(قَوْلُهُ: وَفِيهَا لُغَةٌ) يُشْعِرُ تَعْبِيرُهُ بِمَا ذَكَرَ بِقِلَّتِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلتَّخْفِيفِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ اسْمٌ لِمَا يُعَارُ) أَيْ شَرْعًا (قَوْلُهُ: وَلِلْعَقْدِ) أَيْ فَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْأَثَرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَعَدَمِ الضَّمَانِ وَهَذَا مَوْرِدُ الْفَسْخِ وَالِانْفِسَاخِ كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ (قَوْلُهُ: وَمِنْ التَّعَاوُرِ) أَيْ وَمَأْخُوذَةٌ أَيْضًا مِنْ التَّعَاوُرِ فَمَأْخَذُهَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: وَهِيَ وَاوِيَّةٌ) هَذَا بِمُجَرَّدِهِ لَا يَمْنَعُ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُدْخِلُونَ بَنَاتِ الْيَاءِ عَلَى بَنَاتِ الْوَاوِ كَمَا فِي الْبَيْعِ مِنْ مَدِّ الْبَاعِ مَعَ أَنَّ الْبَيْعَ يَائِيٌّ وَالْبَاعَ وَاوِيٌّ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا يَسْتَعِيرُهُ الْجِيرَانُ بَعْضُهُمْ) فَسَّرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ بِالزَّكَاةِ، وَحَكَى مَا قَالَهُ الشَّارِحُ بِقِيلَ (قَوْلُهُ: وَدِرْعًا مِنْ صَفْوَانَ) أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَ وَإِلَّا فَالْمَأْخُوذَةُ مِنْ صَفْوَانَ مِائَةُ دِرْعٍ (قَوْلُهُ: وَكَانَتْ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَاجِبَةً) أَيْ لِلْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَقَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهَا قَدْ تُبَاحُ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: وَقَدْ تُصَوَّرُ الْإِبَاحَةُ بِإِعَارَةِ مَنْ لَا حَاجَةَ لَهُ بِالْمُعَارِ بِوَجْهٍ (قَوْلُهُ: لِدَفْعِ مُؤْذٍ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّ الْأَذَى، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِأَذًى لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً أَوْ يُبِيحُ مَحْذُورَ تَيَمُّمٍ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي عَنْ الأذرعي فِي قَوْلِهِ كُلُّ مَا فِيهِ إحْيَاءُ مُهْجَةٍ (قَوْلُهُ: أَوْ ثَوْبٍ تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَلَى مَا مَرَّ) عِبَارَةُ الشَّارِحِ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ فَإِنْ جَهِلَ الْفَاتِحَةَ إلَخْ نَصُّهَا: حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ بِالْبَلَدِ إلَّا مُصْحَفٌ وَاحِدٌ وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْ التَّعَلُّمُ إلَّا مِنْهُ لَمْ يَلْزَمْ مَالِكَهُ إعَارَتُهُ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بِالْبَلَدِ إلَّا مُعَلِّمٌ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّعْلِيمُ إلَّا بِأُجْرَةٍ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ كَمَا لَوْ احْتَاجَ إلَى السُّتْرَةِ أَوْ الْوُضُوءِ وَمَعَ غَيْرِهِ ثَوْبٌ أَوْ مَاءٌ فَيَنْتَقِلُ إلَى الْبَلَدِ اهـ.
وَحَمَلَ
[حاشية الرشيدي]
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ (قَوْلُهُ: لِإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِهِ) كَذَا فِي نُسَخِ الشَّارِحِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ؛ لِإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِمَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ، فَلَعَلَّ قَوْلَهُ بِمَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ سَقَطَ مِنْ نُسَّاخِ الشَّارِحِ؛ لِانْتِقَالِ النَّظَرِ مِنْ الِانْتِفَاعِ إلَى الِانْتِفَاعِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْعُبَابِ) الَّذِي فِي الْعُبَابِ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَكَذَلِكَ الْكِفَايَةُ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهَا غَيْرُ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُصْحَفِ أَوْ الثَّوْبِ
إعَارَةِ كُلِّ مَا فِيهِ إحْيَاءُ مُهْجَةٍ مُحْتَرَمَةٍ لَا أُجْرَةَ لِمِثْلِهِ، وَكَذَا إعَارَةُ سِكِّينٍ لِذَبْحِ مَأْكُولٍ يُخْشَى مَوْتُهُ وَكَإِعَارَةِ مَا كَتَبَ بِنَفْسِهِ أَوْ مَأْذُونِهِ فِيهِ سَمَاعُ غَيْرِهِ أَوْ رِوَايَتُهُ لِيَنْسَخَهُ مِنْهُ كَمَا صَوَّبَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَتَحْرُمُ كَإِعَارَةِ غَيْرِ صَغِيرَةٍ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وَتُكْرَهُ كَإِعَارَةِ مُسْلِمٍ لِكَافِرِ، وَلَهَا أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: مُعِيرٌ، وَمُسْتَعِيرٌ، وَمُعَارٌ، وَصِيغَةٌ.
(شَرْطُ الْمُعِيرِ) الِاخْتِيَارُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ بَابِ الطَّلَاقِ فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ مُكْرَهٍ، وَ (صِحَّةُ تَبَرُّعِهِ) بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْجُورٍ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بِالْمَنَافِعِ فَلَا يَصِحُّ إعَارَةُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، وَيَصِحُّ إعَارَةُ السَّفِيهِ لِبَدَنِ نَفْسِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ مَقْصُودًا لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بِمَالِهِ، وَلَا حَاجَةَ فِي الْحَقِيقَةِ إلَى اسْتِثْنَائِهِ لِأَنَّ بَدَنَهُ فِي يَدِهِ فَلَا عَارِيَّةَ، وَكَذَا لِلْمُفْلِسِ إعَارَةُ عَيْنٍ زَمَنًا لَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ، وَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ مُكَاتَبٍ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ إلَّا فِي نَظِيرِ مَا مَرَّ فِي الْمُفْلِسِ فِيمَا يَظْهَرُ.
وَيُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَعِيرِ أَيْضًا فَلَا تَصِحُّ اسْتِعَارَةُ مَحْجُورٍ وَلَوْ سَفِيهًا وَلَا اسْتِعَارَةُ وَلِيِّهِ لَهُ إلَّا إنْ انْتَفَى الضَّمَانُ كَأَنْ اسْتَعَارَ مِنْ نَحْوِ مُسْتَأْجِرٍ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا، وَتَعْيِينُهُ، فَلَوْ فَرَشَ بِسَاطَهُ لِمَنْ لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَارِيَّةً بَلْ مُجَرَّدَ إبَاحَةٍ (وَمِلْكُهُ لِلْمَنْفَعَةِ) وَلَوْ لَمْ
[حاشية الشبراملسي]
حَجّ الْوُجُوبَ عَلَى مَا إذَا أَعَارَ ذَلِكَ زَمَنًا لَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ (قَوْلُهُ: وَكَذَا إعَارَةُ سِكِّينٍ لِذَبْحِ مَأْكُولٍ) لَا يُنَافِي وُجُوبَ الْإِعَارَةِ هُنَا أَنَّ الْمَالِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ إضَاعَةُ مَالٍ لِأَنَّهَا بِالتَّرْكِ هُنَا، وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ لِأَنَّ عَدَمَ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ لَا يُنَافِي وُجُوبَ اسْتِعَارَتِهِ إذَا أَرَادَ حِفْظَ مَالِهِ كَمَا يَجِبُ الِاسْتِيدَاعُ إذَا تَعَيَّنَ لِلْحِفْظِ وَإِنْ جَازَ لِلْمَالِكِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ إلَى التَّلَفِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَإِنْ تَوَهَّمَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ الْمُنَافَاةَ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: لِيَنْسَخَهُ) أَيْ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ: كَإِعَارَةِ غَيْرِ صَغِيرَةٍ) وَكَالصَّغِيرَةِ الْقَبِيحَةُ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: مِنْ أَجْنَبِيٍّ) أَيْ مَعَ فَسَادِهَا، وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَقْسَامِ الْعَارِيَّةِ الصَّحِيحَةِ، فَالْأَوْلَى التَّمْثِيلُ لَهُ بِإِعَارَةِ خَيْلٍ وَسِلَاحٍ لِحَرْبِيٍّ عَلَى مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: كَإِعَارَةِ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ) لِيَخْدُمَهُ اهـ حَجّ.
(قَوْلُهُ: فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ مُكْرَهٍ) أَيْ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَمَّا بِهِ كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إعَارَةٍ وَاجِبَةٍ فَتَصِحُّ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ بَدَنَهُ فِي يَدِهِ فَلَا عَارِيَّةَ) قَدْ يُشْكِلُ بِمَا يَأْتِي فِيمَا لَوْ رُكِّبَ مُنْقَطِعًا مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَارِيَّةِ كَوْنُ الْمُعَارِ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ، بَلْ حُكْمُ الْعَارِيَّةِ ثَابِتٌ لَهُ وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُعِيرِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ سَأَلَ شَخْصٌ صَاحِبَ الدَّابَّةِ فِي حَمْلِ مَتَاعٍ لَهُ عَلَى دَابَّتِهِ فَحَمَلَهُ عَلَيْهَا كَانَ إعَارَةً لَهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَهَا السَّائِلُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: السَّفِيهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَحْتَ يَدِ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ حُرًّا بِخِلَافِ الدَّابَّةِ فَكَأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا لِلْمُفْلِسِ إعَارَةُ عَيْنٍ إلَخْ) هَلَّا قِيلَ بِالِامْتِنَاعِ مُطْلَقًا فِيهِ وَفِي الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهَا قَدْ تَتْلَفُ فَتَفُوتُ عَلَى الْغُرَمَاءِ وَعَلَى السَّيِّدِ وَلَوْ قِيلَ بِذَلِكَ لَكَانَ وَجِيهًا (قَوْلُهُ: إلَّا فِي نَظِيرِ مَا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ زَمَنًا لَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ سَفِيهًا) أَيْ بِأَنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، أَمَّا الْمُفْلِسُ فَتَصِحُّ اسْتِعَارَتُهُ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لَهَا عَلَى الْغُرَمَاءِ لِأَنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ تَلَفًا مُضَمَّنًا لَا يُزَاحِمُ الْمُعِيرُ الْغُرَمَاءَ بِبَدَلِهَا (قَوْلُهُ: إلَّا إنْ انْتَفَى الضَّمَانُ) أَيْ أَوْ لِضَرُورَةٍ كَبَرْدٍ مُهْلِكٍ فِيمَا يَظْهَرُ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ) أَيْ الْمُسْتَعِيرُ (قَوْلُهُ: وَتَعْيِينُهُ) أَيْ الْمُسْتَعِيرِ، وَقَوْلُهُ بَلْ مُجَرَّدُ إبَاحَةٍ، وَلَوْ أَرْسَلَ صَبِيًّا لِيَسْتَعِيرَ لَهُ شَيْئًا لَمْ يَصِحَّ، فَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ هُوَ وَلَا مُرْسِلُهُ: أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي يَدِهِ كَذَا فِي الْجَوَاهِرِ، وَنَظَرَ غَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ، وَالنَّظَرُ وَاضِحٌ إذْ الْإِعَارَةُ مِمَّنْ عَلِمَ أَنَّهُ رَسُولٌ لَا تَقْتَضِي تَسْلِيطَهُ عَلَى الْإِتْلَافِ فَلْيُحْمَلْ ذَلِكَ: أَيْ عَدَمُ الضَّمَانِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ رَسُولٌ اهـ حَجّ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلَهُ فَلْيُحْمَلْ ذَلِكَ إلَخْ، أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّ الْإِعَارَةَ لَا تَقْتَضِي تَسْلِيطَ الْمُسْتَعِيرِ عَلَى الْإِتْلَافِ: أَيْ فَيَضْمَنُ فِيهِ إلَّا فِي التَّلَفِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا تَقْتَضِي الْمُسَامَحَةَ بِالتَّلَفِ بِوَاسِطَةِ الِاسْتِعْمَالِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لَا أُجْرَةَ لِمِثْلِهِ) أَمَّا الَّذِي لِمِثْلِهِ أُجْرَةٌ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ وَاجِبٌ أَيْضًا لَكِنْ لَا بِالْعَارِيَّةِ بَلْ بِالْأُجْرَةِ
(قَوْلُهُ: فَلَا عَارِيَّةَ) فِيهِ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ اغْسِلْ ثَوْبِي كَانَ اسْتِعَارَةً لِبَدَنِهِ
يَمْلِكْ الرَّقَبَةَ، إذْ الْإِعَارَةُ إنَّمَا تُرَدُّ عَلَى الْمَنْفَعَةِ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْأَذْرَعِيُّ امْتِنَاعَ إعَارَةِ فَقِيهٍ أَوْ صُوفِيٍّ سَكَنُهُمَا فِي مَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ لِأَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ الِانْتِفَاعَ لَا الْمَنْفَعَةَ.
وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى عَارِيَّةً حَقِيقَةً، فَإِنْ أَرَادَ حُرْمَتَهُ فَمَمْنُوعٌ حَيْثُ لَمْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ عَلَى شَيْءٍ وَلَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِهِ عَادَةٌ مُطَّرِدَةٌ بِمَنْعِ ذَلِكَ، وَيَلْحَقُ بِمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ اخْتِصَاصُهُ بِهَا لِمَا سَيَذْكُرُهُ فِي الْأُضْحِيَّةِ مِنْ جَوَازِ إعَارَةِ أُضْحِيَّةٍ أَوْ هَدْيٍ نَذَرَهُ مَعَ خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ، وَمِثْلُهُ إعَارَةُ كَلْبٍ لِصَيْدٍ وَأَبٍ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَمَجْنُونٍ وَسَفِيهٍ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ بَحْثًا إذَا كَانَ الزَّمَنُ غَيْرَ مُقَابِلٍ بِأُجْرَةٍ وَلَا يَضُرُّ بِهِ لِجَوَازِ اسْتِخْدَامِهِ فِي ذَلِكَ حِينَئِذٍ، وَأَطْلَقَ الرُّويَانِيُّ حِلَّ إعَارَتِهِ لِخِدْمَةِ مَنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ لِقِصَّةِ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحِ.
وَظَاهِرٌ أَنَّ تَسْمِيَةَ مِثْلِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَارِيَّةً فِيهِ نَوْعُ تَجَوُّزٍ، وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ بِإِعَارَةِ الْإِمَامِ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ التَّمْلِيكُ
[حاشية الشبراملسي]
الْمَأْذُونِ فِيهِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَقْتَضِ التَّسْلِيطَ بِالْإِتْلَافِ لَكِنَّهَا اقْتَضَتْهُ بِالتَّسْلِيطِ عَلَى الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ بِوُجُوهِ الِانْتِفَاعِ الْمُعْتَادِ فَأَشْبَهَتْ الْمَبِيعَ، وَقَدْ صَرَّحُوا فِيهِ بِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ مِنْ السَّفِيهِ لَا يَضْمَنُهُ إذَا أَتْلَفَهُ (قَوْلُهُ: مِنْ جَوَازِ إعَارَةِ أُضْحِيَّةٍ أَوْ هَدْيٍ) لَوْ تَلِفَ ضَمِنَهُ الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَلَيْسَ لَنَا مُعِيرٌ يَضْمَنُ إلَّا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، وَمُرَادُهُ إنْ كَانَ طَرِيقٌ فِي الضَّمَانِ وَأَنَّ الْقَرَارَ عَلَى مَنْ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ (قَوْلُهُ: لِجَوَازِ اسْتِخْدَامِهِ فِي ذَلِكَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَبِ اسْتِخْدَامُ وَلَدِهِ فِيمَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ أَوْ كَانَ يَضُرُّهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الثَّانِي، وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ فِي الْأَوَّلِ بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ الْمُعَلِّمِ الْآتِي، وَبِتَسْلِيمِ الْأَوَّلِ فَيَنْبَغِي لِلْأَبِ إذَا اسْتَخْدَمَ مَنْ ذَكَرَ أَنْ يَحْسِبَ أُجْرَةَ مِثْلِهِ مُدَّةَ اسْتِخْدَامِهِ ثُمَّ يُمَلِّكَهَا لَهُ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَصْرِفَهَا عَلَيْهِ فِيمَا يَحْتَاجُهُ مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ.
وَمِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى أَنْ يَمُوتَ إنْسَانٌ وَيَتْرُكَ أَوْلَادًا صِغَارًا فَتَتَوَلَّى أُمُّهُمْ أَمَرَهُمْ بِلَا وِصَايَةٍ، أَوْ كَبِيرُ الْإِخْوَةِ أَوْ عَمٌّ لَهُمْ مَثَلًا وَيَسْتَخْدِمُونَهُ م فِي رَعْيِ دَوَابَّ إمَّا لَهُمْ أَوْ لِغَيْرِهِمْ.
وَالْقِيَاسُ وُجُوبُ الْأُجْرَةِ عَلَى مَنْ اسْتَخْدَمَهُمْ سَوَاءٌ كَانَ أَجْنَبِيًّا أَوْ قَرِيبًا، وَلَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ بِقَبْضِ الْأُمِّ أَوْ كَبِيرِ الْإِخْوَةِ أَوْ نَحْوِهِمَا حَيْثُ لَا وِصَايَةَ وَلَا وِلَايَةَ مِنْ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ الرُّويَانِيُّ حِلَّ إعَارَتِهِ) أَيْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، وَقَوْلُهُ لِخِدْمَتِهِ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ أَمْ لَا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لَهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى الْفَقِيهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ كُلِّهِ إذَا أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ أَمَّا إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ أَوْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى عَدَمِ رِضَاهُ بِذَلِكَ أَوْ كَانَ اسْتِخْدَامُهُ يُعَدُّ إزْرَاءً بِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ، وَبَقِيَ مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ أَنَّ الْمُعَلِّمَ يَأْمُرُ بَعْضَ مَنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ بِتَعْلِيمِ بَعْضٍ آخَرَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لِلْوَلَدِ بِإِتْقَانِهِ لِلصَّنْعَةِ بِتَكْرَارِهَا أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ كَانَ الْأَبُ هُوَ الْمُعَلِّمَ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ بِإِعَارَةٍ)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَأَخَذَ مِنْهُ الْأَذْرَعِيُّ امْتِنَاعَ إعَارَةِ فَقِيهٍ إلَخْ) إنْ كَانَتْ الصُّورَةُ أَنَّهُ أَعَارَ لِمُسْتَحِقِّ السُّكْنَى فِي الْمَدْرَسَةِ، أَوْ الرِّبَاطِ فَلَا يُتَّجَهُ إلَّا الْجَوَازُ، لَكِنْ هَذَا لَيْسَ عَارِيَّةً وَإِنَّمَا هُوَ إسْقَاطُ حَقٍّ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ، وَإِنْ كَانَتْ الصُّورَةُ أَنَّهُ أَعَارَ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ فَلَا يُتَّجَهُ إلَّا الْمَنْعُ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْأَذْرَعِيِّ فَلَمْ يَتَوَارَدْ مَعَهُ الشَّارِحُ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الصُّورَةَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّ الْفَقِيهَ أَوْ الصُّوفِيَّ يَخْرُجُ مِنْ السَّكَنِ الْمَذْكُورِ وَيُعِيرُهُ لِغَيْرِهِ.
أَمَّا كَوْنُهُ يَدْخُلُ عِنْدَهُ نَحْوُ ضَيْفٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِهِ، ثُمَّ رَأَيْت عِبَارَةَ الْأَذْرَعِيِّ وَنَصَّهَا: قَوْلُهُ: أَيْ الْمُصَنِّفُ وَمِلْكُهُ الْمَنْفَعَةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَصِحُّ إعَارَةُ الصُّوفِيِّ، وَالْفَقِيهِ سَكَنَهُمَا بِالرِّبَاطِ وَالْمَدْرَسَةِ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ فِي مَعْنَاهُمَا؛ لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ الِانْتِفَاعَ لَا الْمَنْفَعَةَ انْتَهَتْ.
وَهُوَ كَمَا تَرَى لَمْ يُثْبِتْ حُكْمًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ حَتَّى يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ قَوْلُ الشَّارِحِ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ إلَخْ، وَأَيْضًا إذَا كَانَتْ عِبَارَتُهُ لَا تَصِحُّ إعَارَةُ الصُّوفِيِّ إلَخْ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَأَبٌ لِابْنِهِ) أَيْ وَأَنْ يُعِيرَ الْأَبُ ابْنَهُ لِلْغَيْرِ
فَالْإِعَارَةُ أَوْلَى مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَهُوَ إيصَالُ حَقٍّ لِمُسْتَحِقِّهِ فَلَا يُسَمَّى عَارِيَّةً، أَوْ لِمَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْإِمَامَ فِيهِ كَالْوَلِيِّ فِي مَالِ مُوَلِّيهِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ لَهُ إعَارَةُ شَيْءٍ مِنْهُ مُطْلَقًا.
وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الصَّوَابُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَدَمَ صِحَّةِ بَيْعِهِ لِقِنِّ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ عَقْدُ عَتَاقَةٍ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ وَلَوْ بِعِوَضٍ كَالْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِبَعْضِ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ بِبَعْضٍ آخَرَ لِمِلْكِهِ أَكْسَابَهُ لَوْلَا الْبَيْعُ، وَلِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ مَا بَاعَهُ قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ، وَهَذَا مِثْلُهُ لِأَنَّ الْقِنَّ قَبْلَ الْعِتْقِ لَا مِلْكَ لَهُ وَبَعْدَهُ قَدْ يَحْصُلُ وَقَدْ لَا، فَالْمَصْلَحَةُ مُنْتَفِيَةٌ فِي ذَلِكَ لِبَيْتِ الْمَالِ رَأْسًا، وَأَخَذَ مِنْ ذَلِكَ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ عَدَمَ وُجُوبِ مُرَاعَاةِ شُرُوطِ أَوْقَافِ الْأَتْرَاكِ لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُمْ أَرِقَّاءٌ لَهُ، فَمَنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ حَلَّتْ لَهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَصَلَتْ إلَيْهِ، وَمَنْ لَا حَقَّ لَهُ لَا يَحِلُّ لَهُ مُطْلَقًا اهـ.
وَالْأَوْجَهُ اتِّبَاعُ شُرُوطِهِمْ حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ رِقُّهُمْ، وَفَعَلُوا ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ فِي نَظَرِهِمْ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُمْ فِي ذَلِكَ لِإِخْرَاجِهِمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَشْبِيهِ الْإِمَامِ بِالْوَلِيِّ إعْطَاؤُهُ أَحْكَامَهُ مِنْ سَائِرِ أَوْجُهِهِ، وَقِيَاسُ ذَلِكَ عَلَى إعْتَاقِ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ مَمْنُوعٌ (فَيُعِيرُ مُسْتَأْجِرٌ) إجَارَةً صَحِيحَةً لِمِلْكِهِ الْمَنْفَعَةَ وَمُوصًى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَحْرِيرُهُ فِي بَابِهِ وَمَوْقُوفٌ عَلَيْهِ لَمْ يَشْرُطْ الْوَاقِفُ اسْتِيفَاءَهُ بِنَفْسِهِ لَكِنْ بِإِذْنِ النَّاظِرِ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (لَا مُسْتَعِيرٌ) بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الِانْتِفَاعُ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُؤَجِّرْ وَلَمْ تَبْطُلْ عَارِيَّتُهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ لَهُ فِيهَا وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ ضَمَانِهَا إنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الثَّانِيَ كَمَا أَفَادَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَالثَّانِي: يُعِيرُ كَمَا أَنَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤَجِّرَ (وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ لَهُ) كَأَنْ يَرْكَبَ مِثْلُهُ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ بِجَوَازِ إعَارَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ لَا يَجُوزُ لَهُ إعَارَةُ شَيْءٍ مِنْهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَا أَعَارَهُ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: مِنْ نَفْسِهِ) أَيْ الْقِنِّ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ) أَيْ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ) مِنْهُمْ حَجّ فِي شَرْحِهِ (قَوْلُهُ: مِنْ سَائِرِ أَوْجُهِهِ) يَظْهَرُ مِنْ هَذَا اعْتِرَاضُ مَا رَدَّ بِهِ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ فِيمَا سَبَقَ اعْتِمَادُ الرَّدِّ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الرَّدُّ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ تَسْمِيَةِ الْإِسْنَوِيِّ دَفَعَ الْإِمَامُ شَيْئًا لِمُسْتَحِقِّهِ عَارِيَّةً (قَوْلُهُ: وَقِيَاسُ ذَلِكَ عَلَى إعْتَاقِ الْعَبْدِ) الْأَوْلَى بَيْعُ الْعَبْدِ كَمَا قَدَّمَهُ، وَلَكِنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ فِي الْحَقِيقَةِ إعْتَاقٌ (قَوْلُهُ: وَمُوصًى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ) إلَّا مُدَّةَ حَيَاتِهِ عَلَى تَنَاقُضٍ فِيهِ اهـ حَجّ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم: هَذَا مُسْلِمٌ إنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى مُبَاشَرَةِ الِانْتِفَاعِ بِنَفْسِهِ كَأَنْ أَوْصَى أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ وَإِلَّا فَلَهُ الْإِعَارَةُ وَإِنْ قُيِّدَ بِمُدَّةِ حَيَاتِهِ اهـ.
وَقَوْلُ سم: وَإِلَّا أَيْ كَأَنْ أَوْصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ الْإِعَارَةِ الْإِجَارَةُ حَيْثُ قُيِّدَتْ بِمُدَّةٍ أَوْ بِمَحَلِّ عَمَلٍ ثُمَّ إنْ مَاتَ الْمُؤَجِّرُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا انْفَسَخَتْ فِيمَا بَقِيَ (قَوْلُهُ: لَكِنْ بِإِذْنِ النَّاظِرِ) مَفْهُومُهُ أَنَّ النَّاظِرَ لَا يُعِيرُ وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَإِلَّا بِأَنْ شَرَطَ النَّظَرَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَانْحَصَرَ فِيهِ فَيَجُوزُ لَهُ الْإِعَارَةُ، لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ نَاظِرًا بَلْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْمَنْفَعَةِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُعَيِّنْ) أَيْ الْمَالِكُ لَهُ: أَيْ الْمُسْتَعِيرَ، وَقَوْلُهُ الثَّانِي مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا عَيَّنَهُ لَهُ وَأَعَارَهُ انْتَهَتْ عَارِيَّتُهُ وَانْتَفَى الضَّمَانُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: كَأَنْ يَرْكَبَ مِثْلُهُ) أَشَارَ بِهِ لِتَقْيِيدِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَفَعَلُوا ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ إلَخْ) هَذَا يُعَرِّفُكَ أَنَّ وُجُوبَ اتِّبَاعِ شُرُوطِهِمْ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِنْ حَيْثِيَّةِ الْوَقْفِ؛ إذْ الْوَاقِفُ لَا يَشْتَرِطُ فِي صِحَّةِ وَقْفِهِ مُرَاعَاةَ مَصْلَحَةٍ وَلَا غَيْرَهَا وَإِنَّمَا ذَاكَ مِنْ حَيْثُ إنَّ لَهُمْ الْوِلَايَةَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَقَدْ أَخْرَجُوا مِنْهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ؛ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الصُّورَةَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَهُ دَخْلٌ فِي أُمُورِ بَيْتِ الْمَالِ، فَمُرَادُهُ بِالْأَتْرَاكِ الْفَاعِلِينَ لِذَلِكَ السَّلَاطِينَ وَأَتْبَاعَهُمْ فَتَنَبَّهْ
أَوْ دُونَهُ لِحَاجَتِهِ دَابَّةً اسْتَعَارَهَا لِلرُّكُوبِ.
قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَكَذَا زَوْجَتُهُ وَخَادِمُهُ لِرُجُوعِ الِانْتِفَاعِ إلَيْهِ أَيْضًا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: نَعَمْ يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ يُرْكِبُهَا زَوْجَتَهُ زَيْنَبَ وَهِيَ بِنْتُ الْمُعِيرِ أَوْ أُخْتُهُ أَوْ نَحْوُهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ إرْكَابُ ضَرَّتِهَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُعِيرَ لَا يَسْمَحُ بِهَا لِضَرَّتِهَا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ إرْكَابِ ضَرَّةِ الْمُسْتَعَارِ لِرُكُوبِهَا حَيْثُ كَانَتْ مِثْلَهَا أَوْ دُونَهَا وَلَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى التَّخْصِيصِ كَكَوْنِ الْمُسَمَّاةِ أَجْنَبِيَّةً مِنْ الْمُعِيرِ.
(وَشَرْطُ الْمُسْتَعَارِ كَوْنُهُ مُنْتَفَعًا بِهِ) انْتِفَاعًا مُبَاحًا مَقْصُودًا فَلَا يُعَارُ مَا لَا نَفْعَ بِهِ كَحِمَارٍ زَمِنٍ.
أَمَّا مَا يُتَوَقَّعُ نَفْعُهُ كَجَحْشٍ صَغِيرٍ فَالْأَوْجَهُ صِحَّةُ إعَارَتِهِ إنْ كَانَتْ الْعَارِيَّةُ مُطْلَقَةً أَوْ مُؤَقَّتَةً زَمَنًا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ اشْتِرَاطُ وُجُودِ النَّفْعِ حَالَ الْعَقْدِ فِي الْإِجَارَةِ لِمُقَابَلَتِهَا بِعِوَضٍ بِخِلَافِ مَا هُنَا، وَلَا قَوْلُ الرُّويَانِيِّ كُلُّ مَا جَازَتْ إجَارَتُهُ جَازَتْ إعَارَتُهُ وَمَا لَا فَلَا، وَاسْتَثْنَى فُرُوعًا لَيْسَ هَذَا مِنْهَا، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِعْيَارُ الْعُمُومِ لِقَبُولِهِ التَّخْصِيصَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَا آلَةُ لَهْوٍ وَأَمَةٌ لِخِدْمَةِ أَجْنَبِيٍّ وَنَقْدٌ إذْ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ الْإِخْرَاجُ.
نَعَمْ لَوْ صَرَّحَ بِإِعَارَتِهِ لِلتَّزْيِينِ بِهِ أَوْ الضَّرْبِ عَلَى طَبْعِهِ صَحَّ، وَنِيَّةُ ذَلِكَ كَافِيَةٌ عَنْ التَّصْرِيحِ كَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ لِاِتِّخَاذِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ مَقْصِدًا وَإِنْ ضَعُفَتْ.
قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ الضَّرْبِ عَلَى طَبْعِهِمَا جَوَازُ اسْتِعَارَة الْخَطِّ أَوْ الثَّوْبِ الْمُطَرَّزِ لِيَكْتُبَ وَيُخَاطَ عَلَى صُورَتِهِ، وَحَيْثُ لَمْ تَصِحَّ الْعَارِيَّةُ فَجَرَتْ ضَمِنَتْ لِأَنَّ لِلْفَاسِدِ حُكْمَ الصَّحِيحِ فِي الضَّمَانِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا مَعَ اخْتِلَالِ شَرْطٍ أَوْ شُرُوطٍ مِمَّا ذَكَرُوهُ تَكُونُ فَاسِدَةً مَضْمُونَةً، بِخِلَافِ الْبَاطِلَةِ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهَا وَالْمُسْتَعِيرُ أَهْلٌ لِلتَّبَرُّعِ وَهِيَ الَّتِي اخْتَلَّ فِيهَا بَعْضُ الْأَرْكَانِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي فِي الْكِتَابَةِ، وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ: إنَّ مِنْ الْفَاسِدَةِ الْإِعَارَةَ بِشَرْطِ رَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ صَحِيحِ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهَا مُفَرَّعٌ فِيمَا يَظْهَرُ عَلَى مُقَابِلِ الْأَصَحِّ مِنْ صِحَّةِ ضَمَانِ الدَّرْكِ فِيهَا، وَإِنْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ كَلَامَهُ فِي شَرْطِ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَمَا هُنَا فِي شَرْطِهِ دَوَامًا (مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ) كَثَوْبٍ وَعَبْدٍ فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ طَعَامٍ لِأَكْلٍ وَنَحْوِ شَمْعَةٍ لِوَقُودٍ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُمَا بِاسْتِهْلَاكِهِمَا وَمِنْ ثَمَّ صَحَّتْ لِلتَّزْيِينِ بِهِمَا كَالنَّقْدِ كَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ، وَكَوْنُ الْإِعَارَةِ لِاسْتِفَادَةِ الْمُسْتَعِيرِ مَحْضَ الْمَنْفَعَةِ هُوَ الْغَالِبَ، فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّهُ قَدْ يَسْتَفِيدُ عَيْنًا مِنْ الْمُعَارِ كَإِعَارَةِ شَجَرَةٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ بِئْرٍ لِأَخْذِ ثَمَرَةٍ وَدَرٍّ وَنَسْلٍ أَوْ مَاءٍ، إذْ
[حاشية الشبراملسي]
الْمَتْنِ بِأَنَّ لَهُ الِاسْتِنَابَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ضَرَرٌ زَائِدٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمُسْتَعِيرِ (قَوْلُهُ: أَوْ دُونَهُ) أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ عَدُوًّا لِلْمُعِيرِ فِيمَا يَظْهَرُ م ر اهـ سم عَلَى حَجّ، وَقَوْلُ سم: مَا لَمْ يَكُنْ عَدُوًّا: أَيْ فِيهِمَا (قَوْلُهُ: لِرُجُوعِ الِانْتِفَاعِ إلَيْهِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَحَلَّ جَوَازِ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ أَرْكَبَ زَوْجَتَهُ أَوْ خَادِمَهُ لِقَضَاءِ مَصَالِحِهِ.
أَمَّا لَوْ أَرْكَبَهُمَا لِمَا لَا تَعُودُ مَنْفَعَتُهُ إلَيْهِ كَأَنْ أَرْكَبَ زَوْجَتَهُ لِسَفَرِهَا لِحَاجَتِهَا لَمْ يَجُزْ.
(قَوْلُهُ: كَوْنُهُ مُنْتَفَعًا بِهِ) أَيْ حَالَ الْعَقْدِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: لِقَبُولِهِ التَّخْصِيصَ) أَيْ قَوْلُ الرُّويَانِيِّ، وَقَوْلُهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ: أَيْ مِنْ اسْتِثْنَاءِ الْجَحْشِ الصَّغِيرِ (قَوْلُهُ: أَوْ الضَّرْبِ عَلَى طَبْعِهِ) أَيْ صُورَتِهِ، وَقَوْلُهُ نِيَّةُ ذَلِكَ: أَيْ مِنْهُمَا، وَقَوْلُهُ أَوْ الضَّرْبِ عَلَى طَبْعِهِمَا: أَيْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ) كَذَا شَرْحُ م ر وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْوَجْهُ الضَّمَانُ لِأَنَّ الْيَدَ يَدُ ضَمَانٍ، ثُمَّ رَأَيْت م ر تَوَقَّفَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ وَافَقَهُ ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى قَوْلِهِ وَحَيْثُ لَمْ تَصِحَّ الْعَارِيَّةُ فَجَرَتْ إلَى هُنَا مِنْ شَرْحِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَالْمُسْتَعِيرُ أَهْلٌ لِلتَّبَرُّعِ) الْأَوْلَى وَالْمُعِيرُ (قَوْلُهُ: وَالْقَوْلُ بِصِحَّتِهَا) أَيْ الْوَاقِعُ فِي كَلَامِ غَيْرِ الْمَاوَرْدِيِّ (قَوْلُهُ: وَكَوْنُ الْإِعَارَةِ لِاسْتِفَادَةِ الْمُسْتَعِيرِ إلَخْ) وَيَجُوزُ أَيْضًا إعَارَةُ الْوَرَقِ لِلْكِتَابَةِ وَكَذَلِكَ إعَارَةُ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ مَثَلًا وَلِغَسْلِ مَتَاعٍ وَنَجَاسَةٍ لَا يُنَجَّسُ بِهَا كَأَنْ يَكُونَ وَارِدًا وَالنَّجَاسَةُ حُكْمِيَّةٌ مَثَلًا (قَوْلُهُ: وَإِنْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ) مُرَادُهُ حَجّ (قَوْلُهُ: كَإِعَارَةِ شَجَرَةٍ أَوْ شَاةٍ إلَخْ) يَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ إعَارَةُ الدَّوَاةِ لِلْكِتَابَةِ مِنْهَا وَالْمُكْحُلَةِ لِلِاكْتِحَالِ مِنْهَا اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: أَوْ مَاءٍ) أَيْ لِلْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: مُنْتَفَعًا بِهِ) أَيْ وَلَوْ مَآلًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي، وَهُوَ مُخَالِفٌ فِي هَذَا لحج خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: بِمَا ذَكَرْنَاهُ) أَيْ مِمَّا يُتَوَقَّعُ نَفْعُهُ خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ إنَّ مِنْ الْفَاسِدَةِ إلَخْ) كَذَا فِي نُسَخِ الشَّارِحِ، وَهُوَ مُرَتَّبٌ عَلَى كَلَامٍ كَانَ أَثْبَتَهُ فِي الشَّارِحِ تَبَّ تَبَعًا لِلتُّحْفَةِ ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيْهِ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ سم
الْأَصْلُ فِي الْعَارِيَّةُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا اسْتِهْلَاكُ الْمُعَارِ، لَا أَنْ لَا يَكُونَ الْمَقْصُودُ فِيهَا اسْتِثْنَاءَ عَيْنٍ، وَحَقَّقَ الْأُشْمُونِيُّ فَقَالَ: إنَّ الدَّرَّ وَالنَّسْلَ لَيْسَ مُسْتَفَادًا بِالْعَارِيَّةِ بَلْ بِالْإِبَاحَةِ، وَالْمُسْتَعَارُ هُوَ الشَّاةُ لِمَنْفَعَةٍ وَهِيَ التَّوَصُّلُ لِمَا أُبِيحَ وَكَذَا الْبَاقِي، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمُسْتَعَارِ فَيَكْفِي خُذْ مَا شِئْت مِنْ دَوَابِّي بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ.
(وَتَجُوزُ إعَارَةُ جَارِيَةٍ لِخِدْمَةِ امْرَأَةٍ) لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ وَسَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ حُرْمَةُ نَظَرِ كَافِرَةٍ لِمَا لَا يَبْدُو فِي الْمِهْنَةِ مِنْ مُسْلِمَةٍ فَيَمْتَنِعُ إعَارَتُهَا لَهَا فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ (أَوْ) ذَكَرٍ (مُحَرَّمٍ) لِلْجَارِيَةِ لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ، وَمِثْلُ الْمُحَرَّمِ مَالِكُهَا بِأَنْ يَسْتَعِيرَهَا مِنْ مُسْتَأْجِرٍ، وَكَذَا مِنْ مُوصًى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحْبَلُ لِجَوَازِ وَطْئِهِ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَنْ تَحْبَلُ لِأَنَّهَا قَدْ تَلِدُ فَتَكُونُ مَنَافِعُ وَلَدِهِ لِلْمُوصَى لَهُ، أَوْ زَوْجٍ وَيَضْمَنُهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَلَوْ فِي بَقِيَّةِ اللَّيْلِ إلَى أَنْ يُسَلِّمَهَا لِسَيِّدِهَا أَوْ نَائِبِهِ لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ، بِخِلَافِ إعَارَتِهَا لِأَجْنَبِيٍّ وَلَوْ شَيْخًا أَوْ مُرَاهِقًا أَوْ خَصِيًّا لِخِدْمَتِهِ وَقَدْ تَضَمَّنَتْ نَظَرًا وَخَلْوَةً مُحَرَّمَةً وَلَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَظِنَّةِ فِيمَا يَظْهَرُ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَتَضَمَّنْ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ، وَفِي مَعْنَى الْمُحَرَّمِ وَنَحْوِهِ الْمَمْسُوحُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ: وَسَكَتُوا عَنْ إعَارَةِ الْعَبْدِ لِلْمَرْأَةِ وَهُوَ كَعَكْسِهِ بِلَا شَكٍّ، وَلَوْ كَانَ
[حاشية الشبراملسي]
مَثَلًا، وَلَا نَظَرَ لِمَا تَتَشَرَّبُهُ الْأَعْضَاءُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْزَاءِ الذَّاهِبَةِ بِلُبْسِ الثَّوْبِ، وَقَوْلُهُ وَحَقَّقَ الْأُشْمُونِيُّ إلَخْ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ أَنَّ الْقَائِلَ بِالْإِبَاحَةِ يَقُولُ بِمِلْكِهِ مِلْكًا مُرَاعًى فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ لِغَيْرِهِ، كَمَا قَالُوهُ فِيمَنْ أَبَاحَ ثَمَرَةَ بُسْتَانِهِ لِغَيْرِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ نَقْلُهُ لِغَيْرِهِ، وَالْقَائِلُ بِالْمِلْكِ يَقُولُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: حُرْمَةُ نَظَرِ كَافِرَةٍ) فِي حَجّ أَنَّ مِثْلَهَا الْفَاسِقَةُ بِفُجُورٍ أَوْ قِيَادَةٍ اهـ.
وَفِي عَدَمِ ذِكْرِ الشَّارِحِ لِلْفَاسِقَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ كَالْكَافِرَةِ فَيَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ كَالْعَفِيفَةِ (قَوْلُهُ: فَتَكُونُ مَنَافِعُ وَلَدِهِ لِلْمُوصَى لَهُ) فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْإِرْقَاقِ كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ وَهُوَ غَفْلَةٌ عَمَّا يَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ أَنَّ الْمَالِكَ إذَا أَوَلَدَهَا يَكُونُ الْوَلَدُ حُرًّا وَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ لِيَشْتَرِيَ بِمَا مِثْلَهُ، وَأَنَّ حُرْمَةَ وَطْئِهَا إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحْبَلُ لَيْسَتْ لِذَلِكَ بَلْ لِخَوْفِ الْهَلَاكِ أَوْ النَّقْصِ وَالضَّعْفِ أَوْ زَوْجٍ إلَخْ حَجّ.
وَقَدْ يُقَالُ: حَيْثُ كَانَتْ الْحُرْمَةُ لِمَا ذُكِرَ كَانَ الْقِيَاسُ جَوَازَهُ عِنْدَ إذْنِ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ لِرِضَاهُ بِإِتْلَافِهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَقَضِيَّةِ إطْلَاقِهِ خِلَافَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ زَوْجٍ) عُطِفَ عَلَى مَحْرَمٍ وَهَلْ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا عَنْهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِتَمَكُّنِهِ مِنْ التَّمَتُّعِ بِهَا أَيَّ وَقْتٍ أَرَادَهُ، وَبِفَرْضِ اسْتِخْدَامِهَا فِي وَقْتٍ يُرِيدُ التَّمَتُّعَ بِهَا فِيهِ فَهُوَ الْمُفَوِّتُ لِلْمَنْفَعَةِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ طَلَّقَهَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ اسْتَعَارَهَا لِخِدْمَةِ نَفْسِهِ بَطَلَتْ الْعَارِيَّةُ، كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ أَمَةً أَجْنَبِيَّةً بَلْ هَذِهِ أَوْلَى لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْأُلْفَةِ السَّابِقَةِ، وَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِتَرْبِيَةِ وَلَدِهِ مَثَلًا لَا تَبْطُلُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا فِيمَا اسْتَعَارَهَا لَهُ خَلْوَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَلَا نَظَرٌ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ سُقُوطِ النَّفَقَةِ ظَاهِرٌ إنْ تَمَتَّعَ بِهَا وَأَعْرَضَ عَنْ الْعَارِيَّةِ، أَمَّا لَوْ تَمَتَّعَ بِهَا مُلَاحِظًا الْعَارِيَّةَ فَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهَا مُسَلَّمَةٌ عَنْ جِهَةِ الْعَارِيَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى هَذَا مَا نُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ الزِّيَادِيِّ مِنْ أَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا تُسَلِّمُهَا عَنْ الْعَارِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ) نَعَمْ لِامْرَأَةٍ خِدْمَةُ مَرِيضٍ مُنْقَطِعٍ أَيْ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَخْدُمُهُ وَلِسَيِّدِ أَمَةٍ إعَارَتُهَا لِخِدْمَتِهِ اهـ حَجّ.
وَمِثْلُهُ عَكْسُهُ كَإِعَارَةِ الذَّكَرِ لِخِدْمَةِ امْرَأَةٍ مُنْقَطِعَةٍ، وَيَجُوزُ لِكُلٍّ مِنْهَا النَّظَرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ
[حاشية الرشيدي]
فَكَانَ يَنْبَغِي الضَّرْبُ عَلَى هَذَا أَيْضًا أَوْ سِيَاقُهُ عَلَى وَجْهٍ مُسْتَقِلٍّ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا قَدْ تَلِدُ فَتَكُونُ مَنَافِعُ وَلَدِهِ لِلْمُوصَى لَهُ) هَذَا قَدْ تَبِعَ فِيهِ الشَّارِحُ مَا كَانَ فِي التُّحْفَةِ أَوَّلًا، إلَّا أَنَّ الشِّهَابَ حَجّ أَلْحَقَ عَقِبَ هَذَا مَا نَصُّهُ: كَذَا قَالَ شَارِحٌ وَهُوَ غَفْلَةٌ عَمَّا يَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ أَنَّ الْمَالِكَ إذَا أَوْلَدَهَا يَكُونُ الْوَلَدُ حُرًّا وَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ لِيَشْتَرِيَ بِهَا مِثْلَهُ، وَأَنَّ حُرْمَةَ وَطْئِهَا إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحْبَلُ لَيْسَتْ لِذَلِكَ بَلْ لِجَوَازِ الْهَلَاكِ أَوْ النَّقْصِ أَوْ الضَّعْفِ اهـ. نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ سم (قَوْلُهُ: أَوْ زَوْجٌ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَالِكِهَا
الْمُسْتَعِيرُ أَوْ الْمُعَارُ خُنْثَى امْتَنَعَ احْتِيَاطًا، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الِامْتِنَاعِ فِيهِ وَفِي الْأَمَةِ الْفَسَادُ كَالْإِجَارَةِ لِلْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَهُوَ مَا بَحَثَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي صُورَةِ الْأَمَةِ وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِإِطْلَاقِ الْجُمْهُورِ نَفْيَ الْجَوَازِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وُجُوبُ الْأُجْرَةِ فِي الْفَاسِدَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَدَّمْت فِي الرَّهْنِ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إنَّ فَاسِدَ الْعُقُودِ كَصَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ، وَإِنْ زَعَمَ الْمُخَالَفَةَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَتَجُوزُ إعَارَةُ صَغِيرَةٍ وَقَبِيحَةٍ يُؤْمَنُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا لِانْتِفَاءِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ فِي الثَّانِيَةِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِالْمُشْتَهَاةِ الْأَمْرَدُ الْجَمِيلُ وَلَوْ لِمَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْفُجُورِ وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُ الزَّرْكَشِيّ تَقْيِيدَ الْمَنْعِ بِمَنْ عُرِفَ بِهِ، وَإِنَّمَا جَازَ إيجَارُ حَسْنَاءَ لِأَجْنَبِيٍّ وَالْإِيصَاءُ لَهُ بِمَنْفَعَتِهَا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ فَيَنْقُلُهَا لِمَنْ شَاءَ، وَالْمُعِيرُ لَا يُعِيرُ فَيَنْحَصِرُ اسْتِيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ: أَيْ أَصَالَةً حَتَّى لَا يُنَافِيَ مَا مَرَّ مِنْ جَوَازِ إنَابَتِهِ.
(وَتُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (إعَارَةٌ) وَإِجَارَةُ (عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرِ) وَاسْتِعَارَتُهُ لِأَنَّ فِيهَا نَوْعُ امْتِهَانٍ لَهُ، وَقِيلَ يَحْرُمُ وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ، وَيُكْرَهُ اسْتِعَارَةُ وَإِعَارَةُ فَرْعِ أَصْلِهِ مَا لَمْ يَقْصِدْ تَرْفِيهَهُ فَيُنْدَبُ، وَإِعَارَةُ أَصْلِ نَفْسِهِ لِفَرْعِهِ وَاسْتِعَارَةُ فَرْعٍ أَبَاهُ مِنْهُ لَيْسَتْ حَقِيقَةَ عَارِيَّةٍ لِمَا مَرَّ فِي السَّفِيهِ فَلَا
[حاشية الشبراملسي]
أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِي نَظَرِ الطَّبِيبِ لِلْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَعَكْسِهِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ مَفْرُوضٌ فِي حُكْمِ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَا تَعَدِّيَ فِيهَا فَتَخْرُجُ بِهَا الْمَنَافِعُ وَالِاسْتِئْجَارُ مِنْ غَاصِبٍ مَثَلًا، وَحِينَئِذٍ فَالْمَقْبُوضَةُ بِالْإِعَارَةِ الْفَاسِدَةِ إنْ تَلِفَتْ بِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ لَمْ تُضَمْنَ، وَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِهِ ضُمِنَتْ عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَمَّا مَنْفَعَتُهَا فَمَضْمُونَةٌ مُطْلَقًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَشْبِيهِ الْفَاسِدِ بِالصَّحِيحِ عَدَمُ الضَّمَانِ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، عَلَى أَنَّ حَجّ قَالَ بِعَدَمِ الضَّمَانِ لِلْمَنْفَعَةِ كَالْعَيْنِ، وَالْكَلَامُ فِيمَا إذَا وَضَعَ يَدَهُ بِإِذْنٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ قَبَضَ مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِإِذْنِهِ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ ضَمِنَ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ إعَارَةُ صَغِيرَةٍ وَقَبِيحَةٍ) لَعَلَّ قِيَاسَ ذَلِكَ جَوَازُ إعَارَةِ الْقِنِّ الْأَجْنَبِيِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَغِيرًا وَلَا قَبِيحًا مِنْ صَغِيرَةٍ أَوْ قَبِيحَةٍ مَعَ الْأَمْنِ الْمَذْكُورِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ لِمَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْفُجُورِ) قَيَّدَهُ حَجّ بِمَا إذَا كَانَتْ الْإِعَارَةُ لِخِدْمَةٍ ضَمِنَتْ خَلْوَةً أَوْ نَظَرًا مُحَرَّمًا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِجَارَةُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ) هَذَا يُفِيدُ جَوَازَ خِدْمَةِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ الْإِعَارَةِ أَنَّهُ يَسْتَخْدِمُهُ فِيمَا يُرِيدُ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ مُبَاشَرَةٌ لِخِدْمَتِهِ كَصَبِّ مَاءٍ عَلَى يَدَيْهِ وَتَقْدِيمِ نَعْلٍ لَهُ أَوْ كَغَيْرِ ذَلِكَ كَإِرْسَالِهِ فِي حَوَائِجِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَشَرْطُ الْعَاقِدِ الرُّشْدُ إلَخْ أَنَّهُ يَجُوزُ إجَارَةُ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ وَيُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ يَدِهِ عَنْهُ بِأَنْ يُؤَجِّرَهُ لِغَيْرِهِ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ اسْتِخْدَامِهِ، وَهُوَ يُفِيدُ حُرْمَةَ خِدْمَةِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ، وَعَلَيْهِ فَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ بِأَنَّ الْإِذْلَالَ فِي الْإِجَارَةِ أَقْوَى مِنْهُ فِي الْعَارِيَّةِ لِلُزُومِهَا، فَلَا يُمْكِنُ مِنْ بَقَاءِ يَدِهِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ وَتُجْعَلُ تَحْتَهَا فِي الْعَارِيَّةِ لِاحْتِمَالِ التَّخَلُّصِ مِنْهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِرُجُوعِ الْمُعِيرِ، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَى هَذَا أَنَّ فِي مُجَرَّدِ خِدْمَةِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ تَعْظِيمًا لَهُ وَهُوَ حَرَامٌ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الْإِعَارَةِ جَعْلُهُ تَحْتَ يَدِهِ وَخِدْمَتُهُ لَهُ لِجَوَازِ أَنْ يُعِيرَهُ لِمُسْلِمٍ بِإِذْنٍ مِنْ الْمَالِكِ أَوْ يَسْتَنِيبُ مُسْلِمًا فِي اسْتِخْدَامِهِ فِيمَا تَعُودُ مَنْفَعَتُهُ عَلَيْهِ، فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ كُلُّهُ وَلْيُرَاجَعْ، وَفِي عِبَارَةِ الْمَحَلِّيِّ مَا يُصَرِّحُ بِحُرْمَةِ خِدْمَتِهِ حَيْثُ قَالَ: وَعَلَّلَ فِي الْمَذْهَبِ عَدَمَ الْجَوَازِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْدُمَهُ، وَقَوْلُهُ عَدَمُ الْجَوَازِ: أَيْ لِلْعَارِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَإِعَارَةُ فَرْعِ أَصْلِهِ) أَيْ الرَّقِيقِ (قَوْلُهُ: وَاسْتِعَارَةُ فَرْعٍ) لَا تَخْفَى مُغَايَرَةُ هَذَا لِقَوْلِهِ السَّابِقِ وَتُكْرَهُ اسْتِعَارَةُ فَرْعِ أَصْلِهِ، إذْ صُورَةُ هَذِهِ أَنَّهُ اسْتَعَارَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ إعَارَةُ صَغِيرَةٍ وَقَبِيحَةٍ إلَخْ) صَرِيحُ الْإِطْلَاقِ هُنَا، وَتَقْيِيدُ الْمَنْعِ فِيمَا مَرَّ فِي غَيْرِ الصَّغِيرَةِ، وَالْقَبِيحَةِ بِمَا إذَا تَضَمَّنَ نَظَرًا أَوْ خَلْوَةً مُحَرَّمَةً أَنَّهُ تَجُوزُ إعَارَةُ الْقَبِيحَةِ وَإِنْ تَضَمَّنَتْ نَظَرًا أَوْ خَلْوَةً مُحَرَّمَةً، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَفِي التُّحْفَةِ أَنَّهُمَا وَغَيْرُهُمَا سَوَاءٌ فِي التَّقْيِيدِ الْمَذْكُورِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّارِحِ مِثْلُهُ كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ الشَّارِحِ فِي بَعْضِ الْهَوَامِشِ فَلْيُرَاجَعْ
كَرَاهَةَ فِيهِمَا.
وَتَحْرُمُ إعَارَةُ خَيْلٍ وَسِلَاحٍ لِحَرْبِيٍّ وَنَحْوُ مُصْحَفٍ لِكَافِرٍ وَإِنْ صَحَّتْ وَفَارَقَتْ الْمُسْلِمَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ دَفْعُ الذُّلِّ عَنْ نَفْسِهِ بِخِلَافِهَا.
(وَالْأَصَحُّ) فِي نَاطِقٍ (اشْتِرَاطُ لَفْظِ) يُشْعِرُ بِالْإِذْنِ أَوْ بِطَلَبِهِ إذْ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ كِتَابَةٌ مَعَ نِيَّةٍ وَإِشَارَةُ أَخْرَسَ وَاللَّفْظُ الْمُشْعِرُ بِذَلِكَ (كَأَعَرْتُكَ) هَذَا أَوْ أَعَرْتُك مَنْفَعَتَهُ وَإِنْ لَمْ يُضِفْهُ لِلْعَيْنِ كَنَظِيرِهِ فِي الْإِجَارَةِ (أَوْ أَعِرْنِي) أَوْ خُذْهُ لِتَنْتَفِعَ بِهِ أَوْ أَبَحْتُك مَنْفَعَتَهُ وَكَارْكَبْ وَأَرْكِبْنِي، وَلَوْ شَاعَ أَعِرْنِي فِي الْقَرْضِ كَمَا فِي الْحِجَازِ كَانَ صَرِيحًا فِيهِ، قَالَهُ فِي الْأَنْوَارِ، وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِمْ فِي الطَّلَاقِ لَا أَثَرَ لِلْإِشَاعَةِ فِي الصَّرَاحَةِ بِأَنَّهُ يُحْتَاطُ لِلْأَبْضَاعِ مَا لَا يُحْتَاطُ لِغَيْرِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ صَرَاحَةُ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَنَحْوِهَا وَأَنَّهُ لَا كِنَايَةَ لِلْعَارِيَّةِ، وَفِيهِ تَوَقُّفٌ ظَاهِرٌ.
(وَيَكْفِي لَفْظُ أَحَدِهِمَا مَعَ فِعْلِ الْآخَرِ) وَإِنْ تَأَخَّرَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ كَالْوَدِيعَةِ فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا لِمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا إذْ ظَنُّ الرِّضَا حَاصِلٌ حِينَئِذٍ، وَقَدْ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ ضَمِنَا كَأَنْ فَرَشَ لَهُ ثَوْبًا لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُتَوَلِّي وَنَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ نَقْلَ الْأَوْجُهِ الضَّعِيفَةِ وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي بَعْضِ نُسَخِ الرَّوْضِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُبَابِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا لَفْظٌ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ إبَاحَةً لَا عَارِيَّةً، وَلَا دَلِيلَ لِلْأَوَّلِ فِيمَا يَأْتِي فِيمَنْ أَرْكَبَ مُنْقَطِعًا دَابَّتَهُ بِلَا سُؤَالٍ لِإِمْكَانِ حَمْلِ نَفْيِ ذَلِكَ
[حاشية الشبراملسي]
أَصْلَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِأَنْ كَانَ أَصْلُهُ حُرًّا، وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَعَارَ أَصْلَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِأَنْ كَانَ رَقِيقًا، وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ عِبَارَتِهِ، لَكِنِّي نَبَّهْت عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خَفِيَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الطَّلَبَةِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَنَحْوِ مُصْحَفٍ لِكَافِرٍ وَإِنْ صَحَّتْ) لَعَلَّ مَحَلَّ الصِّحَّةِ إذَا لَمْ تَكُنْ اسْتِعَارَةُ الْحَرْبِيِّ الْخَيْلَ أَوْ السِّلَاحَ لِمُقَاتَلَتِنَا وَالْكَافِرِ الْمُصْحَفَ لِقِرَاءَتِهِ فِيهِ مَعَ الْمَسِّ وَالْحَمْلِ وَإِلَّا فَلَا تَصِحُّ عَلَى قِيَاسِ مَا قَدَّمَهُ فِي اسْتِعَارَةِ الْأَمَةِ الْكَبِيرَةِ لِخِدْمَةِ نَفْسِهِ مَعَ نَظَرٍ أَوْ خَلْوَةٍ أَوْ يُفَرَّقُ فَلْيُحَرَّرْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ قِتَالُهُ، وَلَنَا تَحْرُمُ إعَارَتُهُ لَهُ وَتَصِحُّ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ حَيْثُ ظَنَّ ذَلِكَ لَا وَجْهَ لِلْحُرْمَةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الزِّيَادِيُّ: إنَّهُ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ عِصْيَانُهُ بِمَا ذُكِرَ حَرُمَتْ إعَارَتُهُ لَهُ وَلَمْ تَصِحَّ وَإِلَّا صَحَّتْ وَلَا حُرْمَةَ، وَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الصِّحَّةِ.
قَوْلُهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ مَا يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَآلَةِ لَهْوٍ وَفَرَسٍ وَسِلَاحٍ لِحَرْبِيٍّ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنْ يُقَاتِلَنَا بِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ فَلَا تَصِحَّ إعَارَةٌ إلَخْ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا إذَا كَانَ يُقَاتِلُنَا بِهِ.
(قَوْلُهُ: كَانَ صَرِيحًا) وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: تَتَمَيَّزُ الْعَارِيَّةُ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ عَنْهَا بِمَعْنَى الْقَرْضِ بِالْقَرَائِنِ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ تُعَيِّنُ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَيَنْبَغِي عَدَمُ الصِّحَّةِ أَوْ يُقَيَّدُ حَمْلُهُ عَلَى الْفَرْضِ بِمَا اُشْتُهِرَ فِيهِ بِحَيْثُ هَجَرَ مَعَهُ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْعَارِيَّةِ إلَّا بِقَرِينَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ شَائِعٌ حَتَّى فِي غَيْرِ الدَّرَاهِمِ كَأَعِرْنِي دَابَّتَك مَثَلًا (قَوْلُهُ: وَفِيهِ تَوَقُّفٌ) وَلَوْ قِيلَ: إنَّ نَحْوَ خُذْهُ أَوْ ارْتَفِقْ بِهِ كِنَايَةٌ لَمْ يَبْعُدْ وَلَا يَضُرُّ صَلَاحِيَّةُ خُذْهُ لِلْكِتَابَةِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ اهـ حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ تَأَخَّرَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ جِدًّا، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ حَيْثُ حَصَلَتْ الصِّيغَةُ لَا يَضُرُّ التَّأَخُّرُ إنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمُعِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ وَلَا مِنْ الْمُسْتَعِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى الرَّدِّ (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ ذَلِكَ إبَاحَةً)
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُضِفْهُ لِلْعَيْنِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ أَعَرْتُكَهُ أَوْ عَيْنَهُ مَثَلًا فَهُوَ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ أَوْ أَعَرْتُكَ مَنْفَعَتَهُ (قَوْلُهُ: كَانَ صَرِيحًا فِيهِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ فِيمَا يُعَارُ كَالدَّابَّةِ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ مَعَ الْقَاعِدَةِ أَنَّ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابِهِ وَوَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ لَا يَكُونُ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ يُحْتَاطُ لِلْأَبْضَاعِ) أَيْ: فَلَا نُوقِعُ الطَّلَاقَ بِمَا اُشْتُهِرَ مُطْلَقًا بَلْ بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْقَوْلِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ الْقَوْلُ بِحِلِّ الْبُضْعِ لِآخَرَ وَهُوَ خِلَافُ الِاحْتِيَاطِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ تَأَخَّرَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ) يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأَخُّرِ هُنَا التَّرَاخِي، وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مُطْلَقُ التَّأَخُّرِ: أَيْ: فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَأَخَّرَ الْفِعْلُ عَنْ الْقَوْلِ أَوْ عَكْسِهِ.
(قَوْلُهُ: لِإِمْكَانِ حَمْلِ نَفْيِ ذَلِكَ إلَخْ) لَمْ يَظْهَرْ الْمُرَادُ
عَلَى الْجِهَتَيْنِ.
أَمَّا مِنْ أَحَدِهِمَا فَلَا بُدَّ مِنْهُ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي ضَمَانِ الْعَارِيَّةِ كَوْنُهَا بِيَدِ الْمُسْتَعِيرِ، وَخَرَجَ مِنْهُ جُلُوسُهُ عَلَى مَفْرُوشٍ لِلْعُمُومِ فَهُوَ إبَاحَةٌ حَتَّى عِنْدَ الْمُتَوَلِّي وَكَأَنْ أَذِنَ لَهُ فِي حَلْبِ دَابَّتِهِ وَاللَّبَنُ لِلْحَالِبِ فَهِيَ مُدَّةُ الْحَلْبِ عَارِيَّةٌ تَحْتَ يَدِهِ، وَكَأَنْ سَلَّمَهُ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ فِي ظَرْفٍ فَهُوَ عَارِيَّةٌ، وَكَأَنْ أَكَلَ الْهَدِيَّةَ مِنْ ظَرْفِهَا الْمُعْتَادِ أَكْلُهَا مِنْهُ وَقَبْلَ أَكْلِهَا هُوَ أَمَانَةٌ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا يُشْتَرَطُ اللَّفْظُ حَتَّى لَوْ رَآهُ حَافِيًا فَأَعْطَاهُ نَعْلًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ كَانَ عَارِيَّةً.
(وَلَوْ) (قَالَ أَعَرْتُكَهُ) أَيْ فَرَسِي مَثَلًا (لِتَعْلِفَهُ) أَوْ عَلَى أَنْ تَعْلِفَهُ (أَوْ لِتُعِيرَنِي فَرَسَك) (فَهُوَ إجَارَةٌ) نَظَرًا لِلْمَعْنَى وَهُوَ وُجُودُ الْعِوَضِ (فَاسِدَةٌ) لِجَهَالَةِ الْمُدَّةِ، وَالْعِوَضُ مَعَ التَّعْلِيقِ فِي الثَّانِيَةِ (تُوجِبُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ) إذَا مَضَى بَعْدَ قَبْضِهِ زَمَنٌ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِتَلَفِهَا كَالْمُؤَجَّرَةِ، وَكَلَامُهُمْ هَذَا صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ مُؤْنَةِ الْمُسْتَعَارِ عَلَى الْمُعِيرِ دُونَ الْمُسْتَعِيرِ، وَهُوَ كَذَلِكَ سَوَاءٌ أَكَانَتْ الْعَارِيَّةُ صَحِيحَةً أَمْ فَاسِدَةً، فَإِنْ أَنْفَقَ لَمْ يَرْجِعْ إلَّا بِإِذْنِ حَاكِمٍ أَوْ إشْهَادِ بَيِّنَةِ الرُّجُوعِ عِنْدَ فَقْدِهِ.
أَمَّا لَوْ عَيَّنَ الْمُدَّةَ وَالْعِوَضَ كَأَعَرْتُكَ هَذِهِ شَهْرًا مِنْ الْآنَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ لِتُعِيرَنِي ثَوْبَكَ هَذَا شَهْرًا مِنْ الْآنِ فَقَبِلَ فَهُوَ إجَارَةٌ صَحِيحَةٌ كَمَا فِي الْأَنْوَارِ وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ وَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِرَدِّهَا لِلْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ دُونَ نَحْوِ وَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ فَيَضْمَنَاهَا وَهُوَ طَرِيقٌ.
نَعَمْ يَبْرَأُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ بِرَدِّهَا لِمَا أَخَذَهَا مِنْهُ إنْ عَلِمَ الْمَالِكُ بِهِ وَلَوْ بِخَبَرِ ثِقَةٍ فَتَرَكَهَا
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ وَالْإِبَاحَةُ لَا تَقْتَضِي الضَّمَانَ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ مِنْهُ) أَيْ عَقْدُ الْعَارِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَقَبْلَ أَكْلِهَا هُوَ أَمَانَةٌ) وَكَذَا إنْ كَانَتْ عَرَضًا اهـ حَجّ.
قَالَ سم: اسْتَشْكَلَ بِمَسْأَلَةِ ظَرْفِ الْمَبِيعِ، وَفَرَّقَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِأَنَّهُ لَمَّا اُعْتِيدَ الْأَكْلَ مِنْ ظَرْفِ الْهَدِيَّةِ قُدِّرَ أَنَّ عِوَضَهَا مُقَابِلٌ لَهَا مَعَ مَنْفَعَةِ ظَرْفِهَا، بِخِلَافِهِ فِي الْبَيْعِ فَكَانَ عَارِيَّةً فِيهِ عَلَى الْأَصْلِ: وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ هَدِيَّةَ تَطَوُّعٍ بِأَنْ كَانَ لَهَا عِوَضٌ، فَإِنْ اُعْتِيدَ الْأَكْلُ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْهُ بَلْ تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ بِحُكْمِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ وَإِلَّا ضَمِنَهُ بِحُكْمِ الْغَصْبِ: ثُمَّ قَالَ: وَحَيْثُ قُلْنَا بِضَمَانِهِ تَوَقَّفَ اسْتِعْمَالُهُ وَإِلَّا كَانَ أَمَانَةً، وَإِنْ كَانَ بِلَا عِوَضٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ اهـ.
وَهُوَ حَاصِلُ مَا فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ وَشَرْحِ الْبَهْجَةِ وَغَيْرِهَا.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الظَّرْفَ أَمَانَةٌ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ مُطْلَقًا وَمَغْصُوبٌ بِالِاسْتِعْمَالِ الْغَيْرِ الْمُعْتَادِ مُطْلَقًا، وَعَارِيَّةٌ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمُعْتَادِ إنْ لَمْ يَكُنْ عِوَضٌ وَإِلَّا فَمُؤَجَّرٌ إجَارَةً فَاسِدَةً اهـ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا حُكْمُ مَا يَقَعُ كَثِيرًا أَنَّ مُرِيدَ الشِّرَاءِ يَدْفَعُ ظَرْفَهُ لِزَيَّاتٍ مَثَلًا فَيَتْلَفُ مِنْهُ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ التَّلَفُ قَبْلَ وَضْعِ الْمَبِيعِ فِيهِ فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ وَضْعِ الْمَبِيعِ فِيهِ ضَمِنَهُ لِأَنَّهُ عَارِيَّةٌ فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ كَثِيرًا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِحُكْمِ الظَّرْفِ بَعْدَ أَكْلِ الْهَدِيَّةِ مِنْهُ وَلَا لِحُكْمِ الدَّابَّةِ قَبْلَ حَلْبِ اللَّبَنِ وَلَا بَعْدَهُ، وَلَا لِحُكْمِ ظَرْفِ الْمَبِيعِ بَعْدَ أَخْذِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ مِنْهُ، وَصَرِيحُ مَا يَأْتِي مِنْ الضَّمَانِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَارِيَّةِ أَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: دُونَ الْمُسْتَعِيرِ وَهُوَ كَذَلِكَ) عَلَّلَهُ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ بِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ اهـ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ أُجْرَةَ الْمُرَكَّبِ الَّذِي يُعَدَّى فِيهَا أَوْ مَنْ يَسُوقُهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ دُونَ الْمَالِكِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَنْفَقَ) أَيْ الْمُسْتَعِيرُ (قَوْلُهُ: عِنْدَ فَقْدِهِ) أَيْ وَأَخْذِهِ دَرَاهِمَ وَإِنْ قُلْت: (قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ عَيَّنَ) أَيْ الْمُعِيرُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِخَبَرِ ثِقَةٍ فَتَرَكَهَا الْمَالِكُ) أَيْ لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ إبْقَاءَهَا فِيهِ فَلَا يُشْتَرَطُ مِنْهُ قَصْدُ التَّرْكِ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى الْعِلْمِ بِعَوْدِهَا لِمَحِلِّهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ
[حاشية الرشيدي]
مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِهِ مَا فِي حَوَاشِي التُّحْفَةِ لِلشِّهَابِ سم وَإِنْ قَصُرَتْ عِبَارَتُهُ عَنْهُ، وَنَصُّ مَا فِي الْحَوَاشِي الْمَذْكُورَةِ لَك أَنْ تَحْمِلَ مَا يَأْتِي عَلَى مَا إذَا وُجِدَ لَفْظٌ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا فِيمَا يَأْتِي بِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَفْظٌ مِنْ أَحَدِهِمَا اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي ضَمَانِ الْعَارِيَّةِ إلَخْ) أَيْ: وَلَا دَلِيلَ لِلْأَوَّلِ أَيْضًا فِيمَا يَأْتِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إلَخْ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الشِّهَابُ حَجّ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي سِيَاقِ الشَّارِحِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَا يَرُدُّ الِاسْتِدْلَالَ
فِيهِ، وَلَوْ اسْتَعَارَهَا لِيَرْكَبَهَا فَرَكِبَهَا مَالِكُهَا مَعَهُ ضَمِنَ نِصْفَهَا فَقَطْ، وَلَوْ قَالَ: أَعْطِهَا لِهَذَا لِيَجِيءَ مَعِي فِي شُغْلِي فَهُوَ الْمُسْتَعِيرُ أَوْ فِي شُغْلِهِ فَالرَّاكِبُ إنْ وَكَّلَهُ وَلَيْسَ طَرِيقًا كَوَكِيلِ السَّوْمِ وَإِلَّا فَهُوَ الْمُسْتَعِيرُ وَالْقَرَارُ عَلَى الرَّاكِبِ.
(وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ) لِلْعَارِيَّةِ حَيْثُ كَانَ لَهُ مُؤْنَةٌ أَوْ عِنْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ (عَلَى الْمُسْتَعِيرِ) مِنْ الْمَالِكِ أَوْ نَحْوِ مُسْتَأْجَرٍ رَدَّ عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» وَلِأَنَّهُ قَبَضَهَا لِغَرَضِ نَفْسِهِ.
أَمَّا إذَا رَدَّ عَلَى الْمَالِكِ فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِ مُعِيرُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ بُعْدِ دَارِ هَذَا عَنْ دَارِ مُعِيرِهِ وَعَدَمِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ مُعِيرِهِ، وَمُعِيرُهُ لَوْ كَانَ فِي مَحَلِّهِ لَمْ تَلْزَمْهُ مُؤْنَةٌ، فَسَقَطَ مَا لِلْأَذْرَعِيِّ هُنَا، وَيَجِبُ الرَّدُّ فَوْرًا عِنْدَ طَلَبِ مُعِيرٍ أَوْ مَوْتِهِ أَوْ عِنْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فَيَرُدَّ لِوَلِيِّهِ، فَإِنْ أَخَّرَ بَعْدَ عِلْمِهِ وَتَمَكُّنِهِ ضَمِنَ مَعَ الْأُجْرَةِ وَمُؤْنَةِ الرَّدِّ.
نَعَمْ لَوْ اسْتَعَارَ نَحْوَ مُصْحَفٍ أَوْ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ مَالِكُهُ امْتَنَعَ رَدُّهُ إلَيْهِ بَلْ يَتَعَيَّنُ لِلْحَاكِمِ.
(فَإِنْ) (تَلِفَتْ) الْعَيْنُ الْمُسْتَعَارَةُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَمِنْهَا مَا لَوْ أَرْكَبَ مَالِكَهَا عَلَيْهَا مُنْقَطِعًا وَإِنْ قَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَسْأَلْهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا تَحْتَ يَدِهِ (لَا بِاسْتِعْمَالِ) مَأْذُونٍ فِيهِ كَسُقُوطِهَا فِي بِئْرٍ حَالَةَ سَيْرِهَا، وَقِيَاسُهُ كَمَا قَالَهُ الْغَزِّيِّ: إنَّ عُثُورَهَا حَالَ الِاسْتِعْمَالِ بِذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يُعْرَفَ ذَلِكَ مِنْ طَبْعِهَا أَوْ لَا، وَالْأَوْجَهُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْعُثُورُ مِمَّا أَذِنَ فِي حَمْلِهِ عَلَيْهَا عَلَى أَنَّ جَمْعًا اعْتَرَضُوهُ بِأَنَّ التَّعَثُّرَ يُعْتَادُ كَثِيرًا: أَيْ وَلَا تَقْصِيرَ مِنْهُ.
وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَتَوَلَّدْ مِنْ شِدَّةِ إزْعَاجِهَا وَإِلَّا فَهُوَ ضَامِنٌ لِتَقْصِيرِهِ وَكَأَنْ جَنَى الرَّقِيقُ أَوْ صَالَتْ الدَّابَّةُ فَقُتِلَا لِلدَّفْعِ وَلَوْ مِنْ مَالِكِهِمَا نَظِيرَ قَتْلِ الْمَالِكِ قِنَّهُ الْمَغْصُوبَ إذَا صَالَ عَلَيْهِ فَقَصَدَ دَفْعَهُ فَقَطْ (ضَمِنَهَا) بَدَلًا أَوْ أَرْشًا لِلْخَبَرِ الْمَارِّ بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ حَتَّى لَوْ أَعَارَهَا بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ أَمَانَةً لَغَا الشَّرْطُ كَمَا ذَكَرَاهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِصِحَّتِهَا وَلَا فَسَادِهَا، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ صِحَّتُهَا
[حاشية الشبراملسي]
أَخْذِهَا مِنْهُ (قَوْلُهُ: ضَمِنَ نِصْفَهَا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مَالِكِهَا أَوْ رَدِيفًا لَهُ (قَوْلُهُ: فَهُوَ الْمُسْتَعِيرُ) أَيْ الْقَائِلُ.
(قَوْلُهُ: فَالرَّاكِبُ) أَيْ هُوَ الْمُسْتَعِيرُ (قَوْلُهُ: إنْ وَكَّلَهُ) أَيْ الْقَائِلُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْهُ (قَوْلُهُ: وَالْقَرَارُ عَلَى الرَّاكِبِ) لَمْ يُبَيِّنْ مَنْ الْقَرَارُ عَلَيْهِ صَرِيحًا فِيمَا لَوْ كَانَ الشُّغْلُ لِلْآمِرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْآمِرُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: إنَّ الْقَائِلَ هُوَ الْمُسْتَعِيرُ لَا الرَّاكِبُ.
(قَوْلُهُ أَمَّا إذَا رَدَّ) أَيْ الْمُسْتَعِيرُ (قَوْلُهُ: فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَالِكِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ اسْتِحْقَاقُ الْمُسْتَأْجِرِ بَاقِيًا (قَوْلُهُ: بَعْدَ دَارِ هَذَا) أَيْ الرَّادِّ (قَوْلُهُ: وَوَجْهُهُ أَنَّهُ) أَيْ الْمُسْتَعِيرَ (قَوْلُهُ: بِمَنْزِلَةِ مُعِيرِهِ) أَيْ الْمُسْتَأْجِرِ (قَوْلُهُ: بَلْ يَتَعَيَّنُ لِلْحَاكِمِ) أَيْ إنْ كَانَ أَمِينًا، وَإِلَّا أَبْقَاهُ تَحْتَ يَدِهِ إنْ كَانَ كَذَلِكَ، وَإِلَّا دَفَعَهُ لِأَمِينٍ يَحْفَظُهُ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا) أَيْ الْعَارِيَّةِ (قَوْلُهُ: كَسُقُوطِهَا) هُوَ مِثَالٌ لِلتَّلَفِ بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ بَعْدُ وَالْأَوْجَهُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ إلَخْ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مِنْ الْغَيْرِ لِأَنَّهُ تَلَفٌ فِي اسْتِعْمَالٍ لَا بِهِ، وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلَهُ كَسُقُوطِهَا فِي بِئْرٍ، وَمِنْهُ مَا لَوْ اسْتَعَارَ ثَوْرًا لِاسْتِعْمَالِهِ فِي سَاقِيَةٍ فَسَقَطَ فِي بِئْرِهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِأَنَّهُ تَلِفَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ بِغَيْرِهِ لَا بِهِ، وَمِنْهُ أَيْضًا مَا لَوْ أَصَابَهُ السِّلَاحُ مَثَلًا مِنْ آلَةِ الْحَرْبِ فَيَضْمَنُهُ كُلٌّ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ وَالْحَارِثِ وَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْحَارِثِ (قَوْلُهُ: وَقِيَاسُهُ) أَيْ قِيَاسُ سُقُوطِهَا فِي بِئْرٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) أَيْ مُضَمَّنُ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ تَقْيِيدُهُ) أَيْ الضَّمَانِ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ جَمْعًا اعْتَرَضُوهُ) أَيْ الْقِيَاسَ (قَوْلُهُ وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَتَوَلَّدْ) أَيْ الضَّمَانُ (قَوْلُهُ: فَقُتِلَا) أَيْ فَيَضْمَنُهُمَا
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: ضَمِنَ مَعَ الْأُجْرَةِ) كَأَنَّهُ إنَّمَا صَرَّحَ بِالضَّمَانِ، مَعَ أَنَّ حُكْمَ الْعَارِيَّةِ الضَّمَانُ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ مَعَ الْأُجْرَةِ؛ وَلِأَنَّ الضَّمَانَ هُنَا غَيْرُ الضَّمَانِ قَبْلَ الطَّلَبِ إذْ هُوَ حِينَئِذٍ ضَامِنٌ مُطْلَقًا حَتَّى لَوْ تَلِفَتْ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ قَبْلَ حُدُوثِ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ
(قَوْلُهُ: كَسُقُوطِهَا فِي بِئْرٍ إلَخْ) مِثَالٌ لِلِاسْتِعْمَالِ الْغَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ
وَالْأَوْجَهُ فَسَادُهَا وَلَا يُعْتَبَرُ لِلضَّمَانِ التَّفْرِيطُ فَيَضْمَنُهَا (وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ) وَسَيَأْتِي كَيْفِيَّةُ ضَمَانِهَا آخِرَ الْبَابِ وَلَوْ اسْتَعَارَ دَابَّةً وَمَعَهَا تَبَعٌ لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهُ لِعُسْرِ حَبْسِهِ عَنْ أُمِّهِ، وَكَذَا لَوْ تَبِعَهَا وَلَدُهَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ مَالِكُهَا لَهُ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ فَهُوَ أَمَانَةٌ: قَالَهُ الْقَاضِي، وَلَا تُضْمَنُ ثِيَابُ الرَّقِيقِ الْمُسْتَعَارِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا لِاسْتِعْمَالِهَا، بِخِلَافِ إكَافِ الدَّابَّةِ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ، وَلَا يَضْمَنُ الْمُعِيرُ جِلْدَ الْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَةِ، وَلَا يَضْمَنُهُ الْمُسْتَعِيرُ لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ لَا بِنِتَاءِ يَدِهِ عَلَى يَدِ مَنْ لَيْسَ بِمَالِكٍ، وَلَا الْمُسْتَعَارِ لِلرَّهْنِ لَوْ تَلِفَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ نَظِيرَ مَا مَرَّ وَلَا صَيْدًا اسْتَعَارَهُ مِنْ مُحْرِمٍ، وَلَا مَا قَبَضَهُ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ مَنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ، لَكِنْ مَرَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَارِيَّةٍ وَلَا كِتَابًا مَوْقُوفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ أَحَدُهُمْ، وَقَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ، وَلَا مَا صَالَحَ بِهِ عَلَى مَنْفَعَةٍ أَوْ جَعَلَ رَأْسَ الْمَالِ مَنْفَعَةً أَوْ أَصْدَقَ زَوْجَتَهُ الْمَنْفَعَةَ، فَإِنَّهُ إذَا أَعَارَ مُسْتَحِقُّ الْمَنْفَعَةِ شَخْصًا وَتَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ.
(وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ) أَيْ الْمُسْتَعِيرَ (لَا يَضْمَنُ مَا يَنْمَحِقُ) أَيْ يَتْلَفُ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ نَحْوِهِ (أَوْ يَنْسَحِقُ) أَيْ يَنْقُصُ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ (بِاسْتِعْمَالٍ) مَأْذُونٍ فِيهِ لِحُدُوثِهِ بِإِذْنِ الْمَالِك فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: اُقْتُلْ عَبْدِي وَالثَّانِي يَضْمَنُ مُطْلَقًا لِمَا مَرَّ (وَالثَّالِثُ) وَهُوَ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ (يَضْمَنُ الْمُنْمَحِقَ) دُونَ الْمُنْسَحِقَ، إذْ مُقْتَضَى الْإِعَارَةِ الرَّدُّ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْأَوَّلِ، وَمَوْتُ الدَّابَّةِ كَالِانْمِحَاقِ
[حاشية الشبراملسي]
الْمُسْتَعِيرُ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ فَسَادُهَا) أَيْ فَيَضْمَنُ الْأُجْرَةَ لِمِثْلِهَا وَيَأْثَمُ بِاسْتِعْمَالِهَا (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ تَبِعَهَا وَلَدُهَا) عِبَارَةُ حَجّ: نَعَمْ إنْ تَبِعَهَا وَالْمَالِكُ سَاكِتٌ وَجَبَ رَدُّهُ فَوْرًا وَإِلَّا ضَمِنَ كَالْأَمَانَةِ الشَّرْعِيَّةِ اهـ. وَمَحَلُّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَشْبِيهُهُ بِالْأَمَانَةِ الشَّرْعِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَتَعَرَّضْ مَالِكُهَا لَهُ) أَيْ وَقَدْ عَلِمَ تَبَعِيَّتَهُ لِأُمِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ وَجَبَ رَدُّهُ فَوْرًا وَإِلَّا ضَمِنَهُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعْلَامُ مَالِكِهِ: أَيْ حَيْثُ عُدَّ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ لِمَا يَأْتِي فِي الْغَصْبِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ حَيَوَانًا وَتَبِعَهُ وَلَدُهُ لَا يَكُونُ غَاصِبًا لَهُ لِعَدَمِ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَضْمَنُ الْمُعِيرُ جِلْدَ الْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَةِ) وَهَذَا بِخِلَافِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْأُضْحِيَّةِ نَفْسِهَا عَنْ سم وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ، وَعَلَى هَذَا فَلْيُنْظَرْ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأُضْحِيَّةِ وَجِلْدِهَا، وَلَعَلَّهُ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا ذَبْحَهَا وَتَفْرِقَةَ لَحْمِهَا أَشْبَهَتْ الْوَدِيعَةَ فَضُمِّنَتْ عَلَى الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ، بِخِلَافِ الْجِلْدِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مُجَرَّدُ الِانْتِفَاعِ فَأَشْبَهَ الْمُبَاحَاتِ فَلَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: لَوْ تَلِفَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ تَلِفَ قَبْلَ الرَّهْنِ أَوْ بَعْدَ فِكَاكِ الرَّهْنِ وَنَزَعَهُ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ لِيَرُدَّهُ عَلَى الْمَالِكِ فَيَضْمَنُهُ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ (قَوْلُهُ: لَكِنْ مَرَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَارِيَّةٍ) أَيْ فَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ حُكْمِهَا (قَوْلُهُ: وَلَا مَا صَالَحَ بِهِ عَلَى مَنْفَعَةٍ) قَضِيَّةُ تَخْصِيصِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِعَدَمِ الضَّمَانِ أَنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ فِيهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ وَإِنْ كَانَتْ شَبِيهَةً بِالْأَمَانَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لِعَدَمِ الضَّمَانِ.
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي يَضْمَنُ مُطْلَقًا لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ تَلَفِ الْعَيْنِ أَوْ نُقْصَانِهَا الْمُفَسَّرِ بِهِمَا الِانْمِحَاقُ وَالِانْسِحَاقُ (قَوْلُهُ: وَمَوْتُ الدَّابَّةِ) أَيْ بِالِاسْتِعْمَالِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَا يَضْمَنُهُ الْمُسْتَعِيرُ لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ) ظَاهِرُ ذِكْرِ هَذَا عَقِبَ مَا قَبْلَهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِيمَا قَبْلَهُ لِلْمُعِيرِ وَهُوَ خِلَافُ السِّيَاقِ، فَلَوْ قَدَّمَ هَذَا عَلَى مَا قَبْلَهُ كَانَ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَلَا الْمُسْتَعَارُ لِلرَّهْنِ) أَيْ: وَلَا يَضْمَنُ الْمُسْتَعَارُ لِلرَّهْنِ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ السِّيَاقِ، وَحِينَئِذٍ فَكَانَ الْأَوْلَى خِلَافَ مَا عَبَّرَ بِهِ فِي قَوْلِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَخْ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا مَا صَالَحَ بِهِ عَلَى مَنْفَعَةٍ إلَخْ) حَقُّ الْعِبَارَةِ وَلَا مَا صُولِحَ عَلَى مَنْفَعَةٍ، أَوْ جُعِلَتْ مَنْفَعَتُهُ رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ أَوْ صَدَاقًا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ سَتَأْتِي
(قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ خَبَرِ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ» (قَوْلُهُ: وَمَوْتُ الدَّابَّةِ) أَيْ بِالِاسْتِعْمَالِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ سم وَلَعَلَّ صُورَتَهُ أَنَّهُ حَمَلَهَا حَمْلًا ثَقِيلًا بِالْإِذْنِ فَمَاتَتْ بِسَبَبِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ خَفِيفًا لَا تَمُوتُ بِمِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ فَاتَّفَقَ مَوْتُهَا لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا مَاتَتْ بِالِاسْتِعْمَالِ وَمَا إذَا مَاتَتْ فِي الِاسْتِعْمَالِ
وَتَقَرُّحُ ظَهْرِهَا وَعَرَجُهَا بِاسْتِعْمَالٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، وَكَسْرُهُ سَيْفًا أَعَارَهُ لِيُقَاتِلَ بِهِ كَالِانْسِحَاقِ كَمَا قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ فِي الْأَخِيرَةِ، وَمَرَّ جَوَازُ إعَارَةِ الْمَنْذُورِ لَكِنْ يَضْمَنُ كُلٌّ مِنْ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ مَا نَقَصَ مِنْهُ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَلَوْ اسْتَعَارَ رَقِيقًا لِتَنْظِيفِ نَحْوِ سَطْحٍ فَسَقَطَ مِنْ سُلَّمِهِ وَمَاتَ ضَمِنَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ضَمَانِ الْمُسْتَعِيرِ كَوْنُ الْعَيْنِ فِي يَدِهِ بَلْ يَضْمَنُ وَلَوْ كَانَتْ بِيَدِ الْمَالِكِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَفِي الرَّوْضَةِ لَوْ حَمَلَ مَتَاعَ غَيْرِهِ عَلَى دَابَّتِهِ بِسُؤَالِ الْغَيْرِ كَانَ مُسْتَعِيرًا لِكُلِّ الدَّابَّةِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا شَيْءٌ لِغَيْرِ الْمُسْتَعِيرِ وَإِلَّا فَبِقَدْرِ مَتَاعِهِ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ قَوْلُهُمَا نَقْلًا عَنْ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ: لَوْ سَخَّرَ رَجُلًا وَدَابَّتَهُ فَتَلِفَتْ الدَّابَّةُ فِي يَدِ صَاحِبِهَا لَمْ يَضْمَنْهَا الْمُسَخِّرُ لِأَنَّهَا فِي يَدِ صَاحِبِهَا لِأَنَّ هَذَا مِنْ ضَمَانِ الْغَصْبِ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الِاسْتِيلَاءِ وَهُوَ مَفْقُودٌ، وَكَلَامُنَا هُنَا فِي ضَمَانِ الْعَارِيَّةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَلِكَ لِحُصُولِهَا بِدُونِهِ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا أَشَارَ لَهُ الْقَمُولِيُّ مِنْ ضَعْفِ أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي حُصُولِ التَّلَفِ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ أَوَّلًا صُدِّقَ الْمُسْتَعِيرُ بِيَمِينِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِعُسْرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، خِلَافًا لِمَا عُزِيَ لِلْجَلَالِ الْبُلْقِينِيِّ مِنْ تَصْدِيقِ الْمُعِيرِ وَمَا وَجَّهَ بِهِ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَارِيَّةِ الضَّمَانُ حَتَّى يَثْبُتَ مُسْقِطُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ مَحَلُّ ضَمَانِهَا أَصَالَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْيَدِ لَا لِلذِّمَّةِ، وَكَلَامُ الْبُلْقِينِيِّ فِي تَعَلُّقِهِ بِالذِّمَّةِ وَهُوَ أَمْرٌ طَارِئٌ عَلَى الْأَصْلِ فَافْهَمْ.
(وَالْمُسْتَعِيرُ مِنْ مُسْتَأْجِرٍ) أَوْ مُوصًى لَهُ أَوْ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ بِقَيْدَيْهِمَا السَّابِقَيْنِ أَوْ مُسْتَحَقِّ مَنْفَعَةٍ بِنَحْوِ صَدَاقٍ أَوْ سَلَمٍ أَوْ صُلْحٍ (لَا يَضْمَنُ) التَّالِفَ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ يَدَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدٍ غَيْرِ ضَامِنَةٍ، هَذَا إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ صَحِيحَةً، فَلَوْ كَانَتْ فَاسِدَةً ضَمِنَا مَعًا وَالْقَرَارُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ، وَلَا يُنَافِيه قَوْلُهُمْ فَاسِدُ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ، إذْ الْفَاسِدَةُ لَيْسَتْ حُكْمَ الصَّحِيحَةِ فِي كُلِّ مَا تَقْتَضِيهِ بَلْ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ بِمَا تَنَاوَلَهُ الْإِذْنُ لَا بِمَا اقْتَضَاهُ حُكْمُهُمَا، وَالثَّانِي يَضْمَنُ كَالْمُسْتَعِيرِ مِنْ الْمَالِكِ.
(وَلَوْ) (تَلِفَتْ دَابَّتُهُ فِي يَدِ وَكِيلٍ) لَهُ (بَعَثَهُ فِي شُغْلِهِ أَوْ) تَلِفَتْ (فِي يَدِ مَنْ سَلَّمَهَا إلَيْهِ لِيُرَوِّضَهَا) أَيْ يُعَلِّمَهَا الْمَشْيَ الَّذِي يَسْتَرِيحُ بِهِ رَاكِبُهَا (فَلَا ضَمَانَ) عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يُفَرِّطْ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهَا لِغَرَضِ الْمَالِكِ، فَإِنْ تَعَدَّى كَمَا لَوْ رَكِبَهَا فِي غَيْرِ الرِّيَاضَةِ ضَمِنَ كَمَا لَوْ سَلَّمَهُ قِنَّهُ لِيُعَلِّمَهُ حِرْفَةً فَاسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِهَا.
(وَلَهُ) أَيْ الْمُسْتَعِيرِ (الِانْتِفَاعُ) بِالْمُعَارِ (بِحَسَبِ الْإِذْنِ) لِرِضَا الْمَالِكِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ لَوْ أَعَارَهُ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا لِمَحَلِّ كَذَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلرُّكُوبِ فِي رُجُوعِهِ جَازَ لَهُ الرُّكُوبُ فِيهِ كَمَا نَقَلَاهُ وَأَقَرَّاهُ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ مِنْ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَتْ بِيَدِ الْمَالِكِ) قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ يَضْمَنُهَا قَبْلَ قَبْضِهِ إيَّاهَا وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَزِيدُ عَلَى نَحْوِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ أَوْ الْفَاسِدِ مَعَ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِيهِ عَلَى الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ بَلْ لَيْسَ لَنَا شَيْءٌ تُضْمَنُ فِيهِ الْعَيْنُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ، وَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ تَلَفَهَا فِي يَدِ الْمَالِكِ بَعْدَ قَبْضِ الْمُسْتَعِيرِ وَبَقَاءِ حُكْمِ الْعَارِيَّةِ أَوْ قَبْلَ قَبْضِهَا بِالْفِعْلِ لَكِنْ اسْتَعْمَلَهَا الْمَالِكُ فِي شُغْلِ الْمُسْتَعِيرِ مُضَمَّنٌ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: كَانَ) أَيْ الْغَيْرُ مُسْتَعِيرًا إلَخْ (قَوْلُهُ: عَنْ أَبِي حَامِدٍ) الْإسْفَرايِينِيّ (قَوْلُهُ: وَمَا وَجَّهَ بِهِ) أَيْ الْبُلْقِينِيُّ.
(قَوْلُهُ: بِقَيْدَيْهِمَا السَّابِقَيْنِ) هُمَا قَوْلُهُ فِيمَا مَرَّ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُوصَى لَهُ عَلَى مَا يَأْتِي تَحْرِيرُهُ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمَوْقُوفِ لَمْ يَشْتَرِطْ الْوَاقِفُ اسْتِيفَاءَهُ بِنَفْسِهِ لَكِنْ بِإِذْنِ النَّاظِرِ (قَوْلُهُ: أَوْ مُسْتَحِقٍّ مَنْفَعَةً) هَذَا عَيْنُ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَلَا مَا صَالَحَ بِهِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَاسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِهَا) أَيْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحُرْمَةِ.
(قَوْلُهُ: جَازَ لَهُ الرُّكُوبُ) أَيْ وَجَازَ لَهُ الذَّهَابُ وَالْعَوْدُ فِي أَيِّ طَرِيقٍ أَرَادَهُ إذَا تَعَدَّدَتْ الطُّرُقُ وَلَوْ اخْتَلَفَتْ؛ لِأَنَّ سُكُوتَ الْمُعِيرِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: بِقَيْدَيْهِمَا السَّابِقَيْنِ) الْقَيْدُ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَلَّا يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ اسْتِيفَاءَهُ بِنَفْسِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ حَجّ، وَأَمَّا قَيْدُ الْمُوصَى لَهُ فَلَعَلَّهُ أَنْ لَا تَكُونَ مِمَّنْ تَحْبَلُ إذَا كَانَتْ أَمَةً وَاسْتَعَارَهَا مَالِكُهَا.
(قَوْلُهُ: ضَمِنَا مَعًا) أَيْ ضَمَانَ غَصْبٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: بَلْ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ بِمَا تَنَاوَلَهُ الْإِذْنُ) أَيْ: وَالْإِذْنُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ اسْتِعْمَالَهُ بِنَفْسِهِ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ الْعَقْدِ، وَقَوْلُهُ: لَا بِمَا اقْتَضَاهُ حُكْمُهُمَا: أَيْ: وَجَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْغَيْرِ إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ مِنْ
الْإِجَارَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لُزُومُ الرَّدِّ لِلْمُسْتَعِيرِ فَيَتَنَاوَلُ الْإِذْنُ الرُّكُوبَ فِي عَوْدِهِ عُرْفًا، وَلَا كَذَلِكَ الْمُسْتَأْجِرُ فَلَا رَدَّ عَلَيْهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ رَدٌّ كَالْمُسْتَأْجِرِ وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ، وَلَوْ جَاوَزَ الْمَحَلَّ الْمَشْرُوطَ لَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِ الذَّهَابِ مِنْهُ وَالْعَوْدِ إلَيْهِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ مِنْهُ رَاكِبًا كَمَا صَحَّحَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَبْطُلُ بِالْمُخَالَفَةِ وَهُوَ مَا صَحَّحَاهُ (فَإِنْ أَعَارَهُ لِزِرَاعَةِ حِنْطَةٍ) مَثَلًا (زَرَعَهَا) لِإِذْنِهِ فِيهَا (وَمِثْلُهَا) أَوْ دُونَهَا بِالْأَوْلَى فِي الضَّرَرِ
[حاشية الشبراملسي]
عَنْ ذَلِكَ رِضًا مِنْهُ بِكُلِّهَا (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لُزُومُ الرَّدِّ لِلْمُسْتَعِيرِ) أَيْ وَإِذَا لَزِمَهُ الرَّدُّ فَهِيَ عَارِيَّةٌ قِبَلَهُ وَإِنْ انْتَهَى الِاسْتِعْمَالُ الْمَأْذُونُ فِيهِ، فَلَوْ اسْتَعَارَ دَابَّةً لِحَمْلِ مَتَاعٍ مُعَيَّنٍ فَوَضَعَهُ عَنْهَا وَرَبَطَهَا فِي الْخَانِ مَثَلًا إلَى أَنْ يَرُدَّهَا إلَى مَالِكِهَا فَمَاتَتْ مَثَلًا ضَمِنَهَا (قَوْلُهُ: فَلَا رَدَّ عَلَيْهِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَرُدُّهَا عَلَى مَالِكِهَا وَلَوْ قِيلَ بِجَوَازِ الرُّكُوبِ فِي الْعَوْدِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ لَمْ يَبْعُدْ.
[فَرْعٌ] قَالَ الْعَبَّادِيُّ وَغَيْرُهُ: وَاعْتَمَدُوهُ فِي كِتَابٍ مُسْتَعَارٍ رَأَى فِيهِ خَطَأً لَا يُصْلِحُهُ إلَّا الْمُصْحَفُ فَيَجِبُ، وَيُوَافِقُهُ إفْتَاءُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ رَدُّ الْغَلَطِ فِي كِتَابِ الْغَيْرِ، وَقَيَّدَهُ الرِّيمِيُّ بِغَلَطٍ لَا يُغَيِّرُ الْحُكْمَ وَإِلَّا رَدَّهُ، وَكُتُبَ الْوَقْفِ أَوْلَى وَغَيْرُهُ بِمَا إذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ دُونَ مَا ظَنَّهُ فَلَا وَيَكْتُبُ لَعَلَّهُ كَذَا، وَرُدَّ بِأَنَّ كِتَابَةَ لَعَلَّهُ إنَّمَا هِيَ عِنْدَ الشَّكِّ فِي اللَّفْظِ لَا الْحُكْمِ، وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّ الْمَمْلُوكَ غَيْرَ الْمُصْحَفِ لَا يُصْلِحُ فِيهِ شَيْئًا مُطْلَقًا إلَّا إنْ ظَنَّ رِضَا مَالِكِهِ بِهِ وَأَنَّهُ يَجِبُ إصْلَاحُ الْمُصْحَفِ لَكِنْ إنْ لَمْ يَنْقُصْهُ خَطُّهُ لِرَدَاءَتِهِ وَأَنَّ الْوَقْفَ يَجِبُ إصْلَاحُهُ إنْ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ وَكَانَ خَطُّهُ مُسْتَصْلَحًا سَوَاءٌ الْمُصْحَفُ وَغَيْرُهُ، وَأَنَّهُ مَتَى تَرَدَّدَ فِي عَيْنِ لَفْظٍ أَوْ فِي الْحُكْمِ لَا يُصْلِحُ شَيْئًا وَمَا اُعْتِيدَ مِنْ كِتَابَةٍ لَعَلَّهُ كَذَا لَعَلَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ فِي مِلْكِ الْكَاتِبِ اهـ حَجّ.
وَقَالَ سم عَلَى مَنْهَجِ: فَائِدَةٌ: لَوْ اسْتَعَارَ كِتَابًا فَرَأَى فِيهِ خَطَأً لَا يُصْلِحُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قُرْآنًا.
أَقُولُ: وَالْحَدِيثُ فِي مَعْنَاهُ فِيمَا يَظْهَرُ اهـ.
أَقُولُ: قَوْلُ حَجّ إنْ لِمَ يَنْقُصْهُ خَطُّهُ إلَخْ يَنْبَغِي أَنْ يَدْفَعَهُ لِمَنْ يُصْلِحُهُ حَيْثُ كَانَ خَطُّهُ مُنَاسِبًا لِلْمُصْحَفِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إجَابَةُ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ وَلَمْ تَلْحَقْهُ مَشَقَّةٌ فِي سُؤَالِهِ، وَقَوْلُهُ وَكَانَ خَطُّهُ مُسْتَصْلَحًا: أَيْ وَخَرَجَ بِذَلِكَ كِتَابَةُ الْحَوَاشِي بِهَوَامِشِهِ فَلَا تَجُوزُ وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ الْكِتَابِ عَنْ أَصْلِهِ وَلَا نَظَرَ لِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ بِفِعْلِهَا لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
[فَرْعٌ اسْتِطْرَادِيٌّ] وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا يَقَعُ كَثِيرًا أَنَّ الشَّرِيكَ فِي فَرَسٍ يَتَوَجَّهُ بِهَا إلَى عَدُوٍّ وَيُقَاتِلُهُ وَتَتْلَفُ الْفَرَسُ هَلْ يَضْمَنُ الشَّرِيكُ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ جَاءَهُمْ الْعَدُوُّ إلَى بَلْدَتِهِمْ وَخَرَجُوا لِلدِّفَاعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَتَلِفَتْ الْفَرَسُ وَالْحَالَةُ مَا ذُكِرَ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ خَرَجُوا ابْتِدَاءً وَقَصَدُوا الْعَدُوَّ عَلَى نِيَّةِ قِتَالِهِ وَتَلِفَتْ ضَمِنَهَا لِأَنَّ الشَّرِيكَ لَا يَرْضَى بِخُرُوجِ الشَّرِيكِ بِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، بِخِلَافِ الْحَالَةِ الْأُولَى فَإِنَّهَا الْمُعْتَادُ عِنْدَهُمْ فِي الِانْتِفَاعِ.
[فَرْعٌ آخَرُ] وَقَعَ السُّؤَالُ أَيْضًا عَمَّا يَقَعُ كَثِيرًا أَنَّ مُسْتَعِيرَ الدَّابَّةِ إذَا نَزَلَ عَنْهَا بَعْدَ رُكُوبِهِ لَهَا يُرْسِلُهَا مَعَ تَابِعِهِ فَيَرْكَبُهَا التَّابِعُ فِي الْعَوْدِ ثُمَّ تَتْلَفُ بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَهَلْ يَضْمَنُهَا الْمُسْتَعِيرُ أَمْ التَّابِعُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ التَّابِعَ وَإِنْ رَكِبَهَا فَهُوَ فِي حَاجَةِ الْمُسْتَعِيرِ مِنْ إيصَالِهَا إلَى مَحَلِّ الْحِفْظِ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ رَدٌّ) اُنْظُرْ أَيْ مُسْتَعِيرٌ لَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ اهـ سم عَلَى حَجّ: أَقُولُ: هُوَ الْمُسْتَعِيرُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَنَحْوِهِ إذَا رَدَّ عَلَى الْمَالِكِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ التَّخْلِيَةُ دُونَ الرَّدِّ كَمُعِيرِهِ (قَوْلُهُ وَلَوْ جَاوَزَ الْمَحَلَّ الْمَشْرُوطَ) وَيَنْبَغِي ضَمَانُ تَلَفِهَا بِالِاسْتِعْمَالِ حَالَ الْمُجَاوَزَةِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَلَهُ الرُّجُوعُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَحَلِّ الْمَشْرُوطِ فَلَا
[حاشية الرشيدي]
أَحْكَامِهَا ثَبَتَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَقْدِ مُتَرَتِّبًا عَلَى صِحَّتِهِ فَلَا تُشَارِكُهَا فِيهِ الْفَاسِدَةُ
كَالْفُولِ وَالشَّعِيرِ لَا أَعْلَى مِنْهَا كَذُرَةٍ وَقُطْنٍ (إنْ لَمْ يَنْهَهُ) فَإِنْ نَهَاهُ عَنْ الْمِثْلِ وَالْأَدْوَنِ امْتَنَعَا أَيْضًا اتِّبَاعًا لِنَهْيِهِ وَعُلِمَ مِنْهُ مَا صَرَّحَ بِهِ.
أَصْلُهُ أَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ نَوْعًا وَنَهَى عَنْ غَيْرِهِ اتَّبَعَ (أَوْ) أَعَارَهُ أَرْضًا (لِشَعِيرٍ) يَزْرَعُهُ فِيهَا (لَمْ يَزْرَعْ فَوْقَهُ) ضَرَرًا (كَحِنْطَةٍ) بَلْ دُونَهُ وَمِثْلُهُ، وَنَكَّرَ الْمُصَنِّفُ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَإِنْ عَرَّفَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ إشَارَةً إلَى عَدَمِ الْفَرْقِ فِي التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ أَعَرْتُك لِزِرَاعَةِ الْحِنْطَةِ أَوْ حِنْطَةٍ، وَتَرْجِيحُ الْإِسْنَوِيِّ أَنَّهُ إذَا أَشَارَ لِمُعَيَّنٍ مِنْهُمَا وَأَعَارَهُ لِزِرَاعَتِهِ لَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ.
قَالَ: وَلِهَذَا عَرَّفَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ فِيهِ نَظَرٌ، وَالصَّحِيحُ فِي الْإِجَارَةِ الْجَوَازُ فَكَذَا هُنَا، وَصَرَّحَ فِي الشَّعِيرِ بِمَا لَا يَجُوزُ فَقَطْ عَكْسُ الْحِنْطَةِ تَفَنُّنًا وَلِدَلَالَةِ كُلٍّ عَلَى الْآخَرِ فَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ الْمَشْهُورَةِ وَحَيْثُ زَرَعَ مَا لَيْسَ لَهُ زَرْعُهُ فَلِلْمَالِكِ قَلْعُهُ مَجَّانًا، فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ لَزِمَهُ جَمِيعُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ هُوَ الْأَوْجَهُ وَالزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ أَرْجَحُ، وَيُفَارِقُ نَظِيرَهُ فِي الْإِجَارَةِ بِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ اسْتَوْفَى مَا كَانَ يَمْلِكُهُ مِمَّا لَا يَقْبَلُ الرَّدَّ بِزِيَادَةٍ، وَالْمُسْتَعِيرُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، فَهُوَ بِعُدُولِهِ عَنْ الْجِنْسِ كَالرَّادِّ لِمَا أُبِيحَ لَهُ فَلَا يَسْقُطُ بِإِزَائِهِ عَنْهُ شَيْءٌ (وَلَوْ) (أَطْلَقَ) الْمُعِيرُ (الزِّرَاعَةَ) أَيْ الْإِذْنَ فِيهَا كَأَعَرْتُكَ لِلزِّرَاعَةِ أَوْ لِتَزْرَعَهَا (صَحَّ) عَقْدُ الْإِعَارَةِ (فِي الْأَصَحِّ وَيَزْرَعُ مَا شَاءَ) لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ وَمَحَلُّهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا كَانَ مِمَّا يُعْتَادُ زَرْعُهُ ثُمَّ وَلَوْ نَادِرًا حَمْلًا لِلْإِطْلَاقِ عَلَى الرِّضَا.
وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ لِتَفَاوُتِ ضَرَرِ الْمَزْرُوعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُكَلَّفْ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَخَفِّ الْأَنْوَاعِ ضَرَرًا لِأَنَّ الْمُطْلَقَاتِ إنَّمَا لَمْ تَنْزِلْ عَلَى الْأَقَلِّ ضَرَرًا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى النِّزَاعِ، وَالْعُقُودُ تُصَانُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ جَوَابًا عَنْ قَوْلِهِمَا لَوْ قِيلَ لَا يَزْرَعُ إلَّا أَقَلَّ الْأَنْوَاعِ ضَرَرًا لَكَانَ مَذْهَبًا، وَلَوْ قَالَ لَهُ: لِتَزْرَعْ مَا شِئْت زَرَعَ مَا شَاءَ جَزْمًا.
(وَإِذَا اسْتَعَارَ لِبِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ فَلَهُ الزَّرْعُ) إنْ لَمْ يَنْهَهُ لِأَنَّهُ أَخَفُّ (وَلَا عَكْسُ) لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا أَكْثَرُ وَيُقْصَدُ بِهِمَا الدَّوَامُ (وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَغْرِسُ مُسْتَعِيرٌ لِبِنَاءٍ وَكَذَا الْعَكْسُ) لِاخْتِلَافِ الضَّرَرِ فَإِنَّ ضَرَرَ الْبِنَاءِ فِي ظَاهِرِ الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ بَاطِنِهَا، وَالْغِرَاسُ بِالْعَكْسِ لِانْتِشَارِ عُرُوقِهِ وَكَالزَّرْعِ مَا يُغْرَسُ فِي عَامِّهِ لِلنَّقْلِ وَيُسَمَّى الشَّتْلُ.
وَالثَّانِي يَجُوزُ مَا ذُكِرَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ لِلتَّأْبِيدِ، وَإِذَا اسْتَعَارَ لِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ فَفَعَلَهُ ثُمَّ مَاتَ أَوْ قَلَعَهُ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ صَرَّحَ لَهُ بِالتَّجْدِيدِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لَمْ يَجُزْ لَهُ فِعْلُ نَظِيرِهِ وَلَا إعَادَتُهُ مَرَّةً ثَانِيَةً إلَّا بِإِذْنٍ جَدِيدٍ (وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّهُ لَا تَصِحُّ إعَادَةُ الْأَرْضِ مُطْلَقَةً بَلْ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ نَوْعِ الْمَنْفَعَةِ) قِيَاسًا عَلَى الْإِجَارَةِ.
نَعَمْ لَوْ عَمَّمَ فَقَالَ لِتَنْتَفِعْ بِهَا كَيْفَ شِئْت أَوْ بِمَا بَدَا لَك صَحَّ وَيَنْتَفِعُ بِمَا شَاءَ كَالْإِجَارَةِ، وَمُقْتَضَى التَّشْبِيهِ تَقْيِيدُهُ بِمَا كَانَ مُعْتَادًا نَظِيرُ مَا مَرَّ، وَبِهِ جَزَمَ
[حاشية الشبراملسي]
يَرْكَبُ إلَّا بَعْدَ عَوْدِهِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: كَالْفُولِ وَالشَّعِيرِ) وَعَلَيْهِ فَلَوْ اسْتَعَارَ لِلشَّعِيرِ هَلْ يَزْرَعُ الْفُولَ وَعَكْسُهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ إذَا اسْتَعَارَ الشَّعِيرَ لَا يَزْرَعُ فُولًا بِخِلَافِ عَكْسِهِ (قَوْلُهُ: فَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ) أَيْ وَهُوَ الِاحْتِبَاكُ (قَوْلُهُ: وَيُفَارِقُ نَظِيرَهُ فِي الْإِجَارَةِ) أَيْ حَيْثُ يَلْزَمُهُ الزَّائِدُ فَقَطْ (قَوْلُهُ فَلَا يَسْقُطُ بِأَدَائِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ تَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، وَفِي سم عَلَى مَنْهَجِ أَوَّلِ الْبَابِ عَنْ شَرْحِ الْإِرْشَادِ لحج مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْعَارِيَّةَ تَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا إبَاحَةٌ لَا هِبَةٌ لِلْمَنَافِعِ.
ثُمَّ قَالَ: فَإِنَّ قُلْت مَرَّ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّ الْإِبَاحَةَ لَا تُرَدُّ بِالرَّدِّ.
قُلْت: ذَاكَ فِي الْإِبَاحَةِ الْمَحْضَةِ وَهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ اهـ.
أَيْ وَبِتَقْدِيرِ أَنَّهَا إبَاحَةٌ مَحْضَةٌ فَهُوَ لَمْ يَسْتَوْفِ مَا أُبِيحَ لَهُ وَقَدْ اسْتَوْفَى مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ خَاصَّةً (قَوْلُهُ: زَرْعُ مَا شَاءَ) أَيْ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَيُسَمَّى الشَّتْلُ) وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ تَطُلْ الْمُدَّةُ الَّتِي يَبْقَى فِيهَا الشَّتْلُ قَبْلَ نَقْلِهِ عَلَى مُدَّةِ الزَّرْعِ الْمُعْتَادَةِ، وَإِلَّا فَبَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الزَّرْعِ يُقْلَعُ مَجَّانًا كَمَا يَشْمَلُهُ قَوْلُهُ الْآتِي أَوْ زَرَعَ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ مِمَّا يُبْطِئُ أَكْثَرَ مِنْهُ كَمَا فِي نَظِيرِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَى التَّشْبِيهِ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: بِزِيَادَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِاسْتَوْفَى وَالْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُطْلَقَاتِ) هُوَ تَعْلِيلٌ مِنْ جَانِبِ السَّائِلِ وَالْجَوَابُ قَوْلُهُ:
ابْنُ الْمُقْرِي، فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَرْجُوحِ الْمَارِّ فِي إطْلَاقِ الزِّرَاعَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالثَّانِي يَصِحُّ وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ، وَالْأَرْضُ مِثَالٌ لِمَا يُنْتَفَعُ بِجِهَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ كَالدَّابَّةِ، أَمَّا مَا انْحَصَرَتْ مَنْفَعَتُهُ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَبِسَاطٍ لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلْفَرْشِ فَلَا يَحْتَاجُ فِي إعَارَتِهِ إلَى بَيَانِ الِانْتِفَاعِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَكَذَا لَوْ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِجِهَاتٍ لَكِنَّ إحْدَاهَا هِيَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ عَادَةً اهـ.
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ جَوَازِ الْعَارِيَّةِ وَمَا لِلْمُعِيرِ وَعَلَيْهِ بَعْدَ الرَّدِّ فِي عَارِيَّةِ الْأَرْضِ وَحُكْمِ الِاخْتِلَافِ وَهِيَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَالْوَكَالَةِ، فَحِينَئِذٍ (لِكُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ (رَدُّ الْعَارِيَّةِ) وَلَوْ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ لَمْ يَنْقَضِ أَمَدُهُ (مَتَى شَاءَ) لِأَنَّهَا مَبَرَّةٌ مِنْ الْمُعِيرِ وَارْتِفَاقٌ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ فَالْإِلْزَامُ غَيْرُ لَائِقٍ بِهَا، وَالرَّدُّ فِي الْمُعِيرِ بِمَعْنَى الِاسْتِرْدَادِ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ أَصْلُهُ، وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْمُسْتَعَارَ أَوْ الْمُبَاحَ لَهُ مَنَافِعُهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ جَاهِلًا فَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ، فَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ إنَّ الضَّمَانَ لَا يَخْتَلِفُ بِالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ إذْ مَحَلُّهُ عِنْدَ عَدَمِ تَسْلِيطِ الْمَالِكِ وَلَمْ يُقَصِّرْ بِتَرْكِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَيُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِهِ كَأَنْ تَغَطَّى بِهِ ضَمِنَ.
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ جَوَازِ الْعَارِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ بَعْدَ الرَّدِّ إلَخْ) أَيْ انْتِهَاءِ الْعَارِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ أَوْ انْتَهَتْ بِفَرَاغِ الْمُدَّةِ لِكَوْنِهَا مُؤَقَّتَةً (قَوْلُهُ: وَحُكْمُ الِاخْتِلَافِ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ كَوُجُوبِ تَسْوِيَةِ الْحُفَرِ وَإِعْرَاضِ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: وَارْتِفَاقٌ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ) أَيْ شَأْنُهَا ذَلِكَ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ قَدْ يَسْتَعِيرُ مَا هُوَ غَنِيٌّ عَنْ الِارْتِفَاقِ بِهِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ فِي مِلْكِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْمُسْتَعَارُ أَوْ الْمُبَاحُ لَهُ مَنَافِعَهُ) خَرَجَ بِهَا الْأَعْيَانُ فَإِنَّهَا مَضْمُونَةٌ (قَوْلُهُ: بَعْدَ الرُّجُوعِ جَاهِلًا) وَخَرَجَ بِهِ مَا لَوْ اسْتَعْمَلَ الْعَارِيَّةَ بَعْدَ جُنُونِ الْغَيْرِ غَيْرَ عَالِمٍ بِهِ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ لِأَنَّهُ بَعْدَ جُنُونِهِ لَيْسَ أَهْلًا لِلْإِبَاحَةِ اهـ حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ: أَوْ وَلَا يُنْسَبُ لَهُ تَقْصِيرٌ بِعَدَمِ الْإِعْلَامِ، وَمِثْلُ الْجُنُونِ إغْمَاؤُهُ أَوْ مَوْتُهُ فَتَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ مُطْلَقًا لِبُطْلَانِ الْإِذْنِ بِالْإِغْمَاءِ وَالْمَوْتِ (قَوْلُهُ فَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ) وَانْظُرْ لَوْ اسْتَعْمَلَ الْعَيْنَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فِي الْإِعَارَةِ الْمُؤَقَّتَةِ جَاهِلًا بِانْقِضَائِهَا هَلْ هُوَ كَاسْتِعْمَالِهِ بَعْدَ الرُّجُوعِ فِي الْمُطْلَقَةِ حَتَّى لَا تَلْزَمَهُ أُجْرَةٌ أَوْ لَا وَيُفَرَّقُ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَدْ يُقَالُ: الْأَقْرَبُ الْفَرْقُ، فَإِنَّ الِاسْتِعْمَالَ فِي الْمُؤَقَّتَةِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْإِذْنُ أَصْلًا فَاسْتِعْمَالُهُ مَحْضُ تَعَدٍّ وَجَهْلُهُ إنَّمَا يُفِيدُ عَدَمَ الْإِثْمِ كَمَا لَوْ اسْتَعْمَلَ مَالَ غَيْرِهِ جَاهِلًا بِكَوْنِهِ مَالَهُ، وَقَدْ يُشْعِرُ بِالْفَرْقِ قَوْلُ الشَّارِحِ إذْ مَحَلُّهُ عِنْدَ عَدَمِ تَسْلِيطِ الْمَالِكِ إلَخْ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ الْمُسْتَعِيرِ الْمُسْتَعْمِلِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَارِثُهُ فِي وُجُوبِ الْأُجْرَةِ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَمْ يَشْمَلْهُ، هَذَا وَيَرُدُّ عَلَى قَوْلِهِ إذْ مَحَلُّهُ عِنْدَ عَدَمِ تَسْلِيطِ الْمَالِكِ إلَخْ مَا ذَكَرَهُ فِي الْقَسَمِ وَالنُّشُوزِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ
[حاشية الرشيدي]
لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَخْ
(قَوْلُهُ فِي إطْلَاقِ الزِّرَاعَةِ) صَوَابُهُ فِي إطْلَاقِ الْإِعَارَةِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ شَرْحِ الرَّوْضِ، وَمُرَادُهُ بِهَذَا الرَّدِّ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ فَلْيُرَاجَعْ.
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ جَوَازِ الْعَارِيَّةِ وَمَا لِلْمُعِيرِ]
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ جَوَازِ الْعَارِيَّةِ (قَوْلُهُ: الَّذِي عَبَّرَ بِهِ أَصْلُهُ) الَّذِي فِي أَصْلِهِ إنَّمَا هُوَ التَّعْبِيرُ بِالرُّجُوعِ فَهُوَ قَدْ عَبَّرَ عَمَّا فِي الْأَصْلِ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ: فَلَا يُنَافِيهِ) الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْوَاوِ بَدَلَ الْفَاءِ
إعْلَامِهِ، وَفَارَقَ نَظِيرَهُ فِي الْوَكَالَةِ بِأَنَّهَا عَقْدٌ وَالْإِعَارَةُ إبَاحَةٌ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ وَكِيلٌ اقْتَصَّ جَاهِلًا بِعَفْوِ مُوَكِّلِهِ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِتَوْكِيلِهِ فِي الْقَوَدِ إذْ هُوَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ، لِأَنَّ الْعَفْوَ مَطْلُوبٌ فَضَمِنَ زَجْرًا عَنْ التَّوْكِيلِ فِيهِ، وَلَوْ أَعَارَهُ لِحَمْلِ مَتَاعِهِ إلَى بَلَدٍ فَرَجَعَ قَبْلَ وُصُولِهِ لَزِمَهُ لَكِنْ بِالْأُجْرَةِ نَقْلُ مَتَاعِهِ إلَى مَأْمَنٍ، وَيَظْهَرُ أَنَّ مِثْلَهُ فِي ذَلِكَ نَفْسِهِ إذَا عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ أَوْ خَافَ وَعَلِمَ مِنْ جَوَازِهَا كَالْوَكَالَةِ انْفِسَاخَهَا بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ جُنُونِهِ أَوْ إغْمَائِهِ أَوْ الْحَجْرِ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، وَكَذَا بِحَجْرِ فَلَسٍ عَلَى الْمُعِيرِ كَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ، وَحَيْثُ انْفَسَخَتْ أَوْ انْتَهَتْ وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ أَوْ وَرَثَتِهِ إنْ مَاتَ رَدُّهَا فَوْرًا
[حاشية الشبراملسي]
أَبَاحَهُ ثَمَرَةَ بُسْتَانِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَعْلَمْ مَنْ أُبِيحَ لَهُ بِالرُّجُوعِ فَأَكَلَ الثَّمَرَةَ مِنْ أَنَّهُ يَضْمَنُ مَعَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَنَافِعِ وَالْأَعْيَانِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَخُصَّ بِالْمَنَافِعِ أَوْ أَنَّهُ جَرَى هُنَا عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْمَنَافِعَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ حَيْثُ اسْتَوْفَاهَا جَاهِلًا بِالرُّجُوعِ لِتَسْلِيطِ الْمَالِكِ لَهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فِي الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ فَفَسَخَ الْعَقْدَ وَلَمْ يُعْلِمْ بِذَلِكَ الْمُشْتَرِيَ فَاسْتَعْمَلَ الْمَبِيعَ جَاهِلًا لَمْ يَضْمَنْ مَا اسْتَوْفَاهُ مِنْ الْمَنَافِعِ، بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ كَاللَّبَنِ فَإِنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمُشْتَرِي لَوْ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فِي الْمَبِيعِ فَفَسَخَ الْعَقْدَ وَلَمْ يُعْلِمْ بِهِ الْبَائِعَ وَاسْتَعْمَلَ الثَّمَنَ الْمُعَيَّنَ أَوْ اسْتَوْفَى مِنْهُ عَيْنًا وَيَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي نَظَائِرِهِ (قَوْلُهُ: تَوْجِيهًا لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ فِي الضَّمَانِ) بِقَوْلِهِ إذْ مَحَلُّهُ عِنْدَ عَدَمِ تَسْلِيطِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُقَصِّرْ) أَيْ الْمُعِيرُ، وَقَوْلُهُ بِتَرْكِ إعْلَامِهِ أَيْ الْمُسْتَعِيرِ (قَوْلُهُ: وَفَارَقَ نَظِيرَهُ فِي الْوَكَالَةِ) حَيْثُ قِيلَ بِبُطْلَانِ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ بَعْدَ عَزْلِ الْمُوَكَّلِ لَهُ وَقَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا ضَمِنَ وَكِيلٌ) أَيْ بِالدِّيَةِ لَا بِالْقِصَاصِ (قَوْلُهُ: إذْ هُوَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ) أَيْ بَلْ يَنْبَغِي كَرَاهَتُهُ (قَوْلُهُ فَرَجَعَ) أَيْ الْمُعِيرُ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ) أَيْ الْمُعِيرَ (قَوْلُهُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ) أَيْ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ إنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ (قَوْلُهُ: أَوْ جُنُونِهِ) هَذَا شَامِلٌ لِمَا لَوْ كَانَتْ الْعَارِيَّةُ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ كَأَنْ كَانَتْ مِنْ مُسْتَأْجِرٍ أَوْ دَعَتْ إلَيْهَا ضَرُورَةٌ فَهَلَّا قِيلَ بِعَدَمِ انْفِسَاخِهَا، وَالْحَالَةُ مَا ذُكِرَ لِجَوَازِ إنْشَائِهَا مِنْ الْوَلِيِّ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ الِانْتِفَاعُ بِهَا مُسْتَنِدًا لِعَقْدِ الْمُسْتَعِيرِ وَقَدْ زَالَتْ أَهْلِيَّتُهُ قُلْنَا بِبُطْلَانِ عَقْدِهِ، وَلَيْسَ ثَمَّ مَا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ فِي الِانْتِفَاعِ لِيَكُونَ اسْتِدَامَةً، وَالْوَلِيُّ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إنْشَاءِ الْعَقْدِ إنْ أَرَادَهُ بِأَنْ رَآهُ مَصْلَحَةً (قَوْلُهُ: أَوْ الْحَجْرِ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ) أَيْ عَلَى أَحَدِهِمَا (قَوْلُهُ: وَكَذَا بِحَجْرِ فَلَسٍ) لَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُفْلِسَ تَجُوزُ لَهُ إعَارَةُ عَيْنٍ مِنْ مَالِهِ زَمَنًا لَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ، وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا كَانَ الْبَاقِي مِنْ الْمُدَّةِ مَثَلًا كَذَلِكَ عَدَمُ الِانْفِسَاخِ (قَوْلُهُ: أَوْ انْتَهَتْ) أَيْ بِأَنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً بِمُدَّةٍ وَانْقَضَتْ (قَوْلُهُ: رَدَّهَا فَوْرًا) ظَاهِرُهُ وُجُوبُ الرَّدِّ فَوْرًا عَلَى الْمَالِكِ وَإِنْ اسْتَعَارَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَا يَكْفِي الرَّدُّ عَلَيْهِ، لَكِنْ قَدَّمْت فِي الْإِقْرَارِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ غَصَبُوا مِنْ زَيْدٍ إلَخْ أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ يُرَدُّ عَلَيْهِ وَيَبْرَأُ الْغَاصِبُ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَوَارِثُهُ كَذَلِكَ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي كَوْنِ مَا ذَكَرَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِ إذْ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ إلَخْ لَا يَقْتَضِي قَصْرَ الرَّدِّ (قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ ضَمِنَ وَكِيلٌ اقْتَصَّ جَاهِلًا إلَخْ) فِي هَذَا الِاسْتِنْتَاجِ وَقْفَةٌ لَا تَخْفَى، سِيَّمَا وَقَدْ عَلَّلَ الْحُكْمَ بِمَا يَأْتِي فَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ مِمَّا قَبْلَهُ حَتَّى يُسْتَنْتَجَ مِنْهُ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَإِنَّمَا ضَمِنَ وَكِيلٌ إلَخْ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِسِيَاقِ شَرْحِ الرَّوْضِ، إذْ هُوَ جَوَابٌ عَمَّا يَرِدُ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ الِاخْتِلَافِ بِالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ عِنْدَ عَدَمِ تَسْلِيطِ الْمَالِكِ فَيُقَالُ: مَسْأَلَةُ الْوَكَالَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا تَسْلِيطٌ فَلِمَ ضَمِنَ الْوَكِيلُ مُطْلَقًا؟ فَأَجَابَ بِمَا ذَكَرَ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَمَا مَرَّ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ الْمُعِيرُ، فَإِنْ أُخِّرَ الْوَرَثَةُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِمْ ضُمِنَتْ فِي التَّرِكَةِ وَلَا أُجْرَةَ وَإِلَّا ضَمِنُوهَا مَعَ الْأُجْرَةِ، وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ فِي هَذِهِ عَلَيْهِمْ وَفِيمَا قَبْلَهَا عَلَى التَّرِكَةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَمْ يَلْزَمْهُمْ سِوَى التَّخْلِيَةِ، وَكَالْوَرَثَةِ فِي ذَلِكَ وَلِيُّهُ لَوْ جُنَّ أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ.
وَالْمُرَادُ بِجَوَازِ الْعَارِيَّةِ جَوَازُهَا أَصَالَةً وَإِلَّا فَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا اللُّزُومُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (إلَّا إذَا) (أَعَارَ لِدَفْنِ) مَيِّتٍ مُحْتَرَمٍ وَدُفِنَ (فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يَنْدَرِسَ أَثَرُ الْمَدْفُونِ) بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ فَيَرْجِعُ حِينَئِذٍ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ أُذِنَ لَهُ فِي تَكْرِيرِ الدَّفْنُ وَإِلَّا فَالْعَارِيَّةُ انْتَهَتْ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ دُفِنَ بِحَقٍّ وَفِي النَّبْشِ هَتْكُ حُرْمَةٍ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ عَجْبُ الذَّنَبِ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَنْدَرِسْ إلَّا أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَجْزَاءِ الَّتِي تُحَسُّ وَهُوَ لَا يُحَسُّ، وَحُكْمُ الْوَرَثَةِ حُكْمُ مُوَرِّثِهِمْ فِي عَدَمِ الرُّجُوعِ، وَلَا أُجْرَةَ لِذَلِكَ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَةِ الْمَيِّتِ وَلِقَضَاءِ الْعُرْفِ بِعَدَمِ الْأُجْرَةِ وَالْمَيِّتُ لَا مَالَ لَهُ، وَعُلِمَ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالِانْدِرَاسِ لُزُومُهَا فِي دَفْنِ النَّبِيِّ وَالشَّهِيدِ لِعَدَمِ بَلَائِهِمَا، فَلَا يَرِدُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ إنْ رَجَعَ بَعْدَ تَمَامِ الدَّفْنِ، فَلَوْ رَجَعَ بَعْدَ وَضْعِ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ وَلَمْ يُوَارَ لَمْ يُؤَثِّرْ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ نُقِلَ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ جَوَازُهُ وَلِلْمُعِيرِ سَقْيُ شَجَرَةِ الْمَقْبَرَةِ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى الْمَالِكِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي مَوْتِ الْمُعَارِ وَبِهَا عَبَّرَ حَجّ (قَوْلُهُ: وَلَا أُجْرَةَ) أَيْ لِلْعَيْنِ الْمُعَارَةِ فِي مُدَّةِ التَّأْخِيرِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا ضَمِنُوهَا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَضَعْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَلَعَلَّ مَحَلَّهُ إذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُصُولُهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ خَلِيفَةُ الْمُوَرِّثِ فَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُهُ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ وَلَا تَوَقَّفَ إلَخْ أَنَّهُ لَوْ تَوَقَّفَ رَدُّهَا عَلَى وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا فَأَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا فَتَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا كَمَا لَوْ تَلِفَتْ قَبْلَ وَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَفِيمَا قَبْلَهَا) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُمْ حَيْثُ رَدُّوا فَوْرًا أَوْ عَقِبَ زَوَالِ الْمَانِعِ مِنْ الرَّدِّ لَا أُجْرَةَ عَلَيْهِمْ إذْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ الرَّدِّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) أَيْ التَّرِكَةُ (قَوْلُهُ لَوْ جُنَّ) لَمْ يَقُلْ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا وَلِيَّ لَهُ إلَّا إنْ زَادَتْ مُدَّةُ إغْمَائِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ (قَوْلُهُ: وَكَالْوَرَثَةِ فِي ذَلِكَ وَلِيُّهُ) أَيْ الْمُسْتَعِيرُ
(قَوْلُهُ: لِدَفْنِ مَيِّتٍ مُحْتَرَمٍ) وَهُوَ كُلُّ مَنْ وَجَبَ دَفْنُهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ الزَّانِي الْمُحْصِنُ وَتَارِكُ الصَّلَاةِ وَالذِّمِّيُّ وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ، وَخَرَجَ بِالْمُعِيرِ الْمُسْتَأْجِرُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفِنَ مَوْتَاهُ فِيهَا إلَّا إنْ عَمَّمَ لَهُ الْمُؤَجِّرُ فِي الِانْتِفَاعِ وَنَصَّ لَهُ عَلَى الدَّفْنِ بِخُصُوصِهِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ فَهَلْ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُعِيرَهَا لِغَيْرِهِ لِلدَّفْنِ فِيهَا لِجَوَازِ ذَلِكَ لَهُ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ أَمْ لَا فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: وَدُفِنَ) بَقِيَ مَا لَوْ وُضِعَ فِي الْقَبْرِ بِالْفِعْلِ ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهُ لِغَرَضٍ مَا كَتَوْسِعَةِ الْقَبْرِ أَوْ إصْلَاحِ كَفَنِهِ مَثَلًا فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مَا قِيلَ فِيمَا لَوْ أَظْهَرَهُ سَيْلٌ أَوْ سَبُعٌ الْآتِي (قَوْلُهُ: فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يَنْدَرِسَ) وَيُعْلَمَ ذَلِكَ بِمُضِيِّ مُدَّةٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ انْدِرَاسُهُمْ فِيهَا (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ قَدْ أَذِنَ لَهُ) تَصْوِيرٌ لِصُورَةِ الرُّجُوعِ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ الْكَلَامَ) الْأَوْلَى لِأَنَّ إلَخْ (قَوْلُهُ: فِي الْأَجْزَاءِ الَّتِي تُحَسُّ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يُحَسُّ مِنْ الْأَجْزَاءِ كَعَجْبِ الذَّنَبِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: لُزُومُهَا) أَيْ الْعَارِيَّةِ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ بَلَائِهِمَا) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مِثْلَهُمَا غَيْرُهُمَا مِمَّنْ ثَبَتَ فِيهِمْ عَدَمُ الِانْدِرَاسِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ لِعَدَمِ عِلْمِنَا بِالشُّرُوطِ الْمُقْتَضِيَةِ لِعَدَمِ بَلَائِهِمْ (قَوْلُهُ: فَلَوْ رَجَعَ بَعْدَ وَضْعِ الْمَيِّتِ) أَيْ أَوْ إدْلَائِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ وَعِبَارَتُهُ بَلْ يَتَّجِهُ امْتِنَاعُ الرُّجُوعِ بِمُجَرَّدِ إدْلَائِهِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى أَرْضِ الْقَبْرِ لِأَنَّ فِي عَوْدِهِ مِنْ هَوَاءِ الْقَبْرِ بَعْدَ إدْلَائِهِ إزْرَاءً بِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَقَوْلُ سم بِمُجَرَّدِ إدْلَائِهِ: أَيْ أَوْ إدْلَاءِ بَعْضِهِ فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: لَمْ يُؤَثِّرْ) أَيْ الرُّجُوعُ (قَوْلُهُ: وَلِلْمُعِيرِ سَقْيُ شَجَرَةِ الْمَقْبَرَةِ)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَإِلَّا ضَمِنُوهَا) أَيْ: فِي أَمْوَالِهِمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(قَوْلُهُ: لَمْ يُؤَثِّرْ) هُوَ عَيْنُ مَا قَبْلَهُ فَكَانَ اللَّائِقُ خِلَافَ هَذَا التَّعْبِيرِ.
وَحَاصِلُ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ الْخِلَافُ فِي هَذَا وَالْوِفَاقُ فِي ذَاكَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ:
إنْ أَمِنَ ظُهُورَ شَيْءٍ مِنْ الْمَيِّتِ وَضَرَرِهِ، وَلَوْ أَظْهَرَهُ السَّيْلُ مِنْ قَبْرِهِ وَجَبَ إعَادَتُهُ فِيهِ فَوْرًا مَا لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ إلَى مَوْضِعٍ مُبَاحٍ يُمْكِنُ دَفْنُهُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ فَلَا يَجُوزُ كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَعَلَى الْمُعِيرِ لِوَلِيِّ الْمَيِّتِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ مُؤْنَةُ حَفْرِ مَا رَجَعَ فِيهِ قَبْلَ الدَّفْنِ لِأَنَّهُ الْمُوَرِّطُ لَهُ، وَفَارَقَ مَا لَوْ بَادَرَ إلَى الْأَرْضِ بَعْدَ تَكْرِيبِ الْمُسْتَعِيرِ لَهَا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ التَّكْرِيبِ بِأَنَّ الدَّفْنَ لَا يُمْكِنُ بِدُونِ الْحَفْرِ وَالزَّرْعُ يُمْكِنُ بِدُونِ التَّكْرِيبِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَعَارَهُ لِغِرَاسٍ أَوْ بِنَاءٍ مِنْ لَازِمِهِ التَّكْرِيبُ وَرَجَعَ بَعْدَهُ غَرِمَ لَهُ أُجْرَةَ الْحَفْرِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَوْ انْفَسَخَتْ بِنَحْوِ جُنُونِ الْمُعِيرِ لَمْ تَلْزَمْهُ مُؤْنَةُ حَفْرِ الْقَبْرِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ، وَلَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ طَمُّ مَا حَفَرَهُ لِلْإِذْنِ لَهُ فِيهِ.
وَفِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْبَيَانِ: لَوْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِحَفْرِ بِئْرٍ فِيهَا صَحَّ، فَإِذَا نَبَعَ الْمَاءُ جَازَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَخْذُهُ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ بِالْإِبَاحَةِ وَلِلْمُتَوَلِّي تَفْصِيلٌ حَاصِلُهُ أَنَّ لِلْمُعِيرِ إذَا رَجَعَ مَنْعَهُ مِنْ الِاسْتِقَاءِ وَلَهُ طَمُّهَا مَعَ غُرْمِ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْمُؤْنَةِ وَتَمَلُّكُهَا بِالْبَدَلِ إنْ كَانَ لَهُ فِيهَا عَيْنٌ كَآجُرٍّ وَخَشَبٍ، وَإِلَّا فَإِنْ قُلْنَا الْقُصَارَةُ وَنَحْوُهَا كَالْأَعْيَانِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا، وَالتَّقْرِيرُ بِأُجْرَةٍ إنْ احْتَاجَ الِاسْتِقَاءَ إلَى نَحْوِ اسْتِطْرَاقٍ فِي مِلْكِهِ وَأَخْذُهَا فِي مُقَابَلَتِهِ، فَإِنْ أَخَذَهَا فِي مُقَابَلَةِ الْمَاءِ فَلَا بُدَّ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ وَإِنْ حَدَثَتْ بَعْدَ الدَّفْنِ لِجَوَازِ تَصَرُّفِهِ فِي ظَاهِرِ الْأَرْضِ بِمَا لَا يَضُرُّ الْمَيِّتَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَظْهَرَهُ السَّيْلُ) أَيْ أَوْ السَّبُعُ (قَوْلُهُ: وَجَبَ إعَادَتُهُ فِيهِ فَوْرًا) أَيْ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ بِهِ فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ،، وَاعْتَمَدَ م ر أَنَّهُ إنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ لَمْ تُقْسَمْ سم فَمُؤْنَةُ الرَّدِّ فِيهَا وَإِنْ قُسِمَتْ سم فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالُوهُ فِيمَا لَوْ سُرِقَ كَفَنُهُ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ) أَيْ عَنْ مُدَّةِ إرْجَاعِهِ لِلْأَوَّلِ بِأَنْ كَانَ مُسَاوِيًا أَوْ أَقْرَبَ (قَوْلُهُ: فَلَا تَجُوزُ) أَيْ إعَادَتُهُ، وَالْأَوْلَى فَلَا تَجِبُ لِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْمُبَاحُ مُسَاوِيًا لِلْأَوَّلِ أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُ بَلْ أَوْ أَقْرَبَ فَلَا مَعْنَى لِوُجُوبِ إعَادَتِهِ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّ عَوْدَهُ إلَيْهِ لَا إزْرَاءَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ وَيُمْكِنُ تَخْصِيصُ عَدَمِ الْجَوَازِ بِمَا إذَا كَانَ مَحَلُّهُ أَبْعَدَ مِنْ الْمُبَاحِ أَوْ كَانَ عَوْدُهُ إلَى الْأَوَّلِ يَحْتَاجُ إلَى إصْلَاحِ الْقَبْرِ (قَوْلُهُ: لِوَلِيِّ الْمَيِّتِ) أَيْ وَارِثِهِ (قَوْلُهُ: مُؤْنَةُ حَفْرِ مَا رَجَعَ فِيهِ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ حَفَرَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحْفِرُ لَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ حَفَرَهُ لَهُ مُتَبَرِّعٌ بِقَصْدِ الْمُسْتَعِيرِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْمُوَرِّطُ لَهُ) أَيْ إعَارَتُهُ إيَّاهُ الْأَرْضَ فَمَنْعُهُ مِنْ الدَّفْنِ تَقْصِيرٌ (قَوْلُهُ: مَا لَوْ بَادَرَ إلَخْ) أَيْ بَادَرَ الْمُعِيرُ إلَى الرُّجُوعِ فِي الْأَرْضِ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ تَكْرِيبٍ: أَيْ حَرْثٍ، وَقَوْلُهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ: أَيْ مِنْ قَوْلِهِ بِأَنَّ الدَّفْنَ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَوْ بِنَاءٍ) أَيْ أَوْ زَرْعٍ (قَوْلُهُ: غَرِمَ لَهُ أُجْرَةَ الْحَفْرِ وَهُوَ كَذَلِكَ) . قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ بَعْدَمَا ذَكَرَ: قَالَ م ر: وَصُورَةُ مَسْأَلَةِ الْقَبْرِ أَنْ يَكُونَ الْحَافِرُ الْوَارِثَ، فَلَوْ كَانَ الْحَافِرُ الْمَيِّتَ بِأَنْ اسْتَعَارَ الْأَرْضَ لِيَحْفِرَ لَهُ فِيهَا قَبْرًا فَحَفَرَهُ ثُمَّ مَاتَ فَرَجَعَ الْمُعِيرُ لَمْ يَغْرَمْ أُجْرَةَ الْحَفْرِ، وَأَظُنُّهُ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيمَا حَفَرَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَلْيُرَاجَعْ اهـ (قَوْلُهُ: كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ) لَعَلَّهُ بِمُلَاحَظَةِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ رُجُوعَهُ بَعْدَ الْإِذْنِ تَقْصِيرٌ وَإِضْرَارٌ وَهُمَا مُنْتَفِيَانِ هُنَا (قَوْلُهُ: لِلْإِذْنِ لَهُ) أَيْ لِلْوَارِثِ (قَوْلُهُ: وَلِلْمُتَوَلِّي إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَلَهُ) أَيْ الْمُعِيرِ طَمُّهَا مَعَ غُرْمِ مَا الْتَزَمَهُ: أَيْ الْمُعِيرُ بِتَوْرِيطِ الْمُسْتَعِيرِ فِي الْحَفْرُ وَالْمُرَادُ بِالْمُؤْنَةِ مَا يُقَابِلُ الْحَفْرَ عَادَةً لَا مَا صَرَفَهُ الْمُسْتَعِيرُ عَلَى الْحَفْرِ (قَوْلُهُ إنْ كَانَ لَهُ) أَيْ الْمُسْتَعِيرِ (قَوْلُهُ: فَكَذَلِكَ) أَيْ لَهُ تَمَلُّكُهَا بِالْبَدَلِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِتَمَلُّكِهَا غُرْمُ مَا زَادَ فِي قِيمَتِهَا بِسَبَبِ الْحَفْرِ (قَوْلُهُ: وَأَخَذَهَا) أَيْ الْأُجْرَةَ وَقَوْلُهُ فِي مُقَابَلَتِهِ: أَيْ الِاسْتِطْرَاقِ،
[حاشية الرشيدي]
فَلَوْ رَجَعَ بَعْدَ وَضْعِ الْمَيِّتِ فَفِيهِ خِلَافٌ الْمُعْتَمَدُ مِنْهُ عَدَمُ التَّأْثِيرِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: مِنْ لَازِمِهِ التَّكْرِيبُ) الْأَوْلَى الْحَفْرُ وَالتَّكْرِيبُ الْحَرْثُ (قَوْلُهُ: وَلِلْمُتَوَلِّي تَفْصِيلٌ حَاصِلُهُ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إنْ قَصَدَ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْهَا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ الْمُعِيرُ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ الِاسْتِقَاءِ، وَإِنْ أَرَادَ طَمَّهَا وَيَغْرَمُ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْمُؤْنَةِ جَازَ، وَإِنْ
مِنْ شُرُوطِ الْمَبِيعِ أَوْ تَرْكِ الطَّمِّ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ وَضْعَ الْإِجَارَةِ جَلْبُ النَّفْعِ لَا دَفْع الضَّرَرِ، فَإِنْ كَانَتْ بِئْرُ حُشٍّ أَوْ يَجْتَمِعُ فِيهَا مَاءُ الْمَزَارِيبِ، وَأَرَادَ الطَّمَّ أَوْ التَّمَلُّكَ فَكَمَا مَرَّ، أَوْ التَّقْرِيرُ بِعِوَضٍ فَكَمَا لَوْ صَالَحَ عَلَى إجْرَاءِ الْمَاءِ عَلَى سَطْحٍ بِمَالٍ وَإِلَّا إذَا أَعَارَ كَفَنًا وَكُفِّنَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُدْفَنْ فَإِنَّ الْأَصَحَّ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ وَلَا يَرْجِعُ فِيهِ حَتَّى يَنْدَرِسَ أَيْضًا، وَإِلَّا إذَا قَالَ أَعِيرُوا دَارِي بَعْدَ مَوْتِي لِزَيْدٍ سَنَةً مَثَلًا وَخَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ فَيَمْتَنِعُ عَلَى الْوَارِثِ الرُّجُوعُ، أَوْ نَذَرَ أَنْ يُعِيرَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً أَوْ أَنْ لَا يَرْجِعَ، وَإِلَّا إذَا رَجَعَ مُعِيرُ سَفِينَةٍ بِهَا أَمْتِعَةٌ مَوْضُوعَةٌ وَهِيَ فِي اللُّجَّةِ وَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ مِنْ حِينَئِذٍ كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ كَمَا لَوْ رَجَعَ قَبْلَ انْتِهَاءِ الزَّرْعِ.
وَإِلَّا إذَا أَعَارَ ثَوْبًا لِلسِّتْرِ أَوْ الْفَرْشِ عَلَى نَجِسٍ فِي مَفْرُوضَةٍ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ لِحُرْمَةِ قَطْعِ الْفَرْضِ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْبَحْرِ لَيْسَ لِلْمُعِيرِ الِاسْتِرْدَادُ وَلَا لِلْمُسْتَعِيرِ الرَّدُّ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْمَجْمُوعِ: لَوْ رَجَعَ الْمُعِيرُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ نَزَعَهُ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، وَقِيَاسُهُ ذَلِكَ فِي الْمَفْرُوشِ عَلَى النَّجِسِ إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْأَوْجَهُ لُزُومُ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَقَلِّ مُجْزِئٍ مِنْ وَاجِبَاتِهَا بَعْدَ الرُّجُوعِ، وَقَدْ حَمَلَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلَ عَلَى مَا إذَا اسْتَعَارَ ذَلِكَ لِيُصَلِّيَ فِيهِ الْفَرْضَ وَرَجَعَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فَهِيَ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَتِهِمَا.
وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا اسْتَعَارَهَا لِمُطْلَقِ الصَّلَاةِ
[حاشية الشبراملسي]
وَقَوْلُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ وَذَلِكَ بِأَنَّهُ يَبِيعُهُ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ (قَوْلُهُ: أَوْ تَرَكَ الطَّمَّ لَمْ يَجُزْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا خَلَا عَنْ الِاسْتِطْرَاقِ فِي مِلْكِهِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي حَفَرَ فِيهَا الْبِئْرَ تُقَابَلُ فِي نَفْسِهَا بِأُجْرَةٍ، وَيَنْبَغِي جَوَازُ أَخْذِ الْأُجْرَةِ لِمِثْلِ تِلْكَ الْأَرْضِ مُجَرَّدَةً عَنْ الْحَفْرِ (قَوْلُهُ: فَكَمَا مَرَّ) مِنْ جَوَازِ الطَّمِّ إنْ غَرِمَ لَهُ الْمُؤْنَةَ.
وَمِنْ التَّخْيِيرِ بَيْنَ التَّمَلُّكِ بِالْقِيمَةِ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: فَكَمَا لَوْ صَالَحَ عَلَى إجْرَاءِ الْمَاءِ إلَخْ) أَيْ فَيَجُوزُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا إذَا أَعَارَ كَفَنًا إلَخْ) وَلَوْ أَعَارَ كَفَنًا فَيَنْبَغِي امْتِنَاعُ الرُّجُوعِ بِوَضْعِ الْمَيِّتِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُلَفَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ فِي أَخْذِهِ إزْرَاءً بِالْمَيِّتِ بَعْدَ الْوَضْعِ، وَيَتَّجِهُ عَدَمُ الْفَرْقِ فِي الِامْتِنَاعِ بَيْنَ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَالثَّلَاثِ بَلْ وَالْخَمْسِ بِخِلَافِ مَا زَادَ م ر: وَقَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يُلَفَّ عَلَيْهِ: أَيْ بِخِلَافِ هَوِيِّهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ وَضْعٍ فَلَا يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا إذَا رَجَعَ مُعِيرُ سَفِينَةٍ بِهَا إلَخْ) قَالَ سم عَلَى حَجّ أَيْ فَيَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إلَى أَقْرَبِ مَأْمَنٍ: أَيْ وَلَوْ مَبْدَأَ السَّيْرِ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ إنْ كَانَ أَقْرَبَ، وَقَوْلُهُ وَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ إلَخْ ظَاهِرُ الْعِبَارَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّهُ حَيْثُ قِيلَ بِوُجُوبِ الْأُجْرَةِ اسْتَوْقَفَ وُجُوبُهَا عَلَى عَقْدٍ، بَلْ حَيْثُ رَجَعَ وَجَبَ لَهُ أُجْرَةٌ مِثْلُ كُلِّ مُدَّةٍ مَضَتْ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ حَيْثُ وَجَبَتْ الْأُجْرَةُ صَارَتْ الْعَيْنُ أَمَانَةً لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي الْأَصْلِ عَارِيَّةً صَارَ لَهَا حُكْمُ الْمُسْتَأْجَرَةِ.
[فَائِدَةٌ] كُلُّ مَسْأَلَةٍ امْتَنَعَ عَلَى الْمُعِيرِ الرُّجُوعُ فِيهَا تَجِبُ لَهُ الْأُجْرَةُ إلَّا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ: إذَا أَعَارَ أَرْضًا لِلدَّفْنِ فِيهَا فَلَا رُجُوعَ لَهُ قَبْلَ انْدِرَاسِ الْمَيِّتِ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَمِثْلُهَا إعَارَةُ الثَّوْبِ لِلتَّكْفِينِ فِيهِ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْعَادَةِ بِالْمُقَابِلِ، وَإِذَا أَعَارَ الثَّوْبَ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ أَيْضًا، وَمِثْلُهَا إذَا أَعَارَ سَيْفًا لِلْقِتَالِ، فَإِذَا الْتَقَى الصَّفَّانِ امْتَنَعَ الرُّجُوعُ وَلَا أُجْرَةَ لِقِلَّةِ زَمَنِهِ عَادَةً كَمَا يُفِيدُ ذَلِكَ كَلَامُ سم عَلَى مَنْهَجٍ وَنَقْلُ اعْتِمَادِ م ر فِيهِ (قَوْلُهُ: وَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ مِنْ حِينَئِذٍ) أَيْ الرُّجُوعِ فِي السَّفِينَةِ فَقَطْ
(قَوْلُهُ: لِحُرْمَةِ قَطْعِ الْفَرْضِ) وَيَنْبَغِي لُزُومُ الْأُجْرَةِ حَيْثُ كَانَ الْبَاقِي مِنْ زَمَنِ الصَّلَاةِ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ، لَكِنْ فِي سم عَلَى مَنْهَجٍ مَا يُخَالِفُهُ، وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّ الْعُرْفَ قَاضٍ بِعَدَمِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ لِذَلِكَ كَمَا قِيلَ بِهِ فِيمَا لَوْ رَجَعَ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ الْإِعَارَةِ لِلدَّفْنِ (قَوْلُهُ الْأَوَّلَ عَلَى مَا إذَا اسْتَعَارَ إلَخْ) هُوَ قَوْلُ الْبَحْرِ لَيْسَ لِلْمُعِيرِ الِاسْتِرْدَادُ إلَخْ (قَوْلُهُ وَالثَّانِيَ عَلَى مَا إذَا اسْتَعَارَهَا) وَهُوَ قَوْلُ الْمَجْمُوعِ لَوْ رَجَعَ الْمُعِيرُ نَزَعَهُ
[حاشية الرشيدي]
أَرَادَ تَمَلُّكَهَا بِالْبَدَلِ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهَا عَيْنٌ كَآجُرٍّ وَخَشَبٍ جَازَ كَمَا فِي الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَوْ تَرْكٍ) بِالْجَرِّ (قَوْلُهُ: أَمْتِعَةٌ مَوْضُوعَةٌ) كَذَا فِي النُّسَخِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: أَمْتِعَةٌ مَعْصُومَةٌ، وَلَعَلَّ مَا فِي الشَّرْحِ مُحَرَّفٌ عَنْهُ مِنْ النُّسَّاخِ
فَتَكُونُ لَازِمَةً مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَعِيرِ فَقَطْ إنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ، وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ وَنَزْعُ الثَّوْبِ، وَلَا إعَادَةَ وَجَائِزَةٌ مِنْ جِهَتِهِمَا إنْ أَحْرَمَ بِنَفْلٍ، وَإِلَّا إذَا أَعَارَ سُتْرَةً لِيَسْتَتِرَ بِهَا فِي الْخَلْوَةِ أَوْ أَعَارَ دَارًا لِسُكْنَى مُعْتَدَّةٍ فَهِيَ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَعِيرِ، وَإِلَّا إذَا أَعَارَ جِذْعًا لِيَسْنُدَ بِهِ جِدَارًا مَائِلًا فَيَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ فِيمَا يَظْهَرُ وِفَاقًا لِلْبَحْرِ، وَالْأَوْجَهُ ثُبُوتُ الْأُجْرَةِ لَهُ، وَكَذَا لَوْ أَعَارَ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَمَّا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ كَآلَةٍ لِسَقْيٍ مُحْتَرَمٍ أَوْ مَا يَقِي نَحْوُ بَرْدٍ مُهْلِكٍ أَوْ مَا يُنْقِذُ بِهِ غَرِيقًا، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ ثُبُوتُ الْأُجْرَةِ أَيْضًا.
(وَإِذَا) (أَعَارَ لِلْبِنَاءِ أَوْ) لِغَرْسِ (الْغِرَاسِ وَلَمْ يَذْكُرْ مُدَّةً) بِأَنْ أَطْلَقَ (ثُمَّ رَجَعَ) بَعْدَ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ (إنْ كَانَ) الْمُعِيرُ (شَرَطَ الْقَلْعَ مَجَّانًا) أَيْ بِلَا بَدَلٍ (لَزِمَهُ) عَمَلًا بِالشَّرْطِ، فَإِنْ امْتَنَعَ فَلِلْمُعِيرِ الْقَلْعُ، وَيَلْزَمُ الْمُسْتَعِيرَ أَيْضًا تَسْوِيَةُ حَفْرٍ إنْ شَرَطَهَا وَإِلَّا فَلَا، وَاحْتَرَزَ بِمَجَّانًا عَمَّا لَوْ شَرَطَ الْقَلْعَ وَغُرْمَ أَرْشِ النَّقْصِ.
فَيَلْزَمُهُ، وَإِنْ ذَهَبَ جَمْعٌ تَبَعًا لِلنَّصِّ وَالْجُمْهُورِ إلَى أَنَّ الصَّوَابَ حَذْفُ مَجَّانًا، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي وُقُوعِ شَرْطِ الْقَلْعِ بِلَا أَرْشٍ أَوْ مَعَهُ صُدِّقَ الْمُعِيرُ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْعَارِيَّةِ،
[حاشية الشبراملسي]
وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ (قَوْلُهُ: إنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ) وَعَلَى هَذَا لَوْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ صَلَاتِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا لَيْسَ لَهُ إعَادَتُهَا فِي الثَّوْبِ إلَّا بِإِذْنٍ جَدِيدٍ، كَذَا نُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ سم بِبَعْضِ الْهَوَامِشِ، وَأَمَّا إذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْأَثْنَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا يَطُولُ زَمَنُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ كَانَ كَالتَّبَيُّنِ بَعْدَهَا، وَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَاضِي قَبْلَ التَّبَيُّنِ مِمَّا يَقَعُ قَدْرُهُ فِي تَطْوِيلُ الصَّلَاةِ عَادَةً جَازَ إعَادَتُهَا فِيهِ بِلَا إذْنٍ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ بُطْلَانَهَا وَطُولَ ذَلِكَ الْقَدْرِ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ، وَبَقِيَ مَا لَوْ اسْتَعَارَ سُتْرَةً لِصَلَاةٍ فَصَلَّى غَيْرَهَا هَلْ لِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: إنْ أَحْرَمَ بِمِثْلِهَا أَوْ دُونَهَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ عَدَدًا مِنْهَا كَأَنْ أَعَارَهُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَصَلَّى الظُّهْرَ مَثَلًا فَلَهُ الرُّجُوعُ، وَهَلْ يَرْجِعُ مِنْ الِابْتِدَاءِ أَوْ بَعْدَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ نُقِلَ عَنْ سم بِالدَّرْسِ الثَّانِي، وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ اسْتَعَارَهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ مَقْصُورَةً فَأَحْرَمَ بِهَا ثُمَّ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ فَهَلْ لِلْمُعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ تَمَامِ الرَّكْعَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا الْمَأْذُونُ فِيهِمَا وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ أَوْ لَا لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ فِيهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ وَيَلْزَمُهُ الْإِبْقَاءُ؟ فِيهِ نَظَرٌ
وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ حَيْثُ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ بَعْدَ اخْتِيَارِهِ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ، فَلَوْ رَجَعَ لَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ لَزِمَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَيَنْزِعُ الثَّوْبَ مِنْهُ وَيُصَلِّي عَارِيًّا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ اسْتَعَارَهُ لِصَلَاةِ فَرْضٍ وَأَطْلَقَ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلِّ الْفَرَائِضِ أَوْ يَتَخَيَّرُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي.
وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ اسْتَعَارَهُ لِيَخْطُبَ فِيهِ فَهَلْ لَهُ فِعْلُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْآنَ مِنْ الدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ وَإِنْ رَجَعَ الْمُعِيرُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَرْكَانِ فَقَطْ حَيْثُ رَجَعَ الْمُعِيرُ (قَوْلُهُ: فَهِيَ لَازِمَةٌ) أَيْ فِي إعَارَةِ الثَّوْبِ لِيَسْتَتِرَ بِهَا فِي الْخَلْوَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَعِيرِ) أَيْ لَا الْمُعِيرِ (قَوْلُهُ: فَيَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ) أَيْ مِنْ الْمُعِيرِ (قَوْلُهُ: ثُبُوتُ الْأُجْرَةِ أَيْضًا) أَيْ فِي السَّقْيِ وَمَا بَعْدَهُ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ) بَقِيَ مَا لَوْ رَجَعَ قَبْلَهُمَا فَلَيْسَ لَهُ فِعْلُهُمَا، قَالَ فِي الرَّوْضِ: فَإِنْ فَعَلَ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا بِرُجُوعِهِ قَلَعَ مَجَّانًا وَكُلِّفَ تَسْوِيَةَ الْأَرْضِ اهـ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَلْزَمَهُ الْأُجْرَةُ وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالرُّجُوعِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ الْمُعِيرُ شَرَطَ الْقَلْعَ مَجَّانًا) أَيْ أَوْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ مَجَّانًا فَيَلْزَمُهُ الْقَلْعُ فِي الصُّورَتَيْنِ بِلَا أَرْشٍ كَمَا أَفْهَمَهُ قَوْلُهُ وَاحْتَرَزَ بِمَجَّانًا عَمَّا لَوْ شَرَطَ الْقَلْعَ وَغَرِمَ أَرْشَ النَّقْصِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا) دَخَلَ فِيهِ مَا لَوْ اخْتَارَ الْمُعِيرُ الْقَلْعَ وَطَلَبَهُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ فَفَعَلَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ اخْتِيَارًا (قَوْلُهُ: عَمَّا لَوْ شَرَطَ) أَيْ الْمُعِيرُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَا إعَادَةَ) يَعْنِي فِي صُورَةِ السَّتْرِ (قَوْلُهُ: فِي الْخَلْوَةِ) أَيْ وَمِثْلُهَا غَيْرُهَا بِالْأَوْلَى كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، فَكَانَ يَنْبَغِي وَلَوْ فِي الْخَلْوَةِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي وُقُوعِ شَرْطِ الْقَلْعِ) هَذَا هُوَ مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ أَيْ بِأَنْ قَالَ الْمُعِيرُ: شَرَطْنَا الْقَلْعَ وَالْمُسْتَعِيرُ
لِأَنَّ مَنْ صُدِّقَ فِي شَيْءٍ صُدِّقَ فِي صِفَتِهِ، وَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى تَصْدِيقِ الْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الشَّرْطِ وَاحْتِرَامُ مَالِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَشْرُطْ عَلَيْهِ الْقَلْعَ (فَإِنْ اخْتَارَ الْمُسْتَعِيرُ الْقَلْعَ قَلَعَ) بِلَا أَرْشٍ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَقَدْ رَضِيَ بِنَقْصِهِ (وَلَا تَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْإِعَارَةَ مَعَ عِلْمِ الْمُعِيرِ بِأَنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يَقْلَعَ رِضًا بِمَا يُحْدِثُ مِنْ الْقَلْعِ (قُلْت: الْأَصَحُّ تَلْزَمُهُ)
التَّسْوِيَةُ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّهُ قَلَعَ بِاخْتِيَارِهِ وَلَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ إذَا قَلَعَ رَدُّهَا إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ لِيَرُدَّ كَمَا أَخَذَ، وَهَذَا هُوَ مُرَادُهُمْ بِالتَّسْوِيَةِ عِنْدَ إطْلَاقِهَا فَلَا يُكَلَّفُ تُرَابًا آخَرَ لَوْ كَانَ تُرَابُهَا لَا يَكْفِيهَا، وَمَحَلُّهُ كَمَا بَحَثَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ فِي حَفْرٍ حَاصِلُهُ بِالْقَلْعِ، بِخِلَافِ مَا حَصَلَ فِي زَمَنِ الْعَارِيَّةِ لِأَجْلِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ فَإِنَّهَا حَدَثَتْ بِالِاسْتِعْمَالِ وَهَذَا ظَاهِرٌ، بَلْ قَالَ الْأَذْرَعِيَّ: إنَّ كَلَامَ الْأَصْحَابِ مُصَرِّحٌ بِهَذَا التَّفْصِيلِ، وَلَوْ حَفَرَ زَائِدًا عَلَى حَاجَةِ الْقَلْعِ لَزِمَهُ الزَّائِدُ جَزْمًا (وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ) الْمُسْتَعِيرُ الْقَلْعَ (لَمْ يَقْلَعُ مَجَّانًا) لِاحْتِرَامِهِ إذْ هُوَ مَوْضُوعٌ بِحَقٍّ (بَلْ لِلْمُعِيرِ الْخِيَارُ) لِأَنَّهُ الْمُحْسِنُ وَلِأَنَّهُ مَالِكُ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ (بَيْنَ أَنْ يُبْقِيَهُ بِأُجْرَةٍ) لِمِثْلِهِ.
وَاسْتَشْكَلَ مَعَ جَهَالَةِ الْمُدَّةِ فَلِذَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَأَقْرَبُ مَا يُمْكِنُ سُلُوكُهُ مَا مَرَّ فِي بَيْعِ حَقِّ الْبِنَاءِ دَائِمًا عَلَى الْأَرْضِ بِعِوَضٍ حَالٍّ بِلَفْظِ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ فَيُنْظَرُ لِمَا شَغَلَ مِنْ الْأَرْضِ، ثُمَّ يُقَالُ لَوْ أَجَرَ هَذَا لِنَحْوِ بِنَاءٍ دَائِمًا بِحَالٍ كَمْ يُسَاوِي؟ فَإِذَا قِيلَ كَذَا أَوْجَبْنَاهُ، وَعَلَيْهِ فَالْأَوْجَهُ أَنَّ لَهُ إبْدَالَ مَا قَلَعَ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ مَلَكَ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ عَلَى الدَّوَامِ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمَّا
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَنْ صَدَقَ فِي شَيْءٍ صَدَقَ فِي صِفَتِهِ) وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي حُصُولِ التَّلَفِ بِالِاسْتِعْمَالِ حَيْثُ صَدَقَ الْمُسْتَعِيرُ ثُمَّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ الْمُعِيرُ هُنَا رَاجِعٌ لِلْعَقْدِ وَهُوَ لَوْ ادَّعَى عَدَمَهُ صَدَقَ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ التَّلَفَ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِ الْعَقْدِ فَرَجَحَ جَانِبُ الْمُسْتَعِيرِ فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ضَمَانِهِ وَيُؤْخَذُ هَذَا مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ لِأَنَّ مَنْ صَدَقَ فِي شَيْءٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَيَلْزَمُهُ إذَا قَلَعَ رَدُّهَا إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ) أَيْ بِأَنْ يُعِيدَ الْأَجْزَاءَ الَّتِي انْفَصَلَتْ مِنْهَا فَقَطْ (قَوْلُهُ: لَوْ كَانَ تُرَابُهَا لَا يَكْفِيهَا) أَيْ فَلَا تَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ الزَّائِدُ) أَيْ طَمُّهُ وَأَرْشُ نَقْصِهِ إنْ نَقَصَ.
(قَوْلُهُ: بَيْنَ أَنْ يُبْقِيَهُ بِأُجْرَةٍ) هَلْ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى عَقْدِ إيجَارٍ مِنْ إيجَابٍ وَقَبُولٍ أَمْ يَكْفِي مُجَرَّدُ اخْتِيَارِ الْمُعِيرِ فَتَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْوَجْهِ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَقْدِ إيجَارٍ، ثُمَّ رَأَيْت الشَّارِحَ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي فَتْوَى وَاسْتَدَلَّ مِنْ كَلَامِهِمْ بِمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ.
وَقَدْ يُقَالُ إنْ عَقَدَ فَلَا كَلَامَ وَإِلَّا وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
لَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ مِلْكُ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ قَدْ يُخَالِفُهُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمَّا رَضِيَ بِالْأُجْرَةِ وَأَخَذَهَا كَانَ كَأَنَّهُ أَجَرَهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ لِاخْتِصَاصِ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمَّا رَضِيَ إلَخْ بِمَا صَوَّرَ بِهِ مِنْ جَرَيَانِ عَقْدٍ بَيْنَهُمَا وَكَتَبَ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ يُبْقِيَهُ بِأُجْرَةٍ لَوْ أَرَادَ الْمُعِيرُ أَنْ يَسْكُنَ فِي بِنَاءِ الْمُسْتَعِيرِ وَيَدْفَعَ لَهُ أُجْرَتَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ مُوَافَقَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ) أَيْ قَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ وَأَقْرَبُ مَا يُمْكِنُ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَالْأَوْجَهُ أَنَّ لَهُ إبْدَالَ مَا قَلَعَ) هُوَ ظَاهِرٌ بِنَاءً عَلَى مَا صَوَّرَ بِهِ، وَتَقَدَّمَ عَنْ ع فِي بَابِ الصُّلْحِ أَنَّ مِنْ طُرُقِ التَّبَعِيَّةِ
[حاشية الرشيدي]
لَمْ نَشْرِطْهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِلَا أَرْشٍ أَوْ مَعَهُ فَهُوَ تَعْمِيمٌ فِي الْحُكْمِ: أَيْ سَوَاءٌ ذَكَرَا مَعَ ذَلِكَ اشْتِرَاطَ الْأَرْشِ أَوْ لَا، لَكِنْ قَوْلُهُ: وَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَخْ مُوهِمٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْبَعْضَ هُوَ الْأَذْرَعِيُّ وَالتَّعْلِيلُ لَهُ، وَفِي النُّسَخِ بَدَلُ قَوْلِهِ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ مَا نَصُّهُ: كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي التُّحْفَةِ، لَكِنْ الْمَوْجُودُ فِي كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ اخْتِيَارُ تَصْدِيقِ الْمُسْتَعِيرِ، وَعِبَارَتُهُ: وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي وُقُوعِ شَرْطِ الْقَلْعِ فَالظَّاهِرُ تَصْدِيقُ الْمُسْتَعِيرِ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُهُ وَاحْتِرَامُ مَالِهِ وَلَمْ أَرَهُ نَصًّا انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ) لَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: الْآتِي وَإِذَا اخْتَارَ مَا لَهُ اخْتِيَارُهُ لَزِمَ الْمُسْتَعِيرَ مُوَافَقَتُهُ، فَإِنْ أَبَى كُلِّفَ تَفْرِيغَ الْأَرْضِ مَجَّانًا لِتَقْصِيرِهِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِي امْتِنَاعِهِ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْمُعِيرِ وَهَذَا فِي امْتِنَاعِهِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا حَصَلَ فِي زَمَنِ الْعَارِيَّةِ لِأَجْلِ الْغَرْسِ إلَخْ) أَيْ: فَاَلَّذِي حَفَرَهُ وَغَرَسَ فِيهِ أَوْ بَنَى إذَا ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ
رَضِيَ بِالْأُجْرَةِ وَأَخَذَهَا كَانَ كَأَنَّهُ آجَرَهُ الْآنَ إجَارَةً مُؤَبَّدَةً (أَوْ يَقْلَعُ) أَوْ يَهْدِمُ الْبِنَاءَ وَإِنْ وَقَفَ مَسْجِدًا خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ إبْقَاؤُهُ بِالْأُجْرَةِ (وَيَضْمَنُ أَرْشَ نَقْصِهِ) وَهُوَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ قَائِمًا وَمَقْلُوعًا كَمَا فِي الْكِفَايَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُلَاحَظَةِ كَوْنِهِ مُسْتَحِقَّ الْأَخْذِ لِنَقْصِ قِيمَتِهِ حِينَئِذٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْعِمْرَانِيُّ،
وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ مُؤْنَةَ الْقَلْعِ عَلَى صَاحِبِ الْبِنَاءِ، وَالْغِرَاسُ كَالْإِجَارَةِ حَيْثُ يَجِبُ فِيهَا ذَلِكَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، أَمَّا أُجْرَةُ نَقْلِ النِّقْضِ فَعَلَى مَالِكِهِ قَطْعًا، وَلَوْ أَرَادَ تَمَلُّكَ الْبَعْضِ وَإِبْقَاءَ الْبَعْضِ بِالْأُجْرَةِ أَوْ الْقَلْعَ بِالْأَرْشِ وَإِبْقَاءَ الْبَعْضِ فَالْأَوْجَهُ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَدَمُ إجَابَتِهِ لِكَثْرَةِ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، إذْ مَا جَازَ فِيهِ التَّخْيِيرُ لَا يَجُوزُ تَبْعِيضُهُ كَالْكَفَّارَةِ (قِيلَ أَوْ يَتَمَلَّكُهُ) بِعَقْدٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ وَلَا يَلْحَقُ بِالشَّفِيعِ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ إنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ (بِقِيمَتِهِ) حَالَ التَّمَلُّكِ مُسْتَحِقَّ الْقَلْعِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَنَظَائِرِهِ مِنْ الشُّفْعَةِ وَغَيْرِهَا، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ إنَّهُمَا جَزَمَا بِهِ فِي مَوَاضِعَ، وَجَرَى عَلَيْهِ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ، وَلَمْ يَعْتَمِدُوا مَا فِي الرَّوْضَةِ هُنَا مِنْ تَخْصِيصِ التَّخْيِيرُ بِالتَّمَلُّكِ وَالْقَلْعِ وَلَا مَا فِي الْكِتَابِ فَالْمُعْتَمَدُ تَخْيِيرُهُ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، بَلْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهِبَةِ فِي رُجُوعِ الْأَبِ فِي هِبَتِهِ: إنَّهُ يُتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ كَالْعَارِيَّةِ، وَأَيْضًا فَيُسْتَفَادُ اعْتِمَادُ ذَلِكَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ وَالْكِتَابِ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ الْأَوَّلُ بِأَنْ بَنَى أَوْ غَرَسَ شَرِيكٌ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ ثُمَّ رَجَعَ كَمَا نَقَلَاهُ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّاهُ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا أَعْرَضَ عَنْهَا كَمَا يَأْتِي خِلَافًا لِابْنِ الصَّلَاحِ، وَمَحَلُّ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إذَا لَمْ يُوقَفْ وَإِلَّا تُخُيِّرَ بَيْنَ الْأَوَّلَيْنِ وَامْتَنَعَ الثَّالِثُ.
وَإِذَا لَمْ تُوقَفْ الْأَرْضُ، فَإِنْ وُقِفَتْ لَمْ يَقْلَعْ بِالْأَرْشِ إلَّا إذَا كَانَ أَصْلَحَ لِلْوَقْفِ مِنْ التَّبْقِيَةِ بِالْأُجْرَةِ وَلَمْ يَتَمَلَّكْ بِالْقِيمَةِ إلَّا إذَا كَانَ الْوَاقِفُ شَرَطَ جَوَازَ تَحْصِيلِ مِثْلِهَا مِنْ رِيعِهِ، وَبِذَلِكَ أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْإِجَارَةِ.
وَظَاهِرُ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ التَّبْقِيَةَ بِالْأُجْرَةِ تَأْتِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَتَّى عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ.
وَبَحَثَ فِي الْإِسْعَادِ أَنَّ الْمُعِيرَ
[حاشية الشبراملسي]
بِالْأُجْرَةِ أَنْ يَتَوَافَقَا عَلَى تَرْكِهِ كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا، وَيُغْتَفَرُ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ كَالْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ عَلَى الْأَرْضِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ قُلِعَ غِرَاسُهُ أَوْ سَقَطَ بِنَاؤُهُ لَيْسَ لَهُ إعَادَتُهُ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَنْفَعَةَ وَإِنَّمَا يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ أُجْرَةَ مَا اسْتَوْفَاهُ، وَكَتَبَ أَيْضًا لَطَفَ اللَّهُ بِهِ قَوْلَهُ فَالْأَوْجَهُ أَنَّ لَهُ إبْدَالَ مَا قَلَعَ: أَيْ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ حَيْثُ لَمْ يَزِدْ ضَرَرُهُ عَنْ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: كَأَنَّهُ آجَرَهُ الْآنَ) أَيْ أَوْقَعَ فِي الزَّمَنِ الْحَاضِرِ إجَارَةً إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِنْ وَقَفَ مَسْجِدًا) أَيْ وَيَنْبَغِي إنْ بَنَى بِأَنْقَاضِهِ مَسْجِدًا آخَرَ إنْ أَمْكَنَ عَلَى مَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الْوَقْفِ فِيمَا لَوْ انْهَدَمَ مَسْجِدٌ وَتَعَذَّرَتْ إعَادَتُهُ (قَوْلُهُ: مُسْتَحِقَّ الْأَخْذِ) أَيْ الْقَلْعِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَرَادَ) أَيْ الْمُعِيرُ (قَوْلُهُ وَإِبْقَاءَ الْبَعْضِ) أَيْ بِأُجْرَةٍ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ إذْ مَا جَازَ فِيهِ التَّخْيِيرُ إلَخْ امْتِنَاعُ تَمَلُّكِ الْبَعْضِ وَقَلْعِ الْبَعْضِ مَعَ أَرْشِ نَقْصِهِ، وَيُمْكِنُ شُمُولُ قَوْلِهِ وَإِبْقَاءُ الْبَعْضِ لِلصُّورَتَيْنِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَلْحَقُ بِالشَّفِيعِ) أَيْ فِي الْأَخْذِ قَهْرًا مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ (قَوْلُهُ: فَالْمُعْتَمَدُ تَخْيِيرُهُ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ) ع قَالَ الْبَغَوِيّ: إذَا اشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا وَبَنَى أَوْ غَرَسَ فَالْحُكْمُ كَمَا هُنَا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّرْحِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْغَصْبِ فَيُقْلَعُ مَجَّانًا.
(قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يُوقَفْ) أَيْ الْبِنَاءُ أَوْ الْغِرَاسُ (قَوْلُهُ وَإِلَّا تُخُيِّرَ بَيْنَ الْأَوَّلَيْنِ) وَهُمَا التَّبْقِيَةُ بِالْأُجْرَةِ وَالْقَلْعِ وَغَرَامَةُ الْأَرْشِ (قَوْلُهُ: مِنْ التَّبْقِيَةِ بِالْأُجْرَةِ) وَهِيَ مِنْ الرِّيعِ ثُمَّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ اهـ عُبَابٌ: أَيْ فَإِنْ لِمَ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ أَوْ مَنَعَ مُتَوَلِّيهِ فَعَلَى مَيَاسِيرِ الْمُسْلِمِينَ، كَذَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ، وَفِيهِ وَقْفَةٌ بِأَنَّ مَيَاسِيرَ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا يُلْزَمُونَ بِالضَّرُورِيِّ دُونَ غَيْرِهِ وَهَذَا لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا مَرَّ) لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ شَيْءٌ عَنْهُمَا فَانْظُرْهُ (قَوْلُهُ وَبَحَثَ فِي الْإِسْعَادِ أَنَّ الْمُعِيرَ إلَخْ)
[حاشية الرشيدي]
لَا تَلْزَمُهُ تَسْوِيَتُهُ، بِخِلَافِ مَا اتَّسَعَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْقَلْعِ.
(قَوْلُهُ: كَأَنَّهُ آجَرَهُ) صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ هُنَا إلَى عَقْدٍ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ أَنَّ هُنَاكَ ابْتِدَاءَ انْتِفَاعٍ فَلَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ، بِخِلَافِ مَا هُنَا فَهُوَ دَوَامُ انْتِفَاعٍ كَانَ ابْتِدَاؤُهُ بِعَقْدِ الْعَارِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: إذْ مَا جَازَ إلَخْ) هُوَ عِلَّةٌ ثَانِيَةٌ لِلْحُكْمِ كَمَا لَا يَخْفَى فَكَانَ يَنْبَغِي فِيهِ الْعَطْفُ (قَوْلُهُ: فِي هَذِهِ الْحَالَةِ)
لَوْ كَانَ نَاظِرًا لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ التَّمَلُّكُ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ بَعْدَ انْتِقَالِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي الْأَرْضِ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ وَارِثًا لَهُ يَبْقَى بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ.
وَيُمْكِنُ رَدُّهُ بِأَنَّ التَّمَلُّكَ بِالْقِيمَةِ إنَّمَا هُوَ تَبَعٌ لِمِلْكِ الْأَرْضِ، فَحَيْثُ انْتَفَى مِلْكُهَا لِوَقْفِيَّتِهَا امْتَنَعَ عَلَى النَّاظِرِ التَّمَلُّكُ وَإِنَّمَا جَازَ التَّمَلُّكُ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ وَقْفًا تَبَعًا لِلْأَرْضِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْغِرَاسِ ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَإِلَّا لَمْ يُتَخَيَّرْ إلَّا بَعْدَ الْجِذَاذِ كَمَا فِي الزَّرْعِ لِأَنَّ لَهُ أَمَدًا يُنْتَظَرُ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْإِجَارَةِ التَّخْيِيرُ، فَإِنْ اخْتَارَ التَّمَلُّكَ مَلَكَ الثَّمَرَةَ أَيْضًا إنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ وَأَبْقَاهَا إلَى الْجِذَاذِ إنْ كَانَتْ مُؤَبَّرَةً، وَإِذَا اخْتَارَ مَا لَهُ اخْتِيَارُهُ لَزِمَ الْمُسْتَعِيرَ مُوَافَقَتُهُ، فَإِنْ أَبَى كُلِّفَ تَفْرِيغَ الْأَرْضِ مَجَّانًا لِتَقْصِيرِهِ (فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ) الْمُسْتَعِيرُ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ (لَمْ يَقْلَعْ مَجَّانًا) فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ (إنْ بَذَلَ) بِالْمُعْجَمَةِ: أَيْ أَعْطَى (الْمُسْتَعِيرَ الْأُجْرَةَ) لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ (وَكَذَا إنْ لَمْ يَبْذُلْهَا فِي الْأَصَحِّ) لِتَقْصِيرِ الْمُعِيرِ بِتَرْكِ الِاخْتِيَارِ مَعَ رِضَاهُ بِإِتْلَافِ مَنَافِعِهِ، وَالثَّانِي يَقْلَعُ لِأَنَّهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِمَالِهِ مَجَّانًا (ثُمَّ) عَلَيْهِ (قِيلَ يَبِيعُ الْحَاكِمُ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا) مِنْ بِنَاءٍ وَغِرَاسٍ (وَيَقْسِمُ بَيْنَهُمَا) وَيَجُوزُ بَيْعُهُمَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ لِلضَّرُورَةِ فَيُوَزِّعُ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ الْأَرْضِ مَشْغُولَةً بِالْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ وَعَلَى قِيمَةِ مَا فِيهَا وَحْدَهُ، فَحِصَّةُ الْأَرْضِ لِلْمُعِيرِ وَحِصَّةُ مَا فِيهَا لِلْمُسْتَعِيرِ كَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي، وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَالْحِجَازِيُّ وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ كَلَامَ الْمُتَوَلِّي الْقَائِلِ بِالتَّوْزِيعِ كَمَا فِي الرَّهْنِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ) أَيْ الْحَاكِمَ (يُعْرِضُ عَنْهُمَا حَتَّى يَخْتَارَا شَيْئًا) أَيْ يَخْتَارَ الْمُعِيرُ مَا لَهُ اخْتِيَارُهُ وَيُوَافِقَهُ عَلَيْهِ الْمُسْتَعِيرُ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ بَيْنَهُمَا، وَقَوْلُهُ يَخْتَارُ؛ الْمَحْكِيُّ عَنْ خَطِّهِ هُنَا وَعَنْ أَصْلِهِ وَأَكْثَرُ نُسَخِ الشَّارِحِينَ قَدْ يُنَافِيهِ إسْقَاطُ الْأَلِفِ مِنْ خَطِّهِ فِي الرَّوْضَةِ، وَصَحَّحَ عَلَيْهِ وَاسْتَحْسَنَهُ السُّبْكِيُّ وَصَوَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ لِأَنَّ اخْتِيَارَ الْمُعِيرِ كَافٍ فِي فَصْلِ الْخُصُومَةِ مَعَ أَنَّهُ مَعَ حَذْفِ الْأَلِفِ يَصِحُّ الْإِسْنَادُ لِأَحَدِهِمَا الشَّامِلِ لِلْمُسْتَعِيرِ، لِأَنَّهُ إذَا اخْتَارَ مَا لَهُ اخْتِيَارُهُ كَالْقَلْعِ مَجَّانًا تَنْفَصِلُ أَيْضًا.
وَأَيْضًا فَالْمُعِيرُ وَإِنْ كَانَ
[حاشية الشبراملسي]
يَتَأَمَّلُ جَوَازَ الْإِعَارَةِ مِنْ النَّاظِرِ إذْ لَا يُبَاحُ لَهُ التَّبَرُّعُ بِالْمَنْفَعَةِ فَلَا تَجُوزُ إعَارَتُهُ.
وَقَدْ يُقَالُ: يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِمَا لَوْ كَانَ مَالِكًا لِلْأَرْضِ فَأَعَارَهَا ثُمَّ وَقَفَهَا وَشَرَطَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ رَجَعَ، أَوْ أَنَّ الْوَقْفَ انْحَصَرَ فِي النَّاظِرِ فَكَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ اسْتِحْقَاقًا وَنَظَرًا (قَوْلُهُ: وَيُمْكِنُ رَدُّهُ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا جَازَ) مُسْتَأْنَفٌ (قَوْلُهُ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْغِرَاسِ ثَمَرٌ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إذَا لَمْ يُوقَفْ وَإِلَّا تُخُيِّرَ إلَخْ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الزَّرْعِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا أَعَارَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَوَانِ الْحَصَادِ يُتَخَيَّرُ بَعْدَ إدْرَاكِهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَإِذَا أَعَارَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ فَرَجَعَ إلَخْ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ التَّأْخِيرِ وَأَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ التَّبْقِيَةُ بِالْأُجْرَةِ، وَقِيلَ لَهُ الْقَلْعُ: أَيْ حَالًا، وَقِيلَ يَتَمَلَّكُ بِالْقِيمَةِ كَذَلِكَ اهـ. فَفِي التَّشْبِيهِ مُسَامَحَةٌ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: أَيْ كَمَا يَمْتَنِعُ الْقَلْعُ حَالًا فِي الزَّرْعِ (قَوْلُهُ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْإِجَارَةِ التَّخْيِيرُ) أَيْ فِي الْحَالِ، وَنَقَلَ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ الشَّارِحِ اعْتِمَادَهُ اهـ (قَوْلُهُ: وَأَبْقَاهَا إلَى الْجِذَاذِ) وَيَنْبَغِي وُجُوبُ الْأُجْرَةِ كَمَا فِي الزَّرْعِ (قَوْلُهُ: أَيْ أَعْطَى) أَيْ الْتَزَمَ ذَلِكَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ دَفْعَهَا بِالْفِعْلِ فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ بَيْعُهُمَا إلَخْ) مُسْتَأْنَفٌ وَلَيْسَ مُفَرَّعًا عَلَى قَوْلِهِ قِيلَ إلَخْ (قَوْلُهُ: كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: تَنْفَصِلُ أَيْضًا)
[حاشية الرشيدي]
أَيْ فِيمَا إذَا وُقِفَتْ الْأَرْضُ، وَقَوْلُهُ: مَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ: أَيْ مِنْ تَخْصِيصِ التَّخْيِيرِ بِالْقَلْعِ، وَالتَّمَلُّكِ وَإِنْ عَزَاهُ هُوَ فِيمَا مَرَّ إلَى الرَّوْضَةِ فَقَطْ: أَيْ فَمَحَلُّ مَنْعِ الْإِبْقَاءِ بِالْأُجْرَةِ عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ إذَا لَمْ تُوقَفْ الْأَرْضُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا جَازَ التَّمَلُّكُ) جَوَابٌ عَمَّا يَرِدُ عَلَى الرَّدِّ الْمَذْكُورِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ عَلَيْهِ) يَعْنِي عَلَى الْأَصَحِّ وَكَانَ الْأَوْلَى الْإِظْهَارَ (قَوْلُهُ: وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ كَلَامَ الْمُتَوَلِّي) أَيْ قَدَّمَ حِكَايَتَهُ عَلَى حِكَايَةِ مُقَابِلِهِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْبَغَوِيّ الْمُتَقَدِّمُ هُنَا.
(قَوْلُهُ: مَا لَهُ اخْتِيَارُهُ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِ الثَّلَاثِ الْمَارَّةِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي عَنْ التُّحْفَةِ مِنْ قَوْلِهَا وَأَمَّا الثَّانِي إلَخْ، وَيُعِينُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي كَمَا قَرَّرْنَاهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِيهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ اخْتِيَارَ الْمُعِيرِ كَافٍ فِي فَصْلِ الْخُصُومَةِ) الظَّاهِرُ أَنَّ هُنَا سَقْطًا فِي نُسَخِ
هُوَ الْأَصْلَ لَكِنْ لَا يَتِمُّ الْأَمْرُ عِنْدَ اخْتِيَارِ غَيْرِ الثَّلَاثِ إلَّا بِمُوَافَقَةِ الْمُسْتَعِيرِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فَصَحَّ الْإِسْنَادُ إلَيْهِمَا، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهُمَا حَتَّى يَخْتَارَا فَقَالَ:
(وَلِلْمُعِيرِ دُخُولُهَا وَالِانْتِفَاعُ بِهَا) فِي مُدَّةِ الْمُنَازَعَةِ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ كَمَا فِي الْخَادِمِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْبِنَاءُ مَسْطَبَةً امْتَنَعَ الْجُلُوسُ عَلَيْهَا وَهُوَ وَاضِحٌ، وَلَهُ الِاسْتِنَادُ إلَى بِنَاءِ الْمُسْتَعِيرِ وَغِرَاسِهِ وَالِاسْتِظْلَالُ بِهِمَا وَإِنْ مَنَعَهُ كَمَا مَرَّ فِي الصُّلْحِ، وَتَمَحُّلُ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِطْلَاقُ جَمْعٍ امْتِنَاعَ الْإِسْنَادِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَضُرُّ حَالًا أَوْ مَآلًا وَإِنْ قَلَّ.
وَالْأَوْجَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَدَمُ لُزُومِ الْأُجْرَةِ مُدَّةَ التَّوَقُّفِ لِأَنَّ الْخِيَرَةَ فِي ذَلِكَ إلَيْهِ خِلَافًا لِلْإِمَامِ (وَلَا يَدْخُلُهَا الْمُسْتَعِيرُ بِغَيْرِ إذْنٍ) مِنْ الْمُعِيرِ (لِتَفَرُّجٍ) وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَغْرَاضِ التَّافِهَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ وَهِيَ مُوَلَّدَةٌ قِيلَ لَعَلَّهَا مِنْ انْفِرَاجِ الْهَمِّ: أَيْ انْكِشَافِهِ (وَيَجُوزُ) دُخُولُهُ (لِلسَّقْيِ وَالْإِصْلَاحِ) لِلْبِنَاءِ بِغَيْرِ آلَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ وَنَحْوِهَا كَاجْتِنَاءِ الثَّمَرِ (فِي الْأَصَحِّ) صِيَانَةً لِمِلْكِهِ عَنْ الضَّيَاعِ، فَإِنْ عَطَّلَ مَنْفَعَتَهَا بِدُخُولِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ دُخُولِهَا إلَّا بِأُجْرَةٍ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ التَّتِمَّةِ وَأَقَرَّهُ.
أَمَّا إصْلَاحُ الْبِنَاءِ بِآلَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فَلَا يُمْكِنُ مِنْهُ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِالْمُعِيرِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَيَّنُ لَهُ التَّمَلُّكُ أَوْ النَّقْضُ مَعَ الْغُرْمِ فَيَزِيدُ الْغُرْمُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ بِخِلَافِ إصْلَاحِهِ بِآلَتِهِ، كَمَا أَنَّ سَقْيَ الشَّجَرِ يُحْدِثُ فِيهَا زِيَادَةَ عَيْنٍ وَقِيمَةٍ.
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ يَشْغَلُ مِلْكَ الْغَيْرِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى مِلْكِهِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ جَوَازِ الدُّخُولِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ جَوَازُهُ لِأَخْذِ الثِّمَارِ بِالْأَوْلَى
(وَلِكُلٍّ) مِنْهُمَا (بَيْعُ مِلْكِهِ) مِنْ صَاحِبِهِ وَغَيْرِهِ وَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ كُلِّ مَا كَانَ لِبَائِعِهِ أَوْ عَلَيْهِ، نَعَمْ إنْ كَانَ جَاهِلًا بِالْحَالِ فَلَهُ الْفَسْخُ (وَقِيلَ لَيْسَ لِمُسْتَعِيرٍ بَيْعُهُ لِثَالِثٍ) إذْ بَيْعُهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ لِأَنَّ لِلْمُعِيرِ تَمَلُّكَهُ.
وَرُدَّ بِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ كَشِقْصٍ مَشْفُوعٍ، وَقِيلَ لَيْسَ لِلْمُعِيرِ ذَلِكَ أَيْضًا لِلْجَهْلِ بِأَمْرِ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ الْخُصُومَةُ.
(قَوْلُهُ: عَدَمُ لُزُومِ الْأُجْرَةِ) أَيْ لِلْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ، وَقَوْلُهُ إلَيْهِ: أَيْ الْمُعِيرِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ مُوَلَّدَةٌ) أَيْ لَيْسَتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَإِنَّمَا الَّذِي فِي كَلَامِهِمْ عَلَى مَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْمُخْتَارِ الْفَرْجَةُ بِفَتْحِ الْفَاءِ التَّفَصِّي مِنْ الْهَمِّ (قَوْلُهُ: وَالْإِصْلَاحِ لِلْبِنَاءِ بِغَيْرِ آلَةٍ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْقَيْدِ الِاحْتِرَازُ عَمَّا يُمْكِنُ إعَادَتُهَا بِدُونِهِ كَالْجَدِيدِ مِنْ الْخَشَبِ وَالْآجُرِّ، أَمَّا نَحْوُ الطِّينِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ لِإِصْلَاحِ الْمُنْهَدِمِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ أَجْنَبِيًّا (قَوْلُهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ الْمُعِيرَ (قَوْلُهُ: إلَّا بِأُجْرَةٍ) أَيْ لِدُخُولِهِ وَإِلَّا فَتَقَدَّمَ أَنَّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ أُجْرَةَ الْأَرْضِ مُدَّةَ التَّوَقُّفِ فَتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
لَكِنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ لِلشَّارِحِ قَرِيبًا أَنَّ الْأَوْجَهَ عَدَمُ لُزُومِ الْأُجْرَةِ مُدَّةَ التَّوَقُّفِ (قَوْلُهُ: كَمَا أَنَّ سَقْيَ الشَّجَرِ يُحْدِثُ فِيهَا زِيَادَةَ عَيْنٍ) هَذَا التَّوْجِيهُ يَقْتَضِي امْتِنَاعَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُرُّ إلَى ضَرَرٍ بِالْمُعِيرِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ بِالْآلَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، فَكَانَ الْأَوْلَى تَوْجِيهَ جَوَازِ السَّقْيِ بِنَحْوِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ جَوَازِ الدُّخُولِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ حَجّ قَوْلَهُ وَقَدْ عُلِمَ إلَخْ، وَلَعَلَّهُ تَرَكَهُ لِأَنَّهُ عَيْنُ قَوْلِهِ أَوَّلًا وَنَحْوُهُمَا كَاجْتِنَاءِ الثَّمَرَةِ، وَقَدْ يُقَالُ: أَرَادَ الشَّارِحُ بِالثِّمَارِ هُنَا الثِّمَارَ السَّاقِطَةَ قَبْلَ أَوَانِ الْجِذَاذِ
[حاشية الرشيدي]
الشَّارِحِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ نَصَّهَا: وَرَجَّحَ الْأَذْرَعِيُّ إثْبَاتَهَا؛ لِأَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِتَعْبِيرِ جَمْعٍ بِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُمَا انْصَرِفَا حَتَّى تَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَارُ الْمُعِيرُ مَا لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ الْمُسْتَعِيرُ وَلَا يُوَافِقُهُ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ اهـ.
وَالْوَجْهُ صِحَّةُ كُلٍّ مِنْ التَّعْبِيرَيْنِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمُعِيرَ هُوَ الْمُخَيَّرُ أَوَّلًا فَصَحَّ إسْنَادُ الِاخْتِيَارِ إلَيْهِ وَحْدَهُ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ إذَا عَادَ وَطَلَبَ شَيْئًا مِنْ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ أُجِيبَ كَالِابْتِدَاءِ، وَإِنْ اخْتَارَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ الثَّلَاثِ وَوَافَقَهُ الْمُسْتَعِيرُ انْفَصَلَ الْأَمْرُ وَإِلَّا اسْتَمَرَّ الْإِعْرَاضُ عَنْهُمَا مَعَ أَنَّهُ مَعَ حَذْفِ الْأَلْفِ يَصِحُّ الْإِسْنَادُ لِأَحَدِهِمَا الشَّامِلُ لِلْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اخْتَارَ مَا لَهُ اخْتِيَارُهُ كَالْقَلْعِ مَجَّانًا انْفَصَلَتْ الْخُصُومَةُ أَيْضًا.
وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّ الْمُعِيرَ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْلُ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ إلَّا قَوْلَهُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فَتَأَمَّلْهُ لِتَعْلَمَ مَا فِي نُسَخِ الشَّارِحِ مِنْ السَّقْطِ.
(قَوْلُهُ: لِأَخْذِ الثِّمَارِ بِالْأَوْلَى) وَقَدْ مَرَّ أَيْضًا
الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ، وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى بَيْعِ الْجَمِيعِ مِنْ ثَالِثٍ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ جَازَ لِلضَّرُورَةِ وَوُزِّعَ كَمَا مَرَّ
(وَالْعَارِيَّةُ الْمُؤَقَّتَةُ) لِبِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (كَالْمُطْلَقَةِ) فِيمَا مَرَّ مِنْ الْأَحْكَامِ إذَا انْتَهَتْ الْمُدَّةُ أَوْ رَجَعَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا إذْ التَّأْقِيتُ وَعْدٌ لَا يُلْزِمُ، وَبَيَانُ الْمُدَّةِ كَمَا يَحْتَمِلُ كَوْنُهُ لِلْقَلْعِ يَحْتَمِلُ كَوْنُهُ لِمَنْعِ الْإِحْدَاثِ أَوْ لِطَلَبِ الْأُجْرَةِ (وَفِي قَوْلٍ لَهُ الْقَلْعُ فِيهَا) أَيْ الْمُؤَقَّتَةِ بَعْدَ الْمُدَّةِ (مَجَّانًا إذَا رَجَعَ) أَيْ انْتَهَتْ بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ لِأَنَّ فَائِدَةَ التَّأْقِيتِ الْقَلْعُ بَعْدَ الْمُدَّةِ، وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ قُبَيْلَهُ
(وَإِذَا) (أَعَارَ) أَرْضًا (لِزِرَاعَةٍ) مُطْلَقًا (وَرَجَعَ قَبْلَ إدْرَاكِ الزَّرْعِ) (فَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ الْإِبْقَاءَ إلَى الْحَصَادِ) إنْ نَقَصَ بِالْقَلْعِ قَبْلَهُ لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ وَلَهُ أَمَدٌ يُنْتَظَرُ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ.
وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَهُ الْقَلْعُ وَيَغْرَمُ أَرْشَ نَقْصِهِ، وَثَانِيهِمَا لَهُ التَّمَلُّكُ بِالْقِيمَةِ فِي الْحَالِ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَنْقُصْ بِالْقَلْعِ وَإِنْ لَمْ يُعْتَدْ قَطْعُهُ أَوْ اُعْتِيدَ قَلْعُهُ لِكَوْنِهِ قَصِيلًا فَإِنَّهُ يُكَلَّفُ ذَلِكَ كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ (وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّ لَهُ الْأُجْرَةَ) أَيْ أُجْرَةَ مُدَّةِ الْإِبْقَاءِ مِنْ وَقْتِ رُجُوعِهِ إلَى حَصَادِهِ لِانْقِطَاعِ الْإِبَاحَةِ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَعَارَهُ دَابَّةً ثُمَّ رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ فَإِنَّ عَلَيْهِ نَقْلَ مَتَاعِهِ إلَى مَأْمَنٍ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ كَمَا مَرَّ.
وَالثَّانِي لَا أُجْرَةَ لَهُ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ إلَى الْحَصَادِ كَالْمُسْتَوْفَاةِ بِالزَّرْعِ
(فَلَوْ) (عَيَّنَ) الْمُعِيرُ (مُدَّةً) لِلزِّرَاعَةِ (وَلَمْ يُدْرِكْ) أَيْ الزَّرْعُ (فِيهَا لِتَقْصِيرِهِ) أَيْ الْمُسْتَعِيرِ (بِتَأْخِيرِ الزِّرَاعَةِ) أَوْ بِنَفْسِهَا كَأَنْ كَانَ عَلَى الْأَرْضِ نَحْوُ ثَلْجٍ أَوْ سَيْلٍ ثُمَّ زَرَعَ بَعْدَ زَوَالِهِ مَا لَا يُدْرِكُ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ أَوْ زَرَعَ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ مِمَّا يُبْطِئُ أَكْثَرَ مِنْهُ كَمَا فِي نَظِيرِهِ الْآتِي فِي الْإِجَارَةِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ (قَلَعَ مَجَّانًا) لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ تَقْصِيرِهِ، وَعَلَيْهِ أَيْضًا تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ، فَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ لَمْ يَقْلَعْ مَجَّانًا كَمَا لَوْ أَطْلَقَ سَوَاءٌ كَانَ عَدَمُ الْإِدْرَاكِ لِنَحْوِ بَرْدٍ أَمْ لِقِصَرِ الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ
(وَلَوْ) (حَمَلَ السَّيْلُ) أَوْ نَحْوُ الْهَوَاءِ (بَذْرًا) بِمُعْجَمَةٍ: أَيْ مَا سَيَصِيرُ مَبْذُورًا وَلَوْ نَوَاةً أَوْ حَبَّةً لَمْ يُعْرِضْ عَنْهَا مَالِكُهَا (إلَى أَرْضٍ) لِغَيْرِ مَالِكِهِ (فَنَبَتَ فَهُوَ) أَيْ النَّبَاتُ (لِصَاحِبِ الْبَذْرِ) لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ تَحَوَّلَ إلَى صِفَةٍ أُخْرَى فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَيَجِبُ رَدُّهُ إلَيْهِ إنْ حَضَرَ وَعَلِمَهُ، وَإِلَّا فَلِلْحَاكِمِ لِأَنَّهُ مَالٌ ضَائِعٌ.
أَمَّا مَا أَعْرَضَ عَنْهُ مَالِكُهُ وَهُوَ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِإِعْرَاضِهِ لَا كَمَحْجُورِ سَفَهٍ فَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ إنْ قُلْنَا بِزَوَالِ مِلْكِ مَالِكِهِ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ الْإِعْرَاضِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَيُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي قُبَيْلَ الْأُضْحِيَّةِ جَوَازُ أَخْذِ مَا يَلْقَى مِمَّا يُعْرِضُ عَنْهُ غَالِبًا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَا هُنَا كَذَلِكَ يَمْلِكُهُ مَالِكُ الْأَرْضِ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ إعْرَاضُ الْمَالِكِ، وَحِينَئِذٍ فَالشَّرْطُ أَنْ لَا يَعْلَمَ عَدَمَ إعْرَاضِهِ لَا أَنْ يَعْلَمَ إعْرَاضَهُ وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُهُمْ هُنَا خِلَافَ ذَلِكَ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ) لِانْتِفَاءِ إذْنِ الْمَالِكِ فِيهِ فَصَارَ شَبِيهًا بِمَا لَوْ انْتَشَرَتْ أَغْصَانُ شَجَرَةِ غَيْرِهِ إلَى هَوَاءِ دَارِهِ فَإِنَّ لَهُ قَطْعَهَا، وَلَا أُجْرَةَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ عَلَى مَالِكِ الْبَذْرِ لِمُدَّتِهِ قَبْلَ الْقَلْعِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا كَمَا فِي الْمَطْلَبِ لِعَدَمِ الْفِعْلِ مِنْهُ وَمِنْ ثَمَّ أُجْبِرَ عَلَى تَسْوِيَةِ الْحُفَرِ الْحَاصِلَةِ بِالْقَلْعِ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِهِ.
وَالثَّانِي لَا يُجْبَرُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِهِ فَهُوَ كَالْمُسْتَعِيرِ
[حاشية الشبراملسي]
وَبِالثَّمَرِ فِي قَوْلِهِ أَوَّلًا كَاجْتِنَاءِ الثَّمَرِ مَا يُقْطَعُ وَقْتَ الْجِذَاذِ.
(قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ قَصِيلًا) أَيْ شَتْلًا (قَوْلُهُ: لِانْقِطَاعِ الْإِبَاحَةِ بِهِ) أَيْ الرُّجُوعِ
(قَوْلُهُ قُلِعَ مَجَّانًا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْلُوعُ قَدْرًا يُنْتَفَعُ بِهِ (قَوْلُهُ لِنَحْوِ بَرْدٍ) كَحَرٍّ أَوْ مَطَرٍ أَوْ جَرَادٍ أَكَلَ أَعْلَى الزَّرْعِ ثُمَّ نَبَتَ مِنْ أَصْلِهِ
(قَوْلُهُ بِمُجَرَّدِ الْإِعْرَاضِ) وَهُوَ الرَّاجِحُ (قَوْلُهُ: فَالشَّرْطُ أَنْ لَا يَعْلَمَ عَدَمَ إعْرَاضِهِ) قَدْ يُقَالُ هَذَا يَشْمَلُ مَا يُشَكُّ فِيهِ هَلْ هُوَ مِمَّا يُعْرَضُ عَنْهُ غَالِبًا أَوْ لَا وَفِي مِلْكِهِ نَظَرٌ، فَالْوَجْهُ أَنَّ الشَّرْطَ عِلْمُ الْإِعْرَاضِ أَوْ عِلْمُ كَوْنِ الْمَوْجُودِ مِمَّا يُعْرَضُ عَنْهُ غَالِبًا مَعَ الشَّكِّ فِي الْإِعْرَاضِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: لِمُدَّتِهِ) أَيْ بَقَاءِ الْبَذْرِ (قَوْلُهُ: قَبْلَ الْقَلْعِ) مَفْهُومُهُ الْوُجُوبُ لِمُدَّةِ الْقَلْعِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِمُدَّةِ الْقَلْعِ مَا لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ الْقَلْعِ وَأَخَّرَهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي وَارِثِ الْمُسْتَعِيرِ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَخَّرَ مَعَ التَّمَكُّنِ لَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِهِ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ أَجْبَرَهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَمْ لِقِصَرِ الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ الْمُعِيرُ جَاهِلًا بِالْحَالِ، وَالْمُسْتَعِيرُ عَالِمًا بِهِ وَدَلَّسَ وَفِيهِ بُعْدٌ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلِلْحَاكِمِ) يَعْنِي إنْ لَمْ يَعْلَمْهُ فَهُوَ الدَّاخِلُ تَحْتَ وَإِلَّا فَقَطْ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ السِّيَاقِ
(وَلَوْ) (رَكِبَ دَابَّةً) لِغَيْرِهِ (وَقَالَ لِمَالِكِهَا أَعَرْتنِيهَا، فَقَالَ) لَهُ (بَلْ أَجَرْتُكَهَا) مُدَّةً كَذَا بِكَذَا، وَيَجُوزُ كَمَا رَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ إطْلَاقُ الْأُجْرَةِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ الْآتِي أَنَّ الْوَاجِبَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ (أَوْ اخْتَلَفَ مَالِكُ الْأَرْضِ وَزَارِعُهَا كَذَلِكَ فَالْمُصَدَّقُ الْمَالِكُ عَلَى الْمَذْهَبِ) فِي اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ أَوْ الْقِيمَةِ بِتَفْصِيلِهِمَا الْآتِي لَا فِي بَقَاءِ الْعَقْدِ لَوْ بَقِيَ، إذْ الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَأْذَنُ فِي الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ إلَّا بِمُقَابِلٍ، فَيَحْلِفُ لِكُلٍّ يَمِينًا تَجَمَّعَ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا أَنَّهُ مَا أَعَارَهُ بَلْ أَجَرَهُ وَاسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ إنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ مَعَ بَقَائِهَا وَبَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لَهَا أُجْرَةٌ، فَإِنْ وَقَعَ قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ صُدِّقَ مُدَّعِي الْعَارِيَّةِ بِيَمِينِهِ جَزْمًا لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا حَتَّى يُجْعَلَ مُدَّعِيًا لِسُقُوطِ بَدَلِهِ أَوْ بَعْدَ تَلَفِهَا، فَإِنْ لَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ لَهَا أُجْرَةٌ فَذُو الْيَدِ مُقِرٌّ بِالْقِيمَةِ لِمُنْكِرِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ مُدَّعٍ لِلْمُسَمَّى وَذُو الْيَدِ مُقِرٌّ لَهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَزِدْ الْمُسَمَّى عَلَيْهِمَا أَخَذَهُ بِلَا يَمِينٍ وَإِلَّا حَلَفَ لِلزَّائِدِ.
وَالثَّانِي يُصَدَّقُ الرَّاكِبُ وَالزَّارِعُ لِأَنَّ الْمَالِكَ وَافَقَهُمَا عَلَى إبَاحَةِ الْمَنْفَعَةِ لَهُمَا، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِمَا مِنْ الْأُجْرَةِ الَّتِي يَدَّعِيهَا.
وَالثَّالِثُ يُصَدَّقُ الْمَالِكُ فِي الْأَرْضِ دُونَ الدَّابَّةِ لِأَنَّ الدَّابَّةَ تَكْثُرُ فِيهَا الْإِعَارَةُ بِخِلَافِ الْأَرْضِ (وَكَذَا) يُصَدَّقُ الْمَالِكُ فِيمَا (لَوْ) (قَالَ) الرَّاكِبُ أَوْ الزَّارِعُ (أَعَرْتنِي وَقَالَ الْمَالِكُ لَقَدْ غَصَبْته مِنِّي) وَقَدْ مَضَتْ مُدَّةٌ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ بِحَقٍّ
(فَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ) قَبْلَ رَدِّهَا تَلَفًا تُضْمَنُ بِهِ الْعَارِيَّةُ (فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى الضَّمَانِ) لَهَا لِضَمَانِ كُلٍّ مِنْ الْمُعَارِ وَالْمَغْصُوبِ (لَكِنْ) هِيَ لِلِاسْتِدْرَاكِ وَوَجْهُهُ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ أَنَّ قَوْلَهُ اتَّفَقَا عَلَى الضَّمَانِ يَقْتَضِي مُسَاوَاةَ ضَمَانِ الْعَارِيَّةِ لِضَمَانِ الْغَصْبِ الَّذِي سَيَذْكُرُهُ، وَمَا قَبْلَهُ مِنْ ذِكْرِ الِاخْتِلَافِ يَقْتَضِي تَخَالُفَهُمَا وَأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَبَيَّنَ تَحَالَفَهُمَا بِذِكْرِ مَا تُضْمَنُ بِهِ الْعَارِيَّةُ هُنَا الْمُخَالِفِ لِمَا سَيَذْكُرُهُ فِي الْغَصْبِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى بَيَانِ اتِّحَادِهِمَا عَلَى وَجْهٍ (الْأَصَحُّ أَنَّ الْعَارِيَّةَ تُضْمَنُ بِقِيمَةِ يَوْمِ التَّلَفِ) مُتَقَوِّمَةً كَانَتْ أَوْ مِثْلِيَّةً كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ فَقَدْ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: لَا يَضْمَنُهُ بِالْمِثْلِ بِلَا خِلَافٍ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِالْقِيمَةِ وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا.
قُلْت: وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّ رَدَّ عَيْنِ مِثْلِهَا مَعَ اسْتِعْمَالِ جُزْءٍ مِنْهَا مُتَعَذِّرٌ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ نَقْدِ الْمِثْلِ فَيَرْجِعُ لِلْقِيمَةِ و (لَا) تُضْمَنُ الْعَارِيَّةُ (بِأَقْصَى الْقِيَمِ وَلَا بِيَوْمِ الْقَبْضِ) خِلَافًا لِمُقَابِلِ الْأَصَحِّ، وَلَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ يَضْمَنَهُ إذَا تَلِفَ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ فَإِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ كَمَا فِي التَّهْذِيبِ، وَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْأَقْيَسَ أَنَّهَا إعَارَةٌ فَاسِدَةٌ أَوْ بِشَرْطِ أَنَّهَا أَمَانَةٌ أَوْ ضَمَانُهَا بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ فَسَدَ الشَّرْطُ وَالْعَارِيَّةُ فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إلَى فَسَادِهِ فَقَطْ
(فَإِنْ كَانَ) (مَا يَدَّعِيهِ الْمَالِكُ) بِالْغَصْبِ (أَكْثَرَ)
[حاشية الشبراملسي]
الْمَالِكُ أَوْ الْحَاكِمُ لَا يَلْزَمُهُ مَا ذَكَرَ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: وَيُوَجَّهُ مَا ذَكَرَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ فِي الْأَصْلِ تَعَدٍّ، ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ فِي قَوْلِهِ صَرَّحَ بِالْمَفْهُومِ الْمَذْكُورِ.
(قَوْلُهُ لَا فِي بَقَاءِ الْعَقْدِ) لَوْ بَقِيَ بَعْضُ الْمُدَّةُ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: إنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ مَعَ بَقَائِهَا) أَيْ الْعَيْنِ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ رَدِّهَا تَلَفًا) أَيْ بِأَنْ كَانَ التَّلَفُ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ (قَوْلُهُ: فَسَدَ الشَّرْطُ وَالْعَارِيَّةُ) أَيْ فَتَكُونُ مَضْمُونَةً بِقِيمَتِهَا إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ تُضْمَنَ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا عَلَى مَا مَرَّ لَهُ أَنَّهُ كَأَنَّهُ جَعَلَ الزَّائِدَ عَلَى قِيمَتِهَا فِي مُقَابَلَةِ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: فَيَحْلِفُ لِكُلٍّ) أَيْ لِكُلٍّ مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ فِي مَسْأَلَتَيْ الدَّابَّةِ وَالْأَرْضِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَ تَلَفِهَا فَإِنْ لَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ إلَخْ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا تَغْيِيرٌ وَمُوَافَقَةٌ لِمَا فِي التُّحْفَةِ وَفِيهِ بَعْضُ خَلَلٍ (قَوْلُهُ: وَذُو الْيَدِ مُقِرٌّ لَهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ) لَعَلَّ الصَّوَابَ إسْقَاطُ لَفْظِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَلَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: مَعَ اسْتِعْمَالِ جُزْءٍ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْعَيْنِ الْمَغْرُومَةِ (قَوْلُهُ: فَسَدَ الشَّرْطُ وَالْعَارِيَّةُ فِيمَا يَظْهَرُ) تَقَدَّمَ لَهُ اسْتِيجَاهُهُ أَيْضًا فِي صُورَةِ الْأَمَانَةِ مُخَالِفًا فِيهَا لِلْإِسْنَوِيِّ.
مِنْ قِيمَةِ يَوْمِ التَّلَفِ
(حَلَفَ لِلزِّيَادَةِ) أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهَا.
وَأَمَّا مُسَاوِيهَا وَمَا دُونَهُ فَيَأْخُذُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ نَظِيرَ مَا مَرَّ.
وَذُكِرَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْمَالِكُ غَصَبْتنِي وَذُو الْيَدِ أَوْدَعْتنِي حَلَفَ الْمَالِكُ عَلَى نَفْيِ الْإِيدَاعِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ الْإِذْنَ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَأَخْذُ الْقِيمَةِ إنْ تَلِفَ وَالْأُجْرَةِ إنْ مَضَتْ مُدَّةٌ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ، وَمَحَلُّهُ حَيْثُ لَا اسْتِعْمَالَ مِنْ ذِي الْيَدِ وَإِلَّا فَالْمُصَدَّقُ الْمَالِكُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ.
وَلَا يُخَالِفُ مَا تَقَرَّرَ مَا مَرَّ فِي الْإِقْرَارِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ ثُمَّ فَسَّرَهَا الْوَدِيعَةِ قُبِلَ: أَيْ سَوَاءٌ أَقَالَ أَخَذْتهَا مِنْهُ أَمْ دَفَعَهَا إلَيَّ وَلَمْ يَنْظُرْ لِدَعْوَى الْمُقِرِّ لَهُ الْغَصْبَ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا كَوْنُ الْأَلْفِ لَمْ تَثْبُتْ ثُمَّ إلَّا بِإِقْرَارِهِ فَيُصَدَّقُ فِي صِفَةِ ثُبُوتِهَا.
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ مَنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي أَصْلِ الْإِذْنِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي صِفَتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا أَصْلَ هُنَا يُخَالِفُ دَعْوَاهُ الْوَدِيعَةَ، بِخِلَافِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ يَدَهُ عَلَى الْعَيْنِ اقْتَضَى ذَلِكَ ضَمَانَهُ إذْ هُوَ الْأَصْلُ فِي الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ فَدَعْوَاهُ الْإِذْنَ يُخَالِفُ أَصْلَ الضَّمَانِ النَّاشِئِ عَنْ الِاسْتِيلَاءِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِذْنِ فَيُصَدَّقُ الْمَالِكُ.
وَبِمَا تَقَرَّرَ ظَهَرَ ضَعْفُ قَوْلِ الْبَغَوِيّ لَوْ دَفَعَ لِغَيْرِهِ أَلْفًا فَهَلَكَ فَادَّعَى الدَّافِعُ الْقَرْضَ وَالْمَدْفُوعُ لَهُ الْوَدِيعَةَ صُدِّقَ الْمَدْفُوعُ لَهُ، وَقَدْ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِتَصْدِيقِ الْمَالِكِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْأَنْوَارِ عَنْ مِنْهَاجِ الْقُضَاةِ: لَوْ قَالَ بَعْدَ تَلَفِهِ دَفَعْته قَرْضًا وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ وَكَالَةً صُدِّقَ الدَّافِعُ.
[حاشية الشبراملسي]
الْمَنَافِعِ فَكَانَتْ إجَارَةً فَاسِدَةً، وَمَا هُنَا لَمْ يَجْعَلْ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنَافِعِ شَيْئًا لَكِنْ شَرَطَ شَرْطًا فَاسِدًا فَأَفْسَدَهَا.
وَيُؤْخَذُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَوْ شَرَطَ ضَمَانَهَا بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ دُونَ قِيمَتِهَا، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ كَانَ كَمَا لَوْ شَرَطَ ضَمَانَهَا بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا فَتَكُونُ أَمَانَةً
(قَوْلُهُ: حَلَفَ لِلزِّيَادَةِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ لِلْأُجْرَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا فِي مُدَّةِ وَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَالْمُصَدَّقُ الْمَالِكُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ) أَيْ لِأَنَّهَا بِتَقْدِيرِ كَوْنِهَا وَدِيعَةً صَارَتْ بِالِاسْتِعْمَالِ كَالْمَغْصُوبَةِ (قَوْلُهُ: فَادَّعَى الدَّافِعُ الْقَرْضَ إلَخْ) وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ ادَّعَى الْآخِذُ الْهِبَةَ وَالدَّافِعُ الْقَرْضَ فَيُصَدَّقُ الدَّافِعُ فِي ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِلدَّافِعِ بِهِ إلْمَامٌ لِكَوْنِهِ خَادِمَهُ مَثَلًا أَمْ لَا (قَوْلُهُ: بِتَصْدِيقِ الْمَالِكِ) وَمِثْلُهُ وَارِثُهُ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ وَكَالَةً صُدِّقَ الدَّافِعُ) وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ ادَّعَى الدَّافِعُ أَوْ وَارِثُهُ الْبَيْعَ وَالْآخِذُ الْوَكَالَةَ أَوْ الْقِرَاضَ أَوْ الشَّرِكَةَ أَوْ نَحْوَهَا مِمَّا لَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ صُدِّقَ الدَّافِعُ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِلُزُومِ الْبَدَلِ الشَّرْعِيِّ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْبَدَلِ صُدِّقَ الْغَارِمُ لِإِبْقَاءِ الْعَقْدِ.
.
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كِتَابُ الْغَصْبِ (هُوَ) لُغَةً: أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا، وَقِيلَ بِشَرْطِ الْمُجَاهَرَةِ.
وَشَرْعًا (الِاسْتِيلَاءُ) وَمَدَارُهُ عَلَى الْعُرْفِ كَمَا يَظْهَرُ بِالْأَمْثِلَةِ الْآتِيَةِ، فَلَيْسَ مِنْهُ مَنْعُ الْمَالِكِ مِنْ سَقْيِ زَرْعِهِ أَوْ مَاشِيَتِهِ حَتَّى تَلِفَ فَلَا ضَمَانَ لِانْتِفَاءِ الِاسْتِيلَاءِ سَوَاءٌ أَقَصَدَ مَنْعَهُ عَنْهُ أَمْ لَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَفَارَقَ هَذَا هَلَاكَ وَلَدِ شَاةٍ ذَبَحَهَا بِأَنَّهُ ثَمَّ أَتْلَفَ غِذَاءَ الْوَلَدِ الْمُتَعَيَّنِ لَهُ بِإِتْلَافِ أُمِّهِ بِخِلَافِهِ هُنَا، وَبِهَذَا الْفَرْقِ يَتَأَيَّدُ مَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَغَيْرِهِ قُبَيْلَ وَالْأَصَحُّ أَنَّ السَّمْنَ وَيَأْتِي قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ سَقْيَ أَرْضِهِمْ فِيمَنْ عَطَّلَ شِرْبَ مَاءِ الْغَيْرِ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ (عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ) وَلَوْ كَلْبًا وَخَمْرًا مُحْتَرَمَيْنِ،
[حاشية الشبراملسي]
[كِتَابُ الْغَصْبِ]
ِ (قَوْلُهُ: وَمَدَارُهُ) أَيْ الِاسْتِيلَاءِ (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ مِنْهُ مَنْعُ الْمَالِكِ) أَيْ أَوْ غَيْرِهِ مَنْعًا خَاصًّا كَمَنْعِ الْمَالِكِ وَأَتْبَاعِهِ مَثَلًا، أَمَّا الْمَنْعُ الْعَامُّ كَأَنْ مَنَعَ جَمِيعَ النَّاسِ عَنْ سَقْيِهَا فَيَضْمَنُ بِذَلِكَ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الشَّبْشِيرِيِّ بِالدَّرْسِ مَا يُوَافِقُهُ (قَوْلُهُ: مِنْ سَقْيِ زَرْعِهِ) أَيْ كَأَنْ حَبَسَهُ مَثَلًا فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَدَمُ السَّقْيِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ بَعْدُ سَوَاءٌ أَقَصَدَ مَنْعَهُ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ ثَمَّ) أَيْ فِي الشَّاةِ (قَوْلُهُ: مَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ) لَمْ يَذْكُرْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ شَيْئًا، وَفِي حَجّ ثُمَّ مَا نَصُّهُ: وَأَفْتَى أَيْضًا: أَيْ ابْنُ الصَّلَاحِ بِضَمَانِ شَرِيكٍ غَوَّرَ مَاءَ عَيْنٍ مِلْكٍ لَهُ وَلِشُرَكَائِهِ فَيَبِسَ مَا كَانَ يَسْقِي بِهَا مِنْ الشَّجَرِ وَنَحْوِهِ أَفْتَى الْفَقِيهُ إسْمَاعِيلُ الْحَضْرَمِيُّ وَنَظَرَ فِيهِ بَعْضُهُمْ وَكَأَنَّهُ نَظَرَ لِقَوْلِهِمْ لَوْ أَخَذَ ثِيَابَهُ مَثَلًا فَهَلَكَ بَرْدًا لَمْ يَضْمَنْهُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مُهْلِكٌ لَهُ، وَمَرَّ أَوَّلَ الْبَابِ مَا يَرُدُّهُ: أَيْ النَّظَرَ فَتَأَمَّلْهُ اهـ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِحِ وَيَأْتِي قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ إلَخْ لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ ثُمَّ وَالْأَوْجَهُ أَنَّ مَنْ لِأَرْضِهِ شِرْبٌ مِنْ مَاءٍ مُبَاحٍ فَعَطَّلَهُ آخَرُ بِأَنْ أَحْدَثَ مَا يَنْحَدِرُ بِهِ الْمَاءُ عَنْهُ تَأْثِيمُ فَاعِلِهِ وَلَا تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ مُدَّةَ تَعْطِيلِهَا لَوْ سُقِيَتْ بِذَلِكَ الْمَاءِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي الْمُسَاقَاةِ اهـ إلَّا أَنَّهُ يَتَأَمَّلُ حِينَئِذٍ كَوْنَ هَذَا مُؤَيِّدًا لِلْفَرْقِ، فَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْهُ رَدُّهُ لَا تَأْيِيدُهُ.
إلَّا أَنْ يُقَالَ: وَجْهُ التَّأْيِيدِ أَنَّهُ يَجْعَلُ عِلَّةَ عَدَمِ الضَّمَانِ فِيمَا يَأْتِي أَنَّ سَقْيَ الْأَرْضِ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ ذَلِكَ الْمَاءُ بَلْ يُمْكِنُ السَّقْيُ بِغَيْرِهِ، بِخِلَافِ الشَّاةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ مَا يَصْلُحُ لِغِذَاءِ وَلَدِ الشَّاةِ سِوَى لَبَنِ أُمِّهِ أَوْ أَنَّ مَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ مُؤَيِّدٌ لِضَمَانِ وَلَدِ الشَّاةِ وَمَا بَعْدَهُ مُؤَيِّدٌ لِعَدَمِ ضَمَانِ الزَّرْعِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّ وَجْهَ تَأْيِيدِ مَا هُنَا لِمَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّ لَبَنَ الشَّاةِ مِنْ حَيْثُ نِسْبَتُهُ إلَيْهَا مُتَعَيِّنٌ لِوَلَدِهَا، وَكَذَلِكَ الْعَيْنُ الَّتِي أُعِدَّتْ بِخُصُوصِهَا لِسَقْيِ زَرْعٍ فَإِنَّهَا مُعَدَّةٌ بِحَسَبِ الْقَصْدِ مِمَّنْ هَيَّأَهَا لِذَلِكَ الزَّرْعِ.
وَعَلَيْهِ فَيَتَعَيَّنُ فَرْضُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ الضَّمَانِ هُنَا فِي مَسْأَلَةِ الزَّرْعِ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَاءُ مُعَدًّا لَهُ كَمَاءِ الْأَمْطَارِ وَالسُّيُولِ وَنَحْوِهِمَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَلْبًا) أَيْ نَافِعًا، وَخَرَجَ بِهِ الْعَقُورُ: أَيْ وَكَذَا مَا لَا نَفْعَ فِيهِ وَلَا ضَرَرَ كَالْفَوَاسِقِ
[حاشية الرشيدي]
كِتَابُ الْغَصْبِ (قَوْلُهُ: وَفَارَقَ هَذَا هَلَاكَ وَلَدِ شَاةٍ إلَخْ) قَضِيَّةُ السِّيَاقِ أَنَّ هَذَا يُسَمَّى غَصْبًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَسَيُعِيدُ الْمَسْأَلَتَيْنِ مَعَ فَرْقٍ آخَرَ أَظْهَرَ مِنْ هَذَا.
(قَوْلُهُ: يَتَأَيَّدُ مَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ إلَخْ) هُوَ تَابِعٌ فِي هَذَا لِمَا فِي التُّحْفَةِ، لَكِنَّهُ أَغْفَلَ مَا فِي التُّحْفَةِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي أَحَالَ عَلَيْهِ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَهُوَ ضَمَانُ شَرِيكٍ غَوَّرَ مَاءَ عَيْنٍ مِلْكٍ لَهُ وَلِشُرَكَائِهِ فَيَبِسَ مَا كَانَ يَسْقِي بِهَا مِنْ الشَّجَرِ، وَقَوْلُهُ: قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ إلَخْ أَيْ: فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ
وَشَمِلَ الِاخْتِصَاصَاتِ كَحَقٍّ مُتَحَجِّرٍ وَمَنْ قَعَدَ بِنَحْوِ مَسْجِدٍ أَوْ شَارِعٍ لَا يُزْعِجُ عَنْهُ وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ فِي دَقَائِقِهِ حَبَّةَ الْبُرِّ غَيْرَ مَالِ مُرَادِهِ بِهِ غَيْرَ مُتَمَوَّلٍ لِمَا قَدَّمَهُ فِي الْإِقْرَارِ أَنَّهَا مَالٌ، وَعَبَّرَ عَنْهُ أَصْلُهُ بِالْمَالِ إذْ هُوَ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ الْآتِي، وَعَدَلَ عَنْهُ إلَى أَعَمَّ مِنْهُ لِيَكُونَ التَّعْرِيفُ جَامِعًا لِأَفْرَادِ الْغَصْبِ الْمُحَرَّمِ الْوَاجِبِ فِيهِ الرَّدُّ، وَأَمَّا الضَّمَانُ فَسَيُصَرِّحُ بِانْتِفَائِهِ عَنْ غَيْرِ الْمَالِ بِقَوْلِهِ وَلَا يَضْمَنُ الْخَمْرَ، فَمَا صَنَعَهُ هُنَا أَحْسَنُ مِنْ أَصْلِهِ وَإِنْ عَكَسَهُ بَعْضُهُمْ (عُدْوَانًا) أَيْ وَجْهُ الظُّلْمِ وَالتَّعَدِّي فَخَرَجَ بِهِ نَحْوَ مَأْخُوذٍ بِسَوْمٍ وَعَارِيَّةٍ وَمَا كَانَ أَمَانَةً شَرْعِيَّةً كَثَوْبٍ طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ أَوْ حِجْرِهِ، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَا لَوْ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ يَظُنُّهُ مَالَهُ حَيْثُ ضَمِنَهُ ضَمَانَ الْغَصْبِ لِأَنَّ الثَّابِتَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ حُكْمُ الْغَصْبِ لَا حَقِيقَتَهُ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ وَالْغَالِبَ مِنْ الْغَصْبِ مَا يَقْتَضِي الْإِثْمَ، وَاسْتُحْسِنَ تَعْبِيرُهُ فِي الرَّوْضَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِشُمُولِهَا هَذِهِ الصُّورَةَ وَاقْتِضَائِهَا أَنَّ الثَّابِتَ فِيهَا حَقِيقَةُ الْغَصْبِ نَظَرًا إلَى أَنَّ حَقِيقَتَهُ صَادِقَةٌ مَعَ انْتِفَاءِ التَّعَدِّي، إذْ الْقَصْدُ بِالْحَدِّ ضَبْطُ جَمِيعِ صُوَرِ الْغَصْبِ الَّتِي فِيهَا إثْمٌ وَاَلَّتِي لَا إثْمَ فِيهَا، وَمَا اسْتَحْسَنَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ زِيَادَةٍ قَهْرًا لِإِخْرَاجِ السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا وَمِنْ زِيَادَةٍ لَا عَلَى وَجْهِ اخْتِلَاسٍ أَوْ نَحْوِهِ رُدَّ بِخُرُوجِ الثَّلَاثَةِ بِالِاسْتِيلَاءِ، فَإِنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَالتَّنْظِيرُ فِيهِ بِادِّعَاءِ أَنَّ السَّرِقَةَ نَوْعٌ مِنْ الْغَصْبِ أُفْرِدَ بِحُكْمٍ خَاصٍّ فِيهِ نَظَرٌ، وَصَنِيعُهُمْ
[حاشية الشبراملسي]
الْخَمْسُ فَلَا بُدَّ عَلَيْهَا وَلَا يَجِبُ رَدُّهَا بِرّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ لَكِنْ قَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ فِي الْإِقْرَارِ وَلَوْ قَالَ لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ قَبْلَ تَفْسِيرِهِ بِنَجِسٍ لَا يُقْتَنَى، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ تَسُوغُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ.
وَأُجِيبَ ثَمَّ بِأَنَّ قَبُولَ التَّفْسِيرِ بِهِ إنَّمَا هُوَ لِصِدْقِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ وَوَصْفُهُ بِكَوْنِهِ عِنْدَهُ لَا يَسْتَدْعِي أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ يَدًا (قَوْلُهُ: وَشَمِلَ) أَيْ التَّعْرِيفُ أَوْ أُلْحِقَ الِاخْتِصَاصَاتُ: أَيْ فَيَكُونُ غَصْبُهَا كَبِيرَةً فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي حَبَّةِ الْبُرِّ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ النَّفْعَ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ النَّفْعِ بِحَبَّةِ الْبُرِّ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمْوَالُكُمْ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ (قَوْلُهُ: وَمَنْ قَعَدَ) أَيْ وَشَمِلَ مَنْ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَا يُزْعِجُ عَنْهُ) أَيْ قُعُودٌ لَا يُزْعِجُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: مُرَادُهُ بِهِ غَيْرُ مُتَمَوَّلٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْمِصْبَاحِ تَمَوَّلَ اتَّخَذَ مَالًا وَمَوَّلَهُ غَيْرُهُ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: تَمَوَّلَ مَالًا اتَّخَذَهُ قُنْيَةٌ، فَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ مَا يُتَمَوَّلُ مَا يُعَدُّ مَالًا فِي الْعُرْفِ وَالْمَالُ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ النَّعَمُ اهـ. فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَا كَانَ صِفَةً لِلْمَالِ اسْمُ مَفْعُولٍ وَمَا كَانَ صِفَةً لِلْفَاعِلِ اسْمُ فَاعِلٍ (قَوْلُهُ: وَعَبَّرَ عَنْهُ) أَيْ الْحَقِّ (قَوْلُهُ وَالتَّعَدِّي) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: أَوْ حِجْرِهِ) أَيْ بِخِلَافِ مَا لَوْ طَيَّرَتْهُ إلَى مَحَلٍّ قَرِيبٍ مِنْهُ وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ يَدٌ كَالْمَسْجِدِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ الْقَهْرِ) فِي إخْرَاجِهِ لِلِانْتِهَاءِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْآخِذَ فِيهِ يُعَدُّ مُسْتَوْلِيًا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ بَلْ قَدْ يَتَوَقَّفُ فِي إخْرَاجِهِ لِلْجَمِيعِ، سِيَّمَا وَقَدْ جَعَلَ الشَّارِحُ الِاسْتِيلَاءَ شَامِلًا لِمَا قَبَضَهُ لِسَوْمٍ أَوْ أَمَانَةٍ كَثَوْبٍ طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ إلَى دَارٍ أَوْ حِجْرِهِ (قَوْلُهُ وَالتَّنْظِيرُ فِيهِ) أَيْ فِي إخْرَاجِ السَّرِقَةِ وَنَحْوِهَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَشَمِلَ الِاخْتِصَاصَاتِ) لَعَلَّ لَفْظَ شَمِلَ مُحَرَّفٌ عَنْ لَفْظِ سَائِرِ مِنْ الْكَتَبَةِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَسَائِرُ الْحُقُوقِ وَالِاخْتِصَاصَاتِ كَحَقٍّ مُتَحَجِّرٍ (قَوْلُهُ: وَمَنْ قَعَدَ بِنَحْوِ مَسْجِدٍ) أَيْ: وَكَحَقِّ مَنْ قَعَدَ بِنَحْوِ مَسْجِدٍ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَكَإِقَامَةِ مَنْ قَعَدَ بِسُوقٍ أَوْ مَسْجِدٍ لَا يُزْعَجُ مِنْهُ، وَالْجُلُوسُ مَحَلُّهُ انْتَهَتْ.
وَقَوْلُهُ: لَا يُزْعَجُ مِنْهُ وَصْفٌ لِمَسْجِدٍ أَوْ شَارِعٍ: أَيْ بِأَنْ كَانَ جُلُوسُهُ بِحَقٍّ (قَوْلُهُ: نَظَرًا إلَى الْمُتَبَادَرِ وَالْغَالِبِ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ هُنَاكَ صُوَرًا مِنْ الْغَصْبِ الْحَقِيقِيِّ لَا إثْمَ فِيهَا، وَهُوَ قَدْ يُنَافِي مَا مَرَّ، بَلْ قَدْ تَدْخُلُ الصُّورَةُ الْمَذْكُورَةُ بِادِّعَاءِ أَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ (قَوْلُهُ: وَمَا اسْتَحْسَنَهُ الرَّافِعِيُّ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَاسْتَحْسَنَ الرَّافِعِيُّ زِيَادَةَ قَهْرًا لِيُخْرِجَ السَّرِقَةَ، وَغَيْرَهُ زِيَادَةً لَا عَلَى وَجْهِ اخْتِلَاسٍ أَوْ انْتِهَابٍ وَرَدَّا بِأَنَّ الثَّلَاثَةَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالتَّنْظِيرُ فِيهِ) أَيْ: فِي الرَّدِّ الْمَذْكُور
بِإِفْرَادِهَا بِبَابٍ مُسْتَقِلٍّ وَجَعْلُهَا مِنْ مَبَاحِثِ الْجِنَايَاتِ قَاضٍ بِخِلَافِهِ، وَقَدْ أَفَادَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي تَعْرِيفِ الْغَصْبِ أَنَّهُ حَقِيقَةً وَإِثْمًا وَضَمَانًا الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ عُدْوَانًا، وَضَمَانًا الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنَّمَا الِاسْتِيلَاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ عُدْوَانًا، وَلَوْ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ بِالْحَيَاءِ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْغَصْبِ، فَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ: مَنْ طَلَبَ مِنْ غَيْرِهِ مَالًا فِي الْمَلَا فَدَفَعَهُ إلَيْهِ لِبَاعِثِ الْحَيَاءِ فَقَطْ لَمْ يَمْلِكْهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ وَهُوَ كَبِيرَةٌ، قَالَا نَقْلًا عَنْ الْهَرَوِيِّ إنْ بَلَغَ نِصَابًا، لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ غَصْبَ الْحَبَّةِ وَسَرِقَتَهَا كَبِيرَةٌ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ، وَيُوَافِقُهُ إطْلَاقُ الْمَاوَرْدِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ مَعَ الِاسْتِحْلَالِ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ كُفْرٌ وَمَعَ عَدَمِهِ فِسْقٌ، وَلَعَلَّ هَذَا التَّفْصِيلَ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَصَرِيحُ مَذْهَبِنَا أَنَّ اسْتِحْلَالَ مَا تَحْرِيمُهُ ضَرُورِيٌّ كُفْرٌ وَمَا لَا فَلَا وَإِنْ فَعَلَهُ فَتَفَطَّنْ لَهُ
(فَلَوْ) (رَكِبَ دَابَّةً) لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ وَإِنْ كَانَ مَالِكُهَا حَاضِرًا وَسَيَّرَهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ وَضَعَ عَلَيْهَا مَتَاعًا مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ بِحُضُورِهِ فَسَيَّرَهَا الْمَالِكُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْمَتَاعَ وَلَا يَضْمَنُ مَالِكُهُ الدَّابَّةَ إذْ لَا اسْتِيلَاءَ مِنْهُ عَلَيْهَا (أَوْ جَلَسَ) أَوْ تَحَامَلَ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: قَاضٍ بِخِلَافِهِ) أَيْ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي تَخَلُّفَ أَحْكَامِ الْغَصْبِ عَنْهَا كَالضَّمَانِ بِأَقْصَى الْقِيَمِ وَالْأُجْرَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْوَاقِعِ (قَوْلُهُ: بِغَيْرِ حَقٍّ) أَيْ حَيْثُ ظَنَّهُ مَالَهُ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا الِاسْتِيلَاءُ إلَخْ) زَادَ فِي الْعُبَابِ وَلَا إثْمًا وَلَا ضَمَانًا اهـ. وَصُورَتُهُ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى اخْتِصَاصِ غَيْرِهِ يَظُنُّهُ اخْتِصَاصَهُ، وَقَوْلُهُ أَيْضًا أَوْ تَحَامَلَ بِرِجْلِهِ زَادَ حَجّ: أَيْ وَإِنْ اعْتَمَدَ مَعَهَا عَلَى الرِّجْلِ الْأُخْرَى فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: كَانَ لَهُ حُكْمُ الْغَصْبِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ طَلَبٌ مِنْ الْآخِذِ فَالْمَدَارُ عَلَى مُجَرَّدِ الْعِلْمِ بِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ دَفَعَهُ حَيَاءً لَا مُرُوءَةً أَوْ رَغْبَةً فِي خَيْرٍ، وَمِنْهُ مَا لَوْ جَلَسَ عِنْدَ قَوْمٍ يَأْكُلُونَ مَثَلًا وَسَأَلُوهُ فِي أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُمْ وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ حَيَائِهِمْ مِنْ جُلُوسِهِ عِنْدَهُمْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ كَبِيرَةٌ) إطْلَاقُهُ شَامِلٌ لِلْمَالِ وَإِنْ قَلَّ وَلِلِاخْتِصَاصَاتِ وَمَا لَوْ أَقَامَ إنْسَانًا مِنْ نَحْوِ مَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ فَيَكُونُ كَبِيرَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ، بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ غَصْبِ نَحْوِ حَبَّةِ الْبُرِّ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ بِهِ أَكْثَرُ وَالْإِيذَاءُ الْحَاصِلُ بِذَلِكَ أَشَدُّ (قَوْلُهُ: وَمَعَ عَدَمِهِ) أَيْ الِاسْتِحْلَالِ (قَوْلُهُ: وَلَعَلَّ هَذَا التَّفْصِيلَ) أَيْ وَلَعَلَّ نِسْبَةَ هَذَا التَّفْصِيلِ لِلْمَاوَرْدِيِّ إلَخْ، وَإِلَّا فَصَرِيحُ الْمَذْهَبِ يُفِيدُ ذَلِكَ وَلَا حَاجَةَ لِعَزْوِهِ لِلْمَاوَرْدِيِّ (قَوْلُهُ: وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ وَعَلِمَ بِحُرْمَتِهِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ بِحُضُورِهِ) أَيْ أَوْ سَاقَهَا أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا بِحَشِيشٍ مَثَلًا فِي يَدِهِ فَتَبِعَتْهُ (قَوْلُهُ أَوْ تَحَامَلَ بِرِجْلِهِ) وَمِنْهُ مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ الْمَشْيِ عَلَى مَا يُفْرَشُ فِي صَحْنِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ مِنْ الْفَرَاوِيُّ وَالثِّيَابِ وَنَحْوِهِمَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَنَّ الَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي تَعْرِيفِ الْغَصْبِ أَنَّهُ حَقِيقَةً وَإِثْمًا وَضَمَانًا إلَخْ) لَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْعَطْفِ وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ: وَحَقِيقَتُهُ ضَمَانًا وَإِثْمًا الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ عُدْوَانًا، وَضَمَانًا فَقَطْ الِاسْتِيلَاءُ بِلَا تَعَدٍّ كَلُبْسِ مُودِعٍ غَلَطًا وَإِثْمًا فَقَطْ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مُحْتَرَمٍ وَلَا مَالِيَّةَ لَهُ عُدْوَانًا انْتَهَتْ.
فَجَعَلَ الْكُلَّ حَقَائِقَ لِلْغَصْبِ لَكِنْ بِاعْتِبَارَاتٍ وَزَادَ الشِّهَابُ سم عَلَيْهِ: وَحَقِيقَةً لَا ضَمَانًا وَلَا إثْمًا بَلْ وُجُوبُ رَدٍّ فَقَطْ الِاسْتِيلَاءُ بِلَا تَعَدٍّ عَلَى مُحْتَرَمٍ غَيْرِ مَالٍ كَأَخْذِ سِرْجِينِ الْغَيْرِ يَظُنُّهُ لَهُ، قَالَ: وَبَقِيَ حَقِيقَتُهُ الْأَعَمُّ مِنْ الضَّمَانِ وَالْإِثْمِ وَالرَّدِّ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مُحْتَرَمِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ مُطْلَقًا اهـ.
وَهَذَا الْأَخِيرُ قَدْ يَشْمَلُ الِاسْتِيلَاءَ عَلَى زَوْجَةِ الْغَيْرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ (قَوْلُهُ: وَضَمَانًا الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ) صَرِيحُ السِّيَاقِ كَمَا لَا يَخْفَى أَنَّ حَقِيقَةَ الضَّمَانِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِيهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُقَسَّمَ الْغَصْبُ فَتَأَمَّلْ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الَّذِي بَعْدَهُ
(قَوْلُهُ: وَسَيَّرَهَا) أَيْ الْمَالِكُ فَهُوَ مَدْخُولُ الْغَايَةِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا لَوْ وَضَعَ عَلَيْهَا مَتَاعًا إلَخْ) لَعَلَّ صُورَتَهُ أَنَّهُ وَضَعَهُ لِيَقْضِيَ حَاجَةً مَثَلًا ثُمَّ يَأْخُذَهُ، إذْ يَبْعُدُ أَنَّ مَالِكَ الدَّابَّةِ لَوْ كَانَ قَاصِدًا نَحْوَ دَارِ صَاحِبِ الْمَتَاعِ فَوَضَعَ الْمَتَاعَ عَلَى الدَّابَّةِ وَدَلَّتْ الْحَالُ عَلَى إذْنِهِ لَهُ فِي إيصَالِهِ إلَى مَحَلِّهِ أَنَّهُ يَضْمَنُ فَلْيُرَاجَعْ.
بِرِجْلِهِ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ (عَلَى فِرَاشٍ) لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةُ الْحَالِ عَلَى إبَاحَةِ الْجُلُوسِ مُطْلَقًا أَوْ لِنَاسٍ مَخْصُوصِينَ كَفَرْشِ مَسَاطِبِ التُّجَّارِ لِمَنْ لَهُ عِنْدَهُمْ حَاجَةٌ فَغَاصِبٌ وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْهُ إذْ غَايَةُ الِاسْتِيلَاءِ حَاصِلَةٌ بِذَلِكَ، وَهِيَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُتَعَدِّيًا وَسَوَاءٌ أَقَصَدَ الِاسْتِيلَاءَ أَمْ لَا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ السُّبْكِيُّ، وَصَوَّبَ الزَّرْكَشِيُّ قَوْلَ الْكَافِي مَنْ لَمْ يَقْصِدْهُ لَا يَكُونُ غَاصِبًا وَلَا ضَامِنًا، وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ اعْتِبَارَ النَّقْلِ فِي كُلِّ مَنْقُولٍ سِوَى الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ ذَهَبَ جَمْعٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ رَفَعَ مَنْقُولًا كَكِتَابٍ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ مَالِكٍ لِيَنْظُرَهُ وَيَرُدَّهُ حَالًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ اسْتِيلَاءً عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْهُ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُمْ عَلَى مَا إذَا دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى رِضَا مَالِكِهِ بِأَخْذِهِ لِلنَّظَرِ فِيهِ، وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ فِيمَا يَأْتِي فِي الدُّخُولِ لِلتَّفَرُّجِ، لِأَنَّ الْأَخْذَ وَالرَّفْعَ اسْتِيلَاءٌ حَقِيقِيٌّ فَلَمْ يَحْتَجْ مَعَهُ إلَى قَصْدٍ، وَلَا كَذَلِكَ مُجَرَّدُ الدُّخُولِ وَمَحَلُّ اشْتِرَاطِ نَقْلِ الْمَنْقُولِ فِي الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ فِي مَنْقُولٍ لَيْسَ بِيَدِهِ، فَإِنْ كَانَ بِيَدِهِ كَوَدِيعَةٍ
[حاشية الشبراملسي]
وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ الضَّمَانِ مَا لَمْ تَعُمَّ الْفَرَاوِيُّ وَنَحْوُهَا الْمَسْجِدَ بِأَنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَثُرَتْ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ وَلَا حُرْمَةَ لِتَعَدِّي الْوَاضِعِ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: عَلَى فِرَاشٍ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: لَوْ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْهُ ثُمَّ جَلَسَ آخَرُ عَلَيْهِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا غَاصِبٌ، وَلَا يَزُولُ الْغَصْبُ عَنْ الْأَوَّلِ بِانْتِقَالِهِ عَنْهُ لِأَنَّ الْغَاصِبَ إنَّمَا يَبْرَأُ بِالرَّدِّ لِلْمَالِكِ أَوْ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَلَوْ تَلِفَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ تَلِفَ فِي يَدِ الثَّانِي فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ أَوْ بَعْدَ انْتِقَالِهِ أَيْضًا عَنْهُ فَعَلَى كُلٍّ الْقَرَارُ، لَكِنْ هَلْ لِلْكُلِّ أَوْ لِلنِّصْفِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَظْهَرُ الْأَوَّلُ؛ وَلَوْ نَقَلَ الدَّابَّةَ وَمَالِكُهَا رَاكِبٌ عَلَيْهَا بِأَنْ أَخَذَ بِرَأْسِهَا وَسَيَّرَهَا مَعَ ذَلِكَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَاصِبًا لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ مَعَ اسْتِقْلَالِ مَالِكِهَا بِالرُّكُوبِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ تَنَازَعَا أَوْ أُتْلِفَتْ حُكِمَ بِهَا لِلرَّاكِبِ وَاخْتُصَّ بِهِ الضَّمَانُ اهـ. أَقُولُ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فَعَلَى كُلٍّ الْقَرَارُ أَنَّ مَنْ غَرِمَ مِنْهُمَا لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَأْخُذُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا بَدَلَ الْمَغْصُوبِ.
لَا يُقَالُ: بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ غَرِمَ مِنْهُمَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِالنِّصْفِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا عَيْنُ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي، وَلِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَالِكَ يُطَالِبُ كُلًّا بِالنِّصْفِ لِمَا مَرَّ أَنَّ كُلًّا طَرِيقٌ فِي الضَّمَانِ هَذَا.
وَبَقِيَ فِي الْمَقَامِ احْتِمَالٌ آخَرُ.
وَهُوَ أَنَّ قَرَارَ الضَّمَانِ عَلَى الثَّانِي وَحْدَهُ لِأَنَّ يَدَهُ أَزَالَتْ يَدَ الْأَوَّلِ الْحِسِّيَّةَ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدُ مَا يُزِيلُهَا فَهِيَ مُسْتَصْحَبَةٌ وَإِنْ انْتَقَلَ عَنْهُ هَذَا.
وَقَدْ يُقَالُ: الْأَقْرَبُ الثَّانِي لِدُخُولِهَا فِي ضَمَانِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَتُسَاوِيهِمَا فِي كَوْنِهَا تَلِفَتْ لَا فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَقَالَ سم فِي قَوْلَةٍ أُخْرَى: الظَّاهِرُ أَنَّ الْفِرَاشَ مِثَالٌ، وَعَلَيْهِ فَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْبَغَوِيّ أَنَّ مَنْ تَحَامَلَ بِرِجْلِهِ عَلَى خَشَبَةٍ كَانَ غَاصِبًا لَهَا وَقَدْ يُفَرَّقُ اهـ، وَقَوْلُ سم فِي الْقَوْلَةِ الْأُولَى فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ غَاصِبًا إلَخْ، وَيُصَرِّحُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ مَا تَقَدَّمَ فِي الشَّارِحِ عَنْ أَبِي حَامِدٍ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الْعَارِيَّةِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا يَنْمَحِقُ إلَخْ مِنْ أَنَّهُ لَوْ سَخَّرَ رَجُلًا وَدَابَّتَهُ فَتَلِفَتْ الدَّابَّةُ فِي يَدِ صَاحِبِهَا لَمْ يَضْمَنْهَا الْمُسَخِّرُ لِأَنَّهَا فِي يَدِ صَاحِبِهَا، وَقَوْلُهُ أَيْضًا فِي الْقَوْلَةِ الْأُخْرَى: وَقَدْ يُفَرَّقُ: أَيْ بِأَنَّ الْفِرَاشَ لَمَّا كَانَ مُعَدًّا لِلِانْتِفَاعِ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ كَانَ الْجُلُوسُ وَنَحْوُهُ انْتِفَاعًا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُصِدَ مِنْهُ فَعُدَّ ذَلِكَ اسْتِيلَاءً، بِخِلَافِ الْخَشَبَةِ وَنَحْوِهَا فَأُلْحِقَتْ بِبَاقِي الْمَقُولَاتِ وَيَدُلُّ لِلْفَرْقِ عُمُومُ قَوْلِ الشَّارِحِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ اعْتِبَارَ النَّقْلِ إلَخْ، وَقَوْلُهُ أَيْضًا لَوْ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلَخْ يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ تَعَاقَبَ اثْنَانِ عَلَى دَابَّةٍ ثُمَّ تَلِفَتْ (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ أَقَصَدَ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: فِي كُلِّ مَنْقُولٍ) وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ نَابِعًا كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: سِوَى الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ) أَيْ وَسِوَى مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا فِي الدَّارِ مِنْ الْأَمْتِعَةِ، وَالْأَمْرَانِ الْمَذْكُورَانِ هُمَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً، وَقَوْلُهُ أَوْ جَلَسَ عَلَى فِرَاشٍ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ اشْتِرَاطِ نَقْلِ الْمَنْقُولِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْعُبَابِ وَنَقْلُ الْمَنْقُولِ كَالْبَيْعِ.
وَقَضِيَّتُهَا أَنَّ مُجَرَّدَ رَفْعِ الْمَنْقُولِ الثَّقِيلِ وَإِنْ وَضَعَهُ مَكَانَهُ لَا يَكُونُ غَصْبًا، بِخِلَافِ الْخَفِيفِ الَّذِي يُتَنَاوَلُ بِالْيَدِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَضِيَّتُهُ أَيْضًا أَنَّ النَّقْلَ إلَى مَوْضِعٍ يَخْتَصُّ بِهِ الْمَالِكُ لَا يَكُونُ غَصْبًا، لَكِنْ مَرَّ فِي بَابِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ أَنَّ عَدَمَ صِحَّةِ الْقَبْضِ بِذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي عَدَمِ جَوَازِ التَّصَرُّفِ لَا فِي
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَوْ غَيْرِهَا فَنَفْسُ إنْكَارِهِ غَصْبٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلٍ كَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
وَأَفْهَمَ اشْتِرَاطُ النَّقْلِ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِيَدِ قِنٍّ وَلَمْ يُسَيِّرْهُ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَقَوْلُ الْبَغَوِيّ إنَّهُ لَوْ بَعَثَ عَبْدَ غَيْرِهِ فِي حَاجَةٍ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ أَعْجَمِيًّا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ ضَعِيفٌ فَقَدْ رُجِّحَ خِلَافُهُ فِي الْأَنْوَارِ.
وَنُقِلَ عَنْ تَعْلِيقِ الْبَغَوِيّ آخِرَ الْعَارِيَّةِ ضَمَانُهُ، وَصَرَّحَ كَثِيرٌ بِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِيَدِ قِنٍّ غَيْرِهِ وَخَوَّفَهُ بِسَبَبِ تُهْمَةٍ وَلَمْ يَنْقُلْهُ مِنْ مَكَانِهِ إلَى آخَرَ أَوْ نَقَلَهُ لَا بِقَصْدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ: أَيْ بِنَاءً عَلَى خِلَافِ مَا مَرَّ عَنْ الرَّوْضَةِ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَكَذَا إنْ انْتَقَلَ هُوَ مِنْ مَحَلِّهِ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ ضَرَبَ ظَالِمٌ قِنَّ غَيْرِهِ فَأَبَقَ لِأَنَّ الضَّرْبَ لَيْسَ بِاسْتِيلَاءٍ.
نَعَمْ إنْ لَمْ يَهْتَدِ إلَى دَارِ سَيِّدِهِ ضَمِنَهُ، وَلَوْ زَلِقَ دَاخِلَ حَمَّامٍ مَثَلًا فَوَقَعَ عَلَى مَتَاعٍ لِغَيْرِهِ فَكَسَرَهُ ضَمِنَهُ، وَلَا يَضْمَنُ صَاحِبُهُ الزَّالِقَ إلَّا إنْ وَضَعَهُ بِالْمَمَرِّ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ الدَّاخِلُ، وَلَوْ دَفَعَ قِنَّهُ إلَى مَنْ يُعَلِّمُهُ حِرْفَةً كَانَ أَمَانَةً وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي مَصَالِحِ تِلْكَ الْحِرْفَةِ بِخِلَافِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَفْهَمَ أَيْضًا عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ حُضُورِ الْمَالِكِ وَغَيْبَتِهِ، لَكِنْ نَقَلَا عَنْ الْمُتَوَلِّي أَنَّ مَحَلَّ ضَمَانِ الْجَمِيعِ حَيْثُ كَانَ غَائِبًا، فَإِنْ حَضَرَ اشْتَرَطَ أَنْ يُزْعِجَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ وَإِلَّا بِأَنْ جَلَسَ أَوْ رَكِبَ مَعَهُ لَمْ يَضْمَنْ سِوَى النِّصْفِ، وَلَوْ كَانَ الْمَالِكُ ضَعِيفًا أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْعَقَارِ، وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ: إنَّمَا يَكُونُ قِيَاسُ ذَلِكَ إنْ اسْتَوْلَى عَلَى نِصْفِ الْبِسَاطِ بِجُلُوسِهِ، فَإِنْ اسْتَوْلَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ بِجُلُوسِهِ وَقُمَاشِهِ وَالْمَالِكُ عَلَى رُبُعِهِ ضَمِنَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ قِيَاسَ ذَلِكَ أَنَّ الضَّمَانَ نِصْفَانِ مُطْلَقًا لِكَوْنِ يَدِهِمَا
[حاشية الشبراملسي]
عَدَمِ الضَّمَانِ، وَقِيَاسُهُ هُنَا أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِحُصُولِ الِاسْتِيلَاءِ، وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ ثَمَّ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّانِيَةِ وَقَوْلُهُ لَمْ يَكْفِ مَحَلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّصَرُّفِ.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى حُصُولِ الضَّمَانِ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَافِيًا لِاسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ اهـ. وَيُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي فِي رَفْعِ السَّجَّادَةِ أَنَّهُ لَوْ رَفَعَ طَرَفَ الْمَنْقُولِ بِيَدِهِ عَنْ الْأَرْضِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ لَا يَكُونُ غَاصِبًا لَهُ وَلَا ضَامِنًا، وَفِي الْعُبَابِ: فَرْعٌ: لَوْ دَخَلَ عَلَى حَدَّادٍ يَطْرُقُ الْحَدِيدَ فَطَارَتْ شَرَارَةٌ أَحْرَقَتْ ثَوْبَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ الْحَدَّادُ وَإِنْ دَخَلَ بِإِذْنِهِ اهـ.
أَقُولُ: وَكَذَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَوْ طَارَتْ شَرَارَةٌ مِنْ الدُّكَّانِ أَحْرَقَتْ شَيْئًا حَيْثُ أَوْقَدَ الْكُورَ عَلَى الْعَادَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ جَلَسَ بِالشَّارِعِ نَفْسِهِ أَوْ أَوْقَدَ لَا عَلَى الْعَادَةِ وَتَوَلَّدَ مِنْهُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ بِالشَّارِعِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ.
وَفِي الْعُبَابِ أَيْضًا: فَرْعٌ: مَنْ ضَلَّ نَعْلَهُ فِي مَسْجِدٍ وَوَجَدَ غَيْرَهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ لُبْسُهَا وَإِنْ كَانَتْ لِمَنْ أَخَذَ نَعْلَهُ اهـ. وَلَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَيْعُهَا وَأَخْذُ قَدْرِ قِيمَةِ نَعْلِهِ مِنْ ثَمَنِهَا إنْ عَلِمَ أَنَّهَا لِمَنْ أَخَذَ نَعْلَهُ، وَإِلَّا فَهِيَ لُقَطَةٌ.
وَفِي الْعُبَابِ: فَرْعٌ: مَنْ أَخَذَ إنْسَانًا ظَنَّهُ عَبْدًا حِسْبَةً فَقَالَ أَنَا حُرٌّ وَهُوَ عَبْدٌ فَتَرَكَهُ فَأَبَقَ ضَمِنَ اهـ (قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِهَا) أَيْ مِنْ سَائِرِ الْأَمَانَاتِ (قَوْلُهُ: فَنَفْسُ إنْكَارِهِ غَصْبٌ) يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ إنْكَارَهُ لِغَرَضِ الْمَالِكِ كَأَنْ خَافَ عَلَيْهِ مِنْ ظَالِمٍ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: لَوْ أَخَذَ بِيَدِ قِنٍّ وَلَمْ يُسَيِّرْهُ إلَخْ) وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِزِمَامِ دَابَّةٍ أَوْ بِرَأْسِهَا وَلَمْ يُسَيِّرْهَا لَمْ يَكُنْ غَاصِبًا (قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ لَمْ يَهْتَدِ إلَى دَارِ سَيِّدِهِ ضَمِنَهُ) اُنْظُرْ مَا وَجْهُ الضَّمَانِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ غَاصِبًا، وَقَدْ يُقَالُ لَمَّا تَرَتَّبَ عَدَمُ رُجُوعِهِ عَلَى فِعْلِهِ كَانَ ضَامِنًا كَمَا لَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ لِمَا يَأْتِي فِيهِ مِنْ التَّوْجِيهِ (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ الدَّاخِلُ) أَيْ وَوَجَدَ لَهُ مَحَلًّا سِوَى الْمَمَرِّ فَيَهْدِرُ الْمَتَاعَ دُونَ الزَّالِقِ بِهِ اهـ حَجّ.
وَقَوْلُهُ وَوَجَدَ صَوَابَهُ وَإِنْ وَجَدَ لَهُ إلَخْ لِعُذْرِ الزَّالِقِ بِكَوْنِ الْمَتَاعِ بِمَحَلٍّ لَمْ يَرَهُ الدَّاخِلُ، وَقَوْلُهُ وَأَفْهَمَ: أَيْ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا بِأَنْ جَلَسَ إلَخْ) قَسِيمُ مَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً إلَخْ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ رَكِبَ أَوْ جَلَسَ لَا مَعَ صَاحِبِ الدَّابَّةِ وَالْفِرَاشِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ) غَايَةٌ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي غَيْرِ الْمَالِكِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا أَوْ ضَعِيفًا جِدًّا بِحَيْثُ لَا تُنْسَبُ لَهُ يَدٌ أَصْلًا مَعَ الْمَالِكِ، وَقِيَاسُ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الضَّعِيفَ بِحَيْثُ لَا تُنْسَبُ لَهُ يَدٌ مَعَ الْمَالِكِ إذَا دَخَلَ دَارَ غَيْرِهِ وَالْمَالِكُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَأَفْهَمَ أَيْضًا) يَعْنِي: الْمَتْنَ (قَوْلُهُ: أَنَّ مَحَلَّ ضَمَانِ الْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعِ الْمَغْصُوبِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ جَلَسَ أَوْ رَكِبَ مَعَهُ)
مَعًا عَلَى الْفِرَاشِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا فِي كَوْنِهِ غَاصِبًا فِي الصُّورَةِ الْآتِيَةِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُسْتَوْلِيًا عَلَى نِصْفِهَا أَوْ لَا، وَلَوْ رَفَعَ شَيْئًا بِرِجْلِهِ بِالْأَرْضِ لِيَنْظُرَ جِنْسَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ فَضَاعَ لَمْ يَضْمَنْهُ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ نَظِيرَهُ رَفْعُ سَجَّادَةٍ بِرِجْلِهِ لِيُصَلِّ مَكَانَهَا مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعٍ لَمْ يَنْفَصِلْ بِهِ الْمَرْفُوعُ عَنْ الْأَرْضِ عَلَى رِجْلِهِ وَإِلَّا ضَمِنَهُ كَمَا لَا يَخْفَى، إذْ الْأَخْذُ بِالرِّجْلِ كَالْيَدِ فِي حُصُولِ الِاسْتِيلَاءِ؛ وَلَوْ أَخَذَ شَيْئًا لِغَيْرِهِ مِنْ غَاصِبٍ أَوْ سَبُعٍ حِسْبَةً لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ تَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ إمْكَانِ رَدِّهِ لَمْ يَضْمَنْ إنْ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ غَيْرَ أَهْلٍ لِلضَّمَانِ كَحَرْبِيٍّ وَقِنِّ الْمَالِكِ وَإِلَّا ضَمِنَ وَإِنْ كَانَ مُعْرِضًا لِلتَّلَفِ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ.
وَإِطْلَاقُ الْمَاوَرْدِيِّ وَابْنِ كَجٍّ الضَّمَانَ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ، وَلَا يُنَافِيهِ عَدَمُ ضَمَانِ الْمُحْرِمِ صَيْدًا لِيُدَاوِيَهُ، إذْ هُوَ حَقٌّ لَهُ تَعَالَى فَسُومِحَ فِيهِ؛ وَلَوْ غَصَبَ حَيَوَانًا فَتَبِعَهُ وَلَدُهُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتْبَعَهُ أَوْ هَادِي الْغَنَمِ فَتَبِعَهُ الْغَنَمُ لَمْ يَضْمَنْ التَّابِعَ فِي الْأَصَحِّ لِانْتِفَاءِ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ؛ وَكَذَا لَوْ غَصَبَ أُمَّ النَّحْلِ فَتَبِعَهَا النَّحْلُ لَا يَضْمَنُهُ إلَّا إنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ خِلَافًا لِابْنِ الرِّفْعَةِ
(وَلَوْ) (دَخَلَ دَارِهِ) أَيْ دَارَ غَيْرِهِ (وَأَزْعَجَهُ عَنْهَا) أَيْ أَخْرَجَهُ مِنْهَا فَغَاصِبٌ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ اسْتِيلَاءً لِأَنَّ وُجُودَهُ مُغْنٍ عَنْ قَصْدِهِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَكَانَ بِأَهْلِهِ عَلَى هَيْئَةِ مَنْ يَقْصِدُ السُّكْنَى أَمْ لَا، فَمَا فِي الرَّوْضَةِ تَصْوِيرٌ لَا قَيْدٌ (أَوْ أَزْعَجَهُ) أَيْ أَخْرَجَهُ عَنْهَا (وَقَهَرَهُ عَلَى الدَّارِ) أَيْ مَنَعَهُ التَّصَرُّفَ فِيهَا وَهُوَ مُلَازِمٌ لِلْإِزْعَاجِ فَالتَّصْرِيحُ بِهِ تَصْرِيحٌ بِاللَّازِمِ وَمِنْ ثَمَّ حَذَفَهُ غَيْرُهُ (وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ فَغَاصِبٌ) وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ الِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهَا
[حاشية الشبراملسي]
فِيهَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ غَاصِبًا لِشَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْيَدَ عَلَى الْمَنْقُولِ حِسِّيَّةٌ وَعَلَى الدَّارِ حُكْمِيَّةٌ (قَوْلُهُ: فِي الصُّورَةِ الْآتِيَةِ) وَهِيَ مَا لَوْ دَخَلَ دَارَ غَيْرِهِ وَهُوَ فِيهَا (قَوْلُهُ وَلَوْ رَفَعَ شَيْئًا بِرِجْلِهِ) أَيْ وَلَمْ يَنْفَصِلْ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَخَذَ شَيْئًا لِغَيْرِهِ مِنْ غَاصِبٍ) بَقِيَ مَا يَقَعُ كَثِيرًا أَنَّ بَعْضَ الدَّوَابِّ يَفِرُّ مِنْ صَاحِبِهِ ثُمَّ إنَّ شَخْصًا يَحُوزُهُ عَلَى نِيَّةِ عَوْدِهِ لِمَالِكِهِ فَيَتْلَفُ حِينَئِذٍ هَلْ يَضْمَنُهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِلْعِلْمِ بِرِضَا صَاحِبِهِ بِذَلِكَ، إذْ الْمَالِكُ لَا يَرْضَى بِضَيَاعِ مَالِهِ وَيُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ نَوَى رَدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُعْرَفُ إلَّا مِنْهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الضَّمَانِ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا نَقَلَهُ حَجّ عَنْ الْقَاضِي بِأَنَّ مَنْ ظَفِرَ بِآبِقٍ لِصَدِيقِهِ: أَيْ أَوْ خَلَّصَهُ مِنْ نَحْوِ غَاصِبٍ فَأَخَذَهُ لِيَرُدَّهُ فَهَرَبَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ رَدِّهِ وَرَفَعَهُ لِحَاكِمٍ لَمْ يَضْمَنْهُ، لَكِنَّهُ نَقَلَ بَعْدُ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَابْنِ كَجٍّ الضَّمَانَ، وَعَنْ الشَّيْخَيْنِ التَّصْرِيحُ بِهِ (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ مُعْرِضًا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ مَتَاعًا مَثَلًا مَعَ سَارِقٍ أَوْ مُنْتَهِبٍ وَعَلِمَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ ضَاعَ عَلَى صَاحِبِهِ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ الْآخِذَ فَأَخَذَهُ مِنْهُ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَوْ بِصُورَةِ شِرَاءٍ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ حَتَّى لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ بِلَا تَقْصِيرٍ غَرِمَ بَدَلَهُ لِصَاحِبِهِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى مَالِكِهِ لِعَدَمِ إذْنِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ مَعْرِفَةِ مَالِكِهِ لَوْ بَقِيَ بِيَدِ السَّارِقِ فَإِنَّ مَا ذَكَرَ طَرِيقٌ لِحِفْظِ مَالِ الْمَالِكِ وَهُوَ لَا يَرْضَى بِضَيَاعِهِ (قَوْلُهُ: لِيُدَاوِيَهُ) أَيْ أَخَذَهُ لِيُدَاوِيَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ هَادِي الْغَنَمِ) وَهُوَ الْمُسَمَّى الْآنَ بِالنَّاعُوتِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ غَصَبَ أُمَّ النَّحْلِ) وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ غَصَبَ وَلَدَ بَهِيمَةٍ فَتَبِعَتْهُ أُمُّهُ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَتَخَلَّفُ عَنْهُ عَادَةً (قَوْلُهُ إلَّا إنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ) قَيْدٌ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ.
قَالَ حَجّ: وَلَوْ سِيقَتْ أَوْ انْسَاقَتْ بَقَرَةٌ إلَى رَاعٍ لَمْ تَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ إلَّا إنْ سَاقَهَا مَعَ الْبَقَرِ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِابْنِ الرِّفْعَةِ) أَيْ فِي أُمِّ النَّحْلِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ اسْتِيلَاءً) أَيْ بِأَنْ أَطْلَقَ أَوْ قَصَدَ أَخْذَ الرَّجُلِ وَمَنَعَهُ مِنْ الْعَوْدِ لَهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا حَتَّى يَكُونَ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهَا، أَمَّا لَوْ قَصَدَ أَخْذَ الرَّجُلِ لِيُسَخِّرَهُ فِي عَمَلٍ مِنْ
[حاشية الرشيدي]
بَقِيَ مَا إذَا جَلَسَ وَحْدَهُ أَوْ رَكِبَ بِحُضُورِ الْمَالِكِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعٍ لَمْ يَنْفَصِلْ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُمَا: أَيْ كَلَامُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَعْضِ عَلَى رَفْعِ إلَخْ، لَكِنَّهُ عَبَّرَ بَدَلَ قَوْلِ الشَّارِحِ وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ قَالَهُ شَارِحٌ وَنَظِيرُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: كَحَرْبِيٍّ) أَيْ أَوْ سَبُعٍ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مُلَازِمٌ لِلْإِزْعَاجِ) قَالَ الشِّهَابُ سم: فِيهِ نَظَرٌ مَعَ
خِلَافًا لِجَمْعٍ (وَفِي الثَّانِيَةِ وَجْهٌ وَاهٍ) أَنَّهُ لَا يَكُونُ غَاصِبًا عَمَلًا بِالْعُرْفِ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا فِي الدَّارِ مِنْ الْأَمْتِعَةِ فَيَكُونُ غَاصِبًا لَهَا أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ الْخُوَارِزْمِيَّ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ الْأَقْرَبُ، وَفِيهِ كَمَا قَالَ الْقَمُولِيُّ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمَنْقُولَ لَا يَتَوَقَّفُ غَصْبُهُ عَلَى نَقْلِهِ إذَا كَانَ تَابِعًا، وَذَهَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي
(وَلَوْ) (سَكَنَ بَيْتًا) مِنْ الدَّارِ (وَمَنَعَ الْمَالِكَ مِنْهُ دُونَ بَاقِي الدَّارِ) (فَغَاصِبٌ لِلْبَيْتِ فَقَطْ) لِأَنَّهُ الَّذِي اسْتَوْلَى عَلَيْهِ (وَلَوْ دَخَلَ بِقَصْدِ الِاسْتِيلَاءِ وَلَيْسَ الْمَالِكُ فِيهَا) وَلَا مَنْ يَخْلُفُهُ مِنْ أَهْلٍ وَمُسْتَعِيرٍ وَمُسْتَأْجِرٍ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ (فَغَاصِبٌ) وَإِنْ ضَعُفَ الدَّاخِلُ وَقَوِيَ الْمَالِكُ حَتَّى لَوْ انْهَدَمَتْ حِينَئِذٍ ضَمِنَهَا لِأَنَّ قُوَّتَهُ إنَّمَا هِيَ بِاعْتِبَارِ سُهُولَةِ النَّزْعِ مِنْهُ حَالًا وَلَا يَمْنَعُ اسْتِيلَاءَهُ، أَمَّا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الِاسْتِيلَاءَ كَأَنْ دَخَلَ لِتَفَرُّجٍ لَمْ يَكُنْ غَاصِبًا، وَإِنَّمَا ضَمِنَ مَنْقُولًا رَفَعَهُ لَا بِقَصْدِ ذَلِكَ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ كَمَا مَرَّ، وَيَدُهُ عَلَى الْعَقَارِ حُكْمِيَّةٌ فَتَوَقَّفَتْ عَلَى قَصْدِ الِاسْتِيلَاءِ (وَإِنْ كَانَ) الْمَالِكُ أَوْ نَحْوُهُ فِيهَا (وَلَمْ يُزْعِجْهُ) عَنْهَا (فَغَاصِبٌ لِنِصْفِ الدَّارِ) لِاجْتِمَاعِ يَدِهِمَا فَيَكُونُ الِاسْتِيلَاءُ لَهُمَا مَعًا (إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا لَا يُعَدُّ مُسْتَوْلِيًا عَلَى صَاحِبُ الدَّارِ) فَلَا يَكُونُ غَاصِبًا لِشَيْءٍ مِنْهَا وَإِنْ قَصَدَ الِاسْتِيلَاءَ إذْ لَا عِبْرَةَ بِقَصْدِ مَا لَا يُمْكِنُ تَحَقُّقُهُ، وَأَخَذَ السُّبْكِيُّ مِنْهُ وَتَبِعَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَوْ ضَعُفَ الْمَالِكُ بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ لَهُ مَعَ قُوَّةِ الدَّاخِلِ اسْتِيلَاءً يَكُونُ غَاصِبًا لِجَمِيعِهَا، إذْ قَصْدُ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا رَدَّهُ الْأَذْرَعِيَّ وَتَبِعَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ يَدَ الْمَالِكِ بَاقِيَةٌ لَمْ تَزُلْ فَهِيَ قَوِيَّةٌ لِاسْتِنَادِهَا لِلْمِلْكِ، وَالْمُعَارَضَةُ بِمِثْلِهِ فِي الدَّاخِلِ الضَّعِيفِ بِقَصْدِ الِاسْتِيلَاءِ مَرْدُودَةٌ بِوُضُوحِ الْفَرْقِ بِأَنَّ يَدَ الْمَالِكِ الْحِسِّيَّةَ مُنْتَفِيَةٌ ثَمَّ فَأَثَّرَ قَصْدُ الِاسْتِيلَاءِ وَمَوْجُودَةٌ هُنَا فَلَمْ يُؤَثِّرْ قَصْدُهُ مَعَهَا فِي رَفْعِهَا مِنْ أَصْلِهَا وَإِنْ ضَعُفَتْ، وَحَيْثُ لَمْ يُجْعَلْ غَاصِبًا لَمْ تَلْزَمْهُ أُجْرَةٌ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْقَاضِي فِي سَارِقٍ تَعَذَّرَ خُرُوجُهُ فَاخْتَبَأَ فِي الدَّارِ لَيْلَةً، لَكِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ مُشْكِلٌ لَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ اهـ. فَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ، وَالْأَقْرَبُ فِيمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَالِكِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ مَعَهُمَا فِي الدَّارِ أَوْ لَا، وَلَا بَيْنَ كَوْنِ الدَّارِ مَعْرُوفَةً بِصَاحِبِهَا أَوْ لَا، وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا فَقَدْ قَالَ الكوهكيلوني فِي شَرْحِ الْحَاوِي: إذَا سَاكَنَ الدَّاخِلُ السَّاكِنَ بِالْحَقِّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الدَّاخِلِ أَهْلٌ مُسَاوُونَ لِأَهْلِ السَّاكِنِ أَمْ لَا حَتَّى لَوْ دَخَلَ غَاصِبٌ وَمَعَ السَّاكِنِ مِنْ أَهْلِهِ عَشَرَةٌ لَزِمَهُ النِّصْفُ، وَلَوْ كَانَ السَّاكِنُ بِالْحَقِّ اثْنَيْنِ كَانَ ضَامِنًا لِلثُّلُثِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ عَشَرَةٌ مِنْ أَهْلِهِ.
(وَعَلَى الْغَاصِبِ الرَّدُّ) فَوْرًا عِنْدَ التَّمَكُّنِ وَإِنْ عَظُمَتْ الْمُؤْنَةُ فِي رَدِّهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَوَّلًا كَحَبَّةِ بُرٍّ أَوْ كَلْبٍ يُقْتَنَى، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مِثْلِيًّا أَمْ مُتَقَوِّمًا بِبَلَدِ الْغَصْبِ أَمْ مُسْتَنْقَلًا عَنْهُ وَلَوْ بِنَفْسِهِ أَوْ فِعْلِ أَجْنَبِيٍّ لِخَبَرِ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» وَلَوْ وَضَعَ الْعَيْنَ
[حاشية الشبراملسي]
غَيْرِ قَصْدِ مَنْعٍ لَهُ عَنْهَا لَا يَكُونُ غَاصِبًا لَهَا لِعَدَمِ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: وَفِي الثَّانِيَةِ وَجْهٌ وَاهٍ) هِيَ قَوْلُهُ أَوْ أَزْعَجَهُ إلَخْ، وَقَوْلُهُ وَذَهَبَ إلَيْهَا الْقَاضِي مُعْتَمَدٌ، وَقَوْلُهُ وَلَا مَنْ يَخْلُفُهُ مِنْ أَهْلٍ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يَشْمَلُ أَتْبَاعَهُ كَخَدَمِهِ لَا خُصُوصَ الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّ وُجُودَهُ أَيْ وُجُودَ الْمُزْعِجِ.
(قَوْلُهُ: كَأَنْ دَخَلَ لِتَفَرُّجٍ) أَيْ أَوْ لِسَرِقَةِ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الدَّارِ، وَقَوْلُهُ لَمْ يَكُنْ غَاصِبًا: أَيْ وَإِنْ مُنِعَ وَأُمِرَ بِالْخُرُوجِ (قَوْلُهُ: لَا بِقَصْدِ ذَلِكَ) أَيْ الِاسْتِيلَاءِ (قَوْلُهُ: فَتَوَقَّفَتْ) أَيْ الْيَدُ (قَوْلُهُ: يَكُونُ غَاصِبًا) أَيْ الدَّاخِلُ (قَوْلُهُ: فَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ) مِنْ كَلَامِ م ر: أَيْ فَتَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ، قَالَ حَجّ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي نَظَرَ إلَى أَنَّ اللَّيْلَةَ لَا أُجْرَةَ لَهَا غَالِبًا فَيَصِحُّ كَلَامُهُ حِينَئِذٍ اهـ (قَوْلُهُ وَالْأَقْرَبُ فِيمَا تَقَرَّرَ) أَيْ مِنْ لُزُومِ أُجْرَةِ النِّصْفِ فَقَطْ عَلَى الْغَاصِبِ (قَوْلُهُ: مَعَهُمَا) أَيْ الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ النِّصْفُ) أَيْ الْغَاصِبَ.
(قَوْلُهُ: بِبَلَدِ الْغَصْبِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِبَلَدٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: حَتَّى تُؤَدِّيَهُ) كَذَا اسْتَدَلُّوا بِهِ، وَهُوَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى
[حاشية الرشيدي]
تَفْسِيرِ الْإِزْعَاجِ بِمُجَرَّدِ الْإِخْرَاجِ عَنْهَا
(قَوْلُهُ: مِنْ أَهْلٍ وَمُسْتَعِيرٍ وَمُسْتَأْجِرٍ) قَالَ الشِّهَابُ سم: يَنْبَغِي وَغَيْرُهُمْ كَحَارِسٍ
لَا بُدَّ لَهَا بَيْنَ يَدَيْ الْمَالِكِ مَعَ عِلْمِهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ أَخْذِهَا أَوْ فِي دَارِهِ وَعَلِمَ وَلَوْ بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ كَفَى وَيَبْرَأُ بِالرَّدِّ لِمَنْ غَصَبَ مِنْهُ وَلَوْ نَحْوَ مُودِعٍ وَمُسْتَأْجِرٍ وَمُرْتَهِنٍ لَا مُلْتَقِطٍ وَفِي مُسْتَعِيرٍ وَمُسْتَامٍ وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا أَنَّهُمَا كَالْأَوَّلِ لِأَنَّهُمَا مَأْذُونٌ لَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ، وَإِنْ كَانَا ضَامِنَيْنِ وَلَوْ أَخَذَ مِنْ رَقِيقٍ شَيْئًا ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ كَمَلْبُوسٍ وَآلَاتٍ يَعْمَلُ بِهَا بَرِيءَ، وَكَذَا لَوْ أَخَذَ الْآلَةَ مِنْ الْأَجِيرِ وَرَدَّهَا إلَيْهِ لِأَنَّ الْمَالِكَ رَضِيَ بِهِ قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ وَقَدْ يَجِبُ مَعَ الرَّدِّ الْقِيمَةُ لِلْحَيْلُولَةِ، كَمَا لَوْ غَصَبَ أَمَةً فَحَمَلَتْ بِحُرٍّ لَتَعَذَّرَ بَيْعُهَا، قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ.
وَقَدْ لَا يَجِبُ الرَّدُّ كَكَوْنِهِ مَلَكَهُ بِالْغَصْبِ كَأَنْ غَصَبَ حَرْبِيٌّ مَالَ حَرْبِيٍّ، أَوْ لِخَوْفِ ضَرَرٍ كَأَنْ غَصَبَ خَيْطًا وَخَاطَ بِهِ جُرْحًا فِي مُحْتَرَمٍ فَلَا يَنْزِعُ مِنْهُ مَا دَامَ حَيًّا إلَّا إذَا لَمْ يَخَفْ مِنْ نَزْعِهِ مُبِيحَ تَيَمُّمٍ أَوْ لِتَعَذُّرِ تَمْيِيزٍ كَأَنْ خَلَطَ بِالْحِنْطَةِ أُخْرَى أَجْوَدَ مِنْهَا فَإِنَّهُمَا يُبَاعَانِ وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى نِسْبَةِ الْقِيمَةِ أَوْ لِمِلْكِ الْغَاصِبِ لَهَا بِفِعْلِهِ فِيمَا يَسْرِي لِلْهَلَاكِ وَغَرِمَ بَدَلَهَا وَهِيَ بَاقِيَةٌ، وَقَدْ لَا يَجِبُ الرَّدُّ فَوْرًا كَأَنْ غَصَبَ لَوْحًا وَأَدْرَجَهُ فِي سَفِينَةٍ وَكَانَتْ فِي الْمَاءِ وَخِيفَ مِنْ نَزْعِهِ هَلَاكُ مُحْتَرَمٍ وَكَانَ أَخَّرَهُ لِلْإِشْهَادِ كَمَا مَرَّ آخِرَ الْوَكَالَةِ.
(فَإِنْ) (تَلِفَ عِنْدَهُ) الْمَغْصُوبُ أَوْ بَعْضُهُ وَهُوَ مُتَمَوَّلٌ بِإِتْلَافٍ أَوْ تَلِفَ (ضَمِنَهُ) إجْمَاعًا، نَعَمْ لَوْ غَصَبَ حَرْبِيٌّ مَالًا مُحْتَرَمًا ثُمَّ عُصِمَ فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا رَدَّهُ أَوْ تَالِفًا لَمْ يَضْمَنْهُ، كَقِنٍّ غَيْرِ مُكَاتَبٍ غَصَبَ مَالَ سَيِّدِهِ وَأَتْلَفَهُ، وَبَاغٍ أَوْ عَادِلٍ غَصَبَ شَيْئًا وَأَتْلَفَهُ حَالَ الْقِتَالِ أَوْ تَلِفَ فِيهِ بِسَبَبِهِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَمَوَّلٍ كَحَبَّةٍ أَتْلَفَهَا
[حاشية الشبراملسي]
وُجُوبُ الضَّمَانِ، وَلَعَلَّهُمْ وَكَّلُوا ذَلِكَ إلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَاجِبٌ فَوْرِيٌّ اهـ حَجّ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلُهُ وَهُوَ إنَّمَا يَدُلُّ إلَخْ قَدْ يَمْنَعُ هَذَا الْحَصْرَ، بَلْ قَوْلُهُ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ أَيْ نَفْسَ مَا أَخَذَتْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ قَدْ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الرَّدِّ (قَوْلُهُ: لَا بُدَّ لَهَا) خِلَافًا لحج، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ أَنَّ بَدَلَهَا تَعْوِيضٌ عَنْهَا وَالْعِوَضُ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالرِّضَا، وَمُجَرَّدُ عِلْمُهُ بِهِ لَيْسَ رِضًا، وَسَيَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ أَمَّا إذَا غَصَبَ حَبًّا وَلَحْمًا أَوْ عَسَلًا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَعَلِمَ وَلَوْ بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ) ظَاهِرُهُ بَرَاءَةُ الْغَاصِبِ بِمُجَرَّدِ عِلْمِ الْمَالِكِ بِكَوْنِهَا فِي دَارِهِ وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي يَدِهِ وَلَا تَمَكَّنَ مِنْ الْوُصُولِ إلَيْهَا، وَلَوْ قِيلَ بِخِلَافِهِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، وَيُقَيَّدُ قَوْلُهُ وَعَلِمَ بِمَا لَوْ مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَيْهَا وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ نَحْوَ مُودِعٍ) مِنْ نَحْوِ الْمُودِعِ الْقَصَّارُ وَالصَّبَّاغُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ الْأُمَنَاءِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُمَا كَالْأَوَّلِ) أَيْ فَيَبْرَأُ (قَوْلُهُ: كَمَلْبُوسٍ) أَيْ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ لَائِقٍ بِهِ، وَقَوْلُهُ رَضِيَ بِهِ: أَيْ الْأَجِيرُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَجِبُ مَعَ رَدِّ الْقِيمَةِ لِلْحَيْلُولَةِ) وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ مَالِكَ الْأَمَةِ إذَا أَخَذَ الْقِيمَةَ مَلَكَهَا مِلْكَ قَرْضٍ فَيَتَصَرَّفُ فِيهَا مَعَ كَوْنِ الْأَمَةِ فِي يَدِهِ لِأَنَّ تَعَذُّرَ بَيْعِهَا عَلَيْهِ نَزَّلَهَا مَنْزِلَةَ الْخَارِجَةِ عَنْ مِلْكِهِ (قَوْلُهُ فَحَمَلَتْ بِحُرٍّ) أَيْ بِشُبْهَةٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُمَا يُبَاعَانِ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا يَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ بِغَيْرِهِ وَأَمْكَنَ التَّمْيِيزُ لَزِمَهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَالتَّالِفِ اهـ. إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنْ خُلِطَ فِي كَلَامِهِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْخَلْطُ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ (قَوْلُهُ: وَخِيفَ مِنْ نَزْعِهِ هَلَاكُ مُحْتَرَمٍ) وَلَوْ لِغَاصِبٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَا فِي الْبَهْجَةِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ عُصِمَ) أَيْ الْحَرْبِيُّ (قَوْلُهُ: غَصَبَ شَيْئًا وَأَتْلَفَهُ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ (قَوْلُهُ: حَالَ الْقِتَالِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ غَصَبَهُ فِي غَيْرِ الْقِتَالِ وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ فَلْيُرَاجَعْ.
[حاشية الرشيدي]
لَهَا
(قَوْلُهُ: وَقَدْ يَجِبُ مَعَ الرَّدِّ الْقِيمَةُ لِلْحَيْلُولَةِ كَمَا لَوْ غَصَبَ أَمَةً إلَخْ) اُنْظُرْ لَوْ مَاتَتْ بَعْدَ الرَّدِّ مَا الْحُكْمُ؟ وَيَظْهَرُ أَنَّهَا إنْ مَاتَتْ بِسَبَبِ الْحَمْلِ كَانَتْ مَضْمُونَةً، وَسَيَأْتِي مَا يُصَرِّحُ بِهِ، وَإِنْ مَاتَتْ بِغَيْرِهِ اسْتَرَدَّ الْقِيمَةَ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لِمِلْكِ الْغَاصِبِ لَهَا بِفِعْلِهِ فِيمَا يَسْرِي لِلْهَلَاكِ إلَخْ) لَا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ
(قَوْلُهُ: حَالَ الْقِتَالِ) قَيْدٌ فِي كُلٍّ مِنْ الْغَصْبِ
لَمْ يَضْمَنْهَا كَاخْتِصَاصٍ وَإِنْ غَرِمَ الْمَالِكُ عَلَى نَقْلِهِ أُجْرَةً، وَاسْتَطْرَدَ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْأَصْحَابِ هُنَا مَسَائِلَ يَقَعُ بِهَا الضَّمَانُ بِلَا غَصْبٍ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ لِمُنَاسَبَتِهَا لَهُ وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ بِهَا بَابَ الْجِنَايَاتِ.
فَقَالَ (وَلَوْ) (أَتْلَفَ مَالًا) مُحْتَرَمًا (فِي يَدِ مَالِكِهِ) (ضَمِنَهُ) بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ لَا يَضْمَنُهُ كَكَسْرِ بَابٍ وَنَقْبِ جِدَارٍ فِي مَسْأَلَةِ الظَّفَرِ وَكَسْرِ إنَاءِ خَمْرٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إرَاقَتِهِ إلَّا بِذَلِكَ، أَوْ قَتْلِ دَابَّةِ صَائِلٍ وَكَسْرِ سِلَاحٍ لَهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ دَفْعِهِ بِدُونِهِ، وَمَا أَتْلَفَهُ بَاغٍ عَلَى عَادِلٍ وَعَكْسُهُ حَالَ الْقِتَالِ وَحَرْبِيٌّ عَلَى مَعْصُومٍ وَقِنٌّ غَيْرُ مُكَاتَبٍ عَلَى سَيِّدِهِ وَمُهْدَرٌ بِنَحْوِ رِدَّةٍ، أَوْ صِيَالٌ أُتْلِفَ وَهُوَ فِي يَدِ مَالِكِهِ وَخَرَجَ بِالْإِتْلَافِ التَّلَفُ فَلَا يَضْمَنُهُ، كَأَنْ سَخَّرَ دَابَّةً فِي يَدِ مَالِكِهَا فَتَلِفَتْ يَضْمَنُهَا كَمَا قَالَاهُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ إلَّا إذَا كَانَ السَّبَبُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ اكْتَرَى لِحَمْلِ مِائَةٍ فَحَمَلَ زِيَادَةً عَلَيْهَا وَتَلِفَتْ بِذَلِكَ وَصَاحِبُهَا مَعَهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِسْطَ الزِّيَادَةِ: أَمَّا أُجْرَةُ مِثْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ فَلَازِمَةٌ، وَأَفْتَى الْبَغَوِيّ بِضَمَانِ مَنْ سَقَطَ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ لِصَرْعٍ حَصَلَ لَهُ فَأَتْلَفَهُ، كَمَا لَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ طِفْلٌ مِنْ مَهْدِهِ، وَلَا يُنَافِيه مَا فِي الرَّوْضَةِ فِي إتْلَافِ الْبَهَائِمِ أَنَّهُ لَوْ سَقَطَتْ الدَّابَّةُ مَيِّتَةً لَمْ يَضْمَنْ رَاكِبُهَا مَا تَلِفَ بِهَا، لِأَنَّ الْأَوَّلَ إتْلَافُ مُبَاشَرَةٍ.
وَالثَّانِي إتْلَافُ سَبَبٍ وَيُغْتَفَرُ فِيهِ لِضَعْفِهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأَوَّلِ لِقُوَّتِهَا
(وَلَوْ فَتَحَ رَأْسَ زِقٍّ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَهُوَ السِّقَاءُ وَتَلِفَ ضَمِنَ لِمُبَاشَرَةِ إتْلَافِهِ، فَإِنْ كَانَ مَا فِيهِ جَامِدًا فَخَرَجَ بِتَقْرِيبِ غَيْرِهِ نَارًا إلَيْهِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُقَرِّبِ لِقَطْعِهِ أَثَرَ الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ خَرَجَ بِرِيحٍ هَابَّةٍ حَالَ الْفَتْحِ
[حاشية الشبراملسي]
[فَرْعٌ] فِي فَتَاوَى السُّيُوطِيّ مَا نَصُّهُ: مَسْأَلَةٌ: سَيِّدٌ قَطَعَ يَدَ عَبْدِهِ ثُمَّ غَصَبَهُ غَاصِبٌ فَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ عِنْدَهُ فَمَاذَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ؟ الْجَوَابُ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّ هَلَاكَهُ مُسْتَنِدٌ إلَى سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَى الْغَصْبِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: غَرِمَ الْمَالِكُ عَلَى نَقْلِهِ) أَيْ الِاخْتِصَاصِ.
(قَوْلُهُ: وَحَرْبِيٌّ عَلَى مَعْصُومٍ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ مَا أَتْلَفَهُ الْمُرْتَدُّونَ فِي حَالِ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ إيَّاهُمْ يَضْمَنُونَهُ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ، وَعِبَارَتُهُ فِي كِتَابِ الْبُغَاةِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْمُتَأَوِّلُ بِلَا شَوْكَةٍ يَضْمَنُ وَعَكْسُهُ كَبَاغٍ أَمَّا مُرْتَدُّونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ فَهُمْ كَالْبُغَاةِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّ الْقَصْدَ ائْتِلَافُهُمْ عَلَى الْعَوْدِ إلَى الْإِسْلَامِ وَتَضْمِينُهُمْ يُنَفِّرُهُمْ عَنْ ذَلِكَ خِلَافًا لِجَمْعٍ جَعَلُوهُمْ كَالْقُطَّاعِ مُطْلَقًا لِجِنَايَتِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ اهـ (قَوْلُهُ: وَهُوَ فِي يَدِ مَالِكِهِ) وَمِثْلُهُ مَا لَوْ غَصَبَهُ حَالَ صِيَالِهِ وَتَلِفَ حَالَ الصِّيَالِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
بِخِلَافِ مَا لَوْ غَصَبَهُ أَوَّلًا ثُمَّ صَالَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِغَصْبِهِ لَهُ أَوَّلًا (قَوْلُهُ: لَمْ يَضْمَنْهَا) بِخِلَافِ مَا لَوْ حَمَلَ الْغَاصِبُ الْمَتَاعَ عَلَى الدَّابَّةِ وَأَكْرَهَ مَالِكَهَا عَلَى تَسْيِيرِهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الدَّابَّةَ لِعَدَمِ زَوَالِ يَدِ الْغَاصِبِ عَنْهَا (قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَ السَّبَبُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ (قَوْلُهُ: مَا فِي الرَّوْضَةِ) أَيْ قُبَيْلَ الْجِهَادِ حَجّ (قَوْلُهُ: لَمْ يَضْمَنْ رَاكِبُهَا مَا تَلِفَ بِهَا) أَيْ أَوْ بِمَا عَلَى ظَهْرِهَا (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ) هُوَ قَوْلُهُ وَأَفْتَى الْبَغَوِيّ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي) هُوَ قَوْلُهُ لَوْ سَقَطَتْ الدَّابَّةُ مَيِّتَةً إلَخْ (قَوْلُهُ: لِقُوَّتِهَا) أَيْ الْمُبَاشَرَةِ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا لَوْ خَرَجَ بِرِيحٍ) قَضِيَّةُ مَا ذَكَرَهُ فِي الرِّيحِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ خُرُوجِهِ بِسَبَبِهَا لِسُقُوطِ الزِّقِّ بِهَا مَثَلًا أَوْ بِتَقَاطُرِ مَا فِيهِ وَابْتِلَالِ جَوَانِبِهِ حَتَّى سَقَطَ، لَكِنْ فِي سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ أَنَّ مَحَلَّ التَّفْصِيلِ فِي الرِّيحِ الْمُسْقِطَةِ لِلزِّقِّ.
أَمَّا السُّقُوطُ بِالِابْتِلَالِ الْحَاصِلِ بِحَرَارَةِ الرِّيحِ فَلَا فَرْقَ فِيهِ
[حاشية الرشيدي]
وَالْإِتْلَافِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ غَرِمَ إلَخْ) أَيْ: لَا يَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ الِاخْتِصَاصِ وَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ قَدْ غَرِمَ بِسَبَبِ نَقْلِهِ أُجْرَةً
(قَوْلُهُ: مُحْتَرَمًا) أَيْ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، وَإِلَّا فَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُسْتَثْنَيَاتِ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتْلِفِ، نَعَمْ يَرُدُّ الْعَبْدَ الْمُرْتَدَّ الْآتِي (قَوْلُهُ: وَمُهْدَرٍ بِنَحْوِ رِدَّةٍ أَوْ صِيَالٍ أُتْلِفَ) بِبِنَاءِ أُتْلِفَ لِلْمَفْعُولِ (قَوْلُهُ: أَمَّا أُجْرَةُ مِثْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ فَلَازِمَةٌ) لَا مَحَلَّ لِلَفْظِ أَمَّا هُنَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ أَصْلِهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي التُّحْفَةِ
(قَوْلُهُ: وَتَلِفَ) أَيْ نَفْسُ الزِّقِّ، وَقَوْلُهُ: ضَمِنَ جَعَلَهُ جَوَابَ الشَّرْطِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّرَ شَرْطًا لِضَمِنَ الْآتِي فِي كَلَامِ
أَوْ شَمْسٍ مُطْلَقًا لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِمَا لِلْقَطْعِ وَمِثْلُهُمَا فِعْلُ غَيْرِ الْعَاقِلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (مَطْرُوحٌ عَلَى الْأَرْضِ) مَثَلًا (فَخَرَجَ مَا فِيهِ بِالْفَتْحِ أَوْ مَنْصُوبٌ فَسَقَطَ بِالْفَتْحِ) لِتَحْرِيكِهِ الْوِكَاءَ وَجَذْبِهِ أَوْ لِتَقَاطُرِ مَا فِيهِ حَتَّى ابْتَلَّ أَسْفَلُهُ وَسَقَطَ (وَخَرَجَ مَا فِيهِ) بِذَلِكَ وَتَلِفَ (ضَمِنَ) لِتَسَبُّبِهِ فِي إتْلَافِهِ إذْ هُوَ نَاشِئٌ عَنْ فِعْلِهِ وَلَوْ بِحَضْرَةِ مَالِكِهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ تَدَارُكِهِ كَمَا لَوْ رَآهُ يَقْتُلُ قِنَّهُ فَلَمْ يَمْنَعْهُ، وَدَعْوَى أَنَّ السَّبَبَ يُسْقِطُ حُكْمَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَنْعِهِ بِخِلَافِ الْمُبَاشَرَةِ مَمْنُوعَةٌ.
(وَإِنْ) (سَقَطَ) الزِّقُّ بَعْدَ فَتْحِهِ لَهُ (بِعَارِضِ رِيحٍ) وَنَحْوُهَا كَزَلْزَلَةٍ أَوْ وُقُوعِ طَائِرٍ عَلَيْهِ (لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّ التَّلَفَ لَمْ يَحْصُلْ بِفِعْلِهِ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ هُبُوبِهَا، بِخِلَافِ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَمْ يَبْعُدْ قَصْدُ الْفَاتِحِ لَهُ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ الرِّيحَ لَوْ كَانَتْ هَابَّةً حَالَ الْفَتْحِ ضَمِنَ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ وَمِنْ تَفْرِقَتِهِمْ بَيْنَ الْمُقَارَنِ وَالْعَارِضِ، فِيمَا لَوْ أَوْقَدَ نَارًا فِي أَرْضِهِ فَحَمَلَتْهَا الرِّيحُ إلَى أَرْضِ غَيْرِهِ فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَبِهِ صَرَّحَ الْفَارِقِيُّ، وَلَوْ قَلَبَ الزِّقُّ غَيْرَ الْفَاتِحِ فَخَرَجَ مَا فِيهِ ضَمِنَهُ لَا الْفَاتِحُ، وَلَوْ أَزَالَ وَرَقَ الْعِنَبِ فَفَسَدَتْ بِالشَّمْسِ عَنَاقِيدُهُ، أَوْ ذَبَحَ شَاةَ غَيْرِهِ أَوْ حَمَامَتَهُ فَهَلَكَ فَرْخُهُمَا ضَمِنَهُمَا لِفَقْدِ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْحَيَاةُ، وَفَارَقَ عَدَمَ الضَّمَانِ فِيمَا لَوْ حَبَسَ الْمَالِكَ عَنْ مَاشِيَتِهِ حَتَّى تَلِفَتْ وَلَوْ ظُلْمًا حَيْثُ لَمْ يَضْمَنْهَا بِأَنَّ التَّالِفَ هُنَا جُزْءٌ أَوْ كَالْجُزْءِ مِنْ الْمَذْبُوحِ، بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ مَعَ مَالِكِهَا وَبِأَنَّهُ هُنَا أَتْلَفَ غِذَاءَ الْوَلَدِ الْمُتَعَيَّنِ لَهُ بِإِتْلَافِ أُمِّهِ بِخِلَافِهِ ثُمَّ وَلَوْ أَرَادَ سَوْقَ الْمَاءِ إلَى النَّخْلِ أَوْ الزَّرْعِ فَمَنَعَهُ ظَالِمٌ مِنْ السَّقْيِ حَتَّى فَسَدَتْ لَمْ يَضْمَنْ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ قِيَاسًا عَلَى حَبْسِ الْمَالِكِ عَنْ مَاشِيَتِهِ وَإِنْ صُحِّحَ فِي الْأَنْوَارِ الضَّمَانُ، وَلَوْ حَلَّ رِبَاطَ سَفِينَةٍ
[حاشية الشبراملسي]
بَيْنَ كَوْنِ الرِّيحِ هَابَّةً وَقْتَ الْفَتْحِ وَكَوْنِهَا عَارِضَةً.
قَالَ سم فِي مَقَامِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا: اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الرِّيحَ الَّتِي تُؤَثِّرُ حَرَارَتُهَا مَعَ مُرُورِ الزَّمَانِ لَا يَخْلُو الْجَوُّ عَنْهَا وَإِنْ خَفِيَتْ لِخِفَّتِهَا، بِخِلَافِ الرِّيحِ الَّتِي تُؤَثِّرُ السُّقُوطَ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَوْ شَمْسٍ مُطْلَقًا) أَيْ مَوْجُودَةٍ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُمَا) أَيْ الرِّيحِ وَالشَّمْسِ وَفِي التَّشْبِيهِ بِهِمَا نَظَرٌ لِاخْتِلَافِ حُكْمِهِمَا فَإِنَّ شَرْطَ الضَّمَانِ بِالرِّيحِ كَوْنُهَا هَابَّةً وَقْتَ الْفَتْحِ، بِخِلَافِ الشَّمْسِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ طُلُوعُهَا وَقْتَهُ، وَعَلَيْهِ فَمُقْتَضَى التَّشْبِيهِ بِالرِّيحِ حُضُورُ غَيْرِ الْعَاقِلِ وَقْتَ الْفَتْحِ، وَمُقْتَضَى التَّشْبِيهِ بِالشَّمْسِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ حُضُورِهِ فَتَأَمَّلْهُ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ وَمِثْلُهُمَا إلَخْ التَّشْبِيهُ فِي أَنَّ فِعْلَ غَيْرِ الْعَاقِلِ لَا يَقْطَعُ فِعْلَ الْمُبَاشِرِ، وَيُمْكِنُ دَفْعُ الْإِيرَادِ مِنْ أَصْلِهِ بِجَعْلِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ وَمِثْلُهُمَا لِلرِّيحِ الْهَابَّةِ وَالشَّمْسِ (قَوْلُهُ: وَدَعْوَى أَنَّ السَّبَبَ إلَخْ) لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ مَا لَوْ تَرَكَ الْمَجْرُوحُ عِلَاجَ جُرْحِهِ الْمَوْثُوقَ بِبُرْئِهِ، كَأَنْ تَرَكَ رَبْطَ مَحَلِّ الْفَصْدِ حَتَّى هَلَكَ فَإِنَّ الْجَارِحَ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّ التَّرْكَ مَعَ الْقُدْرَةِ قَطَعَ فِعْلَ الْأَوَّلِ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْجَانِيَ لَمَّا بَاشَرَ الْقَتْلَ الْمُحَصِّلَ لِلْإِتْلَافِ لَمْ يَنْظُرْ مَعَهُ إلَى حُضُورِ الْمَالِكِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ مَنْعِ الْجَانِي، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْجُرْحِ فَإِنَّ فِعْلَ الْجَانِي انْقَطَعَ بِمُجَرَّدِ جِنَايَتِهِ فَتَرَكَ الْمَجْرُوحُ الْعِلَاجَ بَعْدَ انْتِهَاءِ فِعْلِ الْأَوَّلِ نَزَلَ مَنْزِلَةَ جِنَايَةٍ أُخْرَى.
(قَوْلُهُ: فَلَمْ يَبْعُدْ قَصْدُ الْفَاتِحِ لَهُ) وَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ الَّتِي يُعْتَادُ فِيهَا الْغَيْمُ أَيَّامًا أَوْ عَدَمُ إذَابَتِهَا لِمِثْلِ هَذَا فَطَلَعَتْ وَإِذَابَتُهُ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ وَمُقْتَضَى نَظَرِهِمْ لِلتَّحَقُّقِ فِيهَا الْمُقْتَضِي لِلْقَصْدِ الْمَذْكُورِ عَدَمُ الضَّمَانِ عِنْدَ اطِّرَادِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: فِيمَا لَوْ أَوْقَدَ نَارًا فِي أَرْضِهِ) يَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِأَرْضِهِ مَا يَسْتَحِقُّ الِانْتِفَاعَ بِهَا، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ أَوْقَدَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ضَمِنَ مَا تَوَلَّدَ مِنْ فِعْلِهِ مُطْلَقًا مُقَارِنًا كَانَ أَوْ عَارِضًا لِتَعَدِّيهِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَقَعُ كَثِيرًا بِقُرَى الرِّيفِ مِنْ أَخْذِ الْفَرِيكِ وَنَحْوِهِ وَإِيقَادِ النَّارِ عَلَيْهِ لِيَسْتَوِيَ وَيُؤْكَلَ فَيَضْمَنُ فِيهِ لِتَعَدِّيهِ لِعَدَمِ مِلْكِ مَنْفَعَةُ الْأَرْضُ الَّتِي أَوْقَدَ بِهَا النَّارَ وَإِنْ كَانَتْ فِي تَآجُرِهِ لِأَنَّ اسْتِئْجَارَ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ لَا يُبِيحُ إيقَادَ النَّارِ بِهَا.
نَعَمْ لَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَمَا لَوْ اُضْطُرَّ لِإِيقَادِ نَارٍ لِدَفْعِ الْبَرْدِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَلِمَ الْمَالِكُ بِاعْتِيَادِ مِثْلِ ذَلِكَ فِيهَا جَازَ وَلَا ضَمَانَ لِمَا تَلِفَ بِسَبَبِ الْإِيقَادِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: ضَمِنَهُ) أَيْ الْقَالِبَ (قَوْلُهُ: فَهَلَكَ فَرْخُهُمَا) فِي إطْلَاقِ الْفَرْخِ
[حاشية الرشيدي]
الْمُصَنِّفِ الَّذِي كَانَ جَوَابًا لِهَذَا الشَّرْطِ فَقَدْ صَارَ مُهْمَلًا
فَغَرِقَتْ بِحَلِّهِ ضَمِنَهَا أَوْ بِعَارِضِ رِيحٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلَا لِمَا مَرَّ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ حَادِثٌ فَوَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الضَّمَانُ، إذْ الْمَاءُ أَحَدُ الْمُتْلِفَاتِ وَحَلُّ رِبَاطِهَا وَلَا رِيحَ فِي اللُّجَّةِ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي إحَالَةِ الْغَرَقِ عَلَى الْفِعْلِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ وَطَارَ فِي الْحَالِ، بِخِلَافِ الزِّقِّ فَلَيْسَ فَتْحُهُ سَبَبًا ظَاهِرًا لِسُقُوطِهِ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ.
(وَلَوْ) (فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ) أَيِّ طَيْرٍ، فَقَدْ قَالَ جُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ إنَّ الطَّائِرَ مُفْرَدٌ وَالطَّيْرَ جَمْعُهُ فَانْدَفَعَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ الْأَوْلَى طَيْرٌ لَا طَائِرٌ لِأَنَّهُ فِي الْقَفَصِ لَا يَطِيرُ (وَهَيَّجَهُ فَطَارَ) حَالًا (ضَمِنَ) هـ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ إلْجَاءَهُ إلَى الْفِرَارِ كَإِكْرَاهِ الْآدَمِيِّ (وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَتْحِ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ طَارَ فِي الْحَالِ) أَوْ كَانَ آخِرُ الْقَفَصِ مَفْتُوحًا فَمَشَى عَقِبَ الْفَتْحِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى طَارَ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي، قَالَ أَوْ كَانَ الْقَفَصُ مَفْتُوحًا فَمَشَى إنْسَانٌ عَلَى بَابِهِ فَفَزِعَ الطَّائِرُ وَخَرَجَ، أَوْ وَثَبَتَ هِرَّةٌ عَقِبَ الْفَتْحِ فَقَتَلَتْهُ وَهُوَ مُقَيَّدٌ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ بِمَا إذَا عَلِمَ بِحُضُورِهَا حِينَ الْفَتْحِ وَإِلَّا كَانَتْ كَرِيحٍ طَرَأَتْ بَعْدَهُ (ضَمِنَ) هـ لِإِشْعَارِهِ بِتَنْفِيرِهِ، وَمَحَلُّ قَوْلِهِمْ تَقَدُّمُ الْمُبَاشَرَةِ عَلَى السَّبَبِ مَا لَمْ يَكُنْ السَّبَبُ مُلْجِئًا؛ وَالثَّانِي يَضْمَنُهُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْتَحْ لَمْ يَطِرْ، وَالثَّالِثُ لَا يَضْمَنُ مُطْلَقًا لِأَنَّ لَهُ قَصْدًا وَاخْتِيَارًا (وَإِنْ وَقَفَ ثُمَّ طَارَ فَلَا) يَضْمَنُهُ لِأَنَّ طَيَرَانَهُ بَعْدَ الْوُقُوفِ يُشْعِرُ بِاخْتِيَارِهِ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِيمَا لَوْ حَلَّ رِبَاطَ بَهِيمَةٍ أَوْ فَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَتْ، وَمِثْلُهَا قِنٌّ غَيْرُ مُمَيِّزٍ وَمَجْنُونٌ لَا عَاقِلٌ وَلَوْ آبِقًا لِأَنَّهُ صَحِيحُ الِاخْتِيَارِ فَخُرُوجُهُ عَقِبَ مَا ذَكَرَ يُحَالُ عَلَيْهِ، وَأَلْحَقَ جَمْعٌ بِفَتْحِ الْقَفَصِ مَا لَوْ كَانَ بِيَدِ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ طَائِرٌ فَأَمَرَهُ إنْسَانٌ بِإِطْلَاقِهِ مِنْ يَدِهِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهَذَا حَيْثُ لَا تَمْيِيزَ وَإِلَّا فَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ عَمْدُ الْمُمَيِّزِ عَمْدٌ وَمِثْلُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ مَنْ يَرَى طَاعَةَ أَمْرِهِ، وَلَوْ حَلَّ رِبَاطًا عَنْ عَلَفٍ فِي وِعَاءٍ فَأَكَلَتْهُ فِي الْحَالِ بَهِيمَةٌ ضَمِنَ، وَلَا يُنَافِيهِ تَصْرِيحُ الْمَاوَرْدِيِّ بِأَنَّهُ لَوْ حَلَّ رِبَاطَ بَهِيمَةٍ فَأَكَلَتْ عَلَفًا أَوْ كَسَرَتْ إنَاءً لَمْ يَضْمَنْ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى وَلَدِ الشَّاةِ تَغْلِيبٌ فَإِنَّ الْفَرْخَ وَلَدُ الطَّائِرِ وَالْأُنْثَى فَرْخَةٌ كَمَا فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَنَّ التَّلَفَ لَمْ يَحْصُلْ بِفِعْلِهِ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ هُبُوبِهَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ حَادِثٌ) أَيْ يُحَالُ عَلَيْهِ الْغَرَقُ (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ فَتْحُهُ سَبَبًا إلَخْ) أَيْ فَلَوْ شَكَّ بَعْدَ خُرُوجِ مَا فِيهِ فِي أَنَّ الْخُرُوجَ بِسَبَبِ الْفَتْحِ أَوْ عُرُوضِ حَادِثٍ فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَقَدْ يُقَالُ بِالضَّمَانِ لِأَنَّ فَتْحَ رَأْسِ الزِّقِّ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي تَرَتُّبِ خُرُوجِ مَا فِيهِ عَلَى الْفَتْحِ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُ عُرُوضِ الْحَادِثُ.
(قَوْلُهُ: وَالطَّيْرُ جَمْعُهُ) وَقِيلَ الطَّيْرُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ.
وَقِيلَ اسْمُ جَمْعٍ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ، وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: الطَّائِرُ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ فَاعِلٍ مِنْ طَارَ يَطِيرُ طَيَرَانًا وَهُوَ لَهُ فِي الْجَوِّ كَمَشْيِ الْحَيَوَانِ فِي الْأَرْضِ، وَيُعَدَّى بِالْهَمْزَةِ وَالتَّضْعِيفِ فَيُقَالُ طَيَّرْتُهُ وَأَطَرْتُهُ، وَجَمْعُ الطَّائِرِ طَيْرٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ وَرَاكِبٍ وَرَكْبٍ، وَجَمْعُ الطَّيْرِ طُيُورٌ وَأَطْيَارٌ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقُطْرُبٌ: وَيَقَعُ الطَّيْرُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الطَّيْرُ جَمَاعَةٌ وَتَأْنِيثُهَا أَكْثَرُ مِنْ التَّذْكِيرِ، وَلَا يُقَالُ لِلْوَاحِدِ طَيْرٌ بَلْ طَائِرٌ قَلَّمَا مَا يُقَالُ لِلْأُنْثَى طَائِرَةٌ اهـ (قَوْلُهُ: وَهَيَّجَهُ فَطَارَ) قَالَ فِي الرَّوْضِ: أَوْ طَارَ فَصَدَمَهُ جِدَارٌ أَوْ كَسَرَ قَارُورَةَ الْقَفَصِ ضَمِنَ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: بِمَا إذَا عَلِمَ بِحُضُورِهَا) قَالَ حَجّ: وَيَتَّجِهُ أَنَّ عِلْمَهُ بِوُجُودِ نَحْوِ هِرَّةٍ ضَارِيَةٍ بِذَلِكَ الْمَكَانِ غَالِبًا كَحُضُورِهَا حَالَ الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: فِيمَا لَوْ حَلَّ رِبَاطَ) أَيْ أَوْ حَلَّ قَيْدَهَا اهـ مَتْنُ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهَا قِنٌّ) أَيْ فِي فَتْحِ الْبَابِ وَحَلِّ الْقَيْدِ (قَوْلُهُ: يُحَالُ عَلَيْهِ) أَيْ فَلَوْ اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَالْفَاتِحُ فِي أَنَّهُ خَرَجَ عَقِبَ الْفَتْحِ أَوْ تَرَاخَى عَنْهُ فَيَنْبَغِي تَصْدِيقُ الْفَاتِحِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الضَّمَانِ (قَوْلُهُ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهَذَا إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ بِأَنَّهُ لَوْ حَلَّ رِبَاطَ بَهِيمَةٍ) أَيْ لِغَيْرِهِ، وَلَعَلَّ عَدَمَ الضَّمَانِ هُنَا مَعَ ضَمَانِ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الزِّقِّ فَلَيْسَ فَتْحُهُ سَبَبًا إلَخْ) أَيْ: وَالصُّورَةُ فِيهِ أَنَّهُ شَكَّ فِي مُسْقِطِهِ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ الْمُقَايَسَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ هَذَا فِي كَلَامِهِ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ ضَمَانِ الزِّقِّ حِينَئِذٍ نَقَلَهُ فِي التُّحْفَةِ عَنْ الشَّامِلِ وَالْبَحْرِ
(قَوْلُهُ: إنَّ الطَّائِرَ مُفْرَدٌ، وَالطَّيْرُ جَمْعُهُ) يُقَالُ عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِهِ كَمَا صَنَعَ، فَلَوْ قَالَ بَدَلَ التَّفْسِيرِ مُفْرَدُ طَيْرٍ لَصَحَّ.
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي يَضْمَنُهُ مُطْلَقًا إلَخْ)
سَوَاءٌ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِالْحَلِّ أَمْ لَا، لِأَنَّ انْتِفَاءَ الضَّمَانِ فِي تِلْكَ لِعَدَمِ تَصَرُّفِهِ فِي التَّالِفِ بَلْ الْمُتْلَفُ عَكْسُ مَا هُنَا، وَلَوْ خَرَجَتْ الْبَهِيمَةُ عَقِبَ فَتْحِ الْبَابِ لَيْلًا فَأَتْلَفَتْ زَرْعًا أَوْ غَيْرَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ الْفَاتِحُ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي، وَإِنْ جَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ بِخِلَافِهِ إذْ لَا يَلْزَمُهُ حِفْظُ بَهِيمَةِ غَيْرِهِ عَنْ ذَلِكَ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى جِدَارِهِ طَائِرٌ فَنَفَّرَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّ لَهُ مَنْعَهُ مِنْ جِدَارِهِ، وَإِنْ رَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ وَلَوْ فِي هَوَاءِ دَارِهِ فَقَتَلَهُ ضَمِنَهُ إذْ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ هَوَاءِ دَارِهِ، وَلَوْ فَتَحَ حِرْزًا فَأَخَذَ غَيْرُهُ مَا فِيهِ أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ اللُّصُوصَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى الْمَالِ وَتَسَبُّبُهُ بِالْفَتْحِ فِي الْأَوْلَى قَدْ انْقَطَعَ بِالْمُبَاشَرَةِ.
نَعَمْ لَوْ أَخَذَ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُمَيِّزٍ أَوْ أَعْجَمِيٌّ يَرَى طَاعَةَ أَمْرِهِ ضَمِنَهُ دُونَ الْآخِذِ، وَلَوْ بَنَى دَارًا فَأَلْقَتْ الرِّيحُ فِيهَا ثَوْبًا وَضَاعَ لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ.
(وَالْأَيْدِي الْمُتَرَتِّبَةُ) بِغَيْرِ تَزَوُّجٍ (عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ) الضَّامِنِ وَإِنْ كَانَتْ فِي أَصْلِهَا أَمَانَةً كَوَكَالَةٍ بِأَنْ وَكَّلَهُ فِي الرَّدِّ الْوَدِيعَةٍ (أَيْدِي ضَمَانٍ وَإِنْ جَهِلَ صَاحِبُهَا الْغَصْبَ) لِوَضْعِ
[حاشية الشبراملسي]
صَاحِبِهَا إذَا أَرْسَلَهَا فِي وَقْتٍ جَرَتْ فِيهِ الْعَادَةُ بِحِفْظِهَا فِيهِ أَنَّ الْمُطْلِقَ لَهَا هُنَا لَا يَدُلُّهُ عَلَيْهَا، وَلَا اسْتِيلَاءَ حَتَّى يَضْمَنَ مَا تَوَلَّدَ مِنْ فِعْلِهَا، بِخِلَافِ الْمَالِكِ فَإِنَّ عَلَيْهِ حِفْظَ مَا فِي يَدِهِ فَإِرْسَالُهُ لَهَا تَقْصِيرٌ، وَيُؤْخَذُ مِمَّا ذَكَرَ فِي إتْلَافِ الدَّوَابِّ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِحِفْظِ الْمَالِكِ لِدَابَّتِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ جَرَتْ بِعَدَمِ حِفْظِهَا وَإِرْسَالِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَا ضَمَانَ لِمُتْلِفِ مَا أَرْسَلَهُ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِوَزُّ إذَا كَانَ فِي بَلْدَةٍ جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِهَا بِأَنَّهُمْ لَا يَحْفَظُونَهُ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ دُورِ أَهْلِهِ عَلَى عَادَتِهِمْ وَأَتْلَفَ زَرْعًا لَا يَضْمَنُهُ مَالِكُ الْإِوَزِّ لِأَنَّ صَاحِبَ الزَّرْعِ مُقَصِّرٌ بِعَدَمِ حِرَاسَتِهِ وَمَنْعِ الْإِوَزِّ عَنْهُ (قَوْلُهُ: بَلْ فِي الْمُتْلَفِ عَكْسُ مَا هُنَا) قَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِيمَا لَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَخَرَجَ وَكَسَرَ فِي خُرُوجِهِ قَارُورَةً، ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى مَنْهَجٍ بَعْدُ مِثْلَ مَا ذَكَرَ: إلَّا أَنْ يُقَالَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ التَّلَفَ حَيْثُ كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحَلِّ أَوْ الْفَتْحِ عَادَةً ضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا اهـ مُلَخَّصًا.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُوَافِقُ مَا فَرَّقَ بِهِ الشَّارِحُ هُنَا مِنْ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي التَّالِفِ لَا فِي الْمُتْلَفِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ كَسْرَ الطَّائِرِ لِنَحْوِ الْقَارُورَةِ فِي خُرُوجِهِ يُعَدُّ مِنْ فِعْلِ الْمُتْلِفِ لِنِسْبَةِ الْخُرُوجِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ التَّلَفُ لِلْفَاتِحِ، وَلَا كَذَلِكَ أَكْلُ الدَّابَّةِ لِلْعَلَفِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالْخُرُوجِ بَلْ بِأَمْرٍ حَصَلَ بَعْدَ الْخُرُوجِ وَهُوَ قَرِيبٌ (قَوْلُهُ: لَمْ يَضْمَنْهُ الْفَاتِحُ) أَيْ وَلَا صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ أَيْضًا لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ لَهُ مَنْعَهُ مِنْ جِدَارِهِ) أَيْ فَلَوْ اعْتَادَ الطَّائِرُ النُّزُولَ عَلَى جِدَارِ غَيْرِهِ وَشَقَّ مَنْعُهُ كُلِّفَ صَاحِبُهُ مَنْعَهُ بِحَبْسِهِ أَوْ قَصِّ جَنَاحٍ لَهُ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَلَّدْ مِنْ الطَّائِرِ ضَرَرٌ بِجُلُوسِهِ عَلَى الْجِدَارِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الطَّيْرِ تَوَلُّدُ النَّجَاسَةِ مِنْهُ بِرَوْثِهِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى جُلُوسِهِ مَنْعُ صَاحِبِ الْجِدَارِ مِنْهُ لَوْ أَرَادَ الِانْتِفَاعَ بِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَنَى دَارًا) هُوَ مُجَرَّدُ تَصْوِيرٍ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي كُلِّ دَارٍ فِي يَدِهِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَضْمَنْهُ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إعْلَامِ صَاحِبِهِ وَلَمْ يُعْلِمْهُ وَإِلَّا ضَمِنَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ جَهِلَ صَاحِبُهَا الْغَصْبَ) أَيْ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْمَغْصُوبِ، فَإِذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ كَانَ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ، وَقَرَارُ
[حاشية الرشيدي]
كَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَ حِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ عَنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ وَقَفَ ثُمَّ طَارَ فَلَا (قَوْلُهُ: فِي تِلْكَ) يَعْنِي فِي مَسْأَلَةِ الْمَاوَرْدِيِّ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي هَذِهِ وَيَقُولَ فِيمَا يَأْتِي عَكْسَ مَا هُنَاكَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ جَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ بِخِلَافِهِ) الَّذِي فِي الْأَنْوَارِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِابْنِ الْمُقْرِي لَا مُخَالِفٌ لَهُ (قَوْلُهُ: فَنَفَّرَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ) هَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا نَفَّرَهُ فَتَلِفَ بَعْدَ التَّنْفِيرِ بِحَادِثٍ أَوْ أَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِتَنْفِيرِهِ كَأَنْ رَمَاهُ بِمَا يَقْتُلُهُ فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَنْدَفِعُ بِأَخَفَّ مِمَّا رَمَاهُ بِهِ يُرَاجَعُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بَنَى دَارًا) الْبِنَاءُ لَيْسَ بِقَيْدٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: فَأَلْقَتْ الرِّيحُ فِيهَا ثَوْبًا وَضَاعَ لَمْ يَضْمَنْهُ) أَيْ إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إعْلَامِ صَاحِبِهِ حَتَّى لَا يُنَافِيَ مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ، وَقَدْ قَيَّدَ بِذَلِكَ هُنَا فِي الْأَنْوَارِ
(قَوْلُهُ: الضَّامِنِ) أَخْرَجَ بِهِ مَا لَوْ كَانَ غَاصِبًا الِاخْتِصَاصَ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ مَا سَيَأْتِي
يَدِهِ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَجَهْلُهُ إنَّمَا يُسْقِطُ الْإِثْمَ إذْ هُوَ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ لَا الضَّمَانِ لِأَنَّهُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَيُطَالِبُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
نَعَمْ الْحَاكِمُ وَأَمِينُهُ لَا يَضْمَنَانِ بِوَضْعِ يَدِهِمَا لِلْمَصْلَحَةِ، وَاسْتَثْنَى الْبَغَوِيّ مِنْ الْجَهْلِ مَا لَوْ غَصَبَ عَيْنًا وَدَفَعَهَا لِقِنِّ الْغَيْرِ لِيَرُدَّهَا لِمَالِكِهَا فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ، فَإِنْ جَهِلَ الْعَبْدُ ضَمِنَ الْغَاصِبُ فَقَطْ وَإِلَّا تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ وَغَرِمَ الْمَالِكُ أَيَّهمَا شَاءَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، أَمَّا لَوْ زَوَّجَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَةَ فَتَلِفَتْ عِنْدَ الزَّوْجِ فَلَا يَضْمَنُهَا لِأَنَّ الزَّوْجَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ زَوْجَةٌ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ يَدِ الزَّوْجِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ إيرَادُ هَذِهِ عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ تَخْصِيصُهُ بِمَا إذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ الْوِلَادَةِ وَإِلَّا فَيَضْمَنُهَا، كَمَا لَوْ أَوْلَدَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِشُبْهَةٍ وَمَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الرَّهْنِ (ثُمَّ إنْ عَلِمَ) الثَّانِي الْغَصْبَ (فَغَاصِبٌ مِنْ غَاصِبٍ فَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ عِنْدَهُ) وَيُطَالِبُ بِكُلِّ مَا يُطَالِبُ بِهِ الْأَوَّلُ لِأَنَّ حَدَّ الْغَصْبِ صَادِقٌ عَلَيْهِ.
نَعَمْ لَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ بِزِيَادَةِ قِيمَةٍ حَصَلَتْ فِي يَدِ الْأَوَّلِ فَقَطْ بَلْ الْمَطَالِبُ بِهَا هُوَ الْأَوَّلُ، وَيَبْرَأُ الْأَوَّلُ لِكَوْنِهِ كَالضَّامِنِ لِتَقَرُّرِ الضَّمَانِ عَلَى الثَّانِي بِإِبْرَاءِ الْمَالِكِ لِلثَّانِي وَلَا عَكْسَ، قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ، وَكَذَا إنْ جَهِلَ الثَّانِي الْغَصْبَ (وَكَانَتْ يَدُهُ فِي أَصْلِهَا يَدَ ضَمَانٍ
[حاشية الشبراملسي]
الضَّمَانِ عَلَى الْمُكْرِهِ لَهُ كَمَا لَوْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى إتْلَافِ مَالٍ فَأَتْلَفَهُ، فَإِنَّ كُلًّا طَرِيقٌ فِي الضَّمَانِ وَالْقَرَارُ عَلَى الْمُكْرِهِ بِالْكَسْرِ، وَمِنْ ذَلِكَ يُؤْخَذُ جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا وَهِيَ أَنَّ شَخْصًا غَصَبَ مِنْ آخَرَ فَرَسًا وَأَكْرَهَ آخَرَ عَلَى الذَّهَابِ بِهَا إلَى مَحَلَّةِ كَذَا فَتَلِفَتْ وَهُوَ عَدَمُ ضَمَانِ الْمُكْرَهِ بِفَتْحِ الرَّاءِ بَلْ هُوَ طَرِيقٌ فِي الضَّمَانِ فَقَطْ، وَمِنْهُ أَيْضًا مَا يَقَعُ فِي قُرَى الرِّيفِ مِنْ أَمْرِ الشَّادِّ مَثَلًا لِاتِّبَاعِهِ بِإِحْضَارِ بَهَائِمِ الْفَلَّاحِينَ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي زَرْعِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الظُّلْمِ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَكْرَهَ تَابِعَهُ عَلَى إحْضَارِ بَهَائِمَ عَيَّنَهَا كَانَ كُلٌّ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ وَالْقَرَارُ عَلَى الشَّادِّ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ إكْرَاهٌ أَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى إحْضَارِ بَعْضِ الدَّوَابِّ بِلَا تَعْيِينٍ لِلْمُحْضَرَةِ فَأَحْضَرَ لَهُ شَيْئًا مِنْهَا ضَمِنَهُ لِاخْتِيَارِهِ فِي الْأَوَّلِ، لِأَنَّ تَعْيِينَهُ لِلْبَعْضِ وَإِحْضَارَهُ لَهُ اخْتِيَارٌ مِنْهُ أَيْضًا (قَوْلُهُ: نَعَمْ الْحَاكِمُ وَأَمِينُهُ) وَهَلْ مِثْلُهُمَا أَصْحَابُ الشَّوْكَةِ مِنْ مَشَايِخِ الْبُلْدَانِ وَالْعُرْبَانِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَعِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ فِي قُوَّتِهِ: تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْأَيْدِي أَيْدِي الْحُكَّامِ وَأَمْثَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَ لِوَضْعِهَا عَلَى وَجْهِ الْحَظِّ وَالْمَصْلَحَةِ اهـ. وَهَلْ يَشْمَلُ مَا ذَكَرَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُلْدَانِ إلَخْ حَيْثُ عَدَلَ عَنْ نُوَّابِهِمْ إلَى التَّعْبِيرِ بِأَمْثَالِهِمْ (قَوْلُهُ: لَا يَضْمَنَانِ) أَيْ وَأَمَّا الْغَاصِبُ فَلَا يَبْدَأُ إلَّا بِالرَّدِّ لِلْمَالِكِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْحَاكِمُ وَأَمِينُهُ هُمَا الطَّالِبَانِ لِلْأَخْذِ، وَأَمَّا لَوْ رَدَّ الْغَاصِبُ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِمَا فَيَنْبَغِي بَرَاءَتُهُ بِذَلِكَ لِقِيَامِ الْحَاكِمِ مَقَامَ الْمَالِكِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ مِنْ الْغَاصِبِ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِ الشَّارِحِ فِي الرَّوْضِ: وَيُسْتَثْنَى الْحَاكِمُ وَنَائِبُهُ لِأَنَّهُمَا نَائِبَانِ عَنْ الْمَالِكِ اهـ أَنَّ الْغَاصِبَ يَبْرَأُ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: لِيَرُدَّهَا) أَيْ الْقِنَّةَ وَقَوْلُهُ فِي يَدِهِ أَيْ يَدِ الْقِنِّ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ) أَيْ فِيمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ، وَلَعَلَّهُ بِالنَّظَرِ لِمَا لَوْ جَهِلَ الْقِنَّ إلَخْ، وَوَجْهُ النَّظَرِ أَنَّ الْعَبْدَ وَإِنْ كَانَ أَمِينًا لِكَوْنِهِ وَكِيلًا عَنْ الْغَاصِبِ فِي الرَّدِّ فَحَقُّهُ أَنْ يَكُونَ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ وَالْقَرَارُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الْبَغَوِيّ نَفْيُ الضَّمَانِ عَنْ الْعَبْدِ مُطْلَقًا وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مُرَادَ الْبَغَوِيّ بِقَوْلِهِ ضَمِنَ الْغَاصِبُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَرَارَ (قَوْلُهُ: فَلَا يَضْمَنُهَا) أَيْ لَا يَضْمَنُ عَيْنَهَا إذَا تَلِفَتْ، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ إنْ وَطِئَهَا لِلشُّبْهَةِ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ هِيَ) قَدْ يُقَالُ هَذَا يُنَافِي قَوْلَهُ بِغَيْرِ تَزَوُّجٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ صُورِيٌّ (قَوْلُهُ: وَلَا عَكْسَ) أَيْ لِأَنَّ الْأَوَّلَ كَالضَّامِنِ وَالثَّانِيَ كَالْأَصِيلِ وَهُوَ لَا يَبْرَأُ بِبَرَاءَةِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِأَنَّ الزَّوْجَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ زَوْجَةٌ إلَخْ) وَحِينَئِذٍ فَمَا صَنَعَهُ فِي مَزْجِ الْمَتْنِ مِنْ اسْتِثْنَاءِ التَّزَوُّجِ مِنْ وَضْعِ الْيَدِ مُشْكِلٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا.
(قَوْلُهُ: بِإِبْرَاءِ الْمَالِكِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَيَبْرَأُ