وَمِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْبَابِ أَنَّهُ يُسَنُّ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ الِاسْتِسْقَاءَ أَنْ يَسْتَشْفِعَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى سِرًّا بِخَالِصِ عَمَلٍ يَتَذَكَّرُهُ، لِخَبَرِ الَّذِينَ أَوَوْا إلَى الْغَارِ وَبِأَهْلِ الصَّلَاحِ، لَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَقَارِبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَيُسَنُّ) لِكُلِّ أَحَدٍ (أَنْ يَبْرُزَ) أَيْ يَظْهَرَ (لِأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ وَيَكْشِفَ) مِنْ جَسَدِهِ (غَيْرَ عَوْرَتِهِ لِيُصِيبَهُ) شَيْءٌ مِنْهُ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ عَنْ «أَنَسٍ قَالَ أَصَابَنَا مَطَرٌ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَحَسَرَ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ الْمَطَرُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْت هَذَا قَالَ: لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» أَيْ بِتَكْوِينِهِ وَتَنْزِيلِهِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَطَرِ أَوَّلِ السَّنَةِ وَغَيْرِهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ: أَيْ فَهُوَ لِأَوَّلِ كُلِّ مَطَرٍ أَوْلَى مِنْهُ لِآخِرِهِ (وَأَنْ) (يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ فِي) مَاءٍ (السَّيْلِ) لِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية الشبراملسي]
وَالْكُسُوفِ، وَلَا يُقَالُ الِاتِّبَاعُ؛ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ لِجَوَازِ الْقِيَاسِ فِيمَا لَمْ يَرُدَّ عَلَى مَا وَرَدَ، وَلَا يُقَالُ الِاهْتِمَامُ بِأَمْرِ الْحَثِّ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْوَعْظِ اقْتَضَى صِحَّةَ التَّقْدِيمِ؛ لِأَنَّهُ بِتَسْلِيمِهِ لَا يَقْتَضِي مَنْعَ الصِّحَّةِ بَلْ الْأَوْلَوِيَّةَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلْيُحَرَّرْ اهـ مِنْ حَوَاشِي التَّحْرِيرِ.
(قَوْلُهُ: لِخَبَرِ الَّذِينَ أَوَوْا إلَى الْغَارِ) «وَكَانُوا ثَلَاثَةً خَرَجُوا يَرْتَادُونَ لِأَهْلِهِمْ، فَأَخَذَتْهُمْ السَّمَاءُ فَأَوَوْا إلَى كَهْفٍ فَانْحَطَّتْ صَخْرَةٌ وَسَدَّتْ بَابَهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اُذْكُرُوا أَيُّكُمْ عَمِلَ حَسَنَةً لَعَلَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَرْحَمُنَا بِبَرَكَتِهِ، فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: اسْتَعْمَلْت أُجَرَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَجَاءَ رَجُلٌ وَسَطَ النَّهَارِ وَعَمِلَ فِي بَقِيَّتِهِ مِثْلَ عَمَلِهِمْ فَأَعْطَيْته مِثْلَ أُجُورِهِمْ، فَغَضِبَ أَحَدُهُمْ وَتَرَكَ أَجْرَهُ، فَوَضَعْته فِي جَانِبِ الْبَيْتِ، ثُمَّ مَرَّ بِي بَقَرٌ فَاشْتَرَيْت بِهِ فَصِيلَةً فَبَلَغَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَرَجَعَ إلَيَّ بَعْدَ حِينٍ شَيْخًا ضَعِيفًا لَا أَعْرِفُهُ، وَقَالَ: إنَّ لِي عِنْدَك حَقًّا وَذَكَرَهُ حَتَّى عَرَفْته، فَدَفَعْتهَا إلَيْهِ جَمِيعًا، اللَّهُمَّ إنْ كُنْت فَعَلْت ذَلِكَ لِوَجْهِك فَافْرِجْ عَنَّا، فَانْصَدَعَ الْجَبَلُ حَتَّى رَأَوْا الضَّوْءَ.
وَقَالَ آخَرُ: كَانَ فِي فَضْلٌ وَأَصَابَ النَّاسَ شِدَّةٌ، فَجَاءَتْنِي امْرَأَةٌ فَطَلَبَتْ مِنِّي مَعْرُوفًا، فَقُلْت: وَاَللَّهِ مَا هُوَ دُونَ نَفْسِك، فَأَبَتْ وَعَادَتْ، ثُمَّ رَجَعَتْ ثَلَاثًا ثُمَّ ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِزَوْجِهَا، فَقَالَ لَهَا: أَجِيبِي لَهُ وَأَعِينِي عِيَالَك، فَأَتَتْ وَسَلَّمَتْ إلَيَّ نَفْسَهَا، فَلَمَّا تَكَشَّفْتُهَا وَهَمَمْت بِهَا ارْتَعَدَتْ، فَقُلْت: مَالَك؟ قَالَتْ: أَخَافُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَقُلْت لَهَا: خِفْتِيهِ فِي الشِّدَّةِ وَلَمْ أَخَفْهُ فِي الرَّخَاءِ، فَتَرَكْتهَا وَأَعْطَيْتهَا مُلْتَمَسَهَا، اللَّهُمَّ إنْ كُنْت فَعَلْته لِوَجْهِك فَافْرِجْ عَنَّا، فَانْصَدَعَ حَتَّى تَعَارَفُوا.
وَقَالَ الثَّالِثُ: كَانَ لِي أَبَوَانِ هِمَّانِ وَكَانَتْ لِي غَنَمٌ وَكُنْت أُطْعِمُهَا وَأَسْقِيهِمَا ثُمَّ أَرْجِعُ إلَى غَنَمِي، فَحَبَسَنِي ذَاتَ يَوْمٍ غَيْثٌ فَلَنْ أَبْرَحَ حَتَّى أَمْسَيْت، فَأَتَيْت أَهْلِي وَأَخَذْت مِحْلَبِي فَحَلَبْت فِيهِ وَجِئْت إلَيْهِمَا فَوَجَدْتهمَا نَائِمَيْنِ، فَشَقَّ عَلَيَّ أَنْ أُوقِظَهُمَا، فَتَرَقَّبْت جَالِسًا وَمِحْلَبِي عَلَى يَدِي حَتَّى أَيْقَظَهُمَا الصُّبْحُ فَسَقَيْتهمَا، اللَّهُمَّ إنْ كُنْت فَعَلْته لِوَجْهِك فَافْرِجْ عَنَّا، فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا»
وَقَدْ رَفَعَ ذَلِكَ نُعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ اهـ بَيْضَاوِيٌّ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ [الكهف: 9] الْآيَةَ (قَوْلُهُ: لِأَوَّلِ مَطَرِ السُّنَّةِ) وَهُوَ مَا يَحْصُلُ بَعْدَ انْقِطَاعِ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ فِي الْمُحَرَّمِ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَهُ النِّيلُ فَيَبْرُزُ لَهُ وَيَفْعَلُ مَا ذَكَرَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى اهـ زِيَادِي بِهَامِشٍ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَا يَصِلُ إلَى الْمَاءِ عِنْدَ قَطْعِ الْخُلْجَانِ وَنَحْوِهَا إجْرَاءٌ لِمَا هُوَ مُجْتَمِعٌ فِي النَّهْرِ فَلَيْسَ كَالْمَطَرِ فَإِنَّ نُزُولَهُ الْآنَ قَرِيبُ عَهْدٍ بِالتَّكْوِينِ وَلَا كَذَلِكَ مَاءُ النِّيلِ.
[فَرْعٌ] قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ: يَحْرُمُ تَأْخِيرُ قَطْعِ الْخَلِيجِ وَنَحْوِهِ عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي اسْتَحَقَّ أَنْ يُقْطَعَ فِيهِ كَبُلُوغِ النِّيلِ بِمِصْرِنَا سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا اهـ. وَوَجْهُ الْحُرْمَةِ أَنَّ فِيهِ تَأْخِيرًا لَهُ عَنْ شُرْبِ الدَّوَابِّ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْهُ، فَتَأْخِيرُهُ مُفَوِّتٌ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ اهـ (قَوْلُهُ غَيْرَ عَوْرَتِهِ) وَيَنْبَغِي أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَكْمَلُ، وَأَنَّ أَصْلَ السُّنَّةِ يَحْصُلُ بِكَشْفِ جُزْءٍ مَا مِنْ بَدَنِهِ وَإِنْ قَلَّ كَالرَّأْسِ وَالْيَدَيْنِ (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ فِي السَّيْلِ) أَيْ سَوَاءٌ حَصَلَ بِالِاسْتِسْقَاءِ أَوْ كَانَ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ كَمَا أَشْعَرَ بِهِ الْحَدِيثُ وَقَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي؛ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ هِيَ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَانَ إذَا سَالَ السَّيْلُ قَالَ: اُخْرُجُوا بِنَا إلَى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا فَنَتَطَهَّرُ مِنْهُ وَنَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ» وَهُوَ صَادِقٌ بِالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ هُنَا كَالرَّوْضَةِ بِأَوْ يُفِيدُ اسْتِحْبَابَ أَحَدِهِمَا بِالْمَنْطُوقِ وَكِلَيْهِمَا بِمَفْهُومِ الْأَوْلَى فَهُوَ أَفْضَلُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ، فَقَالَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَيَغْتَسِلَ، فَإِنْ لَمْ يَجْمَعْهُمَا فَلْيَتَوَضَّأْ.
وَالْمُتَّجَهُ كَمَا فِي الْمُهِمَّاتِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْغُسْلِ، ثُمَّ عَلَى الْوُضُوءِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا نِيَّةٌ كَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ تَبَعًا لِلْأَذْرَعِيِّ وَخِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ، إلَّا إنْ صَادَفَ وَقْتَ وُضُوءٍ، أَوْ غُسْلٍ؛ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ هِيَ الْحِكْمَةُ فِي كَشْفِ الْبَدَنِ لِيَنَالَهُ أَوَّلُ مَطَرِ السَّنَةِ وَبَرَكَتُهُ (وَ) أَنْ (يُسَبِّحَ عِنْدَ الرَّعْدِ وَ) عِنْدَ (الْبَرْقِ) لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ " أَنَّهُ كَانَ إذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ "، وَقِيسَ بِالرَّعْدِ الْبَرْقُ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَهُ: سُبْحَانَ مَنْ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا، وَفِي الْأُمِّ عَنْ الثِّقَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ وَالْبَرْقَ أَجْنِحَتُهُ يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَيَكُونُ الْمَسْمُوعُ صَوْتَهُ: أَيْ صَوْتَ تَسْبِيحِهِ، أَوْ صَوْتَ سَوْقِهِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ وَأُطْلِقَ الرَّعْدُ عَلَيْهِ مَجَازًا، وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ بَعَثَ اللَّهُ السَّحَابَ فَنَطَقَتْ أَحْسَنَ النُّطْقِ وَضَحِكَتْ أَحْسَنَ الضَّحِكِ، فَالرَّعْدُ نُطْقُهَا وَالْبَرْقُ ضَحِكُهَا» (وَ) أَنْ (لَا يَتْبَعَ بَصَرُهُ الْبَرْقَ) لِمَا فِي الْأُمِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الْبَرْقَ أَوْ الْوَدْقَ فَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ، وَالْوَدْقُ بِالْمُهْمَلَةِ: الْمَطَرُ، وَفِيهِ زِيَادَةُ الْمَطَرِ، وَزَادَ الْمَاوَرْدِيُّ الرَّعْدُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمَطَرُ، فَقَالَ: وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَكْرَهُونَ الْإِشَارَةَ إلَى الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَيَقُولُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، فَيَخْتَارُ الِاقْتِدَاءَ بِهِمْ فِي ذَلِكَ.
(وَ) أَنْ (يَقُولَ عِنْدَ) نُزُولِ (الْمَطَرِ) نَدْبًا كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ (اللَّهُمَّ صَيِّبًا) بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ: أَيْ عَطَاءً (نَافِعًا) وَفِي
[حاشية الشبراملسي]
الْحِكْمَةُ (قَوْلُهُ: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) وَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ عَلَى الْغُسْلِ لِشَرَفِ أَعْضَائِهِ كَمَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا نِيَّةٌ) لَعَلَّ الْمُرَادَ لِحُصُولِ السُّنَّةِ.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِكَوْنِهِ مُمْتَثِلًا آتِيًا بِمَا أُمِرَ بِهِ فَلَا يَظْهَرُ إلَّا بِنِيَّتِهِ كَأَنْ يَقُولَ: نَوَيْت سُنَّةَ الْغُسْلِ مِنْ هَذَا السَّيْلِ اهـ. ثُمَّ رَأَيْت حَجّ قَالَ: وَلَوْ قِيلَ يَنْوِي سُنَّةَ الْغُسْلِ فِي السَّيْلِ لَمْ يَبْعُدْ اهـ. وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ التَّرْتِيبُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ وُصُولُ الْمَاءِ لِهَذِهِ الْأَعْضَاءِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِدُونِ التَّرْتِيبِ وَبِبَعْضِ الْهَوَامِشِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يُسَنُّ الْغُسْلُ فِي أَيَّامِ زِيَادَةِ النِّيلِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مُدَّةَ أَيَّامِ الزِّيَادَةِ اهـ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.
(قَوْلُهُ: كَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ) وَعِبَارَتُهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَفِي الْمُهِمَّاتِ: الْمُتَّجَهُ الْجَمْعُ ثُمَّ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْغُسْلِ ثُمَّ عَلَى الْوُضُوءِ، وَأَنَّهُ لَا نِيَّةَ فِيهِ إذَا لَمْ يُصَادِفْ وَقْتَ وُضُوءٍ وَلَا غُسْلٍ اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ، وَفِي نُسْخَةٍ سُقُوطُ قَوْلِهِ: تَبَعًا إلَخْ، عَلَيْهَا فِعْلُ الْمُرَادِ أَنَّ الشَّيْخَ بَحَثَهُ فِي غَيْرِ شَرْحِ مَنْهَجِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ بَحَثَهُ: أَيْ بَحَثَ الِاشْتِرَاطَ فَهُوَ قَيْدٌ لِلْمَنْفِيِّ، وَعَلَيْهِ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا هُنَا وَشَرْحِ الْمَنْهَجِ (قَوْلُهُ: لَمَّا رَوَاهُ مَالِكٌ) قَالَ حَجّ: وَلِأَنَّ الذِّكْرَ عِنْدَ الْأُمُورِ الْمَخُوفَةِ تُؤْمَنُ بِهِ غَائِلَتُهَا (قَوْلُهُ: إذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ) أَيْ مَا كَانَ فِيهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قُرْآنًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ قِيَاسًا عَلَى إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ (قَوْلُهُ: فَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ) أَيْ لَا بِبَصَرِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: شَامِلٌ لِلْإِشَارَةِ بِغَيْرِ الْبَصَرِ فَلْيُحَرَّرْ (قَوْلُهُ فَيَخْتَارُ الِاقْتِدَاءَ بِهِمْ) أَيْ وَتَحْصُلُ سُنَّةُ ذَلِكَ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: «كَانَ إذَا سَالَ السَّيْلُ قَالَ: اُخْرُجُوا بِنَا إلَى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا» إلَخْ) يُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذَا الدَّلِيلِ أَنَّ مَاءَ النِّيلِ كَمَاءِ السَّيْلِ، فَإِلْحَاقُهُ بِهِ أَوْلَى مِمَّا نُقِلَ عَنْ الزِّيَادِيِّ مِنْ إلْحَاقِهِ بِأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ الْمَارِّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَخِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ إلَّا إنْ صَادَفَ) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ إلَّا إنْ صَادَفَ إذْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ لِلْإِسْنَوِيِّ، وَلَعَلَّ لَفْظَ فِي قَوْلِهِ الَّذِي قَدَّرْنَاهُ أَسْقَطَهُ الْكَتَبَةُ مِنْ نُسَخِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ) أَيْ فِيمَا رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ زِيَادَةٌ عَلَى مَا أَفَادَهُ الْمَتْنُ الْمَطَرُ فَلَا يُتْبِعُهُ الْبَصَرَ، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ بَلَدٍ وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمَطَرُ.
رِوَايَةٍ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ، وَفِي أُخْرَى مَعَ الْأَوَّلِ نَافِعًا.
فَيُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ، وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا (وَ) أَنْ (يَدْعُوَ بِمَا شَاءَ) حَالَ نُزُولِهِ لِخَبَرِ؟ «اُطْلُبُوا اسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَنُزُولِ الْغَيْثِ» ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ خَبَرَ «تُفَتَّحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ: الْتِقَاءُ الصُّفُوفِ، وَعِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ، وَعِنْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ» (وَ) أَنْ يَقُولَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْمَطَرِ: أَيْ فِي أَثَرِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ (مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ) عَلَيْنَا (وَرَحْمَتِهِ) لَنَا.
(وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا أَنْ يَقُولَ (مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا) بِفَتْحِ نُونِهِ وَهَمْزِ آخِرِهِ: أَيْ بِوَقْتِ النَّجْمِ الْفُلَانِيِّ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي إضَافَةِ الْأَمْطَارِ إلَى الْأَنْوَاءِ لِإِيهَامِهِ أَنَّ النَّوْءَ مُمْطِرٌ حَقِيقَةً، فَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ الْفَاعِلُ حَقِيقَةً كَفَرَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ تَعَالَى «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ، وَمَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ» ، وَأَفَادَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْبَاءِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ مُطِرْنَا فِي نَوْءِ كَذَا لَمْ يُكْرَهْ وَهُوَ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ ظَاهِرٌ وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ مَا نَقَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَطَرِ مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْفَتْحِ ثُمَّ يَقْرَأُ ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: 2] وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا اسْتِثْنَاءَ، إذْ لَا إيهَامَ فِيهِ أَصْلًا، وَالنَّوْءُ: سُقُوطُ نَجْمٍ مِنْ الْمَنَازِلِ فِي الْمَغْرِبِ مَعَ الْفَجْرِ وَطُلُوعُ رَقِيبِهِ مِنْ الْمَشْرِقِ مُقَابِلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهَكَذَا كُلُّ نَجْمٍ إلَى انْقِضَاءِ السَّنَةِ مَا خَلَا الْجَبْهَةَ فَإِنَّ لَهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا (وَ) يُكْرَهُ (سَبُّ الرِّيحِ) بَلْ يُسَنُّ الدُّعَاءُ عِنْدَهَا لِخَبَرِ «الرِّيحُ مِنْ رُوحِ اللَّهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ.
فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلَا تَسُبُّوهَا وَاسْأَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا وَاسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا» (وَلَوْ تَضَرَّرُوا بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ) وَهِيَ ضِدُّ الْقِلَّةِ مُثَلَّثَةُ الْكَافِ (فَالسُّنَّةُ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ) تَعَالَى (رَفْعَهُ) بِأَنْ يَقُولُوا نَدْبًا مَا قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا شُكِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ (اللَّهُمَّ) اجْعَلْ الْمَطَرَ (حَوَالَيْنَا) فِي الْأَوْدِيَةِ وَالْمَرَاعِي (وَلَا) تَجْعَلْهُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ) أَيْ سَيْبًا بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ اهـ حَجّ.
وَعِبَارَةُ ع: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ صَيِّبًا: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مِنْ صَابَ يَصُوبُ: إذَا نَزَلَ مِنْ عُلُوٍّ إلَى أَسْفَلَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ: اللَّهُمَّ سَيْبًا، وَهُوَ الْعَطَاءُ اهـ (قَوْلُهُ: وَفِي أُخْرَى مَعَ الْأَوَّلِ) أَيْ صَيِّبًا.
(قَوْلُهُ: نَاقِعًا) بِالْقَافِ: أَيْ شَافِيًا لِلْغَلِيلِ وَمَزِيدٌ لِلْعَطَشِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ مُخْتَارِ الصِّحَاحِ (قَوْلُهُ وَعِنْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ) يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْخُطْبَةِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِقَلْبِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ ثُمَّ وَبَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ أَوْ بَيْنَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي يُجِيبُ بِهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ ثُمَّ، وَاعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَأَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهِ عِنْدَ الْقَوْلِ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهِ الصَّلَاةَ جَامِعَةً؛ لِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ تَوْفِيقِيَّةٌ، ثُمَّ إذَا دَعَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَيَقَّنَ حُصُولَ الْمَطْلُوبِ لِإِخْبَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ نَسَبَ تَخَلُّفَهُ إلَى فَسَادِ نِيَّتِهِ وَفَقْدِ شُرُوطِ الدُّعَاءِ مِنْهُ (قَوْلُهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ وَرُؤْيَتُهُ لَهَا وَكَانَ الزَّمَنُ قَرِيبًا وَلَا مَانِعَ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ) أَيْ فِي غَيْرِ شَرْحِ مِنْهَجِهِ (قَوْلُهُ: عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ) قَالَ حَجّ هُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ (قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ سَبُّ الرِّيحِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ مُعْتَادَةً أَوْ غَيْرَ مُعْتَادَةٍ، لَكِنَّ السَّبَّ إنَّمَا يَقَعُ فِي الْعَادَةِ لِغَيْرِ الْمُعْتَادَةِ خُصُوصًا إذَا شَوَّشَتْ ظَاهِرًا عَلَى السَّابِّ، وَلَا تَتَقَيَّدُ الْكَرَاهَةُ بِذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ: «الرِّيحُ مِنْ رُوحِ اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ» هَلْ الْمُرَادُ فِي الْجُمْلَةِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنَّ الَّتِي تَأْتِي بِالْعَذَابِ مِنْ رَحْمَتِهِ أَيْضًا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ: أَيْ أَوْ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ حَيْثُ صُدُورِهَا بِخَلْقِ اللَّهِ وَإِيجَادِهِ رَحْمَةٌ فِي ذَاتِهَا وَإِنْ كَانَتْ تَأْتِي بِالْعَذَابِ لِمَنْ أَرَادَهُ اللَّهُ لَهُ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي (قَوْلُهُ: «وَاسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا» ) وَتَقَدَّمَ قُبَيْلَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَإِنَّ لَهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا) هَذَا فِي السَّنَةِ الْكَبِيسَةِ وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ أَيَّامُ النَّسِيءِ فِيهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ، بِخِلَافِ الْبَسِيطَةِ وَهِيَ الَّتِي يَكُونُ النَّسِيءُ فِيهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ، فَلَوْ قَالَ إلَّا الْغَفْرَ لَكَانَ أَوْلَى،؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيهِ دَائِمًا عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ.
(عَلَيْنَا) فِي الْأَبْنِيَةِ وَالدُّورِ.
وَأَفَادَتْ الْوَاوُ أَنَّ طَلَبَ الْمَطَرِ حَوَالَيْنَا الْقَصْدُ مِنْهُ بِالذَّاتِ وِقَايَةُ أَذَاهُ فَفِيهَا مَعْنَى التَّعْلِيلِ: أَيْ اجْعَلْهُ حَوَالَيْنَا وَلِئَلَّا يَكُونَ عَلَيْنَا، وَفِيهِ تَعْلِيمُنَا أَدَبَ الدُّعَاءِ حَيْثُ لَمْ يَدْعُ بِرَفْعِهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ لِاسْتِمْرَارِهِ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ الْأَوْدِيَةِ وَالْمَزَارِعِ، فَطَلَبَ مَنْعَ ضَرَرِهِ وَبَقَاءَ نَفْعِهِ وَإِعْلَامَنَا بِأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ وَصَلَتْ إلَيْهِ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ أَنْ لَا يَتَسَخَّطَ لِعَارِضٍ قَارَنَهَا، بَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى رَفْعَهُ وَإِبْقَاءَهَا وَبِأَنَّ الدُّعَاءَ بِرَفْعِ الْمَطَرِ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَالتَّفْوِيضَ " اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ " (وَلَا يُصَلِّي لِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِعَدَمِ وُرُودِهَا لَهُ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ السَّابِقِ أَنَّهَا تُسَنُّ لِنَحْوِ الزَّلْزَلَةِ فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا، وَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا نَحْوُهَا فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا تُشْرَعُ الْهَيْئَةُ الْمَخْصُوصَةُ.
(بَابٌ) فِي حُكْمِ تَارِكِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ أَصَالَةً جَحْدًا، أَوْ غَيْرَهُ، وَتَقْدِيمُهُ هُنَا عَلَى الْجَنَائِزِ تَبَعًا لِلْجُمْهُورِ أَلْيَقُ (إنْ تَرَكَ) الْمُكَلَّفُ (الصَّلَاةَ) الْمَعْهُودَةَ شَرْعًا الصَّادِقَةَ بِإِحْدَى الْخَمْسِ (جَاحِدًا وُجُوبَهَا) بِأَنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ (كَفَرَ) بِالْجَحْدِ فَقَطْ لَا بِهِ مَعَ التَّرْكِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِأَجَلِ التَّقْسِيمِ، إذْ الْجَحْدُ وَحْدَهُ مُقْتَضٍ لِلْكُفْرِ كَمَا مَرَّ لِإِنْكَارِهِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَذَلِكَ جَارٍ فِي كُلِّ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مَعْلُومٍ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.
أَمَّا مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ جَاهِلًا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ نَحْوِهِ مِمَّنْ يَجُوزُ خَفَاؤُهُ عَلَيْهِ، أَوْ نَشْئِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَلَا يَكُونُ مُرْتَدًّا بَلْ يَعْرِفُ وُجُوبَهَا، فَإِنْ عَادَ بَعْدَهُ صَارَ مُرْتَدًّا، وَلَا يُقِرُّ مُسْلِمٌ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ عَمْدًا مَعَ الْقُدْرَةِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَا إذَا اشْتَبَهَ صَغِيرٌ مُسْلِمٌ بِصَغِيرٍ كَافِرٍ، ثُمَّ بَلَغَا وَلَمْ يُعْلَمْ الْمُسْلِمُ مِنْهُمَا وَلَا قَافَةَ وَلَا انْتِسَابَ، وَلَا يُؤْمَرُ أَحَدٌ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ شَهْرًا فَأَكْثَرَ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُبْتَدَأَةُ إذَا ابْتَدَأَهَا الدَّمُ الضَّعِيفُ، ثُمَّ أَقْوَى مِنْهُ ثُمَّ أَقْوَى مِنْهُ (أَوْ) (تَرَكَهَا كَسَلًا) ، أَوْ تَهَاوُنًا مَعَ اعْتِقَادِهِ وُجُوبَهَا (قُتِلَ) بِالسَّيْفِ (حَدًّا) لَا كُفْرًا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلِمَفْهُومِ «قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية الشبراملسي]
الْبَابِ عِنْدَ شَرْحِ الرَّوْضِ مَا كَانَ يَقُولُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إذَا رَأَى الرِّيحَ الْعَاصِفَةَ (قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ) الْآكَامُ بِالْمَدِّ جَمْعُ أُكُمٍ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ إكَامٍ كَكِتَابٍ جَمْعُ أَكَمٍ بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ أَكَمَةٍ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ لِنَحْوِ الزَّلْزَلَةِ) أَيْ فَيَصِلُهَا وَيَنْوِي بِهَا نِيَّةَ رَفْعِ الْمَطَرِ.
.
(بَابٌ) فِي حُكْمِ تَارِكِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَعْيَانِ) خَرَّجَ فُرُوضَ الْكِفَايَاتِ، وَقَوْلُهُ أَصَالَةً خَرَّجَ الْمَنْذُورَةَ (قَوْلُهُ: أَلْيَقُ) أَيْ مِنْ تَأْخِيرِهِ عَنْهَا وَمِنْ ذِكْرِهِ فِي الْحُدُودِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلَاةِ الْعَيْنِيَّةِ فَنَاسَبَ ذِكْرُهُ خَاتِمَةً لَهَا (قَوْلُهُ: جَاحِدًا وُجُوبَهَا) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ لَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلِهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ بَيْنَ أَظْهُرِنَا بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ صَيَّرَهُ فِي حُكْمِ الْعَالِمِ اهـ حَجّ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْآتِي:.
أَمَّا مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ جَاهِلًا إلَخْ حَيْثُ قَيَّدَ عَدَمَ رِدَّةِ الْجَاهِلِ بِكَوْنِهِ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ
[حاشية الرشيدي]
[بَابٌ فِي حُكْمِ تَارِكِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ]
(بَابٌ) فِي حُكْمِ تَارِكِ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: أَوْ نَحْوَهُ مِمَّنْ يَجُوزُ خَفَاؤُهُ عَلَيْهِ) أَيْ بِأَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ بَعْدُ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ (قَوْلُهُ: رَوَاهُ الشَّيْخَانِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلًا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ
نُهِيت عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» وَقَالَ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، فَلَوْ كَفَرَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، وَأَمَّا خَبَرُ مُسْلِمٍ «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى تَرْكِهَا جَحْدًا أَوْ عَلَى التَّغْلِيظِ، أَوْ الْمُرَادُ بَيْنَ مَا يُوجِبُهُ الْكُفْرُ مِنْ وُجُوبِ الْقَتْلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
وَلَوْ تَرَكَ الطَّهَارَةَ لَهَا قُتِلَ كَمَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ؛ لِأَنَّهُ تَرْكٌ لَهَا، وَيُقَاسُ بِهَا الْأَرْكَانُ وَسَائِرُ الشُّرُوطِ.
نَعَمْ مَحَلُّهُ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ وَاهٍ بِخِلَافِ الْقَوِيِّ، فَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: لَوْ تَرَكَ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا، أَوْ مَسَّ شَافِعِيٌّ الذَّكَرَ، أَوْ لَمَسَ الْمَرْأَةَ أَوْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَنْوِ وَصَلَّى مُتَعَمِّدًا لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ جَوَازَ صَلَاتِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بَحْثًا بِمَا إذَا قَلَّدَ الْقَائِلُ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا قَائِلَ حِينَئِذٍ بِجَوَازِ صَلَاتِهِ.
قَالَ: فَاَلَّذِي يُتَّجَهُ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لَهَا عِنْدَ إمَامِهِ وَغَيْرِهِ فَعُلِمَ أَنَّ تَرْكَ التَّيَمُّمِ كَتَرْكِ الْوُضُوءِ إنْ وَجَبَ إجْمَاعًا، أَوْ مَعَ خِلَافٍ، وَلَمْ يُقَلِّدْ الْقَائِلُ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ اهـ.
وَالْأَوْجَهُ الْأَخْذُ بِالْإِطْلَاقِ، وَلَا يُقَاسُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ تَرْكُ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُحْبَسُ طُولَ النَّهَارِ نَوَاهُ فَأَجْدَى الْحَبْسُ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ يُمْكِنُ لِلْإِمَامِ أَخْذُهَا بِالْمُقَاتَلَةِ مِمَّنْ امْتَنَعُوا مِنْهَا وَقَاتَلُونَا، فَكَانَتْ الْمُقَاتَلَةُ الْوَارِدَةُ فِيهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا، بِخِلَافِهَا فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِعْلُهَا بِالْمُقَاتَلَةِ فَكَانَتْ فِيهَا بِمَعْنَى الْقَتْلِ فَوَضَحَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ اهـ.
فَالْأَوْجَهُ الْأَخْذُ بِالْإِطْلَاقِ (وَالصَّحِيحُ قَتْلُهُ) حَتْمًا (بِصَلَاةٍ فَقَطْ) عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ (بِشَرْطِ إخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ) فِيمَا لَهُ وَقْتُ ضَرُورَةٍ بِأَنْ تُجْمَعَ مَعَ الثَّانِيَةِ فِي وَقْتِهَا.
فَلَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الظُّهْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَلَا بِتَرْكِ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، وَيُقْتَلُ فِي الصُّبْحِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَفِي الْعَصْرِ بِغُرُوبِهَا وَفِي الْعِشَاءِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، فَيُطَالَبُ بِأَدَائِهَا إنْ ضَاقَ وَقْتُهَا وَيُتَوَعَّدُ بِالْقَتْلِ إنْ أَخْرَجَهَا عَنْ الْوَقْتِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْمُطَالِبَ وَالْمُتَوَعِّدَ هُوَ الْإِمَامُ، أَوْ نَائِبُهُ فَلَا يُفِيدُ طَلَبُ غَيْرِهِ وَتَوَعُّدُهُ تَرَتُّبَ الْقَتْلِ الْآتِي؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَنْصِبِهِ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ كَتَرْكِ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَلِخَبَرِ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ»
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: فَقَدْ: بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ) أَيْ خَرِبَتْ ذِمَّتُهُ (قَوْلُهُ: كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ) أَيْ وَعْدٌ مِنْهُ لَا يُخْلَفُ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا خَبَرُ مُسْلِمٍ إلَخْ) الَّذِي فِي مُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْت جَابِرًا يَقُولُ: سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» فَلَعَلَّهَا رِوَايَةٌ أُخْرَى.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ جَوَازَ صَلَاتِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ) أَيْ فَكَانَ جَرَيَانُ الْخِلَافِ شُبْهَةً فِي حَقِّهِ مَانِعَةً مِنْ قَتْلِهِ وَإِنْ لَمْ يُقَلِّدْ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ الْأَخْذُ بِالْإِطْلَاقِ) أَيْ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْلِيدِ وَعَدَمِهِ فِي أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ (قَوْلُهُ: فَأَجْدَى) أَيْ أَفَادَ (قَوْلُهُ: فَوُضِّحَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَقَوْلُهُ وَبَيْنَهَا أَيْ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) أَيْ أَمَّا الْجُمُعَةُ فَيُقْتَلُ بِهَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ أَقَلِّ مُمْكِنٍ مِنْ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ هُوَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ) وَمِنْهُ الْقَاضِي الَّذِي لَهُ وِلَايَةُ ذَلِكَ كَالْقَاضِي الْكَبِيرِ (قَوْلُهُ: الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ) أَيْ جَمَاعَةِ الْإِسْلَامِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا قَائِلَ حِينَئِذٍ بِجَوَازِ صَلَاتِهِ) فِيهِ نَظَرٌ إذْ الْحَنَفِيُّ يَقُولُ بِجَوَازِ صَلَاةِ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ لَمَسَ الْمَرْأَةَ أَوْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَنْوِ وَإِنْ كَانَ شَافِعِيًّا وَلَمْ يُقَلِّدْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمُوَافَقَتِهِ لِاعْتِقَادِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَعْضِ الْمَذْكُورِ الشِّهَابُ حَجّ فِي الْإِمْدَادِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ الْأَخْذُ بِالْإِطْلَاقِ) أَيْ فَمَتَى كَانَ فِيهِ خِلَافٌ غَيْرُ وَاهٍ فَلَا قَتْلَ وَإِنْ لَمْ يُقَلِّدْ (قَوْلُهُ: إخْرَاجُهَا عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ) بِمَعْنَى وَقْتِ الْعُذْرِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُعَزَّرُ) لَوْ سَاقَ هَذَا عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْمَارِّ قُتِلَ حَدًّا لَكَانَ أَنْسَبَ وَأَوْضَحَ (قَوْلُهُ: وَالْحَجُّ) لَا وَجْهَ لِلتَّمْثِيلِ بِهِ هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى
وَلِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الْقَضَاءِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْقِيَاسَ مَتْرُوكٌ بِالنُّصُوصِ وَالْخَبَرُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِمَا ذُكِرَ وَقَتْلُهُ خَارِجَ الْوَقْتِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّرْكِ بِلَا عُذْرٍ، عَلَى أَنَّا نَمْنَعُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ لِتَرْكِ الْقَضَاءِ مُطْلَقًا، إذْ مَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا فِي الْوَقْتِ وَيُهَدَّدُ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَقُلْ أَفْعَلُهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَقْتَ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَقْتَانِ: أَحَدُهُمَا وَقْتُ أَمْرٍ، وَالْآخَرُ وَقْتُ قَتْلٍ.
فَوَقْتُ الْأَمْرِ هُوَ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ عَنْ فِعْلِهَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَأْمُرَ التَّارِكَ فَنَقُولَ لَهُ صَلِّ، فَإِنْ صَلَّيْت تَرَكْنَاك، وَإِنْ أَخْرَجْتهَا عَنْ الْوَقْتِ قَتَلْنَاك، وَفِي وَقْتِ الْأَمْرِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا، إذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ زَمَنٌ يَسَعُ مِقْدَارَ الْفَرِيضَةِ وَالطَّهَارَةِ، وَالثَّانِي إذَا بَقِيَ زَمَنٌ يَسَعُ رَكْعَةً وَطَهَارَةً كَامِلَةً، وَيُقْتَلُ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ أَيْضًا وَإِنْ قَالَ أُصَلِّيهَا ظُهْرًا كَمَا فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ عَنْ الشَّاشِيِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ: إنَّهُ الْأَقْوَى لِتَرْكِهَا بِلَا قَضَاءٍ؛ لِأَنَّ الظُّهْرَ لَيْسَ قَضَاءً عَنْهَا، وَمَحَلُّهُ حَيْثُ كَانَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ إجْمَاعًا، وَأَفْتَى الشَّيْخُ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِهَا حَيْثُ أَمَرَ بِهَا وَامْتَنَعَ مِنْهَا، أَوْ قَالَ أُصَلِّيهَا ظُهْرًا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ عَنْ خُطْبَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الظُّهْرِ: أَيْ عَنْ أَقَلِّ مُمْكِنٍ مِنْ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ، لِأَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ لَيْسَ وَقْتًا لَهَا فِي حَالَةٍ بِخِلَافِ الظُّهْرِ.
لَا يُقَالُ: يَنْبَغِي قَتْلُهُ عَقِبَ سَلَامِ الْإِمَامِ مِنْهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: شُبْهَةُ احْتِمَالٍ تَبَيَّنَ فَسَادُهَا وَإِعَادَتُهَا فَيُدْرِكُهَا أَوْجَبَتْ التَّأْخِيرَ لِلْيَأْسِ مِنْهَا بِكُلِّ تَقْدِيرٍ وَهُوَ مَا مَرَّ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَوْجَهُ: أَحَدُهَا يُقْتَلُ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ يُحْتَمَلُ تَرْكُهَا لِشُبْهَةِ الْجَمْعِ ثَانِيهَا إذَا ضَاقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ لِأَنَّ الثَّلَاثَ أَقَلُّ الْجَمْعِ فَاغْتُفِرَتْ.
ثَالِثُهَا إذَا تَرَكَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَنَدَ إلَى تَأْوِيلٍ مِنْ تَرْكِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ، رَابِعُهَا إذَا صَارَ التَّرْكُ لَهُ عَادَةً، خَامِسُهَا لَا يُعْتَبَرُ وَقْتُ الضَّرُورَةِ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى كَلَامِ الشَّارِحِ فِي حِكَايَةٍ مُقَابِلَ الصَّحِيحِ (وَيُسْتَتَابُ) مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ نَدْبًا كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ خِلَافًا لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا مِنْ وُجُوبِهَا كَالْمُرْتَدِّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا كَمَا أَفَادَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ الرِّدَّةَ تُخَلِّدُ فِي النَّارِ فَوَجَبَ إنْقَاذُهُ مِنْهَا، بِخِلَافِ تَرْكِ الصَّلَاةِ، بَلْ مُقْتَضَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَتَاوِيهِ مِنْ أَنَّ الْحُدُودَ تُسْقِطُ الْإِثْمَ أَنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ شَيْءٌ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حُدَّ عَلَى هَذِهِ الْجَرِيمَةِ وَالْمُسْتَقْبَلُ لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ.
نَعَمْ إنْ كَانَ فِي عَزْمِهِ أَنَّهُ إنْ عَاشَ لَمْ يُصَلِّ أَيْضًا مَا بَعْدَهَا فَهُوَ أَمْرٌ آخَرُ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ.
وَاسْتَشْكَلَ الْإِسْنَوِيُّ
[حاشية الشبراملسي]
بِأَنْ تَرَكَ مَا هُوَ عِمَادُ الدِّينِ وَهُوَ الصَّلَاةُ وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ (قَوْلُهُ: يَجِبُ عَلَيْنَا) أَيْ عَلَى الْمُخَاطَبِ مِنَّا، وَهُوَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (قَوْلُهُ: إذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ زَمَنٌ إلَخْ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِفِعْلِهِ بِأَخَفَّ مُمْكِنٍ (قَوْلُهُ مِقْدَارَ الْفَرِيضَةِ) أَيْ تَامَّةٌ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الظُّهْرَ لَيْسَ قَضَاءً عَنْهَا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ هَدَّدَ عَلَيْهَا فِي وَقْتِهَا وَلَمْ تُفْعَلْ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ ثُمَّ تَابَ وَقَالَ: أُصَلِّي الْجُمُعَةَ الْقَابِلَةَ لَكِنَّهُ لَمْ يُصَلِّ ظُهْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يُقْتَلْ بِتَرْكِهِ لِكَوْنِهِ لَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الْقَضَاءِ، لَكِنْ فِي فَتَاوَى الشَّارِحِ أَنَّهُ يُقْتَلُ حَيْثُ امْتَنَعَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ الْقَتْلِ بِالْقَضَاءِ إذَا لَمْ يُهَدِّدْ بِهِ أَوْ بِأَصْلِهِ كَمَا هُنَا فَإِنَّ التَّهْدِيدَ عَلَى الْجُمُعَةِ تَهْدِيدٌ عَلَى تَرْكِهَا وَبَدَلُهَا قَائِمٌ مَقَامَهَا فَكَأَنَّهُ هَدَّدَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: إجْمَاعًا) أَيْ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فَلَوْ تَعَدَّدَتْ الْجُمُعَةُ وَتَرَكَ فِعْلَهَا لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالسَّابِقَةِ فَهَلْ يُقْتَلُ لِتَرْكِهِ لَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ أَوْ لَا لِعُذْرِهِ بِالشَّكِّ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّا نَقُولُ شُبْهَةُ احْتِمَالٍ تَبَيَّنَ فَسَادُهَا وَإِعَادَتُهَا إلَخْ) أَيْ وَإِنْ أَيِسْنَا مِنْ ذَلِكَ عَادَةً حَقْنًا لِلدَّمِ مَا أَمْكَنَ (قَوْلُهُ خَامِسُهَا لَا يُعْتَبَرُ إلَخْ) هَذَا الْوَجْهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْمَحَلِّيُّ وَقَوْلُهُ لِوَقْتِ الضَّرُورَةِ: أَيْ بِالسَّابِقِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ تَرْكِ الصَّلَاةِ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُدُ بَلْ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَهُوَ أَمْرٌ آخَرُ) أَيْ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَةِ عَلَى
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَفِي وَقْتِ الْأَمْرِ وَجْهَانِ) أَقَامَ فِيهِ الْمُظْهَرَ مَقَامَ الْمُضْمَرِ، وَسَكَتَ عَنْ مُقَابِلِهِ وَهُوَ وَقْتُ الْقَتْلِ لِعِلْمِهِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ عَنْ خُطْبَتَيْنِ) مُتَعَلِّقٌ بِيُقْتَلُ وَسَكَتَ عَنْ وَقْتِ الْأَمْرِ بِالْجُمُعَةِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ مَعْنَى كَلَامِ الشَّارِحِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَذْكُرْ الْخَامِسَ
مَا تَقَرَّرَ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا عَلَى التَّأْخِيرِ عَنْ الْوَقْتِ وَالْحُدُودُ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدَّ هُنَا لَيْسَ هُوَ عَلَى مَعْصِيَةٍ سَابِقَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ حَمْلٌ لَهُ عَلَى فِعْلِ مَا تَرَكَ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ، أَوْ بِأَنَّهُ عَلَى تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَمْدًا مَعَ تَرْكِهَا، فَالْعِلَّةُ مُرَكَّبَةٌ فَإِذَا صَلَّى زَالَتْ الْعِلَّةُ، وَقَالَ الرِّيمِيُّ فِي التَّفْقِيهِ وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّوْبَةَ هُنَا تُفِيدُ تَدَارُكَ الْفَائِتِ، بِخِلَافِ التَّوْبَةِ عَنْ الزِّنَا وَشِبْهِهِ فَإِنَّ التَّوْبَةَ لَا تُفِيدُ تَدَارُكَ مَا مَضَى مِنْ الْجَرِيمَةِ بَلْ تُفِيدُ الِامْتِنَاعَ عَنْهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، بِخِلَافِ تَوْبَتِهِ هُنَا فَإِنَّهَا بِفِعْلِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ يُحَقِّقُ الْمُرَادَ فِي الْمَاضِي.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: تَارِكُ الصَّلَاةِ يَسْقُطُ حَدُّهُ بِالتَّوْبَةِ وَهُوَ الْعَوْدُ لِفِعْلِ الصَّلَاةِ كَالْمُرْتَدِّ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ، وَغَلِطَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: كَيْفَ تَنْفَعُ التَّوْبَةُ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ سَرَقَ نِصَابًا، ثُمَّ رَدَّهُ لَا يَسْقُطُ الْقَطْعُ، وَهَذَا كَلَامُ مَنْ ظَنَّ أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُسْقِطُ الْحُدُودَ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ اهـ.
وَتَوْبَتُهُ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّ الْإِمْهَالَ يُؤَدِّي إلَى تَأْخِيرِ صَلَوَاتٍ، وَقِيلَ يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهُمَا فِي النَّدْبِ، وَقِيلَ فِي الْوُجُوبِ، وَلَوْ قَتَلَهُ فِي مُدَّةِ الِاسْتِتَابَةِ، أَوْ قَبْلَهَا إنْسَانٌ لَيْسَ مِثْلَهُ أَثِمَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَقَاتِلِ الْمُرْتَدِّ، وَلَوْ جُنَّ، أَوْ سَكِرَ قَبْلَ فِعْلِ الصَّلَاةِ لَمْ يُقْتَلْ، فَإِنْ قُتِلَ وَجَبَ الْقَوَدُ، بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْمُرْتَدِّ لَا قَوَدَ عَلَى قَاتِلِهِ لِقِيَامِ الْكُفْرِ، ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ وَعَانَدَ بِالتَّرْكِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، أَمَّا تَارِكُ الْمَنْذُورَةِ الْمُؤَقَّتَةِ فَلَا يُقْتَلُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ.
(ثُمَّ) إذَا لَمْ يَتُبْ (يُضْرَبُ عُنُقُهُ) بِالسَّيْفِ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ لِخَبَرِ «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (وَقِيلَ) لَا يُقْتَلُ لِانْتِفَاءِ الدَّلِيلِ الْوَاضِحِ عَلَى قَتْلِهِ (بَلْ يُنْخَسُ بِحَدِيدَةٍ) وَقِيلَ يُضْرَبُ بِخَشَبَةٍ: أَيْ عَصَا (حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ يَمُوتَ) إذْ الْمَقْصُودُ حَمْلُهُ عَلَى الصَّلَاةِ لَا قَتْلُهُ وَمَرَّ رَدُّهُ (وَ) بَعْدَ الْمَوْتِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ الصَّلَاةَ مِنْ أَنَّهُ (يُغَسَّلُ) ، ثُمَّ يُكَفَّنُ (وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) بَعْدَ ظُهْرِهِ (وَيُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ) فِي مَقَابِرِهِمْ (وَلَا يُطْمَسُ قَبْرُهُ) كَبَقِيَّةِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَبْدَى عُذْرًا كَنِسْيَانٍ، أَوْ بَرْدٍ أَوْ عَدَمِ مَاءٍ، أَوْ نَجَاسَةٍ عَلَيْهِ صَحِيحَةً كَانَتْ الْأَعْذَارُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَمْ بَاطِلَةً، كَمَا لَوْ قَالَ صَلَّيْت وَظَنَنَّا كَذِبَهُ لَمْ نَقْتُلْهُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ تَعَمُّدِهِ تَأْخِيرَهَا عَنْ وَقْتِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، نَعَمْ نَأْمُرُهُ بِهَا بَعْدَ ذِكْرِ الْعُذْرِ وُجُوبًا فِي الْعُذْرِ الْبَاطِلِ وَنَدْبًا فِي الصَّحِيحِ بِأَنْ نَقُولَ لَهُ صَلِّ فَإِنْ امْتَنَعَ لَمْ يُقْتَلْ لِذَلِكَ، فَإِنْ قَالَ تَعَمَّدْت تَرْكَهَا بِلَا عُذْرٍ قُتِلَ سَوَاءٌ أَقَالَ وَلَا أُصَلِّيهَا أَمْ سَكَتَ لِتَحَقُّقِ جِنَايَتِهِ بِتَعَمُّدِ التَّأْخِيرِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: لَوْ زَعَمَ
[حاشية الشبراملسي]
الْعَزْمِ عَلَى التَّرْكِ وَعَلَى تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ إنْ وَجَدَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: أَوْ قَبْلَهَا) أَيْ إذَا كَانَ بَعْدَ أَمْرِ الْإِمَامِ اهـ زِيَادِيٌّ.
أَمَّا قَبْلَهُ فَيَضْمَنُ (قَوْلُهُ: لَيْسَ مِثْلَهُ) أَيْ فِي الْإِهْدَارِ وَإِنْ اخْتَلَفَ سَبَبُهُ كَزَانٍ مُحْصَنٍ أَوْ قَاطِعِ طَرِيقٍ مَعَ تَارِكِ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: أَمَّا تَارِكُ الْمَنْذُورَةِ) مُحْتَرِزُ قَوْلِهِ أَصَالَةً.
(قَوْلُهُ: يُنْخَسُ بِحَدِيدَةٍ) أَيْ فِي أَيِّ مَحَلٍّ كَانَ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّى الْمَقَاتِلَ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ حَمْلُهُ عَلَى الصَّلَاةِ بِالتَّعْذِيبِ وَنَخْسُهُ فِي الْمُقَاتِلِ قَدْ يُفَوِّتُ ذَلِكَ الْغَرَضَ (قَوْلُهُ: بِتَعَمُّدِ التَّأْخِيرِ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَمَرَ بِهَا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْأَمْرِ بِهَا عِنْدَ الضَّيِّقِ لِتَحَقُّقِ جِنَايَتِهِ، وَهَذَا قَدْ تَحَقَّقَتْ جِنَايَتُهُ بِاعْتِرَافِهِ.
وَجَوَّزَ م ر أَنْ يُقَيِّدَ هَذَا بِمَا إذَا كَانَ قَدْ أَمَرَ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.
ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَنَا جَزَمَ بِهَذَا التَّقْيِيدِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فَقَالَ: وَمَتَى قَالَ تَعَمَّدْت تَرْكَهَا بِلَا عُذْرٍ قُتِلَ سَوَاءٌ قَالَ لَا أُصَلِّيهَا أَمْ سَكَتَ لِتَحَقُّقِ جِنَايَتِهِ بِتَعَمُّدِ التَّأْخِيرِ: أَيْ مَعَ الطَّلَبِ فِي الْوَقْتِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ اهـ. وَالْأَقْرَبُ مَا قَيَّدَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدَّ هُنَا لَيْسَ هُوَ عَلَى مَعْصِيَةٍ إلَخْ) أَيْ فَهُوَ لَيْسَ حَدًّا إلَّا فِي الصُّورَةِ حَتَّى يُلَاقِيَ الْإِشْكَالَ.
(قَوْلُهُ: وَمَرَّ رَدُّهُ) كَأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ مَرَّ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ رَدُّهُ وَهُوَ خَبَرُ «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» وَهُوَ تَابِعٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلشِّهَابِ حَجّ، لَكِنَّ ذَاكَ صَرَّحَ أَوَّلًا بِرَدِّهِ حَيْثُ قَالَ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ كَسَلًا قُتِلَ مَا نَصُّهُ: وَنَخْسُهُ بِالْحَدِيدِ الْآتِي لَيْسَ مِنْ إحْسَانِ الْقِتْلَةِ فِي شَيْءٍ فَلَمْ نَقُلْ بِهِ.
.
زَاعِمٌ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حَالَةً أَسْقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَاةَ وَأَحَلَّتْ لَهُ شُرْبَ الْخَمْرِ وَأَكْلَ مَالِ السُّلْطَانِ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ فَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ وَإِنْ كَانَ فِي خُلُودِهِ فِي النَّارِ نَظَرٌ وَقَتْلُ مِثْلِهِ أَفْضَلُ مِنْ قَتْلِ مِائَةِ كَافِرٍ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ أَكْثَرُ
. كِتَابُ الْجَنَائِزِ جَمْعُ جِنَازَةٍ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ اسْمٌ لِلْمَيِّتِ فِي النَّعْشِ وَقِيلَ بِالْفَتْحِ اسْمٌ لِذَلِكَ وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ لِلنَّعْشِ وَهُوَ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَقِيلَ لُغَتَانِ فِيهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ فَهُوَ سَرِيرٌ وَنَعْشٌ، وَعَلَى مَا تَقَرَّرَ لَوْ قَالَ أُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ بِكَسْرِ الْجِيمِ
[حاشية الشبراملسي]
بِهِ حَجّ (قَوْلُهُ: وَأَكَلَ مَالَ السُّلْطَانِ) أَيْ الْمَالَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ السُّلْطَانَ قَبْضَهُ وَصَرْفَهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ يَزْعُمُ هَذَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ وَيَمْنَعُهُ عَنْ صَرْفِهِ فِي مَصَارِفِهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَقَيَّدُ بِاسْتِحْلَالِ الْجَمِيعِ بَلْ مَتَى اسْتَحَلَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَفَرَ [فَائِدَةٌ] مَرَاتِبُ الْكُفْرِ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا الْكُفْرُ الْأَصْلِيُّ وَصَاحِبُهُ مُتَدَيِّنٌ بِهِ وَمَفْطُورٌ عَلَيْهِ.
وَثَانِيهَا الرُّجُوعُ إلَيْهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ أَقْبَحُ وَلِهَذَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ حَيْثُ كَانَ فِيهِ الْجِزْيَةُ وَالِاسْتِقْرَارُ وَالْمَنُّ وَالْفِدَاءُ وَثَالِثُهَا السَّبُّ وَهُوَ أَقْبَحُ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَدَيَّنُ بِهِ، وَفِيهِ إزْرَاءٌ بِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِلْقَاءِ الشُّبْهَةِ فِي الْقُلُوبِ الضَّعِيفَةِ فَلِذَلِكَ كَانَتْ جَرِيمَتُهُ أَقْبَحَ الْجَرَائِمِ، وَلَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ، بِخِلَافِ الْقِسْمِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ فِي الثَّانِي قَدْ يَكُونُ لَهُ شُبْهَةٌ فَتَحِلُّ عَنْهُ، وَالسَّبُّ لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ عَرْضُ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا، فَلَا يَمْتَنِعُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ حَتَّى يُقْتَلَ تَطْهِيرًا لِلْأَرْضِ مِنْهُ، فَإِنْ أَسْلَمَ أَعْصَمَ نَفْسَهُ فَهَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي سَبَبِ الْإِعْرَاضِ مَعَ الْقَوْلِ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا أَنَّ الْكُفَّارَ الْأَصْلِيِّينَ لَا يُقَاتَلُونَ فِي الْأَوَّلِ حَتَّى يُنْذَرُوا، فَإِذَا بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ وَالنِّذَارَةُ جَازَتْ الْإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ وَسَبْيُهُمْ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَى الدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَتْهُمْ وَزَالَ عُذْرُهُمْ، فَإِنْ أَسْلَمُوا عَصَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَإِنَّمَا اُسْتُثْنِيَ الْمُرْتَدُّ بِغَيْرِ السَّبِّ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الرِّدَّةَ إنَّمَا تَحْصُلُ بِشُبْهَةٍ فَتُزَالُ بِالِاسْتِتَابَةِ، وَلِهَذَا تَرَدَّدَ الْعُلَمَاءُ فِي تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ وَتَوْبَةِ مَنْ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ هَلْ تُقْبَلُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُمَا اهـ مِنْ السَّيْفِ الْمَسْلُولِ عَلَى مَنْ سَبَّ الرَّسُولَ لِلسُّبْكِيِّ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ.
(قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْجِيمِ) أَيْ أَوْ بِفَتْحِهَا؛ لِأَنَّ الْفَتْحَ وَالْكَسْرَ مُشْتَرِكَانِ فِي الْمَيِّتِ وَالنَّعْشِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ اهـ. وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ يُرِدْ إلَخْ: أَيْ فَإِنْ أَرَادَهُ لَمْ يَصِحَّ وَيَنْبَغِي وَلَوْ مَعَ الْمَيِّت هَذَا، وَفُهِمَ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ الْمَيِّتَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي النَّعْشِ لَا تُطْلَقُ عَلَيْهِ الْجِنَازَةُ لَا بِالْفَتْحِ وَلَا بِالْكَسْرِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا لَيْسَ بِنَعْشٍ وَنَوَى الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ أَشَارَ إلَيْهِ إشَارَةً قَلْبِيَّةً صَحَّ وَلَا يَضُرُّ تَسْمِيَتُهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ، وَكَذَا إنْ قَصَدَ بِالْجِنَازَةِ الْمَيِّتَ وَيَكُونُ لَفْظُ الْجِنَازَةِ مَجَازًا عَنْ الْمَيِّتِ وَإِنْ قَصَدَ مُسَمَّى الْجِنَازَةِ لُغَةً أَوْ أَطْلَقَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
أَمَّا فِي الْأُولَى فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ نَوَى غَيْرَ الْمَيِّتِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ.
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ لَفْظَهُ مُحْتَمِلٌ
[حاشية الرشيدي]
[كِتَابُ الْجَنَائِزِ]
ِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى مَا تَقَرَّرَ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ: إنْ كَانَ هَذَا رَاجِعًا لِأَوَّلِ الْأَقْوَالِ الْمَجْزُومِ بِهِ فَمَا وَجْهُ التَّقْيِيدِ بِالْكَسْرِ، وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا إلَى غَيْرِهِ فَمَا الْقَرِينَةُ عَلَيْهِ؟ وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا إلَى جَمِيعِهَا لَمْ يَصِحَّ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ حَيْثُ قِيلَ إنَّهَا اسْمٌ لِلْمَيِّتِ فِي النَّعْشِ صَحَّتْ النِّيَّةُ إنْ لَمْ يُرِدْ بِهَا النَّعْشَ كَمَا قَالَ وَحَيْثُ قِيلَ إنَّهَا اسْمٌ لِلنَّعْشِ وَعَلَيْهِ الْمَيِّتُ صَحَّتْ إنْ أَرَادَ الْمَيِّتَ لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ أَنَّ الْمَجَازَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَصْدٍ خَاصٍّ وَانْصِرَافِ الْإِطْلَاقِ لِلْحَقِيقَةِ
صَحَّتْ إنْ لَمْ يُرِدْ بِهَا النَّعْشَ، وَهِيَ مِنْ جَنَزَهُ إذَا سَتَرَهُ ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: لَا يُسَمَّى جِنَازَةً حَتَّى يُشَدَّ الْمَيِّتُ عَلَيْهِ مُكَفَّنًا، وَيَشْتَمِلُ هَذَا الْكِتَابُ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ وَمَقَاصِدَ، وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ (لِيُكْثِرَ) نَدْبًا كُلَّ مُكَلَّفٍ صَحِيحًا كَانَ، أَوْ مَرِيضًا (ذِكْرَ الْمَوْتِ) بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ نُصُبَ عَيْنَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أُزْجَرُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَأَدْعَى لِلطَّاعَةِ وَصَحَّ «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» يَعْنِي الْمَوْتَ زَادَ النَّسَائِيّ «فَإِنَّهُ مَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ أَيْ مِنْ الدُّنْيَا وَالْأَمَلِ فِيهَا إلَّا قَلَّلَهُ، وَلَا قَلِيلٍ: أَيْ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا كَثَّرَهُ» ، وَهَاذِمُ بِالْمُعْجَمَةِ مَعْنَاهُ قَاطِعُ.
وَأَمَّا بِالْمُهْمَلَةِ فَهُوَ الْمُزِيلُ لِلشَّيْءِ مِنْ أَصْلِهِ، وَفِي الْمَجْمُوعِ: يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ حَدِيثِ «اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ وَتَمَامِهِ، قَالُوا: إنَّا نَسْتَحْيِي مِنْ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ مَنْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظْ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَلْيَحْفَظْ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» وَالْمَوْتُ: مُفَارَقَةُ الرُّوحِ الْجَسَدَ، وَالرُّوحُ جِسْمٌ لَطِيفٌ مُشْتَبِكٌ بِالْبَدَنِ اشْتِبَاكَ الْمَاءِ بِالْعُودِ الْأَخْضَرِ وَهُوَ بَاقٍ لَا يَفْنَى، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: 42] فَفِيهِ تَقْدِيرٌ وَهُوَ عِنْدَ مَوْتِ أَجْسَادِهَا (وَيَسْتَعِدُّ) لَهُ (بِالتَّوْبَةِ) وَهِيَ كَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَرْكُ الذَّنْبِ وَالنَّدَمِ
[حاشية الشبراملسي]
لِمَيِّتٍ فِي النَّعْشِ وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ أَوْ لِنَعْشٍ عَلَيْهِ مَيِّتٌ وَهُوَ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، هَذَا، وَيَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّعْشِ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ وَإِنَّمَا عَبَّرُوا بِذَلِكَ لِغَلَبَتِهِ (قَوْلُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ إلَخْ) هُوَ قَوْلُهُ مِنْ جَنَزَهُ (قَوْلُهُ: لَا يُسَمَّى جِنَازَةً) أَيْ النَّعْشُ (قَوْلُهُ لِيَكْثُرَ كُلُّ مُكَلَّفٍ إلَخْ) قَالَ حَجّ: نَدْبًا مُؤَكَّدًا وَإِلَّا فَأَصْلُ ذِكْرِهِ سُنَّةٌ أَيْضًا، وَلَا يُفْهِمُهُ الْمَتْنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَدْبِ الْأَكْثَرِ نَدْبُ الْأَقَلِّ الْخَالِي عَنْ الْكَثْرَةِ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالْكَثْرَةِ الْإِتْيَانُ بِالْأَقَلِّ وَكَوْنُهُ مِنْ حَيْثُ انْدِرَاجُهُ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ شَيْخِنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ الْمُسْتَلْزِمِ ذَلِكَ لِاسْتِحْبَابِ ذِكْرِهِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الْأَصْلِ أَيْضًا اهـ (قَوْلُهُ: كُلُّ مُكَلَّفٍ) يَسْتَثْنِي طَالِبَ الْعِلْمِ فَلَا يُسَنُّ لَهُ ذِكْرُ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ يَقْطَعُهُ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم عَلَى حَجّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الْوَلِيِّ وَنَحْوِهِ أَمْرَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ بِذَلِكَ اهـ.
وَقَوْلُهُ يَطْلُبُ: أَيْ نَدْبًا (قَوْلُهُ: وَصَحَّ «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَخْرِيجِ الْعَزِيزِ: ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ أَنَّ الرِّوَايَةَ فِي بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَمَعْنَاهُ الْقَاطِعُ.
وَأَمَّا بِالْمُهْمَلَةِ فَمَعْنَاهُ الْمُزِيلُ لِلشَّيْءِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا هُنَا وَفِي هَذَا النَّفْيِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى اهـ. وَقَدْ جَوَّزَ فِي فَتْحِ الْإِلَهِ الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ: فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أَوْ بِالْكِنَايَةِ شَبَّهَ وُجُودَ اللَّذَّاتِ ثُمَّ زَوَالَهَا بِذِكْرِ الْمَوْتِ بِبُنْيَانٍ مُرْتَفِعٍ هَدَمَتْهُ صَعَقَاتٌ هَائِلَةٌ حَتَّى لَمْ تُبْقِ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ مَا يَمْنَعُ قَوْلَ السُّهَيْلِيِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا هُنَا فَإِنْ جَعَلَهُ اسْتِعَارَةً لَا يُؤَدِّي إلَى أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ مُرَادٌ، وَغَايَتُهُ أَنْ يُصَحِّحَ التَّعْبِيرَ بِالْهَاذِمِ عَنْ الْقَاطِعِ مَجَازًا، وَلَيْسَ كَلَامُ السُّهَيْلِيِّ فِي التَّعْبِيرِ بَلْ فِي أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ لِلْهَاذِمِ غَيْرُ مُرَادٍ، وَقَوْلُهُ شَبَّهَ وُجُودَ اللَّذَّاتِ تَقْرِيرٌ لِلِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِتَقْرِيرِ التَّبَعِيَّةِ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يُقَالَ: وَشَبَّهَ إزَالَةَ اللَّذَّاتِ بِذِكْرِ الْمَوْتِ بِهَدْمِ الصَّوَاعِقِ أَوْ نَحْوِهَا لِلْبِنَاءِ الْمُرْتَفِعِ وَاسْتَعَارَ لَهُ اسْمَهُ ثُمَّ اُشْتُقَّ مِنْهُ هَاذِمٌ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ مَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ إلَخْ) مِثْلُهُ فِي حَجّ وَفِي الْمَحَلِّيِّ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ مَا يَذْكُرُ (قَوْلُهُ: فَلْيَحْفَظْ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى) أَيْ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَاللِّسَانِ، وَلْيَحْفَظْ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى يَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْقَلْبَ وَالْفَرْجَ.
وَالْمُرَادُ بِحِفْظِ الْبَطْنِ أَنْ يَصُونَهُ عَنْ وُصُولِ الْحَرَامِ إلَيْهِ مِنْ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ (قَوْلُهُ: وَالْمَوْتُ مُفَارَقَةُ الرُّوحِ الْجَسَدَ) وَهَلْ الرُّوحُ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ خَلْقِ الْجَسَدِ أَوْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي الْعَقَائِدِ، وَالْمُعْتَمَدُ مِنْهُ الْأَوَّلُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: فَفِيهِ تَقْدِيرٌ إلَخْ) هَذَا بِمُجَرَّدِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ فَنَائِهَا، وَأَوْلَى مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ حَيْثُ قَالَ: أَيْ يَقْبِضُهَا عَنْ الْأَبْدَانِ بِأَنْ يَقْطَعَ تَعَلُّقَهَا عَنْهَا وَتَصَرُّفَهَا فِيهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا وَهُوَ فِي النَّوْمِ اهـ. وَوَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ قَوْلِهِ بِأَنْ يَقْطَعَ تَعَلُّقَهَا إلَخْ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ وَإِنَّمَا زَالَ عَنْهَا التَّعَلُّقُ بِالْبَدَنِ (قَوْلُهُ: وَيَسْتَعِدُّ لَهُ بِالتَّوْبَةِ) صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبْصَرَ جَمَاعَةً يَحْفِرُونَ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَلَيْهِ وَتَصْمِيمُهُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهِ، وَخُرُوجٌ عَنْ مَظْلِمَةٍ قَدَرَ عَلَيْهَا بِنَحْوِ تَحَلُّلِهِ مِمَّنْ اغْتَابَهُ، أَوْ سَبَّهُ (وَرَدِّ الْمَظَالِمِ) إلَى أَهْلِهَا بِمَعْنَى الْخُرُوجِ مِنْهَا سَوَاءٌ أَكَانَ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ مُوَسَّعًا، أَوْ مُضَيَّقًا كَأَدَاءِ دَيْنٍ وَقَضَاءِ فَوَائِتَ وَغَيْرِهِمَا، وَمَعْنَى الِاسْتِعْدَادِ لِذَلِكَ الْمُبَادَرَةُ إلَيْهِ لِئَلَّا يَفْجَأَهُ الْمَوْتُ الْمُفَوِّتُ لَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ نَدْبُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي تَمْشِيَتِهِ كَالْقَمُولِيِّ، وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَا عَلَيْهِ مُقْتَضٍ لِلتَّوْبَةِ فَحِينَئِذٍ يُنْدَبُ لَهُ تَجْدِيدُهَا
[حاشية الشبراملسي]
قَبْرًا فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى بِدُمُوعِهِ وَقَالَ: إخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا» أَيْ تَأَهَّبُوا وَاِتَّخَذُوهُ عِدَّةَ شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِشَيْخِنَا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
قَالَ حَجّ فِي الْإِيعَابِ: وَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ عَلَيْهِ ذَنْبًا وَنَسِيَ عَيْنَهُ فَالْوَرَعُ مَا قَالَهُ الْمُحَاسِبِيُّ أَنَّهُ يُعَيِّنُ كُلَّ ذَنْبٍ وَيَنْدَمُ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالتَّوْبَةِ لِتَعَذُّرِهَا، لَكِنَّهُ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى بِذَلِكَ الذَّنْبِ وَكَذَا لَوْ نَسِيَ دَائِنُهُ، وَتَسَامَحَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ يَقُولُ: إنْ كَانَ لِي ذَنْبٌ لَمْ أَعْلَمْهُ فَإِنِّي تَائِبٌ إلَى اللَّهِ مِنْهُ اهـ.
أَقُولُ: وَقَوْلُهُ لَكِنَّهُ يَلْقَى اللَّهَ.
. إلَخْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي ذَنْبٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى رَدِّ الْمَظَالِمِ.
أَمَّا غَيْرُهُ فَيَكْفِي فِيهِ عُمُومُ التَّوْبَةِ إذْ التَّعْيِينُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى مِثْلِهِ (قَوْلُهُ: وَرَدِّ الْمَظَالِمِ إلَى أَهْلِهَا) الْمُرَادُ بِرَدِّ الْمَظَالِمِ الْخُرُوجُ مِنْهَا لِيَشْمَلَ نَحْوَ الِاسْتِحْلَالِ مِنْ الْغِيبَةِ وَقَضَاءِ الصَّلَاةِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَرُدُّهُ عَلَى الْمَظْلُومِ.
وَمَحَلُّ تَوَقُّفِ التَّوْبَةِ عَلَى رَدِّ الْمَظَالِمِ حَيْثُ قَدِرَ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ وَخُرُوجٍ عَنْ مَظْلِمَةٍ قَدِرَ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَالشَّرْطُ الْعَزْمُ عَلَى الرَّدِّ إنْ قَدِرَ.
وَمَحَلُّهُ أَيْضًا حَيْثُ عُرِفَ الْمَظْلُومُ وَإِلَّا فَيَتَصَدَّقُ بِمَا ظَلَمَ بِهِ عَنْ الْمَظْلُومِ كَذَا قِيلَ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَالٌ ضَائِعٌ يَرُدُّهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَلَعَلَّ مَنْ قَالَ يَتَصَدَّقُ بِهِ مُرَادُهُ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ لَا يَصْرِفُ مَا يَأْخُذُهُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ لِلظَّالِمِ اسْتِحْقَاقُ بَيْتِ الْمَالِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْمُسْتَحِقِّينَ أَوْ لَا، لِاتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ.
هَذَا وَمَحَلُّ التَّوَقُّفِ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ أَيْضًا حَيْثُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ، فَمَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَلَمْ يُبَلِّغْ الْإِمَامَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَطْلُبَ مِنْ زَوْجِهَا وَأَهْلِهَا الِاسْتِحْلَالَ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ عِرْضِهِمْ، فَيَكْفِي النَّدَمُ وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ، ثُمَّ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ قَضَاءَ الصَّلَاةِ فِيهِ خُرُوجٌ عَنْ مَظْلِمَةِ مُخَالِفٍ لِقَوْلِ الشَّارِحِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ كُلِّ تَوْبَةٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الصَّلَاةَ كَأَنَّهُ خَرَجَ مِمَّا ظَلَمَ بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَقَضَاءِ فَوَائِتَ) قَالَ حَجّ فِي حَاشِيَةِ الْإِيضَاحِ: وَمِنْهَا قَضَاءُ نَحْوِ صَلَاةٍ وَإِنْ كَثُرَتْ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ صَرْفُ سَائِرِ زَمَنِهِ لِذَلِكَ مَا عَدَا الْوَقْتَ الَّذِي يَحْتَاجُهُ لِصَرْفِ مَا عَلَيْهِ مِنْ مُؤْنَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي نِسْيَانِ الْقُرْآنِ أَوْ بَعْضِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ اهـ. أَقُولُ: وَهُوَ وَاضِحٌ إنْ قَدِرَ عَلَى قَضَائِهَا فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ.
أَمَّا لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَكَانَ يَسْتَغْرِقُ قَضَاؤُهَا زَمَنًا كَثِيرًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْفِي فِي صِحَّةِ تَوْبَتِهِ عَزْمُهُ عَلَى قَضَائِهَا مَعَ الشُّرُوعِ فِيهِ حَتَّى لَوْ مَاتَ زَمَنَ الْقَضَاءِ لَمْ يَمُتْ عَاصِيًا، وَكَذَا لَوْ زَوَّجَ مُوَلِّيَتَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَتَزْوِيجُهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا فِي مَقْدُورِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ وَخُرُوجٍ عَنْ مَظْلِمَةٍ قَدِرَ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: فَحِينَئِذٍ يُنْدَبُ لَهُ تَجْدِيدُهَا) أَيْ بِأَنْ يُجَدِّدَ النَّدَمَ وَالْعَزْمَ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ، وَلَيْسَ ثَمَّ مَظْلِمَةٌ يَرُدُّهَا فَلَا يَتَأَتَّى فِيهَا التَّجْدِيدُ، وَهَذَا فِيمَنْ سَبَقَ لَهُ تَوْبَةٌ مِنْ ذَنْبٍ.
أَمَّا مَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذَنْبٌ أَصْلًا فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالتَّوْبَةِ فِي حَقِّهِ الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ فِعْلِ الذَّنْبِ، وَعِبَارَةُ الْإِيعَابِ أَوْ يُنْزِلُ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ الْعَاصِي بِأَنْ يَرَى كُلَّ طَاعَةٍ تَقَدَّمَتْ مِنْهُ دُونَ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَخُرُوجٌ عَنْ مَظْلِمَةٍ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ قَرِيبًا (قَوْلُهُ: مُوَسَّعًا) اُنْظُرْ مَا صُورَةُ وُجُوبِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ مُوَسَّعًا (قَوْلُهُ: كَأَدَاءِ دَيْنٍ) الْكَافُ فِيهِ تَنْظِيرِيَّةٌ لَا تَمْثِيلِيَّةٌ كَمَا لَا يَخْفَى، وَيَجُوزُ جَعْلُهَا تَمْثِيلِيَّةً بِقَصْرِ الدَّيْنِ عَلَى
اعْتِنَاءً بِشَأْنِهَا.
أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ مُقْتَضِيًا لَهَا فَهِيَ وَاجِبَةٌ فَوْرًا بِالْإِجْمَاعِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ جَمْعٍ وُجُوبًا، وَعَلَى مُقَابِلِهِ يُحْمَلُ قَوْلُ آخَرِينَ نَدْبًا، وَصَرَّحَ بِرَدِّ الْمَظَالِمِ مَعَ دُخُولِهِ فِي التَّوْبَةِ لِمَا مَرَّ فِي الِاسْتِسْقَاءِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ كُلِّ تَوْبَةٍ بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ (وَالْمَرِيضُ آكَدُ) أَيْ أَشَدُّ طَلَبًا لِأَنَّهُ إلَى الْمَوْتِ أَقْرَبُ، وَيُسَنُّ لَهُ الصَّبْرُ عَلَى الْمَرَضِ: أَيْ تَرْكُ التَّضَجُّرِ مِنْهُ، وَيُكْرَهُ كَثْرَةُ الشَّكْوَى، نَعَمْ إنْ سَأَلَهُ نَحْوُ طَبِيبٍ أَوْ قَرِيبٍ أَوْ صِدِّيقٍ عَنْ حَالِهِ فَأَخْبَرَهُ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الشِّدَّةِ لَا عَلَى صُورَةِ الْجَزَعِ فَلَا بَأْسَ، وَلَا يُكْرَهُ الْأَنِينُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، لَكِنَّ اشْتِغَالَهُ بِنَحْوِ التَّسْبِيحِ أَوْلَى مِنْهُ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَيُسَنُّ أَنْ يَتَعَهَّدَ نَفْسَهُ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ وَأَحْوَالِهِمْ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَنْ يُوصِيَ أَهْلَهُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ وَتَرْكِ النَّوْحِ وَنَحْوِهِ مِمَّا اُعْتِيدَ فِي الْجَنَائِزِ وَغَيْرِهَا، وَأَنْ يُحَسِّنَ خُلُقَهُ وَأَنْ يَجْتَنِبَ الْمُنَازَعَةَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَنْ يَسْتَرْضِيَ مَنْ لَهُ بِهِ عُلْقَةٌ كَخَدَمٍ وَزَوْجَةٍ وَوَلَدٍ وَجَارٍ وَمُعَامِلٍ وَصَدِيقٍ، وَأَنْ يُعَادَ مَرِيضٌ وَلَوْ بِنَحْوِ رَمَدٍ وَفِي أَوَّلِ يَوْمِ مَرَضِهِ، وَخَبَرُ: «إنَّمَا يُعَادُ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ» مَوْضُوعٌ، وَإِنْ أَخَذَ بِهِ الْغَزَالِيُّ مُسَلَّمٌ وَلَوْ عَدُوًّا وَمَنْ لَا يَعْرِفُهُ.
وَكَذَا ذِمِّيٌّ قَرِيبٌ، أَوْ جَارٌ وَنَحْوُهُمَا وَمَنْ رُجِيَ إسْلَامُهُ، فَإِنْ انْتَفَى ذَلِكَ جَازَتْ عِيَادَتُهُ، وَتُكْرَهُ عِيَادَةٌ تَشُقُّ عَلَى الْمَرِيضِ، وَأَلْحَقَ الْأَذْرَعِيُّ بَحْثًا بِالذِّمِّيِّ الْمُعَاهَدِ وَالْمُسْتَأْمَنِ إذَا كَانَ بِدَارِنَا وَنُظِرَ فِي عِيَادَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ وَأَهْلِ الْفُجُورِ وَالْمَكْسِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرَابَةٌ وَلَا جِوَارٌ وَلَا رَجَاءُ تَوْبَةٍ؛ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِمُهَاجَرَتِهِمْ، وَأَنْ تَكُونَ الْعِيَادَةُ غِبًّا فَلَا يُوَاصِلُهَا كُلَّ يَوْمٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ، نَعَمْ نَحْوُ الْقَرِيبِ وَالصَّدِيقِ مِمَّنْ يَسْتَأْنِسُ بِهِ الْمَرِيضُ أَوْ يَتَبَرَّكُ بِهِ، أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهِ عَدَمُ رُؤْيَتِهِ كُلَّ يَوْمٍ تُسَنُّ لَهُمْ الْمُوَاصَلَةُ مَا لَمْ يَفْهَمُوا، أَوْ يَعْلَمُوا كَرَاهَةَ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَأَنْ يُخَفِّفَ الْمُكْثَ عِنْدَهُ بَلْ تُكْرَهُ إطَالَتُهُ مَا لَمْ يُفْهَمْ عَنْهُ الرَّغْبَةُ فِيهَا، وَأَنْ يَدْعُوَ لَهُ بِالشِّفَاءِ إنْ طَمِعَ فِي حَيَاتِهِ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ وَأَنْ يَكُونَ دُعَاؤُهُ: «أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَك بِشِفَائِهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ» ، وَأَنْ يُطَيِّبَ نَفْسَهُ بِمَرَضِهِ، فَإِنْ خَافَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ رَغَّبَهُ فِي التَّوْبَةِ وَالْوَصِيَّةِ
[حاشية الشبراملسي]
- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً» اهـ. هَذَا وَيَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ بِنَدْبِ رَدِّ الْمَظَالِمِ أَنَّ مَا تَرَدَّدَ فِي أَنَّهُ هَلْ لَزِمَ ذِمَّتَهُ أَوَّلًا أَنْ يَرُدَّهُ احْتِيَاطًا.
(قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) اهْتِمَامًا بِذِكْرِهَا لِعِظَمِ أَمْرِهَا (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ) هِيَ قَوْلُهُ تَرْكُ الذَّنْبِ وَالنَّدَمِ عَلَيْهِ وَتَصْمِيمُهُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَلَا بَأْسَ) أَيْ فَلَا كَرَاهَةَ بَلْ هُوَ مُبَاحٌ (قَوْلُهُ: مُسَلَّمٌ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ فَاسِقًا وَذَا بِدْعَةٍ، وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ مِمَّا يُفِيدُ الْكَرَاهَةَ حَيْثُ لَا قَرَابَةَ وَلَا جِوَارَ وَلَا رَجَاءَ تَوْبَةٍ، وَهَذَا شَرْطٌ فِي سَنِّ الْإِعَادَةِ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الْمُعَادِ وَأُطْلِقَ فِي الْمُعِيدِ، فَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مِنْهُ وَلَوْ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ (قَوْلُهُ: جَازَتْ عِيَادَتُهُ) الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْجَوَازِ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ وَأَنَّهَا غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ (قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ عِيَادَةٌ تَشُقُّ عَلَى الْمَرِيضِ) أَيْ مَشَقَّةٌ غَيْرُ شَدِيدَةٍ وَإِلَّا حَرُمَتْ (قَوْلُهُ: إذَا كَانَ بِدَارِنَا) وَيَنْبَغِي مِثْلُهُ فِي الذِّمِّيِّ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِمُهَاجَرَتِهِمْ) الْأَوْلَى بِهَجْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمُهَاجَرَةَ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ الِانْتِقَالُ مِنْ أَرْضٍ إلَى غَيْرِهَا اهـ. وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ عَدَمُ سَنِّ عِيَادَتِهِمْ بَلْ كَرَاهَتُهَا سِيَّمَا إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ زَجْرٌ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ ثَمَّ مَا يَقْتَضِي الذَّهَابَ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ كَشِرَاءِ أَدْوِيَةٍ وَنَحْوِهَا (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَدْعُوَ لَهُ بِالشِّفَاءِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا وَلَوْ كَانَ مَرَضُهُ رَمَدًا، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حَيَاتِهِ ضَرَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا فَلَا يَطْلُبُ الدُّعَاءَ لَهُ بَلْ لَوْ قِيلَ بِطَلَبِ الدُّعَاءِ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لَمْ يَبْعُدْ (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ دُعَاؤُهُ إلَخْ) هَذَا مَفْرُوضٌ فِيمَا لَوْ عَادَهُ وَمِثْلُهُ مَا لَوْ حَضَرَ الْمَرِيضُ إلَيْهِ أَوْ أُحْضِرَ بَلْ يَنْبَغِي طَلَبُ الدُّعَاءِ لَهُ بِذَلِكَ مُطْلَقًا إذَا عَلِمَ بِمَرَضِهِ (قَوْلُهُ: وَالْوَصِيَّةُ) أَفْهَمَ أَنَّهُ لَوْ
[حاشية الرشيدي]
الْمُتَعَدِّي بِهِ وَالْفَوَائِتُ عَلَى مَا فَاتَ بِتَقْصِيرٍ (قَوْلُهُ: وَعَلَى مُقَابِلِهِ يُحْمَلُ قَوْلُ آخَرِينَ إلَخْ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ إذْ هُوَ مُكَرَّرٌ
وَأَنْ يَطْلُبَ الدُّعَاءَ مِنْهُ وَأَنْ يَعِظَهُ وَيُذَكِّرَهُ بَعْدَ عَافِيَتِهِ بِمَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ، وَأَنْ يُوصِيَ أَهْلَهُ وَخَادِمَهُ بِالرِّفْقِ بِهِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ وَمِثْلُهُ مَنْ قَرُبَ مَوْتُهُ فِي حَدٍّ وَنَحْوِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي آدَابِ الْمُحْتَضَرِ فَقَالَ (وَيَضْطَجِعُ الْمُحْتَضَرُ) وَهُوَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَلَمْ يَمُتْ (لِجَنْبِهِ الْأَيْمَنِ) نَدْبًا كَالْمَوْضُوعِ فِي اللَّحْدِ (إلَى الْقِبْلَةِ) نَدْبًا أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ (عَلَى الصَّحِيحِ) رَاجِعٌ لِلِاضْطِجَاعِ وَسَيَأْتِي مُقَابِلُهُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) وَضْعُهُ عَلَى يَمِينِهِ: أَيْ تَعَسَّرَ ذَلِكَ (لِضِيقِ مَكَان وَنَحْوِهِ) كَعِلَّةٍ فَلِجَنْبِهِ الْأَيْسَرِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّوَجُّهِ مِنْ اسْتِلْقَائِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ (أُلْقِيَ عَلَى قَفَاهُ وَوَجْهِهِ وَأَخْمَصَاهُ) وَهُمْ أَسْفَلُ الرِّجْلَيْنِ وَحَقِيقَتُهُمَا كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي دَقَائِقِهِ الْمُنْخَفِضُ مِنْ أَسْفَلِهِمَا (لِلْقِبْلَةِ) بِأَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ قَلِيلًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُمْكِنُ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّ الِاسْتِلْقَاءَ أَفْضَلُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ أُضْجِعَ عَلَى الْأَيْمَنِ (وَيُلَقَّنُ) نَدْبًا (الشَّهَادَةَ) وَهِيَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ بِأَنْ يَذْكُرَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَتَذَكَّرَ، أَوْ يَقُولَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى مُبَارَكٌ فَنَذْكُرُ اللَّهَ جَمِيعًا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا يَأْمُرُهُ بِهَا.
وَيَنْبَغِي لِمَنْ عِنْدَهُ ذِكْرُهَا أَيْضًا وَذَلِكَ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» أَيْ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ مَجَازًا، وَظَاهِرُ الْخَبَرِ يَقْتَضِي وُجُوبَ التَّلْقِينِ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْقُرْطُبِيُّ، وَالْأَصَحُّ مَا مَرَّ وَأَنَّهُ لَا يُسَنُّ زِيَادَةُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ، وَقَوْلُ الطَّبَرِيِّ كَجَمْعٍ إنَّ زِيَادَتَهَا أَوْلَى لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَوْتُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ هَذَا مُسْلِمٌ، وَمِنْ ثَمَّ بَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَافِرًا لُقِّنَ الشَّهَادَتَيْنِ وَأُمِرَ بِهِمَا لِخَبَرِ الْغُلَامِ الْيَهُودِيِّ وَيَكُونُ ذَلِكَ وُجُوبًا كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ رُجِيَ إسْلَامُهُ وَإِلَّا فَنَدْبًا، وَيُسْتَحَبُّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنْ يَكُونَ الْمُلَقِّنُ مِمَّنْ
[حاشية الشبراملسي]
لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ لَا يَطْلُبُ تَرْغِيبَهُ فِي ذَلِكَ وَلَوْ قِيلَ بِطَلَبِ تَرْغِيبِهِ مُطْلَقًا لَمْ يَبْعُدْ سِيَّمَا إنْ ظَنَّ أَنَّ ثَمَّ مَا تُطْلَبُ التَّوْبَةُ مِنْهُ أَوْ يُوصَى فِيهِ (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَطْلُبَ الدُّعَاءَ مِنْهُ) أَيْ وَلَوْ فَاسِقًا (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَعِظَهُ) وَمِنْهُ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى فِعْلِ قُرُبَاتٍ بَعْدَ شِفَائِهِ فَإِنْ شُفِيَ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِمَا عَاهَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَأَنْ يُوصِيَ أَهْلَهُ) أَيْ الْعَائِدُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُرَاعًى عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ مَنْ قَرُبَ مَوْتُهُ) أَيْ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا يَأْتِي مَجِيئُهُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: لِجَنْبِهِ) يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى؛ لِأَنَّ أَضْجَعَ إنَّمَا يَتَعَدَّى بِعَلَى لَا بِاللَّامِ، وَقَدْ عَبَّرَ بِهَا الشَّارِحُ فِي قَوْلِهِ الْآتِي: فَإِنْ تَعَذَّرَ أَضْجَعَ عَلَى الْأَيْمَنِ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ) نَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَسْقَطَ مَرْتَبَةً مِنْ الْمَرَاتِبِ الْمَطْلُوبَةِ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ عِلَّةً لِكُلٍّ مِنْ قَوْلِهِ لِجَنْبِهِ الْأَيْمَنِ إلَخْ وَقَوْلُهُ فَلِجَنْبِهِ الْأَيْسَرِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَأَخْمَصَاهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَشْهُرُ مِنْ كَسْرِهَا وَضَمِّهَا اهـ شَرْحُ بَهْجَةٍ وحج.
وَقَالَ فِي الْإِيعَابِ: هُوَ بِتَثْلِيثِ الْهَمْزَةِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ) قَالَ حَجّ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا (قَوْلُهُ: وَيُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ) أَيْ وَلَوْ كَانَ نَبِيًّا فِيمَا يَظْهَرُ، وَعِبَارَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ: وَانْظُرْ لَوْ كَانَ نَبِيًّا، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا مَحْذُورٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى اهـ. وَالْمَعْنَى هُوَ قَوْلُهُ مَعَ السَّابِقِينَ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَتَأَخَّرُ دُخُولُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ الْجَنَّةَ (قَوْلُهُ: وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) قَدْ يَقْتَضِي هَذَا التَّمْثِيلُ أَنَّ إتْيَانَ الْمَرِيضِ بِهَذَا الْمِثَالِ لَا يَمْنَعُ أَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ كَلِمَةُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَعَ تَأَخُّرِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ عَنْهَا اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
وَقَدْ يُمْنَعُ أَنَّهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ ذَلِكَ تَذَكَّرَ الْمَرِيضُ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ فَنَطَقَ بِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ إنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّ الْمَرِيضَ إذَا نَطَقَ بِهِ لَا يُعَادُ عَلَيْهِ التَّلْقِينُ؛ لِأَنَّ هَذَا الذِّكْرَ لَمَّا كَانَ مِنْ تَوَابِعِ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ عُدَّ كَأَنَّهُ مِنْهَا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَأْمُرُهُ بِهَا) أَيْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ مَا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ نَدْبًا (قَوْلُهُ وَأَنْ لَا تُسَنَّ زِيَادَةُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ فَلَوْ زَادَهَا وَذَكَرَهَا الْمُحْتَضَرُ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِ التَّوْحِيدِ آخَرَ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الشَّهَادَةِ (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ الْغُلَامِ الْيَهُودِيِّ) أَيْ الَّذِي عَادَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ وَلَقَّنَهُ الشَّهَادَتَيْنِ فَأَسْلَمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْغُلَامُ لَيْسَ خَاصًّا بِالصَّغِيرِ (قَوْلُهُ: وَيَكُونُ ذَلِكَ وُجُوبًا) أَيْ إنْ رُجِيَ مِنْهُ الْإِسْلَامُ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِهِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ بَلَغَ الْغَرْغَرَةَ وَلَا بُعْدَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَيَذْكُرُهُ بَعْدَ عَافِيَتِهِ) أَيْ مُطْلَقُ الْمَرِيضِ
لَا يَتَّهِمُهُ الْمَيِّتُ كَوَارِثٍ وَعَدُوٍّ وَحَاسِدٍ: أَيْ إنْ كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُ وَإِلَّا لَقَّنَهُ وَإِنْ اتَّهَمَهُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَلْقِينِهِ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى لِأَنَّهُ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - غَيْرُ صَحِيحٍ بِأَنَّ ذَاكَ لِسَبَبٍ لَمْ يُوجَدْ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ خَيَّرَهُ فَاخْتَارَهُ وَ (بِلَا إلْحَاحٍ) عَلَيْهِ لِئَلَّا يَضْجَرَ فَإِنْ قَالَهَا لَمْ تُعَدْ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَكَلَّمَ وَلَوْ بِغَيْرِ كَلَامِ الدُّنْيَا خِلَافًا لِلصَّيْمَرِيِّ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لِتَكُونَ هِيَ آخِرَ كَلَامِهِ، فَقَدْ صَحَّ «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» وَفِي الْمَجْمُوعِ: أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى مَرَّةٍ، وَقِيلَ يُكَرِّرُهَا ثَلَاثًا، فَإِنْ ذَكَرَهَا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بَعْدَهَا فَذَاكَ وَإِلَّا سَكَتَ يَسِيرًا، ثُمَّ يُعِيدُهَا فِيمَا يَظْهَرُ، وَالتَّلْقِينُ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ وَإِنْ ظَنَّ بَقَاءَ حَيَاتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ، وَقَالَ ابْنُ الْفِرْكَاحِ: إنْ أَمْكَنَ جَمْعُهُمَا فُعِلَا مَعًا وَإِلَّا قَدَّمَ التَّلْقِينَ؛ لِأَنَّ النَّقْلَ فِيهِ أَثْبَتُ، وَكَلَامُهُمْ يَشْمَلُ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ فَيُسَنُّ تَلْقِينُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ يَقْرُبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُمَيِّزِ، وَعَلَيْهِ فَرَّقَ الزَّرْكَشِيُّ بَيْنَ هَذَا وَعَدَمِ نَدْبِ تَلْقِينِهِ بَعْدَ الدَّفْنِ مُطْلَقًا بِأَنَّ هَذَا لِلْمَصْلَحَةِ وَثَمَّ لِئَلَّا يُفْتَتَنُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ وَهَذَا لَا يُفْتَتَنُ.
(وَيُقْرَأُ عِنْدَهُ) سُورَةُ (يس) نَدْبًا لِخَبَرِ «أَقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» أَيْ مَنْ حَضَرَهُ مُقَدِّمَاتُ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ، خِلَافًا لِمَا أَخَذَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ كَبَعْضِهِمْ مِنْ الْعَمَلِ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَلَك أَنْ تَقُولَ: لَا مَانِعَ مِنْ إعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، فَحَيْثُ قِيلَ
[حاشية الشبراملسي]
يَكُونَ عَقْلُهُ حَاضِرًا وَإِنْ ظَهَرَ لَنَا خِلَافُهُ وَإِنْ كُنَّا لَا نُرَتِّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ حِينَئِذٍ (قَوْلُهُ: كَوَارِثٍ وَعَدُوٍّ إلَخْ) لَوْ كَانَ فَقِيرًا لَا شَيْءَ لَهُ فَالْوَجْهُ أَنَّ الْوَارِثَ كَغَيْرِهِ.
قَالَ حَجّ: فَإِنْ حَضَرَ عَدُوٌّ وَوَارِثٌ فَالْوَارِثُ؛ لِأَنَّهُ أَشْفَقُ لِقَوْلِهِمْ لَوْ حَضَرَ وَرَثَةٌ قُدِّمَ أَشْفَقُهُمْ اهـ. وَبَقِيَ مَا لَوْ حَضَرَ الْعَدُوُّ وَالْحَاسِدُ وَيَنْبَغِي خَاصَّةً تَقْدِيمُ الْحَاسِدِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ أَخَفُّ مِنْ ضَرَرِ الْعَدُوِّ اهـ (قَوْلُهُ: الرَّفِيقُ الْأَعْلَى) أَيْ أُرِيدَ إلَخْ.
قَالَ حَجّ فِي فَتَاوِيهِ الْحَدِيثِيَّةِ: قِيلَ هُوَ أَعْلَى الْمَنَازِلِ كَالْوَسِيلَةِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى الْجَنَّةِ فَمَعْنَاهُ: أَسْأَلُك يَا اللَّهُ أَنْ تُسْكِنَنِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أُرِيدُ لِقَاءَك يَا اللَّهُ يَا رَفِيقُ يَا أَعْلَى.
وَالرَّفِيقُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ» فَكَأَنَّهُ طَلَبَ لِقَاءَ اللَّهِ.
(قَوْلُهُ: غَيْرُ صَحِيحٍ) أَيْ فَلَوْ أَتَى بِهِ لَمْ تَحْصُلْ سُنَّةُ التَّلْقِينِ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ (قَوْلُهُ لَمْ يُوجَدْ فِي غَيْرِهِ) أَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: بِلَا إلْحَاحٍ) قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ فِي الطَّبَقَاتِ: فَإِنْ قُلْت: إذَا كُنْتُمْ مَعَاشِرَ أَهْلِ السُّنَّةِ تَقُولُونَ إنَّ مَنْ مَاتَ مُؤْمِنًا دَخَلَ الْجَنَّةَ لَا مَحَالَةَ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ مَنْ لَمْ يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ النَّارَ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَهَذَا الَّذِي تُلَقِّنُونَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ إذَا كَانَ مُؤْمِنًا مَاذَا يَنْفَعُهُ كَوْنُهَا آخِرَ كَلَامِهِ؟ قُلْت: لَعَلَّ كَوْنَهَا آخِرَ كَلَامِهِ قَرِينَةُ أَنَّهُ مِمَّنْ يَعْفُو اللَّهُ عَنْ جَرَائِمِهِ فَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَصْلًا كَمَا جَاءَ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ، وَإِذَا كُنَّا لَا نَمْنَعُ أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُؤَاخِذُهُ بِذُنُوبِهِ فَضْلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا، فَلَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَنْصِبَ اللَّهُ تَعَالَى النُّطْقَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ آخِرَ حَيَاةِ الْمُسْلِمِ أَمَارَةً دَالَّةً عَلَى أَنَّهُ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِغَيْرِ كَلَامِ الدُّنْيَا) أَيْ وَلَوْ بِكَلَامٍ نَفْسِيٍّ بِأَنْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ أَوْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ وَلِيٌّ قَالَهُ فِي الْخَادِمِ (قَوْلُهُ: دَخَلَ الْجَنَّةَ) أَيْ مَعَ الْفَائِزِينَ، وَإِلَّا فَكُلُّ مُسْلِمٍ وَلَوْ مُذْنِبًا مَآلُهُ لَهَا وَلَوْ عُذِّبَ وَطَالَ عَذَابُهُ اهـ سم اهـ عَلَى بَهْجَةٍ، وَمِثْلُهُ فِي حَجّ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يَقْرُبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُمَيِّزِ) أَيْ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فَيَخْرُجُ الْمَجْنُونُ، وَفِي سم عَلَى بَهْجَةٍ قَوْلُهُ وَهُوَ قَرِيبٌ فِي الْمُمَيِّزِ لَا يَبْعُدُ أَنَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَيُقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةُ يس) أَيْ بِتَمَامِهَا رَوَى الْحَارِثُ بْنُ أُسَامَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَنْ قَرَأَهَا وَهُوَ خَائِفٌ أَمِنَ، أَوْ جَائِعٌ شَبِعَ، أَوْ عَطْشَانٌ سُقِيَ، أَوْ عَارٍ كُسِيَ، أَوْ مَرِيضٌ شُفِيَ» اهـ دَمِيرِيٌّ (قَوْلُهُ: مِنْ الْعَمَلِ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ) قَالَ حَجّ وَهُوَ أَوْجَهُ إذْ لَا صَارِفَ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَكَوْنُ الْمَيِّتِ لَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ لِبَقَاءِ
[حاشية الرشيدي]
[آدَابِ الْمُحْتَضَرِ]
قَوْلُهُ: فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلَفْظِ الْمَيِّتِ، فَإِذَا اسْتَعْمَلْنَاهُ فِي حَقِيقَتِهِ تَكُونُ عَلَى بِمَعْنَى عِنْدَ عَلَى أَنَّ الشِّهَابَ حَجّ أَبْقَاهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا حِينَئِذٍ لِبَقَاءِ إدْرَاكِ الْمَيِّتِ كَمَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ (قَوْلُهُ: فَحَيْثُ قِيلَ) أَيْ كَمَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ
يُطْلَبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَيِّتِ كَانَتْ يس أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا أَخْذًا بِظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ، وَكَانَ مَعْنَى لَا يُقْرَأُ عَلَى الْمَيِّتِ: أَيْ قَبْلَ دَفْنِهِ، إذْ الْمَطْلُوبُ الْآنَ الِاشْتِغَالُ بِتَجْهِيزِهِ، أَمَّا بَعْدَ دَفْنِهِ فَيَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ تَنْفَعُهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَلَا مَانِعَ مِنْ نَدْبِهَا حِينَئِذٍ كَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا، وَحِكْمَةُ قِرَاءَتِهَا تَذْكِيرُهُ بِمَا فِيهَا مِنْ أَحْوَالِ الْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ، قِيلَ وَيُقْرَأُ عِنْدَهُ الرَّعْدُ لِقَوْلِ جَابِرٍ: إنَّهَا تُهَوِّنُ طُلُوعَ الرُّوحِ، وَنَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ الْجِيلِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَجْرِيعُهُ مَاءً، فَإِنَّ الْعَطَشَ يَغْلِبُ مِنْ شِدَّةِ النَّزْعِ فَيُخَافُ مِنْهُ إزْلَالُ الشَّيْطَانِ، إذْ وَرَدَ أَنَّهُ يَأْتِي بِمَاءٍ زُلَالٍ وَيَقُولُ قُلْ لَا إلَهَ غَيْرِي حَتَّى أَسْقِيَك، وَأَقَرَّهُ الْأَذْرَعِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ غَرِيبٌ حُكْمًا وَتَعْلِيلًا اهـ. ، وَمَحَلُّهُ عِنْدَ عَدَمِ ظُهُورِ أَمَارَةِ احْتِيَاجِ الْمُحْتَضَرِ إلَيْهِ، أَمَّا عِنْدَ ظُهُورِهَا فَهُوَ وَاجِبٌ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ.
(وَلْيُحْسِنْ) الْمَرِيضُ نَدْبًا (ظَنَّهُ بِرَبِّهِ) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى» أَيْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَرْحَمُهُ وَيَعْفُو عَنْهُ وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِتَدَبُّرِ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ بِسَعَةِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالْأَحَادِيثِ، وَيُنْدَبُ لِلْحَاضِرِينَ أَنْ يُحَسِّنُوهُ وَيُطَمِّعُوهُ فِي رَحْمَتِهِ تَعَالَى، وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ وُجُوبَهُ إذَا رَأَوْا مِنْهُ أَمَارَاتِ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ، إذْ قَدْ يُفَارِقُ عَلَى ذَلِكَ فَيَهْلِكُ فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ قَاعِدَةِ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ وَهَذَا الْحَالُ مِنْ أَهَمِّهَا وَمَا ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ، وَالْأَظْهَرُ كَمَا فِي
[حاشية الشبراملسي]
إدْرَاكِ رُوحِهِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِسَمَاعِ الْقُرْآنِ وَحُصُولِ بَرَكَتِهِ لَهُ كَالْحَيِّ، إذَا صَحَّ السَّلَامُ عَلَيْهِ فَالْقِرَاءَةُ أَوْلَى.
نَعَمْ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي خَبَرٍ غَرِيبٍ «مَا مِنْ مَرِيضٍ يُقْرَأُ عِنْدَهُ يس إلَّا مَاتَ رَيَّانَا وَأُدْخِلَ قَبْرَهُ رَيَّانَا» اهـ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ أَيْضًا: أَيْ فَتَكْرِيرُهَا أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ غَيْرِهَا الْمُسَاوِي لِمَا كَرَّرَهُ، وَمِثْلُهُ تَكْرِيرُ مَا حَفِظَهُ مِنْهَا وَلَوْ لَمْ يُحْسِنْهَا بِتَمَامِهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهَا بِخُصُوصِهِ مَطْلُوبٌ فِي ضِمْنِ طَلَبِ كُلِّهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَقْرَأُ مَا يَحْفَظُهُ مِنْ غَيْرِهَا مِمَّا هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى مِثْلِ مَا فِيهَا وَلَعَلَّهُ الْأَقْرَبُ (قَوْلُهُ: إذْ الْمَطْلُوبُ الْآنَ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَا عَلَقَةَ لَهُ بِالِاشْتِغَالِ بِتَجْهِيزِهِ تُطْلَبُ الْقِرَاءَةُ مِنْهُ وَإِنْ بَعُدَ عَنْ الْمَيِّتِ.
[فَائِدَةٌ] قَالَ حَجّ: وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُنْدَبُ لِلزَّائِرِ وَالْمُشَيِّعِ قِرَاءَةُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ اهـ. وَيَنْبَغِي حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى قِرَاءَتِهِ سِرًّا لِيُوَافِقَ مَا يَأْتِي الشَّارِحُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَنْثُورَةِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيُكْرَهُ اللَّفْظُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُسَنُّ الِاشْتِغَالُ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ سِرًّا اهـ (قَوْلُهُ: تَذْكِيرُهُ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قِرَاءَتُهَا عِنْدَهُ جَهْرًا (قَوْلُهُ: وَيُقْرَأُ عِنْدَهُ الرَّعْدُ) أَيْ بِتَمَامِهَا إنْ اتَّفَقَ لَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَمَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْهَا (قَوْلُهُ لِقَوْلِ جَابِرٍ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قِرَاءَتُهَا سِرًّا وَلَوْ أَمَرَهُ الْمُحْتَضَرُ بِالْقِرَاءَةِ جَهْرًا؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ إيلَامٍ لَهُ، وَبَقِيَ مَا لَوْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهُمَا فَهَلْ يُقَدِّمُ يس لِصِحَّةِ حَدِيثِهَا أَمْ الرَّعْدَ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِمُرَاعَاةِ حَالِ الْمُحْتَضَرِ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ شُعُورٌ وَتَذَكُّرٌ بِأَحْوَالِ الْبَعْثِ قَرَأَ سُورَةَ يس وَإِلَّا قَرَأَ سُورَةَ الرَّعْدِ (قَوْلُهُ أَنَّهُ يَأْتِي بِمَاءٍ زُلَالٍ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْمَاءُ الزُّلَالُ الْعَذْبُ اهـ (قَوْلُهُ: حَتَّى أَسْقِيك) أَيْ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ مَاتَ عَلَى غَيْرِ الْإِيمَانِ إنْ كَانَ عَقْلُهُ حَاضِرًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَقْلُهُ حَاضِرًا وَإِنْ كُنَّا لَا نُشَاهِدُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَلْيُحْسِنْ الْمَرِيضُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرَضُهُ مَخُوفًا، وَيُحْسِنُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَكَسْرِ السِّينِ مُخَفَّفَةً وَبِضَمِّهَا أَيْضًا وَفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْقَامُوسِ (قَوْلُهُ: إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ) وَفِي ثِقَاتِ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ سُئِلَ عَنْ مَعْنَاهُ فَقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُهُ وَالْفُجَّارُ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَحْسِنُوا أَعْمَالَكُمْ حَتَّى يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بِرَبِّكُمْ، مَنْ حَسُنَ عَمَلُهُ حَسُنَ ظَنُّهُ بِرَبِّهِ، وَمَنْ سَاءَ عَمَلُهُ سَاءَ ظَنُّهُ اهـ مِنْ تَخْرِيجِ الْعَزِيزِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: كَانَتْ يس أَفْضَلَ) لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْجَمْعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَكَانَ مَعْنَى لَا يَقْرَأُ عَلَى الْمَيِّتِ) أَيْ الَّذِي هُوَ كَلَامُ غَيْرِ ابْنِ الرِّفْعَةِ، لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَأْتِي مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ.
الْمَجْمُوعِ فِي حَقِّ الصَّحِيحِ اسْتِوَاءُ خَوْفِهِ وَرَجَائِهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ مَعًا، وَفِي الْإِحْيَاءِ: إنْ غَلَبَ دَاءُ الْقُنُوطِ فَالرَّجَاءُ أَوْلَى، أَوْ دَاءُ أَمْنِ الْمَكْرِ فَالْخَوْفُ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا اسْتَوَيَا، قِيلَ وَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، أَمَّا الْمَرِيضُ غَيْرُ الْمُحْتَضَرِ فَالْمُعْتَمَدُ فِيهِ أَنَّهُ كَالْمُحْتَضَرِ فَيَكُونُ رَجَاؤُهُ أَغْلَبَ مِنْ خَوْفِهِ كَمَا مَرَّ، وَالظَّنُّ يَنْقَسِمُ فِي الشَّرْعِ إلَى وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ وَحَرَامٍ وَمُبَاحٍ، فَالْوَاجِبُ حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْحَرَامُ سُوءُ الظَّنِّ بِهِ تَعَالَى وَبِكُلِّ مَنْ ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُبَاحُ الظَّنُّ بِمَنْ اُشْتُهِرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِمُخَالَطَةِ الرَّيْبِ وَالْمُجَاهَرَةِ بِالْخَبَائِثِ، فَلَا يَحْرُمُ ظَنُّ السُّوءِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا أَنَّ مَنْ سَتَرَ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يُظَنَّ بِهِ إلَّا خَيْرٌ، وَمَنْ دَخَلَ مَدْخَلَ السُّوءِ اُتُّهِمَ، وَمَنْ هَتَكَ نَفْسَهُ ظَنَنَّا بِهِ السُّوءَ، وَمِنْ الظَّنِّ الْجَائِزِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَظُنُّ الشَّاهِدُ أَنَّ فِي التَّقْوِيمِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَمَا يَحْصُلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْأَحْكَامِ بِالْإِجْمَاعِ وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ قَطْعًا وَالْبَيِّنَاتُ عِنْدَ الْحُكَّامِ.
(فَإِذَا مَاتَ غُمِّضَ) نَدْبًا «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شُقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ: أَيْ ذَهَبَ، أَوْ شَخَصَ نَاظِرًا إلَى الرُّوحِ أَيْنَ تَذْهَبُ، لَا يُقَالُ: كَيْفَ يَنْظُرُ بَعْدَهَا؟ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: يَبْقَى فِيهِ مِنْ آثَارِ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ عَقِبَ مُفَارَقَتِهَا مَا يَقْوَى بِهِ عَلَى نَوْعِ تَطَلُّعٍ كَمَا يَدُلُّ لَهُ مَا يَأْتِي، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْعَيْنَ أَوَّلُ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْهُ الرُّوحُ وَأَوَّلُ شَيْءٍ يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، وَيُسَنُّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنْ يَقُولَ حَالَ إغْمَاضِهِ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَعِنْدَ حَمْلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ يُسَبِّحُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: اسْتِوَاءُ خَوْفِهِ) أَيْ الْأَلْيَقُ بِهِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَالْوَاجِبُ حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ) بِأَنْ لَا يَظُنَّ بِهِ سُوءًا كَنِسْبَتِهِ لِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ (قَوْلُهُ: وَالْمُبَاحُ الظَّنُّ إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ الْمَنْدُوبَ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْإِجْمَالِ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ يَسْتَحْضِرُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ وَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَاجِبٌ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ لَا يُظَنَّ بِهِ سُوءٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَكْرُوهَ أَيْضًا وَلَعَلَّهُ لِعَدَمِ تَأَتِّيه وَقَدْ يُصَوَّرُ بِأَنْ ظَنَّ فِي نَفْسِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرْحَمُهُ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ هَذَا، وَقَوْلُهُ فَلَا يَحْرُمُ ظَنُّ السُّوءِ بِهِ يُقَالُ عَلَيْهِ بِأَنَّ عَدَمَ حُرْمَةِ ظَنِّ السُّوءِ لَا يَسْتَلْزِمُ إبَاحَةَ ظَنِّ السُّوءِ بِمَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا مَاتَ غُمِّضَ) أَيْ وَلَوْ أَعْمَى لِئَلَّا يَقْبُحَ مَنْظَرُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، ثُمَّ رَأَيْت سم عَلَى بَهْجَةٍ صَرَّحَ بِذَلِكَ، وَقَالَ فِي الْإِيعَابِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمَرِيضَ لَا يُسَنُّ لَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْ نَفْسِهِ قُبَيْلَ مَوْتِهِ وَإِنْ أَمْكَنَ بِلَا مَشَقَّةٍ، لَكِنْ بَحَثَ بَعْضُهُمْ نَدْبَهُ إنْ لَمْ يَحْضُرْ عِنْدَهُ مَنْ يَتَوَلَّاهُ اهـ (قَوْلُهُ إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ) فِيهِ تَذْكِيرُ الرُّوحِ وَفِي الْمُخْتَارِ أَنَّهُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (قَوْلُهُ: تَبِعَهُ الْبَصَرُ) زَادَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: «ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» اهـ عَمِيرَةُ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَنْ يُغَمِّضُ الْآنَ فَيَقُولُ ذَلِكَ اقْتِدَاءً بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (قَوْلُهُ مَا تَقْوَى بِهِ عَلَى نَوْعِ تَطَلُّعٍ لَهَا) ذَكَرَ حَجّ قَبْلَ هَذَا مَا نَصُّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ تَبِعَهُ الْبَصَرُ أَنَّ الْقُوَّةَ الْبَاصِرَةَ تَذْهَبُ عَقِبَ خُرُوجِ الرُّوحِ فَحِينَئِذٍ تَجْمُدُ الْعَيْنُ وَيَقْبُحُ مَنْظَرُهَا (قَوْلُهُ إنَّ الْعَيْنَ أَوَّلُ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْهُ) عِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ: آخِرُ شَيْءٍ إلَخْ، وَفِي الشَّيْخِ عَمِيرَةِ مَا نَصُّهُ: قِيلَ إنَّ الْعَيْنَ آخِرُ شَيْءٍ تُنْزَعُ مِنْهُ الرُّوحُ وَأَوَّلُ شَيْءٍ يُسْرِعُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَالْوَاجِبُ حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ) اُنْظُرْهُ مَعَ قَوْلِهِ الْمَارِّ فِي غُضُونِ الْمَتْنِ نَدْبًا، وَمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ لَا يَخْلُو عَنْ وَقْفَةٍ وَلَعَلَّ مُرَادَ الشَّارِحِ بِحُسْنِ الظَّنِّ الْوَاجِبِ عَدَمُ الْيَأْسِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إذْ الْيَأْسُ مِنْهَا مِنْ الْكَبَائِرِ (قَوْلُهُ: وَالْحَرَامُ) سَكَتَ عَنْ الْمَنْدُوبِ، وَفِي الدَّمِيرِيِّ: وَالْمَنْدُوبُ حُسْنُ الظَّنِّ بِمَنْ ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
مَا دَامَ يَحْمِلُهُ (وَشُدَّ لَحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ) عَرِيضَةٍ تَعُمُّهُمَا يَرْبِطُهَا فَوْقَ رَأْسِهِ حِفْظًا لِفَمِهِ عَنْ الْهَوَامِّ وَقُبْحِ مَنْظَرِهِ (وَلُيِّنَتْ مَفَاصِلُهُ) فَيُرَدُّ أَصَابِعُهُ إلَى بَطْنِ كَفِّهِ وَسَاعِدُهُ إلَى عَضُدِهِ وَسَاقُهُ إلَى فَخِذِهِ وَهُوَ إلَى بَطْنِهِ، ثُمَّ يَمُدُّهَا تَسْهِيلًا لِغُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ، فَإِنْ فِي الْبَدَنِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الرُّوحِ بَقِيَّةَ حَرَارَةٍ، فَإِذَا لُيِّنَتْ الْمَفَاصِلُ لَانَتْ حِينَئِذٍ وَإِلَّا لَمْ يُمْكِنْ تَلْيِينُهَا بَعْدُ.
وَلَوْ احْتَاجَ فِي تَلْيِينِ ذَلِكَ إلَى شَيْءٍ مِنْ الدُّهْنِ فَلَا بَأْسَ، حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيِّ وَغَيْرِهِمَا (وَسُتِرَ جَمِيعُ بَدَنِهِ) إنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا (بِثَوْبٍ) فَقَطْ «؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سُجِّيَ حِينَ مَاتَ بِثَوْبِ حِبَرَةٍ» هُوَ بِالْإِضَافَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ نَوْعٌ مِنْ ثِيَابِ الْقُطْنِ يُنْسَجُ بِالْيَمَنِ (خَفِيفٍ) لِئَلَّا يَحْمِيَهُ فَيُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ نَزْعِ ثِيَابِهِ وَيُجْعَلُ طَرَفَاهُ تَحْتَ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ لِئَلَّا يَنْكَشِفَ، أَمَّا الْمُحْرِمُ فَيُسْتَرُ مِنْهُ مَا يَجِبُ تَكْفِينُهُ مِنْهُ (وَوُضِعَ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ) بِأَنْ يُوضَعَ فَوْقَ الثَّوْبِ كَمَا اُعْتِيدَ، أَوْ تَحْتَهُ مِنْ حَدِيدٍ كَسَيْفٍ وَمِرْآةٍ وَسِكِّينٍ بِطُولِ الْمَيِّتِ، ثُمَّ طِينٌ رَطْبٌ، ثُمَّ مَا تَيَسَّرَ لِئَلَّا يَنْتَفِخَ، وَقَدَّرَهُ أَبُو حَامِدٍ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا: أَيْ تَقْرِيبًا، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَكَأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُوضَعُ وَإِلَّا فَالسَّيْفُ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَظْهَرُ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْحَدِيدِ وَمَا بَعْدَهُ لِلْأَكْمَلِ لَا لِأَصْلِ السُّنَّةِ، وَيُسَنُّ صَوْنُ الْمُصْحَفِ عَنْهُ احْتِرَامًا لَهُ وَأَلْحَقَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ كُتُبَ الْعِلْمِ الْمُحْتَرَمِ (وَوُضِعَ عَلَى سَرِيرٍ وَنَحْوِهِ) نَدْبًا مِمَّا هُوَ مُرْتَفِعٌ كَدِكَّةٍ مِنْ غَيْرِ فَرْشٍ لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ بِنَدَاوَتِهَا وَلِئَلَّا يَحْمَى عَلَيْهِ الْفَرْشُ فَيُغَيِّرُهُ، فَإِنْ كَانَتْ صُلْبَةً فَلَا بَأْسَ
[حاشية الشبراملسي]
إلَيْهِ الْفَسَادُ.
(قَوْلُهُ: مَا دَامَ يَحْمِلُهُ) أَيْ إلَى الْمُغْتَسَلِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ إمَامُ الْجِنَازَةِ فَسَيَأْتِي (قَوْلُهُ: يَرْبِطُهَا) بَابُهُ ضَرَبَ وَنَصَرَ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: حِفْظًا لِفَمِهِ عَنْ الْهَوَامِّ) عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: وَالْهَامَّةُ مَا لَهُ سُمٌّ يَقْتُلُ كَالْحَيَّةِ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَالْجَمْعُ الْهَوَامُّ مِثْلُ دَابَّةٍ وَدَوَابَّ، وَقَدْ أُطْلِقَتْ الْهَوَامُّ عَلَى مَا يُؤْذِي، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَيُقَالُ لِدَوَابِّ الْأَرْضِ جَمِيعًا الْهَوَامُّ مَا بَيْنَ قَمْلَةٍ إلَى حَيَّةٍ، وَمِنْهُ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ «أَيُؤْذِيك هَوَامُّ رَأْسِك» وَالْمُرَادُ الْقَمْلُ عَنْ الِاسْتِعَارَةِ بِجَامِعِ الْأَذَى اهـ. وَفِي النِّهَايَةِ، وَفِيهِ «كَانَ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَيَقُولُ: أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ سَامَّةٍ» بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ " وَهَامَّةٍ " الْهَامَّةُ كُلُّ ذَاتِ سُمٍّ يَقْتُلُ وَالْجَمْعُ الْهَوَامُّ، فَأَمَّا مَا يَسُمُّ وَلَا يَقْتُلُ فَهُوَ السَّامَّةُ كَالْعَقْرَبِ وَالزُّنْبُورُ، وَقَدْ تَقَعُ الْهَوَامُّ عَلَى مَا يَدِبُّ مِنْ الْحَيَوَانِ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ كَالْحَشَرَاتِ اهـ، وَهِيَ تُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ اسْتِعَارَةٌ (قَوْلُهُ فَلَا بَأْسَ) ظَاهِرُهُ إبَاحَةُ ذَلِكَ وَلَوْ قِيلَ بِنَدْبِهِ حَيْثُ شَقَّ غُسْلُهُ أَوْ تَكْفِينُهُ بِدُونِهِ بَلْ لَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ إذَا تَوَقَّفَ إصْلَاحُ تَكْفِينِهِ عَلَى وَجْهٍ يُزِيلُ إزْرَاءَهُ لَمْ يَبْعُدْ (قَوْلُهُ: سُجِّيَ حِينَ مَاتَ بِثَوْبِ حِبَرَةٍ) ظَاهِرُ السِّيَاقِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ غُطِّيَ بَعْدَ نَزْعِ ثِيَابِهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَضِيَّةُ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَذَلِكَ لَمَّا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ إلَخْ خِلَافُهُ، فَلَعَلَّ الْمُرَادُ هُنَا أَنَّهُ غُطِّيَ فَوْقَ ثِيَابِهِ فَيَكُونُ اسْتِدْلَالًا عَلَى مُجَرَّدِ السَّتْرِ بِالثَّوْبِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ بَعْدَ نَزْعِ الثِّيَابِ.
(قَوْلُهُ: بَقِيَ شَيْءٌ آخَرَ) وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: الْهَاتِفُ لَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ فَكَيْفَ رَجَعَتْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إلَيْهِ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُمْ بِالِاجْتِهَادِ حِينَ سَمَاعِ الْهَاتِفِ مُوَافَقَةُ الطَّالِبِينَ لِعَدَمِ تَجْرِيدِهِ مِنْ ثِيَابِهِ فَلَمْ يَسْتَنِدُوا فِي ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ الْهَاتِفِ (قَوْلُهُ: لِئَلَّا تُحْمِيَهُ) بِضَمِّ التَّاءِ، قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: حُمَّى النَّارِ بِالْكَسْرِ وَالتَّنَوُّرُ أَيْضًا اشْتَدَّ حَرُّهُ، ثُمَّ قَالَ: وَأُحْمَى الْحَدِيدُ فِي النَّارِ فَهُوَ مَحْمِيٌّ وَلَا تَقُلْ حَمَّاهُ (قَوْلُهُ مَا يَجِبُ تَكْفِينُهُ مِنْهُ) أَيْ وَهُوَ مَا عَدَا رَأْسِهِ (قَوْلُهُ بِأَنْ يُوضَعَ فَوْقَ الثَّوْبِ) أَيْ وَهُوَ أَوْلَى كَمَا بَحَثَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَزَعْمُ أَخْذِهِ مِنْ الْمَتْنِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ كَالرَّوْضَةِ عَطْفُهُ عَلَى وَضْعِ الثَّوْبِ بِالْوَاوِ حَجّ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ صَوْنُ الْمُصْحَفِ عَنْهُ) بَلْ يَحْرُمُ إنْ مُسَّ أَوْ قُرِّبَ مِمَّا فِيهِ قَذِرٌ وَلَوْ طَاهِرًا أَوْ جُعِلَ عَلَى هَيْئَةِ تَنَافِي تَعْظِيمِهِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: كَدِكَّةٍ مِنْ غَيْرِ فُرُشٍ لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ) أَيْ لَا عَلَى الْأَرْضِ لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ إلَخْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ بِنَدَاوَتِهَا) لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلضَّمِيرِ مَرْجِعٌ وَلَعَلَّ مَرْجِعَهُ سَقَطَ مِنْ الْكَتَبَةِ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ: وَلَا يُجْعَلُ عَلَى الْأَرْضِ لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ بِنَدَاوَتِهَا
بِوَضْعِهِ عَلَيْهَا (وَنُزِعَتْ) عَنْهُ نَدْبًا (ثِيَابُهُ) الْمَخِيطَةُ الَّتِي مَاتَ فِيهَا بِحَيْثُ لَا يُرَى شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ لِئَلَّا يُسْرِعَ فَسَادُهُ سَوَاءٌ أَكَانَ الثَّوْبُ طَاهِرًا أَمْ نَجِسًا مِمَّا يُغْسَلُ فِيهِ أَمْ لَا أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ (وَوُجِّهَ لِلْقِبْلَةِ) إنْ أَمْكَنَ (كَمُحْتَضَرٍ) فِيمَا مَرَّ.
نَعَمْ بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ يُوضَعُ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا إلْقَاؤُهُ عَلَى قَفَاهُ وَوَجْهِهِ وَأَخْمَصَاهُ لِلْقِبْلَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لِوَضْعِهِ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا عَلَى جَنْبِهِ كَمَا هُنَا: أَيْ عَقِبَ مَوْتِهِ، ثُمَّ يُجْعَلُ عَلَى قَفَاهُ بَعْدَهُ، وَكَلَامُهُمْ ثَمَّ فِيهِ عَلَى أَنَّ وَضْعَهُ عَلَى جَنْبِهِ لَا يُنَافِي وَضْعَ شَيْءٍ عَلَى بَطْنِهِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يُوضَعُ طُولًا: أَيْ مَعَ شَدِّهِ بِنَحْوِ خِرْقَةٍ (وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ) جَمِيعَهُ (أَرْفَقُ مَحَارِمِهِ) نَدْبًا بِأَسْهَلَ مُمْكِنٍ مَعَ الِاتِّحَادِ فِي الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الرَّوْضَةِ يَتَوَلَّاهُ الرِّجَالُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءُ مِنْ النِّسَاءِ، فَإِنْ تَوَلَّاهُ رَجُلٌ مَحْرَمٌ مِنْ الْمَرْأَةِ أَوْ امْرَأَةٌ مَحْرَمٌ مِنْ الرَّجُلِ جَازَ، وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ جَوَازَهُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ لِلْأَجْنَبِيَّةِ وَعَكْسُهُ مَعَ الْغَضِّ وَعَدَمِ الْمَسِّ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَكَالْمَحْرَمِ فِيمَا ذُكِرَ الزَّوْجَانِ بِالْأَوْلَى.
(وَيُبَادَرُ) بِفَتْحِ الدَّالِ نَدْبًا (بِغُسْلِهِ إذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ) إكْرَامًا لَهُ وَإِلَّا تُرِكَ وُجُوبًا إلَى تَيَقُّنِهِ بِتَغَيُّرٍ وَنَحْوِهِ لِاحْتِمَالِ إغْمَاءٍ وَنَحْوِهِ، وَمِنْ أَمَارَاتِهِ اسْتِرْخَاءُ قَدَمِهِ، أَوْ مَيْلِ أَنْفِهِ، أَوْ انْخِلَاعِ كَفِّهِ، أَوْ انْخِفَاضِ صُدْغِهِ، أَوْ تَقَلُّصِ خَصْيَيْهِ مَعَ تَدَلِّي جِلْدَتِهِمَا «؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَادَ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ فَقَالَ إنِّي لَا أَرَى طَلْحَةَ إلَّا قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ، فَإِذَا مَاتَ فَآذِنُونِي بِهِ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَعَجِّلُوا بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ» وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ ذِكْرَهُمْ الْعَلَامَاتِ الْكَثِيرَةَ لَهُ إنَّمَا تُفِيدُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ شَكٌّ (وَغُسْلُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ) وَحَمْلُهُ (وَدَفْنُهُ فُرُوضُ كِفَايَةٍ) إجْمَاعًا لِلْأَمْرِ بِهِ فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ قَاتِلُ نَفْسِهِ وَغَيْرُهُ وَسَوَاءٌ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ، إلَّا فِي الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَنُزِعَتْ ثِيَابُهُ) أَيْ وَلَوْ شَهِيدًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَتُعَادُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّكْفِينِ اهـ زِيَادِيٌّ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُرَدْ تَغْسِيلُهُ حَالًا، ثُمَّ رَأَيْته فِي سم عَلَى حَجّ حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ نَعَمْ بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ إلَخْ يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ إنَّ قُرْبَ الْغُسْلِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ التَّغْيِيرَ لَمْ يُنْزَعْ وَإِلَّا نُزِعَ.
قَالَ م ر: وَنُزِعَتْ ثِيَابُهُ وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا لِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَهُوَ خَوْفُ التَّغَيُّرِ الْمُسْرِعِ لِلْبِلَى، قَالَ: وَلَا يُنَافِيهِ مَا وَرَدَ أَنَّهُ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَكْلَ لُحُومِ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَيْفَ يُخْشَى إسْرَاعُ الْبِلَى؛ لِأَنَّ هَذَا يُفِيدُ امْتِنَاعَ أَكْلِ الْأَرْضِ لَا التَّغَيُّرَ وَالْبِلَى فِي الْجُمْلَةِ بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يُنَافِيهِ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - غُسِّلَ فِي ثَوْبِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ رَأَوْا بَقَاءَهُ عَلَيْهِ أَصْلَحَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ أَنَّهُ نُزِعَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَأُعِيدَ قُبَيْلَ الْغُسْلِ (قَوْلُهُ: مِمَّا يُغَسَّلُ فِيهِ) أَشَارَ بِهِ إلَى رَدِّ مَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ.
وَعِبَارَةُ حَجّ: نَعَمْ بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ بَقَاءَ قَمِيصِهِ الَّذِي يُغَسَّلُ فِيهِ إنْ كَانَ طَاهِرًا، إذْ لَا مَعْنَى لِنَزْعِهِ ثُمَّ إعَادَتِهِ لَكِنْ يُشَمِّرُ لِحَقْوِهِ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ، وَيُؤَيِّدُهُ تَقْيِيدُ الْوَسِيطِ الثِّيَابَ الْمُدَّفِئَةَ اهـ (قَوْلُهُ: وَعَدَمِ الْمَسِّ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ بَعْدَ مَا ذَكَرَ وَمَالَ إلَيْهِ م ر اهـ (قَوْلُهُ: وَهُوَ بَعِيدٌ) أَيْ فَيَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِرُؤْيَةِ شَيْءٍ مِنْ الْبَدَنِ.
(قَوْلُهُ وَإِلَّا تُرِكَ وُجُوبًا) يَنْبَغِي أَنَّ الَّذِي يَجِبُ تَأْخِيرُهُ هُوَ الدَّفْنُ دُونَ الْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ فَإِنَّهُمَا بِتَقْدِيرِ حَيَاتِهِ لَا ضَرُورَةَ فِيهِمَا، نَعَمْ إنْ خِيفَ مِنْهُمَا ضَرَرٌ بِتَقْدِيرِ حَيَاتِهِ امْتَنَعَ فِعْلُهُمَا (قَوْلُهُ: مَعَ تَدَلِّي جِلْدَتِهِمَا) أَيْ وَيُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى ذَلِكَ بِرُؤْيَةِ حَلِيلَتِهِ أَوْ وُقُوعِ ذَلِكَ بِلَا قَصْدٍ مِنْ غَيْرِهَا (قَوْلُهُ: أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ذَلِكَ إلَخْ) أَيْ تَبْقَى بَيْنَ ظُهُورِ أَهْلِهِ وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ، قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: يُقَالُ هُوَ نَازِلٌ بَيْنَ ظَهْرَيْهِمْ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَظَهْرَانَيْهِمْ بِفَتْحِ النُّونِ وَلَا تَقُلْ ظَهْرَانِيهِمْ بِكَسْرِ النُّونِ اهـ (قَوْلُهُ: وَغُسْلُهُ إلَخْ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: فَرْعٌ: لَوْ غَسَّلَ الْمَيِّتُ نَفْسَهُ كَرَامَةً فَهَلْ يَكْفِي؟ لَا يَبْعُدُ أَنَّهُ يَكْفِي، وَلَا يُقَالُ الْمُخَاطَبُ بِالْفَرْضِ غَيْرُهُ لِجَوَازِ أَنَّهُ إنَّمَا خُوطِبَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ لِعَجْزِهِ فَإِذَا أَتَى بِهِ كَرَامَةً كَفَى.
[فَرْعٌ آخَرُ] لَوْ مَاتَ إنْسَانٌ مَوْتًا حَقِيقِيًّا وَجُهِّزَ ثُمَّ أُحْيِيَ حَيَاةً حَقِيقِيَّةً ثُمَّ مَاتَ فَالْوَجْهُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ لَهُ تَجْهِيزٌ آخَرُ خِلَافًا لِمَا تُوُهِّمَ اهـ. وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَهُ مَا لَوْ غَسَّلَ مَيِّتٌ مَيِّتًا آخَرَ.
وَفِي فَتَاوَى حَجّ الْحَدِيثِيَّةِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَمَحَلُّهُمَا فِي الْمُسْلِمِ غَيْرِ الشَّهِيدِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي، وَيَعُمُّ الْخِطَابُ بِذَلِكَ كُلَّ مَنْ عَلِمَ بِمَوْتِهِ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، بَلْ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ إنْ نُسِبَ إلَى تَقْصِيرٍ فِي الْبَحْثِ كَأَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ جَارَهُ (وَأَقَلُّ الْغُسْلِ) وَلَوْ لِنَحْوِ جُنُبٍ (تَعْمِيمُ بَدَنِهِ) بِالْمَاءِ مَرَّةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْفَرْضُ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَنَحْوِهَا فِي حَقِّ الْحَيِّ فَالْمَيِّتُ أَوْلَى، وَبِهِ يُعْلَمُ وُجُوبُ غُسْلِ مَا يَظْهَرُ مِنْ فَرْجِ الثَّيِّبِ عِنْدَ جُلُوسِهَا عَلَى قَدَمَيْهَا نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْحَيِّ، فَدَعْوَى بَعْضِهِمْ أَنَّهُمْ أَغْفَلُوا ذَلِكَ لَيْسَتْ فِي مَحَلِّهَا (بَعْدَ) (إزَالَةِ النَّجَسِ) عَنْهُ إنْ كَانَ فَلَا تَكْفِي لَهُمَا غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْحَيِّ مِنْ أَنَّ الْغَسْلَةَ لَا تَكْفِي عَنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ، وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ الِاكْتِفَاءَ بِهَا، وَكَأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِدْرَاكَ هُنَا لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا هُنَاكَ فَيَتَّحِدُ الْحُكْمَانِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَكَلَامُ الْمَجْمُوعِ يُلَوِّحُ بِهِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ اشْتِرَاطَ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَوَّلًا؟ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، لَا يُقَالُ: مَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى نَجَاسَةٍ تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ، أَوْ أَنَّ مَا هُنَاكَ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِهِ فَجَازَ إسْقَاطُهُ وَمَا هُنَا بِغَيْرِهِ فَامْتَنَعَ إسْقَاطُهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ، وَالثَّانِي عَنْ الْمُدْرَكِ وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ مُتَرَدِّدٌ عَلَى الْمَحَلِّ لَا يُحْكَمُ بِاسْتِعْمَالِهِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فَتَكْفِي غَسْلَةٌ لِذَلِكَ (وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ الْغَاسِلِ) أَيْ لَا تُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْغُسْلِ (فِي الْأَصَحِّ فَيَكْفِي) عَلَى هَذَا (غَرَقُهُ، أَوْ غُسْلُ كَافِرٍ) إذْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ النَّظَافَةُ وَهِيَ غَيْرُ مُتَوَقِّفَةٍ عَلَى نِيَّةٍ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ تَجِبُ؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ وَاجِبٌ فَافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَلَا يَكْفِي غَرَقُهُ وَلَا غُسْلُ كَافِرٍ عَلَى هَذَا فَيَنْوِي الْغُسْلَ الْوَاجِبَ، أَوْ غُسْلَ الْمَيِّتِ (قُلْت: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ وُجُوبُ غُسْلِ الْغَرِيقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) ؛ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ فَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنَّا إلَّا بِفِعْلِنَا وَإِنْ شَاهَدْنَا الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُ؛ لِأَنَّا تَعَبَّدْنَا بِفِعْلِنَا لَهُ بِخِلَافِ الْكَفَنِ وَمِثْلُهُ الدَّفْنُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ السَّتْرُ وَلِذَلِكَ يُنْبَشُ لِلْغُسْلِ دُونَ التَّكْفِينِ، وَالْأَوْجَهُ سُقُوطُهُ بِتَغْسِيلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ وَالِاكْتِفَاءُ بِتَغْسِيلِ الْجِنِّ
[حاشية الشبراملسي]
مَنْ أُحْيِيَ بَعْدَ الْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ بِأَنْ أَخْبَرَ بِهِ مَعْصُومٌ ثَبَتَتْ لَهُ جَمِيعُ أَحْكَامِ الْمَوْتَى مِنْ قِسْمَةِ تَرِكَتِهِ وَنِكَاحِ زَوْجَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْحَيَاةَ الثَّانِيَةَ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ تَشْرِيعٌ لِمَا لَمْ يَرِدْ هُوَ وَلَا نَظِيرُهُ بَلْ وَلَا مَا يُقَارِبُهُ، وَتَشْرِيعُ مَا هُوَ كَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ بِلَا شَكٍّ اهـ: أَيْ وَعَلَيْهِ فَمَنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَيَاةِ الثَّانِيَةِ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَجِبُ مُوَارَاتُهُ فَقَطْ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ مَوْتُهُ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ بِهِ غَشْيٌ أَوْ نَحْوُهُ (قَوْلُهُ: فَمَحَلُّهُمَا فِي الْمُسْلِمِ غَيْرِ الشَّهِيدِ) أَيْ وَإِلَّا فِي الذِّمِّيِّ فَتَحْرُمُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ غُسْلُهُ (قَوْلُهُ: فَيَتَّحِدُ الْحُكْمَانِ) وَهُوَ الِاكْتِفَاءُ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إزَالَةِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَوَصْفِهَا (قَوْلُهُ: أَوْ غُسْلِ كَافِرٍ) أَيْ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسِ الْمُكَلَّفِينَ بِالْغُسْلِ مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِفِعْلِهِمَا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَالْأَوْجَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْكَفَنِ) أَيْ فَإِنَّا لَمْ نَتَعَبَّدْ بِهِ بَلْ وَجَبَ لِمَصْلَحَةِ الْمَيِّتِ وَهُوَ سَتْرُهُ، وَأَمَّا الْغُسْلُ فَلَيْسَ لِمَصْلَحَةِ الْمَيِّتِ فَقَطْ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ عَقِبَ اغْتِسَالِهِ بِالْمَاءِ يَجِبُ غُسْلُهُ، وَأَنَّا لَوْ عَجَزْنَا عَنْ طَهَارَتِهِ بِالْمَاءِ وَجَبَ تَيَمُّمُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا نَظَافَةَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ الدَّفْنُ) وَمِثْلُهُمَا الْحَمْلُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: بِتَغْسِيلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ) أَيْ مِنْ نَوْعِ بَنِي آدَمَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ قَبْلُ: وَإِنْ شَاهَدْنَا الْمَلَائِكَةَ إلَخْ (قَوْلُهُ وَالِاكْتِفَاءُ بِتَغْسِيلِ الْجِنِّ) خِلَافًا لحج ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا، وَلَا فَرْقَ فِي الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ مِنْهُمْ بَيْنَ اتِّحَادِ الْمَيِّتِ وَالْمُغَسِّلِ مِنْهُمْ فِي الذُّكُورَةِ أَوْ الْأُنُوثَةِ وَاخْتِلَافِهِمَا فِي ذَلِكَ، كَمَا لَوْ غَسَّلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرًا أَجْنَبِيًّا فَإِنَّهُ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهَا ذَلِكَ يَسْقُطُ بِهِ الطَّلَبُ عَنَّا.
وَفِي سم عَلَى حَجّ تَقْيِيدُ الْجِنِّيِّ بِالذُّكُورَةِ اهـ، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: إنَّهُ) أَيْ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ، وَلَك أَنْ تَقُولَ: مِنْ أَيْنَ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ هُنَا فِيمَا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ لَا تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي عَنْ الْمُدْرَكِ) لَك أَنْ تَقُولَ: لَا يَضُرُّ خُرُوجُهُ عَنْ الْمُدْرَكِ لِمَا خَلْفَنَا مِنْ تَعَلُّقِهِ بِالْغَيْرِ
كَمَا مَرَّ مِنْ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِهِمْ (وَالْأَكْمَلُ وَضْعُهُ بِمَوْضِعٍ خَالٍ) عَنْ النَّاسِ، لَا يَدْخُلُهُ إلَّا الْغَاسِلُ وَمُعِينُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِبَدَنِهِ مَا يُخْفِيهِ، وَلِلْوَلِيِّ الدُّخُولُ وَإِنْ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُعَنْ لِحِرْصِهِ عَلَى مَصْلَحَتِهِ وَقَدْ غَسَّلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ وَأُسَامَةُ يُنَاوِلُ الْمَاءَ وَالْعَبَّاسُ وَاقِفٌ، ثُمَّ وَهُوَ مُقَيَّدٌ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ، وَإِلَّا فَكَأَجْنَبِيٍّ، وَمُرَادُهُ بِالْوَلِيِّ أَقْرَبُ الْوَرَثَةِ (مَسْتُورٍ) عَنْهُمْ كَمَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ سَقْفٍ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُ كَمَا فِي الْأُمِّ (عَلَى لَوْحٍ) ، أَوْ سَرِيرٍ هُيِّئَ لِذَلِكَ لِئَلَّا يُصِيبَهُ الرَّشَاشُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَالْأَكْمَلُ وَضْعُهُ إلَخْ) أَيْ مِنْ الْأَكْمَلِ إذْ بَقِيَ مِنْهَا أَشْيَاءُ أُخَرُ، وَالتَّعْبِيرُ بِهِ يُشْعِرُ بِأَنَّ غَيْرَ هَذِهِ الْحَالَةِ فِيهِ كَمَالٌ، وَهُوَ مُشْكِلٌ بِأَنَّ تَغْسِيلَهُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُخَالِفُ مَا ذُكِرَ مَكْرُوهٌ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ أَكْمَلَ بِمَعْنَى كَامِلٍ؛ لِأَنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى أَصْلِ الْفِعْلِ، أَوْ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِأَنَّ مَا عَدَاهُ كَامِلٌ مِنْ حَيْثُ أَدَاءِ الْوَاجِبِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ عَدَمُ كَمَالٍ مِنْ جِهَةِ أَدَاءِ السُّنَّةِ، وَيُؤَيِّدُ الْجَوَابَ الثَّانِيَ أَخْذُهُ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ أَوَّلًا وَأَقَلُّ الْغُسْلِ تَعْمِيمُ بَدَنِهِ (قَوْلُهُ: عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ عَلِيًّا وَالْفَضْلَ كَانَا يُبَاشِرَانِ الْغُسْلَ فَلْيُرَاجَعْ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ عَلَى الشَّمَائِلِ فِي آخِرِ بَابِ مَا جَاءَ فِي وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَنُو أَبِيهِ مَا نَصُّهُ: فَغَسَّلَهُ عَلِيٌّ لِحَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ ابْنُ سَعْدٍ وَالْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَاهِيَاتِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ بِلَفْظِ «أَوْصَانِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يُغَسِّلَهُ أَحَدٌ غَيْرِي، فَإِنَّهُ لَا يَرَى عَوْرَتِي أَحَدٌ إلَّا طُمِسَتْ عَيْنَاهُ» زَادَ بْنُ سَعْدٍ قَالَ عَلِيٌّ: فَكَانَ الْفَضْلُ وَأُسَامَةُ يَتَنَاوَلَانِ الْمَاءَ مِنْ وَرَاءِ السَّتْرِ وَهُمَا مَعْصُوبَا الْعَيْنِ.
قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فَمَا تَنَاوَلْت عُضْوًا إلَّا كَأَنَّمَا يُقِلُّهُ مَعِي ثَلَاثُونَ رَجُلًا حَتَّى فَرَغْت مِنْ غُسْلِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ «يَا عَلِيُّ لَا يُغَسِّلْنِي إلَّا أَنْتَ فَإِنَّهُ لَا يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتِي إلَّا طُمِسَتْ عَيْنَاهُ» وَالْعَبَّاسُ وَابْنُهُ الْفَضْلُ يُعِينَانِهِ وَقُثَمُ وَأُسَامَةُ وَشُقْرَانُ وَمَوْلَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُبُّونَ الْمَاءَ وَأَعْيُنُهُمْ مَعْصُوبَةٌ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ اهـ. وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَا يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتِي لَعَلَّ الْمُرَادَ لَا يَرَى أَحَدٌ غَيْرُك، أَوْ أَنَّهُ لَا يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتِي إلَّا إلَخْ: أَيْ وَأَنْتَ تُحَافِظُ عَلَى عَدَمِ الرُّؤْيَةِ بِخِلَافِ غَيْرِك (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَكَأَجْنَبِيٍّ) أَيْ فَيَكُونُ حُضُورُهُ خِلَافَ الْأَوْلَى بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَالْأَكْمَلُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمُرَادُهُ بِالْوَلِيِّ أَقْرَبُ الْوَرَثَةِ) وَعَلَيْهِ فَلَوْ اجْتَمَعَ الِابْنُ وَالْأَبُ أَوْ الْعَمُّ وَالْجَدُّ فَهَلْ يَسْتَوِيَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَدْلَى بِوَاسِطَةِ وَاحِدَةٍ أَوْ لَا؟ وَيَحْتَمِلُ تَقْدِيمَ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ وَتَقْدِيمَ الْجَدِّ عَلَى الْعَمِّ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَنْ الْأَقْرَبُ هُنَا مَنْ أَدْلَى بِجِهَتَيْنِ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَيُقَدَّمُ الْأَخُ الشَّقِيقُ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ وَهَكَذَا فِي الْعُمُومَةِ، وَقَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِالْأَقْرَبِ تَقْدِيمُ الْأَخِ لِلْأُمِّ وَالْعَمِّ مِنْ الْأُمِّ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ الشَّقِيقِ أَوْ لِلْأَبِ وَإِنْ كَانَ ابْنُ الْعَمِّ لَهُ عُصُوبَةٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِالْوَرَثَةِ مَا يَشْمَلُ ذَوِي الْأَرْحَامِ، هَذَا وَسَيَأْتِي أَنَّ أَوْلَاهُمْ يُغَسِّلُهُ أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَكُلٌّ مِنْ الْأَبِ وَالْجَدِّ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الِابْنِ فَيَكُونَانِ مُقَدَّمَيْنِ فِي الْغُسْلِ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ فَيُحْتَمَلُ تَخْصِيصُ مَا هُنَا بِهِمَا مَا يَأْتِي، وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ مَا هُنَا لَيْسَ فِيهِ مُبَاشَرَةٌ فَلَمْ يُعْتَبَرْ تَقْدِيمُ الْأَشْفَقِ بَلْ رَوْعِي الْأَقْرَبُ.
[فَرْعٌ] لَوْ اخْتَلَفَ اعْتِقَادُ الْمَيِّتِ وَمُغَسِّلُهُ فِي أَقَلِّ الْغُسْلِ وَأَكْمَلِهِ فِي التَّغْسِيلِ فَلَا يَبْعُدُ اعْتِبَارُ اعْتِقَادِ الْمُغَسِّلِ، وَهَلْ يَجْرِي مَا قِيلَ فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْمَلِ فِي تَغْسِيلِ الذِّمِّيِّ حَتَّى إنَّهُ يَجُوزُ لِلْغَاسِلِ أَنْ يُوَضِّئَهُ كَوُضُوءِ الْحَيِّ؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ وَقَوْلُهُ يَجُوزُ لِلْغَاسِلِ الْأَوْلَى يُطْلَبُ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ طَلَبَ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْكَافِرِ مِنْ أَصْلِهِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ فَلَا يُطْلَبُ مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ فِيهِ.
أَمَّا الْجَوَازُ فَلَا مَانِعَ مِنْهُ، وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَ اعْتِقَادُ الْوَلِيِّ وَالْغَاسِلِ فَيَنْبَغِي مُرَاعَاةُ الْوَلِيِّ (قَوْلُهُ: وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ سَقْفٍ) هُوَ مُسَاوٍ لِقَوْلِ غَيْرِهِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ.
. إلَخْ،
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَيَكُونُ عَلَيْهِ مُسْتَلْقِيًا كَاسْتِلْقَاءِ الْمُحْتَضَرِ لِكَوْنِهِ أَمْكَنَ لِغُسْلِهِ (وَيُغَسَّلُ) نَدْبًا (فِي قَمِيصٍ) لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُ «وَقَدْ غُسِّلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَمِيصٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَذَلِكَ «لَمَّا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي غُسْلِهِ هَلْ نُجَرِّدُهُ أَمْ نُغَسِّلُهُ فِي ثِيَابِهِ فَغَشِيَهُمْ النُّعَاسُ وَسَمِعُوا هَاتِفًا يَقُولُ: لَا تُجَرِّدُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِي رِوَايَةٍ: غَسِّلُوهُ فِي قَمِيصِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ» ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ بِالْبَاءِ: أَيْ سَخِيفًا بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْقَوِيَّ يَحْبِسُ الْمَاءَ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُغَطَّى وَجْهُهُ بِخِرْقَةٍ أَوَّلَ مَا يَضَعُهُ عَلَى الْمُغْتَسَلِ، ذَكَرَهُ الْمَازِنِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
وَالْأَفْضَلُ كَوْنُهُ (بِمَاءٍ بَارِدٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَشُدُّ الْبَدَنَ وَالْمُسَخَّنُ: يُرْخِيهِ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى الْمُسَخَّنِ لِوَسَخٍ، أَوْ بَرْدٍ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ أَوْلَى، وَلَا يُبَالَغُ فِي تَسْخِينِهِ لِئَلَّا يُسْرِعَ إلَيْهِ الْفَسَادُ، وَالْمَاءُ الْمَالِحُ أَوْلَى مِنْ الْعَذْبِ كَمَا نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَأَقَرَّهُ، قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُغَسَّلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ لِلْخِلَافِ فِي نَجَاسَتِهِ بِالْمَوْتِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُعِدَّ الْمَاءَ فِي إنَاءٍ كَبِيرٍ وَيُبْعِدَهُ عَنْ الرَّشَاشِ لِئَلَّا يُقَذِّرَهُ، أَوْ يَصِيرَ مُسْتَعْمَلًا، وَيُعِدُّ مَعَهُ إنَاءَيْنِ آخَرَيْنِ صَغِيرًا وَمُتَوَسِّطًا، يَغْرِفُ بِالصَّغِيرِ مِنْ الْكَبِيرِ وَيَصُبُّهُ فِي الْمُتَوَسِّطِ، ثُمَّ يُغَسِّلُهُ بِالْمُتَوَسِّطِ، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
(وَيُجْلِسُهُ الْغَاسِلُ عَلَى الْمُغْتَسَلِ) بِرِفْقٍ (مَائِلًا إلَى وَرَائِهِ) قَلِيلًا لِيَسْهُلَ خُرُوجُ مَا فِي بَطْنِهِ (وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى كَتِفِهِ وَإِبْهَامَهُ فِي نَقْرَةِ قَفَاهُ) لِئَلَّا تَمِيلَ رَأْسُهُ (وَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى) لِئَلَّا يَسْقُطَ (وَيُمِرُّ يَسَارَهُ عَلَى بَطْنِهِ إمْرَارًا بَلِيغًا) أَيْ مُكَرَّرًا الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ مَعَ نَوْعِ تَحَامُلٍ لَا مَعَ شِدَّةٍ؛ لِأَنَّ احْتِرَامَ الْمَيِّتِ وَاجِبٌ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (لِيُخْرِجَ مَا فِيهِ) مِنْ الْفَضَلَاتِ خَشْيَةً مِنْ خُرُوجِهَا بَعْدَ غُسْلِهِ، أَوْ تَكْفِينِهِ، وَتَكُونُ الْمِبْخَرَةُ حِينَئِذٍ مُتَّقِدَةً بِالطِّيبِ كَالْعُودِ وَالْمُعِينُ مُكْثِرًا لِصَبِّ الْمَاءِ لِيُخْفِيَ رِيحَ الْخَارِجِ، بَلْ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ يُسَنُّ أَنْ يُبَخَّرَ عِنْدَهُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ، لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ شَيْءٍ فَتَغْلِبُهُ رَائِحَةُ الْبَخُورِ (ثُمَّ يُضْجِعُهُ لِقَفَاهُ) أَيْ مُسْتَلْقِيًا كَمَا كَانَ أَوَّلًا (وَيُغَسِّلُ بِيَسَارِهِ وَعَلَيْهَا خِرْقَةٌ) مَلْفُوفَةٌ بِهَا (سَوْأَتَيْهِ) أَيْ قُبُلَهُ وَدُبُرَهُ وَكَذَا مَا حَوْلَهَا، كَمَا يَسْتَنْجِي الْحَيُّ بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَالْأَوْلَى خِرْقَةٌ لِكُلِّ سَوْأَةٍ عَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُبَاعَدَةَ عَنْ هَذَا الْمَحَلِّ أَوْلَى،
[حاشية الشبراملسي]
وَمِثْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ فَالْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ مُتَرَادِفَةٌ خِلَافًا لِمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: لِكَوْنِهِ أَمْكَنَ) أَيْ أَسْهَلَ (قَوْلُهُ: وَسَمِعُوا هَاتِفًا يَقُولُ) إنْ قُلْت: الْهَاتِفُ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ.
قُلْت: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ اجْتِهَادٌ مِنْهُمْ بَعْدَ سَمَاعِ الْهَاتِفِ فَاسْتَحْسَنُوا هَذَا الْفِعْلَ وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ، فَالِاسْتِدْلَالُ إنَّمَا هُوَ بِإِجْمَاعِهِمْ لَا بِسَمَاعِ الْهَاتِفِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ بَالِيًا أَيْ سَخِيفًا) تَفْسِيرُهُ بِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُرَادِفٌ لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: سَخُفَ الثَّوْبُ سُخْفًا وِزَانُ قَرُبَ قُرْبًا، وَسَخَافَةً بِالْفَتْحِ رَقَّ لِقِلَّةِ غَزْلِهِ فَهُوَ سَخِيفٌ، وَمِنْهُ رَجُلٌ سَخِيفٌ وَفِي عَقْلِهِ سُخْفٌ: أَيْ نَقْصٌ اهـ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ: بَالِيًا أَوْ سَخِيفًا، وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ (قَوْلُهُ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُغَطَّى وَجْهُهُ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ مَظِنَّةُ التَّغَيُّرِ وَلَا يَنْبَغِي إظْهَارُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَاءُ الْمَالِحُ أَوْلَى) أَيْ أَصَالَةً فَلَا يَنْدُبُ مَزْجُ الْعَذْبِ بِالْمِلْحِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُغَسَّلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ) أَيْ فَيَكُونُ الْغُسْلُ بِهِ خِلَافَ الْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: مَعَ نَوْعِ تَحَامُلٍ) أَيْ قَلِيلٍ (قَوْلُهُ: لَا مَعَ شِدَّةٍ) أَيْ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَأَضَرَّهُ التَّحَامُلُ اهـ كَذَا بِهَامِشٍ عَنْ الشَّيْخِ صَالِحٍ الْبُلْقِينِيِّ (قَوْلُهُ: لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ شَيْءٍ) يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مَحَلٍّ وَحْدَهُ لَا يُسَنُّ ذَلِكَ مَا دَامَ وَحْدَهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمَلَائِكَةُ تَحْضُرُ عِنْدَ الْمَيِّتِ فَتَنْزِلُ الرَّحْمَةُ عِنْدَهُمْ وَهُمْ يَتَأَذَّوْنَ بِالرَّائِحَةِ الْخَبِيثَةِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ خَالِيًا أَوْ لَا (قَوْلُهُ ثُمَّ يُضْجِعُهُ لِقَفَاهُ) فِي تَعْبِيرِهِ بِالِاضْطِجَاعِ تَجُوزُ وَحَقِيقَتُهُ أَنْ يُلْقِيَهُ عَلَى قَفَاهُ فَفِي الْمُخْتَارِ: ضَجَعَ الرَّجُلُ وَضَعَ جَنْبُهُ بِالْأَرْضِ وَبَابُهُ قَطَعَ وَخَضَعَ فَهُوَ ضَاجِعٌ وَأَضْجَعَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُبَاعَدَةَ عَنْ هَذَا الْمَحَلِّ أَوْلَى) عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: وَالْجُمْهُورُ رَأَوْا أَنَّ الْإِسْرَاعَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَالْبُعْدَ عَنْهُ أَوْلَى
وَلَفُّ الْخِرْقَةِ وَاجِبٌ لِحُرْمَةِ مَسِّ شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ بِلَا حَائِلٍ.
(ثُمَّ يَلُفُّ) خِرْقَةً (أُخْرَى) عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى بَعْدَ أَنْ يُلْقِيَ الْأُولَى وَيُغَسِّلُ يَدَهُ بِمَاءٍ وَأُشْنَانٍ، أَوْ نَحْوِهِ إنْ تَلَوَّثَتْ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ (وَيُدْخِلُ أُصْبُعَهُ) السَّبَّابَةَ (فَمَهُ) كَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ مِنْ الْيُسْرَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخُوَارِزْمِيَّ وَاعْتَمَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَتَكُونُ مَبْلُولَةً بِالْمَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ يُزِيلُ مَا فِي أَنْفِهِ بِيَسَارِهِ، وَفَارَقَ الْحَيَّ حَيْثُ يَتَسَوَّكُ بِالْيُمْنَى لِلْخِلَافِ، وَلِأَنَّ الْقَذِرَ ثَمَّ لَا يَتَّصِلُ بِالْيَدِ بِخِلَافِهِ هُنَا، وَلَا يَفْتَحُ أَسْنَانَهُ لِئَلَّا يَسْبِقَ الْمَاءُ لِجَوْفِهِ فَيُسْرِعُ فَسَادُهُ (وَيُمِرُّهَا عَلَى أَسْنَانِهِ) كَمَا فِي الْحَيِّ (وَيُزِيلُ) بِأُصْبُعِهِ الْخِنْصَرِ مَبْلُولَةً بِمَاءٍ (مَا فِي مَنْخِرَيْهِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَشْهَرُ مِنْ كَسْرِهَا وَبِكَسْرِ الْخَاءِ (مِنْ أَذَى) كَمَا فِي مَضْمَضَةِ الْحَيِّ وَاسْتِنْشَاقِهِ (وَيُوَضِّئُهُ) بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ (كَالْحَيِّ) ثَلَاثًا ثَلَاثًا بِمَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْشَاقٍ، وَيُمِيلُ رَأْسَهُ فِيهِمَا كَيْ لَا يَسْبِقَ الْمَاءُ جَوْفَهُ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُنْدَبْ فِيهِمَا مُبَالَغَةٌ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَلَا يَكْفِي عَنْهُمَا مَا مَرَّ آنِفًا؛ لِأَنَّهُ كَالسِّوَاكِ وَزِيَادَةٌ فِي التَّنْظِيفِ، وَيَتْبَعُ بِعُودٍ لَيِّنٍ مَا تَحْتَ أَظْفَارِهِ إنْ لَمْ يُقَلِّمْهَا، وَظَاهِرُ أُذُنَيْهِ وَصِمَاخَيْهِ، وَالْأَوْلَى كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ السُّبْكِيّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ غُسْلِهِ بَعْدَ تَلْيِينِهَا بِالْمَاءِ لِيَتَكَرَّرَ غُسْلُ مَا تَحْتَهَا.
وَالْأَوْجَهُ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ يَنْوِي بِالْوُضُوءِ الْوُضُوءَ الْمَسْنُونَ كَمَا فِي الْغُسْلِ (ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ، ثُمَّ لِحْيَتَهُ بِسِدْرٍ وَنَحْوِهِ) كَخَطْمِيٍّ، وَالسِّدْرُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكُ لِلْبَدَنِ وَأَقْوَى لِلْجَسَدِ وَلِلنَّصِّ عَلَيْهِ فِي الْخَبَرِ (وَيُسَرِّحُهُمَا) أَيْ شَعْرَ رَأْسِهِ وَلِحْيَتَهُ إنْ تَلَبَّدَ فَهُوَ شَرْطٌ لِتَسْرِيحِهِمَا مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ، وَجَرَى عَلَيْهِ جَمَاعَاتٌ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ تَقْدِيمُ تَسْرِيحِ
[حاشية الشبراملسي]
مِثْلُهُ وَأَضْجَعَهُ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ لِحُرْمَةِ مَسِّ شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ) أَيْ وَلَوْ مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، ثُمَّ رَأَيْت حَجّ صَرَّحَ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ بِلَا حَائِلٍ: حَتَّى بِالنِّسْبَةِ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ اهـ. لَكِنْ نَقَلَ سم عَلَى حَجّ عَنْ الشَّارِحِ فِيمَا يَأْتِي تَقْيِيدُ الْوُجُوبِ بِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ اهـ. وَيُتَوَقَّفُ فِيهِ بِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيَلُفَّانِ خِرْقَةً وَلَا مَسَّ مِنْ قَوْلِهِ لَا يُقَالُ هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ مَا مَرَّ مِنْ لَفِّ الْخِرْقَةِ، إلَى أَنْ قَالَ: فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ فِي لَفٍّ وَاجِبٍ وَهُوَ شَامِلٌ لَهُمَا وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يَلُفُّ) مِنْ بَابِ رَدَّ (قَوْلُهُ: وَلَا يَفْتَحُ أَسْنَانَهُ) أَيْ يُسَنُّ أَنْ لَا يَفْتَحَ أَسْنَانَهُ، فَلَوْ خَالَفَ وَفَتَحَ فَإِنْ عَدَّ إزْرَاءٌ أَوْ وَصَلَ الْمَاءُ لِجَوْفِهِ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا نَعَمْ لَوْ تَنَجَّسَ فَمُهُ وَكَانَ يَلْزَمُهُ طُهْرُهُ لَوْ كَانَ حَيًّا وَتَوَقَّفَ عَلَى فَتْحِ أَسْنَانِهِ اُتُّجِهَ فَتْحُهَا وَإِنْ عَلِمَ سَبْقَ الْمَاءِ إلَى جَوْفِهِ (قَوْلُهُ: وَبِكَسْرِ الْخَاءِ) وَقِيلَ بِفَتْحِهِمَا، وَقِيلَ بِضَمِّهِمَا، وَقِيلَ بِكَسْرِهِمَا اهـ حَجّ.
وَهَذِهِ الْأَخِيرَةُ قَدْ تُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ بِفَتْحِ الْمِيمِ أَشْهَرُ مِنْ كَسْرِهَا اهـ (قَوْلُهُ: وَلَا يَكْفِي عَنْهُمَا) أَيْ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ (قَوْلُهُ مَا مَرَّ آنِفًا) أَيْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُدْخِلُ أُصْبُعَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَيَتْبَعُ بِعُودٍ) أَيْ وُجُوبًا إنْ عَلِمَ أَنَّ تَحْتَهَا مَا يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ وَإِلَّا فَنَدْبًا، وَلَا فَرْقَ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِمَا ذُكِرَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَيِّتِ عَظِيمًا أَوْ لَا (قَوْلُهُ: إنَّهُ يَنْوِي) أَيْ وُجُوبًا (قَوْلُهُ: الْوُضُوءَ الْمَسْنُونَ) يُفِيدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي وُضُوءِ الْمَيِّتِ مِنْ النِّيَّةِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ (قَوْلُهُ: وَيُسَرِّحُهُمَا) أَيْ بَعْدَ غَسْلِهِمَا جَمِيعًا، وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَكْمَلُ، فَلَوْ غَسَّلَ رَأْسَهُ ثُمَّ سَرَّحَهَا وَفَعَلَ هَكَذَا فِي اللِّحْيَةِ حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةِ (قَوْلُهُ إنْ تَلَبَّدَ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَلَبَّدْ لَا يُسَنُّ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا (قَوْلُهُ: لِتَسْرِيحِهِمَا مُطْلَقًا) اُنْظُرْ مَعْنَى الْإِطْلَاقِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا وَغَيْرَهُ، وَأَنَّ مُقَابِلَ الْمُعْتَمَدِ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمُحَرَّمِ وَغَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِطْلَاقِ سَوَاءٌ كَانَ وَاسِعَ الْأَسْنَانِ أَوْ لَا وَهُوَ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: كَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ) رَاجِعٌ إلَى التَّقْيِيدِ بِالسَّبَّابَةِ وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهُ عَقِبَهُ (قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ أَشْهَرُ مِنْ كَسْرِهَا وَبِكَسْرِ الْخَاءِ) فِي التُّحْفَةِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ وَكَسْرِهِمَا وَضَمِّهِمَا وَبِفَتْحٍ ثُمَّ كَسْرٍ وَهِيَ أَشْهَرُ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ أُذُنَيْهِ وَصِمَاخَيْهِ) اُنْظُرْ هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى مَاذَا وَمِثْلُهُ فِي الْإِمْدَادِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ شَرْطٌ لِتَسْرِيحِهِمَا مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُشْطُ وَاسِعُ الْأَسْنَانِ وَغَيْرُهُ: أَيْ خِلَافًا لِلْإِمْدَادِ مِنْ جَعْلِ التَّلَبُّدِ شَرْطًا لِسِنِّ وَاسِعِ الْأَسْنَانِ فَقَطْ
الرَّأْسِ عَلَى اللِّحْيَةِ تَبَعًا لِلْغُسْلِ، وَنَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ (بِمُشْطٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مَعَ إسْكَانِ الشِّينِ وَبِضَمِّهَا مَعَ الْمِيمِ لِإِزَالَةِ مَا فِيهِمَا مِنْ سِدْرٍ وَوَسَخٍ كَمَا فِي الْحَيِّ (وَاسِعِ الْأَسْنَانِ) لِئَلَّا يُنْتَتَفَ الشَّعْرُ (بِرِفْقٍ) لِيَعْدَمَ الِانْتِتَافُ، أَوْ يَقِلَّ (وَيُرَدُّ الْمُنْتَتَفُ إلَيْهِ) اسْتِحْبَابًا بِأَنْ يَضَعَهُ فِي كَفَنِهِ لِيُدْفَنَ مَعَهُ إكْرَامًا لَهُ، وَقِيلَ يُجْعَلُ وَسَطَ شَعْرِهِ وَأَمَّا دَفْنُهُ فَسَيَأْتِي.
(وَيَغْسِلُ) بَعْدَ مَا مَرَّ (شِقَّهُ الْأَيْمَنَ) مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ مِنْ عُنُقِهِ إلَى قَدَمِهِ (ثُمَّ الْأَيْسَرَ) كَذَلِكَ (، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ مِمَّا يَلِي الْقَفَا وَالظَّهْرَ) مِنْ كَتِفِهِ (إلَى الْقَدَمِ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيَغْسِلُ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ) أَيْ مِمَّا يَلِي قَفَاهُ وَظَهْرَهُ مِنْ كَتِفِهِ إلَى الْقَدَمِ، وَقِيلَ يَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ مِنْ مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ مِنْ ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْسَرَ مِنْ مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ مِنْ ظَهْرِهِ وَكُلٌّ سَائِغٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، وَيَحْرُمُ كَبُّهُ عَلَى وَجْهِهِ احْتِرَامًا لَهُ بِخِلَافِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فِي الْحَيَاةِ حَيْثُ كُرِهَ وَلَمْ يَحْرُمْ إذًا لِحَقٍّ لَهُ فَلَهُ فِعْلُهُ (فَهَذِهِ) الْأَغْسَالُ الْمَذْكُورَةُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ السِّدْرِ وَنَحْوِهِ فِيهَا كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ إنَّهُ يَمْنَعُ الِاعْتِدَادَ بِهَا، وَقَدْ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى دَفْعِ اعْتِرَاضٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى لَهُ تَأْخِيرَ قَوْلِهِ فَهَذِهِ غَسْلَةٌ عَنْ قَوْلِهِ ثَمَّ يَصُبُّ مَاءَ قَرَاحٍ إذْ لَا تَكُونُ مَحْسُوبَةً إلَّا بَعْدَ صَبِّهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَحِّحُ فِي عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَيُوجَدُ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَيْهِ أَنَّ فِيهِ حَذْفًا أَيْضًا، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ تَقْدِيمَهُ اقْتَضَى حَذْفَهُ مِنْ مَحَلِّهِ فَخُلُوُّ مَحَلِّهِ مِنْهُ حَذْفٌ لَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (غَسْلَةٌ) وَاحِدَةٌ (وَيُسْتَحَبُّ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ) أَيْضًا فَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ النَّظَافَةُ زِيدَ حَتَّى تَحْصُلَ، فَإِنْ حَصَلَتْ بِشَفْعٍ سُنَّ الْإِيثَارُ بِوَاحِدَةٍ، فَإِنْ حَصَلَ بِهِنَّ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِنَّ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هِيَ أَدْنَى الْكَمَالِ وَأَكْمَلُ مِنْهَا خَمْسٌ فَسَبْعٌ، وَالزِّيَادَةُ إسْرَافٌ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يُسْتَعَانَ فِي الْأُولَى بِسِدْرٍ، أَوْ خِطْمِيٍّ) بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَحُكِيَ ضَمُّهَا لِلتَّنْظِيفِ وَالْإِنْقَاءِ (ثُمَّ يَصُبُّ مَاءَ قَرَاحٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ: أَيْ خَالِصًا (مِنْ فَرْقِهِ إلَى قَدَمِهِ بَعْدَ زَوَالِ السِّدْرِ) أَوْ نَحْوِهِ فَلَا تُحْسَبُ غَسْلَةُ السِّدْرِ وَلَا مَا أُزِيلَ بِهِ مِنْ الثَّلَاثِ لِتَغَيُّرِ الْمَاءِ بِهِ التَّغَيُّرَ السَّالِبَ لِلطَّهُورِيَّةِ وَإِنَّمَا الْمَحْسُوبُ مِنْهَا غَسْلَةُ الْمَاءِ الْقَرَاحِ، فَتَكُونُ الْأَوْلَى مِنْ الثَّلَاثِ بِهِ وَهِيَ الْمُسْقِطَةُ لِلْوَاجِبِ، وَلَا تَخْتَصُّ الْأُولَى بِالسِّدْرِ بَلْ الْوَجْهُ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ التَّكْرِيرُ بِهِ إلَى حُصُولِ الْإِنْقَاءِ عَلَى وَفْقِ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى يَقْتَضِيهِ، فَإِذَا حَصَلَ النَّقَاءُ وَجَبَ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ الْخَالِصِ، وَيُسَنُّ بَعْدَهَا ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ كَغُسْلِ الْحَيِّ، فَالثَّلَاثُ تَحْصُلُ مِنْ خَمْسٍ كَمَا قَدْ يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ بِأَنْ يُغَسِّلَهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، ثُمَّ بِمَاءٍ مُزِيلٍ لَهُ فَهُمَا غَسْلَتَانِ غَيْرُ مَحْسُوبَتَيْنِ، ثُمَّ بِمَاءِ قَرَاحٍ ثَلَاثًا أَوْ مِنْ تِسْعَةٍ، وَلَهُ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ كَيْفِيَّتَانِ: الْأُولَى أَنْ يُغَسِّلَهُ مَرَّةً بِسِدْرٍ، ثُمَّ مَاءٍ مُزِيلٍ، ثُمَّ مَاءِ قَرَاحٍ فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ يَحْصُلُ مِنْهَا وَاحِدَةٌ وَيُكَرَّرُ ذَلِكَ إلَى تَمَامِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: بِضَمِّ الْمِيمِ) عِبَارَةُ الْقَامُوسِ: الْمُشْطُ مُثَلَّثَةٌ وَكَكَتِفٍ وَعَنَقٍ وَعُتُلٍّ وَمِنْبَرٍ آلَةٌ يُمْتَشَطُ بِهَا اهـ. وَقَوْلُهُ وَمِنْبَرٍ: أَيْ فَيُقَالُ فِيهِ مِمْشَطٌ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يُحَرِّفُهُ) أَيْ يُمِيلُهُ (قَوْلُهُ: وَالْأُولَى أَوْلَى) أَيْ لِقِلَّةِ الْحَرَكَةِ فِيهِ (قَوْلُهُ: احْتِرَامًا لَهُ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ لَمْ يَضْطَرَّ الْغَاسِلُ إلَى ذَلِكَ وَإِلَّا جَازَ بَلْ وَجَبَ (قَوْلُهُ: فَلَهُ فِعْلُهُ) أَيْ يَتْرُكُ الْأَكْمَلَ، وَلَوْ قَالَ فَلَهُ تَرْكُهُ كَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: إنَّهُ يُمْنَعُ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يُمْنَعُ إلَخْ (قَوْلُهُ زِيدَ حَتَّى يَحْصُلَ) زَادَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ بَعْدَ مِثْلِ مَا ذُكِرَ، بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْحَيِّ لَا يَزِيدُ فِيهَا عَلَى الثَّلَاثِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ طَهَارَةَ الْحَيِّ مَحْضُ تَعَبُّدٍ وَهُنَا الْمَقْصُودُ النَّظَافَةُ، وَلَا فَرْقَ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ لِلنَّظَافَةِ بَيْنَ الْمَاءِ الْمَمْلُوكِ وَالْمُسْبَلِ وَغَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ فَسَبْعٌ) ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذِهِ أَوْلَى بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْإِنْقَاءِ وَعَلَيْهِ فَمَا صُورَةُ السَّبْعِ وَلَعَلَّ صُورَتَهَا بِأَنْ حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِالسَّادِسَةِ فَيُسَنُّ سَابِعَةٌ لِلْإِيتَارِ (قَوْلُهُ: وَالزِّيَادَةُ) أَيْ عَلَى السَّبْعِ إسْرَافٌ: أَيْ وَإِنْ كَانَ مُسْبَلًا؛ لِأَنَّ السَّبْعَ هُنَا كَالثَّلَاثِ فِي الْوُضُوءِ بِجَامِعِ الطَّلَبِ، وَقَدْ قَالُوا فِيهِ: إنَّ اسْتِحْبَابَ الثَّلَاثِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمَمْلُوكِ وَغَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي إلَى حُصُولِ الْإِنْقَاءِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْخَاءِ) وَحُكِيَ فَتْحُهَا اهـ مَحَلِّيٌّ، وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ، وَفِي الْقَامُوسِ: وَالْخِطْمِيُّ: أَيْ بِكَسْرِ الْخَاءِ أَخْذًا مِنْ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّلَاثِ، الثَّانِيَةُ أَنْ يُغَسِّلَهُ بِسِدْرٍ، ثُمَّ مُزِيلٍ لَهُ وَهَكَذَا إلَى تَمَامِ سِتٍّ غَيْرِ مَحْسُوبَةٍ، ثُمَّ مَاءُ قَرَاحٍ ثَلَاثًا وَهَذِهِ أَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ نَحْوَ السِّدْرِ مَا دَامَ الْمَاءُ يَتَغَيَّرُ بِهِ يَمْنَعُ الْحُسْبَانَ عَنْ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، وَعُلِمَ أَنَّ اقْتِصَارَ الْمُصَنِّفِ كَالرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلْأَصْحَابِ عَلَى الْأَوْلَى مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ أَقَلِّ الْكَمَالِ، وَاقْتِضَاءُ الْمَتْنِ اسْتِوَاءُ السِّدْرِ وَالْخِطْمِيُّ، يُنَازِعُهُ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ: السِّدْرُ أَوْلَى لِلنَّصِّ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكُ لِلْبَدَنِ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاسْتِوَاءِ فِي أَصْلِ الْفَضِيلَةِ.
قِيلَ وَإِفْهَامُ الرَّوْضَةِ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا غَرِيبٌ، وَاسْتَحَبَّ الْمُزَنِيّ إعَادَةَ الْوُضُوءِ مَعَ كُلِّ غَسْلَةٍ وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يُخَالِفُهُ (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَجْعَلَ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ) مِنْ الثَّلَاثِ الَّتِي بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ (قَلِيلَ كَافُورٍ) وَفِي الْأَخِيرَةِ آكَدُ لِلْخَبَرِ الْآتِي وَلِتَقْوِيَةِ الْبَدَنِ وَدَفْعِهِ الْهَوَامَّ، وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ كَمَا فِي الْأُمِّ، وَخَرَجَ بِقَلِيلٍ الْكَثِيرُ بِحَيْثُ يَفْحُشُ التَّغَيُّرُ بِهِ فَإِنَّهُ يَسْلُبُ الْمَاءَ الطَّهُورِيَّةَ مَا لَمْ يَكُنْ صُلْبًا كَمَا مَرَّ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ، أَمَّا هُوَ فَيَحْرُمُ وَضْعُ الْكَافُورِ فِي مَاءِ غُسْلِهِ، ثُمَّ بَعْدَ تَكْمِيلِ الْغُسْلِ تُلَيَّنُ لِلْمَيِّتِ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يُنَشَّفُ تَنْشِيفًا بَلِيغًا لِئَلَّا تَبْتَلَّ أَكْفَانُهُ فَيُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، وَلَا يَأْتِي فِي هَذَا التَّنْشِيفِ الْخِلَافُ الْمَارُّ فِي تَنْشِيفِ الْحَيِّ، وَالْأَصْلُ فِيمَا مَرَّ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِغَاسِلَاتِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا، وَاغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْأَخِيرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ مِنْهُنَّ وَمَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا» وَقَوْلُهُ أَوْ خَمْسًا إلَى آخِرِهِ هُوَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ فِي النَّظَافَةِ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْوِتْرِ لَا التَّخْيِيرِ، وَقَوْلُهُ إنْ رَأَيْتُنَّ، أَيْ إنْ احْتَجْتُنَّ، وَكَافُ ذَلِكَ بِالْكَسْرِ خِطَابًا لِأُمِّ عَطِيَّةَ وَمَشَطْنَا وَضَفَرْنَا بِالتَّخْفِيفِ: وَثَلَاثَةُ قُرُونٍ: أَيْ ضَفَائِرُ الْقَرْنَيْنِ وَالنَّاصِيَةِ
[حاشية الشبراملسي]
ضَبْطِهِ بِالْقَلَمِ، وَيُفْتَحُ: نَبَاتٌ مُحَلَّلٌ مُنْضِجٌ مُلَيِّنٌ نَافِعٌ لِعُسْرِ الْبَوْلِ وَالْحَصَا وَالنَّسَا، وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: وَالْخِطْمِيُّ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَبِشَدِّ الْيَاءِ: غُسْلٌ مَعْرُوفٌ، فَقَوْلُهُ وَحُكِيَ ضَمُّهَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ، وَأَنَّ الْأَصْلَ وَحُكِيَ فَتْحُهَا لِيُوَافِقَ كَلَامَ هَؤُلَاءِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لُغَةٌ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: بَعْدَ تَكْمِيلِ الْغُسْلِ) زَادَ حَجّ كَأَثْنَائِهِ (قَوْلُهُ: لِئَلَّا تَبْتَلَّ أَكْفَانُهُ إلَخْ) زَادَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: وَبِهَذَا فَارَقَ غُسْلُ الْحَيِّ وَوُضُوءُهُ حَيْثُ اسْتَحَبُّوا تَرْكَ التَّنْشِيفِ فِيهِمَا اهـ (قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ فِيمَا مَرَّ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ إلَخْ) قَالَ حَجّ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ قُبَيْلَ بَابِ مَا جَاءَ فِي فِرَاشِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَفِيهِ «أَنَّهُ أَلْقَى إلَيْهِنَّ حِقْوَهُ: أَيْ إزَارَهُ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَجْعَلْنَهُ شِعَارَهَا الَّذِي يَلِي جَسَدَهَا» اهـ. وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ آثَارِ الصَّالِحِينَ وَجَعَلَهُ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ) اسْمُهَا نُسَيْبَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ، هِيَ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَقِيلَ بِنْتُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيَّةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - اهـ مِنْ جَامِعِ الْأُصُولِ لِابْنِ الْأَثِيرِ (قَوْلُهُ: وَكَافُ ذَلِكَ بِالْكَسْرِ) تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْبِرْمَاوِيَّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ حَيْثُ قَالَ بِكَسْرِ الْكَافِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ لِأُمِّ عَطِيَّةَ فِيمَا يَظْهَرُ وَإِلَّا لَقَالَ ذَلِكُنَّ اهـ. فَجَعَلَ الدَّلِيلَ عَلَى كَوْنِهِ خِطَابًا لِأُمِّ عَطِيَّةَ مُجَرَّدُ الْعُدُولِ عَنْ الْجَمْعِ إلَى الْإِفْرَادِ، لَكِنْ قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي الْمَصَابِيحِ: إنَّهُ مِمَّا قَامَتْ فِيهِ ذَلِكَ بِالْكَسْرِ مَقَامَ ذَلِكُنَّ وَقَدْ مَرَّ مِثْلُهُ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْخِطَابَ لَيْسَ لِأُمِّ عَطِيَّةَ وَحْدَهَا بَلْ لِجُمْلَةِ الْغَاسِلَاتِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ ضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي ابْدَأْنَ وَرَأَيْتُنَّ قَائِمًا مَقَامَ ضَمِيرِ الْوَاحِدَةِ فَيَكُونُ الْكُلُّ خِطَابًا لِأُمِّ عَطِيَّةَ لَعَلَّهُ؛ لِأَنَّ جُمْلَةَ الْغَاسِلَاتِ مَقْصُودَةٌ بِالْأَمْرِ لِمُبَاشَرَتِهِنَّ، وَيَجُوزُ أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ هِيَ الَّتِي شَافَهَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَمْرِ فَأَقَامَهَا مَقَامَهُنَّ فِي الْخِطَابِ مَعَ كَوْنِهِ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْكُلِّ، وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلَهُ وَكَافُ ذَلِكَ بِالْكَسْرِ: أَيْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْإِعْلَامِ وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: وَضَفَرْنَا بِالتَّخْفِيفِ) لَعَلَّ حِكْمَةَ التَّعْبِيرِ بِالتَّخْفِيفِ أَنَّهُ الْوَاقِعُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَنْبَغِي الْمُبَالَغَةُ فِي تَسْرِيحِهِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ التَّشْدِيدُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(فَلَوْ) (خَرَجَ) مِنْ الْمَيِّتِ (بَعْدَهُ) أَيْ الْغُسْلِ (نَجَسٌ) وَلَوْ مِنْ الْفَرْجِ وَقَبْلَ التَّكْفِينِ، أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ نَجَسٌ فِي آخِرِ غُسْلِهِ، أَوْ بَعْدَهُ (وَجَبَ إزَالَتُهُ فَقَطْ) مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ غُسْلٍ أَوْ غَيْرِهِ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِمَا جَرَى وَحُصُولِ النَّظَافَةِ بِإِزَالَةِ الْخَارِجِ (وَقِيلَ) فِيمَا إذَا لَمْ يُكَفَّنْ تَجِبُ إزَالَتُهُ (مَعَ الْغُسْلِ إنْ خَرَجَ مِنْ الْفَرْجِ) لِيَخْتِمَ أَمْرَهُ بِالْأَكْمَلِ (وَقِيلَ) فِي الْخَارِجِ مِنْهُ تَجِبُ إزَالَتُهُ مَعَ (الْوُضُوءِ) بِالْجَرِّ عَلَى مَا تَقَرَّرَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا إذْ جَرُّ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَعَ حَذْفِ الْمُضَافِ قَلِيلٌ لَا الْغُسْلِ كَمَا فِي الْحَيِّ، أَمَّا بَعْدَ التَّكْفِينِ فَيُجْزَمُ بِغَسْلِ النَّجَاسَةِ فَقَطْ، وَمَا فِي الْمُهِمَّاتِ عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا أَيْضًا إذَا كَانَ بَعْدَ التَّكْفِينِ مَرْدُودٌ، وَلَا يَصِيرُ الْمَيِّتُ جُنُبًا بِوَطْءٍ، أَوْ غَيْرِهِ وَلَا مُحْدِثًا بِمَسٍّ، أَوْ غَيْرِهِ لِانْتِفَاءِ تَكْلِيفِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْغَاسِلِ فَقَالَ (وَيُغَسِّلُ الرَّجُلَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةَ الْمَرْأَةُ) فَكُلٌّ أَوْلَى بِصَاحِبِهِ وَسَيَأْتِي تَرْتِيبُهُمْ، قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَالْأَوَّلُ فِيهِمَا هُوَ الْمَنْصُوبُ، بَلْ هُوَ هَكَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ وَذَلِكَ لِيَصِحَّ إسْنَادُ يُغَسِّلُ الْمُسْنَدِ لِلْمُذَكَّرِ لِلْمَرْأَةِ لِوُجُودِ الْفَاصِلِ بِالْمَفْعُولِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ أَتَى الْقَاضِي امْرَأَةً وَمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ، بَلْ يَجُوزُ رَفْعُ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا وَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ، وَيُقَدَّرُ فِي الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ فِعْلٌ مَبْدُوءٌ بِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ بِدُونِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ فَهُوَ تَابِعٌ، وَيُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَتْبُوعِ، وَقَدْ يُقَالُ تَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ هُنَا يُفِيدُ الْحَصْرَ وَالِاخْتِصَاصَ، وَلَوْ قَدَّمَ الْفَاعِلَ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنْهُ حَصْرٌ وَلَا يُعْتَرَضُ بِكَوْنِ الرَّجُلِ يُغَسِّلُ الْمَرْأَةَ وَعَكْسِهِ فِي صُوَرٍ إذْ كَلَامُنَا فِي الْأَصْلِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ فَهُوَ كَالْمُسْتَثْنَى، وَالْقِيَاسُ امْتِنَاعُ غُسْلِ الرَّجُلِ لِلْأَمْرَدِ إذَا حَرَّمْنَا النَّظَرَ لَهُ إلْحَاقًا
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: بِالْجَرِّ عَلَى مَا تَقَرَّرَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ تَجِبُ إزَالَتُهُ مَعَ الْوُضُوءِ وَقَرَّرَ حَجّ مَا يَقْتَضِي رَفْعَهُ حَيْثُ قَالَ: يَجِبُ مَعَ ذَلِكَ الْوُضُوءُ (قَوْلُهُ: لَا الْغُسْلِ) أَيْ فَلَا يَجِبُ.
[بَيَانِ الْغَاسِلِ]
(قَوْلُهُ: وَيُغَسِّلُ الرَّجُلَ الرَّجُلُ إلَخْ) [تَنْبِيهٌ] لَوْ صَرَفَ الْغَاسِلُ الْغُسْلَ عَنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ بِأَنْ قَصَدَ بِهِ الْغُسْلَ عَنْ الْجَنَابَةِ مَثَلًا إذَا كَانَ جُنُبًا يَنْبَغِي وِفَاقًا لَمْ ر أَنَّهُ يَكْفِي بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ النِّيَّةَ وَأَنَّ الْمَقْصُودَ النَّظَافَةُ وَهُوَ حَاصِلٌ، فَإِنْ قُلْنَا بِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ وَكَانَ جُنُبًا فَقَصَدَ الْغَاسِلُ الْغُسْلَ عَنْ الْجَنَابَةِ يَنْبَغِي وِفَاقًا لَمْ ر أَنَّهُ يَكْفِي كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ عَلَى الْحَيِّ غُسْلَانِ وَاجِبَانِ فَنَوَى أَحَدَهُمَا فَإِنَّهُ يَكْفِي اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: مَبْدُوءٌ بِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ) كَأَنْ يُقَالَ وَتُغَسِّلُ الْمَرْأَةَ الْمَرْأَةُ (قَوْلُهُ: بِدُونِ مَا ذُكِرَ) وَلِحُصُولِ الْفَصْلِ بِالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَهُوَ كَافٍ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: يُفِيدُ الْحَصْرَ وَالِاخْتِصَاصَ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: وَفِيهِ أَنَّ إفَادَةَ الِاخْتِصَاصِ إنَّمَا هُوَ فِي تَقْدِيمِ الْمَعْمُولِ عَلَى عَامِلِهِ، وَأَمَّا كَوْنُهَا فِي تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ عَلَى الْفَاعِلِ فَلَمْ أَعْلَمْهُ اهـ. أَقُولُ: وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ تَقْدِيمُ مَا حَقُّهُ التَّأْخِيرُ يُفِيدُ الْحَصْرَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي بِحَسَبِ الْوَضْعِ وَمَا فِي التَّلْخِيصِ بِحَسَبِ الِاسْتِعْمَالِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَالْقِيَاسُ امْتِنَاعُ غُسْلِ الرَّجُلِ لِلْأَمْرَدِ) خِلَافًا لحج.
[تَنْبِيهٌ] قَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ أَمْرَدَ حَسَنَ الْوَجْهِ وَلَمْ يَحْضُرْ مَحْرَمٌ لَهُ يُمِّمَ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى حُرْمَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ اهـ.
وَوَافَقَهُ م ر لَكِنْ قَيَّدَهُ بِمَا إذَا خَشِيَ الْفِتْنَةَ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ النَّظَرُ لِلْأَمْرَدِ إلَّا عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَهَذَا مِمَّا يُبْتَلَى بِهِ فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مُغَسِّلَ الْمُرْدِ الْحِسَانِ هُمْ الْأَجَانِبُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا هُوَ جَازَ لَهُ وَيَكُفُّ نَفْسَهُ مَا أَمْكَنَ قِيَاسًا عَلَى مَا قَالُوهُ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَجْنَبِيِّ النَّظَرُ لِلشَّهَادَةِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ خَافَ الْفِتْنَةَ إنْ تَعَيَّنَ وَيَكُفُّ نَفْسَهُ مَا أَمْكَنَ، إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ الْغُسْلَ هُنَا بَدَلًا، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا يُضَيِّعُ الْحَقَّ بِالِامْتِنَاعِ وَلَا بَدَلَ لَهَا، وَلَعَلَّهُ الْأَقْرَبُ (قَوْلُهُ إذَا حَرَّمْنَا النَّظَرَ) أَيْ بِأَنْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ تَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ هُنَا يُفِيدُ الْحَصْرَ إلَخْ) أَيْ يُقَالُ فِي تَوْجِيهِ كَلَامِ الشَّارِحِ أَيْضًا
لَهُ بِالْمَرْأَةِ.
(وَيُغَسِّلُ أَمَتَهُ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ مُكَاتَبَةً، أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ وَذِمِّيَّةً؛ لِأَنَّهُنَّ مَمْلُوكَاتٌ لَهُ فَأَشْبَهْنَ الزَّوْجَةَ، بَلْ أَوْلَى لِمِلْكِهِ الرَّقَبَةَ مَعَ الْبُضْعِ، وَالْكِتَابَةُ تَرْتَفِعُ بِالْمَوْتِ مَا لَمْ تَكُنْ الْمُتَوَفَّاةُ مِنْهُنَّ مُتَزَوِّجَةً، أَوْ مُعْتَدَّةً أَوْ مُسْتَبْرَأَةً لِتَحْرِيمِ بُضْعِهِنَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْمُشْتَرَكَةُ وَالْمُبَعَّضَةُ بِالْأَوْلَى، وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّ كُلَّ أَمَةٍ تَحْرُمُ عَلَيْهِ كَوَثَنِيَّةٍ وَمَجُوسِيَّةٍ كَذَلِكَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا بَحَثَهُ الْبَارِزِيُّ، وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْمِنْهَاجِ جَوَازُ ذَلِكَ لَا يُقَالُ: الْمُسْتَبْرَأَةُ إمَّا مَمْلُوكَةٌ بِالسَّبْيِ وَالْأَصَحُّ حِلُّ التَّمَتُّعَاتِ بِهَا مَا سِوَى الْوَطْءِ فَغُسْلُهَا أَوْلَى، أَوْ بِغَيْرِهِ فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ الْخَلْوَةُ بِهَا وَلَا لَمْسُهَا وَلَا النَّظَرُ إلَيْهَا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ غُسْلُهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: تَحْرِيمُ غُسْلِهَا لَيْسَ لِمَا ذُكِرَ بَلْ لِتَحْرِيمِ بُضْعِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ فَأَشْبَهَتْ الْمُعْتَدَّةَ بِجَامِعِ تَحْرِيمِ الْبُضْعِ وَتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِأَجْنَبِيٍّ.
. (وَ) يُغَسِّلُ (زَوْجَتَهُ) وَلَوْ كِتَابِيَّةً وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ رِجَالُ مَحَارِمِهَا مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهَا وَشَمَلَ ذَلِكَ مَا لَوْ نَكَحَ أُخْتَهَا، أَوْ نَحْوَهَا أَوْ أَرْبَعًا سِوَاهَا؛ لِأَنَّ حُقُوقَ النِّكَاحِ لَا تَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ بِدَلِيلِ التَّوَارُثِ " وَصَحَّ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: مَا ضَرُّك لَوْ مُتِّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُك وَكَفَّنْتُك وَصَلَّيْت عَلَيْك وَدَفَنْتُك» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ حِبَّانَ قَالَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَتِمَّةُ الْخَبَرِ «إذَا كُنْت تُصْبِحُ عَرُوسًا» ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ مَا ضَرُّك إلَى آخِرِهِ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يُغَسِّلُ عَائِشَةَ لِأَنَّهَا لَا تَمُوتُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ لَوْ حَرْفُ امْتِنَاعٍ لِامْتِنَاعٍ (وَهِيَ) تُغَسِّلُ (زَوْجَهَا) بِالْإِجْمَاعِ وَلِمَا صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا نِسَاؤُهُ: أَيْ لَوْ ظَهَرَ لَهَا قَوْلُهَا الْمَذْكُورُ وَقْتَ غُسْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَا غَسَّلَهُ إلَّا نِسَاؤُهُ لِمَصْلَحَتِهِنَّ بِالْقِيَامِ بِهَذَا الْغَرَضِ الْعَظِيمِ؛ وَلِأَنَّ جَمِيعَ بَدَنِهِ يَحِلُّ لَهُنَّ نَظَرُهُ حَالَ حَيَاتِهِ؛ وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى بِأَنْ تُغَسِّلَهُ زَوْجَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فَفَعَلَتْ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، وَلَا أَثَرَ لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِوَضْعٍ عَقِبَ مَوْتِهِ وَلَا لِنِكَاحِهَا غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لَهَا فَلَا يَسْقُطُ كَالْمِيرَاثِ
[حاشية الشبراملسي]
خِيفَ الْفِتْنَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
(قَوْلُهُ: وَيُغَسِّلُ أَمَتَهُ) أَيْ لَا الْعَكْسُ، فَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدَةٍ مِنْ الْأَمَةِ وَمَا بَعْدَهَا أَنْ تُغَسِّلَ سَيِّدَهَا لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهَا؛ وَلِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، شَرْحُ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ.
وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ أَيْضًا: بِخِلَافِ الْأَمَةِ لَا تُغَسِّلُ سَيِّدَهَا فِي الْأَصَحِّ، وَالْمُرَادُ بِأَمَتِهِ الَّتِي يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْمَوْتِ فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مَا لَوْ وَطِئَ إحْدَى أُخْتَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مِلْكِهِ ثُمَّ مَاتَتْ مَنْ لَمْ يَطَأْهَا قَبْلَ تَحْرِيمِ الْأُخْرَى فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُغَسِّلَهَا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ الْآتِي لِتَحْرِيمِ بُضْعِهِنَّ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ أَوْ مُعْتَدَّةً) أَيْ وَلَوْ مِنْ شُبْهَةٍ وَكَمَا لَا يُغَسِّلُ زَوْجَتَهُ الْمُعْتَدَّةَ عَنْ شُبْهَةٍ لَا تُغَسِّلُهُ كَمَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ: إذَا كُنْت تُصْبِحُ عَرُوسًا) وَلَا يُقَالُ فِيهِ رِضَاهَا بِمَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهَا عَلِمَتْ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ مِتّ أَنَّهَا لَا تَمُوتُ قَبْلَهُ، فَلَوْ طَلَبَتْ غَيْرَ ذَلِكَ لَكَانَ فِيهِ عَدَمُ تَصْدِيقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ أَوْ طَلَبُ مُسْتَحِيلٍ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَهِيَ تُغَسِّلُ زَوْجَهَا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا يَأْتِي لَهُ مِنْ أَنَّهَا لَا حَقَّ لَهَا فِي وِلَايَةِ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الْجَوَازِ (قَوْلُهُ: مَا غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا نِسَاؤُهُ) اُنْظُرْ هَلْ يَرُدُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ صَحَابِيٍّ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ قَوْلَهَا اُشْتُهِرَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - (قَوْلُهُ: أَيْ لَوْ ظَهَرَ لَهَا قَوْلُهَا إلَخْ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا ظَهَرَ لَهَا أَنَّ نِسَاءَهُ كُنَّ أَحَقَّ بِغُسْلِهِ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِنْ الرِّجَالِ، وَهُوَ لَا يُطَابِقُ الْمَقْصُودَ مِنْ أَنَّ غُسْلَهُنَّ جَائِزٌ مَعَ كَوْنِ غَيْرِهِنَّ مِنْ الرِّجَالِ أَحَقَّ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ وَالتَّقَدُّمِ، فَصَرَفَ عَنْ التَّقَدُّمِ صَارِفٌ فَبَقِيَ أَصْلُ الْجَوَازِ، أَوْ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهَا تَقُولُ: لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي إلَخْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لَا يُغَسِّلُ عَائِشَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمُوتُ قَبْلَهُ) هَذَا قَدْ يُنْتِجُ نَقِيضَ الْمَطْلُوبِ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَاهُ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ مَا ضَرَّكِ دَلِيلُ الْجَوَابِ، وَلَيْسَ الْجَوَابُ قَوْلَهُ فَغَسَّلْتُك إلَخْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَلَا أَثَرَ لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا) لَوْ أَخَّرَهُ عَنْ الْعِلَّةِ بَعْدَهُ
وَيُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُغَسِّلُ مُسْلِمًا أَنَّ الذِّمِّيَّةَ إنَّمَا تُغَسِّلُ زَوْجَهَا الذِّمِّيَّ لَا الرَّجْعِيَّةَ فَلَا تُغَسِّلُهُ لِحُرْمَةِ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ كَالزَّوْجَةِ فِي النَّفَقَةِ وَنَحْوِهَا، وَمِثْلُهَا بِالْأَوْلَى الْبَائِنُ بِطَلَاقٍ، أَوْ فَسْخٍ، وَأَلْحَقَ بِهَا الْأَذْرَعِيُّ الزَّوْجَةَ الْمُعْتَدَّةَ عَنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ فَلَا تُغَسِّلُ زَوْجَهَا وَلَا عَكْسُهُ، كَمَا لَا يُغَسِّلُ أَمَتَهُ الْمُعْتَدَّةَ وَفَارَقَتْ الْمُكَاتَبَةُ وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي جَوَازِ النَّظَرِ لِمَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ بِأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا تَعَلَّقَ بِأَجْنَبِيٍّ، بِخِلَافِهِ فِي الْمُكَاتَبَةِ فَانْدَفَعَ رَدَّ الزَّرْكَشِيُّ لَهُ بِقِيَاسِهَا عَلَيْهَا (وَيَلُفَّانِ) أَيْ السَّيِّدُ فِي تَغْسِيلِ أَمَتِهِ وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي تَغْسِيلِ الْآخَرِ (خِرْقَةً) عَلَى يَدِهِمَا اسْتِحْبَابًا (وَلَا مَسَّ) وَاقِعٌ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَيِّتِ أَيْ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِئَلَّا يُنْتَقَضَ وُضُوءُ الْغَاسِلِ فَقَطْ أَمَّا وُضُوءُ الْمَغْسُولِ فَلَا لِمَا مَرَّ، لَا يُقَالُ: هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ مَا مَرَّ مِنْ لَفِّ الْخِرْقَةِ الشَّامِلِ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ فِي لَفٍّ وَاجِبٍ وَهُوَ شَامِلٌ لَهُمَا وَهَذَا فِي لَفٍّ مَنْدُوبٍ وَهُوَ خَاصٌّ بِهِمَا فَلَا تَكْرَارَ، نَعَمْ الَّذِي يُتَوَهَّمُ إنَّمَا هُوَ تَكَرُّرُ هَذَا مَعَ مَنْ عَبَّرَ بِأَنَّهُ يُسَنُّ لِكُلِّ غَاسِلٍ لَفُّ خِرْقَةٍ عَلَى يَدِهِ فِي سَائِرِ غُسْلِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَكْرَارَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا بِالنَّظَرِ لِكَرَاهَةِ الْمَسِّ وَمَا هُنَا بِالنَّظَرِ لِانْتِقَاضِ الطُّهْرِ بِهِ.
(فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ) هَا (إلَّا أَجْنَبِيٌّ، أَوْ) لَمْ يَحْضُرْهُ إلَّا (أَجْنَبِيَّةٌ) (يُمِّمَ) أَيْ الْمَيِّتُ حَتْمًا (فِي الْأَصَحِّ) فِيهِمَا إلْحَاقًا
[حاشية الشبراملسي]
لَاسْتَرْضَيْت الَّذِينَ هُمْ أَحَقُّ بِالْغُسْلِ وَتَوَلَّيْنَا غُسْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: إنَّ الذِّمِّيَّةَ إنَّمَا تُغَسِّلُ زَوْجَهَا) إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهَا لَا حَقَّ لَهَا بِحَيْثُ تُقَدَّمُ بِهِ عَلَى غَيْرِهَا فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تُمَكَّنُ مِنْ التَّغْسِيلِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ عَدَمُ الْجَوَازِ.
ثُمَّ رَأَيْت بِهَامِشٍ عَنْ شَرْحِ الرَّوْضِ وَالْبَهْجَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَغْسِيلُ الذِّمِّيَّةِ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ، وَأَنَّ شَيْخَنَا الزِّيَادِيَّ اعْتَمَدَهُ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي قَوْلِ الْمَحَلِّيِّ إلَّا أَنَّ غُسْلَ الذِّمِّيَّةِ لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ مَكْرُوهٌ (قَوْلُهُ فَلَا تُغَسِّلُ زَوْجَهَا) مُعْتَمَدٌ وَذَلِكَ لِحُرْمَةِ النَّظَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ قُبَيْلَ الْخُطْبَةِ (قَوْلُهُ: أَيْ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ) أَيْ لَا يَحْسُنُ فَالْمَسُّ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الْعَوْرَةِ، أَمَّا فِيهَا فَحَرَامٌ لِمَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ: وَلَفُّ الْخِرْقَةِ وَاجِبٌ لِحُرْمَةِ مَسِّ شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ بِلَا حَائِلٍ (قَوْلُهُ: فَلَا لِمَا مَرَّ) أَيْ فَلَا يُنْتَقَضُ وَإِنْ نَقَضْنَا طُهْرَ الْمَلْمُوسِ الْحَيِّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَذِنَ لَهُ فِيهِ لِلْحَاجَةِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَهُوَ شَامِلٌ لَهُمَا) وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُرْمَةُ مَسِّ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَوْرَةَ الْآخَرِ وَكَرَاهَةُ مَسِّ مَا عَدَاهَا، وَبِهِ صَرَّحَ حَجّ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَنَقَلَ ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى حَجّ هُنَا عَنْ الشَّارِحِ جَوَازَ مَسِّ الْعَوْرَةِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَعَلَيْهِ فَمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ النَّدْبِ مُخَصَّصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ثَمَّ وَلَفُّ الْخِرْقَةِ وَاجِبٌ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ إلَّا فِي حَقِّ الزَّوْجَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ هُنَا وَهُوَ خَاصٌّ بِهِمَا، فَيَكُونُ الْمَسُّ وَلَوْ لِلْعَوْرَةِ عِنْدَهُ مَكْرُوهًا لَا حَرَامًا (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ هَذَا) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ بِأَنَّهُ يُسَنُّ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَجْنَبِيٌّ) قَالَ حَجّ بَعْدَ قَوْلِهِ أَجْنَبِيٌّ كَبِيرٌ وَاضِحٌ وَالْمَيِّتُ امْرَأَةٌ أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ كَذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَفْهُومَهُ.
قَالَ سم عَلَيْهِ: مَفْهُومُهُ أَنَّ الْخُنْثَى وَلَوْ كَبِيرًا إذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا هُوَ يُغَسِّلُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، وَقَدْ يُوَجَّهُ الْقِيَاسُ عَلَى عَكْسِهِ: أَيْ مَنْ لَهُمَا تَغْسِيلُهُ اهـ (قَوْلُهُ: يُمِّمَ) أَيْ بِحَائِلٍ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم عَلَى حَجّ: هَلْ تَجِبُ النِّيَّةُ أَمْ لَا اهـ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. أَقُولُ: الْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعِبَادَةِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ، لَكِنَّ عِبَارَةَ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الشَّوْبَرِيِّ عَلَى الْمَنْهَجِ نَصُّهَا: جَزَمَ حَجّ فِي الْإِيعَابِ بِعَدَمِ وُجُوبِ النِّيَّةِ كَالْغُسْلِ اهـ (قَوْلُهُ: فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا) وَلَوْ حَضَرَ مَنْ لَهُ غُسْلُهُمَا بَعْدَ الصَّلَاةِ وَجَبَ الْغُسْلُ كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ الْمَاءِ ثُمَّ وَجَدَهُ فَتَجِبُ
[حاشية الرشيدي]
كَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: وَيُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُغَسِّلُ مُسْلِمًا) أَيْ إنْ كَانَ هُنَاكَ غَيْرُهُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي قَرِيبًا فِي قَوْلِهِ وَلَوْ حَضَرَ الْمَيِّتَ الذَّكَرَ كَافِرٌ وَمُسْلِمَةٌ غَسَّلَهُ، ثُمَّ لَك أَنْ تَقُولَ: إنْ كَانَ مُرَادُ الشَّارِحِ بِمَا يَأْتِي مَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَشَرْطُ التَّقْدِيمِ الِاتِّحَادُ فِي الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ، فَعُلِمَ هَذَا مِنْهُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ فِي التَّقْدِيمِ وَعَدَمِهِ فَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ حُكْمُ الْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ غَيْرَ هَذَا فَفِي أَيِّ مَحَلٍّ (قَوْلُهُ: عَلَى يَدِهِمَا اسْتِحْبَابًا) ظَاهِرُهُ، وَلَوْ فِي الْعَوْرَةِ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ الشِّهَابِ سم فِي حَوَاشِي التُّحْفَةِ (قَوْلُهُ: فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ فِي لَفٍّ وَاجِبٍ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ فِي السَّوْأَتَيْنِ كَمَا مَرَّ.
لِفَقْدِ الْغَاسِلِ بِفَقْدِ الْمَاءِ، إذْ الْغُسْلُ مُتَعَذِّرٌ شَرْعًا لِتَوَقُّفِهِ عَلَى النَّظَرِ، أَوْ الْمَسِّ الْمُحَرَّمِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي ثِيَابٍ سَابِغَةٍ وَبِحَضْرَةِ نَهْرٍ مَثَلًا وَأَمْكَنَ غَمْسُهُ بِهِ لِيَصِلَ الْمَاءُ لِكُلِّ بَدَنِهِ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ وَلَا نَظَرٍ وَجَبَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ أَنَّهُ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ؛ لِأَنَّ إزَالَتَهَا لَا بُدَّ لَهَا بِخِلَافِ الْغُسْلِ، وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَصِحُّ قَبْلَ إزَالَتِهَا، وَلَوْ حَضَرَ الْمَيِّتَ الذَّكَرَ كَافِرٌ وَمُسْلِمَةٌ غَسَّلَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ النَّظَرَ إلَيْهِ دُونَهَا وَصَلَّتْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمَةُ وَالْوَلَدُ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يُشْتَهَى يُغَسِّلُهُ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى لِحِلِّ نَظَرِهِ وَمَسِّهِ، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ الْكَبِيرُ يُغَسِّلُهُ الْمَحَارِمُ مِنْهُمَا، فَإِنْ فُقِدُوا يُمِّمَ كَمَا لَوْ لَمْ يَحْضُرْ الْمَيِّتَ إلَّا أَجْنَبِيٌّ، كَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي تَبَعًا لِظَاهِرِ كَلَامِ أَصْلِهِ، وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَنَقَلَهُ عَنْ اتِّفَاقِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ تَغْسِيلَهُ لِلْحَاجَةِ وَاسْتِصْحَابًا لِحُكْمِ الصِّغَرِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، قَالَ: وَيُغَسَّلُ فَوْقَ ثَوْبٍ وَيَحْتَاطُ الْغَاسِلُ فِي غَضِّ الْبَصَرِ وَالْمَسِّ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ بِأَنَّهُ هُنَا يَحْتَمِلُ الِاتِّحَادَ فِي جِنْسِ الذُّكُورَةِ، أَوْ الْأُنُوثَةِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ، وَيُفَارِقُ ذَلِكَ أَخْذُهُمْ فِي بِالْأَحْوَطِ فِي النَّظَرِ بِأَنَّهُ مَحَلُّ حَاجَةٍ وَبِأَنَّهُ لَا يُخَافُ مِنْهُ الْفِتْنَةُ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يُغَسَّلُ الْمَيِّتُ فِي ثِيَابِهِ وَيَلُفُّ الْغَاسِلُ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً وَيَغُضُّ طَرْفَهُ مَا أَمْكَنَهُ، فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى النَّظَرِ نَظَرَ
[حاشية الشبراملسي]
إعَادَةُ الصَّلَاةِ هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْمُصَلِّينَ عَلَى الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهَا خَاتِمَةُ طَهَارَتِهِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: خَرَجَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مَا لَوْ حَضَرَ بَعْدَ الدَّفْنِ فَلَا يُنْبَشُ لِسُقُوطِ الطَّلَبِ بِالتَّيَمُّمِ بَدَلَ الْغُسْلِ.
وَلَيْسَ هَذَا كَمَا لَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ فَإِنَّهُ يُنْبَشُ لِأَجْلِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ثَمَّ غُسْلٌ وَلَا بَدَلُهُ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ الدَّفْنِ إدْلَاؤُهُ فِي الْقَبْرِ فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي الدَّرْسِ خِلَافُهُ فَلْيُحَرَّرْ (قَوْلُهُ: لِفَقْدِ الْغَاسِلِ بِفَقْدِ الْمَاءِ) أَيْ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ فِي مَحَلٍّ لَا يَجِبُ طَلَبُ الْمَاءِ مِنْهُ فَيُقَالُ مِثْلُهُ فِي فَقْدِ الْغَاسِلِ، وَلَوْ قِيلَ بِتَأْخِيرِهِ إلَى وَقْتٍ لَا يُخْشَى عَلَيْهِ فِيهِ التَّغَيُّرُ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا (قَوْلُهُ: لِكُلِّ بَدَنِهِ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ) : يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ وَأَمْكَنَ الصَّبُّ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَصِلُ الْمَاءُ إلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ بِلَا مَسٍّ وَلَا نَظَرٍ وَجَبَ.
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ) أَيْ الْأَجْنَبِيُّ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً: أَيْ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْعَوْرَةِ، فَلَوْ عَمَّتْ بَدَنَهَا وَجَبَتْ إزَالَتُهَا وَيَحْصُلُ بِذَلِكَ الْغُسْلُ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْفِينِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُسْلِ بِأَنَّ لَهُ بَدَلًا بِخِلَافِ التَّكْفِينِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا جَوَابُ مَا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا مَاتَ مَعَ زَوْجَتِهِ وَقْتَ جِمَاعِهِ لَهَا، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ بِكُلٍّ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ إزَالَةُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ وَإِنْ أَدَّى إلَى رُؤْيَةِ الْعَوْرَةِ (قَوْلُهُ: وَالْوَلَدُ الصَّغِيرُ) أَيْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (قَوْلُهُ يُغَسِّلُهُ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى) أَيْ يَجُوزُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا تَغْسِيلُهُ لَا أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ عَلَى غُسْلِهِ (قَوْلُهُ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ) أَيْ وَكَذَا مَنْ جُهِلَ أَيْ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى كَأَنْ أَكَلَ سَبُعٌ مَا بِهِ يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: إنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ تَغْسِيلُهُ) أَيْ عِنْدَ فَقْدِ الْمَحَارِمِ.
وَيَنْبَغِي اقْتِصَارُهُ عَلَى الْغُسْلِ الْوَاجِبِ دُونَ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَدُونَ الْوُضُوءِ وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: قَالَ النَّاشِرِيُّ: تَنْبِيهٌ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: حَيْثُ قُلْنَا إنَّ الْأَجْنَبِيَّ يُغَسِّلُ الْخُنْثَى فَيُتَّجَهُ اقْتِصَارُهُ عَلَى غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَنْدَفِعُ بِهَا اهـ. وَقَوْلُهُ وَيُغَسَّلُ: أَيْ الْخُنْثَى فَوْقَ ثَوْبٍ أَيْ وُجُوبًا.
وَقَوْلُهُ وَيَحْتَاطُ الْغَاسِلُ زَادَ حَجّ نَدْبًا (قَوْلُهُ: وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ) أَيْ حَيْثُ حَرُمَ عَلَى الْمَرْأَةِ تَغْسِيلُهُ وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ تَيَسَّرَ غُسْلُهُ فِي ثَوْبٍ سَابِغٍ بِلَا نَظَرٍ وَلَا مَسٍّ وَجَبَ لِجَوَازِ تَخْصِيصِ مَا سَبَقَ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَتُهُ بِمَا لَوْ أَمْكَنَ إلْقَاؤُهُ فِي نَهْرٍ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ وَلَا نَظَرٍ لِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ، وَمَا هُنَا بِمَا لَوْ غُسِّلَ فِي ثَوْبٍ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَوْ حَضَرَ الْمَيِّتَ الذَّكَرَ كَافِرٌ وَمُسْلِمَةٌ غَسَّلَهُ) أَيْ وُجُوبًا أَخْذًا مِنْ قَاعِدَةِ مَا جَازَ بَعْدَ امْتِنَاعٍ يَصْدُقُ بِالْوُجُوبِ وَبِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ) أَيْ الْوَاضِحِ.
لِلضَّرُورَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّجَالَ أَوْلَى بِغُسْلِ الرِّجَالِ لِلْأَمْنِ مِنْ نَقْضِ طُهْرِ الْحَيِّ كَمَا مَرَّ فَيَتَقَدَّمُونَ فِي غُسْلِ الرَّجُلِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَأَوْلَاهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَأَوْلَى الرِّجَالِ بِهِ) أَيْ الرَّجُلِ إذَا اجْتَمَعَ فِي غُسْلِهِ مِنْ أَقَارِبِهِ مَنْ يَصْلُحُ لِغُسْلِهِ (أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ) عَلَيْهِ وَهُمْ رِجَالُ الْعَصَبَاتِ مِنْ النَّسَبِ، ثُمَّ الْوَلَاءِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُمْ فِي الْفَرْعِ الْآتِي، ثُمَّ الزَّوْجَةُ بَعْدَهُمْ فِي الْأَصَحِّ لِمَا سَيَأْتِي فِي عَكْسِهِ، وَكَلَامُهُمْ يَشْمَلُ الزَّوْجَةَ وَالْأَمَةَ، وَذَكَرَ فِيهَا ابْنُ الْأُسْتَاذِ احْتِمَالَيْنِ: أَوْجَهُهُمَا لَا حَقَّ لَهَا لِبُعْدِهَا عَنْ الْمَنَاصِبِ وَالْوِلَايَاتِ، وَيَدُلُّ لَهُ كَلَامُ ابْنِ كَجٍّ الْآتِي، نَعَمْ الْأَفْقَهُ هُنَا أَوْلَى مِنْ الْأَسَنِّ كَمَا فِي الدَّفْنِ (وَ) أَوْلَى النِّسَاءِ (بِهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ فِي غُسْلِهَا إذَا اجْتَمَعَ مِنْ أَقَارِبِهَا مَنْ يَصْلُحُ لَهُ (قَرَابَاتُهَا) مِنْ النِّسَاءِ سَوَاءٌ الْمَحَارِمُ كَالْبَنَاتِ وَغَيْرِهِنَّ كَبِنْتِ الْعَمِّ لِأَنَّهُنَّ أَشْفَقُ مِنْ غَيْرِهِنَّ، وَقَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ: الْقَرَابَاتُ مِنْ كَلَامِ الْعَوَامّ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُجْمَعُ إلَّا عِنْدَ اخْتِلَافِ النَّوْعِ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا يُرَدُّ بِصِحَّةِ هَذَا الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَاتِ أَنْوَاعٌ: مَحْرَمٌ ذَاتُ رَحِمٍ كَالْأُمِّ، وَمَحْرَمٌ ذَاتُ عُصُوبَةٍ كَالْأُخْتِ، وَغَيْرُ مَحْرَمٍ كَبِنْتِ الْعَمِّ.
(وَيُقَدَّمْنَ عَلَى زَوْجٍ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ الْأُنْثَى بِالْأُنْثَى أَلْيَقُ، وَالثَّانِي يُقَدَّمُ عَلَيْهِنَّ؛ لِأَنَّهُ يُنْظَرُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ إلَى مَا لَا يَنْظُرْنَ إلَيْهِ مِنْهَا (وَأُولَاهُنَّ ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ) وَهِيَ مَنْ لَوْ فُرِضَتْ ذَكَرًا حَرُمَ تَنَاكُحُهُمَا، فَإِنْ اسْتَوَى اثْنَتَانِ فِيهَا قُدِّمَتْ ذَاتُ الْعُصُوبَةِ لَوْ كَانَتْ ذَكَرًا كَالْعَمَّةِ عَلَى الْخَالَةِ، فَإِنْ اسْتَوَيَا قُدِّمَ بِمَا يُقَدَّمُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْجَمِيعِ وَلَمْ يَتَشَاحَّا فَذَاكَ وَإِلَّا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ إنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ مَحْرَمِيَّةٍ قُدِّمَتْ الْقُرْبَى، فَالْقُرْبَى، ثُمَّ ذَاتُ الْوَلَاءِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْوَلَاءُ فِي الذُّكُورِ وَسَطًا وَأَخَّرُوهُ فِي الْإِنَاثِ لِأَنَّهُ فِي الذُّكُورِ مِنْ قَضَاءِ حَقِّ الْمَيِّتِ كَالتَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ وَالصَّلَاةِ وَهُمْ أَحَقُّ
[حاشية الشبراملسي]
مَعَ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْمَسِّ أَوْ النَّظَرِ لِبَعْضِ أَجْزَائِهِ.
(قَوْلُهُ: فَيَتَقَدَّمُونَ) أَيْ وُجُوبًا فِي غُسْلِ الرِّجَالِ حَيْثُ فَوَّضَ الْجِنْسَ إلَى غَيْرِهِ وَنَدْبًا بِدُونِ تَفْوِيضٍ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ إلَخْ.
[فَرْعٌ] لَوْ فَوَّضَ الْأَبُ مَثَلًا إلَى رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ مَعَ وُجُودِ رِجَالِ الْقَرَابَةِ وَالْوَلَاءِ أَوْ لِمَنْ هُوَ أَبْعَدُ مَعَ وُجُودِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ فَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْإِسْنَوِيِّ الْمَذْكُورِ الْجَوَازُ وَيَكُونُ أَوْلَى، ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْوَرْدِيِّ فِي التَّقْدِيمِ فِي الصَّلَاةِ مُقَدَّمًا فِيهَا وَغَسَّلَ الرَّجُلَ الْأَبُ ثُمَّ الِابْنُ وَأَعْلَى وَأَنْزَلُ إلَخْ مَا نَصُّهُ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَيُقَدَّمُ مَفْضُولُ الدَّرَجَةِ عَلَى نَائِبِ فَاضِلِهَا فِي الْأَقْيَسِ، وَنَائِبُ الْأَقْرَبِ الْغَائِبِ عَلَى الْبَعِيدِ الْحَاضِرِ اهـ. وَقَدْ لَا يُخَالِفُهُ كَلَامُ الْإِسْنَوِيِّ بِأَنْ يَجْعَلَ الْمُرَادَ مِنْهُ أَعْنِي مِنْ كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ بَيَانَ الْجَوَازِ لَا غَيْرُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ) اُنْظُرْ هَلْ الْأَوْلَى بِالْمَيِّتِ الرَّقِيقِ قَرِيبُهُ الْحُرُّ أَوْ سَيِّدُهُ اهـ سم عَلَى حَجّ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَنْقَطِعْ الْعَلَقَةُ بَيْنَهُمَا بِدَلِيلِ لُزُومِ مُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: أَوْجَهُهُمَا لَا حَقَّ لَهَا) أَيْ يَقْتَضِي أَنْ تُقَدَّمَ بِهِ عَلَى غَيْرِهَا، وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ جَوَازِ غُسْلِهَا، فَيَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ قَدْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا تَقْدِيمُ زَوْجِهَا الْعَبْدِ عَلَى رِجَالِ الْقَرَابَةِ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى الرَّقِيقَيْنِ: حَتَّى يُقَالَ إنَّ الزَّوْجَةَ الْأَمَةَ لَا حَقَّ لَهَا لِبُعْدِهَا عَنْ الْمَنَاصِبِ وَالْوِلَايَاتِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ مَعَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْمَنَاصِبِ وَالْوِلَايَاتِ أَيْضًا، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْعَبْدَ مِنْ جِنْسِ الرِّجَالِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَا كَذَلِكَ الْأَمَةُ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْقَرَابَاتِ أَنْوَاعٌ) لَكِنْ يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرِ مُضَافٍ: أَيْ ذَوَاتُ قَرَابَاتِهَا، أَوْ تُجْعَلُ الْقَرَابَةُ بِمَعْنَى الْقَرِيبَةِ مَجَازًا لِيَصِحَّ الْحَمْلُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَتْ ذَكَرًا كَالْعَمَّةِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعُدَتْ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَتَشَاحَّا) بِأَنْ فَوَّضَتْ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى، أَوْ أَرَادَ الِاجْتِمَاعَ عَلَى الْغُسْلِ أَوْ طَلَبَتْهُ إحْدَاهُمَا فَوَافَقَتْهَا الْأُخْرَى (قَوْلُهُ: ثُمَّ ذَاتُ الْوَلَاءِ) أَيْ صَاحِبَةُ الْوَلَاءِ بِأَنْ كَانَتْ مُعْتَقَةً.
أَمَّا الْعَتِيقَةُ فَلَا حَقَّ لَهَا فِي الْغُسْلِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا جُعِلَ الْوَلَاءُ فِي الذُّكُورِ وَسَطًا) أَيْ بَيْنَ الْأَقَارِبِ حَيْثُ قُدِّمَ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَأَخَّرُوهُ فِي الْإِنَاثِ إنْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا جُعِلَ الْوَلَاءُ فِي الذُّكُورِ وَسَطًا) أَيْ بَيْنَ عَصَبَاتِ النَّسَبِ وَذِي الرَّحِمِ
بِهِ مِنْهُنَّ لِقُوَّتِهِمْ، وَلِهَذَا يَرِثُونَهُ بِالِاتِّفَاقِ وَيُؤَدُّونَ دُيُونَهُ وَيُنَفِّذُونَ وَصَايَاهُ، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا لِذَوِي الْأَرْحَامِ مَعَ وُجُودِهِمْ، وَقُدِّمَتْ ذَوَاتُ الْأَرْحَامِ عَلَى ذَوَاتِ الْوَلَاءِ فِي غُسْلِ الْإِنَاثِ لِأَنَّهُنَّ أَشْفَقْنَ مِنْهُنَّ وَلِضَعْفِ الْوَلَاءِ فِي الْإِنَاثِ، وَلِهَذَا لَا تَرِثُ امْرَأَةٌ بِوَلَاءٍ إلَّا عَتِيقَهَا أَوْ مُنْتَمِيًا لَهُ بِنَسَبٍ، أَوْ وَلَاءٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَوَاتِ الْوَلَاءِ مَحَارِمُ الرَّضَاعِ، ثُمَّ مَحَارِمُ الْمُصَاهَرَةِ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا بَحَثَهُمَا الْأَذْرَعِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرَا بَيْنَهُمَا تَرْتِيبًا، قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَعَلَيْهِ تُقَدَّمُ بِنْتُ عَمٍّ بَعِيدَةٍ هِيَ مَحْرَمٌ مِنْ الرَّضَاعِ عَلَى بِنْتِ عَمٍّ أَقْرَبَ مِنْهَا بِلَا مَحْرَمِيَّةٍ (ثُمَّ الْأَجْنَبِيَّةُ) ؛ لِأَنَّهَا أَلْيَقُ (ثُمَّ رِجَالُ الْقَرَابَةِ) مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا (كَتَرْتِيبِ صَلَاتِهِمْ) لِأَنَّهُمْ أَشْفَقُ عَلَيْهَا وَيَطَّلِعُونَ غَالِبًا عَلَى مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْغَيْرُ.
(قُلْت: إلَّا ابْنَ الْعَمِّ وَنَحْوَهُ) مِنْ كُلِّ قَرِيبٍ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ (فَكَالْأَجْنَبِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) أَيْ لَا حَقَّ لَهُ فِي غُسْلِهَا قَطْعًا لِحُرْمَةِ نَظَرِهِ لَهَا وَالْخَلْوَةِ بِهَا وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ حَقٌّ (وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ) أَيْ رِجَالِ الْقَرَابَةِ الْمَحَارِمِ (الزَّوْجُ) حُرًّا كَانَ، أَوْ عَبْدًا (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى مَا لَا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَالثَّانِي يُقَدَّمُونَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ تَدُومُ وَالنِّكَاحَ يَنْتَهِي بِالْمَوْتِ، وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ تَقْدِيمُ الْأَجْنَبِيَّاتِ عَلَى الزَّوْجِ، وَشَرْطُ التَّقْدِيمِ الِاتِّحَادُ فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ الْكُفْرِ، وَأَنْ يَكُونَ حُرًّا مُكَلَّفًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ قَاتِلًا لِلْمَيِّتِ وَلَوْ بِحَقٍّ كَمَا فِي إرْثِهِ مِنْهُ، وَكَذَا الْكَافِرُ الْبَعِيدُ أَوْلَى بِالْكَافِرِ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْقَاتِلِ الْقَرِيبَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَمُولِيُّ فِي الْأَوْلَى، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَكُونَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ الْقَاتِلِ بِحَقٍّ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فَاسِقًا، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ بَلْ صَرِيحُهُ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ كَذَلِكَ
[حاشية الشبراملسي]
قَدَّمُوا ذَوَاتِ الْأَرْحَامِ عَلَى ذَوَاتِ الْوَلَاءِ (قَوْلُهُ: وَيُؤَدُّونَ دُيُونَهُ) يُتَأَمَّلُ قَوْلُهُ وَيُؤَدُّونَ دُيُونَهُ وَيُنَفِّذُونَ وَصَايَاهُ، فَإِنَّ قَضِيَّتَهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ حَاصِلٌ لَهُمْ زِيَادَةٌ عَلَى الْإِرْثِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ قَضَاءَ الدُّيُونِ وَتَنْفِيذَ الْوَصَايَا إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ وَرَثَةً، وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ حَيْثُ وَرِثُوا (قَوْلُهُ: لَكِنْ لَمْ يَذْكُرَا بَيْنَهُمَا تَرْتِيبًا) أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّهُ أَخَذَ التَّرْتِيبَ بَيْنَهُمَا لِمَعْنًى قَامَ عِنْدَهُ كَأَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ بِالرَّضَاعِ أَقْوَى، لِمَا وَرَدَ أَنَّ اللَّحْمَ يَتَرَبَّى مِنْ اللَّبَنِ، فَكَأَنَّهُ حَصَلَ جُزْءٌ مِنْ الْمُرْضِعَةِ فِي بَدَنِ الرَّضِيعِ وَلَا كَذَلِكَ الْمُصَاهَرَةُ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ تُقَدَّمُ بِنْتُ عَمٍّ) فِي كَلَامِ الزِّيَادِيِّ مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ رُبَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ عُمُومِهِ أَنَّ بِنْتَ الْعَمِّ الْبَعِيدَةَ إذَا كَانَتْ أُمًّا مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ أُخْتًا تُقَدَّمُ عَلَى بِنْتِ الْعَمِّ الْقَرِيبَةِ.
وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَحْرَمِيَّةُ مِنْ حَيْثُ النِّسْبَةُ وَلِذَا لَمْ يُعَبِّرْ بِالرَّضَاعِ هُنَا بِالْكُلِّيَّةِ (قَوْلُهُ: هِيَ مَحْرَمٌ مِنْ الرَّضَاعِ) وَقِيَاسُهُ أَنَّ الْمُصَاهَرَةَ كَذَلِكَ كَبِنْتِ ابْنِ عَمٍّ هِيَ أُمُّ زَوْجَةِ حَيْثُ كَانَ الْمَيِّتُ ذَكَرًا (قَوْلُهُ: عَلَى بِنْتِ عَمٍّ) قَضِيَّةُ مَا ذُكِرَ أَنَّ الْبُلْقِينِيَّ إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي بِنْتَيْ الْعَمِّ، وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ حَجّ خِلَافُهُ، وَعَلَيْهِ فَبِنْتُ الْخَالَةِ مَعَ بِنْتِ ابْنِ الْخَالِ إذَا كَانَ لِلْبَعْدِيِّ مَحْرَمِيَّةٌ مِنْ الرَّضَاعِ تُقَدَّمُ عَلَى الْقُرْبَى (قَوْلُهُ: كَتَرْتِيبِ صَلَاتِهِمْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ: نَعَمْ الْأَفْقَهُ أَحَقُّ مِنْ الْأَسَنِّ هُنَا، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ.
قَالَ سم: وَقَوْلُهُ هُنَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ أَحَقُّ اهـ (قَوْلُهُ وَشَرْطُ التَّقْدِيمِ) أَيْ شَرْطُ كَوْنِهِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ عَلَى غَيْرِهِ مَا ذُكِرَ.
وَعَلَيْهِ فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْكَافِرِ تَغْسِيلُ الْمُسْلِمِ وَلَا عَلَى الْقَاتِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَكِنْ يَنْبَغِي كَرَاهَةُ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْمَحَلِّيِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلذِّمِّيَّةِ تَغْسِيلُ زَوْجِهَا الْمُسْلِمِ (قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَكُونَ قَاتِلًا لِلْمَيِّتِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: وَهَذَا عَدَّاهُ السُّبْكِيُّ إلَى غَيْرِ غُسْلِهِ فَقَالَ: لَيْسَ لِقَاتِلِهِ حَقٌّ فِي غُسْلِهِ وَلَا الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَلَا دَفْنِهِ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ غَيْرِهِ، وَنَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَكُونَ فَاسِقًا) قَالَ حَجّ: وَأَنْ لَا يَكُونَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ تَقْدِيمُ الْأَجْنَبِيَّاتِ عَلَى الزَّوْجِ) أَيْ مِنْ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي تَقْدِيمِ رِجَالِ الْقَرَابَةِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُمْ مُؤَخَّرُونَ عَنْهُنَّ اتِّفَاقًا.
بِالنِّسْبَةِ لِلتَّفْوِيضِ لِغَيْرِ الْجِنْسِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْمَيِّتِ، أَمَّا هُوَ بِدُونِ تَفْوِيضٍ فَمَنْدُوبٌ.
(وَلَا يُقَرَّبُ الْمُحْرِمُ طِيبًا) إذَا مَاتَ أَيْ يَحْرُمُ تَطْيِيبُهُ وَطَرْحُ الْكَافُورِ فِي مَاءِ غُسْلِهِ كَمَا يَمْتَنِعُ فِعْلُهُ فِي كَفَنِهِ كَمَا مَرَّ (وَلَا يُؤْخَذُ شَعْرُهُ وَظُفْرُهُ) أَيْ يَحْرُمُ إزَالَةُ ذَلِكَ مِنْهُ إبْقَاءً لِإِثْرِ الْإِحْرَامِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا فِدْيَةَ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْغَزِّيِّ وَذَهَبَ الْبُلْقِينِيُّ إلَى أَنَّ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ إيجَابُهَا عَلَى الْفَاعِلِ كَمَا لَوْ حَلَقَ شَعْرَ نَائِمٍ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّائِمَ بِصَدَدِ عَوْدِهِ إلَى الْفَهْمِ وَلِهَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى تَكْلِيفِهِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ، ثُمَّ مَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ فِيمَا قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ أَمَّا بَعْدَهُ فَهُوَ كَغَيْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ وَلَا بَأْسَ بِالْبَخُورِ عِنْدَ غُسْلِهِ كَجُلُوسِ الْحَيِّ عِنْدَ الْعَطَّارِ وَلَا يَأْتِي هُنَا مَا قِيلَ مِنْ كَرَاهَةِ جُلُوسِهِ عِنْدَ الْعَطَّارِ بِقَصْدِ الرَّائِحَةِ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ هُنَا بِخِلَافِ مَا هُنَاكَ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ حَلْقِ رَأْسِهِ إذَا مَاتَ وَبَقِيَ عَلَيْهِ الْحَلْقُ لِيَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِانْقِطَاعِ تَكْلِيفِهِ فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ حَلْقٌ وَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ طَوَافٌ، أَوْ سَعْيٌ (وَتُطَيَّبُ الْمُعْتَدَّةُ) الْمُحَدَّةُ (فِي الْأَصَحِّ) أَيْ لَا يَحْرُمُ تَطْيِيبُهَا؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ عَلَيْهَا إنَّمَا كَانَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الرِّجَالِ وَلِلتَّفَجُّعِ عَنْ الزَّوْجِ وَقَدْ زَالَا بِالْمَوْتِ وَالثَّانِي يَحْرُمُ قِيَاسًا عَلَى الْمُحْرِمِ وَرُدَّ بِأَنَّ التَّحْرِيمَ فِي الْمُحْرِمِ كَانَ لِحَقِّ اللَّهِ وَلَا يَزُولُ بِالْمَوْتِ.
(وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِ) الْمَيِّتِ (الْمُحْرِمِ أَخْذُ ظُفْرِهِ وَشَعْرِ إبْطِهِ وَعَانَتِهِ وَشَارِبِهِ) لِعَدَمِ وُرُودِ نَهْيٍ فِيهِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَا يُسْتَحَبُّ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ إنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَالْحَيِّ وَالْقَدِيمِ أَنَّهُ يُكْرَهُ وَرَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (قُلْت: الْأَظْهَرُ كَرَاهَتُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَإِنْ اعْتَادَ إزَالَتَهُ حَيًّا؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْمَيِّتِ مُحْتَرَمَةٌ فَلَا تُنْتَهَكُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ بَلْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِالْإِسْرَاعِ الْمُنَافِي لِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ مَصِيرَهُ إلَى الْبِلَى وَصَحَّ النَّهْيُ عَنْ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، وَنَقَلَ فِي الْمَجْمُوعِ الْكَرَاهَةَ عَنْ الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ فَهُوَ جَدِيدٌ أَيْضًا وَالصَّحِيحُ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ
[حاشية الشبراملسي]
فَاسِقًا وَلَا صَبِيًّا وَإِنْ مَيَّزَ عَلَى الْأَوْجَهِ اهـ. وَيُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ مُكَلَّفًا إلَخْ (قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ لِلتَّفْوِيضِ لِغَيْرِ الْجِنْسِ) فَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى أَنْ تُغَسِّلَهُ زَوْجَتَهُ فَفَعَلَتْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ تَفْوِيضٌ، إذْ صُورَةُ التَّفْوِيضِ أَنْ يَمْتَنِعَ مَنْ لَهُ الْحَقُّ مِنْ الْفِعْلِ وَيُفَوِّضَهُ لِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ أَمَّا هُوَ) أَيْ التَّرْتِيبُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ تَفْوِيضٌ فَفِيهِ مُسَامَحَةٌ فَتَأَمَّلْهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُؤْخَذُ شَعْرُهُ) قَالَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ: ثُمَّ إنْ أُخِذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ أَوْ اُنْتُتِفَ بِتَسْرِيحٍ أَوْ نَحْوِهِ صُرَّ فِي كَفَنِهِ لِيُدْفَنَ مَعَهُ اهـ. وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلُهُ صُرَّ إلَخْ صَرُّهُ فِي كَفَنِهِ وَدَفْنُهُ مَعَهُ سُنَّةٌ.
وَأَمَّا أَصْلُ دَفْنِهِ فَوَاجِبٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا انْفَصَلَ مِنْ الْمَيِّتِ أَوْ مِنْ حَيٍّ وَمَاتَ عَقِبَ انْفِصَالِهِ مِنْ شَعْرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ يَسِيرًا يَجِبُ دَفْنُهُ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ صَرُّهُ فِي كَفَنِهِ وَدَفْنُهُ مَعَهُ م ر اهـ. وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُرَدُّ الْمُنْتَتَفُ إلَيْهِ.
وَأَمَّا دَفْنُهُ فَسَيَأْتِي، وَقَوْلُهُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْهُ مَا لَوْ تَقَطَّعَتْ مَصَارِينُ الْمَيِّتِ وَنَزَلَتْ فَيَجِبُ دَفْنُهَا، وَيُسَنُّ كَوْنُهَا مَعَهُ فِي كَفَنِهِ (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ) لَفْظُهُ «لَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» اهـ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَعِبَارَةُ الْبُخَارِيِّ: «لَا تَمَسُّوهُ طِيبًا» ، وَبِلَفْظٍ: «وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ» اهـ. وَضَبَطَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ شَارِحُهُ بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْمِيمِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَلَهُ بِضَمِّهَا وَكَسْرِ الْمِيمِ فِي اللَّفْظَيْنِ اهـ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمَيِّتِ) أَيْ فَلَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى الْفَاعِلِ بِهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ مَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ) أَيْ مِنْ حُرْمَةِ التَّطْيِيبِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِالْبَخُورِ عِنْدَ غُسْلِهِ) أَيْ بَلْ وَلَا قَبْلَهُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ فِي قَوْلِهِ بَلْ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ يُسَنُّ أَنْ يُبَخَّرَ عِنْدَهُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ بِهِ) هَلْ الْمُرَادُ لَا يَجُوزُ أَوْ لَا يُطْلَبُ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ الْمُفَرَّعِ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ أَيْ لَا يَحْرُمُ تَطْيِيبُهَا) أَيْ وَيَنْبَغِي كَرَاهَتُهُ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (قَوْلُهُ: وَصَحَّ النَّهْيُ عَنْ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ) وَهُوَ مَا لَمْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ حَلْقِ رَأْسِهِ إلَخْ) قَضِيَّةُ تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ لِيَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا حُرْمَةُ الْحَلْقِ وَقَضِيَّةُ تَعْلِيلِهِ ثَانِيًا بِقَوْلِهِ لِانْقِطَاعِ تَكْلِيفِهِ فَلَا يُطْلَبُ إلَخْ أَنَّ الْمَمْنُوعَ إنَّمَا هُوَ طَلَبُ الْحَلْقِ لَا أَصْلُهُ فَلْيُرَاجَعْ ثُمَّ لَا يَخْفَى مَا فِي عِبَارَتِهِ هَذِهِ مِنْ الْحَزَازَةِ.
الْمَيِّتَ لَا يُخْتَنُ وَإِنْ كَانَ بَالِغًا لِأَنَّهُ جُزْءٌ فَلَا يَنْقَطِعُ كَيَدِهِ الْمُسْتَحَقَّةِ فِي قَطْعِ سَرِقَةٍ، أَوْ قَوَدٍ وَجَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ وَالْعُبَابِ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ أَيْ وَإِنْ عَصَى بِتَأْخِيرِهِ ثُمَّ مَحَلُّ كَرَاهَةِ إزَالَةِ شَعْرِهِ مَا لَمْ تَدْعُ حَاجَةٌ إلَيْهِ وَإِلَّا كَأَنْ لَبَّدَ شَعْرُ رَأْسِهِ، أَوْ لِحْيَتِهِ بِصِبْغٍ، أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ كَانَ بِهِ قُرُوحٌ مَثَلًا وَجَمُدَ دَمُهَا بِحَيْثُ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى أُصُولِهِ إلَّا بِإِزَالَتِهِ وَجَبَتْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ فِي قُوتِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ
فَصْلٌ فِي تَكْفِينِ الْمَيِّتِ وَحَمْلِهِ وَتَوَابِعِهِمَا
(يُكَفَّنُ) الْمَيِّتُ بَعْدَ طُهْرِهِ (بِمَا) أَيْ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِ مَا يَجُوزُ (لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا) فَيَجُوزُ تَكْفِينُ الْمَرْأَةِ وَغَيْرِ الْمُكَلَّفِ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ فِي الْحَرِيرِ وَالْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، بِخِلَافِ الْخُنْثَى وَالْبَالِغِ فَيَمْتَنِعُ تَكْفِينُهُمَا فِي الْمُزَعْفَرِ وَالْحَرِيرِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِمَا لَا الْمُعَصْفَرِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ تَكْفِينُ قَرِيبِهِ الذِّمِّيِّ فِيمَا يَمْتَنِعُ تَكْفِينُ الْمُسْلِمِ فِيهِ، وَلَوْ
[حاشية الشبراملسي]
يَكُنْ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا لَمْ يُوَافِقْ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ (قَوْلُهُ: وَجَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ وَالْعُبَابِ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ) هَلْ وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْ غَسْلُ مَا تَحْتَ الْقُلْفَةِ إلَّا بِقَطْعِهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَقِيَاسُ مَا يَأْتِي مِنْ وُجُوبِ حَلْقِ الشَّعْرِ الْمُتَلَبِّدِ وُجُوبُهُ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ هَذَا جَزٌّ وَالِانْتِهَاكُ فِي قَطْعِهِ أَكْثَرُ مِنْ إزَالَةِ الشَّعْرِ فَلْيُرَاجَعْ وَعِبَارَةُ حَجّ: وَمِنْ ثَمَّ حَرُمَ خَتْنُهُ وَإِنْ عَصَى بِتَأْخِيرِهِ أَوْ تَعَذَّرَ غَسْلُ مَا تَحْتَ قُلْفَتِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ، وَعَلَيْهِ فَيُمِّمَ عَمَّا تَحْتَهَا اهـ. وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ أَوْ تَعَذَّرَ إلَخْ: أَيْ وَإِنْ وَجَبَ إزَالَةُ شَيْءٍ يُمْنَعُ الْغُسْلُ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ م ر اهـ.
ثُمَّ مَا ذُكِرَ ظَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ قُلْفَتِهِ نَجَاسَةٌ.
أَمَّا إذَا كَانَ تَحْتَهَا ذَلِكَ فَلَا يُيَمَّمُ عَلَى مُعْتَمَدِ الشَّارِحِ بَلْ يُدْفَنُ حَالًا مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ وَلَا صَلَاةٍ وَعَلَى مَا قَالَهُ حَجّ مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَنْ النَّجَاسَةِ إذَا تَعَذَّرَتْ إزَالَتُهَا يُمِّمَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ مَا لَوْ وُجِدَ تُرَابٌ لَا يَكْفِي الْمَيِّتَ وَالْحَيَّ فَهَلْ يُقَدَّمُ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ بَلْ الْمُتَعَيِّنُ تَقْدِيمُ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ إذَا يُمِّمَ بِهِ الْمَيِّتُ يُصَلِّي عَلَيْهِ الْحَيُّ صَلَاةَ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، وَإِذَا يُمِّمَ بِهِ الْحَيُّ لَا يُصَلِّي بِهِ عَلَى الْمَيِّتِ لِعَدَمِ طَهَارَتِهِ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي تَيَمُّمِ الْحَيِّ بِهِ (قَوْلُهُ: إلَّا بِإِزَالَتِهِ وَجَبَتْ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا لَوْ انْشَقَّ جَوْفُهُ وَكَثُرَ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مِنْهُ وَلَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ ذَلِكَ إلَّا بِخِيَاطَةِ الْفَتْقِ، فَيَجِبُ وَيَنْبَغِي جَوَازُ ذَلِكَ إذَا تَرَتَّبَ عَلَى عَدَمِ الْخِيَاطَةِ مُجَرَّدُ خُرُوجِ أَمْعَائِهِ وَإِنْ أَمْكَنَ غُسْلُهُ؛ لِأَنَّ فِي خُرُوجِهَا هَتْكًا لِحُرْمَتِهِ وَالْخِيَاطَةُ تَمْنَعُهُ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَ بِبَدَنِ الْمَيِّتِ طُبُوعٌ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ فَهَلْ تَجِبُ إزَالَةُ الشَّعْرِ حِينَئِذٍ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي قِيَاسًا عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنْ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ الطُّبُوعِ فِي الْحَيِّ وَيُكْتَفَى بِغَسْلِ الشَّعْرِ، وَإِنْ مَنَعَ الطُّبُوعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ، وَلَا يَجِبُ التَّيَمُّمُ عَنْهُ خِلَافًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّ الشَّارِحَ خَصَّ ذَلِكَ ثُمَّ بِالشَّعْرِ الَّذِي فِي إزَالَتِهِ مُثْلَةٌ كَاللِّحْيَةِ، أَمَّا غَيْرُهُ كَشَعْرِ الْإِبْطِ وَالْعَانَةِ فَتَجِبُ إزَالَتُهُ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي هُنَا الْعَفْوُ بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِ الشُّعُورِ؛ لِأَنَّ فِي إزَالَةِ الشَّعْرِ مِنْ الْمَيِّتِ هَتْكًا لِحُرْمَتِهِ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ.
(فَصْلٌ) فِي تَكْفِينِ الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ: بَعْدَ طُهْرِهِ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ كُفِّنَ قَبْلَ طُهْرِهِ ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لِغُسْلِهِ لَمْ يَجُزْ وَلَكِنَّهُ يُعْتَدُّ بِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ كَوْنَهُ بَعْدَ طُهْرِهِ أَوْلَى فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: فِي الْحَرِيرِ وَالْمُزَعْفَرِ) أَيْ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ فِي اللِّبَاسِ وَهُوَ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الْمُزَعْفَرُ عُرْفًا (قَوْلُهُ: مَعَ الْكَرَاهَةِ) رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَرِيرِ وَالْمُزَعْفَرِ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَا الْمُعَصْفَرِ) أَيْ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ
[حاشية الرشيدي]
[فَصْلٌ فِي تَكْفِينِ الْمَيِّتِ وَحَمْلِهِ وَتَوَابِعِهِمَا] فَصْلٌ) فِي تَكْفِينِ الْمَيِّتِ إِلَخْ
اُسْتُشْهِدَ فِي ثِيَابٍ حَرِيرٍ لَبِسَهَا لِضَرُورَةٍ كَدَفْعِ قَمْلٍ جَازَ تَكْفِينُهُ فِيهَا مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ تَكْفِينُهُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي اُسْتُشْهِدَ فِيهَا لَا سِيَّمَا إذَا تَلَطَّخَتْ بِدَمِهِ كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَبَعًا لِلْأَذْرَعِيِّ فِي أَحَدِ كَلَامَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَاضِيًا عَلَى مَنْعِ التَّكْفِينِ فِي الْحَرِيرِ، وَلِهَذَا لَوْ لَبِسَ الرَّجُلُ حَرِيرًا لِحَكَّةٍ أَوْ قَمْلٍ مَثَلًا وَاسْتَمَرَّ السَّبَبُ الْمُبِيحُ لَهُ ذَلِكَ إلَى مَوْتِهِ حُرِّمَ تَكْفِينُهُ فِيهِ عَمَلًا بِعُمُومِ النَّهْيِ وَلِانْقِضَاءِ السَّبَبِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ مِنْ أَجْلِهِ وَلَمْ يَخْلُفْهُ مُقْتَضٍ لِذَلِكَ أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَيْضًا، وَالْأَوْجَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ وَبَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِالطِّينِ هُنَا عِنْدَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَلَوْ حَشِيشًا وَإِنْ اكْتَفِي بِهِ فِي الْحَيَاةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِزْرَاءِ بِالْمَيِّتِ، وَلِهَذَا بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ عَدَمَ جَوَازِ تَكْفِينِهِ بِمُتَنَجِّسٍ بِمَا لَا يُعْفَى عَنْهُ مَعَ وُجُودِ طَاهِرٍ وَإِنْ جَازَ لُبْسُهُ فِي الْحَيَاةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي.
هَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ الطَّاهِرُ حَرِيرًا، فَإِنْ كَانَ قَدَّمَ عَلَيْهِ الْمُتَنَجِّسَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْقَمُولِيُّ وَغَيْرُهُمَا لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى رَأْيٍ لَهُ مَرْجُوحٍ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَيِّتِ نَجَاسَةٌ أَوْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ تَكْفِينِهِ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ فَالْمَذْهَبُ تَكْفِينُهُ فِي الْحَرِيرِ لَا الْمُتَنَجِّسِ، وَتَعْلِيلُهُمْ اشْتِرَاطَ تَقْدِيمِ غُسْلِهِ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ كَصَلَاتِهِ نَفْسِهِ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ عَدَمِ جَوَازِ تَكْفِينِ الْمَيِّتِ فِي الْمُتَنَجِّسِ مَعَ وُجُودِ الْحَرِيرِ وَبَيْنَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ بِالْمُتَنَجِّسِ دُونَ الْحَرِيرِ وَاضِحٌ، أَفَادَ ذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الْفَقِيهِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُجَيْلٍ الْيَمَنِيِّ: يُشْتَرَطُ فِي الْمَيِّتِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُصَلِّي مِنْ الطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْأَوْجَهُ وُجُوبُ تَقْدِيمِ الْجِلْدِ ثُمَّ الْحَشِيشِ عِنْدَ فَقْدِ الثَّوْبِ عَلَى التَّطْيِينِ ثُمَّ هُوَ، وَلَا يَجُوزُ فِي الذَّكَرِ وَلَا فِي الْأُنْثَى تَكْفِينُهُ بِمَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، وَقِيَاسُ إبَاحَةِ تَطْيِيبِ الْمُحَدَّةِ بَعْدَ مَوْتِهَا جَوَازُ تَكْفِينِهَا فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا لُبْسُهُ حَالَ حَيَاتِهَا،
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: لِضَرُورَةٍ) فَلَوْ تَعَدَّى بِلُبْسِهِ ثُمَّ اُسْتُشْهِدَ فِيهِ فَلَا عِبْرَةَ بِهَذَا اللُّبْسِ لِلتَّعَدِّي فَيُنْزَعُ م ر اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: جَازَ تَكْفِينُهُ) قَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِالْجَوَازِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ أَوْلَى، وَقَضِيَّتُهُ أَيْضًا جَوَازُ التَّعَدُّدِ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ لُبْسَهُ فِي الْأَصْلِ لِحَاجَةٍ فَاسْتُدِيمَتْ (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ ذَلِكَ قَاضِيًا) أَيْ رَادًّا وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مُسْتَثْنًى، عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ يُمْكِنُ اسْتِفَادَتُهُ مِنْ قَوْلِهِ بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا فَإِنَّ ذَلِكَ شَامِلٌ لِمَا جَازَ لُبْسُهُ لِلضَّرُورَةِ وَلِغَيْرِهِ، لَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّهُ لَوْ لَبِسَهُ لِنَحْوِ حَكَّةٍ لَمْ يَجُزْ تَكْفِينُهُ فِيهِ لِانْقِطَاعِ السَّبَبِ الْمُبِيحِ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ عِلَّةِ الْجَوَازِ أَنَّ السُّنَّةَ تَكْفِينُهُ، فِي ثِيَابِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَخْلُفْهُ مُقْتَضٍ لِذَلِكَ) وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا لَوْ مَاتَ الشَّهِيدُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي لَبِسَهَا لِلضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ وَإِنْ انْقَطَعَ السَّبَبُ الَّذِي لَبِسَ لِأَجْلِهِ فَقَدْ خَلَفَهُ أَنَّ الْأَوْلَى تَكْفِينُ الشَّهِيدِ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا (قَوْلُهُ: مَعَ وُجُودِ طَاهِرٍ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الطِّينَ يُقَدَّمُ عَلَى الْمُتَنَجِّسِ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِزْرَاءِ بِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُلَطَّخَ بِالطِّينِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَوْ يُصَلَّى عَلَيْهِ عُرْيَانًا، وَيُحْتَرَزُ عَنْ رُؤْيَةِ عَوْرَتِهِ وَيُكَفَّنُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمُتَنَجِّسِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: فَالْمَذْهَبُ تَكْفِينُهُ فِي الْحَرِيرِ) وَهَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ أَمْ تَجِبُ الثَّلَاثَةُ؟ نَقَلَ سم عَنْ م ر الْأَوَّلَ وَقَالَ: إنَّهُ إنَّمَا جَازَ لِلضَّرُورَةِ وَهِيَ تَنْدَفِعُ بِالْوَاحِدِ وَفِيهِ وَقْفَةٌ، وَالْأَقْرَبُ وُجُوبُ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الْحَرِيرَ يَجُوزُ فِي الْحَيِّ لِأَدْنَى حَاجَةٍ كَالْجَرَبِ وَالْحَكَّةِ وَدَفْعِ الْقَمْلِ وَلِلتَّجَمُّلِ وَمَا هُنَا أَوْلَى (قَوْلُهُ: لَا الْمُتَنَجِّسِ) أَيْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا فَيُكَفَّنُ فِي الْمُتَنَجِّسِ: أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَارِيًّا إذْ لَا تَصِحُّ مَعَ النَّجَاسَةِ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
وَالْمُتَبَادِرُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ مَا يَكْفِي أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ غُسْلِهِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنْ الثَّوْبِ أَنْ يُقَدِّمَ غُسْلَهُ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ مِنْ الثَّوْبِ وَهُوَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ آكَدُ مِنْ الْكَفَنِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ يُنْبَشُ، وَلَوْ دُفِنَ بِلَا كَفَنٍ لَمْ يُنْبَشْ اكْتِفَاءً بِالتُّرَابِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: تُقَدَّمُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ لِأَنَّهَا لَا بَدَلَ لَهَا، بِخِلَافِ الْغُسْلِ فَإِنَّ لَهُ بَدَلًا وَهُوَ التَّيَمُّمُ (قَوْلُهُ: وَاضِحٌ) وَهُوَ أَنَّ فِي تَكْفِينِهِ بِالنَّجِسِ إزْرَاءً بِهِ مِنْ الْمُكَفِّنِ بِخِلَافِ الْمُبَاشِرِ لِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: عِنْدَ فَقْدِ الثَّوْبِ) أَيْ وَلَوْ حَرِيرًا وَقَوْلُهُ ثُمَّ هُوَ: أَيْ التَّطْيِينُ (قَوْلُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ) شَامِلٌ لِمَا لَوْ كَانَ الْغَيْرُ جِلْدَا أَوْ حَشِيشًا أَوْ طِينًا، وَفِيهِ نَظَرٌ خُصُوصًا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَشِيشِ وَالطِّينِ،
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَبِهِ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي، وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِحُرْمَةِ سَتْرِ الْجِنَازَةِ بِحَرِيرٍ وَكُلِّ مَا الْمَقْصُودُ بِهِ الزِّينَةُ وَلَوْ امْرَأَةً كَمَا يَحْرُمُ سَتْرُ بَيْتِهَا بِحَرِيرٍ، وَخَالَفَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ فَجَوَّزَ الْحَرِيرَ فِيهَا وَفِي الطِّفْلِ، وَاعْتَمَدَهُ جَمْعٌ وَهُوَ أَوْجَهُ (وَأَقَلُّهُ ثَوْبٌ) وَاحِدٌ يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ هُنَا كَالصَّلَاةِ وَجَمِيعِ بَدَنِهِ إلَّا رَأْسَ الْمُحْرِمِ.
وَوَجْهُ الْمُحْرِمَةِ كَمَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُقْرِي فِي شَرْحِ إرْشَادِهِ كَالْأَذْرَعِيِّ تَبَعًا لِجُمْهُورِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَفَاءً بِحَقِّ الْمَيِّتِ، وَمَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ وَالشَّرْحِ الصَّغِيرِ مِنْ أَنَّ أَقَلَّهُ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ مَحْمُولٌ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ، فَعَلَى الثَّانِي يَخْتَلِفُ قَدْرُهُ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ لَا بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي الْكِفَايَةِ، فَيَجِبُ فِي الْمَرْأَةِ مَا يَسْتُرُ بَدَنَهَا إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً لِزَوَالِ الرِّقِّ بِالْمَوْتِ، وَمِمَّنْ اسْتَثْنَى الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ الْمُصَنِّفُ فِي مَجْمُوعِهِ لَكِنَّهُ فَرَضَهُ فِي الْحُرَّةِ، وَوُجُوبُ سَتْرِهِمَا فِي الْحَيَاةِ لَيْسَ لِكَوْنِهِمَا عَوْرَةً بَلْ لِكَوْنِ النَّظَرِ إلَيْهِمَا يُوقِعُ فِي الْفِتْنَةِ غَالِبًا، وَلَا يُنَافِيهِ مَا مَرَّ مِنْ جَوَازِ تَغْسِيلِ السَّيِّدِ لَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِكَوْنِهَا بَاقِيَةً فِي مِلْكِهِ بَلْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ آثَارِ الْمِلْكِ كَمَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ تَغْسِيلُ زَوْجَتِهِ مَعَ أَنَّ مِلْكَهُ زَالَ عَنْهَا (وَلَا تُنَفَّذُ) بِالتَّشْدِيدِ وَالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَيَجُوزُ عَكْسُهُ (وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِ) أَيْ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ اللَّائِي ذَكَرَهُمَا فِي الْأَفْضَلِ فَإِنَّهُمَا حَقٌّ لِلْمَيِّتِ تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِمَا، وَلَوْ أَوْصَى بِسَاتِرِ الْعَوْرَةِ لَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ أَيْضًا، وَيَجِبُ تَكْفِينُهُ بِسَاتِرٍ لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنْ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ جَارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَقَطْ أَيْضًا.
وَعَدَمُ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ إنَّمَا هُوَ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِهِ، وَالْوَصِيَّةُ لَا تُنَفَّذُ بِالْمَكْرُوهِ، وَإِنَّمَا لَمْ نُعَوِّلْ عَلَى وَصِيَّتِهِ بِإِسْقَاطِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِلشَّيْءِ
[حاشية الشبراملسي]
وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ مَعَ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الثَّلَاثَةِ لِتَحْصِيلِ السَّتْرِ وَنَفْيِ الْإِزْرَاءِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا (قَوْلُهُ: وَبِهِ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِحُرْمَةِ سَتْرِ إلَخْ) أَيْ وَسَتْرِ تَوَابِيتِ الْأَوْلِيَاءِ (قَوْلُهُ فَيَجُوزُ الْحَرِيرُ.
. إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّ سَتْرَ سَرِيرِهَا يُعَدُّ اسْتِعْمَالًا مُتَعَلِّقًا بِبَدَنِهَا وَهُوَ جَائِزٌ لَهَا، فَمَهْمَا جَازَ لَهَا فِعْلُهُ فِي حَيَاتِهَا جَازَ فِعْلُهُ لَهَا بَعْدَ مَوْتِهَا حَتَّى يَجُوزَ تَحْلِيَتُهَا بِنَحْوِ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَدَفْنُهُ مَعَهَا حَيْثُ رَضِيَ الْوَرَثَةُ وَكَانُوا كَامِلِينَ، وَلَا يُقَالُ إنَّهُ تَضْيِيعُ مَالٍ لِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِغَرَضٍ وَهُوَ إكْرَامُ الْمَيِّتِ وَتَعْظِيمُهُ وَتَضْيِيعُ الْمَالِ وَإِتْلَافُهُ لِغَرَضٍ جَائِزٌ م ر اهـ سم عَلَى حَجّ.
[فَرْعٌ] هَلْ يَجُوزُ التَّكْفِينُ فِي ثَوْبٍ بَالٍ بِحَيْثُ يَذُوبُ سَرِيعًا لَكِنَّهُ سَاتِرٌ فِي الْحَالِ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُعَدَّ إزْرَاءً بِالْمَيِّتِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُ سم هُنَا وَهُوَ إكْرَامُ الْمَيِّتِ وَتَعْظِيمُهُ: أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ، فَلَوْ أَخْرَجَهَا سَيْلٌ أَوْ نَحْوُهُ جَازَ لَهُمْ أَخْذُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ فَتْحُ الْقَبْرِ لِإِخْرَاجِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ مَعَ رِضَاهُمْ بِدَفْنِهِ مَعَهَا، فَلَوْ تَعَدَّوْا وَفَتَحُوا الْقَبْرَ وَأَخَذُوا مَا فِيهِ جَازَ لَهُمْ التَّصَرُّفُ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَفَاءً بِحَقِّ الْمَيِّتِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَجَمِيعُ بَدَنِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّ أَقَلَّهُ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ) أَيْ عَوْرَةَ الصَّلَاةِ لِمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ فَيَجِبُ فِي الْمَرْأَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَعَلَى الثَّانِي) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ (قَوْلُهُ: فَيَجِبُ فِي الْمَرْأَةِ) مِنْ تَفَارِيعِ قَوْلِهِ فَعَلَى الثَّانِي مُخْتَلِفٌ قَدْرُهُ بِالذُّكُورَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ مِلْكَهُ زَالَ) لَا يُقَالُ: إنَّمَا جَازَ لِلزَّوْجِ ذَلِكَ لِبَقَاءِ آثَارِ الزَّوْجِيَّةِ كَالتَّوَارُثِ وَبِمَوْتِ الْأَمَةِ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ آثَارِ الْمِلْكِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: وُجُوبُ تَجْهِيزِهَا عَلَى السَّيِّدِ مِنْ آثَارِ الْمِلْكِ فَهُمَا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ نُعَوِّلْ عَلَى وَصِيَّتِهِ إلَخْ) لَعَلَّ هَذَا جَوَابٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَإِلَّا فَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَكْرُوهِ كَافٍ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَيَجِبُ فِي الْمَرْأَةِ مَا يَسْتُرُ بَدَنَهَا إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) إلَى آخِرِ السِّوَادَةِ تَفْرِيعٌ عَلَى الثَّانِي (قَوْلُهُ: أَيْ الثَّوْبُ الْوَاحِدُ) أَيْ بِأَنْ أَوْصَى بِدَفْنِهِ عُرْيَانًا بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ
قَبْلَ وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ بِمَوْتِهِ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ صِحَّةُ وَصِيَّتِهِ بِإِسْقَاطِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ مَعَ أَنَّهُ إسْقَاطٌ لِلشَّيْءِ قَبْلَ وُجُوبِهِ أَيْضًا لِاخْتِلَافِ جِهَةِ الْحُقُوقِ هُنَا، فَسَتْرُ الْعَوْرَةِ مَحْضُ حَقِّهِ تَعَالَى، وَبَاقِي الْبَدَنِ فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَحَقٌّ لِلْمَيِّتِ فَلَمْ يَمْلِكْ إسْقَاطَهُ لِانْضِمَامِ حَقِّهِ تَعَالَى فِيهِ، وَمَا زَادَ عَلَى الثَّوْبِ مَحْضُ حَقِّ الْمَيِّتِ فَلَهُ إسْقَاطُهُ، فَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يُوصِ بِذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ يُكَفَّنُ بِثَوْبٍ سَاتِرٍ جَمِيعَ الْبَدَنِ وَبَعْضُهُمْ بِثَلَاثَةٍ كَفَنٍ فِي ثَلَاثَةٍ لُزُومًا؛ لِأَنَّهَا مَحْضُ حَقِّ الْمَيِّتِ مِنْ تَرِكَتِهِ فَيُكَفَّنُ فِيهَا حَيْثُ لَا دَيْنَ يَسْتَغْرِقُهَا وَلَا وَصِيَّةَ بِإِسْقَاطِهَا، وَلَوْ اتَّفَقُوا عَلَى ثَوْبٍ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي التَّتِمَّةِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّهُ الْأَقْيَسُ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ وَقَالَ الْغُرَمَاءُ يُكَفَّنُ فِي ثَوْبٍ وَالْوَرَثَةُ فِي ثَلَاثَةٍ أُجِيبَ الْغُرَمَاءُ لِأَنَّهُ إلَى بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ أَحْوَجُ مِنْهُ إلَى زِيَادَةِ السَّتْرِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَلَوْ قَالَ الْغُرَمَاءُ يُكَفَّنُ بِسَاتِرٍ الْعَوْرَةَ وَالْوَرَثَةُ بِسَاتِرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ نَقَلَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَى سَاتِرٍ جَمِيعَ الْبَدَنِ، وَلَوْ اتَّفَقَ الْغُرَمَاءُ وَالْوَرَثَةُ عَلَى ثَلَاثَةٍ جَازَ بِلَا خِلَافٍ: أَيْ وَلَا نَظَرَ لِبَقَاءِ ذِمَّتِهِ مُرْتَهِنَةً بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ رِضَاهُمْ قَدْ يَقْتَضِي فَكَّ ذِمَّتِهِ.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَفَنَ بَعْدَ مَا مَرَّ مِنْ مَرَاتِبِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْغُرَمَاءِ سَاتِرٌ جَمِيعَ بَدَنِهِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْوَرَثَةِ ثَلَاثَةٌ فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ الْمَنْعُ مِنْهَا تَقْدِيمًا لِحَقِّ الْمَالِكِ، وَفَارَقَ الْغَرِيمُ بِأَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ وَبِأَنَّ مَنْفَعَةَ صَرْفِ الْمَالِ لَهُ تَعُودُ إلَى الْمَيِّتِ، بِخِلَافِ الْوَارِثِ فِيهِمَا هَذَا كُلُّهُ إنْ كُفِّنَ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ كُفِّنَ مِنْ غَيْرِهَا لَمْ يَلْزَمْ مَنْ يُجْهِزُهُ مِنْ سَيِّدٍ وَزَوْجٍ وَقَرِيبٍ وَبَيْتِ مَالٍ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ سَاتِرٌ لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، بَلْ يَحْرُمُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الرَّوْضَةِ، وَكَذَا لَوْ كُفِّنَ مِمَّا وُقِفَ لِلتَّكْفِينِ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ.
قَالَ: وَيَكُونُ سَابِغًا وَلَا يُعْطَى الْحُنُوطُ وَالْقُطْنُ فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْأَثْوَابِ الْمُسْتَحَبَّةِ الَّتِي لَا تُعْطَى عَلَى الْأَظْهَرِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَيَكُونُ سَابِغًا
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ إلَخْ) هَذَا لَا يُنَاسَبُ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ إلَخْ، إذْ اخْتِلَافُ الْحُقُوقِ لَا يُصَيِّرُ ذَلِكَ وَاجِبًا حِينَ الْوَصِيَّةِ، فَلَمْ يَظْهَرْ بِمَا ذَكَرَهُ فَرْقٌ بَيْنَ مَا زَادَ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَبَيْنَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، نَعَمْ يَنْدَفِعُ بِهِ الْإِشْكَالُ عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى سَاتِرِ الْعَوْرَةِ مَكْرُوهٌ (قَوْلُهُ: وَلَا وَصِيَّةَ بِإِسْقَاطِهَا) أَيْ الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاجِبِ (قَوْلُهُ كَفَّنَ فِي ثَلَاثَةٍ) أَيْ وُجُوبًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إلَى بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ أَحْوَجُ) وَيَظْهَرُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا لَوْ يَكُونُوا حَاضِرِينَ (قَوْلُهُ: الِاتِّفَاقُ عَلَى سَاتِرٍ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: قَدْ يَقْتَضِي فَكَّ ذِمَّتِهِ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الرِّضَا لَا يَقْتَضِي بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ، وَمُقْتَضَى عَدَمِ الْبَرَاءَةِ أَنْ لَا تَنْفَكَّ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ رِضَاهُمْ وَإِنْ لَمْ يَقْتَضِ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ فِيهِ رِضًا بِبَقَائِهِ فِي الذِّمَّةِ، وَيَجُوزُ أَنَّ مُجَرَّدَ ذَلِكَ كَافٍ فِي عَدَمِ حَبْسِ الرُّوحِ عَنْ مَقَامِهَا وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ بَاقِيًا فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: بَعْدَ مَا مَرَّ مِنْ مَرَاتِبِهِ) الْأَوْلَى إسْقَاطُ مِنْ، وَعَلَى ثُبُوتِهَا فَقَوْلُهُ مِنْ مَرَاتِبِهِ بَيَانٌ لِمَا، وَقَوْلُهُ بِالنِّسْبَةِ مُتَعَلِّقٌ بِسَاتِرٍ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ سَاتِرٌ خَبَرُ أَنَّ (قَوْلُهُ: لَمْ يَلْزَمْ مَنْ يُجَهِّزُهُ) وَلَوْ غَنِيًّا (قَوْلُهُ: مِنْ سَيِّدٍ وَزَوْجٍ) أَيْ وَيُعْتَبَرُ فِيهِ حَالُ الزَّوْجِ دُونَ الْمَرْأَةِ فَحَالُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ يُخَالِفُهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فِي هَذِهِ، وَفِي أَنَّهَا: أَيْ هُنَا إمْتَاعٌ وَأَنَّهَا لَا تَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُعْسِرِ اهـ بِالْمَعْنَى.
(قَوْلُهُ: وَبَيْتِ مَالٍ) وَعَلَيْهِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى مُتَوَلِّي بَيْتِ الْمَالِ مُرَاعَاةُ حَالِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ مُقِلًّا فَمِنْ خَشِنِهَا وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا فَمِنْ مُتَوَسِّطِهَا أَوْ مُكْثِرًا فَمِنْ جِيَادِهَا أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي (قَوْلُهُ: بَلْ تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) أَيْ فَيَحْرُمُ عَلَى وَلِيِّ الْمَيِّتِ أَخْذُهُ، وَإِذَا اتَّفَقَ ذَلِكَ فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى وَلِيِّ الْمَيِّتِ دُونَ أَمِينِ بَيْتِ الْمَالِ لَكِنَّهُ طَرِيقٌ فِي الضَّمَانِ، وَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا نَبْشُهُ لِتَقْصِيرِهِمَا بِالدَّفْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَالْمَغْصُوبِ الْآتِي؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ ثَمَّ لَمْ يَرْضَ بِالدَّفْنِ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُعْطَى الْحَنُوطُ) أَيْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَالْمَوْقُوفُ وَالزَّوْجُ وَغَيْرُهُمْ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْأَثْوَابِ)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَقَالَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ يُكَفَّنُ بِثَوْبٍ سَاتِرٍ إلَخْ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ الَّذِي بَعْدَهُ
أَنَّهُ يُعْطَى وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَقَدْ حَرَّرْنَا هَذَا الْمَقَامَ حَسَبَ الِاسْتِطَاعَةِ وَرُبَّمَا لَا يُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُؤَلَّفَاتِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ (وَالْأَفْضَلُ لِلرَّجُلِ) أَيْ الذَّكَرِ وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ مُحْرِمًا (ثَلَاثَةٌ) لِخَبَرِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ الثَّلَاثَةِ مِنْ التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً فَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا أَفْضَلُ مِمَّا زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَ (وَيَجُوزُ) مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (رَابِعٌ وَخَامِسٌ) ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَفَّنَ ابنا لَهُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ قَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ وَثَلَاثِ لَفَائِفَ، نَعَمْ هِيَ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ كَمَا مَرَّ، أَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فَمَكْرُوهَةٌ لَا مُحَرَّمَةٌ.
نَعَمْ مَحَلُّ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْوَرَثَةُ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ وَرَضُوا بِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ أَوْ غَائِبٌ فَلَا (وَ) الْأَفْضَلُ (لَهَا) وَلِلْخُنْثَى (خَمْسَةٌ) مِنْ أَثْوَابٍ لِزِيَادَةِ السَّتْرِ فِي حَقِّهَا وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا كَمَا مَرَّ (وَمَنْ كُفِّنَ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَالْخُنْثَى مُلْحَقٌ بِهَا كَمَا مَرَّ (بِثَلَاثَةٍ فَهِيَ) كُلُّهَا (لَفَائِفُ) مُتَسَاوِيَةٌ طُولًا وَعَرْضًا يَعُمُّ كُلٌّ مِنْهَا جَمِيعَ الْبَدَنِ غَيْرَ رَأْسِ الْمُحْرِمِ وَوَجْهِ الْمُحْرِمَةِ: أَيْ الْأَفْضَلُ فِيهَا ذَلِكَ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْأَوْلَى أَوْسَعُ كَمَا سَيَأْتِي، وَقِيلَ مُتَفَاوِتَةٌ.
وَقَوْلُهُ لَفَائِفُ هَلْ يُعْتَبَرُ لَهُ مَفْهُومٌ حَتَّى لَوْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ ثَلَاثَةً عَلَى هَيْئَةِ لَفَائِفَ، لَا يُجَابُونَ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ فَيُجَابُونَ؟ قَالَ فِي الْإِسْعَادِ: الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ نَظَرًا إلَى تَنْقِيصِ الْمَيِّتِ وَالِاسْتِهَانَةِ بِهِ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ فِي كَفَنِهِ (وَإِنْ كُفِّنَ) ذَكَرٌ (فِي خَمْسَةٍ زِيدَ قَمِيصٌ) إنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا (وَعِمَامَةٌ تَحْتَهُنَّ) أَيْ اللَّفَائِفِ اقْتِدَاءً بِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، أَمَّا الْمُحْرِمُ فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْبَسُ مَخِيطًا (وَإِنْ كُفِّنَتْ) أَيْ امْرَأَةٌ (فِي خَمْسَةٍ فَإِزَارٌ) أَوَّلًا (وَخِمَارٌ) وَهُوَ مَا يُغَطَّى الرَّأْسُ بِهِ (وَقَمِيصٌ) قَبْلَ الْخِمَارِ (وَلِفَافَتَانِ) بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَفَّنَ فِيهَا ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ (وَفِي قَوْلٍ ثَلَاثُ لَفَائِفَ وَإِزَارٌ وَخِمَارٌ) أَيْ وَاللِّفَافَةُ الثَّالِثَةُ بَدَلُ الْقَمِيصِ لِأَنَّ الْخَمْسَةَ لَهَا كَالثَّلَاثَةِ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ فِي كَوْنِهِ مُسْتَحَبًّا (قَوْلُهُ: أَنَّهُ يُعْطَى) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ السَّابِغِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ مَحْرَمًا) أَيْ أَوْ ذِمِّيًّا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ (قَوْلُهُ: سُحُولِيَّةٍ) بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا اهـ دَمِيرِيٌّ.
زَادَ حَجّ عَلَى الشَّمَائِلِ فِي بَابِ وَفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ قَوْلِهِ سُحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالسَّحُولِيَّةُ بِالْفَتْحِ عَلَى الْأَشْهَرِ الْأَكْثَرُ فِي الرِّوَايَاتِ مَنْسُوبَةٌ إلَى السَّحُولِ وَهُوَ الْقَصَّارُ لِأَنَّهُ يُسْحِلُهَا: أَيْ يَغْسِلُهَا، وَإِلَى سَحُولٍ قَرْيَةٍ بِالْيُمْنِ وَبِالضَّمِّ جَمْعُ سُحُلٍ وَهُوَ الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ النَّقِيُّ وَلَا يَكُونُ إلَّا مِنْ قُطْنٍ، وَفِيهِ شُذُوذٌ لِأَنَّهُ نَسَبٌ إلَى الْجَمْعِ، وَقِيلَ اسْمُ الْقَرْيَةِ بِالضَّمِّ أَيْضًا، وَالْكُرْسُفُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ الْقُطْنُ (قَوْلُهُ: وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ أَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ (قَوْلُهُ نَعَمْ مَحَلُّ ذَلِكَ) أَيْ جَوَازُ الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ (قَوْلُهُ: مُتَسَاوِيًا طُولًا وَعَرْضًا) أَيْ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا تَنْقُصُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا عَنْ سَتْرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَأَفَادَ قَوْلُهُ فَهِيَ لَفَائِفُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الْقَمِيصُ أَوْ الْمَلُوطَةِ عَنْ إحْدَاهَا وَهُوَ مُوَافِقٌ لَمْ يَأْتِي عَنْ الْإِسْعَادِ فَتَنَبَّهْ لَهُ (قَوْلُهُ: أَيْ الْأَفْضَلُ فِيهَا ذَلِكَ) أَيْ أَنْ تَسْتُرَ جَمِيعَ الْبَدَنِ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْسَعُ) هَذَا وَإِنْ ظَهَرَ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ يَعُمُّ كُلٌّ مِنْهَا جَمِيعَ الْبَدَنِ لَا يَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ مُتَسَاوِيًا طُولًا وَعَرْضًا، وَسَيَأْتِي مَا يُفِيدُ هَذَا فِي قَوْلِ الشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيَبْسُطُ أَحْسَنَ اللَّفَائِفِ إلَخْ (قَوْلُهُ: كَمَا سَيَأْتِي) أَيْ فِي قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ أَوْسَعُهَا إنْ اتَّفَقَ لِمَا مَرَّ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلِفَافَتَانِ) قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيُشَدُّ عَلَى صَدْرِ الْمَرْأَةِ ثَوْبٌ لِئَلَّا تَضْطَرِبَ ثَدْيَاهَا عِنْدَ الْحَمْلِ فَتَنْتَشِرَ الْأَكْفَانُ قَالَ الْأَئِمَّةُ: وَهَذَا ثَوْبٌ سَادِسٌ لَيْسَ مِنْ الْأَكْفَانِ يُشَدُّ فَوْقَهَا وَيُحَلُّ عَنْهَا فِي الْقَبْرِ اهـ شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ.:
قَوْلُهُ لِئَلَّا تَضْطَرِبَ إلَخْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ كَوْنُهُ سَاتِرًا لِجَمِيعِ الثَّدْيَيْنِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَعُمَّ الْبَدَنَ وَلَا مُعْظَمَهُ، ثُمَّ التَّعْلِيلُ بِمَا ذَكَرَ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِنَحْوِ عِصَابَةٍ قَلِيلَةِ الْعَرْضِ يَمْنَعُ الشَّدُّ بِهَا مِنْ الِانْتِشَارِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا قَدْ يُعَدُّ إزْرَاءٌ، وَأَنَّ الْمَسْنُونَ كَوْنُهُ سَاتِرًا لِجَمِيعِ صَدْرِ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي عَدَمِ ظُهُورِ الثَّدْيَيْنِ، وَيُؤْخَذُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِلرَّجُلِ وَالْقَمِيصُ لَمْ يَكُنْ فِي كَفَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَيُسَنُّ) الْكَفَنُ (الْأَبْيَضُ) لِخَبَرِ «كَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» السَّابِقِ فِي الْجُمُعَةِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَغْسُولَ أَوْلَى مِنْ الْجَدِيدِ.
(وَمَحَلُّهُ) الْأَصْلِيُّ الَّذِي يَجِبُ مِنْهُ كَسَائِرِ مُؤَنِ التَّجْهِيزِ (أَصْلُ التَّرِكَةِ) كَمَا سَيَأْتِي أَوَّلَ الْفَرَائِضِ أَنَّهُ يَبْدَأُ مِنْ التَّرِكَةِ بِمُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ، إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ حَقٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْأَصْلِ مَنْ لِزَوْجِهَا مَالٌ وَيَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا فَكَفَنُهَا وَنَحْوُهُ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ الْآتِي، وَيُجَابُ مَنْ قَالَ مِنْ الْوَرَثَةِ أُكَفِّنُهُ مِنْ التَّرِكَةِ لَا مَنْ قَالَ أُكَفِّنُهُ مِنْ مَالِي دَفْعًا لِلْمِنَّةِ عَنْهُ، وَمِنْ ثَمَّ لَا يُكَفَّنُ فِيمَا تَبَرَّعَ بِهِ أَجْنَبِيٌّ عَلَيْهِ إلَّا إذَا قِبَلَ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ، وَلَيْسَ لَهُمْ إبْدَالُهُ كَمَا قَالَاهُ فِي الْهِبَةِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْصَدُ تَكْفِينَهُ لِصَلَاحِهِ أَوْ عِلْمِهِ فَيَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إلَيْهِ، فَإِنْ كَفَّنُوهُ فِي غَيْرِهِ رَدُّوهُ لِمَالِكِهِ وَإِلَّا كَانَ لَهُمْ أَخْذُهُ وَتَكْفِينُهُ فِي غَيْرِهِ، وَلَوْ سُرِقَ الْكَفَنُ وَضَاعَ قَبْلَ قَسْمِ التَّرِكَةِ لَزِمَهُمْ إبْدَالُهُ مِنْهَا، فَلَوْ قُسِمَتْ لَمْ يَلْزَمُهُمْ لَكِنْ يُسَنُّ، وَمَحَلُّهُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ إذَا كَانَ قَدْ كُفِّنَ أَوَّلًا
[حاشية الشبراملسي]
مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَيْسَ لَهَا ثَدْيٌ يَنْتَشِرُ لَا يُسَنُّ لَهَا ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ الْكَفَنُ الْأَبْيَضُ) وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ الْآنَ لَمْ يَبْعُدْ لِمَا فِي التَّكْفِينِ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْإِزْرَاءِ لَكِنَّ إطْلَاقَهُمْ يُخَالِفُهُ، وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ جَارٍ وَإِنْ أَوْصَى بِغَيْرِ الْأَبْيَضِ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَالْوَصِيَّةُ بِهِ لَا تَنْفُذُ، وَكَتَبَ أَيْضًا: وَيُسَنُّ الْكَفَنُ الْأَبْيَضُ ظَاهِرُهُ وَلَوْ ذِمِّيًّا إلَّا أَنْ يُقَالَ الْخِطَابُ فِي الْخَبَرِ الْآتِي فِي مَوْتَاكُمْ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يَشْمَلُ الذِّمِّيِّينَ لَكِنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِهِمْ يُخَالِفُهُ
(قَوْلُهُ: فَكَفَنُهَا وَنَحْوُهُ) أَيْ مِنْ مُؤْنَةِ الْغُسْلِ وَالْحَمْلِ وَالدَّفْنِ، بِخِلَافِ الْحَنُوطِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَجِبُ أَخْذًا مِمَّا قَدَّمَهُ (قَوْلُهُ: دَفْعًا لِلْمِنَّةِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمُمْتَنِعِ مِنْ التَّكْفِينِ مِنْ غَيْرِ التَّرِكَةِ (قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ لَا يُكَفَّنُ) أَيْ لَا يَجُوزُ (قَوْلُهُ: إلَّا إنْ قَبِلَ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ) أَيْ إنْ كَانُوا أَهْلًا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَفَّنُوهُ فِي غَيْرِهِ رَدُّوهُ) أَيْ وُجُوبًا لِمَالِكِهِ أُخِذَ مِنْ هَذَا مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ أَنَّهُ إذَا مَاتَ شَخْصٌ يُؤْتَى لَهُ بِأَكْفَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّهُ يُكَفَّنُ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا وَمَا فَضَلَ رُدَّ لِمَالِكِهِ مَا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ الْمَالِكُ لِلْوَارِثِ، أَوْ تَدُلُّ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الْوَارِثَ دُونَ الْمَيِّتِ، فَلَوْ أَرَادَ الْوَارِثُ تَكْفِينَهُ فِي الْجَمِيعِ جَازَ إنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى رِضَا الدَّافِعِينَ بِذَلِكَ كَنَحْوِ اعْتِقَادِهِمْ صَلَاحَ الْمَيِّتِ، وَإِلَّا كُفِّنَ فِي وَاحِدٍ بِاخْتِيَارِ الْوَارِثِ وَفُعِلَ فِي الْبَاقِي مَا سَبَقَ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْمَالِكِ لَهُ إلَّا أَنْ تَبَرَّعَ بِهِ إلَخْ، وَلَا يَكْفِي فِي عَدَمِ وُجُوبِ الرَّدِّ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ أَنَّ مَنْ دَفَعَ شَيْئًا لِنَحْوِ مَا ذُكِرَ لَا يَرْجِعُ فِيهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى رِضَا الدَّافِعِ بِعَدَمِ الرَّدِّ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ إلَّا يَقْصِدُ تَكْفِينَهُ (قَوْلُهُ وَضَاعَ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُمْ إبْدَالُهُ) وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا انْكَشَفَ الْقَبْرُ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ مَسْتُورًا بِالتُّرَابِ فَلَا وُجُوبَ بَلْ يَحْرُمُ النَّبْشُ كَمَنْ دُفِنَ ابْتِدَاءً بِلَا تَكْفِينٍ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ فَتَحَ فَسْقِيَّةً فَوَجَدَ بَعْضَ أَمْوَاتِهَا بِلَا كَفَنٍ لِنَحْوِ بَلَائِهِ وَجَبَ سَتْرُهُ وَامْتَنَعَ سَدُّهَا بِدُونِ سَتْرِهِ، وَيَكْفِي وَضْعُ الثَّوْبِ عَلَيْهِ وَلَا يَضُمُّ فِيهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ انْتِهَاكًا لَهُ، وَقَدْ يُقَالُ: إذَا أَمْكَنَ لَفُّهُ فِي الْكَفَنِ بِلَا إزْرَاءٍ وَجَبَ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَوَقَّفَ عَلَى إزْرَاءٍ كَأَنْ تَقَطَّعَ أَوْ خُشِيَ تَقَطُّعُهُ بِلَفِّهِ.
قَالَ م ر: وَتَجِبُ إعَادَةُ الْكَفَنِ كُلَّمَا بَلِيَ وَظَهَرَ الْمَيِّتُ، وَالْوُجُوبُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فِي الْحَيَاةِ كَمَا تَجِبُ النَّفَقَةُ أَبَدًا لَوْ كَانَ حَيًّا، هَذَا مَا قَرَّرَهُ م ر فِي دَرْسِهِ، فَقُلْت لَهُ: هَلَّا وَجَبَ عَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ فَامْتَنَعَ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُقَيِّدَ قَوْلَهُمْ إنَّهُ إذَا سُرِقَ الْكَفَنُ بَعْدَ السِّمَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ تَكْفِينُهُ مِنْ التَّرِكَةِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَرَثَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْمَيِّتِ حَيًّا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ فَقُلْت لَهُ هَلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ وُجُوبِهِ عَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ وُجُودِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فِي الْحَيَاةِ وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ وُجُوبُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فَعَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ وَلَا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ إلَخْ.
وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ وَتَجِبُ إعَادَةُ الْكَفَنِ كُلَّمَا إلَخْ أَنَّ مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ ظُهُورِ عِظَامِ الْمَوْتَى مِنْ الْقُبُورِ لِانْهِدَامِهَا أَوْ نَحْوِهِ يَجِبُ فِيهِ سَتْرُهُ وَدَفْنُهُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ إنْ كَانَ وَعُرِفَ ثُمَّ بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ: فَلَوْ قُسِّمَتْ لَمْ يَلْزَمْهُمْ) شَيْءٌ خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ) أَيْ عَدَمِ اللُّزُومِ (قَوْلُهُ: إذَا) بِمَعْنَى إذْ.
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِي الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ حَقٌّ لَهُ، إذْ التَّكْفِينُ بِهَا غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى رِضَا الْوَرَثَةِ كَمَا مَرَّ.
أَمَّا لَوْ كُفِّنَ مِنْهَا بِوَاحِدٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُمْ تَكْفِينُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ بِثَانٍ وَثَالِثٍ، إنْ كَانَ الْكَفَنُ مِنْ غَيْرِ مَالِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَكَمَنْ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ، وَيُرَاعَى فِيهِ حَالُهُ سَعَةً وَضِيقًا وَإِنْ كَانَ مُقَتِّرًا عَلَى نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ، وَيُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ فِي الْمُفْلِسِ بِأَنَّ ذَاكَ يُنَاسِبُهُ إلْحَاقُ الْعَارِ بِهِ الَّذِي رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ لَعَلَّهُ يَنْزَجِرُ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) لِلْمَيِّتِ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ تَرْكُهُ (فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ قَرِيبٍ) أَصْلٍ أَوْ فَرْعٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ لِعَجْزِهِ بِمَوْتِهِ (أَوْ سَيِّدٍ) فِي رَقِيقِهِ وَلَوْ مُكَاتَبًا وَأُمَّ وَلَدٍ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْحَيَاةِ فِي غَيْرِ الْكِتَابَةِ وَلِانْفِسَاخِهَا بِمَوْتِ الْمُكَاتَبِ وَلَوْ مَاتَ مَنْ لَزِمَهُ تَجْهِيزُ غَيْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ تَجْهِيزِهِ وَتِرْكَتُهُ لَا تَفِي إلَّا بِتَجْهِيزِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ، فَهَلْ يُقَدَّمُ الْمَيِّتُ الْأَوَّلُ لِسَبْقِ تَعَلُّقِ حَقِّهِ أَوْ الثَّانِي لِتَبَيُّنِ عَجْزِهِ عَنْ تَجْهِيزِ غَيْرِهِ؟ الْأَوْجَهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الثَّانِي كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَرَائِضِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْمُبَعَّضُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ فَالْحُكْمُ وَاضِحٌ، وَإِلَّا فَمُؤَنُ تَجْهِيزِهِ عَلَى مَنْ مَاتَ فِي نَوْبَتِهِ.
وَلَا يَلْزَمُ الْوَلَدَ تَجْهِيزَ زَوْجَةِ أَبِيهِ وَإِنْ لَزِمَهُ نَفَقَتُهَا حَيَّةً لِزَوَالِ ضَرُورَةِ الْإِعْفَافِ (وَكَذَا) مَحَلُّ الْكَفَنِ أَيْضًا (الزَّوْجُ) الْمُوسِرُ وَلَوْ بِمَا انْجَرَّ إلَيْهِ مِنْ إرْثِهَا حَيْثُ كَانَتْ نَفَقَتُهَا لَازِمَةً لَهُ فَعَلَيْهِ تَكْفِينُ زَوْجَتِهِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً رَجْعِيَّةً أَوْ بَائِنًا حَامِلًا لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ، بِخِلَافِ نَحْوِ النَّاشِزَةِ وَالصَّغِيرَةِ، فَإِنْ أَعْسَرَ عَنْ تَجْهِيزِ الزَّوْجَةِ الْمُوسِرَةِ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ جُهِّزَتْ أَوْ تَمَّمَ تَجْهِيزَهَا مِنْ حَالِهَا (فِي الْأَصَحِّ)
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ) غَايَةٌ (قَوْلُهُ الْأَوْجَهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ الثَّانِي) ظَاهِرُهُ وَإِنْ خِيفَ تَغَيُّرُ الْأَوَّلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ تَجْهِيزَهُ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِعَجْزِهِ (قَوْلُهُ: فَالْحُكْمُ وَاضِحٌ) أَيْ فِي أَنَّهَا عَلَيْهِمَا، فَعَلَى السَّيِّدِ نِصْفُ لِفَافَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ التَّبْعِيضِ لِفَافَةٌ وَاحِدَةٌ، وَفِي مَالِ الْمُبَعِّضِ لِفَافَةٌ وَنِصْفٌ فَيَكْمُلُ لَهُ لِفَافَتَانِ فَيُكَفَّنُ فِيهِمَا، وَلَا يُزَادُ ثَالِثَةٌ مِنْ مَالِهِ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ اخْتَلَفَ هَلْ مَوْتُهُ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ أَوْ نَوْبَتِهِ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُهَايَأَةً لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا الزَّوْجُ الْمُوسِرُ) أَيْ مِمَّا يَأْتِي فِي الْفِطْرَةِ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ مَا يَأْتِي عَنْ سم مِنْ أَنَّهُ يُتْرَكُ لَهُ فَوْقَ مَا يُتْرَكُ لِلْمُفْلِسِ أَنَّهُ يُبَاعُ هُنَا مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ.
[فَرْعٌ] لَوْ كَفَّنَ الزَّوْجَةَ زَوْجُهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ، وَهَلْ يَجِبُ تَكْمِيلُ الثَّلَاثِ مِنْ تَرِكَتِهَا يَظْهَرُ لَا؛ لِأَنَّ كَفَنَهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَرِكَتِهَا فَلْيُتَأَمَّلْ، وَظَهَرَ الْآنَ وُجُوبُ تَكْمِيلٍ مِنْ تَرِكَتِهَا إنْ كَانَ لَهَا تَرِكَةٌ وَوَافَقَ عَلَيْهِ م ر ثُمَّ ذَكَرَ خِلَافَهُ مُعْتَمَدٌ، وَقَدْ يُقَالُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِمْ إنَّ مَحَلَّ تَكْفِينِ الْمَرْأَةِ الزَّوْجُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّكْمِيلُ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادَ فَيَنْبَغِي الْأَخْذُ بِهِ إلَّا بِنَقْلٍ يُخَالِفُهُ.
[فَرْعٌ] هَلْ يَجِبُ تَكْفِينُ الذِّمِّيِّ فِي ثَلَاثَةٍ حَيْثُ لَا مَنْعَ مِنْ الْغُرَمَاءِ إنْ كَانُوا، وَلَا وَصِيَّةَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى وَاحِدٍ كَالْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ نَعَمْ أَيْضًا، وَقَدْ وَافَقَ م ر عَلَى ذَلِكَ فَذَكَرَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ أَنَّهُ رَأْي لِبَعْضِهِمْ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَطُولِبَ بِهِ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ فَلْيُرَاجَعْ وَلْيُحَرَّرْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ نَحْوِ النَّاشِزَةِ إلَخْ) هَلْ يَشْمَلُ الْقَرْنَاءَ وَالرَّتْقَاءَ وَالْمَرِيضَةَ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ مَنْ ذُكِرَ وَاجِبَةٌ عَلَى الزَّوْجِ (قَوْلُهُ: وَالصَّغِيرَةِ) أَيْ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَعْسَرَ) وَيَظْهَرُ ضَبْطُ الْمُعْسِرِ بِمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ فَاضِلٌ عَمَّا يُتْرَكُ لِلْمُفْلِسِ حَجّ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ وَرِثَ مِنْهَا قَدْرًا يُتْرَكُ لِلْمُفْلِسِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ لَا يَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ أَوْ تَمَّمَ تَجْهِيزَهَا مِنْ مَالِهَا) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَلَا وَرِثَ مِنْهَا شَيْئًا لِوُجُودِ مَانِعٍ قَامَ بِهَا كَكُفْرِهَا وَاسْتِغْرَاقِ الدُّيُونِ لِتَرِكَتِهَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا.
أَمَّا إذَا كَانَتْ فِي ذِمَّتِهَا فَيُقَدَّمُ كَفَنُهَا عَلَى الدُّيُونِ اهـ سم عَلَى حَجّ بِالْمَعْنَى، وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلَهُ أَوْ تَمَّمَ تَجْهِيزَهَا: أَيْ إذَا نَقَصَ مَا أَيْسَرَ بِهِ عَنْ ثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَ الْبَدَنِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ سم الْمَذْكُورِ، وَكَتَبَ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِمَا مَرَّ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ جُمْلَةَ وَكَذَا الزَّوْجُ عَطْفٌ عَلَى أَصْلِ التَّرِكَةِ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ رَدًّا لِمَا قِيلَ إنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَحَلَّ وُجُوبِ الْكَفَنِ عَلَى الزَّوْجِ حَيْثُ لَا تَرِكَةَ لِلزَّوْجَةِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ حِينَئِذٍ لِمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
وَالثَّانِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِفَوَاتِ التَّمْكِينِ الْمُقَابِلِ لِلنَّفَقَةِ، وَلَوْ امْتَنَعَ الزَّوْجُ الْمُوسِرُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ كَانَ غَائِبًا فَجَهَّزَ الزَّوْجَةَ الْوَرَثَةُ مِنْ مَالِهَا أَوْ غَيْرِهِ رَجَعُوا عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَ إنْ فَعَلُوهُ بِإِذْنِ حَاكِمٍ يَرَاهُ وَإِلَّا فَلَا، وَقِيَاسُ نَظَائِرِهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ حَاكِمٌ كَفَى الْمُجَهِّزَ الْإِشْهَادُ عَلَى أَنَّهُ جَهَّزَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِيَرْجِعَ بِهِ، وَلَوْ أَوْصَتْ أَنْ تُكَفَّنَ مِنْ مَالِهَا وَهُوَ مُوسِرٌ كَانَتْ وَصِيَّةَ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ الْوَاجِبَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ إيصَاؤُهُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ مِنْ الثُّلُثِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ بِخُصُوصِهِ شَيْئًا حَتَّى يَحْتَاجَ لِإِجَازَةِ الْبَاقِينَ، وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَيْضًا تَجْهِيزُ خَادِمِ الزَّوْجَةِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، هَذَا إنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُكْتَرَاةً أَوْ أَمَتَهُ أَوْ غَيْرَهُمَا فَلَا يَكْفِي حُكْمُهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّتِي أَخْدَمَهَا إيَّاهَا بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا كَأَمَتِهَا، وَلَوْ مَاتَتْ زَوْجَاتُهُ دُفْعَةً بِهَدْمٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا كَفَنًا وَاحِدًا فَالْقِيَاسُ الْإِقْرَاعُ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ يَخْشَى فَسَادَهَا وَإِلَّا قُدِّمَتْ عَلَى غَيْرِهَا أَوْ مُرَتِّبًا فَالْأَوْجَهُ تَقْدِيمُ الْأُولَى مَعَ أَمْنِ التَّغَيُّرِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ.
وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ: لَوْ مَاتَ أَقَارِبُهُ دُفْعَةً بِهَدْمٍ أَوْ غَيْرِهِ قَدَّمَ فِي التَّكْفِينِ وَغَيْرِهِ مَنْ يُسْرِعُ فَسَادُهُ، فَإِنْ اسْتَوَوْا قَدَّمَ الْأَبَ ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ،
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى حَجّ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ مَا نَصُّهُ: نَعَمْ لَوْ أَيْسَرَ الزَّوْجُ بِبَعْضِ الثَّوْبِ فَقَطْ كَمَّلَ مِنْ تَرِكَتِهَا وَيَنْبَغِي حِينَئِذٍ وُجُوبُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَاقَاهَا فِي الْجُمْلَةِ م ر.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَهِيَ تَتْمِيمُ مَا يَسْتُرُ الْبَدَنَ بِخِلَافِهِ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى فَإِنَّ الزَّوْجَ لَمَّا أَيْسَرَ بِسَاتِرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ لَمْ يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهَا فِي الِابْتِدَاءِ شَيْءٌ فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا وَجَبَ (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ لَوَجَبَ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: حَيْثُ لَا تَرِكَةَ لِلزَّوْجَةِ) مَشَى م ر عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي فِيمَا لَوْ كَانَ مُعْسِرًا عِنْدَ مَوْتِ الزَّوْجَةِ ثُمَّ حَصَلَ لَهُ مَالٌ قَبْلَ تَكْفِينِهَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَكْفِينُهَا لِبَقَاءِ عَلَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ مَعَ الْقُدْرَةِ قَبْلَ سُقُوطِ الْوَاجِبِ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ حَدَثَ لِلشَّخْصِ بَعْدَ غُرُوبِ شَوَّالٍ نَحْوُ وَلَدٍ لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ هُنَاكَ مُعَلَّقٌ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ أَيْضًا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: رَجَعُوا عَلَيْهِ) وَكَذَا لَوْ غَابَ الْقَرِيبُ الَّذِي تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمَيِّتِ فَكَفَّنَهُ شَخْصٌ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: إنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ حَاكِمٌ) أَيْ يَتَيَسَّرُ اسْتِئْذَانُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ وَبِلَا تَأْخِيرٍ مَرَّةً يُعَدُّ التَّأْخِيرُ إلَيْهَا إزْرَاءً بِالْمَيِّتِ عَادَةً، ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى بَهْجَةٍ مَا نَصُّهُ: ثُمَّ مَا ضَابِطُ فَقْدِ الْحَاكِمِ، وَيَحْتَمِلُ ضَبْطُهُ بِأَنْ لَا يَتَيَسَّرَ رَفْعُ الْأَمْرِ إلَيْهِ قَبْلَ تَغَيُّرِ الْمَيِّتِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لَوْ لَمْ يُوجَدْ حَاكِمٌ) وَكَعَدِمِ وُجُودِ الْحَاكِمِ مَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِذْنِ إلَّا بِدِرْهَمٍ وَإِنْ قُلْت وَيَكْفِيهِ فِي ذَلِكَ غَلَبَةُ ظَنِّهِ (قَوْلُهُ: لِيَرْجِعَ بِهِ) أَيْ فَلَوْ فَقَدَ الشُّهُودَ فَهَلْ يَرْجِعُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ فَقْدَ الشُّهُودِ نَادِرٌ كَمَا قَالُوهُ فِي هَرَبِ الْجَمَّالِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَيَنْبَغِي أَنَّ هَذَا فِي ظَاهِرِ الْحَالِ، أَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَلَهُ ذَلِكَ فَيَأْخُذُهُ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ (قَوْلُهُ كَانَتْ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ) أَيْ فَتَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ فِي الْجَمِيعِ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ (قَوْلُهُ: مِنْ الثُّلُثِ كَذَلِكَ) أَيْ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ (قَوْلُهُ: حَتَّى يَحْتَاجَ لِإِجَازَةِ الْبَاقِينَ) قَالَ سم عَلَى بَهْجَةٍ بَعْدَ مِثْلِ مَا ذَكَرَ: أَقُولُ قَضِيَّةُ كَوْنِهَا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ اعْتِبَارُ قَبُولِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَتْ مُكْتَرَاةً) أَيْ فَلَا يَجِبُ فِيهَا (قَوْلُهُ أَوْ أَمَتَهُ) أَيْ فَيَجِبُ تَكْفِينُهَا لِكَوْنِهَا مِلْكَهُ لَا لِكَوْنِهَا خَادِمَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرَهُمَا) أَيْ بِأَنْ كَانَتْ مُتَطَوِّعَةً بِالْخِدْمَةِ وَالْحُكْمُ فِيهَا عَدَمُ الْوُجُوبِ (قَوْلُهُ: كَأَمَتِهَا) أَيْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَجْهِيزُهَا.
[فَرْعٌ] هَلْ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ تَكْفِينُ الزَّوْجَةِ فِي الْجَدِيدِ كَالْكِسْوَةِ؟ أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِوُجُوبِ ذَلِكَ وَبَعْضُهُمْ بِجَوَازِ اللَّبِيسِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَاعْتَمَدَهُ ابْنُ كَبْنٍ، وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّ اللَّبِيسَ أَوْلَى مِنْ الْجَدِيدِ فِي التَّكْفِينِ، وَهَذَا أَمْرٌ آخَرُ خَلْفَ الْقِيَاسِ عَلَى الْكِسْوَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ رُوعِيَتْ الْكِسْوَةُ وَجَبَ أَكْثَرُ مِنْ ثَوْبٍ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ: لَوْ مَاتَ أَقَارِبُهُ دَفْعَةً) أَيْ الَّذِينَ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ وَهُمْ الْأُصُولُ وَالْفُرُوعُ (قَوْلُهُ: قَدَّمَ الْأَبَ ثُمَّ الْأَقْرَبَ) .
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَيُقَدِّمُ مِنْ الْأَخَوَيْنِ أَسَنَّهُمَا، وَيُقْرَعُ بَيْنَ الزَّوْجَتَيْنِ: وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ احْتِمَالَ تَقْدِيمِ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ، وَفِي تَقْدِيمِ الْأَسَنِّ مُطْلَقًا نَظَرٌ، وَلَا وَجْهَ لِتَقْدِيمِ الْفَاجِرِ الشَّقِيِّ عَلَى الْبَارِّ التَّقِيِّ وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْهُ، وَلَمْ يُذْكَرْ مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِأَمْرِ الْكُلِّ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ خِلَافٌ مِنْ الْفِطْرَةِ أَوْ النَّفَقَةِ اهـ.
وَسَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ فِي الْفَرَائِضِ.
وَلَوْ مَاتَتْ الزَّوْجَةُ وَخَادِمَتُهَا مَعًا وَلَمْ يَجِدْ إلَّا تَجْهِيزَ إحْدَاهُمَا فَالْأَوْجَهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ تَقْدِيمُ مَنْ خَشِيَ فَسَادَهَا، وَإِلَّا فَالزَّوْجَةُ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَالْمَتْبُوعَةُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ وَلَا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَنَفَقَتِهِ حَالَ حَيَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَا يُشْتَرَطُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وُقُوعُ التَّكْفِينِ مِنْ مُكَلَّفٍ حَتَّى لَوْ كَفَّنَهُ غَيْرُهُ حَصَلَ التَّكْفِينُ لِوُجُودِ الْمَقْصُودِ، وَفِيهِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَغَيْرِهِ: لَوْ مَاتَ إنْسَانٌ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُكَفَّنُ بِهِ إلَّا ثَوْبٌ مَعَ مَالِكٍ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لَهُ بِقِيمَتِهِ كَالطَّعَامِ لِلْمُضْطَرِّ، زَادَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمَجَّانًا؛ لِأَنَّ تَكْفِينَهُ لَازِمٌ لِلْأَمَةِ وَلَا بَدَلَ يُصَارُ إلَيْهِ.
(وَيَبْسُطُ) نَدْبًا أَوْ لَا (أَحْسَنَ اللَّفَائِفِ وَأَوْسَعَهَا) وَأَطْوَلَهَا، وَالْمُرَادُ أَوْسَعُهَا إنْ اتَّفَقَ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يُنْدَبُ أَنْ تَكُونَ مُتَسَاوِيَةً أَوْ الْمُرَادُ بِتَسَاوِيهَا وَهُوَ الْأَوْجَهُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ شُمُولُهَا لِجَمِيعِ الْبَدَنِ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فِي مُقَابَلَةِ وَجْهٍ قَائِلٍ بِأَنَّ الْأَسْفَلَ يَأْخُذُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ وَالثَّانِي مِنْ عُنُقِهِ إلَى كَعْبِهِ.
وَالثَّالِثُ يَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ (وَالثَّانِيَةُ) وَهِيَ الَّتِي تَلِي الْأُولَى فِي ذَلِكَ (فَوْقَهَا وَكَذَا الثَّالِثَةُ) فَوْقَ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ يَجْعَلُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ أَعْلَاهَا فَلِذَا بَسَطَ الْأَحْسَنَ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَعْلُو عَلَى كُلِّ الْكَفَنِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ أَوْسَعَ فَلِإِمْكَانِ لَفِّهِ عَلَى الضَّيِّقِ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ.
(وَيَذْرِ) بِالْمُعْجَمَةِ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ (عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ) مِنْ اللَّفَائِفِ قَبْلَ وَضْعِ الْأُخْرَى (حَنُوطًا) بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَيُقَالُ لَهُ الْحِنَاطُ بِكَسْرِهَا وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ يُجْعَلُ لِلْمَيِّتِ خَاصَّةً يَشْتَمِلُ عَلَى الْكَافُورِ وَالصَّنْدَلِ وَذَرِيرَةِ الْقَصَبِ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كُلُّ طِيبٍ خُلِطَ لِلْمَيِّتِ (كَافُورٌ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ لِأَنَّهُ
[حاشية الشبراملسي]
وَهُوَ بَعْدَ الْأَبِ الْأُمُّ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ احْتِمَالَ تَقْدِيمِ الْأُمِّ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: وَلَا وَجْهَ لِتَقْدِيمِ الْفَاجِرِ) أَيْ مِنْ الْأَخَوَيْنِ فَقَطْ دُونَ مَا قَبْلَهُ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَبِ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ وَلَوْ كَانَ فَاجِرًا شَقِيًّا، وَمَعْلُومٌ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَجْهِيزُ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَخَوَيْنِ وَلَدَانِ لِلْمُجَهَّزِ، وَإِلَّا فَنَفَقَةُ الْأَخِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَلَا تَجْهِيزُهُ، (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ) وَيُقَدَّمُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ الْمَوْقُوفِ عَلَى الْأَكْفَانِ، وَكَذَا الْمُوصَى بِهِ لِلْأَكْفَانِ، وَهَلْ يُقَدَّمُ وَالْحَالَةُ مَا ذُكِرَ الْمَوْقُوفُ عَلَى الْمُوصَى بِهِ أَوْ يُقَدَّمُ الْمُوصَى بِهِ أَوْ يَتَخَيَّرُ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ فَهِيَ أَقْوَى مِنْ الْوَقْفِ، وَالْمُرَادُ بِالْغَنِيِّ مِنْهُمْ مَنْ يَمْلِكُ كِفَايَةَ سَنَةٍ كَذَا بِهَامِشٍ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الرَّوْضَةِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَفِي الْمَجْمُوعِ فِيهَا الْغَنِيُّ مَنْ يَمْلِكُ زِيَادَةً عَلَى الْعُمُرِ الْغَالِبِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقِيَاسُهُ هُنَا كَذَلِكَ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِشِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ إلَى تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ إلَخْ) لَعَلَّهُ ذَكَرَهُ هُنَا لِعَزْوِهِ لِلْمَجْمُوعِ وَإِلَّا فَقَدْ مَرَّ لَهُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ.
قُلْت: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ وُجُوبُ غُسْلِ الْغَرِيقِ.
. إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُكَفَّنُ بِهِ) أَيْ مِنْ الثِّيَابِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ) أَيْ بِتَمَامِهَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ احْتِمَالَ تَقَدُّمِ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ) الْمُرَادُ بِهَذَا الْبَعْضِ هُوَ الْأَذْرَعِيُّ، فَإِنَّ مَا يَأْتِي إلَى قَوْلِ الشَّارِحِ.
اهـ كَلَامُهُ.
ذَكَرَهُ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْبَنْدَنِيجِيَّ مُتَعَقِّبًا لَهُ بِهِ، فَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَذْكُرْ: أَيْ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِيمَا مَرَّ عَنْهُ وَعِبَارَتُهُ بَعْدَ كَلَامِ الْبَنْدَنِيجِيَّ: قُلْت وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ تَقَدُّمُ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ وَفِي تَقْدِيمِ الْأَسَنِّ مُطْلَقًا إلَخْ، فَكَانَ الْأَصْوَبُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِحُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إلَخْ
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْحَيَّ يَجْعَلُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ أَعْلَاهَا) كَانَ الْأَقْعَدُ أَنْ يَقُولَ: أَمَّا كَوْنُهُ أَحْسَنَ فَلِأَنَّ الْحَيَّ إلَخْ لِيُنَاسِبَ قَوْلَهُ وَأَمَّا كَوْنُهُ أَوْسَعَ إلَخْ.
حِينَئِذٍ الْجُزْءُ الْأَعْظَمُ مِنْ الطِّيبِ لِتَأَكُّدِ أَمْرِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمُرَادَ زِيَادَتُهُ عَلَى مَا يُجْعَلُ فِي أُصُولِ الْحَنُوطِ.
وَيُسَنُّ الْإِكْثَارُ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ، بَلْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَاسْتُحِبَّ أَنْ يُطَيِّبَ جَمِيعَ بَدَنِهِ بِالْكَافُورِ؛ لِأَنَّهُ يُقَوِّيهِ وَيَشُدُّهُ، وَلَوْ كُفِّنَ فِي خَمْسَةٍ جُعِلَ بَيْنَ كُلِّ ثَوْبَيْنِ حَنُوطٌ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ (وَيُوضَعُ الْمَيِّتُ فَوْقَهَا) أَيْ اللَّفَائِفِ بِرِفْقٍ (مُسْتَلْقِيًا) عَلَى قَفَاهُ وَيُجْعَلُ يَدَاهُ عَلَى صَدْرِهِ يُمْنَاهُ عَلَى يُسْرَاهُ أَوْ يُرْسَلَانِ فِي جَنْبِهِ، أَيَّمَا فَعَلَ مِنْهُمَا فَحَسَنٌ (وَعَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ) لِدَفْعِهِ الْهَوَامَّ وَشَدِّهِ الْبَدَنَ وَتَقْوِيَتِهِ، وَيُسَنُّ تَبْخِيرُ الْكَفَنِ بِنَحْوِ عُودٍ أَوَّلًا (وَتُشَدُّ أَلْيَاهُ) بِخِرْقَةٍ بَعْدَ دَسِّ قُطْنٍ حَلِيجٍ عَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ بَيْنَ أَلْيَيْهِ حَتَّى تَصِلَ الْخِرْقَةُ لِحَلْقَةِ الدُّبُرِ فَيَشُدَّهَا وَيُكْرَهُ إيصَالُهُ دَاخِلَ الْحَلْقَةِ.
وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ: ظَاهِرُ كَلَامِ الدَّارِمِيِّ تَحْرِيمُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ يُرَدُّ بِأَنَّهُ لِعُذْرٍ فَلَا انْتِهَاكَ، وَتَكُونُ الْخِرْقَةُ مَشْقُوقَةَ الطَّرَفَيْنِ وَتُجْعَلُ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ (وَيُجْعَلُ عَلَى) كُلِّ مَنْفَذٍ مِنْ (مَنَافِذِ بَدَنِهِ) ، وَمَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْهُ (قُطْنٌ) حَلِيجٌ مَعَ كَافُورٍ وَحَنُوطٍ دَفْعًا لِلْهَوَامِّ عَنْ النَّافِذِ كَالْجَبْهَةِ وَالْعَيْنَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْفَمِ وَالدُّبُرِ وَالْجِرَاحَاتِ النَّافِذَةِ، وَإِكْرَامًا لِلْمَسَاجِدِ كَالْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَبَاطِنِ الْكَفَّيْنِ وَأَصَابِعِ الْقَدَمَيْنِ (وَتُلَفُّ عَلَيْهِ) بَعْدَ ذَلِكَ (اللَّفَائِفُ) بِأَنْ يُثْنَى الطَّرَفُ الْأَيْسَرُ ثُمَّ الْأَيْمَنُ كَمَا يَفْعَلُ الْحَيُّ بِالْقَبَاءِ وَيُجْمَعُ الْفَاضِلُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ وَيَكُونُ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ (وَتُشَدُّ) عَلَيْهِ اللَّفَائِفُ بِشِدَادٍ يَشُدُّهُ عَلَيْهَا لِئَلَّا تَنْتَشِرَ عِنْدَ الْحَمْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ لِأَنَّهُ يُشَبَّهُ بِعَقْدِ الْإِزَارِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ الْأَسْمَاءِ الْمُعَظَّمَةِ صِيَانَةً لَهَا عَنْ الصَّدِيدِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ مِنْ الثِّيَابِ مَا فِيهِ زِينَةٌ كَمَا فِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ، وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى زِينَةٍ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ حَالَ حَيَاتِهِ (فَإِذَا وُضِعَ) الْمَيِّتُ (فِي قَبْرِهِ نُزِعَ الشِّدَادُ) عَنْهُ تَفَاؤُلًا بِحَلِّ الشَّدَائِدِ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الْقَبْرِ شَيْءٌ مَعْقُودٌ وَسَوَاءٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ (وَلَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الذَّكَرُ مَخِيطًا) وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ لُبْسُهُ (وَلَا يَسْتُرُ رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَ الْمُحْرِمَةِ) وَلَا كَفَّاهَا بِقُفَّازَيْنِ: أَيْ يَحْرُمُ ذَلِكَ إبْقَاءً لِأَثَرِ الْإِحْرَامِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَلَا يُنْدَبُ أَنْ يُعِدَّ لِنَفْسِهِ كَفَنًا لِئَلَّا يُحَاسَبَ عَلَى اتِّخَاذِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ حِلٍّ أَوْ أَثَرٍ ذِي صَلَاحٍ
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: أَيَّمَا فَعَلَ مِنْهُمَا فَحَسَنٌ) أَيْ فَهُمَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُصَلِّي حَيْثُ كَانَ جَعْلُهُمَا عَلَى صَدْرِهِ ثَمَّ أَوْلَى مِنْ إرْسَالِهِمَا لِأَنَّ جَعْلَهُمَا عَلَى صَدْرِهِ ثَمَّ أَبْعَدُ عَنْ الْعَبَثِ بِهِمَا، وَلِمَا قِيلَ إنَّهُ إشَارَةٌ إلَى حِفْظِ الْإِيمَانِ وَالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَكِلَاهُمَا لَا يَتَأَتَّى هُنَا (قَوْلُهُ وَيُسَنُّ تَبْخِيرُ الْكَفَنِ إلَخْ) أَيْ ثَلَاثًا اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: قُطْنٌ حَلِيجٌ) أَيْ مَنْدُوفٌ وَهُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (قَوْلُهُ: وَمَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْهُ) أَيْ وَلَوْ كَانَ صَغِيرًا فِيمَا يَظْهَرُ إكْرَامًا لِمَوَاضِع السُّجُودِ مِنْ حَيْثُ هِيَ (قَوْلُهُ: وَإِكْرَامًا لِلْمَسَاجِدِ) أَيْ مَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْ بَدَنِهِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يُثْنَى الطَّرَفُ الْأَيْسَرُ) أَيْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ انْتَهَى مَحَلِّيٌّ (قَوْلُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ) أَيْ فَوْقَ رَأْسِهِ (قَوْلُهُ: نُزِعَ الشِّدَادُ عَنْهُ) وَالْأَوْلَى أَنَّ الَّذِي يَنْزِعُ الشِّدَادَ عَنْهُ هُوَ الَّذِي يُلْحِدُهُ إنْ كَانَ مِنْ الْجِنْسِ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً فَالْأَوْلَى أَنَّ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ مِنْهَا النِّسَاءُ كَمَا يَأْتِي فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَنْ يَدْخُلَهُ الْقَبْرَ الْأَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حِلُّ نَزْعِ جَمِيعِ الشِّدَادِ، وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ عَمِيرَةَ اسْتِثْنَاءُ مَا شُدَّ بِهِ الْأَلْيَانِ فَلَا يُنْزَعُ (قَوْلُهُ وَسَوَاءٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ) لَا يُقَالُ: الْعِلَّةُ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ لِأَنَّا نَقُولُ التَّفَاؤُلُ بِزِيَادَةِ الرَّاحَةِ لَهُ بَعْدُ فَنَزَلَ مَا انْتَفَى عَنْهُ مِنْ عَدَمِ الرَّاحَةِ مَنْزِلَةَ رَفْعِ الشَّدَّةِ (قَوْلُهُ أَيْ يُحَرَّمُ ذَلِكَ) أَيْ فَلَوْ خَالَفُوا وَفَعَلُوا وَجَبَ الْكَشْفُ مَا لَمْ يُدْفَنْ الْمَيِّتُ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: وَلَا يُنْدَبُ أَنْ يُعِدَّ لِنَفْسِهِ كَفَنًا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَإِنْ أَوْهَمَ الْكَرَاهَةَ عِبَارَةُ الزَّرْكَشِيّ فِي إعْدَادِ الْقَبْرِ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
وَأَرَادَ بِمَا نَقَلَهُ عَنْ الزَّرْكَشِيّ قَوْلَهُ بَعْدُ قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: قَالَ أَيْ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَوْ أَعَدَّ لَهُ قَبْرًا يُدْفَنُ فِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ لِلِاعْتِبَارِ بِخِلَافِ الْكَفَنِ.
قَالَ الْعَبَّادِيُّ: وَلَا يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ مَا دَامَ حَيًّا وَوَافَقَهُ ابْنُ يُونُسَ اهـ: أَيْ فَلِغَيْرِهِ أَنْ يَسْبِقَهُ إلَى الدَّفْنِ فِيهِ وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ لَهُ لِأَجْلِ حَفْرِهِ م ر اهـ (قَوْلُهُ: لِئَلَّا يُحَاسَبَ عَلَى اتِّخَاذِهِ) أَيْ لَا عَلَى اكْتِسَابِهِ وَإِلَّا فَكُلُّ مَا لَهُ مُطْلَقًا يُحَاسَبُ عَلَى اكْتِسَابِهِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .