَا عَدَا الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ بِأَنَّهُ عَوْرَةٌ وَسَبَقَهُ لِذَلِكَ الرُّويَانِيُّ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا يَأْتِي أَنَّهَا كَالْحُرَّةِ فِي نَظَرِ الْأَجْنَبِيِّ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ النَّظَرَ هُنَا مَأْمُورٌ بِهِ، وَلَوْ مَعَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فَأُنِيطَ بِمَا عَدَا عَوْرَةِ الصَّلَاةِ، وَفِيمَا يَأْتِي مَنُوطٌ بِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَهُوَ جَارٍ فِيمَا عَدَاهُمَا مُطْلَقًا وَإِذَا لَمْ تُعْجِبْهُ يَسْكُتُ وَلَا يَقُولُ لَا أُرِيدُهَا وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنْعُ خِطْبَتِهَا؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ إذَا طَالَ وَأَشْعَرَ بِالْإِعْرَاضِ جَازَتْ كَمَا يَأْتِي، وَضَرَرُ الطُّولِ دُونَ ضَرَرِ قَوْلِهِ لَا أُرِيدُهَا فَاحْتُمِلَ، وَمَنْ لَا يَتَيَسَّرُ لَهُ النَّظَرُ أَوْ لَا يُرِيدُهُ بِنَفْسِهِ كَمَا أَطْلَقَهُ جَمْعٌ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يُرْسِلَ مَنْ يَحِلُّ لَهُ نَظَرُهَا لِيَتَأَمَّلَهَا وَيَصِفَهَا لَهُ وَلَوْ بِمَا لَا يَحِلُّ لَهُ نَظَرُهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْخَبَرِ فَيَسْتَفِيدُ بِالْبَعْثِ مَا لَا يَسْتَفِيدُ بِالنَّظَرِ، وَهَذَا

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ بِأَنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً (قَوْلُهُ: وَالْأُلْفَةُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: سَنَّ نَظَرُهُ إلَيْهَا إلَخْ) وَخَرَجَ بِإِلَيْهَا نَحْوُ وَلَدِهَا الْأَمْرَدِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ نَظَرُهُ وَإِنْ بَلَغَهُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْحُسْنِ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ اهـ حَجّ.
وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْجَوَازُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَوْجَهُ) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: الْخَبَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ) هُمَا قَوْلُهُ: خَطَبَ، وَقَوْلُهُ: إذَا أَلْقَى اللَّهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَخَافَ الْفِتْنَةَ) أَيْ وَلَوْ مَعَ الشَّهْوَةِ (قَوْلُهُ: لَا تَسْتَلْزِمُ تَعَمُّدَ إلَخْ) أَيْ فَإِنْ اتَّفَقَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِلنَّظَرِ وَجَبَ الْغَضُّ سَرِيعًا، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَتَى نَظَرَ إلَيْهَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى نَظَرِ غَيْرِهِمَا حَرُمَ النَّظَرُ وَبَعَثَ إلَيْهَا مَنْ يَصِفُهَا لَهُ إنْ أَرَادَ (قَوْلُهُ: مَنْ يَحِلُّ لَهُ) أَيْ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً كَأَخِيهَا أَوْ مَمْسُوحٍ يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِمَا لَا يَحِلُّ لَهُ نَظَرُهُ) كَالصَّدْرِ وَبَقِيَ مَا لَوْ ارْتَكَبَتْ الْحُرْمَةَ وَرَأَتْ الْعَوْرَةَ هَلْ يَجُوزُ لَهَا وَصَفُّهَا لِلْخَاطِبِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ،

[حاشية الرشيدي]

تَأَمُّلٌ (قَوْلُهُ: وَنَظَرُهَا إلَيْهِ كَذَلِكَ) أَيْ فَتَنْظُرُ مِنْهُ مَا عَدَا مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِيمَا كَتَبَهُ عَلَى شَرْحِ الرَّوْضِ وَنَقَلَهُ عَنْ الْعُبَابِ (قَوْلُهُ: لَا بَعْدَهَا) يُنَاقِضُهُ قَوْلُهُ الْآتِي وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ بَقَاءُ نَدْبِ النَّظَرِ وَإِنْ خَطَبَ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا الْأَصْلُ) لَعَلَّ هَذَا الْمُدَّعِي مِمَّنْ يَرَى إبَاحَةَ النَّظَرِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ الْآتِي فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنْعُ خِطْبَتِهَا) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ نَظَرُهُ بَعْدَ الْخُطْبَةِ، أَمَّا إذَا كَانَ قَبْلَهَا فَلَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ تَرَتُّبُ مَا ذَكَرَ كَمَا لَا يَخْفَى

لِمَزِيدِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ مُسْتَثْنًى مِنْ حُرْمَةِ وَصْفِ امْرَأَةِ امْرَأَةً لِرَجُلٍ.

(وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ) وَمَجْبُوبٍ وَخَصِيٍّ وَخُنْثَى إذْ هُوَ مَعَ النِّسَاءِ كَرَجُلٍ وَعَكْسُهُ فَيَحْرُمْ نَظَرُهُ لَهُمَا وَنَظَرُهُمَا لَهُ احْتِيَاطًا، وَإِنَّمَا غَسَّلَاهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِانْقِطَاعِ الشَّهْوَةِ بِالْمَوْتِ فَلَمْ يَبْقَ لِلِاحْتِيَاطِ حِينَئِذٍ مَعْنًى لَا مَمْسُوحٌ كَمَا يَأْتِي (بَالِغٍ) وَلَوْ شَيْخًا هَرِمًا وَمُخَنَّثًا وَهُوَ الْمُتَشَبِّهُ بِالنِّسَاءِ عَاقِلٍ مُخْتَارٍ (إلَى عَوْرَةِ حُرَّةٍ) خَرَجَ مِثَالُهَا فَلَا يَحْرُمُ نَظَرُهُ فِي نَحْوِ مِرْآةٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ جَمْعٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَهَا وَلَيْسَ الصَّوْتُ مِنْهَا فَلَا يَحْرُمُ سَمَاعُهُ مَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُ فِتْنَةً، وَكَذَا لَوْ الْتَذَّ بِهِ عَلَى مَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَمِثْلُهَا فِي ذَلِكَ الْأَمْرَدُ (كَبِيرَةٍ) بِأَنْ بَلَغَتْ حَدًّا تُشْتَهَى فِيهِ لِذَوِي الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ (أَجْنَبِيَّةٍ) وَهِيَ مَا عَدَا وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا بِلَا خِلَافٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30] ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا حَرُمَ نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى عَوْرَةِ مِثْلِهَا فَأَوْلَى الرَّجُلُ (وَكَذَا وَجْهُهَا) أَوْ بَعْضُهُ وَلَوْ بَعْضَ عَيْنِهَا (وَكَفِّهَا) أَيْ كُلُّ كَفٍّ مِنْهَا، وَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمِعْصَمِ (عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ) إجْمَاعًا مِنْ دَاعِيَةٍ نَحْوَ مَسٍّ لَهَا أَوْ خَلْوَةٍ بِهَا وَكَذَا عِنْدَ النَّظَرِ بِشَهْوَةٍ بِأَنْ يَلْتَذَّ بِهِ وَإِنْ أَمِنَ الْفِتْنَةَ قَطْعًا (وَكَذَا عِنْدَ الْأَمْنِ) مِنْ الْفِتْنَةِ فِيمَا يَظُنُّهُ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ (عَلَى الصَّحِيحِ) وَوَجَّهَهُ الْإِمَامُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْعِ النِّسَاءِ أَنْ يَخْرُجْنَ سَافِرَاتِ الْوُجُوهِ وَبِأَنَّ النَّظَرَ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ وَمُحَرِّكٌ لِلشَّهْوَةِ، فَاللَّائِقُ بِمَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ سَدُّ الْبَابِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ تَفَاصِيلِ الْأَحْوَالِ كَالْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَبِهِ انْدَفَعَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ غَيْرُ عَوْرَةٍ فَكَيْفَ حَرُمَ نَظَرُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرُ عَوْرَةٍ نَظَرُهُ مَظِنَّةٌ لِلْفِتْنَةِ أَوْ الشَّهْوَةِ فَفَطَمَ النَّاسُ عَنْهُ احْتِيَاطًا، عَلَى أَنَّ السُّبْكِيَّ قَالَ: الْأَقْرَبُ إلَى صَنِيعِ الْأَصْحَابِ أَنَّ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا عَوْرَةٌ فِي النَّظَرِ وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ وَنَسَبَهُ الْإِمَامُ لِلْجُمْهُورِ وَالشَّيْخَانِ لِلْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: إنَّهُ الصَّوَابُ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الْمُدْرِكِ، وَالْفَتْوَى عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ، وَمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى مَنْعِ النِّسَاءِ:

[حاشية الشبراملسي]

وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ

(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا غَسَّلَاهُ) أَيْ بِشَرْطِ عَدَمِ وُجُودِ مَحْرَمٍ لَهُ (قَوْلُهُ: لِانْقِطَاعِ الشَّهْوَةِ) أَيْ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ كَالْمُغَسَّلِ ذُكُورَةً أَوْ أُنُوثَةً.
فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ تَغْسِيلُ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَبِالْعَكْسِ مَعَ انْقِطَاعِ الشَّهْوَةِ بِالْمَوْتِ (قَوْلُهُ: لَا مَمْسُوحَ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَحْلِ هُنَا مَا يَشْمَلُ الْخِصِيَّ وَالْمَجْبُوبَ، وَيَدُلُّ لَهُ مُقَابَلَتُهُ بِالْمَمْسُوحِ الْآتِيَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: عَاقِلٌ مُخْتَارٌ) أَمَّا الْمَجْنُونُ فَلَيْسَ مُخَاطَبًا وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهَا الِاحْتِجَابُ مِنْهُ كَمَا يَأْتِي وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ مَنْعُهُ (قَوْلُهُ: فِي نَحْوِ مِرْآةٍ) وَمِنْهُ الْمَاءُ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ الصَّوْتُ) وَمِنْهُ الزَّغَارِيتُ (قَوْلُهُ: مِنْهَا) أَيْ الْعَوْرَةِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ الْتَذَّ بِهِ) أَيْ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّ اللَّذَّةَ لَيْسَتْ بِاخْتِيَارٍ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهَا فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ مَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُ فِتْنَةً (قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ الْعَوْرَةُ (قَوْلُهُ: إلَى الْمِعْصَمِ) فِي نُسْخَةٍ إلَى الْكُوعِ، وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: الْمِعْصَمُ وَزَّانُ مِقْوَدِ مَوْضِعُ السِّوَارِ مِنْ السَّاعِدِ اهـ. وَلَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمِعْصَمَ شَامِلٌ لِرَأْسِ السَّاعِدِ مِنْ جِهَةِ الْإِبْهَامِ وَالْخِنْصَرِ وَمَا بَيْنَهُمَا، بِخِلَافِ الْكُوعِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالطَّرَفِ الَّذِي يَلِي الْإِبْهَامَ (قَوْلُهُ: مِنْ دَاعِيَةٍ نَحْوَ مَسٍّ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ ضَابِطَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ أَنْ يَخَافَ أَنْ تَدْعُوهُ نَفْسُهُ إلَى مَسٍّ لَهَا أَوْ خَلْوَةٍ بِهَا (قَوْلُهُ: وَمُحَرِّكٌ) عَطْفٌ مُغَايِرٌ (قَوْلُهُ: وَبِهِ) أَيْ بِمَا وَجَّهَ بِهِ الْإِمَامُ، وَقَوْلُهُ: انْدَفَعَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ: أَيْ الْوَجْهَ (قَوْلُهُ: وَالْفَتْوَى عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ) مُعْتَمَدٌ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: عَاقِلٍ) أَيْ أَمَّا الْمَجْنُونُ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ لِسُقُوطِ تَكْلِيفِهِ، وَسَيَأْتِي وُجُوبُ الِاحْتِجَابِ عَلَيْهَا مِنْهُ وَمَنْعُ الْوَلِيِّ لَهُ مِنْ النَّظَرِ (قَوْلُهُ: وَ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَرُمَ نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى عَوْرَةِ مِثْلِهَا فَأَوْلَى الرَّجُلُ) قَالَ الشِّهَابُ سم: لَكِنَّ الْمُرَادَ بِعَوْرَةِ مِثْلِهَا غَيْرُ الْمُرَادِ بِعَوْرَتِهَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (قَوْلُهُ: مِنْ دَاعِيَةٍ إلَخْ) بَيَانٌ لِلْفِتْنَةِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا عِنْدَ النَّظَرِ بِشَهْوَةٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الْمُدْرَكِ) قَالَ الشَّارِحُ فِيمَا كَتَبَهُ عَلَى شَرْحِ الرَّوْضِ مُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُدْرَكَ مَعَ مَا فِي الْمِنْهَاجِ كَمَا أَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ.
اهـ. وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ خَبَرُ التَّرْجِيحِ، وَالْمَعْنَى وَالتَّرْجِيحُ عَلَى طِبْقِ مَا فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْمُدْرَكِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَذْهَبِ فَهُوَ رَاجِحٌ دَلِيلًا وَمَذْهَبًا فَتَأَمَّلْ

أَيْ مَنْعِ الْوُلَاةِ لَهُنَّ مُعَارِضٌ لِمَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ سَتْرُ وَجْهِهَا فِي طَرِيقِهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَعَلَى الرِّجَالِ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهُنَّ لِلْآيَةِ، وَحَكَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ، وَدَعْوَى بَعْضِهِمْ عَدَمُ التَّعَارُضِ فِي ذَلِكَ إذْ مَنْعُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ لِكَوْنِ السِّتْرِ وَاجِبًا عَلَيْهِنَّ فِي ذَاتِهِ بَلْ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً عَامَّةً وَفِي تَرْكِهِ إخْلَالٌ بِالْمُرُوءَةِ مَرْدُودَةٌ، إذْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمَا أَنَّ السِّتْرَ وَاجِبٌ لِذَاتِهِ فَلَا يَتَأَتَّى هَذَا الْجَمْعُ، وَكَلَامُ الْقَاضِي ضَعِيفٌ، وَحَيْثُ قِيلَ بِالْجَوَازِ كُرِهَ، وَقِيلَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَحَيْثُ قِيلَ بِالتَّحْرِيمِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ حَرُمَ النَّظَرُ إلَى الْمُنْتَقِبَةِ الَّتِي لَا يَبِينُ مِنْهَا غَيْرُ عَيْنَيْهَا وَمَحَاجِرِهَا كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ جَمِيلَةً فَكَمْ فِي الْمَحَاجِرِ مِنْ خَنَاجِرِ، وَأَفْهَمَ تَخْصِيصُ الْكَلَامِ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ حُرْمَةَ كَشْفِ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْبَدَنِ، وَمَا اخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيُّ تَبَعًا لِجَمْعٍ مِنْ حِلِّ نَظَرِ وَجْهِ وَكَفٍّ عَجُوزٍ تُؤْمَنُ الْفِتْنَةُ مِنْ نَظَرِهَا لِآيَةِ ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: 60] ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ بِمَا مَرَّ مِنْ سَدِّ الْبَابِ وَأَنَّ لِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٌ، وَلَا دَلِيلَ فِي الْآيَةِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ بَلْ فِيهَا إشَارَةٌ لِلْحُرْمَةِ بِالتَّقْيِيدِ بِغَيْرِ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ، وَاجْتِمَاعُ أَبِي بَكْرٍ وَأَنَسٍ بِأُمِّ أَيْمَنَ وَسُفْيَانَ وَأَضْرَابِهِ بِرَابِعَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَا يَسْتَلْزِمُ النَّظَرَ، عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ لَا يُقَاسُ بِهِمْ غَيْرُهُمْ، وَمِنْ ثَمَّ جَوَّزُوا لِمِثْلِهِمْ الْخَلْوَةَ كَمَا يَأْتِي قُبَيْلَ الِاسْتِبْرَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(وَلَا يَنْظُرُ مِنْ مَحْرَمِهِ) بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ (بَيْنَ) فِيهِ تَجَوُّزٌ أَوْضَحَهُ قَوْلُهُ الْآتِي إلَّا مَا بَيْنَ (السُّرَّةِ وَرُكْبَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ فَيَحْرُمُ نَظَرُ ذَلِكَ إجْمَاعًا (وَيَحِلُّ) نَظَرُ (مَا سِوَاهُ) حَيْثُ لَا شَهْوَةَ وَلَوْ كَافِرًا؛ لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ تُحَرِّمُ الْمُنَاكَحَةَ فَكَانَا كَرَجُلَيْنِ وَامْرَأَتَيْنِ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْكَافِرُ مِنْ قَوْمٍ يَعْتَقِدُونَ حِلَّ الْمَحَارِمِ كَالْمَجُوسِ امْتَنَعَ نَظَرُهُ وَخَلَوْتُهُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ وَأَفَادَ تَعْبِيرُهُ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: فَكَمْ فِي الْمَحَاجِرِ) جَمْعُ مَحْجِرٍ كَمَجْلِسٍ وَهُوَ مَا يَبْدُو مِنْ النِّقَابِ ا. هـ. مُخْتَارُ.
وَفِي الْقَامُوسِ: الْمَحْجِرُ كَمَجْلِسِ وَمِنْبَرِ الْحَدِيقَةُ وَمِنْ الْعَيْنِ مَا دَارَ بِهَا وَبَدَا مِنْ الْبُرْقُعِ أَوْ مَا يَظْهَرُ مِنْ نِقَابِهَا (قَوْلُهُ: وَمَا اخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيُّ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ (قَوْلُهُ: وَأَنَّ لِكُلِّ سَاقِطَةٍ إلَخْ) أَيْ وَمِنْ أَنَّ لِكُلِّ إلَخْ، فَالْعَجُوزُ الَّتِي لَا تَشْتَهِي قَدْ يُوجَدُ لَهَا مَنْ يُرِيدُهَا وَيَشْتَهِيهَا (قَوْلُهُ: بَلْ فِيهَا إشَارَةٌ) يُتَأَمَّلُ وَجْهُ الْإِشَارَةِ فَإِنَّ ظَاهِرَهَا جَوَازُ النَّظَرِ إنْ لَمْ تَتَبَرَّجْ بِالزِّينَةِ وَمَفْهُومُهَا الْحُرْمَةُ إذَا تَزَيَّنَتْ وَهُوَ عَيْنُ مَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ

(قَوْلُهُ: إلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ) فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ نَظَرُ مَا بَيْنَهُمَا لَا نَفْسُ مَعْنَى بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ مَعْنًى لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَدَعْوَى بَعْضِهِمْ) هُوَ حَجّ (قَوْلُهُ: مَرْدُودَةٌ إذْ الظَّاهِرُ كَلَامُهُمَا إلَخْ) هَذَا لَا يُلَاقِي مَا ادَّعَاهُ هَذَا الْبَعْضُ،؛ لِأَنَّ حَاصِلَ دَعْوَاهُ أَنَّ مَا حَكَاهُ الْإِمَامُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى مَنْعِ النِّسَاءِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لِوُجُوبِ سَتْرِهَا وَجْهَهَا فِي طَرِيقِهَا وَإِنْ فَهِمَهُ مِنْهُ الْإِمَامُ حَتَّى وَجَّهَهُ بِهِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَهَذَا لَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَلَا يَصِحُّ رَدُّهُ بِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمَا مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ الَّتِي دَفَعَهَا لَيْسَتْ بَيْنَ الْجَوَازِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْحُرْمَةِ وَإِنَّمَا هِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاتِّفَاقِ عَلَى مَنْعِ النِّسَاءِ كَمَا سَبَقَ (قَوْلُهُ: وَأَفْهَمَ تَخْصِيصُ الْكَلَامِ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ وَأَفْهَمَ تَخْصِيصُ حِلِّ الْكَشْفِ بِالْوَجْهِ حُرْمَةَ كَشْفِ مَا عَدَاهُ مِنْ الْبَدَنِ حَتَّى الْيَدِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ، وَمُحْتَمَلٌ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَكَشَفَهَا بِخِلَافِ الْوَجْهِ انْتَهَتْ.
وَقَوْلُهُ تَخْصِيصَ حِلِّ الْكَشْفِ بِالْوَجْهِ: أَيْ فِيمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَمَالَ فِي التُّحْفَةِ إلَى تَرْجِيحِهِ، فَكَأَنَّ الشَّارِحَ فَهِمَ أَنَّ مُرَادَهُمْ مَا فِي الْمَتْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِمَا ذَكَرَهُ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ عَلَيْهِ إنَّ مَا فِي الْمَتْنِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ حِلٍّ وَلَا كَشْفٍ

(قَوْلُهُ: فِيهِ تَجَوُّزٌ) أَيْ حَيْثُ جَعَلَ بَيْنَ مَفْعُولًا بِهِ وَأَخْرَجَهَا عَنْ الظَّرْفِيَّةِ وَهِيَ مِنْ الظُّرُوفِ الْغَيْرِ الْمُتَصَرِّفَةِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ مَا الْمَانِعُ مِنْ جَعْلِ الْمَفْعُولِ بِهِ مَحْذُوفًا وَالتَّقْدِيرُ وَلَا يَنْظُرُ مِنْ مَحْرَمِهِ شَيْئًا بَيْنَ إلَخْ (قَوْلُهُ امْتَنَعَ نَظَرُهُ وَخَلْوَتُهُ) بِمَعْنَى أَنْ نَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ

كَالرَّوْضَةِ حِلُّ نَظَرِ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ عَوْرَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِنَظَرِ الْمَحْرَمِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ اقْتَضَتْ عِبَارَةُ ابْنِ الْمُقْرِي تَبَعًا لِغَيْرِهِ حُرْمَةِ ذَلِكَ (وَقِيلَ) يَحِلُّ نَظَرُ (مَا يَبْدُو فِي الْمِهْنَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا: أَيْ الْخِدْمَةِ، وَهُوَ الرَّأْسُ وَالْعُنُقُ وَالْيَدَانِ إلَى الْعَضُدَيْنِ وَالرِّجْلَانِ إلَى الرُّكْبَتَيْنِ (فَقَطْ) إذْ لَا ضَرُورَةَ لِنَظَرِ مَا سِوَاهُ.

(وَالْأَصَحُّ حِلُّ) (النَّظَرِ بِلَا شَهْوَةٍ) وَلَا خَوْفِ فِتْنَةٍ (إلَى الْأَمَةِ) وَلَوْ أُمَّ وَلَدٍ وَخَرَجَ بِهَا الْمُبَعَّضَةُ فَكَالْحُرَّةِ قَطْعًا وَقِيلَ عَلَى الْأَصَحِّ: وَالثَّانِي يَحْرُمُ إلَّا مَا يَبْدُو فِي الْمِهْنَةِ إذْ لَا حَاجَةَ، وَالثَّالِثُ يَحْرُمُ نَظَرُهَا كُلُّهَا كَالْحُرَّةِ وَسَيَأْتِي تَرْجِيحُهُ (إلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ) فَلَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ عَوْرَتُهَا فِي الصَّلَاةِ فَأَشْبَهَتْ الرَّجُلَ وَالنَّظَرُ بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ قَطْعًا لِكُلِّ مَنْظُورٍ إلَيْهِ مِنْ مَحْرَمٍ وَغَيْرِهِ غَيْرُ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَالتَّعَرُّضُ لَهُ هُنَا فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لَيْسَ لِلِاخْتِصَاصِ بَلْ لِحِكْمَةٍ تَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ قَالَهُ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَالْبَعْضُ الَّذِي تَعَرَّضَ لَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ مَسْأَلَةُ الْأَمَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْأَمْرَدِ، وَأَفَادَ بِمَفْهُومِ تَعَرُّضِهِ أَنَّ تَحْرِيمَ نَظَرِ الْأَمَةِ وَالصَّغِيرَةِ بِشَهْوَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الرَّافِعِيِّ وَالْمُصَنِّفِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا فِي الْأَمَةِ وَالْأَمْرَدِ عِنْدَ انْتِفَائِهَا، وَالْحِكْمَةُ مَعَ مَا ذَكَرْته أَنَّ الْأَمَةَ لَمَّا أَنْ كَانَتْ فِي مَظِنَّةِ الِامْتِهَانِ وَالِابْتِذَالِ فِي الْخِدْمَةِ وَمُخَالَطَةِ الرِّجَالِ وَكَانَتْ عَوْرَتُهَا فِي الصَّلَاةِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتهَا فَقَطْ كَالرَّجُلِ رُبَّمَا تَوَهَّمَ جَوَازُ النَّظَرِ إلَيْهَا وَلَوْ بِشَهْوَةٍ لِلْحَاجَةِ، وَأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَمَّا أَنْ كَانَتْ لَيْسَتْ مَظِنَّةً لِلشَّهْوَةِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ عَدَمِ تَمْيِيزِهَا رُبَّمَا تُوُهِّمَ جَوَازُ النَّظَرِ إلَيْهَا وَلَوْ بِشَهْوَةٍ، وَأَنَّ الْأَمْرَدَ لَمَّا أَنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الرِّجَالِ وَكَانَتْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَى مُخَالَطَتِهِمْ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ رُبَّمَا تُوُهِّمَ جَوَازُ نَظَرِهِمْ إلَيْهِ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ لِلْحَاجَةِ بَلْ لِلضَّرُورَةِ، فَدَفَعَ تِلْكَ التَّوَهُّمَاتِ بِتَعَرُّضِهِ الْمَذْكُورِ، وَأَفَادَ بِهِ تَحْرِيمَ نَظَرِ كُلٍّ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إلَى الْآخِرِ بِشَهْوَةٍ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمَا زَوْجِيَّةٌ وَلَا مَحْرَمِيَّةٌ وَلَا سَيِّدِيَّةٌ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَتَحْرِيمُ نَظَرِ كُلٍّ مِنْ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إلَى الْمَرْأَةِ وَالْمَحْرَمِ إلَى مَحْرَمِهِ بِشَهْوَةٍ بِطَرِيقِ الْمُسَاوَاةِ وَنَاهِيَك بِحُسْنِ تَعَرُّضِهِ الْمَذْكُورِ (وَ) الْأَصَحُّ حِلُّ النَّظَرِ (إلَى صَغِيرَةٍ) لَا تُشْتَهَيْ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَظِنَّةٍ لِلشَّهْوَةِ لِجَرَيَانِ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ حِكَايَةُ الْخِلَافِ فِيهَا: أَيْ فَضْلًا عَنْ الْإِشَارَةِ لِقُوَّتِهِ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ، وَتَجْوِيزُ الْمَاوَرْدِيِّ النَّظَرَ لِمَنْ لَا تُشْتَهَيْ، وَإِنْ بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ غَيْرُ حَاصِرٍ، إذْ الْوَجْهُ ضَبْطُهُ بِمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الِاشْتِهَاءِ وَعَدَمُهُ عِنْدَ أَهْلِ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ فَإِنْ لَمْ تُشْتَهَ لَهُمْ لِتَشَوُّهٍ بِمَا قَدَّرَ فِيمَا يَظْهَرُ زَوَالَ تَشَوُّهِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُشْتَهَاةٌ لَهُمْ حِينَئِذٍ حُرِّمَ نَظَرُهَا وَإِلَّا فَلَا

[حاشية الشبراملسي]

النَّظَرُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: وَكَسْرِهَا) أَيْ وَفَتْحِهَا أَيْضًا اهـ دَمِيرِيٌّ

(قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي تَرْجِيحُهُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِكُلِّ مَنْظُورٍ إلَيْهِ) يَشْمَلُ عُمُومُهُ الْجَمَادَاتِ فَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهَا بِشَهْوَةٍ (قَوْلُهُ: وَالتَّعَرُّضُ لَهُ) أَيْ النَّظَرُ بِشَهْوَةٍ (قَوْلُهُ: ضَبْطُهُ بِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ بَلَغَتْ حَدًّا تَشْتَهِي فِيهِ إلَخْ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَالثَّانِي يَحْرُمُ إلَّا مَا يَبْدُو فِي الْمَهْنَةِ إلَخْ) مَحَلُّ ذِكْرِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الَّذِي هُوَ جُزْءٌ مِنْ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: فَدَفَعَ تِلْكَ التَّوَهُّمَاتِ بِتَعَرُّضِهِ الْمَذْكُورِ) قَالَ الشِّهَابُ سم: وَأَقُولُ: قَدْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي تَوْجِيهِ التَّقْيِيدِ فِي النَّظَرِ إلَى الْأَمْرَدِ مُقْتَضَاهُ أَنَّ التَّعَرُّضَ لَهُ فِي نَظَرِ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إلَى الْمَرْأَةِ أَوْلَى مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُ فِي نَظَرِ الْأَمْرَدِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَكَانَ يَنْبَغِي التَّعَرُّضُ لَهُ فِيمَا ذُكِرَ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ حُكْمُ نَظَرِ الْأَمْرَدِ بِالْأَوْلَى فَلْيُتَأَمَّلْ.
اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَالْبَعْضُ الَّذِي تَعَرَّضَ لَهُ الْمُصَنِّفُ إلَى آخِرِ السَّوَادَةِ هُوَ عِبَارَةُ فَتَاوَى وَالِدِهِ بِالْحَرْفِ، لَكِنْ فِي الشَّارِحِ إسْقَاطُ بَعْضِ أَلْفَاظٍ مِنْ الْفَتَاوَى لَا بُدَّ مِنْهَا لَعَلَّهُ مِنْ الْكَتَبَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا مَحْرَمِيَّةَ)

وَفَارَقَتْ الْعَجُوزَ بِسَبْقِ اشْتِهَائِهَا وَلَوْ تَقْدِيرًا فَاسْتُصْحِبَ وَلَا كَذَلِكَ الصَّغِيرَةُ (إلَّا) (لِلْفَرْجِ) فَلَا يَحِلُّ نَظَرُهُ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: كَصَاحِبِ الْعِدَّةِ اتِّفَاقًا، وَرَدَّ الْمُصَنِّفُ دَعْوَى الِاتِّفَاقِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ جَوَّزَهُ جَزْمًا فَلَيْسَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا بَلْ فِيهِ خِلَافٌ لَا أَنَّهُ رَدٌّ لِلْحُكْمِ كَمَا فَهِمَهُ ابْنُ الْمُقِرِّي كَكَثِيرٍ فَصَرَّحَ بِالْجَوَازِ.
وَأَمَّا فَرْجُ الصَّغِيرِ فَكَفَرْجِ الصَّغِيرَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدَةِ، وَإِنْ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي وَتَبِعَهُ السُّبْكِيُّ بِجَوَازِ النَّظَرِ إلَيْهِ إلَى التَّمْيِيزِ، فَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ «أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عِيَاضٍ قَالَ: رُفِعْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صِغَرِي وَعَلَيَّ خِرْقَةٌ وَقَدْ كُشِفَتْ عَوْرَتِي فَقَالَ: غَطُّوا عَوْرَتَهُ فَإِنَّ حُرْمَةَ عَوْرَةِ الصَّغِيرِ كَحُرْمَةِ عَوْرَةِ الْكَبِيرِ، وَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى كَاشِفِ عَوْرَتِهِ» وَاسْتَثْنَى ابْنُ الْقَطَّانِ الْأُمَّ زَمَنَ الرَّضَاعِ وَالتَّرْبِيَةِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيُلْحَقُ غَيْرُ الْأُمِّ مِمَّنْ يَرْضَعُ بِهَا فِيمَا يَظْهَرُ.

(وَأَنَّ نَظَرَ الْعَبْدِ) الْعَدْلِ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ، وَلَا تَكْفِي الْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا فَقَطْ خِلَافًا لِابْنِ الْعِمَادِ غَيْرِ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُبَعَّضِ وَغَيْرُ الْمُكَاتَبِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْقَاضِي وَأَقَرَّهُ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَفَاءٌ خِلَافًا لِلْقَاضِي (إلَى سَيِّدَتِهِ) الْعَفِيفَةِ كَمَا قَالَهُ الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُ (وَنَظَرٌ مَسْمُوحٍ) ذَكَرَهُ كُلُّهُ وَأُنْثَيَاهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبْقَى فِيهِ مَيْلٌ لِلنِّسَاءِ أَصْلًا وَإِسْلَامُهُ فِي الْمُسْلِمَةِ وَعَدَالَتُهُ وَلَوْ أَجْنَبِيًّا لِأَجْنَبِيَّةٍ مُتَّصِفَةٌ بِالْعَدَالَةِ أَيْضًا (كَالنَّظَرِ إلَى مَحْرَمٍ) فَيَنْظُرَانِ مِنْهَا مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَتَنْظُرُ مِنْهُمَا ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ﴾ [النور: 31] وَيَلْحَقَانِ بِالْمَحْرَمِ أَيْضًا فِي الْخَلْوَةِ وَالسَّفَرِ، وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ: لَا أَحْسَبُ فِي تَحْرِيمِ سَفَرِ الْمَمْسُوحِ مَعَهَا خِلَافًا مَمْنُوعٌ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ دُخُولِهِ عَلَيْهِنَّ بِغَيْرِ حِجَابٍ لَا فِي نَحْوِ حِلِّ الْمَسِّ وَعَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ، بِهِ وَإِنَّمَا حَلَّ نَظَرُهُ لِأَمَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكِيَّةَ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَفَارَقَتْ الْعَجُوزَ إلَخْ) دَفَعَ بِهِ مَا قَدْ يُقَالُ قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْعَجُوزَ لَوْ كَانَتْ شَوْهَاءَ مِنْ صِغَرِهَا وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ بِهَا إلَى أَنْ صَارَتْ عَجُوزًا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ نَظَرُهَا لِعَدَمِ سَبْقِ الشَّهْوَةِ لَهَا، وَوَجْهُ الدَّفْعِ مَا سَبَقَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي كَلَامِهِ مِنْ أَنَّ الشَّوْهَاءَ إذَا بَلَغَتْ سِنًّا تَشْتَهِي فِيهِ يُفْرَضُ زَوَالُ الشَّهْوَةِ (قَوْلُهُ: إلَّا الْفَرْجَ) أَيْ قُبُلًا أَوْ دُبْرًا، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ الْفَرْجِ مَحَلُّهُ إذَا خُلِقَ بِلَا فَرْجٍ أَوْ قُطِعَ ذَكَرُهُ فَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ إعْطَاءً لَهُ حُكْمَ الْفَرْجِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْمُعْتَمَدِ) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ) إضَافَةٌ بَيَانِيَّةٌ: أَيْ لِلضَّرُورَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِهِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَغَيْرِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ وَلَيْسَ مِنْ الْحَاجَةِ مُجَرَّدُ مُلَاعَبَةِ الصَّبِيِّ (قَوْلُهُ: مِمَّنْ يَرْضَعُ بِهَا) التَّعْبِيرُ بِالْإِرْضَاعِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَإِلَّا فَالْمَدَارُ عَلَى مَنْ يَتَعَهَّدُ الصَّبِيَّ بِالْإِصْلَاحِ وَلَوْ ذَكَرًا كَإِزَالَةِ مَا عَلَى فَرْجِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ مَثَلًا وَكَدَهْنِ الْفَرْجِ بِمَا يُزِيلُ ضَرَرَهُ، ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَتَعَاطَى إصْلَاحَهُ بَيْنَ كَوْنِ الْأُمِّ قَادِرَةً عَلَى كَفَالَتِهِ وَاسْتِغْنَائِهَا عَنْ مُبَاشَرَةِ غَيْرِهَا وَعَدَمِهِ

(قَوْلُهُ: الْعَفِيفَةِ) أَيْ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ فِي الْعَبْدِ وَهُوَ الْعَدَالَةُ (قَوْلُهُ: غَيْرُ أُولِي الْإِرْبَةِ) أَيْ الشَّهْوَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا حَلَّ نَظَرُهُ) أَيْ السَّيِّدِ لِأَمَتِهِ: أَيْ كَمَا تَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي كَلَامِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِلزَّوْجِ النَّظَرُ إلَخْ مِنْ قَوْلِهِ وَنَحْوَ أَمَةٍ

[حاشية الرشيدي]

الصَّوَابُ حَذْفُهُ (قَوْلُهُ: لِجَرَيَانِ النَّاسِ عَلَيْهِ إلَخْ) يَنْبَغِي ذِكْرُ الْوَاوِ قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: وَفَارَقَتْ) أَيْ الصَّغِيرَةُ فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: لَا أَنَّهُ رَدٌّ لِلْحُكْمِ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا إذْ هُوَ تَفْسِيرٌ لِمَا أَرَادَهُ الْمُصَنِّفُ بِالرَّدِّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ الْمَذْكُورُ: إنَّمَا هُوَ رَدٌّ لِدَعْوَى الِاتِّفَاق فَقَطْ لَا أَنَّهُ رَدٌّ لِلْحُكْمِ

(قَوْلُهُ: الْعَفِيفَةِ) إنَّمَا قَيَّدَ بِهَذَا هُنَا وَبِالْعَدَالَةِ فِيهَا فِيمَا يَأْتِي نَظَرًا إلَى حِلِّ نَظَرِهَا إلَيْهِ الْآتِي كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِلتَّقْيِيدِ بِذَلِكَ بِالنَّظَرِ لِمُجَرَّدِ نَظَرِهِ إلَيْهَا حَيْثُ لَمْ تَنْظُرْ إلَيْهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَإِسْلَامِهِ) مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ أَنْ لَا يَبْقَى (قَوْلُهُ: لَا فِي نَحْوِ حِلِّ الْمَسِّ) كَأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَالنَّظَرِ إلَى مَحْرَمٍ لَكِنْ فِي صِحَّةِ هَذَا الْعَطْفِ وَقْفَةٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْعَبْدَ وَالْمَمْسُوحَ كَالْمَحْرَمِ فِي حِلِّ النَّظَرِ فَقَطْ لَا فِي نَحْوِ الْمَسِّ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا حَلَّ نَظَرُهُ لِأَمَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ) جَوَابٌ عَمَّا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ

جارٍ التحميل