التَّكْبِيرَةِ لَوْ لَمْ يُسْرِعْ لَمْ يُسَنُّ لَهُ الْإِسْرَاعُ بَلْ يَمْشِي بِسَكِينَةٍ كَمَا لَوْ أَمِنَ فَوْتَهَا لِخَبَرِ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَخَشِيَ فَوَاتَهُ إلَّا بِهِ أَسْرَعَ كَمَا لَوْ خَشِيَ فَوْتَ الْجُمُعَةِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَوْ امْتَدَّ الْوَقْتُ وَكَانَتْ لَا تَقُومُ إلَّا بِهِ وَلَوْ لَمْ يُسْرِعْ لَتَعَطَّلَتْ أَسْرَعَ أَيْضًا، أَمَّا لَوْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ فَالْمَنْقُولُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ عَدَمُ الْإِسْرَاعِ، وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ خِلَافَهُ (وَالصَّحِيحُ) إدْرَاكُ) فَضِيلَةِ (الْجَمَاعَةِ) فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ (مَا لَمْ يُسَلِّمْ) الْإِمَامُ، وَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ مَعَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا تُدْرَكُ إلَّا بِرَكْعَةٍ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ كُلَّهَا رَكْعَةٌ مُكَرَّرَةٌ، فَلَوْ أَتَى بِالنِّيَّةِ وَالتَّحَرُّمِ عَقِبَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِي التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى وَقَبْلَ تَمَامِهَا فَهَلْ يَكُونُ مُحَصِّلًا لِلْجَمَاعَةِ نَظَرًا إلَى إدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَوْ لَا نَظَرًا إلَى أَنَّهُ إنَّمَا عَقَدَ النِّيَّةَ وَالْإِمَامُ فِي التَّحَلُّلِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ جَزَمَ الْإِسْنَوِيُّ بِالْأَوَّلِ، وَقَالَ: إنَّهُ مُصَرَّحٌ بِهِ، وَأَبُو زُرْعَةَ فِي تَحْرِيرِهِ بِالثَّانِي.
قَالَ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ وَهُوَ الْأَقْرَبُ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ، وَيُفْهِمُهُ قَوْلُ ابْنِ النَّقِيبِ فِي التَّهْذِيبِ أَخْذًا مِنْ التَّنْبِيهِ: وَتُدْرَكُ بِمَا قَبْلَ السَّلَامِ انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، أَمَّا الْجُمُعَةُ فَلَا تُدْرَكُ إلَّا بِرَكْعَةٍ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهَا وَنَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ هُنَا، وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَنْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ أَوَّلِهَا ثُمَّ فَارَقَ بِعُذْرٍ أَوْ خَرَجَ الْإِمَامُ بِنَحْوِ حَدَثٍ، وَمَعْنَى إدْرَاكِهَا حُصُولُ أَصْلِ ثَوَابِهَا، وَأَمَّا كَمَالُهُ فَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِإِدْرَاكِهَا مَعَ الْإِمَامِ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا، وَلِهَذَا قَالُوا: لَوْ أَمْكَنَهُ إدْرَاكُ بَعْضِ جَمَاعَةٍ وَرَجَا إقَامَةَ جَمَاعَةٍ أُخْرَى فَانْتِظَارُهَا أَفْضَلُ لِيَحْصُلَ لَهُ كَمَالُ فَضِيلَتِهَا تَامَّةً، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ مَحَلَّهُ عِنْدَ أَمْنِ فَوْتِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، وَلَوْ فِي حَالَةِ التَّيَقُّنِ، وَإِلَّا فَعَلَهَا مَعَهُمْ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا مَرَّ فِي مُنْفَرِدٍ رَجَا الْجَمَاعَةَ لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ قَصَدَهَا فَلَمْ يُدْرِكْهَا كُتِبَ لَهُ أَجْرُهَا لِحَدِيثٍ فِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ دَلِيلًا لَا نَقْلًا.
(وَلْيُخَفِّفْ الْإِمَامُ) اسْتِحْبَابًا (مَعَ فِعْلِ
[حاشية الشبراملسي]
فَلَوْ قَالَ الرَّكْعَةُ كَانَ أَوْضَحَ (قَوْلُهُ: بَلْ يَمْشِي بِسَكِينَةٍ) أَيْ وَفِي فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ قَصَدَ امْتِثَالَ أَمْرِ الشَّارِعِ بِالتَّأَنِّي أَنْ يُثِيبَهُ عَلَى ذَلِكَ قَدْرَ فَضِيلَةِ التَّحَرُّمِ أَوْ فَوْقَهَا (قَوْلُهُ: أَسْرَعَ) أَيْ وُجُوبًا (قَوْلُهُ: وَكَانَتْ) أَيْ الصَّلَوَاتُ (قَوْلُهُ: أَسْرَعَ أَيْضًا) أَيْ وُجُوبًا (قَوْلُهُ: عَدَمُ الْإِسْرَاعِ) أَيْ نُدِبَ عَدَمُ الْإِسْرَاعِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ) أَيْ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجُلُوسُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِلْمُتَابَعَةِ، وَقَدْ فَاتَتْ بِسَلَامِ الْإِمَامِ، فَإِنْ جَلَسَ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ، وَيَجِبُ الْقِيَامُ فَوْرًا إذَا عَلِمَ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لَا) أَيْ أَوْ لَا تَنْعَقِدُ جَمَاعَةً بَلْ فُرَادَى كَمَا يُفِيدُهُ التَّرْدِيدُ بَيْنَ حُصُولِ الْجَمَاعَةِ وَعَدَمِ حُصُولِهَا، وَلَوْ أَرَادَ عَدَمَ انْعِقَادِهَا أَصْلًا لَقَالَ هَلْ تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ أَوْ لَا.
هَذَا وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ أَصْلًا ثُمَّ رَجَعَ وَاعْتَمَدَ انْعِقَادَهَا فُرَادَى، قَالَ الْخَطِيبُ: وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي انْعِقَادِهَا فُرَادَى مَا لَوْ تَقَارَنَا (قَوْلُهُ: فَلَا تُدْرَكُ إلَّا بِرَكْعَةٍ) أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ صَحَّتْ قُدْوَتُهُ، وَحَصَلَتْ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ وَصَلَّى ظُهْرًا، فَقَوْلُهُ أَوَّلًا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ لَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُدْرَكُ بِمَا ذَكَرَ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ قُبَيْلَ السَّلَامِ، لَا أَنَّ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ لَا تَحْصُلُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الظَّاهِرَ مِنْ عِبَارَتِهِ (قَوْلُهُ: لَوْ أَمْكَنَهُ إدْرَاكُ بَعْضِ جَمَاعَةٍ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ إدْرَاكِ إمَامِ الْأُولَى بَعْدَ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَبَيْنَ إدْرَاكِهِ قَبْلَهُ كَأَنْ أَدْرَكَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْجَمَاعَةِ الْأُولَى أَكْثَرَ أَوْ لَا.
وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ: وَيُسَنُّ لِجَمْعٍ حَضَرُوا وَالْإِمَامُ قَدْ فَرَغَ مِنْ الرُّكُوعِ الْأَخِيرِ أَنْ يَصْبِرُوا إلَى أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ ثُمَّ يَحْرُمُوا مَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ، وَإِنْ خَرَجَ بِالتَّأْخِيرِ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ عَلَى الْأَوْجَهِ، وَكَذَا لَوْ سَبَقَ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ وَرَجَا جَمَاعَةً يُدْرِكُ مَعَهُمْ الْكُلَّ: أَيْ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُجُودُهُمْ وَكَانُوا مُسَاوِينَ لِهَذِهِ الْجَمَاعَةِ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ، فَمَتَى كَانَ فِي هَذِهِ شَيْءٌ مِمَّا يُقَدَّمُ بِهِ الْجَمْعُ الْقَلِيلُ كَانَتْ أَوْلَى (قَوْلُهُ: لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا) أَيْ وَهُوَ أَنَّهُ فِيمَا نَحْنُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْأَبْعَاضِ وَالْهَيْئَاتِ) أَيْ بَقِيَّةِ السُّنَنِ جَمِيعُ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ بِحَيْثُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَقَلِّ وَلَا يَسْتَوْفِي الْأَكْمَلَ السَّابِقَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَإِلَّا كُرِهَ بَلْ يَأْتِي بِأَدْنَى الْكَمَالِ لِخَبَرِ «إذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطِلْ مَا شَاءَ» (إلَّا أَنْ يَرْضَى) جَمِيعُهُمْ (بِتَطْوِيلِهِ) لَفْظًا أَوْ سُكُوتًا مَعَ عِلْمِهِ بِرِضَاهُمْ فِيمَا يَظْهَرُ وَهُمْ (مَحْصُورُونَ) لَا يُصَلِّي وَرَاءَهُ غَيْرُهُمْ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِهِمْ حَقٌّ كَأُجَرَاءِ عَيْنٍ عَلَى عَمَلٍ نَاجِزٍ وَأَرِقَّاءَ وَمُتَزَوِّجَاتٍ كَمَا مَرَّ وَهُوَ بِمَسْجِدٍ غَيْرِ مَطْرُوقٍ وَلَمْ يَطْرَأْ غَيْرُهُمْ فَيُسَنُّ لَهُ التَّطْوِيلُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَطْوِيلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فَإِنْ انْتَفَى شَرْطٌ مِمَّا ذُكِرَ كُرِهَ لَهُ التَّطْوِيلُ فَإِنْ جَهِلَ حَالَهُمْ أَوْ اخْتَلَفُوا لَمْ يُطَوِّلْ إلَّا إنْ قَلَّ مَنْ لَمْ يَرْضَ وَكَانَ مُلَازِمًا فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَا يَفُوتُ حَقُّ الرَّاضِينَ لِهَذَا الْفَرْدِ الْمُلَازِمِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَرَّةً أَوْ نَحْوَهَا خَفَّفَ لِأَجْلِهِ، كَذَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَهُوَ حَسَنٌ مُتَعَيَّنٌ.
وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَفَّفَ لِبُكَاءِ الصَّغِيرِ وَشَدَّدَ النَّكِيرَ عَلَى مُعَاذٍ فِي تَطْوِيلِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ، وَمِنْ أَنَّ مَفْسَدَةَ تَنْفِيرِ غَيْرِ الرَّاضِي لَا تُسَاوِي مَصْلَحَتَهُ، رُدَّ بِأَنَّ قِصَّةَ بُكَاءِ الصَّبِيِّ وَمُعَاذٍ لَا كَثْرَةَ فِيهِمَا فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ.
أَمَّا الْأَرِقَّاءُ وَالْأُجَرَاءُ الْمَذْكُورُونَ فَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ التَّطْوِيلُ عَلَى مِقْدَارِ صَلَاتِهِمْ عَلَى الِانْفِرَادِ بِغَيْرِ إذْنِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ.
(وَيُكْرَهُ) لِلْإِمَامِ (التَّطْوِيلُ لِيَلْحَقَ آخَرُونَ) لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الْحَاضِرِينَ مَعَ تَقْصِيرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ بِعَدَمِ الْمُبَادَرَةِ، لَا سِيَّمَا وَفِي عَدَمِ انْتِظَارِهِمْ حَثٌّ عَلَى مُبَادَرَتِهِمْ لَهَا وَسَوَاءٌ أَجَرَتْ عَادَتُهُمْ بِالْحُضُورِ أَمْ لَا، وَمَا وَرَدَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثِ صَحِيحَةٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُطِيلُ الْأُولَى لِيُدْرِكَهَا النَّاسُ فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ إطْلَاقِهِمْ مَا لَمْ يُبَالِغْ فِي تَطْوِيلِهَا غَيْرُ مُنَافٍ لِمَا تَقَرَّرَ، إذْ تَطْوِيلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَهَا عَلَى الثَّانِيَةِ لَيْسَ لِهَذَا الْقَصْدِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِ النَّشَاطِ فِيهَا أَكْثَرَ وَالْوَسْوَسَةِ أَقَلَّ، وَمَنْ صَرَّحَ بِأَنَّ حِكْمَتَهُ إدْرَاكُ قَاصِدِ الْجَمَاعَةِ لَهَا مُرَادُهُ بِهِ أَنَّهُ مِنْ فَوَائِدِهَا لَا أَنَّهُ يَقْصِدُ تَطْوِيلَهَا لِذَلِكَ.
وَقَوْلُ الرَّاوِي كَيْ يُدْرِكَهَا النَّاسُ تَعْبِيرٌ بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ لَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَصَدَ ذَلِكَ، فَالْحَقُّ مَا قَالُوهُ مِنْ تَطْوِيلِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ وَأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ، وَأَيْضًا
[حاشية الشبراملسي]
فِيهِ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ فِي الصَّلَاتَيْنِ غَايَتُهُ أَنَّهَا فِي الثَّانِيَةِ أَكْمَلُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتَوْفِي الْأَكْمَلَ) عَمِيرَةُ اُنْظُرْ اسْتِيفَاءَهُ الم ~ وَهَلْ أَتَى يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْوَجْهُ اسْتِثْنَاءُ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ مِمَّا وَرَدَ بِخُصُوصِهِ، ثُمَّ رَأَيْت م ر جَزَمَ بِذَلِكَ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُهُ وَلَا يَسْتَوْفِي الْأَكْمَلَ لَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَبْعَاضِ فَإِنَّهُ لَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَلَا مِنْ الْقُنُوتِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ (قَوْلُهُ: بَلْ يَأْتِي بِأَدْنَى الْكَمَالِ) وَمِنْهُ الدُّعَاءُ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَيَأْتِي بِهِ الْإِمَامُ وَلَوْ لِغَيْرِ مَحْصُورِينَ لِقِلَّتِهِ.
(قَوْلُهُ: لِخَبَرِ «إذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ» إلَخْ) عَمِيرَةُ.
وَلَهُمَا أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «مَا صَلَّيْت خَلْفَ أَحَدٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: الضَّعِيفُ وَالسَّقِيمُ) يَجُوزُ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّقِيمِ مَنْ بِهِ مَرَضٌ عُرْفًا، وَبِالضَّعِيفِ مَنْ بِهِ ضَعْفٌ بِنْيَةٍ كَنَحَافَةٍ وَنَحْوِهَا وَلَيْسَ فِيهِ مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْمُتَعَارَفَةِ (قَوْلُهُ: فَلْيُطِلْ مَا شَاءَ) مِنْ تَتِمَّةِ الْحَدِيثِ (قَوْلُهُ: حَسَنٌ مُتَعَيَّنٌ) قَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: وَخَالَفَهُمَا أَيْ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ السُّبْكِيُّ انْتَهَى.
وَعَدَمُ تَعَرُّضِ الشَّارِحِ لِمَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ ظَاهِرٌ فِي اعْتِمَادِ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ (قَوْلُهُ: عَلَى الِانْفِرَادِ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ عَنْ الشَّارِحِ فِي كَلَامِ سم مَنْهَجٍ فَلْيُتَأَمَّلْ.
إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ صَلَاتِهِمْ مَعَ الِانْفِرَادِ حَيْثُ أَتَوْا فِيهَا بِأَدْنَى الْكَمَالِ مِمَّا يُطْلَبُ لَا يَنْقُصُ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: لَا تُسَاوِي مَصْلَحَتَهُ) أَيْ الرَّاضِي.
(قَوْلُهُ: لَيْسَ لِهَذَا الْقَصْدِ) يُنَاقِضُهُ مَا قَرَّرَهُ قَبْلُ أَنَّهُ بِهَذَا الْقَصْدِ، وَكَأَنَّ مَا مَرَّ نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّقْلِ، وَقَصَدَ بِقَوْلِهِ غَيْرَ مَنَافٍ إلَخْ الرَّدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَفِ بِهِ الْعِبَارَةُ ثُمَّ رَأَيْته
فَالْكَرَاهَةُ هُنَا فِي تَطْوِيلٍ زَائِدٍ عَلَى هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَطْوِيلَ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ مِنْ هَيْئَاتِهَا، وَجَزْمُهُمْ بِالْكَرَاهَةِ هُنَا وَحِكَايَتُهُمْ لِلْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ عَقِبَهَا ظَاهِرٌ لِتَأَكُّدِ حَقِّ الدَّاخِلِ ثُمَّ بِلُحُوقِهِ فِيمَا يَتَوَقَّفُ انْتِظَارُهُ فِيهِ عَلَى إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ أَوْ الْجَمَاعَةِ فَعُذِرَ بِانْتِظَارِهِ بِخِلَافِهِ هُنَا؛ وَلِأَنَّ تِلْكَ فِيمَنْ دَخَلَ وَأَحَسَّ بِهِ الْإِمَامُ بِخِلَافِهِ هُنَا، وَلَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ كُرِهَ الِانْتِظَارُ أَيْضًا.
وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ: وَلَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ لَمْ يَحِلَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْتَظِرَ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ مَعْنَاهُ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَحِلُّ حِلًّا مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، فَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا، وَإِنْ جَزَمَ فِي الْعُبَابِ بِالْحُرْمَةِ بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ.
(وَلَوْ) (أَحَسَّ) الْإِمَامُ (فِي الرُّكُوعِ) الَّذِي تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ (أَوْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ بِدَاخِلٍ) مَحَلَّ الصَّلَاةِ لِيَأْتَمَّ بِهِ (لَمْ يُكْرَهْ انْتِظَارُهُ) (فِي الْأَظْهَرِ) مِنْ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ مُلَفَّقَةٍ مِنْ طُرُقٍ ثَمَانِيَةٍ؛ لِعُذْرِهِ بِإِدْرَاكِهِ الرَّكْعَةَ أَوْ الْجَمَاعَةَ (إنْ لَمْ يُبَالِغْ فِيهِ) أَيْ التَّطْوِيلِ، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ لَوْ وَزَّعَ عَلَى جَمِيعِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ لَظَهَرَ لَهُ أَثَرٌ مَحْسُوسٌ فِي كُلٍّ عَلَى انْفِرَادِهِ كُرِهَ لَوْ لَحِقَ آخَرُ، وَكَانَ انْتِظَارُهُ وَحْدَهُ لَا يُؤَدِّي إلَى الْمُبَالَغَةِ وَلَكِنْ يُؤَدِّي إلَيْهَا مَعَ ضَمِيمَتِهِ إلَى الْأَوَّلِ كَانَ مَكْرُوهًا بِلَا شَكٍّ قَالَهُ الْإِمَامُ (وَلَمْ يَفْرُقْ) بِضَمِّ الرَّاءِ (بَيْنَ الدَّاخِلِينَ) بِانْتِظَارِ بَعْضِهِمْ لِنَحْوِ دِينٍ أَوْ صَدَاقَةٍ أَوْ مُلَازَمَةٍ دُونَ بَعْضٍ، بَلْ يُسَوِّي بَيْنَهُمْ فِي الِانْتِظَارِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ مَيَّزَ بَيْنَهُمْ وَلَوْ لِنَحْوِ شَرَفٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ انْتَظَرَهُمْ لَا لِلَّهِ تَعَالَى بَلْ لِلتَّوَدُّدِ إلَيْهِمْ كَانَ مَكْرُوهًا، وَإِنْ ذَهَبَ الْفُورَانِيُّ إلَى حُرْمَتِهِ عِنْدَ قَصْدِ التَّوَدُّدِ، وَقَوْلُ الْكِفَايَةِ: إنْ قَصَدَ بِانْتِظَارِهِ غَيْرَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ كَانَ يُمَيِّزُ فِي انْتِظَارِهِ بَيْنَ دَاخِلٍ وَدَاخِلٍ لَمْ يَصِحَّ قَوْلًا وَاحِدًا مَرْدُودٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ مِنْ لَمْ يَسْتَحِبَّ إلَى لَمْ يَصِحَّ بِدَلِيلِ حِكَايَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْبُطْلَانِ قَوْلَيْنِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ بِدَاخِلٍ
[حاشية الشبراملسي]
فِي الْغَالِبِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ: بِالْحُرْمَةِ) لَعَلَّ وَجْهَ الْحُرْمَةِ أَنَّ فِيهِ إيهَامًا لِعَدَمِ تَعْظِيمِ الصَّلَاةِ وَالتَّشَاغُلِ عَنْهَا لِأَغْرَاضٍ دُنْيَوِيَّةٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَحَسَّ الْإِمَامُ) وَفِي نُسْخَةٍ أَوْ الْمُصَلِّي، وَالْأَوْلَى إسْقَاطُهَا إذْ الْمُنْفَرِدُ إذَا أَحَسَّ بِدَاخِلٍ يُرِيدُ الِاقْتِدَاءَ بِهِ يَنْتَظِرُهُ، وَلَوْ مَعَ نَحْوِ تَطْوِيلٍ إلَخْ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ أَوْ الْمُصَلِّي الْإِشَارَةَ إلَى مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلَى الْمُصَلِّي أَوْ الْإِمَامِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.
وَقَوْلُهُ وَخَرَجَ إلَخْ بِالنَّظَرِ إلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ فَيَكُونُ تَفْصِيلًا بَعْدَ إجْمَالٍ (قَوْلُهُ: الَّذِي تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ رُكُوعَيْ الْكُسُوفِ (قَوْلُهُ: مِنْ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ) الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمَحَلِّيِّ ثَلَاثَةٌ فَقَطْ وَعِبَارَتُهُ يُكْرَهُ يُسْتَحَبُّ لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ، لَكِنْ عِبَارَةُ الْخَطِيبِ: وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ إنَّهُ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: لِعُذْرِهِ) أَيْ الْإِمَامِ بِقَصْدِ إدْرَاكِ الْمَأْمُومِ الرَّكْعَةَ إلَخْ، وَلَوْ قَالَ لِعُذْرِهِ بِتَحْصِيلِ الرَّكْعَةِ أَوْ الْجَمَاعَةِ لِلدَّاخِلِ كَانَ أَوْضَحَ (قَوْلُهُ: مَعَ ضَمِيمَتِهِ إلَى الْأَوَّلِ) وَسَوَاءٌ كَانَ دُخُولُ الْآخَرِ فِي الرُّكُوعِ الَّذِي انْتَظَرَ فِيهِ الْأَوَّلُ أَوْ فِي رُكُوعٍ آخَرَ انْتَهَى ابْنُ حَجَرٍ بِالْمَعْنَى.
وَقِيَاسُهُ أَنَّ الْآخَرَ إذَا دَخَلَ فِي التَّشَهُّدِ كَانَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُفَرَّقْ بِضَمِّ الرَّاءِ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: فَرَّقْت بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَرْقًا مِنْ بَابِ قَتَلَ: فَصَلْت أَبْعَاضَهُ، وَفَرَّقَتْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ: فَصَلْت أَيْضًا هَذِهِ اللُّغَةُ الْعَالِيَةُ وَبِهَا قَرَأَ السَّبْعَةُ فِي قَوْلِهِ ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: 25] وَفِي لُغَةٍ مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَقَرَأَ بِهَا بَعْضُ التَّابِعِينَ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: فَرَقْت بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ فَافْتَرَقَا مُخَفَّفٌ، وَفَرَّقْت بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ فَتَفَرَّقَا مُثَقَّلٌ، فَجَعَلَ الْمُخَفَّفَ فِي الْمَعَانِي وَالْمُثَقَّلَ فِي الْأَعْيَانِ، وَاَلَّذِي حَكَاهُ
[حاشية الرشيدي]
كَذَلِكَ فِي عِبَارَةِ التُّحْفَةِ (قَوْلُهُ: وَأَحَسَّ بِهِ الْإِمَامُ بِخِلَافِهِ هُنَا) اسْتَبْعَدَهُ الشِّهَابُ حَجّ فِي تُحْفَتِهِ وَبَيَّنَ وَجْهَ بُعْدِهِ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: الْإِمَامُ) أَيْ عَلَى الْمَرَضِيِّ عِنْدَهُ إذْ هُوَ مَحَلُّ التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ الْآتِي كَمَا أَفْصَحَ بِهِ الشِّهَابُ حَجّ.
وَقَوْلُهُ: أَيْ أَوْ الْمُصَلِّي غَرَضُهُ مِنْهُ إبْدَاءُ مُجَرَّدِ تَجَوُّزِهِ فِي الْعِبَارَةِ فِي تَرْجِيعِ الضَّمِيرِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مَرَضِيٍّ لَهُ بِدَلِيلِ تَصْدِيرِهِ بِالْأَوَّلِ وَإِتْيَانِهِ فِي الثَّانِي بِحَرْفِ التَّفْسِيرِ فَلَا تُنَافِي كَلَامَهُ (قَوْلُهُ: مِنْ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ) بَلْ سِتَّةٌ كَمَا بَيَّنَهَا الْكَمَالُ الدَّمِيرِيِّ
مَنْ أَحَسَّ بِهِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الدُّخُولِ فَلَا يَنْتَظِرُهُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ حَقٍّ لَهُ إلَى الْآنَ.
وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا اُسْتُشْكِلَ بِهِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ إنْ كَانَتْ التَّطْوِيلُ انْتَقَضَ بِخَارِجٍ قَرِيبٍ مَعَ صِغَرِ الْمَسْجِدِ وَدَاخِلٍ بَعِيدٍ مَعَ سِعَتِهِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا الْإِمَامُ الْمُنْفَرِدُ إذَا أَحَسَّ بِدَاخِلِ يُرِيدُ الِاقْتِدَاءَ بِهِ، فَقِيلَ إنَّهُ يَنْتَظِرُهُ وَلَوْ مَعَ نَحْوِ تَطْوِيلٍ طَوِيلٍ لِفَقْدِ مَنْ يَتَضَرَّرُ بِهِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ إمَامَ الرَّاضِينَ بِشُرُوطِهِمْ الْمُتَقَدِّمَةِ كَذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، لَكِنْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ الِانْتِظَارِ مُطْلَقًا كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَإِنْ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ إنَّهُ لَمْ يَقِفْ فِيهِ عَلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ لَا سِيَّمَا إنْ رَجَعَ الضَّمِيرُ فِي أَحَسَّ لِلْمُصَلِّي لَا لِلْإِمَامِ (قُلْت: الْمَذْهَبُ اسْتِحْبَابُ انْتِظَارِهِ) بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْتَظِرُ مَا دَامَ يَسْمَعُ وَقْعَ نَعْلٍ» وَلِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى خَيْرٍ مِنْ إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ أَوْ الْجَمَاعَةِ، وَشَمِلَ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ غَيْرَ مُغْنِيَةٍ عَنْ الْقَضَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ الدَّاخِلُ يَعْتَادُ الْبُطْءَ وَتَأْخِيرَ الْإِحْرَامِ لِلرُّكُوعِ سُنَّ عَدَمُهُ زَجْرًا لَهُ، أَوْ خَشِيَ فَوْتَ الْوَقْتِ بِانْتِظَارِهِ حَرُمَ فِي الْجُمُعَةِ، وَفِي غَيْرِهَا حَيْثُ امْتَنَعَ الْمَدُّ بِأَنْ شَرَعَ
[حاشية الشبراملسي]
غَيْرُهُ أَنَّهُمَا بِمَعْنَى، وَالتَّثْقِيلُ مُبَالَغَةً.
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَبِهِ يَنْدَفِعُ) أَيْ وَبِهَذَا التَّوْجِيهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: لِعَدَمِ ثُبُوتِ حَقٍّ لَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَعَ نَحْوِ تَطْوِيلٍ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ يُرَخِّصُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ كَالْخَوْفِ عَلَى مَالِهِ لَوْ انْتَظَرَ (قَوْلُهُ: عَدَمُ الِانْتِظَارِ) مُعْتَمَدٌ، وَقَوْلُهُ مُطْلَقًا: أَيْ إمَامًا أَوْ غَيْرَهُ رَضِيَ الْمَأْمُومُونَ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ إلَخْ) قَضِيَّةُ مَا نَقَلَهُ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ الشَّارِحِ اعْتِمَادُ هَذَا، وَعِبَارَتُهُ قَوْلُهُ: فِي رُكُوعٍ أَوَّلٍ إلَخْ.
قَرَّرَ م ر أَنَّ الِانْتِظَارَ فِي ذَلِكَ مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَكُونُوا غَيْرَ مَحْصُورِينَ وَلَمْ يَرْضَوْا بِالتَّطْوِيلِ، ثُمَّ قَالَ: يُسَنُّ الِانْتِظَارُ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مَحْصُورِينَ وَلَمْ يَرْضَوْا.
وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ أَوَّلًا إذَا لَمْ يَكُونُوا غَيْرَ مَحْصُورِينَ، وَقَوْلِهِ ثَانِيًا وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مَحْصُورِينَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِانْتِظَارِ فِي الْأَوَّلِ مَا فُقِدَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ، وَبِالثَّانِي مَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ، وَقَوْلُهُ لَا سِيَّمَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَكِنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إلَخْ (قَوْلُهُ: غَيْرُ مُغْنِيَةٍ) كَالْمُتَيَمِّمِ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ (قَوْلُهُ: سُنَّ عَدَمُهُ زَجْرًا لَهُ) وَيَنْبَغِي أَنَّهُ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ إلَى قَوْلِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ) مِنْ تَمَامِ الْقِيلِ وَقَائِلُهُ الشِّهَابُ حَجّ إلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ بَدَلَ قَوْلِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالشَّارِحُ كَأَنَّهُ تَبِعَهُ أَوَّلًا كَمَا فِي نُسَخٍ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَلْحَقَ فِي نُسَخٍ لَفْظَ فَقِيلَ عَقِبَ قَوْلِهِ يُرِيدُ الِاقْتِدَاءَ بِهِ، ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ لَكِنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إلَخْ، كَمَا أَلْحَقَ فِي هَذِهِ النُّسَخِ لَفْظَ أَيْ أَوْ الْمُصَلِّي فِيمَا مَرَّ فِي حَلِّ الْمَتْنِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ الِانْتِظَارِ) يَعْنِي الْمُشْتَمِلَ عَلَى مُبَالَغَةٍ، وَقَوْلُهُ: مُطْلَقًا: أَيْ سَوَاءٌ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ.
وَعِبَارَتُهُ: مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِي الْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ إنْ لَمْ يَجْعَلْ الضَّمِيرَ فِي أَحَسَّ عَائِدًا إلَى الْإِمَامِ بَلْ إلَى الْمُصَلِّي وَهُوَ الْمُتَّجِهُ اهـ.
لَكِنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ فِيمَا فَرَضَ فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ كَلَامَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ كَلَامَ الْكِفَايَةِ مَفْرُوضٌ فِي إمَامِ الرَّاضِينَ خَاصَّةً.
وَعِبَارَتُهُ: فَائِدَةٌ: هَلْ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَغَيْرِهِ مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا لَمْ يُؤْثِرْ الْمَأْمُومُونَ التَّطْوِيلَ أَوْ يَشْمَلُ الْحَالَيْنِ؟ هَذَا لَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى نَقْلٍ، وَلَكِنَّ كَلَامَ بَعْضِهِمْ يُفْهِمُ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا لَمْ يُؤْثِرْهُ وَإِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ، عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْكِفَايَةِ مِنْ عَدَمِ وُقُوفِهِ عَلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِفَرْضِ أَنَّ فَرْضَ كَلَامِهِمَا وَاحِدٌ حَتَّى يَسُوغَ لِلشَّارِحِ أَخْذُهُ غَايَةً لَهُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ إلَخْ، ثُمَّ قَوْلُهُ: لَا سِيَّمَا إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي مَا ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ سَوَاءٌ أَجَعَلَ الضَّمِيرَ فِيهِ رَاجِعًا إلَى الْمُصَلِّي كَمَا مَرَّ فِي كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ
فِيهَا وَلَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِهَا مَا يَسَعُ جَمِيعُهَا، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَرَى إدْرَاكَ الرَّكْعَةِ بِالرُّكُوعِ أَوْ الْجَمَاعَةِ بِالتَّشَهُّدِ كُرِهَ كَالِانْتِظَارِ فِي غَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الِانْتِظَارِ لِلْمُقْتَدِي وَلَا مَصْلَحَةَ لَهُ هُنَا كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ صَلَاةِ الْخُسُوفِ (وَلَا يَنْتَظِرُ فِي غَيْرِهِمَا) أَيْ الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ مِنْ قِيَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيُكْرَهُ إذْ لَا فَائِدَةَ لَهُ، وَقَدْ يُسَنُّ الِانْتِظَارُ كَمَا فِي الْمُوَافِقِ الْمُتَخَلِّفِ بِإِتْمَامِ الْفَاتِحَةِ فِي السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ؛ لِفَوَاتِ رَكْعَتِهِ بِقِيَامِهِ مِنْهَا قَبْلَ رُكُوعِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ اسْتِحْبَابِ انْتِظَارِ بَطِيءِ الْقِرَاءَةِ أَوْ النَّهْضَةِ مَحَلُّ نَظَرٍ.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ إنْ تَرَتَّبَ عَلَى انْتِظَارِهِمَا إدْرَاكٌ سُنَّ بِشَرْطِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ كَرَاهَةِ الِانْتِظَارِ عَنْ فَقْدِ شَرْطٍ مِنْ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَلَوْ عَلَى تَصْحِيحِ الْمُصَنِّفِ النَّدْبُ هُنَا هُوَ مَا فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ، وَجَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ تَبَعًا لِصَاحِبِ الرَّوْضِ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَا فَهِمَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْكَرَاهَةِ عَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ، وَمِنْ عَدَمِ اسْتِحْبَابِهِ: أَيْ إبَاحَتِهِ عَلَى الثَّانِي.
وَلَوْ رَأَى مُصَلٍّ نَحْوَ حَرِيقٍ خَفَّفَ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْقَطْعُ؟ وَجْهَانِ.
أَوْجَهُهُمَا لُزُومُهُ لِإِنْقَاذِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ وَيَجُوزُ لَهُ لِإِنْقَاذِ نَحْوِ مَالٍ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ أَحَسَّ هِيَ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ، قَالَ تَعَالَى ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: 98] وَفِي لُغَةٍ غَرِيبَةٍ بِلَا هَمْزٍ.
(وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي) مَكْتُوبَةً وَلَوْ مَغْرِبًا عَلَى الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا عَلَيْهِ يَسَعُ تَكَرُّرُهَا مَرَّتَيْنِ بَلْ أَكْثَرَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِيهِ مُؤَدَّاهُ (وَحْدَهُ وَكَذَا جَمَاعَةً فِي الْأَصَحِّ إعَادَتُهَا) بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لَا الِاصْطِلَاحِيِّ مَرَّةً فَقَطْ (مَعَ جَمَاعَةٍ يُدْرِكُهَا) فِي الْوَقْتِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِثْلَ جَمَاعَةِ الْأُولَى أَمْ أَقَلَّ مِنْهَا أَمْ أَكْثَرَ كَمَا سَيَأْتِي،، وَإِنْ زَادَتْ الْأُولَى بِفَضِيلَةٍ
[حاشية الشبراملسي]
لَوْ لَمْ يَفْدِ ذَلِكَ مَعَهُ لَا يَنْتَظِرُهُ أَيْضًا لِئَلَّا يَكُونَ انْتِظَارُهُ سَبَبًا لِتَهَاوُنِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ الْجَمَاعَةُ بِالتَّشَهُّدِ) أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَضُمَّ إلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا لَوْ أَحَسَّ بِدَاخِلٍ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ تُقَامُ جَمَاعَةٌ بَعْدَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ التَّأْخِيرُ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِمْ تَأَمَّلْ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ حَيْثُ عَلِمَ الْإِمَامُ مِنْ الْمَأْمُومِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُدْرِكْ الصَّلَاةَ انْتَظَرَ الْجَمَاعَةَ الَّتِي تُقَامُ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: إذْ لَا فَائِدَةَ لَهُ) نَعَمْ إنْ حَصَلَتْ فَائِدَةٌ كَأَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ رَكَعَ قَبْلَ إحْرَامِ الْمَسْبُوقِ أَحْرَمَ هَاوِيًا سُنَّ انْتِظَارُهُ قَائِمًا.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ: أَيْ وَإِنْ حَصَلَ بِذَلِكَ تَطْوِيلُ الثَّانِيَةِ مَثَلًا عَلَى مَا قَبْلَهَا.
(قَوْلُهُ: نَحْوَ حَرِيقٍ خَفَّفَ) أَيْ نَدْبًا (قَوْلُهُ: أَوْجَهُهُمَا لُزُومُهُ) هَلْ مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ إنْقَاذَهُ إذَا صَلَّى كَشِدَّةِ الْخَوْفِ أَوْ يَجِبُ الْقَطْعُ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الْأَوَّلُ قِيَاسًا عَلَى مَا قَالُوهُ فِيمَنْ خُطِفَ نَعْلَهُ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَوْلُهُ وَيَجُوزُ لَهُ إلَخْ وَقَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِالْجَوَازِ عَدَمُ سَنِّهِ، وَالْأَقْرَبُ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ لَهُ لِإِنْقَاذِ نَحْوِ مَالٍ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ لِيَتِيمٍ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ (قَوْلُهُ: وَفِي لُغَةٍ غَرِيبَةٍ) أَيْ وَاللُّغَتَانِ فِيمَا إذَا كَانَ أَحَسَّ بِمَعْنَى أَدْرَكَ فَلَا يَرِدُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: 152] الْآيَةَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَفِي الْمُخْتَارِ: وَحَسُّوهُمْ اسْتَأْصَلُوهُمْ قَتْلًا وَبَابُهُ رَدَّ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: 152] وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَيْ تَقْتُلُونَهُمْ، مِنْ حَسَّهُ إذَا أَبْطَلَ حَسَّهُ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا جَمَاعَةٌ فِي الْأَصَحِّ) عَمِيرَةُ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْبَيِّنَةِ فِي ذَلِكَ «فِي صَلَاةِ مُعَاذٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ فَعَلَهَا إمَامًا بِقَوْمِهِ» أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ) وَهُوَ فِعْلُهَا ثَانِيًا مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الِاصْطِلَاحِيِّ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لِخَلَلٍ فِي الْأُولَى عَلَى مَا قِيلَ، وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ بَلْ يَكْفِي مُجَرَّدُ الْعُذْرِ فِي فِعْلِ الثَّانِيَةِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ خَلَلٌ فِي الْأُولَى، وَمِنْ الْعُذْرِ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ وَعَلَيْهِ فَهَذِهِ الْإِعَادَةُ اصْطِلَاحِيَّةٌ أَيْضًا، وَيُصَرَّحُ بِذَلِكَ قَوْلُ حَجّ مَا نَصُّهُ: قِيلَ الْمُرَادُ هُنَا مَعْنَاهَا اللُّغَوِيُّ لَا الْأُصُولِيُّ: أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا عِنْدَهُمْ مَا فُعِلَ لِخَلَلٍ فِي الْأُولَى مِنْ فَقْدِ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ، أَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّهَا مَا فُعِلَ لِخَلَلٍ أَوْ عُذْرٍ كَالثَّوَابِ فَيَصِحُّ إرَادَةُ مَعْنَاهَا الْأُصُولِيِّ إذْ هُوَ حِينَئِذٍ فَعَلَهَا ثَانِيًا رَجَاءَ الثَّوَابِ (قَوْلُهُ: مَعَ جَمَاعَةٍ) أَيْ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا (قَوْلُهُ: يُدْرِكُهَا فِي الْوَقْتِ) أَيْ بِأَنْ يُدْرِكَ فِيهِ رَكْعَةً م ر اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا مُؤَدَّاةٌ إذْ الْأَدَاءُ لَا يَكُونُ بِدُونِ الرَّكْعَةِ نَازَعَ فِيهِ حَجّ، وَنَقَلَ الِاكْتِفَاءَ بِالتَّحَرُّمِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَكَوْنِ إمَامِهَا أَعْلَمَ أَوْ أَوْرَعَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يَقْصُرُهُ عَلَى الِانْفِرَادِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ حَصَّلَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ وَرُدَّ بِمَنْعِ ذَلِكَ وَشَمِلَ ذَلِكَ جَمَاعَةَ الْأُولَى بِعَيْنِهِمْ.
وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ إنَّ تَصْوِيرَهُمْ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْإِعَادَةَ إنَّمَا تُسْتَحَبُّ إذَا حَضَرَ فِي الثَّانِيَةِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ فِي الْأُولَى وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِلَّا لَزِمَ اسْتِغْرَاقُ ذَلِكَ الْوَقْتِ، إذْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ اللَّازِمِ مَمْنُوعٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ إنَّمَا يَأْتِي إذَا قُلْنَا إنَّ الْإِعَادَةَ لَا تَتَقَيَّدُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَالرَّاجِحُ تَقْيِيدُهَا بِهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَتَصْوِيرُهُمْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَيُعْمَلُ بِإِطْلَاقِهِمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا تُطْلَبُ الْإِعَادَةُ لِمَنْ الْجَمَاعَةُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْعَارِي فِي الْوَقْتِ كَمَا فِي الْمُعَيَّنِ وَأَقَرُّوهُ وَذَلِكَ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِاثْنَيْنِ رَآهُمَا لَمْ يُصَلِّيَاهَا مَعَهُ وَذَكَرَا أَنَّهُمَا صَلَّيَاهَا فِي رِحَالِهِمَا «إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَاهَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» .
دَلَّ بِتَرْكِهِ الاستفصال مَعَ إطْلَاقِ قَوْلِهِ إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ مُنْفَرِدًا وَلَا بَيْنَ اخْتِصَاصِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ بِفَضْلٍ أَوْ لَا، وَصَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ لَمَّا جَاءَ رَجُلٌ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ: مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ،؟ فَصَلَّى مَعَهُ رَجُلٌ» وَمِنْ ثَمَّ سُنَّتْ الْإِعَادَةُ وَلَوْ مَعَ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى أَوَّلًا مَعَ جَمَاعَةِ كَثِيرِينَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْخَبَرُ، وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى اسْتِحْبَابِ الشَّفَاعَةِ إلَى مَنْ يُصَلِّي مَعَ الْحَاضِرِ مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ فِي عَدَمِ الصَّلَاةِ مَعَهُ، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَحْصُلُ بِإِمَامٍ وَمَأْمُومٍ كَمَا مَرَّ، وَأَنَّ الْمَسْجِدَ الْمَطْرُوقَ لَا تُكْرَهُ فِيهِ جَمَاعَةٌ بَعْدَ جَمَاعَةٍ، وَقَدْ مَرَّ أَيْضًا، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِعَادَةِ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَغَيْرِهِ،
[حاشية الشبراملسي]
فِي الْوَقْتِ مِنْ حَيْثُ حُصُولُ الْجَمَاعَةِ حَتَّى لَوْ أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ عَقِبَ التَّحَرُّمِ كَفَى، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ ذَكَرَهُ: إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ لِتَكُونَ أَدَاءً، وَعِبَارَتُهُ: فَاَلَّذِي يُتَّجَهُ الْآنَ اشْتِرَاطُ رَكْعَةٍ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمَجْمُوعِ يُؤَيِّدُ اشْتِرَاطَ الْكُلِّ اهـ. وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ: فَرْعٌ: لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ إدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْهَا يَنْبَغِي أَنْ تَنْقَلِبَ نَفْلًا مُطْلَقًا.
اهـ.
وَقَوْلُهُ يُدْرِكُهَا فِي الْوَقْتِ أَيْضًا قَالَ عَمِيرَةُ: اقْتَضَى هَذَا أَنَّ مَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ لَا يَنْدُبُ لَهُ إعَادَتُهَا فِي غَيْرِ الْوَقْتِ فِي جَمَاعَةٍ، وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ بِمَا سَلَفَ مِنْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تُسَنُّ فِي الْقَضَاءِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْجَمَاعَةُ مُخْتَلِفًا فِيهَا فِي الْقَضَاءِ وَانْضَمَّ إلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُعَادَةَ تَقَعُ نَفْلًا امْتَنَعُوا مِنْ نَدْبِ ذَلِكَ هُنَا وَاقْتَصَرُوا عَلَى الْوَارِدِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: وَرَدَ بِمَنْعِ ذَلِكَ) وَيُؤَيِّدُ الْمَنْعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَلَاةِ مُعَاذٍ بِقَوْمِهِ بَعْدَ صَلَاتِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: إذْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ اللَّازِمِ) هُوَ قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَزِمَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالرَّاجِحُ تَقْيِيدُهَا) فَلَوْ زَادَ بِالْقِيَاسِ عَدَمُ الِانْعِقَادِ مِنْ الْعَالِمِ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ: أَيْ وَأَمَّا الْجَاهِلُ فَتَقَعُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ نَحْوِ الْعَارِي) أَيْ فَلَا تُسَنُّ الْإِعَادَةُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي حَقِّهِ لَيْسَتْ أَفْضَلَ مِنْ الِانْفِرَادِ، وَقَضِيَّةُ مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا عُمْيًا أَوْ فِي ظُلْمَةٍ اُسْتُحِبَّتْ الْجَمَاعَةُ لَهُمْ تَقْيِيدُ مَا هُنَا مِنْ عَدَمِ سَنِّ الْإِعَادَةِ بِمَا لَوْ كَانَ الْعُرَاةُ بُصَرَاءَ فِي ضَوْءٍ، وَيُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ الْآتِي: أَوْ الْعُرَاةُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ نَدْبِهَا لَهُمْ لَمْ تَنْعَقِدْ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْمُعَيَّنِ) أَيْ لِلْيُمْنَى (قَوْلُهُ: رَآهُمَا لَمْ يُصَلِّيَاهَا مَعَهُ) وَكَانَ ذَلِكَ صَلَاةُ الصُّبْحِ بِمَسْجِدِ الْخَيْفِ.
اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ) أَيْ مَحَلًّا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْجِدًا (قَوْلُهُ: فَيُصَلِّيَ مَعَهُ) هُوَ بِالنَّصْبِ فِي جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ (قَوْلُهُ: فَصَلَّى مَعَهُ رَجُلٌ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اهـ حَجٍ (قَوْلُهُ: مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ فِي عَدَمِ الصَّلَاةِ) أَيْ وَكَذَا غَيْرُهُ حَيْثُ لَمْ يَرِدْ الصَّلَاةَ مَعَهُ.
اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: جَمَاعَةٌ بَعْدَ جَمَاعَةٍ) كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْجَمَاعَةُ الثَّانِيَةُ هُنَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
اهـ حَجّ.
وَأَقَرَّهُ سم عَلَيْهِ.
وَالْإِمَامُ فِي كَلَامِ حَجّ هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَحَلُّ الْقَوْلِ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَأْذَنْ الْإِمَامُ صَرِيحًا أَوْ مَا فِي
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَمَحَلُّ نَدْبِ الْإِعَادَةِ لِمَنْ صَلَّى جَمَاعَةً إذَا كَانَ مِمَّنْ يَرَى جَوَازَ الْإِعَادَةِ، وَإِلَّا فَلَا يُعِيدُ، وَأَنَّهُ لَوْ أَعَادَهَا مُنْفَرِدًا لَمْ تَنْعَقِدْ إلَّا لِسَبَبٍ كَأَنْ كَانَ فِي صَلَاتِهِ الْأُولَى خَلَلٌ.
وَمِنْهُ جَرَيَانُ خِلَافٍ فِي بُطْلَانِهَا كَأَنْ شَكَّ فِي طُهْرٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَأَنَّهُ تَجِبُ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ فِيهَا، وَإِلَّا صَارَ مُنْفَرِدًا وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ فِيمَنْ صَلَّيَا فَرِيضَةً مُنْفَرِدَيْنِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْآخَرِ فِي إعَادَتِهِمَا فَلَا تُسَنُّ الْإِعَادَةُ، وَإِنْ شَمِلَهُ كَلَامُ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِمْ إنَّمَا تُسَنُّ الْإِعَادَةُ لِغَيْرِ مَنْ الِانْفِرَادُ لَهُ أَفْضَلُ، فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، بَلْ الِاقْتِدَاءُ هُوَ الْأَفْضَلُ لِتَحْصِيلِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ فِي فَرْضِ كُلٍّ، وَقَوْلُهُمْ الْمَذْكُورُ
[حاشية الشبراملسي]
مَعْنَاهُ كَأَنْ سَكَتَ وَعَلِمَ رِضَاهُ.
(قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ نَدْبِ الْإِعَادَةِ إلَخْ) لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ إذَا أَرَادَ الْإِعَادَةَ لِتَحْصِيلِ الْفَضِيلَةِ لِمَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْجَمَاعَةَ الْأُولَى اشْتَرَطَ فِي اسْتِحْبَابِ الْإِعَادَةِ لَهُ أَنْ يَكُونَ الْآتِي مِمَّنْ يَرَى جَوَازَ الْإِعَادَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ مَالِكِيًّا مَثَلًا لَا يَرَى جَوَازَ الْإِعَادَةِ لِمَنْ ذَكَرَ، فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ يَرَى لِلْمُصَلَّى مَعَهُ.
وَعِبَارَةُ حَجّ: وَيَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّ نَدْبِهَا مَعَ الْمُنْفَرِدِ إنْ اعْتَقَدَ جَوَازَهَا أَوْ نَدْبَهُ، وَإِلَّا لَمْ تَنْعَقِدْ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهَا تَعُودُ عَلَيْهِ: أَيْ وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ كَانَ الْمُخَالِفُ إمَامًا.
أَمَّا لَوْ كَانَ مَأْمُومًا فَلَا مَانِعَ مِنْ حُصُولِ الْفَضِيلَةِ لِلشَّافِعِيِّ اعْتِبَارًا بِعَقِيدَتِهِ (قَوْلُهُ: لِمَنْ صَلَّى جَمَاعَةً) أَيْ وَأَرَادَ إعَادَتَهَا لِتَحْصِيلِ الْفَضِيلَةِ لِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا يُعِيدُ) أَيْ فَلَوْ أَعَادَ لَمْ تَنْعَقِدْ وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ الشَّافِعِيُّ إمَامًا؛ لِأَنَّ الْمَالِكِيَّ يَرَى بُطْلَانَ الصَّلَاةِ فَلَا قُدْوَةَ (قَوْلُهُ: كَأَنْ كَانَ فِي صَلَاتِهِ الْأُولَى خَلَلٌ) [فَرْعٌ] أَعَادَ الصَّلَاةَ مُنْفَرِدًا لِهَذَا الْخَلَلِ الْمُبْطِلِ عَلَى قَوْلٍ هَلْ تُسَنُّ إعَادَتُهَا ثَالِثًا جَمَاعَةً؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَمَالَ م ر لِلْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَةَ مَمْنُوعَةٌ.
اهـ تَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: الْأَقْرَبُ الِاسْتِحْبَابُ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ الَّتِي فَعَلَهَا بِالنَّظَرِ لِلْخِلَافِ تُعَدُّ أُولَى.
(قَوْلُهُ: كَأَنْ شَكَّ فِي طُهْرٍ أَوْ نَحْوِهِ) وَيَنْبَغِي وِفَاقًا م ر أَنْ يُشْتَرَطَ قُوَّةُ مُدْرِكِ ذَلِكَ الْقَوْلِ، فَهَلْ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ مَسَحَ الشَّافِعِيُّ بَعْضَ رَأْسِهِ وَصَلَّى يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ بِمَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَالْإِعَادَةُ مُرَاعَاةً لِخِلَافِ مَالِكٍ يَتَّجِهُ نَعَمْ فَلْيُتَأَمَّلْ وَهَلْ مِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ فِي الْحَمَّامِ لِقَوْلِ أَحْمَدَ بِبُطْلَانِهَا لَا يَبْعُدُ؟ نَعَمْ إنْ قَوِيَ دَلِيلُهُ عَلَى ذَلِكَ فَلْيُنْظَرْ دَلِيلُهُ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَهَلْ مِمَّا قَوِيَ مُدْرَكُهُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْمُخَالِفِ لَا فَضِيلَةَ فِيهَا أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا تُسَنُّ الْإِعَادَةُ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الشَّيْخِ) أَيْ فِي غَيْرِ شَرْحِ مَنْهَجِهِ (قَوْلُهُ: لِغَيْرِ مَنْ الِانْفِرَادُ لَهُ أَفْضَلُ) أَيْ وَمَا هُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِانْفِرَادَ أَفْضَلُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُعِيدِ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةُ فَرْضٍ خَلْفَ نَفْلٍ، وَلَيْسَ مِمَّا يَكُونُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ نَدْبِ الْإِعَادَةِ لِمَنْ صَلَّى جَمَاعَةً إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَيَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّ نَدْبِهَا مَعَ الْمُنْفَرِدِ إنْ اعْتَقَدَ جَوَازَهَا أَوْ نَدْبَهَا وَإِلَّا لَمْ تَنْعَقِدْ؛ لِأَنَّهَا لَا فَائِدَةَ لَهَا تَعُودُ عَلَيْهِ انْتَهَتْ.
وَعِبَارَةُ الْإِمْدَادِ مَحَلُّ نَدْبِ الْإِعَادَةِ لِمَنْ صَلَّى جَمَاعَةً مَعَ الْمُنْفَرِدِ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَرَى جَوَازَ الْإِعَادَةِ وَلَا يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَإِلَّا لَمْ تَجُزْ مَعَهُ لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى الَّذِي يُعِيدُ لِأَجْلِهِ وَهُوَ الْفَضِيلَةُ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ لَوْ أَعَادَهَا مُنْفَرِدًا إلَخْ) ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْخَبَرِ أَيْضًا، وَفِي أَخْذِ جَمِيعِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْهُ نَظَرٌ ظَاهِرٌ كَأَخْذِ قَوْلِهِ الْآتِي: وَأَنَّهُ لَوْ أَعَادَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ أَوْ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ نَدْبِهَا إلَخْ، وَعُذْرُهُ أَنَّهُ تَابِعٌ فِي غَالِبِ مَا عَبَّرَ بِهِ هُنَا لِعِبَارَةِ الْإِمْدَادِ مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ، فَأَوْهَمَ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْخَبَرِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَعِبَارَةُ الْإِمْدَادِ مُصَدَّرَةٌ بِمَا يُصَحِّحُ الْعَطْفَ فِي الْمَذْكُورَاتِ، بِخِلَافِ عِبَارَةِ الشَّارِحِ، وَعِبَارَتُهُ أَعَنَى الْإِمْدَادَ: وَوَجْهُ سَنِّ الْإِعَادَةِ فِيمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا تَحْصِيلُ الْجَمَاعَةِ فِي فَرِيضَةِ الْوَقْتِ حَتَّى كَأَنَّهَا فُعِلَتْ كَذَلِكَ، وَجَمَاعَةً احْتِمَالُ اشْتِمَالِ الثَّانِيَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ وَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى أَكْمَلَ مِنْهَا ظَاهِرًا.
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا مَسَائِلُ أَبْدَيْتهَا فِي بُشْرَى الْكَرِيمِ فَرَاجِعْهَا فَإِنَّهَا مُهِمَّةٌ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَهَا لَا نَقْلَ فِيهِ، وَمِنْهَا أَنَّ مَحَلَّ نَدْبِ الْإِعَادَةِ لِمَنْ صَلَّى جَمَاعَةً مَعَ الْمُنْفَرِدِ وَانْدَفَعَ فِي بَيَانِهَا بِمَا فِي الشَّرْحِ مَعَ زِيَادَةٍ فَجَمِيعُ مَا فِي الشَّارِحِ مِنْ الْمَعْطُوفَاتِ بَعْدَ هَذَا بِقَوْلِهِ وَإِنَّهُ مِنْ مَدْخُولِ هَذَا تَبَعًا لِلْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ حَذْفِ صَدْرِهَا الْمُصَحِّحِ لِذَلِكَ
لَا يَشْمَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
وَأَنَّهُ لَوْ أَعَادَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ أَوْ الْعُرَاةُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ نَدْبِهَا لَهُمْ لَمْ تَنْعَقِدْ.
وَلَوْ أَخْرَجَ نَفْسَهُ الْمُعِيدُ مِنْ الْجَمَاعَةِ كَأَنْ نَوَى قَطْعَ الْقُدْوَةِ فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، إذْ الْمَشْرُوطُ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ، وَشَرْطُ صِحَّتِهَا الْجَمَاعَةُ، إذْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ لَا مُسَوِّغَ لِإِعَادَتِهَا إلَّا هِيَ.
وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ الْجُمُعَةُ حَيْثُ جَازَ لَهُ فِيهَا الِانْفِرَادُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِيهَا فِي الْأُولَى فَقَطْ دُونَ الثَّانِيَةِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا
[حاشية الشبراملسي]
الِانْفِرَادُ فِيهِ أَفْضَلَ الْقُدْوَةِ بِالْمُخَالِفِ لِمَا مَرَّ مِنْ حُصُولِ الْفَضِيلَةِ مَعَهُ، وَأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ تَعَطُّلُ مَسْجِدٍ قَرِيبٍ لِغِيبَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ سم عَلَى حَجّ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ خَلْفَ الْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ أَفْضَلُ مِنْ عَدَمِهَا: أَيْ فَتَجُوزُ الْإِعَادَةُ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمْ.
وَقَوْلُهُ أَفْضَلُ: أَيْ وَكَذَا مِنْ الِانْفِرَادِ لَهُ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْجَمَاعَةِ لِمَا مَرَّ فِي الْعُرَاةِ (قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ) أَيْ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ فِي فَرْضٍ خَلْفَ نَفْلٍ مَحْضٍ، وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ صَلَاةَ كُلٍّ مِنْهُمَا نَفْلٌ، عَلَى أَنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ الْفَرْضِ خَلْفَ النَّفْلِ فِي غَيْرِ الْمُعَادَةِ (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ لَوْ أَعَادَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ إلَخْ) أَيْ أَوْ فِيهِ وَلَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ عَلَى مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَحَلِّ نَدْبِهَا لَهُمْ) بِأَنْ كَانُوا بُصَرَاءَ فِي ضَوْءٍ (قَوْلُهُ: كَأَنْ نَوَى قَطْعَ الْقُدْوَةِ فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ إلَخْ) ظَاهِرُهُ، وَإِنْ انْتَقَلَ لِجَمَاعَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ انْفَرَدَ فِي صَلَاتِهِ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ خَرَجَ لِعُذْرٍ كَأَنْ رُعِفَ إمَامُهُ مَثَلًا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَعَلَيْهِ فَيَشْكُلُ هَذَا بِمَا قَالَهُ سم مِنْ سُجُودِهِ لِسَهْوِ إمَامِهِ بَعْدَ سَلَامِهِ فَإِنَّهُ يُعَدُّ مُنْفَرِدًا حَالَ سُجُودِهِ.
وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ زَمَانَهُ لَمَّا عُدَّ مِنْ تَوَابِعِ الصَّلَاةِ وَكَانَ الْإِمَامُ وَاحِدًا لَمْ يَضُرَّ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ، بِخِلَافِ هَذَا فَيَضُرُّ الِانْفِرَادُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ قَلَّ جِدًّا.
وَبَقِيَ مَا لَوْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ الْأُولَى مَعَ الْإِمَامِ وَاقْتَدَى بِهِ فِي الثَّانِيَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَسْهُوَ الْإِمَامُ بِرُكْنٍ وَيَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ خَامِسَةٍ فَيُدْرِكُهَا جَمِيعَهَا مَعَ الْإِمَامِ هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ نَظَرًا لِذَلِكَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ كَانَ لَابِسَ الْخُفِّ وَعَلِمَ أَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ لَا يَسَعُ الصَّلَاةَ كَامِلَةً حَيْثُ قَالَ الشَّارِحُ بِبُطْلَانِهَا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا لَوْ أَدْرَكَ إمَامَ الْجُمُعَةِ فِي اعْتِدَالِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَمَا بَعْدَهُ حَيْثُ يَنْوِي فِي اقْتِدَائِهِ الْجُمُعَةَ لَا الظُّهْرَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّ إمَامَ الْجُمُعَةِ يَتَذَكَّرُ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَيَتَدَارَكُهُ بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ بَعْدَ اقْتِدَاءِ الْمَسْبُوقِ فَتَحْصُلُ لَهُ الْجُمُعَةُ بِأَنَّهُ فِي الْجُمُعَةِ تَرَدَّدَ فِي كَوْنِهَا تَكُونُ جُمُعَةً أَوْ ظُهْرًا مَعَ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ، وَمَا هُنَا تَرَدُّدٌ فِي أَنَّهَا مُنْعَقِدَةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ فَضَرَّ.
وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ قَارَنَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي بَعْضِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ أَوْ كُلِّهَا هَلْ يَضُرُّ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي الْكُلِّ حَاصِلَةٌ حَقِيقَةً وَفَضْلُهَا حَاصِلٌ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ وَإِنْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ فِيمَا قَارَنَ فِيهِ فَقَطْ.
وَعِبَارَةُ حَجّ: لَكِنْ يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ عَنْ الزَّرْكَشِيّ فِي مَسْأَلَةِ الْمُفَارَقَةِ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي ذَلِكَ بِتَحَرُّمِهَا وَإِنْ انْتَفَى الثَّوَابُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَةُ لِنَحْوِ انْفِرَادٍ عَنْ الصَّفِّ أَوْ مُقَارَنَةِ أَفْعَالِ الْإِمَامِ.
اهـ.
وَسُئِلْت أَيْضًا عَمَّا لَوْ أَحْرَمَ خَلْفَ الْإِمَامِ بَعِيدًا عَنْ الصَّفِّ فَهَلْ تُسَنُّ لَهُ الْإِعَادَةُ مُنْفَرِدًا لِكَرَاهَةِ فِعْلِ ذَلِكَ؟ فَأَجَبْت عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ صَلَاةٍ مَكْرُوهَةٍ تُطْلَبُ إعَادَتُهَا، وَإِعَادَةُ الصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ إنَّمَا هُوَ لِقَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِبُطْلَانِهَا لَا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا مَكْرُوهَةً.
وَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ مَرِيدُ الْإِعَادَةِ مُنْفَرِدًا عَنْ الصَّفِّ ابْتِدَاءً، وَاسْتَمَرَّ إلَى آخِرِهَا وَقُلْنَا بِأَنَّ ذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ حُصُولِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ فَهَلْ تَصِحُّ الْإِعَادَةُ أَوْ لَا وَيَكْفِي مُجَرَّدُ حُصُولِ الْجَمَاعَةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْقِيَاسُ عَدَمُ الصِّحَّةِ لِانْتِفَاءِ الْفَضِيلَةِ فِيهَا.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذِهِ وَمَا ذُكِرَ عَنْ حَجّ بِأَنَّ تِلْكَ حَصَلَ فِيهَا فَضِيلَةُ التَّحَرُّمِ وَعَرَضَتْ الْكَرَاهَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَسْقَطَتْ الْفَضِيلَةَ فِي بَعْضِهَا وَهَذِهِ لَمْ يَحْصُلْ فِيهَا فَضِيلَةٌ أَصْلًا.
وَفِي كَلَامِ سم عَلَى حَجّ: أَنَّ قَضِيَّةَ اشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا إلَى آخِرِهَا أَنَّهُ لَوْ وَافَقَ الْإِمَامَ مِنْ أَوَّلِهَا لَكِنْ تَأَخَّرَ سَلَامُهُ عَنْ سَلَامِ الْإِمَامِ بِحَيْثُ عُدَّ مُنْقَطِعًا عَنْهُ بَطَلَتْ، وَأَنَّهُ لَوْ رَأَى جَمَاعَةً
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَإِنَّهَا فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا مَكْتُوبَةً: أَيْ عَلَى الْأَعْيَانِ الْمَنْذُورَةِ فَلَا تُسَنُّ إعَادَتُهَا بَلْ لَا تَنْعَقِدُ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُتَنَفَّلُ بِهَا كَمَا يَأْتِي، فَإِنْ أَعَادَهَا صَحَّتْ وَوَقَعَتْ نَفْلًا، وَهَذِهِ خَرَجَتْ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، لَكِنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّ مَا تُسْتَحَبُّ فِيهِ الْجَمَاعَةُ مِنْ النَّفْلِ كَالْفَرْضِ فِي سَنِّ الْإِعَادَةِ وَدَخَلَ فِي الْمَكْتُوبَةِ الْجُمُعَةُ فَتُسَنُّ إعَادَتُهَا عِنْدَ جَوَازِ تَعَدُّدِهَا أَوْ سَفَرِهِ لِبَلَدٍ أُخْرَى رَآهُمْ لَمْ يُصَلُّوهَا خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ كَالْأَذْرَعِيِّ، وَلَوْ صَلَّى مَعْذُورٌ الظُّهْرَ ثُمَّ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ أَوْ مَعْذُورِينَ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ سُنَّ لَهُ الْإِعَادَةُ كَمَا شَمِلَهُ كَلَامُهُمْ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَوْ قَصَرَ مُسَافِرٌ ثُمَّ أَقَامَ وَوَجَدَ جَمَاعَةً فِي تِلْكَ الْمَقْصُورَةِ اُسْتُحِبَّ لَهُ إعَادَتُهَا مَعَهُمْ، وَإِنْ كَانَ يُتِمُّ، وَمَحَلُّ سَنِّ الْإِعَادَةِ لِمَنْ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ أَجْزَأَتْهُ، فَلَوْ تَيَمَّمَ لِنَحْوِ بَرْدٍ لَمْ تُسَنَّ لَهُ الْإِعَادَةُ كَذَا قِيلَ.
وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ لِجَوَازِ تَنَفُّلِهِ، وَقَدْ تُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ مُنْفَرِدًا زِيَادَةً عَلَى مَا مَرَّ فِيمَا لَوْ تَلَبَّسَ بِفَرْضِ الْوَقْتِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةً فَإِنَّهُ يُتِمُّ صَلَاتَهُ ثُمَّ
[حاشية الشبراملسي]
وَشَكَّ هَلْ هُمْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ فِيمَا بَعْدَهَا امْتَنَعَتْ الْإِعَادَةُ مَعَهُمْ م ر (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَعْيَانِ) وَكَذَا لَوْ نَذَرَ صَلَاةَ الضُّحَى مَثَلًا (قَوْلُهُ: بَلْ لَا تَنْعَقِدُ) أَيْ مِنْ الْعَالِمِ سم.
وَعِبَارَةُ حِجْ: وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي فَرْضًا مُؤَدَّاةُ غَيْرِ الْمَنْذُورَةِ لِمَا مَرَّ فِيهَا وَغَيْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ أَوْ شِدَّتِهِ عَلَى الْأَوْجَهِ؛ لِأَنَّهُ احْتَمَلَ الْمُبْطِلَ فِيهَا لِلْحَاجَةِ فَلَا يُكَرَّرُ، فَجَعَلَ الْمَنْذُورَةَ وَمَا بَعْدَهَا مُسْتَثْنَاةً مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ لَمَّا عَبَّرَ بِالْمَكْتُوبَةِ جَعَلَ الْمَنْذُورَةَ فِيهَا خَارِجَةً (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَعَادَهَا صَحَّتْ) أَيْ وَلَوْ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً.
وَعِبَارَةُ حَجّ: وَكَأَنَّ وَجْهَ خُرُوجِهَا عَنْ نَظَائِرِهَا أَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا لَمْ تُطْلَبْ لَا تَنْعَقِدُ التَّوَسُّعَةُ فِي حُصُولِ نَفْعِ الْمَيِّتِ لِاحْتِيَاجِهِ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: أَنَّ مَا تُسْتَحَبُّ فِيهِ الْجَمَاعَةُ مِنْ النَّفْلِ كَالْفَرْضِ) اعْتَمَدَهُ حَجّ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِيهِ وِتْرُ رَمَضَانَ، وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُمْ لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةِ مَحَلِّهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَلْيُحَرَّرْ.
لَكِنْ قَالَ م ر: لَا تُعَادُ لِحَدِيثِ «لَا وِتْرَانِ» وَهُوَ خَاصٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَى عُمُومِ خَبَرِ الْإِعَادَةِ.
اهـ. وَأَقُولُ: بَلْ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ وَتَعَارُضٌ فِي إعَادَةِ الْوِتْرِ فَتَأَمَّلْهُ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: عِنْدَ جَوَازِ تَعَدُّدِهَا) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ لَمْ تَتَعَدَّدْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إلَّا جُمُعَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا تَصِحُّ إعَادَتُهَا لَا ظُهْرًا وَلَا جُمُعَةً حَيْثُ صَحَّتْ الْأُولَى، بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَمَلَتْ عَلَى خَلَلٍ يَقْتَضِي فَسَادَهَا وَتَعَذَّرَتْ إعَادَتُهَا جُمُعَةً فَيَجِبُ فِعْلُ الظُّهْرِ وَلَيْسَ بِإِعَادَةِ الْمَعْنَى الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ، وَمَحَلُّ كَوْنِهَا لَا تُعَادُ جُمُعَةً إذَا لَمْ يَنْتَقِلْ لِمَحَلٍّ آخَرَ وَأَدْرَكَ الْجُمُعَةَ تُقَامُ فِيهِ.
أَمَّا كَوْنُهَا لَا تُعَادُ ظُهْرًا فَهُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ، كَمَا يُصَرِّحُ بِمَا ذُكِرَ قَوْلُ شَارِحِ الْإِرْشَادِ، وَدَخَلَ فِي الْمَكْتُوبَةِ الْجُمُعَةُ فَتُسَنُّ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ إعَادَتُهَا عِنْدَ جَوَازِ التَّعَدُّدِ أَوْ سَفَرِهِ لِبَلَدٍ آخَرَ رَآهُمْ يُصَلُّونَهَا، وَلَوْ صَلَّى مَعْذُورٌ الظُّهْرَ ثُمَّ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ أَوْ مَعْذُورِينَ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ سُنَّتْ الْإِعَادَةُ فِيهِمَا وَلَا تَجُوزُ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ ظُهْرًا وَكَذَا عَكْسُهُ لِغَيْرِ الْمَعْذُورِ انْتَهَى - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَالَ فِي فَتَاوِيهِ الْكُبْرَى: وَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ الْإِعَادَةَ إنَّمَا نُدِبَتْ لِتَحْصِيلِ كَمَالٍ فِي فَرِيضَةِ الْوَقْتِ يَقِينًا إنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا، أَوْ ظَنًّا أَوْ رَجَاءً إنْ صَلَّاهَا جَمَاعَةً، وَلَوْ بِجَمَاعَةٍ أَكْمَلَ ظُهْرًا، وَمَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ كَانَتْ هِيَ فَرْضَ وَقْتِهِ فَإِعَادَتُهُ الظُّهْرَ لَا تَرْجِعُ بِكَمَالٍ عَلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي هِيَ فَرْضُ وَقْتِهِ أَصْلًا، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي إعَادَةِ الظُّهْرِ كَمَالٌ يَرْجِعُ بِفَرْضِ الْوَقْتِ امْتَنَعَتْ إعَادَةُ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّهَا عَبَثٌ، وَالْعِبَادَاتُ يَقْتَصِرُ فِيهَا عَلَى مَحَلِّ وُرُودِهَا أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ) أَيْ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَصَرَ مُسَافِرٌ ثُمَّ أَقَامَ) وَكَذَا لَوْ لَمْ يَقُمْ فَتَجُوزُ إعَادَتُهَا مَعَهُمْ تَامَّةً لِوُجُوبِ الْإِتْمَامِ عَلَيْهِ حَيْثُ اقْتَدَى بِمُتِمٍّ (قَوْلُهُ: وَوَجَدَ جَمَاعَةً فِي تِلْكَ الْمَقْصُورَةِ) أَيْ يُرِيدُونَ فِعْلَهَا تَامَّةً مِثْلَهَا (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ يُتِمُّ إلَخْ) وَفِي نُسْخَةٍ بَعْدَ قَوْلِهِ مَعَهُمْ إنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي جَمِيعِهَا وَإِلَّا امْتَنَعَ فِعْلُهَا مَعَهُمْ اهـ.
وَقَوْلُهُ وَإِلَّا امْتَنَعَ إلَخْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَفْعَلَهَا بَعْدَ الْإِقَامَةِ خَلْفَ مُتِمٍّ (قَوْلُهُ: وَقَدْ تُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ إلَخْ) هَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ عُمُومِ مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ وَمِنْهُ جَرَيَانُ خِلَافٍ فِي بُطْلَانِهَا (قَوْلُهُ: ثُمَّ ذَكَرَ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا تُسَنُّ لَهُ الْإِعَادَةُ إذَا أَحْرَمَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَقَدْ تُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ مُنْفَرِدًا زِيَادَةً عَلَى مَا مَرَّ) لَيْسَ هَذَا مَأْخُوذًا مِنْ قَوْلِهِ الْمَارِّ، وَإِنَّهُ لَوْ أَعَادَهَا مُنْفَرِدًا
يُصَلِّي الْفَائِتَةَ، وَيُسْتَحَبُّ إعَادَةُ الْحَاضِرَةِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (وَفَرْضُهُ) فِي الصُّورَتَيْنِ (الْأُولَى فِي الْجَدِيدِ) لِلْخَبَرِ الْمَارِّ «فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» وَلِسُقُوطِ الْخِطَابِ بِهَا، فَلَوْ تَذَكَّرَ خَلَلًا فِي الْأُولَى لَمْ تَكْفِهِ الثَّانِيَةُ.
نَعَمْ لَوْ نَسِيَ أَنَّهُ صَلَّى الْأُولَى فَصَلَّاهَا مَعَ جَمَاعَةٍ فَبَانَ فَسَادُ الْأُولَى أَجْزَأَتْهُ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ حَقِيقَةً بِخِلَافِهِ ثَمَّ وَالْقَدِيمِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ أَيْضًا أَنَّ الْفَرْضَ إحْدَاهُمَا يَحْتَسِبُ اللَّهُ تَعَالَى مَا شَاءَ مِنْهُمَا، وَقِيلَ الْفَرْضُ كِلَاهُمَا، وَالْأُولَى مُسْقِطَةٌ لِلْحَرَجِ لَا مَانِعَةٌ مِنْ وُقُوعِ الثَّانِيَةِ فَرْضًا كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَوْ صَلَّاهَا جَمْعٌ مَثَلًا سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ فَلَوْ صَلَّاهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى وَقَعَتْ الثَّانِيَةُ فَرْضًا، وَهَكَذَا فُرُوضُ الْكِفَايَاتِ كُلِّهَا.
وَقِيلَ الْفَرْضُ أَكْمَلُهُمَا وَمَحَلُّ كَوْنِ فَرْضِهِ الْأُولَى حَيْثُ أَغْنَتْ عَنْ الْقَضَاءِ، وَإِلَّا فَفَرْضُهُ الثَّانِيَةُ الْمُغْنِيَةُ عَنْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ (وَالْأَصَحُّ) عَلَى الْجَدِيدِ (أَنْ
[حاشية الشبراملسي]
بِالْحَاضِرَةِ عَالِمًا بِأَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، بَلْ اسْتِحْبَابُ الْإِعَادَةِ فِي هَذِهِ أَوْلَى مِنْ تِلْكَ لِتَقْصِيرِهِ بِتَقْدِيمِ الْحَاضِرَةِ (قَوْلُهُ: وَفَرْضُهُ الْأُولَى فِي الْجَدِيدِ) وَقِيلَ فَرْضُهُ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ الثَّانِيَةُ.
اهـ إسْنَوِيٌّ، وَلَعَلَّ حِكْمَةَ تَرْكِ الشَّارِحِ لِهَذَا الْوَجْهِ أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَقِيلَ الْفَرْضُ كِلَاهُمَا (قَوْلُهُ: إنَّ الْفَرْضَ إحْدَاهُمَا) يُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ إعَادَةِ الرَّوَاتِبِ الْبَعْدِيَّةِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَكُونَ الْأُولَى فَرْضًا.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ نَصُّهَا: فَرْعٌ: هَلْ تُسَنُّ إعَادَةُ الرَّوَاتِبِ: أَيْ فُرَادَى.
أَمَّا الْقَبْلِيَّةَ فَلَا يَتَّجِهُ إلَّا عَدَمُ إعَادَتِهَا؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ فِي مَحَلِّهَا سَوَاءٌ قُلْنَا الْفَرْضُ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةُ أَوْ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا يَحْتَسِبُ اللَّهُ مَا شَاءَ مِنْهَا.
وَأَمَّا الْبَعْدِيَّةُ فَيَحْتَمِلُ سَنَّ إعَادَتِهَا مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ الثَّالِثِ لِجَوَازِ أَنْ يَحْتَسِبَ اللَّهُ لَهُ الثَّانِيَةَ فَيَكُونُ مَا فَعَلَهُ بَعْدَ الْأُولَى وَاقِعًا قَبْلَ الثَّانِيَةِ فَلَا تَكُونُ بَعْدِيَّةً لَهَا.
اهـ. وَعِبَارَتُهُ عَلَى مَنْهَجٍ: فَرْعٌ: الظَّاهِرُ وِفَاقًا م ر أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إعَادَةُ رَوَاتِبِ الْمُعَادَةِ مَعَهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُطْلَبُ الْجَمَاعَةُ فِي الرَّوَاتِبِ وَإِنَّمَا يُعَادُ مَا تُطْلَبُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ فَلْيُتَأَمَّلْ: أَيْ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ.
اهـ.
وَالْأَقْرَبُ مَا قَالَهُ عَلَى حَجّ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَتْ الْإِعَادَةُ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الثَّانِيَةَ فَرْضُهُ كَانَ وَجْهُ الْإِعَادَةِ احْتِمَالَ كَوْنِ الْأُولَى وَقَعَتْ نَفْلًا مُطْلَقًا لِفِعْلِهَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا.
[تَنْبِيهٌ] أَفْتَى شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ بِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْمُعَادَةِ وُقُوعُهَا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا: أَيْ بِأَنْ يُدْرِكَ رُكُوعَ الْأُولَى، وَإِنْ تَبَاطَأَ قَصْدًا فَلَا يَكْفِي وُقُوعُ بَعْضِهَا فِي جَمَاعَةٍ حَتَّى لَوْ أَخْرَجَ نَفْسَهُ فِيهَا مِنْ الْقُدْوَةِ أَوْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِبَعْضِ الرَّكَعَاتِ لَمْ تَصِحَّ.
وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ وَافَقَ الْإِمَامَ مِنْ أَوَّلِهَا لَكِنْ تَأَخَّرَ سَلَامُهُ عَنْ سَلَامِ الْإِمَامِ بِحَيْثُ عُدَّ مُنْقَطِعًا عَنْهُ بَطَلَتْ، وَأَنَّهُ لَوْ رَأَى جَمَاعَةً وَشَكَّ هَلْ هُمْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ فِيمَا بَعْدَهَا امْتَنَعَتْ الْإِعَادَةُ مَعَهُمْ م ر.
وَكَلَامُ الشَّارِحِ مُصَرِّحٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِنَا أَيْضًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَوْ لَحِقَ الْإِمَامَ سَهْوٌ فَسَلَّمَ وَلَمْ يَسْجُدْ فَيَتَّجِهُ أَنَّ لِلْمَأْمُومِ الْمُعِيدِ أَنْ يَسْجُدَ إذَا لَمْ يَتَأَخَّرْ كَثِيرًا بِحَيْثُ يُعَدُّ مُنْقَطِعًا عَنْهُ م ر، وَلَوْ شَكَّ الْمُعِيدُ فِي تَرْكِ رُكْنٍ فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ لِلِانْفِرَادِ بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَالِانْفِرَادُ فِي الْمُعَادَةِ مُمْتَنِعٌ أَوْ لَا تَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَذَكَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ عَدَمَ تَرْكِ شَيْءٍ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالثَّانِي أَقْرَبُ م ر اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُهُ امْتَنَعَتْ الْإِعَادَةُ مَعَهُمْ: أَيْ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى.
وَقَوْلُهُ إنَّ لِلْمَأْمُومِ إلَخْ قَدْ يُخَالِفُهُ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّارِحِ هُنَا إنَّ الْجَمَاعَةَ فِي الْمُعَادَةِ كَالطَّهَارَةِ فَإِنَّ قَضِيَّةَ التَّشْبِيهِ أَنَّ الِانْفِرَادَ فِي أَيِّ جُزْءٍ وَإِنْ قَلَّ يَضُرُّ، كَمَا أَنَّ الْحَدَثَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَإِنْ قَلَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْفَرْقُ أَنَّ زَمَانَهُ لَمَّا عُدَّ مِنْ تَوَابِعِ الصَّلَاةِ لَمْ يَضُرَّ (قَوْلُهُ: يَحْتَسِبُ اللَّهُ تَعَالَى مَا شَاءَ)
[حاشية الرشيدي]
لَمْ تَنْعَقِدْ إلَّا لِسَبَبٍ كَأَنْ كَانَ فِي صَلَاتِهِ الْأُولَى خَلَلٌ، وَمِنْهُ جَرَيَانُ خِلَافِ إلَخْ، خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِي الِانْعِقَادِ وَعَدَمِهِ وَهَذَا فِي السَّنِّ وَعَدَمِهِ.
يَنْوِيَ بِالثَّانِيَةِ الْفَرْضَ) صُورَةً حَتَّى لَا تَكُونَ نَفْلًا مُبْتَدَأً، أَوْ مَا هُوَ صُورَةُ فَرْضٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي الْجُمْلَةِ لَا عَلَيْهِ هُوَ، فَإِنَّهُ إنَّمَا طُلِبَ مِنْهُ إعَادَتُهَا لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ فِي فَرْضِهِ وَلَا يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْفَرْضِ؛ وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِعَادَةِ إيجَادُ الشَّيْءِ ثَانِيًا بِصِفَتِهِ الْأُولَى، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ وُجُوبِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَإِنْ رَجَّحَ فِي الرَّوْضَةِ مَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِهَا وَأَنَّهُ تَكْفِي نِيَّةُ الظُّهْرِ مَثَلًا، عَلَى أَنَّهُ اُعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَيْسَ وَجْهًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُعْتَمَدًا.
أَمَّا إذَا نَوَى حَقِيقَةَ الْفَرْضِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِتَلَاعُبِهِ، وَيَجِبُ فِي هَذِهِ الْمُعَادَةِ الْقِيَامُ، وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ؛ لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا لَهَا أَحْكَامَ الْفَرْضِ لِكَوْنِهَا عَلَى صُورَتِهِ.
(وَلَا رُخْصَةَ فِي) (تَرْكِهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ (وَإِنْ قُلْنَا) إنَّهَا (سُنَّةٌ) لِتَأَكُّدِهَا (إلَّا لِعُذْرٍ) فَلَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُدَاوِمِ عَلَى تَرْكِهَا لِعُذْرٍ بِخِلَافِ الْمُدَاوِمِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَإِذَا أَمَرَ الْإِمَامُ النَّاسَ بِالْجَمَاعَةِ وَجَبَتْ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الرُّخْصَةِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ؛ لِقِيَامِ الْعُذْرِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ لَا صَلَاةَ لَهُ» أَيْ كَامِلَةً إلَّا مِنْ عُذْرٍ.
وَالرُّخْصَةُ بِسُكُونِ الْخَاءِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا لُغَةً: التَّيْسِيرُ وَالتَّسْهِيلُ، وَاصْطِلَاحًا: الْحُكْمُ الثَّابِتُ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ لِعُذْرٍ (عَامٍّ كَمَطَرٍ) وَثَلْجٍ وَبَرْدٍ يَبُلُّ كُلٌّ مِنْهَا ثَوْبَهُ، أَوْ كَانَ نَحْوَ الْبَرْدِ كِبَارًا يُؤْذِي لَيْلًا وَنَهَارًا لِمَا صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لَمَّا مُطِرُوا فِي سَفَرٍ: «لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ فِي رَحْلِهِ» وَلِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ النَّجَاسَةُ أَوْ الْقَذَارَةُ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَتَأَذَّ بِذَلِكَ لِقِلَّتِهِ أَوْ كِنٍّ، وَلَمْ يَخَفْ تَقْطِيرًا مِنْ سُقُوفِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا النَّجَاسَةُ فَلَا يَكُونُ عُذْرًا.
(أَوْ رِيحٍ عَاصِفٍ) أَيْ شَدِيدٍ أَوْ رِيحٍ بَارِدٍ أَوْ ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ (بِاللَّيْلِ) أَوْ وَقْتِ الصُّبْحِ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهِ أَشَدُّ مِنْهَا فِي الْمَغْرِبِ، بِخِلَافِ النَّهَارِ وَالرِّيحُ مُؤَنَّثَةٌ.
(وَكَذَا وَحَلٌ)
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ يَقْبَلُ مَا شَاءَ إلَخْ (قَوْلُهُ: صُورَةٌ) أَيْ لَا الْحَقِيقِيُّ (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا نَوَى حَقِيقَةَ الْفَرْضِ) أَيْ أَوْ أَطْلَقَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَ صُورَةٍ أَوْ مَا هُوَ فَرْضٌ عَلَى إلَخْ، لَكِنْ فِي سم عَلَى مَنْهَجٍ مَا نَصُّهُ: فَرْعٌ: الْمُتَّجَهُ وِفَاقًا لِشَيْخِنَا طب وَم ر أَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْمُعَادَةِ لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْ كَوْنَهَا فَرْضًا عَلَى الْمُكَلَّفِ أَوْ فَرْضًا فِي الْجُمْلَةِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُدَاوِمِ عَلَى تَرْكِهَا) الْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى تَرْكِهَا فِي جَمِيعِ الْفَرَائِضِ، فَلَا تُرَدُّ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى تَرْكِهَا فِي الْبَعْضِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ لِلْبَعْضِ تَهَاوُنًا بِالْمَطْلُوبِ مِنْهُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ عَدَمُهَا عُرْفًا بِحَيْثُ يُعَدُّ غَيْرَ مُعْتَنٍ بِالْجَمَاعَةِ (قَوْلُهُ: لِقِيَامِ الْعُذْرِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ عَلِمَ بِهِ وَأَمَرَهُمْ بِالْحُضُورِ مَعَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْجَمَاعَةِ أَمْرًا مُطْلَقًا ثُمَّ عَرَضَ لَهُمْ الْعُذْرُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحُضُورُ لِحَمْلِ أَمْرِهِ عَلَى غَيْرِ أَوْقَاتِ الْعُذْرِ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ ضَمُّهَا) زَادَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَهُوَ الشَّخْصُ الْمُتَرَخِّصُ كَثِيرًا كَمَا فِي ضَحْكَةٍ فَإِنَّهُ الَّذِي يَضْحَكُ كَثِيرًا (قَوْلُهُ: وَالتَّسْهِيلُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: وَاصْطِلَاحًا) وَيُعَبِّرُ عَنْهَا أَيْضًا بِأَنَّهَا هِيَ الْحُكْمُ الْمُتَغَيِّرُ إلَيْهِ السَّهْلُ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ (قَوْلُهُ: عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ) دَخَلَ فِيهِ مَا لَمْ يَسْبِقْ امْتِنَاعُهُ بَلْ وَرَدَ ابْتِدَاءً عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ كَالسَّلَمِ، فَإِنَّ مُقْتَضَى اشْتِمَالِهِ عَلَى الْغَرَرِ عَدَمُ جَوَازِهِ فَجَوَازُهُ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ (قَوْلُهُ: لَيْلًا وَنَهَارًا) رَاجِعٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَمَطَرٍ وَمَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: قَالَ لَمَّا مُطِرُوا إلَخْ) فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ شَيْءٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِينَ لَكِنَّهَا تُسَنُّ، فَلَعَلَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى كَوْنِهِ عُذْرًا فِي الْجُمْلَةِ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ النَّجَاسَةُ) أَيْ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى اخْتِلَاطِهِ بِنَجِسٍ (قَوْلُهُ: فَلَا يَكُونُ عُذْرًا) جَوَابُ أَمَّا، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ النَّجَاسَةُ عِلَّةٌ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ، وَلَمْ يَخَفْ تَقْطِيرًا وَكَأَنَّهُ قَالَ: أَمَّا إذَا خَافَ تَقْطِيرًا فَهُوَ عُذْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَالرِّيحُ مُؤَنَّثَةٌ) قَضِيَّةُ تَعْبِيرِ
[حاشية الرشيدي]
[أَعْذَارُ تَرْكُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ]
(قَوْلُهُ: الْحُكْمُ الثَّابِتُ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ لِعُذْرٍ) يَرِدُ عَلَيْهِ أُمُورٌ لَا تَخْفَى تُعْلَمُ مِنْ عَرْضِهِ عَلَى حَدِّ الرُّخْصَةِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ إنْ تَغَيَّرَ لِسُهُولَةٍ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ فَرُخْصَةٌ لَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا
بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَإِسْكَانُهَا لُغَةٌ رَدِيئَةٌ (شَدِيدٌ عَلَى الصَّحِيحِ) لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا كَالْمَطَرِ بَلْ هُوَ أَشُقُّ غَالِبًا بِخِلَافِ الْخَفِيفِ مِنْهُ.
وَالثَّانِي لَا لِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ بِالنِّعَالِ وَنَحْوِهَا.
وَالشَّدِيدُ: مَا لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلْوِيثُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكِفَايَةِ، وَإِنْ يَكُنْ الْوَحَلُ مُتَفَاحِشًا كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَقَدْ حُذِفَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَالتَّحْقِيقُ: التَّقْيِيدُ بِالشَّدِيدِ وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَفِيفِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَيْهِ، وَجَرَى ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ تَبَعًا لِأَصْلِهِ عَلَى التَّقْيِيدِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ.
وَمِثْلُ الْوَحَلِ فِيمَا ذَكَرَ كَثْرَةُ وُقُوعِ الْبَرْدِ أَوْ الثَّلْجِ عَلَى الْأَرْضِ بِحَيْثُ يَشُقُّ الْمَشْيُ عَلَى ذَلِكَ كَمَشَقَّتِهِ فِي الْوَحَلِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ حِبَّانَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَصَابَهُمْ مَطَرٌ لَمْ يَبُلَّ أَسْفَلَ نِعَالِهِمْ أَنْ يُنَادَى بِصَلَاتِهِمْ فِي رِحَالِهِمْ» فَمَفْرُوضٌ فِي الْمَطَرِ وَكَلَامُنَا هُنَا فِي وَحَلٍ مِنْ غَيْرِ مَطَرٍ.
(أَوْ خَاصٌّ كَمَرَضٍ) مَشَقَّتُهُ كَمَشَقَّةِ الْمَطَرِ بَلْ يُشْغِلُهُ عَنْ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدًّا يُسْقِطُ الْقِيَامَ فِي الْفَرْضِ لِلْحَرَجِ وَقِيَاسًا عَلَى الْمَطَرِ.
أَمَّا الْخَفِيفُ كَصُدَاعٍ يَسِيرٍ وَحُمَّى خَفِيفَةٍ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَرَضًا.
(وَحَرٌّ) ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ الظُّهْرِ كَمَا شَمِلَهُ إطْلَاقُهُ تَبَعًا لِأَصْلِهِ وَجَرَى عَلَيْهِ فِي التَّحْقِيقِ، وَتَقْيِيدُهُ بِوَقْتِ الظُّهْرِ فِي الْمَجْمُوعِ وَالرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِدَ ظِلًّا يَمْشِي فِيهِ أَوْ لَا، وَبِهِ فَارَقَ مَسْأَلَةَ الْإِبْرَادِ الْمُتَقَدِّمَةِ خِلَافًا
[حاشية الشبراملسي]
الْمُصَنِّفِ بِعَاصِفٍ جَوَازُ التَّذْكِيرِ أَيْضًا وَيَدُلُّ لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ [يونس: 22] وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ: بَعْدَ رِيحٍ شَدِيدَةٍ قَالَ عَمِيرَةُ: أَفَادَ بِقَوْلِهِ شَدِيدَةٍ أَنَّ الرِّيحَ مُؤَنَّثَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ عَاصِفٌ نَظَرًا لِلَّفْظِ اهـ. وَفِي الْمِصْبَاحِ: وَالرِّيحُ مُؤَنَّثَةٌ عَلَى الْأَكْثَرِ فَيُقَالُ هِيَ الرِّيحُ، وَقَدْ تَذَّكَّرُ عَلَى مَعْنَى الْهَوَاءِ فَيُقَالُ هُوَ الرِّيحُ وَهَبَّ الرِّيحُ نَقَلَهُ أَبُو زَيْدٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالشَّدِيدُ مَا لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلْوِيثُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ) أَيْ لِأَسْفَلِ الرِّجْلِ، بِخِلَافِ الْخَفِيفِ، وَهُوَ مَا لَا يُلَوِّثُ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَقَلَّ أَنْ تُوجَدَ صُورَةٌ لَا يَكُونُ الْوَحْلُ فِيهَا شَدِيدًا (قَوْلُهُ: التَّقْيِيدُ) أَيْ بِالتَّشْدِيدِ.
(قَوْلُهُ: يَسْقُطُ الْقِيَامُ) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ أَنَّ مَا أَذْهَبَ الْخُشُوعَ مُسْقِطٌ لِوُجُوبِ الْقِيَامِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَشَقَّةٍ قَوِيَّةٍ لَا يَحْصُلُ مَعَهَا شَيْءٌ مِنْ الْخُشُوعِ أَصْلًا وَمَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا يُذْهِبُ كَمَالَ الْخُشُوعِ فَإِنَّهُ لَا يُسْقِطُ الْجَمَاعَةَ
(قَوْلُهُ: تَبَعًا لِأَصْلِهِ) أَيْ الْمُحَرَّرِ (قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِدَ ظِلًّا يَمْشِي فِيهِ أَوْ لَا) عِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ قَوْلُهُ: وَشِدَّةُ حَرٍّ: أَيْ وَلَمْ يَجِدْ كِنًّا يَمْشِي فِيهِ يَقِيهِ الْحَرَّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَدْ يُقَالُ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بِحَمْلِ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى ظِلٍّ لَا يَمْنَعُ مِنْ إدْرَاكِ أَثَرِ الْحَرِّ، وَكَلَامُ سم عَلَى خِلَافِهِ، وَعِبَارَتُهُ عَلَى حَجّ: قَوْلُهُ: وَإِنْ وَجَدَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: التَّلْوِيثُ) أَيْ لِنَحْوِ مَلْبُوسِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لَا لِنَحْوِ أَسْفَلِ الرِّجْلِ وَمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مِنْ تَفْسِيرِهِ بِذَلِكَ لَا يَخْفَى بُعْدُهُ خُصُوصًا مَعَ وَصْفِهِ بِالشِّدَّةِ وَمُقَابَلَتِهِ بِالتَّفَاحُشِ، عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ خَفِيفٌ إذْ كُلُّ وَحْلٍ يُلَوِّثُ أَسْفَلَ الرِّجْلِ.
(قَوْلُهُ: مَشَقَّتُهُ كَمَشَقَّةِ الْمَطَرِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ مَشَقَّتُهُ كَمَشَقَّةِ الْمَشْيِ فِي الْمَطَرِ (قَوْلُهُ: بَلْ يَشْغَلُهُ عَنْ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ) لَمْ يَتَقَدَّمْ مِثْلُهُ فِي الْمَطَرِ الْمُشَبَّهِ بِهِ حَتَّى تَتَأَتَّى هَذِهِ الْإِحَالَةُ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَرَضِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَالشَّاقُّ إنَّمَا هُوَ الْمَشْيُ مَعَهُ لِمَحَلِّ الْجَمَاعَةِ كَنَظَائِرِهِ لَا فِي الصَّلَاةِ مَعَهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا ضَابِطٌ لِلْمَرَضِ الَّذِي يَسْقُطُ عَنْهُ الْمَشْيُ لِمَحَلِّ الْجَمَاعَةِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى مَعَهُ شَغَلَهُ عَنْ الْخُشُوعِ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يُسْقِطُ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ إلَخْ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الَّذِي يَشْغَلُ عَنْ الْخُشُوعِ غَيْرُ الَّذِي يُذْهِبُ الْخُشُوعَ، وَالْمُسْقِطُ لِلْقِيَامِ إنَّمَا هُوَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
وَقَدْ يُجَابُ عَنْ أَصْلِ الْعِبَارَةِ بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يَبْقَى مَعَهُ أَثَرُ الْمَشْيِ فِي هَذَا إلَى أَنْ يَشْغَلَهُ عَنْ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ إلَخْ بِالنَّظَرِ لِذَاتِهِ قَبْلَ الْمَشْيِ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ عِبَارَةُ الْإِمْدَادِ.
(قَوْلُهُ: وَبِهِ فَارَقَ مَسْأَلَةَ الْإِبْرَادِ) مُرَادُهُ أَنَّهُ عُلِمَ بِمَا ذُكِرَ أَنَّ حُكْمَ
لِجَمْعٍ تَوَهَّمُوا اتِّحَادَهُمَا (وَبَرْدٌ) لَيْلًا وَنَهَارًا (شَدِيدَانِ) بِخِلَافِ الْخَفِيفِ مِنْهُمَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا مَأْلُوفَيْنِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَوْ لَا خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ، إذْ الْمَدَارُ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأَذِّي وَالْمَشَقَّةُ فَحَيْثُ وُجِدَ كَانَ عُذْرًا، وَإِلَّا فَلَا، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا مِنْ كَوْنِهِمَا مِنْ الْخَاصِّ تَبِعَ فِيهِ الْمُحَرَّرَ وَعَدَّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ كَالشَّرْحِ مِنْ الْعَامِّ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ، فَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَحَسَّ بِهِمَا ضَعِيفُ الْخِلْقَةِ دُونَ قَوِيِّهَا فَيَكُونَانِ مِنْ الْخَاصِّ، وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا أَحَسَّ بِهِمَا قَوِيُّهَا فَيَحُسُّ بِهِمَا ضَعِيفُهَا مِنْ بَابِ أَوْلَى فَيَكُونَانِ مِنْ الْعَامِّ.
(وَجُوعٌ وَعَطَشٌ ظَاهِرَانِ) أَيْ شَدِيدَانِ وَالْمَأْكُولُ وَالْمَشْرُوبُ حَاضِرَا، وَقَرُبَ حُضُورُهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ تَبَعًا لِابْنِ يُونُسَ وَكَانَ تَائِقًا لِذَلِكَ، وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ فِي الْمُهِمَّاتِ: الظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ بِالتَّوَقَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ جُوعٌ وَلَا عَطَشٌ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفَوَاكِهِ وَالْمَشَارِبِ اللَّذِيذَةِ تَتُوقُ النَّفْسُ إلَيْهَا عِنْدَ حُضُورِهَا بِلَا جُوعٍ وَلَا عَطَشٍ مَرْدُودٌ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ بِأَنَّهُ يَبْعُدُ مُفَارَقَتُهُمَا لِلتَّوَقَانِ، إذْ التَّوَقَانُ إلَى الشَّيْءِ الِاشْتِيَاقُ لَهُ لَا الشَّوْقُ، فَشَهْوَةُ النَّفْسِ لِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ بِدُونِهِمَا لَا تُسَمَّى تَوَقَانًا، وَإِنَّمَا تُسَمَّاهُ إذَا كَانَتْ بِهِمَا بَلْ لِشِدَّتِهِمَا، وَمَا قَالَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَنَّ شِدَّةَ أَحَدِهِمَا كَافِيَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ وَلَا قَرُبَ حُضُورُهُ رُدَّ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأَخْبَارِ كَخَبَرِ «إذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ» وَخَبَرِ «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ هَؤُلَاءِ عَلَى مَا إذَا اخْتَلَّ أَصْلُ خُشُوعِهِ لِشِدَّةِ جُوعِهِ أَوْ عَطَشِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ شَبِيهٌ بِمُدَافَعَةِ الْحَدَثِ، بَلْ أَوْلَى مِنْ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا مَرَّ، إذْ مَشَقَّةُ هَذَا أَكْثَرُ وَلِأَنَّهَا مُلَازِمَةٌ فِي الصَّلَاةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَحَمْلُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ عَلَى عَدَمِ اخْتِلَالِ خُشُوعِهِ إلَّا بِحَضْرَةِ ذَلِكَ أَوْ قُرْبِ حُضُورِهِ، فَيَبْدَأُ حِينَئِذٍ بِمَا يَكْسِرُ شَهْوَتَهُ مِنْ أَكْلِ لُقَمٍ فِي الْجُوعِ، وَتَصْوِيبُ الْمُصَنِّفِ الشِّبَعَ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى إلَّا أَنَّ الْأَصْحَابَ عَلَى خِلَافِهِ.
نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِمْ عَلَى مَا إذَا وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ بِعَدَمِ التَّطَلُّعِ بَعْدَ أَكْلِ مَا ذُكِرَ، وَكَلَامُهُ عَلَى خِلَافِهِ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُمْ
[حاشية الشبراملسي]
ظِلًّا يَمْشِي فِيهِ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى مُتَأَمِّلٍ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ الْبَدِيهِيِّ أَنَّ الْحَرَّ إنَّمَا يَكُونُ عُذْرًا إذَا حَصَلَ بِهِ التَّأَذِّي، فَإِذَا وَجَدَ ظِلًّا يَمْشِي فِيهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الظِّلُّ دَافِعًا لِلتَّأَذِّي بِالْحَرِّ فَلَا وَجْهَ حِينَئِذٍ لِكَوْنِ الْحَرِّ عُذْرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَافِعًا لِذَلِكَ كَانَ مُقْتَضِيًا لِلْإِبْرَادِ أَيْضًا، وَلَا يَصِحُّ الْفَرْقُ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْبَابَيْنِ، إذْ لَيْسَ الْمَدَارُ فِيهِمَا إلَّا عَلَى حُصُولِ التَّأَذِّي بِالْحَرِّ.
وَإِنَّمَا الْوَجْهُ فِي مُفَارَقَةِ مَا هُنَا لِلْإِبْرَادِ أَنَّ مَا هُنَا مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا تَرَكَ الْإِمَامُ الْإِبْرَادَ، وَأَقَامَ الْجَمَاعَةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَيَعْذُرُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ لِعُذْرِ الْحَرِّ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُطْلَبُ الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي الْحَرِّ بِشَرْطِهِ، فَإِنْ خَالَفُوا وَأَقَامُوا الْجَمَاعَةَ أَوَّلَ الْوَقْتِ عُذِرَ مَنْ تَخَلَّفَ لِعُذْرِ الْحَرِّ فَتَأَمَّلْهُ.
اهـ. لَكِنْ هَذَا قَدْ يُخَالِفُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ الظُّهْرِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالْمَشَقَّةُ) عَطْفُ سَبَبٍ عَلَى مُسَبَّبٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَشْرُوبُ حَاضِرٌ) أَيْ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا، فَلَوْ كَانَ حَرَامًا حَرُمَ عَلَيْهِ تَنَاوُلُهُ، وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ يَتَرَقَّبُ حَلَالًا، فَلَوْ لَمْ يَتَرَقَّبْهُ كَانَ كَالْمُضْطَرِّ (قَوْلُهُ: يَبْعُدُ مُفَارَقَتُهُمَا) أَيْ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ (قَوْلُهُ: الِاشْتِيَاقُ لَهُ لَا الشَّوْقُ) الَّذِي فِي الْمُخْتَارِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الشَّوْقِ وَالِاشْتِيَاقِ.
قَالَ: الشَّوْقُ وَالِاشْتِيَاقُ نِزَاعُ النَّفْسِ إلَى الشَّيْءِ.
اهـ. إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ النِّزَاعَ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ، فَهُوَ إذَا عُبِّرَ عَنْهُ بِالِاشْتِيَاقِ أَقْوَى مِنْهُ إذَا عُبِّرَ عَنْهُ بِالشَّوْقِ وَعَلَيْهِ فَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا بِالنَّظَرِ لِأَصْلِ الْمَعْنَى لَا الْمُرَادِ مِنْهُمَا، وَعِبَارَةُ حَجّ عَبَّرَ آخَرُونَ بِالتَّوَقَانِ إلَيْهِ، وَلَا تَنَافِيَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شِدَّةُ الشَّوْقِ لَا أَصْلُهُ وَهُوَ مُسَاوٍ لِشِدَّةِ أَحَدِ ذَيْنِك.
اهـ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ الْأَصْحَابَ عَلَى خِلَافِهِ)
[حاشية الرشيدي]
مَا هُنَا مُغَايِرٌ لِحُكْمِ الْإِبْرَادِ، إلَّا أَنَّ مَا ذُكِرَ وَجْهُ الْمُفَارَقَةِ، وَإِنْ أَوْهَمَتْهُ الْعِبَارَةُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: وَكَانَ تَائِقًا لِذَلِكَ) كَأَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ طَعَامٍ لَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِهِ شِدَّةُ الْجُوعِ كَأَنْ تَكُونَ نَفْسُهُ تَنْفِرُ مِنْهُ فَلَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِوَصْفِ الْجُوعِ بِالشِّدَّةِ (قَوْلُهُ: وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ بِعَدَمِ التَّطَلُّعِ) أَيْ الَّذِي مَعَهُ تَوَقَانٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي، وَأَفْهَمَ تَعْبِيرُهُ بِالشِّدَّةِ إلَخْ
تَكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي كُلِّ حَالَةٍ تُنَافِي خُشُوعَهُ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى لَمْ تُطْلَبْ الصَّلَاةُ فَالْجَمَاعَةُ أَوْلَى، وَيَأْتِي عَلَى الْمَشْرُوبِ كَاللَّبَنِ لِكَوْنِهِ مِمَّا يُؤْتَى عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَفْهَمَ تَعْبِيرُهُ بِالشِّدَّةِ أَنَّ السُّقُوطَ بِهِمَا وَبِمَا قَبْلَهُمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى زَوَالِهِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَصْبِرَ إلَى حَالَةٍ لَا يَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا فِي الِابْتِدَاءِ كَأَنْ يَخِفَّ.
(وَمُدَافَعَةُ حَدَثٍ) مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ رِيحٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَفْرِيغِ نَفْسِهِ وَالتَّطَهُّرِ قَبْلَ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ لِكَوْنِ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ مَكْرُوهَةً.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ مُسْلِمٍ «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» وَمَحَلُّ مَا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عِنْدَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ، فَإِنْ خَشِيَ بِتَخَلُّفِهِ لَمَّا ذَكَرَ فَوْتَ الْوَقْتِ وَلَمْ يَخْشَ مِنْ كَتْمِ حَدَثِهِ وَنَحْوِهِ ضَرَرًا كَمَا بَحْثَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ صَلَّى وُجُوبًا مَعَ مُدَافَعَةِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَةِ الْوَقْتِ.
وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ الْجَمَاعَةِ؛ لِيُفَرِّغَ نَفْسَهُ لِمَا مَرَّ مِنْ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ مَعَ ذَلِكَ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ لَوْ فَرَّغَ نَفْسَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَوْ حَدَثَ لَهُ الْحَقْنُ فِي صَلَاتِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ قَطْعُهَا إنْ كَانَ فَرْضًا إلَّا إنْ اشْتَدَّ الْحَالُ وَخَافَ ضَرَرًا.
(وَخَوْفُ ظَالِمٍ) مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ (عَلَى) مَعْصُومٍ مِنْ (نَفْسٍ) أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ (أَوْ مَالٍ) أَوْ عِرْضٍ أَوْ حَقٍّ لَهُ وَلَوْ اخْتِصَاصًا فِيمَا يَظْهَرُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ الذَّبُّ عَنْهُ فِي الْأَوْجَهِ خِلَافًا لِمَنْ قُيِّدَ بِهِ وَذِكْرُ ظَالِمٍ مِثَالٌ لَا قَيْدٌ.
إذْ الْخَوْفُ عَلَى نَحْوِ خُبْزِهِ فِي تَنُّورٍ عُذْرٌ أَيْضًا، وَمَحَلُّ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إسْقَاطَ الْجَمَاعَةِ، وَإِلَّا فَلَا تَكُونُ عُذْرًا.
نَعَمْ إنْ خَافَ تَلَفَهُ سَقَطَتْ عَنْهُ حِينَئِذٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِلنَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَكَذَا فِي أَكْلِ مَالَهُ رِيحٌ كَرِيهٌ بِقَصْدِ الْإِسْقَاطِ فَيَأْثَمُ بِعَدَمِ حُضُورِ الْجُمُعَةِ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَلَوْ مَعَ رِيحِ الْمُنْتِنِ، لَكِنْ يُنْدَبُ لَهُ السَّعْيُ فِي إزَالَتِهِ عِنْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَفْتَى أَيْضًا بِأَنَّهُ تَسْقُطُ الْجُمُعَةُ عَنْ أَهْلِ مَحَلٍّ عَمَّهُمْ عُذْرٌ كَمَطَرٍ.
أَمَّا خَوْفُ غَيْرِ ظَالِمٍ كَذِي حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُهُ فَوْرًا فَيَلْزَمُهُ الْحُضُورُ وَتَوْفِيَتُهُ.
وَمِثْلُ خَوْفِهِ عَلَى نَحْوِ خُبْزِهِ خَوْفُهُ عَدَمَ نَبَاتِ بَذْرِهِ أَوْ ضَعْفِهِ أَوْ أَكْلِ نَحْوَ جَرَادٍ لَهُ أَوْ اشْتَغَلَ بِالْجَمَاعَةِ، وَلَوْ خَافَ مِنْ حُضُورِهَا فَوَاتَ تَحْصِيلِ تَمَلُّكِ مَالٍ فَالْأَوْجَهُ
[حاشية الشبراملسي]
هَذَا مُعْتَمَدٌ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: يُنَافِي خُشُوعَهُ) وَمِنْهُ مَا لَوْ تَاقَتْ نَفْسُهُ لِلْجِمَاعِ بِحَيْثُ يَذْهَبُ خُشُوعُهُ لَوْ صَلَّى بِدُونِهِ.
(قَوْلُهُ: ضَرَرًا) أَيْ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ (قَوْلُهُ: وَخَافَ ضَرَرًا) أَيْ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ أَيْضًا فَلَهُ الْقَطْعُ بَلْ قَدْ يَجِبُ
(قَوْلُهُ: إذْ الْخَوْفُ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ خَافَ تَلَفًا أَوْ عَيْبًا فِيهِ فَلَا يُنَافِي الِاسْتِدْرَاكَ الْآتِيَ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ فِي الْخَبْزِ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يُنْدَبُ لَهُ السَّعْيُ) ظَاهِرُهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَإِنْ عَلِمَ تَأَذِّي النَّاسِ بِهِ.
اهـ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا اُعْتِيدَ وَمِمَّا يُحْتَمَلُ أَذَاهُ عَادَةً (قَوْلُهُ: أَوْ أَكْلِ نَحْوِ جَرَادٍ) مِنْ النَّحْوِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى لَمْ تُطْلَبْ الصَّلَاةُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ مَعْنَى عَدَمِ طَلَبِ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ الْجُوعِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْأَكْلَ ثُمَّ يُصَلِّي، وَالصُّورَةُ أَنَّ الْوَقْتَ بَاقٍ فَلَا مَحْذُورَ فِي التَّأْخِيرِ هَذَا الزَّمَنِ الْقَصِيرِ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَعَ زِيَادَةِ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ فَأَيْنَ الْأَوْلَوِيَّةُ بَلْ أَيْنَ الْمُسَاوَاةُ (قَوْلُهُ: أَنَّ السُّقُوطَ بِهِمَا وَبِمَا قَبْلَهُمَا إلَخْ) فِي الْعِبَارَةِ قَلْبٌ وَهِيَ عِبَارَةُ الْإِمْدَادِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا أَنَّ زَوَالَ الْعُذْرِ بِهِمَا وَبِمَا قَبْلَهُمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى زَوَالِهِ بِالْكُلِّيَّةِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: مِثَالٌ لَا قَيْدٌ) أَيْ وَإِنْ خَرَجَ بِهِ مَا يَأْتِي فَهُوَ مِثَالٌ بِاعْتِبَارٍ قَيْدٌ بِاعْتِبَارٍ (قَوْلُهُ: إذْ الْخَوْفُ عَلَى نَحْوِ خُبْزِهِ) أَيْ وَلَوْ نَحْوَ تَعَيُّبٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي فِي التَّعَدِّي نَعَمْ إنْ خَافَ تَلَفَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَيَأْثَمُ بِعَدَمِ حُضُورِ الْجُمُعَةِ) أَيْ وَكَذَا الْجَمَاعَةُ وَإِنْ تَوَقَّفَتْ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا فَرْضُهُ فِي الْجُمُعَةِ لِتَأَتِّي ذَلِكَ فِيهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقَدْ يُسْتَفَادُ مِنْ جَعْلِهِ الْإِثْمَ بِعَدَمِ الْحُضُورِ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِالْأَكْلِ.
وَفِي حَوَاشِي الْمَنْهَجِ لِلشِّهَابِ سم نَقْلًا عَنْ الشَّارِحِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ يُكْرَهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ أَكْلًا، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْقَصْدُ.
وَعَنْ الشِّهَابِ حَجّ أَنَّ الْأَكْلَ حَرَامٌ (قَوْلُهُ: كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ) يَعْنِي بِنَدْبِ السَّعْيِ فِي إزَالَتِهِ، وَإِلَّا فَفَرْضُ فُتْيَاهُ فِيمَا لَوْ أَكَلَ مَا ذُكِرَ جَاهِلًا بِأَنَّهُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا وَقْفَةٌ تُعْلَمُ
أَنَّهُ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ حَالًّا كَانَ عُذْرًا، وَإِلَّا فَلَا (وَ) خَوْفُ (مُلَازَمَةِ) أَوْ حَبْسِ (غَرِيمٍ مُعْسِرٍ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ فَلَا يُنَوَّنُ غَرِيمُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ الدَّائِنُ وَمِثْلُهُ وَكِيلُهُ، أَوْ لِمَفْعُولِهِ فَيُنَوَّنُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ الْمَدِينُ وَمَحَلُّهُ إذَا عَسِرَ عَلَيْهِ إثْبَاتُ إعْسَارِهِ بِخِلَافِ الْمُوسِرِ بِمَا عَلَيْهِ، وَالْمُعْسِرِ الْقَادِرِ عَلَى الْإِثْبَاتِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ يَمِينٍ، وَلَوْ كَانَ الْحَاكِمُ لَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ إلَّا بَعْدَ حَبْسِهِ فَهِيَ كَالْعَدَمِ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ (وَ) خَوْفُ (عُقُوبَةٍ) تَقْبَلُ الْعَفْوَ عَنْهَا كَحَدِّ قَذْفٍ وَقَوَدٍ وَتَعْذِيرٍ لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ، وَ (يُرْجَى تَرْكُهَا) وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ وَلَوْ بِبَذْلِ مَالٍ (إنْ تَغَيَّبَ أَيَّامًا) يَعْنِي زَمَنًا يَسْكُنُ فِيهِ غَضَبُ الْمُسْتَحِقِّ، أَمَّا حَدُّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهَا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَعْذُرُ بِالْخَوْفِ مِنْهَا إذَا بَلَغَتْ الْإِمَامَ: أَيْ وَثَبَتَتْ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجُو الْعَفْوَ عَنْ ذَلِكَ فَلَا رُخْصَةَ بِهِ بَلْ يَحْرُمُ التَّغَيُّبُ عَنْهُ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ، وَلَهُ التَّغَيُّبُ عَنْ الشُّهُودِ لِئَلَّا يَرْفَعُوا أَمَرَهُ إلَى الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا جَازَ تَغَيُّبُ مَنْ عَلَيْهِ قَوَدٌ أَنَّ مُوجِبَهُ كَبِيرَةٌ، وَالتَّخْفِيفُ يُنَافِيهِ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَالتَّغَيُّبَ طَرِيقُهُ، وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِأَيَّامًا مَا دَامَ يَرْجُو الْعَفْوَ وَلَوْ عَلَى بُعْدِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقِصَاصُ لِصَبِيٍّ وَحَصَلَ رَجَاؤُهُ لِقُرْبِ بُلُوغِهِ مَثَلًا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، فَقَدْ يُرْفَعُ أَمْرُهُ لِمَنْ يَرَى الِاخْتِصَاصَ لِلْوَلِيِّ أَوْ لِمَنْ يَحْبِسُهُ خَشْيَةً مِنْ هَرَبِهِ إلَى الْبُلُوغِ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّغَيُّبُ.
(وَعُرْيٌ) بِأَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَلِيقُ بِهِ لُبْسُهُ، وَإِنْ وَجَدَ سَاتِرَ عَوْرَتِهِ كَفَقْدِ عِمَامَةٍ أَوْ قَبَاءٍ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً فِي خُرُوجِهِ
[حاشية الشبراملسي]
الْحَمَامِ وَالْعَصَافِيرِ وَنَحْوِهِمَا (قَوْلُهُ: كَحَدِّ قَذْفٍ إلَخْ) أَيْ كَأَنْ رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي تَرْكِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ حِينَئِذٍ.
(قَوْلُهُ: لِقُرْبِ بُلُوغِهِ) اُنْظُرْ مَا ضَابِطُ الْقُرْبِ، بَلْ قَضِيَّةُ قَوْلِهِ وَلَوْ عَلَى بُعْدِ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقُرْبِ.
(قَوْلُهُ: وَعَرِيٌّ) يُقَالُ فَرَسٌ عَرِيٌّ: أَيْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ أَيْضًا عَرِيَ مِنْ ثِيَابِهِ إذَا تَعَرَّى كَعَمِيَ يَعْرَى عُرِيًّا بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَيَجُوزُ قِرَاءَةُ الْكِتَابِ بِالْوَجْهَيْنِ انْتَهَى عَمِيرَةُ
[حاشية الرشيدي]
بِالْوُقُوفِ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: وَالْمُعْسِرُ الْقَادِرُ) الْمُنَاسِبُ وَالْمُعْسِرُ الَّذِي لَا يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ الْإِثْبَاتُ (قَوْلُهُ: أَيْ وَثَبَتَتْ عِنْدَهُ) أَيْ وَطَلَبَ الْمُسْتَحِقُّ بِالنِّسْبَةِ لِلسَّرِقَةِ (قَوْلُهُ: أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ) بَدَلٌ مِنْ مَا وَنَائِبُ فَاعِلِ عُلِمَ قَوْلُهُ: لَوْ كَانَ الْقِصَاصُ إلَخْ، لَكِنْ فِي كَوْنِ هَذَا هُوَ الَّذِي قَرَّرَهُ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ أَنَّ رَجَاءَ تَرْكِ الْمُسْتَحَقِّ مُسْتَبْعَدٌ لِضَنِّهِ بِهِ وَعَدَمِ سَمَاحِهِ بِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْبُعْدُ فِي الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُ عَلَيْهِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ مُرَادَهُ بِأَيَّامًا مُطْلَقُ الزَّمَانِ الصَّادِقِ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ كَمَا عَرَفْت عَدَمُ الْفَرْقِ فِي الرَّجَاءِ بَيْنَ طَوِيلِ الزَّمَانِ وَقَصِيرِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا مَعْنَى لِلتَّقْلِيدِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ لِقُرْبِ بُلُوغِهِ لَا يُقَالُ: هُوَ وَإِنْ قَيَّدَ بِهِ لَكِنْ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ التَّقْيِيدِ حَيْثُ أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ مَثَلًا لِيَدْخُلَ مَا إذَا لَمْ يَقْرُبْ بُلُوغُهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: فَأَيُّ مَعْنًى لِذِكْرِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِقَوْلِهِ لِقُرْبِ بُلُوغِهِ لِإِدْخَالِ مَا ذَكَرَ، إذْ لَا يُقَاسُ الْبَعِيدُ بِالْقَرِيبِ لِعَدَمِ الْجَامِعِ، وَإِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ لِصَبِيٍّ لِيَدْخُلْ مَنْ فِي مَعْنَاهُ كَالْمَجْنُونِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: يُسْتَفَادُ مِنْ تَقْيِيدِ الشَّيْخَيْنِ بِأَيَّامًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَوَدُ لِصَبِيٍّ لَمْ يَجُزْ التَّغْيِيبُ لِتَوَقُّفِ الْعَفْوِ عَلَى الْبُلُوغِ فَيُؤَدِّي إلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ سِنِينَ، فَزَيَّفَهُ عَلَيْهِ الشِّهَابُ حَجّ فِي إمْدَادِهِ بِأَنَّهُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمَا أَنَّهُ يَغِيبُ مَا دَامَ يَرْجُو الْعَفْوَ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ: أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ ظَاهِرَ مَا اقْتَضَاهُ التَّعْبِيرُ بِأَيَّامًا، وَعِبَارَتُهُ أَعَنَى الْإِمْدَادَ.
وَقَيَّدَ الشَّيْخَانِ رَجَاءَ الْعَفْوِ بِتَغْيِيبِهِ أَيَّامًا وَلَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ أَنَّ الْقَوَدَ لَوْ كَانَ لِصَبِيٍّ لَمْ يَجُزْ التَّغْيِيبُ لِتَوَقُّفِ الْعَفْوِ عَلَى الْبُلُوغِ فَيُؤَدِّي إلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ سِنِينَ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَغِيبُ مَا دَامَ يَرْجُو الْعَفْوَ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ، فَقَدْ يُرْفَعُ لِمَنْ يَرَى الِاخْتِصَاصَ لِلْوَلِيِّ، وَالشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَصَرَّفَ فِيهَا بِمَا تَرَى مَعَ زِيَادَةِ قَوْلِهِ لِقُرْبِ بُلُوغِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ مُرَادًا لَهُمَا، لَكِنْ بِمَا لَا يُلَائِمُهُ مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ إنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِأَيَّامًا إلَخْ، وَلَا مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ فَقَدْ يُرْفَعُ إلَخْ
كَذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَ لَائِقًا بِهِ بِأَنْ اعْتَادَهُ بِحَيْثُ لَا يَخْتَلُّ بِهِ مُرُوءَتُهُ فِيمَا يَظْهَرُ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ فَقْدَ مَا يَرْكَبُهُ لِمَنْ لَا يَلِيقُ بِهِ الْمَشْيُ كَالْعَجْزِ عَنْ لِبَاسٍ لَائِقٍ (وَتَأَهُّبٍ لِسَفَرٍ) مُبَاحٍ يُرِيدُهُ (مَعَ رُفْقَةٍ تَرْحَلُ) قَبْلَ الْجَمَاعَةِ، وَيَخَافُ مِنْ التَّخَلُّفِ لَهَا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ كَانَ يَسْتَوْحِشُ فَقَطْ لِلْمَشَقَّةِ فِي تَخَلُّفِهِ عَنْهُمْ.
(وَأَكْلُ ذِي رِيحٍ كَرِيهٍ) كَبَصَلٍ أَوْ ثُومٍ أَوْ كُرَّاثٍ أَوْ فُجْلٍ نِيءٌ، وَمِثْلُهُ الْمَطْبُوخُ الْبَاقِي لَهُ رِيحٌ قُنَّا وَلَوْ قَلَّ فِيمَا يَظْهَرُ، وَإِنْ كَانَ خِلَافُ الْغَالِبِ، وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ: يُحْتَمَلُ الرِّيحُ الْبَاقِي بَعْدَ الطَّبْخِ مَحْمُولٌ عَلَى رِيحٍ يَسِيرٍ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ أَذًى، وَذَلِكَ لِمَا وَرَدَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَكَلَ بَصَلًا أَوْ ثُومًا أَوْ كُرَّاثًا فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» وَفِي رِوَايَةٍ «الْمَسَاجِدَ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
قَالَ جَابِرٌ: يَعْنِي مَا أَرَاهُ إلَّا نَيِّئَهُ، وَزَادَ الطَّبَرِيُّ: أَوْ فُجْلًا.
وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ بِثِيَابِهِ أَوْ بَدَنِهِ رِيحٌ كَرِيهَةٌ كَدَمِ فَصْدٍ وَقَصَّابٍ وَأَرْبَابِ الْحِرَفِ الْخَبِيثَةِ وَذِي الْبَخَرِ وَالصُّنَانِ الْمُسْتَحْكَمِ وَالْجِرَاحَاتِ الْمُنْتِنَةِ وَالْمَجْذُومِ وَالْأَبْرَصِ وَمَنْ دَاوَى جُرْحَهُ بِنَحْوِ ثُومٍ؛ لِأَنَّ التَّأَذِّي بِذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْهُ بِأَكْلِ نَحْوِ الثُّومِ، وَمِنْ ثَمَّ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الْعُلَمَاءِ مَنْعَ الْأَجْذَمِ وَالْأَبْرَصِ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَمِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَمِنْ اخْتِلَاطِهِمَا بِالنَّاسِ.
وَمَحَلُّ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّ فَقْدَ مَا يَرْكَبُهُ إلَخْ) وَمِثْلُ فَقْدِهِ فَقْدُ مَا يَلِيقُ بِهِ رُكُوبُهُ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ جِدًّا وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ عُدَّ إزْرَاءً بِهِ (قَوْلُهُ: لِسَفَرٍ مُبَاحٍ) أَيْ وَلَوْ سَفَرَ نُزْهَةٍ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ، وَنَقَلَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ التَّوَقُّفَ فِيهِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَاسْتَظْهَرَهُ، وَتَقَدَّمَ نَقْلُ عِبَارَتِهِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.
(قَوْلُهُ: رِيحٍ كَرِيهٍ) قَالَ حَجّ لِمَنْ يَظْهَرُ مِنْهُ رِيحُهُ (قَوْلُهُ: أَوْ فُجْلٍ) أَيْ لِمَنْ يَتَجَشَّى مِنْهُ لَا مُطْلَقًا صَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِلْقَاضِي اهـ سم عَلَى عُبَابٍ، قَالَ الشَّيْخُ حَمْدَانُ بَعُدَ مِثْلُ مَا ذَكَرَ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ لَا كَرَاهَةَ لِرِيحِهِ إلَّا حِينَئِذٍ.
اهـ (قَوْلُهُ: فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجًا لِأَكْلِهِ لِلْجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَا نَصُّهُ: بَابُ مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النِّيءِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ مِنْ الْجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرٍ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ: يَعْنِي الثُّومَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» إلَى أَنْ قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا» ، أَوْ قَالَ: «فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، أَوْ لِيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ» انْتَهَى عَمِيرَةُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مُقْتَضَى الْحَدِيثِ التَّحْرِيمُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ انْتَهَى.
قَالَ الدَّمِيرِيِّ: وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ «كُلْهُ فَإِنَّى أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي» . اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: «فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى» إلَخْ) قَدْ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ غَيْرُ الْكَاتِبِينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَهُ.
بَقِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَوْجُودُونَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَيْضًا فَمَا وَجْهُ التَّقْيِيدِ بِالْمَسْجِدِ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ غَيْرِ الْمَسْجِدِ تَضْيِيقٌ لَا يُحْتَمَلُ وَمَا مِنْ مَحَلٍّ إلَّا وَتُوجَدُ الْمَلَائِكَةُ فِيهِ، وَأَيْضًا يُمْكِنُ الْمَلَائِكَةُ الْبُعْدَ عَنْهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ مُلَازَمَتَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
نَعَمْ مَوْضِعُ الْجَمَاعَةِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ يَنْبَغِي أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: أَوْ لِشَرَفِ مَلَائِكَةِ الْمَسْجِدِ عَلَى غَيْرِهِمْ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي حِكْمَةِ الْبَصْقِ عَلَى الْيَسَارِ أَنَّ ذَلِكَ تَعْظِيمُ مَلَكِ الْيَمِينِ لِكِتَابَتِهِ الْحَسَنَاتِ (قَوْلُهُ: رِيحٌ كَرِيهَةٌ إلَخْ) وَمِنْ الرِّيحِ الْكَرِيهَةِ رِيحُ الدُّخَانِ الْمَشْهُورِ الْآنَ جَعَلَ اللَّهُ عَاقِبَتَهُ كَأَنَّهُ مَا كَانَ.
(قَوْلُهُ: وَالصُّنَانِ) بِكَسْرِ الصَّادِ.
وَعِبَارَةُ الْقَامُوسِ: الصِّنُ بِالْكَسْرِ بَوْلُ الْإِبِلِ وَأَوَّلُ أَيَّامِ الْعَجُوزِ وَشِبْهُ السَّلَّةِ الْمُطْبَقَةِ يُجْعَلُ فِيهَا الْخُبْزُ، وَبِهَا ذَفَرُ الْإِبْطِ كَالصُّنَانِ انْتَهَى.
وَهِيَ تَقْتَضِي أَنَّ الصُّنَانَ يَجُوزُ فِيهِ الْكَسْرُ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَالضَّمُّ عَلَى مَا هُوَ مَضْبُوطٌ بِالْقَلَمِ بِهِ فِي الْقَامُوسِ وَالْمِصْبَاحِ وَالصِّحَاحِ وَنِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ (قَوْلُهُ: مَنْعَ الْأَجْذَمِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ التَّعْبِيرِ بِالْأَجْذَمِ عَنْ صَاحِبِ الْمَرَضِ الْمَخْصُوصِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْقَامُوسِ، لَكِنْ فِي الصِّحَاحِ أَنَّهُ يُقَالُ لِمَنْ بِهِ الْمَرَضُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَوْنِ أَكْلِ مَا مَرَّ عُذْرًا عِنْدَ عُسْرِ زَوَالِ رِيحِهِ بِغُسْلٍ أَوْ مُعَالَجَةٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَهُلَ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ فَلَا يَكُونُ عُذْرًا.
وَلَا يُكْرَهُ لِلْمَعْذُورِ دُخُولُ الْمَسْجِدِ وَلَوْ مَعَ الرِّيحِ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ حِبَّانَ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ فِي حَقِّهِ كَمَا فِي آخِرِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ مِنْ الرَّوْضَةِ خِلَافًا لِمَنْ صَرَّحَ بِحُرْمَتِهِ، هَذَا وَالْأَوْجَهُ كَمَا يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُهُمْ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ؛ لِوُجُودِ الْمَعْنَى، وَهُوَ التَّأَذِّي، وَلَا فَرْقَ فِي ثُبُوتِ الْكَرَاهَةِ بَيْنَ كَوْنِ الْمَسْجِدِ خَالِيًا أَوْ لَا، وَهَلْ يُكْرَهُ أَكْلُهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَوْ لَا؟ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِكَرَاهَتِهِ نِيئًا كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ بَلْ جَعَلَهُ أَصْلًا مَقِيسًا عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: وَكَرِهَ لَهُ يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْلَ الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ، وَإِنْ كَانَ مَطْبُوخًا كَمَا كَرِهَ لَنَا نِيئًا.
انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَنْقُولُ الْمَذْهَبِ إذْ عَادَتُهُ غَالِبًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ عَزَوْهُ إلَى قَائِلِهِ، وَإِنْ اُعْتُمِدَ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ شَرْطَ إسْقَاطِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِأَكْلِهِ الْإِسْقَاطَ، وَإِنْ تَعَسَّرَ إزَالَتُهُ.
(وَحُضُورُ) نَحْوِ (قَرِيبٍ) وَصَدِيقٍ وَزَوْجَةٍ وَصِهْرٍ وَمَمْلُوكٍ وَأُسْتَاذٍ وَعَتِيقٍ وَمُعْتِقٍ (وَأَبٍ) أَيْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مُتَعَهِّدٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَحَضَرَ عِنْدَ قَرِيبِهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَحَدِ الْعَشَرَةِ لَمَّا أُخْبِرَ أَنَّ الْمَوْتَ نَزَلَ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ فِرَاقُهُ وَيَتَأَلَّمُ لِغَيْبَتِهِ (أَوْ) حُضُورِ (مَرِيضٍ بِلَا مُتَعَهِّدٍ) لَهُ قَرِيبًا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا لِئَلَّا يَضِيعَ حَيْثُ خَافَ عَلَيْهِ ضَرَرًا، أَوْ لَهُ مُتَعَهِّدٌ مَشْغُولٌ بِشِرَاءِ الْأَدْوِيَةِ مَثَلًا فَيَكُونُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُتَعَهِّدٌ (أَوْ) حُضُورُ نَحْوِ قَرِيبٍ مِمَّنْ لَهُ مُتَعَهِّدٍ لَكِنَّهُ (يَأْنَسُ بِهِ) أَيْ بِالْحَاضِرِ؛ لِأَنَّ تَأْنِيسَهُ أَهَمُّ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ أَوَّلَ الْأَعْذَارِ بِالْكَافِ فِي كَمَطَرٍ إلَى عَدَمِ انْحِصَارِهَا فِيمَا ذَكَرَهُ، فَمِنْهَا أَيْضًا نَحْوُ زَلْزَلَةٍ وَغَلَبَةِ نُعَاسٍ وَسِمَنٍ مُفْرِطٍ وَسَعَى فِي اسْتِرْدَادِ مَالٍ يَرْجُو حُصُولَهُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ.
وَأَعْمَى حَيْثُ لَا يَجِدُ قَائِدًا وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ قَدَرَ عَلَيْهَا فَاضِلَةٍ عَمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْفِطْرَةِ وَلَا أَثَرَ لِإِحْسَانِهِ الْمَشْيَ بِالْعَصَا إذْ قَدْ تَحْدُثُ لَهُ وَهْدَةٌ يَقَعُ فِيهَا وَكَوْنُهُ مِنْهُمَا: أَيْ بِحَيْثُ يَمْنَعُهُ الْهَمُّ مِنْ الْخُشُوعِ وَالِاشْتِغَالِ بِتَجْهِيزِ مَيِّتٍ وَحَمْلِهِ وَدَفْنِهِ وَوُجُودِ مَنْ يُؤْذِيهِ فِي طَرِيقِهِ وَلَوْ بِنَحْوِ شَتْمٍ
[حاشية الشبراملسي]
مَجْذُومٌ، وَلَا يُقَالُ أَجْذَمُ، فَإِنَّ الْأَجْذَمَ إنَّمَا يُقَالُ لِمَنْ قُطِعْت يَدُهُ (قَوْلُهُ: فَلَا يَكُونُ عُذْرًا) أَيْ فَيُنْدَبُ الْحُضُورُ: أَيْ إنْ قُلْنَا إنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ أَوْ يَجِبُ: أَيْ إنْ قُلْنَا إنَّ حُضُورَهَا فَرْضٌ وَتُسَنُّ إزَالَتُهُ (قَوْلُهُ: بِكَرَاهَتِهِ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ يَحْتَجْ لِأَكْلِهِ كَفَقْدِ مَا يَأْتَدِمُ بِهِ أَوْ تَوَقَانِ نَفْسِهِ إلَيْهِ، وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلْهُ فَإِنَّى أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي» .
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مَطْبُوخًا) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: إذْ عَادَتُهُ) أَيْ صَاحِبِ الْأَنْوَارِ (قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَقْصِدَ بِأَكْلِهِ الْإِسْقَاطَ) فِي شَرْحِ الْعُبَابِ، وَمَرَّ آنِفًا أَنَّ مَنْ أَكَلَهُ بِقَصْدِ الْإِسْقَاطِ كُرِهَ لَهُ وَحُرُمُ عَلَيْهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ تَسْقُطْ.
انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي حُرْمَتُهُ هُنَا أَيْضًا إذَا تَوَقَّفَتْ الْجَمَاعَةُ الْمُجْزِئَةُ عَلَيْهِ.
انْتَهَى.
وَقَضِيَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالْقَصْدِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِسْقَاطَ لَمْ يَأْثَمْ وَتَسْقُطُ عَنْهُ وَإِنْ تَعَمَّدَ أَكْلَهُ وَعَلِمَ أَنَّ النَّاسَ يَتَضَرَّرُونَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ وَلَمْ تَسْقُطْ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْحُضُورِ وَإِنْ تَأَذَّى بِهِ الْحَاضِرُونَ.
بَقِيَ أَنَّ مِثْلَ أَكْلِ مَا ذُكِرَ بِقَصْدِ الْإِسْقَاطِ وَضْعُ قِدْرِهِ فِي الْفُرْنِ بِقَصْدِ ذَلِكَ، لَكِنْ لَا يَجِبُ الْحُضُورُ مَعَ تَأْدِيَتِهِ لِتَلَفِهِ.
اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَحُضُورُ قَرِيبٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ كَزَانٍ مُحْصَنٍ وَقَاطِعِ طَرِيقٍ، وَنَقَلَ ذَلِكَ بِالدَّرْسِ عَنْ فَتَاوَى الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ فِرَاقُهُ) أَيْ الْمَرِيضِ وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ لِمَنْ حَضَرَ، قَالَ: لِأَنَّ الْمُحْتَضَرَ لَا يَتَأَذَّى بِغَيْبَةِ أَحَدٍ عَنْهُ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَقَدْ يُمْنَعُ بِأَنَّهُ مَا دَامَتْ الرُّوحُ بَاقِيَةً كَانَ لَهُ شُعُورٌ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ النُّطْقِ بِمَا يُرِيدُ.
(قَوْلُهُ: وَيَتَأَلَّمُ لِغَيْبَتِهِ) عَمِيرَةُ، أَحْسَنُ مِنْ هَذَا قَوْلُ غَيْرِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ شَغْلِ الْقَلْبِ السَّالِبِ لِلْخُشُوعِ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: وَهْدَةٌ يَقَعُ فِيهَا) أَيْ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يَتَضَرَّرُ بِالتَّعَثُّرِ بِهِ كَأَثْقَالٍ تُوضَعُ فِي طَرِيقِهِ وَدَوَابَّ تُوقَفُ فِيهَا.
اهـ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: وَحَمْلِهِ وَدَفْنِهِ) أَيْ حَيْثُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَوْ حُضُورُ مَرِيضٍ بِلَا مُتَعَهِّدٍ) إنَّمَا قَدَّرَ الشَّارِحُ لَفْظَ حُضُورٍ دُونَ لَفْظِ قَرِيبٍ لِكَوْنِهِ أَفْيَدَ وَإِنْ كَانَ الْمَتْنُ لَا يَقْبَلُهُ فَهُوَ حَلُّ مَعْنًى وَإِلَّا فَالْمَتْنُ مَفْرُوضٌ فِي الْقَرِيبِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ لِيَتَأَتَّى لَهُ الْعَطْفُ فِي الثَّالِثَةِ (قَوْلُهُ: لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ)
مَا لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ، وَنَحْوِ النِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ وَتَطْوِيلِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْرُوعِ وَتَرْكِهِ سُنَّةً مَقْصُودَةً؛ لِأَنَّهُ إذَا عُذِرَ بِهِمَا فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْجَمَاعَةِ فَفِي إسْقَاطِهَا ابْتِدَاءً أَوْلَى قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَكَوْنُهُ سَرِيعَ الْقِرَاءَةِ، وَالْمَأْمُومِ بَطِيئَهَا، أَوْ مِمَّنْ يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَالِاشْتِغَالُ بِالْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ وَكَوْنُهُ يَخْشَى الِافْتِتَانَ بِهِ لِفَرْطِ جَمَالِهِ وَهُوَ أَمْرَدُ، وَقِيَاسُهُ أَنْ يَخْشَى هُوَ افْتِتَانًا مِمَّنْ هُوَ كَذَلِكَ، ثُمَّ هَذِهِ الْأَعْذَارُ تَمْنَعُ الْإِثْمَ وَالْكَرَاهَةَ كَمَا مَرَّ، وَلَا تَحْصُلُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
وَاخْتَارَ غَيْرُهُ مَا عَلَيْهِ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ مِنْ حُصُولِهَا إنْ قَصْدَهَا لَوْلَا الْعُذْرُ، وَالسُّبْكِيُّ حُصُولَهَا لِمَنْ كَانَ مُلَازِمًا لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا كَلَامَ الْمَجْمُوعِ عَلَى مُتَعَاطِي السَّبَبِ كَأَكْلِ بَصَلٍ أَوْ ثُومٍ وَكَوْنِ خُبْزِهِ فِي الْفُرْنِ، وَكَلَامُ هَؤُلَاءِ عَلَى غَيْرِهِ كَمَطَرٍ وَمَرَضٍ، وَجَعْلُ حُصُولِهَا لَهُ كَحُصُولِهَا لِمَنْ حَضَرَهَا لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ فِي أَصْلِهَا لِئَلَّا يُنَافِيَهُ خَبَرُ الْأَعْمَى وَهُوَ جَمْعٌ لَا بَأْسَ بِهِ، ثُمَّ هِيَ إنَّمَا تَمْنَعُ ذَلِكَ فِيمَنْ لَا يَتَأَتَّى لَهُ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِي بَيْتِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ طَلَبُهَا لِكَرَاهَةِ انْفِرَادِهِ، وَإِنْ حَصَلَ بِغَيْرِهِ شِعَارُهَا.
.
فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْأَئِمَّةِ وَمُتَعَلِّقَاتِهَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ تُطْلَبُ فِيهِ صِفَاتٌ بَعْضُهَا وَاجِبٌ وَبَعْضُهَا مُسْتَحَبٌّ، كَمَا سَيَأْتِي أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ صَحِيحَةً عِنْدَ الْمُقْتَدِي مُغْنِيَةً عَنْ الْقَضَاءِ، وَإِلَّا فَلَا تَصِحُّ الْقُدْوَةُ.
وَقَدْ شَرَعَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ فَقَالَ: (فَصْلٌ) فِي صِفَةِ الْأَئِمَّةِ وَمُتَعَلِّقَاتِهَا (لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِمَنْ يَعْلَمُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ) كَعِلْمِهِ بِكُفْرِهِ أَوْ حَدَثِهِ لِتَلَاعُبِهِ (أَوْ يَعْتَقِدُهُ) أَيْ الْبُطْلَانَ بِأَنْ يَظُنَّهُ ظَنًّا غَالِبًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ، وَهُوَ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لِدَلِيلٍ (كَمُجْتَهِدَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِبْلَةِ)
[حاشية الشبراملسي]
لَمْ تَقُمْ مَقَامُهُ (قَوْلُهُ: أَوْ مِمَّنْ يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ خَلْفَ مَنْ يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا (قَوْلُهُ: وَلَا تَحْصُلُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ) مُعْتَمَدٌ.
(فَصْلٌ) فِي صِفَاتِ الْأَئِمَّةِ (قَوْلُهُ: فِي صِفَاتِ الْأَئِمَّةِ) قَدْ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ إمَامًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْمُومًا كَالْأَصَمِّ الْأَعْمَى الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ الْعِلْمُ بِانْتِقَالَاتِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إمَامًا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَأْمُومًا م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: وَمُتَعَلِّقَاتِهَا) أَيْ مُتَعَلِّقَاتِ الصِّفَاتِ كَوُجُوبِ الْإِعَادَةِ وَمَسْأَلَةِ الْأَوَانِي (قَوْلُهُ: أَوْ حَدَثِهِ) أَيْ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَمَّا الْمُخْتَلِفِ فِيهِ فَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَلَوْ اقْتَدَى إلَخْ (قَوْلُهُ: ظَنًّا غَالِبًا) كَانَ التَّقْيِيدُ بِالْغَالِبِ لِيَكُونَ اعْتِقَادًا: أَيْ بِالْمَعْنَى الْآتِي وَهُوَ الظَّنُّ الْقَوِيُّ لَكِنْ لَا يَبْعُدُ الِاكْتِفَاءُ بِأَصْلِ الظَّنِّ، بَلْ الْوَجْهُ أَنْ يُرَادَ بِالِاعْتِقَادِ هُنَا مَا يَشْمَلُ أَصْلَ الظَّنِّ بِدَلِيلِ الْمِثَالِ فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ الْمَذْكُورَ غَالِبًا أَوْ كَثِيرًا إنَّمَا يَحْصُلُ أَصْلُ الظَّنِّ.
اهـ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ.
وَقَوْلُهُ لِيَكُونَ اعْتِقَادًا فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ وَإِنْ أُرِيدَ الظَّنُّ الْغَالِبُ لَا يَكُونُ اعْتِقَادًا لِأَخْذِهِمْ فِي مَفْهُومِ الِاعْتِقَادِ الْجَزْمَ، فَلَوْ قَالَ قُيِّدَ بِهِ لِيَكُونَ بَيَانًا لِلْمُرَادِ بِالِاعْتِقَادِ هُنَا كَانَ أَوْلَى.
وَقَوْلُ سم: لَا يَبْعُدُ الِاكْتِفَاءُ بِأَصْلِ الظَّنِّ: أَيْ حَيْثُ كَانَ مُسْتَنَدَ الدَّلِيلِ، بِخِلَافِ ظَنِّ مَنْشَؤُهُ غَلَبَةُ النَّجَاسَةِ مَثَلًا الْمُعَارَضَةُ بِأَصْلِ الطَّهَارَةِ كَأَنْ تَوَضَّأَ إمَامُهُ مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ يَغْلِبُ وُلُوغُ الْكِلَابِ مِنْ مِثْلِهِ فَلَا الْتِفَاتَ لِهَذَا الظَّنِّ اسْتِصْحَابًا لِأَصْلِ الطَّهَارَةِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْجَازِمُ) أَيْ التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ (قَوْلُهُ: الْمُطَابِقُ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِيَكُونَ اعْتِقَادًا صَحِيحًا، وَإِلَّا فَغَيْرُ
[حاشية الرشيدي]
وَصْفٌ لِمَالٍ
[فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْأَئِمَّةِ ومتعلقاتها]
(قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ تُطْلَبُ فِيهِ صِفَاتٌ إلَى قَوْلِهِ إنَّ الْوَاجِبَ إلَى آخِرِهِ) كَذَا فِي نُسَخِ الشَّارِحِ، وَلَعَلَّ قَوْلَهُ إنَّ الْوَاجِبَ حَرَّفَهُ النُّسَّاخُ مِنْ قَوْلِهِ فَمِنْ الْوَاجِبِ، وَإِلَّا فَأَصْلُ الْعِبَارَةِ لِلْإِمْدَادِ وَهِيَ كَمَا ذَكَرْت (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَظُنَّهُ ظَنًّا غَالِبًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ إلَخْ) يُنَافِيهِ مَا سَيَأْتِي لَهُ فِي قَوْلِهِ وَشَمِلَ قَوْلُهُ: يَعْتَقِدُهُ الِاعْتِقَادَ الْجَازِمَ لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ إلَخْ، فَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ: أَيْ فَقَطْ، بَلْ الْمُرَادُ هُوَ وَالظَّنُّ الْمَذْكُورُ فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، لَكِنْ يُنَافَى هَذَا الْحَمْلَ الْحَصْرُ فِي قَوْلِهِ بِأَنْ يَظُنَّهُ إلَخْ فَكَانَ الْأَصْوَبُ خِلَافَ هَذَا التَّعْبِيرِ (قَوْلُهُ: الْمُطَابِقُ)
اجْتِهَادًا وَلَوْ مَعَ التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ، وَإِنْ اتَّحَدَتْ الْجِهَةُ (أَوْ) فِي (إنَاءَيْنِ) كَمَاءٍ طَاهِرٍ وَنَجَسٍ، وَأَدَّى اجْتِهَادُ كُلٍّ لِغَيْرِ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُ صَاحِبِهِ فَصَلَّى كُلٌّ لِجِهَةٍ، أَوْ تَوَضَّأَ مِنْ إنَاءٍ فَيَمْتَنِعُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْآخَرِ لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ (فَإِنْ تَعَدَّدَ الطَّاهِرُ) مِنْ الْآنِيَةِ كَالْمِثَالِ الْآتِي وَلَمْ يَظُنَّ مِنْ حَالِ غَيْرِهِ شَيْئًا (فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ) أَيْ صِحَّةُ اقْتِدَاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ (مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ إنَاءُ الْإِمَامِ لِلنَّجَاسَةِ) لِمَا يَأْتِي.
(فَإِنَّ) (ظَنَّ) بِالِاجْتِهَادِ (طَهَارَةَ إنَاءِ غَيْرِهِ) كَإِنَائِهِ (اقْتَدَى بِهِ قَطْعًا) جَوَازًا لِعَدَمِ تَرَدُّدِهِ أَوْ نَجَاسَتِهِ لَمْ يَقْتَدِ بِهِ قَطْعًا كَمَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ (فَلَوْ) (اشْتَبَهَ خَمْسَةٌ) مِنْ الْآنِيَةِ (فِيهَا) إنَاءٌ (نَجِسٌ عَلَى خَمْسَةٍ) مِنْ النَّاسِ وَاجْتَهَدَ كُلٌّ مِنْهُمْ (فَظَنَّ كُلٌّ طَهَارَةَ إنَائِهِ) وَالْإِضَافَةُ هُنَا لَيْسَتْ لِلْمِلْكِ، إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ كَوْنُهُ مَمْلُوكًا لَهُ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلِاخْتِصَاصِ (فَتَوَضَّأَ بِهِ) وَلَمْ يَظُنَّ شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ (وَأَمَّ كُلٌّ مِنْهُمْ) الْبَاقِينَ (فِي صَلَاةٍ) مِنْ الْخَمْسِ مُبْتَدَئِينَ بِالصُّبْحِ (فَفِي الْأَصَحِّ) السَّابِقِ فِيمَا قَبْلَهَا (يُعِيدُونَ الْعِشَاءَ) لِتَعَيُّنِ النَّجَاسَةِ فِي إمَامِهَا بِزَعْمِهِمْ، وَإِنَّمَا عَوَّلُوا عَلَى التَّعْيِينِ بِالزَّعْمِ هُنَا مَعَ كَوْنِ الْأَمْرِ مَنُوطًا بِظَنِّ الْمُبْطِلِ الْمُعَيَّنِ وَلَمْ يُوجَدْ، بِخِلَافِ الْمُبْهَمِ لِمَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِي فِعْلِ الْمُكَلَّفِ صَوْنُهُ عَنْ الْإِبْطَالِ
[حاشية الشبراملسي]
الْمُطَابِقِ اعْتِقَادٌ فَاسِدٌ، وَمَحَلُّ تَسْمِيَتِهِ اعْتِقَادًا حَيْثُ قَبِلَ التَّغْيِيرَ وَإِلَّا فَهُوَ عِلْمٌ (قَوْلُهُ: اجْتِهَادًا) أَيْ اخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُمَا فَهُوَ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْفَاعِلِ (قَوْلُهُ: أَوْ تَوَضَّأَ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: مِنْ الْآنِيَةِ) جَمْعُ إنَاءٍ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْإِنَاءُ وَالْآنِيَةُ الْوِعَاءُ وَالْأَوْعِيَةُ وَزْنًا وَمَعْنًى.
اهـ.
وَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ، فَالْإِنَاء مُفْرَدُ كَالْوِعَاءِ، وَالْآنِيَةُ جَمْعٌ كَالْأَوْعِيَةِ، وَأَصْلُ آنِيَةٍ أَأْنِيَةٌ قُلِبَتْ الثَّانِيَةُ أَلْفًا؛ لِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ هَمْزَتَانِ ثَانِيَتُهُمَا سَاكِنَةٌ وَجَبَ إبْدَالُهَا مِنْ جِنْسِ حَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَظُنَّ مِنْ حَالِ غَيْرِهِ) تَقْيِيدٌ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ كَمَا سَيَأْتِي وَلِقَوْلِهِ الْآتِي إلَّا إمَامُهَا فَيُعِيدُ الْمَغْرِبَ (قَوْلُهُ: مِنْ الْآنِيَةِ) جَمْعُ إنَاءٍ وَجَمْعُهَا أَوَانٍ كَمَا فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ (قَوْلُهُ: كَوْنُهُ مَمْلُوكًا لَهُ) ثُمَّ رَأَيْت أَكْثَرَ النُّسَخِ إنَاءٌ وَحِينَئِذٍ لَا إشْكَالَ.
اهـ ابْنُ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا هِيَ لِلِاخْتِصَاصِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِعْمَالُ وَهُوَ مِنْ إفْرَادِ الْإِضَافَةِ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَهِيَ مِنْ الْمَجَازِ الْحُكْمِيِّ كَمَا نُقِلَ عَنْ السَّعْدِ وَأَيَّدَهُ الْعِصَامُ فَرَاجِعْ الْأَطْوَلَ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَظُنَّ شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ زَادَتْ الْأَوَانِي عَلَى عَدَدِ الْمُجْتَهِدِينَ كَثَلَاثِ أَوَانٍ مَعَ مُجْتَهِدِينَ كَانَ فِيهَا نَجَسٌ بِيَقِينٍ، وَاجْتَهَدَ أَحَدُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي أَحَدِهَا فَظَنَّ طَهَارَتَهُ وَلَمْ يَظُنَّ شَيْئًا فِي الْبَاقِي وَاجْتَهَدَ الْآخَرُ فِي الْإِنَاءَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ فَظَنَّ طَهَارَةَ أَحَدِهِمَا صَحَّ اقْتِدَاءُ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَادَفَ الطَّاهِرَ.
وَعَلَيْهِ فَلَوْ جَاءَ آخَرُ وَاجْتَهَدَ وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ لِطَهَارَةِ الثَّالِثِ بَعْدَ اقْتِدَائِهِ بِالْأَوَّلِ فَلَيْسَ لِأَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ الْمَذْكُورِينَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِالثَّالِثِ لِانْحِصَارِ النَّجَاسَةِ فِي إنَائِهِ، وَلَوْ كَانُوا خَمْسَةً وَالْأَوَانِي سِتَّةً كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، فَلِكُلٍّ مِنْ الْخَمْسَةِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْبَقِيَّةِ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِمَنْ تَطَهَّرَ مِنْ السَّادِسِ لِمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: مُبْتَدَئِينَ بِالصُّبْحِ) قُيِّدَ بِهِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ يُعِيدُونَ الْعِشَاءَ (قَوْلُهُ: فَفِي الْأَصَحِّ) عِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ: فَعَلَى الْأَصَحِّ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ النَّقِيبِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مُرَادَ الْمُحَرَّرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُدُولُهُ إلَى الْفَاءِ إشَارَةً إلَى أَنَّ هَذَا خِلَافٌ فِي قَدْرِ الْمَقْضِيِّ مُفَرَّعٌ عَلَى الْأَصَحِّ السَّابِقِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيُرْشِدُ إلَى الثَّانِي إتْيَانُهُ بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ فَلَوْ اشْتَبَهَ إلَخْ.
انْتَهَى فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى.
عَمِيرَةُ وَقَوْلُهُ عُدُولُهُ إلَى الْفَاءِ أَوْلَى مِنْهُ عُدُولُهُ إلَى فِي؛ لِأَنَّهَا الَّتِي عُدِلَ إلَيْهَا وَهِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ حَرْفَيْنِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُعَبَّرُ بِلَفْظِهِ عَلَى أَنَّ الْفَاءَ إنَّمَا يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْفَاءِ الَّتِي هِيَ اسْمٌ لِحَرْفِ التَّهَجِّي (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمُبْهَمِ) أَيْ فَلَيْسَ الْأَمْرُ مَنُوطًا بِهِ.
وَقَوْلُهُ لِمَا مَرَّ عِلَّةٌ لِكَوْنِ الْأَمْرِ لَيْسَ مَنُوطًا بِالْمُبْطِلِ الْمُبْهَمِ
[حاشية الرشيدي]
إنَّمَا هُوَ قَيْدٌ فِي الِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ وَإِلَّا فَالِاعْتِقَادُ أَعَمُّ مِنْ الْمُطَابِقِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ) أَيْ كَمَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ طَهَارَةً وَنَجَاسَةً فِي حَقِّ نَفْسِهِ: أَيْ فَيَتَطَهَّرُ بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَهُوَ رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ (قَوْلُهُ: فِعْلُ الْمُكَلَّفِ) وَهُوَ هُنَا
مَا أَمْكَنَ اُضْطُرِرْنَا؛ لِأَجْلِ ذَلِكَ إلَى اعْتِبَارِهِ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ اعْتِرَافَهُ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْأَخِيرِ فَكَانَ مُؤَاخَذًا بِهِ بِخِلَافِ مَا مَرَّ ثَمَّ، فَإِنَّ كُلَّ اجْتِهَادٍ وَقَعَ صَحِيحًا فَلَزِمَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ وَلَا مُبَالَاةَ بِوُقُوعِ مُبْطِلٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ (إلَّا إمَامَهَا فَيُعِيدُ الْمَغْرِبَ) لِتَعَيُّنِ النَّجَاسَةِ فِي حَقِّهِ، وَمُرَادُهُمْ بِتَعَيُّنِ النَّجَاسَةِ عَدَمُ احْتِمَالِ بَقَاءِ وُجُودِهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا يُعِيدُ مَا صَلَّاهُ مَأْمُومًا آخَرَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي يُعِيدُ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا صَلَّاهُ مَأْمُومًا وَهُوَ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ كَانَ فِي الْخَمْسَةِ نَجَسَانِ صَحَّتْ صَلَاةُ كُلٍّ خَلْفَ اثْنَيْنِ فَقَطْ، أَوْ النَّجَسُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ فَبِوَاحِدٍ فَقَطْ.
وَيُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ فِي الضَّابِطِ أَنَّ مَنْ تَأَخَّرَ مِنْهُمْ تَعَيَّنَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ لِلْبُطْلَانِ، وَلَوْ كَانَ النَّجَسُ أَرْبَعَةً
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: إلَى اعْتِبَارِهِ) أَيْ اعْتِبَارِ التَّعْيِينِ بِالزَّعْمِ هُنَا مَعَ كَوْنِ الْأَمْرِ مَنُوطًا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ اعْتِبَارُهُ (قَوْلُهُ: إلَّا إمَامَهَا) أَيْ الْعِشَاءُ (قَوْلُهُ: فَيُعِيدُ الْمَغْرِبَ) وَيُتَصَوَّرُ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ بِأَنْ يَكُونُوا جَاهِلِينَ أَوْ نَاسِينَ وَإِلَّا فَمَتَى تَعَيَّنَ إنَاءُ مَنْ يُرِيدُ الْإِمَامَةَ لِلنَّجَاسَةِ حَرُمَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ.
ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ حَجَرٍ صَرَّحَ بِالْحُرْمَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَا يَرِدُ ذَلِكَ عَلَى الْمَتْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِحُكْمِ الِاقْتِدَاءِ (قَوْلُهُ: فِي حَقِّ غَيْرِهِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُقْتَدِي (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ) الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ الْأَصَحِّ السَّابِقِ فِي قَوْلِهِ فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ، وَبَقِيَ مَا لَوْ صَلَّى بِهِمْ وَاحِدٌ إمَامًا فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الصِّحَّةُ وَلَا إعَادَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ جَازِمٌ بِطَهَارَةِ إنَائِهِ الَّذِي تَوَضَّأَ مِنْهُ وَلَمْ تَنْحَصِرْ النَّجَاسَةُ فِي وَاحِدٍ.
[فَرْعٌ] رَأَى إنْسَانًا تَوَضَّأَ وَأَغْفَلَ لُمْعَةً فَهَلْ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ هَذَا الْوُضُوءَ تَجْدِيدٌ أَوْ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ عَنْ حَدَثٍ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ م ر: الْأَصَحُّ مِنْهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ.
[فَرْعٌ] لَوْ اقْتَدَى مَنْ يَرَى الِاعْتِدَالَ قَصِيرًا بِمَنْ يَرَاهُ طَوِيلًا فَأَطَالَهُ، أَوْ اقْتَدَى شَافِعِيٌّ بِمِثْلِهِ فَقَرَأَ الْإِمَامُ الْفَاتِحَةَ وَرَكَعَ وَاعْتَدَلَ ثُمًّ شَرَعَ فِي الْفَاتِحَةِ لَمْ يُوَافِقْهُ بَلْ يَسْجُدُ وَيَنْتَظِرُهُ سَاجِدًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي وَكَلَامُ الْبَغَوِيّ يَقْتَضِيهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ وَاضِحٌ، وَاعْتَمَدَهُ م ر وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْقَاضِي يَقْتَضِي أَنْ يَنْتَظِرَهُ فِي الِاعْتِدَالِ وَيُحْتَمَلُ تَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ فِي ذَلِكَ.
قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ كُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، وَقَدْ أَفْتَيْت بِهِ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ م ر: الْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ.
وَانْظُرْ هَلْ يُخَالِفُ الْأَوَّلُ مَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فِي الرَّحْمَةِ أَنَّهُ جَوَّزَ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ لِلْمُنْفَرِدِ أَنْ يَقْتَدِيَ فِي اعْتِدَالِهِ بِغَيْرِهِ قَبْلَ رُكُوعِهِ وَيُتَابِعَهُ أَوْ يُفَرَّقَ.
[فَرْعٌ] قَالَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: وَلَوْ تَرَكَ شَافِعِيٌّ الْقُنُوتَ وَخَلْفُهُ حَنَفِيٌّ فَسَجَدَ الشَّافِعِيُّ لِلسَّهْوِ تَابَعَهُ الْحَنَفِيُّ، وَلَوْ تَرَكَ السُّجُودَ لَمْ يَسْجُدْ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَدَارُ عَلَى اعْتِقَادِ الْإِمَامِ فَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ
[حاشية الرشيدي]
اقْتِدَاؤُهُ بِهِمْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ) عِبَارَةُ الشِّهَابِ حَجّ وَهُوَ لِاخْتِيَارِهِ لَهُ بِالتَّشَهِّي يَسْتَلْزِمُ إلَخْ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الَّذِي حَذَفَهُ الشَّارِحُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ مَحَلُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ النُّسَّاخِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ كُلَّ اجْتِهَادٍ وَقَعَ صَحِيحًا) أَيْ كُلُّ اجْتِهَادٍ صَادِرٍ مِنْهُ وَبِهِ فَارَقَ مَسْأَلَةَ الْمِيَاهِ، إذْ الِاجْتِهَادُ وَقَعَ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِ وَكَانَ الْأَوْلَى فِي التَّعْبِيرِ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ لِكُلِّ جِهَةٍ وَقَعَتْ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ صَحِيحٍ (قَوْلُهُ: لِمَا تَقَدَّمَ) لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مَا يُصَحِّحُ هَذِهِ الْإِحَالَةَ وَهُوَ تَابِعٌ فِيهَا لِلْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ، لَكِنَّ ذَلِكَ ذُكِرَ أَوَّلًا مُقَابِلَ الْأَصَحِّ السَّابِقِ بِقَوْلِهِ: وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ لِتَرَدُّدِ كُلٍّ مِنْهُمْ فِي اسْتِعْمَالِ غَيْرِهِ لِلنَّجِسِ فَسَاغَتْ لَهُ هَذِهِ الْإِحَالَةُ، بِخِلَافِ الشَّارِحِ وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ قَدَّمَ مُقَدِّمَةَ الْجَلَالِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ) فِي التَّعْبِيرِ بِالْأَخْذِ هُنَا مُسَامَحَةٌ إذْ مَا هُنَا مِنْ أَفْرَادِ الضَّابِطِ، وَكَانَ غَرَضُهُ مَا ذَكَرَهُ الشِّهَابُ حَجّ بِقَوْلِهِ: تَنْبِيهٌ: يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَرَّرَ مِنْ لُزُومِ الْإِعَادَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ فِعْلُ الْعِشَاءِ وَعَلَى الْإِمَامِ فِعْلُ الْمَغْرِبِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ
لَمْ يَقْتَدِ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِأَحَدٍ، وَلَوْ سَمِعَ صَوْتَ حَدَثٍ أَوْ شَمَّهُ بَيْنَ خَمْسَةٍ وَتَنَاكَرُوهُ، وَأَمَّ كُلٌّ فِي صَلَاةٍ فَكَمَا ذَكَرَ فِي الْأَوَانِي (وَ) شَمَلَ قَوْلُهُ يَعْتَقِدُهُ الِاعْتِقَادَ الْجَازِمَ لِدَلِيلٍ نَشَأَ عَنْ اجْتِهَادٍ فِي الْفُرُوعِ فَعَلَيْهِ (لَوْ) (اقْتَدَى شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيٍّ) مَثَلًا ارْتَكَبَ مُبْطِلًا فِي اعْتِقَادِنَا أَوْ اعْتِقَادِهِ كَأَنْ (مَسَّ فَرْجَهُ أَوْ افْتَصَدَ) (فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ فِي الْفَصْدِ دُونَ الْمَسِّ اعْتِبَارًا) فِيهِمَا (بِنِيَّةِ الْمُقْتَدِي) هُوَ مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ، وَمُرَادُهُ بِالنِّيَّةِ الِاعْتِقَادُ؛ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ عِنْدَهُ بِالْمَسِّ دُونَ الْفَصْدِ، وَقَدْ صَوَّرَهَا صَاحِبُ الْخَوَاطِرِ السَّرِيعَةِ بِمَا إذَا نَسِيَ الْإِمَامُ كَوْنَهُ مُفْتَصِدًا لِتَكُونَ نِيَّتُهُ جَازِمَةً فِي اعْتِقَادِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ عِنْدَنَا أَيْضًا لِعِلْمِنَا بِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ، قِيلَ وَيَرُدُّهُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ فَإِنَّهُمْ عَلَّلُوا الْوَجْهَ الْقَائِلَ بِاعْتِبَارِ عَقِيدَةِ الْإِمَامِ بِأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ فِي الْفَصْدِ وَنَحْوِهِ فَلَا تَقَعُ مِنْهُ نِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، فَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ عِلْمِهِ حَالَ النِّيَّةِ بِفَصْدِهِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّلَاعُبِ فِي تَعْلِيلِ مَا ذُكِرَ بِالنَّظَرِ لِلْمَأْمُومِ دُونَ الْإِمَامِ، إذْ غَايَةُ أَمْرِهِ أَنَّهُ عَالِمٌ حَالَ
[حاشية الشبراملسي]
السُّجُودَ سَجَدَ الْحَنَفِيُّ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى اعْتِقَادِ الْإِمَامِ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا تَرَكَ سُجُودَ السَّهْوِ سُنَّ لِلْمَأْمُومِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ الْإِتْيَانُ بِهِ.
وَيَرِدُ أَيْضًا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْحُكْمُ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ، فَكَيْفَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِاعْتِقَادِهِ وَهُوَ لَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِمَا يَعْتَقِدُهُ فَلْيُحَرَّرْ.
وَإِنْ كَانَ الْمَدَارُ عَلَى اعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ فَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرَ فَوَاضِحٌ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِمَا يَعْتَقِدُونَ خِلَافَهُ؟ فَلْيُرَاجَعْ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُهُ فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ: فَهَلْ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ إلَخْ؟ بَقِيَ مَا لَوْ رَآهُ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَيْنِ وَأَغْفَلَ اللُّمْعَةَ الْمَذْكُورَةَ فَهَلْ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَجْدِيدٌ أَوْ لَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَحْدَثَ بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ، أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْ يَعْتَادَ التَّجْدِيدَ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي نَظَرًا إلَى ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَرَدُّدِ الْمُقْتَدِي فِي النِّيَّةِ وَقَوْلُهُ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي: وَقَالَ م ر: الْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ هُوَ قَوْلُهُ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ وَاضِحٌ إلَخْ، وَقَوْلُهُ أَوْ يُفَرِّقُ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ الْفَرْقُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الِاقْتِدَاءِ يَنْقَطِعُ اعْتِدَالُهُ بِقَصْدِ الْمُتَابَعَةِ فَلَا يُعَدُّ فِعْلُهُ تَطْوِيلًا لِلرُّكْنِ الْقَصِيرِ بِخِلَافِ مَا هُنَا (قَوْلُهُ: لَمْ يَقْتَدِ أَحَدٌ مِنْهُمْ) أَيْ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فَكَمَا ذَكَرَ فِي الْأَوَانِي) لَكِنْ لَوْ تَعَدَّدَ الصَّوْتُ الْمَسْمُوعُ لَمْ يُعَدُّ كُلٌّ إلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْكُلَّ مِنْ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: اعْتِبَارًا بِنِيَّةِ الْمُقْتَدِي) قَضِيَّةُ الصِّحَّةِ وَاعْتِبَارُ اعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ أَنَّ هَذَا الْإِمَامَ يَتَحَمَّلُ عَنْ الْمَأْمُومِ كَغَيْرِهِ وَتُدْرَكُ الرَّكْعَةُ بِإِدْرَاكِهِ رَاكِعًا فَلْيُحَرَّرْ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُ صِحَّةَ صَلَاتِهِ صَيَّرَهُ مِنْ أَهْلِ التَّحَمُّلِ عِنْدَهُ (قَوْلُهُ: هُوَ مِنْ زِيَادَتِهِ) أَيْ قَوْلُهُ: اعْتِبَارًا بِنِيَّةِ الْمُقْتَدِي (قَوْلُهُ: مُحْدِثٌ عِنْدَهُ) أَيْ الْمُقْتَدِي (قَوْلُهُ: بِمَا إذَا نَسِيَ الْإِمَامُ كَوْنَهُ مُفْتَصِدًا) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: اعْتَمَدَ هَذَا التَّصْوِيرَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَشَيْخُنَا طب وم ر اهـ.
وَكَلَامُ الشَّارِحِ هُنَا صَرِيحٌ فِي اعْتِمَادِهِ حَيْثُ حَكَى رَدَّهُ بِقِيلِ ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ تَبَعًا لحج (قَوْلُهُ: قِيلَ) قَائِلُهُ ابْنُ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: وَيَرُدُّهُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ) أَيْ يَرُدُّ تَصْوِيرَ صَاحِبِ الْخَوَاطِرِ السَّرِيعَةِ وَقَوْلُهُ بَعْدُ وَيُجَابُ: أَيْ عَنْ هَذَا الرَّدِّ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ كَوْنِ الْإِمَامِ نَاسِيًا أَوْ عَالِمًا (قَوْلُهُ: إذْ غَايَةُ أَمْرِهِ) أَيْ الْمَأْمُومِ، وَقَوْلُهُ عِنْدَهُ: أَيْ
[حاشية الرشيدي]
تَعَيُّنِ النَّجَاسَةِ فِي كُلٍّ.
اهـ. وَإِنْ كَانَتْ الْعِبَارَةُ قَاصِرَةً عَنْهُ (قَوْلُهُ: وَيُجَابُ) عَنْ هَذَا الرَّدِّ الَّذِي حَكَاهُ بِقِيلَ وَقَائِلُهُ الشِّهَابُ حَجّ.
فَتَلَخَّصَ أَنَّ الشَّارِحَ يَخْتَارُ تَصْوِيرَ صَاحِبِ الْخَوَاطِرِ السَّرِيعَةِ مُخَالِفًا لِلشِّهَابِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا عَبَّرُوا فِيهِ بِالتَّلَاعُبِ بِالنَّظَرِ لِلْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّهُ يَرَى الْإِمَامَ حِينَئِذٍ مُتَلَاعِبًا: أَيْ صُورَةً، وَإِلَّا فَلَا تَلَاعُبَ مَعَ النِّسْيَانِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: إذْ غَايَةُ الْأَمْرِ لَا يَتَنَزَّلُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا، وَإِنْ أَوَّلَهُ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ بِمَا لَا تَقْبَلُهُ الْعِبَارَةُ مَعَ عَدَمِ صِحَّتِهِ كَمَا يُعْلَمُ بِمُرَاجَعَتِهَا، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الشِّهَابَ الْمَذْكُورَ لَمَّا رَدَّ التَّصْوِيرَ الْمُتَقَدِّمَ بِكَلَامِ الْأَصْحَابِ الْمَذْكُورِ وَاخْتَارَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ بِالْعَمْدِ اسْتَشْعَرَ سُؤَالًا صُورَتُهُ: أَنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ حِينَئِذٍ وَهُوَ مُتَلَاعِبٌ؟ فَأَوْرَدَهُ وَأَجَابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: قُلْت كَوْنُهُ مُتَلَاعِبًا عِنْدَنَا مَمْنُوعٌ، إذْ غَايَةُ أَمْرِهِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
وَالشَّارِحُ رَتَّبَ هَذَا عَلَى جَوَابِهِ
النِّيَّةِ بِمُبْطِلٍ عِنْدَهُ، وَعِلْمُهُ بِهِ مُؤَثِّرٌ فِي جَزْمِهِ عِنْدَهُ لَا عِنْدَنَا، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَقِيدَةِ الْإِمَامِ لِمَا مَرَّ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ حُكْمُنَا بِاسْتِعْمَالِ مَائِهِ وَعَدَمِ مُفَارَقَتِهِ عِنْدَ سُجُودِهِ لِ ﴿ص﴾ .
وَلَا قَوْلُهُمْ لَوْ نَوَى مُسَافِرَانِ شَافِعِيٌّ وَحَنَفِيٌّ إقَامَةَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ بِمَوْضِعٍ انْقَطَعَ بِوُصُولِهِمَا سَفَرُ الشَّافِعِيِّ فَقَطْ وَجَازَ لَهُ الِاقْتِدَاءُ بِالْحَنَفِيِّ مَعَ اعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ هُنَا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ لَا يُجَوِّزُهُ الشَّافِعِيُّ مُطْلَقًا بِخِلَافِهِ ثَمَّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي الْجُمْلَةِ، وَسَيَأْتِي فِيهِ زِيَادَةٌ فِي بَابِهِ، وَأَيْضًا فَالْمُبْطِلُ هُنَا وَفِيمَا لَوْ سَجَدَ لِ ﴿ص﴾ أَوْ تَنَحْنَحَ عَمْدًا عُهِدَ اغْتِفَارُ نَظِيرِهِ فِي اعْتِقَادِ الشَّافِعِيِّ لَوْ وَقَعَ مِنْ جَاهِلٍ، وَالْحَنَفِيُّ مِثْلُهُ فَلَا يُنَافِي اعْتِقَادَ كُلٍّ جَوَازَ مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ فَاغْتُفِرَ لَهُ قِيَاسًا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ مَعَ نَحْوِ الْمَسِّ فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْجَاهِلُ وَغَيْرُهُ.
وَلَوْ شَكَّ شَافِعِيٌّ فِي إتْيَانِ الْمُخَالِفِ بِالْوَاجِبَاتِ عِنْدَ الْمَأْمُومِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ
[حاشية الشبراملسي]
الْإِمَامِ، وَقَوْلُهُ وَعِلْمُهُ: أَيْ الْمَأْمُومِ، وَقَوْلُهُ عِنْدَهُ: أَيْ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ لِتَكُونَ نِيَّتُهُ جَازِمَةً (قَوْلُهُ: عِنْدَ سُجُودِهِ لِ ﴿ص ~﴾ ) أَيْ لِآيَةِ ﴿ص ~﴾ إلَخْ (قَوْلُهُ: مَعَ اعْتِقَادِهِ) أَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُهُ: بُطْلَانِ صَلَاتِهِ أَيْ الْحَنَفِيِّ (قَوْلُهُ: لَوْ وَقَعَ مِنْ جَاهِلٍ) وَحُكِمَ بِاسْتِعْمَالِ مَائِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى بِهِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ تَرْكُ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ مِنْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُنْكِرُ عَلَى مُجْتَهِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِمَذْهَبِهِ (قَوْلُهُ: لَمْ يُؤَثِّرْ) بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: سَلَّمْنَا أَنَّهُ أَتَى بِهِ لَكِنْ عَلَى اعْتِقَادِ السُّنِّيَّةِ، وَمَنْ اعْتَقَدَ بِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ نَفْلًا كَانَ ضَارًّا: أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالشَّارِحُ: أَيْ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ السَّابِقِ أَشَارَ إلَى دَفْعِهِ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ اعْتِقَادِهِ الْوُجُوبَ إلَخْ، وَكَانَ حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمَّا أَتَى بِهِ وَكَانَ اعْتِقَادُهُ عَدَمِ الْوُجُوبِ مَذْهَبًا لَهُ غَيْرَ مُبْطِلٍ عِنْدَهُ اكْتَفَيْنَا مِنْهُ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمُوَافِقِ فَإِنَّ اعْتِقَادَهُ عَدَمَ الْوُجُوبِ لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ وَمُبْطِلٌ عِنْدَهُ فَلَمْ يَكْتَفِ مِنْهُ بِذَلِكَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ اعْتِقَادَ عَدَمِ الْوُجُوبِ إنَّمَا يُؤَثِّرُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَذْهَبًا لِلْمُعْتَقِدِ، وَإِلَّا لَمْ يُؤَثِّرْ، وَيَكْتَفِي مِنْهُ بِمُجَرَّدِ الْإِتْيَانِ، وَأَمَّا مَا دَفَعَ بِهِ م ر أَيْضًا ذَلِكَ مِنْ اعْتِقَادِهِ عَدَمِ الْوُجُوبِ كَإِتْيَانِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَتَى بِالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِالْجُلُوسِ بِقَصْدِ الِاسْتِرَاحَةِ مَعَ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ اعْتِقَادُ فَرْضٍ مُعَيَّنٍ نَفْلًا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ أَتَى بِالْفَرْضِ يَظُنُّهُ نَفْلًا بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ أَتَى بِالْفَرْضِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَوْنِ الشَّكِّ فِي أَنَّ الْحَنَفِيَّ تَرَكَ الْوَاجِبَاتِ لَا يَضُرُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ كَذَلِكَ، إذْ لَا فَرْقَ بَلْ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضُرَّ الشَّكُّ فِي الْمُخَالِفِ الَّذِي لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ فَفِي الْمُوَافِقِ أَوْلَى، وَمِنْ ذَلِكَ مَا إذَا شَكَّ فِي طَهَارَةِ الْإِمَامِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ كَغَيْرِهِ فِيمَا إذَا أَسَرَّ الْإِمَامُ فِي الْجَهْرِيَّةِ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ) أَيْ فَلَوْ أَخْبَرَهُ بَعْدُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فَهَلْ يُؤَثِّرُ لِذَلِكَ، وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ أَوْ لَا لِلْحُكْمِ بِمُضِيِّ صَلَاتِهِ عَلَى الصِّحَّةِ، فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ قِيَاسًا عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إمَامُهُ تَارِكًا لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّمَ مِمَّا لَا يَخْفَى إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ التَّحَرُّمَ مِنْ شَأْنِهِ جَهْرُ الْإِمَامِ بِهِ: أَيْ فَيُنْسَبُ الْمَأْمُومُ لِتَقْصِيرٍ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْإِتْيَانِ بِهِ مِنْ الْإِمَامِ، وَلَوْ كَانَ بَعِيدًا، وَلَا كَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ، وَيُؤَيِّدُ الْفَرْقَ مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ شَكَّ بَعْدَ إحْرَامِ الْمَأْمُومِ فَاسْتَأْنَفَ النِّيَّةَ وَكَبَّرَ ثَانِيًا لَا يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ إذَا عَلِمَ بِحَالِ الْإِمَامِ مَعَ أَنَّهُ بِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ تَقَدُّمُ إحْرَامِهِ عَلَى إحْرَامِ إمَامِهِ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِمَشَقَّةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى حَالِ الْإِمَامِ وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَأَمُّلُ حَالِهِ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ، وَسَيَأْتِي عَنْ الشَّارِحِ فِي كَلَامِ سم مَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِعَادَةِ.
(قَوْلُهُ: تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ) قَالَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ:
[حاشية الرشيدي]
الْمَذْكُورِ فَلَمْ يَلْتَئِمْ مَعَهُ، وَبَعْضُهُمْ أَجَابَ عَمَّا أَجَابَ عَنْهُ الشَّارِحُ بِحَمْلِ التَّلَاعُبِ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي عَلَى مَا هُوَ فِي حُكْمِ التَّلَاعُبِ وَذَلِكَ فِي النَّاسِي لَا فِي التَّلَاعُبِ حَقِيقَةً، وَبِالْفِعْلِ كَمَا فِي الْعَامِدِ، وَهُوَ يَرْجِعُ فِي التَّحْقِيقِ إلَى جَوَابِ الشَّارِحِ بِحَسَبِ مَا قَرَّرْنَاهُ بِهِ.
فِي تَوَقِّي الْخِلَافِ، وَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ الْبَسْمَلَةَ لَمْ تَصِحَّ قُدْوَةُ الشَّافِعِيِّ بِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُقْتَدَى بِهِ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَوْ نَائِبُهُ كَمَا نَقَلَاهُ عَنْ تَصْحِيحِ الْأَكْثَرِينَ وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ نَقَلَا عَنْ الْحَلِيمِيِّ وَالْأَوْدَنِيِّ الصِّحَّةَ خَلْفَهُ وَاسْتَحْسَنَاهُ.
وَتَعْلِيلُ الْجَوَازِ بِخَوْفِ الْفِتْنَةِ مَمْنُوعٌ، فَقَدْ لَا يَعْلَمُ الْإِمَامُ بِعَدَمِ اقْتِدَائِهِ أَوْ مُفَارَقَتِهِ كَأَنْ يَكُونَ فِي الصَّفِّ الْأَخِيرِ مَثَلًا أَوْ يُتَابِعَهُ فِي أَفْعَالِهَا مِنْ غَيْرِ رَبْطٍ وَانْتِظَارٍ كَثِيرٍ فَيَنْتَفِي خَوْفُ الْفِتْنَةِ.
(وَلَا تَصِحُّ قُدْوَةٌ بِمُقْتَدٍ) حَالَ قُدْوَتِهِ لِكَوْنِهِ تَابِعًا لِغَيْرِهِ بِلَحْقِهِ سَهْوَهُ، وَمِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ الِاسْتِقْلَالُ وَأَنْ يَتَحَمَّلَ هُوَ سَهْوَ غَيْرِهِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ، وَأَمَّا خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّاسَ اقْتَدَوْا بِأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُقْتَدِينَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمْ التَّكْبِيرَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا.
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ» . قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنْ صَحَّ هَذَا كَانَ مَرَّتَيْنِ كَمَا أَجَابَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ.
وَلَوْ تَوَهَّمَ أَوْ ظَنَّ كَوْنَهُ مَأْمُومًا لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ أَيْضًا بِهِ، وَمَحَلُّهُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ عِنْدَ هُجُومِهِ فَإِنْ اجْتَهَدَ فِي أَيِّهِمَا الْإِمَامُ، وَاقْتَدَى بِمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ الْإِمَامُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ كَمَا يُصَلِّي بِالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ وَالثَّوْبِ وَالْأَوَانِي.
انْتَهَى.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ اجْتِهَادَهُ بِسَبَبِ قَرَائِنَ تَدُلُّهُ عَلَى غَرَضِهِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلنِّيَّةِ لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا، فَسَقَطَ الْقَوْلُ بِأَنَّ شَرْطَ الِاجْتِهَادِ أَنْ يَكُونَ لِلْعَلَامَةِ فِيهِ مَجَالٌ، وَلَا مَجَالَ لَهَا هُنَا؛ لِأَنَّ مَدَارَ الْمَأْمُومِيَّةِ عَلَى النِّيَّةِ لَا غَيْرُ، وَهِيَ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهَا.
وَإِنْ اعْتَقَدَ كُلٌّ مِنْ اثْنَيْنِ أَنَّهُ إمَامٌ صَحَّتْ صَلَاتُهُمَا لِعَدَمِ مُقْتَضَى بُطْلَانِهَا أَوْ أَنَّهُ مَأْمُومٌ فَلَا.
وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ إمَامٌ أَوْ مَأْمُومٌ وَلَوْ بَعْدَ السَّلَامِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ لِشَكِّهِ فِي أَنَّهُ تَابِعٌ أَوْ مَتْبُوعٌ، فَلَوْ شَكَّ أَحَدُهُمَا وَظَنَّ الْآخَرُ صَحَّتْ لِلظَّانِّ أَنَّهُ إمَامٌ دُونَ الْآخَرِ وَهَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فَرَّقَ الْأَصْحَابُ فِيهَا بَيْنَ الظَّنِّ وَالشَّكِّ، قَالَهُ
[حاشية الشبراملسي]
وَمُحَافَظَةً عَلَى الْكَمَالِ عِنْدَهُ.
اهـ. وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى كِلَا التَّعْلِيلَيْنِ بِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ الْمَتْرُوكُ عِنْدَهُ مِنْ الْكَمَالِ وَلَا مِمَّا يُطْلَبُ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ عِنْدَهُ فَلَا يَكُونُ الظَّاهِرُ الْإِتْيَانَ بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ الْبَسْمَلَةَ) كَأَنْ سَمِعَهُ يَصِلُ تَكْبِيرَةَ التَّحَرُّمِ أَوْ الْقِيَامِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ (قَوْلُهُ: لَمْ تَصِحَّ) أَيْ فَتَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ عِنْدَ إرَادَتِهِ الرُّكُوعَ؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ يُعِيدَهَا عَلَى الصَّوَابِ (قَوْلُهُ: الْأَوْدَنِيُّ) قَالَ فِي اللُّبِّ: الْأَوْدَنِيُّ بِالضَّمِّ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ إلَى أُودَنَةَ مِنْ قُرَى بُخَارَى.
قُلْت: وَبِالْفَتْحِ إلَى أَوْدَنَ مِنْهَا أَيْضًا، قَالَ يَاقُوتُ: وَأَظُنُّهُمَا وَاحِدًا، وَاخْتُلِفَ فِي الْهَمْزَةِ.
انْتَهَى.
وَفِي طَبَقَاتِ الْإِسْنَوِيِّ: هُوَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَصِيرٍ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، تُوُفِّيَ بِبُخَارَى سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ، وَأَوْدَنَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْ الْإِكْمَالِ لِابْنِ مَاكُولَا وَعَنْ خَطِّ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فِي الْأَنْسَابِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّ ابْنَ السَّمْعَانِيِّ قَالَ: إنَّهُ بِالضَّمِّ وَأَنَّ الْفَتْحَ مِنْ خَطَأِ الْفُقَهَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ أَعَنَى ابْنَ خِلِّكَانَ (قَوْلُهُ: خَلْفَهُ) أَيْ الْإِمَامِ، وَقَوْلُهُ كَأَنْ يَكُونَ: أَيْ الْمَأْمُومُ (قَوْلُهُ: وَانْتِظَارٍ كَثِيرٍ) أَيْ عُرْفًا م ر فِيمَا يَأْتِي فِي فَصْلِ شَرْطِ الْقُدْوَةِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا تَصِحُّ قُدْوَةٌ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْقُدْوَةُ اسْمٌ مِنْ اقْتَدَى بِهِ إذَا فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ تَأَسِّيًا، وَفُلَانٌ قُدْوَةٌ: أَيْ يُقْتَدَى بِهِ، وَالضَّمُّ أَكْثَرُ مِنْ الْكَسْرِ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَيُقَالُ إنَّ الْقُدْوَةَ الْأَصْلُ الَّذِي يَتَشَعَّبُ مِنْهُ الْفُرُوعُ.
انْتَهَى.
وَفِي الْقَامُوسِ: الْقُدْوَةُ مُثَلَّثَةٌ وَكَعِدَّةِ مَا تَسَنَّنْت بِهِ وَاقْتَدَيْت بِهِ (قَوْلُهُ: إنَّ النَّاسَ اقْتَدَوْا بِأَبِي بَكْرٍ) أَيْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ) أَيْ وَلَوْ بَعْدَ السَّلَامِ وَإِنْ بَانَ إمَامًا.
اهـ ابْنُ حَجَرٍ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم بِأَنْ شَكَّ بَعْدَ السَّلَامِ فِي كَوْنِ إمَامِهِ مَأْمُومًا إلَّا أَنَّ مَحَلَّ هَذَا مَا لَمْ يَبْنِ إمَامًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا يُنَافِيهِ، وَإِنْ بَانَ إمَامًا؛ لِجَوَازِ تَخْصِيصِهِ بِغَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ بَلْ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ.
اهـ.
وَكَتَبَ سم أَيْضًا: قَوْلَهُ: وَإِنْ بَانَ إمَامًا: أَيْ إنْ طَالَ زَمَنُ التَّرَدُّدِ أَوْ مَضَى رُكْنٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ) أَيْ فَلَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَهَلْ يَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ أَوْ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الثَّانِي (قَوْلُهُ: أَنَّهُ إمَامٌ) أَيْ بِصَاحِبِهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ مَرَّ) أَيْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا طَالَ التَّرَدُّدُ أَوْ مَضَى رُكْنٌ ضُرَّ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ طَرِيقُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابْنُ الرِّفْعَةِ، أَوْ الْبُطْلَانُ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ مَبْنِيٌّ عَلَى طَرِيقِ الْعِرَاقِيِّينَ، أَمَّا عَلَى طَرِيقِ الْمَرَاوِزَةِ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ فِي الشَّكِّ فِي النِّيَّةِ وَقَدْ مَرَّ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَخَرَجَ بِمُقْتَدٍ مَا لَوْ انْقَطَعَتْ الْقُدْوَةُ كَأَنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ فَقَامَ مَسْبُوقٌ فَاقْتَدَى بِهِ آخَرُ أَوْ مَسْبُوقُونَ فَاقْتَدَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَتَصِحُّ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
(وَلَا بِمَنْ تَلْزَمُهُ إعَادَةٌ) ، وَإِنْ كَانَ الْمُقْتَدِي مِثْلَهُ (كَمُقِيمٍ تَيَمَّمَ) بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ وَمُحْدِثٍ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ لِإِكْرَاهٍ أَوْ لِكَوْنِهِ فَقَدَ الطَّهُورَيْنِ؛ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِصَلَاتِهِ فَكَانَتْ كَالْفَاسِدَةِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِنْ صَحَّتْ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَأَمَّا عَدَمُ أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ صَلَّى خَلْفَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِالْإِعَادَةِ فَغَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ عَدَمَهَا؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ، وَلِجَوَازِ كَوْنِهِمْ كَانُوا عَالَمِينَ وَقَضَوْا مَا عَلَيْهِمْ.
(وَلَا قَارِئٍ بِأُمِّيٍّ فِي الْجَدِيدِ)
[حاشية الشبراملسي]
الْمَرَاوِزَةِ.
(قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ) أَيْ أَمَّا فِيهَا فَلَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ فِيهِ إنْشَاءَ جُمُعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى (قَوْلُهُ: لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ) ظَاهِرٌ فِي الصُّورَتَيْنِ وَعَلَيْهِ فَلَا ثَوَابَ فِيهَا مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَةُ.
وَفِي ابْنِ حَجَرٍ التَّصْرِيحُ بِرُجُوعِهِ لِلثَّانِيَةِ فَقَطْ، وَالْكَرَاهَةُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَبْطَلَهَا، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمَحَلِّيِّ قُبَيْلَ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ مَا يُصَرِّحُ بِتَخْصِيصِ الْخِلَافِ بِالثَّانِيَةِ، هَذَا وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ صِحَّةِ الْقُدْوَةِ مَا لَمْ يَتَذَكَّرْ الْإِمَامُ تَرْكَ رُكْنٍ مِنْ صَلَاتِهِ وَيَعُودُ لِتَدَارُكِهِ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ، فَإِنْ عَادَ لَمْ تَصِحَّ قُدْوَةُ الْمُقْتَدِي بِالْإِمَامِ الثَّانِي لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ مُقْتَدٍ بِمُقْتَدٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
(قَوْلُهُ: كَمُقِيمٍ تَيَمَّمَ) هَلْ شَرْطُ هَذَا عِلْمُ الْمَأْمُومِ بِحَالِهِ حَالَ الِاقْتِدَاءِ أَوْ قَبْلَهُ وَنَسِيَ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مُطْلَقًا إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ صَحَّتْ، وَلَا قَضَاءَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِمَامَ مُحْدِثٌ، وَتَبَيُّنُ حَدَثِ الْإِمَامِ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يَضُرُّ وَلَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ كَمَا سَيَأْتِي، أَوْ لَا فَرْقَ هُنَا وَيَخُصُّ مَا سَيَأْتِي بِغَيْرِ ذَلِكَ وَيُفَرَّقُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالتَّسْوِيَةُ قَرِيبَةٌ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فَرْقٌ وَاضِحٌ.
فَإِنْ قِيلَ عَلَى التَّسْوِيَةِ: هَلْ اكْتَفَى عَنْ هَذَا الْمِثَالِ بِمَسْأَلَةِ الْحَدَثِ الْآتِيَةِ؟ قُلْنَا: يَفُوتُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ الْمُتَيَمَّمَ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَإِنْ كَانَ حَدَثُهُ بَاقِيًا تَأَمَّلْ.
اهـ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ.
وَقَوْلُهُ: وَالتَّسْوِيَةُ قَرِيبَةٌ: أَيْ فَلَا قَضَاءَ كَمَا لَوْ بَانَ حَدَثُ إمَامِهِ.
وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فَرْقٌ وَاضِحٌ.
أَقُولُ: قَدْ يُقَالُ الْفَرْقُ أَنَّ الْحَدَثَ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ يَخْفَى فَلَا يُنْسَبُ الْمَأْمُومُ مَعَهُ إلَى تَقْصِيرٍ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَهُوَ مِمَّا يَغْلِبُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ سِيَّمَا فِي حَقِّ الْمُسَافِرِينَ فَيُنْسَبُ الْمَأْمُومُ إلَى تَقْصِيرٍ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِحَالِ الْإِمَامِ، هَذَا وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ مَا يُصَرِّحُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحْدِثِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَمَنْ تَيَمَّمَ لِبَرْدٍ قَضَى فِي الْأَظْهَرِ.
وَأُجِيبَ عَنْ الْخَبَرِ: أَيْ خَبَرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حَيْثُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ وَقَدْ تَيَمَّمَ لِلْبَرْدِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ وَلَا أَصْحَابَهُ بِالْقَضَاءِ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنَّمَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ، وَبِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَيُحْتَمَلُ عَدَمُ مَعْرِفَتِهِمْ الْحُكْمَ أَوْ جَهْلُهُمْ بِحَالِهِ وَقْتَ الْقُدْوَةِ بِهِ.
(قَوْلُهُ: مَنْ صَلَّى خَلْفَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) أَيْ لَمَّا تَيَمَّمَ لِلْبَرْدِ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ عَلَى مَا مَرَّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ (قَوْلُهُ: وَلِجَوَازِ كَوْنِهِمْ كَانُوا عَالِمِينَ) أَيْ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَى مَنْ اقْتَدَى بِمَنْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، وَاقْتِدَاؤُهُمْ بِعَمْرٍو إنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ حَالَ الِاقْتِدَاءِ
(قَوْلُهُ: وَلَا قَارِئٌ بِأُمِّيٍّ إلَخْ) . [فَرْعٌ] عَلِمَ أُمِّيَّتَهُ وَغَابَ غَيْبَةً يُمْكِنُهُ التَّعَلُّمُ فِيهَا فَهَلْ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْأُمِّيَّةِ.
وَنُقِلَ عَنْ فَتَاوَى الشَّارِحِ أَنَّهُ لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ تَعَلَّمَ فِي غَيْبَتِهِ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ وَيُعَلَّلُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ.
لَا يُقَالُ: يُشْكِلُ عَلَى مَا ذَكَرَ مَا قَالُوهُ فِيمَا لَوْ عَلِمَ حَدَثَهُ ثُمَّ فَارَقَهُ مُدَّةً يُمْكِنُ فِيهَا طُهْرُهُ مِنْ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي إلَخْ) هَذِهِ الْأَجْوِبَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى لُزُومِ الْإِعَادَةِ لَهُمْ خِلَافَ مَا قَدَّمَهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَلِجَوَازِ كَوْنِهِمْ كَانُوا عَالِمِينَ) أَيْ حِينَ بَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ طَرَأَ لَهُمْ الْعِلْمُ بَعْدَ الِاقْتِدَاءِ، وَإِلَّا فَكَيْفَ
وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ التَّعَلُّمِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُقْتَدِي بِحَالِهِ؛ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ لِتَحَمُّلِ الْقِرَاءَةِ عَنْهُ لَوْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا مَثَلًا وَمِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ التَّحَمُّلُ كَمَا مَرَّ، وَالْقَدِيمُ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ فِي السَّرِيَّةِ دُونَ الْجَهْرِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقْرَأُ فِي الْجَهْرِيَّةِ بَلْ يَتَحَمَّلُ الْإِمَامُ عَنْهُ فِيهَا، وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ أَيْضًا، وَالْأُمِّيُّ مَنْسُوبٌ لِلْأُمِّ كَأَنَّهُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي وَلَدَتْهُ عَلَيْهَا، وَأَصْلُهُ لُغَةً لِمَنْ لَا يَكْتُبُ، وَاسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ فِيمَا ذُكِرَ مَجَازًا.
وَقَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ رَاجِعٌ إلَى اقْتِدَاءِ الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ لَا إلَى مَا قَبْلَهُ (وَهُوَ مَنْ يُخِلُّ بِحَرْفٍ) بِأَنْ عَجَزَ عَنْ إخْرَاجِهِ مِنْ مَخْرَجِهِ (أَوْ تَشْدِيدَةِ مِنْ الْفَاتِحَةِ) ؛ لِرَخَاوَةٍ فِي لِسَانِهِ، وَمَنْ يُحْسِنُ سَبْعَ آيَاتٍ مَعَ مَنْ لَا يُحْسِنُ إلَّا الذِّكْرَ، وَحَافِظِ نِصْفِ الْفَاتِحَةِ الْأَوَّلِ بِحَافِظِ نِصْفِهَا الثَّانِي مَثَلًا كَقَارِئٍ مَعَ أُمِّيٍّ، وَنَبَّهَ بِمَا ذَكَرَهُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُحْسِنْهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَلَوْ أَحْسَنَ أَصْلَ التَّشْدِيدِ وَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الْمُبَالَغَةُ صَحَّتْ الْقُدْوَةُ بِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي (وَمِنْهُ أَرَتٌّ) بِمُثَنَّاةٍ مُشَدَّدَةٍ (يُدْغَمُ) بِإِبْدَالٍ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ (فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ) أَيْ الْإِدْغَامِ الْمَفْهُومِ مِنْ يُدْغِمُ فَلَا يَضُرُّ إدْغَامٌ فَقَطْ كَتَشْدِيدِ لَامِ أَوْ كَافِ مَالِكٍ (وَ) مِنْهُ (أَلْثَغُ) بِمُثَلَّثَةٍ (يُبْدِلُ حَرْفًا بِحَرْفٍ) كِرَاءٍ بِغَيْنٍ وَسِينٍ بِثَاءٍ، نَعَمْ لَوْ كَانَتْ اللُّثْغَةُ يَسِيرَةً بِأَنْ لَمْ تَمْنَعْ أَصْلَ مَخْرَجِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ صَافٍ لَمْ تُؤَثِّرْ، وَالْإِدْغَامُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الْمُبْطِلِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِبْدَالِ إلَّا أَنَّهُ إبْدَالُ خَاصٍّ، فَكُلُّ أَرَتَّ أَلْثَغَ وَلَا عَكَسَ.
(وَتَصِحُّ) قُدْوَةُ أُمِّيٍّ وَلَوْ فِي الْجُمُعَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بَابِهَا (بِمِثْلِهِ) فِي الْحَرْفِ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ فِي الْإِبْدَالِ كَمَا لَوْ عَجَزَا عَنْ الرَّاءِ وَأَبْدَلَهَا أَحَدُهُمَا غَيْنًا وَالْآخَرُ لَامًا، بِخِلَافِ عَاجِزٍ عَنْ رَاءٍ بِعَاجِزٍ عَنْ سِينٍ، وَإِنْ اتَّفَقَا فِي الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا
[حاشية الشبراملسي]
حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ تَطَهَّرَ فِي غَيْبَتِهِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُصَلِّي أَنَّهُ تَطَهَّرَ بَعْدَ حَدَثِهِ لِتَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَلَيْسَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْأُمِّيِّ ذَلِكَ فَإِنَّ الْأُمِّيَّةَ عِلَّةٌ مُزْمِنَةٌ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا.
وَقَدْ يُجَابُ عَنْ التَّوَقُّفِ فِيمَا مَرَّ بِأَنَّ ذَاكَ مَفْرُوضٌ فِيمَا لَوْ اسْتَوَى عِنْدَهُ الِاحْتِمَالَانِ، وَمَا نَقَلَ الْفَتَاوَى مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ بِقَرِينَةٍ إفَادَتِهِ الظَّنَّ (قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) أَيْ فَلَا تَنْعَقِدُ لِلْجَاهِلِ بِحَالِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَبْنِ الْحَالُ إلَّا بَعْدُ.
اهـ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: فِيمَا ذُكِرَ مَجَازًا) أَيْ ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً (قَوْلُهُ: لَا إلَى مَا قَبْلَهُ) وَيَدُلُّ لِذَلِكَ إعَادَةُ لَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ يُخِلُّ بِحَرْفٍ إلَخْ) عَمِيرَةُ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَا يَمْتَنِعُ الِاقْتِدَاءُ إلَّا بَعْدَ الْإِخْلَالِ الْمَذْكُورِ فَتَفَطَّنْ لَهُ انْتَهَى.
أَقُولُ: الْوَجْهُ الَّذِي لَا يَتَّجِهُ غَيْرُهُ وِفَاقًا لِشَيْخِنَا طب - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ الِانْعِقَادِ؛ لِأَنَّ الْخَلَلَ هُوَ نَقْصُهُ بِالْأُمِّيَّةِ كَالْأُنُوثَةِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ قَبْلَ الْإِخْلَالِ تَأَمَّلْ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: كَقَارِئٍ مَعَ أُمِّيٍّ) هَذَا وَاضِحٌ فِيمَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ مَعَ مَنْ يَحْفَظُ الذِّكْرَ، أَمَّا مَنْ يَحْفَظُ نِصْفَ الْفَاتِحَةِ الْأَوَّلِ مَعَ مَنْ يَحْفَظُ الثَّانِيَ فَكَأُمِّيَّيْنِ اخْتَلَفَا فِي الْمَعْجُوزِ عَنْهُ فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَكَأَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي الْقَارِئِ مَعَ الْأُمِّيِّ بِالنَّظَرِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ صَاحِبِهِ فِي النِّصْفِ الَّذِي يَحْفَظُ دُونَ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: لَمْ تُؤَثِّرْ) عَمِيرَةُ عَنْ أَبِي غَانِمٍ ملقى ابْنِ سُرَيْجٍ قَالَ: انْتَهَى سُرَيْجٌ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَانَتْ لُثْغَتُهُ يَسِيرَةً، وَفِي مِثْلِهَا: فَقُلْت لَهُ هَلْ تَصِحُّ إمَامَتِي؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَإِمَامَتِي أَيْضًا.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: وَتَصِحُّ قُدْوَةُ أُمِّيٍّ) ظَاهِرُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بَابِهَا) مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مُكَلَّفًا حُرًّا ذَكَرًا، وَلَا تَنْعَقِدُ بِأَرْبَعِينَ وَفِيهِمْ أُمِّيٌّ لِارْتِبَاطِ صِحَّةِ صَلَاةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَصَارَ كَاقْتِدَاءِ الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ كَمَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيّ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا قَصَّرَ الْأُمِّيُّ فِي التَّعَلُّمِ وَإِلَّا فَتَصِحُّ الْجُمُعَةُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ قَارِئًا إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ (قَوْلُهُ: فِي الْحَرْفِ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ) لَوْ اسْتَوَيَا فِي الْإِخْلَالِ بِحَرْفٍ مُعَيَّنٍ وَزَادَ أَحَدُهُمَا بِالْإِخْلَالِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَيَنْبَغِي صِحَّةُ اقْتِدَاءِ ذِي الزِّيَادَةِ بِالْآخَرِ دُونَ الْعَكْسِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَبْدَلَهَا أَحَدُهُمَا غَيْنًا وَالْآخَرُ لَامًا) قَالَ عَمِيرَةُ: وَمِثْلُهُ أَيْ فِي الصِّحَّةِ
[حاشية الرشيدي]
يَقْتَدُونَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِعَدَمِ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ.
(قَوْلُهُ: لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ لِتَحَمُّلِ الْقِرَاءَةِ عَنْهُ إلَخْ) لَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الْمُحْدِثُ؛ لِأَنَّهُ أَهْلٌ فِي الْجُمْلَةِ لَوْ كَانَ مُتَطَهِّرًا (قَوْلُهُ: وَنَبَّهَ بِمَا ذَكَرَهُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُحْسِنْهَا إلَخْ) قَدْ يُقَالُ إنَّ مَا فَسَّرَ بِهِ الْأُمِّيُّ قَاصِرٌ
يُحْسِنُ مَا لَا يُحْسِنُهُ صَاحِبُهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ عَدَمُ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ أَخْرَسَ بِأَخْرَسَ، وَلَوْ عَجَزَ إمَامُهُ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ عَنْ الْقِرَاءَةِ لِخَرَسٍ لَزِمَهُ مُفَارَقَتُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّ اقْتِدَاءَ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ صَحِيحٌ، وَلَا كَذَلِكَ الْقَارِئُ بِالْأَخْرَسِ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ.
فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِخَرَسِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ أَعَادَ؛ لِأَنَّ حُدُوثَ الْخَرَسِ نَادِرٌ، بِخِلَافِ طُرُوُّ الْحَدَثِ.
وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ صِحَّةَ اقْتِدَاءِ مَنْ يُحْسِنُ نَحْوَ التَّكْبِيرِ أَوْ التَّشَهُّدِ أَوْ السَّلَامِ بِالْعَرَبِيَّةِ بِمَنْ لَا يُحْسِنُهَا بِهَا.
وَوَجَّهَهُ أَنَّ هَذِهِ لَا مَدْخَلَ لِتَحَمُّلِ الْإِمَامِ فِيهَا فَلَمْ يَنْظُرْ لِعَجْزِهِ عَنْهَا، وَتَصِحُّ الْقُدْوَةُ بِمَنْ جُهِلَ إسْلَامُهُ أَوْ قِرَاءَتُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِسْلَامُ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ الْمُصَلِّي أَنَّهُ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ، فَإِنْ أَسَرَّ هَذَا فِي جَهْرِيَّةٍ أَعَادَ الْمَأْمُومُ صَلَاتَهُ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَارِئًا لَجَهَرَ، وَيَلْزَمُهُ كَمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ أَئِمَّتِنَا الْبَحْثُ عَنْ حَالِهِ، أَمَّا فِي السَّرِيَّةِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَحْثُ عَنْ حَالِهِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ الْبَحْثُ عَنْ طَهَارَةِ الْإِمَامِ.
نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ، لَا إنْ قَالَ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ الْجَهْرِيَّةِ: نَسِيت الْجَهْرَ أَوْ أَسْرَرْت لِكَوْنِهِ جَائِزًا وَصَدَّقَهُ الْمَأْمُومُ فَلَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، بَلْ تُسْتَحَبُّ، وَإِنْ لَمْ يَجْهَلْ الْمَأْمُومُ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ، إذْ مُتَابَعَةُ الْمَأْمُومِ لِإِمَامِهِ بَعْدَ إسْرَارِهِ لَا تَبْطُلُ
[حاشية الشبراملسي]
فِيمَا يَظْهَرُ لَوْ كَانَ يُسْقِطُ الْحَرْفَ الْأَخِيرَ وَالْآخَرُ يُبْدِلُهُ.
انْتَهَى.
أَقُولُ: قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ اتَّفَقَا فِي الْمَعْجُوزِ عَنْهُ، لَكِنَّ الْآتِيَ بِالْبَدَلِ قِرَاءَتُهُ أَكْمَلُ وَأَتَمُّ مِمَّا لَمْ يَأْتِ لَهَا بِبَدَلٍ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَسْقَطَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الْحَرْفِ الْأَصْلِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُحْسِنُ مَا لَا يُحْسِنُهُ صَاحِبُهُ (قَوْلُهُ: أَخْرَسُ بِأَخْرَسَ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ وَوَجَّهَ أَيْ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ ذَلِكَ بِمَا حَاصِلُهُ الْجَهْلُ بِتَمَاثُلِهِمَا لِجَوَازِ أَنْ يُحْسِنَ أَحَدُهُمَا مَا لَا يُحْسِنُهُ الْآخَرُ كَمَا لَوْ كَانَا نَاطِقَيْنِ اهـ.
وَهُوَ وَاضِحٌ فِي الْخَرَسِ الطَّارِئِ، وَيُوَجَّهُ فِي الْأَصْلِيِّ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا قُوَّةٌ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ نَاطِقًا أَحْسَنَ مَا لَا يُحْسِنُهُ الْآخَرُ.
اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَلَمْ يَرِدْ فِي حَاشِيَةِ الْمَنْهَجِ عَلَى التَّوْجِيهِ فِي الْخِلْقِيِّ (قَوْلُهُ: أَعَادَ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ سَرِيَّةً أَوْ جَهْرِيَّةً.
(قَوْلُهُ: بِمَنْ لَا يُحْسِنُهَا بِهَا) صَادِقٌ بِمَنْ لَا يُحْسِنُهَا بِلُغَةٍ أَصْلًا وَالتَّعْلِيلُ يُوَافِقُهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِسْلَامُ) وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْأَخْرَسِ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ حَالِ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ مُمَاثَلَةٍ وَعَدَمِهَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَسَرَّ هَذَا) أَيْ مَنْ جُهِلَتْ قِرَاءَتُهُ فَلَا يَكْفِيهِ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ (قَوْلُهُ: أَعَادَ الْمَأْمُومُ إلَخْ) أَيْ إذَا لَمْ يُخْبِرْهُ بَعْدَ السَّلَامِ بِأَنَّهُ أَسَرَّ نَاسِيًا مَثَلًا كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَيَلْزَمُهُ إلَخْ) أَيْ بَعْدَ السَّلَامِ فَلَهُ إدَامَةُ الْقُدْوَةِ مَعَهُ إلَى السَّلَامِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: الْبَحْثُ عَنْ حَالِهِ) أَيْ فَلَوْ لَمْ يَبْحَثْ عَنْ حَالِهِ حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى فَيَنْبَغِي عَدَمُ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ (قَوْلُهُ: أَمَّا فِي السَّرِيَّةِ) أَيْ بِأَنْ قَرَأَ فِيهَا عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَسْمَعْهُ الْمَأْمُومُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَجْهَلْ) هِيَ غَايَةٌ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ) أَيْ حَيْثُ قَالَ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ لِتَرَدُّدِ الْمَأْمُومِ فِي صِحَّةِ قُدْوَتِهِ بِإِسْرَارِ الْإِمَامِ، وَقَوْلُهُ عَمَلًا إلَخْ قَدْ يُمْنَعُ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّعْلِيلِ يُفِيدُ ذَلِكَ، بَلْ قَوْلُهُ: إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَارِئًا لَجَهَرَ يُؤَيِّدُ كَلَامَ السُّبْكِيّ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِنْهُ عَدَمُ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ أَخْرَسَ بِأَخْرَسَ) وَجْهُ عِلْمِهِ مِنْهُ مَا يُؤْخَذُ مِمَّا وَجَّهُوا بِهِ الْحُكْمَ مِنْ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ لِجَوَازِ أَنْ يُحْسِنَ أَحَدُهُمَا مَا لَمْ يُحْسِنْهُ الْآخَرُ، فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ مِنْهُ رَاجِعٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَتَصِحُّ بِمِثْلِهِ: أَيْ الَّذِي مُمَاثَلَتُهُ لَهُ مُحَقَّقَةٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَخَرَجَ بِهِ الْأَخْرَسُ مَعَ الْأَخْرَسِ لِلتَّوْجِيهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُمَاثَلَةُ، وَالشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ رَاجِعًا إلَى قَوْلِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُحْسِنُ مَا لَمْ يُحْسِنْهُ صَاحِبُهُ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْإِحْسَانِ فِيهِ مُحَقَّقٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْمُحْتَمَلِ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ) فِي قَوْلِهِ بِلُزُومِ الْإِعَادَةِ إذَا لَمْ يَجْهَلْ الْمَأْمُومُ وُجُوبَهَا
عَمَلًا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّعْلِيلِ.
وَهَذَا، وَإِنْ عَارَضَهُ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَارِئًا لَجَهَرَ تَرَجَّحَ عَلَيْهِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يُخْبِرَ إمَامُهُ بَعْدَ سَلَامِهِ بِأَنَّهُ أَسَرَّ نَاسِيًا أَوْ لِكَوْنِهِ جَائِزًا فَسَوَّغَ بَقَاءَ الْمُتَابَعَةِ، ثُمَّ بَعْدَ السَّلَامِ إنْ وَجَدَ الْإِخْبَارَ الْمَذْكُورَ عَمِلَ بِالْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَبِالثَّانِي، وَيُحْمَلُ سُكُوتُهُ عَنْ الْقِرَاءَةِ جَهْرًا عَلَى الْقِرَاءَةِ سِرًّا حَتَّى تَجُوزُ لَهُ مُتَابَعَتُهُ.
وَجَوَازُ الِاقْتِدَاءِ لَا يُنَافِي وُجُوبَ الْقَضَاءِ، كَمَا لَوْ اقْتَدَى بِمَنْ اجْتَهَدَ فِي الْقِبْلَةِ ثُمَّ ظَهَرَ الْخَطَأُ فَإِنَّهُ فِي حَالِ الصَّلَاةِ مُتَرَدِّدٌ فِي صِحَّةِ الْقُدْوَةِ، كَذَا أَفَادَنِيهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَمْ أَرَ مَنْ حَقَّقَهُ سِوَاهُ.
وَمَنْ جَهِلَ حَالَ إمَامِهِ الَّذِي لَهُ حَالَتَا جُنُونٍ، وَإِفَاقَةٍ، وَإِسْلَامٍ وَرِدَّةٍ فَلَمْ يَدْرِ هُوَ فِي أَيِّهِمَا لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ بَلْ تُسَنُّ.
(وَتُكْرَهُ) الْقُدْوَةُ (بِالتَّمْتَامِ) وَهُوَ مَنْ يُكَرِّرُ التَّاءَ وَالْقِيَاسُ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ التَّأْتَأَةُ (وَالْفَأْفَاءِ) وَهُوَ بِهَمْزَتَيْنِ وَمَدٍّ فِي آخِرِهِ مَنْ يُكَرِّرُ الْفَاءَ وَالْوَأْوَاءِ وَهُوَ مَنْ يُكَرِّرُ الْوَاوَ، وَكَذَا سَائِرِ الْحُرُوفِ لِزِيَادَتِهِ، وَنُفْرَةِ الطَّبْعِ عَنْ سَمَاعِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَلَا فَاءَ فِيهَا، وَجَازَ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ مَعَ زِيَادَتِهِمْ؛ لِعُذْرِهِمْ فِيهَا (وَاللَّاحِنِ) لَحْنًا غَيْرَ مُغَيِّرِ الْمَعْنَى كَفَتْحِ دَالِ نَعْبُدُ وَكَسْرِ بَائِهَا وَنُونِهَا
[حاشية الشبراملسي]
بِالتَّعْلِيلِ قَوْلَهُ قَبْلُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِسْلَامُ وَالظَّاهِرُ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّعْلِيلِ) هُوَ قَوْلُهُ: عَمَلًا بِالظَّاهِرِ.
[فَرْعٌ] لَوْ بَانَ الْإِمَامُ تَارِكًا لِلْفَاتِحَةِ أَوْ التَّشَهُّدِ هَلْ يَجِبُ الْقَضَاءُ مُطْلَقًا أَوْ لَا مُطْلَقًا، أَوْ لَا يَجِبُ فِي السَّرِيَّةِ وَيَجِبُ فِي الْجَهْرِيَّةِ؟ مَالَ م ر إلَى الْوُجُوبِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْقِرَاءَةِ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا.
اهـ.
وَأَقُولُ: الْوُجُوبُ لَا يُمْكِنُ خِلَافُهُ فِي الْفَاتِحَةِ فِي الْجَهْرِيَّةِ أَخْذًا مِمَّا قُرِّرَ فِي الْفَرْعِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ ثُبُوتِ التَّرْكِ أَنَّهُ أَسَرَّ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ إحْسَانُ الْقِرَاءَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا بَانَ قَارِئًا لَكِنَّهُ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فَهَذَا شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ صَرَّحَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ بِالْبُطْلَانِ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ تَرَكَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ يُطَّلَعُ عَلَيْهَا، فَقَدْ يُقَاسُ بِذَلِكَ تَرْكُ الْفَاتِحَةِ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ الْجَهْرَ بِالتَّكْبِيرِ دُونَ الْفَاتِحَةِ فِي السَّرِيَّةِ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَاتِحَةِ فِي السَّرِيَّةِ يَأْتِي مِثْلُهُ فِي التَّشَهُّدِ (قَوْلُهُ: عُمِلَ بِالْأَوَّلِ) هُوَ عَدَمُ الْإِعَادَةِ وَالثَّانِي الْإِعَادَةُ (قَوْلُهُ: وَيُحْمَلُ سُكُوتُهُ إلَى آخِرِهِ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ جَائِزًا فَسَوَّغَ بَقَاءُ الْمُتَابَعَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ فِي حَالِ الصَّلَاةِ مُتَرَدِّدٌ) تَرَدُّدُهُ فِي هَذِهِ لَيْسَ لِخَلَلٍ مُتَعَلِّقٍ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَحْدَهُ، بَلْ تَرَدُّدُهُ فِي صِحَّةِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ يُورِثُ تَرَدُّدًا فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ نَفْسِهِ بِتَقْدِيرِ الِانْفِرَادِ لِاتِّحَادِ الْجِهَةِ الَّتِي اسْتَقْبَلَاهَا.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ جَهِلَ حَالَ إمَامِهِ) شَامِلٌ لِمَا لَوْ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ الِاقْتِدَاءِ وَتَرَدَّدَ فِي أَنَّهُ الْآنَ فِي حَالَةِ الْجُنُونِ أَوْ الْإِفَاقَةِ، وَلِمَا لَوْ اقْتَدَى بِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ فُلَانٌ ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَلِمَ بِهِ، وَعَدَمُ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ فِي الثَّانِيَةِ ظَاهِرٌ لِجَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ حَالَ الْقُدْوَةِ، وَأَمَّا فِي الْأُولَى فَقَدْ يُقَالُ بِعَدَمِ انْعِقَادِ صَلَاتِهِ لِتَرَدُّدِهِ فِي النِّيَّةِ حَالَةَ التَّحَرُّمِ، وَيَنْبَغِي لَهُ الِاسْتِئْنَافُ أَيْضًا فِيمَا لَوْ شَكَّ فِي الْأَثْنَاءِ، وَلَا تَكْفِيهِ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ (قَوْلُهُ: بَلْ تُسَنُّ) أَيْ وَلَوْ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّ إعَادَتَهُ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ طَلَبِ الْفَضِيلَةِ بَلْ لِاحْتِمَالِ بُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ.
(قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ الْقُدْوَةُ بِالتِّمْتَامِ) قَالَ عَمِيرَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الِاخْتِيَارُ: أَيْ الْأَوْلَى فِي الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ فَصِيحَ اللِّسَانِ حَسَنَ الثِّيَابِ مُرَتِّلًا لِلْقُرْآنِ.
انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ يُكَرِّرُ التَّاءَ) هَلْ وَلَوْ عَمْدًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُكَرَّرَ حَرْفٌ قُرْآنِيٌّ لَا كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ أَوْ لَا، أَوْ يَفْصِلُ بَيْنَ كَثْرَةِ الْمُكَرَّرِ وَعَدَمِهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُحَرَّرْ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: الْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ لِمَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمُكَرَّرَ حَرْفٌ قُرْآنِيٌّ كَثُرَ أَوْ قَلَّ (قَوْلُهُ: لِعُذْرِهِمْ فِيهَا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُمْ لَوْ تَعَمَّدُوا ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ، وَالْأَقْرَبُ خِلَافُهُ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ مَا يُكَرِّرُهُ حَرْفٌ قُرْآنِيٌّ (قَوْلُهُ: وَاللَّاحِنُ) عَمِيرَةُ اللَّحْنُ بِالسُّكُونِ الْخَطَأُ فِي الْإِعْرَابِ وَبِالْفَتْحِ الْفَطِنَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: «فَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَلْحَنُ بِالْحُجَّةِ» . اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ اللَّحَنِ بِالْفَتْحِ،
[حاشية الرشيدي]
بِأَنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ حَقِّهِ عَدَمُ الْمُتَابَعَةِ فَمُتَابَعَتُهُ مُبْطِلَةٌ لِصَلَاتِهِ (قَوْلُهُ: عَمَلًا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّعْلِيلِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ
لِبَقَاءِ الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ الْمُتَعَمِّدُ لِذَلِكَ آثِمًا، وَضَمِّ صَادِ الصِّرَاطِ وَهَمْزَةِ اهْدِنَا وَنَحْوِهِ كَاللَّحْنِ الَّذِي لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى، وَإِنْ لَمْ تُسَمِّهِ النُّحَاةُ لَحْنًا (فَإِنْ) لَحَنَ لَحْنًا (غَيَّرَ مَعْنًى كَ أَنْعَمْت بِضَمٍّ أَوْ كَسْرٍ) أَوْ أَبْطَلَهُ كَالْمُسْتَقِينَ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَحَذَفَهُ مِنْهُ لِفَهْمِهِ بِالْأَوْلَى، أَوْ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْأَلْثَغِ، وَمُرَادُهُ بِاللَّحْنِ هُنَا مَا يَشْمَلُ الْإِبْدَالَ.
(أَبْطَلَ) (صَلَاةَ مَنْ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمَ) وَلَمْ يَتَعَلَّمْ لِعَدَمِ كَوْنِهِ قُرْآنًا، وَلَوْ تَفَطَّنَ لِلصَّوَابِ قَبْلَ السَّلَامِ أَعَادَ وَلَمْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ صَلَّى لِحُرْمَتِهِ وَأَعَادَ لِتَقْصِيرِهِ، وَحَذَفَ هَذَا مِنْ الْمُحَرَّرِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا وَالِاقْتِدَاءُ مُمْتَنِعٌ بِهِ فِي الْحَالَيْنِ (فَإِنْ عَجَزَ لِسَانُهُ أَوْ لَمْ يَمْضِ زَمَنُ إمْكَانِ تَعَلُّمِهِ) مِنْ وَقْتِ إسْلَامِهِ فِيمَنْ طَرَأَ إسْلَامُهُ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ، وَمِنْ التَّمْيِيزِ فِي غَيْرِهِ عَلَى مَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ، إذْ كُلٌّ مِنْ الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ فِيهَا بَيْنَ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ.
هَذَا وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ تَكْلِيفِهِ بِهَا قَبْلَ بُلُوغِهِ وَالْخِطَابُ فِي ذَلِكَ مُتَوَجِّهٌ لِوَلِيِّهِ دُونَهُ (فَإِنْ كَانَ فِي الْفَاتِحَةِ) أَوْ بَدَلِهَا (فَكَأُمِّيٍّ) وَتَقَدَّمَ حُكْمُهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا وَغَيْرِ بَدَلِهَا (فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ وَالْقُدْوَةُ بِهِ) وَمِثْلُهُ مَا لَوْ كَانَ جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ وَعُذِرَ بِهِ أَوْ نَاسِيًا أَنَّهُ لَحْنٌ أَوْ كَوْنُهُ فِي صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْيَسِيرَ بِهَذَا الشَّرْطِ مُغْتَفَرٌ لَا يُبْطِلُهَا، وَعُلِمَ بِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ شَرْطَ بُطْلَانِهَا بِالتَّغْيِيرِ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَالِمًا مُتَعَمِّدًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ، وَشَرْطُ إبْطَالِهِ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا فِي
[حاشية الشبراملسي]
وَمَعْنَاهُ أَشَدُّ لَحْنًا مِنْ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَضَمُّ صَادِ الصِّرَاطِ) أَيْ أَوْ فَتْحِهَا (قَوْلُهُ: كَالْمُسْتَقِينَ) التَّمْثِيلُ بِهِ لَا يُظْهِرُ مَعْنَاهُ نَظَرًا إلَى أَنَّ هَذَا الْمُرَكَّبَ مِنْ الْمَوْصُوفِ وَصِفَتِهِ لَفْظٌ لَا مَعْنًى لَهُ، بِخِلَافِ ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] فَإِنَّهُ فِي نَفْسِهِ لَهُ مَعْنًى لَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ فِي الْآيَةِ فَلَا يُقَالُ الْمُسْتَقِينَ جَمْعَ مُسْتَقْنٍ.
فَالْحَاصِلُ فِيهِ تَغَيُّرُ الْمَعْنَى لَا إبْطَالُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ إبْطَالُهُ إزَالَةُ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ، وَإِنْ حَدَثَ لَهُ مَعْنًى آخَرُ فَالْمُسْتَقِينَ بِالنُّونِ وَإِنْ حَصَلَ لَهُ مَعْنًى آخَرُ لَكِنْ بَطَلَ مَعَهُ مَعْنَى الْمُسْتَقِيمِ بِالْكُلِّيَّةِ، بِخِلَافِ أَنْعَمْت بِضَمٍّ أَوْ كَسْرٍ فَإِنَّ كَوْنَ التَّاءِ ضَمِيرًا لَمْ يُزَلْ عَنْ الْكَلِمَةِ، وَإِنْ تَغَيَّرَ مِنْ خِطَابِ الْمُذَكَّرِ إلَى غَيْرِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
[فَرْعٌ] لَوْ سَهَّلَ هَمْزَةَ أَنْعَمْت أَثِمَ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرُ صِفَةٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْقَطَ هَمْزَةَ أَنْعَمْت فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَرْفٍ، وَالتَّسْهِيلُ قُرِئَ بِنَظِيرِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: 220] بِتَسْهِيلِ هَمْزَةِ أَعْنَتَكُمْ غَايَتُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ مَكْرُوهَةٌ فِي تَسْهِيلِ هَمْزَةِ أَنْعَمْت.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ السَّلَامِ) أَيْ أَوْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي مَا دَامَ الْوَقْتُ وَاسِعًا، وَظَاهِرُهُ، وَإِنْ أَيِسَ مِمَّنْ يَعْلَمُهُ، وَقِيَاسُ مَا فِي التَّيَمُّمِ مِنْ أَنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ إنْ لَمْ يَرْجُ الْمَاءَ صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ فَقْدَ الطَّهُورَيْنِ مِنْ أَصْلِهِ لَا اخْتِيَارَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ، بِخِلَافِ تَرْكِ التَّعَلُّمِ فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ مَنْسُوبٌ فِيهِ إلَى تَقْصِيرٍ لِحُصُولِ التَّفْوِيتِ مِنْ جِهَتِهِ (قَوْلُهُ: وَحَذَفَ هَذَا) هُوَ قَوْلُهُ: فَإِنْ ضَاقَ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ) أَيْ فَيَكُونُ مِنْ الْبُلُوغِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ إلَخْ) أَفَادَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: كَاللَّحْنِ الَّذِي لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى) كَذَا فِي النُّسَخِ، وَفِيهِ اتِّحَادُ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ (قَوْلُهُ: وَحَذَفَهُ مِنْهُ لِفَهْمِهِ بِالْأَوْلَى) أَيْ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ اللَّحْنِ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُمْ هُنَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْإِبْدَالِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بَعْدُ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَتَجَوَّزَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ فَعَدَّوْا مِنْ اللَّحْنِ الْمُبْطِلِ لِلْمَعْنَى قَوْلُهُ: الْمُسْتَقِينَ، وَلَيْسَ بِلَحْنٍ بَلْ إبْدَالُ حَرْفٍ بِحَرْفٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ تَفَطَّنَ لِلصَّوَابِ قَبْلَ السَّلَامِ أَعَادَ) لَا مَحَلَّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ هُنَا بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ بِمُجَرَّدِ إتْيَانِهِ بِمَا ذَكَرَ، وَالشِّهَابُ حَجّ إنَّمَا ذَكَرَهُ عَقِبَ قَوْلِهِ الْآتِي الَّذِي تَبِعَهُ فِيهِ الشَّارِحُ بِخِلَافِ مَا فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ بَدَلِهَا فَإِنَّهُ رُكْنٌ، وَهُوَ لَا يَسْقُطُ بِنَحْوِ جَهْلٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ نِعْمَ لَوْ تَفَطَّنَ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَوْ كَوْنُهُ فِي صَلَاةٍ) فِيهِ وَقْفَةٌ، وَالْقِيَاسُ الْبُطْلَانُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ حَقِّهِ الْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ) أَيْ أَمَّا فِي الْفَاتِحَةِ فَيَبْطُلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامِدًا عَالِمًا لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّدَارُكِ قَبْلَ السَّلَامِ لَا لِكَوْنِهِ لَحْنًا بَلْ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بَعْدُ
الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهُ رُكْنٌ، وَهُوَ لَا يَسْقُطُ بِنَحْوِ نِسْيَانٍ أَوْ جَهْلٍ، وَاخْتَارَ السُّبْكِيُّ مُقْتَضَى قَوْلِ الْإِمَامِ لَيْسَ هَذَا اللَّاحِنُ قِرَاءَةَ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مِنْ بُطْلَانِهَا مُطْلَقًا قَادِرًا أَمْ عَاجِزًا.
(وَلَا تَصِحُّ قُدْوَةُ رَجُلٍ) أَيْ ذَكَرٍ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا (وَلَا خُنْثَى) مُشَكَّلٍ (بِامْرَأَةٍ) أَيْ أُنْثَى، وَإِنْ كَانَتْ صَبِيَّةً (وَلَا خُنْثَى) مُشَكَّلٍ بِالْإِجْمَاعِ فِي الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ إلَّا مَنْ شَذَّ كَالْمُزَنِيِّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ نَاقِصَةٌ عَنْ الرَّجُلِ وَقَدْ يَكُونُ فِي إمَامَتِهَا افْتِتَانٌ بِهَا، وَالْخُنْثَى الْمُقْتَدَى بِهَا يَجُوزُ كَوْنُهُ ذَكَرًا وَالْمُقْتَدَى بِهِ الذَّكَرُ يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ أُنْثَى، وَفِي اقْتِدَاءِ الْخُنْثَى بِالْخُنْثَى يُحْتَمَلُ أَنَّ الْإِمَامَ أُنْثَى وَالْمَأْمُومَ ذَكَرٌ.
أَمَّا اقْتِدَاءُ الْمَرْأَةِ بِالْمَرْأَةِ وَبِالْخُنْثَى أَوْ بِالرَّجُلِ وَاقْتِدَاءُ الْخُنْثَى وَالرَّجُلِ بِالرَّجُلِ فَصَحِيحٌ لِعَدَمِ الْمَحْذُورِ.
وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ الصُّوَرَ تِسْعٌ: خَمْسَةٌ صَحِيحَةٌ، وَأَرْبَعَةٌ بَاطِلَةٌ.
وَيُكْرَهُ اقْتِدَاءُ خُنْثَى بَانَتْ أُنُوثَتُهُ بِعَلَامَةٍ غَيْرِ قَطْعِيَّةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بِامْرَأَةٍ وَرَجُلٍ بِخُنْثَى بَانَتْ ذُكُورَتُهُ.
(وَتَصِحُّ) الْقُدْوَةُ (لِلْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ) الَّذِي لَا تَلْزَمُهُ إعَادَةٌ لِكَمَالِ حَالِهِ (وَ) لِلْمُتَوَضِّئِ (بِمَاسِحِ الْخُفِّ) إذْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِارْتِفَاعِ حَدَثِهِ.
(وَالْقَائِمُ بِالْقَاعِدِ وَالْمُضْطَجِعُ) وَالْمُسْتَلْقِي وَلَوْ مُومِيًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي، وَلِأَحَدِهِمْ بِالْآخَرِ كَذَلِكَ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَاعِدًا وَأَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ قِيَامًا» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ الْأَحَدِ.
وَتُوُفِّيَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحْوَةَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَكَانَ نَاسِخًا لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» إلَى أَنْ قَالَ «، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» لَا يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ نَسْخِ وُجُوبِ الْقُعُودِ وُجُوبُ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْأَصْلُ الْقِيَامُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْقُعُودُ لِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ فَلَمَّا نُسِخَ ذَلِكَ زَالَ اعْتِبَارُ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ فَلَزِمَ وُجُوبُ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
(وَالْكَامِلُ) أَيْ الْبَالِغُ الْحُرُّ (بِالصَّبِيِّ) الْمُمَيِّزِ وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا لِلِاعْتِدَادِ بِصَلَاتِهِ، «؛ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ عَلَى
[حاشية الشبراملسي]
ضَعْفَ مَا سَيَأْتِي عَنْ الْإِمَامِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ (قَوْلُهُ: وَاخْتَارَ السُّبْكِيُّ إلَخْ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: لَيْسَ لِهَذَا اللَّاحِنِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ قِيلَ لَيْسَ لِهَذَا اللَّاحِنِ قِرَاءَةُ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا؛ لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ إلَخْ، فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ جَزْمٌ بِالْمَنْعِ مِنْ الْقِرَاءَةِ، وَبِهِ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: مِنْ بُطْلَانِهَا) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ قَبْلَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ ذَكَرٌ إلَخْ) أَرَادَ بِهِ إدْخَالَ الصَّبِيّ فَقَطْ (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ) وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا» اهـ عَمِيرَةُ.
[فَرْعٌ] هَلْ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِالْمَلَكِ؟ الْوَجْهُ الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأُنْثَى وَإِنْ كَانَ لَا يُوصَفُ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ.
[فَرْعٌ] هَلْ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِالْجِنِّيِّ؟ الْوَجْهُ الصِّحَّةُ إذَا عَلِمَ ذُكُورَتَهُ فَهَلْ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَإِنْ تَصَوَّرَ فِي صُورَةِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَالْجِنِّيِّ كَصُورَةِ حِمَارٍ أَوْ كَلْبٍ؟ يُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ الْقَمُولِيِّ اشْتِرَاطُ أَنْ لَا يَتَطَوَّرَ بِمَا ذُكِرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ؛ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ جِنِّيٌّ ذَكَرٌ، فَحَيْثُ عَلِمَ لَمْ يَضُرَّ التَّطَوُّرُ بِمَا ذُكِرَ فَلْيُحَرَّرْ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: بَانَتْ ذُكُورَتُهُ) أَيْ بِعَلَامَةٍ غَيْرِ قَطْعِيَّةٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مُومِيًا) أَيْ حَيْثُ عَلِمَ بِانْتِقَالَاتِ الْإِمَامِ وَلَوْ بِطَرِيقِ الْكَشْفِ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى عِلْمِهِ بِذَلِكَ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيهِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لَهُ.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ كَانَ رَابِطَةً فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا اعْتِبَارَ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنَّمَا اُغْتُفِرَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ لِعِلْمِهِ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، وَمَحَلِّ كَوْنِ الْخَوَارِقِ لَا يُعْتَدُّ بِهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا، أَمَّا بَعْدَ وُقُوعِهَا فَيُعْتَدُّ بِهَا فِي حَقِّ مَنْ قَامَتْ بِهِ فَمَنْ ذَهَبَ مِنْ مَحَلٍّ بَعِيدٍ إلَى عَرَفَةَ وَقْتَ الْوُقُوفِ بِهَا وَأَدَّى أَعْمَالَ الْحَجِّ تَمَّ حَجُّهُ وَيَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي) اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَأْمُونٍ، قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ سُمِّيَ بِالْمُتَوَلِّي.
اهـ طَبَقَاتُ الْإِسْنَوِيِّ (قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) أَيْ مُومِيًا (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ) زَادَ الدَّمِيرِيِّ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ) أَيْ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ.
اهـ دَمِيرِيٌّ.
(قَوْلُهُ: بِالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ) أَيْ وَلَوْ قَبْلَ بُلُوغِهِ سَبْعَ سِنِينَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي؛ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ» كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
نَعَمْ الْبَالِغُ أَوْلَى مِنْ الصَّبِيِّ، وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ أَقْرَأَ أَوْ أَفْقَهَ لِصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ، وَلِهَذَا نَصَّ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى كَرَاهَةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ.
(وَالْعَبْدُ) ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ مُعْتَدٌّ بِهَا، وَلِأَنَّ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ كَانَ يَؤُمُّهَا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
نَعَمْ الْحُرُّ أَوْلَى مِنْهُ، وَإِنْ قَلَّ مَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ، إلَّا إنْ تَمَيَّزَ بِنَحْوِ فِقْهٍ كَمَا سَيَأْتِي وَالْحُرُّ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْلَى مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ دُعَاءَهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ، وَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ الْمُبَعَّضِ عَلَى كَامِلِ الرِّقِّ وَمَنْ زَادَتْ حُرِّيَّتُهُ عَلَى مَنْ نَقَصَتْ مِنْهُ، وَتَكْرَهُ إمَامَةُ الْأَقْلَفِ، وَإِنْ كَانَ بَالِغًا كَمَا ذَكَرَهُ شُرَيْحٌ فِي رَوْضِهِ.
(وَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) فِي الْإِمَامَةِ (سَوَاءٌ) (عَلَى النَّصِّ) لِتَعَارُضِ فَضِيلَتِهِمَا؛ لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يَنْظُرُ مَا يُشْغِلُهُ فَهُوَ أَخْشَعُ، وَالْبَصِيرُ يَنْظُرُ الْخُبْثَ فَهُوَ أَحْفَظُ لِتَجَنُّبِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَالَةَ اسْتِوَائِهِمَا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ، وَإِلَّا فَالْمُقَدَّمُ مَنْ تَرَجَّحَ بِصِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْآتِيَةِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ: الْحُرُّ الْأَعْمَى أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ الْبَصِيرِ.
وَمِثْلُهُ فِيمَا ذُكِرَ السَّمِيعُ مَعَ الْأَصَمِّ وَالْفَحْلُ مَعَ الْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ وَالْأَبُ مَعَ وَلَدِهِ وَالْقَرَوِيُّ مَعَ الْبَدْوِيِّ.
وَقِيلَ الْأَعْمَى أَوْلَى مُرَاعَاةً لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَقِيلَ الْبَصِيرُ أَوْلَى مُرَاعَاةً لِلْمَعْنَى الثَّانِي.
وَنَقَلَ ابْنُ كَجٍّ عَنْ النَّصِّ بِصِيغَةِ، قِيلَ وَاسْتَظْهَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ: أَنَّ الْأَعْمَى لَوْ كَانَ مُبْتَذَلًا لَا يَصُونُ نَفْسَهُ عَنْ الْمُسْتَقْذَرَاتِ كَأَنْ لَبِسَ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ فَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنْهُ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمُقْرِي عَلَى ذَلِكَ.
وَرَدَّهُ الشَّيْخُ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَلْ ذِكْرُهُ يُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِمَّا يَأْتِي فِي نَظَافَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ.
وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْأَعْمَى بَلْ لَوْ تَبَذَّلَ الْبَصِيرُ كَانَ الْأَعْمَى أَوْلَى مِنْهُ.
(وَالْأَصَحُّ صِحَّةُ) (قُدْوَةِ) نَحْوِ (السَّلِيمِ بِالسَّلِسِ) بِكَسْرِ اللَّامِ: أَيْ سَلَسِ الْبَوْلِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ إعَادَةٌ (وَالطَّاهِرَةِ بِالْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ الْمُتَحَيِّرَةِ) وَالْمَسْتُورِ بِالْعَارِي وَالْمُسْتَنْجِي بِالْمُسْتَجْمِرِ وَالصَّحِيحِ بِمَنْ بِهِ
[حاشية الشبراملسي]
إلَخْ.
وَأَمَّا أَمْرُهُ بِهَا فَيَتَوَقَّفُ عَلَى بُلُوغِهِ ذَلِكَ فَتَنَبَّهْ لَهُ (قَوْلُهُ: عَلَى كَرَاهَةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ) مُعْتَمَدٌ: أَيْ وَحَيْثُ كَانَتْ مَكْرُوهَةً لَا ثَوَابَ فِيهَا.
هَذَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَأَمَّلَ وَجْهُ الْكَرَاهَةِ مَعَ إقْرَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ إلَخْ وَاطْمِئْنَانُ نُفُوسِ قَوْمِهِ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: وَجْهُ الْكَرَاهَةِ الْخُرُوجُ مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَ الِاقْتِدَاءَ بِهِ وَهَذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَعُرُوضُ الْخِلَافِ بَعْدَهُ لَا يَضُرُّ لِاحْتِمَالِ النَّسْخِ عِنْدَ الْمُخَالِفِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إنْ تَمَيَّزَ) أَيْ الْعَبْدُ بِأَنْ كَانَ الْعَبْدُ فَقِيهًا وَالْحُرُّ غَيْرَ فَقِيهٍ أَلْبَتَّةَ (قَوْلُهُ: أَوْلَى مُطْلَقًا) أَيْ تَمَيَّزَ الْعَبْدُ بِنَحْوِ فِقْهٍ أَوْ لَا (قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ إمَامَةُ الْأَقْلَفِ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْقُلْفَةَ رُبَّمَا مَنَعَتْ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهَا، وَاحْتِمَالُ النَّجَاسَةِ كَافٍ فِي الْكَرَاهَةِ.
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ فِيمَا ذَكَرَ السَّمِيعُ) أَيْ مِنْ الِاسْتِوَاءِ (قَوْلُهُ: لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ) هُوَ قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يَنْظُرُ مَا يُشْغِلُهُ وَقَوْلُهُ لِلْمَعْنَى الثَّانِي هُوَ قَوْلُهُ: لِتَجَنُّبِهِ.
(قَوْلُهُ: نَحْوَ السَّلِيمِ إلَخْ) قَرَّرَ م ر أَنَّهُ لَوْ بَانَ الْإِمَامُ مُسْتَحَاضَةً وَجَبَ الْقَضَاءُ.
اهـ فَرَاجِعْهُ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَأْمُومَ رَجُلٌ فَالْقَضَاءُ وَاضِحٌ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِتَبَيُّنِ الِاسْتِحَاضَةِ بَلْ مُجَرَّدُ الْأُنُوثَةِ مُقْتَضٍ لِلْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَلَيْسَ بِوَاضِحٍ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ: وَتَصِحُّ قُدْوَةُ السَّلِيمِ إلَخْ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِفَرْضِ الْكَلَامِ فِي الْمَأْمُومِ الْأُنْثَى وَحَمْلِ الْكَلَامِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ عَلَى الْمُتَحَيِّرَةِ (قَوْلُهُ: أَيْ سَلَسُ الْبَوْلِ وَنَحْوُهُ)
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: كَانْ يَؤُمَّهَا) أَيْ فِي حَالِ رِقِّهِ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ مَوْلًى حَتَّى يَتِمَّ الدَّلِيلُ إذْ الْمَوْلَى الْعَتِيقُ
(قَوْلُهُ: نَحْوَ) الَّذِي زَادَهُ فِي غُضُونِ الْمَتْنِ رَاجِعٌ لِمَجْمُوعِ الصُّورَتَيْنِ بَعْدَهُ لَا لِخُصُوصِ لَفْظِ السَّلِيمِ وَإِنْ تَوَهَّمَ لِيُدْخِلَ الصُّوَرَ الَّتِي زَادَهَا بَعْدَ الْمَتْنِ كَأَنَّهُ قَالَ نَحْوُ قُدْوَةِ السَّلِيمِ بِالسَّلِسِ وَالطَّاهِرِ بِالْمُسْتَحَاضَةِ كَالْمَسْتُورِ بِالْعَارِي إلَخْ، فَلَوْ قَدَّمَهُ عَلَى لَفْظِ قُدْوَةٍ لَارْتَفَعَ هَذَا التَّوَهُّمُ (قَوْلُهُ: أَيْ سَلَسُ الْبَوْلِ وَنَحْوُهُ) اقْتَصَرَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ عَلَى التَّفْسِيرِ بِسَلَسِ الْبَوْلِ كَالرَّوْضَةِ كَأَنَّهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ، فَغَيْرُهُ تَصِحُّ الْقُدْوَةُ بِهِ جَزْمًا، أَوْ فِيهِ خِلَافٌ غَيْرُ هَذَا، وَعَلَيْهِ فَزِيَادَةُ الشَّارِحِ لَهُ كَقَوْلِهِ وَالْمَسْتُورُ بِالْعَارِي إلَخْ مُرَادُهُ بِهِ تَتْمِيمُ الْفَائِدَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِلْخِلَافِ
جُرْحٌ سَائِلٌ أَوْ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ مَعْفُوٌّ عَنْهَا لِصِحَّةِ صَلَاتِهِمْ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ.
وَالثَّانِي لَا تَصِحُّ لِوُجُودِ النَّجَاسَةِ، وَإِنَّمَا صَحَّحَنَا صَلَاتَهُمْ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، أَمَّا قُدْوَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمِثْلِهِ فَصَحِيحَةٌ جَزْمًا، وَأَمَّا الْمُتَحَيِّرَةُ فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهَا وَلَوْ لِمِثْلِهَا لِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَرَجَّحَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمَا نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ.
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّهُ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّوْمِ دُونَ الصَّلَاةِ.
قَالَ: وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ حَائِضًا فَلَا صَلَاةَ عَلَيْهَا أَوْ طَاهِرًا فَقَدْ صَلَّتْ.
وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ إنَّهُ الْمُفْتَى بِهِ أَجَابَ عَنْهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى النَّصِّ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ وَجَبَ فِعْلُهَا فِي الْوَقْتِ مَعَ خَلَلٍ لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا، وَهُوَ مَرْجُوحٌ وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ: إنَّ الْأَوَّلَ أَفْقَهُ وَأَحْوَطُ، وَمَا قِيلَ فِي التَّعْلِيلِ مِنْ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ حَائِضًا فَلَا صَلَاةَ عَلَيْهَا مَمْنُوعٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا تَطْهُرُ بَعْدَ صَلَاتِهَا فَتَجِبُ عَلَيْهَا.
(وَلَوْ) (بَانَ إمَامُهُ) بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى خِلَافِ ظَنِّهِ (امْرَأَةً) أَوْ خُنْثَى أَوْ مَجْنُونًا (أَوْ كَافِرًا مُعْلِنًا) كُفْرَهُ كَذِمِّيٍّ (قِيلَ أَوْ) بَانَ كَافِرًا (مُخْفِيًا) كُفْرَهُ كَزِنْدِيقٍ (وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ) ؛ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِ الْبَحْثِ إذْ أَمَارَةُ الْمُبْطِلِ مِنْ أُنُوثَةٍ أَوْ كُفْرٍ ظَاهِرَةٌ لَا تَخْفَى، وَالْخُنْثَى يَنْتَشِرُ أَمْرُهُ غَالِبًا، بِخِلَافِ الْمَخْفِيِّ فَإِنَّهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ فِيهِ.
وَسَيَأْتِي تَرْجِيحُ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ
[حاشية الشبراملسي]
زَادَهُ عَلَى الْمَحَلِّيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِحَمْلِ الْمَحَلِّيِّ السَّلَسَ عَلَى سَلَسِ الْبَوْلِ حِكْمَةٌ فَلْتُرَاجَعْ، وَقَدْ يُقَالُ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ الْغَالِبُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالطَّاهِرِ بِالْمُسْتَحَاضَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِوُجُودِ النَّجَاسَةِ) مُقْتَضَاهُ أَنَّ السَّلَسَ بِالرِّيحِ أَوْ الْمَنِيِّ تَصِحُّ إمَامَتُهُ بِلَا خِلَافٍ لِانْتِفَاءِ النَّجَاسَةِ عَنْهُ (قَوْلُهُ: مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ) أَيْ عَلَى الْمُتَحَيِّرَةِ (قَوْلُهُ: إنَّ الْأَوَّلَ) هُوَ قَوْلُهُ: لِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِمَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بَانَ إمَامُهُ إلَخْ) ذَكَرَ السُّيُوطِيّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ بَانَ مِنْ أَخَوَاتِ كَانَ، وَرَدَّهُ.
وَعِبَارَتُهُ فِي دُرِّ التَّاجِ فِي إعْرَابِ مُشْكِلِ الْمِنْهَاجِ: وَقَعَ السُّؤَالُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ عَنْ وَجْهِ نَصْبِ امْرَأَةٍ، فَذَكَرَ السَّائِلُ أَنَّ مُدَرِّسِي الْعَصْرِ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ حَالٌ، وَمِنْهُمْ مِنْ قَالَ إنَّهُ خَبَرُ بَانَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَخَوَاتِ كَانَ.
فَقُلْت: لَا يَصِحُّ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ فِعْلَهُ لَازِمٌ لَا يَنْصِبُ الْمَفْعُولَ بِهِ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ: بَانَ الشَّيْءُ وَتَبَيَّنَ اتَّضَحَ وَظَهَرَ وَأَبَنْته أَنَا وَبَيَّنْته أَظْهَرْته.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَبَاطِلٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّ أَخَوَاتِ كَانَ مَحْصُورَةٌ مَعْدُودَةٌ قَدْ اسْتَوْفَاهَا أَبُو حَيَّانَ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ وَالِارْتِشَافِ، وَذَكَرَ كُلَّ فِعْلٍ عَدَّهُ قَوْمٌ مِنْهَا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ أَحَدًا عَدَّ مِنْهَا بَانَ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَيَكَادُ يَكُونُ قَرِيبًا، لَكِنْ يُبْعِدُهُ أَنَّ امْرَأَةً لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ وَلَا مُنْتَقِلٍ، وَشَرْطُ الْحَالِ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مُنْتَقِلًا، وَيُبْطِلُهُ أَنَّ الْحَالَ قَيْدٌ لِلْعَامِلِ، وَأَنَّهُ بِمَعْنًى فِي حَالٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّجَهٍ هُنَا إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى بَانَ فِي حَالِ كَوْنِهِ امْرَأَةً، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى بَانَ أَنَّهُ أَمَّهُ امْرَأَةٌ، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أَوْ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنَى بَانَ فِي حَالِ كُفْرِهِ، فَقَدْ يَكُونُ إنَّمَا بَانَ بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بَانَ أَنَّهُ أَمَّهُ كَافِرٌ، وَإِذَا بَطَلَ ذَلِكَ فَالْمُتَّجَهُ أَنَّهُ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْفَاعِلِ كَطَابَ زَيْدٌ نَفْسًا، وَالتَّقْدِيرُ بَانَ مِنْ جُمْلَةِ أَحْوَالِهِ كَوْنُهُ امْرَأَةً: أَيْ بَانَتْ أُنُوثَةُ إمَامِهِ، فَإِنْ قُلْت: فَمَاذَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ بَعْدُ أَوْ كَافِرًا فَإِنَّهُ مُشْتَقٌّ وَمُنْتَقِلٌ؟ قُلْت: هُوَ كَفَارِسًا فِي قَوْلِهِمْ لِلَّهِ دَرُّهُ فَارِسًا فَإِنَّهُمْ أَعْرِبُوهُ تَمْيِيزًا لِلْجِهَةِ وَمَنَعُوا كَوْنَهُ حَالًا.
اهـ (قَوْلُهُ: عَلَى خِلَافِ ظَنِّهِ) أَرَادَ بِالظَّنِّ مَا قَابِلَ الْعِلْمَ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ جُهِلَ إسْلَامُهُ أَوْ قِرَاءَتُهُ فَتَصِحُّ الْقُدْوَةُ بِهِ حَيْثُ لَمْ يَتَبَيَّنْ بِهِ نَقْصٌ يُوجِبُ الْإِعَادَةَ كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ عَلَى خِلَافِ ظَنِّهِ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَظُنَّ ذُكُورَتَهُ وَلَا إسْلَامَهُ لَمْ تَصِحَّ الْقُدْوَةُ بِهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ جَهْلُ الْإِسْلَامِ يُفِيدُ الظَّنَّ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ عَلَى مَنْ يُصَلِّي أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي عِبَارَتِهِ (قَوْلُهُ: كَزِنْدِيقٍ) هُوَ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُخْفِي الْكُفْرَ وَعَلَى مَنْ لَا يَنْتَحِلُ دِينًا وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْمَخْفِيِّ وَغَيْرِهِ فِي كَلَامِهِ، وَالْأَوْجَهُ قَبُولُ قَوْلِهِ فِي كُفْرِهِ مَا لَمْ يُسْلِمْ ثُمَّ يُقْتَدَى بِهِ ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ فَرَاغِهِ لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ حَقِيقَةً أَوْ ارْتَدَدْتُ؛ لِكُفْرِهِ بِذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، وَبِخِلَافِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إخْبَارَهُ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ مَقْبُولٌ.
وَلَوْ بَانَ أَنَّ إمَامَهُ لَمْ يُكَبِّرْ لِلْإِحْرَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْفَى غَالِبًا، أَوْ كَبَّرَ وَلَمْ يَنْوِ فَلَا، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
قَالَ الْحَنَّاطِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَوْ أَحْرَمَ بِإِحْرَامِهِ ثُمَّ كَبَّرَ ثَانِيًا بِنِيَّةٍ ثَانِيَةٍ سِرًّا بِحَيْثُ لَمْ يَسْمَعْ الْمَأْمُومُ لَمْ يَضُرَّ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ، وَإِنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ: أَيْ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَخْفَى، وَلَا أَمَارَةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ بَانَ إمَامُهُ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ فَكَمَا لَوْ بَانَ أُمِّيًّا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي هُنَا فِي رَوْضِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَلَا يُخَالِفُهُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لَوْ خَطَبَ جَالِسًا وَبَانَ قَادِرًا فَكَمَنْ بَانَ جُنُبًا؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْقِيَامَ هُنَا رُكْنٌ وَثَمَّ شَرْطٌ، وَيُغْتَفَرُ فِي الشَّرْطِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الرُّكْنِ (لَا) إنْ بَانَ إمَامُهُ (جُنُبًا) أَوْ مُحْدِثًا (أَوْ ذَا نَجَاسَةٍ خَفِيَّةٍ) فِي بَدَنِهِ أَوْ مَلَاقِيهِ أَوْ ثَوْبِهِ وَلَوْ فِي جُمُعَةٍ إنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: أَوْ ارْتَدَّتْ لِكُفْرِهِ بِذَلِكَ) هَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى اُسْتُصْحِبَ فِيهَا مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ بَقَاءِ الْكُفْرِ فَوَجَبَتْ الْإِعَادَةُ، وَالصُّورَةَ الثَّانِيَةَ قُصِدَ إبْطَالُ مَا حُكِمَ لَهُ بِهِ مِنْ الْإِسْلَامِ فَأَلْغَى وَاسْتَصْحَبَ الْأَصْلَ فَلَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ وَلَكِنْ يُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ بِقَوْلِهِ لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْت إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَبِخِلَافِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ (قَوْلُهُ: مَقْبُولٌ) أَيْ وُجُوبًا حَيْثُ بَيَّنَ السَّبَبَ.
اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) أَيْ تَبَيَّنَ عَدَمُ انْعِقَادِهَا لَا أَنَّهَا كَانَتْ انْعَقَدَتْ ثُمَّ بَطَلَتْ فَتَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَا تَخْفَى غَالِبًا) أَيْ وَلَوْ كَانَ بَعِيدًا عَنْهُ فَإِنَّهُ يُفْرَضُ قَرِيبًا مِنْهُ (قَوْلُهُ: أَوْ كَبَّرَ وَلَمْ يَنْوِ فَلَا) أَيْ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ، وَمَا فِيهِ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ كَبَّرَ ثَانِيًا) أَيْ الْإِمَامُ فَتَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَضُرَّ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ) أَيْ وَلَوْ فِي الْجُمُعَةِ حَيْثُ كَانَ زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ كَمَا لَوْ بَانَ إمَامُهَا مُحْدِثًا، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْوِ قَطْعَ الْأُولَى مَثَلًا بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ لِخُرُوجِهِ بِالثَّانِيَةِ، وَإِلَّا فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ فُرَادَى لِعَدَمِ تَجْدِيدِ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ مِنْ الْقَوْمِ، فَلَوْ حَضَرَ بَعْدَ نِيَّتِهِ مَنْ اقْتَدَى بِهِ وَنَوَى الْإِمَامَةَ حَصَلَتْ لَهُ الْجَمَاعَةُ، وَعَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فِي الْجُمُعَةِ لَا تَنْعَقِدُ لَهُ لِفَوَاتِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ بِالْأَوْتَارِ وَيَخْرُجُ بِالْأَشْفَاعِ وَهَذِهِ مِنْهَا، وَمَحَلُّ الْبُطْلَانِ لِلثَّانِيَةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ بَيْنَهُمَا مُبْطِلٌ لِلْأُولَى كَنِيَّتِهِ قَطْعِهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَانَ إمَامُهُ) أَيْ إمَامُهُ الْمُصَلِّي قَاعِدًا، وَقَوْلُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ: أَيْ خِلَافًا لِمَا فِي الْعُبَابِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا) قَضِيَّةُ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّهُ لَوْ تَبَيَّنَ قُدْرَةُ الْإِمَامِ الْمُصَلِّي عَارِيًّا عَلَى السُّتْرَةِ عَدَمُ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ حَجّ وَأَقَرَّهُ، لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ شَيْخُنَا الزِّيَادِيِّ عَنْ وَالِدِ الشَّارِحِ خِلَافُهُ، وَعِبَارَتُهُ: وَتَبَيَّنَ كَوْنُ الْإِمَامِ الْمُصَلِّي قَاعِدًا أَوْ عَارِيًّا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ فِي الْأَوَّلِ أَوْ السُّتْرَةِ فِي الثَّانِي كَتَبَيُّنِ حَدَثِهِ.
اهـ عُبَابُ.
وَالْمُعْتَمَدُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضَةِ رَمْلِيٍّ.
اهـ. أَقُولُ: وَقَوْلُهُ وَالْمُعْتَمَدُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ: أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، لَكِنَّ الَّذِي رَأَيْته فِي مَتْنِ الرَّوْضِ مَسْأَلَةَ الْقِيَامِ فَقَطْ دُونَ مَسْأَلَةِ السُّتْرَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ مُحْدِثًا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِحَدَثِ نَفْسِهِ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِكُفْرِهِ بِذَلِكَ) أَيْ بِذَلِكَ الْقَوْلِ فَامْتَنَعَ قَبُولُهُ فِيهِ، وَلَفْظُ بِذَلِكَ سَقَطَ مِنْ نُسْخَةِ الشَّيْخِ الَّتِي كَتَبَ عَلَيْهَا فَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي حَاشِيَتِهِ (قَوْلُهُ: وَبِخِلَافِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ فِي غَيْرِ مَا إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ ثُمَّ قَالَ لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْت إلَخْ، فَمُرَادُهُ بِالْغَيْرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ إخْبَارُهُ عَنْ كُفْرِهِ الَّذِي اُسْتُثْنِيَتْ مِنْهُ هَذِهِ الصُّورَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ قَبْلُ وَالْأَوْجَهُ قَبُولُهُ فِي كُفْرِهِ، وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ إخْبَارَهُ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ مَقْبُولٌ تَعْلِيلٌ لَهُ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مُطْلَقَ غَيْرٍ وَإِنْ فَهِمَهُ كَذَلِكَ الشِّهَابُ سم فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى التُّحْفَةِ الْمُوَافِقَةِ عِبَارَتُهَا لِعِبَارَةِ الشَّارِحِ فَاحْتَاجَ إلَى تَقْيِيدِ التَّعْلِيلِ بِمَا هُوَ مَسْطُورٌ فِيهَا.
الْأَرْبَعِينَ كَمَا سَيَأْتِي؛ لِعَدَمِ الْأَمَارَةِ عَلَى ذَلِكَ فَلَا تَقْصِيرَ، وَلِهَذَا لَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ نَاسِيًا وَلَمْ يَحْتَمِلْ تَطْهِيرَهُ لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ وَخَرَجَ بِالْخَفِيَّةِ الظَّاهِرَةُ فَتَلْزَمُهُ مَعَهَا الْإِعَادَةُ؛ لِتَقْصِيرِهِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ، حَمَلَ الْمُصَنِّفُ فِي تَصْحِيحِهِ كَلَامَ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّهُ أَقْوَى، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ صَحَّحَ فِي تَحْقِيقِهِ عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ الظَّاهِرَةِ وَالْخَفِيَّةِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ.
وَالْخَفِيَّةُ هِيَ الَّتِي بِبَاطِنِ الثَّوْبِ، وَالظَّاهِرَةُ مَا تَكُونُ بِظَاهِرِهِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَتْ بِعِمَامَتِهِ وَأَمْكَنَهُ رُؤْيَتَهَا إذَا قَامَ غَيْرَ أَنَّهُ صَلَّى جَالِسًا لِعَجْزِهِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ رُؤْيَتَهَا لَمْ يَقْضِ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ الْجُلُوسُ فَلَا تَفْرِيطَ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً وَاشْتَغَلَ عَنْهَا بِالصَّلَاةِ أَوْ لَمْ يَرَهَا لِبُعْدِهِ عَنْ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الرُّويَانِيُّ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ: وَمُقْتَضَى ذَلِكَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُقْتَضَى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ: أَيْ حَتَّى لَا يَجِبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَعْمَى مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِعَدَمِ الْمُشَاهَدَةِ وَهُوَ كَمَا قَالَ: الْأَوْلَى الضَّبْطُ بِمَا فِي الْأَنْوَارِ أَنَّ الظَّاهِرَةَ مَا تَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ تَأَمَّلَهَا الْمَأْمُومُ أَبْصَرَهَا وَالْخَفِيَّةَ بِخِلَافِهَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ يُصَلِّي قَائِمًا أَوْ جَالِسًا
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَلَمْ يَحْتَمِلْ تَطْهِيرَهُ) أَيْ عِنْدَ الْمَأْمُومِ بِأَنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْمَحَلِّيُّ (قَوْلُهُ: لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا مَضَى زَمَنٌ يُحْتَمَلُ فِيهِ الطَّهَارَةُ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى مَنْ اقْتَدَى بِهِ، وَإِنْ تَبَيَّنَ حَدَثُهُ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ.
وَنُقِلَ عَنْ الزِّيَادِيِّ بِهَامِشٍ أَنَّهُ أَفْتَى بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ فِي هَذِهِ، قَالَ: إذْ لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ.
اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَظَرَ إلَى مِثْلِهِ لَزِمَ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ بِتَبَيُّنِ الْحَدَثِ مُطْلَقًا، إذْ لَا يَكَادُ يُوجَدُ إمَامٌ لَمْ يُعْلَمْ عَدَمُ حَدَثِهِ؛ لِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَرَاهُ يَتَطَهَّرُ ثُمَّ صَلَّى عَقِبَ طُهْرِهِ إمَامًا يُحْتَمَلُ خُرُوجُ حَدَثٍ مِنْهُ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ الْمَأْمُومُ.
(قَوْلُهُ: فِي تَصْحِيحِهِ) أَيْ حَاشِيَتِهِ عَلَى التَّنْبِيهِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ كَانَتْ بِعِمَامَتِهِ) أَيْ الْإِمَامِ وَأَمْكَنَهُ: أَيْ الْمَأْمُومُ.
(قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَى ذَلِكَ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ) أَيْ مِنْ اقْتِضَائِهِ الْفَرْقَ مَعَ أَنَّ كَلَامَ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَهُ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَالْأَوْلَى إلَخْ.
وَعَلَيْهِ فَالْمُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِهِ حِينَئِذٍ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ، وَنَقَلَهُ سم عَلَى حَجّ عَنْهُ، لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ أَنَّ الْمُتَّجَهَ عَدَمُ الْقَضَاءِ عَلَى الْأَعْمَى مُطْلَقًا، وَنَقَلَ مِثْلَهُ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ حَجّ وَعِبَارَتُهُ: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَى الْأَعْمَى مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ يَعْنِي الْخُبْثَ ظَاهِرًا لِعُذْرِهِ.
وَقَالَ م ر: الْمُرَادُ مَا يَكُونُ مِنْ شَأْنِهَا ذَلِكَ فَيَدْخُلُ فِيهَا: أَيْ الطَّاهِرَةِ نَجَاسَةٌ بِظَهْرِ الْإِمَامِ فِي حَقِّ الْأَعْمَى وَالْبَعِيدِ عَنْهُ فَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي حَقِّهَا.
وَقَوْلُهُ بِظَهْرِ الْإِمَامِ قَضِيَّتُهُ أَنَّ مَا فِي بَاطِنِ الثَّوْبِ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ مَعَهُ وَهُوَ قَضِيَّةُ مَا فِي الشَّرْحِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: وَالْخَفِيَّةُ هِيَ الَّتِي بِبَاطِنِ الثَّوْبِ (قَوْلُهُ: فَالْأَوْلَى الضَّبْطُ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: لَوْ تَأَمَّلَهَا الْمَأْمُومُ أَبْصَرَهَا) عِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ: قَوْلُهُ: رَآهَا مِثَالٌ لَا قَيْدٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِدْرَاكِ بِالْبَصَرِ وَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَوَاسِّ (قَوْلُهُ: وَالْخَفِيَّةُ بِخِلَافِهَا)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ كَانَتْ بِعِمَامَتِهِ) أَيْ أَوْ نَحْوَ صَدْرِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: ذَكَرَ ذَلِكَ الرُّويَانِيُّ) أَيْ قَوْلَهُ وَالْخَفِيَّةُ هِيَ الَّتِي بِبَاطِنِ الثَّوْبُ إلَخْ، فَالْإِشَارَةُ رَاجِعَةٌ إلَى الِاسْتِدْرَاكِ وَالْمُسْتَدْرَكِ عَلَيْهِ فَإِنَّ أَصْلَ الضَّابِطِ لِلرُّويَانِيِّ (قَوْلُهُ: فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ يُصَلِّي قَائِمًا وَجَالِسًا) فِيهِ مُنَافَاةٌ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ تَابِعٌ فِي هَذَا لِلشِّهَابِ حَجّ فِي تُحْفَتِهِ بَعْدَ أَنْ تَبِعَ شَرْحَ الرَّوْضِ فِي جَمِيعِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ مِنْهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ، لَكِنَّ الشِّهَابَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا عَقَّبَ ضَابِطَ الْأَنْوَارِ بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا فَهِمَهُ مِنْهُ مِنْ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ بِحَيْثُ لَوْ تَأَمَّلَهَا الْمَأْمُومُ: أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا مِنْ جُلُوسِهِ وَقِيَامِ الْإِمَامُ مَثَلًا، أَمْ عَلَى غَيْرِهَا بِأَنْ نَفْرِضَهُ قَائِمًا إذَا كَانَ جَالِسًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ حَتَّى تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَإِنْ كَانَتْ بِنَحْوِ عِمَامَتِهِ وَهُوَ قَائِمٌ وَالْمَأْمُومُ جَالِسٌ لِعَجْزِهِ؛ لِأَنَّا لَوْ فَرَضْنَا قِيَامَهُ وَتَأَمَّلَهَا لَرَآهَا، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ بِحَيْثُ لَوْ تَأَمَّلَهَا عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا لَرَآهَا فَلَا يُفْرَضُ عَلَى حَالَةٍ
وَأَخَذَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ النَّجَاسَةِ الْخَفِيَّةِ وَالظَّاهِرَةِ قِيَاسًا أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ عَلَى كُمِّهِ الَّذِي يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ لَزِمَ الْمَأْمُومَ الْإِعَادَةُ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ تَأَمَّلَ إمَامَهُ أَبْصَرَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا تَلْزَمُهُ (قُلْت: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ إنَّ مُخْفِيَ الْكُفْرِ هُنَا كَمُعْلِنِهِ) ، وَإِنْ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ إنَّ الْأَقْوَى دَلِيلًا عَدَمُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ)
[حاشية الشبراملسي]
يَدْخُلُ فِيهِ مَا فِي بَاطِنِ الثَّوْبِ فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمَهُ فِي ضَبْطِ الْخَفِيَّةِ، لَكِنْ قِيَاسُ فَرْضِ الْبَعِيدِ قَرِيبًا وَالْأَعْمَى بَصِيرًا أَنْ يُفْرَضَ الْبَاطِنُ ظَاهِرًا فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ.
وَعَلَيْهِ فَيَصِيرُ الْحَاصِلُ أَنَّ الظَّاهِرَةَ هِيَ الْعَيْنِيَّةُ، وَالْخَفِيَّةَ هِيَ الْحُكْمِيَّةُ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَلَا بَيْنَ الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ وَلَا بَيْنَ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ وَلَا بَيْنَ بَاطِنِ الثَّوْبِ وَظَاهِرِهِ، لَكِنْ يُنَافِي ضَبْطَ الظَّاهِرَةَ وَالْخَفِيَّةِ بِمَا ذُكِرَ قَوْلُ حَجّ فِي الْإِيعَابِ، وَوَاضِحٌ أَنَّ التَّفْصِيلَ إنَّمَا هُوَ فِي الْخُبْثِ الْعَيْنِيِّ دُونَ الْحُكْمِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى فَلَا تَقْصِيرَ فِيهِ مُطْلَقًا انْتَهَى - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
[فَائِدَةٌ] يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ ظَاهِرَةً إخْبَارُ الْمَأْمُومِ بِذَلِكَ الْبَعِيدِ صَلَاتِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ رَأَى عَلَى ثَوْبِ مُصَلٍّ نَجَاسَةً وَجَبَ إخْبَارُهُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ آثِمًا.
وَمِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ رَأَى صَبِيًّا يَزْنِي بِصَبِيَّةٍ وَجَبَ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ مِنْ أُرِيدَ نَهْيُهُ (قَوْلُهُ: لَزِمَ الْمَأْمُومَ الْإِعَادَةُ إنْ كَانَ إلَخْ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ تَأَمَّلَهَا لَمْ يَرَهَا لِبُعْدِهِ عَدَمُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ بِنَاءً عَلَى فَرْضِ الْأَعْمَى بَصِيرًا وَفَرْضِ الْبَعِيدِ قَرِيبًا؛ لِأَنَّ هَذَا لَوْ فُرِضَ قُرْبُهُ مِنْ الْإِمَامِ وَتَأَمَّلَ رَأَى فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: قُلْت الْأَصَحُّ) أَيْ الرَّاجِحُ (قَوْلُهُ: إنَّ مُخْفِيَ الْكُفْرِ هُنَا إلَخْ) إنَّمَا قَيَّدَ بِهُنَا؛ لِأَنَّهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ فَرَّقُوا بَيْنَ مُخْفِي الْكُفْرِ وَمُعْلِنِهِ، وَمِنْهُ مَا قَالُوهُ فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ حَالَ
[حاشية الرشيدي]
غَيْرِهَا حَتَّى لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ فِي نَحْوِ الصُّورَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا، فَمُؤَدَّى ضَابِطِ الْأَنْوَارِ وَضَابِطِ الرُّويَانِيِّ عِنْدَهُ وَاحِدٌ بِنَاءً عَلَى فَهْمِهِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْ ثَمَّ فَرَّعَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِالْفَاءِ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِقَوْلِهِ الْأَوْلَى وَلَمْ يَقُلْ الْأَصَحَّ أَوْ نَحْوَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِثْنَاءِ شَيْءٍ مِنْهُ مِمَّا اُسْتُثْنِيَ مِنْ ضَابِطِ الرُّويَانِيِّ فَهُوَ أَضْبَطُ.
وَالشِّهَابُ الْمَذْكُورُ لَمَّا فَهِمَ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الضَّابِطَيْنِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ عَبَّرَ عَنْ ضَابِطِ الْأَنْوَارِ بِقَوْلِهِ وَالْأَوْجَهُ فِي ضَبْطِ الظَّاهِرَةِ أَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ تَأَمَّلَهَا الْمَأْمُومُ لَرَآهَا، وَلَمْ يَقُلْ الْأَوْلَى كَمَا قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، ثُمَّ قَالَ: وَفَرَّقَ الرُّويَانِيُّ بَيْنَ مَنْ لَمْ يَرَهَا لِبُعْدِهِ أَوْ اشْتِغَالِهِ بِصَلَاتِهِ فَيُعِيدُ وَمَنْ لَمْ يَرَهَا لِكَوْنِهَا بِعِمَامَتِهِ وَيُمْكِنُهُ رُؤْيَتُهَا إذَا قَامَ فَجَلَسَ عَجَزَ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، لَكِنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ ذَلِكَ الْأَعْمَى، قَالَ: لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ بِوَجْهٍ، وَالشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَبِعَ شَرْحَ الرَّوْضِ أَوَّلًا كَمَا عَرَفْت، ثُمَّ خَتَمَهُ بِقَوْلِ الشِّهَابِ الْمَذْكُورِ فَلَا فَرْقَ إلَخْ فَنَافَاهُ.
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ مُؤَدَّى الضَّابِطَيْنِ وَاحِدٌ وَالِدُ الشَّارِحِ فِي فَتَاوِيهِ، لَكِنْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ هُمَا اسْتَثْنَاهُ الرُّويَانِيُّ مِنْ ضَابِطِهِ لِضَعْفِهِ عِنْدَهُ، فَمُسَاوَاتُهُ لَهُ عِنْدَهُ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ لِأَصْلِ الضَّابِطِ، فَهُوَ مُوَافِقٌ لِلشِّهَابِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَعْنَى وَالْحُكْمِ وَإِنْ خَالَفَهُ فِي الصَّنِيعِ، وَمُوَافِقٌ لِمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فِي الصَّنِيعِ وَمُخَالِفٌ لَهُ فِي الْحُكْمِ، كَمَا يُعْلَمُ بِسَوْقِ عِبَارَةِ فَتَاوِيهِ وَنَصُّهَا: سُئِلَ عَنْ مُصَلٍّ فِي ظَاهِرِ ثَوْبِهِ أَوْ عَلَى صَدْرِهِ أَوْ ثَوْبِهِ مِنْ قُدَّامِهِ نَجَاسَةٌ أَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ بَعِيدًا عَنْ إمَامِهِ هَلْ حُكْمُهَا حُكْمُ النَّجَاسَةِ الْخَفِيَّةِ حَتَّى لَا يَلْزَمُ الْمَأْمُومَ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الْمَذْكُورَةَ مِمَّا تَخْفَى عَنْ الْمَأْمُومِ خُصُوصًا إنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ تَحَرُّمِهِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ الْمَذْكُورَةَ ظَاهِرَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ إذْ لَا يَخْلُو عَنْ تَقْصِيرٍ، وَالنَّجَاسَةُ الظَّاهِرَةُ أَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ تَأَمَّلَهَا أَبْصَرَهَا بِأَنْ كَانَتْ فِي ظَاهِرِ الثَّوْبِ وَالْخَفِيَّةُ بِخِلَافِهَا انْتَهَتْ.
فَقَدْ صَرَّحَ بِرُجُوعِ كُلٍّ مِنْ الضَّابِطِينَ إلَى الْآخَرِ، لَكِنْ فِي عَزْوِهِ مَا صَدَّرَ بِهِ الْجَوَابَ لِتَصْرِيحِ الرُّويَانِيِّ نَظَرٌ ظَاهِرٌ كَمَا مَرَّ مِنْ اسْتِثْنَائِهِ الْمَذْكُورِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالشَّارِحُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ كَلَامِهِ هُنَا مَا هُوَ مُعْتَمَدٌ عِنْدَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ، لَكِنْ نَقَلَ عَنْهُ الشِّهَابُ سم مَا يُوَافِقُ مَا فِي فَتَاوَى وَالِدِهِ الْمُوَافِقِ
لِأَنَّ الْكَافِرَ غَيْرُ أَهْلٍ لِلصَّلَاةِ بِحَالٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
(وَالْأُمِّيُّ كَالْمَرْأَةِ فِي الْأَصَحِّ) فَعَلَى الْقَارِئِ الْمُؤْتَمِّ بِهِ الْإِعَادَةُ بِجَامِعِ النَّقْصِ، وَإِنْ بَانَ ذَلِكَ أَوْ شَيْءٌ مِمَّا مَرَّ غَيْرُ نَحْوِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ فِي أَثْنَائِهَا اسْتَأْنَفَهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ بَانَ حَدَثُهُ أَوْ خَبَثُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مُفَارَقَتُهُ وَيَبْنِي، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى نَحْوِ قِرَاءَتِهِ أَيْسَرُ مِنْهُ عَلَى طُهْرِهِ إذْ هُوَ، وَإِنْ شُوهِدَ فَحُدُوثُ الْحَدَثِ بَعْدَهُ قَرِيبٌ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّهُ كَالْجُنُبِ بِجَامِعِ الْخَفَاءِ فَلَا يُعِيدُ الْمُؤْتَمُّ بِهِ.
(وَلَوْ) (اقْتَدَى) رَجُلٌ (بِخُنْثَى) فِي ظَنِّهِ (فَبَانَ رَجُلًا) أَوْ خُنْثَى بِامْرَأَةٍ فَبَانَ أُنْثَى، أَوْ خُنْثَى بِخُنْثَى فَبَانَا مُسْتَوِيَيْنِ مَثَلًا (لَمْ يَسْقُطْ الْقَضَاءُ فِي الْأَظْهَرِ) لِعَدَمِ انْعِقَادِ صَلَاتِهِ بِعَدَمِ جَزْمِهِ بِنِيَّتِهِ.
وَالثَّانِي يَسْقُطُ اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَسَوَاءٌ أَبَانَ فِي الصَّلَاةِ أَمْ بَعْدَهَا.
وَصَوَّرَهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِ ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُنُوثَتَهُ ثُمَّ بَانَ رَجُلًا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهَذَا أَصَحُّ، وَالْوَجْهُ الْجَزْمُ بِالْقَضَاءِ عَلَى الْعَالِمِ بِخُنُوثَتِهِ؛ لِعَدَمِ انْعِقَادِ الصَّلَاةِ ظَاهِرًا وَاسْتِحَالَةِ جَزْمِ النِّيَّةِ اهـ.
وَالْوَجْهُ الْجَزْمُ بِعَدَمِ الْقَضَاءِ إذَا بَانَ رَجُلًا فِي تَصْوِيرِ الْمَاوَرْدِيِّ لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ يَمْضِ قَبْلَ تَبَيُّنِ الرُّجُولِيَّةِ زَمَنٌ طَوِيلٌ، وَأَنَّهُ لَوْ ظَنَّهُ رَجُلًا ثُمَّ بَانَ فِي أَثْنَائِهَا خُنُوثَتُهُ فَالْأَقْرَبُ وُجُوبُ اسْتِئْنَافِهَا.
نَعَمْ لَوْ ظَنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ رَجُلًا ثُمَّ لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِ حَتَّى بَانَ رَجُلًا فَلَا قَضَاءَ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ التَّرَدُّدَ فِي النِّيَّةِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ الدَّوَامِ لَكِنْ فِي الِابْتِدَاءِ يَضُرُّ مُطْلَقًا وَفِي الْأَثْنَاءِ إنْ طَالَ الزَّمَنُ أَوْ مَضَى رُكْنٌ عَلَى ذَلِكَ ضَرَّ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَالْعَدْلُ) وَلَوْ قِنًّا مَفْضُولًا (أَوْلَى) بِالْإِمَامَةِ (مِنْ الْفَاسِقِ) ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا فَاضِلًا لِعَدَمِ الْوُثُوقِ بِهِ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى الشُّرُوطِ وَلِخَبَرِ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ «إنْ سَرَّكُمْ أَنْ تُقْبَلَ صَلَاتُكُمْ فَلْيَؤُمَّكُمْ خِيَارُكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ» ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ
[حاشية الشبراملسي]
كُفْرِهِ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ ثُمَّ أَسْلَمَ فَأَعَادَهَا فَإِنْ كَانَ ظَاهِرَ الْكُفْرِ قُبِلَتْ الْإِعَادَةُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مُخْفِيًا لَهُ فَلَا يُقْبَلُ لِاتِّهَامِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْخُبْثِ) أَيْ الْخَفِيِّ، وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ مَا لَوْ تَبَيَّنَ بَعْدَ الْفَرَاغِ تَجِبُ مَعَهُ الْإِعَادَةُ إذَا بَانَ فِي الْأَثْنَاءِ يَجِبُ بِهِ الِاسْتِئْنَافُ وَمَا لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ مَعَهُ مِمَّا تَمْتَنِعُ الْقُدْوَةُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ إذَا بَانَ فِي الْأَثْنَاءِ وَجَبَتْ بِهِ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ غَيْرُ نَحْوِ الْحَدَثِ مَا لَوْ تَبَيَّنَ قُدْرَةُ الْمُصَلِّي عَارِيًّا عَلَى السُّتْرَةِ أَوْ الْقِيَامِ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الظَّاهِرَةِ وَالْخَفِيَّةِ، وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ إلَخْ: أَيْ حَيْثُ تَبَيَّنَ حَدَثُهُ أَوْ نَجَاسَتُهُ الْخَفِيَّةُ بِخِلَافِ الظَّاهِرَةِ (قَوْلُهُ: وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ إلَخْ) مَا عَلَّلَ بِهِ الثَّانِيَ لَا يَأْتِي فِي الْجَهْرِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَصَوَّرَهَا الْمَاوَرْدِيُّ) أَيْ مَسْأَلَةَ الْقَوْلَيْنِ (قَوْلُهُ: حَتَّى بَانَ رَجُلًا) فَلَا قَضَاءَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ صَلَّى خُنْثَى خَلْفَ امْرَأَةٍ ظَانًّا أَنَّهَا رَجُلٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أُنُوثَةُ الْخُنْثَى كَمَا صَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ؛ لِأَنَّ لِلْمَرْأَةِ عَلَامَاتٍ ظَاهِرَةً غَالِبًا تُعْرَفُ بِهَا فَهُوَ هُنَا مُقَصِّرٌ وَإِنْ جَزَمَ بِالنِّيَّةِ.
اهـ حَجّ.
لَكِنْ نَقَلَ سم عَنْ شَرْحِ الْعُبَابِ لَهُ خِلَافَهُ وَهُوَ قَرِيبٌ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْخُنْثَى جَازِمٌ بِالنِّيَّةِ وَبَانَتْ مُسَاوَاتُهُ لِإِمَامِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَا وَجْهَ لِلُّزُومِ الْإِعَادَةِ وَلَا لِكَوْنِ الْمَرْأَةِ لَهَا عَلَامَاتٌ تَدُلُّ عَلَيْهَا، وَفِي سم عَلَى الْغَايَةِ الْجَزْمُ بِمَا فِي شَرْحِ الْعُبَابِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّ التَّرَدُّدَ فِي النِّيَّةِ إلَخْ) أَيْ فِي نَفْسِ النِّيَّةِ كَأَنْ تَرَدَّدَ فِي ذُكُورَةِ إمَامِهِ بِأَنْ عَلِمَهُ خُنْثَى وَتَرَدَّدَ فِي أَنَّهُ ذَكَرٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ أُنْثَى، وَأَمَّا التَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ عَلَى وَجْهِ أَنَّهُ هَلْ يَبْقَى فِي الصَّلَاةِ أَوْ يَخْرُجُ مِنْهَا فَيَضُرُّ مُطْلَقًا طَالَ زَمَنُ التَّرَدُّدِ أَوْ قَصُرَ.
(قَوْلُهُ: إنْ سَرَّكُمْ) أَيْ أَرَدْتُمْ مَا يَسُرُّكُمْ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ) أَيْ الْوَاسِطَةُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ.
وَفِي الْمَوَاهِبِ قَالَ النَّوَوِيُّ: الْوَفْدُ الْجَمَاعَةُ
[حاشية الرشيدي]
لِلشِّهَابِ حَجّ، وَهُوَ الَّذِي انْحَطَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ هُنَا آخِرًا وَإِنْ لَمْ يُلَائِمْ مَا قَبْلَهُ كَمَا عَرَفْت، وَإِنَّمَا أَطَلْت الْكَلَامَ هُنَا لِمَحَلِّ الْحَاجَةِ مَعَ اشْتِبَاهِ هَذَا الْمَقَامِ عَلَى كَثِيرٍ وَعَدَمِ وُقُوفِي عَلَى مَنْ حَقَّقَهُ حَقَّهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ بَانَ ذَلِكَ أَوْ شَيْءٌ مِمَّا مَرَّ إلَخْ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ الْمَارُّ فِي حَلِّ الْمَتْنِ بَعْدَ الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ ظَنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ رَجُلًا إلَخْ) مَعْلُومٌ بِالْأَوْلَى مِمَّا رَجَّحَهُ كَلَامُ الرُّويَانِيِّ.
يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ، قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: وَكَفَى بِهِ فَاسِقًا.
وَتُكْرَهُ خَلْفَهُ وَخَلْفَ مُبْتَدِعٍ لَا يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ، وَإِمَامَةُ مَنْ يَكْرَهُهُ أَكْثَرُ الْقَوْمِ لِمَذْمُومٍ فِيهِ شَرْعًا.
وَيَحْرُمُ عَلَى الْإِمَامِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ نَصْبُ الْفَاسِقِ إمَامًا فِي الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِمُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ وَلَيْسَ مِنْهَا أَنْ يُوقِعَ النَّاسَ فِي صَلَاةٍ مَكْرُوهَةٍ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ حُرْمَةُ نَصْبِ كُلِّ مَنْ يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ وَنَاظِرُ الْمَسْجِدِ كَالْوَالِي فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى.
(وَالْأَصَحُّ أَنَّ) (الْأَفْقَهَ) فِي بَابِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا الْفَاتِحَةَ (أَوْلَى مِنْ الْأَقْرَإِ) ، وَإِنْ حَفِظَ جَمِيعَ الْقُرْآنِ إذْ الْحَاجَةُ إلَى الْفِقْهِ أَهَمُّ لِعَدَمِ انْحِصَارِ مَا يَطْرَأُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْحَوَادِثِ «وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ» ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ الْقُرْآنَ فِي حَيَاتِهِ
[حاشية الشبراملسي]
الْمُخْتَارَةُ لِلتَّقَدُّمِ فِي لُقِيِّ الْعُظَمَاءِ وَاحِدُهُمْ وَافِدٌ.
انْتَهَى.
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي حُصُولِ ثَوَابِ الْجَمَاعَةِ لِلْمَأْمُومَيْنِ، وَهَذَا يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ أَحْوَالِ الْأَئِمَّةِ.
وَفِي ابْنِ حَجَرٍ وَفِي مُرْسَلٍ «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» وَيَعْضُدُهُ مَا صَحَّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي إلَخْ (قَوْلُهُ: وَتَكْرَهُ خَلْفَهُ) أَيْ الْفَاسِقِ، وَإِذَا لَمْ تَحْصُلُ الْجَمَاعَةُ إلَّا بِالْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ لَمْ يُكْرَهُ الِائْتِمَامُ طب م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: وَإِمَامَةُ مَنْ يَكْرَهُهُ أَكْثَرُ الْقَوْمِ إلَخْ) أَيْ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ إمَامًا، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ حَيْثُ كَانَ عَدْلًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ارْتِكَابِهِ الْمَذْمُومَ نَفْيُ الْعَدَالَةِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْمُنَاوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا رَجُلٍ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ» إذْ فِيهِ مَا نَصُّهُ: أَيْ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَؤُمَّهُمْ إنْ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ: أَيْ بِأَنْ كَانَ فِيهِ أَمْرٌ مَذْمُومٌ شَرْعًا كَوَالٍ ظَالِمٍ، وَمَنْ تَغَلَّبَ عَلَى إمَامَةِ الصَّلَاةِ وَلَا يَسْتَحِقُّهَا، أَوْ لَا يَتَحَرَّزُ عَنْ النَّجَاسَةِ، أَوْ يَمْحُو هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ، أَوْ يَتَعَاطَى مَعِيشَةً ذَمِيمَةً، أَوْ يُعَاشِرُ الْفُسَّاقَ وَنَحْوَهُمْ.
وَكَرِهَهُ الْكُلُّ لِذَلِكَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، فَإِنْ كَرِهَهُ أَكْثَرُهُمْ كُرِهَ لَهُ.
وَعُلِمَ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ الْحُرْمَةَ أَوْ الْكَرَاهَةَ إنَّمَا هِيَ فِي حَقِّهِ، أَمَّا الْمُقْتَدُونَ الَّذِينَ يَكْرَهُونَهُ فَلَا تُكْرَهُ لَهُمْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ.
وَظَنُّ بَعْضِ أَعَاظِمِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدَةٌ وَهْمٌ.
اهـ. وَنُقِلَ عَنْ حَوَاشِي الرَّوْضِ لِوَالِدِ الشَّارِحِ التَّصْرِيحُ بِالْحُرْمَةِ عَلَى الْإِمَامِ فِيمَا لَوْ كَرِهَهُ كُلُّ الْقَوْمِ وَعِبَارَتُهُ نَصُّهَا: هَذِهِ الْكَرَاهَةُ لِلتَّنْزِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْقَمُولِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَرِهَهُ كُلُّهُمْ فَإِنَّهَا لِلتَّحْرِيمِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي الشَّهَادَاتِ عَنْ صَاحِبِ الْعُدَّةِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا وَهُمْ يَكْرَهُونَهُ، وَالْإِسْنَوِيُّ ظَنَّ أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدَةٌ فَقَالَ: وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ لِلتَّحْرِيمِ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ عَنْ صَاحِبِ الْعُدَّةِ.
وَنَقَلَهُ فِي الْحَاوِي عَنْ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ لَفْظَهُ الْمُتَقَدِّمَ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ.
اهـ بِحُرُوفِهِ.
أَقُولُ: وَالْحُرْمَةُ مَفْهُومُ تَقْيِيدِ الشَّارِحِ الْكَرَاهَةَ بِكَوْنِهَا مِنْ أَكْثَرِ الْقَوْمِ (قَوْلُهُ: أَكْثَرُ الْقَوْمِ) مَفْهُومُهُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ، وَقَوْلُهُ لِمَذْمُومٍ فِيهِ شَرْعًا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مُرْتَكِبَ خَارِمِ الْمُرُوءَةِ لَا يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَلَا تُكْرَهُ لَهُ الْإِمَامَةُ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي أَخْذِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ بَلْ الْقِيَاسُ الْكَرَاهَةُ، بَلْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ خَارِمَ الْمُرُوءَةِ مَذْمُومٌ شَرْعًا، وَمِنْ ثَمَّ حَرُمَ عَلَى مَنْ كَانَ مُحْتَمِلًا لِشَهَادَةِ ارْتِكَابِ مَا يُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ لِئَلَّا تُرَدَّ شَهَادَتُهُ (قَوْلُهُ: لِمَذْمُومٍ فِيهِ شَرْعًا) أَمَّا لَوْ كَرِهُوهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ بَلْ اللَّوْمُ عَلَيْهِمْ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ حُرْمَةُ نَصْبِ إلَخْ) أَيْ وَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ كَمَا قَالَهُ حَجّ وَعِبَارَتُهُ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَحُسْنُ الصَّوْتِ إلَخْ: وَالرَّاتِبُ مَنْ وَلَّاهُ النَّاظِرُ وِلَايَةً صَحِيحَةً بِأَنْ لَمْ يُكْرَهْ الِاقْتِدَاءُ بِهِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ الْمُقْتَضَى عَدَمُ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ التَّوْلِيَةُ.
اهـ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ حَيْثُ لَمْ تَصِحَّ تَوْلِيَتُهُ لَا يَسْتَحِقُّ مَا رَتَّبَ الْإِمَامُ (قَوْلُهُ: وَنَاظِرُ الْمَسْجِدِ) أَيْ إذَا كَانَتْ التَّوْلِيَةُ لَهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْلَى مِنْ الْأَقْرَإِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ عَارِيًّا وَغَيْرُهُ مَسْتُورٌ، وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْعَارِي (قَوْلُهُ: فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ الْقُرْآنَ» إلَخْ) قَالَ الْجَعْبَرِيُّ فِي شَرْحِ الرَّائِيَّةِ: وَالصَّحَابَةُ الَّذِينَ حَفِظُوا الْقُرْآنَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرُونَ.
فَمِنْ الْمُهَاجِرِينَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِوَى أَرْبَعَةِ أَنْفَارٍ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» ، وَأَبُو زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَأَمَّا خَبَرُ «أَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ» فَمَحْمُولٌ عَلَى عُرِفَهُمْ الْغَالِبِ أَنَّ الْأَقْرَأَ أَفْقَهُ؛ لِكَوْنِهِمْ يَضُمُّونَ لِلْحِفْظِ مَعْرِفَةَ فِقْهِ الْآيَةِ وَعُلُومِهَا.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْأَقْرَإِ الْأَصَحُّ قِرَاءَةً، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ فَالْأَكْثَرُ قِرَاءَةً.
وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ الْمُتَمَيِّزَ بِقِرَاءَةِ السَّبْعِ وَبَعْضِهَا مِنْ ذَلِكَ وَتَرَدَّدَ فِي قِرَاءَةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى لَحْنٍ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَا، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ هُمَا سَوَاءٌ لِتَقَابُلِ الْفَضِيلَتَيْنِ.
وَفِي الْمَجْمُوعِ اسْتِوَاءُ قِنٍّ فَقِيهٍ وَحُرٍّ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَحَمَلَهُ السُّبْكِيُّ عَلَى قِنٍّ أَفْقَهُ وَحُرٍّ فَقِيهٍ؛ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْحُرِّيَّةِ بِزِيَادَةِ الْفِقْهِ لَا بُعْدَ فِيهَا، بِخِلَافِ مُقَابَلَتِهَا بِأَصْلِ الْفِقْهِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْهَا؛ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ دُونَهَا.
(وَ) الْأَصَحُّ أَنَّ الْأَفْقَهَ أَوْلَى مِنْ (الْأَوْرَعِ) أَيْ الْأَكْثَرِ وَرَعًا، إذْ حَاجَةُ الصَّلَاةِ لِلْفِقْهِ أَهَمُّ مِنْهُ كَمَا مَرَّ، وَيُقَدَّمُ الْأَقْرَأُ أَيْضًا عَلَى الْأَوْرَعِ، وَفَسَّرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّحْقِيقِ بِأَنَّهُ اجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ بِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْعَدَالَةِ مِنْ حُسْنِ السِّيرَةِ وَالْعِفَّةِ.
وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ تَقْدِيمُ الْأَوْرَعِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الصَّلَاةِ الْخُشُوعُ وَرَجَاءُ إجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَالْأَوْرَعُ أَقْرَبُ لِذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] وَفِي السُّنَّةِ «مِلَاكُ الدِّينِ الْوَرَعُ» وَمَا مَا يَخَافُ مِنْ حُدُوثِهِ فِي الصَّلَاةِ فَأَمْرٌ نَادِرٌ فَلَا يَفُوتُ الْمُحَقَّقُ لِلْمُتَوَهَّمِ.
وَأَمَّا الزُّهْدُ فَتَرْكُ
[حاشية الشبراملسي]
وَابْنُ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةُ وَسَالِمٌ وَابْنُ السَّائِبِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَمِنْ الْأَنْصَارِ أُبَيٌّ وَزَيْدٌ وَمُعَاذٌ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو زَيْدٍ وَمُجَمِّعٌ.
فَمَعْنَى قَوْلِ أَنَسٍ: جُمِعَ الْقُرْآنُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لَمْ يَجْمَعْهُ إلَّا أَرْبَعَةٌ: أُبَيٌّ وَزَيْدٌ وَمُعَاذٌ وَأَبُو زَيْدٍ أَنَّهُمْ الَّذِينَ تَلَقَّوْهُ مُشَافَهَةً عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ الَّذِينَ جَمَعُوهُ بِوُجُوهِ قِرَاءَاتِهِ.
اهـ. وَقَوْلُهُ مُشَافَهَةً إلَخْ هَذَانِ الْجَوَابَانِ لَا يَخْلُوَانِ عَنْ بُعْدٍ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا تُحِيلُ الْعَادَةُ أَنَّ غَيْرَهُمْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مُشَافَهَةً أَوْ بِالْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَهُمْ، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ.
أَقُولُ: وَمَعَ كَوْنِهِ لَا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ هُوَ كَافٍ فِي الْجَوَابِ، عَلَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِبْعَادَ إنَّمَا بَنَاهُ عَلَى مُجَرَّدِ الْعَادَةِ فِي مِثْلِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُعَارِضٍ لِمَا ذَكَرَهُ لِجَوَازِ اهْتِمَامِهِمْ فِي أَوْقَاتِ اجْتِمَاعِهِمْ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَيْرِ تَلَقِّي الْقُرْآنِ مِنْهُ حِفْظًا لِاسْتِغْنَائِهِمْ بِأَخْذِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ عَادَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - الِاكْتِفَاءُ بِسَمَاعِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَعَ إمْكَانِ مُرَاجَعَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا سَمِعُوهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَفِي حَوَاشِي الرَّوْضِ لِوَالِدِ الشَّارِحِ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ (قَوْلُهُ: سِوَى أَرْبَعَةِ أَنْفَارٍ إلَخْ) أَيْ مِنْ الْأَنْصَارِ وَكَانُوا خَزْرَجِيِّينَ كَمَا فِي حَجّ (قَوْلُهُ: الْأَصَحُّ قِرَاءَةً) أَيْ لِمَا يَحْفَظُهُ وَإِنْ قَلَّ فَيُقَدِّمُ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَحْفَظُ أَكْثَرَ مِنْهُ، لَكِنْ بَقِيَ مَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَحْفَظُ نِصْفَ الْقُرْآنِ بِكَمَالِهِ مَثَلًا، وَيَصِحُّ آيَاتٍ قَلِيلَةً كَأَوَاخِرِ السُّوَرِ اطَّرَدَتْ عَادَتُهُ بِالْإِمَامَةِ بِهَا، وَالْآخَرُ يَحْفَظُ نِصْفَ الْقُرْآنِ مَثَلًا وَيُصَحِّحُهُ بِتَمَامِهِ، فَهَلْ يُقَدَّمُ عَلَى مَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ بِكَمَالِهِ لِكَثْرَةِ مَا يُصَحِّحُهُ، أَوْ يُقَدَّمُ الْآخَرُ عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ حِفْظِهِ مَعَ صِحَّةِ مَا يُصَلِّي بِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَإِطْلَاقُهُمْ قَدْ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ مَنْ يَحْفَظُ النِّصْفَ، وَلَوْ قِيلَ بِتَقْدِيمِ مَنْ يَحْفَظُ الْكُلَّ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى صِحَّةِ مَا يُصَلِّي بِهِ لَمْ يَبْعُدْ (قَوْلُهُ: وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الْأَصَحِّ قِرَاءَةً (قَوْلُهُ: مُشْتَمِلَةٍ عَلَى لَحْنٍ) قَالَ حَجّ: لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى (قَوْلُهُ: لَا عِبْرَةَ بِهَا) أَيْ فَلَا يُقَدَّمُ صَاحِبُهَا عَلَى غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَفَسَّرَهُ) أَيْ الْوَرَعَ (قَوْلُهُ: الشُّبُهَاتِ) بِضَمِّ الْبَاءِ (قَوْلُهُ: مِنْ حُسْنِ السِّيرَةِ) الْأَوْلَى بِحُسْنِ إلَخْ (قَوْلُهُ: مِلَاكُ الدِّينِ) أَيْ أَصْلُهُ، قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: مِلَاكُ الْأَمْرِ بِالْكَسْرِ قِوَامُهُ، وَالْقَلْبُ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْعَدَالَةِ مِنْ حُسْنِ إلَخْ) عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ: وَأَمَّا الْوَرَعُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ مُجَرَّدَ الْعَدَالَةِ بَلْ مَا يَزِيدُ
مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ وَهُوَ أَعْلَى مِنْ الْوَرَعِ إذْ هُوَ الْحَلَالُ وَالْوَرَعُ فِي الشُّبْهَةِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي مُهِمَّاتِهِ: وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُرَجَّحَاتِ وَاعْتِبَارُهُ ظَاهِرٌ حَتَّى إذَا اشْتَرَكَا فِي الْوَرَعِ، وَامْتَازَ أَحَدُهُمَا بِالزُّهْدِ قَدَّمْنَاهُ.
اهـ وَهُوَ ظَاهِرٌ، إذْ بَعْضُ الْأَفْرَادِ لِلشَّيْءِ قَدْ يَفْضُلُ بَاقِيَهُ.
نَعَمْ عِبَارَتُهُ تُوهِمُ أَنَّ الزُّهْدَ قَسِيمٌ لِلْوَرَعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ قِسْمٌ مِنْهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَرَعَ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ كَالْعَدَالَةِ، وَلَوْ تَمَيَّزَ الْمَفْضُولُ مِمَّنْ ذَكَرَ بِبُلُوغٍ أَوْ إتْمَامٍ أَوْ عَدَالَةٍ أَوْ مَعْرِفَةِ نَسَبٍ كَانَ أَوْلَى.
(وَيُقَدَّمُ الْأَفْقَهُ وَالْأَقْرَأُ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا وَكَذَا الْأَوْرَعُ (عَلَى الْأَسَنِّ وَالنَّسِيبِ) فَعَلَى أَحَدِهِمَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْفَضِيلَةَ كُلٌّ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ لَهَا تَعَلُّقٌ تَامٌّ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ أَوْ كَمَالِهَا بِخِلَافِ الْأَخِيرَيْنِ.
وَلَوْ كَانَ الْأَفْقَهُ أَوْ الْأَقْرَأُ أَوْ الْأَوْرَعُ صَبِيًّا أَوْ قَاصِرًا فِي سَفَرِهِ أَوْ فَاسِقًا أَوْ وَلَدَ زِنًا أَوْ مَجْهُولَ الْأَبِ فَضِدُّهُ أَوْلَى كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسَافِرُ السُّلْطَانَ أَوْ نَائِبَهُ فَهُوَ أَحَقُّ، وَأَطْلَقَ جَمْعٌ كَرَاهَةَ إمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَا وَمَنْ لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ وَهِيَ مُصَوَّرَةٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُسَاوِهِ الْمَأْمُومُ، فَإِنْ سَاوَاهُ أَوْ وَجَدَهُ قَدْ أَحْرَمَ وَاقْتَدَى بِهِ فَلَا بَأْسَ (وَالْجَدِيدُ تَقْدِيمُ الْأَسَنِّ) فِي الْإِسْلَامِ (عَلَى النَّسِيبِ) لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» وَلِأَنَّ فَضِيلَةَ الْأَسَنِّ فِي ذَاتِهِ وَالنَّسِيبِ فِي آبَائِهِ، وَفَضِيلَةُ الذَّاتِ أَوْلَى.
وَعَكَسَهُ الْقَدِيمُ لِخَبَرِ «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِسِنٍّ فِي غَيْرِ الْإِسْلَامِ، فَيُقَدَّمُ شَابٌّ أَسْلَمَ أَمْسِ عَلَى شَيْخٍ أَسْلَمَ الْيَوْمَ، فَإِنْ أَسْلَمَا مَعًا قُدِّمَ الشَّيْخُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ، وَبَحَثَهُ الطَّبَرِيُّ وَيُقَدَّمُ
[حاشية الشبراملسي]
مِلَاكُ الْجَسَدِ.
اهـ (قَوْلُهُ: عَلَى الْحَاجَةِ) أَيْ النَّاجِزَةِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَذْكُرْهُ) أَيْ الزُّهْدَ (قَوْلُهُ: مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ) أَيْ يَشُكُّ النَّاظِرُ فِي الْفَرْدَيْنِ الْمُتَفَاوِتَيْنِ فِيهِ بِأَشِدِّيَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا أَحَقِّيَّتُهُمَا وَاحِدَةٌ فَيَكُونَانِ مِنْ الْمُتَوَاطِئِ، أَوْ مُخْتَلِفَةٌ فَيَكُونَانِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ (قَوْلُهُ: أَوْ إتْمَامٍ) أَيْ بِأَنْ لَا يَكُونَ مُسَافِرًا قَاصِرًا (قَوْلُهُ: أَوْ عَدَالَةٍ) أَيْ زِيَادَتِهَا أَوْ أَصْلِهَا بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عَدْلًا وَالْآخَرُ فَاسِقًا (قَوْلُهُ: كَانَ أَوْلَى) وَتَقَدَّمَ عَنْ الْبُوَيْطِيِّ كَرَاهَةُ الِاقْتِدَاءِ بِالصَّبِيِّ لِلْخِلَافِ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ.
وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ هُنَا فَالْفَاسِقُ وَمَجْهُولُ النَّسَبِ يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمَا، وَيَنْبَغِي أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالْقَاصِرِ خِلَافُ الْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْأَخِيرَيْنِ) أَيْ الْأَسَنِّ وَالنَّسِيبِ (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ تَمَيَّزَ الْمَفْضُولُ مِمَّنْ ذَكَرَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمَنْ لَا يُعْرَفُ) أَيْ كَاللَّقِيطِ، وَمِثْلُ إمَامَتِهِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فَيُكْرَهُ (قَوْلُهُ: وَهِيَ مُصَوَّرَةٌ) أَيْ كَرَاهَةُ إمَامَةِ وَلَدُ الزِّنَا وَمَنْ لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ (قَوْلُهُ: فَلَا بَأْسَ) أَيْ فَلَا لَوْمَ فِي الِاقْتِدَاءِ، وَمَعْلُومٌ مِنْهُ نَفْيُ الْكَرَاهَةِ.
[فَائِدَةٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ أَسْلَمَ شَخْصٌ وَمَكَثَ مُدَّةً كَذَلِكَ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ شَخْصٌ آخَرُ ثُمَّ جَدَّدَ الْمُرْتَدُّ إسْلَامَهُ وَاجْتَمَعَا، فَهَلْ يُقَدَّمُ الْأَوَّلُ لِكَوْنِهِ أَسَنُّ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ يُقَدَّمُ الثَّانِي؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الظَّاهِرَ تَقْدِيمُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ أَبْطَلَتْ شَرَفَ الْإِسْلَامِ الْأَوَّلِ، وَمِنْ ثَمَّ لَا ثَوَابَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهِ، وَأَمَّا لَوْ أَسْلَمَا مَعًا فَهُمَا مُسْتَوِيَانِ (قَوْلُهُ: قُدِّمَ الشَّيْخُ) لَا يُنَافِي هَذَا مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِسِنٍّ
[حاشية الرشيدي]
عَلَيْهِ مِنْ حُسْنِ السِّيرَةِ وَالْعِفَّةِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ عِبَارَتُهُ تُوهِمُ إلَخْ) يَعْنِي لَفْظَ عِبَارَتِهِ فِي مُهِمَّاتِهِ، وَإِلَّا فَمَا هُوَ مَذْكُورٌ هُنَا لَا إبْهَامَ فِيهِ وَهُوَ مَنْقُولٌ بِالْمَعْنَى.
(قَوْلُهُ: أَوْ قَاصِرًا فِي سَفَرِهِ) أَيْ وَالْمَأْمُومُونَ مُتِمُّونَ، وَعَلَّلَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِالِاخْتِلَافِ بَيْنَ صَلَاتِهِمَا.
أَقُولُ: وَلِوُقُوعِ بَعْضِ صَلَاتِهِمْ مِنْ غَيْرِ جَمَاعَةٍ بِخِلَافِهَا خَلْفَ الْمُتِمِّ (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ) مَا ذَكَرَهُ هُنَا هُوَ جَمِيعُ مَفْهُومِ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَلَوْ تَمَيَّزَ الْمَفْضُولُ مِمَّنْ ذُكِرَ بِبُلُوغِ إلَخْ، فَالصَّوَابُ إسْقَاطُ لَفْظِ بَعْضٍ (قَوْلُهُ: أَوْ وَجَدَهُ قَدْ أَحْرَمَ) أَيْ فَالْكَرَاهَةُ إنَّمَا هِيَ فِي تَقَدُّمِهِ عَلَى غَيْرِهِ الَّذِي لَيْسَ مِثْلَهُ مَعَ حُضُورِهِ وَلَيْسَتْ رَاجِعَةً إلَى نَفْسِ إمَامَتِهِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْإِسْلَامِ) سَيَأْتِي أَنَّهُ يُقَدَّمُ بِكِبَرِ السِّنِّ أَخْذًا مِنْ الْخَبَرِ الْآتِي، فَلَعَلَّهُ إنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الْخِلَافِ (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» أَيْ بِالنَّظَرِ لِكَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ
مَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بِتَبَعِيَّتِهِ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ إسْلَامُهُ؛ لِأَنَّ فَضِيلَتَهُ فِي ذَاتِهِ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا كَانَ إسْلَامُهُ قَبْلَ بُلُوغِ مَنْ أَسْلَمَ تَبَعًا، أَمَّا بَعْدَهُ فَيَظْهَرُ تَقْدِيمُ التَّابِعِ.
وَالْمُرَادُ بِالنَّسِيبِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى قُرَيْشٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ كَالْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ فَيُقَدَّمُ الْهَاشِمِيُّ وَالْمُطَّلِبِيُّ ثُمَّ سَائِرُ قُرَيْشٍ ثُمَّ الْعَرَبِيُّ ثُمَّ الْعَجَمِيُّ، وَيُقَدَّمُ ابْنُ الْعَالِمِ أَوْ الصَّالِحِ عَلَى ابْنِ غَيْرِهِ.
وَتُعْتَبَرُ الْهِجْرَةُ أَيْضًا فَيُقَدَّمُ أَفْقَهُ فَأَقْرَأُ فَأَرْوَعُ فَأَقْدَمُ هِجْرَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِآبَائِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِالنِّسْبَةِ لِنَفْسِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَسَنُّ فَأَنْسَبُ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُنْتَسِبَ لِلْأَقْدَمِ هِجْرَةً مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُنْتَسِبِ لِقُرَيْشٍ مَثَلًا، وَأَنَّ ذِكْرَ النَّسَبِ لَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْأَقْدَمِ هِجْرَةً.
(فَإِنْ) (اسْتَوَيَا) فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا (فَنَظَافَةُ) الذِّكْرِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ: أَيْ حُسْنُهُ، ثُمَّ نَظَافَةُ (الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ) عَنْ الْأَوْسَاخِ (وَحُسْنُ الصَّوْتِ وَطِيبُ الصَّنْعَةِ وَنَحْوِهَا) لِإِفْضَاءِ النَّظَافَةِ إلَى اسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ وَكَثْرَةِ الْجَمْعِ، وَالْكَسْبِ كَالنَّظَافَةِ، فَمَنْ كَانَ كَسْبُهُ أَفْضَلَ أَوْ أَنْظَفَ قُدِّمَ بِهِ، وَلَوْ تَعَارَضَتْ الصِّفَاتُ بَعْدَ حُسْنِ الذِّكْرِ قُدِّمَ الْأَنْظَفُ ثَوْبًا ثُمَّ بَدَنًا ثُمَّ صَنْعَةً ثُمَّ الْأَحْسَنُ صَوْتًا فَصُورَةً، فَإِنْ اسْتَوَيَا وَتَشَاحَّا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَمَحَلُّ ذَلِكَ عِنْدَ فَقْدِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ أَوْ إسْقَاطِ حَقِّهِ لَلْأَوْلَى، وَإِلَّا قُدِّمَ الرَّاتِبُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَهُوَ مَنْ وَلَّاهُ النَّاظِرُ أَوْ كَانَ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ.
(وَمُسْتَحِقُّ الْمَنْفَعَةِ) يَعْنِي مَنْ جَازَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِمَحَلٍّ كَمَا أَشَارَتْ إلَيْهِ عِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ (بِمِلْكٍ) لَهُ (وَنَحْوِهِ) كَإِجَارَةٍ، وَإِعَارَةٍ وَوَقْفٍ وَوَصِيَّةٍ، وَإِذْنِ سَيِّدٍ
[حاشية الشبراملسي]
فِي غَيْرِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ مَحَلُّهُ فِيمَا لَوْ عَارَضَتْهُ صِفَةٌ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ، وَمَا هُنَا مَفْرُوضٌ فِي اسْتِوَائِهِمَا فِي الصِّفَاتِ كُلِّهَا، فَالشَّيْخُوخَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُقْتَضِيَةٌ لِلتَّرْجِيحِ (قَوْلُهُ: إلَى قُرَيْشٍ أَوْ غَيْرُهُ) أَيْ قُرَيْشٌ، وَأَفْرَدَ الصَّمِيرَ لِكَوْنِ قُرَيْشٍ اسْمًا لِلْجَدِّ الَّذِي تُنْسَبُ إلَيْهِ الْقَبِيلَةُ (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْعَرَبِيُّ) أَيْ ثُمَّ بَاقِي الْعَرَبِ (قَوْلُهُ: وَيُقَدَّمُ ابْنُ الْعَالِمِ) أَيْ بَعْدَ الِاسْتِوَاءِ فِيمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: فَنَظَافَةُ الذِّكْرِ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَصِفْهُ مِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ عَدَاوَتَهُ بِنَقْصٍ يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ فِيمَا يَظْهَرُ اهـ حَجّ.
فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ، وَمَنْ وُصِفَ بِخَارِمِ الْمُرُوءَةِ (قَوْلُهُ: وَحُسْنُ الصَّوْتِ) أَيْ وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ سَرِيَّةً كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُ، وَالْمُرَادُ هُنَا بَيَانُ الصِّفَاتِ الْفَاضِلَةِ وَأَمَّا التَّرْتِيبُ بَيْنَهَا فَسَيَأْتِي (قَوْلُهُ: قُدِّمَ الْأَنْظَفُ ثَوْبًا) زَادَ حَجّ فَوَجْهًا (قَوْلُهُ: فَصُورَةُ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالصُّورَةِ سَلَامَتُهُ فِي بَدَنِهِ مِنْ آفَةٍ تَنْقُصُهُ كَعَرَجٍ وَشَلَلٍ لِبَعْضِ أَعْضَائِهِ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: عَرَجَ فِي مَشْيِهِ عَرَجًا مِنْ بَابِ تَعِبَ إذَا كَانَ مِنْ عِلَّةٍ لَازِمَةٍ فَهُوَ أَعْرُجُ، وَالْمَرْأَةُ عَرْجَاءُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ عِلَّةٍ غَيْرِ لَازِمَةٍ بَلْ مِنْ شَيْءٍ أَصَابَهُ حَتَّى غَمَزَ فِي مَشْيِهِ قِيلَ عَرَجَ يَعْرُجُ مِنْ بَابِ قَتَلَ يَقْتُلُ فَهُوَ عَارِجٌ.
(قَوْلُهُ: أَقُرِعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ حَيْثُ اجْتَمَعَا فِي مَحَلٍّ مُبَاحٍ أَوْ كَانَا مُشْتَرَكَيْنِ فِي الْإِمَامَةِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي مَمْلُوكٍ وَتَنَازَعَا لَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا بَلْ يُصَلِّي كُلٌّ مُنْفَرِدًا (قَوْلُهُ: أَوْ إسْقَاطِ حَقِّهِ لِلْأَوْلَى) أَيْ فَلَوْ عَنَّ لَهُ الرُّجُوعُ رَجَعَ قَبْلَ دُخُولِ مَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا قُدِّمَ الرَّاتِبُ) أَيْ وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ عَيَّنَ شَخْصًا بَدَلَهُ لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَتَهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ وَلَّاهُ النَّاظِرُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ اتِّفَاقِ أَهْلِ مَحَلَّةٍ عَلَى إمَامٍ يُصَلِّي بِهِمْ مِنْ غَيْرِ نَصْبِ النَّاظِرِ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي ذَلِكَ فَيُقَدَّمُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ، لَكِنْ فِي الْإِيعَابِ خِلَافُهُ.
وَعِبَارَتُهُ: فَرْعٌ: فِي الْكِفَايَةِ وَالْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهِمَا تَبَعًا لِلْمَاوَرْدِيِّ مَا حَاصِلُهُ تَحْصُلُ وَظِيفَةُ إمَامِ غَيْرِ الْجَامِعِ مِنْ مَسَاجِدِ الْمَحَالِّ وَالْعَشَائِرِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ لِآبَائِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهِجْرَةِ آبَائِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: أَوْ صُورَةً) فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ فَصُورَةٌ وَهِيَ الْمُوَافَقَةُ لِمَا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: مَنْ وَلَّاهُ النَّاظِرُ) أَيْ وَلَوْ عَامًّا كَالْحَاكِمِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي مَنْ جَازَ لَهُ الِانْتِفَاعُ) إنَّمَا حُمِلَ الْمَتْنُ عَلَى هَذَا الْمَحْمَلِ الْمُحْوِجِ إلَى قَوْلِهِ الْآتِي فِي تَفْسِيرِ ضَمِيرِ يَكُنْ بِالْمُسْتَحِقِّ لِلْمَنْفَعَةِ حَقِيقَةً، وَلَمْ يَبْقَ الْمَتْنُ عَلَى ظَاهِرِهِ لِيُسْتَغْنَى عَمَّا يَأْتِي لِتَرْجِعَ
(أَوْلَى) بِالْإِمَامَةِ فِيمَا سَكَنَهُ بِحَقٍّ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ تَمَيَّزَ بِسَائِرِ مَا مَرَّ فَيَؤُمُّهُمْ إنْ كَانَ أَهْلًا (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْمُسْتَحِقُّ لِلْمَنْفَعَةِ حَقِيقَةً، وَهُوَ مَا سِوَى الْمُسْتَعِيرِ لِعَدَمِ جَوَازِ الْإِنَابَةِ إلَّا لِمَنْ لَهُ الْإِعَارَةُ، وَالْمُسْتَعِيرُ مِنْ الْمَالِكِ لَا يُعِيرُ، وَكَذَا الْقِنُّ الْمَذْكُورُ سَوَاءٌ أَكَانَ السَّيِّدُ وَالْمُعِيرُ حَاضِرًا أَمْ غَائِبًا (أَهْلًا) لِلْإِمَامَةِ كَمَا مَرَّ كَامْرَأَةٍ لِرِجَالٍ أَوْ لِلصَّلَاةِ كَكَافِرٍ، وَإِنْ تَمَيَّزَ سَائِرُ مَا مَرَّ (فَلَهُ) اسْتِحْبَابًا حَيْثُ كَانَ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ (التَّقْدِيمُ) لِأَهْلٍ يَؤُمُّهُمْ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد «فِي بَيْتِهِ وَلَا فِي سُلْطَانِهِ» . أَمَّا الْمَحْجُورُ عِنْدَ دُخُولِهِمْ مَنْزِلَهُ لِمَصْلَحَتِهِ، وَكَانَ زَمَنُهَا بِقَدْرِ زَمَنِ الْجَمَاعَةِ فَالْمَرْجِعُ لِإِذْنِ وَلِيِّهِ، فَإِنْ أَذِنَ لِوَاحِدٍ تَقَدَّمَ، وَإِلَّا صَلُّوا فُرَادَى.
(وَيُقَدَّمُ) السَّيِّدُ (عَلَى عَبْدِهِ السَّاكِنِ) بِمِلْكِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُمَا مِلْكُهُ أَوْ مِلْكُ غَيْرِهِ، إذْ الْمُسْتَعِيرُ السَّيِّدُ حَقِيقَةً (لَا) عَلَى (مُكَاتَبِهِ فِي مِلْكِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ: يَعْنِي فِيمَا اُسْتُحِقَّ مَنْفَعَتُهُ وَلَوْ بِنَحْوِ إجَازَةٍ أَوْ إعَارَةٍ مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ بِقَرِينَةِ مَا مَرَّ فَلَا يُقَدَّمُ سَيِّدُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُ، وَيُؤْخَذُ
[حاشية الشبراملسي]
وَالْأَسْوَاقِ بِنَصْبِ الْإِمَامِ شَخْصًا أَوْ بِنَصْبِ شَخْصٍ نَفْسَهُ لَهَا بِرِضَا جَمَاعَتِهِ بِأَنْ يَتَقَدَّمَ بِغَيْرِ إذْنٍ لِلْإِمَامِ وَيَؤُمَّ بِهِمْ، فَإِذَا عَرَفَ بِهِ وَرَضِيَتْ جَمَاعَةُ ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِإِمَامَتِهِ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَتَحْصُلُ فِي الْجَامِعِ وَالْمَسْجِدِ الْكَبِيرِ أَوْ الَّذِي فِي الشَّارِعِ بِتَوْلِيَةِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْأُمُورِ الْعِظَامِ فَاخْتَصَّتْ بِنَظَرِهِ، فَإِنْ فُقِدَ فَمَنْ رَضِيَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ: أَيْ أَكْثَرُهُمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا سِوَى الْمُسْتَعِيرِ) أَيْ فَإِنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَا يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ وَلَا يَسْتَحِقُّهَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: بَلْ وَلَا الِانْتِفَاعَ حَقِيقَةً.
اهـ. وَأَمَّا الْعَبْدُ فَظَاهِرٌ.
أَقُولُ: لَوْ قُرِئَ وَنَحْوُهُ بِالرَّفْعِ اتَّضَحَ شُمُولُ عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ لِذَلِكَ وَاسْتَغْنَى عَنْ الْمِثَالِ الَّذِي تَكَلَّفَهُ الْإِسْنَوِيُّ اهـ عَمِيرَةُ.
وَالْمِثَالُ الْمَذْكُورُ هُوَ قَوْلُهُ: مَثَّلَ لَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِالْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ (قَوْلُهُ: وَالْمُسْتَعِيرُ مِنْ الْمَالِكِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَمَيَّزَ) أَيْ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا (قَوْلُهُ: فَلَهُ التَّقْدِيمُ) أَيْ فَلَوْ تَقَدَّمَ وَاحِدٌ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ وَلَا ظَنِّ رِضَاهُ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَلَّقُ غَرَضُهُ بِوَاحِدٍ بِخُصُوصِهِ فَلَوْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى عَدَمِ تَعَلُّقِ غَرَضِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بَلْ أَرَادَ الصَّلَاةَ، وَأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ شَاءُوا فَلَا حُرْمَةَ (قَوْلُهُ: لِأَهْلٍ يَؤُمُّهُمْ) أَيْ وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا، وَعَلَيْهِ فَلَوْ قَالَ لِجَمْعٍ لِيَتَقَدَّمَ وَاحِدٌ مِنْكُمْ فَهَلْ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ أَوْ يُقَدَّمُ أَفْضَلُهُمْ أَوْ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا لِعُمُومِ الْإِذْنِ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَلَعَلَّ الثَّانِيَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ لِوَاحِدٍ مُبْهَمٌ تَضَمَّنَ إسْقَاطَ حَقِّهِ، وَحَيْثُ سَقَطَ حَقُّهُ كَانَ الْأَفْضَلُ أَوْلَى، فَلَوْ تَقَدَّمَ غَيْرُهُ لَمْ يَحْرُمْ مَا لَمْ تَدُلَّ الْقَرِينَةُ عَلَى طَلَبٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا مَرَّ فَتَنَبَّهْ لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا صَلُّوا فُرَادَى) أَيْ ثُمَّ إنْ كَانُوا قَاصِدِينَ أَنَّهُمْ لَوْ تَمَكَّنُوا مِنْ الْجَمَاعَةِ فَعَلُوهَا كُتِبَ لَهُمْ ثَوَابُ الْقَصْدِ عَلَى مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا صَلُّوا فُرَادَى) قَالَ حَجّ: قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالصَّيْمَرِيُّ وَنَظَرَ فِيهِ الْقَمُولِيُّ وَكَأَنَّهُ لَمَحَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ حَقًّا مَالِيًّا حَتَّى يَنُوبَ الْوَلِيُّ عَنْهُ فِيهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ الْمِلْكُ فَهُوَ تَابِعُ حُقُوقِهِ، وَلِلْوَلِيِّ دَخْلٌ فِيهَا.
(قَوْلُهُ: لَا مُكَاتَبِهِ) أَيْ كِتَابَةً صَحِيحَةً؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ بِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ) أَيْ
[حاشية الرشيدي]
عِبَارَتُهُ إلَى عِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَلَيْهِ إهْمَالُ شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا سِوَى الْمُسْتَعِيرِ) أَيْ أَمَّا الْمُسْتَعِيرُ فَلَيْسَ لَهُ التَّقْدِيمُ: أَيْ وَالصُّورَةُ أَنَّهُ غَيْرُ أَهْلٍ كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَتْنِ، وَسَكَتَ عَمَّا إذَا كَانَ أَهْلًا وَالْعِلَّةُ تَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْتَعِيرِ الْأَهْلِ وَغَيْرِ الْأَهْلِ فِي عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ التَّقْدِيمَ، لَكِنْ يُنَافِيهِ مَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِ الشَّرِيكَيْنِ إلَخْ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِهِ مَعَ الشَّرِيكِ الْآخَرِ عِنْدَ غَيْبَةِ مُعِيرِهِ، فَلَعَلَّ مَا اقْتَضَاهُ التَّعْلِيلُ هُنَا غَيْرُ مُرَادٍ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَكَانَ زَمَنُهَا بِقَدْرِ زَمَنِ الْجَمَاعَةِ) فِيهِ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ إذَا صَرَفُوا هَذَا الزَّمَنَ لِلْجَمَاعَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ الْمُكْثُ بَعْدُ لِلْمَصْلَحَةِ لِمُضِيِّ زَمَنِهَا وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعْطِيلُهَا