بَلْ وَهَبْتنِيهِ) أَوْ رَهَنْتَنِيهِ (فَلَا تَحَالُفَ) لِعَدَمِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى عَقْدٍ وَاحِدٍ (بَلْ يَحْلِفُ كُلٌّ) مِنْهُمَا (عَلَى نَفْيِ دَعْوَى الْآخَرِ) كَسَائِرِ الدَّعَاوَى (فَإِذَا حَلَفَا رَدَّهُ) حَتْمًا (مُدَّعِي الْهِبَةِ بِزَوَائِدِهِ) مُتَّصِلَةً كَانَتْ أَوْ مُنْفَصِلَةً، فَإِنْ فَاتَتْ غَرَّمَهَا لَهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا كَمَا فِي الْأَنْوَارِ، وَكَانَ الْفَرْقُ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الْمَنَافِعِ مَا لَا يُفْتَقَرُ فِي الْأَعْيَانِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْبَائِعَ قَبْلَ الْقَبْضِ يَضْمَنُ الزَّوَائِدَ دُونَ الْمَنَافِعِ، وَيَجْرِي فِيمَا لَوْ قَالَ لِآخَرَ دَابَّتِي تَحْتَ يَدِك مَبِيعَةٌ فَأَنْكَرَ وَحَلَفَ فَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا لَوْ طَالَبَهُ بَائِعُهُ بِالثَّمَنِ فَقَالَ الْمَبِيعُ لِزَوْجَتِك فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ ثُمَّ لَهَا انْتِزَاعُ الْمَبِيعِ مِنْهُ لِإِقْرَارِهِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهُ بِتَسَلُّمِهِ لَهُ مُصَدِّقٌ لَهُ، وَلَوْ قَالَ: نَعَمْ لَهَا لَكِنَّهَا وَكَّلَتْنِي أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي عَلَى دَفْعِ الثَّمَنِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ بِشِرَائِهِ مِنْهُ مُقِرٌّ بِصِحَّةِ قَبْضِهِ، قَالَهُ الْقَاضِي.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالْقِيَاسُ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي إجْبَارَ الْبَائِعِ عَلَى إثْبَاتِ وَكَالَتِهِ عَلَى الْقَبْضِ مِنْهُ، وَلَوْ اشْتَرَى كَرْمًا وَاسْتَغَلَّهُ سِنِينَ ثُمَّ طَالَبَهُ بَائِعُهُ بِالثَّمَنِ فَأَنْكَرَ وَحَلَفَ عَلَيْهِ لَمْ يُغَرِّمْهُ الْبَائِعُ مَا اسْتَغْلِهِ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ اسْتَغَلَّ مِلْكَهُ وَإِنَّمَا يَدَّعِي عَلَيْهِ الثَّمَنَ وَقَدْ تَعَذَّرَ بِحَلِفِ الْمُشْتَرِي فَلِلْبَائِعِ حِينَئِذٍ فَسْخُ الْبَيْعِ، وَمَا اسْتَشْكَلَ بِهِ رَدُّ الْمُنْفَصِلَةِ مِنْ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى حُدُوثِهَا بِمِلْكِهِ وَقَدْ يَثْبُتُ الْفَرْعُ دُونَ الْأَصْلِ أَجَابَ عَنْهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّ دَعْوَى الْهِبَةِ وَإِثْبَاتِهَا لَا يَسْتَلْزِمُ الْمِلْكَ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْقَبْضِ بِالْإِذْنِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِتَأَتِّي ذَلِكَ فِيمَا لَوْ ادَّعَى الْهِبَةَ وَالْقَبْضَ، فَالْأَوْلَى الْجَوَابُ بِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِيَمِينِ كُلٍّ أَنْ لَا عَقْدَ فَعُمِلَ بِأَصْلِ بَقَاءِ الزَّوَائِدِ بِمِلْكِ مَالِكِ الْعَيْنِ.
(وَلَوْ) (ادَّعَى) أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ (صِحَّةَ الْبَيْعِ) أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْعُقُودِ (وَ) ادَّعَى (الْآخَرُ فَسَادَهُ) لِانْتِفَاءِ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَأَنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا رُؤْيَتَهُ وَأَنْكَرَهَا الْآخَرُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ أَيْضًا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: بَلْ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى إلَخْ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: وَلَوْ قَالَ رَهَنْتهَا بِأَلْفٍ لَك عَلَيَّ فَقَالَ بَلْ بِعْتنِيهَا بِهَا حَلَفَ مُدَّعِي الرَّهْنِ: أَيْ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبَيْعِ وَيَرُدُّ الْأَلْفَ وَاسْتَرَدَّ الْعَيْنَ وَلَا يَحْلِفُ الْآخَرُ وَلَا رَهْنَ إذْ لَا يَدَّعِيهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ فَاتَتْ غُرْمُهَا لَهُ) وَيَرْجِعُ فِي مِقْدَارِ بَدَلِهَا لِلْغَارِمِ (قَوْلُهُ: فَأَنْكَرَ وَحَلَفَ إلَخْ) أَيْ عَلَى عَدَمِ الشِّرَاءِ، فَلَوْ قَالَ اسْتَعَرْتهَا أَوْ اسْتَأْجَرْتهَا أَوْ عَيَّنَ جِهَةً أُخْرَى فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ آخِرِ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ (قَوْلُهُ: فَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ) أَيْ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَتْ جَارِيَةً وَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَإِذَا حَبِلَتْ مِنْهُ فَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ لِإِقْرَارِ الْبَائِعِ بِأَنَّهَا مِلْكُ الْمُشْتَرِي وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا لِلشُّبْهَةِ، وَإِذَا مَلَكَهَا بَعْدَ ذَلِكَ صَارَتْ مُسْتَوْلَدَةً عَلَيْهِ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الظَّاهِرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ (قَوْلُهُ: لِاعْتِرَافِهِ) أَيْ مُدَّعِي الْبَيْعِ (قَوْلُهُ: بِأَنَّهَا مِلْكُهُ) أَيْ الْمُنْكِرِ (قَوْلُهُ: فَقَالَ) أَيْ الْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ: فَلَهُ) أَيْ الْبَائِعِ (قَوْلُهُ: أَخْذُهُ) أَيْ الثَّمَنِ (قَوْلُهُ: مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ: لَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (قَوْلُهُ: مِنْهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ: وَلَا رُجُوعَ لَهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ: بِتَسْلِيمِهِ) أَيْ الْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ: لَهُ) أَيْ الْمَبِيعِ (قَوْلُهُ: مُصَدَّقٌ إلَخْ) وَعِبَارَةُ حَجّ: وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهُ بِشِرَائِهِ مِنْهُ مُصَدِّقٌ لَهُ اهـ وَهِيَ أَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ لِأَنَّ مُجَرَّدَ التَّسْلِيمِ لَا يَقْتَضِي الْإِقْرَارَ بِالْمِلْكِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الْبَائِعِ بِإِجَارَةٍ أَوْ نَحْوِهَا (قَوْلُهُ: عَلَى الْقَبْضِ مِنْهُ) عِبَارَةُ حَجّ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَعَلَى فِي كَلَامِ الشَّارِحِ بِمَعْنَى اللَّامِ (قَوْلُهُ: فَأَنْكَرَ) أَيْ الشِّرَاءَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ الْبَائِعَ (قَوْلُهُ: بِمِلْكِ مَالِكِ الْعَيْنِ) لَكِنَّهُ يُشْكِلُ عَلَى عَدَمِ تَغْرِيمِ وَاضِعِ الْيَدِ هُنَا ثَمَرَةَ الْكَرْمِ مَعَ أَنَّهُ بِحَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ الشِّرَاءِ انْتَفَى الْعَقْدُ.
قَالَ سم عَلَى حَجّ: وَالْفَرْقُ أَنَّهُ فِيهَا: أَيْ الْهِبَةِ عَيْنُ الْجِهَةِ الَّتِي زَعَمَ الِاسْتِحْقَاقَ بِهَا، وَقَدْ رَفَعَهَا الْمَالِكُ بِحَلِفِهِ عَلَى نَفْيِهَا وَهُنَا لَمْ يُعَيَّنْ جِهَةً وَجَازَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ جِهَةُ اسْتِحْقَاقٍ لَهُ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمُعْتَمَدِ) فَعُلِمَ أَنَّهُمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الرُّؤْيَةِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مُثْبِتِهَا مِنْ بَائِعٍ أَوْ مُشْتَرٍ، قَالَ مَرَّ:
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَمَا اُسْتُشْكِلَ بِهِ رَدُّ الْمُنْفَصِلَةِ) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الْمَتْنِ
خِلَافًا لِمَا فِي فَتَاوَى الشَّيْخِ (فَالْأَصَحُّ تَصْدِيقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ بِيَمِينِهِ) غَالِبًا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْعُقُودِ الصِّحَّةُ وَأَصْلُ عَدَمِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ يُعَارِضُهُ أَصْلُ عَدَمِ الْفَسَادِ فِي الْجُمْلَةِ، وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ مَا لَوْ بَاعَ ذِرَاعًا مِنْ أَرْضٍ مَعْلُومَةِ الذَّرْعِ ثُمَّ ادَّعَى إرَادَةَ ذِرَاعٍ مُعَيَّنٍ لِيُفْسِدَ الْبَيْعَ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي شُيُوعَهُ فَيُصَدَّقُ الْبَائِعُ بِيَمِينِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَمَا لَوْ زَعَمَ أَحَدُ مُتَصَالِحَيْنِ وُقُوعَ صُلْحِهِمَا عَلَى إنْكَارٍ فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ الْغَالِبُ، وَمَا لَوْ زَعَمَ أَنَّهُ عَقَدَ وَبِهِ نَحْوُ صِبَا وَأَمْكَنَ أَوْ جُنُونٍ أَوْ حَجْرٍ وَعُرِفَ لَهُ ذَلِكَ فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ هُنَا، وَلَا نَظَرَ لِسَبْقِ إقْرَارِهِ بِضِدِّهِ لِوُقُوعِهِ حَالَ نَقْصِهِ وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى تَصْدِيقِ مُدَّعِي الْفَسَادِ، وَقَدْ جَرَى صَاحِبُ الْأَنْوَارِ كَالشَّيْخَيْنِ قُبَيْلَ الصَّدَاقِ عَلَى خِلَافِهِ، وَأَمَّا كَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي الْجِنَايَاتِ وَالطَّلَاقِ فَلَيْسَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَفَسَادِهِ، وَفَارَقَ مَا ذَكَرْنَاهُ مَا سَيَأْتِي فِي الضَّمَانِ بِأَنَّ الْمُعَاوَضَاتِ يَحْتَاطُ فِيهَا غَالِبًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَقَعُ بِشُرُوطِهَا، وَفِي الْبَيَانِ لَوْ أَقَرَّ بِالِاحْتِلَامِ لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ
[حاشية الشبراملسي]
بِخِلَافِ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي كَيْفِيَّةِ الرُّؤْيَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّائِي لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِهَا: أَيْ كَأَنْ ادَّعَى أَنَّهُ رَآهُ مِنْ وَرَاءِ زُجَاجٍ، وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ رَأَيْته بِلَا حَيْلُولَةِ زُجَاجٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الرُّؤْيَةِ مِنْ وَرَاءِ زُجَاجٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ فَلْيُرَاجَعْ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَفْتَى بِخِلَافِهِ خَطّ جَرْيًا عَلَى إطْلَاقِهِمْ بِتَصْدِيقِ مُدَّعِي الصِّحَّةِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَإِطْلَاقُ الشَّارِحِ يُوَافِقُ مَا وَجَّهَ بِهِ الْخَطِيبُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْقَوَاعِدِ.
[فَائِدَةٌ] قَالَ حَجّ: وَلَوْ أَقَرَّ بِالرُّؤْيَةِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ عَدَمَهَا لِلتَّحْلِيفِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَدَّ فِيهَا إقْرَارٌ عَلَى رَسْم الْقُبَالَةِ وَيَسْتَحِيلُ شَرْعًا تَأَخُّرُهَا عَنْ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِإِتْلَافِ مَالٍ ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا أَقْرَرْت بِهِ لِعَزْمِي عَلَيْهِ، بِخِلَافِهِ بِنَحْوِ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ اُعْتِيدَ فِيهِ التَّأْخِيرُ عَنْ الْعَقْدِ وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَدَّ إلَخْ جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا وَهِيَ أَنَّ شَخْصًا اشْتَرَى مِنْ تَاجِرٍ مَقْطَعًا مِنْ الْقُمَاشِ بِثَلَاثَةِ قُرُوشٍ ثُمَّ سَأَلَهُ أَحَدُ أَتْبَاعِ الظَّلَمَةِ عَنْ ثَمَنِهِ فَقَالَ اشْتَرَيْته بِخَمْسَةٍ لِدَفْعِهِ عَنْهُ فَانْدَفَعَ ثُمَّ أَحْضَرَ لِلْبَائِعِ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورَةَ فَأَقَامَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِمَا أَقَرَّ بِهِ فَهَلْ لَهُ تَحْلِيفُهُ أَمْ لَا، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ رسم الْقُبَالَةَ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى شُبْهَةٍ تُقَوِّي جَانِبَهُ فَلَهُ تَحْلِيفُ الْبَائِعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُهُ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ كَوْنَهُ وَكِيلًا أَوْ كَوْنَهُ وَدِيعًا لِغَرَضٍ لَا يَنْعَزِلُ بِذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا أَنْكَرَهُ لَا لِغَرَضٍ (قَوْلُهُ: مَعْلُومَةِ الذَّرْعِ) كَانَ وَجْهُ هَذَا التَّقْيِيدِ أَنَّ مَجْهُولَتَهَا لَا تُفِيدُ دَعْوَى الْمُشْتَرِي شُيُوعَ الذِّرَاعِ فِي الصِّحَّةِ إذْ لَا يَصِيرُ الْمَبِيعُ مَعْلُومًا، بَلْ هُوَ عَلَى جَهْلِهِ بِخِلَافِ الْمَعْلُومَةِ، أَوْ يَصِيرُ مَعْلُومًا بِالْجُزْئِيَّةِ فَلْيُحَرَّرْ، وَقَوْلُهُ مُعَيَّنٌ قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ إنْ قَصَدَهُ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: إرَادَةَ ذِرَاعٍ مُعَيَّنٍ) أَيْ مُبْهَمٍ بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ أَرَدْت بِقَوْلِي ذِرَاعًا أَنَّهُ يُفْرَزُ لَك ذِرَاعٌ مُعَيَّنٌ مِنْ الْعَشَرَةِ تُنْفِقُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: عَلَى إنْكَارٍ) أَيْ فَيَكُونُ بَاطِلًا (قَوْلُهُ: فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ فَالْمُصَدَّقُ الزَّوْجُ اهـ حَجّ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ: وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى تَصْدِيقِ إلَخْ) أَيْ عَلَى الْمَرْجُوحِ وَالرَّاجِحُ تَصْدِيقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ (قَوْلُهُ: عَلَى خِلَافِهِ) أَيْ فَيُصَدَّقُ مُدَّعِي الصِّبَا وَالْجُنُونِ حَيْثُ عَهِدَ لَهُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ تَصْدِيقِ مُدَّعِي الصِّحَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ (قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرْنَاهُ) أَيْ فِي دَعْوَى الصِّبَا لَهُ وَالْجُنُونِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْبَيَانِ لَوْ أَقَرَّ إلَخْ) هَذَا قَدْ يُخَالِفُ مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ وَلَا نَظَرَ لِسَبْقِ إقْرَارِهِ وَمِنْ ثَمَّ جَعَلَهُ حَجّ رَدًّا
[حاشية الرشيدي]
[ادَّعَى أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ صِحَّةَ الْبَيْعِ وَالْآخَرُ فَسَادَهُ]
قَوْلُهُ: ذِرَاعٍ مُعَيَّنٍ) أَيْ غَيْرِ مُشَاعٍ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ بِهِ إذْ الصُّورَةُ أَنَّهُ مُبْهَمٌ حَتَّى يَتَأَتَّى الْبُطْلَانُ.
(قَوْلُهُ: عَلَى خِلَافِهِ) أَيْ مِنْ عَدَمِ تَصْدِيقِهِ فَتَسْتَمِرُّ صِحَّةُ الْبَيْعِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ هُوَ الرَّاجِحُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْبَيَانِ) غَرَضُهُ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي سِيَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُصَدِّقَ مُدَّعِي الْفَسَادِ فِي مَسْأَلَةِ الرُّويَانِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِمَّا جَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ فِي مَسْأَلَةِ الرُّويَانِيِّ.
مَنْ وُهِبَ فِي مَرَضِهِ شَيْئًا فَادَّعَتْ وَرَثَتُهُ غَيْبَةَ عَقْلِهِ حَالَ الْهِبَةِ لَمْ يُقْبَلُوا، إلَّا إنْ عُلِمَ لَهُ غَيْبَةٌ قَبْلَ الْهِبَةِ وَادَّعَوْا اسْتِمْرَارَهَا إلَيْهَا، وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْبَيِّنَةِ بِغَيْبَةِ الْعَقْلِ إنْ تَبَيَّنَ مَا غَابَ بِهِ: أَيْ لِئَلَّا تَكُونَ غَيْبَتُهُ بِمَا يُؤَاخَذُ بِهِ كَسُكْرٍ تَعَدَّى بِهِ، وَمَا لَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ وَقَعَ الْعَقْدُ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ قَالَ مُجَلِّي فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا لِأَنَّ ذَلِكَ إنْكَارٌ لِأَصْلِ الْعَقْدِ، وَصَوَّبَهُ السُّبْكِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ الْحَقُّ، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ.
اهـ وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ بِيَمِينِهِ
وَمَا لَوْ اشْتَرَى نَحْوَ مَغْصُوبٍ وَقَالَ كُنْت أَظُنُّ الْقُدْرَةَ فَبَانَ عَجْزِي فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْقَفَّالُ لِاعْتِضَادِهِ بِقِيَامِ الْغَصْبِ، وَمَا لَوْ بَاعَ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ أَوْ الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ ثُمَّ اخْتَلَفَا هَلْ شَرَطَ الْقَطْعَ أَمْ لَا فَهُوَ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الرُّؤْيَةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْقَوْلَ فِيهَا قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ، وَمَا لَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ أَذِنْت فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ رَهْنِ الثَّمَنِ وَقَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ مُطْلَقًا فَالْمُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ الْمَذْكُورَ لَمْ يَقَعْ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ وَلَا نَائِبِهِمَا.
وَلَوْ ادَّعَى السَّيِّدُ اتِّحَادَ نَجْمِ الْكِتَابَةِ وَالْمُكَاتَبُ تَعَدُّدَهُ صُدِّقَ الْمُكَاتَبُ عَلَى الْقَاعِدَةِ: نَعَمْ لَوْ قَالَ السَّيِّدُ كَاتَبْتُك وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ وَأَمْكَنَ الصَّبِيُّ وَعَهِدَ الْمَجْنُونُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَلَوْ أَتَى الْمُشْتَرِي بِخَمْرٍ أَوْ بِمَاءٍ فِيهِ فَأْرَةٌ وَقَالَ: قَبَضْته كَذَلِكَ فَأَنْكَرَ الْقَبْضَ كَذَلِكَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَلَوْ صَبَّهُ فِي ظَرْفِ الْمُشْتَرِي فَظَهَرَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ فَادَّعَى كُلٌّ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ صُدِّقَ الْبَائِعُ لِدَعْوَاهُ الصِّحَّةَ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ وَالْأَصْلُ أَيْضًا بَرَاءَةُ الْبَائِعِ كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ السَّلَمِ إذَا اخْتَلَفَا هَلْ قَبَضَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ رَأْسَ الْمَالِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَوْ أَقَامَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بَيِّنَتَيْنِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ، وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي عَصْرُونٍ إنْ كَانَ مَالُ كُلٍّ بِيَدِهِ حَلَفَ الْمُنْكِرُ وَإِلَّا فَصَاحِبُهُ مَرْدُودٌ (وَلَوْ) (اشْتَرَى عَبْدًا) مَثَلًا مُعَيَّنًا وَقَبَضَهُ (فَجَاءَ بِعَبْدٍ مَعِيبٍ لِيَرُدَّهُ فَقَالَ الْبَائِعُ: لَيْسَ هَذَا الْمَبِيعَ) (صُدِّقَ الْبَائِعُ) بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ وَبَقَاءُ الْعَقْدِ (وَفِي مِثْلِهِ فِي) الْمَبِيعِ فِي الذِّمَّةِ (وَالسَّلَمِ) بِأَنْ يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمُسْلِمُ الْمَدْفُوعَ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ أَحْضَرَ مَعِيبًا لِيَرُدَّهُ فَقَالَ الْبَائِعُ أَوْ الْمُسْلَمُ
[حاشية الشبراملسي]
لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا نَظَرَ لِسَبْقِ إقْرَارِهِ بِضِدِّهِ وَقَدْ يُقَالُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَلَا نَظَرَ إلَخْ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِالْبُلُوغِ وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبُهُ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ الصِّبَا بَعْدُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَظُنَّ مَا لَيْسَ سَبَبًا لِلْبُلُوغِ بُلُوغًا كَنُتُوءِ طَرَفِ الْحُلْقُومِ وَافْتِرَاقِ الْأَرْنَبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ دَعْوَاهُ الْبُلُوغَ مُنَاقَضَةً صَرِيحًا لِدَعْوَى الصِّبَا بِخِلَافِ إقْرَارِهِ بِالِاحْتِلَامِ (قَوْلُهُ: كَسُكْرٍ تَعَدَّى إلَخْ) أَيْ فَتَصِحُّ هِبَتُهُ مَعَ غَيْبَةِ عَقْلِهِ (قَوْلُهُ: وَمَا لَوْ قَالَتْ) أَيْ وَيُسْتَثْنَى مَا لَوْ قَالَتْ إلَخْ (قَوْلُهُ: قَوْلُ الزَّوْجِ بِيَمِينِهِ) أَيْ خِلَافًا لحج.
(قَوْلُهُ: وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْقَوْلَ إلَخْ) أَيْ فَهَذِهِ مِثْلُهَا (قَوْلُهُ: فَالْمُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ) أَيْ فَيَكُونُ الْبَيْعُ بَاطِلًا.
(قَوْلُهُ: فَأَنْكَرَ الْقَبْضَ) أَيْ الْبَائِعُ (قَوْلُهُ: صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) أَيْ الْبَائِعِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ صَبَّهُ فِي ظَرْفِ الْمُشْتَرِي) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ كَانَ فِي ظَرْفِ الْبَائِعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ حَادِثٍ) وَهُوَ النَّجَاسَةُ هُنَا لِلْمَبِيعِ وَكَوْنُهَا لِمُلَاقَاةِ الْمَبِيعِ لِلْفَأْرَةِ فِي ظَرْفِ الْمُشْتَرِي أَقْرَبَ مِنْ كَوْنِهَا كَانَتْ فِي ظَرْفِ الْبَائِعِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي وَظَاهِرُهُ تَصْدِيقُهُ الْبَائِعَ وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى صِدْقِ الْمُشْتَرِي كَكَوْنِ الْفَأْرَةِ مُنْتَفِخَةً أَوْ مُتَهَرِّيَةً وَلَا مَانِعَ مِنْهُ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ فِي ظَرْفِ الْمُشْتَرِي بِوَاسِطَةِ مَائِعٍ غَيْرِ هَذَا الْمَبِيعِ فَصُبَّ عَنْهَا الْمَبِيعُ وَظَاهِرٌ أَيْضًا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ عَلِمَ اسْتِحَالَةَ كَوْنِهَا فِي يَدِهِ كَأَنْ غَسَلَ الْجَرَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ وَجَفَّفَهَا وَسَدّهَا بِمَا يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْفَأْرَةِ إلَيْهَا وَلَمْ تَزُلْ يَدُهُ عَنْهَا بِحَيْثُ يُمْكِنُ وُقُوعُ الْفَأْرَةِ فِيهَا وَلَمْ يَشْعُرْ جَازَ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ الثَّمَنِ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ بِطَرِيقِ الظُّفْرِ لِتَحَقُّقِهِ بُطْلَانَ الْبَيْعِ (قَوْلُهُ: فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ) هُمَا قَوْلُهُ: وَلَوْ أَتَى الْمُشْتَرِي إلَخْ، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ صَبَّهُ فِي ظَرْفٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ) أَيْ أَيْضًا كَمَا قُدِّمَ قَوْلُهُ: (قَوْلُهُ: الْمَبِيعَ) هُوَ بِالنَّصْبِ خَبَرُ لَيْسَ وَهَذَا اسْمُهَا فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ هَذَا مِنْ قَاعِدَةِ أَنَّ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ يُعْرَبُ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: فَهُوَ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الرُّؤْيَةِ إلَخْ) وَحِينَئِذٍ فَفِي عَطْفِهِ عَلَى مَسَائِلِ تَصْدِيقِ مُدَّعِي الْفَسَادِ مُسَاهَلَةٌ.
إلَيْهِ لَيْسَ هَذَا الْمَقْبُوضَ (يُصَدَّقُ) الْمُشْتَرِي (وَالْمُسْلِمُ) بِيَمِينِهِ (فِي الْأَصَحِّ) أَنَّهُ الْمَقْبُوضُ عَمَلًا بِأَصْلِ بَقَاءِ شَغْلِ ذِمَّةِ الْبَائِعِ وَالْمُسْلَمِ إلَيْهِ إلَى وُجُودِ قَبْضٍ صَحِيحٍ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي الثَّمَنِ فَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي فِي الْمُعَيَّنِ وَالْبَائِعِ فِيمَا فِي الذِّمَّةِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يُصَدَّقُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ كَالْبَيْعِ، وَلَوْ قَبَضَ الْمَبِيعَ مَثَلًا بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ ثُمَّ ادَّعَى نَقْصَهُ فَإِنْ كَانَ قَدْرَ مَا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ عَادَةً صُدِّقَ بِيَمِينِهِ لِاحْتِمَالِهِ مَعَ عَدَمِ مُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ وَإِلَّا فَلَا لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ وَلِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْقَبْضِ وَالْقَابِضُ يَدَّعِي الْخَطَأَ فِيهِ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، كَمَا لَوْ اقْتَسَمَا ثُمَّ جَاءَ أَحَدُهُمَا وَادَّعَى الْخَطَأَ فِيهِ تَلْزَمُهُ الْبَيِّنَةُ، وَلَوْ بَاعَ شَيْئًا فَظَهَرَ كَوْنُهُ لِابْنِهِ أَوْ مُوَكِّلِهِ فَوَقَعَ اخْتِلَافٌ كَأَنْ قَالَ الِابْنُ: بَاعَ أَبِي مَالِي فِي الصِّغَرِ لِنَفْسِهِ مُتَعَدِّيًا، وَقَالَ الْمُوَكِّلُ بَاعَ وَكِيلِي مَالِي مُتَعَدِّيًا، وَقَالَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَتَعَدَّ الْوَلِيُّ وَلَا الْوَكِيلُ صُدِّقَ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْأَبِ وَالْوَكِيلِ أَمِينٌ وَلَا يُتَّهَمُ إلَّا بِحُجَّةٍ.
بَابٌ بِالتَّنْوِينِ فِي مُعَامَلَةِ الرَّقِيقِ وَذَكَرَهُ هُنَا تَبَعًا لِلشَّافِعِيِّ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيمِهِ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ لِلْحَاوِي كَالرَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْحُرِّ فَأَخَّرْت أَحْكَامَهُ عَنْ جَمِيعِ أَحْكَامِهِ وَلَوْ تَأَتَّى فِيهِ بَعْضُهَا، وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ مُمْكِنٌ أَيْضًا بِأَنَّ فِيهِ إشَارَةً لِجَرَيَانِ التَّحَالُفِ فِي الرَّقِيقَيْنِ كَمَا مَرَّ وَمِنْ تَعْقِيبِهِ لِلْقِرَاضِ الْوَاقِعِ فِي التَّنْبِيهِ لِأَنَّهُ وَإِنْ أَشْبَهَهُ فِي أَنَّ كُلًّا فِيهِ تَحْصِيلُ رِبْحٍ بِإِذْنٍ فِي تَصَرُّفٍ لَكِنَّهُ إنَّمَا يَتَّضِحُ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ أَنَّ إذْنَ السَّيِّدِ لِقِنِّهِ تَوْكِيلٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ اسْتِخْدَامٌ، وَتَصَرُّفَهُ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ عَلَى ثَلَاثَةِ
[حاشية الشبراملسي]
بَدَلًا، وَقِيلَ عَطْفَ بَيَانٍ، وَقِيلَ نَعْتًا لِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ عَامِلٌ يَقْتَضِي رَفْعَهُ أَوْ نَصْبَهُ وَهَذَا مِنْهُ (قَوْلُهُ: يُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي) لَكِنْ لَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَفَعَ الثَّمَنَ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ هَلْ يَكُونُ كَالْمُعَيَّنِ فَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَا رَدَّهُ الْبَائِعُ مَعِيبًا لَيْسَ هُوَ الْمَقْبُوضَ عَمَلًا بِقَوْلِهِمْ الْوَاقِعُ فِي الْمَجْلِسِ كَالْوَاقِعِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ أَمْ الْمُصَدَّقُ الْبَائِعُ نَظَرًا لِكَوْنِ الْعَقْدِ وَرَدَ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ، فِيهِ نَظَرٌ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ لِلْوَاقِعِ فِي الْمَجْلِسِ كَالْوَاقِعِ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: فِيمَا فِي الذِّمَّةِ) وَالضَّابِطُ أَنْ يُقَالَ: إنْ جَرَى الْعَقْدُ عَلَى مُعَيَّنٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ لِلْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ، وَإِنْ جَرَى عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ الثَّمَنُ أَوْ الْمُثَمَّنُ (قَوْلُهُ: أَوْ الْوَزْنِ) أَيْ أَوْ الْعَدَدِ فِيمَا يَظْهَرُ فَيُصَدَّقُ الْقَابِضُ إنْ اُحْتُمِلَ وُقُوعُ الْغَلَطِ فِيهِ وَالْبَائِعُ إنْ لَمْ يُحْتَمَلْ، وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ تَصْدِيقُ الْمُشْتَرِي مُطْلَقًا فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالْعَدِّ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ قَبْضِ مَا يَدَّعِيه الْبَائِعُ (قَوْلُهُ: صُدِّقَ) أَيْ الْقَابِضُ (قَوْلُهُ: بِيَمِينِهِ) أَيْ فَيُطَالِبُ بِالْقَبْضِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْأَبِ وَالْوَكِيلِ أَمِينٌ) مُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ مِثْلَ الْأَبِ الْوَصِيُّ وَالْقَيِّمُ فِي تَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي إذَا قَالَ الطِّفْلُ بَعْدَ بُلُوغِهِ بَاعَ الْوَصِيُّ أَوْ الْقَيِّمُ لِنَفْسِهِ تَعَدِّيًا وَأَنْكَرَهُ الْمُشْتَرِي، لَكِنْ فِي آخِرِ فَصْلِ الْإِيصَاءِ أَنَّ الْوَصِيَّ لَوْ ادَّعَى بَيْعَ مَالِ الطِّفْلِ لِلْمَصْلَحَةِ وَأَنْكَرَ الطِّفْلُ بَعْدَ بُلُوغِهِ طُولِبَ الْوَصِيُّ بِالْبَيِّنَةِ فَلْيُرَاجَعْ، وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ شَفَقَةَ الْأَبِ تَمْنَعُهُ مِنْ الْخِيَانَةِ فِي مَالِ وَلَدِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
[بَابٌ فِي مُعَامَلَةِ الرَّقِيقِ]
(بَابٌ) فِي مُعَامَلَةِ الرَّقِيقِ (قَوْلُهُ: فِي مُعَامَلَةِ الرَّقِيقِ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ كَعَدَمِ مِلْكِهِ بِتَمْلِيكِ السَّيِّدِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ تَأَتَّى فِيهِ بَعْضُهَا) كَالتَّحَالُفِ (قَوْلُهُ: وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ) أَيْ الْوَاقِعِ فِي الْحَاوِي (قَوْلُهُ: إنَّمَا يَتَّضِحُ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْمُشَابَهَةُ الْمَذْكُورَةُ مُتَحَقِّقَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ أَيْضًا اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ اسْتِخْدَامٌ) قَدْ يُقَالُ كُلٌّ مِنْهُمَا اسْتِخْدَامٌ وَالِاسْتِخْدَامُ
[حاشية الرشيدي]
بَابٌ) فِي مُعَامَلَةِ الرَّقِيقِ (قَوْلُهُ: إنَّمَا يَتَّضِحُ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ إلَخْ) نَازَعَ فِيهِ الشِّهَابُ سم وَأَثْبَتَ أَنَّ الْمُشَابَهَةَ مُتَحَقِّقَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ أَيْضًا
أَقْسَامٍ مَا لَا يُنَفِّذُ وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ السَّيِّدُ كَالْوِلَايَاتِ وَالشَّهَادَاتِ، وَمَا يُنَفِّذُ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَالْعِبَادَاتِ وَالطَّلَاقِ وَالْخَلْعِ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِهِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَهَذَا مَقْصُودُ الْبَابِ، وَقَدْ شَرَعَ الْمُصَنِّفُ فِي بَيَانِ ذَلِكَ فَقَالَ (الْعَبْدُ) يَعْنِي الْقِنَّ عَلَى أَنَّ ابْنَ حَزْمٍ ذَهَبَ إلَى أَنَّ لَفْظَ الْعَبْدِ يَشْمَلُ الْأَمَةَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: الرَّقِيقُ الَّذِي يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ لَوْ كَانَ حُرًّا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (إنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ التَّصَرُّفِ لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ) إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الْكَلَامِ فِيهِ وَإِلَّا فَكُلُّ تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ (بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) الْمُعْتَبَرُ إذْنُهُ شَرْعًا (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ.
وَالثَّانِي يَصِحُّ لِتَعَلُّقِ الثَّمَنِ بِالذِّمَّةِ وَلَا حَجْرَ لِسَيِّدِهِ فِيهَا وَلَوْ كَانَ لِاثْنَيْنِ رَقِيقٌ فَأَذِنَ لَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ الْآخَرُ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي النِّكَاحِ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ الْآخَرُ.
نَعَمْ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ كَفَى إذْنُ صَاحِبِ النَّوْبَةِ
[حاشية الشبراملسي]
يَكُونُ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: كَالْعِبَادَاتِ إلَخْ) وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ بِمَالٍ لِأَنَّهُ لَا تَفْوِيتَ فِيهِ عَلَى السَّيِّدِ بَلْ هُوَ تَحْصِيلُ مَالٍ لَهُ (قَوْلُهُ: يَعْنِي الْقِنَّ) عِبَارَةُ تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ لِلنَّوَوِيِّ: الْعَبْدُ الْقِنُّ بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِ الْعِتْقِ وَمُقَدِّمَاتِهِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ عَلَى صِفَةٍ وَالْمُسْتَوْلَدَةِ هَذَا مَعْنَاهُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ سَوَاءٌ أَكَانَ أَبَوَاهُ مَمْلُوكَيْنِ أَوْ مُعْتَقَيْنِ أَوْ حُرَّيْنِ أَصْلِيَّيْنِ بِأَنْ كَانَا كَافِرَيْنِ وَاسْتُرِقَّ هُوَ أَوْ أَحَدُهُمَا بِصِفَةٍ وَالْآخَرُ بِخِلَافِهَا، وَأَمَّا أَهْلُ اللُّغَةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْقِنُّ الْعَبْدُ إذَا مُلِكَ هُوَ وَأَبَوَاهُ، كَذَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُؤَنَّثُ، قَالَ: وَرُبَّمَا قَالُوا عَبِيدٌ أَقْنَانٌ ثُمَّ يُجْمَعُ عَلَى أَقِنَّةٍ اهـ.
وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: الْقِنُّ الرَّقِيقُ يُطْلَقُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ عَلَى الْوَاحِدِ وَغَيْرِهِ فَيُقَالُ عَبْدٌ قِنٌّ وَعَبِيدٌ قِنٌّ وَأَمَةٌ قِنٌّ بِالْإِضَافَةِ وَبِالْوَصْفِ أَيْضًا، وَرُبَّمَا جُمِعَ عَلَى أَقْنَانٍ وَأَقِنَّةٍ وَهُوَ الَّذِي مُلِكَ هُوَ وَأَبَوَاهُ، وَأَمَّا مَنْ تُغُلِّبَ عَلَيْهِ وَيُسْتَعْبَدُ فَهُوَ عَبْدٌ مُلِكَ، وَمَنْ كَانَتْ أُمُّهُ أَمَةً وَأَبُوهُ عَرَبِيًّا فَهُوَ هَجِينٌ، فَتَفْسِيرُ الشَّارِحِ الْعَبْدَ بِالْقِنِّ لَا يُوَافِقُ اللُّغَةَ وَلَا اصْطِلَاحَ الْفُقَهَاءِ (قَوْلُهُ: الرَّقِيقُ الَّذِي يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ إلَخْ) لَعَلَّ الْحَمْلَ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ الْمُرَادُ وَإِلَّا فَلَا دَلَالَةَ لِلَّفْظِ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ قَدْ يَقْتَضِي خِلَافَهُ وَلِذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَظَاهِرٌ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ تَصَرُّفِ الرَّقِيقِ بِالْإِذْنِ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ بِنَفْسِهِ لَوْ كَانَ حُرًّا اهـ (قَوْلُهُ: لَوْ كَانَ حُرًّا) أَيْ بِأَنْ كَانَ مُكَلَّفًا رَشِيدًا اهـ زِيَادِيٌّ (قَوْلُهُ: أَوْ التَّصَرُّفِ) أَيْ وَلَا فِي التَّصَرُّفِ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي أَحَدِهِمَا تَصَرَّفَ بِحَسَبِ الْإِذْنِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الِاخْتِصَاصَاتِ فَلَا يَصِحُّ رَفْعُ يَدِهِ عَنْهَا، وَيُحَرَّمُ عَلَى الْآخِذِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْمَالِيِّ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَّصِفُ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ) لَوْ تَرَكَ الْوَاوَ كَانَ أَوْلَى، لِأَنَّهُ إذَا تَصَرَّفَ فِي الْعَيْنِ فَهُوَ بَاطِلٌ جَزْمًا كَمَا يَأْتِي وَعَلَيْهِ فَالْوَاوُ لِلْحَالِ (قَوْلُهُ: بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) زَادَ حَجّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: تَنْبِيهٌ: تَبَيَّنَ بِقَوْلِي فِيهِ أَنَّهُ إنَّمَا احْتَاجَ لِقَوْلِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ مَعَ قَوْلِهِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهَا تَحْتَهُ قِسْمَانِ: مَنْ اشْتَرَى وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي خُصُوصِ الشِّرَاءِ فَلَا يَصِحُّ وَقِيلَ يَصِحُّ إنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ وَمَنْ اشْتَرَى وَأُذِنَ لَهُ فِي خُصُوصِ الشِّرَاءِ فَيَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ، وَأَنَّهُ لَوْ حَذَفَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَشَمِلَ الثَّانِي لِأَنَّهُ يُصَدَّقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ.
فَإِنْ قُلْت: هَذَا تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ إذْ لَوْ حَذَفَ إنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ اسْتَغْنَى عَنْهُ قُلْت: مِثْلُ هَذَا لَا يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى الْمِنْهَاجِ عَلَى أَنَّ ضَرُورَةَ التَّقْسِيمِ أَحْوَجَتْهُ إلَيْهِ اهـ (قَوْلُهُ: وَلَا حَجْرَ لِسَيِّدِهِ فِيهَا) أَيْ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: كَفَى إذْنُ صَاحِبِ النَّوْبَةِ) أَيْ هُنَا لَا فِي النِّكَاحِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: فَيَكْفِي إذْنُهُ فِي أَنْ يَتَّجِرَ قَدْرَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: كَالْعِبَادَاتِ) أَيْ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي نَحْوِ الْإِحْرَامِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ) سَيَأْتِي أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي تَصَرُّفِهِ
وَلَوْ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ السَّيِّدِ بَطَلَ جَزْمًا، فَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ صَحَّ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الرَّقِيقُ ثِقَةً مَأْمُونًا كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَبَحَثَ هُوَ وَغَيْرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ بِغَيْرِ إذْنٍ كَأَنْ امْتَنَعَ سَيِّدُهُ مِنْ إنْفَاقِهِ أَوْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَتُهُ وَلَمْ تُمْكِنْهُ مُرَاجَعَةُ الْحَاكِمِ فَيَصِحُّ شِرَاؤُهُ بِمَا تَمَسُّ حَاجَتُهُ إلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ بَعَثَهُ فِي شُغْلٍ لِبَلَدٍ بَعِيدٍ أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي حَجٍّ أَوْ غَزْوٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِذْنِهِ لَهُ فِي الشِّرَاءِ وَشِرَاءُ الْمُبَعَّضِ فِي نَوْبَتِهِ صَحِيحٌ لَا فِي غَيْرِهَا
[حاشية الشبراملسي]
نَوْبَتِهِ اهـ.
وَسَأَلَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ عَمَّا لَوْ أَذِنَ أَحَدُهُمَا فِي تَصَرُّفٍ وَالْآخَرُ فِي آخَرَ هَلْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لِوُجُودِ إذْنِهِمَا؟ وَالْجَوَابُ: لَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، إذْ لَمْ يُوجَدْ إذْنُهُمَا فِي وَاحِدٍ مِنْ التَّصَرُّفَيْنِ فَلَا يَصِحُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُهُ: فِي أَنْ يَتَّجِرَ قَدْرَ نَوْبَتِهِ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ فِي الْإِذْنِ لَا يَكْفِي وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ، وَيُحْمَلُ إطْلَاقُهُ عَلَى نَوْبَتِهِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ جَدِيدٍ إذَا عَادَتْ النَّوْبَةُ لِلْآذِنِ، بَلْ يَتَصَرَّفُ عَمَلًا بِمُقْتَضَى الْإِذْنِ السَّابِقِ فِي النَّوْبَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْإِذْنُ وَفِي غَيْرِهَا، وَبَقِيَ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ صَاحِبُ النَّوْبَةِ زِيَادَةً عَلَى نَوْبَتِهِ كَأَنَّهُ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَأَذِنَ لَهُ فِي سِتَّةٍ هَلْ يَصِحُّ فِي نَوْبَتِهِ فَقَطْ تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ أَوْ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ أَوْ تُكَمَّلُ السِّتَّةُ مِنْ نَوْبَةٍ أُخْرَى؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ ذِكْرِهِ الْأَيَّامَ بِهَذَا الْعَدَدِ تَوَالِيهَا وَهُوَ لَا يَمْلِكُ مَا زَادَ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي نَوْبَتِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْمَلْ شَيْئًا مِنْ نَوْبَةِ شَرِيكِهِ، وَبَقِيَ مَا لَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبِ مَا بَاعَهُ فِي نَوْبَةِ أَحَدِهِمَا فِي نَوْبَةِ الْآخَرِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ النَّوْبَةِ وَإِنْ كَانَ زَمَنُ قَبُولِهِ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يُغْتَفَرُ عَادَةً فِيمَا يَقَعُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ اشْتَرَى) أَيْ الْعَبْدُ الْغَيْرُ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَنَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ الَّذِي أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ مُقَيَّدٌ بِمَا فِي الذِّمَّةِ (قَوْلُهُ: صَحَّ تَصَرُّفُهُ) أَيْ الْعَبْدِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ: أَيْ وَلِيِّ سَيِّدِهِ (قَوْلُهُ: ثِقَةً مَأْمُونًا) أَيْ إنْ دَفَعَ لَهُ مَالًا مِنْ أَمْوَالِ السَّيِّدِ اهـ حَجّ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ وَلِيُّ الْمَحْجُورِ فِي التَّصَرُّفِ فِي الذِّمَّةِ لَا يُشْتَرَطُ أَمَانَتُهُ، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ أَمِينًا رُبَّمَا اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَأَهْلَكَهُ فَيَتَعَلَّقُ بَدَلُهُ بِذِمَّتِهِ وَكَسْبِهِ وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بِالْمُوَلَّى عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) أَيْ الْعَبْدِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: كَأَنْ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ إنْفَاقِهِ) أَيْ لَمَّا يَجِبُ إنْفَاقُهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ تُمْكِنْهُ مُرَاجَعَةُ الْحَاكِمِ) قَيْدٌ لِمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: أَيْ بِأَنْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: فَيَصِحُّ شِرَاؤُهُ) أَيْ بِعَيْنِ مَالِ السَّيِّدِ وَفِي الذِّمَّةِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ بَعَثَهُ إلَخْ) أَيْ أَنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ بِعَيْنِ مَا لِلسَّيِّدِ وَفِي الذِّمَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِذْنِهِ لَهُ فِي الشِّرَاءِ) أَيْ وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرَ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ مَالًا يَصْرِفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَنْفُذُ مِنْهُ فِي الصَّرْفِ وَأَنْ لَا يَدْفَعَ لَهُ شَيْئًا بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِذْنِ لَهُ فِي السَّفَرِ (قَوْلُهُ: وَشِرَاءُ الْمُبَعَّضِ إلَخْ) لَوْ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ أَوْ حَيْثُ لَا مُهَايَأَةَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْآنَ وَفَاءُ الثَّمَنِ مِمَّا مَلَكَهُ بِبَعْضِهِ الْحُرِّ أَوْ لَا لِأَنَّ حُكْمَهُ كَمُتَمَحِّضِ الرِّقِّ فِي نَوْبَةِ سَيِّدِهِ أَوْ حَيْثُ لَا مُهَايَأَةَ فَلَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ إلَّا بَعْدَ الْعِتْقِ كَمَا فِي مُتَمَحِّضِ الرِّقِّ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَأَجَابَ مَرَّ بِالثَّانِي، وَسَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الْإِقْرَارِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُطَالَبُ حَالًّا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ وَاشْتَرَى فِي نَوْبَتِهِ، وَعَلَيْهِ فَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إذَا لَزِمَ ذِمَّتَهُ دَيْنٌ بِرِضَا مُسْتَحِقِّهِ حَيْثُ لَا يُطَالَبُ إلَّا بَعْدَ عِتْقِ الْكُلِّ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ مَرَّ بِأَنَّ تَمَحَّضَ الرِّقِّ مَانِعٌ الْآنَ فَاسْتُدِيمَ بَعْدَ عِتْقِ الْبَعْضِ، بِخِلَافِ حُرِّيَّةِ الْبَعْضِ هُنَا فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ مَعَهَا إلْحَاقُهُ
[حاشية الرشيدي]
فِي الذِّمَّةِ فَاللَّائِقُ حَذْفُ الْوَاوِ إلَّا أَنْ تُجْعَلَ لِلْحَالِ
(قَوْلُهُ: وَلَمْ تُمْكِنْهُ مُرَاجَعَةُ الْحَاكِمِ) قَيْدٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، بَلْ الَّذِي فِي كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ إنَّمَا هُوَ جَعْلُهَا قَيْدًا فِي الْأُولَى فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ بَعَثَهُ فِي شُغْلٍ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ هُنَا إلَى مُرَاجَعَةِ الْحَاكِمِ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِذْنِهِ فِي الشِّرَاءِ) أَيْ فَيَشْتَرِي مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ
بِغَيْرِ إذْنٍ وَإِنْ قَصَدَ نَفْسَهُ فِيمَا يَظْهَرُ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ اشْتِرَاطُ الْأَهْلِيَّةِ فِي الْمَأْذُونِ لَهُ بِحَيْثُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ لَوْ كَانَ حُرًّا وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لَهُ بِسَبَبِ رِقِّهِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْحُرِّ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ الْأَذْرَعِيِّ لَمْ أَجِدْهُ فِي الْحَاوِي فِي مَظَانِّهِ، وَدَعْوَاهُ أَنَّ الْعَقْلَ يُبْعِدُ عَدَمَ صِحَّةِ إذْنٍ لِعَبْدِهِ الْفَاسِقِ وَالْمُبَذِّرِ مَمْنُوعَةً.
نَعَمْ إنْ دَعَتْ حَاجَةٌ مِمَّا مَرَّ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ لِجَوَازِهِ لِلسَّفِيهِ.
لَا يُقَالُ: قَضِيَّةُ مَا مَرَّ مِنْ كَوْنِهِ اسْتِخْدَامًا عَدَمُ اشْتِرَاطِ رُشْدِهِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ اسْتِخْدَامًا مُقْتَصِرًا أَثَرُهُ عَلَى السَّيِّدِ بَلْ مُتَعَدِّيًا لِغَيْرِهِ فَشَرَطَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ الرُّشْدَ رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ مُعَامِلِهِ (وَيَسْتَرِدُّهُ) أَيْ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ (الْبَائِعُ) أَيْ لَهُ طَلَبُ رَدِّهِ (سَوَاءٌ كَانَ) فِيهِ حَذْفُ هَمْزَةِ التَّسْوِيَةِ وَهُوَ جَائِزٌ، وَقَدْ قُرِئَ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: 6] بِحَذْفِهَا (فِي يَدِ الْعَبْدِ أَوْ) وَضْعِهَا مَوْضِعَ أَمْ فِي نَحْوِ هَذَا جَائِزٌ، كَمَا حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ يَدُ (سَيِّدِهِ) أَوْ غَيْرِهِمَا لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ وَلَوْ أَدَّى الثَّمَنَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ اسْتَرَدَّ أَيْضًا (فَإِنْ) (تَلِفَ) أَيْ الْمَبِيعُ (فِي يَدِهِ) أَيْ الْعَبْدُ وَبَائِعِهِ رَشِيدٌ (تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِذِمَّتِهِ)
[حاشية الشبراملسي]
بِالرَّقِيقِ لِأَهْلِيَّتِهِ لِلْمِلْكِ حَالَ الْعَقْدِ حَيْثُ كَانَ فِي نَوْبَتِهِ (قَوْلُهُ: فِيمَا يَظْهَرُ) خِلَافًا لحج حَيْثُ قَالَ: وَشِرَاءُ الْمُبَعَّضِ فِي نَوْبَتِهِ صَحِيحٌ، وَكَذَا فِي غَيْرِهَا إنْ قَصَدَ نَفْسَهُ عَلَى الْأَوْجَهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ الَّذِي يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ لَوْ كَانَ حُرًّا إلَخْ (قَوْلُهُ: لِجَوَازِهِ لِلسَّفِيهِ) هَلْ يَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي الصَّبِيِّ إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ وَلَا يَبْعُدُ الْأَوَّلُ وَيُحْتَمَلُ الثَّانِي، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ السَّفِيهَ صَحِيحُ الْعِبَارَةِ، وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ قَبُولُهُ لِلنِّكَاحِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ (قَوْلُهُ: رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ مُعَامِلِهِ) وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ رُشْدُهُ فِي شِرَائِهِ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ وَالْأَوْجَهُ اشْتِرَاطُهُ وَإِنْ كَانَ عَقْدَ عَتَاقَةٍ لِأَنَّهُ يُعْطَى حُكْمُ الْبَيْعِ فِي أَكْثَرِ أَحْكَامِهِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ) أَيْ اشْتِرَاطَ الْأَهْلِيَّةِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ قَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ إلَخْ، وَلَعَلَّ وَجْهَ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الْمَاوَرْدِيُّ ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ الْحَاوِي أَوْ ذَكَرَهُ فِيهِ فِي غَيْرِ مَظَانِّهِ لِمُنَاسَبَةٍ (قَوْلُهُ: أَيْ لَهُ طَلَبُ رَدِّهِ) أَيْ لَا أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: كَمَا حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ) وَلَا يَقْدَحُ فِي الْجَوَازِ الْحُكْمُ بِسَهْوِ الْجَوْهَرِيِّ فِي هَذَا الَّذِي حَكَاهُ كَمَا وَقَعَ فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ وِفَاقًا لِشَيْخِنَا الشَّرِيفِ الصَّفَوِيِّ لَا طَرِيقَ إلَى الْعِلْمِ بِالسَّهْوِ، إذْ غَايَةُ مَا وَقَعَ لِصَاحِبِ الْقَامُوسِ أَوْ غَيْرِهِ فِي نَحْوِ ذَلِكَ عَدَمُ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بَعْدَ بَحْثِهِ طَاقَتَهُ لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْوُجُودَ وَاحْتِمَالُ اطِّلَاعِ الْجَوْهَرِيِّ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِ، وَلِذَا اسْتَنَدَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ إلَى كَلَامِ الْجَوْهَرِيِّ هَذَا فِي دَفْعِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ فِي بَابِ الرِّدَّةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ لِلْحُكْمِ بِسَهْوِهِ فِيهِ مَعَ اطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ لِمَا ذُكِرَ، بَلْ لَوْ فُرِضَ مُشَافَهَةُ الْعَرَبِ لِصَاحِبِ الْقَامُوسِ أَوْ غَيْرِهِ بِامْتِنَاعِ مَا حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ لَمْ يَلْزَمْهُ سَهْوُهُ فِيهِ لِجَوَازِ أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ لُغَةِ غَيْرِ الْمُشَافَهِينَ فَتَدَبَّرْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: اُسْتُرِدَّ أَيْضًا) لَوْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَبْدِ فَهَلْ يَبْرَأُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي دَفَعَهُ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ رَدِّهِ عَلَى سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ تَحْتَ يَدِ الْعَبْدِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ بَرِئَ بِرَدِّهِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ يَدِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَلَا يَبْرَأُ بِالرَّدِّ عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ كَالْغَاصِبِ (قَوْلُهُ: وَبَائِعُهُ رَشِيدٌ) أَيْ فَإِنْ كَانَ سَفِيهًا: أَيْ مَثَلًا تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِذِمَّتِهِ) وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْدَعَهُ رَشِيدٌ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ فَلَا يَضْمَنُ وَإِنْ فَرَّطَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُنَا حَيْثُ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِذِمَّتِهِ أَنَّهُ الْتَزَمَهُ هُنَا بِعَقْدٍ مُضَمَّنٍ فَتَعَلَّقَ بِهِ، بِخِلَافِهِ ثَمَّ إذْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ) يَعْنِي نِسْبَةَ هَذَا الشَّرْطِ لِلْمَاوَرْدِيِّ فِيمَا مَرَّ: أَيْ؛ لِأَنَّ مَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ (قَوْلُهُ: وَدَعْوَاهُ أَنَّ الْعَقْلَ يُبْعِدُ عَدَمَ صِحَّةِ إذْنِهِ لِعَبْدِهِ الْفَاسِقِ وَالْمُبَذِّرِ) أَيْ حَيْثُ بَلَغَا كَذَلِكَ، وَغَرَضُ الْأَذْرَعِيِّ مِنْ هَذَا تَعَقُّبُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الشُّمُولِ لِهَذَيْنِ.
فَحَاصِلُ بَحْثِهِ أَنَّهُ يُسَلِّمُ عُمُومَ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ فِي نَحْوِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَيَمْنَعُهُ فِيمَنْ بَلَغَ فَاسِقًا أَوْ مُبَذِّرًا.
[اقْتِرَاضُ الرَّقِيق وَغَيْرُهُ مِنْ سَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ الْمَالِيَّةِ] .
وَلَوْ رَآهُ مَعَهُ سَيِّدُهُ وَأَقَرَّ فَيَتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ لَا قَبْلَهُ لِثُبُوتِهِ بِرِضَا صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ، إذْ الْقَاعِدَةُ أَنَّ مَا لَزِمَهُ بِغَيْرِ رِضَا مُسْتَحِقِّهِ كَتَلَفٍ بِغَصْبٍ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ فَقَطْ أَوْ بِرِضَاهُ مَعَ إذْنِ السَّيِّدِ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ وَكَسْبِهِ وَمَا بِيَدِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الِاكْتِسَابُ مَا لَمْ يَعْصِ بِهِ كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الْمُفْلِسِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ فَقَطْ (أَوْ) تَلِفَ (فِي يَدِ السَّيِّدِ فَلِلْبَائِعِ تَضْمِينُهُ) أَيْ السَّيِّدِ لَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ (وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ) أَيْضًا لِمَا مَرَّ لَكِنْ إنَّمَا يُطَالِبُ الْعَبْدَ (بَعْدَ الْعِتْقِ) لِجَمِيعِهِ لَا لِبَعْضِهِ فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الْإِقْرَارِ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّتِهِ لَا قَبْلَهُ، وَلَوْ قَبَضَهُ السَّيِّدُ وَتَلِفَ فِي يَدِ غَيْرِهِ كَانَ لِلْبَائِعِ مُطَالَبَةُ السَّيِّدِ أَيْضًا.
(وَاقْتِرَاضُهُ) وَغَيْرُهُ مِنْ سَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ الْمَالِيَّةِ (كَشِرَائِهِ) فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ (وَإِنْ أَذِنَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ إذْ هُوَ قَسِيمٌ إنْ لَمْ يُؤْذَنْ (لَهُ فِي التِّجَارَةِ) مِنْ السَّيِّدِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ (تَصَرَّفَ) بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ لَهُ مَالًا كَأَنْ قَالَ اتَّجِرْ فِي ذِمَّتِك فَلَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ بِالْأَجَلِ وَالِارْتِهَانُ وَالرَّهْنُ ثُمَّ مَا فَضَلَ بِيَدِهِ كَاَلَّذِي دَفَعَهُ لَهُ السَّيِّدُ، وَإِذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ لَزِمَهُ أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ إلَّا (بِحَسَبِ الْإِذْنِ) بِفَتْحِ السِّينِ: أَيْ بِقَدْرِهِ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْإِذْنِ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ الرَّقِيقِ (فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ) أَوْ زَمَنٍ أَوْ مَحَلٍّ (لَمْ يَتَجَاوَزْهُ) كَالْوَكِيلِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَحْسُنُ أَنْ يَتَّجِرَ فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ.
نَعَمْ يَسْتَفِيدُ بِالْإِذْنِ لَهُ
[حاشية الشبراملسي]
لَا الْتِزَامَ فِيهِ لِلْبَدَلِ وَإِنْ الْتَزَمَ الْحِفْظَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ رَآهُ) غَايَةٌ (قَوْلُهُ: فَيَتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ) وَفَارَقَ مَا هُنَا ضَمَانُ السَّيِّدِ بِإِقْرَارِهِ لَهُ عَلَى مَا الْتَقَطَهُ كَمَا يَأْتِي بِتَفْصِيلِهِ فِي بَابِهِ لِأَنَّ الْمَالِكَ ثَمَّ لَمَّا لَمْ يَأْذَنْ كَانَ السَّيِّدُ مُقَصِّرًا بِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ اهـ حَجّ.
وَقَضِيَّةُ فَرْقِهِ ضَمَانُ السَّيِّدِ مَا غَصَبَهُ الْعَبْدُ إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْزِعْهُ مِنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ انْتِزَاعُ الْمَغْصُوبِ مِنْ الْعَبْدِ، فَحَيْثُ أَهْمَلَهُ وَلَمْ يَنْتَزِعْهُ مِنْ الْعَبْدِ كَانَ كَأَنَّهُ رِضًا بِوَضْعِ الْعَبْدِ يَدَهُ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ (قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الْعَبْدَ (قَوْلُهُ: وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ) وَعَلَيْهِ فَلَوْ غَرِمَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَدْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ السَّيِّدِ فَهَلْ يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَيْهِ لِأَنَّ قَرَارَ الضَّمَانِ عَلَى مَنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ تَحْتَ يَدِهِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَقِيَاسُ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ إذَا غَرِمَ بَعْدَ عِتْقِهِ مَا لَزِمَهُ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ لَا يَرْجِعُ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ لَمَّا كَانَ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَنَشَأَ مِنْهُ الدَّيْنُ نَزَلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي اسْتَحَقَّهَا قَبْلَ إعْتَاقِهِ كَأَنْ أَجَّرَهُ مُدَّةً ثُمَّ أَعْتَقَهُ فَإِنَّ الْأُجْرَةَ لِسَيِّدِهِ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ وَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَيْهِ الْعَبْدُ، بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ لَيْسَ نَاشِئًا عَنْ إذْنِ السَّيِّدِ وَلَا عَلَقَةَ لَهُ بِهِ، فَنَزَلَ مَا يَغْرَمُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ مَنْزِلَةَ غُرْمِ الْأَجْنَبِيِّ، وَهُوَ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ (قَوْلُهُ: بَعْدَ الْعِتْقِ لِجَمِيعِهِ) خِلَافًا لحج وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَالْأَقْرَبُ مَا قَالَهُ حَجّ لِأَنَّ امْتِنَاعَ مُطَالَبَتِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ الْأَدَاءِ بِعَدَمِ الْمِلْكِ، فَحَيْثُ مَلَكَ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى الْوَفَاءِ وَلَوْ لِبَعْضِ مَا عَلَيْهِ فَلَا وَجْهَ لِلْمَنْعِ، عَلَى أَنَّ التَّأْخِيرَ قَدْ يُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِهِ الْحَقَّ عَلَى صَاحِبِهِ رَأْسًا لِجَوَازِ تَلَفِ مَا بِيَدِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ (قَوْلُهُ: كَانَ لِلْبَائِعِ مُطَالَبَةُ السَّيِّدِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا يُطَالِبُ الْعَبْدَ وَالْغَيْرَ.
(قَوْلُهُ: وَاقْتِرَاضِهِ وَغَيْرِهِ) تَتْمِيمٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَإِلَّا فَهَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الْكَلَامِ فِيهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ) غَايَةٌ (قَوْلُهُ: ثُمَّ مَا فَضَلَ بِيَدِهِ) أَيْ بَعْدَ تَوْفِيَةِ الْأَثْمَانِ (قَوْلُهُ: كَاَلَّذِي دَفَعَهُ لَهُ السَّيِّدُ) أَيْ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِحَسَبِ الْإِذْنِ إنْ أَذِنَ لَهُ وَإِلَّا امْتَنَعَ (قَوْلُهُ: لَمْ يَتَجَاوَزْهُ) أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَوْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ لَهُ مَالًا إلَخْ) عِبَارَةُ الْعَلَّامَةِ حَجّ: وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ مَالًا بِأَنْ قَالَ لَهُ اتَّجِرْ فِي ذِمَّتِك انْتَهَتْ.
فَهِيَ غَايَةُ مَا فِي الْمَتْنِ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِحِ فَلَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ إلَخْ فَهُوَ بَعْضُ مَسْأَلَةٍ سَاقَهَا الْعَلَّامَةُ الْمَذْكُورُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سِوَادَةٍ أُخْرَى بِقَوْلِهِ وَلَوْ قَالَ لَهُ اتَّجِرْ بِجَاهِك جَازَ لَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَلَوْ فِي الذِّمَّةِ إلَى قَوْلِهِ كَاَلَّذِي دَفَعَهُ لَهُ السَّيِّدُ، وَلَعَلَّ صَدْرَ الْعِبَارَةِ سَقَطَ مِنْ نُسَخِ الشَّارِحِ، وَإِلَّا فَمَا فِيهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا يَأْتِي أَنَّهُ لَا يَبِيعُ نَسِيئَةً إلَّا بِالْإِذْنِ
فِي التِّجَارَةِ مَا هُوَ مِنْ تَوَابِعِهَا كَنَشْرٍ وَطَيٍّ وَرَدٍّ بِعَيْبٍ وَمُخَاصَمَةٍ فِي الْعُهْدَةِ النَّاشِئَةِ عَنْ الْمُعَامَلَةِ، أَمَّا مُخَاصَمَةُ الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ وَنَحْوِهِمَا فَلَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي عَامِلِ الْقِرَاضِ، وَهَذَا مِثْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى شَيْءٍ تَصَرَّفَ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ فِي كُلِّ الْأَنْوَاعِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْبُلْدَانِ كَمَا أَفَادَتْهُ إنَّ الْمَوْضُوعَةُ لِجَوَازِ وُقُوعِ شَرْطِهَا وَعَدَمِهِ بِخِلَافِ إذَا، وَلَوْ أَعْطَاهُ أَلْفًا وَقَالَ لَهُ اتَّجِرْ فِيهِ فَلَهُ الشِّرَاءُ بِعَيْنِ الْأَلْفِ وَبِقَدْرِهِ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يَزِيدُ، فَإِنْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ تَلِفَ الْأَلْفُ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ الْبَائِعَ لَمْ يَنْفَسِخْ عَقْدُهُ بَلْ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ إنْ لَمْ يُوَفِّهِ السَّيِّدُ، فَإِنْ اشْتَرَى بِعَيْنِهِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ كَمَا لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَلَوْ عَادَ الْأَلْفُ إلَى الْعَبْدِ بِفَسْخٍ طَرَأَ فَهَلْ يَتَّجِرُ بِلَا إذْنٍ جَدِيدٍ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ وَلَوْ قَالَ: اجْعَلْهُ رَأْسَ مَالِكَ وَتَصَرَّفْ وَاتَّجِرْ فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْأَلْفِ.
(وَلَيْسَ لَهُ) فِي الْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ (النِّكَاحُ) كَمَا فِي عَكْسِهِ إذْ اسْمُ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يَتَنَاوَلُ الْآخَرَ (وَلَا يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ) لِأَنَّ الْإِذْنَ لَا يَتَنَاوَلُ إيجَارَهَا كَمَا لَا يَتَنَاوَلُ بَيْعَهَا، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ جَازَ.
نَعَمْ لَوْ تَعَلَّقَ حَقُّ ثَالِثٍ بِكَسْبِهِ بِسَبَبِ نِكَاحٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ ضَمَانٍ بِإِذْنِهِ كَانَ لِلْمَأْذُونِ لَهُ وَغَيْرِهِ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ مَالَ التِّجَارَةِ مِنْ ثِيَابٍ وَرَقِيقٍ وَغَيْرِهِمَا، وَلَيْسَ لَهُ التَّوَكُّلُ عَنْ غَيْرِهِ فِيمَا فِيهِ عُهْدَةٌ كَبَيْعٍ إلَّا بِإِذْنٍ لَا كَقَبُولِ نِكَاحٍ.
(وَلَا يَأْذَنُ لِعَبْدِهِ) أَضَافَهُ إلَيْهِ لِجَوَازِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ (فِي
[حاشية الشبراملسي]
نَوَى نَفْسَهُ بِمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ السَّيِّدُ فَهَلْ يَبْطُلُ لِصَرْفِهِ الْعَقْدَ عَمَّا أَذِنَ لَهُ فِيهِ أَوْ يَصِحُّ لِسَيِّدِهِ وَتَلْغُو نِيَّتُهُ نَفْسَهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي لِأَنَّ اللَّفْظَ وَافَقَ مَا أَمَرَ بِهِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ عَزْلَهُ نَفْسَهُ، وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ لَا يَصْلُحُ لِلصَّرْفِ وَالْعُقُودُ تُصَانُ عَنْ الْإِلْغَاءِ مَا أَمْكَنَ (قَوْلُهُ: فِي الْعُهْدَةِ) أَيْ الْعَلَقَةِ النَّاشِئَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِمَا) أَيْ كُلِّ مُتَعَدٍّ فَلَا، أَيْ فَلَا تَجُوزُ (قَوْلُهُ: كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ) وَيُعْلِمُ السَّيِّدَ وُجُوبًا بِذَلِكَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إعْلَامُهُ لِنَحْوِ غَيْبَةٍ أَعْلَمَ الْحَاكِمَ بِذَلِكَ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ كُلٌّ مِنْهُمَا كَانَ الْمُخَاصَمَةُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ عَدَمَهَا يُفَوِّتُ الْعَيْنَ بِالْكُلِّيَّةِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَقَالَ لَهُ اتَّجِرْ) أَيْ أَوْ اشْتَرِ بِهِ أَوْ بِهَذَا فِيمَا يَظْهَرُ فَيَتَخَيَّرُ كَمَا لَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ: اشْتَرِ بِهَذَا الدِّينَارِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الشِّرَاءُ بِالْعَيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ هَذَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بَذْلُهُ فِي الثَّمَنِ فَخُيِّرَ لِذَلِكَ، بِخِلَافِ اشْتَرِ بِالْعَيْنِ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الشِّرَاءِ فِي الذِّمَّةِ فَتَعَيَّنَ وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يُقْبَلْ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ الشِّرَاءُ بِالْعَيْنِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَزِيدُ إلَخْ) أَيْ إلَّا إنْ قَالَ اجْعَلْهُ رَأْسَ مَالٍ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: فَلَوْ عَادَ الْأَلْفُ) أَيْ وَلَوْ بِبَدَلِهِ كَأَنْ اطَّلَعَ فِيمَا اشْتَرَاهُ بِالْأَلْفِ عَلَى عَيْبٍ فَرَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ وَوَجَدَ الثَّمَنَ تَالِفًا، فَإِذَا أَخَذَ بَدَلَهُ مِنْ الْبَائِعِ تَصَرَّفَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ اجْعَلْهُ) أَيْ الْأَلْفَ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي عَكْسِهِ) وَهُوَ إذْنُهُ لَهُ فِي النِّكَاحِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ) هُوَ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ عَمِيرَةُ: أَيْ بِفَتْحِ الْيَاءِ مَعَ ضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا وَبِضَمِّ الْيَاءِ مَعَ كَسْرِ الْجِيمِ، وَهَذَا ضَبْطٌ لِلْفِعْلِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَإِلَّا فَالرَّسْمُ يَمْنَعُ مِنْ فَتْحِ الْيَاءِ لِأَنَّ صُورَتَهُ عَلَى الْفَتْحِ هَكَذَا يَأْجُرُ وَمَا هُنَا مَرْسُومٌ بِالْوَاوِ، وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: أَجَّرَهُ اللَّهُ أَجْرًا مَنْ بَابَيْ ضَرَبَ وَقَتَلَ، وَآجَرَهُ بِالْمَدِّ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ إذَا أَثَابَهُ، وَأَجَّرْت الدَّارَ وَالْعَبْدَ بِاللُّغَاتِ الثَّلَاثِ اهـ وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَذِنَ لَهُ) أَيْ فِي إجَارَةِ نَفْسِهِ أَوْ بَيْعِهَا (قَوْلُهُ: كَانَ لِلْمَأْذُونِ لَهُ) أَيْ فِي التِّجَارَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي النِّكَاحِ (قَوْلُهُ: وَلَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ مَالَ التِّجَارَةِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَأُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مُسَمَّى التِّجَارَةِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ السَّيِّدِ حَيْثُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: كَمَا أَفَادَتْهُ إنَّ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّهَا أَفَادَتْ مَا عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ وَهُوَ صِحَّةُ الْإِذْنِ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى نَوْعٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَأَفْهَمَتْ إنْ الْمَوْضُوعَةُ لِجَوَازِ وُقُوعِ شَرْطِهَا وَعَدَمِهِ بِخِلَافِ إذَا صِحَّةَ الْإِذْنِ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ نَوْعًا وَلَا غَيْرَهُ انْتَهَتْ
(قَوْلُهُ: بِسَبَبِ نِكَاحٍ إلَخْ) أَيْ مَثَلًا (قَوْلُهُ: لَا كَقَوْلِ نِكَاحٍ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ فِيمَا فِيهِ عُهْدَةٌ: أَيْ أَنَّ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِذْنِ مَا فِيهِ عُهْدَةٌ لَا غَيْرُهُ كَقَبُولِ نِكَاحٍ، فَلَوْ أَتَى بِالْكَافِ كَمَا قُلْت لَكَانَ وَاضِحًا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ بِالْكَافِ فِي بَعْضِ
التِّجَارَةِ) بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ لِانْتِفَاءِ الْإِذْنِ لَهُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ جَازَ، وَيَنْعَزِلُ الثَّانِي بِعَزْلِ السَّيِّدِ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَنْزِعْهُ مِنْ يَدِ الْأَوَّلِ، هَذَا كُلُّهُ فِي التَّصَرُّفِ الْعَامِ، فَإِنْ أَذِنَ الْمَأْذُونُ لِعَبْدِ التِّجَارَةِ فِي تَصَرُّفٍ خَاصٍّ كَشِرَاءِ ثَوْبٍ جَازَ كَمَا صَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَجَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ الْمُقْرِي، وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامَ الْبَغَوِيّ الْمَنْعَ لِأَنَّهُ يَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا غِنَى لَهُ عَنْ ذَلِكَ وَفِي مَنْعِهِ مِنْهُ تَضْيِيقٌ عَلَيْهِ
(وَلَا يَتَصَدَّقُ) وَمِثْلُهُ سَائِرُ التَّبَرُّعَاتِ مِنْ هِبَةٍ وَعَارِيَّةٍ وَغَيْرِهِمَا وَلَوْ بِشَيْءٍ مِنْ قُوَّتِهِ فِيمَا يَظْهَرُ: نَعَمْ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ رِضَا السَّيِّدِ بِذَلِكَ جَازَ، وَلَا يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِهَا إلَّا إنْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَةُ السَّيِّدِ فِيمَا يَظْهَرُ فَيُرَاجِعُ الْحَاكِمَ إنْ سَهُلَ، بِخِلَافِ مَا إذَا شَقَّ عَلَيْهِ فِيمَا يَظْهَرُ وَلَا يَبِيعُ نَسِيئَةً وَلَا بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَلَا يُسْلِمُ الْمَبِيعَ قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ وَلَا يُسَافِرُ بِمَالِهَا إلَّا بِإِذْنٍ.
نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ الشِّرَاءُ نَسِيئَةً وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ عَزْلِ نَفْسِهِ
[حاشية الشبراملسي]
أَذِنَ لَهُ أَنَّ غَرَضَهُ الرِّبْحُ سَوَاءٌ كَانَ بِالتِّجَارَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا فَجَازَ لَهُ ذَلِكَ تَعْوِيلًا عَلَى الْقَرِينَةِ.
(قَوْلُهُ: بِعَزْلِ السَّيِّدِ لَهُ) أَيْ لِلثَّانِي وَهَلْ يَنْعَزِلُ الثَّانِي بِعَزْلِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لِأَنَّهُ الْآذِنُ لَهُ فَهُوَ كَوَكِيلِهِ، أَوْ لَا يَنْعَزِلُ لِأَنَّهُ بِإِذْنِهِ لَهُ بَعُدَ إذْنُ السَّيِّدِ لَهُ فِي الْإِذْنِ صَارَ الثَّانِي مُسْتَقِلًّا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَذِنَ) أَيْ مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ (قَوْلُهُ: لَا غِنَى لَهُ) أَيْ لِلْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ سَائِرُ التَّبَرُّعَاتِ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ مِنْ التَّبَرُّعِ إطْعَامُ مَنْ يَخْدُمُهُ وَيُعَيِّنُهُ فِي الْأَسْفَارِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: قَدْ يَمْنَعُ أَنَّ هَذَا مِنْ التَّبَرُّعِ حَيْثُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ، وَيَنْزِلُ عِلْمُ السَّيِّدِ بِذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْإِذْنِ فِيهِ، وَيَكُونُ مَا يَصْرِفُهُ عَلَى مَنْ يَخْدُمُهُ كَالْأُجْرَةِ الَّتِي يَدْفَعُهَا عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ لِلِاسْتِئْجَارِ لِلْحَمْلِ وَنَحْوِهِ، سِيَّمَا إذَا عُلِمَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ أَنَّهُ حَيْثُ انْتَفَى التَّبَرُّعُ عَلَى مَنْ يُعَيِّنُهُ لَمْ يَفْعَلْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِشَيْءٍ مِنْ قُوَّتِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ قَتَرَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَوْ خَالَفَ وَتَبَرَّعَ ضَمِنَ الْمُتَبَرَّعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَرَّعُ عَلَيْهِ جَاهِلًا بِكَوْنِهِ يَضْمَنُ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: فِي قَدْرِ مَا يَغْرَمُهُ (قَوْلُهُ: جَازَ) أَيْ وَخُصُوصًا التَّافِهَ الَّذِي لَا يَعُودُ مِنْهُ نَفْعٌ عَلَى السَّيِّدِ كَلُقْمَةٍ فَضَلَتْ عَنْ حَاجَتِهِ، وَبَقِيَ مَا لَوْ قَالَ لَهُ تَبَرَّعْ هَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّبَرُّعُ بِمَا شَاءَ أَوْ يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِأَقَلِّ مُتَمَوِّلٍ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِلشَّكِّ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ احْتِيَاطًا لِحَقِّ السَّيِّدِ، فَلَوْ ظَنَّ رِضَاهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ جَازَ (قَوْلُهُ: وَلَا يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِهَا) وَهَلْ لَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَى عَبِيدِ التِّجَارَةِ مِنْ مَالِهَا؟ قَالَ سم عَلَى ع ب: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا مِثْلَهُ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ بِهَامِشٍ أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ مَالِ التِّجَارَةِ وَفِيهِ تَنْمِيَةٌ لَهَا، وَالْأَقْرَبُ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ لِمَا عَلَّلَ بِهِ (قَوْلُهُ: فَيُرَاجِعُ الْحَاكِمَ) هَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِ الْمُرَاجَعَةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِمَا فِي الثَّانِي مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَيَنْبَغِي فِيمَا لَوْ اخْتَلَفَ فِي إنْفَاقِ اللَّائِقِ وَعَدَمِهِ تَصْدِيقُ الْعَبْدِ فِي الْقَدْرِ اللَّائِقِ بِهِ فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ إذَا أَذِنَ الْحَاكِمُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّرَ لِلْعَبْدِ مَا يَلِيقُ بِهِ عَادَةً، ثُمَّ إنْ فَضَلَ مِمَّا قَدَّرَهُ شَيْءٌ وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ حِفْظُهُ لِلسَّيِّدِ وَإِنْ احْتَاجَ إلَى زِيَادَةٍ عَلَى مَا قَدَّرَهُ رَاجَعَ فِيهَا الْقَاضِيَ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا شَقَّ) أَيْ عُرْفًا، وَمِنْهُ غَرَامَةُ شَيْءٍ وَإِنْ قَلَّ فَيَشْتَرِي مَا تَمَسُّ حَاجَتُهُ إلَيْهِ لَا مَا زَادَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَبِيعُ نَسِيئَةً) نَعَمْ لَهُ الشِّرَاءُ نَسِيئَةً كَمَا يَأْتِي، قَالَ سم عَلَى حَجّ: هَلْ لَهُ الرَّهْنُ حِينَئِذٍ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةَ قَدْ تَتْلَفُ تَحْتَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ (قَوْلُهُ: وَلَا بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ) يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا لَا يَتَغَابَنُ بِهِ كَالْوَكِيلِ، بَلْ قَدْ يُقَالُ مَا يَتَغَابَنُ بِهِ لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ ثَمَنَ الْمِثْلِ
[حاشية الرشيدي]
النُّسَخِ
. (قَوْلُهُ: وَلَا يُسَافِرُ بِمَالِهَا إلَّا بِإِذْنٍ) قَدْ يُقَالُ هَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُ السَّابِقَ وَالْبُلْدَانُ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى شَيْءٍ إلَخْ، إذْ مِنْ لَازِمِ هَذَا التَّعْمِيمِ خُصُوصًا مَعَ لَفْظِ الْجَمْعِ السَّفَرُ، وَقَدْ يُجَابُ بِمَنْعِ التَّلَازُمِ إذْ قَدْ يَنْفَكُّ الْإِذْنُ فِي السَّفَرِ عَنْ إطْلَاقِ الْإِذْنِ فِي الْبُلْدَانِ فِيمَا إذَا أَذِنَ لَهُ فِي السَّفَرِ إلَى بَلَدٍ مُعَيَّنٍ، كَمَا يَنْفَكُّ إطْلَاقُ الْبُلْدَانِ عَنْ الْإِذْنِ فِي السَّفَرِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَالِ فِي أَيِّ بَلَدٍ وَجَدَهُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَافِرَ هُوَ بِهِ، أَوْ يُقَالَ: إنَّ مَا مَرَّ فِي صِحَّةِ التَّصَرُّفِ
لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي الْإِذْنِ لَهُ الِاسْتِخْدَامُ دُونَ التَّوْكِيلِ وَلَا مِنْ شِرَاءِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَيُعْتَقُ حَيْثُ لَا دَيْنَ وَكَذَا إنْ كَانَ وَالسَّيِّدُ مُوسِرٌ كَالْمَرْهُونِ وَلَا يَقْتَرِضُ وَلَا يُوَكِّلُ أَجْنَبِيًّا (وَلَا يُعَامِلُ سَيِّدَهُ) وَلَا مَأْذُونَ السَّيِّدِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ لَهُ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ.
(وَلَا يَنْعَزِلُ بِإِبَاقِهِ) لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ لَا تُوجِبُ الْحَجْرَ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي أَبَقَ إلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَخُصَّ الْإِذْنَ بِغَيْرِهِ فَإِنْ عَادَ لِمَحَلِّ الطَّاعَةِ تَصَرَّفَ جَزْمًا، وَلَوْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ انْعَزَلَ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ كُلُّ مَا يُزِيلُ الْمِلْكَ كَهِبَةٍ وَوَقْفٍ، وَفِي كِتَابَتِهِ وَجْهَانِ جَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ بِأَنَّهَا حَجْرٌ، وَبَحَثَ الشَّيْخُ أَنَّ إجَارَتَهُ كَذَلِكَ (وَلَا يَصِيرُ) الرَّقِيقُ (مَأْذُونًا لَهُ بِسُكُوتِ سَيِّدِهِ عَلَى تَصَرُّفِهِ) إذْ لَا يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ وَلَا بِقَوْلِهِ لَا أَمْنَعُك مِنْ التَّصَرُّفِ لِأَنَّ عَدَمَ الْمَنْعِ أَعَمُّ مِنْ الْإِذْنِ وَلَوْ بَاعَ الْمَأْذُونُ مَعَ مَالِهِ لَمْ يُشْتَرَطْ تَجْدِيدُ إذْنٍ مِنْ الْمُشْتَرِي عَلَى الْأَظْهَرِ فِي النِّهَايَةِ، قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ: أَيْ لِأَنَّ عِلْمَ الْمُشْتَرِي بِأَنَّ الْعَبْدَ مَأْذُونٌ لَهُ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ إذْنِهِ فِي بَيْعِ الْمَالِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مَعَهُ،
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي الْإِذْنِ إلَخْ) وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ (قَوْلُهُ: وَيُعْتَقُ) أَيْ فِيمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ (قَوْلُهُ: حَيْثُ لَا دَيْنَ) أَيْ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُوَكِّلُ أَجْنَبِيًّا) وَعَلَيْهِ فَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِدَفْعِهِ لِلدَّلَّالِ لِيَطُوفَ بِهِ عَلَى مَنْ يَشْتَرِي فَطَرِيقُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ لِلدَّلَّالِ لِيَطُوفَ بِهِ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ ثَمَنُهُ عَلَى شَيْءٍ بَاشَرَ الْعَبْدُ عَقْدَهُ.
قَالَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ كَالْوَكِيلِ لَا يُوَكِّلُ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ اهـ.
فَانْظُرْ هَلْ يُسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ التَّوْكِيلِ التَّوْكِيلَ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ أَوْ لَا يَلِيقُ بِهِ كَمَا أَنَّ الْوَكِيلَ الْمُنَظَّرَ بِهِ كَذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْت فِي الْخَادِمِ أَنَّ ابْنَ يُونُسَ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ صَرَّحَ بِأَنَّ لَهُ التَّوْكِيلَ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ، وَأَنَّ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يُوَكِّلُ فِي آحَادِ التَّصَرُّفَاتِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُهُ: فِي آحَادِ التَّصَرُّفَاتِ قَضِيَّةُ مَا نَقَلَهُ عَنْ مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ أَنَّ آحَادَ التَّصَرُّفَاتِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى عَجْزٍ وَمُقْتَضَى تَنْظِيرِهِمْ لَهُ بِالْوَكِيلِ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ) مُقْتَضَاهُ أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ كَانَ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ جَازَتْ مُعَامَلَتُهُ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لِأَنَّ السَّيِّدَ إذَا كَانَ وَكِيلًا لَا يَبِيعُ لِنَفْسِهِ فَبَيْعُهُ لِعَبْدِهِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ كَمَا لَوْ بَاعَ لِنَفْسِهِ، وَكَذَا شِرَاؤُهُ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِي لِمُوَكِّلِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ) أَيْ كِتَابَةً صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً كَمَا فِي التَّهْذِيبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الشَّارِحِ كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الشَّوْبَرِيِّ عَلَى الْمَنْهَجِ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ: أَيْ كِتَابَةً صَحِيحَةً.
أَمَّا فَاسِدُ الْكِتَابَةِ فَلَا يُعَامَلُ سَيِّدُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ فِي بَابِهَا.
قَالَ: وَهَذَا يُخَالِفُ مَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ مِنْ أَنَّ لَهُ أَنْ يُعَامِلَهُ كَالْمُكَاتَبِ كِتَابَةً صَحِيحَةً، وَقَدْ رَاجَعْت كَلَامَ التَّهْذِيبِ فَرَأَيْته إنَّمَا فَرَّعَهُ عَلَى ضَعِيفٍ، فَالْأَقْوَى قَوْلُ الْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ: أَيْ مِنْ أَنَّ لَهُ أَنْ يُعَامِلَ الْمُكَاتَبِ كِتَابَةً فَاسِدَةً اهـ.
وَصَحَّحَ فِي الْحَاشِيَةِ مَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ التَّهْذِيبِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَنْعَزِلُ بِإِبَاقِهِ) وَبَقِيَ مَا لَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ جَدِيدٍ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّهُ اسْتِخْدَامٌ لَا تَوْكِيلٌ وَتَرَدَّدَ فِيهِ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي أَبَقَ إلَيْهِ) هَلْ يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِمَا إذَا تَسَاوَى نَقْدَاهُمَا أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِمَا يَتَصَرَّفُ بِهِ فِي مَحَلِّ الْإِذْنِ مِنْ نَقْدِ بَلَدِهِ أَوْ غَيْرِهِ حَيْثُ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ وَقُلْنَا يَبِيعُ بِالْعَرْضِ كَمَا فِي عَامِلِ الْقِرَاضِ، وَإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يَزِيدُ ثَمَنُهُ فِي مَحَلِّ الشِّرَاءِ عَلَى ثَمَنِهِ فِي مَحَلِّ الْإِذْنِ لَمْ يَجُزْ إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُولُ رِبْحٍ فِيهِ كَأَنْ كَانَ يَتَيَسَّرُ بَيْعُهُ فِي مَحَلِّ الشِّرَاءِ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ بِهِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَخُصَّ) أَيْ السَّيِّدُ (قَوْلُهُ: وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ) أَيْ قَوْلِهِ وَلَوْ بَاعَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: جَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ بِأَنَّهَا حَجْرٌ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: وَبَحَثَ الشَّيْخُ أَنَّ إجَارَتَهُ كَذَلِكَ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ قَصُرَ زَمَنُ الْإِجَارَةِ حَتَّى لَوْ أَجَّرَهُ يَوْمًا لَا يَتَصَرَّفُ بَعْدَهُ إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ السَّيِّدِ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ) جَرَى عَلَيْهِ حَجّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ عِلْمَ الْمُشْتَرِي إلَخْ) التَّعْلِيلُ بِهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا قَالَهُ حَجّ مِنْ أَنَّ
[حاشية الرشيدي]
لَا فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ، وَمَا هُنَا فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ بِهِ فَتَأَمَّلْ.
وَرَدَّهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى رَأْيٍ مَرْجُوحٍ، وَهُوَ أَنَّ سَيِّدَهُ لَوْ بَاعَهُ لَمْ يَصِرْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ (وَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ) أَيْ الْمَأْذُونِ (بِدُيُونِ الْمُعَامَلَةِ) وَلَوْ لِأَصْلِهِ وَفَرْعِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْإِنْشَاءِ وَيُؤَدَّى مِمَّا يَأْتِي، وَأَعَادَ هَذِهِ فِي الْإِقْرَارِ لِضَرُورَةِ تَقْسِيمٍ، وَيُقْبَلُ مِمَّنْ أَحَاطَتْ بِهِ الدُّيُونُ فِي شَيْءٍ بِيَدِهِ أَنَّهُ عَارِيَّةٌ، وَتَحِلُّ دُيُونُهُ الْمُؤَجَّلَةُ عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ كَمَا تَحِلُّ الدُّيُونُ عَلَى الْحُرِّ بِمَوْتِهِ.
(وَمَنْ عَرَفَ رِقَّ عَبْدٍ) أَيْ شَخْصٍ إذْ مُرَادُهُ بِالْعَبْدِ الْإِنْسَانُ كَمَا هُوَ مَفْهُومٌ لُغَةً، وَكَانَ حِكْمَةُ ذِكْرِهِ لِهَذَا الْإِشَارَةُ إلَى عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ عَلَى ذِي الْعَبِيدِ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْأَصَحُّ جَوَازَ مُعَامَلَةِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ رِقَّهُ وَلَا حُرِّيَّتَهُ كَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ رُشْدَهُ وَسَفَهَهُ إلَّا الْغَرِيبَ فَيَجُوزُ جَزْمًا لِلْحَاجَةِ (لَمْ يُعَامِلْهُ) أَيْ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُعَامَلَتُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ (حَتَّى يَعْلَمَ الْإِذْنَ) أَيْ يَظُنَّهُ (بِسَمَاعِ سَيِّدِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ) وَالْمُرَادُ بِهَا إخْبَارُ عَدْلَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ حَاكِمٍ، وَكَذَا رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ، بَلْ الْأَوْجَهُ الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدٍ كَمَا فِي الشُّفْعَةِ وَبَحَثَ جَمِيعُ ذَلِكَ السُّبْكِيُّ وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ وَاضِحٌ لِأَنَّ الْمَدَارَ هُنَا عَلَى الظَّنِّ وَقَدْ وُجِدَ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَبْعُدْ الِاكْتِفَاءُ بِفَاسِقٍ اعْتَقَدَ صِدْقَهُ (أَوْ شُيُوعٍ بَيْنَ النَّاسِ) حِفْظًا لِمَالِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ وُصُولُهُ لِحَدِّ الِاسْتِفَاضَةِ الْآتِي فِي الشَّهَادَاتِ فِيمَا يَظْهَرُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ كَوْنِ الْمَدَارِ هُنَا عَلَى الظَّنِّ (وَفِي الشُّيُوعِ وَجْهٌ) أَنَّهُ لَا يَكْفِي لِتَيَقُّنِ الْحَجْرِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ فَكَذَا الشُّيُوعُ، وَكَوْنُ الشَّارِعِ نَزَّلَ الشَّهَادَةَ مَنْزِلَةَ الْيَقِينِ مَحَلُّهُ فِي شَهَادَةٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَا فِي مُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ الْمُكْتَفَى بِهِ هُنَا، وَلِمَنْ عَامَلَهُ عَدَمُ تَسْلِيمِ الْمَالِ لَهُ حَتَّى يَثْبُتَ الْإِذْنُ وَإِنْ صَدَّقَهُ فِيهِ كَالْوَكِيلِ (وَلَا يَكْفِي قَوْلُ الْعَبْدِ) فِي جَوَازِ
[حاشية الشبراملسي]
الصُّورَةَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِأَنَّهُ الْمَأْذُونُ لَهُ (قَوْلُهُ: عَلَى رَأْيٍ مَرْجُوحٍ) أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنٍ جَدِيدٍ مِنْ الْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ: وَيُقْبَلُ مِمَّنْ أَحَاطَتْ بِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ وَذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ، أَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَتَحِلُّ دُيُونُهُ) أَيْ الْمَأْذُونِ لَهُ.
(قَوْلُهُ: مَنْ لَمْ يَعْرِفْ) أَيْ وَلَوْ كَانَ عَلَى صُورَةِ الْأَرِقَّاءِ (قَوْلُهُ: أَيْ يَظُنُّهُ) حَمَلَ الْعِلْمَ عَلَى الظَّنِّ نَظَرًا لِلْغَالِبِ فِي الْأَسْبَابِ الْمُجَوِّزَةِ لِمُعَامَلَتِهِ فَإِنَّهَا إنَّمَا تُفِيدُ الظَّنَّ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَرَادَ بِالْعِلْمِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ لِيَشْمَلَ مَا لَوْ سَمِعَ الْإِذْنَ مِنْ سَيِّدِهِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ لَا الظَّنَّ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِالْعِلْمِ مِنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ، وَمَجَازِهِ وَمِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ يَعُمُّ الْعِلْمَ وَالظَّنَّ كَإِدْرَاكِ هَذَا وَكَأَنَّهُ عَدَلَ إلَيْهِ عَنْ تَعْبِيرِ الْمُحَرَّرِ بِالْمَعْرِفَةِ لِأَنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ لُغَةً لَكِنْ شَاعَ اسْتِعْمَالُ الْعِلْمِ فِي الْإِدْرَاكِ الرَّاجِحِ وَمِنْ ثَمَّ أَطْلَقُوا عَلَى الْفِقْهِ عِلْمًا مَعَ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ ظُنُونِ الْمُجْتَهِدِينَ (قَوْلُهُ: بِسَمَاعِ سَيِّدِهِ) أَيْ فَلَوْ أَنْكَرَ السَّيِّدُ الْإِذْنَ فَهَلْ يَكْفِي الْمُعَامِلُ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ بِالْإِذْنِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ رَجُلَيْنِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْبَيِّنَةِ إثْبَاتُ الْإِذْنِ لَا الْمَالِ (قَوْلُهُ: بَلْ الْأَوْجَهُ الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدٍ) أَيْ فِي جَوَازِ مُعَامَلَتِهِ لَا فِي ثُبُوتِهِ عِنْدَ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: اعْتَقَدَ صِدْقَهُ) مَفْهُومُهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ لَا يَكْفِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَيْرُ مُرَادِ الرُّجْحَانِ صِدْقَهُ عِنْدَهُ (قَوْلُهُ: وَلِمَنْ عَامَلَهُ عَدَمُ تَسْلِيمٍ إلَخْ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ عَدَمُ إلَخْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَرَدَّهُ الْوَالِدُ إلَخْ) فِي هَذَا الرَّدِّ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّهُ يَصِيرُ بِهِ الْمَأْذُونُ مَحْجُورًا فِي أَمْوَالِ الْبَائِعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَصَاحِبُ هَذَا الْفَرْعِ يَلْتَزِمُ ذَلِكَ، وَالْمَلْحَظُ فِي الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ إنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِمَا ذُكِرَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْإِذْنِ، فَلَوْ رَدَّهُ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ إذْنٌ لَكَانَ وَاضِحًا
[مَنْ عَرَفَ رِقَّ عَبْدٍ لَمْ يُعَامِلْهُ حَتَّى يَعْلَمَ الْإِذْنَ]
. (قَوْلُهُ: أَيْ شَخْصٍ) مُرَادُهُ دَفْعُ الدَّوْرِ عَنْ الْمَتْنِ الَّذِي أَوْرَدَهُ عَلَيْهِ الشِّهَابُ حَجّ بِقَوْلِهِ فِيهِ دَوْرٌ لِتَوَقُّفِ عِلْمِ الرِّقِّ عَلَى عِلْمِ كَوْنِهِ عَبْدًا وَعَكْسُهُ اهـ.
وَلَك أَنْ تَقُولَ: لَا دَوْرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ عَبْدًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَنْ يَعْلَمَ رِقَّهُ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَبْدٌ: أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يُعْرَفُ رِقُّهُ وَقَدْ لَا، فَهَذَا الْحُكْمُ فِيمَنْ عُرِفَ رِقُّهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الشِّهَابَ سم أَجَابَ بِمَعْنَى ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ هُنَا دَوْرٌ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ فَرَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ: حِفْظًا لِمَالِهِ) فِي تَعْلِيلِ عَدَمِ جَوَازِ الْمُعَامَلَةِ بِهَذَا نَظَرٌ إذْ لَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ
مُعَامَلَتِهِ (أَنَا مَأْذُونٌ لِي) وَإِنْ ظَنَنَّا صِدْقَهُ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ مَعَ أَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ، وَبِهِ فَارَقَ الِاكْتِفَاءَ بِقَوْلِ مُرِيدٍ تَصَرَّفَ وَكَّلَنِي فُلَانٌ فِيهِ بَلْ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ أَنَّ لَهُ يَدًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ حُجِرَ عَلَى سَيِّدِي فَيَكْفِي فِي عَدَمِ صِحَّةِ مُعَامَلَتِهِ وَإِنْ كَذَّبَهُ سَيِّدُهُ لِأَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ بِزَعْمِ الْعَاقِدِ فَلَا يُعَامَلُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ، وَتَكْذِيبُ الْآذِنِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِذْنَ لَهُ.
نَعَمْ لَوْ قَالَ كُنْت أَذِنْت لَهُ وَأَنَا بَاقٍ جَازَتْ مُعَامَلَتُهُ وَإِنْ أَنْكَرَ الرَّقِيقُ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَكَقَوْلِهِ ذَلِكَ سَمَاعُ الْإِذْنِ لَهُ مِنْهُ فَلَا يُفِيدُ إنْكَارُ الْقِنِّ مَعَ ذَلِكَ.
قَالَ الشَّيْخُ: بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ حَيْثُ ظَنَّ كَذِبَ الْعَبْدِ جَازَتْ مُعَامَلَتُهُ ثُمَّ إنْ تَبَيَّنَ خِلَافَهُ بَطَلَتْ وَهُوَ حَسَنٌ، وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى قِنٍّ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا لَمْ يَشْتَرِ شَيْئًا، فَإِنْ اشْتَرَى فَطَلَبَ الْبَائِعُ ثَمَنَهُ فَأَنْكَرَ السَّيِّدُ الْإِذْنَ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ، فَإِذَا حَلَفَ فَلِلْقِنِّ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى سَيِّدِهِ مَرَّةً أُخْرَى رَجَاءَ أَنْ يُقِرَّ فَيُطَالِبُهُ الْبَائِعُ بِثَمَنِهِ.
(فَإِنْ) (بَاعَ مَأْذُونٌ لَهُ) فِي التِّجَارَةِ (وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ) أَوْ غَيْرِهَا (فَخَرَجَتْ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّةً) (رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِبَدَلِهَا) وَهُوَ الثَّمَنُ الْمَذْكُورُ: أَيْ مِثْلُهُ فِي الْمِثْلِيِّ وَقِيمَتُهُ فِي الْمُتَقَوِّمِ فَهُوَ مُسَاوٍ لِقَوْلِ الْمُحَرَّرِ بِبَدَلِهِ: أَيْ الثَّمَنِ عَلَى أَنَّهُ فِي نُسَخٍ كَذَلِكَ لَكِنَّ الْمَحْكِيَّ عَنْ خَطِّهِ الْأَوَّلُ وَلَيْسَ بِسَهْوٍ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ
[حاشية الشبراملسي]
بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ الْإِذْنَ بِسَمَاعِ سَيِّدِهِ إلَخْ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ ظَنَنَّا صِدْقَهُ) فَإِنْ اعْتَقَدَهُ فَقِيَاسُ مَا مَرَّ جَوَازُ مُعَامَلَتِهِ وَتَرَدَّدَ فِيهِ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ) وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبُولِ خَبَرِ الْفَاسِقِ إذَا اعْتَقَدَ صِدْقَهُ لِأَنَّ الْفَاسِقَ لَيْسَ مُتَّهَمًا فِي إخْبَارِهِ (قَوْلُهُ: وَبِهِ) أَيْ بِكَوْنِهِ لَا بُدَّ لَهُ (قَوْلُهُ: وَأَنَا بَاقٍ) أَيْ عَلَى الْإِذْنِ (قَوْلُهُ: وَكَقَوْلِهِ) أَيْ السَّيِّدِ (قَوْلُهُ: وَكَقَوْلِهِ ذَلِكَ) أَيْ أَذِنْت إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ حَسَنٌ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى قِنٍّ) .
[فَرْعٌ] اشْتَرَى الْعَبْدُ شَيْئًا وَغَبَنَ الْبَائِعِ فِيهِ فَادَّعَى أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ وَادَّعَى الْعَبْدُ الْإِذْنَ وَصَدَّقَهُ السَّيِّدُ عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ يُصَدَّقُ الْبَائِعُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ، وَتَصْدِيقُ السَّيِّدِ لَهُ الْآنَ لَا يُفِيدُ لِجَوَازِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لَهُ فَيَبْطُلُ تَصَرُّفُ الْعَبْدِ وَمَا وَقَعَ بَاطِلًا لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالثَّانِي وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ إقْدَامَ الْبَائِعِ عَلَى مُعَامَلَةِ الْعَبْدِ ظَاهِرٌ فِي اعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ، فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ رِقَّ عَبْدٍ لَا يُعَامِلُهُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْإِذْنِ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ عَلَى الْقَاعِدَةِ مِنْ تَصْدِيقِ مُدَّعِي الصِّحَّةِ.
[فَرْعٌ] لَوْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي أَنْ يَأْتِيَهُ بِمَتَاعٍ مِنْ التَّاجِرِ لِلسَّوْمِ فَفَعَلَ ثُمَّ تَلِفَ فِي يَدِ الْعَبْدِ فَفِي تَجْرِيدِ الْعُبَابِ أَنَّ الضَّمَانَ يَتَعَلَّقُ بِالسَّيِّدِ وَالْعَبْدِ فَلِلتَّاجِرِ مُطَالَبَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَاَلَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالسَّيِّدِ يَأْخُذُهُ حَالًّا وَاَلَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْعَبْدِ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ وَعَنْ الْإِمَامِ الْأَقْيَسُ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ اهـ وَجَزَمَ فِي الْعُبَابِ بِالْأَوَّلِ وَارْتَضَاهُ مَرَّ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يَقْصُرُ عَمَّا لَوْ اسْتَامَ بِوَكِيلٍ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ: أَيْ وَصَرَّحُوا فِيهِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَضْمَنُ الْمُسْتَامَ (قَوْلُهُ: فَلَهُ) أَيْ لِلْبَائِعِ تَحْلِيفُهُ: أَيْ السَّيِّدِ (قَوْلُهُ: مَرَّةً أُخْرَى) أَيْ غَيْرَ تَحْلِيفِ الْبَائِعِ (قَوْلُهُ: رَجَاءَ أَنْ يُقِرَّ) أَيْ فَلَوْ لَمْ يُقِرَّ فَالثَّمَنُ بَاقٍ
[حاشية الرشيدي]
حِفْظُ مَالِهِ.
(قَوْلُهُ: وَكَقَوْلِهِ ذَلِكَ سَمَاعُ الْإِذْنِ لَهُ مِنْهُ إلَخْ) كَأَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهِمَ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي قَوْلِ الزَّرْكَشِيّ وَإِنْ أَنْكَرَ الرَّقِيقُ ذَلِكَ رَاجِعَةٌ إلَى الْإِذْنِ حَتَّى أَخَذَ مِنْهُ مَا ذُكِرَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى الْبَقَاءِ الْمَفْهُومِ مِنْ بَاقٍ، وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ الشِّهَابُ حَجّ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ مُجَرَّدِ إنْكَارِهِ الْإِذْنَ اهـ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا يَظْهَرُ وَجْهٌ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ اسْتِدْرَاكًا عَلَيْهِمْ؛ إذْ كَلَامُهُمْ فِي اعْتِمَادِ قَوْلِ الْعَبْدِ فِي الْحَجْرِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْآذِنُ عَلِمَ بِالسَّمَاعِ مِنْ السَّيِّدِ أَوْ غَيْرِهِ إذْ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ دَعْوَى الْإِذْنِ وَطُرُوِّ الْحَجْرِ، وَكَأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى دَعْوَاهُ مَعَ قَوْلِ السَّيِّدِ فِي مَسْأَلَةِ الزَّرْكَشِيّ لِتَنْزِيلِ قَوْلِهِ وَأَنَا بَاقٍ مَنْزِلَةَ الْإِذْنِ الْجَدِيدِ فَتَأَمَّلْ وَرَاجِعْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ اشْتَرَى فَطَلَبَ الْبَائِعُ ثَمَنَهُ إلَخْ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْمَبِيعَ تَلِفَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَإِلَّا فَالْبَائِعُ يَرْجِعُ بِمَبِيعِهِ.
(عَلَى الْعَبْدِ) لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ لِلْعَقْدِ فَالْعُهْدَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ مِمَّا يَأْتِي، وَلِلْمُسْتَحِقِّ مُطَالَبَتُهُ بِهَذَا كَدَيْنِ التِّجَارَةِ بَعْدَ عِتْقِهِ أَيْضًا كَوَكِيلٍ وَعَامِلِ قِرَاضٍ بَعْدَ عَزْلِهِمَا لَكِنَّهُمَا يَرْجِعَانِ لَا هُوَ (وَلَهُ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي (مُطَالَبَةُ السَّيِّدِ أَيْضًا) وَلَوْ كَانَ بِيَدِ الْعَبْدِ وَفَاءً لِأَنَّ الْعَقْدَ لَهُ فَكَأَنَّهُ الْبَائِعُ وَالْقَابِضُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ إذْ الْإِذْنُ لَا يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ، فَالْمَأْذُونُ فِي الْفَاسِدِ كَغَيْرِ الْمَأْذُونِ فَيَتَعَلَّقُ الثَّمَنُ بِذِمَّتِهِ لَا بِكَسْبِهِ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ (وَقِيلَ لَا) لِأَنَّهُ بِالْإِذْنِ صَارَ كَالْمُسْتَقِلِّ (وَقِيلَ إنْ كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ وَفَاءً فَلَا) لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِمَا فِي يَدِهِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ حَيْثُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ الْمَالَ وَإِلَّا طُولِبَ جَزْمًا.
(وَلَوْ) (اشْتَرَى) الْمَأْذُونُ (سِلْعَةً) شِرَاءً صَحِيحًا (فَفِي مُطَالَبَةِ السَّيِّدِ بِثَمَنِهَا هَذَا الْخِلَافُ) لِلْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ، وَالْأَصَحُّ مُطَالَبَتُهُ لِمَا مَرَّ وَمُطَالَبَتُهُ لِيُؤَدِّيَ مِمَّا فِي يَدِ الرَّقِيقِ إنْ كَانَ لَا مِنْ غَيْرِهِ كَكَسْبِهِ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ لَا لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّتِهِ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِشَيْءٍ ثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَرِيبَ يُطَالِبُ بِنَفَقَتِهِ قَرِيبَهُ وَالْمُوسِرَ بِإِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ مَعَ عَدَمِ ثُبُوتِهِمَا فِي ذِمَّتِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ شَيْءٌ فَلِاحْتِمَالِ أَدَائِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ لَهُ بِهِ عَلْقَةً وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ ذِمَّتُهُ، فَإِنْ أَدَّى بَرِئَ الْقِنُّ وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ لَا يُطَالِبُ بِأَنْ أَعْطَاهُ مَالًا لِيَتَّجِرَ فِيهِ فَاشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ تَلِفَ ذَلِكَ الْمَالُ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ لِلْبَائِعِ بَلْ يَتَخَيَّرُ إنْ لَمْ يُؤَدِّهِ السَّيِّدُ لِانْقِطَاعِ الْعَلَقَةِ هُنَا بِتَلَفِ مَا دَفَعَهُ السَّيِّدُ وَلَمْ يَخْلُفْهُ شَيْءٌ مِنْ كَسْبِ الْمَأْذُونِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى إنْ أُرِيدَ بِمُطَالَبَةِ السَّيِّدِ أَلْزَمَهُ بِمَا يُطَالِبُ بِهِ.
أَمَّا إذَا كَانَ الْمُرَادُ الْعَرْضَ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْ الْعَبْدِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَلَقَةِ فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ.
(وَلَا يَتَعَلَّقُ دَيْنُ التِّجَارَةِ بِرَقَبَتِهِ) لِوُجُوبِهِ بِرِضَا مُسْتَحِقِّهِ كَالصَّدَاقِ (وَلَا بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ) وَلَوْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِلْعَقْدِ، وَتَقَدَّمَ الْجَمْعُ آنِفًا بَيْنَ هَذَا وَمُطَالَبَتِهِ فَزَعَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ هَذَا تَنَاقُضٌ مَرْدُودٌ، وَجَوَابُ الشَّارِحِ عَنْهُ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي مِمَّا يَكْتَسِبُهُ الْعَبْدُ بَعْدَ أَدَاءِ مَا فِي يَدِهِ مُفَرَّعٌ عَلَى رَأْيٍ مَرْجُوحٍ.
نَعَمْ إنْ حُمِلَ عَلَى كَسْبٍ قَبْلَ الْحَجْرِ كَانَ صَحِيحًا (بَلْ يُؤَدِّي مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ) الْحَاصِلَةِ قَبْلَ الْحَجْرِ رِبْحًا وَرَأْسَ مَالٍ لِاقْتِضَاءِ الْإِذْنِ وَالْعُرْفِ ذَلِكَ (وَكَذَا مِنْ كَسْبِهِ) الْحَاصِلِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ لَا بَعْدَهُ (بِالِاصْطِيَادِ وَنَحْوِهِ فِي الْأَصَحِّ) لِتَعَلُّقِهِ بِهِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَهْرُ وَمُؤَنُ النِّكَاحِ، ثُمَّ مَا بَقِيَ بَعْدَ الْأَدَاءِ فِي ذِمَّةِ الرَّقِيقِ يُؤْخَذُ مِنْهُ بَعْدَ.
[حاشية الشبراملسي]
بِذِمَّةِ الْعَبْدِ.
(قَوْلُهُ: وَلِلْمُسْتَحِقِّ مُطَالَبَتُهُ) أَيْ الْعَبْدِ بَعْدَ الْعِتْقِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ دَفَعَ لَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ مِنْ كَسْبِهِ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ) أَيْ مُطَالَبَةِ السَّيِّدِ (قَوْلُهُ: كَغَيْرِ الْمَأْذُونِ) وَكَذَا الْمَأْذُونُ فِي الصَّحِيحِ حَيْثُ تَعَاطَى الْعَقْدَ الْفَاسِدَ كَمَا يُفْهَمُ بِالْأَوْلَى، وَيَنْبَغِي فِيمَا لَوْ اخْتَلَفَا اعْتِقَادُهُمَا كَأَنْ كَانَ الْعَبْدُ شَافِعِيًّا مَثَلًا فَبَاعَ بَيْعًا صَحِيحًا عِنْدَهُ غَيْرَ صَحِيحٍ عِنْدَ سَيِّدِهِ لِكَوْنِهِ لَا يَرَى صِحَّةَ ذَلِكَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِقَصْدِ السَّيِّدِ فَلَهُ مَنْعُ الْعَبْدِ مِنْ تَوْفِيَةِ الثَّمَنِ مِنْ كَسْبِهِ.
[فَائِدَةٌ] لَوْ كَانَ السَّيِّدُ مَالِكِيًّا وَالْعَبْدُ شَافِعِيًّا وَأَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ بِالْمُعَاطَاةِ فَهَلْ لَهُ الْبَيْعُ بِهَا أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ امْتِثَالُ أَمْرِهِ إلَّا فِي الْأَمْرِ الْجَائِزِ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا طُولِبَ) أَيْ السَّيِّدُ.
[مُطَالَبَةِ السَّيِّدِ بِثَمَنِ مَا اشْتَرَى الرَّقِيق الْمَأْذُونُ]
(قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ) أَيْ الْعَبْدِ شَيْءٌ وَلَيْسَ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ رَفْعُهُ لِلْحَاكِمِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ لَا يُطَالَبُ) أَيْ السَّيِّدُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(قَوْلُهُ: وَتَقَدَّمَ الْجَمْعُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَمُطَالَبَتِهِ لِيُؤَدِّيَ مِمَّا فِي يَدِ الرَّقِيقِ إلَخْ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَخْلُفْهُ شَيْءٌ مِنْ كَسْبِ الْمَأْذُونِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهَا هُنَا
[تَعَلُّقُ دَيْنُ التِّجَارَةِ بِرَقَبَةِ الرَّقِيق الْمَأْذُونُ]
. (قَوْلُهُ: مُفَرَّعٌ عَلَى رَأْيٍ مَرْجُوحٍ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا ذِكْرَ لِلْحَجْرِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، فَالصُّورَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ حَجْرٌ: وَاعْلَمْ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ الْجَلَالِ بَعْدَ أَدَاءِ مَا فِي يَدِهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يُؤَدِّي لَا بِقَوْلِهِ يَكْتَسِبُهُ؛ لِأَنَّهُ يُخْرِجُ الْكَسْبَ الْحَاصِلَ قَبْلَ أَدَاءِ مَا فِي يَدِهِ وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ قَدْ أَشَارَ بِهَذِهِ الْبَعْدِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يُقَدَّمُ فِي الْأَدَاءِ أَوَّلًا مَا فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ وَلَا يُؤَدِّي مِنْ أَكْسَابِهِ إلَّا إنْ عَجَزَتْ أَمْوَالُ التِّجَارَةِ، وَكَأَنَّ الشَّارِحَ هُنَا تَوَهَّمَ أَنَّهُ ظَرْفٌ لِيَكْتَسِبَهُ فَتُوُهِّمَ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَفْرِيعِهِ عَلَى الْمَرْجُوحِ
عِتْقِهِ كَمَا مَرَّ، وَالثَّانِي لَا كَسَائِرِ أَمْوَالِ السَّيِّدِ، وَذَكَرَ فِي الْجَوَاهِرِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ السَّيِّدُ الْعَبْدَ قَبْلَ وَفَاءِ الدَّيْنِ وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّ دَيْنَهُ يَتَعَلَّقُ بِكَسْبِهِ تَخَيَّرَ الْمُشْتَرِي وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ دَيْنَهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِكَسْبِهِ بَعْدَ الْبَيْعِ فَلَا خِيَارَ، وَفِيهَا لَوْ أَقَرَّ الْمَأْذُونُ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ سَيِّدِهِ أَلْفًا لِلتِّجَارَةِ أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَمَاتَ فَالسَّيِّدُ كَأَحَدِ الْغُرَمَاءِ يُقَاسِمُهُمْ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الْوَجْهُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِلسَّيِّدِ إلَّا مَا فَضَلَ لِأَنَّهُ الْمُفَرِّطُ (وَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدَ) أَيْ الْقِنَّ كُلَّهُ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ مَا عَدَا الْمُكَاتَبِ (وَلَوْ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ) أَوْ غَيْرِهِ (فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ إذْ هُوَ مَمْلُوكٌ فَأَشْبَهَ الْبَهِيمَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: 75] وَكَمَا لَا يَمْلِكُ بِالْإِرْثِ وَإِضَافَةُ الْمِلْكِ لَهُ فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» لِلِاخْتِصَاصِ لَا لِلْمِلْكِ وَإِلَّا لَنَافَاهُ جَعْلُهُ لِسَيِّدِهِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْقَدِيمُ يَمْلِكُ لِظَاهِرِ مَا مَرَّ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ مِلْكٌ ضَعِيفٌ يَمْلِكُ السَّيِّدُ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ وَلَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ، وَاحْتُرِزَ بِالسَّيِّدِ عَنْ الْأَجْنَبِيِّ فَلَا يَمْلِكُ بِتَمْلِيكِهِ جَزْمًا، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَفِي الظِّهَارِ فِي تَكْفِيرِ الْعَبْدِ بِالصَّوْمِ وَأَجْرَى فِيهِ الْمَاوَرْدِيُّ الْخِلَافَ.
نَعَمْ لَوْ قَبِلَ الرَّقِيقُ هِبَةً أَوْ وَصِيَّةً مِنْ غَيْرِ إذْنٍ صَحَّ، وَلَوْ مَعَ نَهْيِ السَّيِّدِ عَنْ الْقَبُولِ لِأَنَّهُ اكْتِسَابٌ لَا يَعْقُبُ عِوَضًا كَالِاحْتِطَابِ، وَدَخَلَ ذَلِكَ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ قَهْرًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ أَوْ الْمُوصَى بِهِ أَصْلًا أَوْ فَرْعًا لِلسَّيِّدِ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ حَالَ الْقَبُولِ لِنَحْوِ زَمَانَةٍ أَوْ صِغَرٍ فَلَا يَصِحُّ الْقَبُولُ، وَنَظِيرُهُ قَبُولُ الْوَلِيِّ لِمُوَلِّيهِ ذَلِكَ.
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ عَلَى مَا مَرَّ وَمِنْهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إعْتَاقِهِ جَمِيعَهُ (قَوْلُهُ: وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: فَلَا خِيَارَ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: وَفِيهَا) أَيْ الْجَوَاهِرِ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ دُيُونٌ) أَيْ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ (قَوْلُهُ: وَمَاتَ) أَيْ الْعَبْدُ (قَوْلُهُ: بَلْ الْوَجْهُ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ) دَخَلَ فِيهِ الْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَيُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الْقِنَّ هُوَ الرَّقِيقُ الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ سَبَبُ الْعِتْقِ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّارِحَ اسْتَعْمَلَ الْقِنَّ فِي مُطْلَقِ الرَّقِيقِ تَجَوُّزًا وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ اللُّغَةَ وَلَا كَلَامَ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَا مَرَّ أَوَّلَ الْبَابِ (قَوْلُهُ: لِلِاخْتِصَاصِ) مُتَعَلِّقٌ بِإِضَافَةٍ.
[حاشية الرشيدي]
مَعَ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ وَإِنْ الْتَزَمْنَا تَعَلُّقَهُ بِيَكْتَسِبُهُ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ قَبِلَ الرَّقِيقُ هِبَةً إلَخْ) اُنْظُرْ مَا وَجْهُ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ وَمَا مَوْقِعُهُ
[كِتَابُ السَّلَمِ] .
كِتَابُ السَّلَمِ وَيُقَالُ لَهُ السَّلَفُ، سُمِّيَ سَلَمًا لِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ وَسَلَفًا لِتَقْدِيمِهِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ إلَّا مَا شَذَّ بِهِ ابْنُ الْمُسَيِّبِ آيَةُ الدَّيْنِ فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِالسَّلَمِ وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» كَالشَّفَقِ أَوْ الْفَجْرِ أَوْ وَسَطِ السَّنَةِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الثَّمَنِ، فَكَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا فَكَذَلِكَ الْمُثَمَّنُ،
وَلِأَنَّ فِيهِ رِفْقًا
فَإِنَّ أَرْبَابَ الضِّيَاعِ قَدْ يَحْتَاجُونَ لِمَا يُنْفِقُونَهُ عَلَى مَصَالِحِهَا فَيَسْتَسْلِفُونَ عَلَى الْغَلَّةِ، وَأَرْبَابَ النُّقُودِ يَنْتَفِعُونَ بِالرُّخْصِ فَجُوِّزَ لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ غَرَرٌ كَالْإِجَارَةِ عَلَى الْمَنَافِعِ الْمَعْدُومَةِ.
وَمَعْنَى الْخَبَرِ: مَنْ أَسْلَمَ فِي مَكِيلٍ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا، أَوْ مَوْزُونٍ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا، أَوْ إلَى أَجَلٍ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا لَا أَنَّهُ حَصَرَهُ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالْأَجَلِ (هُوَ) شَرْعًا (بَيْعُ) شَيْءٍ (مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ) بِلَفْظِ السَّلَمِ كَمَا سَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ
[حاشية الشبراملسي]
كِتَابُ السَّلَمِ أَيْ كِتَابُ بَيَانِ حَقِيقَتِهِ وَأَحْكَامِهِ (قَوْلُهُ: وَيُقَالُ لَهُ السَّلَفُ) أَيْ لُغَةً، وَهَذِهِ الصِّيغَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ السَّلَمَ هُوَ الْكَثِيرُ الْمُتَعَارَفُ وَأَنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ قَلِيلَةٌ (قَوْلُهُ: سُمِّيَ) أَيْ هَذَا الْعَقْدُ (قَوْلُهُ: لِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ) أَيْ لِاشْتِرَاطِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ (قَوْلُهُ: لِتَقْدِيمِهِ) أَيْ لِتَقْدِيمِ عَقْدِهِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْمُسْلَمِ فِيهِ غَالِبًا، وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ مَا لَوْ كَانَ حَالًّا أَوْ عَجَّلَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ وَدَفَعَهُ حَالًّا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ (قَوْلُهُ: إلَّا مَا شَذَّ) اُنْظُرْ الَّذِي شَذَّ بِهِ هَلْ هُوَ عَدَمُ جَوَازِ السَّلَمِ أَوْ أَنَّ جَوَازَهُ مُعْتَبَرٌ عَلَى وَجْهٍ مُخَالِفٍ لِمَا عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ، فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ) عِبَارَةُ حَجّ: وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ «مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ» إلَخْ، وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فَلَعَلَّهُمَا رِوَايَتَانِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ» إلَخْ (قَوْلُهُ: وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ، إذْ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَسَيَأْتِي مَا يُصَرِّحُ بِهِ فِي قَوْلِهِ وَمَعْنَى الْخَبَرِ إلَخْ (قَوْلُهُ: إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) هَذَا آخِرُ الْحَدِيثِ (قَوْلُهُ: كَالشَّفَقِ) أَيْ الَّذِي يَلِي وَقْتَ الْعَقْدِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْفَجْرِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِيمَا لَوْ قَالَ إلَى الْعِيدِ أَوْ جُمَادَى وَالْمُرَادُ تَكَامُلُ طُلُوعَيْهِمَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ وَسَطِ السَّنَةِ) وَيُحْمَلُ عَلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَبِالْقِيَاسِ) الْأَظْهَرِ حَذَفَ الْبَاءَ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى آيَةِ الدَّيْنِ (قَوْلُهُ: جَازَ أَنْ يَكُونَ) أَيْ الثَّمَنُ (قَوْلُهُ: لَا أَنَّهُ حَصَرَهُ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَسَادُ السَّلَمِ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَفِي الْحَالِّ اهـ (قَوْلُهُ: بَيْعُ شَيْءٍ) يُؤْخَذُ مِنْ جَعْلِهِ بَيْعًا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ صَرِيحًا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ يَكُونُ كِنَايَةً كَالْكِتَابَةِ وَإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ الَّتِي يَفْهَمُهَا الْفَطِنُ دُونَ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: مَوْصُوفٍ) قَالَ الْمَحَلِّيُّ بِالْجَرِّ: أَيْ فَمَوْصُوفٍ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ وَإِنَّمَا فَعَلَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ فِي الذِّمَّةِ، فَلَوْ قُرِئَ بِالرَّفْعِ كَانَ بِمَعْنَى بَيْعٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ وَالْبَيْعُ
[حاشية الرشيدي]
كِتَابُ السَّلَمِ (قَوْلُهُ: كَالشَّفَقِ) أَيْ كَمَغِيبِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ إذْ هُوَ الَّذِي يَنْضَبِطُ، وَمِنْ ثَمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَحْمَرَ وَقَوْلُهُ: كَالشَّفَقِ إلَخْ لَيْسَ مِنْ الْحَدِيثِ فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ حَذْفُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ مَحَلًّا يَخُصُّهُ كَمَا سَيَأْتِي أَوْ يُمَثِّلُ لِلْكَيْلِ وَالْوَزْنِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: فَكَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا إلَخْ) الْمُنَاسِبُ لِتَفْرِيعِهِ الْآتِي أَنْ يَقُولَ: فَكَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا وَفِي الذِّمَّةِ إلَخْ،
وَلِهَذَا قَالَ الشَّارِحُ هَذِهِ خَاصَّتُهُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا، قِيلَ لَيْسَ لَنَا عَقْدٌ يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا هَذَا وَالنِّكَاحُ وَعُرِفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ غَيْرُ مَانِعٍ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَوْنِ السَّلَمِ بَيْعًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إسْلَامُ الْكَافِرِ فِي الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَإِنْ صَحَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ صِحَّتَهُ وَتَبِعَهُ السُّبْكِيُّ، وَمِثْلُ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ الْمُرْتَدُّ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْبَيْعِ.
(يُشْتَرَطُ لَهُ) لِيَصِحَّ (مَعَ شُرُوطِ الْبَيْعِ) الْمُتَوَقِّفِ صِحَّتُهُ عَلَيْهَا كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ مُشِيرًا بِهِ إلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا وَرَدَ عَلَى الذِّمَّةِ لَا مُطْلَقًا وَإِلَّا لَاقْتَضَى اشْتِرَاطَ رُؤْيَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَالصِّيغَةُ فَلَا يُرَدُّ صِحَّةُ سَلَمِ الْأَعْمَى دُونَ شِرَائِهِ (أُمُورٌ) سَبْعَةٌ أُخْرَى اخْتَصَّ بِهَا
[حاشية الشبراملسي]
لَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ فِي الذِّمَّةِ إلَّا بِتَجَوُّزٍ كَأَنْ يُقَالُ مَوْصُوفُ مَبِيعِهِ أَوْ مَا تَعَلَّقَ بِهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا) دَفَعَ بِهِ مَا يُقَالُ إنَّ التَّعْرِيفَ بِمَا ذُكِرَ لَيْسَ مَانِعًا لِشُمُولِهِ بَيْعَ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فَإِنَّ التَّعْرِيفَ صَادِقٌ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِسَلَمٍ (قَوْلُهُ: قِيلَ) أَيْ قَالَ بَعْضُهُمْ، وَلَيْسَ الْغَرَضُ تَضْعِيفُهُ (قَوْلُهُ: بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ) وَلَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ انْعِقَادُهُ بِلَفْظِ السَّلَفِ كَالسَّلَمِ لِأَنَّهُمَا لِتَرَادُفِهِمَا يُعَدَّانِ وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ انْعِقَادُهُ بِالتَّزْوِيجِ كَالنِّكَاحِ لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ كَوْنِهِمَا صِيغَةً وَاحِدَةً لِتَرَادُفِهِمَا حَجّ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ: لَا يَصِحُّ إسْلَامُ الْكَافِرِ فِي الرَّقِيقِ) وَمِثْلُ ذَلِكَ كُلُّ مَا يَمْتَنِعُ تَمَلُّكُ الْكَافِرِ لَهُ كَالْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ وَالسَّلَمِ مِنْ الْحَرْبِيِّ فِي السِّلَاحِ.
(قَوْلُهُ: فِي الرَّقِيقِ) وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُسْلِمِ إذَا أَسْلَمَ لِلْكَافِرِ فِي عَبْدٍ مُسْلِمٍ صَحَّ، لَكِنْ قَالَ حَجّ: الَّذِي يُتَّجَهُ فِيهِ عَدَمُ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حَاصِلًا عِنْدَ الْكَافِرِ أَوْ لَا.
أَقُولُ: وَذَلِكَ لِنُدْرَةِ دُخُولِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ فَأَشْبَهَ السَّلَمَ فِيمَا يَعِزُّ وُجُودُهُ، وَلَا يُرَدُّ مَا لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ مُسْلِمٌ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَنْحَصِرُ فِيهِ وَلَا يَجِبُ دَفْعُهُ عَمَّا فِيهِ وَيَجُوزُ تَلَفُهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ الْمُرْتَدِّ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ إسْلَامُ الْكَافِرِ فِيهِ لِبَقَاءِ عَلَقَةِ الْإِسْلَامِ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: لَا مُطْلَقًا) يُؤْخَذُ مِمَّا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ عَنْ السُّبْكِيّ حَيْثُ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْذَفُ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ دَيْنًا لِأَنَّهُ رُكْنٌ مَذْكُورٌ فِي
[حاشية الرشيدي]
؛ لِأَنَّ السَّلَمَ لَيْسَ مِنْ لَازِمِهِ التَّأْجِيلُ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا قَالَ الشَّارِحُ هَذِهِ) أَيْ مَا فِي الْمَتْنِ وَإِلَّا فَمَا أَجَابَ بِهِ الشَّارِحُ الْجَلَالُ غَيْرُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ هُنَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُجَابُ عَنْ الْمَتْنِ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بِجَوَابَيْنِ: إمَّا أَنَّهُ حَذَفَ التَّقْيِيدَ بِلَفْظِ السَّلَمِ لِعِلْمِهِ مِنْ كَلَامِهِ الْآتِي وَهُوَ الَّذِي سَلَكَهُ الشَّارِحُ هُنَا وَإِمَّا بِأَنَّ مَا فِي الْمَتْنِ تَعْرِيفٌ لَهُ بِالْخَاصَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَهُوَ الَّذِي سَلَكَهُ الشَّارِحُ الْجَلَالُ وَقَدْ أَوْضَحَ كَلَامَهُ الشِّهَابُ حَجّ فِي تُحْفَتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى كَلَامِ الشَّارِحِ هُنَا أَنَّهُ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ بِلَفْظِ السَّلَمِ: أَيْ أَوْ السَّلَفِ فَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ تَعْرِيفٌ لَهُ بِالْخَاصَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ الْجَلَالُ
[شُرُوط صِحَّة السَّلَم]
(قَوْلُهُ: مُشِيرًا بِهِ إلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا وَرَدَ عَلَى الذِّمَّةِ إلَخْ) أَقُولُ فِي كَوْنِ الشَّارِحِ الْجَلَالِ أَشَارَ إلَى هَذَا نَظَرٌ ظَاهِرٌ، إذْ لَا يُفْهَمُ مِمَّا قَالَهُ هَذَا بِوَجْهٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالشَّرْطِ مَا يَشْمَلُ الرُّكْنَ، فَيُفِيدُ أَنَّ أَرْكَانَهُ أَرْكَانُ الْبَيْعِ كَمَا أَنَّ شُرُوطَهُ شُرُوطُ الْبَيْعِ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الرُّؤْيَةِ فَلَيْسَ فِي كُلِّ بَيْعٍ كَمَا لَا يَخْفَى بَلْ الشَّرْطُ الْعِلْمُ بِالْمَبِيعِ، ثُمَّ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَعِلْمُهُ بِالرُّؤْيَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَعِلْمُهُ بِالْمِقْدَارِ وَالْوَصْفِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ فَلَا اسْتِثْنَاءَ، وَإِنْ ذَهَبَ إلَيْهِ الشِّهَابُ حَجّ فَقَدْ أَشَارَ إلَى رَدِّهِ الشِّهَابُ سم، ثُمَّ رَأَيْتُ الشَّيْخَ عَمِيرَةَ صَرَّحَ بِأَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ الْجَلَالِ مَا ذَكَرْتُهُ.
(قَوْلُهُ: وَالصِّيغَةَ) لَا يُنَاسِبُ مَا قَدَّمَهُ؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ رُكْنٌ لَا شَرْطٌ، وَمُرَادُهُ أَنَّ الصِّيغَةَ وَإِنْ تَوَقَّفَتْ عَلَيْهَا الصِّحَّةُ هُنَا وَهُنَاكَ إلَّا أَنَّهَا هُنَا غَيْرَهَا هُنَاكَ (قَوْلُهُ: فَلَا يَرِدُ صِحَّةُ سَلَمِ الْأَعْمَى) اُنْظُرْ مَا مَوْقِعُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَعِبَارَةِ التُّحْفَةِ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يُشْتَرَطُ لَهُ مَعَ شُرُوطِ الْبَيْعِ نَصُّهَا مَا عَدَا الرُّؤْيَةَ، وَقِيلَ الْمُرَادُ شُرُوطُ الْبَيْعِ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَحْتَاجُ لِاسْتِثْنَاءِ الرُّؤْيَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ صِحَّةِ سَلَمِ الْأَعْمَى انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: سَبْعَةٌ أُخْرَى اخْتَصَّ بِهَا) فِيهِ أَنَّ بَعْضَ السَّبْعَةِ شَرْطٌ لِلْبَيْعِ أَيْضًا كَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالْعِلْمِ، وَأَمَّا مَا فِيهِ مِنْ
فَلِذَا عَقَدَ لَهَا هَذَا الْكِتَابَ (أَحَدُهَا) (تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَالِ) وَهُوَ الثَّمَنُ (فِي الْمَجْلِسِ) الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ بِهِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ مِنْهُ أَوْ لُزُومِهِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ لُزُومَهُ كَالتَّفَرُّقِ، إذْ لَوْ تَأَخَّرَ لَكَانَ فِي مَعْنَى بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ إنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ فِي الذِّمَّةِ، وَلِأَنَّ فِي السَّلَمِ غَرَرًا فَلَا يُضَمُّ إلَيْهِ غَرَرُ تَأْخِيرِ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا بُدَّ مِنْ حُلُولِ رَأْسِ الْمَالِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ كَالصَّرْفِ، وَلَا يُغْنِي عَنْهُ شَرْطُ تَسْلِيمِهِ فِي الْمَجْلِسِ، فَلَوْ تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ أَلْزَمَاهُ بَطَلَ الْعَقْدُ أَوْ قَبْلَ تَسْلِيمِ بَعْضِهِ بَطَلَ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ وَفِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَصَحَّ فِي الْبَاقِي بِقِسْطِهِ، قَالَا كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْأَنْوَارِ وَإِنْ جَزَمَ السُّبْكِيُّ بِخِلَافِهِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمُسْلِمُ أَقَبَضْتُك بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَقَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ قَبْلَهُ وَلَا بَيِّنَةَ صُدِّقَ مُدَّعِي الصِّحَّةَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّهَا مَعَ مُوَافَقَتِهَا لِلظَّاهِرِ نَاقِلَةٌ وَالْأُخْرَى مُسْتَصْحِبَةٌ، وَلَا يَكْفِي قَبْضُ الْمُسْلَمِ فِيهِ الْحَالِّ فِي الْمَجْلِسِ عَنْ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ فِيهِ تَبَرُّعٌ وَأَحْكَامُ الْبَيْعِ لَا تُبْنَى عَلَى التَّبَرُّعَاتِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَسْلَمْت إلَيْك الْمِائَةَ الَّتِي فِي ذِمَّتِك مَثَلًا فِي كَذَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ وَهُوَ كَذَلِكَ (فَلَوْ) (أَطْلَقَ) رَأْسَ الْمَالِ
[حاشية الشبراملسي]
الْحَدِّ اهـ أَنَّهُ دَفَعَ بِذَلِكَ مَا يُقَالُ هَذِهِ الْأُمُورُ الْمُعْتَبَرَةُ بَعْضُهَا رُكْنٌ وَبَعْضُهَا شَرْطٌ، وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشُّرُوطِ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ رُكْنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَيُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي فِي الشَّرْطِ الثَّانِي فَمُرَادُهُ بِالشَّرْطِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَيَشْمَلُ الرُّكْنَ كَمَا هُنَا (قَوْلُهُ: أَحَدُهَا تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَالِ) الْمُعْتَمَدُ جَوَازُ الِاسْتِبْدَادِ بِقَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّ بَابَ الرِّبَا أَضْيَقُ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَصَرَّحُوا فِيهِ بِجَوَازِ الِاسْتِبْدَادِ بِالْقَبْضِ فَهَذَا مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَيُحْمَلُ مَا هُنَا عَلَى مَا إذْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ الرِّضَا بِالْقَبْضِ سَوَاءٌ كَانَ السَّلَمُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا رَمْلِيٌّ اهـ شَيْخُنَا زِيَادِيٌّ.
وَقَوْلُهُ بِقَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ: أَيْ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا، أَمَّا إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَلَا مَا لَمْ يُعَيِّنْ فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنْ عَيَّنَ فِيهِ جَازَ الِاسْتِبْدَادُ بِقَبْضِهِ لَكِنْ يُنَافِيهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ فَلَوْ أَطْلَقَ ثُمَّ عَيَّنَ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُسْلِمْ وَلَكِنْ اسْتَقَلَّ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِقَبْضِهِ لَمْ يَجُزْ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَاعِدَةُ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ كَالْوَاقِعِ فِي نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: قَبْلَ التَّفَرُّقِ) بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْ الْمَجْلِسِ حَتَّى لَوْ قَامَا وَتَمَاشَيَا مَنَازِلَ حَتَّى حَصَلَ الْقَبْضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لَمْ يَضُرَّ (قَوْلُهُ: أَوْ أَلْزَمَاهُ) أَيْ أَوْ أَحَدُهُمَا (قَوْلُهُ: بَطَلَ الْعَقْدُ) أَيْ سَوَاءٌ حَصَلَ الْقَبْضُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: فَيُؤْخَذُ مِنْهُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لِكُلٍّ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَهُوَ خِيَارُ عَيْبٍ فَيَكُونُ فَوْرِيًّا، لَكِنَّ فِي سم عَلَى حَجّ مَا نَصُّهُ: أَيْ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ لِتَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ إقْبَاضِ الْجَمِيعِ اهـ فَلْيُحَرَّرْ وَلْيُرَاجَعْ.
أَقُولُ: قَوْلُ سم قَرِيبٌ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ فَسَخَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ ثُمَّ تَنَازَعَا فِي قَدْرِ مَا قَبَضَهُ صُدِّقَ لِأَنَّهُ الْغَارِمُ، وَإِنْ أَجَازَ وَتَنَازَعَا فِي قَدْرِ مَا قَبَضَهُ فَيَنْبَغِي تَصْدِيقُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ قَبْضِهِ لِمَا يَدَّعِيهِ الْمُسْلِمُ، وَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا فِي قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ الْمُسْلَمِ فِيهِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ كَذَا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا قَبَضَهُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ) أَيْ عَلَى مَا قَالَاهُ (قَوْلُهُ: وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ إلَخْ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِقَبْضٍ صَحِيحٍ وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِيهِ مَا دَامَ فِي الذِّمَّةِ (قَوْلُهُ: الَّتِي فِي ذِمَّتِك مَثَلًا) وَخَرَجَ بِهِ مَا لَوْ كَانَ لَهُ تَحْتَ يَدِهِ وَدِيعَةٌ فَأَسْلَمَهُ إيَّاهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَحْصُلُ قَبْضُهَا بِمُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْوُصُولُ إلَيْهَا إنْ كَانَتْ
[حاشية الرشيدي]
التَّفْصِيلِ هُنَا فَمِقْدَارٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ الشَّرْطِ، عَلَى أَنَّ التَّفْصِيلَ بِعَيْنِهِ يَجْرِي فِي الْبَيْعِ لِلذِّمِّيِّ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمُسْلِمُ أَقْبَضْتُكَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ إلَخْ) وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَوْ انْعَكَسَ الْأَمْرُ صُدِّقَ الْمُسْلِمُ وَقُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ لِمَا ذُكِرَ مِنْ تَعْلِيلِهِمَا.
(قَوْلُهُ: قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ) كَانَ الْأَوْلَى الْإِضْمَارُ (قَوْلُهُ: وَالْأُخْرَى مُسْتَصْحِبَةٌ) أَيْ لِحَالَةِ عَدَمِ الْقَبْضِ
عَنْ تَعْيِينِهِ فِي الْعَقْدِ كَأَسْلَمْتُ إلَيْك دِينَارًا فِي ذِمَّتِي فِي كَذَا (ثُمَّ عَيَّنَ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ) قَبْلَ التَّخَايُرِ (جَازَ) أَيْ حَلَّ الْعَقْدُ وَصَحَّ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ حَرِيمُ الْعَقْدِ فَلَهُ حُكْمُهُ.
(وَلَوْ) (أَحَالَ الْمُسْلَمُ بِهِ) السَّلَمَ إلَيْهِ عَلَى ثَالِثٍ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ عَكْسُهُ فَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ بِكُلِّ تَقْدِيرٍ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي بَابِهَا (وَ) إذَا (قَبَضَهُ الْمُحْتَالُ) وَهُوَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى (فِي الْمَجْلِسِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِيُعْلَمَ مِنْهُ حُكْمُ مَا لَمْ يَقْبِضْ فِيهِ بِالْأُولَى (فَلَا يَجُوزُ) أَيْ لَا يَحِلُّ وَلَا يَصِحُّ إذْ الْمُحَالُ عَلَيْهِ يُؤَدِّيهِ عَنْ جِهَةِ نَفْسِهِ لَا عَنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَبَضَهُ الْمُحِيلُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ الْمُحْتَالِ بَعْدَ قَبْضِهِ بِإِذْنِهِ لَهُ وَسَلَّمَهُ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَمَرَهُ الْمُسْلِمُ بِالتَّسْلِيمِ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي إزَالَةِ مِلْكِهِ لَا يَصِيرُ وَكِيلًا لِغَيْرِهِ، لَكِنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ حِينَئِذٍ وَكِيلٌ لِلْمُسْلِمِ فِي الْقَبْضِ فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ ثُمَّ يَرُدُّهُ كَمَا تَقَرَّرَ، وَلَا يَصِحُّ قَبْضُهُ مِنْ نَفْسِهِ خِلَافًا لِلْقَفَّالِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ الْعَقْدِ فِي التَّسْلِيمِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ عَلَى خِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي إحَالَةِ الْمُسْلِمِ، مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَمَرَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ الْمُسْلِمَ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمُحْتَالِ.
نَعَمْ لَوْ أَسْلَمَ وَدِيعَةً لِلْوَدِيعِ جَازَ مِنْ غَيْرِ إقْبَاضٍ لِأَنَّهَا كَانَتْ مِلْكًا لَهُ
[حاشية الشبراملسي]
غَائِبَةً كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ (قَوْلُهُ: كَأَسْلَمْتُ إلَيْك دِينَارًا فِي ذِمَّتِي) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ يَكْفِي أَسْلَمْت إلَيْك دِينَارًا وَيُحْمَلُ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ (قَوْلُهُ: أَيْ حَلَّ الْعَقْدُ وَصَحَّ) غَرَضُهُ بِهِ تَبَعًا لِلْمَحَلِّيِّ التَّوَرُّكُ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي تَعْبِيرِهِ بِالْجَوَازِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا لَا فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ (قَوْلُهُ: فَلَهُ حُكْمُهُ) وَيُشْتَرَطُ فِي رَأْسِ الْمَالِ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ بَيَانُ وَصْفِهِ وَعَدَدِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ الَّذِي مَرَّ فِي الْبَيْعِ تَنْزِيلُهُ عَلَيْهِ فَلَا يَحْتَاجُ لِبَيَانِ نَحْوِ عَدَدِهِ إلَخْ اهـ حَجّ: وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلُهُ: وَعَدَدِهِ يَتَأَمَّلُ مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الْكَلَامِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ اهـ. أَقُولُ: وَوَجْهُهُ أَنَّ النُّقُودَ إنَّمَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بِالْجِنْسِ أَوْ النَّوْعِ أَوْ الصِّفَةِ، وَالْعَدَدُ لَا دَخْلَ لَهُ فِي تَمَيُّزِ بَعْضِ النُّقُودِ عَنْ بَعْضٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الِاصْطِلَاحُ عِنْدَ قَوْمٍ عَلَى الِاسْمِ الْفُلَانِيِّ كِنَايَةً عَنْ عَدَدٍ مَخْصُوصٍ كَاسْتِعْمَالِ الدَّرَاهِمِ فِي عَشَرَةٍ مَثَلًا فَيَكْفِي ذِكْرُهَا مُطْلَقَةً عَنْ بَيَانِ الْعَدَدِ وَفِيهِ مَا فِيهِ، ثُمَّ رَأَيْت كَلَامَ الشَّارِحِ الْآتِي: وَلَوْ أَسْلَمَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فِي الذِّمَّةِ حُمِلَ عَلَى غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ إلَخْ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْعَدَدِ وَإِنْ كَانَ نَقْدُ الْبَلَدِ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَحَالَ الْمُسْلَمَ بِهِ) أَيْ رَأْسَ الْمَالِ (قَوْلُهُ: أَوْ عَكْسُهُ) أَيْ بِأَنْ أَحَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ ثَالِثًا عَلَى الْمُسْلِمِ (قَوْلُهُ: بِكُلِّ تَقْدِيرٍ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: لِتَوَقُّفِ صِحَّتِهَا عَلَى صِحَّةِ الِاعْتِيَاضِ عَنْ الْمُحَالِ بِهِ، وَعَلَيْهِ فَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ اهـ سم (قَوْلُهُ: فِي الصُّورَةِ الْأُولَى) هِيَ قَوْلُهُ: وَلَوْ أَحَالَ الْمُسْلَمَ بِهِ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ عَلَى ثَالِثٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: نَصَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ (قَوْلُهُ: بِإِذْنِهِ لَهُ) أَيْ بِإِذْنٍ جَدِيدٍ فَلَا يَكْفِي مَا تَضَمَّنَتْهُ الْحَوَالَةُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا لَوْ أَمَرَهُ) أَيْ بَعْدَ الْحَوَالَةِ (قَوْلُهُ: فَيَأْخُذُهُ) أَيْ الْمُسْلِمُ مِنْهُ أَيْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ أَسْلَمَ وَدِيعَةً) وَمِثْلُ الْوَدِيعَةِ غَيْرُهَا مِمَّا هُوَ مِلْكٌ لِلْمُسْلِمِ كَالْمُعَارِ وَالْمُسْتَامِ وَالْمُؤَجَّرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُفِيدُهُ التَّعْلِيلُ وَالْمَغْصُوبُ حَيْثُ جَعَلَهُ رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِهِ وَقَبْضِهِ فِي الْمَجْلِسِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ مَالِكُهُ عَلَى انْتِزَاعِهِ وَلَا الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ جَعْلُهُ رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَلَوْ اتَّفَقَ أَنَّ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ رَدَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ مُعْتَقَدًا فِيهِ أَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَدَفَعَهُ لِمَالِكِهِ فَسَلَّمَهُ فِي الْمَجْلِسِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ مَا وَقَعَ بَاطِلًا لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا كَانَتْ إلَخْ)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ) لَمْ يَتَقَدَّمْ مَرْجِعُ الْإِشَارَةِ فِي كَلَامِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّارِحَ الْجَلَالَ نَقَلَ عَنْ الشَّيْخَيْنِ أَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ لَوْ أَحَالَ ثَالِثًا عَلَى الْمُسْلِمِ فَتَفَرَّقَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ بَطَلَ الْعَقْدُ، ثُمَّ قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ: أَيْ مِنْ قَوْلِهِمَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ صِحَّةُ الْعَقْدِ إلَخْ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي الْمَتْنِ بِمَا مَرَّ فِي تَعْلِيلِهِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْحَوَالَةَ بَاطِلَةٌ فِي هَذِهِ أَيْضًا فَيَكُونُ قَبْضُ الْمُحْتَالِ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ عَنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ مَعْنَاهُ إلَخْ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمَسْأَلَةَ
قَبْلَ السَّلَمِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ (وَلَوْ قَبَضَهُ) الْمُسْلَمُ إلَيْهِ (وَأَوْدَعَهُ الْمُسْلِمُ) وَهُمَا بِالْمَجْلِسِ (جَازَ) وَلَوْ رَدَّهُ إلَيْهِ قَرْضًا أَوْ عَنْ دَيْنٍ جَازَ أَيْضًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ التَّنَاقُضِ فِيهِ لِأَنَّ تَصَرُّفَ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي مُدَّةِ خِيَارِ الْآخَرِ إنَّمَا يَمْتَنِعُ إذَا كَانَ مَعَ غَيْرِ الْآخَرِ، وَلِأَنَّ صِحَّتَهُ تَقْتَضِي إسْقَاطَ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ الْخِيَارِ، أَمَّا مَعَهُ فَيَصِحُّ وَيَكُونُ ذَلِكَ إجَازَةً مِنْهُمَا، وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَإِنْ قَبَضَهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ بَانَتْ صِحَّتُهُ وَنُفُوذُ الْعِتْقِ وَإِلَّا بَانَ بُطْلَانُهُمَا
(وَيَجُوزُ) (كَوْنُهُ) أَيْ رَأْسِ الْمَالِ (مَنْفَعَةً) مَعْلُومَةً كَمَا يَجُوزُ جَعْلُهَا ثَمَنًا وَأُجْرَةً وَصَدَاقًا كَأَسْلَمْتُ إلَيْك مَنْفَعَةَ هَذَا أَوْ مَنْفَعَةَ نَفْسِي سَنَةً أَوْ خِدْمَتِي شَهْرًا أَوْ تَعْلِيمِي سُورَةَ كَذَا فِي كَذَا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ فَبَحَثَهُ (وَتُقْبَضُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ) الْحَاضِرَةِ وَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْوُصُولُ لِلْغَائِبَةِ وَتَخْلِيَتُهَا فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ بِذَلِكَ، إذْ الْقَبْضُ الْحَقِيقِيُّ لَمَّا تَعَذَّرَ اكْتَفَى بِهَذَا لِأَنَّهُ الْمُمْكِنُ فِي قَبْضِ الْمَنْفَعَةِ، وَمَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحُرَّ لَوْ سَلَّمَ نَفْسَهُ ثُمَّ أَخْرَجَهَا مِنْ التَّسْلِيمِ
[حاشية الشبراملسي]
وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ صِحَّةِ السَّلَمِ هُنَا وَفَسَادِهِ فِيمَا لَوْ قَالَ أَسْلَمْت إلَيْك الْمِائَةَ الَّتِي فِي ذِمَّتِك فَإِنَّ الْمِائَةَ ثَمَّ لَا يَمْلِكُهَا الْمُسْلِمُ إلَّا بِالْقَبْضِ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: قَبْلَ السَّلَمِ) أَيْ وَهِيَ لِكَوْنِهَا فِي يَدِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ يَكْفِي فِي قَبْضِهَا مُضِيُّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْوُصُولُ إلَيْهَا (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ) الْأَوْلَى حَذْفُ الْوَاوِ، ثُمَّ رَأَيْته كَذَلِكَ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَعْتَقَهُ) أَيْ رَأْسَ الْمَالِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَبَضَهُ) أَيْ رَأْسَ الْمَالِ وَهُوَ الْعَبْدُ (قَوْلُهُ: بَانَتْ صِحَّتُهُ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ حَيْثُ جُعِلَ الْإِعْتَاقُ قَبْضًا ثُمَّ لَا هُنَا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُعْتَبَرُ هُنَا الْقَبْضَ الْحَقِيقِيَّ لَمْ يَكْتَفِ بِالْإِعْتَاقِ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَبْضًا حَقِيقِيًّا بِخِلَافِهِ ثَمَّ فَإِنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْقَبْضِ الْحُكْمِيِّ
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ كَوْنُهُ إلَخْ) قَالَ الْمَحَلِّيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الشَّرْحِ سَاقِطَةٌ مِنْ الرَّوْضَةِ اهـ. أَقُولُ: أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَنَاقَضَ كَلَامُهُ حَيْثُ أَسْقَطَهَا ثَمَّ، فَأَشْعَرَ بِأَنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَأَتِّي الْقَبْضِ الْحَقِيقِيِّ فِيهَا لَا يَصِحُّ جَعْلُهَا رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ، وَحِكْمَةُ إسْقَاطِهَا مِنْ الرَّوْضَةِ أَنَّ فِيهَا إشْكَالًا أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِدْهَا ثَمَّ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَنَاقُضَ لِجَوَازِ أَنَّهُ أَشَارَ بِمَا فِي الْمِنْهَاجِ، إلَّا أَنَّ الْقَبْضَ الْحَقِيقِيَّ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ وَهَذَا لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ فِيهِ ذَلِكَ اكْتَفَى فِيهِ بِقَبْضِ مَحَلِّهِ وَبِمَا هُنَا يُقَيَّدُ مَا فِي الشَّرْحِ (قَوْلُهُ: أَوْ مَنْفَعَةَ نَفْسِي) وَلَا يَكْفِي أَسْلَمْت إلَيْك مَنْفَعَةَ عَقَارٍ صِفَتُهُ كَذَا لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَقَارِ لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ (قَوْلُهُ: كَمَا صَرَّحَ بِهِ) أَيْ فِي الْأَخِيرَةِ (قَوْلُهُ: وَتُقْبَضُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ) لَوْ تَلِفَتْ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ يَنْبَغِي انْفِسَاخُ السَّلَمِ فِيمَا يُقَابِلُ الْبَاقِي لِتَبَيُّنِ عَدَمِ حُصُولِ الْقَبْضِ فِيهِ كَمَا لَوْ تَلِفَتْ الدَّارُ الْمُؤَجَّرَةُ قَبْلَ الْمُدَّةِ فَلْيُحَرَّرْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَتَخْلِيَتِهَا فِي الْمَجْلِسِ) إنْ عُطِفَ عَلَى الْوُصُولِ اقْتَضَى أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ التَّخْلِيَةُ بِالْفِعْلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي مَبَاحِثِ الْقَبْضِ مَعَ مَا حَرَّرْنَاهُ ثَمَّ وَإِنْ عُطِفَ عَلَى مُضِيٍّ لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ بَلْ اعْتِبَارُ التَّخْلِيَةِ بِالْفِعْلِ اهـ سم عَلَى حَجّ وَالْمُرَادُ
[حاشية الرشيدي]
مُفَصَّلَةً فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ طِبْقَ مَا ذَكَرْتُهُ فَلَا بُدَّ فِي الصِّحَّةِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ كَمَا ذُكِرَ، فَقَوْلُهُ: مَعْنَاهُ فِي الْحَقِيقَةِ تَقْيِيدٌ لِكَلَامِ الْجَلَالِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ صِحَّتَهُ) أَيْ مَعَ الْغَيْرِ.
(قَوْلُهُ: تَقْتَضِي إسْقَاطَ مَا ثَبَتَ لَهُ) أَيْ لِلْآخَرِ
. (قَوْلُهُ: فِي كَذَا) مُنْصَبٌّ عَلَى جَمِيعِ الْمَسَائِلِ قَبْلَهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمُضِيِّ زَمَنً إلَخْ) أَيْ وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً بِبَلَدٍ بَعِيدٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَلَوْ تَفَرَّقَا قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْوُصُولُ إلَيْهَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ.
(قَوْلُهُ: وَتَخْلِيَتِهَا) مَعْطُوفٌ عَلَى مُضِيِّ وَشَمِلَ كَلَامُهُ الْمَنْقُولَ وَغَيْرَهُ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَجْلِسِ) مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنْ مُضِيِّ وَتَخْلِيَتِهَا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ سم.
(قَوْلُهُ: إذْ الْقَبْضُ الْحَقِيقِيُّ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِلْمَتْنِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَزَعَمَ الْإِسْنَوِيُّ إلَخْ فَانْظُرْ مَا وَجْهُ تَعْبِيرِ الشَّارِحِ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَانْظُرْ هَلْ الصُّورَةُ أَنَّهُ أَخْرَجَ نَفْسَهُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَهُ، وَظَاهِرٌ أَنَّ لَهُ إخْرَاجَ نَفْسِهِ فِي الْمَجْلِسِ لِعَدَمِ اللُّزُومِ، فَمَحَلُّ الْكَلَامِ إذَا أَخْرَجَ نَفْسَهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ
بَطَلَ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ مَرْدُودٌ إذْ لَا يُمْكِنُهُ إخْرَاجُ نَفْسِهِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ.
(وَإِذَا) (فُسِخَ) السَّلَمُ (بِسَبَبٍ يَقْتَضِيهِ) كَانْقِطَاعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ الْآتِي (وَرَأْسُ الْمَالِ بَاقٍ) لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ ثَالِثٌ وَإِنْ تَعَيَّبَ (اسْتَرَدَّهُ بِعَيْنِهِ) وَلَوْ مُعَيَّنًا فِي الْمَجْلِسِ فَقَطْ لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ فِيهِ كَالْمُعَيَّنِ فِي الْعَقْدِ (وَقِيلَ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ رَدُّ بَدَلِهِ إنْ عَيَّنَ فِي الْمَجْلِسِ دُونَ الْعَقْدِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ عَيْنَهُ، وَأَجَابَ عَنْهُ الْأَوَّلُ بِمَا مَرَّ.
أَمَّا إذَا كَانَ تَالِفًا فَإِنَّهُ يَسْتَرِدُّ بَدَلَهُ مِنْ مِثْلٍ فِي الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةٍ فِي الْمُتَقَوِّمِ، وَلَوْ أَسْلَمَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فِي الذِّمَّةِ حُمِلَ عَلَى غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَالِبٌ بَيَّنَ الْمُرَادَ بِالنَّقْدِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ أَوْ أَسْلَمَ عَرَضًا وَجَبَ ذِكْرُ قَدْرِهِ وَصِفَتِهِ (وَرُؤْيَةُ رَأْسِ الْمَالِ) الْمِثْلِيِّ فِي سَلَمٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ (تَكْفِي عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ) (فِي الْأَظْهَرِ) كَالثَّمَنِ وَلَا أَثَرَ لِاحْتِمَالِ الْجَهْلِ بِالرُّجُوعِ بِهِ لَوْ تَلِفَ كَمَا لَا أَثَرَ لَهُ ثُمَّ لِأَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ مُصَدَّقٌ فِي قَدْرِهِ لِكَوْنِهِ غَارِمًا، وَلَوْ عَلِمَاهُ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا صَحَّ جَزْمًا إذْ عِلَّةُ الْقَوْلِ بِالْبُطْلَانِ هُنَا غَيْرُ رَاجِعَةٍ لِخَلَلٍ فِي الْعَقْدِ لِلْعِلْمِ بِهِ تَخْمِينًا بِرُؤْيَتِهِ بَلْ فِيمَا بَعْدَهُ وَهُوَ الْجَهْلُ بِهِ عِنْدَ الرُّجُوعِ لَوْ تَلِفَ، وَبِالْعِلْمِ بِهِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ زَالَ ذَلِكَ الْمَحْذُورُ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ اسْتِشْكَالَهُ بِأَنَّ مَا وَقَعَ مَجْهُولًا لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِالْمَعْرِفَةِ فِي الْمَجْلِسِ كَبِعْتُكَ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ فَرَسَهُ فَعَلِمَاهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ غَيْرَ مُلَاقٍ لِمَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّ الْبُطْلَانَ هُنَا لِخَلَلٍ فِي الْعَقْدِ وَهُوَ جَهْلُهُمَا بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عِنْدَهُ فَلَمْ يَنْقَلِبْ صَحِيحًا لِعِلْمِهِمَا بِهِ بَعْدُ.
أَمَّا الْمُتَقَوِّمُ الَّذِي انْضَبَطَتْ صِفَاتُهُ بِالرُّؤْيَةِ فَتَكْفِي فِيهِ الرُّؤْيَةُ جَزْمًا وَقِيلَ عَلَى الْخِلَافِ، وَيُفَرَّقُ
[حاشية الشبراملسي]
تَخْلِيَتُهَا مِنْ أَمْتِعَةِ غَيْرِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْإِجَارَةِ) وَيُتَّجَهُ فِي رَأْسِ الْمَالِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عَدَمُ عِزَّةِ الْوُجُودِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِأَنَّهُ لَا غَرَرَ هُنَا لِأَنَّهُ إنْ أَقْبَضَهُ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا بِخِلَافِهِ ثَمَّ، ثُمَّ رَأَيْتهمْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ اهـ حَجّ.
أَقُولُ: وَيُفَرَّقُ أَيْضًا بِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ عَنْهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِخِلَافِ الْمُسْلَمِ فِيهِ
(قَوْلُهُ: لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ ثَالِثٌ) كَأَنْ رَهَنَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ بَاعَهُ وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ رَدَّهُ لِأَنَّهُ كَانَ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: اسْتَرَدَّهُ) أَيْ وَلَا أَرْشَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْبِ كَالثَّمَنِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبَائِعِ بِلَا أَرْشٍ إذَا فَسَخَ عَقْدَ الْبَيْعِ بَعْدَ تَعَيُّبِهِ حَيْثُ كَانَ الْعَيْبُ نَقْصَ صِفَةٍ لَا نَقْصَ عَيْنٍ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ رَدَّهُ مَعَ الْأَرْشِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ فِي بَابِ الْخِيَارِ، وَعِبَارَتُهُ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَوْ تَلِفَ الثَّمَنُ دُونَ الْمَبِيعِ رَدَّهُ وَأَخَذَ مِثْلَ الثَّمَنِ أَوْ قِيمَتَهُ، نَصُّهَا: أَمَّا لَوْ بَقِيَ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُعَيَّنًا فِي الْعَقْدِ أَمْ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَهُ وَحَيْثُ رَجَعَ بِبَعْضِهِ أَوْ كُلِّهِ لَا أَرْشَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ إنْ وَجَدَهُ نَاقِصَ وَصْفٍ كَأَنْ حَدَثَ بِهِ شَلَلٌ كَمَا أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ مَجَّانًا اهـ.
ثُمَّ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِهِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْعُدُولِ إلَى بَدَلِهِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ هُنَا اسْتَرَدَّهُ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ ثَمَّ، وَيُجْبَرُ هُنَا أَمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّهُ ثَمَّ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِي رُجُوعِهِ لَهُ لِأَنَّ فَرْضَ الْكَلَامِ ثَمَّ فِيمَا لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ تَلَفًا أَدَّى إلَى فَسْخِ الْبَيْعِ وَمَا هُنَا مَفْرُوضٌ فِيمَا لَوْ فَسَخَ هُوَ الْعَقْدَ لِسَبَبٍ يَقْتَضِيهِ (قَوْلُهُ: بِعَيْنِهِ) أَيْ وَلَوْ حُجِرَ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: الْمِثْلِيِّ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّ فِي الْمُتَقَوِّمِ طَرِيقَيْنِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَقِيمَةٍ فِي الْمُتَقَوِّمِ) قَالَ حَجّ: وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَأْتِي هُنَا جَمِيعُ مَا مَرَّ فِي الثَّمَنِ بَعْدَ الْفَسْخِ بِنَحْوِ رَدٍّ بِعَيْبٍ أَوْ إقَالَةٍ أَوْ تَحَالُفٍ اهـ: أَيْ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي قِيمَةِ الْمُتَقَوِّمِ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ (قَوْلُهُ: وَصِفَتِهِ) مُرَادُهُ بِهَا مَا يَشْمَلُ جِنْسَهُ وَنَوْعَهُ (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا) أَيْ بِمَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ عِلَّةَ الْبُطْلَانِ لَيْسَتْ لِخَلَلٍ فِي الْعَقْدِ (قَوْلُهُ: بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ فَرَسَهُ) أَيْ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ (قَوْلُهُ: لِمَا نَحْنُ فِيهِ) أَيْ مِنْ أَنَّهُمَا لَوْ عَلِمَاهُ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا صَحَّ جَزْمًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْبُطْلَانَ هُنَا) أَيْ فِيمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ فَرَسَهُ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْمُتَقَوِّمُ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ الْمِثْلِيِّ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ الَّذِي انْضَبَطَتْ صِفَاتُهُ أَنَّ الَّذِي لَا تَنْضَبِطُ صِفَاتُهُ لَا تَكْفِي رُؤْيَتُهُ، وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِرُؤْيَةِ الْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ وَإِنْ جَهِلَ جِنْسَهُ أَوْ صِفَتَهُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى مَا نَصُّهُ: ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ مُحْتَرَزَ قَوْلِهِ الَّذِي انْضَبَطَتْ إلَخْ، وَلَعَلَّهُ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ.
فَإِنْ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ الضَّرَرَ فِيهِ أَقَلُّ مِنْهُ فِي الْمِثْلِيِّ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ لَا يَكْفِي بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ بِالْكَيْلِ فِي الْمَكِيلِ أَوْ الْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَالذَّرْعِ فِي الْمَذْرُوعِ رَأْيٌ مَرْجُوحٌ إذْ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ وَيَنْفَسِخُ السَّلَمُ فَلَا نَدْرِي بِمَا يَرْجِعُ.
(الثَّانِي) مِنْ الشُّرُوطِ (كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ دَيْنًا) كَمَا عُلِمَ مِنْ حَدِّهِ السَّابِقِ فَمُرَادُهُ بِالشَّرْطِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَيَشْمَلُ الرُّكْنَ كَمَا هُنَا لِأَنَّ لَفْظَ السَّلَمِ مَوْضُوعٌ لَهُ (فَلَوْ) (قَالَ أَسْلَمْت إلَيْك هَذَا الثَّوْبَ) أَوْ دِينَارًا فِي ذِمَّتِي (فِي هَذَا الْعَبْدِ) فَقَبِلَ (فَلَيْسَ بِسَلَمٍ) قَطْعًا لِانْتِفَاءِ الدَّيْنِيَّةِ (وَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعًا فِي الْأَظْهَرِ) عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ الْأَكْثَرِيَّةِ مِنْ تَرْجِيحِهِمْ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَلَفْظُ السَّلَمِ يَقْتَضِي الدَّيْنِيَّةَ، وَقَدْ يُرَجِّحُونَ الْمَعْنَى عِنْدَ قُوَّتِهِ كَجَعْلِهِمْ الْهِبَةَ ذَاتَ ثَوَابٍ مَعْلُومٍ بَيْعًا، وَلَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ مَا ذَكَرَ فِي سُكْنَى هَذِهِ سَنَةً لَمْ يَصِحَّ بِخِلَافِهِ فِي مَنْفَعَةِ نَفْسِهِ أَوْ قِنِّهِ أَوْ دَابَّتِهِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَوَجْهُهُ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَقَارِ لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي الْإِجَارَةِ (وَلَوْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ) أَوْ بِدَنَانِيرَ فِي ذِمَّتِي (فَقَالَ بِعْتُك انْعَقَدَ بَيْعًا) اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ وَهُوَ الْأَصَحُّ هُنَا كَمَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ (وَقِيلَ سَلَمًا) نَظَرًا لِلْمَعْنَى، وَاللَّفْظُ لَا يُعَارِضُهُ لِأَنَّ كُلَّ سَلَمٍ بَيْعٌ كَمَا أَنَّ كُلَّ صَرْفٍ بَيْعٌ، وَإِطْلَاقُ الْبَيْعِ عَلَى السَّلَمِ إطْلَاقٌ لَهُ عَلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ، وَقَدْ صَحَّحَ هَذَا جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ وَأَطَالُوا فِي الِانْتِصَارِ لَهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ لِيَخْرُجَ عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَيَثْبُتَ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ وَيَجُوزَ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَعَلَى الثَّانِي يَنْعَكِسُ الْحُكْمُ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ عِنْدَ انْتِفَاءِ ذِكْرِ لَفْظِ السَّلَمِ بَعْدَهُ وَإِلَّا كَانَ سَلَمًا بِالِاتِّفَاقِ لِمُسَاوَاةِ اللَّفْظِ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ.
(الثَّالِثُ) مِنْ الشُّرُوطِ مَا تَضَمَّنَهُ
[حاشية الشبراملسي]
قِيلَ بَلْ هُوَ الْبُطْلَانُ لِعَدَمِ رُؤْيَةٍ مُعْتَبَرَةٍ.
قُلْت: مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الصِّحَّةِ لَا يَكُونُ مَعَهَا انْضِبَاطٌ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعًا) أَيْ وَعَلَيْهِ فَمَتَى وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ضَمِنَهُ ضَمَانَ الْمَغْصُوبِ وَلَا عِبْرَةَ بِإِذْنِهِ لَهُ فِي قَبْضِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ إذْنًا شَرْعِيًّا بَلْ هُوَ لَاغٍ (قَوْلُهُ: ذَاتَ ثَوَابٍ مَعْلُومٍ بَيْعًا) قَالَ حَجّ: نَعَمْ لَوْ نَوَى بِلَفْظِ السَّلَمِ الْبَيْعَ فَهَلْ يَكُونُ كِنَايَةً كَمَا اقْتَضَتْهُ قَاعِدَةُ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابِهِ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَجِدْ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ فَجَازَ كَوْنُهُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ أَوَّلًا، لِأَنَّ مَوْضُوعَهُ يُنَافِي التَّعْيِينَ فَلَمْ يَصِحَّ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، وَمَا فِي الْقَاعِدَةِ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ كُلُّ مُحْتَمَلٍ: وَالثَّانِي أَقْرَبُ إلَى كَلَامِهِمْ وَلَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي أَوَاخِرَ الْفَرْعِ مِنْ صِحَّةِ نِيَّةِ الصَّرْفِ بِالسَّلَمِ لِأَنَّهُ لَا تَعْيِينَ ثُمَّ يُنَافِي مُقْتَضَاهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ مَا ذَكَرَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا الثَّوْبَ أَوْ دِينَارًا فِي ذِمَّتِي (قَوْلُهُ: فِي مَنْفَعَةِ نَفْسِهِ) أَيْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ غَيْرِهِ) أَيْ وَمَا هُنَا مِنْهُ، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ مَحَلَّ الْمَنْفَعَةِ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ مِنْ نَفْسِهِ وَقِنِّهِ وَدَابَّتِهِ مُعَيَّنٌ، وَالْمُعَيَّنُ بِصِفَةِ كَوْنِهِ مُعَيَّنًا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَقَارِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ الْعَقَارُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الذِّمَّةِ أَصْلًا لَمْ يُغْتَفَرْ صِحَّةُ ثُبُوتِ مَنْفَعَتِهِ فِي الذِّمَّةِ إذَا كَانَ مُسْلَمًا فِيهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ لَمَّا كَانَ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فِي الْجُمْلَةِ اُغْتُفِرَ ثُبُوتُ مَنْفَعَتِهِ فِي الذِّمَّةِ، وَبِقَوْلِنَا فِي الْجُمْلَةِ لَا يُرَدُّ الْحُرُّ وَإِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ أَصْلًا مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ السَّلَمُ فِي مَنْفَعَتِهِ لِمَا عَلِمْت وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَدَلَ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَنْفَعَةُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِفَرْضِ كَوْنِهِ رَقِيقًا (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ، أَمَّا الثَّمَنُ نَفْسُهُ فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا كَانَ سَلَمًا) أَيْ بِأَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ مُتَمِّمًا لِلصِّيغَةِ لَا فِي مَجْلِسِهِ، وَيُشْتَرَطُ الْفَوْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَهُ مِنْ الصِّيغَةِ.
(قَوْلُهُ: الثَّالِثُ مِنْ الشُّرُوطِ مَا تَضَمَّنَهُ
[حاشية الرشيدي]
[إذَا فُسِخَ السَّلَمُ بِسَبَبٍ يَقْتَضِيهِ وَرَأْسُ الْمَالِ بَاقٍ]
. (قَوْلُهُ: رَأْيٌ مَرْجُوحٌ) لَعَلَّ مُقَابِلَ الْأَظْهَرِ مِنْ الْقَائِلِينَ بِهِ وَالشَّارِحُ أَرَادَ حِكَايَتَهُ لَا غَيْرُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ) عِلَّةُ مُقَابِلِ الْأَظْهَرِ
. (قَوْلُهُ: ذَاتَ ثَوَابٍ) حَالٌ مِنْ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى صَاحِبَهُ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْأَوَّلِ لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ) أَيْ بِخِلَافِ قَبْضِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ) سَيَأْتِي لَهُ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ
قَوْلُهُ (الْمَذْهَبُ أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ) سَلَّمَ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا وَهُمَا (بِمَوْضِعٍ لَا يَصْلُحُ لِلتَّسْلِيمِ أَوْ) سَلَمًا مُؤَجَّلًا وَهُمَا بِمَحَلٍّ (يَصْلُحُ) لَهُ (وَ) لَكِنْ (لِحَمْلِهِ) أَيْ الْمُسْلَمِ فِيهِ (مُؤْنَةٌ اشْتَرَطَ) (بَيَانَ مَحَلِّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ: أَيْ مَكَان (التَّسْلِيمِ) لِلْمُسْلَمِ فِيهِ لِتَفَاوُتِ الْأَغْرَاضِ فِيمَا يُرَادُ مِنْ الْأَمْكِنَةِ فِي ذَلِكَ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ صَالِحًا لِلتَّسْلِيمِ وَالسَّلَمِ حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ وَلَا مُؤْنَةَ لِحَمْلِ ذَلِكَ إلَيْهِ (فَلَا) يُشْتَرَطُ مَا ذَكَرَ وَيَتَعَيَّنُ مَحَلُّ الْعَقْدِ لِلتَّسْلِيمِ لِلْعُرْفِ فِيهِ فَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَهُ تَعَيَّنَ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ لِأَنَّ السَّلَمَ لَمَّا قَبِلَ التَّأْجِيلَ قُبِلَ شَرْطًا يَقْتَضِي تَأْخِيرَ التَّسْلِيمِ، وَلَوْ خَرَجَ الْمُعَيَّنُ لِلتَّسْلِيمِ عَنْ الصَّلَاحِيَّةِ تَعَيَّنَ أَقْرَبُ مَحَلٍّ صَالِحٍ لَهُ وَلَوْ أَبْعَدَ مِنْهُ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِيمَا يَظْهَرُ لِاقْتِضَاءِ الْعَقْدِ لَهُ فَهُوَ مِنْ تَتِمَّةِ التَّسْلِيمِ الْوَاجِبِ، وَلَا يَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِ خِيَارٌ وَلَا يُجَابُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ لَوْ طَلَبَ الْفَسْخَ وَرَدَّ رَأْسِ الْمَالِ وَلَوْ لِخَلَاصِ ضَامِنٍ وَفَكِّ رَهْنٍ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَلَوْ انْهَدَمَتْ دَارٌ عُيِّنَتْ لِلْإِرْضَاعِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَى مَحَلِّ غَيْرِهَا فَلَهُ الْفَسْخُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ، وَيُفَارِقُ مَا نَحْنُ فِيهِ بِأَنَّ الْمَدَارَ هُنَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِحِفْظِ الْمَالِ وَالْمُؤَنِ، وَالْغَالِبُ اسْتِوَاءُ الْمَحَلَّةِ فِيهِمَا وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُمْ الْمُرَادُ بِمَحَلِّ الْعَقْدِ هُنَا مَحَلَّتُهُ لَا خُصُوصُ مَحَلِّهِ فِيهِمَا.
وَلِهَذَا قَالُوا لَوْ قَالَ تُسَلِّمْهُ لِي فِي بَلَدِ كَذَا وَهِيَ غَيْرُ كَبِيرَةٍ كَفَى إحْضَارُهُ فِي أَوَّلِهَا وَإِنْ بَعُدَ عَنْ مَنْزِلِهِ أَوْ فِي أَيِّ مَحَلٍّ شِئْت مِنْهُ صَحَّ مَا لَمْ يَتَّسِعْ وَثَمَّ عَلَى حِفْظِ الْأَبْدَانِ وَهُوَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الدُّورِ، وَلِهَذَا لَوْ عَيَّنَّا دَارًا لِلرَّضَاعِ تَعَيَّنَتْ، وَمُقَابِلُ الْمَذْهَبِ سِتَّةُ طُرُقٍ مَعْلُومَةٍ، وَمَتَى اشْتَرَطَ التَّعْيِينَ فَتَرَكَهُ لَمْ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ إلَخْ) دَفَعَ بِهِ مَا يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ الْإِخْبَارَ بِمَا ذَكَرَ لَا يَسْتَقِيمُ، إذْ الشَّرْطُ هُوَ بَيَانُ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ لَا قَوْلُهُ الْمَذْهَبُ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ) أَيْ حَيْثُ يَبْطُلُ بِتَعْيِينِ غَيْرِ مَحَلِّ الْعَقْدِ لِلْقَبْضِ، وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى حَطَبًا أَوْ نَحْوَهُ وَشَرَطَ عَلَى الْبَائِعِ إيصَالَهُ إلَى بَيْتِ الْمُشْتَرِي حَيْثُ يَبْطُلُ الْعَقْدُ (قَوْلُهُ: عَنْ الصَّلَاحِيَّةِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِخَرَابٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ خِلَافًا لِمَا فِي الْعُبَابِ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالْخَرَابِ حَيْثُ قَالَ: إنْ كَانَ لِخَرَابٍ تَعَيَّنَ أَقْرَبُ مَوْضِعٍ، وَإِنْ كَانَ لِخَوْفٍ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْقَبُولُ فِيهِ وَلَا عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ النَّقْلُ إلَى غَيْرِهِ فَيَتَخَيَّرُ الْمُسْلِمُ (قَوْلُهُ: تَعَيَّنَ أَقْرَبُ مَحَلٍّ) بَقِيَ مَا لَوْ تَسَاوَى الْمَحَلَّانِ هَلْ يُرَاعَى جَانِبُ الْمُسْلِمِ أَوْ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ تَخْيِيرُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِصِدْقِ كُلٍّ مِنْ الْمَحَلَّيْنِ بِكَوْنِهِ صَالِحًا لِلتَّسْلِيمِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) أَيْ يَأْخُذُهَا الْمُسْلِمُ فِي الْأَبْعَدِ أَوْ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فِي الْأَنْقَصِ، وَالْمُرَادُ أُجْرَةُ الزِّيَادَةِ فِي الْأَبْعَدِ وَالنَّقْصِ فِي الْأَنْقَصِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: فَلَهُ الْفَسْخُ) أَفَادَ أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ الِانْهِدَامِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَتَرَاضَيَا أَعْرَضَ عَنْهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ، وَقَضِيَّتُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْفَوْرُ فِي الْفَسْخِ (قَوْلُهُ: وَالْغَالِبُ اسْتِوَاءُ الْمَحَلَّةِ) أَيْ النَّاحِيَةِ (قَوْلُهُ: صَحَّ مَا لَمْ يَتَّسِعْ) أَيْ الْبَلَدُ، وَبَقِيَ مَا لَوْ اخْتَلَفَ اعْتِقَادُهُمَا هَلْ الْعِبْرَةُ بِعَقِيدَةِ الْمُسْلِمِ أَوْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَقِيدَةِ الْحَاكِمِ الْمَرْفُوعِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَثَمَّ) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ بِأَنَّ الْمَدَارَ هُنَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِحِفْظِ الْمَالِ (قَوْلُهُ: سِتَّةُ طُرُقٍ مَعْلُومَةٍ) نَصُّهَا كَمَا فِي الْمَحَلِّيِّ، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا نَصَّانِ بِالِاشْتِرَاطِ وَعَدَمِهِ فَقِيلَ هُمَا مُطْلَقًا وَقِيلَ هُمَا فِي حَالَيْنِ قِيلَ فِي غَيْرِ الصَّالِحِ وَمُقَابِلِهِ، وَقِيلَ فِيمَا لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ وَمُقَابِلِهِ، وَقِيلَ هُمَا فِي الصَّالِحِ وَيُشْتَرَطُ فِي غَيْرِهِ، وَقِيلَ هُمَا فِيمَا لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي مُقَابِلِهِ، وَقِيلَ هُمَا فِيمَا لَيْسَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ وَيُشْتَرَطُ فِي مُقَابِلِهِ.
وَقَوْلُهُ سِتَّةُ طُرُقٍ: أَيْ غَيْرِ الْمَذْكُورَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَتَصِيرُ الطُّرُقُ سَبْعَةً.
وَقَالَ سم عَلَى حَجّ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَصْلُحُ الْمَوْضِعُ وَجَبَ الْبَيَانُ مُطْلَقًا، وَإِنْ صَلَحَ وَلَيْسَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ لَمْ يَجِبْ الْبَيَانُ مُطْلَقًا، وَإِنْ صَلَحَ وَلِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ وَجَبَ الْبَيَانُ فِي الْمُؤَجَّلِ
[حاشية الرشيدي]
وَلَا يُسَلِّمُ مَبِيعًا قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ التَّصْرِيحُ بِعَدَمِ صِحَّةِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُ، فَمَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى الثَّمَنِ كَمَا نَقَلَهُ الشِّهَابُ سم عَنْ وَالِدِ الشَّارِحِ، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا قَوْلَانِ
. (قَوْلُهُ: وَالْمُؤَنِ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَا يَلِيقُ
يَصِحَّ الْعَقْدُ، وَبِمَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عُلِمَ صِحَّةُ قَوْلِ ابْنِ الرِّفْعَةِ إنَّ مَحَلَّ قَوْلِهِمْ السَّلَمَ الْحَالَّ يَتَعَيَّنُ فِيهِ مَوْضِعُ الْعَقْدِ لِلتَّسْلِيمِ مُطْلَقًا حَيْثُ كَانَ صَالِحًا لَهُ وَإِلَّا كَأَنْ أَسْلَمَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الشَّعِيرِ وَهُمَا سَائِرَانِ فِي الْبَحْرِ فَالظَّاهِرُ اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ إذْ هُوَ ظَاهِرٌ، وَجَزَمَ بِهِ غَيْرُهُ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الصِّحَّةِ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ وَهُوَ حَالٌّ وَقَدْ عَجَزَ عَنْهُ فِي الْحَالِّ، وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَوْضِعُ صَالِحًا فِي اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ أَيْضًا وَقَوْلُ الشَّارِحِ تَبَعًا لِكَثِيرٍ وَالْكَلَامُ فِي السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ أَمَّا الْحَالُّ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ مَوْضِعُ الْعَقْدِ لِلتَّسْلِيمِ: أَيْ إذَا كَانَ صَالِحًا وَإِلَّا اُشْتُرِطَ بِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ افْتَرَقَ الْحَالُّ وَالْمُؤَجَّلُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَذَلِكَ كَافٍ فِي صِحَّةِ الْمَفْهُومِ.
(وَيَصِحُّ) السَّلَمُ مَعَ التَّصْرِيحِ بِكَوْنِهِ (حَالًّا) إنْ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ وَإِلَّا تَعَيَّنَ كَوْنُهُ مُؤَجَّلًا (وَ) كَوْنُهُ (مُؤَجَّلًا) بِالْإِجْمَاعِ فِيهِ وَقِيَاسًا أَوْلَوِيًّا فِي الْحَالِّ لِقِلَّةِ الْغَرَرِ فِيهِ كَمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ التَّأْجِيلُ فِي الْكِتَابَةِ لِأَنَّ الْأَجَلَ إنَّمَا وَجَبَ فِيهَا لِانْتِفَاءِ قُدْرَةِ الرَّقِيقِ، وَالْحُلُولُ يُنَافِي ذَلِكَ، وَكَوْنُ الْبَيْعِ يُغْنِي عَنْهُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ لَا يَقْتَضِي مَنْعَهُ عَلَى أَنَّ الْعُرْفَ اطَّرَدَ بِالرُّخْصِ فِي مُطْلَقِ السَّلَمِ دُونَ الْبَيْعِ (فَإِنْ أَطْلَقَ) الْعَقْدَ عَنْ التَّصْرِيحِ بِهِمَا فِيهِ (انْعَقَدَ حَالًّا) كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ (وَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ) لِاقْتِضَاءِ الْعُرْفِ التَّأْجِيلَ فِيهِ فَسُكُوتُهُ عَنْهُ بِمَنْزِلَةِ التَّأْجِيلِ بِمَجْهُولٍ وَرُدَّ بِمَنْعِ ذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى (وَيُشْتَرَطُ) فِي الْمُؤَجَّلِ (الْعِلْمُ بِالْأَجَلِ) لِمَنْ يَأْتِي، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَمْ يَصِحَّ كَإِلَى الْحَصَادِ أَوْ الْمَيْسَرَةِ أَوْ قُدُومِ الْحَاجِّ أَوْ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ الشِّتَاءِ وَلَمْ يُرِيدَا وَقْتَهُمَا الْمُعَيَّنَ، وَكَإِلَى أَوَّلِ أَوْ آخِرِ رَمَضَانَ لِوُقُوعِهِ عَلَى نِصْفِهِ الْأَوَّلِ أَوْ الْآخَرِ كُلِّهِ عَلَى مَا نَقَلَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ، لَكِنْ قَالَا: قَالَ الْإِمَامُ وَالْبَغَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ وَيُحْمَلَ عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ كُلِّ نِصْفٍ كَمَا فِي النَّفَرِ قَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: وَهُوَ الْأَقْوَى، وَقَالَ السُّبْكِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَنَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَمَّنْ ذُكِرَ وَغَيْرُهُ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ وَقَالَ: إنَّهُ الْأَصَحُّ نَقْلًا وَدَلِيلًا، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَمَا عَزَاهُ الشَّيْخَانِ لِلْأَصْحَابِ تَبِعَا فِيهِ الْإِمَامَ، وَقَدْ سَوَّى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بَيْنَ إلَى رَمَضَانَ وَإِلَى غُرَّتِهِ وَإِلَى هِلَالِهِ وَإِلَى أَوَّلِهِ، فَإِنْ قَالَ إلَى أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ حَلَّ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ أَوَّلِ الْيَوْمِ، وَكَذَا الْمَاوَرْدِيُّ، وَالْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: مَا نَقَلَاهُ عَنْ
[حاشية الشبراملسي]
دُونَ الْحَالِّ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ احْتِيَاجُ كَلَامِ الْمَحَلِّيِّ لِلتَّقْيِيدِ مَرَّ اهـ (قَوْلُهُ: وَبِمَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ سَلَمًا حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا (قَوْلُهُ: فَلَا فَرْقَ) أَيْ فِي بَيَانِ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا اُشْتُرِطَ) أَيْ مَعَ مَا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا تَعَيَّنَ كَوْنُهُ مُؤَجَّلًا) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمُؤَجَّلِ مِنْ ذِكْرِ الْأَجَلِ فَيُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ (قَوْلُهُ: بِالْإِجْمَاعِ) أَيْ إجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ (قَوْلُهُ: فِيهِ) أَيْ الْعَقْدِ (قَوْلُهُ: كَمَا لَا يَخْفَى) الْكَافُ فِيهِ وَفِي نَظَائِرِهِ مِنْ قَوْلِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بِمَعْنَى اللَّامِ: أَيْ لِمَا يَخْفَى مِنْ الدَّلِيلِ الظَّاهِرِ (قَوْلُهُ: لِمَنْ يَأْتِي) وَهُوَ الْعَاقِدَانِ أَوْ عَدْلَانِ غَيْرُهُمَا (قَوْلُهُ: أَوْ الْمَيْسَرَةِ) أَيْ وَقْتِ يَسَارِ النَّاسِ عَادَةً كَالصَّيْفِ مَثَلًا (قَوْلُهُ: أَوْ طُلُوعِ الشَّمْسِ) أَيْ ظُهُورِ ضَوْئِهَا، وَوَجْهُ عَدَمِ الصِّحَّةِ فِيهِ أَنَّ الصَّوْمَ قَدْ يَسْتُرُهُ الْغَيْمُ أَوْ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ: يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَيُحْمَلُ) الْحَمْلُ فِي الشِّقِّ الثَّانِي (قَوْلُهُ: عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ) عِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَ إلَى أَوَّلِ رَمَضَانَ أَوْ آخِرِهِ صَحَّ خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ الرَّوْضُ.
وَنَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَيُحْمَلُ عَلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ وَآخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ فِي الثَّانِي مَرَّ اهـ.
وَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ أَمَّا عَلَى الرَّاجِحِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْحَمْلِ (قَوْلُهُ: تَبِعَا فِيهِ الْإِمَامَ) أَيْ فِي عَزْوِهِ ذَلِكَ لِلْأَصْحَابِ فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ وَالْبَغَوِيِّ قَالَا بِالصِّحَّةِ (قَوْلُهُ وَقَدْ سَوَّى) أَيْ فِي الصِّحَّةِ (قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ) أَيْ الَّذِي تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ الْإِمَامِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَإِلَّا تَعَيَّنَ كَوْنُهُ مُؤَجَّلًا) بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ التَّصْرِيحُ بِالتَّأْجِيلِ وَإِلَّا يَبْطُلُ.
(قَوْلُهُ: تَبِعَا فِيهِ الْإِمَامَ) أَيْ فِي عَزْوِهِ لِلْأَصْحَابِ وَإِلَّا فَالْإِمَامُ هُوَ الْقَائِلُ بِالصِّحَّةِ
الْأَصْحَابِ لَمْ أَرَهُ إلَّا فِي طَرِيقَةِ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَقَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: سَيَأْتِي فِي الْإِجَارَةِ وَالْكِتَابَةِ الْجَزْمُ بِمَقَالَةِ الْإِمَامِ اهـ.
وَمَا ذَكَرَاهُ آخِرًا بَعْدَ الصِّحَّةِ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ كُلِّ نِصْفٍ رَأْيٌ مَرْجُوحٌ فِي آخِرِهِ.
أَمَّا عَلَى الرَّاجِحِ فَيُحْمَلُ عَلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ، وَلَوْ قَالَ فِي رَمَضَانَ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ جَعَلَ جَمِيعَهُ ظَرْفًا فَكَأَنَّهُمَا قَالَا: يَحِلُّ فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَبِلَ التَّعْلِيقَ بِالْمَجْهُولِ كَقُدُومِ زَيْدٍ قَبْلَهُ بِالْعَامِ ثُمَّ تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ لِصِدْقِ اللَّفْظِ بِهِ فَوَجَبَ وُقُوعُهُ فِيهِ لِكَوْنِهِ قَضِيَّةَ الْوَضْعِ وَالْعُرْفِ لَا لِتَعَيُّنِهِ، وَلِهَذَا لَوْ عَلَّقَ بِتَكْلِيمِهَا لِزَيْدٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَعَ بِتَكْلِيمِهَا لَهُ أَثْنَاءَ يَوْمِهَا وَلَمْ يَتَقَيَّدْ بِأَوَّلِهِ، وَأَمَّا السَّلَمُ فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلْ التَّأْجِيلَ بِالْمَجْهُولِ لَمْ يَقْبَلْهُ بِالْعَامِ وَإِنَّمَا قَبِلَهُ بِنَحْوِ الْعِيدِ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِكُلٍّ مِنْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بِعَيْنِهِ، فَدَلَالَتُهُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الظَّرْفِ عَلَى أَزْمِنَتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ بَلْ لِزَمَنٍ مُبْهَمٍ مِنْهَا (فَإِنْ) (عَيَّنَ) الْعَاقِدَانِ (شُهُورَ الْعَرَبِ أَوْ الْفُرْسِ أَوْ الرُّومِ) (جَازَ) لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ مَضْبُوطَةٌ، وَيَصِحُّ التَّأْقِيتُ بِالنَّيْرُوزِ، وَهُوَ نُزُولُ الشَّمْسِ بُرْجَ الْمِيزَانِ، وَالْمِهْرَجَانُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَقْتُ نُزُولِهَا بُرْجَ الْحَمَلِ، وَعِيدُ الْكُفَّارِ كَفِصْحِ النَّصَارَى وَفَطِيرِ الْيَهُودِ إنْ عَرَفَهَا الْمُسْلِمُونَ وَلَوْ عَدْلَيْنِ مِنْهُمْ أَوْ الْمُتَعَاقِدَانِ بِخِلَافِ مَا إذَا اُخْتُصَّ الْكُفَّارُ بِمَعْرِفَتِهَا لِعَدَمِ اعْتِمَادِ قَوْلِهِمْ، نَعَمْ إنْ كَانُوا عَدَدًا كَثِيرًا يُمْنَعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ جَازَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِمْ وَاكْتَفَى هُنَا بِمَعْرِفَةِ الْعَاقِدَيْنِ الْأَجَلَ أَوْ مَعْرِفَةِ عَدْلَيْنِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ فِي صِفَاتِ الْمُسْلَمِ فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي، لِأَنَّ الْجَهَالَةَ هُنَا رَاجِعَةٌ إلَى الْأَجَلِ وَثَمَّ إلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَجَازَ أَنْ يَحْتَمِلَ هُنَا مَا لَا يَحْتَمِلُ هُنَاكَ (وَإِنْ أَطْلَقَ) الشَّهْرَ (حُمِلَ عَلَى الْهِلَالِيِّ) وَهُوَ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ وَإِنْ اطَّرَدَ عُرْفُهُمْ بِذَلِكَ إذْ هُوَ عُرْفُ الشَّرْعِ هَذَا إنْ عَقَدَ أَوَّلَهُ (فَإِنْ انْكَسَرَ شَهْرٌ) بِأَنْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِي أَثْنَائِهِ وَكَانَ التَّأْجِيلُ بِشُهُورٍ (حَسَبَ الْبَاقِي) بَعْدَ الْأَوَّلِ الْمُنْكَسِرِ (بِالْأَهِلَّةِ وَتَمَّمَ الْأَوَّلَ ثَلَاثِينَ) مِمَّا بَعْدَهَا، وَلَا يُلْغِي الْمُنْكَسِرَ لِئَلَّا يَتَأَخَّرَ ابْتِدَاءُ الْأَجَلِ عَنْ الْعَقْدِ.
نَعَمْ لَوْ عَقَدَا فِي يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ آخِرَ الشَّهْرِ اكْتَفَى بِالْأَشْهُرِ بَعْدَهُ بِالْأَهِلَّةِ وَإِنْ نَقَصَ بَعْضُهَا، وَلَا يُتَمِّمُ الْأَوَّلَ مِمَّا بَعْدَهَا لِأَنَّهَا مَضَتْ عَرَبِيَّةً كَوَامِلَ، هَذَا إنْ نَقَصَ الشَّهْرُ الْأَخِيرُ، وَإِلَّا لَمْ يُشْتَرَطْ انْسِلَاخُهُ بَلْ يُتَمِّمُ مِنْهُ الْمُنْكَسِرَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لِتَعَذُّرِ اعْتِبَارِ الْهِلَالِ فِيهِ حِينَئِذٍ (وَالْأَصَحُّ صِحَّةُ تَأْجِيلِهِ بِالْعِيدِ وَجُمَادَى) وَرَبِيعٍ وَالْفِطْرِ (وَيُحْتَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ) مِنْ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ
[حاشية الشبراملسي]
وَالْبَغَوِيِّ (قَوْلُهُ: رَأْيٌ مَرْجُوحٌ فِي آخِرِهِ) أَيْ وَهُوَ حَمْلُهُ عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي فِيمَا لَوْ قَالَ إلَى آخِرِ رَمَضَانَ (قَوْلُهُ: بِالْعَامِّ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ شُمُولَ الْيَوْمِ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مِنْ الْعُمُومِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مِنْ التَّعْلِيقِ الْمُبْهَمِ، فَإِنَّ الْعَامَّ هُوَ مَا اسْتَغْرَقَ الصَّالِحَ لَهُ مِنْ الْأَفْرَادِ لَا مِنْ الْأَجْزَاءِ، فَوَصْفُهُ بِالْعُمُومِ تَجَوُّزٌ وَكَأَنَّ عِلَاقَتَهُ أَنَّهُ شَبَّهَ الْأَجْزَاءَ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا اسْمَهَا (قَوْلُهُ: وَالْمِهْرَجَانِ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْمِهْرَجَانُ عِيدُ الْفُرْسِ، وَهِيَ كَلِمَتَانِ مِهْرٌ وِزَانُ حِمْلٌ وَجَانَ لَكِنْ تَرَكَّبَتْ الْكَلِمَتَانِ حَتَّى صَارَتَا كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، وَمَعْنَاهَا مَحَبَّةُ الرُّوحِ.
وَفِي بَعْضِ التَّوَارِيخِ: كَانَ الْمِهْرَجَانُ يُوَافِقُ أَوَّلَ الشِّتَاءِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عَنْهُ حَتَّى صَارَ يَنْزِلُ فِي أَوَّلِ الْمِيزَانِ انْتَهَى.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الشَّارِحِ وَقْتُ نُزُولِهَا أَوَّلَ بُرْجِ الْحَمَلِ (قَوْلُهُ: هَذَا إنْ نَقَصَ إلَخْ) أَيْ الِاكْتِفَاءُ بِالْأَهِلَّةِ بَعْدَ يَوْمِ الْعَقْدِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: الْعَاقِدَانِ) أَرَادَ بِهِ حَلَّ الْمَعْنَى، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ فِي الْمَتْنِ، وَإِنْ كَانَ يَجِبُ تَثْنِيَةُ الضَّمِيرِ فَكَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَ الْأَلِفِ وَالنُّونِ، وَعَلَى كُلٍّ فَيُقْرَأُ الْمَتْنُ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ بِنَائِهِ لِلْمَفْعُولِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ اطَّرَدَ عُرْفُهُمْ بِذَلِكَ إذْ هُوَ عُرْفُ الشَّرْعِ) قَدْ يُقَالُ إنَّهُ يَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ إلَّا إذَا كَانَ الْمُخَاطَبُ هُوَ الشَّارِعُ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَغَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ مَحَلَّهُ إنْ لَمْ يَجْرِ عُرْفُهُمْ بِخِلَافِهِ.
الِاسْمِ بِهِ فَيَحِلُّ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ كَانَ الْعَقْدُ بَعْدَ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ الثَّانِي حُمِلَ عَلَيْهِ لِتَعَيُّنِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْبَاقِي مِثْلُهُمَا، وَالثَّانِي لَا بَلْ يَفْسُدُ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي.
فَصْلٌ فِي بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ السَّبْعَةِ وَقَدْ مَرَّ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ: الثَّلَاثَةُ الَّتِي فِي الْمَتْنِ، وَحُلُولُ رَأْسِ الْمَالِ، وَالْخَامِسُ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَحِينَئِذٍ (يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ) بِلَا مَشَقَّةٍ كَبِيرَةٍ (عِنْدَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ) وَذَلِكَ بِالْعَقْدِ إنْ كَانَ حَالًّا وَبِالْحُلُولِ إنْ كَانَ مُؤَجَّلًا، لِأَنَّ الْمَعْجُوزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ فَيَمْتَنِعُ السَّلَمُ فِيهِ، فَإِنْ أَسْلَمَ فِي مُنْقَطِعٍ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ الْحُلُولِ كَرُطَبٍ فِي الشِّتَاءِ لَمْ يَصِحَّ، وَكَذَا لَوْ ظَنَّ حُصُولَهُ عِنْدَ الْوُجُوبِ لَكِنْ بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ كَقَدْرِ كَثِيرٍ مِنْ الْبَاكُورَةِ، وَصَرَّحَ بِهَذَا مَعَ كَوْنِهِ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ مَعَ شُرُوطِ الْبَيْعِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ وَلِيُبَيِّنَ بِهِ مَحَلَّ الْقُدْرَةِ الْمُفْتَرِقَيْنِ فِيهَا، فَإِنَّ بَيْعَ الْمُعَيَّنِ تُعْتَبَرُ فِيهِ عِنْدَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا وَهُنَا يُعْتَبَرُ هَذَا تَارَةً وَتَارَةً يُعْتَبَرُ الْحُلُولُ كَمَا تَقَرَّرَ، وَيَأْتِي فِي تَعْبِيرِهِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: بَعْدَ الْأَوَّلِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْبَعْدِيَّةِ فِي الرَّبِيعَيْنِ وَجَمَادَيْنِ أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ فِي أَثْنَاءِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَوْ جُمَادَى الْأُولَى، وَقَالَ إلَى رَبِيعٍ أَوْ جُمَادَى فَيُحْمَلُ عَلَى أَوَّلِ الثَّانِي، وَإِلَّا فَلَا يُتَصَوَّرُ حَمْلُهُ عَلَى أَوَّلِ رَبِيعٍ الثَّانِي إذَا وَرَدَ الْعَقْدُ بَعْدَ انْسِلَاخِ الْأَوَّلِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَقَوْلُهُ: بَلْ يُتَمِّمْ مِنْهُ الْمُنْكَسِرَ: أَيْ وَهُوَ الْيَوْمُ الْأَخِيرُ مِنْ الشَّهْرِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْعَقْدُ، فَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ وَقْتَ الزَّوَالِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مَثَلًا وَأُجِّلَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ اُكْتُفِيَ بِالْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ مُطْلَقًا كَامِلَيْنِ أَوْ نَاقِصَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، وَكَذَا رَبِيعٍ الْأَوَّلِ إنْ نَقَصَ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَمُلَ فَإِنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ وَقْتَ الزَّوَالِ مِنْهُ.
.
(فَصْلٌ) فِي بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ (قَوْلُهُ: وَحُلُولُ رَأْسِ الْمَالِ) أَيْ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ أَوَّلَ الْكِتَابِ وَلَا بُدَّ مِنْ حُلُولِ رَأْسِ الْمَالِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ كَالصَّرْفِ (قَوْلُهُ: بِلَا مَشَقَّةٍ كَبِيرَةٍ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِغَالِبِ النَّاسِ فِي تَحْصِيلِهِ إلَى مَوْضِعِ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ ظَنَّ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ: أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَثِيرٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهَلْ يَتَبَيَّنُ صِحَّةَ الْعَقْدِ اكْتِفَاءً بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ لَا نَظَرًا لِعَقْدِ الشَّرْطِ ظَاهِرًا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ الْعِبْرَةُ فِي شُرُوطِ الْبَيْعِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ: مَعَ شُرُوطِ الْبَيْعِ: أَيْ الْمَذْكُورِ أَوَّلَ الْبَابِ يُشْتَرَطُ لَهُ مَعَ شُرُوطِ الْبَيْعِ شُرُوطٌ (قَوْلُهُ: وَصَرَّحَ بِهَذَا) أَيْ قَوْلُهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلْيُبَيِّنْ بِهِ مَحَلَّ الْقُدْرَةِ) هَذَا التَّعْلِيلُ أَوْلَى مِمَّا قَبْلَهُ لِأَنَّ مُحَصِّلَ هَذَا أَنَّ الشَّرْطَ كَوْنُ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّهِ، وَهَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مَفْهُومِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْأُمُورَ الْمُعْتَبَرَةَ سَبْعَةٌ لَيْسَ مِنْهَا الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ، بِخِلَافِ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَهُوَ كَلَامٌ لَا مَعْنَى لَهُ وَيُحْوِجُ إلَى تَأْوِيلِ الْعِبَارَةِ بِمَا يُخْرِجُهَا عَنْ عَدِّهَا شَرْطًا (قَوْلُهُ: الْمُفْتَرِقَيْنِ) أَيْ الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ (قَوْلُهُ: تُعْتَبَرُ) أَيْ الْقُدْرَةُ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ إذْ الْمَعْنَى لَا يَدْخُلُهُ أَجَلٌ وَعِبَارَتُهُ تُوهِمُ أَنَّهُ
[حاشية الرشيدي]
[فَصْلٌ فِي بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ السَّبْعَةِ لصحة السَّلَم]
فَصْلٌ) فِي بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ (قَوْلُهُ: لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ) هَذَا وَإِنْ نَفَعَ فِي مُجَرَّدِ تَصْرِيحِهِ بِهَذَا الشَّرْطِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ فِيمَا سَبَقَ سَبْعَةٌ وَقَوْلُهُ: وَلِيُبَيِّنَ إلَخْ فِيهِ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْحَصِرُ فِي بَيْعِ الْمُعَيَّنِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ جَوَابٌ عَنْ عَدِّ هَذَا شَرْطًا زَائِدًا عَنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ.
بِالتَّسْلِيمِ مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ (فَإِنْ كَانَ يُوجَدُ بِبَلَدٍ آخَرَ) وَلَوْ بَعِيدًا (صَحَّ) السَّلَمُ فِيهِ (إنْ اُعْتِيدَ نَقْلُهُ) إلَى مَحَلِّ التَّسْلِيمِ (لِلْبَيْعِ) لِلْقُدْرَةِ حِينَئِذٍ عَلَيْهِ وَلَا يَحْتَاجُ لِزِيَادَةٍ كَثِيرًا لِفَهْمِهِ مِنْ الِاعْتِيَادِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُعْتَدْ نَقْلُهُ لِنَحْوِ الْبَيْعِ بِأَنْ نُقِلَ لَهُ نَادِرًا أَوْ لَمْ يُنْقَلْ أَصْلٌ أَوْ نُقِلَ لِنَحْوِ هَدِيَّةٍ (فَلَا) يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ لِانْتِفَاءِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا سَيَأْتِي أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ لَوْ انْقَطَعَ فَإِنْ وَجَدَ فِيمَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَجَبَ تَحْصِيلُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا هُنَا قُرْبَ الْمَسَافَةِ لِأَنَّهُ لَا مُؤْنَةَ لِنَقْلِهِ هُنَا عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ، فَاعْتِيَادُ نَقْلِهِ لِلْمُعَامَلَةِ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلِّ التَّسْلِيمِ كَافٍ فِي الصِّحَّةِ وَإِنْ تَبَاعَدَا بِخِلَافِهَا فِيمَا يَأْتِي فَإِنَّهَا لَازِمَةٌ لَهُ فَاعْتُبِرَ لِتَحْقِيقِهَا قُرْبُ الْمَسَافَةِ، وَاعْتِبَارُ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ كَثِيرِ مَحَلِّ الْعَقْدِ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ كَانَ تَبِعَهُمْ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ (وَلَوْ) (أَسْلَمَ فِيمَا يَعُمُّ) وُجُودُهُ (فَانْقَطَعَ) جَمِيعُهُ أَوْ بَعْضُهُ لِجَائِحَةٍ أَفْسَدَتْهُ، وَإِنْ وُجِدَ بِبَلَدٍ آخَرَ وَكَانَ يَفْسُدُ بِنَقْلِهِ أَوْ لَا يُوجَدُ إلَّا عِنْدَ مَنْ لَا يَبِيعُهُ أَصْلًا أَوْ يَبِيعُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ أَوْ كَانَ ذَلِكَ الْبَلَدُ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ بَلَدِ التَّسْلِيمِ (فِي مَحِلِّهِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ: أَيْ وَقْتَ حُلُولِهِ وَكَذَا
[حاشية الشبراملسي]
يَصِحُّ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا هَذِهِ الْحَالَةُ وَهِيَ كَوْنُهُ حَالًّا أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ سَوَاءٌ أَكَانَ ثَمَنُهُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا لَكِنَّ هَذَا بَعِيدٌ عَنْ السِّيَاقِ فَلَوْ أُسْقِطَ مُطْلَقًا لَكَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ) مِنْ أَنَّ قُدْرَةَ الْمُشْتَرِي عَلَى التَّسْلِيمِ كَافِيَةٌ كَمَنْ اشْتَرَى مَغْصُوبًا يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِهِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ الْبَيْعِ بِأَنَّ الْبَيْعَ لَمَّا وَرَدَ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ اُكْتُفِيَ بِقُدْرَةِ الْمُشْتَرِي عَلَى انْتِزَاعِهِ، بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّ السَّلَمَ إنَّمَا يُرَدُّ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ قُدْرَةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ عَلَى إقْبَاضِهِ.
قَالَ سم عَلَى حَجّ بَعُدَ مِثْلُ مَا ذَكَرَ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِ: وَأَمَّا ثَالِثًا فَلَا نُسَلِّمُ هَذَا الْفَرْقَ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ لَوْ مَلَكَ قَدْرَ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَغَصَبَهُ مِنْهُ غَاصِبٌ فَقَالَ الْمُسْلِمُ الْقَادِرُ عَلَى تَخْلِيصِهِ: تَسَلَّمْهُ عَنْ حَقِّك فَتَسَلَّمَهُ فَالظَّاهِرُ الْإِجْزَاءُ، فَهَذَا تَسَلُّمٌ أَجْزَأَ فِي السَّلَمِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ (قَوْلُهُ: لِلْبَيْعِ) أَيْ كَثِيرًا أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي نَادِرًا (قَوْلُهُ: كَثِيرًا) أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ إنْ اُعْتِيدَ نَقْلُهُ (قَوْلُهُ: مِنْ الِاعْتِيَادِ) قَدْ يُمْنَعُ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ الِاعْتِيَادِ الْكَثْرَةُ وَإِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ اهـ سم عَلَى حَجّ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْعَادَةُ مَعْرُوفَةٌ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يُعَاوِدُهَا: أَيْ يَرْجِعُ إلَيْهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَعَوَّدْته كَذَا فَاعْتَادَهُ وَتَعَوَّدْته: أَيْ صَيَّرْته لَهُ عَادَةً، وَاسْتَعَدْت الرَّجُلَ: سَأَلْته أَنْ يَعُودَ، وَاسْتَعَدْته الشَّيْءَ: سَأَلْته أَنْ يَفْعَلَهُ ثَانِيًا اهـ (قَوْلُهُ: أَوْ نَقَلَ لِنَحْوِ هَدِيَّةٍ) أَيْ مَا لَمْ يَعْتَدْ الْمُهْدَى إلَيْهِ بَيْعُهَا وَإِلَّا فَتَكُونُ كَالْمَنْقُولِ لِلْبَيْعِ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ هُوَ الْمُهْدَى إلَيْهِ هَلْ يَصِحُّ أَيْضًا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الصِّحَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَقَاعَدُ عَمَّا لَوْ أَسْلَمَ فِي لَحْمِ الصَّيْدِ الَّذِي يَعِزُّ وُجُودُهُ لِمَنْ هُوَ عِنْدَهُ وَقَدْ قَالُوا فِيهِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَأَمَّا لَوْ أَسْلَمَ إلَى كَافِرٍ فِي عَبْدٍ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَبْدٌ كَافِرٌ وَأَسْلَمَ لِنُدْرَةِ مِلْكِهِ لَهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ لِمَا اُعْتِيدَ نَقْلُهُ لِلْمُهْدَى إلَيْهِ كَثِيرًا وَهُوَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ: صَيِّرْهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُودِ وَقْتَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا) أَيْ بِأَنْ وَجَدَ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَمَا فَوْقَهَا (قَوْلُهُ: عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ) أَيْ بَلْ هِيَ عَلَى النَّاقِلِ (قَوْلُهُ: أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهُمَا لَوْ عَيَّنَا لِلتَّسْلِيمِ غَيْرَ مَحَلِّ الْعَقْدِ تَعَيَّنَ (قَوْلُهُ: أَوْ يَبِيعُهُ بِأَكْثَرَ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّتْ الزِّيَادَةُ، وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ فِيمَا لَوْ كَانَ قَدْرًا يَتَغَابَنُ بِهِ، هَذَا، وَقَالَ حَجّ: أَمَّا لَوْ جَدَّ عِنْدَ مَنْ لَا يَبِيعُهُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ يَلْزَمُهُ تَحْصِيلُهُ بِذَلِكَ الْأَكْثَرِ، وَفَارَقَ الْغَاصِبُ بِأَنَّهُ الْتَزَمَ التَّحْصِيلَ بِالْعَقْدِ بِاخْتِيَارِهِ وَقَبَضَ الْبَدَلَ، فَالزِّيَادَةُ فِي مُقَابَلَةِ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ نَمَاءِ مَا قَبَضَهُ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ، وَأَيْضًا فَالسَّلَمُ عَقْدٌ وُضِعَ لِلرِّبْحِ فَلَزِمَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ تَحْصِيلُ هَذَا الْغَرَضِ الْمَوْضُوعِ لَهُ الْعَقْدُ وَإِلَّا لَانْتَفَتْ فَائِدَتُهُ، وَالْغَصْبُ بَابُ تَعَدٍّ وَالْمُمَاثَلَةُ فِيهِ مَطْلُوبَةٌ بِنَصِّ قَوْله تَعَالَى ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] اهـ (قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ ذَلِكَ الْبَلَدُ) أَيْ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ (قَوْلُهُ: عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ) يُفْهَمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَا خِيَارَ، وَقَوْلُهُ: وَكَذَا بَعْدَهُ قَدْ يَشْمَلُهُ مَا قَبْلَهُ اهـ سم عَلَى حَجّ، وَمَا قَبْلَهُ هُوَ قَوْلُهُ وَقْتَ حُلُولِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا بَعْدَ وَقْتِ الْحُلُولِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَقْتٌ يَجِبُ فِيهِ التَّسْلِيمُ فَيَكُونُ وَقْتًا لِلْحُلُولِ (قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْحَاءِ) أَيْ لِأَنَّهُ يُقَالُ فِي الْفِعْلِ مِنْهُ حَلَّ الدَّيْنُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ التَّأْخِيرُ لِمَطْلِهِ (لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ فَأَشْبَهَ إفْلَاسَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَالثَّانِي يَنْفَسِخُ كَمَا لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَرَدَّ بِمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ وَجَدَهُ يُبَاعُ بِثَمَنٍ غَالٍ: أَيْ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ وَجَبَ تَحْصِيلُهُ.
وَهَذَا هُوَ مُرَادُ الرَّوْضَةِ بِقَوْلِهَا وَجَبَ تَحْصِيلُهُ وَإِنْ عَلَا سِعْرُهُ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الْمَوْجُودَ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ كَالْمَعْدُومِ كَمَا فِي الرَّقَبَةِ وَمَاءِ الطَّهَارَةِ، وَأَيْضًا فَالْغَاصِبُ لَا يُكَلَّفُ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ فَهُنَا أَوْلَى، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْغَصْبِ وَمَا هُنَا بِمَا لَا يُجْدِي، وَفِي مَعْنَى انْقِطَاعِهِ مَا لَوْ غَابَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ وَتَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَى الْوَفَاءِ مَعَ وُجُودِ الْمُسْلَمِ فِيهِ (فَيَتَخَيَّرُ الْمُسْلِمُ) وَلَوْ مَعَ قَوْلِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ خُذْ رَأْسَ مَالِكَ (بَيْنَ فَسْخِهِ) فِي جَمِيعِهِ دُونَ بَعْضِهِ الْمُنْقَطِعِ فَقَطْ (وَالصَّبْرِ حَتَّى يُوجَدَ) فَيُطَالِبُهُ بِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَخِيَارُهُ عَلَى التَّرَاخِي فَلَوْ أَجَازَ ثُمَّ عَنَّ لَهُ الْفَسْخُ مُكِّنَ مِنْهُ وَلَوْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْفَسْخِ لَمْ يَسْقُطْ (وَلَوْ عَلِمَ قَبْلَ الْمَحِلِّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ (انْقِطَاعَهُ عِنْدَهُ فَلَا خِيَارَ قَبْلَهُ) وَلَا يَنْفَسِخُ بِنَفْسِهِ حِينَئِذٍ (فِي الْأَصَحِّ) فِيهِمَا لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ: وَالثَّانِي نَعَمْ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ فِي الْحَالِّ.
(وَ) الشَّرْطُ السَّادِسُ التَّقْدِيرُ فِيهِ بِمَا يَنْفِي عَنْهُ الْغَرَرَ فَحِينَئِذٍ يُشْتَرَطُ (كَوْنُهُ) أَيْ الْمُسْلَمِ فِيهِ (مَعْلُومَ الْقَدْرِ) (كَيْلًا) فِيمَا يُكَالُ (أَوْ وَزْنًا) فِيمَا يُوزَنُ (أَوْ عَدًّا) فِيمَا يُعَدُّ كَاللَّبَنِ وَالْحَيَوَانِ (أَوْ ذَرْعًا) فِيمَا يُذْرَعُ
[حاشية الشبراملسي]
يَحِلُّ بِالْكَسْرِ، وَاسْمُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ مِنْهُ عَلَى مَفْعَلُ بِالْكَسْرِ.
أَمَّا اسْمُ الْمَكَانِ مِنْ حَلَّ بِمَعْنَى نَزَلَ بِالْمَكَانِ فَبِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ لُغَةً لِأَنَّ مُضَارِعَهُ يَحِلُّ بِالضَّمِّ (قَوْلُهُ: لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الْأَظْهَرِ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: هَذَا الْخِلَافُ جَارٍ، وَلَوْ كَانَ سَبَبُ الِانْقِطَاعِ بِتَقْصِيرِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فِي الْإِعْطَاءِ وَقْتَ الْمَحَلِّ أَوْ مَوْتِهِ قَبْلَ الْحُلُولِ أَوْ غَيْبَةِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ وَقْتَ الْحُلُولِ ثُمَّ حَضَرَ فَوَجَدَهُ انْقَطَعَ فِي حَالِ الْغَيْبَةِ بَعْدَ الْحِلِّ اهـ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
أَقُولُ: وَكَذَا هُوَ شَامِلٌ لِمَا لَوْ كَانَ سَبَبُ الِانْقِطَاعِ امْتِنَاعَ الْمُسْلِمِ مِنْ قَبْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بَعْدَ عَرْضِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِلْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَقِيَاسُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِيمَا لَوْ دَفَعَ الْمُسْلِمُ بَعْضَ رَأْسِ الْمَالِ دُونَ بَعْضٍ مِنْ أَنَّ الْعَقْدَ يُفْسَخُ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ مُقَابِلُهُ وَأَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْمُسْلِمِ لِكَوْنِ الْفَسْخِ نَشَأَ مِنْ تَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ الْإِقْبَاضِ أَنَّ الْمُسْلِمَ هُنَا لَا خِيَارَ لَهُ لِحُصُولِ التَّفْرِيقِ مِنْ جِهَتِهِ (قَوْلُهُ: وَرُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الرَّقَبَةِ) أَيْ الرَّقَبَةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ (قَوْلُهُ: وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ) مُرَادُهُ حَجّ (قَوْلُهُ: وَتَعَذَّرَ الْوُصُولُ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فِي الْبَلَدِ، أَوْ كَانَ وَشَقَّ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قَاضٍ، أَوْ كَانَ وَامْتَنَعَ مِنْ الْبَيْعِ عَلَيْهِ إمَّا مُطْلَقًا، أَوْ امْتَنَعَ إلَّا بِرِشْوَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ (قَوْلُهُ: خُذْ رَأْسَ مَالِكِ) أَيْ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ رَأْسِ الْمَالِ بَلْ هُوَ عَلَى خِيَارِهِ بَيْنَ الصَّبْرِ وَالْفَسْخِ (قَوْلُهُ: دُونَ بَعْضِهِ الْمُنْقَطِعِ) أَيْ قَهْرًا، أَمَّا إذَا تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ فِيمَا لَوْ بَاعَ عَبْدَيْنِ وَظَهَرَ عَيْبُ أَحَدِهِمَا زَادَ حَجّ: وَإِنْ قَبَضَ مَا عَدَاهُ وَأَتْلَفَهُ فَإِذَا فَسَخَهُ لَزِمَهُ بَدَلُهُ وَرَجَعَ بِرَأْسِ مَالِهِ (قَوْلُهُ: حَتَّى يُوجَدَ) أَيْ وَلَوْ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ مَثَلًا (قَوْلُهُ: وَلَا يَنْفَسِخُ بِنَفْسِهِ) أَيْ الِانْقِطَاعُ.
(قَوْلُهُ: مَعْلُومَ الْقَدْرِ) أَيْ لِلْعَاقِدَيْنِ وَلَوْ إجْمَالًا كَمَعْرِفَةِ الْأَعْمَى الْأَوْصَافَ بِالسَّمَاعِ وَالْعَدْلَيْنِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِمَا الصِّفَاتِ بِالتَّعْيِينِ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ إلَيْهِمَا عِنْدَ التَّنَازُعِ، وَلَا تَحْصُلُ تِلْكَ الْفَائِدَةُ إلَّا بِمَعْرِفَتِهِمَا تَفْصِيلًا، كَذَا قَالَهُ فِي الْقَوْتِ، وَهُوَ حَسَنٌ مُتَعَيِّنٌ، وَأَطْلَقَ جَوَازَ السَّلَمِ فِي الْبُقُولِ وَزْنًا كَمَا سَبَقَ، وَجَعَلَهَا الْمَاوَرْدِيُّ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يُقْصَدُ مِنْهُ شَيْئًا كَالْخَسِّ وَالْفُجْلُ يُقْصَدُ لُبُّهُ وَوَرَقُهُ فَالسَّلَمُ فِيهِ بَاطِلٌ لِاخْتِلَافِهِ، وَقِسْمٌ كُلُّهُ مَقْصُودٌ كَالْهِنْدَبَا فَيَجُوزُ وَزْنًا، وَقِسْمٌ يَتَّصِلُ بِهِ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ كَالْجَزَرِ وَالسَّلْجَمِ وَهُوَ اللِّفْتُ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ قَطْعِ وَرَقِهِ اهـ. وَكَانَ الْمُرَادُ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِشَرْطِ قَطْعِ وَرَقِهِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ يَنْبَغِي
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَوْ وَجَدَهُ يُبَاعُ بِثَمَنٍ غَالٍ إلَخْ) كَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيرُ هَذَا عَنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي حَتَّى يُوجَدَ .
لِلْخَبَرِ الْمَارِّ أَوَّلَ الْبَابِ مَعَ قِيَاسِ مَا لَيْسَ فِيهِ بِمَا فِيهِ (وَيَصِحُّ فِي الْمَكِيلِ) أَيْ سَلَمُهُ (وَزْنًا وَعَكْسَهُ) حَيْثُ كَانَ الْكَيْلُ يُعَدُّ ضَابِطًا فِيهِ فَيَجُوزُ وَمَا جُرْمُهُ كَجُرْمِهِ أَوْ أَقَلَّ، وَيُفَارِقُ مَا ذَكَرَ هُنَا مَا مَرَّ فِي الرِّبَوِيِّ بِأَنَّ الْغَالِبَ ثَمَّ التَّعَبُّدُ، وَلِهَذَا كَفَى الْوَزْنُ بِنَحْوِ الْمَاءِ هُنَا بِخِلَافِهِ ثَمَّ، أَمَّا مَا لَا يُعَدُّ ضَابِطًا فِيهِ لِعِظَمِ خَطَرِهِ كَفُتَاتِ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ فَيَتَعَيَّنُ وَزْنُهُ لِأَنَّ يَسِيرَهُ مَالِيَّةٌ كَثِيرَةٌ، بِخِلَافِ اللَّآلِئِ الصِّغَارِ لِقِلَّةِ تَفَاوُتِهَا فَهِيَ كَالْقَمْحِ وَالْفُولِ كَمَا أَجَابَ بِذَلِكَ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي نَقْلِهِ كَلَامَ الْإِمَامِ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ أَنَّ مَحَلَّ مَا مَرَّ فِيمَا يُعَدُّ الْكَيْلُ ضَابِطًا فِي مِثْلِهِ وَسُكُوتِهِ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ جَوَازَ السَّلَمِ فِي اللَّآلِئِ الصِّغَارِ إذَا عَمَّ وُجُودُهَا كَيْلًا وَوَزْنًا.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْإِمَامِ فَكَأَنَّهُ اخْتَارَ هُنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُعْتَمَدُ تَقْيِيدُ الْإِمَامِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ وَمَا عُلِمَ وَزْنُهُ بِالِاسْتِفَاضَةِ كَالنَّقْدِ يَكْفِي فِيهِ الْعَدُّ عِنْدَ الْعَقْدِ لَا الِاسْتِيفَاءُ، بَلْ لَا بُدَّ
[حاشية الشبراملسي]
الْجَوَازُ بَعْدَ قَطْعِ وَرَقِهِ أَوْ رُءُوسِهِ لِزَوَالِ الِاخْتِلَافِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُهُ: وَلِقَائِلٍ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّهُ حَمَلَ كَلَامَ الْمَاوَرْدِيِّ عَلَى رُءُوسِ الْخَسِّ وَالْفُجْلِ لَا عَلَى بِزْرِهِمَا، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَسَائِرُ الْحُبُوبِ كَالتَّمْرِ التَّصْرِيحُ بِجَوَازِهِ فِي الْفُجْلِ وَنَحْوِهِ وَزْنًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ بِوَرَقِهِ، وَقِيَاسُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْبُقُولِ صِحَّةُ السَّلَمِ فِي الْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ وَسَائِرِ الْأَزْهَارِ وَزْنًا لِانْضِبَاطِهَا وَمَعْرِفَةِ صِفَاتِهَا عِنْدَ أَهْلِهَا (قَوْلُهُ: كَجَوْزٍ وَمَا جُرْمُهُ إلَخْ) وَفِي الرِّبَا جَعَلُوا مَا يُعَدُّ الْكَيْلُ فِيهِ ضَابِطًا مَا كَانَ قَدْرَ التَّمْرِ فَأَقَلَّ فَانْظُرْ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ يُقَالُ: لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ عَلَى الرِّبَا التَّعَبُّدَ اُحْتِيطَ لَهُ، فَقَدْرُ مَا لَمْ يُعْهَدْ كَيْلُهُ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّمْرِ لِكَوْنِهِ كَانَ مَكِيلًا فِي زَمَنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى مَا مَرَّ بِخِلَافِ السَّلَمِ (قَوْلُهُ: بِنَحْوِ الْمَاءِ) أَيْ حَيْثُ عُلِمَ مِقْدَارُ مَا يُفْرَضُ فِيهِ مِنْ الظُّرُوفِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى قَدْرٍ مَعْلُومٍ مِنْ الْوَزْنِ فَيَجُوزُ الْقَبْضُ بِهِ هُنَا، وَمِنْ نَحْوِ الْمَاءِ الْأَدْهَانُ الْمَائِعَةُ كَالزَّيْتِ (قَوْلُهُ: كَفُتَاتِ) بِضَمِّ الْفَاءِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ ذَكَرَ) أَيْ الرَّافِعِيُّ (قَوْلُهُ: فَالْمُعْتَمَدُ تَقْيِيدُ الْإِمَامِ) أَيْ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ أَنَّ مَحَلَّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَمَّا مَا لَا يُعَدُّ ضَابِطًا فِيهِ لِعِظَمِ خَطَرِهِ كَفُتَاتِ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ إلَخْ) مِنْ هَذَا يُعْلَمُ صِحَّةُ السَّلَمِ فِي النُّورَةِ الْمُتَفَتِّتَةِ كَيْلًا وَوَزْنًا؛ لِأَنَّهَا بِفَرْضِ أَنَّهَا مَوْزُونَةٌ فَالْمَوْزُونُ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ كَيْلًا إذَا عُدَّ الْكَيْلُ ضَابِطًا فِيهِ بِأَنْ لَا يَعْظُمَ خَطَرُهُ؛ إذْ لَمْ يُخْرِجُوا مِنْ هَذَا الضَّابِطِ إلَّا مَا عَظُمَ خَطَرُهُ كَفُتَاتِ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ عَلَى مَا فِيهِ، وَظَاهِرٌ عَدَمِ صِحَّةِ قِيَاسِ النُّورَةِ عَلَى مِثْلِ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ، عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْعُبَابِ صَرَّحَ بِصِحَّةِ السَّلَمِ فِيهَا كَيْلًا وَوَزْنًا فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ قَدْ اشْتَهَرَ فِي نَوَاحِينَا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ عَدَمُ صِحَّةِ السَّلَمِ فِيهَا كَيْلًا تَمَسُّكًا بِمَا فِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْوَزْنِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَنْفِي الصِّحَّةَ بِالْكَيْلِ بِالْقَيْدِ الْمَارِّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْعِبَارَاتِ مَفْرُوضَةٌ فِي النُّورَةِ الْمَجْلُوبَةِ أَحْجَارًا قَبْلَ طَبْخِهَا وَتَفَتُّتِهَا كَمَا أَوْضَحْتُ ذَلِكَ أَتَمَّ إيضَاحٍ فِي مُؤَلَّفٍ وَضَعْتُهُ فِي ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: إطْلَاقَ الْأَصْحَابِ) أَيْ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمَكِيلِ وَزْنًا وَعَكْسُهُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَتْنِ، وَقَوْلُهُ: أَنَّ مَحَلَّ مَا مَرَّ هَذَا هُوَ كَلَامُ الْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ.
(قَوْلُهُ: وَسُكُوتِهِ) أَيْ الرَّافِعِيِّ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى نَقْلِهِ وَقَوْلُهُ: فَكَأَنَّهُ أَيْ الرَّافِعِيَّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِمَامَ حَمَلَ إطْلَاقَ الْأَصْحَابِ جَوَازَ كَيْلِ الْمَوْزُونِ عَلَى مَا يُعَدُّ الْكَيْلُ فِي مِثْلِهِ ضَابِطًا، بِخِلَافِ فُتَاتِ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الْيَسِيرَ فِيهِ مَالِيَّةٌ كَثِيرَةٌ وَالْكَيْلُ لَا يُعَدُّ ضَابِطًا فِيهِ، فَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْهُ سَاكِتًا عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ: أَعْنِي الرَّافِعِيَّ أَنَّهُ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي اللَّآلِئِ الصِّغَارِ إذَا عَمَّ وُجُودُهَا كَيْلًا وَوَزْنًا، فَتَعَقَّبَهُ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ عَنْ الْإِمَامِ قَالَ: فَكَأَنَّهُ اخْتَارَ هَهُنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ، وَأَجَابَ عَنْهُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَالِفًا لَهُ؛ لِأَنَّ فُتَاتَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَنَحْوِهِمَا إنَّمَا لَمْ يُعَدَّ فِيهِمَا ضَابِطًا؛ لِكَثْرَةِ التَّفَاوُتِ بِالثِّقَلِ عَلَى الْمَحَلِّ وَتَرْكِهِ وَفِي اللُّؤْلُؤِ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ تَفَاوُتٌ كَالْقَمْحِ وَالْفُولِ.
مِنْ وَزْنِهِ حِينَئِذٍ لِتَحَقُّقِ الْإِيفَاءِ، وَقَوْلُ الْجُرْجَانِيِّ: لَا يُسْلِمُ فِي النَّقْدَيْنِ إلَّا وَزْنًا مَحْمُولٌ عَلَى مَا جُهِلَ وَزْنُهُ، بَلْ لَعَلَّ كَلَامَهُ مَفْرُوضٌ فِي إرَادَةِ مَنْعِ السَّلَمِ فِيهِ كَيْلًا (وَلَوْ) (أَسْلَمَ فِي مِائَةِ) ثَوْبٍ أَوْ (صَاعِ حِنْطَةٍ) مَثَلًا (عَلَى أَنَّ وَزْنَهَا كَذَا) (لَمْ يَصِحَّ) لِعِزَّةِ الْوُجُودِ، بِخِلَافِ الْخَشَبِ فَإِنَّ زَائِدَهُ يُنْحَتُ كَمَا نَقَلَاهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَقَرَّاهُ لَا يُقَالُ: الصَّاعُ اسْمٌ لِلْوَزْنِ فَلَوْ قَالَ مِائَةُ صَاعٍ كَيْلًا لَاسْتَقَامَ الْكَلَامُ: لِأَنَّا نَقُولُ: الْأَصْلُ فِي الصَّاعِ الْكَيْلُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَإِنَّمَا قَدَّرُوهُ بِالْوَزْنِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَضْبِطُهُ ضَبْطًا عَامًّا (وَيُشْتَرَطُ الْوَزْنُ فِي الْبِطِّيخِ) بِكَسْرِ الْبَاءِ (وَالْبَاذِنْجَانِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا (وَالْقِثَّاءِ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْمَدِّ (وَالسَّفَرْجَلِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ (وَالرُّمَّانِ) (وَنَحْوِهَا) مِنْ كُلِّ مَا لَا يَضْبِطُهُ الْكَيْلُ لِتَجَافِيهِ فِي الْمِكْيَالِ كَالرَّانِجِ وَقَصَبِ السُّكَّرِ وَالْبُقُولِ، وَلَا يَكْفِي فِيهَا عَدٌّ لِكَثْرَةِ تَفَاوُتِهَا وَلَا عَدَّ مَعَ وَزْنٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ لِعِزَّةِ وُجُودِهِ وَمِنْ ثَمَّ امْتَنَعَ فِي نَحْوِ بِطِّيخَةٍ أَوْ سَفَرْجَلَةٍ أَوْ بَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى ذِكْرِ حَجْمِهَا مَعَ وَزْنِهَا وَذَلِكَ يَعِزُّ وُجُودُهُ.
نَعَمْ لَوْ أَرَادَ الْوَزْنَ التَّقْرِيبِيَّ فَالْأَوْجَهُ الصِّحَّةُ حِينَئِذٍ فِي الصُّورَتَيْنِ
[حاشية الشبراملسي]
مَا مَرَّ فِيمَا يُعَدُّ الْكَيْلُ ضَابِطًا فِي مِثْلِهِ (قَوْلُهُ: مِنْ وَزْنِهِ حِينَئِذٍ) أَيْ وَقْتَ الِاسْتِيفَاءِ (قَوْلُهُ: مَنْعِ السَّلَمِ فِيهِ) أَيْ فِيمَا ذَكَرَ وَهُوَ النَّقْدَانِ فَهُوَ حَصْرٌ إضَافِيٌّ قُصِدَ بِهِ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْكَيْلِ لَا تَعَيُّنُ الْوَزْنِ (قَوْلُهُ: أَوْ صَاعِ حِنْطَةٍ) أَيْ مَثَلًا (قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْبَاءِ) أَيْ وَبِفَتْحِهَا أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَالْبَاذِنْجَانِ) .
[تَنْبِيهٌ] فِي اشْتِرَاطِ قَطْعِ أَقْمَاعِ الْبَاذِنْجَانِ احْتِمَالَانِ لِلْمَاوَرْدِيِّ، رَجَّحَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْهُمَا الْمَنْعَ قَالَ: لِأَنَّهُ الْعُرْفُ فِي بَيْعِهِ، لَكِنْ يَشْهَدُ لِلِاشْتِرَاطِ قَوْلُ الْإِمَامِ: إذَا أَسْلَمَ فِي قَصَبِ السُّكَّرِ لَا يَقْبَلُ أَعْلَاهُ الَّذِي لَا حَلَاوَةَ فِيهِ وَيَقْطَعُ مَجَامِعَ عُرُوقِهِ مِنْ أَسْفَلِهِ وَيَطْرَحُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْقُشُورِ: أَيْ الْوَرَقِ اهـ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ يُفَرَّقُ بِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيمَا ذَكَرَ فِي الْقَصَبِ أَعْلَى مِنْهُ فِي الْأَقْمَاعِ فَسُومِحَ هُنَا لَا ثَمَّ اهـ حَجّ: وَقَالَ سم: لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحُ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ اهـ أَقُولُ: بَلْ قَدْ يَقْتَضِي عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ فَإِنَّ قَوْلَهُ لَا يُقْبَلُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْعَقْدَ صَحَّ بِدُونِ اشْتِرَاطٍ، وَلَكِنْ إذَا أَحْضَرَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِالْوَرَقِ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْقَبُولُ (قَوْلُهُ: بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْمَدِّ) أَيْ وَبِكَسْرِ الْقَافِ وَضَمِّهَا، قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْقِثَّاءُ فُعَالٌ وَكَسْرُ الْقَافِ أَكْثَرُ مِنْ ضَمِّهَا، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ لِمَا يَقُولُ لَهُ النَّاسُ الْخِيَارُ وَالْعَجُوزُ وَالْفَقُّوسُ، الْوَاحِدَةُ قِثَّاءَةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَبَعْضُ النَّاسِ يُطْلِقُ الْقِثَّاءَ عَلَى نَوْعٍ يُشْبِهُ الْخِيَارَ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْفَاكِهَةَ حَنِثَ بِالْقِثَّاءَةِ وَالْخِيَارِ، وَيُقَالُ هُوَ الْخِيَارُ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَوْعًا غَيْرَهُ فَإِنْ صَحَّ فَتَفْسِيرُ الْقِثَّاءِ بِالْخِيَارِ تَسَامُحٌ اهـ (قَوْلُهُ: وَالرُّمَّانِ) وَاللَّيْمُونِ وَالنَّارِنْجِ وَنَحْوِهَا مِنْ سَائِرِ الْفَوَاكِهِ وَزْنًا فَمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْجَوْزِ وَكِيلًا أَوْ وَزْنًا فِي غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: كَالرَّانِجِ) اسْمٌ لِجَوْزَةِ الْهِنْدِ (قَوْلُهُ: لِكُلِّ وَاحِدَةٍ) أَيْ وَلَا لِلْجُمْلَةِ كَمَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ، وَحِينَئِذٍ فَالْبِطِّيخَةُ الْوَاحِدَةُ وَالْعَدَدُ مِنْ الْبِطِّيخِ كُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ، فَلَوْ أَتْلَفَ إنْسَانٌ عَدَدًا مِنْ الْبِطِّيخِ فَهَلْ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مِثْلِيٍّ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ أَوْ يَضْمَنُ وَزْنَهُ بِطِّيخًا لِأَنَّهُ مَعَ النَّظَرِ لِمُجَرَّدِ الْوَزْنِ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ وَامْتِنَاعُهُ فِيهِ إنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ ذِكْرِ عَدَدٍ مِنْ وَزْنِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُتَّجَهُ مَا تَحَرَّرَ مِنْ الْمُبَاحَثَةِ مَعَ مَرَّ أَنَّ الْعَدَدَ مِنْ الْبِطِّيخِ مِثْلِيٌّ لِأَنَّهُ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ فَيَضْمَنُ بِمِثْلِهِ إذَا تَلِفَ، وَإِنَّمَا يَعْرِضُ لَهُ امْتِنَاعُ السَّلَمِ فِيهِ إذَا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ الْغَيْرِ التَّقْرِيبِيِّ وَأَنَّ الْبِطِّيخَةَ الْوَاحِدَةَ مُتَقَوِّمَةٌ فَتُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُ السَّلَمِ فِيهَا وَإِنْ عَرَضَ جَوَازُهُ فِيهَا إذَا أُرِيدَ الْوَزْنُ التَّقْرِيبِيُّ اهـ سم.
أَقُولُ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ تَقَدَّرَ بِالْوَزْنِ وَقَدْ أَسْلَمَ فِي جُمْلَةٍ مِنْ الْبِطِّيخِ صَحَّ وَيُحْمَلُ عَلَى الْوَزْنِ التَّحْدِيدِيِّ، لَكِنَّ قَوْلَهُ إذَا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ الْعَدَدِ يُخَالِفُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ فَالْأَوْجَهُ الصِّحَّةُ حِينَئِذٍ فِي إلَخْ، وَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْبِطِّيخَةِ الْوَاحِدَةِ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَذْكُرْ الْوَزْنَ وَيُرِيدُ التَّقْرِيبِيَّ، فَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ عِبَارَةِ سم لَفْظُ " الْغَيْرِ " بَعْدَ قَوْلِهِ بَيْنَ الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ وَإِنْ عَرَضَ جَوَازُهُ فِيهَا إذَا أُرِيدَ الْوَزْنُ التَّقْرِيبِيُّ وَعَلَى ثُبُوتِهَا فَيَكُونُ الْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا قَيَّدَ الْوَزْنَ بِالتَّقْرِيبِيِّ أَوْ أَطْلَقَهُ وَقُلْنَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: فِي الصُّورَتَيْنِ) هُمَا
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِانْتِفَاءِ عِزَّةِ الْوُجُودِ إذْ ذَاكَ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا لَوْ جَمَعَ فِي ثَوْبٍ بَيْنَ ذَرْعِهِ وَوَزْنِهِ، وَقَوْلُ السُّبْكِيّ لَوْ أَسْلَمَ فِي عَدَدٍ مِنْ الْبِطِّيخِ مَثَلًا كَمِائَةٍ بِالْوَزْنِ فِي الْجَمِيعِ دُونَ كُلِّ وَاحِدَةٍ جَازَ اتِّفَاقًا مَمْنُوعٌ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهُ يَشْتَرِطُ ذِكْرَ حَجْمِ كُلِّ وَاحِدَةٍ فَيُؤَدِّي إلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ.
(وَيَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي الْجَوْزِ) وَأَلْحَقَ بِهِ بَعْضُهُمْ الْبُنَّ الْمَعْرُوفَ الْآنَ (وَاللَّوْزِ) وَالْبُنْدُقِ وَالْفُسْتُقِ فِي قِشْرِهَا الْأَسْفَلِ لَا الْأَعْلَى إلَّا قَبْلَ انْعِقَادِهِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ (بِالْوَزْنِ فِي نَوْعٍ يَقِلُّ) أَوْ يَكْثُرُ خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ كَالْإِمَامِ وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ فِي غَيْرِ شَرْحِ الْوَسِيطِ (اخْتِلَافُهُ) بِغِلَظِ الْقُشُورِ وَرِقَّتِهَا لِسُهُولَةِ الْأَمْرِ فِيهِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ فِي الرِّبَا فَهَذَا أَوْلَى إذْ الرِّبَا أَضْيَقُ مِمَّا هُنَا وَقَدَّمُوا مَا فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ لِأَنَّهُ تَبِعَ فِيهِ كَلَامَ الْأَصْحَابِ لَا مُخْتَصَرِهِ بَلْ قِيلَ إنَّهُ آخِرُ مُؤَلَّفَاتِهِ (وَكَذَا) يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ (كَيْلًا) (فِي الْأَصَحِّ) قِيَاسًا عَلَى الْحُبُوبِ وَالثَّمَرِ.
وَالثَّانِي لَا لِتَجَافِيهِمَا فِي الْمِكْيَالِ وَيَجُوزُ فِي نَحْوِ الْمِشْمِشِ كَيْلًا وَوَزْنًا وَإِنْ اخْتَلَفَ نَوَاهُ كِبَرًا وَصِغَرًا (وَيُجْمَعُ فِي اللَّبِنِ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ الطُّوبُ الَّذِي يُحَرَّقُ (بَيْنَ الْعَدِّ وَالْوَزْنِ) اسْتِحْبَابًا فَيَقُولُ مَثَلًا عَشْرُ لَبِنَاتٍ زِنَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ كَذَا لِأَنَّهَا تُضْرَبُ بِالِاخْتِيَارِ فَلَا تُفْضِي إلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ وَوَزْنُهُ تَقْرِيبٌ وَالْوَاجِبُ فِيهِ الْعَدُّ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَذْكُرَ طُولَ كُلٍّ وَعَرْضَهُ وَثَخَانَتَهُ وَأَنَّهُ مِنْ طِينِ كَذَا.
وَلَا بُدَّ أَيْضًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي الْبَيْعِ أَنْ لَا يُعْجَنَ بِنَجِسٍ، وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي آجُرَّ كَمُلَ نُضْجُهُ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِيهِ مَا شَرَطَ فِي اللَّبِنِ وَفِي خَزَفٍ إنْ انْضَبَطَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي الْمُنَاوَرَةِ وَالْكَوْزِ (وَلَوْ عَيَّنَ مِكْيَالًا) أَوْ مِيزَانًا أَوْ ذِرَاعًا أَوْ صَنْجَةً: أَيْ فَرْدًا مِنْ ذَلِكَ (فَسَدَ) السَّلَمُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا (إنْ لَمْ يَكُنْ) مَا عَيَّنَ (مُعْتَادًا) كَكُوزٍ لَا يُعْرَفُ قَدْرُ مَا يَسَعُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ قَبْلَ قَبْضِ مَا فِي الذِّمَّةِ فَيُؤَدِّي إلَى التَّنَازُعِ، بِخِلَافِ بِعْتُك مِلْءَ ذَا الْكُوزِ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِعَدَمِ الْغَرَرِ كَمَا مَرَّ، وَفِي مَعْنَى تَعْيِينِ الْمِكْيَالِ
[حاشية الشبراملسي]
ذِكْرُ الْوَزْنِ وَالْعَدِّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ أَوْ السَّلَمُ فِي الْوَاحِدَةِ مَعَ ذِكْرِ وَزْنِهَا فَالطَّرِيقُ لِصِحَّتِهِ أَنْ يَقُولَ فِي قِنْطَارٍ مَثَلًا مِنْ الْبِطِّيخِ تَقْرِيبًا حَجْمُ كُلِّ وَاحِدَةٍ كَذَا (قَوْلُهُ: فَيُؤَدِّي إلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ مَا لَمْ يُرِدْ الْوَزْنَ التَّقْرِيبِيَّ عَلَى مَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: وَأَلْحَقَ بِهِ بَعْضُهُمْ الْبُنَّ) مُعْتَمَدٌ زَادَ حَجّ: وَهُوَ وَاضِحٌ بَلْ الْوَجْهُ صِحَّتُهُ فِي لُبِّهِ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ لَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ بِنَزْعِ قِشْرِهِ عَنْهُ كَمَا قَالَهُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، بِخِلَافِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي لُبِّهِمَا وَحْدَهُ لِأَنَّهُ إذَا نُزِعَتْ قِشْرَتُهُ السُّفْلَى أَسْرَعَ إلَيْهِ الْفَسَادُ، وَالْمُرَادُ بِلُبِّ الْبُنِّ مَا هُوَ الْمَوْجُودُ غَالِبًا مِنْ الْقَلْبِ الَّذِي نُزِعَ قِشْرُهُ (قَوْلُهُ: إلَّا قَبْلَ انْعِقَادِهِ) أَيْ فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ،
وَظَاهِرُهُ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ لِلْجَوْزِ وَمَا مَعَهُ، وَيُتَأَمَّلُ ذَلِكَ فِيمَا عَدَا اللَّوْزَ فَإِنَّهُ قَبْلَ انْعِقَادِ قِشْرِ الْأَعْلَى لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَمِنْ ثَمَّ اقْتَصَرُوا فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِمَّا لَهُ كُمَّانِ وَيُبَاعُ فِي قِشْرِهِ الْأَعْلَى قَبْلَ انْعِقَادِهِ عَلَى اللَّوْزِ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ) أَيْ حَيْثُ قَيَّدَ صِحَّةَ السَّلَمِ فِيهِ بِنَوْعٍ يَقِلُّ اخْتِلَافُ قُشُورِهِ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ فِي نَحْوِ الْمِشْمِشِ) كَالْخَوْخِ وَالتِّينِ وَمَحَلُّ جَوَازِهِ بِالْكَيْلِ فِيهِمَا إذَا لَمْ يَزِدْ جُرْمُهُمَا عَلَى الْجَوْزِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ تَعَيَّنَ الْوَزْنُ (قَوْلُهُ: بَيْنَ الْعَدِّ وَالْوَزْنِ) وَمِثْلُ ذَلِكَ الصَّابُونُ لِتَأَتِّي الْعِلَّةِ فِيهِ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فِي الْفَرْعِ الْآتِي (قَوْلُهُ: وَوَزْنُهُ تَقْرِيبٌ) بِهَذَا يَنْدَفِعُ اسْتِشْكَالُ الْجَمْعِ فِي كُلِّ لَبِنَةٍ بَيْنَ الْوَزْنِ وَبَيَانِ طُولِهَا وَعَرْضِهَا وَثِخَنِهَا بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ سم عَنْ حَجّ (قَوْلُهُ: وَفِي خَزَفٍ) أَيْ وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي إلَخْ، وَالْمُرَادُ أَوَانِي الْخَزَفِ، وَسَيَأْتِي لَهُ، نَقَلَهُ عَنْ الْأُشْمُونِيِّ وَعِبَارَتُهُ: قَالَ الْأُشْمُونِيُّ: وَالْمَذْهَبُ جَوَازُ السَّلَمِ فِي الْأَوَانِي الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الْفَخَّارِ وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ مَا مَرَّ: أَيْ مِنْ الْعُمُومِ لَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ صَنْجَةً) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: قَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ بِالسِّينِ وَلَا يُقَالُ بِالصَّادِ، وَعَكَسَ ابْنُ السِّكِّيتِ وَتَبِعَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَقَالَ: صَنْجَةُ الْمِيزَانِ بِالصَّادِ وَلَا يُقَالُ بِالسِّينِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ التَّهْذِيبِ سَنْجَةٌ وَصَنْجَةٌ وَالسِّينُ أَعْرَبُ وَأَفْصَحُ فَهُمَا لُغَتَانِ، وَأَمَّا كَوْنُ السِّينِ أَفْصَحَ فَلِأَنَّ الصَّادَ وَالْجِيمَ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي كَلِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَصِحُّ) أَيْ فَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ الْقَبْضِ تَخَيَّرَ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ أَجَازَ صَدَقَ الْبَائِعُ فِي قَدْرِ مَا يَحْوِيهِ الْكُوزُ لِأَنَّهُ الْغَارِمُ،
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَا لَوْ شَرَطَ الذَّرْعَ بِذِرَاعِ يَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ مَعْلُومَ الْقَدْرِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ قَبْلَ الْقَبْضِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ الْكَيْلُ مُعْتَادًا بِأَنْ عَرَفَ قَدْرَ مَا يَسَعُ (فَلَا) يَفْسُدُ السَّلَمُ (فِي الْأَصَحِّ) وَيَلْغُو تَعْيِينُهُ لِعَدَمِ الْغَرَضِ فِيهِ فَيَقُومُ غَيْرَ مَقَامِهِ، وَلَوْ شَرَطَ عَدَمَ إبْدَالِهِ بَطَلَ الْعَقْدُ، وَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الْعَاقِدَيْنِ وَعَدْلَيْنِ مَعَهُمَا بِذَلِكَ كَمَا يَأْتِي فِي أَوْصَافِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَلَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي ثَوْبٍ كَهَذَا أَوْ صَاعِ بُرٍّ كَهَذَا لَمْ يَصِحَّ، أَوْ فِي ثَوْبٍ وَوَصَفَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي ثَوْبٍ آخَرَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ جَازَ إنْ كَانَا ذَاكِرَيْنِ لِتِلْكَ الصِّفَاتِ، وَفَارَقَ مَا قَبْلَهُ بِأَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى الْعَيْنِ لَمْ تَعْتَمِدْ الْوَصْفَ.
وَالثَّانِي يَفْسُدُ لِتَعَرُّضِ الْكَيْلِ وَنَحْوِهِ لِلتَّلَفِ، وَلَوْ اخْتَلَفَتْ الْمَكَايِيلُ وَالْمَوَازِينُ وَالذُّرْعَانُ اُشْتُرِطَ بَيَانُ نَوْعٍ مِنْهَا مَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَالِبٌ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ الْإِطْلَاقُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ اُعْتِيدَ كَيْلٌ مَخْصُوصٌ فِي حَبٍّ مَخْصُوصٍ بِبَلَدِ السَّلَمِ فَيُحْمَلُ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ فِيمَا يَظْهَرُ.
(وَلَوْ) (أَسْلَمَ فِي) قَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ (ثَمَرِ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ) (لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّهُ قَدْ يَنْقَطِعُ بِجَائِحَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ وَذَلِكَ غَرَرٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ وَالْحَالِّ وَهُوَ كَذَلِكَ (أَوْ عَظِيمَةٍ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ) إذْ لَا يَنْقَطِعُ ثَمَرُهَا غَالِبًا فَالْمَدَارُ عَلَى كَثْرَةِ ثَمَرِهَا بِحَيْثُ يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ عَادَةً وَقِلَّتُهُ بِحَيْثُ لَا يُؤْمَنُ كَذَلِكَ لَا عَلَى كِبَرِهَا وَصِغَرِهَا فَالتَّعْبِيرُ بِهِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، أَمَّا السَّلَمُ فِي كُلِّهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لَا يُقَالُ: إنَّ هَذِهِ إنَّمَا تُنَاسِبُ شَرْطَ الْقُدْرَةِ لَا شَرْطَ مَعْرِفَةِ الْقَدْرِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا لِكَوْنِهِ كَالتَّتِمَّةِ وَالرَّدِيفِ لِمَا بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ مِنْ التَّنَاسُبِ، وَهَلْ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الثَّمَرُ أَوْ يَكْفِي الْإِتْيَانُ بِمِثْلِهِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمْ الْأَوَّلُ وَعَلَيْهِ لَوْ أَتَى بِالْأَجْوَدِ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّهُ كَتَعْيِينِ الْمِكْيَالِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ.
(وَ) الشَّرْطُ السَّابِعُ (مَعْرِفَةُ الْأَوْصَافِ الَّتِي) تَتَعَلَّقُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ مَعَ عَدْلَيْنِ كَمَا يَأْتِي الَّتِي يَنْضَبِطُ الْمُسْلَمُ فِيهِ بِهَا وَ (يَخْتَلِفُ بِهَا الْغَرَضُ
[حاشية الشبراملسي]
وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ مِنْ هَذِهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ مِنْ الْبُرِّ الْفُلَانِيِّ الْمَعْلُومِ لَهُمَا لَمْ يَصِحَّ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَأَنَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى كَوْنِ الْبُرِّ مُعَيَّنًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ قَبْلَ قَبْضِ مَا فِي الذِّمَّةِ (قَوْلُهُ: مَعَهُمَا بِذَلِكَ) أَيْ بِقَدْرِ مَا يَسَعُهُ الْمِكْيَالُ (قَوْلُهُ: كَهَذَا لَمْ يَصِحَّ) أَيْ لِجَوَازِ تَلَفِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فَلَا تُعْلَمُ صِفَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ حَتَّى يَرْجِعَ فِيهَا لِلْعَدْلَيْنِ (قَوْلُهُ: وَفَارَقَ مَا قَبْلَهُ) هُوَ قَوْلُهُ: وَلَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي ثَوْبٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ اخْتَلَفَتْ الْمَكَايِيلُ) مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ بِمِصْرِنَا مِنْ تَفَاوُتِ كَيْلِ الرُّمَيْلَةِ وَكِيلِ غَيْرِهَا مِنْ بَقِيَّةِ مَكَايِيلِ مِصْرَ، وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنَّ الْعَاقِدَيْنِ إنْ كَانَا مِنْ الرُّمَيْلَةِ حُمِلَ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا حُمِلَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُعَيِّنَا غَيْرَهُ (قَوْلُهُ: اُشْتُرِطَ بَيَانُ نَوْعٍ مِنْهَا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي إرَادَتُهُمَا لِوَاحِدٍ مِنْهَا وَهُوَ قِيَاسُ مَا لَوْ نَوَيَا نَقْدًا مِنْ نُقُودٍ لَا غَالِبَ فِيهَا اهـ حَجّ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي التَّحَالُفِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ قَدْرَهُ أَوْ قَدْرَ الْمَبِيعِ تَحَالُفًا.
(قَوْلُهُ: أَمَّا السَّلَمُ فِي كُلِّهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ كَأَنْ يَقُولُ: أَسْلَمْت إلَيْك فِي جَمِيعِ ثَمَرِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ سَلَمًا فِي مُعَيَّنٍ (قَوْلُهُ: لَا يُقَالُ إنَّ هَذِهِ) أَيْ مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ الْمَذْكُورَةُ بِقَوْلِهِ لَوْ أَسْلَمَ فِي ثَمَرِ قَرْيَةٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِمَا بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ) هُمَا الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ وَمَعْرِفَةِ الْقَدْرِ (قَوْلُهُ: وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمْ الْأَوَّلُ) أَيْ قَوْلُهُ: وَهَلْ يَتَعَيَّنُ إلَخْ (قَوْلُهُ: أُجْبِرَ) أَيْ الْمُسْلِمُ.
(قَوْلُهُ: فِيمَا يَظْهَرُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ الْمِثْلِ وَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِثَمَرِ الْقَرْيَةِ الْمُعَيَّنَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: مَحَلُّ عَدَمِ إجْبَارِهِ عَلَى قَبُولِ الْمِثْلِ إنْ تَعَلَّقَ بِخُصُوصِ ثَمَرِ الْقَرْيَةِ غَرَضٌ لِلْمُسْلِمِ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا ذُكِرَ هَذَا لِكَوْنِهِ كَالتَّتِمَّةِ وَالرَّدِيفِ إلَخْ) قَالَ الشِّهَابُ سم: يُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا لِمُنَاسَبَةِ مَسْأَلَةِ تَعْيِينِ الْمِكْيَالِ لِمَذْكُورٍ بِجَامِعِ أَنَّ عِلَّةَ الْبُطْلَانِ فِيهِمَا احْتِمَالُ التَّلَفِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَعِلَّةُ الصِّحَّةِ فِيهِمَا الْأَمْنُ مِنْ التَّلَفِ الْمَذْكُورِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ
. (قَوْلُهُ: لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ مَعَ عَدْلَيْنِ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فَهِمَهُ فِيمَا يَأْتِي آخِرَ الْفَرْعِ الْآتِي، أَمَّا عَلَى مَا فَهِمَهُ الشَّارِحُ الْجَلَالُ مِنْ أَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ مِمَّا ذَكَرَهُ هُنَا كَوْنُ الْأَوْصَافِ مَعْرُوفَةً فِي نَفْسِهَا فَلَا حَاجَةَ
اخْتِلَافًا ظَاهِرًا) وَلَيْسَ الْأَصْلُ عَدَمَهَا لِتَقْرِيبِهِ مِنْ الْمُعَايَنَةِ، وَلِأَنَّ الْقِيمَةَ تَخْتَلِفُ بِسَبَبِهَا، إذْ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْجَهْلِ بِهِ إلَّا بِذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا يُتَسَامَحُ عَادَةً بِإِهْمَالِهِ كَالْكُحْلِ وَالسَّمْنِ، وَمَا الْأَصْلُ عَدَمُهُ كَكِتَابَةِ الْقِنِّ وَزِيَادَةِ قُوَّتِهِ عَلَى الْعَمَلِ، وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِاشْتِرَاطِ ذِكْرِ الْبَكَارَةِ أَوْ الثُّيُوبَةِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الثُّيُوبَةِ رُدَّ بِأَنَّهُ لَمَّا غَلَبَ وُجُودُهَا صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ مَا الْأَصْلُ وُجُودُهُ، وَلَوْ شَرَطَ كَوْنَهُ سَارِقًا أَوْ زَانِيًا مَثَلًا صَحَّ بِخِلَافِ كَوْنِهِ مُغَنِّيًا أَوْ عَوَّادًا مَثَلًا: وَالْفَرْقُ أَنَّ هَذِهِ مَعَ خَطَرِهَا تَسْتَدْعِي طَبْعًا قَابِلًا وَصِنَاعَةً دَقِيقَةً فَيَعِزُّ وُجُودُهُمَا مَعَ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ (وَ) يُشْتَرَطُ (ذِكْرُهَا فِي الْعَقْدِ) مُقْتَرِنَةً بِهِ لِيَتَمَيَّزَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فَلَا يَكْفِي ذِكْرُهَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَلَوْ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ نَعَمْ لَوْ تَوَافَقَا قَبْلَ الْعَقْدِ وَقَالَا أَرَدْنَا فِي حَالَةِ الْعَقْدِ مَا كُنَّا اتَّفَقْنَا عَلَيْهِ صَحَّ مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَهُوَ نَظِيرُ مَنْ لَهُ بَنَاتٌ، وَقَالَ لِآخَرَ زَوَّجْتُك بِنْتِي وَنَوَيَا مُعَيَّنَةً لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ يُخَالِفُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ (عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ)
[حاشية الشبراملسي]
كَنُضْجِهِ أَوْ نَحْوِهِ، وَإِلَّا أُجْبِرَ عَلَى الْقَبُولِ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ مِنْهُ مَحْضُ تَعَنُّتٍ اهـ. وَعَلَيْهِ فَقَدْ قَالَ: لَمْ يَظْهَرْ حِينَئِذٍ فَرْقٌ بَيْنَ الْمِثْلِ وَالْأَجْوَدِ، وَلَا مَعْنَى مَا أَفَادَهُ كَلَامُهُ مِنْ تَعَيُّنِ ثَمَرِ الْقَرْيَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِتَعَيُّنِهِ اسْتِحْقَاقُ الطَّلَبِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْإِخْبَارَ عَلَى قَبُولِ غَيْرِهِ حَيْثُ لَا غَرَضَ يَتَعَلَّقُ بِثَمَرِ الْقَرْيَةِ.
(قَوْلُهُ: إذْ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْجَهْلِ بِهِ) أَيْ الْمُسْلَمُ فِيهِ (قَوْلُهُ: إلَّا بِذَلِكَ) أَيْ ذِكْرِ الْأَوْصَافِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الْغَرَضُ (قَوْلُهُ: كَالْكَحَلِ وَالسِّمَنِ) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ شَرَطَهُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ (قَوْلُهُ: صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ مَا الْأَصْلُ وُجُودُهُ) أَيْ وَمَا الْأَصْلُ وُجُودُهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ فِي الْعَقْدِ إذَا اخْتَلَفَ بِهِ الْغَرَضُ، وَكُلٌّ مِنْ الثُّيُوبَةِ وَالْبَكَارَةِ يَخْتَلِفُ بِهِ الْغَرَضُ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ، فَإِذَا شَرَطَ الْبَكَارَةَ لَا يَجِبُ قَبُولُ الثَّيِّبِ، وَإِنْ شَرَطَ الثُّيُوبَةَ وَجَبَ قَبُولُ الثَّيِّبِ إذَا أَحْضَرَهَا.
وَقِيَاسُ مَا مَرَّ مِنْ وُجُوبِ قَبُولِ الْأَجْوَدِ أَنَّهُ لَوْ أَحْضَرَ لَهُ الْبِكْرَ وَجَبَ قَبُولُهَا وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ قَدْ يَتَعَلَّقُ غَرَضُهُ بِالثَّيِّبِ لِضَعْفِ آلَتِهِ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى مَا هُوَ أَجْوَدُ عُرْفًا (قَوْلُهُ: وَلَوْ شَرَطَ كَوْنَهُ سَارِقًا أَوْ زَانِيًا إلَخْ) أَيْ فَلَوْ أَتَى لَهُ بِغَيْرِ سَارِقٍ وَلَا زَانٍ وَجَبَ قَبُولُهُ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِمَّا شَرَطَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ عَوَّادًا) أَيْ أَوْ قَوَّادًا (قَوْلُهُ: صَحَّ عَلَى مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ عَمِيرَةُ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ سم (قَوْلُهُ: لَا يُؤَدِّي إلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ) أَفْهَمَ ذِكْرُ هَذَا فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ مَعَ سُكُوتِهِمْ عَنْهُ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ،
[حاشية الرشيدي]
إلَى قَوْلِهِ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ مَعَ عَدْلَيْنِ (قَوْلُهُ: إذْ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْجَهْلِ بِهِ إلَّا بِذَلِكَ) هَذِهِ عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِلْمَتْنِ، بَلْ هِيَ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا فِي التُّحْفَةِ، فَكَانَ يَنْبَغِي عَطْفُهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا.
(قَوْلُهُ: وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ) أَيْ عَلَى قَوْلِهِ وَمَا الْأَصْلُ عَدَمِهِ.
(قَوْلُهُ: بِاشْتِرَاطِ إلَخْ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ أَنَّ هَذِهِ مَعَ خَطَرِهَا إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ هَذَا الْفَرْقِ لَفَّقَهُ مِنْ فَرْقَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ قَضِيَّةَ أَحَدِهِمَا تُخَالِفُ قَضِيَّةَ الْآخَرِ وَعِبَارَتَهُ، وَفَرَّقَ بِأَنَّهَا صِنَاعَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَتِلْكَ أُمُورٌ تَحْدُثُ كَالْعَمَى وَالْعَوَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا فَرْقٌ لَا يَقْبَلُهُ ذِهْنُكَ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: بَلْ الْفَرْقُ صَحِيحٌ إذْ حَاصِلُهُ أَنَّ الْغِنَاءَ وَالضَّرْبَ بِالْعُودِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالتَّعَلُّمِ وَهُوَ مَحْظُورٌ وَمَا أَدَّى إلَى الْمَحْظُورِ مَحْظُورٌ، بِخِلَافِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّهَا عُيُوبٌ تَحْدُثُ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ فَهُوَ كَالسَّلَمِ فِي الْعَبْدِ الْمَعِيبِ؛ لِأَنَّهَا أَوْصَافُ نَقْصٍ تَرْجِعُ إلَى الذَّاتِ فَالْعَيْبُ مَضْبُوطٌ فَصَحَّ، قَالَ: لَكِنْ يُفَرَّقُ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْغِنَاءَ وَنَحْوَهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّعَلُّمِ مِنْ الطَّبْعِ الْقَابِلِ لِذَلِكَ وَهُوَ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي عَبْدٍ شَاعِرٍ بِخِلَافِ الزِّنَا وَنَحْوِهِ اهـ.
وَعَلَى الْفَرْقِ الثَّانِي لَا يُعْتَبَرُ كَوْنُ الْغِنَاءِ مَحْظُورًا: أَيْ بِآلَةِ الْمَلَاهِي الْمُحَرَّمَةِ بِخِلَافِهِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَصَرَّحَ
أَيْ قِلَّتِهِ لِأَنَّ السَّلَمَ غَرَرٌ كَمَا مَرَّ فَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يُوثَقُ بِتَسْلِيمِهِ.
(فَلَا يَصِحُّ) السَّلَمُ (فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ مَقْصُودُهُ كَالْمُخْتَلَطِ الْمَقْصُودِ الْأَرْكَانِ) الَّتِي لَا تَنْضَبِطُ (كَهَرِيسَةٍ) وَكَشَكٍّ وَمَخِيضٍ فِيهِ مَاءٌ عَلَى مَا مَثَّلَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَهُوَ سَبْقُ قَلَمٍ إذْ الْمَاءُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا سَبَبُ عَدَمِ الصِّحَّةِ فِيهِ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ عَدَمِ انْضِبَاطِ حُمُوضَتِهِ فَإِنَّهُ عَيْبٌ فِيهِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلٍّ نَحْوِ التَّمْرِ بِأَنَّ ذَاكَ لَا غِنَى لَهُ عَنْهُ فَإِنَّ قَوَامَهُ بِهِ، بِخِلَافِ هَذَا إذْ لَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِيهِ وَمِثْلُهُ الْمَصْلُ، وَلَا يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ اللَّبَنُ الْمَشُوبُ بِالْمَاءِ حَيْثُ لَا يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ مَعَ قَصْدِ أَرْكَانِهِ لِأَنَّا نَمْنَعُ قَصْدَ الْمَاءِ مَعَ اللَّبَنِ الْمَبْذُولِ فِي مُقَابَلَةِ الْمَالِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُمْ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لِلْجَهْلِ بِالْمَقْصُودِ مِنْهُ وَهُوَ اللَّبَنُ (وَمَعْجُونٍ) رُكِّبَ مِنْ جُزْأَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ (وَغَالِيَةٍ) وَهِيَ مَا رُكِّبَ مِنْ عَنْبَرٍ وَمِسْكٍ وَمَعَهُمَا دُهْنٌ أَوْ عُودٌ وَكَافُورٌ وَمِثْلُهَا النَّدُّ بِفَتْحِ النُّونِ مِسْكٌ وَعَنْبَرٌ وَعُودٌ خُلِطَ مِنْ غَيْرِ دُهْنٍ (وَخُفٍّ) وَنَعْلٍ رُكِّبَا مِنْ ظِهَارَةٍ وَبِطَانَةٍ وَحَشْوٍ لِأَنَّ الْعِبَارَةَ غَيْرُ وَافِيَةٍ بِذِكْرِ انْعِطَافَاتِهَا وَأَقْدَارِهَا، وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ كَمَا أَفَادَهُ السُّبْكِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي خُفٍّ أَوْ نَعْلٍ مُفْرَدٍ إنْ كَانَ جَدِيدًا
[حاشية الشبراملسي]
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْ حَجّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُقْبَضُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ إلَخْ، وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ لَا يُشْتَرَطُ لِقَبْضِهِ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ فَيَكُونُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا، بِخِلَافِ رَأْسِ مَالِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ وَالْمَجْلِسُ لَا يَدُومُ عُرْفًا، فَعِزَّةُ وُجُودِهِ لَا تُؤَدِّي إلَى تَنَازُعٍ أَصْلًا لِأَنَّهُ إنْ وَقَعَ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ السَّلَمُ وَإِلَّا فَلَا، عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَّفِقْ حُضُورُ رَأْسِ الْمَالِ جَازَ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْمُسْلَمِ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ) أَيْ وَلَوْ بِالدَّرَاهِمِ (قَوْلُهُ: وَمَعَهُمَا دُهْنٌ) أَيْ دُهْنٌ بَانَ
[حاشية الرشيدي]
الْمَاوَرْدِيُّ بِالْجَوَازِ فِيمَا إذَا كَانَ الْغِنَاءُ مُبَاحًا اهـ. مَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ
. (قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى اشْتِرَاطِ مَعْرِفَةِ الْأَوْصَافِ إذْ مَا لَا يَنْضَبِطُ مَقْصُودُهُ لَا تُعْرَفُ أَوْصَافُهُ.
(قَوْلُهُ: إذْ الْمَاءُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِيهِ) أَيْ: مَعَ عَدَمِ مَنْعِهِ لِمَعْرِفَةِ الْمَقْصُودِ، كَذَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ حَجّ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْخَلْطَ بِغَيْرِ الْمَقْصُودِ إذَا لَمْ يَمْنَعْ الْعِلْمَ بِالْمَقْصُودِ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، وَقَضِيَّةُ الْفَرْقِ الْآتِي خِلَافُهُ عَلَى أَنَّ لَك أَنْ تَمْنَعَ كَوْنَ الْمَاءِ لَا يَمْنَعُ الْعِلْمَ بِمَقْصُودِ الْمَخِيضِ، وَعِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ فِي قُوتِهِ.
فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيمَا خَالَطَهُ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ كَاللَّبَنِ الْمَشُوبِ بِالْمَاءِ مَخِيضًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ اهـ.
وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ قَضِيَّةُ الْفَرْقِ الْآتِي إذْ الضَّمِيرُ فِي كَلَامِهِ يَرْجِعُ إلَى اللَّبَنِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ عَيْبٌ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ وَأَنَّهُ عَيْبٌ فِيهِ، فَكَوْنُهَا عَيْبًا فِيهِ عِلَّةٌ ثَانِيَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا سَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَخَلِّ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ اللَّبَنُ الْمَشُوبُ بِالْمَاءِ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ قِيلَ يَرِدُ عَلَى الْمَتْنِ اللَّبَنُ الْمَشُوبُ بِالْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ مَعَ قَصْدِ بَعْضِ أَرْكَانِهِ فَقَطْ وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْمَاءَ وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ لَكِنَّهُ يَمْنَعُ الْعِلْمَ بِالْمَقْصُودِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُمْ إلَخْ، فَالْإِيرَادُ حِينَئِذٍ عَلَى مَفْهُومِ الْمَتْنِ، ثُمَّ إنَّ قَضِيَّةَ صَنِيعِ الشَّارِحِ أَنَّ قَصْدَ الْأَرْكَانِ فِي الْمَخْلُوطِ مُقْتَضٍ لِلصِّحَّةِ وَإِنْ لَمْ يَنْضَبِطْ وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي الْمَتْنِ، وَأَنَّ عَدَمَ قَصْدِ بَعْضِ الْأَرْكَانِ مُقْتَضٍ لِلْفَسَادِ مُطْلَقًا وَهُوَ خِلَافُ مَا يَأْتِي، فَالصَّوَابُ مَا فِي التُّحْفَةِ، عَلَى أَنَّ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ شِبْهَ تَنَاقُضٍ حَيْثُ أَثْبَتَ فِي السُّؤَالِ أَنَّ الْمَاءَ مَقْصُودٌ وَلَمْ يُورِدْهُ عَلَى لِسَانِ قَائِلٍ ثُمَّ نَفَى ذَلِكَ فِي الْجَوَابِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّارِحِ زِيَادَةُ لَفْظِ بَعْضٍ قَبْلَ لَفْظِ أَرْكَانِهِ وَهِيَ لَا تُلَائِمُ الْجَوَابَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عُودٍ وَكَافُورٍ) أَيْ وَمَعَهُمَا دُهْنٌ وَحُذِفَ مِنْ الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ حَتَّى يُوَافِقَ عِبَارَةَ التُّحْفَةِ، وَاَلَّذِي فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ مِسْكٍ وَعُودٍ وَعَنْبَرٍ وَكَافُورٍ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعِبَارَةَ غَيْرُ وَافِيَةٍ إلَخْ) عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الظِّهَارَةِ وَالْبِطَانَةِ وَالْحَشْوِ، وَالْعِبَارَةُ تَضِيقُ عَنْ الْوَفَاءِ بِذِكْرِ أَطْرَافِهَا وَانْعِطَافَاتِهَا
مِنْ غَيْرِ جِلْدٍ كَثَوْبٍ مُحِيطٍ جَدِيدٍ لَا مَلْبُوسٍ (وَتِرْيَاقٍ مَخْلُوطٍ) وَهُوَ بِفَوْقِيَّةٍ أَوْ دَالٍ أَوْ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَيَجُوزُ كَسْرُ أَوَّلِهِ وَضَمُّهُ، وَاحْتُرِزَ بِالْمَخْلُوطِ عَمَّا هُوَ بَبَّانٌ وَاحِدٌ أَوْ حَجَرٌ فَيَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ.
وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي حِنْطَةٍ مُخْتَلِطَةٍ بِشَعِيرٍ وَلَا فِي أَدْهَانٍ مُطَيَّبَةٍ بِطِيبٍ نَحْوِ بَنَفْسَجٍ وَبَانٍ وَوَرْدٍ بِأَنْ خَالَطَهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ رُوِّحَ سِمْسِمُهَا بِالطِّيبِ الْمَذْكُورِ وَاعْتُصِرَ لَمْ يَضُرَّ كَمَا مَرَّ فِي الرِّبَا (وَالْأَصَحُّ) (صِحَّتُهُ فِي الْمُخْتَلَطِ) بِالصَّنْعَةِ (الْمُنْضَبِطِ) عِنْدَ أَهْلِ تِلْكَ الصَّنْعَةِ الْمَقْصُودِ الْأَرْكَانِ كَمَا بِأَصْلِهِ (كَعَتَّابِيٍّ) وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ قُطْنٍ وَحَرِيرٍ (وَخَزٍّ) وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ إبْرَيْسَمٍ وَوَبَرٍ أَوْ صُوفٍ لِسُهُولَةِ ضَبْطِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِانْضِبَاطِ هُنَا مَعْرِفَةُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَزْنَ كُلٍّ مِنْ الْأَجْزَاءِ كَمَا جَرَى عَلَى ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ لِأَنَّ الْقِيَمَ وَالْأَغْرَاضَ تَتَفَاوَتُ بِذَلِكَ تَفَاوُتًا ظَاهِرًا، وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ لِسُهُولَةِ اخْتِلَاطِهَا وَأَقْدَارِهَا (وَ) فِي الْمُخْتَلَطِ خِلْقَةً أَوْ بِغَيْرِ مَقْصُودٍ غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، فَمِنْ الثَّانِي نَحْوَ (جُبْنٍ وَأَقِطٍ) وَمَا فِيهِمَا مِنْ مِلْحٍ وَإِنفْحَةٍ مِنْ مَصَالِحِهِمَا (وَ) مِنْ الْأَوَّلِ نَحْوُ (شَهْدٍ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَضَمِّهَا مُرَكَّبٌ مِنْ عَسَلِ النَّحْلِ وَشَمْعِهِ خِلْقَةً فَهُوَ شَبِيهٌ بِالتَّمْرِ وَفِيهِ النَّوَى (وَ) مِنْ الثَّانِي أَيْضًا نَحْوُ (خَلِّ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ) وَلَا يَضُرُّ الْمَاءُ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ جُبْنٍ وَمَا بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَى عَتَّابِيٍّ لِفَسَادِ الْمَعْنَى بَلْ عَلَى الْمُخْتَلَطِ كَمَا تَقَرَّرَ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ فِي السَّبْعَةِ يَنْفِي الِانْضِبَاطَ فِيهَا قَائِلًا بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَرِيرِ وَالْمِلْحِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ جِلْدٍ) أَيْ أَمَّا مِنْهُ فَلَا يَصِحُّ لِاخْتِلَافِ أَجْزَائِهِ رِقَّةً وَضِدَّهَا (قَوْلُهُ: وَاحْتُرِزَ) أَيْ فِي اللُّغَاتِ الثَّلَاثِ وَيُقَالُ فِيهِ طِرَّاقٌ وَدِرَّاقٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدِ، كَذَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بِهَامِشِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: بَبَّانٌ وَاحِدٌ إلَخْ) ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِبَاءَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الثَّانِيَةِ وَبِنُونٍ فِي آخِرِهِ: أَيْ شَيْءٌ وَاحِدٌ لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ النَّاسَ بَبَّانًا وَاحِدًا مَا فَتَحْت عَلَى قَرْيَةٍ: وَبَعْضُهُمْ بِنُونٍ وَبَاءٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ وَتَاءٌ مُثَنَّاةٌ فِي آخِرِهِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ أَوْ حَجَرٌ.
(قَوْلُهُ: مُخْتَلِطَةٍ بِشَعِيرٍ) أَيْ وَإِنْ قَلَّ حَيْثُ اشْتَرَطَ خَلْطَهَا بِالشَّعِيرِ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْبُرِّ ثُمَّ أَحْضَرَهُ لَهُ مُخْتَلِطًا بِشَعِيرٍ وَجَبَ قَبُولُهُ إنْ قَلَّ الشَّعِيرُ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ بِهِ تَفَاوُتٌ بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ خُلُوَّهُ مِنْ الشَّعِيرِ وَإِنْ قَلَّ كَوَاحِدَةٍ هَلْ يَصِحُّ السَّلَمُ أَمْ يَبْطُلُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ قِيَاسًا عَلَى لَحْمِ الصَّيْدِ بِمَوْضِعِ الْعِزَّةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ: إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَعِزُّ وُجُودُهُ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِطًا فَيُمْكِنُ تَنْقِيَةُ شَعِيرِهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ خَالِصًا خُصُوصًا إذَا كَانَ قَدْرًا يَسِيرًا فَلَعَلَّ الصِّحَّةَ هِيَ الْأَقْرَبُ (قَوْلُهُ: وَخَزٍّ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْخَزُّ اسْمُ دَابَّةٍ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الثَّوْبِ الْمُتَّخَذِ مِنْ وَبَرِهَا وَالْجَمْعُ خُزُوزٌ مِثْلُ فُلُوسٍ اهـ.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ إبْرَيْسَمَ وَوَبَرٍ أَوْ صُوفٍ لَعَلَّهُ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ (قَوْلُهُ: مَعْرِفَةُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ) أَيْ وَعَدْلَيْنِ فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: تَفَاوُتًا ظَاهِرًا) زَادَ حَجّ: وَعَلَيْهِ يَظْهَرُ الِاكْتِفَاءُ بِالظَّنِّ، وَالْمُرَادُ الظَّنُّ عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (قَوْلُهُ: نَحْوُ جُبْنٍ) أَيْ غَيْرِ عَتِيقٍ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَرَّرَ) زَادَ حَجّ: وَإِنْ أُرِيدَ بِالْمُنْضَبِطِ مَا لَا يَنْضَبِطُ مَقْصُودُهُ اخْتَلَطَ بِمَقْصُودٍ أَوْ لَا كَانَ الْكُلُّ مَعْطُوفًا عَلَى عَتَّابِيٍّ اهـ.
وَبِهِ يُوَجَّهُ مَا فِي شَرْح الْمَنْهَجِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَتِرْيَاقٍ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ: التِّرْيَاقُ نَجِسٌ فَإِنَّهُ يُطْرَحُ فِيهِ لُحُومُ الْحَيَّاتِ أَوْ لَبَنُ الْأَتَانِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ عَلَى تِرْيَاقٍ طَاهِرٍ
[السَّلَمُ فِي حِنْطَةٍ مُخْتَلِطَةٍ بِشَعِيرٍ]
. (قَوْلُهُ: بَلْ عَلَى الْمُخْتَلِطِ كَمَا تَقَرَّرَ) قَدْ يُقَالُ: الَّذِي تَقَرَّرَ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى وَصْفِ الْمُخْتَلِطِ فَالْمُخْتَلِطُ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ كَمَا قَدَّرَهُ فِي كَلَامِهِ، عَلَى أَنَّ عَطْفَهُ عَلَى الْمُخْتَلِطِ يُفِيدُ أَنَّهُ غَيْرُ مُخْتَلِطٍ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ
وَالشَّمْعِ وَالْمَاءِ وَغَيْرِهِ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ، وَالسَّمَكُ الْمُمَلَّحُ كَالْجُبْنِ، وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ كَاللَّبَنِ، وَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ جِنْسِ حَيَوَانِهِ وَنَوْعِهِ وَمَأْكُولِهِ مِنْ مَرْعًى أَوْ عَلَفٍ مُعَيَّنٍ بِنَوْعِهِ، وَيُذْكَرُ فِي السَّمْنِ أَنَّهُ جَدِيدٌ أَوْ عَتِيقٌ، وَلَا يَصِحُّ فِي حَامِضِ اللَّبَنِ لِأَنَّ حُمُوضَتَهُ عَيْبٌ إلَّا فِي مَخِيضٍ لَا مَاءَ فِيهِ فَيَصِحُّ فِيهِ، وَلَا يَضُرُّ وَصْفُهُ بِالْحُمُوضَةِ لِأَنَّهَا مَقْصُودَةٌ فِيهِ، وَاللَّبَنُ الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْحُلْوِ وَلَوْ جَفَّ، وَيَذْكُرُ طَرَاوَةَ الزُّبْدِ وَضِدَّهَا، وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي اللَّبَنِ كَيْلًا وَوَزْنًا، وَيُوزَنُ بِرَغْوَتِهِ وَلَا يُكَالُ بِهَا لِأَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي الْمِيزَانِ، وَيَذْكُرُ نَوْعَ الْجُبْنِ وَبَلَدَهُ وَرُطُوبَتَهُ وَيُبْسَهُ الَّذِي لَا تَغَيُّرَ فِيهِ.
أَمَّا مَا فِيهِ تَغَيُّرٌ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ لِأَنَّهُ مَعِيبٌ: وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَنْعُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - السَّلَمَ فِي الْجُبْنِ الْقَدِيمِ، وَالسَّمْنِ يُوزَنُ وَيُكَالُ وَجَامِدُهُ الَّذِي يَتَجَافَى فِي الْمِكْيَالِ يُوزَنُ كَالزُّبْدِ وَاللِّبَا الْمُجَفَّفِ وَهُوَ غَيْرُ الْمَطْبُوخِ، عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ صِحَّتُهُ فِي الْمَطْبُوخِ كَالْمُجَفَّفِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَيْلُ الرَّوْضَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ فِي كُلِّ مَا دَخَلَتْهُ نَارٌ لَطِيفَةٌ: أَيْ مَضْبُوطَةٌ.
أَمَّا غَيْرُ الْمُجَفَّفِ فَكَاللَّبَنِ، وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ مِنْ صِحَّةِ السَّلَمِ فِي الزُّبْدِ كَيْلًا وَوَزْنًا مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا يَتَجَافَى فِي الْمِكْيَالِ (لَا) (الْخُبْزِ) فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ (فِي الْأَصَحِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ) لِاخْتِلَافِ تَأْثِيرِ النَّارِ فِيهِ فَلَا يَنْضَبِطُ وَلِأَنَّ مِلْحَهُ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ: وَالثَّانِي وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَمَنْ تَبِعَهُ وَحَكَاهُ الْمُزَنِيّ عَنْ النَّصِّ الصِّحَّةُ لِأَنَّ نَارَهُ مَضْبُوطَةٌ وَالْمِلْحَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَالْأَشْبَهُ كَمَا قَالَهُ الْأُشْمُونِيُّ إلْحَاقُ النِّيدَةِ بِالْخُبْزِ.
(وَلَا يَصِحُّ) السَّلَمُ (فِيمَا نَدَرَ وُجُودُهُ كَلَحْمِ الصَّيْدِ بِمَوْضِعِ الْعِزَّةِ) أَيْ مَحَلٍّ يَعِزُّ وُجُودُهُ فِيهِ لِانْتِفَاءِ الْوُثُوقِ بِتَسْلِيمِهِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ السَّلَمُ حَالًّا وَكَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَوْجُودًا عِنْدَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِمَوْضِعٍ يَنْدُرُ فِيهِ صَحَّ كَمَا فِي الِاسْتِقْصَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى (وَلَا فِيمَا لَوْ اسْتَقْصَى وَصْفَهُ) الْوَاجِبَ ذِكْرُهُ فِي السَّلَمِ (عَزَّ وُجُودُهُ) كَمَا مَرَّ (كَاللُّؤْلُؤِ الْكِبَارِ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، فَإِنْ ضُمَّ كَانَ مُفْرَدًا وَحِينَئِذٍ تُشَدَّدُ الْبَاءُ وَقَدْ تُخَفَّفُ (وَالْيَوَاقِيتِ) وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّعَرُّضِ لِلْحَجْمِ
[حاشية الشبراملسي]
اهـ (قَوْلُهُ: وَالسَّمَكُ الْمُمَلَّحُ كَالْجُبْنِ) قَضِيَّةُ التَّنْظِيرِ بِالْجُبْنِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الْقَدِيمِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي الزُّبْدِ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: فَرْعٌ: أَفْتَى شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ بِصِحَّةِ السَّلَمِ فِي الْقِشْطَةِ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَاطُهَا بِالنَّطْرُونِ لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِهَا اهـ.
فَهَلْ يَصِحُّ فِي الْمُخْتَلِطَةِ بِدَقِيقِ الْأُرْزِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ مَرَّ انْتَهَى.
وَيُحْمَلُ عَلَى الْمُعْتَادِ فِيهِ مِنْ كُلٍّ مِنْ النَّطْرُونِ وَالدَّقِيقِ (قَوْلُهُ: كَالزُّبْدِ وَاللِّبَأِ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَاللِّبَأُ بِالْهَمْزِ وَالْقَصْرِ أَوَّلُ مَا يُحْلَبُ، وَغَيْرُ الْمَطْبُوخِ مِنْهُ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ قَطْعًا انْتَهَى سم عَلَى حَجّ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: اللِّبَأُ مَهْمُوزٌ وِزَانُ عِنَبٍ أَوَّلُ اللَّبَنِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ: قَالَ أَبُو زَيْدٍ: وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثُ حَلَبَاتٍ، وَأَقَلُّهُ حَلْبَةٌ فِي النِّتَاجِ، وَغَيْرُ الْمَطْبُوخِ مِنْهُ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ قَطْعًا اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا يَتَجَافَى فِي الْمِكْيَالِ) أَيْ أَمَّا مَا يَتَجَافَى فِيهِ فَيَصِحُّ فِيهِ وَزْنًا لَا كَيْلًا (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ الْأُشْمُونِيُّ) نَقَلَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ عَنْ الْقَمُولِيِّ (قَوْلُهُ: إلْحَاقُ النِّيدَةِ) وَأَمَّا النِّيلَةُ فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا مَا لَمْ تُخْلَطْ بِالطِّينِ.
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ) مُعْتَمَدٌ.
قَالَ سم عَلَى حَجّ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ صَاحِبِ الِاسْتِقْصَاءِ: هَذَا وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الصِّحَّةِ خِلَافًا لِصَاحِبِ الِاسْتِقْصَاءِ اهـ.
وَعَلَى كَلَامِ صَاحِبِ الِاسْتِقْصَاءِ لَوْ انْقَطَعَ عِنْدَ الْمَحَلِّ هَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُسْلِمُ أَوْ يَتَبَيَّنُ الْبُطْلَانُ قِيَاسًا عَلَى تَلَفِ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ حَتَّى لَوْ قُلْنَا بِصِحَّةِ السَّلَمِ ثُمَّ وَجَدَ عِنْدَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ خِلَافَهُ جَازَ لَهُ دَفْعُهُ، لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ فِي جُزْءٍ بِعَيْنِهِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَقْتَ الْعَقْدِ فَغَايَتُهُ أَنَّهُ وُجِدَ فِي ضِمْنِهِ الْمُسْلَمُ فِيهِ لِأَنَّهُ انْحَصَرَ فِيهِ وَتَشَخَّصَ (قَوْلُهُ: وَقَدْ تُخَفَّفُ) ظَاهِرُهُ اسْتِوَاؤُهُمَا مَفْهُومًا، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ إذَا أَفْرَطَ فِي الْكِبَرِ قِيلَ كِبَّارٌ مُشَدَّدًا، وَإِذَا لَمْ يُفَرِّطْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَا يَضُرُّ وَصْفُهُ بِالْحُمُوضَةِ إلَخْ) اُنْظُرْهُ مَعَ مَا مَرَّ لَهُ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَهَرِيسَةٍ
[السَّلَمُ فِيمَا نَدَرَ وُجُودُهُ] .
وَالْوَزْنِ وَالشَّكْلِ وَالصَّفَاءِ وَاجْتِمَاعُ هَذِهِ الْأُمُورِ نَادِرٌ، وَخَرَجَ بِالْكِبَارِ وَهِيَ مَا تُطْلَبُ لِلزِّينَةِ الصِّغَارُ وَهِيَ مَا تُطْلَبُ لِلتَّدَاوِي: أَيْ غَالِبًا وَضَبَطَهُ الْجُوَيْنِيُّ بِسُدُسِ دِينَارٍ، وَلَعَلَّهُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ مِنْ كَثْرَةِ وُجُودِ كِبَارِهِ فِي زَمَنِهِمْ، أَمَّا الْآنَ فَهَذَا لَا يُطْلَبُ إلَّا لِلزِّينَةِ لَا غَيْرُ، فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ لِعِزَّتِهِ (وَجَارِيَةٍ) وَلَوْ قَلَّتْ صِفَاتُهَا كَزِنْجِيَّةٍ (وَأُخْتِهَا) أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا (أَوْ وَلَدِهَا) أَوْ شَاةٍ وَسَخْلَتِهَا لِنُدْرَةِ اجْتِمَاعِهِمَا مَعَ الصِّفَاتِ الْمُشْتَرَطَةِ وَبِذَلِكَ عُلِمَ عَدَمُ الصِّحَّةِ فِي إوَزَّةٍ وَأَفْرَاخِهَا أَوْ دَجَاجَةٍ كَذَلِكَ وَلَوْ مَعَ ذِكْرِ الْعَدَدِ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ إذْ يَعِزُّ وُجُودُ الْأُمِّ وَأَوْلَادِهَا مَعَ مَا مَرَّ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِمْ: حُكْمُ الْبَهِيمَةِ وَوَلَدِهَا حُكْمُ الْجَارِيَةِ وَوَلَدِهَا، وَإِنَّمَا صَحَّ شَرْطُ نَحْوَ الْكِتَابَةِ مَعَ نُدْرَةِ اجْتِمَاعِهَا مَعَ تِلْكَ الصِّفَاتِ لِسُهُولَةِ تَحْصِيلِهَا بِالتَّعَلُّمِ، وَيَصِحُّ فِي الْبَلُّورِ لَا الْعَقِيقِ لِاخْتِلَافِ أَحْجَارِهِ.
[فَرْعٌ يَصِحُّ] السَّلَمُ (فِي الْحَيَوَانِ) لِثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ قَرْضًا فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْتَرَضَ بَكْرًا» وَقِيسَ عَلَى الْقَرْضِ السَّلَمُ وَعَلَى الْبَكْرِ غَيْرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَيَوَانِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنْ يَأْخُذَ بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ إلَى أَجَلٍ» وَهَذَا سَلَمٌ لَا قَرْضٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَجَلِ وَالْفَضْلِ
[حاشية الشبراملسي]
قِيلَ كُبَارٌ بِالضَّمِّ مُخَفَّفًا، وَمِثْلُهُ طُوَالٌ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ فِيهِمَا (قَوْلُهُ: وَضَبَطَهُ) أَيْ الصِّغَرَ، وَقَوْلُهُ: بِسُدُسِ دِينَارٍ: أَيْ وَقَدْرُ ذَلِكَ اثْنَتَا عَشْرَةَ شَعِيرَةً (قَوْلُهُ: كَزِنْجِيَّةٍ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِهَا اهـ مُخْتَارٌ: وَهِيَ مِثَالٌ لِمَا قَلَّتْ صِفَاتُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَوْنَ الزِّنْجِ لَا يَخْتَلِفُ، فَالصِّفَاتُ الْمُعْتَبَرَةُ فِيهَا هِيَ الطُّولُ وَنَحْوُهُ دُونَ اللَّوْنِ.
(قَوْلُهُ: وَأُخْتُهَا) أَيْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَحَلٍّ يَكْثُرُ وُجُودُهُمَا فِيهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ لِنُدْرَةِ اجْتِمَاعِهِمَا إلَخْ، وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ عَلَى الْمَنْهَجِ نَصُّهَا: قَالَ فِي الْإِيعَابِ بَعْدَ كَلَامٍ قَرَّرَهُ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا بَيْنَ بَلَدٍ يَكْثُر فِيهِ الْجَوَارِي وَأَوْلَادُهُمْ بِالصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ كَبِلَادِ السُّودَانِ وَأَنَّ لَا، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ حَمْلًا لِلنَّصِّ بِالْمَنْعِ عَلَى بَلَدٍ لَا يَكْثُرُ فِيهِ ذَلِكَ اهـ.
وَكُتِبَ عَلَيْهِ أَيْضًا: اُنْظُرْهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي الرُّطَبِ فِي الشِّتَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ لِانْتِفَاءِ الْوُثُوقِ إنْ كَانَ انْتِفَاءُ الْوُثُوقِ لِلنُّدْرَةِ فَلِمَ غَايَرَ فِي تَعْلِيلِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَمَا هُوَ، وَهَلَّا عَلَّلَ فِيهَا بِالنُّدْرَةِ أَيْضًا تَأَمَّلْ، وَقَدْ يَخْتَارُ الْأَوَّلَ وَإِنَّمَا غَايَرَ لِأَنَّ النُّدْرَةَ فِي الْأُولَى ذَاتِيَّةٌ وَفِي الثَّانِيَةِ عَدَمِيَّةٌ بِاعْتِبَارِ مَا عَرَضَ مَعَهُ تَأَمَّلْ اهـ بِحُرُوفِهِ.
هَذَا وَقَدْ يُقَالُ كَثْرَةُ وُجُودِ الْإِمَاءِ فِي بِلَادِ السُّودَانِ مَعَ أَوْلَادِهِنَّ لَا تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الصِّفَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْأَوْلَادِ مَعَ الصِّفَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْأُمِّ، مَثَلًا إذَا وَصَفَ الْأُمَّ بِأَنَّهَا بِنْتُ عِشْرِينَ سَنَةً مَعَ كَوْنِ طُولِهَا كَذَا وَقَدِّهَا كَذَا وَوَصَفَ الْبِنْتَ بِأَنَّهَا بِنْتُ خَمْسِ سِنِينَ مَثَلًا وَأَنَّهَا بِصِفَةِ كَذَا عَزَّ اجْتِمَاعُ الصِّفَتَيْنِ فِيهِمَا فَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ ذَلِكَ إلَّا فِي الْفَرْدِ النَّادِرِ، وَهُوَ غَيْرُ كَافٍ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ (قَوْلُهُ: لَا الْعَقِيقِ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ.
[السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ]
(قَوْلُهُ: فَرْعٌ يَصِحُّ السَّلَمُ) الْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْفَرْعِ تَفْصِيلُ الصِّفَاتِ فَقَطْ لَا بَيَانُ الصِّحَّةِ لِأَنَّهَا عُلِمَتْ مِمَّا مَرَّ (قَوْلُهُ: فِي الْحَيَوَانِ) أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، قَالَ حَجّ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْحَيَوَانِ: أَيْ غَيْرِ الْحَامِلِ اهـ.
وَلَعَلَّهُ لِعِزَّةِ الْوُجُودِ بِالصِّفَةِ الَّتِي يَذْكُرُهَا كَمَا مَرَّ فِي تَعْلِيلِ الْمَنْعِ فِي جَارِيَةٍ وَبِنْتِهَا، أَوْ أَنَّهُ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الْحَمْلِ صَيَّرَهُ مَقْصُودًا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهَا وَحَمَلَهَا وَهُوَ بَاطِلٌ (قَوْلُهُ: أَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ) عِبَارَةُ حَجّ: أَمَرَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ اهـ: فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ الْقَلَمِ لَفْظَةُ ابْنَ فَلْيُرَاجَعْ، وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد: «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا، فَنَفِدَتْ الْإِبِلُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي قِلَاصِ الصَّدَقَةِ، فَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ» : أَيْ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ اهـ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ فِي إسْنَادِهِ مَقَالًا اهـ. قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ صَحِيحٌ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْقِلَاصُ جَمْعُ قَلُوصٍ وَهِيَ النَّاقَةُ الشَّابَّةُ وَيُجْمَعُ عَلَى قُلُوصٍ وَقَلَائِصُ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا سَلَمٌ) إنَّمَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ سَلَمًا عَلَى مُعْتَمَدِهِ إذَا عَقَدَ بِلَفْظِ السَّلَمِ، أَمَّا لَوْ عَقَدَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فَهُوَ بَيْعٌ لَا سَلَمٌ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُهُمَا، وَتَصْحِيحُ الْحَاكِمِ النَّهْيَ عَنْ السَّلَفِ فِي الْحَيَوَانِ مَرْدُودٌ بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ.
(فَيُشْتَرَطُ فِي) السَّلَمِ فِي (الرَّقِيقِ) (ذِكْرُ نَوْعِهِ كَتُرْكِيٍّ) وَرُومِيٍّ وَحَبَشِيٍّ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ بِذَلِكَ، فَإِنْ اخْتَلَفَ صِنْفُ النَّوْعِ وَجَبَ ذِكْرُهُ كَرُومِيٍّ أَوْ خَطَائِيٍّ (وَ) ذِكْرُ (لَوْنِهِ) إنْ اخْتَلَفَ (كَأَبْيَضَ) وَأَسْوَدَ (وَيَصِفُ بَيَاضَهُ بِسُمْرَةٍ أَوْ شُقْرَةٍ) وَسَوَادَهُ بِصَفَاءٍ أَوْ كُدُورَةٍ وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ لَوْنُ النَّوْعِ أَوْ الصِّنْفِ كَالزِّنْجِ لَمْ يَجِبْ ذِكْرُهُ (وَ) ذِكْرُ (ذُكُورَتِهِ وَأُنُوثَتِهِ) أَيْ أَحَدِهِمَا فَلَا يَصِحُّ فِي الْخُنْثَى وَثِيَابَتِهِ وَبَكَارَتِهِ، وَالْوَاوُ فِي هَذَا عَلَى مَا فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ وَنَحْوِهِ مِنْ كُلِّ ضِدَّيْنِ مِمَّا يَأْتِي بِمَعْنَى أَوْ (وَسِنِّهِ) كَابْنِ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ مُحْتَلِمٍ: أَيْ أَوَّلِ عَامِ احْتِلَامِهِ بِالْفِعْلِ أَوْ وَقْتِهِ وَهُوَ تِسْعُ سِنِينَ
[حاشية الشبراملسي]
بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ سَلَمٌ إمَّا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَيُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: لَا قَرْضٌ إلَخْ، فَإِنَّهُ جَعَلَ عِلَّةَ كَوْنِهِ لَيْسَ قَرْضًا مَا فِيهِ مِنْ الْأَجَلِ وَالزِّيَادَةِ، وَهُمَا كَمَا يَقْبَلُهُمَا السَّلَمُ يَقْبَلُهُمَا الْبَيْعُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ الْقَرْضَ (قَوْلُهُ: لَا يَقْبَلُهُمَا) أَيْ وَاحِدًا مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: عَنْ السَّلَفِ) أَيْ السَّلَمِ.
(قَوْلُهُ: كَتُرْكِيٍّ) عِبَارَةُ حَجّ: كَتُرْكِيٍّ أَوْ حَبَشِيٍّ، وَصِفَةُ الْمُخْتَلَفِ كَرُومِيٍّ أَوْ خَطَّائِيٍّ وَهِيَ أَوْلَى لِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ يَلْزَمُهُ التَّنَاقُضُ فِي الرُّومِيِّ حَيْثُ جَعَلَهُ أَوَّلًا نَوْعًا لِلرَّقِيقِ وَثَانِيًا صِنْفًا لَهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ قَوْلَيْنِ (قَوْلُهُ: وَيَصِفُ بَيَاضَهُ) قَالَ فِي الْعُبَابِ: وَفِي جَوَازِ أَبْيَضَ مُشَرَّبٍ بِحُمْرَةٍ أَوْ صُفْرَةٍ وَجْهَانِ: أَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَرْجَحُ الْجَوَازَ، وَيَكْفِي مَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنْهُ، بَلْ مَا ذَكَرَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيَصِفُ بَيَاضَهُ بِسُمْرَةٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا الْحُمْرَةُ (قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ فِي الْخُنْثَى) أَيْ وَإِنْ اتَّضَحَ بِالذُّكُورَةِ لِعِزَّةِ وُجُودِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي ذَكَرٍ فَجَاءَ لَهُ بِخُنْثَى اتَّضَحَ بِالذُّكُورَةِ، أَوْ عَكْسِهِ فَجَاءَ لَهُ بِأُنْثَى اتَّضَحَتْ أُنُوثَتُهَا لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ الْآلَتَيْنِ يُقَلِّلُ الرَّغْبَةَ فِيهِ وَيُوَرِّثُ نَقْصًا فِي خِلْقَتِهِ، وَمِثْلُ الْخُنْثَى الْحَامِلُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَدَمُ صِحَّةِ السَّلَمِ فِي الْحَامِلِ عَنْ حَجّ.
هَذَا، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ هُنَا: إذَا لَمْ يَذْكُرْ فِي الْعَقْدِ كَوْنَ الْمُسْلَمِ فِيهِ حَائِلًا أَوْ حَامِلًا ثُمَّ أَتَى لَهُ بِحَامِلٍ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُعَدُّ الْحَمْلُ فِيهَا عَيْبًا لَمْ يَجِبْ قَبُولُهَا وَإِلَّا وَجَبَ (قَوْلُهُ: وَثِيَابَتِهِ) مِثْلُهُ فِي الْمَحَلِّيِّ وَهِيَ مَصْدَرُ ثَابَ إذَا رَجَعَ وَهُوَ مِنْ بَابِ قَالَ فَيُقَالُ ثَابَ ثَوْبًا، وَيَجُوزُ فِيهِ ثَوَبَانًا كَمَا فِي الْمُخْتَارِ وَالصِّحَاحِ، وَثُوُوبًا كَمَا فِي الْقَامُوسِ: أَيْ وَأَصْلُهُ ثُئُوبٌ كَقُعُودٍ اُسْتُثْقِلَتْ الضَّمَّةُ عَلَى الْوَاوِ الْأُولَى فَقُلِبَتْ هَمْزَةً، وَلَمْ أَرَ الثِّيَابَ فِي الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ وَالْمِصْبَاحِ إلَّا فِي جَمْعِ الثَّوْبِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] وَعَلَيْهِ فَانْظُرْ مَا وَجْهُ التَّعْبِيرِ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الرَّقِيقُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِالْأُنْثَى وَعِبَارَةُ مَتْنِ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: وَيَجِبُ فِي الْأَمَةِ ذِكْرُ الثِّيَابَةِ وَالْبَكَارَةِ: أَيْ أَحَدِهِمَا (قَوْلُهُ: أَوْ وَقْتِهِ) قَضِيَّةُ الْمُغَايَرَةُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَرُومِيٍّ) الصَّوَابُ حَذْفُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ اخْتِلَافِ الصِّنْفِ كَمَا سَيَأْتِي، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ مِنْ اخْتِلَافِ النَّوْعِ وَالشَّارِحُ تَبِعَهُ هُنَا، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا وَجْهَ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.
(قَوْلُهُ: أَيْ أَوَّلَ عَامِ احْتِلَامِهِ بِالْفِعْلِ أَوْ وَقْتِهِ) هَذَا هُوَ بَحْثُ الْأَذْرَعِيِّ فَلَا يَأْتِي قَوْلُ الشَّارِحِ فَانْدَفَعَ مَا لِلْأَذْرَعِيِّ هُنَا، نَعَمْ قَوْلُ الشَّارِحِ وَهُوَ تِسْعُ سِنِينَ زَادَهُ عَلَى مَا فِي كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ بَيَانًا لِمُرَادِهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النَّصِّ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ إطْلَاقُ مُحْتَلِمٍ، فَقَدْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ عَقِبَ مَا مَرَّ: وَفِي النَّفْسِ شَيْءٌ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِإِطْلَاقِ ذَلِكَ فَإِنَّ ابْنَ عَشْرٍ وَنَحْوِهَا قَدْ يَحْتَلِمُ وَقَدْ لَا يَحْتَلِمُ إلَّا بَعْدَ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ، وَالْغَرَضُ وَالْقِيمَةُ تَتَفَاوَتُ بِذَلِكَ تَفَاوُتًا بَيِّنًا اهـ.
لَكِنَّ بَحْثَ الْعَلَّامَةِ حَجّ أَنَّ الْمُرَادَ احْتِلَامُهُ بِالْفِعْلِ إنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشْرَةَ وَإِلَّا فَهِيَ وَإِنْ لَمْ يَرَ مَنِيًّا قَالَ فَلَا يُقْبَلُ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَلَا مَا نَقَصَ عَنْهَا وَلَمْ يَحْتَلِمْ، فَقَوْلُهُ: فَلَا يُقْبَلُ إلَخْ صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِ مُحْتَلِمٍ فِي الْعَقْدِ، وَأَنَّ التَّفْصِيلَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَجِبُ قَبُولُهُ، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي كَلَامِ الشَّارِحِ كَالْأَذْرَعِيِّ وَإِلَّا لَكَانَ يَجِبُ قَبُولُ ابْنِ تِسْعٍ مُطْلَقًا، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النَّصِّ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَحَدِ الْمَذْكُورِينَ
فَانْدَفَعَ مَا لِلْأَذْرَعِيِّ هُنَا وَيُعْتَمَدُ قَوْلُ الرَّقِيقِ فِي الِاحْتِلَامِ وَفِي السِّنِّ إنْ كَانَ بَالِغًا، وَإِلَّا فَقَوْلُ سَيِّدِهِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْمُسْلِمِ إنْ عَلِمَهُ وَإِلَّا فَقَوْلُ النَّخَّاسِينَ: أَيْ الدَّلَّالِينَ بِظُنُونِهِمْ (وَقَدِّهِ) أَيْ قَامَتِهِ (طُولًا وَقِصَرًا) وَرَبْعَةً فَيَذْكُرُ وَاحِدًا مِنْهَا لِاخْتِلَافِ
[حاشية الشبراملسي]
أَنَّهُ لَوْ أَحْضَرَهُ بَعْدَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً مَثَلًا وَلَمْ يَسْبِقْ لَهُ احْتِلَامٌ لَا يَجِبُ قَبُولُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إذَا أَحْضَرَ الْمُحْتَلِمَ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قَبِلَهُ وَغَيْرَ الْمُحْتَلِمِ وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ قَبِلَهُ، فَلَمْ يَجْعَلْ لِوَقْتِ الْقَبُولِ وَقْتًا بِعَيْنِهِ بَلْ أَقَلُّ وَقْتٍ يُقْبَلُ فِيهِ تِسْعٌ، وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَدَارُ عَلَى كَوْنِهِ لَا يُقْبَلُ مَا دُونَ التِّسْعِ وَيُقْبَلُ مَا وَصَلَ إلَيْهَا فَمَا فَوْقُ وَإِنْ لَمْ يَحْتَلِمْ إلَى تَمَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً الَّتِي هِيَ وَقْتُ الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالتَّقَابُلُ بَيْنَ أَوَّلِ عَامِ الِاحْتِلَامِ وَوَقْتِهِ وَهُوَ التِّسْعُ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ إذَا اكْتَفَى بِبُلُوغِهِ التِّسْعَ لَمْ يَبْقَ لِاعْتِبَارِ الِاحْتِلَامِ بِالْفِعْلِ مَعْنًى، فَإِنَّهُ إذَا احْتَلَمَ فِي الْعَاشِرَةِ مَثَلًا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي يَجِبُ قَبُولُهُ فِيهِ، وَلَعَلَّ اعْتِبَارَ الِاحْتِلَامِ وَالْوَقْتِ وَجْهَانِ: فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ الْوَقْتَ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ الِاحْتِلَامَ.
(قَوْلُهُ: فَانْدَفَعَ مَا لِلْأَذْرَعِيِّ) الَّذِي فِي شَرْحِ الرَّوْضِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَوَّلُ عَامِ الِاحْتِلَامِ أَوْ وَقْتُهُ وَإِلَّا فَابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً مُحْتَلِمٌ اهـ.
فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُوَ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ فَكَيْفَ يَقُولُ فَانْدَفَعَ إلَخْ طَبَلَاوِيٌّ بِهَامِشٍ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَرُدَّ خُصُوصَ مَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ بَلْ يَجُوزُ أَنَّ مَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْهُ هُوَ مَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَاعْتَرَضَهُ بِكَلَامٍ قَصَدَ الشَّارِحُ دَفْعَهُ، وَالْأَذْرَعِيُّ لَهُ كُتُبٌ مُتَعَدِّدَةٌ كَالتَّوَسُّطِ وَالْقُوتِ وَالْغُنْيَةِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اعْتِرَاضِهِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا عَدَمُ اعْتِرَاضِهِ فِي غَيْرِهِ.
هَذَا وَقَالَ حَجّ: وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ احْتِلَامُهُ بِالْفِعْلِ إنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَإِلَّا فَهِيَ وَإِنْ لَمْ يَرَ مَنِيًّا، وَلَا يُقْبَلُ مَا زَادَ عَلَيْهَا لِأَنَّ الصِّغَرَ مَقْصُودٌ فِي الرَّقِيقِ وَلَا مَا نَقَصَ عَنْهَا وَلَمْ يَحْتَلِمْ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ وَصْفُ الِاحْتِلَامِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا نَظَرَ لِدُخُولِ وَقْتٍ بِتِسْعٍ لِأَنَّهُ مَجَازٌ وَلَا قَرِينَةَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَيُعْتَمَدُ قَوْلُ الرَّقِيقِ) قَالَ حَجّ: أَيْ الْعَدْلُ اهـ: وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إذَا أَخْبَرَ بِالِاحْتِلَامِ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يُقْبَلُ، وَنَظَرَ فِيهِ الشَّيْخُ حَمْدَانُ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ إلَّا مِنْهُ قُبِلَ: يَعْنِي بِخِلَافِ إخْبَارِهِ عَنْ السِّنِّ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ، بَلْ لَا بُدَّ لِقَبُولِهِ مِنْ كَوْنِهِ مُسْلِمًا عَدْلًا اهـ بِالْمَعْنَى وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَقَوْلُ سَيِّدِهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ السَّيِّدَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَ الْعَبْدُ غَيْرَ بَالِغٍ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَحِينَئِذٍ فَيُمْكِنُ تَقْرِيرُ الشَّارِحِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُعْتَمَدُ قَوْلُ الرَّقِيقِ إنْ كَانَ بَالِغًا وَأَخْبَرَ وَإِلَّا يُوجَدُ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ أَوْ بَالِغًا وَلَمْ يُخْبِرْ، فَقَوْلُ السَّيِّدِ وَلَكِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ قَوْلُ الْعَبْدِ وَقَوْلُ السَّيِّدِ قُدِّمَ قَوْلُ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ إنَّمَا قُبِلَ قَوْلُ السَّيِّدِ عِنْدَ عَدَمِ إخْبَارِ الْعَبْدِ وَهُوَ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ، إنْ ظَهَرَتْ قَرِينَةٌ تُقَوِّي صِدْقَ السَّيِّدِ كَأَنْ وُلِدَ عِنْدَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ أَرَّخَ وِلَادَتَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْعَبْدُ قَرِينَةً يُسْنِدْ إلَيْهَا بَلْ قَالَ سِنِّي كَذَا وَلَمْ يَزِدْ، ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْعُبَابِ لحج مَا يُصَرِّحُ بِالْأَوَّلِ حَيْثُ قَالَ: وَإِلَّا أَيْ وَإِنْ لَمْ يُولَدْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَعْلَمْ السَّيِّدُ مِنْ حَالِهِ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ الرَّقِيقُ غَيْرَ بَالِغٍ أَوْ بَالِغًا وَلَمْ يَعْلَمْ سِنَّ نَفْسِهِ وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَ السَّيِّدُ فِي سِنِّ الْعَبْدِ فِيمَا يَظْهَرُ اهـ: أَيْ فَيُقَدَّمُ خَبَرُ الْعَبْدِ.
(قَوْلُهُ: الْمُسْلِمِ) قَضِيَّةُ هَذَا التَّقْيِيدِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي قَبُولِ قَوْلِ الرَّقِيقِ، وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ حَجّ كَشَرْحِ الرَّوْضِ اعْتِبَارُهُ اهـ وَعِبَارَتُهُ وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِشَيْخِنَا حَجّ كَشَرْحِ الرَّوْضِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّ تَصْدِيقِ السَّيِّدِ وَالرَّقِيقِ الْبَالِغَيْنِ إنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ عَاقِلَيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ سم مِنْ اعْتِبَارِ الْإِسْلَامِ فِي الرَّقِيقِ هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ اعْتِبَارِ حَجّ الْعَدَالَةَ فِيهِ (قَوْلُهُ: إنْ عَلِمَهُ) قَالَ حَجّ: وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إنْ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَقَوْلُ النَّخَّاسِينَ) مِنْ النَّخْسِ وَهُوَ الضَّرْبُ بِالْيَدِ عَلَى الْكِفْلِ: أَيْ فَإِنْ لَمْ يُخْبِرُوا بِشَيْءٍ
[حاشية الرشيدي]
فِي كَلَامِهِ كَمَا قَرَّرْتُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ كَالْأَذْرَعِيِّ أَنَّهُ يَصِحُّ إطْلَاقُ مُحْتَلِمٍ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا قَبُولُ ابْنِ تِسْعٍ فَقَطْ أَوْ مَنْ هُوَ فِي أَوَّلِ احْتِلَامِهِ بِالْفِعْلِ: أَيْ فَلَا يُقْبَلُ ابْنُ عَشْرٍ مَثَلًا إذَا لَمْ يَحْتَلِمْ بِالْفِعْلِ لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَيَجُوزُ أَنَّ الشَّارِحَ كَالْأَذْرَعِيِّ أَرَادَ بِقَوْلِهِمَا: أَيْ أَوَّلَ احْتِلَامِهِ بِالْفِعْلِ أَوْ وَقْتَهُ مُجَرَّدَ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ
الْغَرَضُ بِهَا (وَكُلِّهِ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِمَّا يَخْتَلِفُ كَالْوَصْفِ وَالسِّنِّ وَالْقَدِّ بِخِلَافِ نَحْوِ الذُّكُورَةِ (عَلَى التَّقْرِيبِ) فَلَوْ شَرَطَ كَوْنَهُ ابْنَ عَشَرٍ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ لَمْ يَصِحَّ لِنُدْرَتِهِ (وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْكَحَلِ) بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ سَوَادٌ يَعْلُو جَفْنَ الْعَيْنِ كَالْكُحْلِ مِنْ غَيْرِ اكْتِحَالٍ (وَالسِّمَنِ) فِي الْأَمَةِ (وَنَحْوِهِمَا) كَالدَّعَجِ: وَهُوَ شِدَّةُ سَوَادِ الْعَيْنِ مَعَ سَعَتِهَا وَتَكَلْثُمِ الْوَجْهِ.
وَهُوَ اسْتِدَارَتُهُ وَثِقَلِ الْأَرْدَافِ وَرِقَّةِ الْخَصْرِ وَالْمَلَاحَةِ (فِي الْأَصَحِّ) لِتَسَامُحِ النَّاسِ بِإِهْمَالِهَا.
وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ لِأَنَّهَا مَقْصُودَةٌ لَا تُؤَدِّي إلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ وَتَخْتَلِفُ الْقِيمَةُ بِسَبَبِهَا وَيَنْزِلُ فِي الْمَلَاحَةِ عَلَى أَقَلِّ دَرَجَاتِهَا، وَمَعَ ظُهُورِ هَذَا وَقُوَّتِهِ الْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ.
وَيُسَنُّ ذِكْرُ تَفَلُّجِ الْأَسْنَانِ أَوْ غَيْرِهِ وَجَعْدِ الشَّعْرِ أَوْ سَبْطِهِ وَصِفَةِ الْحَاجِبَيْنِ لَا سَائِرِ الْأَوْصَافِ الَّتِي تُؤَدِّي إلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ كَمَا يَصِفُ كُلَّ عُضْوٍ عَلَى حِيَالِهِ بِأَوْصَافِهِ الْمَقْصُودَةِ وَإِنْ تَفَاوَتَ بِهِ الْعُرْفُ وَالْقِيمَةُ لِأَنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْعِزَّةَ، وَلَوْ أَسْلَمَ جَارِيَةً صَغِيرَةً فِي كَبِيرَةٍ صَحَّ كَإِسْلَامِ صَغِيرِ الْإِبِلِ فِي كَبِيرِهَا، فَإِنْ كَبِرَتْ بِكَسْرِ الْبَاءِ أَجْزَأَتْ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَإِنْ وَطِئَهَا كَوَطْءِ الثَّيِّبِ وَرَدَّهَا بِالْعَيْبِ.
(وَفِي) الْمَاشِيَةِ كَالْبَقَرِ وَ (الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ) (وَالسِّنِّ وَاللَّوْنِ وَالنَّوْعِ) لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ وَالْقِيمَةِ بِذَلِكَ، فَيَقُولُ فِي الْإِبِلِ بَخَاتِيٌّ أَوْ عِرَابٌ أَوْ مِنْ نِتَاجِ بَنِي فُلَانٍ أَوْ بَلَدِ بَنِي فُلَانٍ، وَفِي بَيَانِ الصِّفَاتِ أَرْحَبِيَّةٌ أَوْ مُهْرِيَّةٌ لِمَا مَرَّ، وَفِي الْخَيْلِ عَرَبِيٌّ أَوْ تُرْكِيٌّ أَوْ مِنْ خَيْلِ بَنِي فُلَانٍ لِطَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ، وَمُقْتَضَى إطْلَاقِهِ جَوَازُ السَّلَمِ فِي الْأَبْلَقِ، وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَفِي الْحَاوِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْبُلْقَ مُخْتَلِفٌ لَا يَنْضَبِطُ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالْبَرَاذِينِ لِأَنَّهُ نَادِرٌ فِي الْعَتَاقِ، وَالْأَشْبَهُ الصِّحَّةُ بِبَلَدٍ يَكْثُرُ وُجُودُهَا فِيهِ، وَيَكْفِي مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ أَبْلَقَ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ اهـ.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْجَوَازِ عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ بِكَثْرَةٍ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ، وَعَدَمُ الْجَوَازِ عَلَى خِلَافِ مَا ذُكِرَ،
[حاشية الشبراملسي]
وُقِفَ الْأَمْرُ إلَى الِاصْطِلَاحِ عَلَى شَيْءٍ (قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْكَحَلِ) أَيْ لَكِنْ لَوْ ذَكَرَ شَيْئًا وَجَبَ اعْتِبَارُهُ بِاتِّفَاقِ الْقَوْلَيْنِ وَيَنْزِلُ عَلَى أَقَلِّ الدَّرَجَاتِ بِالنِّسْبَةِ لِغَالِبِ النَّاسِ (قَوْلُهُ: السِّمَنِ فِي الْأَمَةِ) إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْأَمَةِ لِكَوْنِهَا مَحَلَّ تَوَهُّمِ الِاشْتِرَاطِ دُونَ الْعَبْدِ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ كَالْمَحَلِّيِّ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي التَّقْيِيدِ بِالْأَمَةِ (قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِمَا) أَيْ وَلَكِنْ يُسَنُّ ذِكْرُهُ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ وَقِيَاسًا عَلَى سَنِّ ذِكْرِ مُفَلَّجِ الْأَسْنَانِ وَمَا مَعَهُ الْآتِي بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ: وَالْمَلَاحَةُ) هِيَ تَنَاسُبُ الْأَعْضَاءِ، وَقِيلَ صِفَةٌ يَلْزَمُهَا تَنَاسُبُ الْأَعْضَاءِ (قَوْلُهُ: بِإِهْمَالِهَا) أَيْ فِي الرَّقِيقِ، إذْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْخِدْمَةُ لَا التَّمَتُّعُ فِي الْغَالِبِ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ) أَيْ الذِّكْرُ (قَوْلُهُ: وَمَعَ ظُهُورِ هَذَا) أَيْ الثَّانِي (قَوْلُهُ: كَمَا يَصِفُ) مِثَالٌ لِلْمَنْفِيِّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَبِرَتْ) أَيْ الْجَارِيَةُ الَّتِي هِيَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ حَيْثُ وُجِدَتْ فِيهَا صِفَاتُ الْمُسْلَمِ فِيهِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَغَيْرِهَا.
وَإِنَّمَا خَصَّ الْجَارِيَةَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ امْتِنَاعُهُ خَوْفًا مِنْ وَطْئِهَا ثُمَّ رَدِّهَا (قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْبَاءِ) وَضَابِطُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي الْمَعَانِي وَالْأَجْرَامِ فَبِالضَّمِّ، وَإِنْ كَانَ فِي السِّنِّ فَبِالْكَسْرِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ وَطِئَهَا) غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَبْلَقِ) فِي الْمُخْتَارِ: الْبُلْقُ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ وَكَذَا الْبُلْقَةُ بِالضَّمِّ يُقَالُ فَرَسٌ أَبْلَقُ، وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِالْأَبْلَقِ مَا فِيهِ حُمْرَةٌ وَبَيَاضٌ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَبْلَقِ فِي كَلَامِهِمْ مَا اشْتَمَلَ عَلَى لَوْنَيْنِ فَلَا يَخْتَصُّ بِمَا فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ (قَوْلُهُ: عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا) أَيْ الْخِلَافُ فِي الْأَبْلَقِ (قَوْلُهُ: وَالْأَشْبَهُ الصِّحَّةُ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وُجُودِ ذَلِكَ بِكَثْرَةٍ) كَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بِهِ بَيْنَ كَلَامَيْ الْبَحْرِ وَالْحَاوِي، فَلَيْسَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لَا سَائِرُ الْأَوْصَافِ) مُحْتَرَزُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ذَكَرَ نَوْعَهُ إلَخْ
. (قَوْلُهُ: لِطَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ) أَيْ لِئَلَّا يُعَزَّ وُجُودُهُ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي ثِمَارِ الْقَرْيَةِ (قَوْلُهُ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إلَخْ) رَاجِعٌ إلَى مَا قَبْلَ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ