فِي الْمُهِمَّاتِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ مَا هُوَ فِيهِ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ عَنْ غَيْرِهِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ تَجِبُ مَعَ السَّلَامِ لِيَكُونَ الْخُرُوجُ كَالدُّخُولِ فِيهِ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَالَ: إنَّهَا دَقِيقَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْمُتَطَوِّعُ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ قَصْدًا: فَإِنْ قَصَدَ التَّحَلُّلَ فَقَدْ قَصَدَ الِاقْتِصَارَ عَلَى بَعْضِ مَا نَوَى، وَإِنْ سَلَّمَ عَمْدًا وَلَمْ يَقْصِدْ التَّحَلُّلَ فَقَدْ حَمَلَهُ الْأَئِمَّةُ عَلَى كَلَامٍ عَمْدٍ يَبْطُلُ فَكَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ التَّحَلُّلِ فِي حَقِّ الْمُتَنَفِّلِ الَّذِي يُرِيدُ الِاقْتِصَارَ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْمُتَنَفِّلَ الْمُسَلِّمَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ يَأْتِي بِمَا لَمْ تَشْتَمِلْ عَلَيْهِ نِيَّةُ عَقْدِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ نِيَّةٍ فَافْهَمْهُ.
(وَأَكْمَلُهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) لِلِاتِّبَاعِ، وَلَا يُسَنُّ وَبَرَكَاتُهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ الْمَنْقُولِ لَكِنَّهَا ثَبَتَتْ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ كَثِيرٌ نَدْبَهَا (مَرَّتَيْنِ) وَإِنْ تَرَكَهُ إمَامُهُ كَمَا سَيَأْتِي لِلِاتِّبَاعِ، وَأَخْبَارُ التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ ضَعِيفَةٌ أَوْ مَحْمُولَةٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ وَقَدْ يَحْرُمُ السَّلَامُ الثَّانِي عِنْدَ عُرُوضِ مُنَافٍ عَقِبَ الْأُولَى كَحَدَثٍ وَخُرُوجِ وَقْتِ جُمُعَةٍ وَتَخَرُّقِ خُفٍّ وَنِيَّةِ إقَامَةٍ وَانْكِشَافِ عَوْرَةٍ وَسُقُوطِ نَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا عَلَيْهِ، وَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِهَا وَمُكَمِّلَاتِهَا، وَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ لَهُمَا مَرَّةً أَنَّهَا مِنْهَا وَأُخْرَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فَلَا تَنَاقَضَ وَيُسَنُّ عِنْدَ إتْيَانِهِ بِهِمَا أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْعَبَّادِيِّ فِي طَبَقَاتِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَصَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَلَوْ سَلَّمَ الثَّانِيَةَ عَلَى اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ أَتَى بِالْأُولَى وَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ لَمْ تُحْسَبْ وَيُسَلِّمُ التَّسْلِيمَتَيْنِ كَمَا أَفْتَى بِهِ
[حاشية الشبراملسي]
فِيهِ لَوْ نَوَتْ فِي ابْتِدَاءِ التَّشَهُّدِ مَثَلًا أَنَّهُ بَعْدَ فَرَاغِ التَّشَهُّدِ يَنْوِي الْخُرُوجَ قَبْلَ السَّلَامِ عَدَمَ الْبُطْلَانِ هُنَا لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْمُبْطِلِ (قَوْلُهُ مِنْ هَذَا) الْإِشَارَةُ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَجِبُ إلَخْ (قَوْلُهُ: فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ) أَيْ كَأَنْ نَوَى عَشْرًا وَسَلَّمَ قَبْلَ الْعَاشِرَةِ (قَوْلُهُ: عَلَى بَعْضِ مَا نَوَى) أَيْ وَذَلِكَ مُتَضَمِّنٌ لِنِيَّةِ النَّقْصِ عَمَّا نَوَاهُ (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ) أَيْ بَيِّنٌ عَدَمُ نِيَّةِ الْخُرُوجِ هُنَا وَاعْتِبَارُهَا فِي صَلَاةِ النَّفْلِ الَّتِي اقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى بَعْضِ مَا نَوَاهُ حَيْثُ فَصَلَ فِيهَا بَيْنَ قَصْدِ التَّحَلُّلِ وَعَدَمِهِ، ثُمَّ قَضِيَّةُ مَا ذُكِرَ اعْتِمَادُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ.
وَفِي حَجّ مَا نَصُّهُ: وَفِيهِ أَيْ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ نَظَرٌ، وَمِمَّا يَدْفَعُهُ: أَيْ كَلَامُ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ النَّقْصُ إلَّا بِنِيَّتِهِ إيَّاهُ قَبْلَ فِعْلِهِ، وَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ عِلَّتُهُ الْمَذْكُورَةُ لِأَنَّ نِيَّتَهُ لِلنَّقْصِ مُتَضَمِّنَةٌ لِسَلَامِهِ الَّذِي أَرَادَهُ فَلَمْ يَحْتَجْ لِنِيَّةٍ أُخْرَى، وَلَعَلَّ مَقَالَةَ الْإِمَامِ هَذِهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ نِيَّةُ النَّقْصِ قَبْلَ فِعْلِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) أَيْ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الذِّكْرَ، أَوْ الذِّكْرَ وَالْإِعْلَامَ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ اهـ سم عَلَى حَجّ فِي فَصْلٍ تَبْطُلُ بِالنُّطْقِ إلَى آخِرِهِ الْآتِي (قَوْلُهُ: وَلَا يُسَنُّ وَبَرَكَاتُهُ) قَالَ حَجّ: إلَّا فِي الْجِنَازَةِ.
وَقَالَ سم عَلَيْهِ: كَذَا قِيلَ وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الْجَنَائِزِ كَغَيْرِهَا عَدَمُ زِيَادَةِ وَبَرَكَاتُهُ فِيهَا أَيْضًا اهـ (قَوْلُهُ: عَلَى الْمَنْصُوصِ الْمَنْقُولِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَرَكَهُ إمَامُهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ فِعْلِ السَّلَامِ مَرَّتَيْنِ بِأَنْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةٍ (قَوْلُهُ: كَمَا سَيَأْتِي) أَيْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قُبَيْلَ الْبَابِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَحْرُمُ السَّلَامُ) أَيْ مَعَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ (قَوْلُهُ عِنْدَ عُرُوضِ مُنَافٍ) أَيْ لِلصَّلَاةِ وَمِنْهُ تَحْوِيلُ صَدْرِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ بَيْنَ التَّسْلِيمَتَيْنِ عَلَى مَا يُفِيدُهُ هَذَا الْكَلَامُ، وَقَوْلُهُ قَبْلُ وَصَدْرُهُ لِلْقِبْلَةِ إذْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ فِي غَيْرِ الْأُولَى (قَوْلُهُ: كَحَدَثٍ) أَقُولُ: وَجْهُ الْحُرْمَةِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ صَارَ إلَى حَالَةٍ لَا تَقْبَلُ هَذِهِ الصَّلَاةَ الْمَخْصُوصَةَ فَلَا تَقْبَلُ تَوَابِعَهَا اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَانْكِشَافُ عَوْرَةٍ) أَيْ انْكِشَافًا مُبْطِلًا لِلصَّلَاةِ بِأَنْ طَالَ الزَّمَنُ مَثَلًا (قَوْلُهُ: أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بِسَكْتَةٍ (قَوْلُهُ وَيُسَلِّمُ التَّسْلِيمَتَيْنِ إلَخْ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ، لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ
[حاشية الرشيدي]
التَّحَلُّلَ (قَوْلُهُ: كَالدُّخُولِ فِيهِ) كَذَا فِي نُسَخِ الشَّارِحِ وَلَا مَرْجِعَ لِلضَّمِيرِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ مِنْ الْكَتَبَةِ عَنْ قَوْلِ الْجَلَالِ، فَإِنَّ هَذِهِ عِبَارَتَهُ (قَوْلُهُ: وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْمُتَطَوِّعُ) أَيْ الَّذِي نَوَى عَدَدًا وَاقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِ (قَوْلُهُ:، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ)
الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ، وَيُفَارِقُ ذَلِكَ حُسْبَانُ جُلُوسِهِ بِنِيَّةِ الِاسْتِرَاحَةِ عَنْ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ لَمْ تَشْمَلْ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ لِأَنَّهَا مِنْ لَوَاحِقِهَا لَا مِنْ نَفْسِهَا، وَلِهَذَا لَوْ أَحْدَثَ بَيْنَهُمَا لَمْ تَبْطُلْ فَصَارَ كَمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ سَجَدَ لِتِلَاوَةٍ أَوْ سَهْوٍ فَإِنَّهَا لَا تَقُومُ مَقَامَ تِلْكَ السَّجْدَةِ، بِخِلَافِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ فَإِنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ شَامِلَةٌ لَهَا وَأَنْ تَكُونَ الْأُولَى (يَمِينًا وَ) الْأُخْرَى (شِمَالًا) لِلِاتِّبَاعِ (مُلْتَفِتًا) فِي التَّسْلِيمَةِ (الْأُولَى حَتَّى يَرَى خَدَّهُ الْأَيْمَنَ) فَقَطْ لَا خَدَّاهُ (وَفِي) التَّسْلِيمَةِ (الثَّانِيَةِ) حَتَّى يَرَى خَدَّهُ (الْأَيْسَرَ) كَذَلِكَ، وَيُسَنُّ أَنْ يَبْتَدِئَ بِهِ وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ بِوَجْهِهِ.
أَمَّا بِصَدْرِهِ فَوَاجِبٌ (نَاوِيًا السَّلَامَ) بِمَرَّةِ الْيَمِينِ الْأُولَى (عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَ) بِمَرَّةٍ الْيَسَارَ عَلَى مَنْ عَنْ (يَسَارِهِ) وَبِأَيِّهِمَا شَاءَ عَلَى مُحَاذِيهِ (مِنْ مَلَائِكَةٍ وَمُؤْمِنِي إنْسٍ وَجِنٍّ) سَوَاءٌ أَكَانَ مَأْمُومًا أَمْ إمَامًا.
أَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيَنْوِي بِهِمَا عَلَى الْمَلَائِكَةِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَعَلَى مُؤْمِنِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ (وَيَنْوِي الْإِمَامُ) زِيَادَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ
[حاشية الشبراملسي]
يُبْطِلُ عَمْدُهُ، فَإِنْ قَصَدَ الثَّانِيَةَ قَبْلَ الْأُولَى يُعَدُّ أَجْنَبِيًّا، وَعِبَارَةُ حَجّ بَعْدَ قَوْلِ الشَّارِحِ لَمْ يُحْسَبْ مَا نَصُّهُ: سَلَامُهُ عَنْ فَرْضِهِ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ عَلَى اعْتِقَادِ النَّفْلِ فَلْيَسْجُدْ لِلسَّهْوِ ثُمَّ يُسَلِّمْ اهـ (قَوْلُهُ: يَمِينًا وَشِمَالًا) قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: بِخِلَافِ مَا لَوْ سَلَّمَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ تَارِكًا لَلسُّنَّةِ، وَلَا يُكْرَهُ إلَّا عَلَى مَا يَأْتِي عَنْ الْمَجْمُوعِ اهـ، وَبَقِيَ مَا لَوْ سَلَّمَ الْأَوَّلُ عَنْ الْيَسَارِ فَهَلْ يُسَنُّ حِينَئِذٍ جَعْلُ الثَّانِي عَنْ الْيَمِينِ؟ يَنْبَغِي نَعَمْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ وَالْأُولَى خِلَافُهُ فَيَأْتِي بِالثَّانِيَةِ عَنْ يَسَارِهِ أَيْضًا لِأَنَّهَا هَيْئَتُهَا الْمَشْرُوعَةُ لَهَا فَفِعْلُهَا عَنْ يَمِينِهِ تَغْيِيرٌ لِلسُّنَّةِ الْمَطْلُوبَةِ فِيهَا كَمَا لَوْ قُطِعَتْ سَبَّابَتُهُ الْيُمْنَى لَا يُشِيرُ بِغَيْرِهَا لِأَنَّ لَهُ هَيْئَةً مَطْلُوبَةً، فَالْإِشَارَةُ بِهِ تَفُوتُ مَا طُلِبَ لَهُ مِنْ قَبْضِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ الْيَمِينِ، وَنَشْرُهَا عَلَى الْفَخِذَيْنِ إنْ كَانَتْ مِنْ الْيُسْرَى.
وَقَوْلُ سم: وَلَا يُكْرَهُ إلَّا عَلَى مَا يَأْتِي عَنْ الْمَجْمُوعِ: أَيْ فِي كَلَامِ حَجّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَعِنْدِي لَا يُكْرَهُ إلَى آخِرِهِ مِنْ قَوْلِهِ تَنْبِيهٌ: قَدْ يُنَافِي سَلْبُهُ الْكَرَاهَةَ مَا نُقِلَ عَنْ مَجْمُوعِهِ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَرْكُ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ، إلَّا أَنْ يَجْمَعَ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى، أَوْ مُرَادُهُ السُّنَنُ الْمُتَأَكِّدَةُ لِنَحْوِ جَرَيَانِ خِلَافٍ فِي وُجُوبِهَا كَمَا يَأْتِي أَوَاخِرَ الْمُبْطِلَاتِ بِزِيَادَةٍ اهـ وَقَوْلُ الْمَجْمُوعِ: يُكْرَهُ تَرْكُ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ مِثْلُهُ مَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةِ إمَامِهِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ وَالْأَوْلَى جَعْلُهَا عَنْ يَمِينِهِ (قَوْلُهُ: أَمَّا بِصَدْرِهِ فَوَاجِبٌ) وَهَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ: وَصَدْرُهُ لِلْقِبْلَةِ (قَوْلُهُ نَاوِيًا السَّلَامَ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ نِيَّةِ السَّلَامِ عَلَى مَنْ ذُكِرَ، أَوْ الرَّدُّ نِيَّةُ سَلَامِ الصَّلَاةِ حَتَّى لَوْ نَوَى مُجَرَّدَ السَّلَامِ عَلَى مَنْ ذُكِرَ، أَوْ الرَّدُّ رَدٌّ لِلصَّارِفِ: وَقَدْ قَالُوا: يُشْتَرَطُ فَقْدُ الصَّارِفِ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ فَيَكُونُ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ اشْتِرَاطِ فَقْدِ الصَّارِفِ لِوُرُودِهِ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْقَلْبُ إلَى الِاشْتِرَاطِ أَمْيَلُ وَهُوَ الْوَجْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ فِي قَوْلَةٍ أُخْرَى بَعْدُ: وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا أَنَّهُ يَنْبَغِي إذَا قَصَدَ بِالسَّلَامِ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَنْ يَقْصِدَ مَعَ ذَلِكَ سَلَامَ الصَّلَاةِ وَإِلَّا كَانَ مَصْرُوفًا، إلَخْ ذَكَرْته لمر فَمَالَ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ: أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ هَذَا مَأْمُورٌ بِهِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
قَوْلُهُ وَهُوَ الْوَجْهُ نَقَلَ مِثْلَهُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى حَجّ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَالْأَقْرَبُ مَا مَال إلَيْهِ م ر مِنْ عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ، وَيُوَجَّهُ بِمَا قَالَهُ حَجّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ بِسَلَامِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الرَّدُّ لِأَنَّهُ لِكَوْنِهِ مَشْرُوعًا لِلتَّحَلُّلِ لَمْ يَصْلُحْ لِلْأَمَانِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سَلَامٌ مِنْهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصْلُحْ صَارِفًا (قَوْلُهُ: عَلَى مَنْ عَلَى يَمِينِهِ) أَيْ وَلَوْ غَيْرَ مُصَلٍّ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمُصَلِّي الرَّدُّ عَلَيْهِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَصَدَهُ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ وَبَقِيَّةِ الصُّوَرِ
(قَوْلُهُ: أَمَّا الْمُنْفَرِدُ) لَا وَجْهَ لِقَطْعِهِ عَمَّا قَبْلَهُ مَعَ اتِّحَادِهِ مَعَهُ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ تَابِعٌ فِي هَذَا التَّعْبِيرِ لِلشَّارِحِ الْجَلَالِ، لَكِنَّ ذَاكَ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ وَعَلَى مُؤْمِنِي الْإِنْسِ، وَالْجِنِّ (قَوْلُهُ: زِيَادَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ) فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ عَيَّنَهُ بِاعْتِبَارِ مَا حَلَّهُ هُوَ بِهِ، وَالشَّارِحُ الْجَلَالُ لَمْ يَذْكُرَ قَوْلَ الشَّارِحِ هُنَا فِيمَا مَرَّ: وَبِأَيِّهِمَا شَاءَ
(السَّلَامَ عَلَى الْمُقْتَدِينَ) مَنْ عَنْ يَمِينِهِ بِالْأُولَى، وَمَنْ عَنْ يَسَارِهِ بِالثَّانِيَةِ، وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ (وَهُمْ الرَّدَّ عَلَيْهِ) وَعَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمَأْمُومِينَ فَيَنْوِيهِ مَنْ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ بِالثَّانِيَةِ وَمَنْ عَنْ يَسَارِهِ بِالْأُولَى، فَإِنْ حَاذَاهُ فَبِالْأُولَى أَوْلَى، لِأَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ فِي التَّرْجِيحِ فِي الثَّانِيَةِ هَلْ هِيَ مِنْ الصَّلَاةِ أَمْ لَا كَمَا مَرَّ، وَاسْتَشْكَلَ كَوْنُ الَّذِي عَنْ يَسَارِهِ يَنْوِي الرَّدَّ عَلَيْهِ بِالْأُولَى لِأَنَّ الرَّدَّ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَالْإِمَامُ إنَّمَا يَنْوِي السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ بِالثَّانِيَةِ فَكَيْفَ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ إنَّمَا يُسَلِّمُ الْأُولَى مَعَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالتَّحْقِيقِ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ الْبَرَاءِ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُسَلِّمَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الصَّلَاةِ» وَاسْتَشْكَلَ أَيْضًا قَوْلُهُمْ يَنْوِي السَّلَامَ عَلَى الْمُقْتَدِينَ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلنِّيَّةِ، فَإِنَّ الْخِطَابَ كَافٍ فِي الصَّرْفِ إلَيْهِمْ، فَأَيُّ مَعْنًى لِلنِّيَّةِ وَالصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا كَمَا لَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُ خَارِجَ الصَّلَاةِ إذَا سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ إلَى نِيَّةٍ فِي أَدَاءِ السُّنَّةِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمَّا عَارَضَ ذَلِكَ تَحَلُّلَ الصَّلَاةِ احْتَاجَ إلَى نِيَّةٍ بِخِلَافِ خَارِجِهَا.
(الثَّالِثَ عَشَرَ) مِنْ أَرْكَانِهَا (تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ) كَمَا ذَكَرْنَا فِي عَدِّهَا الْمُشْتَمِلِ عَلَى قَرْنِ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ وَجَعْلِهِمَا مَعَ
[حاشية الشبراملسي]
بِالسَّلَامِ، ثُمَّ رَأَيْت حَجّ قَالَ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ غَيْرُ مُصَلٍّ لَمْ يَلْزَمْهُ الرَّدُّ لِانْصِرَافِهِ لِلتَّحَلُّلِ دُونَ التَّأْمِينِ الْمَقْصُودِ مِنْ السَّلَامِ الْوَاجِبِ رَدُّهُ، وَلِأَنَّ الْمُصَلِّيَ غَيْرُ مُتَأَهِّلٍ لِلْخِطَابِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الرَّدُّ بَلْ يُسَنُّ: أَيْ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ كَمَا يَأْتِي وَقِيَاسُهُ نَدْبُهُ هُنَا أَيْضًا اهـ: أَيْ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ كَأَنْ عَلِمَهُ مِنْ عَادَتِهِ بِإِخْبَارِهِ لَهُ سَابِقًا.
لَا يُقَالُ: يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالُوهُ فِي الْأَيْمَانِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَوْ مِنْ الصَّلَاةِ حَنِثَ.
لِأَنَّا نَقُولُ: ذَاكَ مَحَلُّهُ إذَا قَصَدَهُ بِخُصُوصِهِ بِخِلَافِ مَا هُنَا، وَلَا يَخْتَصُّ السَّلَامُ بِالْحَاضِرِينَ بَلْ يَعُمُّ كُلَّ مَنْ فِي جِهَةِ يَمِينِهِ وَإِنْ بَعُدُوا إلَى آخِرِ الدُّنْيَا، وَإِنْ اقْتَضَى قَوْلُ الْبَهْجَةِ وَنِيَّةُ الْحُضَّارِ بِالتَّسْلِيمِ تَخْصِيصَهُ بِهِمْ.
[فَرْعٌ اسْتِطْرَادِيٌّ] وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَنْ شَخْصَيْنِ تَلَاقَيَا مَعَ شَخْصٍ وَاحِدٍ فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ نَاوِيًا بِهِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ سَلَّمَ وَالِابْتِدَاءُ عَلَى مَنْ يُسَلِّمُ، فَهَلْ تَكْفِي هَذِهِ الصِّيغَةُ عَنْهُمَا أَوْ لَا، لِأَنَّ فِيهَا تَشْرِيكًا بَيْنَ فَرْضٍ وَهُوَ الرَّدُّ وَسُنَّةٍ وَهُوَ الِابْتِدَاءُ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ وَلَا يَضُرُّ التَّشْرِيكُ الْمَذْكُورُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ فِي الْمَأْمُومِينَ إذَا تَأَخَّرَ سَلَامُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، فَكُلٌّ يَنْوِي بِكُلِّ تَسْلِيمَةٍ السَّلَامَ عَلَى مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ وَالرَّدَّ عَلَى مَنْ سَلَّمَ (قَوْلُهُ: وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ) لَا يَأْتِي إذَا تَوَسَّطَتْ تَسْلِيمَتَاهُ بَيْنَ تَسْلِيمَتَيْ الْمُسَلِّمِ وَقَدْ سَلَّمَ عَلَيْهِ الْمُسَلِّمُ بِثَانِيَتِهِ مَثَلًا اهـ سم عَلَى حَجّ: أَيْ فَيَنْوِي حِينَئِذٍ الرَّدَّ لَا السَّلَامَ (قَوْلُهُ: وَهَمَ الرَّدُّ عَلَيْهِ) وَبَقِيَ رَدُّ مُنْفَرِدٍ عَلَى مُنْفَرِدٍ أَوْ إمَامٍ، وَرَدُّ إمَامٍ أَوْ مُنْفَرِدٍ أَوْ مُقْتَدِينَ بِغَيْرِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُتَصَوَّرُ غَيْرُ مَا ذَكَرَهُ، فَحَرَّرَهُ وَانْظُرْ لِمَ تَرَكَهُ وَمَا حُكْمُهُ وَعِبَارَةُ الْإِرْشَادِ وَشَرْحُهُ لِشَيْخِنَا: وَسُنَّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَنْوِيَ بِسَلَامِهِ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا مَنْ حَضَرَ مِنْ مَلَائِكَةٍ وَمُؤْمِنِي إنْسٍ وَجِنٍّ ابْتِدَاءً فِي الثَّلَاثَةِ، خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْإِسْعَادِ وَرَدًّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْمُومِ فَيَنْوِيهِ عَلَى الْإِمَامِ بِأَيِّ سَلَامِهِ شَاءَ إنْ كَانَ خَلْفَهُ، وَبِالثَّانِيَةِ إنْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ، وَبِالْأُولَى إنْ كَانَ عَنْ يَسَارِهِ، وَلِلْأَمَامِ إذَا لَمْ يَفْعَلْ مَنْ عَنْ يَسَارِهِ السُّنَّةَ بِأَنْ سَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ وَلَمْ يَصْبِرْ إلَى فَرَاغِهِ مِنْهَا، فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ الرَّدَّ عَلَيْهِ بِالثَّانِيَةِ، خِلَافًا لِمَا فِي أَصْلِهِ مِنْ اخْتِصَاصِ الرَّدِّ بِالْمَأْمُومِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ: أَيْ وَعِبَارَةُ الْإِرْشَادِ وَشَرْحُهُ تُفِيدُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ وَالْمَأْمُومِ يُسَلِّمُونَ عَلَى مَنْ حَضَرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصَلِّيًا، وَأَنَّ الْمَأْمُومَ وَالْإِمَامَ يَرُدَّانِ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمَا مِنْ الْمُصَلِّينَ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ فَلَا يُسَنُّ لَهُ الرَّدُّ عَلَى غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ حَاذَاهُ) أَيْ بِأَنْ كَانَ خَلْفَهُ.
(قَوْلُهُ: الثَّالِثَ عَشَرَ إلَخْ)
[حاشية الرشيدي]
عَلَى مُحَاذِيهِ، وَاقْتَصَرَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيَنْوِي الْإِمَامُ السَّلَامَ عَلَى الْمُقْتَدِينَ، عَلَى قَوْلِهِ هَذَا يَزِيدُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بِالْمُقْتَدِينَ خَلْفَهُ انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ بِخِلَافِ مَا صَنَعَهُ الشَّارِحُ هُنَا (قَوْلُهُ: وَمَنْ عَنْ يَسَارِهِ بِالْأَوْلَى) هَذَا ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ
الْقِرَاءَةِ فِي الْقِيَامِ وَجَعْلِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فِي الْقُعُودِ، فَالتَّرْتِيبُ عِنْدَ مَنْ أَطْلَقَهُ مُرَادٌ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: بَيْنَ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ وَالْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ تَرْتِيبٌ، لَكِنْ بِاعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ لَا بِاعْتِبَارِ الِانْتِهَاءِ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْقِيَامِ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالْجُلُوسِ عَلَى التَّشَهُّدِ وَاسْتِحْضَارِ النِّيَّةِ مَعَ التَّكْبِيرِ، عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الِانْتِصَابِ عَلَى ابْتِدَاءِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَاسْتِحْضَارُ النِّيَّةِ مَعَ التَّكْبِيرِ شَرْطٌ لَهَا لَا رُكْنٌ لِخُرُوجِهِ عَنْ الْمَاهِيَةِ وَمِنْهُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ، وَدَلِيلُ وُجُوبِهِ الِاتِّبَاعُ وَالْإِجْمَاعُ فَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْأَعْرَابِيِّ «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ ثُمَّ كَذَا» فَذَكَرَهَا بِالْفَاءِ أَوَّلًا ثُمَّ بِثُمَّ وَهُمَا لِلتَّرْتِيبِ، وَعَدُّهُ مِنْ الْأَرْكَانِ بِمَعْنَى الْفُرُوضِ صَحِيحٌ وَبِمَعْنَى الْإِجْزَاءِ فِيهِ تَغْلِيبٌ وَخَرَجَ بِالْأَرْكَانِ السُّنَنُ، فَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهَا كَالْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ وَالتَّشَهُّدِ وَالدُّعَاءِ لَيْسَ بِرُكْنٍ فِي الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِلِاعْتِدَادِ بِسُنَّتَيْهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُعَدَّ الْوَلَاءُ رُكْنًا وَإِنْ حَكَاهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ شَرْطٌ إذْ هُوَ بِالتَّرْكِ أَشْبَهُ، وَصَوَّرَهُ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْإِمَامِ بَعْدَ تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ وَابْنُ الصَّلَاحِ بِعَدَمِ طُولِ الْفَصْلِ بَعْدَ سَلَامِهِ نَاسِيًا، وَبَعْضُهُمْ بِعَدَمِ طُولِ الْفَصْلِ بَعْدَ شَكِّهِ فِي نِيَّةِ صَلَاتِهِ.
(فَإِنْ تَرَكَهُ) أَيْ تَرْتِيبَ الْأَرْكَانِ (عَمْدًا) كَأَنْ قَدَّمَ رُكْنًا فِعْلِيًّا وَمِنْ صُوَرِهِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (بِأَنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ) أَوْ رَكَعَ قَبْلَ قِرَاءَتِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا إذَا قَدَّمَ رُكْنًا قَوْلِيًّا يَضُرُّ نَقْلُهُ كَسَلَامِهِ قَبْلَ تَشَهُّدِهِ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) بِالْإِجْمَاعِ لِكَوْنِهِ مُتَلَاعِبًا، فَإِنْ قَدَّمَ رُكْنًا قَوْلِيًّا غَيْرَ سَلَامٍ كَتَشَهُّدٍ عَلَى سُجُودِ، أَوْ قَوْلِيًّا عَلَى قَوْلِيٍّ كَالصَّلَاةِ
[حاشية الشبراملسي]
قَالَ الدَّمَامِينِيُّ: فِي مِثْلِهِ فِي عِبَارَةِ الْمُغْنِي هُوَ بِفَتْحِ الثَّاءِ عَلَى أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مَعَ عَشْرٍ وَكَذَا الرَّابِعُ وَنَحْوُهُ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ الضَّمُّ عَلَى الْإِعْرَابِ وَأَطَالَ فِي بَيَانِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الِانْتِصَابِ إلَخْ) يُتَأَمَّلُ هَذَا فَإِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ جَوَابٌ عَنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ وَلَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْقِيَامِ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ التَّرْتِيبَ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ حَاصِلٌ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِيَامِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ التَّقَدُّمَ لِلْقِيَامِ عَلَى ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا لَكِنَّهُ شَرْطٌ لَا رُكْنٌ (قَوْلُهُ وَعَدُّهُ) أَيْ التَّرْتِيبِ (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْفُرُوضِ صَحِيحٌ) أَيْ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَإِلَّا فَمُطْلَقُ الصِّحَّةِ ثَابِتٌ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا بِمَعْنَى الْإِجْزَاءِ تَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَيُصَرَّحُ بِالصِّحَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا قَوْلُ الشَّارِحِ بَعْدُ: وَبِمَعْنَى الْإِجْزَاءِ فِيهِ تَغْلِيبٌ: فَإِنَّ التَّغْلِيبَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ (قَوْلُهُ: فِيهِ تَغْلِيبٌ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: أَقُولُ: فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ صُورَةَ الْمُرَكَّبِ جُزْءٌ مِنْهُ، فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ التَّرْتِيبُ بِمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ إشَارَةً إلَى صُورَةِ الصَّلَاةِ وَأَنَّهَا جُزْءٌ لَهَا حَقِيقَةً فَلَا تَغْلِيبَ فَتَأَمَّلْ اهـ.
أَقُولُ: لَكِنْ حَجّ كَشَيْخِهِ وَالْمَحَلِّيِّ إنَّمَا بَنَوْا ذَلِكَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ كَوْنِهِ جُزْءًا مَحْسُوسًا فِي الظَّاهِرِ فَاحْتَاجُوا لِلْجَوَابِ بِمَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: وَصَوَّرَهُ الرَّافِعِيُّ) أَيْ صَوَّرَ الْوَلَاءَ الْمُخْتَلَفَ فِي كَوْنِهِ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا (قَوْلُهُ: وَبَعْضُهُمْ بِعَدَمِ طُولِ الْفَصْلِ) أَيْ أَوْ مَضَى رُكْنٌ اهـ حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ صُوَرِهِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْحَصْرَ فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَأَنَّ الْبَاءَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى
[حاشية الرشيدي]
لِلرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ دُونَ غَيْرِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ
[الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاة تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ]
(قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الِانْتِصَابِ إلَخْ) هَذَا يُنْتَجُ نَقِيضُ مَطْلُوبِهِ، وَالشِّهَابُ حَجّ ذَكَرَهُ فِي مَقَامِ الرَّدِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ وَيُمْكِنُ إلَخْ، وَعِبَارَتُهُ: وَدَعْوَى أَنَّ بَيْنَ مَا ذُكِرَ تَرْتِيبًا بِاعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ، إذْ لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ الْقِيَامِ عَلَى النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَالْجُلُوسِ عَلَى التَّشَهُّدِ وَاسْتِحْضَارِ النِّيَّةِ عَلَى التَّكْبِيرِ، وَهُوَ تَرْتِيبٌ حِسِّيٌّ، وَشَرْعِيٌّ لَا يُفِيدُ لِمَا مَرَّ مِمَّا يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيمَ شَرْطٌ لِحُسْبَانِ ذَلِكَ لَا رُكْنٌ (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) يَعْنِي: مِنْ التَّرْتِيبِ (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْفُرُوضِ صَحِيحٌ) أَيْ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ وَإِلَّا فَالصِّحَّةُ ثَابِتَةٌ وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّغْلِيبِ (قَوْلُهُ: فَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهَا) حَقُّ الْعِبَارَةِ فَالتَّرْتِيبُ فِيهَا حَتَّى يُلَاقِيَ التَّمْثِيلَ، إذْ التَّرْتِيبُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفَرْضِ
(قَوْلُهُ: كَسَلَامِهِ قَبْلَ تَشَهُّدِهِ) الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَدَّمَ رُكْنًا قَوْلِيًّا) أَيْ عَلَى رُكْنٍ فِعْلِيٍّ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ
عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى التَّشَهُّدِ لَمْ تَبْطُلْ، لَكِنْ لَا يُعْتَدُّ بِمَا قَدَّمَهُ بَلْ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ فِي مَحَلِّهِ، وَكَثِيرًا مَا يُعَبِّرُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ غَيْرَ مُرِيدٍ بِهَا الْحَصْرَ، بَلْ بِمَعْنَى كَأَنْ (وَإِنْ سَهَا) أَيْ تَرَكَ ذَلِكَ سَهْوًا (فَمَا) فَعَلَهُ (بَعْدَ الْمَتْرُوكِ لَغْوٌ) لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ (فَإِنْ تَذَكَّرَهُ) أَيْ الْمَتْرُوكَ (قَبْلَ بُلُوغِ) فِعْلٍ (مِثْلِهِ) مِنْ رَكْعَةٍ أُخْرَى (فَعَلَهُ) بَعْدَ تَذَكُّرِهِ فَوْرًا وُجُوبًا، فَإِنْ تَأَخَّرَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَالتَّذَكُّرُ فِي كَلَامِهِ مِثَالٌ فَلَوْ شَكَّ فِي رُكُوعِهِ هَلْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَوْ فِي سُجُودِهِ هَلْ رَكَعَ أَمْ لَا لَزِمَهُ الْقِيَامُ حَالًا فَإِنْ مَكَثَ قَلِيلًا لِيَتَذَكَّرَ بَطَلَتْ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ فِي قِيَامِهِ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَسَكَتَ لِيَتَذَكَّرَ وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ فَعَلَهُ مَا لَوْ تَذَكَّرَ فِي سُجُودِهِ أَنَّهُ تَرَكَ الرُّكُوعَ
[حاشية الشبراملسي]
الْكَافِ وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي كَلَامِهِ (قَوْلُهُ بَلْ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ فِي مَحَلِّهِ) أَيْ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَلَى مَا يَأْتِي فِيمَا لَوْ نَقَلَ مَطْلُوبًا قَوْلِيًّا (قَوْلُهُ: بِأَنَّ غَيْرَ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِبَأَنَّ، فَالْبَاءُ الْأُولَى لِتَعْدِيَةِ الْفِعْلِ وَالثَّانِيَةُ جُزْءُ الْكَلِمَةِ الَّتِي عَبَّرَ بِهَا، فَلَعَلَّهُ ضَمَّنَ يُعَبِّرُ مَعْنَى يَذْكُرُ (قَوْلُهُ: أَيْ الْمَتْرُوكَ) زَادَ حَجّ: غَيْرُ الْمَأْمُومِ.
أَقُولُ: وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ مَتَى انْتَقَلَ عَنْهُ إلَى رُكْنٍ آخَرَ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ تَذَكَّرَ الْمَأْمُومُ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لَمْ يَعُدْ لَهُ، بَلْ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ مَعَهُ لِلتَّشَهُّدِ قَبْلَ الطُّمَأْنِينَةِ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَعُدْ لَهَا، لَكِنْ سَيَأْتِي مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْجُدُ وَيَلْحَقُ إمَامَهُ، وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّهُ لَمَّا تَمَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ غَيْرَ التَّشَهُّدِ اغْتَفَرَ لِلْمَأْمُومِ ذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِ حَجّ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ: أَنَّ مَحَلَّ امْتِنَاعِ الْعَوْدِ إذَا فَحَشَتْ الْمُخَالَفَةُ أَنَّهُ يَعُودُ لِلْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ إذَا تَذَكَّرَ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ تَرْكَ الطُّمَأْنِينَةِ فِيهِ.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ فِيهِ أَنَّهُ إذَا تَذَكَّرَ قَبْلَ الْقِيَامِ أَنَّهُ لَمْ يَجْلِسْ أَوْ شَكَّ فِيهِ عَادَ لِلْجُلُوسِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الِانْتِقَالُ عَنْهُ عَدَمُ عَوْدِهِ هُنَا (قَوْلُهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّ التَّأَخُّرُ وَسَيَأْتِي فِي فَصْلِ الْمُتَابَعَةِ مَا يُوَافِقُهُ (قَوْلُهُ لَزِمَهُ الْقِيَامُ حَالًا) أَيْ حَيْثُ كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْمَأْمُومَ لَوْ عَلِمَ فِي رُكُوعِهِ أَنَّهُ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ أَوْ شَكَّ لَمْ يَعُدْ إلَيْهَا بَلْ يُصَلِّي رَكْعَةً بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الشَّاكُّ إمَامًا فَعَادَ بَعْدَ رُكُوعِ الْمَأْمُومِينَ مَعَهُ أَوْ سُجُودِهِمْ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ فِي الرُّكْنِ الَّذِي عَادَ مِنْهُ الْإِمَامُ وَإِنْ كَانَ قَصِيرًا كَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، أَوْ يَعُودُونَ مَعَهُ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ الْفَاتِحَةَ، أَوْ تَتَعَيَّنُ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَلَا يَبْعُدُ الْأَوَّلُ حَمْلًا لَهُ عَلَى أَنَّهُ عَادَ سَاهِيًا لَكِنْ يَنْبَغِي إذَا عَادَ وَالْمَأْمُومُ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أَنْ يَسْجُدَ وَيَنْتَظِرَهُ فِي السُّجُودِ حَذَرًا مِنْ تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ (قَوْلُهُ: مَا لَوْ تَذَكَّرَ فِي سُجُودِهِ أَنَّهُ تَرَكَ الرُّكُوعَ) وَكَذَا لَوْ شَكَّ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا لَوْ شَكَّ غَيْرُ مَأْمُومٍ بَعْدَ تَمَامِ رُكُوعِهِ فِي الْفَاتِحَةِ فَعَادَ لِلْقِيَامِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ قَرَأَ فَيُحْسَبُ لَهُ انْتِصَابُهُ عَنْ الِاعْتِدَالِ بِأَنَّهُ لَمْ يَصْرِفْ الرُّكْنَ الْأَجْنَبِيَّ عَنْهُ فَإِنَّ الْقِيَامَ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا ظَنَّ صِفَةً أُخْرَى لَمْ تُوجَدْ فَلَمْ يَنْظُرْ لِظَنِّهِ، بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ بِقَصْدِهِ الْإِشَارَةَ لِلسُّجُودِ لَمْ يَتَضَمَّنْ ذَلِكَ قَصْدَ الرُّكُوعِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الِانْتِقَالَ إلَى السُّجُودِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ قَائِمًا فِي رُكُوعِهِ فَرَكَعَ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ سَهَا مِنْ اعْتِدَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَوْدُ لِلْقِيَامِ بَلْ لَهُ الْهَوِيُّ مِنْ رُكُوعِهِ لِأَنَّ هَوِيَّ الرُّكُوعِ بَعْضُ هَوِيِّ السُّجُودِ فَلَمْ يَقْصِدْ أَصْلِيًّا كَمَا تَقَرَّرَ، وَبِهِ يَتَّضِحُ أَنَّ قَوْلَ الزَّرْكَشِيّ: لَوْ هَوَى إمَامُهُ فَظَنَّهُ يَسْجُدُ لِلتِّلَاوَةِ فَتَابَعَهُ فَبَانَ أَنَّهُ رَكَعَ حُسِبَ لَهُ وَاغْتُفِرَ لَهُ ذَلِكَ لِلْمُتَابَعَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى نِزَاعِهِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّوْضَةِ، أَمَّا عَلَى مَا فِيهَا فَلَا يُحْسَبُ لِأَنَّهُ قَصَدَ أَصْلِيًّا، وَظَنُّ الْمُتَابَعَةِ لَا يُفِيدُ كَظَنِّ وُجُوبِ السُّجُودِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّوْضَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ ثُمَّ يَرْكَعَ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: لَوْ ظَنَّ أَنَّ إمَامَهُ هَوَى لِلسُّجُودِ الرُّكْنِيِّ فَبَانَ أَنَّ هَوِيَّهُ لِلرُّكُوعِ أَجْزَأَهُ هَوِيُّهُ عَنْ الرُّكُوعِ لِوُجُودِ الْمُتَابَعَةِ الْوَاجِبَةِ لَا يَأْتِي عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ، وَإِشَارَتُهُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ وَمَسْأَلَةُ الزَّرْكَشِيّ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَيْ الْمَتْرُوكِ) لَا حَاجَةَ إلَى لَفْظِ أَيْ
فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْقِيَامِ لِيَرْكَعَ مِنْهُ وَلَا يَكْفِيهِ أَنْ يَقُومَ رَاكِعًا، لِأَنَّ الِانْحِنَاءَ غَيْرُ مُعْتَدٍ بِهِ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَتْرُوكِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ، حَتَّى بَلَغَ مِثْلَهُ (تَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ) لِوُقُوعِهِ عَنْ مَتْرُوكِهِ (وَتَدَارَكَ الْبَاقِي) مِنْ صَلَاتِهِ لِإِلْغَاءِ مَا بَيْنَهُمَا.
نَعَمْ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمِثْلُ مِنْ الصَّلَاةِ كَسُجُودِ تِلَاوَةٍ لَمْ يُجْزِهِ لِعَدَمِ شُمُولِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ لَهَا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ، هَذَا إنْ عَرَفَ عَيْنَ الْمَتْرُوكِ وَمَحَلَّهُ، وَإِلَّا أَخَذَ بِالْمُتَيَقَّنِ وَأَتَى بِالْبَاقِي، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ، ثُمَّ مَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ مَا لَمْ يُوجِبْ الشَّكَّ اسْتِئْنَافُهَا فَإِنْ أَوْجَبَهُ كَشَكِّهِ فِي النِّيَّةِ أَوْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَلَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْنَافِهَا وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ كَانَ الْمَتْرُوكُ السَّلَامَ وَتَذَكَّرهُ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ أَتَى بِهِ وَلَا سُجُودَ وَكَذَا بَعْدَ طُولِهِ كَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ غَايَتُهُ أَنَّهُ سُكُوتٌ طَوِيلٌ
[حاشية الشبراملسي]
اهـ حَجّ الْمَعْنَى.
هَذَا وَقَدْ اعْتَمَدَ م ر فِيمَا سَبَقَ فِي الرُّكُوعِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْهَوِيُّ حَيْثُ وَقَفَ إمَامُهُ فِي حَدِّ الرُّكُوعِ وَإِنْ قَصَدَ سُجُودَ التِّلَاوَةِ فِي الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْقِيَامِ لِيَرْكَعَ مِنْهُ) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّكُوعُ فَوْرًا، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ هَوَى لِيَسْجُدَ فَتَذَكَّرَ تَرْكَ الرُّكُوعِ فَعَادَ لِلْقِيَامِ فَلَا يَجِبُ الرُّكُوعُ فَوْرًا لِأَنَّهُ بِتَذَكُّرِهِ عَادَ لِمَا كَانَ فِيهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَإِنْ أَوْهَمَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ تَذَكَّرَهُ قَبْلَ بُلُوغٍ إلَخْ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ حَتَّى بَلَغَ مِثْلَهُ) أَيْ وَإِنْ كَانَ الْمِثْلُ يَأْتِي بِهِ لِلْمُتَابَعَةِ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا وَصَلَّى رَكْعَةً وَنَسِيَ مِنْهَا سَجْدَةً ثُمَّ قَامَ فَوَجَدَ مُصَلِّيًا فِي السُّجُودِ أَوْ الِاعْتِدَالِ فَاقْتَدَى بِهِ وَسَجَدَ مَعَهُ لِلْمُتَابَعَةِ فَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ وَتَكْمُلُ بِهِ رَكْعَةٌ، كَذَا نُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ خَطِّ شَيْخِنَا الْعَلَامَةِ الشَّوْبَرِيِّ.
أَقُولُ: وَقَدْ يُقَالُ بِعَدَمِ إجْزَائِهِ كَمَا لَوْ أَتَى إمَامُهُ بِسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ أَوْ سَهْوٍ فَتَابَعَهُ وَعَلَيْهِ سَجْدَةٌ مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنَّهَا لَمْ تُحْسَبْ لَهُ لِعَدَمِ شُمُولِ نِيَّتِهِ لَهَا (قَوْلُهُ: كَسُجُودِ تِلَاوَةٍ) أَيْ وَلَوْ لِقِرَاءَةِ آيَةٍ بَدَلًا عَنْ الْفَاتِحَةِ فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ حَجّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: هَذَا إنْ عَرَفَ إلَخْ) الْإِشَارَةُ إلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ تَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا أَخَذَ بِالْمُتَيَقَّنِ) أَيْ فَمَا تَيَقَّنَ فِعْلَهُ حُسِبَ لَهُ وَمَا لَمْ يَتَيَقَّنْهُ فَلَغْوٌ (قَوْلُهُ: وَأَتَى بِالْبَاقِي) قَالَ حَجّ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: نَعَمْ مَتَى جَوَّزَ أَنَّ الْمَتْرُوكَ النِّيَّةُ أَوْ تَكْبِيرَةَ التَّحَرُّمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ هُنَا طُولٌ وَلَا مُضِيُّ رُكْنٍ لِأَنَّ هُنَا تَيَقُّنُ تَرْكٍ انْضَمَّ لِتَجْوِيزِ مَا ذُكِرَ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ الشَّكِّ فِي ذَلِكَ اهـ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم: قَوْلَهُ وَلَمْ يُشْتَرَطْ إلَخْ هَذَا يُقَيِّدُ الْبُطْلَانَ، وَإِنْ تَذَكَّرَ فِي الْحَالِ أَنَّ الْمَتْرُوكَ غَيْرُهُمَا فَلِتُرَاجَعْ الْمَسْأَلَةُ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ، بَلْ يُشْتَرَطُ الطُّولُ أَوْ مُضِيُّ رُكْنٍ أَيْضًا، وَقَدْ ذَكَرْت مَا قَالَهُ لَمْ ر فَأَنْكَرَهُ اهـ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
أَقُولُ: وَمَا قَالَهُ م ر هُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ تَيَقَّنَ تَرْكَ رُكْنٍ مِنْ صَلَاتِهِ وَتَرَدَّدَ فِيهِ فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ التَّذَكُّرِ لَا يَخْرُجُ مِنْ كَوْنِهِ شَاكًّا فِي عَيْنِ الْمَتْرُوكِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ مَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ) هَذَا قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ تَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ إلَخْ، إذْ مَنْ نَسِيَ النِّيَّةَ أَوْ شَكَّ فِيهَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَتِمُّ رَكْعَتُهُ بِالنِّيَّةِ (قَوْلُهُ وَكَذَا بَعْدَ طُولِهِ)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الِانْحِنَاءَ) حَقُّ التَّعْبِيرِ؛ لِأَنَّ الْهُوِيَّ (قَوْلُهُ: حَتَّى بَلَغَ مِثْلَهُ) أَيْ وَلَوْ لِمَحْضِ الْمُتَابَعَةِ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا وَصَلَّى رَكْعَةً وَنَسِيَ مِنْهَا سَجْدَةً ثُمَّ قَامَ فَوَجَدَ مُصَلِّيًا فِي السُّجُودِ أَوْ الِاعْتِدَالِ، فَاقْتَدَى بِهِ، وَسَجَدَ مَعَهُ لِلْمُتَابَعَةِ فَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ وَتَكْمُلُ بِهِ رَكْعَتُهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الشَّمْسِ الشَّوْبَرِيِّ سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ، وَمُنَازَعَةُ شَيْخِنَا الشبراملسي فِيهِ بِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ لَمْ تَشْمَلْهُ مَدْفُوعَةً بِمَا نَقَلَهُ هُوَ قَبْلَ هَذَا فِي الْحَاشِيَةِ مِنْ الشِّهَابِ حَجّ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَعْنَى ذَلِكَ الشُّمُولِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ النَّفَلُ: أَيْ وَمِثْلُهُ الْفَرْضُ بِالْأَوْلَى دَاخِلًا كَالْفَرْضِ فِي مُسَمَّى مُطْلَقِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ سُجُودِ السَّهْوِ وَالتِّلَاوَةِ انْتَهَى.
إذْ لَا خَفَاءَ فِي شُمُولِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ لِمَا ذُكِرَ بِهَذَا الْمَعْنَى (قَوْلُهُ: بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْنَافِهَا) قَالَهُ الشِّهَابُ حَجّ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ هُنَا طُولٌ وَلَا مُضِيُّ رُكْنٍ؛ لِأَنَّ هُنَا تَيَقَّنَ تَرْكَ انْضَمَّ لِتَجْوِيزِ مَا ذُكِرَ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ الشَّكِّ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: إذْ غَايَتُهُ أَنَّهُ سُكُوتٌ طَوِيلٌ إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمُنَافٍ غَيْرِ ذَلِكَ
وَتَعَمُّدُهُ غَيْرُ مُبْطِلٍ فَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ (فَلَوْ) (تَيَقَّنَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ) أَوْ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ عُرْفًا وَلَمْ يَطَأْ نَجَاسَةً (تَرَكَ سَجْدَةً) (مِنْ) الرَّكْعَةِ (الْأَخِيرَةِ سَجَدَهَا وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ) لِوُقُوعِ تَشَهُّدِهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ (أَوْ مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ الْأَخِيرَةِ (لَزِمَهُ رَكْعَةٌ) لِأَنَّ النَّاقِصَةَ كَمُلَتْ بِسَجْدَةٍ مِنْ الَّتِي بَعْدَهَا وَأَلْغَى بَاقِيَهَا (وَكَذَا إنْ شَكَّ فِيهَا) أَيْ هَلْ تَرَكَ السَّجْدَةَ مِنْ الْأَخِيرَةِ أَوْ غَيْرِهَا جَعَلَهُ مِنْ غَيْرِهَا أَخْذًا بِالْأَحْوَطِ وَلَزِمَهُ رَكْعَةٌ أُخْرَى (وَإِنْ عَلِمَ فِي قِيَامِ ثَانِيَةٍ) مَثَلًا (تَرْكَ سَجْدَةٍ) مِنْ الْأُولَى (فَإِنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ) الَّتِي قَامَ عَنْهَا (سَجَدَ) مِنْ قِيَامِهِ اكْتِفَاءً بِجُلُوسِهِ إنْ نَوَى بِهِ الِاسْتِرَاحَةَ، وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَجَلَسَ يَقْصِدُ الْقِيَامَ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَالْقِيَاسُ أَنَّ هَذَا الْجُلُوسَ يُجْزِئُهُ (وَقِيلَ إنْ جَلَسَ بِنِيَّةِ الِاسْتِرَاحَةِ لَمْ يَكْفِهِ) بِقَصْدِهِ سُنَّةً، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ حَيْثُ لَمْ تَكْفِ عَنْ السُّجُودِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ (فَلْيَجْلِسْ مُطْمَئِنًّا) لِيَأْتِيَ بِالرُّكْنِ بِهَيْئَتِهِ (ثُمَّ يَسْجُدْ) وَمِثْلُ ذَلِكَ يَأْتِي فِي تَرْكِ سَجْدَتَيْنِ فَأَكْثَرَ تَذَكَّرَ مَكَانَهُمَا أَوْ مَكَانَهَا، فَإِنْ سَبَقَ لَهُ جُلُوسٌ فِيمَا فَعَلَهُ مِنْ الرَّكَعَاتِ تَمَّتْ رَكْعَتُهُ السَّابِقَةُ بِالسَّجْدَةِ الْأُولَى وَإِلَّا فَبِالثَّانِيَةِ (وَقِيلَ يَسْجُدُ فَقَطْ) اكْتِفَاءً بِقِيَامِهِ عَنْ جُلُوسِهِ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ الْفَصْلُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْقِيَامِ (وَإِنْ عَلِمَ فِي آخِرِ رُبَاعِيَّةٍ تَرْكَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ جَهِلَ مَوْضِعَهَا) أَيْ الْخَمْسِ فِيهِمَا (وَجَبَ رَكْعَتَانِ) أَخْذًا بِالْأَسْوَدِ، وَهُوَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى تَرْكُ سَجْدَةٍ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَسَجْدَةٍ مِنْ الثَّالِثَةِ فَتَنْجَبِرَانِ بِالثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ وَيَلْغُو بَاقِيهِمَا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ تَرَكَ ذَلِكَ وَسَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ أُخْرَى (أَوْ) عَلِمَ تَرْكَ (أَرْبَعٍ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ (فَسَجْدَةٌ ثُمَّ رَكْعَتَانِ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ رَكْعَةٍ وَثِنْتَيْنِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ غَيْرَ مُتَوَالِيَتَيْنِ لَمْ تَتَّصِلَا بِهَا كَتَرْكِ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُولَى وَثِنْتَيْنِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَوَاحِدَةٍ مِنْ الرَّابِعَةِ.
فَالْحَاصِلُ رَكْعَتَانِ إلَّا سَجْدَةً، إذْ الْأُولَى تَمَّتْ بِالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةُ نَاقِصَةٌ سَجْدَةً فَيُتِمُّهَا وَيَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّصَلَتَا بِهَا كَتَرْكِ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُولَى وَثِنْتَيْنِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَوَاحِدَةٍ مِنْ الثَّالِثَةِ فَلَا يَلْزَمُ فِيهَا سِوَى رَكْعَتَيْنِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ حَيْثُ لَمْ يَأْتِ بِمَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ كَفِعْلِ كَثِيرٍ (قَوْلُهُ: فَلَوْ تَيَقَّنَ) أَيْ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا (قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَ سَلَامِهِ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ) فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَتْرُوكُ السَّلَامَ وَتَذَكَّرَهُ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ أَتَى بِهِ وَلَا سُجُودَ إلَخْ فَإِنَّ الْحَاصِلَ هُنَا سُكُوتٌ طَوِيلٌ مَعَ خُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ ظَاهِرًا بِالتَّسْلِيمِ فَوَجَبَ مَعَهُ الِاسْتِئْنَافُ، بِخِلَافِ مَا مَرَّ فَإِنَّ الْحَاصِلَ مَعَهُ مُجَرَّدُ سُكُوتٍ وَهُوَ لَا يَضُرُّ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ الْكَلَامُ الْكَثِيرُ وَلَا الْأَفْعَالُ الْكَثِيرَةُ وَذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ، وَقَضِيَّتُهُ أَيْضًا أَنَّ الِانْحِرَافَ عَنْ الْقِبْلَةِ بَعْدَ السَّلَامِ لَا يَضُرُّ وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ تَذَكَّرَ فَوْرًا (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ جَلَسَ) أَيْ جُلُوسًا مُعْتَدًّا بِهِ بِأَنْ اطْمَأَنَّ (قَوْلُهُ وَإِنْ نَوَى بِهِ إلَخْ) غَايَةٌ (قَوْلُهُ: ثُمَّ تَذَكَّرَ) أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ قِيَامٌ (قَوْلُهُ: فَالْقِيَاسُ أَنَّ هَذَا الْجُلُوسَ يُجْزِيهِ) أَيْ بَلْ الِاكْتِفَاءُ بِهِ أَوْلَى مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِجُلُوسِ الِاسْتِرَاحَةِ لِقَصْدِهِ الْفَرْضَ بِهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ قَدَّمْنَا الْفَرْقَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ لِعَدَمِ شُمُولِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فِي آخِرِ رُبَاعِيَّةٍ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: نِسْبَةٌ إلَى رُبَاعَ الْمَعْدُولِ عَنْ أَرْبَعٍ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ الرُّبَاعِيَّةَ لِيَتَأَتَّى جَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ، أَمَّا غَيْرُ الرُّبَاعِيَّةِ فَلَا يَتَأَتَّى جَمِيعُ ذَلِكَ فِيهِ، وَطَرِيقُهُ أَنْ يَفْعَلَ فِي كُلِّ مَتْرُوكٍ تَحَقَّقَهُ أَوْ شَكَّ فِيهِ مَا هُوَ الْأَسْوَأُ (قَوْلُهُ: مِنْ رَكْعَةٍ أُخْرَى) أَيْ الثَّانِيَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّصَلَتَا)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَمْ يَطَأَ نَجَاسَةً) أَيْ وَإِنْ مَشَى خُطُوَاتٍ وَتَحَوَّلَ عَنْ الْقِبْلَةِ وَكَذَا فِيمَا يَأْتِي، وَتَعْبِيرُهُ بِيَطَأُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَالْمُرَادُ تَنَجُّسُهُ بِغَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهُ، وَانْظُرْ هَلْ كَشْفُ الْعَوْرَةِ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: لَمْ تَتَّصِلَا بِهَا) أَيْ مَجْمُوعُهُمَا وَإِلَّا، فَلَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِ إحْدَاهُمَا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ التَّصْوِيرِ، وَمِنْ قَوْلِهِ فِي الضَّابِطِ غَيْرِ مُتَوَالِيَتَيْنِ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الشَّارِحِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يُصَوِّرْ بِاَلَّذِي صَوَّرَ بِهِ الشَّارِحُ هُنَا.
وَإِنَّمَا صَوَّرَ بِتَصْوِيرٍ آخَرَ مِنْ بَعْضِ مَاصَدَقَاتِ الضَّابِطِ الْمَارِّ، وَهُوَ تَرْكُ سَجْدَتَيْنِ مِنْ
هُنَا: فَتَلْغُو الْأُولَى وَتَكْمُلُ الثَّانِيَةُ بِالثَّالِثَةِ، فِيهِ تَسَمُّحٌ، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّهَا تَكْمُلُ بِسَجْدَةٍ مِنْ الثَّانِيَةِ وَسَجْدَةٍ مِنْ الثَّالِثَةِ وَيَلْغُو بَاقِيهِمَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، إذْ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ وَلِمَا قَرَّرَهُ قَبْلَهُ، وَيُمْكِنُ الِاعْتِنَاءُ بِكَلَامِهِ لِيُوَافِقَ كَلَامَهُمْ وَكَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ فَيُقَالُ قَوْلُهُ فَتَلْغُو الْأُولَى: يُعْنَى سَجْدَتَهَا لِعَدَمِ إتْيَانِهِ بِمَا، وَقَوْلُهُ وَتَكْمُلُ الثَّانِيَةُ: أَيْ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِالثَّالِثَةِ يَعْنِي بِسَجْدَةٍ مِنْهَا فَيَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَةٌ وَهِيَ الْأُولَى، وَلَا يَظْهَرُ بَيْن التَّقْرِيرَيْنِ خِلَافٌ مَعْنَوِيٌّ، وَقَوْلُهُ جَهِلَ مَوْضِعَهَا بَيَانٌ لِصُورَتِهَا الَّتِي يَسْلُكُ بِهَا أَسْوَأَ التَّقَارِيرِ، أَمَّا إذَا عَلِمَ مَوْضِعَهَا فَيُرَتِّبُ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ وَلَيْسَتْ حِينَئِذٍ مِنْ مَسَائِلِ تَرْكِ السَّجَدَاتِ الَّتِي رَتَّبُوا الْحُكْمَ فِيهَا عَلَى أَسْوَأِ التَّقَارِيرِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ الْمَتْرُوكُ آخِرُهَا وَاضِحٌ لِشُمُولِهِ بِالْمَتْرُوكِ حِسًّا وَهُوَ رُكُوعُهَا وَاعْتِدَالُهَا، وَالْمَتْرُوكُ شَرْعًا وَهُوَ سَجْدَتَاهَا وَالْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا (أَوْ) عَلِمَ تَرْكَ (خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ) جَهِلَ مَوْضِعَهَا (فَثَلَاثٌ) أَيْ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ فِي الْخَمْسِ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الْأُولَى وَسَجْدَتَيْنِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَسَجْدَةً مِنْ الثَّالِثَةِ، فَتَمَّ الْأُولَى بِسَجْدَتَيْنِ مِنْ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ، وَأَنَّهُ فِي السِّتِّ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ كُلٍّ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ هُنَا أَيْضًا: فَتَكْمُلُ بِالرَّابِعَةِ فِيهِ التَّسَمُّحُ الْمَارُّ (أَوْ) عَلِمَ تَرْكَ (سَبْعٍ) جَهِلَ مَوْضِعَهَا (فَسَجْدَةٌ ثُمَّ ثَلَاثٌ) أَيْ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لِأَنَّ الْحَاصِلَ لَهُ رَكْعَةٌ إلَّا سَجْدَةً، وَفِي ثَمَانِ سَجَدَاتٍ يَجِبُ سَجْدَتَانِ وَثَلَاثُ
[حاشية الشبراملسي]
هُوَ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ لَمْ تَتَّصِلَا بِهَا (قَوْلُهُ: وَتَحْرِيرُهُ) أَيْ ذَكَرَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا مُسَامَحَةَ فِيهِ عَلَى خِلَافِ كَلَامِ الْمَحَلِّيِّ وَقَوْلُهُ بِسَجْدَةٍ مِنْ الثَّانِيَةِ: أَيْ فَيُحْسَبُ لَهُ مِنْ الْأُولَى الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ وَالرُّكُوعُ وَالِاعْتِدَالُ (قَوْلُهُ: وَيَلْغُو بَاقِيهِمَا) أَيْ الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ (قَوْلُهُ: يَعْنِي سَجْدَتَهَا) أَيْ جِنْسَهَا وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ سَجْدَتَيْهَا (قَوْلُهُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ) أَيْ الْمَحَلِّيِّ (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ فِي السِّتِّ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ) أَيْ وَلِاحْتِمَالِ أَنَّهُ فِي السِّتِّ إلَخْ.
فَإِنْ قُلْت: هَلْ وَرَاءَ هَذَا الِاحْتِمَالِ احْتِمَالٌ آخَرُ يُخَالِفُهُ فِي الْحُكْمِ؟ قُلْت: نَعَمْ وَهُوَ احْتِمَالُ تَرْكِ سَجْدَتَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَسَجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّابِعَةِ، إذْ قَضِيَّةُ هَذَا الِاحْتِمَالِ وُجُوبُ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، فَالْأَحْوَطُ الِاحْتِمَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ تَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ وَفِي ثَمَانِ سَجَدَاتٍ إلَخْ) لَمْ يَقُلْ هُنَا جَهِلَ مَوْضِعَهَا كَأَنَّهُ لِأَنَّ الثَّمَانِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ مَحَلُّهَا مَعْلُومٌ وَالْمُرَادُ غَالِبًا، وَإِلَّا فَقَدْ لَا يُعْلَمُ كَأَنْ اقْتَدَى مَسْبُوقٌ.
[حاشية الرشيدي]
الْأُولَى وَسَجْدَةٍ مِنْ الثَّانِيَةِ وَسَجْدَةٍ مِنْ الرَّابِعَةِ، فَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يَنْقُلَهُ لِيَتَنَزَّلَ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ، وَإِلَّا فَالْمُتَبَادَرُ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُ فِي التَّصْوِيرِ خُصُوصًا مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي وَيُمْكِنُ الِاعْتِنَاءُ بِكَلَامِهِ إلَخْ، فَإِنَّهُ لَا يَتَنَزَّلُ إلَّا عَلَى مَا صَوَّرَ هَوِيَّهُ بِبَادِئِ الرَّأْيِ، وَلَا يُمْكِنُ تَنْزِيلُهُ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ الْجَلَالِ إلَّا بِتَكَلُّفٍ بِأَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ: يَعْنِي: سَجَدْتهَا مُرَادُهُ بِهِ الْجِنْسُ: أَيْ سَجْدَتَيْهَا، وَقَوْلُهُ أَيْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِالثَّالِثَةِ: أَيْ وَأَمَّا الْأُولَى مِنْهَا فَقَدْ كَمُلَتْ بِسَجْدَةِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ: أَيْ وَسَكَتَ عَنْهُ لِوُضُوحِهِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَظْهَرُ بَيْنَ التَّقْرِيرَيْنِ خِلَافٌ مَعْنَوِيٌّ) يُقَالُ: بَلْ فِيهِ خِلَافٌ مَعْنَوِيٌّ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا تَذَكَّرَ بَعْدَ تَمَامِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ تَرَكَ قِرَاءَتَهَا مَثَلًا فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْأُولَى غَيْرُ لَاغِيَةٍ.
تَقُولُ: تَمَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ مِنْ قِرَاءَةِ الْأُولَى وَرُكُوعِهَا وَاعْتِدَالِهَا وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ قُلْنَا لَاغِيَةٌ لَا يَحْصُلُ مَا ذُكِرَ.
(قَوْلُهُ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ) أَيْ الشَّارِحِ: أَيْ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا مَرَّ: فَإِنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ فَعَلَهُ وَإِلَّا تَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ هَذَا هُنَاكَ، إذْ لَا وَجْهَ لِتَأْخِيرِهِ إلَى هُنَا مَعَ إيهَامِ أَنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ لِلْمُصَنِّفِ الَّذِي عَادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ السَّابِقُ فِي قَوْلِهِ وَقَوْلُهُ: جَهِلَ مَوْضِعَهَا إلَخْ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ شُمُولِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ الْجَلَالِ لِلْمَتْرُوكِ حِسًّا، وَهُوَ الرُّكُوعُ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ يُنَافِيهِ وَصْفُهُ بِالْآخِرِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِقَوْلِهِ عَقِبَهُ لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ إذْ الْوَاقِعُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ هُوَ السُّجُودُ فَتَعَيَّنَتْ إرَادَتُهُ، وَأَمَّا الرُّكُوعُ فَلَمْ يَقَعْ أَصْلًا حَتَّى يُوصَفَ بِأَنَّهُ فِي مَحَلِّهِ أَوْ غَيْرِ مَحَلِّهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الشَّارِحِ هُنَا أَيْضًا) يَعْنِي: فِي صُورَةِ تَرْكِ الْخَمْسِ
رَكَعَاتٍ، وَيُتَصَوَّرُ بِتَرْكِ طُمَأْنِينَةٍ أَوْ سُجُودٍ عَلَى عِمَامَةٍ وَكَالْعِلْمِ بِتَرْكِ ذَلِكَ الشَّكِّ فِيهِ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْجُمْهُورِ قَدْ اعْتَرَضَهُ جَمْعٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْأُصْفُونِيِّ وَالْإِسْنَوِيِّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ بِتَرْكِ ثَلَاثِ سَجَدَاتٍ سَجْدَةٌ وَرَكْعَتَانِ، لِأَنَّ أَسْوَأَ الْأَحْوَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ السَّجْدَةَ الْأُولَى مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ مِنْ الثَّانِيَةِ فَيَحْصُلُ مِنْ الثَّانِيَةِ جَبْرُ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لَا جَبْرُ السُّجُودِ، إذْ لَا جُلُوسَ مَحْسُوبٌ فِي الْأُولَى، فَتَكْمُلُ الرَّكْعَةُ الْأُولَى بِالسَّجْدَةِ الْأُولَى مِنْ الثَّالِثَةِ وَتَفْسُدُ الثَّانِيَةُ وَتُجْعَلُ السَّجْدَةُ الثَّالِثَةُ مَتْرُوكَةً مِنْ الرَّابِعَةِ فَيَلْزَمُهُ سَجْدَةٌ وَرَكْعَتَانِ، وَيَلْزَمُهُ بِتَرْكِ أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ السَّجْدَةَ الْأُولَى مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ مِنْ الثَّانِيَةِ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْهُمَا رَكْعَةٌ إلَّا سَجْدَةٌ وَأَنَّهُ تَرَكَ ثِنْتَيْنِ مِنْ الثَّالِثَةِ فَلَا تَتِمُّ الرَّكْعَةُ إلَّا بِسَجْدَةٍ مِنْ الرَّابِعَةِ وَيَلْغُو مَا سِوَاهَا، وَيَلْزَمُهُ فِي تَرْكِ السِّتِّ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ وَسَجْدَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ السَّجْدَةَ مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ مِنْ الثَّانِيَةِ وَثِنْتَيْنِ مِنْ الثَّالِثَةِ وَثِنْتَيْنِ مِنْ الرَّابِعَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ فَرْضِ الْأَصْحَابِ فَإِنَّهُمْ فَرَضُوا ذَلِكَ فِيمَا إذَا أَتَى بِالْجَلَسَاتِ الْمَحْسُوبَاتِ، بَلْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّمَا ذَكَرْت هَذَا الِاعْتِرَاضَ وَإِنْ كَانَ وَاضِحَ الْبُطْلَانُ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِ مَنْ لَا حَاصِلَ لَهُ، وَإِلَّا فَمِنْ حَقِّ هَذَا السُّؤَالِ السَّخِيفِ أَنْ لَا يُدَوَّنَ فِي تَصْنِيفٍ.
وَحَكَى ابْنُ السُّبْكِيّ فِي التَّوْشِيحِ أَنَّ وَالِدَهُ وَقَفَ عَلَى رَجَزٍ لَهُ فِي الْفِقْهِ وَفِيهِ اعْتِمَادُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ فَكَتَبَ عَلَى الْحَاشِيَةِ مِنْ رَأْسِ الْقَلَمِ:
لَكِنَّهُ مَعَ حُسْنِهِ لَا يَرِدُ ... إذْ الْكَلَامُ فِي الَّذِي لَا يَفْقِدُ
إلَّا السُّجُودَ فَإِذَا مَا انْضَمَّ لَهُ ... تَرْكُ الْجُلُوسِ فَلِيُعَامَلْ عَمَلَهُ
وَإِنَّمَا السَّجْدَةُ لِلْجُلُوسِ ... وَذَاكَ مِثْلُ الْوَاضِحِ الْمَحْسُوسِ
[حاشية الشبراملسي]
فِي الِاعْتِدَالِ فَأَتَى مَعَ الْإِمَامِ بِسَجْدَتَيْنِ وَسَجَدَ إمَامُهُ لِلسَّهْوِ سَجْدَتَيْنِ وَقَرَأَ إمَامُهُ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي ثَانِيَةٍ مَثَلًا وَسَجَدَ هُوَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ لِسَهْوِ إمَامِهِ وَقَرَأَ فِي رَكْعَتِهِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا آيَةَ سَجْدَةٍ ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ تَرَكَ ثَمَانِ سَجَدَاتٍ لِكَوْنِهَا عَلَى عِمَامَتِهِ فِي أَنَّهَا سَجَدَاتُ صَلَاتِهِ أَوْ مَا أَتَى بِهِ لِلسَّهْوِ وَالتِّلَاوَةِ وَالْمُتَابَعَةِ أَوْ أَنَّ بَعْضَهُ مِنْ أَرْكَانِ صَلَاتِهِ وَبَعْضَهُ مِنْ غَيْرِهَا فَتُحْمَلُ الْمَتْرُوكَةُ عَلَى أَنَّهَا سَجَدَاتُ صَلَاتِهِ وَغَيْرُهَا بِتَقْدِيرِ الْإِتْيَانِ بِهِ لَا يَقُومُ مَقَامَ سُجُودِ صَلَاتِهِ لِعَدَمِ شُمُولِ النِّيَّةِ لَهُ (قَوْلُهُ: ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ) أَيْ مِنْ وُجُوبِ رَكْعَتَيْنِ أَخْذًا بِالْأَسْوَدِ (قَوْلُهُ: عَلَى رَجَزٍ لَهُ) نَصُّهُ: وَتَارِكٌ ثَلَاثَ سَجْدَاتٍ ذَكَرْ ... وَسْطَ الصَّلَاةِ تَرْكَهُ فَقَدْ أُمِرْ بِحَمْلِهَا عَلَى خِلَافِ الثَّانِي ... عَلَيْهِ سَجْدَةٌ وَرَكْعَتَانِ وَأَهْمَلَ الْأَصْحَابُ تَرْكَ السَّجْدَة ... وَأَنْتَ فَانْظُرْ تَلْقَ ذَاكَ عُمْدَهْ وَقَوْلُهُ: ذَكَرَ: أَيْ تَذَكَّرَ، وَقَوْلُهُ فَقَدْ أُمِرَ: أَيْ أَمَرَهُ الْأَصْحَابُ (قَوْلُهُ: مِنْ رَأْسِ الْقَلَمِ) أَيْ مُبَادَرَةٌ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: بَلْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ إلَخْ) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْإِسْنَوِيَّ كَرَّ عَلَى اعْتِرَاضِهِ بِالْإِبْطَالِ، وَالْوَاقِعُ فِي كَلَامِهِ وَكَلَامِ النَّاقِلِينَ عَنْهُ كَالشِّهَابِ حَجّ وَغَيْرِهِ خِلَافُهُ، وَأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ هَذَا الْكَلَامَ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ أَوْرَدَهُ مِنْ جَانِبِ الْأَصْحَابِ عَلَى اعْتِرَاضِهِ، وَعِبَارَتُهُ فِي الْمُهِمَّاتِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْهُ فِي الشَّارِحِ: فَإِنْ قِيلَ إذَا قَدَّرْنَا أَنَّ الْمَتْرُوكَ هُوَ السَّجْدَةُ الْأُولَى وَأَنَّهُ يَلْزَمُ بُطْلَانُ الْجُلُوسِ الَّذِي بَعْدَهَا كَمَا قُلْتُمْ فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْمَتْرُوكُ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ فَقَطْ.
قُلْنَا هَذَا خَيَالٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْمَعْدُودَ تَرْكُهُ إنَّمَا هُوَ الْمَتْرُوكُ حِسًّا، وَمَا الْمَأْتِيُّ بِهِ فِي الْحِسِّ وَلَكِنْ بَطَلَ شَرْعًا لِبُطْلَانِ مَا قُلْنَا وَلُزُومُهُ مِنْ سُلُوكِ أَسْوَأِ التَّقَادِيرِ، فَلَا يُحْسَبُ فِي تَرْجَمَةِ الْمَسْأَلَةِ إذْ لَوْ قُلْنَا بِهَذَا الْمَكَانِ يَلْزَمُ فِي كُلِّ صُورَةٍ، وَحِينَئِذٍ فَيَسْتَحِيلُ قَوْلُنَا تَرْكُ ثَلَاثِ سَجَدَاتٍ فَقَطْ أَوْ أَرْبَعٍ، إلَى أَنْ قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرْت هَذَا الْخَيَالَ الْبَاطِلَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِ بَعْضِ الطَّلَبَةِ، وَإِلَّا فَمِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يُدَوَّنَ انْتَهَتْ
وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا اسْتِدْرَاكَ عَلَى الْأَصْحَابِ لِكَوْنِهِمْ فَرَضُوا كَلَامَهُمْ فِيمَا إذَا أَتَى بِالرَّكَعَاتِ بِجُلُوسٍ مَحْسُوبٍ وَأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ سِوَى السَّجْدَةِ وَبَنَوْا عَلَيْهِ مَا مَرَّ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الدَّارِمِيُّ خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ فِي ذَلِكَ فَإِنْ فُرِضَ خِلَافُ ذَلِكَ أُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، فَالِاعْتِرَاضُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي حَدِّ ذَاتِهِ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ عَلَى كَلَامِهِمْ.
(قُلْت: يُسَنُّ) (إدَامَةُ نَظَرِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ وَلَوْ بِحَضْرَةِ الْكَعْبَةِ وَإِنْ كَانَ أَعْمَى أَوْ فِي ظُلْمَةٍ بِأَنْ تَكُونَ حَالَتُهُ حَالَةَ النَّاظِرِ لِمَحَلِّ سُجُودِهِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلْخُشُوعِ.
نَعَمْ يُسَنُّ فِي التَّشَهُّدِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ بَصَرُهُ إشَارَتَهُ لِحَدِيثٍ صَحِيحٍ فِيهِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا دَامَتْ مُرْتَفِعَةً وَإِلَّا نُدِبَ نَظَرُ مَحَلِّ السُّجُودِ، وَيُسَنُّ أَيْضًا لِمَنْ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَالْعَدُوُّ أَمَامَهُ نَظَرُهُ إلَى جِهَتِهِ لِئَلَّا يَبْغَتَهُمْ، وَلِمَنْ صَلَّى عَلَى نَحْوِ بِسَاطٍ مُصَوَّرٍ عَمَّ التَّصْوِيرُ مَكَانَ سُجُودِهِ أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَيْهِ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ أَيْضًا مَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ ظَهْرِ نَبِيٍّ فَنَظَرُهُ إلَى ظَهْرِهِ أَوْلَى مِنْ نَظَرِهِ لِمَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَمَا لَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى الْمَيِّتِ، وَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ نَظَرَ إلَيْهَا (قِيلَ يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ) قَالَهُ الْعَبْدَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا تَبَعًا لِبَعْضِ التَّابِعِينَ لِأَنَّ الْيَهُودَ تَفْعَلُهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ فِعْلُهُ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (وَعِنْدِي لَا يُكْرَهُ) وَعَبَّرَ عَنْهُ فِي الرَّوْضَةِ بِالْمُخْتَارِ (إنْ لَمْ يَخَفْ) مِنْهُ (ضَرَرًا) وَالنَّهْيُ عَنْهُ إنْ صَحَّ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ خَافَهُ، وَقَدْ يَجِبُ إذَا كَانَ الْعَرَايَا صُفُوفًا، وَقَدْ يُسَنُّ كَأَنْ صَلَّى لِحَائِطٍ مُزَوَّقٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُشَوِّشُ فِكْرَهُ، قَالَهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
وَيُسَنُّ فَتْحُ عَيْنَيْهِ فِي السُّجُودِ لِيَسْجُدَ الْبَصَرُ، قَالَهُ صَاحِبُ
[حاشية الشبراملسي]
فِيهِ لِوُضُوحِهِ.
(قَوْلُهُ: يُسَنُّ إدَامَةُ نَظَرِهِ) أَيْ بِأَنْ يَبْتَدِئَ النَّظَرَ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ مِنْ ابْتِدَاءِ التَّحَرُّمِ وَيُدِيمَهُ إلَى آخِرِ صَلَاتِهِ إلَّا فِيمَا يُسْتَثْنَى وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ النَّظَرَ عَلَى ابْتِدَاءِ التَّحَرُّمِ لِيَتَأَتَّى لَهُ تَحَقُّقُ النَّظَرِ مِنْ ابْتِدَاءِ التَّحَرُّمِ (قَوْلُهُ: أَيْ الْمُصَلِّي) إشَارَةٌ إلَى عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ أَوْ عَلَى مَذْكُورٍ بِالْقُوَّةِ بَكْرِيٌّ (قَوْلُهُ: أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَادَامَ مُرْتَفِعَةً) وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قُطِعْت سَبَّابَتُهُ لَا يَنْظُرُ إلَى مَوْضِعِهَا بَلْ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، ثُمَّ رَأَيْت بِهَامِشٍ عَنْ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ أَفْتَى بِمَا قُلْنَاهُ (قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَيْهِ) أَنْ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِتَغْمِيضِ عَيْنَيْهِ فَعَلَهُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ الْآتِي: وَقَدْ يُسَنُّ كَأَنْ صَلَّى بِحَائِطٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَنَظَرُهُ إلَى ظَهْرِهِ أَوْلَى) ضَعِيفٌ، وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى الْمَيِّتِ ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ وَلَعَلَّهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءَ، وَقَوْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ: أَيْ وَهُوَ مَرْجُوحٌ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ بِحَضْرَةِ الْكَعْبَةِ (قَوْلُهُ: قَالَهُ الْعَبْدَرِيُّ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالدَّالِ وَرَاءٍ إلَى عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ اهـ أَنْسَابٌ (قَوْلُهُ: وَعِنْدِي لَا يُكْرَهُ) أَيْ وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى (قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ) أَيْ كَالْبِسَاطِ الَّذِي فِيهِ صُوَرٌ.
(قَوْلُهُ: لِيَسْجُدَ الْبَصَرُ) أَقُولُ: وَقَدْ يُقَالُ قِيَاسُهُ سُنَّ فَتْحُهُمَا فِي الرُّكُوعِ لِيَرْكَعَ الْبَصَرُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَمَا ذُكِرَ ظَاهِرٌ فِي الْبَصِيرِ.
أَمَّا الْأَعْمَى فَيَنْبَغِي عَدَمُ سَنِّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ الْبَصِيرِ فِي النَّظَرِ لِمَوْضِعِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَنْ لَا يُجَاوِزَ بَصَرُهُ إشَارَتَهُ) عِبَارَةُ الشِّهَابِ حَجّ أَنْ يَقْصُرَ نَظَرَهُ عَلَى مُسَبِّحَتِهِ (قَوْلُهُ: الْقَائِلُ بِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ) كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ: وَإِلَّا فَمَتَى صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَنَظَرَ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، فَهُوَ نَاظِرٌ إلَى جُزْءِ الْكَعْبَةِ
(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ فَتْحُ عَيْنَيْهِ فِي السُّجُودِ لِيَسْجُدَ الْبَصَرُ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالْبَصَرِ مَحَلُّهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحَلِّ السُّجُودِ حَيْلُولَةٌ بِالْجَفْنِ، وَإِلَّا فَالْبَصَرُ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي لَا يَتَّصِفُ بِالسُّجُودِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأَعْمَى، وَالْبَصِيرِ، بَلْ إلْحَاقُ الْأَعْمَى بِالْبَصِيرِ هُنَا أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِهِ فِي النَّظَرِ إلَى مَحَلِّ السُّجُودِ فِي الْقِيَامِ وَنَحْوِهِ، إذْ الْحِكْمَةُ فِي نَظَرِ مَحَلِّ السُّجُودِ كَمَا قَالُوهُ مَنْعُ الْبَصَرِ مِنْ الِانْتِشَارِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْأَعْمَى، فَإِذَا أَلْحَقُوهُ بِهِ
الْعَوَارِفِ وَأَقَرَّهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ (وَ) يُسَنُّ (الْخُشُوعُ) قَالَ تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] فَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ بِقَلْبِهِ بِأَنْ لَا يَحْضُرَ فِيهِ غَيْرُ مَا هُوَ فِيهِ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْآخِرَةِ وَبِجَوَارِحِهِ بِأَنْ لَا يَعْبَثَ بِأَحَدِهَا، وَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا مُرَادُهُ لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ: وَفَرَاغُ قَلْبٍ، وَفِي الْآيَةِ الْمُرَادُ كُلٌّ مِنْهُمَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَيْضًا، وَذَلِكَ لِثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى فَاعِلِيهِ وَلِانْتِفَاءِ ثَوَابِ الصَّلَاةِ بِانْتِفَائِهِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ، وَلِأَنَّ لَنَا وَجْهًا اخْتَارَهُ جَمْعٌ أَنَّهُ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ لَكِنْ فِي الْبَعْضِ.
وَقَدْ اخْتَلَفُوا هَلْ الْخُشُوعُ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ كَالسُّكُونِ؟ أَوْ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ كَالْخَوْفِ؟ أَوْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَجْمُوعِ عَلَى أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مِنْ عَبْدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُومُ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إلَّا وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «وَرَأَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» فَلَوْ سَقَطَ نَحْوُ رِدَائِهِ أَوْ طَرْفُ عِمَامَتِهِ كُرِهَ لَهُ تَسْوِيَتُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ.
(وَ) يُسَنُّ (تَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ) أَيْ تَأَمُّلُهَا بِحُصُولِ الْخُشُوعِ وَالْأَدَبِ بِهِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَبِهِ تَنْشَرِحُ الصُّدُورُ وَتَسْتَنِيرُ الْقُلُوبُ قَالَ تَعَالَى ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29] وَقَالَ ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82] وَيُسَنُّ تَرْتِيلُهَا وَهُوَ التَّأَنِّي فِيهَا فَإِفْرَاطُ الْإِسْرَاعِ مَكْرُوهٌ، وَحَرْفُ التَّفْضِيلِ أَفْضَلُ مِنْ حَرْفَيْ غَيْرِهِ، وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ مُصَلِّيًا أَمْ غَيْرَهُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ الرَّحْمَةَ
[حاشية الشبراملسي]
السُّجُودِ بِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ لِلْخُشُوعِ، لِأَنَّهُ إذَا صَوَّرَ نَفْسَهُ بِصُورَةِ مَنْ يَنْظُرُ لِمَوْضِعِ سُجُودِهِ كَانَ أَدْعَى لِقِلَّةِ الْحَرَكَةِ فِي حَقِّهِ، بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّ تَصْوِيرَهُ بِصُورَةِ الْبَصِيرِ يَسْتَدْعِي تَحْرِيكَ الْأَجْفَانِ لِيَحْصُلَ فَتْحُ عَيْنَيْهِ وَالِاشْتِغَالُ بِهِ مُنَافٍ لِلْخُشُوعِ (قَوْلُهُ: غَيْرَ مَا هُوَ فِيهِ) أَيْ وَهُوَ الصَّلَاةُ (قَوْلُهُ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْآخِرَةِ) هَذَا قَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ اسْتِحْبَابُ كَثْرَةِ الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَطَلَبِ الرَّحْمَةِ إذَا مَرَّ بِآيَةِ اسْتِغْفَارٍ أَوْ رَحْمَةٍ، وَالِاسْتِجَارَةِ مِنْ الْعَذَابِ إذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُحْمَلُ عَلَى طَلَبِ الدُّعَاءِ فِي صَلَاتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ قَرَعَ عَنْ التَّفَكُّرِ فِي غَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الدُّعَاءُ بِطَلَبِ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا نَشَأَ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ الْمَطْلُوبَيْنِ فِي صَلَاتِهِ أَوْ الْقِرَاءَةِ فَلَيْسَ أَجْنَبِيًّا عَمَّا هُوَ فِيهِ (قَوْلُهُ: عَلَى فَاعِلِيهِ) أَيْ الْخُشُوعِ (قَوْلُهُ: كَالسُّكُونِ) أَفَادَ أَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ السُّكُونَ الَّذِي يُخَاطَبُ بِهِ هُوَ الْكَفُّ عَنْ الْحَرَكَةِ وَالْكَفُّ لَا شَكَّ أَنَّهُ فِعْلٌ (قَوْلُهُ: أَوْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَجْمُوعِ) الَّذِي قَدَّمَهُ هُوَ الثَّالِثُ فَهُوَ الرَّاجِحُ (قَوْلُهُ وَوَجْهِهِ) أَيْ جُمْلَتِهِ بِأَنْ لَا يَشْغَلَ شَيْئًا مِنْ جَوَارِحِهِ بِغَيْرِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ فِي صَلَاتِهِ (قَوْلُهُ: إلَّا وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ) أَيْ أَثْبَتَهَا لَهُ، وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ: وَفِيهِ أَيْضًا فِي آخِرِ حَدِيثٍ «إنْ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِاَلَّذِي هُوَ أَهْلٌ لَهُ وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» اهـ (قَوْلُهُ: إلَّا لِضَرُورَةٍ) وَمِنْهَا خَوْفُ الِاسْتِهْزَاءِ بِهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ تَأَمَّلَهَا) عِبَارَةُ حَجّ: أَيْ تَأَمَّلَ مَعَانِيهَا: أَيْ إجْمَالًا لَا تَفْصِيلًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ عَمَّا هُوَ بِصَدَدِهِ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ تَرْتِيلُهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ، وَمَحَلُّهُ حَيْثُ أَحْرَمَ بِهَا فِي وَقْتٍ يَسَعُهَا كَامِلَةً وَإِلَّا وَجَبَ الْإِسْرَاعُ لِأَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى أَخَفِّ مَا يُمْكِنُ (قَوْلُهُ وَحَرْفُ التَّرْتِيلِ) أَيْ
[حاشية الرشيدي]
ثَمَّ فَهُنَا أَوْلَى فَمَا فِي الْحَاشِيَةِ لِلشَّيْخِ مِنْ نَفْيِ إلْحَاقِهِ بِهِ هُنَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ (قَوْلُهُ: أَنَّ هَذَا) أَيْ خُشُوعَ الْجَوَارِحِ (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ لِثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى فَاعِلِيهِ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَلَيْسَ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا وَإِنْ أَوْهَمَهُ سِيَاقُهُ، فَقَوْلُهُ وَلِانْتِفَاءِ كَمَالِ ثَوَابِ الصَّلَاةِ بِانْتِفَائِهِ مَعْطُوفٌ فِي الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ قَالَ تَعَالَى إلَخْ لَا عَلَى قَوْلِهِ، وَذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: فِي الْبَعْضِ) أَيْ بَعْضِ الصَّلَاةِ، فَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْوَجْهِ حُصُولُهُ فِي بَعْضِهَا فَقَطْ وَإِنْ انْتَفَى فِي الْبَاقِي
إذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ وَيَسْتَعِيذَ مِنْ الْعَذَابِ إذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ فَإِنْ مَرَّ بِآيَةِ تَسْبِيحٍ سَبَّحَ، أَوْ بِآيَةٍ مِثْلَ تَفَكَّرَ، وَإِذَا قَرَأَ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] سُنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الشَّاهِدِينَ، وَإِذَا قَرَأَ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 185] يَقُولُ آمَنْت بِاَللَّهِ، وَإِذَا قَرَأَ ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: 30] يَقُولُ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
(وَ) يُسَنُّ تَدَبُّرُ (الذِّكْرِ) قِيَاسًا عَلَى الْقِرَاءَةِ فَلَوْ اشْتَغَلَ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِذَلِكَ الْمَقَامِ كَانَ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي صَلَاتِهِ فِي أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ فِي مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ (وَ) يُسَنُّ (دُخُولُهُ الصَّلَاةَ بِنَشَاطٍ) لِأَنَّ اللَّهَ ذَمَّ تَارِكَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: 142] وَالْكَسَلُ، الْفُتُورُ عَنْ الشَّيْءِ، وَالْتَوَانِي فِيهِ وَهُوَ ضِدُّ النَّشَاطِ (وَفَرَاغِ قَلْبٍ) عَنْ الشَّوَاغِلِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَدْعَى لِتَحْصِيلِ الْغَرَضِ، فَإِذَا كَانَتْ صَلَاتُهُ كَذَلِكَ انْفَتَحَ لَهُ فِيهَا مِنْ الْمَعَارِفِ مَا يَقْصُرُ عَنْهُ فَهْمُ كُلِّ عَارِفٍ وَلِذَلِكَ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» وَمِثْلُ هَذِهِ هِيَ الَّتِي تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.
(وَ) يُسَنُّ (جَعْلُ يَدَيْهِ تَحْتَ صَدْرِهِ) وَفَوْقَ سُرَّتِهِ فِي قِيَامِهِ أَوْ بَدَلَهُ لِمَا صَحَّ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَحِكْمَةُ جَعْلِهِمَا تَحْتَ صَدْرِهِ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ أَشْرَفِ الْأَعْضَاءِ وَهُوَ الْقَلْبُ فَإِنَّهُ تَحْتَ الصَّدْرِ مِمَّا يَلِي الْجَانِبَ الْأَيْسَرَ، وَالْعَادَةُ أَنَّ مَنْ احْتَفَظَ عَلَى شَيْءٍ جَعَلَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ (آخِذًا بِيَمِينِهِ يَسَارَهُ) بِأَنْ يَقْبِضَ يَمِينَهُ كُوعَ يَسَارِهِ وَبَعْضَ مَا عَدَاهَا وَرُسْغِهَا، رَوَى بَعْضَهُ مُسْلِمٌ وَبَعْضَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْبَاقِي أَبُو دَاوُد، وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ بَسْطِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى فِي عَرْضِ الْمِفْصَلِ وَبَيْنَ نَشْرِهَا صَوْبَ السَّاعِدِ، وَكَلَامُ الرَّوْضَةِ قَدْ يُوهِمُ اعْتِمَادَهُ وَمِنْ ثَمَّ اغْتَرَّ بِهِ الشَّارِحُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ، وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَ يُسْرَاهُ وَسَطًا كَمَا هُوَ
[حاشية الشبراملسي]
التَّأَنِّي فِي إخْرَاجِ الْحُرُوفِ، وَقَوْلُهُ أَفْضَلُ مِنْ حَرْفَيْ غَيْرِهِ: أَيْ فَنِصْفُ السُّورَةِ مَثَلًا مَعَ التَّرْتِيلِ أَفْضَلُ مِنْ تَمَامِهَا بِدُونِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا فِي غَيْرِ مَا طُلِبَ بِخُصُوصِهِ كَقِرَاءَةِ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ إتْمَامَهَا مَعَ الْإِسْرَاعِ لِتَحْصِيلِهِ سُنِّيَّةِ قِرَاءَتِهَا أَفْضَلُ مِنْ أَكْثَرِهَا مَعَ التَّأَنِّي فِي الْقِرَاءَةِ (قَوْلُهُ: إذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ) أَيْ وَلَا يَنْقُصُ بِذَلِكَ ثَوَابُ قِرَاءَتِهِ بَلْ يَجْمَعُ بِهِ بَيْنَ ثَوَابِ الدُّعَاءِ وَالْقِرَاءَةِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ إذَا لَمْ تَكُنْ آيَةَ الرَّحْمَةِ وَالْعَذَابِ فِي شَيْءٍ قَرَأَهُ بَدَلَ الْفَاتِحَةِ، وَإِلَّا فَلَا يَأْتِي بِهِ لِئَلَّا يَقْطَعَ الْمُوَالَاةَ (قَوْلُهُ سُنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ بَلَى) أَيْ يَقُولُهَا الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ سِرًّا كَالتَّسْبِيحِ وَأَدْعِيَةِ الصَّلَاةِ الْآتِيَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ مَرَّ الْإِمَامُ بِآيَةِ رَحْمَةٍ أَوْ عَذَابٍ فَإِنَّهُ يَجْهَرُ بِالسُّؤَالِ، وَيُوَافِقُهُ الْمَأْمُومُ وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ السَّابِقِ وَيَقُولُ الثَّنَاءُ إلَخْ، وَإِذَا سَأَلَ أَيْ الْإِمَامُ الرَّحْمَةَ أَوْ اسْتَعَاذَ مِنْ النَّارِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ بِهِ وَيُوَافِقُهُ فِيهِ الْمَأْمُومُ اهـ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِهِ وَإِنْ أَتَى بِهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ.
(قَوْلُهُ: قِيَاسًا عَلَى الْقِرَاءَةِ) قَالَ حَجّ: قَضِيَّتُهُ حُصُولُ ثَوَابِهِ وَإِنْ جَهِلَ مَعْنَاهُ، وَنَظَرَ فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ، وَلَا يَأْتِي هَذَا فِي الْقُرْآنِ الْمُتَعَبَّدِ بِلَفْظِهِ فَأُثِيبَ قَارِئُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ، بِخِلَافِ الذِّكْرِ لَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَهُ وَلَوْ بِوَجْهٍ، وَمِنْ الْوَجْهِ الْكَافِي أَنْ يَتَصَوَّرَ أَنَّ فِي التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَنَحْوَهُمَا تَعْظِيمًا لِلَّهِ وَثَنَاءً عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ اشْتَغَلَ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ) كَانَ الْأَوْلَى لَهُ ذِكْرَهُ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ السَّابِقِ وَالْخُشُوعُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْآخِرَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: مِنْ الْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ) أَيْ الشَّرِيفَةِ (قَوْلُهُ: كَانَ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ) أَيْ وَهُوَ مَكْرُوهٌ.
(قَوْلُهُ: رَوَى بَعْضَهُ مُسْلِمٌ إلَخْ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ انْفَرَدَ بِرِوَايَةِ جُزْءٍ، فَفِي الْمَحَلِّيِّ: وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى» زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ " عَلَى صَدْرِهِ " أَيْ آخِرِهِ فَيَكُونُ آخَرُ الْيَدِ تَحْتَهُ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ.
وَعِبَارَةُ حَجّ لِلْإِتْبَاعِ الثَّابِتِ مِنْ مَجْمُوعِ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ: صَوْبَ السَّاعِدِ) قَالَ حَجّ: وَقِيلَ يَقْبِضُ كُوعَهُ بِإِبْهَامِهِ وَكُرْسُوعِهِ بِخِنْصَرِهِ وَيُرْسِلُ الْبَاقِيَ صَوْبَ السَّاعِدِ (قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ) هُوَ قَوْلُهُ بِأَنْ يَقْبِضَ بِيَمِينِهِ كُوعَ يَسَارِهِ (قَوْلُهُ: وَيُفَرِّجَ أَصَابِعَ يُسْرَاهُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَضُمُّ أَصَابِعَ الْيُمْنَى
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ وَيَحُطُّ يَدَيْهِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ تَحْتَ صَدْرِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالْقَصْدُ مِنْ الْقَبْضِ الْمَذْكُورِ تَسْكِينُ الْيَدَيْنِ فَإِنْ أَرْسَلَهُمَا وَلَمْ يَعْبَثْ بِهِمَا فَلَا بَأْسَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَالْكُوعُ: هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي يَلِي إبْهَامَ الْيَدِ، وَالرُّسْغُ: الْمِفْصَلُ بَيْنَ الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ وَأَمَّا الْبُوعُ: فَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي يَلِيَ إبْهَامَ الرِّجْلِ.
(وَ) يُسَنُّ لِغَيْرِ مَنْ مَرَّ (الدُّعَاءُ فِي سُجُودِهِ) لِخَبَرِ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» وَفِي لَفْظٍ «فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الدُّعَاءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ وَعِمَادُ الدِّينِ وَنُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» وَمَأْثُورُ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ وَمِنْهُ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجُلَّهُ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَعْتَمِدَ) فِي قِيَامِهِ مِنْ السُّجُودِ وَالْقُعُودِ (عَلَى يَدَيْهِ) أَيْ بَطْنِهِمَا مَبْسُوطَتَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ لِلِاتِّبَاعِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ قَوِيًّا أَوْ ضِدَّهُمَا وَلَا يُتَوَهَّمُ خِلَافُ ذَلِكَ مِنْ تَعْبِيرِ الرَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ يَقُومُ كَالْعَاجِنِ بِالنُّونِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ التَّشْبِيهُ بِهِ فِي شِدَّةِ الِاعْتِمَادِ عِنْدَ وَضْعِ يَدَيْهِ لَا فِي كَيْفِيَّةِ ضَمَّ أَصَابِعِهِمَا، وَحَدِيثُ «كَانَ يَضَعُ يَدَيْهِ كَمَا يَضَعُ الْعَاجِنُ» ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ، وَلَوْ صَحَّ كَانَ مَعْنَاهُ مَا مَرَّ، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ»
[حاشية الشبراملسي]
حَالَةَ قَبْضِهِ بِهَا الْيُسْرَى (قَوْلُهُ: وَيَحُطُّ يَدَيْهِ) أَيْ مِنْ الرَّفْعِ الْمُتَقَدِّمِ كَبَقِيَّتِهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ تَحْتَ صَدْرِهِ: أَيْ فِي جَمْعِ الْقِيَامِ إلَى الرُّكُوعِ خَرَجَ بِهِ زَمَنُ الِاعْتِدَالِ فَلَا يَجْعَلُهُمَا تَحْتَ صَدْرِهِ بَلْ يُرْسِلُهُمَا سَوَاءٌ كَانَ فِي ذِكْرِ الِاعْتِدَالِ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقُنُوتِ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي الِاعْتِدَالِ بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ فَإِذَا انْتَصَبَ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَلَا بَأْسَ) أَيْ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَالسُّنَّةُ مَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ وَالرُّسْغُ) وَالسِّينُ فِي الرُّسْغِ أَفْصَحُ مَحَلِّيٌّ، وَيُسَمَّى الزَّنْدَ أَيْضًا.
قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الزَّنْدُ مُوصِلُ طَرَفِ الذِّرَاعِ فِي الْكَفِّ، وَهُمَا زَنْدَانِ الْكُوعِ وَالْكُرْسُوعِ: أَيْ وَيُقَالُ لِلْكُوعِ زَنْدٌ وَالْكُرْسُوعُ زَنْدٌ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: وَالزَّنْدُ مَا انْحَسَرَ عَنْهُ اللَّحْمُ مِنْ الذِّرَاعِ وَهُوَ يَرْجِعُ لِقَوْلِ الْمُخْتَارِ مِفْصَلُ طَرَفِ الذِّرَاعِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْبُوعُ: فَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي يَلِي إبْهَامَ الرِّجْلِ) وَالْكُرْسُوعُ: الَّذِي يَلِي خِنْصَرَ الْيَدِ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
وَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي ... لِخِنْصَرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ وَمَا وَسَطَ
وَعَظْمٌ يَلِي إبْهَامَ رِجْلٍ مُلَقَّبٌ ... بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنْ الْغَلَطِ
(قَوْلُهُ: وَالدُّعَاءُ فِي سُجُودِهِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ لِمَا فِي الدُّعَاءِ مِنْ إخْلَاصِ تَوْحِيدِهِ لِأَنَّ الدَّاعِيَ حِينَ يَدْعُو كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يُحَصِّلُ مَطْلُوبِي أَحَدٌ سِوَاك يَا اللَّهُ (قَوْلُهُ: فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ) يَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ الدُّعَاءُ الْمُتَضَمِّنُ لِرَفْعِ ذَلِكَ الْبَلَاءِ لَا مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِيَتَلَقَّاهُ وَبِيَعْتَلِجَانِ: أَيْ وَهَذَا الْأَمْرُ مُسْتَمِرٌّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) أَيْ الْمَأْثُورِ (قَوْلُهُ: أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ) تَقَدَّمَ لِلشَّارِحِ فِي بَحْثِ السُّجُودِ بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، رِوَايَةُ هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظٍ: وَأَوَّلُهُ وَآخِرُهُ وَعَلَانِيَتُهُ وَسِرُّهُ (قَوْلُهُ: كَانَ مَعْنَاهُ مَا مَرَّ) أَيْ أَنَّ مَعْنَاهُ التَّشْبِيهُ بِهِ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَالْقَصْدُ مِنْ الْقَبْضِ الْمَذْكُورِ إلَخْ) لَا يُنَافِي مَا مَرَّ مِنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّسْكِينَ يَحْصُلُ بِغَيْرِ الْوَضْعِ الْمَذْكُورِ فَحِكْمَتُهُ مَا مَرَّ،
(قَوْلُهُ: كَالْعَاجِنِ) الْمُرَادُ بِهِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى بِذَلِكَ لُغَةً، لَكِنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ الْآتِي كَالصَّرِيحِ فِي إرَادَةِ عَاجِنِ الْعَجِينِ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَمِنْ إطْلَاقِهِ عَلَى الشَّيْخِ الْكَبِيرِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: فَأَصْبَحْت كُنْتِيًّا وَأَصْبَحْت عَاجِنًا ... وَسِرُّ خِصَالِ الْمَرْءِ كُنْت وَعَاجِنُ
وَفِي رِوَايَةٍ «نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخِذَيْهِ» مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَأْتِ الْمُصَلِّي بِسُنَّةِ الِاعْتِمَادِ الْمَارِّ فَحِينَئِذٍ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ رَفْعَ يَدَيْهِ وَيَعْتَمِدَ بِهِمَا عَلَى فَخُذِيهِ لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى النُّهُوضِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ أَيْضًا إطْلَاقُ ابْنِ الصَّبَّاغِ اسْتِحْبَابَ رَفْعِ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ.
(وَ) يُسَنُّ (تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ) رَكْعَتِهِ (الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ) (فِي الْأَصَحِّ) لِلِاتِّبَاعِ وَلِأَنَّ النَّشَاطَ فِيهَا أَكْثَرُ فَخُفِّفَ فِي غَيْرِهَا حَذَرًا مِنْ الْمَلَلِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ أَوْ لَمْ تَقْتَضِ الْمَصْلَحَةُ خِلَافَهُ، أَمَّا مَا فِيهِ نَصٌّ بِتَطْوِيلِ الْأُولَى كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالْقِرَاءَةِ بِالسَّجْدَةِ وَهَلْ أَتَى فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ، أَوْ بِتَطْوِيلِ الثَّانِيَةِ كَسَبَّحَ، وَهَلْ أَتَاك فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ فَيُتَّبَعُ، أَوْ الْمَصْلَحَةُ فِي خِلَافِهِ كَصَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِلْإِمَامِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّخْفِيفُ فِي الْأُولَى وَالتَّطْوِيلُ فِي الثَّانِيَةِ حَتَّى تَأَتَّى الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ، وَيُسْتَحَبُّ لِلطَّائِفَتَيْنِ التَّخْفِيفُ فِي الثَّانِيَةِ لِئَلَّا يَطُولَ بِالِانْتِظَارِ.
(وَ) يُسَنُّ (الذِّكْرُ) وَالدُّعَاءُ (بَعْدَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ وَالْإِكْثَارُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَلَّمَ مِنْهَا قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: مَحَلُّهُ) خَبَرُ قَوْلِهِ وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ.
(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ) هَذَا الْكَلَامُ يُفِيدُ مُغَايَرَةَ الدُّعَاءِ لِلذِّكْرِ.
وَفِي حَجّ فِي شَرْحِ الْخُطْبَةِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَا وَجَدْته مِنْ الْأَذْكَارِ مَا نَصُّهُ: وَهُوَ أَيْ الذِّكْرُ لُغَةً: كُلُّ مَذْكُورٍ، وَشَرْعًا: قَوْلٌ سَبَقَ لِثَنَاءٍ أَوْ دُعَاءٍ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ شَرْعًا أَيْضًا لِكُلِّ قَوْلٍ يُثَابُ قَائِلُهُ، وَعَلَيْهِ فَالذِّكْرُ شَامِلٌ لِلدُّعَاءِ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَالدُّعَاءُ مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِ إيضَاحًا.
وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَهَا رَاتِبَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا شَرْحُ رَوْضٍ: أَيْ فَلَوْ أَتَى بِهِ بَعْدَ الرَّاتِبَةِ فَهَلْ يَحْصُلُ أَوْ لَا فِيهِ تَرَدُّدٌ نَقَلَهُ الزِّيَادِيُّ.
أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِطُولِ الْفَصْلِ، وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ عَنْ سم (قَوْلُهُ: وَبَعْدَهَا) قَالَ الْبَكْرِيُّ فِي الْكَنْزِ: وَيُنْدَبُ عَقِبَ السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ أَنْ يَبْدَأَ بِاسْتِغْفَارٍ ثَلَاثًا ثُمَّ قَوْلُهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ إلَخْ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت، وَلَا رَادَّ لِمَا قَضَيْت، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ، وَيَخْتِمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ الْمُشَارِ إلَيْهِ ثُمَّ يَدْعُو.
فُهِمَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ مُسْتَحَبٌّ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ اهـ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ التَّسْبِيحُ وَصَلَاةُ الظُّهْرِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي جَمَاعَةٍ تَقْدِيمَ الظُّهْرِ وَإِنْ فَاتَهُ التَّسْبِيحُ، وَيَنْبَغِي أَيْضًا تَقْدِيمُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ عَلَى التَّسْبِيحِ فَيَقْرَؤُهَا بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ.
وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يُقَدِّمَ السَّبْعِيَّاتِ لِحَثِّ الشَّارِعِ عَلَى طَلَبِ الْفَوْرِ فِيهَا، وَلَكِنْ فِي ظَنِّي أَنَّ فِي شَرْحِ الْمُنَاوِيِّ عَلَى الْأَرْبَعِينَ أَنَّهُ يُقَدِّمُ التَّسْبِيحَ وَمَا مَعَهُ عَلَيْهَا، وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يُقَدِّمَ السَّبْعِيَّاتِ وَهُمْ الْقَلَاقِلُ عَلَى تَكْبِيرِ الْعِيدِ أَيْضًا لِمَا مَرَّ مِنْ الْحَثِّ عَلَى فَوْرِيَّتِهَا، وَالتَّكْبِيرُ لَا يَفُوتُ بِطُولِ الزَّمَنِ (قَوْلُهُ: قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَأَنَّهُ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.
وَفِي سم عَلَى حَجّ: «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى الصُّبْحَ جَلَسَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» ، وَاسْتَدَلَّ فِي الْخَادِمِ بِخَبَرِ مَنْ قَالَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْحَدِيثُ إلَخْ، ثُمَّ قَالَ: وَيَأْتِي مِثْلَهُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعَصْرِ لِوُرُودِ ذَلِكَ فِيهِمَا: وَفِي مَتْنِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَا نَصُّهُ «إذَا صَلَّيْتُمْ صَلَاةَ الْفَرْضِ فَقُولُوا عَقِبَ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَأَقَرَّهُ الْمُنَاوِيُّ، وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا عَلَى التَّسْبِيحَاتِ لِحَثِّ الشَّارِعِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ إلَخْ.
وَوَرَدَ أَيْضًا «أَنَّ مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مِائَةَ مَرَّةٍ عَقِبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ غُفِرَ لَهُ» وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ سم فِي بَابِ الْجِهَادِ سُؤَالًا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ شَخْصٌ وَهُوَ مَشْغُولٌ بِقِرَاءَتِهَا هَلْ يَرُدُّ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَلَا يَكُونُ مُفَوِّتًا لِلثَّوَابِ الْمَوْعُودِ بِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِأَمْرٍ وَاجِبٍ، أَوْ يُؤَخِّرُ إلَى الْفَرَاغِ وَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا فِي التَّأْخِيرِ؟ ثُمَّ قَالَ فِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يُرَجِّحْ شَيْئًا.
أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، وَحَمَلَ الْكُلُّ الْكَلَامَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ لَا عُذْرَ لَهُ فِي الْإِتْيَانِ بِهِ وَعَلَى مَا ذُكِرَ إذَا سَلَّمَ مِنْ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، ثُمَّ قَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إلَى قَوْلِهِ: قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ثَلَاثًا، وَقَالَ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ تَبَارَكْت يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ «وَسُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ أَيْ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ قَالَ جَوْفَ اللَّيْلِ وَدُبُرَ كُلِّ صَلَاةِ الْمَكْتُوبَاتِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا سِرًّا لَكِنْ يَجْهَرُ بِهِمَا إمَامٌ يُرِيدُ تَعْلِيمَ مَأْمُومِينَ فَإِذَا تَعَلَّمُوا أَسَرَّ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ) أَوْ الْفَرْضِ (مِنْ مَوْضِعِ فَرْضِهِ) أَوْ نَفْلِهِ إلَى غَيْرِهِ تَكْثِيرًا لِمَوَاضِعِ السُّجُودِ
[حاشية الشبراملسي]
صَلَاةِ الصُّبْحِ وَأَرَادَ الْإِتْيَانَ بِالذِّكْرِ الَّذِي هُوَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَخْ، وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ هَلْ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ الذِّكْرِ أَوْ السُّورَةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ تَقْدِيمُ الذِّكْرِ لِحَثِّ الشَّارِعِ الْمُبَادَرَةَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَجْنَبِيًّا عَمَّا يُطْلَبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ.
قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: وَمِنْ الدُّعَاءِ الْوَارِدِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك» الْحَدِيثُ.
وَمِنْهُ مَا سَلَفَ اسْتِحْبَابُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَمِنْهُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِك أَنْ أُرَدَّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمْرِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَأَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» اهـ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: مِنْ سَبِّحْ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ) أَيْ بَعْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مِنْ الْفَرَائِضِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ شَامِلٌ لِلنَّافِلَةِ أَيْضًا، ثُمَّ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي، لَكِنْ قَالَ حَجّ: إنَّهُ لَا يَضُرُّ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ كَالِاشْتِغَالِ بِالذِّكْرِ الْمَطْلُوبِ بَعْدَ الصَّلَاةِ كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَالرَّاتِبَةِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ.
وَقَالَ سم عَلَيْهِ: مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي فِي اغْتِفَارِ الرَّاتِبَةِ أَنْ لَا يُفْحِشَ الطُّولُ بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ التَّسْبِيحُ مِنْ تَوَابِعِ الصَّلَاةِ عُرْفًا اهـ.
ثُمَّ عَلَى هَذَا لَوْ وَالَى بَيْنَ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ أَخَّرَ التَّسْبِيحَ عَنْ الثَّانِيَةِ، وَهَلْ يَسْقُطُ تَسْبِيحُ الْأُولَى حِينَئِذٍ أَوْ يَكْفِي لَهُمَا ذِكْرٌ وَاحِدٌ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرٍ لِكُلٍّ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ الْأَوْلَى إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِالْعَدَدِ الْمَطْلُوبِ لَهَا، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ كَفَى فِي أَصْلِ السُّنَّةِ كَمَا لَوْ قَرَأَ آيَاتِ سَجَدَاتٍ مُتَوَالِيَةً حَيْثُ قَالُوا يَكْفِي لَهَا سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْأَوْلَى إفْرَادُ كُلِّ آيَةٍ بِسُجُودٍ إذَا كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ، أَمَّا إذَا كَانَ فِيهَا فَيَسْجُدُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَرَاجِعْهُ فِي الْمِنْهَاجِ وَشُرُوحِهِ (قَوْلُهُ: وَكَبِّرْ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) الْوَجْهُ الَّذِي اعْتَمَدَهُ جَمْعٌ مِنْ شُيُوخِنَا كَشَيْخِنَا الْإِمَامِ الْبُرُلُّسِيِّ وَشَيْخِنَا الْإِمَامِ الْخَطِيبِ حُصُولُ هَذَا الثَّوَابِ إذَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ وَالثَّلَاثِينَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ، فَيَكُونُ الشَّرْطُ فِي حُصُولِهِ عَدَمَ النَّقْصِ عَنْ ذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ خَالَفَ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ بَعْدَ سَوْقِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْأَذْكَارِ وَغَيْرِهَا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ هَذِهِ الْأَذْكَارِ بِالِاسْتِغْفَارِ الْمُتَقَدِّمِ كَمَا قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَفِي حَجّ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ طَوِيلٌ فَرَاجِعْهُ، وَمِنْهُ أَنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّهُ إنْ زَادَ لِنَحْوِ شَكِّ عُذْرٍ أَوْ لِتَعَبُّدٍ: أَيْ عَلَى وَجْهِ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ مِنَّا فِي هَذَا الْوَقْتِ فَلَا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُسْتَدْرَكٌ عَلَى الشَّارِعِ (قَوْلُهُ: إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ) أَيْ خَرَجَ مِنْهَا بِأَنْ سَلَّمَ (قَوْلُهُ: اسْتَغْفِرْ اللَّهَ ثَلَاثًا) لَمْ يُبَيِّنْ صِيغَتَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ (قَوْلُهُ: جَوْفُ اللَّيْلِ) يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ لِمُقَدَّرٍ: أَيْ أَسْمَعُهُ الدُّعَاءُ جَوْفَ اللَّيْلِ: أَيْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَرَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ أَيُّ الْأَزْمِنَةِ الدُّعَاءُ فِيهِ أَسْمَعُ: أَيْ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: الزَّمَنُ الَّذِي يَكُونُ الدُّعَاءُ فِيهِ أَسْمَعَ هُوَ جَوْفُ اللَّيْلِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يَجْهَرُ بِهِمَا) أَيْ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ الْوَارِدَيْنِ هُنَا، وَيَنْبَغِي جَرَيَانُ ذَلِكَ فِي كُلِّ دُعَاءٍ وَذِكْرٍ فُهِمَ مِنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ تَعَلُّمَهُمَا مَأْمُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَدْعِيَةِ الْوَارِدَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَلَوْ دُنْيَوِيًّا.
(قَوْلُهُ: وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ) إمَامًا أَوْ غَيْرَهُ، وَلَوْ خَالَفَ ذَلِكَ فَأَحْرَمَ بِالثَّانِيَةِ فِي مَحَلِّ الْأُولَى فَهَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ الِانْتِقَالُ بِفِعْلٍ غَيْرِ مُبْطِلٍ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ يُتَّجَهُ أَنْ يُطْلَبَ سَوَاءٌ خَالَفَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا، لَا يُقَالُ: الْفِعْلُ لَا يُنَاسِبُ الصَّلَاة بَلْ يُطْلَبُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَإِنَّهَا تَشْهَدُ لَهُ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إحْيَاءِ الْبِقَاعِ بِالْعِبَادَةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَصَلَ بِكَلَامِ إنْسَانٍ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَحْثًا مِنْ انْتِقَالِهِ مَا إذَا قَعَدَ مَكَانَهُ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ لِأَنَّ ذَلِكَ كَحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، أَمَّا إذَا كَانَ خَلْفَهُ نِسَاءٌ فَسَيَأْتِي (وَأَفْضَلُهُ) أَيْ الِانْتِقَالِ لِلنَّفْلِ مِنْ مَوْضِعِ صَلَاتِهِ (إلَى بَيْتِهِ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى وَالْمَهْجُورِ وَغَيْرِهَا، وَلَا بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَلِكَوْنِهِ أَبْعَدَ عَنْ الرِّيَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ الثَّوَابِ التَّفْضِيلُ وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ «إذَا قَضَى أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ فِي مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا» وَمُقْتَضَى إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ النَّافِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْمُتَأَخِّرَةِ، وَلَكِنَّ الْمُتَّجَهَ فِي الْمُهِمَّاتِ فِي النَّافِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُهُمْ مِنْ عَدَمِ الِانْتِقَالِ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ مَأْمُورٌ بِالْمُبَادَرَةِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَفِي الِانْتِقَالِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الصُّفُوفِ مَشَقَّةٌ خُصُوصًا مَعَ كَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ كَالْجُمُعَةِ اهـ فَعُلِمَ أَنَّ مَحَلَّ اسْتِحْبَابِ الِانْتِقَالِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ آخَرُ.
وَلِهَذَا اسْتَثْنَى مِنْهُ صُوَرٌ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ
[حاشية الشبراملسي]
تَرْكُهُ فِيهَا: لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ هَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُ دَفْعُ الْمَارِّ وَقَتْلُ نَحْوِ الْحَيَّةِ الَّتِي مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَإِنْ أَدَّى لِفِعْلٍ خَفِيفٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ، وَكَذَا السِّوَاكُ بِفِعْلٍ خَفِيفٍ إذَا أَهْمَلَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ اهـ عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: فَصَلَ بِكَلَامِ إنْسَانٍ إلَخْ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: أَيْ فَفِي مُسْلِمٍ النَّهْيُ عَنْ وَصْلِ صَلَاةٍ بِصَلَاةٍ إلَّا بَعْدَ كَلَامٍ أَوْ خُرُوجٍ اهـ وَقَوْلُهُ أَوْ خُرُوجٌ: أَيْ مِنْ مَحَلِّ صَلَاتِهِ الْأُولَى (قَوْلُهُ: وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ) يُتَأَمَّلُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَا نَفْلٌ فَعَلَهُ بَعْدَ الصُّبْحِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الِانْتِقَالِ مِنْ صَلَاةٍ إلَى أُخْرَى، فَإِنْ فَرَضَ أَنَّهُ أَرَادَ فِعْلَ مَقْضِيَّةٍ بَعْدَ الصُّبْحِ أَوْ سُنَّتِهِ لَمْ يَكُنْ مِمَّا الْكَلَامُ فِيهِ مِنْ الْجُلُوسِ لِلذِّكْرِ: ثُمَّ رَأَيْت فِي الدَّمِيرِيِّ مَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْإِمَامِ حَيْثُ قَالَ مَا مَعْنَاهُ: يُسْتَحَبُّ لِلْأَمَامِ الْقِيَامُ مِنْ مَوْضِعِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ وَوَجْهُ تَخْصِيصِ الْإِمَامِ أَنَّ الدَّاخِلَ رُبَّمَا تَوَهَّمَ أَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ بَاقِيَةٌ، فَإِذَا انْتَقَلَ فَهِمَ ذَلِكَ الدَّاخِلُ تَمَامَهَا اهـ (قَوْلُهُ كَحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ) إنَّمَا قَالَ تَامَّةٍ فِي الْعُمْرَةِ دُونَ الْحَجِّ، لِأَنَّ الْعُمْرَةَ يَخْتَلِفُ فَضْلُهَا بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُفْعَلُ فِيهَا، وَلَا كَذَلِكَ بِالْحَجِّ إذَا لَيْسَ إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ، فَوَصْفُهَا بِالتَّمَامِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ كَامِلَةٌ فِي الْفَضْلِ.
(قَوْلُهُ: إلَى بَيْتِهِ) أَيْ مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ شَكٌّ فِي الْقِبْلَةِ فِيهِ فَيَكُونُ (قَوْلُهُ: فَيُجْعَلُ مِنْ صَلَاتِهِ)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ) هُوَ الدَّمِيرِيِّ لَكِنَّهُ إنَّمَا اسْتَثْنَاهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ قِيَامِ الْإِمَامِ مِنْ مُصَلَّاهُ عَقِبَ سَلَامِهِ، لَا مِنْ الِانْتِقَالِ بِالصَّلَاةِ إلَى آخَرَ كَمَا صَنَعَهُ الشَّارِحُ إذْ لَا مَعْنَى لَهُ، وَعِبَارَتُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نِسَاءٌ فَالْمُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُومَ مِنْ مُصَلَّاهُ عَقِيبَ صَلَاتِهِ لِئَلَّا يَشُكَّ هُوَ وَمَنْ خَلْفَهُ هَلْ سَلَّمَ أَوَّلًا، وَلِئَلَّا يَدْخُلَ غَرِيبٌ فَيَظُنَّهُ فِي الصَّلَاةِ فَيَقْتَدِيَ بِهِ إلَى أَنْ قَالَ: قُلْت يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا قَعَدَ مَكَانَهُ يَذْكُرُ اللَّهَ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا كَانَ خَلْفَهُ نِسَاءٌ فَسَيَأْتِي) مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَرَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: وَمُقْتَضِي إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ عَدَمَ الْفَرْقِ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ، إذْ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مَفْرُوضٌ فِي الِانْتِقَالِ عَنْ مَحَلٍّ صَلَّى فِيهِ إلَى آخَرَ، فَلَا يَشْمَلُ النَّافِلَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا اسْتَثْنَى مِنْهُ) لَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَرْجِعًا لِلضَّمِيرِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي سَنِّ الِانْتِقَالِ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي أَفْضَلِيَّةِ فِعْلِ النَّافِلَةِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يُقَيِّدُ الِانْتِقَالَ، فَلَا يَتَنَزَّلُ عَلَى مَا الْكَلَامُ فِيهِ
أَفْضَلُ كَنَافِلَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِلتَّكْبِيرِ وَرَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ بِمِيقَاتٍ فِيهِ مَسْجِدٌ، وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فِيهِ، وَكُلُّ مَا تُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ مِنْ النَّوَافِلِ وَمَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ أَوْ خَشِيَ مِنْ التَّكَاسُلِ أَوْ كَانَ مُعْتَكِفًا أَوْ كَانَ يَمْكُثُ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِتَعَلُّمٍ أَوْ تَعْلِيمٍ وَلَوْ ذَهَبَ إلَى بَيْتِهِ لَفَاتَهُ ذَلِكَ (وَإِذَا صَلَّى وَرَاءَهُ نِسَاءٌ مَكَثُوا) أَيْ مَكَثَ الْإِمَامُ بَعْدَ سَلَامِهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الرِّجَالِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى (حَتَّى يَنْصَرِفْنَ) وَيُسَنُّ لَهُنَّ الِانْصِرَافُ عَقِبَ سَلَامِهِ لِلِاتِّبَاعِ، وَلِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ بِهِنَّ مَظِنَّةُ الْفَسَادِ، وَالْقِيَاسُ مُكْثُ الْخَنَاثَى حَتَّى يَنْصَرِفْنَ وَانْصِرَافُهُمْ بَعْدَهُنَّ فُرَادَى (وَأَنْ يَنْصَرِفَ) الْمُصَلِّي بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ صَلَاتِهِ (فِي جِهَةِ حَاجَتِهِ) أَيَّ جِهَةٍ كَانَتْ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ أَوْ كَانَتْ لَا فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ (فَيَمِينُهُ) لِأَنَّ جِهَتَهُمَا أَفْضَلُ وَالتَّيَامُنُ مَطْلُوبٌ مَحْبُوبٌ، وَسَيَأْتِي فِي الْعِيدِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ طَرِيقٍ وَيَرْجِعَ مِنْ أُخْرَى، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ لِإِمْكَانِ حَمْلِ قَوْلِهِمْ إنَّهُ يَرْجِعُ فِي جِهَةِ يَمِينِهِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يَرْجِعَ فِي طَرِيقٍ آخَرَ أَوْ وَافَقَتْ جِهَةُ يَمِينِهِ، وَإِلَّا فَالطَّرِيقُ الْآخَرُ أَوْلَى لِتَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ.
وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ انْصَرَفْنَا مِنْ الصَّلَاةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ (وَتَنْقَضِي الْقُدْوَةُ بِسَلَامِ الْإِمَامِ) التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى لِخُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ بِهَا، فَلَوْ سَلَّمَ الْمَأْمُومُ قَبْلَهَا عَامِدًا عَالِمًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ مُفَارَقَةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ قَارَنَهُ فِيهِ لَمْ يَضُرَّ كَبَقِيَّةِ الْأَذْكَارِ، بِخِلَافِ مُقَارَنَتِهِ لَهُ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ كَمَا سَيَأْتِي لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُصَلِّيًا حَتَّى يُتِمَّهَا فَلَا يَرْبِطُ صَلَاتَهُ بِمَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ (فَلِلْمَأْمُومِ) إذَا كَانَ مُوَافِقًا (أَنْ يَشْتَغِلَ بِدُعَاءٍ وَنَحْوِهِ) لِانْفِرَادِهِ وَعَدَمِ تَحَمُّلِ الْإِمَامِ عَنْهُ سَهْوَهُ حِينَئِذٍ لَوْ سَهَا (ثُمَّ يُسَلِّمُ)
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ نَصِيبًا (قَوْلُهُ: كَنَافِلَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) وَقَدْ نَظَمَهُ الشَّيْخُ مَنْصُورُ الطَّبَلَاوِيُّ فِي ضِمْنِ أَبْيَاتٍ فَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
صَلَاةُ نَفْلٍ بِالْبُيُوتِ أَفْضَلُ ... إلَّا الَّتِي جَمَاعَةً تَحْصُلُ
وَسُنَّةُ الْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ ... وَنَفْلُ جَالِسٍ لِلِاعْتِكَافِ
وَنَحْوِ عِلْمِهِ لِإِحْيَا الْبُقْعَةِ ... كَذَا الضُّحَى وَنَفْلُ الْجُمُعَةَ
وَخَائِفُ الْفَوَاتِ بِالتَّأَخُّرِ ... وَقَادِمٌ وَمُنْشِئٌ لِلسَّفَرِ
وَالِاسْتِخَارَةُ وللقبلية ... لِمَغْرِبٍ وَلَا كَذَا الْبَعْدِيَّهْ
(قَوْلُهُ: لِلتَّبْكِيرِ) يُفِيدُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي السُّنَّةِ الْقَبْلِيَّةَ وَأَنَّ فِعْلَ الْبَعْدِيَّةِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي النَّظْمِ: وَنَفْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ انْصَرَفْنَا مِنْ الصَّلَاةِ) أَيْ وَلَا أَنْ يُقَالَ جَوَابًا لِمَنْ قَالَ أَصْلَيْت صَلَّيْت (قَوْلُهُ: أَنْ يَشْتَغِلَ بِدُعَاءٍ وَنَحْوِهِ) سُئِلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: هَلْ يُكْرَهُ أَنْ يُسْأَلَ اللَّهُ بِعَظِيمٍ مِنْ خَلْقِهِ كَالْمَلَكِ وَالنَّبِيِّ وَالْوَلِيِّ؟ أَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَنَّهُ جَاءَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ عَلَّمَ بَعْضَ النَّاسِ اللَّهُمَّ إنِّي أُقْسِمُ عَلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ» إلَخْ، فَإِنْ صَحَّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَلَا يُقْسِمُ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا فِي دَرَجَتِهِ، وَيَكُونُ هَذَا مِنْ خَوَاصِّهِ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ اهـ دَمِيرِيٌّ.
أَقُولُ: فَإِنْ قُلْت: هَذَا قَدْ يُعَارِضُ مَا فِي الْبَهْجَةِ وَشَرْحِهَا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْأَفْضَلُ اسْتِسْقَاؤُهُمْ بِالْأَتْقِيَاءِ لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ أَرْجَى لِلْإِجَابَةِ، وَكَمَا اسْتَسْقَى مُعَاوِيَةُ بِيَزِيدَ الْأَسْوَدِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانُوا مِنْ آلِ خَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَمَا اسْتَسْقَى عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ اهـ قُلْت: لَا تَعَارُضَ لِجَوَازِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْعِزُّ مَفْرُوضٌ فِيمَا لَوْ سَأَلَ بِذَلِكَ عَلَى صُورَةِ الْإِلْزَامِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ اللَّهُمَّ إنِّي أُقْسِمُ عَلَيْك إلَخْ، وَمَا فِي الْبَهْجَةِ وَشَرْحِهَا مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا وَرَدَ عَلَى صُورَةِ الِاسْتِشْفَاعِ وَالسُّؤَالِ مِثْلُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَقِبَهُ، أَمَّا الْمَسْبُوقُ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُومَ عَقِبَ، تَسْلِيمَتَيْهِ فَوْرًا إنْ لَمْ يَكُنْ جُلُوسُهُ مَعَ الْإِمَامِ مَحَلَّ تَشَهُّدِهِ، فَإِنْ مَكَثَ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَلَا، فَإِنْ كَانَ مَحَلُّ تَشَهُّدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ لَكِنْ يُكْرَهُ تَطْوِيلُهُ كَمَا مَرَّ (وَلَوْ اقْتَصَرَ إمَامُهُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ سَلَّمَ) هُوَ (ثِنْتَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) إحْرَازًا لِفَضِيلَةِ الثَّانِيَةِ وَلِخُرُوجِهِ عَنْ مُتَابَعَتِهِ بِالْأُولَى، بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ لَوْ تَرَكَهُ إمَامُهُ لَا يَأْتِي بِهِ لِوُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَلَوْ مَكَثَ الْإِمَامُ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ فَالْأَفْضَلُ جَعْلُ يَمِينِهِ إلَيْهِمْ وَيَسَارُهُ إلَى الْمِحْرَابِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ تَرْجِيحُهُ فِي مِحْرَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ الصِّفَةَ الْأُولَى يَصِيرُ مُسْتَدْبِرًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ قَبْلَهُ آدَم فَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ.
[حاشية الشبراملسي]
أَسْأَلُك بِبَرَكَةِ فُلَانٍ أَوْ بِحُرْمَتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَقِبَهُ) وَيَنْبَغِي أَنَّ تَسْلِيمَهُ عَقِبَهُ أَوْلَى حَيْثُ أَتَى بِالذِّكْرِ الْمَطْلُوبِ، وَإِلَّا بِأَنْ أَسْرَعَ الْإِمَامُ سُنَّ لِلْمَأْمُومِ الْإِتْيَانُ بِهِ (قَوْلُهُ: عَلَى جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ) وَفِي نُسْخَةٍ طُمَأْنِينَةُ الصَّلَاةِ، وَهَذِهِ هِيَ الْمُعْتَمَدَةُ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ النُّسْخَةِ الْأُخْرَى عَلَيْهَا بِأَنْ يُرَادَ بِجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (قَوْلُهُ: أَوْ جَاهِلًا فَلَا) أَيْ وَلَكِنْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يُبْطِلُ عَمْدَهُ (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمَتْنِ وَالزِّيَادَةُ إلَى حَمِيدٍ مَجِيدٍ سُنَّةٌ فِي الْآخِرِ، وَكَذَا الدُّعَاءُ بَعْدَهُ حَيْثُ قَالَ: وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَيُكْرَهُ الدُّعَاءُ فِيهِ لِبِنَائِهِ عَلَى التَّخْفِيفِ اهـ (قَوْلُهُ: تَرْجِيحُهُ) أَيْ تَرْجِيحُ قَوْلِهِ وَقِيلَ عَكْسُهُ.
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَهُوَ قِبْلَةُ آدَمَ فَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمْ يَتَوَسَّلُ بِهِ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابٌ بِالتَّنْوِينِ يَشْتَمِلُ عَلَى شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَمَوَانِعِهَا، وَقَدْ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَقَالَ (شُرُوطُ الصَّلَاةِ) الشُّرُوطُ جَمْعُ شَرْطٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَهُوَ لُغَةً: الْعَلَامَةُ، وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ: أَيْ عَلَامَاتُهَا، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَإِنْ قَالَ الشَّيْخُ: الشَّرْطُ بِالسُّكُونِ إلْزَامُ الشَّيْءِ وَالْتِزَامُهُ لَا الْعَلَامَةُ، وَإِنْ عَبَّرَ بِهَا بَعْضُهُمْ فَإِنَّهَا إنَّمَا هِيَ مَعْنَى الشَّرَطِ بِالْفَتْحِ.
اهـ. وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي الْمُحْكَمِ وَالْعُبَابِ وَالْوَاعِي وَالصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ وَالْمُجْمَلِ وَدِيوَانِ الْأَدَبِ وَغَيْرِهَا.
وَاصْطِلَاحًا مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ الْمَانِعُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ شَيْءٌ، وَبِالثَّانِي السَّبَبُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ، وَبِالثَّالِثِ اقْتِرَانُ الشَّرْطِ بِالسَّبَبِ كَوُجُودِ الْحَوْلِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ مَعَ النِّصَابِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ أَوْ بِالْمَانِعِ كَالدَّيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مَانِعٌ لِوُجُوبِهَا، وَإِنْ
[حاشية الشبراملسي]
بَابٌ عَلَى شُرُوطِ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: عَلَى شُرُوطِ الصَّلَاةِ) لَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي تَعْقِيبِ هَذَا الْبَابِ لِمَا قَبْلَهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الْأَرْكَانِ بِدُونِ شُرُوطِهَا حَتَّى لَوْ انْتَفَى شَرْطٌ مِنْهَا فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ بَطَلَتْ، وَقَدْ يُؤْخَذُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي: لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا اشْتَمَلَ عَلَى مَوَانِعِهَا إلَخْ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الشَّرْطِ بَعْدَ انْعِقَادِهَا مَانِعٌ مِنْ دَوَامِ الصِّحَّةِ (قَوْلُهُ: وَمَوَانِعُهَا) أَيْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ: كَتَسْبِيحِ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، وَسَنُّ الصَّلَاةِ لِلسُّتْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ) أَيْ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ يُقَابِلُهُ قَوْلٌ غَرِيبٌ لُغَةً لِقَوْلِهِ: وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ الشَّيْخُ إلَخْ) أَيْ فِي غَيْرِ شَرْحِ مَنْهَجِهِ تَبَعًا لِلْإِسْنَوِيِّ اهـ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ.
وَقَوْلُهُ أَيْ فِي غَيْرِ إلَخْ وَمِنْ الْغَيْرِ شَرْحُ الرَّوْضِ وَشَرْحُ الْبَهْجَةِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ) أَيْ بِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ) أَيْ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَبِالثَّانِي) أَيْ قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ) أَيْ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ (قَوْلُهُ: وَبِالثَّالِثِ) هُوَ قَوْلُهُ: لِذَاتِهِ (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ مَانِعٌ لِوُجُوبِهَا)
[حاشية الرشيدي]
[بَابٌ يَشْتَمِلُ عَلَى شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَمَوَانِعِهَا]
فَصْلٌ (شُرُوطُ الصَّلَاةِ خَمْسَةٌ) (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ الشَّيْخُ) أَيْ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ) يَعْنِي بِمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إذْ عِبَارَةُ الصِّحَاحِ وَالشَّرَطُ بِالتَّحْرِيكِ الْعَلَامَةُ، وَأَشْرَاطُ السَّاعَةِ عَلَامَاتُهَا انْتَهَى.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ فِيمَا مَرَّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ شُهْرَتُهُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ عَلَى مَا فِيهِ
لَزِمَ الْوُجُودُ فِي الْأَوَّلِ وَالْعَدَمُ فِي الثَّانِي لَكِنْ لِوُجُودِ السَّبَبِ وَالْمَانِعِ لَا لِذَاتِ الشَّرْطِ.
لَا يُقَالُ الشَّرْطُ يَتَقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ وَيَجِبُ اسْتِمْرَارُهُ فِيهَا، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ تَقْدِيمَ هَذَا عَلَى الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا اشْتَمَلَ عَلَى مَوَانِعِهَا وَلَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ انْعِقَادِهَا حَسُنَ تَأْخِيرُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعَدَّ مِنْ شُرُوطِهَا أَيْضًا الْإِسْلَامُ وَالتَّمْيِيزُ وَالْعِلْمُ بِفَرْضِيَّتِهَا وَبِكَيْفِيَّتِهَا وَتَمْيِيزُ فَرَائِضِهَا مِنْ سُنَنِهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالصَّلَاةِ.
فَلَوْ جَهِلَ كَوْنَ أَصْلِ الصَّلَاةِ أَوْ صَلَاتِهِ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا أَوْ الْوُضُوءِ أَوْ الطَّوَافِ أَوْ الصَّوْمِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَرْضًا، أَوْ عَلِمَ أَنَّ فِيهَا فَرَائِضَ وَسُنَنًا وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَهُمَا لَمْ يَصِحَّ مَا فَعَلَهُ لِتَرْكِهِ مَعْرِفَةَ التَّمْيِيزِ الْمُخَاطَبَ بِهَا.
وَأَفْتَى حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ بِأَنَّ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ مِنْ الْعَامَّةِ فَرْضَ الصَّلَاةِ مِنْ سُنَنِهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ أَيْ وَسَائِرُ عِبَادَاتِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِفَرْضٍ نَفْلًا، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي مَجْمُوعِهِ يُشْعِرُ بِرُجْحَانِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَامِّيِّ مَنْ لَمْ يُحَصِّلْ مِنْ الْفِقْهِ شَيْئًا يَهْتَدِي بِهِ إلَى الْبَاقِي، وَيُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ فَرَائِضَ صَلَاتِهِ مِنْ سُنَنِهَا، وَأَنَّ الْعَالِمَ مَنْ يُمَيِّزُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يُغْتَفَرُ فِي حَقِّهِ مَا يُغْتَفَرُ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ؛ وَقَدْ عُلِمَ أَيْضًا أَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ فَرْضِيَّةَ جَمِيعِ أَفْعَالِهَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَدَائِهِ سُنَّةً بِاعْتِقَادِ الْفَرْضِ وَهُوَ غَيْرُ ضَارٍ.
(خَمْسَةٌ) أَوَّلُهَا (مَعْرِفَةُ)
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ وَهُوَ مَرْجُوحٌ فِي بَابِ زَكَاةِ الْمَالِ وَبَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَإِنْ مَشَى فِي الْبَهْجَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ فِي زَكَاةِ الْمَالِ وَيُمْنَعُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ.
(قَوْلُهُ: وَبِكَيْفِيَّتِهَا) اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِهَا وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهَا تَمْيِيزَ فَرَائِضِهَا مِنْ سُنَنِهَا وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ عَطْفُهُ عَلَيْهِ عَطْفَ تَفْسِيرٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ عَدَمُ ذِكْرِهِ فِي الْمُحْتَرَزَاتِ، وَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ كَلَامُ حَجّ وَكَلَامُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الصُّورَةَ الَّتِي تَكُونُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا خَارِجًا (قَوْلُهُ: غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِالصَّلَاةِ) أَيْ بَلْ تَأْتِي فِي كُلِّ عِبَادَةٍ (قَوْلُهُ: وَأَفْتَى حُجَّةُ الْإِسْلَامِ) أَيْ فَهُوَ تَخْصِيصٌ لِكَلَامِهِمْ (قَوْلُهُ: بِأَنْ لَمْ يُمَيِّزْ مِنْ الْعَامَّةِ) أَيْ مِنْ الْعَوَامّ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَالْمُرَادُ بِالْعَامِّيِّ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ إلَخْ، وَقَالَ حَجّ إنَّ الْعَالِمَ كَالْعَامِّيِّ عَلَى الْأَوْجَهِ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْبَعْضَ فَرْضٌ وَالْبَعْضَ سُنَّةٌ صَحَّ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ النَّفْلِيَّةَ اهـ. وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلُهُ: أَوْ الْبَعْضَ فَرْضٌ وَالْبَعْضَ إلَخْ صَنِيعُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْعَامِّيِّ وَالْعَالِمِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِالْعَامِّيِّ كَمَا يُعْلَمُ بِالْمُرَاجَعَةِ (قَوْلُهُ: يُشْعِرُ بِرُجْحَانِهِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: مَنْ لَمْ يُحَصِّلْ مِنْ الْفِقْهِ شَيْئًا إلَخْ) أَيْ مَنْ لَمْ يُحَصِّلْ قَدْرًا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ تَمْيِيزِ فَرَائِضِهَا مِنْ سُنَنِهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعَالِمِ مَنْ مَيَّزَ بِالْفِعْلِ (قَوْلُهُ: مِنْ كَلَامِهِ) أَيْ الْمَجْمُوعِ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا) أَيْ وَأَمَّا فِي غَيْرِ مَا هُنَا فَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ قَوْلُهُ: هُنَا مَنْ لَمْ يُحَصِّلْ مِنْ الْفِقْهِ شَيْئًا يَهْتَدِي بِهِ لِبَاقِيهِ (قَوْلُهُ: مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ إلَخْ) أَيْ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِ الْعُلَمَاءِ (قَوْلُهُ: فَرْضِيَّةُ جَمِيعِ أَفْعَالِهَا) أَيْ وَمِنْهَا الْقَوْلِيَّةُ وَالِاعْتِقَادِيَّة (قَوْلُهُ: أَوَّلُهَا) وَقَعَ مِثْلُهُ فِي الْمَحَلِّيِّ.
أَقُولُ: تَعْبِيرُهُ بِالْأَوَّلِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِمَعْرِفَةِ الْوَقْتِ تَمَيُّزٌ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الشُّرُوطِ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى وَضْعًا، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَوْ وَقَعَتْ قَبْلَ وَقْتِهَا لَا يَصِحُّ وَلَا تَبْرَأُ بِهَا ذِمَّتُهُ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الشُّرُوطِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ، وَأَيْضًا الْخِطَابُ بِالصَّلَاةِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَهُمَا لَمْ يَصِحَّ مَا فَعَلَهُ) أَيْ إنْ كَانَ غَيْرَ عَامِّيٍّ بِالْمَعْنَى الْآتِي (قَوْلُهُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا) أَيْ أَمَّا فِي غَيْرِ مَا هُنَا فَهُوَ مَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ وَالْمُرَادُ بِالْعَامِّيِّ وَهَذَا عُرْفُ الْفُقَهَاءِ، أَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ فِي الْحَاشِيَةِ: إنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ، فَهُوَ جَارٍ عَلَى اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ وَلَا يُنَاسِبُهُ السِّيَاقُ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَأَنَّ الْعَالِمَ مَنْ يُمَيِّزُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يُغْتَفَرُ فِي حَقِّهِ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ الَّذِي يُمَيِّزُ مَا ذُكِرَ بِالْفِعْلِ كَيْفَ يَتَأَتَّى جَهْلُهُ بِهِ حَتَّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الِاغْتِفَارُ أَوْ عَدَمُهُ.
دُخُولِ (الْوَقْتِ) يَقِينًا أَوْ ظَنًّا بِالِاجْتِهَادِ، فَمَنْ صَلَّى بِدُونِهَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ صَادَفَتْ الْوَقْتَ كَمَا مَرَّ (وَ) ثَانِيهَا (الِاسْتِقْبَالُ) كَمَا مَرَّ أَيْضًا.
(وَ) ثَالِثُهَا (سَتْرُ الْعَوْرَةِ) عَنْ الْعُيُونِ مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلَكٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَلَوْ خَالِيًا أَوْ فِي ظُلْمَةٍ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ فِيهَا، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ هُنَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمُرَادُ بِهِ الثِّيَابُ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي الْأَوَّلِ إطْلَاقُ اسْمِ الْحَالِ عَلَى الْمَحَلِّ، وَفِي الثَّانِي إطْلَاقُ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ لِوُجُودِ الِاتِّصَالِ الذَّاتِيِّ بَيْنَ الْحَالِ وَالْمَحَلِّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ أَخْذَ الزِّينَةِ وَهِيَ عَرَضٌ مُحَالٌ فَأُرِيدَ مَحَلُّهَا وَهُوَ الثَّوْبُ مَجَازًا، وَلِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ» أَيْ بَالِغَةً " إلَّا بِخِمَارٍ " إذْ الْحَائِضُ زَمَنَ حَيْضِهَا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهَا بِخِمَارٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ غَيْرَ الْبَالِغَةِ كَالْبَالِغَةِ لَكِنَّهُ قَيَّدَ بِهَا جَرْيًا عَلَى الْغَالِبِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ صَلَّى عَارِيًّا وَأَتَمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
وَحِكْمَةُ وُجُوبِ السَّتْرِ فِيهَا مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ مُرِيدِ التَّمَثُّلِ بَيْنَ يَدِي كَبِيرٍ مِنْ التَّجَمُّلِ بِالسَّتْرِ وَالتَّطْهِيرِ، وَالْمُصَلِّي يُرِيدُ التَّمَثُّلَ بَيْنَ يَدَيْ
[حاشية الشبراملسي]
تَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهَا، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ مُجَرَّدَ التَّقَدُّمِ الذِّكْرِيِّ فَهُوَ بِمَعْنَى أَحَدِهَا وَبِهِ عَبَّرَ حَجّ.
(قَوْلُهُ: بِالِاجْتِهَادِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ ظَنًّا فَقَطْ أَوْ مَا فِي مَعْنَى الِاجْتِهَادِ كَإِخْبَارِ الثِّقَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرِفَةِ هُنَا مُطْلَقُ الْإِدْرَاكِ مَجَازًا وَإِلَّا فَحَقِيقَةُ الْمَعْرِفَةِ لَا تَشْمَلُ الظَّنَّ؛ لِأَنَّهَا حُكْمُ الذِّهْنِ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لِمُوجِبٍ بِكَسْرِ الْجِيمِ: أَيْ لِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ (قَوْلُهُ: لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) أَيْ لَا فَرْضًا وَلَا نَفْلًا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ صَادَفَتْ الْوَقْتَ) فَرْعٌ اسْتِطْرَادِيٌّ وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا يَقَعُ كَثِيرًا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْأَلُ عَنْ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَدُخُولِ الْوَقْتِ مَثَلًا فَيُجِيبُ الْمَسْئُولُ بِقَوْلِهِ الظَّاهِرِ كَذَا هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَأَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: إنْ ظَهَرَ لَهُ أَمَارَةٌ تُرَجِّحُ عِنْدَهُ مَا أَجَابَ بِهِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا امْتَنَعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ حِينَئِذٍ الظَّاهِرَ يُفِيدُ السَّائِلَ أَنَّ هَذَا رَاجِحٌ عِنْدَ الْمُجِيبِ، وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِنْ وَافَقَ الْوَاقِعَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلَكٍ) يُفِيدُ أَنَّ الثَّوْبَ يَمْنَعُ مِنْ رُؤْيَةِ الْجِنِّ وَالْمَلَكِ فَلْيُرَاجَعْ، وَقَدْ يُؤَيِّدُ عَدَمَ رُؤْيَةِ الْمَلَكِ مَعَ الثَّوْبِ قِصَّةُ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْهَا حِينَ أَلْقَتْ الْخِمَارَ عَنْ رَأْسِهَا لِتَخْتَبِرَ حَالَ جِبْرِيلَ لَمَّا كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَ الْمَبْعَثِ هَلْ هُوَ مَلَكٌ أَوْ لَا، فَإِنَّ الْمَلَكَ لَا يُرَى لِلْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ مَعَ عَدَمِ السِّتْرِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْهَمْزِيَّةِ بِقَوْلِهِ:
فَأَمَاطَتْ عَنْهَا الْخِمَارَ لِتَدْرِي ... أَهُوَ الْوَحْيُ أَمْ هُوَ الْإِغْمَاءُ
فَاخْتَفَى عِنْدَ كَشْفِهَا الرَّأْسَ جِبْرِي ... لَ فَمَا عَادَ أَوْ أُعِيدَ الْغِطَاءُ
(قَوْلُهُ: وَفِي الْأَوَّلِ) أَيْ إطْلَاقُ الزِّينَةِ عَلَى الثِّيَابِ: وَقَوْلُهُ الثَّانِي أَيْ إطْلَاقُ الْمَسْجِدِ عَلَى الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ الْحَمْلُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الثَّوْبُ مَجَازًا) عِبَارَةُ الْقَامُوسِ الزِّينَةُ بِالْكَسْرِ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ.
اهـ.
وَعَلَيْهِ فَلَا مَجَازَ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَا فِي الْقَامُوسِ مَجَازٌ، وَهُوَ كَثِيرًا مَا يَرْتَكِبُهُ فِي كَلَامِهِ (قَوْلُهُ: جَرْيًا عَلَى الْغَالِبِ) أَيْ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ النِّسَاءِ لَا تَكُونُ غَالِبًا إلَّا مِنْ الْبَالِغَاتِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ، وَلَمْ يُنْسَبْ إلَى تَقْصِيرٍ لِمَا يَأْتِي لَهُ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ اشْتَبَهَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ اجْتَهَدَ فِي الثَّوْبَيْنِ وَنَحْوِهِمَا فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ إلَخْ، وَقَوْلُهُ عَنْ ذَلِكَ: أَيْ السِّتْرِ (قَوْلُهُ: صَلَّى عَارِيًّا) أَيْ الْفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ عَلَى مَا مَرَّ لَهُ فِي التَّيَمُّمِ مِنْ اعْتِمَادِهِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ رُؤْيَةُ عَوْرَتِهِ فِي هَذِهِ
[حاشية الرشيدي]
[مِنْ شُرُوط الصَّلَاة سَتْرُ الْعَوْرَةِ]
قَوْلُهُ: عَنْ الْعُيُونِ) أَيْ بِفَرْضِ وُجُودِهَا (قَوْلُهُ: وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ إلَخْ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ هُنَا وَهُوَ تَابِعٌ فِيهِ لِلشِّهَابِ حَجّ فِي الْإِمْدَادِ، لَكِنَّ ذَاكَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِأَنَّ الْإِرْشَادَ إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى السَّتْرِ مِنْ حَيْثُ إنَّ عَدَمَهُ مُبْطِلٌ حَيْثُ قَالَ وَبِعَدَمِ سَتْرٍ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ بِحَدَثٍ مِنْ قَوْلِهِ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِحَدَثٍ، فَاحْتَاجَ فِي الشَّرْحِ إلَى مَا ذُكِرَ لِيَتِمَّ الدَّلِيلُ عَلَى
مَلِكِ الْمُلُوكِ وَالتَّجَمُّلُ لَهُ بِذَلِكَ أَوْلَى.
وَيَجِبُ سَتْرُهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَيْضًا، لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَمْشُوا عُرَاةً» وَقَوْلِهِ «اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يَسْتَحْيَا مِنْهُ» قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْعَوْرَةُ الَّتِي يَجِبُ سَتْرُهَا فِي الْخَلْوَةِ السَّوْأَتَانِ فَقَطْ مِنْ الرَّجُلِ وَمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْ الْمَرْأَةِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ، وَإِطْلَاقُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ.
اهـ. وَظَاهِرٌ أَنَّ الْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ وَفَائِدَةُ السَّتْرِ فِي الْخَلْوَةِ مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ فَيَرَى الْمَسْتُورَ كَمَا يَرَى الْمَكْشُوفَ أَنَّهُ يَرَى الْأَوَّلَ مُتَأَدِّبًا وَالثَّانِي تَارِكًا لِلْأَدَبِ، فَإِنْ دَعَتْ حَاجَةٌ إلَى كَشْفِهَا لِاغْتِسَالٍ أَوْ نَحْوِهِ جَازَ بَلْ صَرَّحَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ بِجَوَازِ كَشْفِهَا فِي الْخَلْوَةِ لِأَدْنَى غَرَضٍ وَلَا يُشْتَرَطُ حُصُولُ الْحَاجَةِ، وَعُدَّ مِنْ الْأَغْرَاضِ كَشْفُهَا لِتَبْرِيدٍ، وَصِيَانَةِ الثَّوْبِ عَنْ الْأَدْنَاسِ وَالْغُبَارِ عِنْدَ كَنْسِ الْبَيْتِ وَنَحْوِهِ.
نَعَمْ لَا يَجِبُ سَتْرُهَا عَنْ نَفْسِهِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ نَظَرُهُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، أَمَّا فِيهَا فَوَاجِبٌ.
فَلَوْ رَأَى عَوْرَةَ نَفْسِهِ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ كَمَا فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ الْغَرِيبَةِ.
وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَالْعَوْرَةُ لُغَةً النُّقْصَانُ وَالشَّيْءُ الْمُسْتَقْبَحُ، وَسُمِّيَ الْمِقْدَارُ الْآتِي بَيَانُهُ بِهَا لِقُبْحِ ظُهُورِهِ،
[حاشية الشبراملسي]
الْحَالَةِ فَلَا يُكَلَّفُ غَضَّ الْبَصَرِ (قَوْلُهُ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ إلَخْ) بَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْعَوْرَةَ الَّتِي يَجِبُ سِتْرُهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لَيْسَتْ عَوْرَةَ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَالرُّكْبَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ) شَمَلَ الْأَمَةَ لَكِنْ جَعَلَهَا حَجّ كَالرَّجُلِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم الْمُتَّجَهُ الْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ مَرَّ (قَوْلُهُ: يَرَى الْأَوَّلَ) أَيْ يَعْلَمُهُ.
(قَوْلُهُ: بَلْ صَرَّحَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: بِجَوَازِ كَشْفِهَا فِي الْخَلْوَةِ لِأَدْنَى غَرَضٍ) أَيْ بِلَا كَرَاهَةٍ أَيْضًا، وَلَيْسَ مِنْ الْغَرَضِ حَاجَةُ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِيهِ أَنْ يَكُونَا مُسْتَتِرَيْنِ، وَقَوْلُهُ بِلَا كَرَاهَةٍ بِجَرِّ كَرَاهَةٍ مُنَوَّنَةٍ؛ لِأَنَّ لَا زَائِدَةٌ.
فَإِنْ قُلْت: لَا زِيَادَةَ إذْ الزَّائِدُ دُخُولُهُ فِي الْكَلَامِ كَخُرُوجِهِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنْهُ إذْ هِيَ تُفِيدُ النَّفْيَ.
قُلْنَا: هَذِهِ زَائِدَةٌ لَفْظًا فَتَخَطَّاهَا الْعَامِلُ.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَصِيَانَةِ الثَّوْبِ) قَيَّدَهُ حَجّ بِثَوْبِ التَّجَمُّلِ.
أَقُولُ: وَلَهُ وَجْهٌ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: فَلَوْ رَأَى عَوْرَةَ نَفْسِهِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ طَوْقُهُ ضَيِّقًا جِدًّا، وَهُوَ ظَاهِرٌ، لَكِنَّ عِبَارَتَهُ فِيمَا يَأْتِي تُفِيدُ التَّقْيِيدَ بِالْوَاسِعِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَاكَ مُجَرَّدُ تَصْوِيرٍ.
وَمَا ذَكَرَ فِي الضِّيقِ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ الْأَعْمَى، أَمَّا هُوَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَبْطُلَ صَلَاتُهُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِيمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ بِبَدَنِ إمَامِهِ أَوْ ثِيَابِهِ نَجَاسَةً مِنْ فَرْضِ الْبَعِيدِ قَرِيبًا وَالْأَعْمَى بَصِيرًا إلَخْ وَإِنَّمَا قُلْنَا بِعَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ سُتْرَتَهُ شَرْعِيَّةٌ وَالنَّظَرُ مِنْهُ مُسْتَحِيلٌ وَلَا قُوَّةَ فِيهِ وَلَا فِعْلَ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ) أَيْ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النَّظَرُ حَرَامًا.
اهـ رَمْلِيٌّ عَلَى شَرْحِ الرَّوْضِ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا، وَكَذَا النَّفَلُ إنْ لَمْ يَقْصِدْ قَطْعَهُ بِالنَّظَرِ، وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ لِجَوَازِ الْخُرُوجِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَالشَّيْءُ الْمُسْتَقْبَحُ)
[حاشية الرشيدي]
الْمُدَّعَى مِنْ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ مَا هُنَا.
(قَوْلُهُ: لِأَدْنَى غَرَضٍ) وَمِنْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ غَرَضُ الْجِمَاعِ وَسَنُّ السَّتْرِ عِنْدَهُ لَا يَقْتَضِي حُرْمَةَ الْكَشْفِ كَمَا لَا يَخْفَى خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ، وَإِلَّا لَكَانَ السَّتْرُ عِنْدَهُ وَاجِبًا لَا مَسْنُونًا، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ بِمِثْلِهِ فِي الْكَشْفِ لِلْبَوْلِ أَوْ الْغَائِطِ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ عِنْدَهُمَا مَسْنُونٌ وَلَا قَائِلَ بِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: أَمَّا فِيهَا فَوَاجِبٌ) أَيْ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ كَمَا بَيَّنَهُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ فَلَوْ رَأَى عَوْرَةَ نَفْسِهِ إلَخْ فَلَا يَقْتَضِي مَا ذَكَرَ حُرْمَةَ رُؤْيَةِ الْإِنْسَانِ عَوْرَةَ نَفْسِهِ فِي الصَّلَاةِ وَوَجْهُهُ فِي النَّفْلِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ لَهُ قَطْعَهُ مَتَى شَاءَ، وَكَذَا فِي الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ إنَّمَا هِيَ مِنْ جِهَةِ قَطْعِهِ لَا مِنْ جِهَةِ خُصُوصِ النَّظَرِ، فَمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ عَنْ حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ مِنْ أَخْذِ حُرْمَةِ النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا ذَكَرَ مَحَلُّ وَقْفَةٍ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالرُّؤْيَةِ الَّتِي تَبْطُلُ بِهَا الصَّلَاةُ الرُّؤْيَةَ بِالْفِعْلِ حَتَّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُرْمَةُ أَوْ عَدَمُهَا، بَلْ الْمُرَادُ الرُّؤْيَةُ بِالْقُوَّةِ نَظِيرَ مَا يَأْتِي.
وَفِي عِبَارَةِ الشِّهَابِ سم فِي حَوَاشِي التُّحْفَةِ إشَارَةٌ إلَيْهِ، وَعِبَارَتُهُ بَعْدَ كَلَامٍ سَاقَهُ عَنْ الرَّوْضَةِ نَصُّهَا: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ سَتْرُهَا عَنْ نَفْسِهِ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا م ر وُجُوبُ سَتْرِهَا عَنْ نَفْسِهِ فِي الصَّلَاةِ، حَتَّى لَوْ لَبِسَ غِرَارَةً وَصَارَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ رُؤْيَةُ عَوْرَتِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ
وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَا يَجِبُ سَتْرُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَعَلَى مَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ وَسَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ) أَيْ الذَّكَرِ وَلَوْ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيِّزًا وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِي طَوَافِهِ إذَا أَحْرَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ (مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ) لِمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ» وَلِخَبَرِ الْبَيْهَقِيّ «إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ أَمَتَهُ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلَا تَنْظُرْ الْأَمَةُ إلَى عَوْرَتِهِ، وَالْعَوْرَةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ» (وَكَذَا الْأَمَةُ) مُدَبَّرَةً أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ مُبَعَّضَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فَعَوْرَتُهَا فِيهَا مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا (فِي الْأَصَحِّ) إلْحَاقًا لَهَا بِالرَّجُلِ بِجَامِعِ أَنَّ رَأْسِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، أَمَّا نَفْسُ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَلَيْسَتَا مِنْهَا لَكِنْ يَجِبُ سَتْرُ بَعْضِهِمَا؛ لِيَحْصُلَ سَتْرُهَا.
وَالثَّانِي عَوْرَتُهَا كَالْحُرَّةِ إلَّا رَأْسَهَا: أَيْ عَوْرَتُهَا مَا عَدَا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَرَأْسَهَا.
(وَ)
عَوْرَةُ (الْحُرَّةِ)
(مَا سِوَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ)
[حاشية الشبراملسي]
عَطْفٌ مُغَايِرٌ (قَوْلُهُ: وَتُطْلَقُ) أَيْ شَرْعًا وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ كَانَ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَافِرًا) أَيْ فَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهُ إلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَكَانَ الْأَوْلَى عَدَمَ ذِكْرِهِ هُنَا كَمَا فَعَلَ حَجّ (قَوْلُهُ: عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ إلَخْ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُمْتَثِلُ لِلْأَوَامِرِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ أَوَّلًا وَلَوْ كَافِرًا (قَوْلُهُ: فَلَا تَنْظُرُ الْأَمَةُ إلَى عَوْرَتِهِ) عِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ فَلَا تَنْظُرُ إلَى عَوْرَتِهِ، وَعَلَيْهِ فَالْأَمَةُ لَيْسَتْ مِنْ الْحَدِيثِ، فَكَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: أَيْ الْأَمَةُ إلَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ رِوَايَةً أُخْرَى، وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ مِثْلُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ م ر (قَوْلُهُ: إلَى عَوْرَتِهِ) أَيْ السَّيِّدِ (قَوْلُهُ: وَالْعَوْرَةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ) مِنْ تَتِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَحَلُّ الِاسْتِدْلَالِ.
[فَرْعٌ] تَعَلَّقَتْ جِلْدَةٌ مِنْ فَوْقِ الْعَوْرَةِ إلَيْهَا أَوْ بِالْعَكْسِ مَعَ الْتِصَاقٍ أَوْ دُونَهُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْرِيَ فِي وُجُوبِ سِتْرِهَا وَعَدَمِهِ مَا ذَكَرُوهُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ وَعَدَمِهِ فِيمَا لَوْ تَعَلَّقَتْ جِلْدَةٌ مِنْ مَحِلِّ الْفَرْضِ فِي الْيَدَيْنِ إلَى غَيْرِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ.
[فَرْعٌ آخَرُ] فَقَدَ الْمُحْرِمُ السُّتْرَةَ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا قَمِيصًا لَا يَتَأَتَّى الِائْتِزَارُ بِهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ فِيهِ وَيَفْدِي أَوْ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَلَكِنْ يَجُوزُ لَهُ أَوْ يُفَصِّلُ، فَإِنْ زَادَتْ الْفِدْيَةُ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِ ثَوْبٍ يُسْتَأْجَرُ أَوْ ثَمَنِ مِثْلِ ثَوْبٍ يُبَاعُ لَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْجَارُ لَا الشِّرَاءُ حِينَئِذٍ وَإِلَّا لَزِمَهُ فِيهِ نَظَرٌ، وَالثَّالِثُ قَرِيبٌ.
[فَرْعٌ] لَوْ طَالَ ذَكَرَهُ بِحَيْثُ جَاوَزَ نُزُولُهُ الرُّكْبَتَيْنِ فَالْوَجْهُ وُجُوبُ سَتْرِ جَمِيعِهِ، وَلَا يَجِبُ سَتْرُ مَا يُحَاذِيهِ مِنْ الرُّكْبَتَيْنِ وَمَا نَزَلَ عَنْهُمَا مِنْ السَّاقَيْنِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي سِلْعَةٍ أَصْلُهَا فِي الْعَوْرَةِ وَتَدَلَّتْ حَتَّى جَاوَزَتْ الرُّكْبَتَيْنِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي شَعْرِ الْعَانَةِ إذَا طَالَ وَتَدَلَّى وَجَاوَزَ الرُّكْبَتَيْنِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الشَّوْبَرِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ بَعْدَ قَوْلِ سم الْمُتَقَدِّمِ آخِرِ الْفَرْعِ الْأَوَّلِ أَوْ بِالْعَكْسِ مَا نَصُّهُ: قُلْت وَيَحْتَمِلُ، وَهُوَ الْوَجْهُ عَدَمُ وُجُوبِ السَّتْرِ فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْعَوْرَةِ، وَوُجُوبُهُ فِي الثَّانِيَةِ اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ أَجْزَاءَ الْعَوْرَةِ لَهَا حُكْمُهَا مِنْ حُرْمَةِ نَظَرِهِ وَإِنْ انْفَصَلَ مِنْ الْبَدَنِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَا كَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَيُؤَيِّدُ الْفَرْقَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ سَتْرُ مَا يُحَاذِي مَحَلَّ الْعَوْرَةِ مِمَّا نَبَتَ فِي غَيْرِهَا، وَيَجِبُ غَسْلُ مَحَاذِي مَحَلِّ الْفَرْضِ فَالْوَجْهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَالْمَصِيرُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
اهـ بِحُرُوفِهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ مُبَعَّضَةً) فِي إدْخَالِهَا فِي الْأَمَةِ تَجُوزُ وَلِهَذَا فَصَّلَهَا الشَّارِحُ الْمَحَلِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِكَذَا.
(قَوْلُهُ: مَا سِوَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) شَمِلَ مَا لَوْ كَانَ الثَّوْبُ سَاتِرًا لِجَمِيعِ الْقَدَمَيْنِ وَلَيْسَ مُمَاسًّا لِبَاطِنِ الْقَدَمِ، فَيَكْفِي السَّتْرُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَتُطْلَقُ أَيْضًا) أَيْ شَرْعًا وَإِنْ أَفْهَمَ كَلَامُهُ خِلَافَهُ.
[عَوْرَةُ الرَّجُلِ]
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَافِرًا) إنَّمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ حَمَلَ كَلَامَ الْمَتْنِ عَلَى مُطْلَقِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا لِيَكُونَ أَفْيَدَ، إذْ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ مَا يَأْتِي فِي عَوْرَةِ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ حَيْثُ قَيَّدَهُ بِهَا لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ فِيهِمَا فِي الصَّلَاةِ وَحَارِجَهَا وَبِدَلِيلِ اسْتِدْلَالِهِ الْآتِي
فِيهَا ظَهْرًا وَبَطْنًا إلَى الْكُوعَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ: هُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ وَلِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا عَوْرَةً فِي الْعِبَادَاتِ لَمَا وَجَبَ كَشْفُهُمَا فِي الْإِحْرَامِ، وَالْخُنْثَى كَالْأُنْثَى رِقًّا وَحُرِّيَّةً، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى سَتْرِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ وَالْأَفْقَهُ فِي الْمَجْمُوعِ لِلشَّكِّ فِي السَّتْرِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ صَحَّحَ فِي التَّحْقِيقِ الصِّحَّةَ، وَنَقَلَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ عَنْ الْبَغَوِيّ وَكَثِيرٍ الْقَطْعَ بِهِ لِلشَّكِّ فِي عَوْرَتِهِ، وَادَّعَى الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَإِنْ بَانَ ذَكَرًا لِلشَّكِّ حَالَ الصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ شَغْلُ ذِمَّتِهِ بِهَا فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا مُقْتَصِرًا عَلَى مَا ذُكِرَ أَوْ يَطْرَأَ الِاقْتِصَارُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَثْنَاءِ، وَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ أَنَّ الْعَدَدَ لَوْ كَمُلَ بِخُنْثَى لَا تَنْعَقِدُ لِلشَّكِّ، وَإِنْ انْعَقَدَتْ بِالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ وَثَمَّ خُنْثَى زَائِدٌ عَلَيْهِ ثَمَّ بَطَلَتْ صَلَاةُ وَاحِدٍ وَكَمُلَ الْعَدَدُ بِالْخُنْثَى لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا الِانْعِقَادَ، وَشَكُّنَا فِي الْبُطْلَانِ غَيْرُ وَارِدٍ هُنَا؛ لِأَنَّ الشَّكَّ هُنَا فِي شَرْطٍ رَاجِعٍ فِي ذَاتِ الْمُصَلِّي، وَهُوَ السَّتْرُ، وَمَا سَيَأْتِي ثَمَّ شَكٌّ فِي شَرْطٍ رَاجِعٍ لِغَيْرِهِ وَيُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الذَّاتِ.
(وَشَرْطُهُ) أَيْ السَّاتِرِ (مَا) أَيْ جِرْمٌ (مَنَعَ إدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ) ، وَإِنْ حَكَى حَجْمَهَا كَسِرْوَالٍ ضَيِّقٍ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِلْمَرْأَةِ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى فِيمَا يَظْهَرُ، وَخِلَافُ الْأَوْلَى لِلرَّجُلِ فَلَا يَكْفِي مَا يَحْكِي لَوْنَهَا بِأَنْ يَعْرِفَ مَعَهُ نَحْوَ بَيَاضِهَا مِنْ سَوَادِهَا كَزُجَاجٍ وَقَفَ فِيهِ وَمُهَلْهَلٍ اسْتَتَرَ بِهِ، وَهُوَ لَا يَمْنَعُ اللَّوْنَ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ السَّتْرِ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ فَالْأَصْبَاغُ الَّتِي لَا جِرْمَ لَهَا مِنْ نَحْوِ حُمْرَةٍ وَصُفْرَةٍ فَإِنَّ الْوَجْهَ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِهَا، وَإِنْ سَتَرَتْ اللَّوْنَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ سَاتِرًا، وَالْكَلَامُ فِي السَّاتِرِ مِنْ الْأَجْرَامِ وَمِثْلُ الْأَصْبَاغِ الَّتِي لَا جِرْمَ لَهَا وُقُوفُهُ فِي ظُلْمَةٍ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ،
[حاشية الشبراملسي]
بِهِ لِكَوْنِهِ يَمْنَعُ إدْرَاكَ بَاطِنِ الْقَدَمِ فَلَا تُكَلَّفَ لُبْسَ نَحْوِ خُفٍّ خِلَافًا لِمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ ضَعَفَةِ الطَّلَبَةِ، لَكِنْ يَجِبُ تَحَرُّزُهَا فِي سُجُودِهَا عَنْ ارْتِفَاعِ الثَّوْبِ عَنْ بَاطِنِ الْقَدَمِ فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ فَتَنَبَّهْ لَهُ (قَوْلُهُ: فِيهَا ظَهْرًا) أَيْ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: هُوَ الْوَجْهُ) أَيْ مَا ظَهَرَ (قَوْلُهُ: وَكَثِيرٍ الْقَطْعَ بِهِ) أَيْ بِهَذَا الْحُكْمِ، وَهُوَ الصِّحَّةُ وَمَشَى عَلَيْهِ الْخَطِيبُ (قَوْلُهُ: فَعَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ، وَهُوَ عَدَمُ الصِّحَّةِ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْأَصْلَ) الْأَوْلَى إسْقَاطُ هَذَا التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّهُ بِتَبَيُّنِ الذُّكُورَةِ تَيَقَّنَّا عَدَمَ وُجُوبِ سَتْرِ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْهُ وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَلَكِنْ يَجِبُ الْقَضَاءُ لِلشَّكِّ الْحَاصِلِ فِي صَلَاتِهِ الْمُؤَدِّي لِلتَّرَدُّدِ فِي النِّيَّةِ (قَوْلُهُ: رَاجِعٌ فِي ذَاتِ الْمُصَلِّي) الْأَوْلَى إلَى ذَاتِ الْمُصَلِّي، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّرَ رَاجِعٌ إلَى مَعْنَى كَائِنٌ فِي ذَاتِ الْمُصَلِّي.
(قَوْلُهُ: مَا مَنَعَ إدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ) أَيْ لِمُعْتَدِلِ الْبَصَرِ عَادَةً كَمَا فِي نَظَائِرِهِ كَذَا نُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ فَتَاوَى الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: كَسِرْوَالٍ) أَيْ لِبَاسٍ (قَوْلُهُ: وَخِلَافُ الْأَوْلَى لِلرَّجُلِ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: وَفِيهِ وَجْهٌ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ الظَّاهِرُ الْكَرَاهَةَ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا الْقَوْلَ شَاذٌّ، وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ يُرَاعَى (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَعْرِفَ مَعَهُ) أَيْ السَّاتِرِ (قَوْلُهُ: مِنْ سَوَادِهَا) أَيْ فِي مَجْلِسِ التَّخَاطُبِ كَذَا ضَبَطَهُ بِهِ ابْنُ عُجَيْلٍ نَاشِرِيّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ مَا مُنِعَ فِي مَجْلِسِ التَّخَاطُبِ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ تَأَمَّلَ النَّاظِرُ فِيهِ مَعَ زِيَادَةِ الْقُرْبِ لِلْمُصَلِّي جِدًّا لَأَدْرَكَ لَوْنَ بَشْرَتِهِ لَا يَضُرُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ قَرِيبٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مِنْ ذَلِكَ فِي عَدَمِ الضَّرَرِ مَا لَوْ كَانَتْ تُرَى الْبَشَرَةُ بِوَاسِطَةِ شَمْسٍ أَوْ نَارٍ وَلَا تُرَى عِنْدَ عَدَمِهِ.
وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ فَتَاوَى الشَّارِحِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَفِيهِ وَقْفَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَسْأَلَةِ الشَّمْسِ، وَيُقَالُ يَنْبَغِي أَنَّ الرُّؤْيَةَ بِوَاسِطَةِ الشَّمْسِ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّ هَذَا يُعَدُّ سَاتِرًا فِي الْعُرْفِ، وَمَحَلُّ هَذَا التَّوَقُّفِ إنْ كَانَ الشَّارِحُ فِي الْفَتَاوَى سَوَّى بَيْنَ الشَّمْسِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ لَا يَمْنَعُ اللَّوْنَ) أَقُولُ: يَنْبَغِي تَعَيُّنُ ذَلِكَ عِنْدَ فَقْدِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ بَعْضَ الْعَوْرَةِ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُهَلْهَلِ لِسَتْرِهِ بَعْضَ أَجْزَائِهَا، أَمَّا الزُّجَاجُ فَإِنْ حَصَلَ بِهِ سَتْرُ شَيْءٍ مِنْهَا فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِهِ (قَوْلُهُ: كَالْأَصْبَاغِ الَّتِي لَا جِرْمَ لَهَا) وَمِنْهُ النِّيلَةُ: إذَا زَالَ جِرْمُهَا، وَبَقِيَ مُجَرَّدُ اللَّوْنِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَلَا تَكْفِي الْخَيْمَةُ الضَّيِّقَةُ وَنَحْوُهَا (وَلَوْ) هُوَ (طِينٌ) أَوْ حَشِيشٌ أَوْ وَرَقٌ (وَمَاءٌ كَدِرٌ) أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَمَاءٍ صَافٍ مُتَرَاكِمٍ بِخُضْرَةٍ بِحَيْثُ يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ، وَكَوُقُوفِهِ فِي حُفْرَةٍ أَوْ خَابِئَةٍ ضَيِّقِي الرَّأْسِ يَسْتُرَانِ مِنْ أَعْلَاهُمَا، وَتُفْرَضُ الصَّلَاةُ فِي الْمَاءِ فِيمَنْ يُمْكِنُهُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فِيهِ وَفِي صَلَاةِ الْعَاجِزِ عَنْهُمَا وَالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَلَوْ قَدَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَيَسْجُدَ عَلَى الشَّطِّ لَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الدَّارِمِيِّ.
وَوَجْهُهُ مَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ فَانْدَفَعَ النَّظَرُ لِقَاعِدَةِ: الْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ لَزِمَهُ، وَبِهِ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ إطْلَاقِ الدَّارِمِيِّ عَدَمَ اللُّزُومِ وَبَحْثِ بَعْضِهِمْ اللُّزُومَ مُطْلَقًا (وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ التَّطَيُّنِ عَلَى فَاقِدِ الثَّوْبِ) وَنَحْوُهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَكَالطِّينِ الْمَاءُ الْكَدِرُ وَلَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَيَكْفِي السَّتْرُ بِلِحَافٍ الْتَحَفَ بِهِ امْرَأَتَانِ أَوْ رَجُلَانِ، وَإِنْ حَصَلَتْ مُمَاسَّةٌ مُحَرَّمَةٌ فِي الْأَوْجَهِ كَمَا لَوْ كَانَ بِإِزَارِهِ ثُقْبَةٌ فَوَضَعَ غَيْرُهُ يَدَهُ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَالْخُوَارِزْمِيّ وَاعْتَمَدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا لِلْمَشَقَّةِ وَالتَّلْوِيثِ (وَيَجِبُ سَتْرُ أَعْلَاهُ) أَيْ السَّاتِرِ (وَجَوَانِبِهِ) لِلْعَوْرَةِ (لَا أَسْفَلِهِ) لَهَا وَلَوْ كَانَ الْمُصَلِّي امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى لِعَدَمِ اعْتِيَادِهِ.
فَلَوْ رُئِيَتْ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَلَا تَكْفِي الْخَيْمَةُ الضَّيِّقَةُ وَنَحْوُهَا) قَالَ حَجّ: وَمِنْهُ قَمِيصٌ جُعِلَ جَيْبُهُ بِأَعْلَى رَأْسِهِ وَزِرُّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مِثْلُهَا.
اهـ. وَنَقَلَ سم عَلَى مَنْهَجٍ ذَلِكَ عَنْ طب وَالشِّهَابِ الرَّمْلِيِّ وَوَلَدِهِ.
وَفِي حَجّ بَعْدَمَا ذَكَرَ: وَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ بِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ مُشْتَمِلَةً عَلَى الْمَسْتُورِ بِخِلَافِهِ ثُمَّ رَأَيْت فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يَدُلُّ لِهَذَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ هُوَ طِينٌ) قَضِيَّتُهُ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الثَّوْبِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَبِهِ صَرَّحَ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَعِبَارَتُهُ قَوْلُهُ: وَلَوْ بِطِينٍ إلَخْ أَيْ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الثَّوْبِ.
أَقُولُ: وَقَدْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ الْمَحَلِّيِّ وَالْأَصَحُّ عَلَى الْأَوَّلِ وُجُوبُ التَّطَيُّنِ عَلَى فَاقِدِ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ اهـ. فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي جَوَازِ ذَلِكَ عِنْدَ الْقُدْرَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ خَابِئَةٍ) بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ يَاءً الْحُبُّ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَهُوَ هُنَا الزِّيرُ الْكَبِيرُ، وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: الْحِبُّ الْجَرَّةُ أَوْ الضَّخْمَةُ مِنْهَا جَمْعُهُ أَحْبَابٌ وَحِبَبَةٌ وَحِبَابٌ بِالْكَسْرِ.
اهـ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: وَالْحُبُّ بِالضَّمِّ الْخَابِيَةُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ) وَحَاصِلُ مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَاءِ الْمَذْكُورِ كَمَا وَافَقَ عَلَيْهِ م ر أَنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَى الصَّلَاةِ فِيهِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِيهِ بِلَا مَشَقَّةٍ وَجَبَ ذَلِكَ أَوْ عَلَى الصَّلَاةِ فِيهِ ثُمَّ الْخُرُوجِ إلَى الشَّطِّ عِنْد الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِيَأْتِيَ بِهِمَا فِيهِ بِلَا مَشَقَّةٍ وَجَبَ ذَلِكَ، وَإِنْ نَالَهُ بِالْخُرُوجِ مَشَقَّةٌ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ صَلَّى عَارِيًّا عَلَى الشَّطِّ وَلَا إعَادَةَ، وَإِنْ شَاءَ وَقَفَ فِي الْمَاءِ، وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يَخْرُجُ إلَى الشَّطِّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ أَنْ لَا يَأْتِيَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ الْمَاءِ وَعَوْدِهِ بِأَفْعَالٍ كَثِيرَةٍ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ أَخْذًا بِإِطْلَاقِهِمْ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ: وَوَجْهُهُ مَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ) أَيْ مَشَقَّةً شَدِيدَةً اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: عَلَى فَاقِدِ الثَّوْبِ) فِي الْعُبَابِ مَا نَصُّهُ: فَرْعٌ: لَوْ لَمْ يَجِدْ الرَّجُلُ إلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ، وَلَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ فِيهِ وَكَذَا التَّسَتُّرُ بِهِ حَتَّى يَجِدَ غَيْرَهُ، وَلَوْ مُتَنَجِّسًا اهـ. وَقَوْلُهُ لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ يُفِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ نَحْوَ الطِّينِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ لَمْ يُصَلِّ فِي الْحَرِيرِ، وَبِهِ أَجَابَ م ر سَائِلُهُ عَنْهُ وَيَنْبَغِي كَمَا وَافَقَ عَلَيْهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي الْحَرِيرِ مَعَ وُجُودِ نَحْوِ الطِّينِ إذَا أَخَلَّ بِمُرُوءَتِهِ وَحِشْمَتِهِ فَلْيُرَاجَعْ كُلُّ ذَلِكَ وَلْيُحْرَرْ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ نَحْوِ الطِّينِ الْحَشِيشُ وَالْوَرَقُ حَيْثُ أَخَلَّ فَيَجُوزُ لَهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ.
أَمَّا لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ إلَّا نَحْوَ الطِّينِ وَكَانَ يُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ (قَوْلُهُ: امْرَأَتَانِ أَوْ رَجُلَانِ) أَيْ، وَإِنْ صَارَ عَلَى صُورَةِ الْقَمِيصِ لَهُمَا: أَيْ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ) أَيْ فِي الِاكْتِفَاءِ بِهِ
[حاشية الرشيدي]
[عَوْرَةُ الْحُرَّةِ]
(قَوْلُهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ إلَخْ) أَيْ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصَّلَاةِ عَارِيًّا عَلَى الشَّطِّ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ فِي الْمَاءِ وَالسُّجُودِ عَلَى الشَّطِّ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ لَزِمَهُ) أَيْ إنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ أَفْعَالٌ كَثِيرَةٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَلْيُرَاجَعْ.
عَوْرَتُهُ مِنْهُ كَأَنْ صَلَّى بِمَكَانٍ عَالٍ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَسَتْرُ مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ لِدَلَالَةِ تَذْكِيرِ الضَّمِيرِ فِي أَعْلَاهُ وَجَوَانِبِهِ وَأَسْفَلِهِ وَلَوْ كَانَ مُضَافًا لِمَفْعُولِهِ لَقَالَ سَتَرَ أَعْلَاهَا إلَخْ مُؤَنَّثَا (فَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ) أَيْ الْمُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الرَّائِي لَهَا كَمَا مَرَّ (مِنْ جَيْبِهِ) أَيْ طَوْقِ قَمِيصِهِ لِسَعَتِهِ (فِي رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكْفِ) السَّتْرُ بِذَلِكَ (فَلْيَزُرَّهُ) بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا وَبِضَمِّ الرَّاءِ فِي الْأَحْسَنِ لِتُنَاسِبَ الْوَاوَ الْمُتَوَلِّدَةَ لَفْظًا مِنْ إشْبَاعِ ضَمَّةِ الْهَاءِ الْمُقَدَّرَةِ الْحَذْفِ لِخَفَائِهَا وَكَأَنَّ الْوَاوَ وَلِيَتْ الرَّاءَ، وَقِيلَ لَا يَجِبُ ضَمُّهَا فِي الْأَفْصَحِ بَلْ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَهَا مَا لَا يُنَاسِبُهَا، وَيَجُوزُ فِي دَالِ يَشُدُّ الضَّمُّ إتْبَاعًا لِعَيْنِهِ وَالْفَتْحُ لِلْخِفَّةِ، قِيلَ وَالْكَسْرُ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْجَارْبُرْدِيِّ كَابْنِ الْحَاجِبِ اسْتِوَاءُ الْأَوَّلَيْنِ، وَقَوْلُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ إنَّ الْفَتْحَ أَفْصَحُ يُنَازَعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ نَظَرَهُمْ إلَى إيثَارِ الْأَخْفِيَةِ أَكْثَرُ مِنْ نَظَرِهِمْ إلَى الِاتِّبَاعِ؛ لِأَنَّهَا أَنْسَبُ بِالْفَصَاحَةِ، وَأَلْيَقُ بِالْبَلَاغَةِ (أَوْ يَشُدُّ وَسَطَهُ) بِفَتْحِ السِّينِ فِي الْأَفْصَحِ، وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا حَتَّى لَا تُرَى عَوْرَتُهُ مِنْهُ، وَيَكْفِي سَتْرُ ذَلِكَ بِنَحْوِ لِحْيَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتُرْهُ بِشَيْءٍ صَحَّ إحْرَامُهُ ثَمَّ عِنْدَ الرُّكُوعِ إنْ سَتَرَهُ اسْتَمَرَّتْ الصِّحَّةُ، وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُنَافِي، وَفَائِدَتُهُ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَفِيمَا إذَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَعْدَ إحْرَامِهِ، وَالْمُرَادُ بِرُؤْيَةِ الْعَوْرَةِ أَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ تُرَى، وَإِنْ لَمْ تُرَ بِالْفِعْلِ (وَلَهُ سَتْرُ بَعْضِهَا) أَيْ عَوْرَتِهِ مِنْ غَيْرِ السَّوْأَةِ أَوْ مِنْهَا بِلَا مَسٍّ نَاقِضٍ (بِيَدِهِ فِي الْأَصَحِّ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، وَالثَّانِي لَا؛ لِأَنَّ السَّاتِرَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْمَسْتُورِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضَهُ وَرُدَّ بِمَنْعِ ذَلِكَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَعَدَمِ حُرْمَةِ سَتْرِ الْمُحْرِمِ بِيَدِهِ أَنَّ الْمَدَارَ ثَمَّ عَلَى مَا فِيهِ تَرَفُّهٌ وَلَا تَرَفُّهَ فِي السَّتْرِ بِيَدِهِ، وَهُنَا عَلَى مَا يَسْتُرُ لَوْنَ الْبَشَرَةِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْيَدِ.
أَمَّا سَتْرُهَا هُنَا بِيَدِ غَيْرِهِ فَيَكْفِي قَطْعًا كَمَا فِي الْكِفَايَةِ وَكَمَا لَوْ اسْتَتَرَ بِقِطْعَةِ حَرِيرٍ، وَكَذَا لَوْ جَمَعَ الْمُخَرَّقَ مِنْ سُتْرَتِهِ وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُصَلِّي سُتْرَةً نَجِسَةً وَلَمْ يَجِدْ مَا يُطَهِّرُهَا بِهِ أَوْ وَجَدَهُ وَفَقَدَ مَنْ يُطَهِّرُهَا
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: بِمَكَانٍ عَالٍ) لَيْسَ بِقَيْدٍ (قَوْلُهُ: مُؤَنَّثًا) يُمْكِنُ جَعْلُهُ مُضَافًا إلَيْهِ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ: أَيْ سَتَرَ أَعْلَاهُ: أَيْ الْمُصَلِّي: أَيْ عَوْرَتَهُ، وَفِي حَجّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: مِنْ جَيْبِهِ) مَفْهُومُهُ أَنَّهَا لَوْ رُئِيَتْ مِنْ أَسْفَلَ، وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي هُوَ الرَّائِي لَهَا لَمْ يَضُرَّ، لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ الرَّوْضِ لِوَالِدِ الشَّارِحِ مَا نَصُّهُ: فِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ الْغَرِيبَةِ أَنَّ الْمُصَلِّي إذَا رَأَى فَرْجَ نَفْسِهِ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النَّظَرُ ثَمَّ حَرَامًا.
اهـ.
أَيْ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرَاهَا مِنْ أَعْلَى أَوْ أَسْفَلَ (قَوْلُهُ: أَيْ طَوْقِ قَمِيصِهِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ مَا لَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ كُمِّهِ (قَوْلُهُ: بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا) قَالَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ فِي شَرْحِ التَّصْرِيفِ وَفَتْحِهَا (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَجِبُ ضَمُّهَا) لَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَجْهٌ يُخَالِفُ قَوْلَهُ بِضَمِّ الرَّاءِ فِي الْأَحْسَنِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى كَوْنِ الضَّمِّ الْأَحْسَنَ جَوَازُ تَرْكِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِالْأَحْسَنِ الْوَاجِبَ (قَوْلُهُ: يُنَازِعُ) بِكَسْرِ الزَّايِ فِيهِ: أَيْ فِي كَلَامِ الْجَارْبُرْدِيِّ: أَيْ الْقَائِلُ بِاسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ (قَوْلُهُ: وَأَلْيَقُ) فِي نُسْخَةٍ وَأَلْصَقُ، وَلَهَا وَجْهٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا أَمَسُّ وَأَدْخَلُ فِي الْبَلَاغَةِ (قَوْلُهُ: وَفَائِدَتُهُ فِي الِاقْتِدَاءِ) أَيْ تَظْهَرُ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ (قَوْلُهُ: وَلَهُ سِتْرُ بَعْضِهَا) بَلْ عَلَيْهِ إذَا كَانَ فِي سَاتِرِ عَوْرَتِهِ خَرْقٌ لَمْ يَجِدْ مَا يَسُدُّهُ غَيْرَ يَدِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
اهـ حَجّ.
(قَوْلُهُ: فَيَكْفِي قَطْعًا) أَيْ، وَإِنْ حَرُمَ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ) وَالْوَجْهُ كَمَا قَالَهُ م ر أَنَّهُ إذَا احْتَاجَ لِوَضْعِ يَدِهِ لِلسُّجُودِ عَلَيْهَا وَضَعَهَا وَتَرَكَ السَّتْرَ بِهَا؛ لِأَنَّ السُّجُودَ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ عَهِدَ جَوَازَ الصَّلَاةِ عَارِيًّا مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ بِخِلَافِ السُّجُودِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَدْ يُتَوَقَّفُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فِي الْأَحْسَنِ) عِبَارَةُ الشِّهَابِ حَجّ: يَجِبُ فِي يَزُرْ ضَمُّ الرَّاءِ عَلَى الْأَفْصَحِ، ثُمَّ قَابَلَهُ بِقَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي وَقِيلَ لَا يَجِبُ ضَمُّهَا فِي الْأَفْصَحِ (قَوْلُهُ: الْمُقَدَّرَةِ الْحَذْفِ) يَعْنِي الَّتِي هِيَ كَالْمَحْذُوفَةِ لِخَفَائِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْحُرُوفِ الْمَهْمُوسَةِ فَلَمْ تُعَدَّ فَاصِلًا (قَوْلُهُ: يُنَازِعُ فِيهِ) بِبِنَاءِ يُنَازِعُ لِلْفَاعِلِ وَرُجُوعِ ضَمِيرٍ فِيهِ لِكَلَامِ الْجَارْبُرْدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ (قَوْلُهُ: وَكَمَا لَوْ اسْتَتَرَ بِقِطْعَةِ حَرِيرٍ) لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي كَلَامِهِ مَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ فِي الْعِبَارَةِ سَقَطًا، وَعِبَارَةُ الشِّهَابِ حَجّ
وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ وَجَدَهُ وَلَمْ يَرْضَ إلَّا بِالْأُجْرَةِ وَلَمْ يَجِدْهَا أَوْ وَجَدَهَا وَلَمْ يَرْضَ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ أَوْ حُبِسَ عَلَى نَجَاسَةٍ وَاحْتَاجَ إلَى فَرْشِ السُّتْرَةِ عَلَيْهَا صَلَّى عَارِيًّا وَأَتَمَّ الْأَرْكَانَ كَمَا مَرَّ.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُصَلِّي بَعْضَ السُّتْرَةِ لَزِمَهُ الِاسْتِتَارُ بِهِ قَطْعًا، وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الطَّهَارَةِ رَفْعُ الْحَدَثِ، وَهُوَ لَا يَتَجَزَّأُ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا السَّتْرُ، وَهُوَ مِمَّا يَتَجَزَّأُ (فَإِنْ وَجَدَ كَافِي سَوْأَتَيْهِ) أَيْ قُبُلِهِ وَدُبُرِهِ (تَعَيَّنَ لَهُمَا) لِلِاتِّفَاقِ عَلَى كَوْنِهِمَا عَوْرَةً وَلِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَسُمِّيَا سَوْأَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كَشْفَهُمَا يَسُوءُ صَاحِبَهُمَا (أَوْ) كَافِي (أَحَدِهِمَا فَقُبُلُهُ) وُجُوبًا ذَكَرًا أَوْ غَيْرَهُ يُقَدِّمُهُ عَلَى الدُّبُرِ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَجَّهُ بِالْقُبُلِ لِلْقِبْلَةِ فَسَتْرُهُ أَهَمُّ تَعْظِيمًا لَهَا وَلِسَتْرِ الدُّبُرِ غَالِبًا بِالْأَلْيَيْنِ بِخِلَافِ الْقُبُلِ، وَالْمُرَادُ بِالْقُبُلِ وَالدُّبُرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مَا يَنْقُضُ مَسَّهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ بَقِيَّةَ الْعَوْرَةِ
[حاشية الشبراملسي]
فِيمَا ذَكَرَ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجُوزُ مَعَ الْعُرْيِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ السُّتْرَةِ، فَكَذَلِكَ السُّجُودُ يَجُوزُ بِدُونِ وَضْعِ الْيَدِ عِنْدَ الْعَجْزِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ عَهِدَ الصَّلَاةَ مَعَ الْعُرْيِ لِلْقَادِرِ فَفِي أَيِّ مَحِلٍّ ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ الرَّافِعِيَّ جَرَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَضْعُ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ كَمَا مَرَّ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِعَدَمِ وُجُوبِ السَّتْرِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَمِنْ ثَمَّ جَرَى الشِّهَابُ الْبُلْقِينِيُّ عَلَى مُرَاعَاةِ السُّتْرَةِ وَلَعَلَّهُ الْأَقْرَبُ، وَاسْتَوْجَهُ حَجّ التَّخْيِيرَ، وَوَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ وَالسَّتْرُ هَلْ يُقَدِّمُ الْأَوَّلَ أَوْ الثَّانِيَ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الظَّاهِرَ مُرَاعَاةُ السَّتْرِ، وَنُقِلَ عَنْ فَتَاوَى الشَّارِحِ ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ الْقِيَامُ وَالِاسْتِقْبَالُ قُدِّمَ الِاسْتِقْبَالُ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ فِي الصَّلَاةِ بِحَالٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْقِيَامِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَهَذَا مِثْلُهُ فَإِنَّ السَّتْرَ لَا يَسْقُطُ مَعَ الْقُدْرَةِ بِحَالٍ بِخِلَافِ الْقِيَامِ، وَقَوْلُ سم: وَضَعَهَا وَتَرَكَ السَّتْرَ: أَيْ وَعَلَيْهِ فَهَلْ لَهُ الْإِتْيَانُ بِالْأَكْمَلِ فِي سُجُودِهِ، وَيُغْتَفَرُ لَهُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ حِينَئِذٍ أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَدْرِ الطُّمَأْنِينَةِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَلَا ضَرُورَةَ لِكَشْفِهَا زِيَادَةً عَلَى مَا يُصَحِّحُ صَلَاتَهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّارِحِ السَّابِقِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ صَلَّى عَارِيًّا وَأَتَمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ الْأَوَّلَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: بِنَفْسِهِ) أَيْ وَلَوْ شَرِيفًا (قَوْلُهُ: وَأَتَمَّ الْأَرْكَانَ كَمَا مَرَّ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: وَلَا إعَادَةَ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ: أَيْ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا عَلَى مَا شَمَلَهُ كَلَامُهُ، وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ عِنْدَ فَقْدِ مَا يَغْسِلُ بِهِ لَمْ يَبْعُدْ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ كَمَا قِيلَ بِهِ فِيمَا لَوْ فَقَدَ مَا يُسَخِّنُ بِهِ الْمَاءَ وَتَيَمَّمَ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ الِاسْتِتَارُ بِهِ قَطْعًا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بِيَدِهِ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِ حَجّ السَّابِقُ بَلْ عَلَيْهِ إذَا كَانَ فِي سَاتِرِ عَوْرَتِهِ خَرْقٌ إلَخْ خِلَافُهُ، وَكَتَبَ سم عَلَيْهِ قَوْلُهُ: بَلْ عَلَيْهِ إلَخْ قَدْ يُقَالُ لَوْ صَحَّ هَذَا لَوَجَبَ عَلَى الْعَارِي الْعَاجِزِ عَنْ السَّتْرِ مُطْلَقًا وَضْعُ يَدَيْهِ عَلَى بَعْضِ عَوْرَتِهِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى بَعْضِ السُّتْرَةِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّهَا فِي الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَإِطْلَاقُهُمْ كَالصَّرِيحِ فِي خِلَافِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ: أَيْ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ السَّتْرُ بِهِمَا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ وَجَدَ كَافِي سَوْأَتَيْهِ) تَفْرِيعٌ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ الْبَعْضِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْوَاوِ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ لَا يُعْلَمُ مِمَّا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: تَعَيَّنَ لَهُمَا) ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ عَدَمُ الْفَرْقِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَقُبُلُهُ) وَلَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ اهـ حَجّ.
وَكَتَبَ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَقُبُلُهُ ظَاهِرُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَكْفِيهِ وَيَكْفِي الدُّبُرُ فَلْيُتَأَمَّلْ، فَقُبُلُهُ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ يَسْتُرُ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْمَحَلِّيُّ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يَسْتُرُهُ، وَيَجُوزُ جَرُّهُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ حَذْفِ الْعَامِلِ، وَإِبْقَاءِ عَمَلِهِ، وَالتَّقْدِيرُ فَيَتَعَيَّنُ
[حاشية الرشيدي]
وَيَكْفِي بِيَدِ غَيْرِهِ قَطْعًا وَإِنْ حَرُمَ كَمَا لَوْ سَتَرَهَا بِحَرِيرٍ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْقُبُلِ) فِيهِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُنْثَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَقِبَهُ: وَالْمُرَادُ بِالْقُبُلِ وَالدُّبُرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مَا يَنْقُضُ مَسُّهُ، إذْ الَّذِي يَنْقُضُ مَسُّهُ مِنْ قُبُلِ الْأُنْثَى هُوَ مُلْتَقَى الشُّفْرَيْنِ
سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَ مَا قَرُبَ إلَيْهِمَا أَفْحَشَ لَكِنَّ تَقْدِيمَهُ أَوْلَى، وَالْخُنْثَى يَسْتُرُ قُبُلَيْهِ، فَإِنْ وَجَدَ كَافِي أَحَدِهِمَا فَقَطْ تَخَيَّرَ، وَالْأَوْلَى كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ سَتْرُ آلَةِ الرَّجُلِ إنْ كَانَ ثَمَّ أُنْثَى، وَآلَةِ النِّسَاءِ إنْ كَانَ ثَمَّ رَجُلٌ، وَيَنْبَغِي سَتْرُ أَيِّهِمَا شَاءَ عِنْدَ الْخُنْثَى أَوْ الْفَرِيقَيْنِ أَخْذًا مِنْ التَّخْيِيرِ الْمَارِّ (وَقِيلَ) يَسْتُرُ (دُبُرَهُ) وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ (وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ) بَيْنَهُمَا لِتَعَارُضِ الْمَعْنَيَيْنِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً.
وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ فَقَدَ السُّتْرَةَ فِي الصَّلَاةِ غَصْبُهَا مِنْ مَالِكِهَا، بِخِلَافِ الطَّعَامِ فِي الْمَخْمَصَةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ صَلَاتِهِ عَارِيًّا مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ.
نَعَمْ إنْ احْتَاجَ لِذَلِكَ لِنَحْوِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ جَازَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ عَارِيَّتِهِ وَطَلَبُهَا عِنْدَ ظَنِّ إجَابَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُعِيرِ غَيْرُهُ وَقَبُولُ هِبَةِ الطِّينِ، بِخِلَافِ قَبُولِ هِبَةِ الثَّوْبِ وَاقْتِرَاضُهُ لِلْمِنَّةِ، وَيَجِبُ شِرَاؤُهُ وَاسْتِئْجَارُهُ بِبَدَلِ مِثْلِهِ، وَلَوْ وَجَدَ ثَمَنَ الثَّوْبِ أَوْ الْمَاءِ قَدَّمَ الثَّوْبَ حَتْمًا لِدَوَامِ النَّفْعِ بِهِ وَلَا بَدَلَ لَهُ بِخِلَافِ مَاءِ الطَّهَارَةِ، وَلَوْ أَوْصَى بِصَرْفِ ثَوْبٍ لِأَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَوْ وَقَفَهُ عَلَيْهِ أَوْ وَكَّلَ فِي إعْطَائِهِ قَدَّمَ الْمَرْأَةَ حَتْمًا؛ لِأَنَّ عَوْرَتَهَا أَفْحَشُ، ثُمَّ الْخُنْثَى لِاحْتِمَالِ أُنُوثَتِهِ ثُمَّ الرَّجُلِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ مُسَاوَاةُ الْأَمْرَدِ لِلرَّجُلِ لَكِنَّ بَحْثَ بَعْضِهِمْ تَقْدِيمُ الْأَمْرَدِ عَلَيْهِ، وَلَا بُعْدَ فِيهِ.
وَالْأَمَةُ وَالْحُرَّةُ هُنَا يَسْتَوِيَانِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ عَوْرَةَ الْحُرَّةِ أَوْسَعُ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا رُدَّ بِأَنَّ الْمَوْجُودَ إنْ كَفَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَقَطْ فَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ، وَإِنْ زَادَ فَلَا تَعَارُضَ فِي الزَّائِدِ إذْ لَا عَوْرَةَ لِلْأَمَةِ حِينَئِذٍ، وَالْخُنْثَيَانِ يَسْتَوِيَانِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا رِقًّا وَحُرِّيَّةً، وَتُقَدَّمُ الْأَمَةُ عَلَى الْخُنْثَى الْحُرِّ، وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ صَاحِبُ الْإِسْعَادِ لِتَحَقُّقِ أُنُوثَتِهَا وَفُحْشِ عَوْرَتِهَا بِخِلَافِهِ، وَلَوْ كَفَى سَوْأَتَيْ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى قُدِّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الرَّجُلِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَإِنْ كَانَ يَسْتُرُ جَمِيعَ عَوْرَتِهِ؛ لِأَنَّ عَوْرَتَهُمَا أَقْبَحُ، وَبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا مَرَّ فِي التَّيَمُّمِ خِلَافًا لِلشَّيْخِ حَيْثُ سَوَّى بَيْنَهُمَا.
وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ دَفْعُ سُتْرَتِهِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا لِأَدَاءِ فَرْضِهِ وَيُصَلِّي عَارِيًّا، بَلْ يَفْعَلُهَا فِيهَا وُجُوبًا وَيُعِيرُهَا لِلْمُحْتَاجِ اسْتِحْبَابًا، وَلَوْ وَجَدَ ثَوْبَ حَرِيرٍ فَقَطْ لَزِمَهُ السَّتْرُ بِهِ لِجَوَازِ لُبْسِهِ لِلْحَاجَةِ،
[حاشية الشبراملسي]
لِقُبُلِهِ.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مَا قَرُبَ إلَيْهِمَا) أَيْ السَّوْأَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَطَلَبُهَا عِنْدَ ظَنِّ إجَابَتِهِ) هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُولُهَا نَزَلَتْ مَنْزِلَةَ مَا بِيَدِهِ.
وَالشُّرُوطُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهَا لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا رِعَايَةَ الْوَقْتِ فَيُكَلَّفُ الْوُضُوءَ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَكَذَا السَّتْرُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُعِيرِ غَيْرُهُ) أَيْ وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَالِكِ إعَارَتُهَا إنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ كَشْفُ مُحَرَّمٍ (قَوْلُهُ: بِبَدَلِ مِثْلِهِ) أَيْ مِنْ ثَمَنٍ أَوْ أُجْرَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَا بُعْدَ فِيهِ) اُنْظُرْ هَلْ يُقَدَّمُ الْمَيِّتُ هُنَا عَلَى الْحَيِّ نَظِيرُ مَا لَوْ أَوْصَى بِمَاءٍ لِأَوْلَى النَّاسِ حَيْثُ يُقَدَّمُ طُهْرُ الْمَيِّتِ ثَمَّ عَلَى الْحَيِّ أَوَّلًا وَيُفَرَّقُ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ آخِرَةُ أَمْرِهِ، وَالسُّتْرَةُ تُتَوَقَّعُ لِلْحَيِّ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْمَيِّتِ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ خِيفَ مِنْهُ مَحْذُورُ تَيَمُّمٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَمَةُ وَالْحُرَّةُ هُنَا يَسْتَوِيَانِ) أَيْ فَيُقَدِّمُ أَيَّهمَا شَاءَ عَلَى الْخُنْثَى، وَفِي نُسْخَةٍ مُسْتَوِيَانِ: أَيْ شَخْصَانِ مُسْتَوِيَانِ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلشَّيْخِ حَيْثُ سَوَّى بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَمُقْتَضَى التَّسْوِيَةِ تَقْدِيمُ الرَّجُلِ هُنَا عَنْهُمَا حَيْثُ كَانَ يَسْتُرُ جَمِيعَ عَوْرَتِهِ دُونَهُمَا، وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ وَشَرْحُهُ: وَإِنْ أَوْصَى بِهِ: أَيْ بِالثَّوْبِ: أَيْ بِصَرْفِهِ لِلْأَوْلَى بِهِ قُدِّمَتْ الْمَرْأَةُ وُجُوبًا؛ لِأَنَّ عَوْرَتَهَا أَعْظَمُ، ثُمَّ الْخُنْثَى لِاحْتِمَالِ أُنُوثَتِهِ ثُمَّ الرَّجُلُ.
وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي التَّيَمُّمِ فِيمَا لَوْ أَوْصَى بِمَاءٍ لِلْأَوْلَى بِهِ أَنَّهُ لَوْ كَفَى الثَّوْبُ لِلْمُؤَخَّرِ دُونَ الْمُقَدَّمِ قُدِّمَ الْمُؤَخَّرُ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: بَلْ يَفْعَلُهَا فِيهَا وُجُوبًا) أَيْ فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ حَيْثُ قَدَرَ عَلَى انْتِزَاعِهَا مِمَّنْ دَفَعَهَا لَهُ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَقْدِرْ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَرْضِ الَّذِي أَعَارَ فِي وَقْتِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي: وَإِتْلَافُ الثَّوْبِ وَبَيْعُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ السَّتْرُ بِهِ) وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي جَوَازِ السَّتْرِ بِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُلَاقِيًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ أَوْ لِلْعَوْرَةِ فَقَطْ، فَلَا يُكَلَّفُ لُبْسَهُ فِيمَا لَاقَاهَا فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ اسْتَتَرَ بِهِ فِي مَحَلِّهَا فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ
[حاشية الرشيدي]
فَقَطْ كَمَا مَرَّ فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ مَسْتُورٌ فِي سَائِرِ أَفْعَالِ صَلَاتِهَا
(قَوْلُهُ: وَإِنْ زَادَ فَلَا تَعَارُضَ فِي الزَّائِدِ) لَمْ يَظْهَرْ لِي الْمُرَادُ
وَمِنْهَا السَّتْرُ لِلصَّلَاةِ وَلَوْ كَانَ زَائِدًا عَلَى الْعَوْرَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَطْعُ مَا زَادَ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يُنْقِصْ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الثَّوْبِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَلِمَا فِي قَطْعِهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ لِمُسَامَحَتِهِمْ فِي الْأَعْذَارِ الْمُجَوِّزَةِ لِلُبْسِ الْحَرِيرِ وَمِثْلُهَا بَلْ أَوْلَى وُجُودُ نَقْصٍ، وَإِنْ قَلَّ، وَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمُتَنَجِّسِ، وَيُقَدَّمُ الْمُتَنَجَّسُ عَلَيْهِ فِي الْخَلْوَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةِ الثَّوْبِ.
وَلَوْ صَلَّتْ أَمَةٌ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ فَعَتَقَتْ فِيهَا وَوَجَدَتْ خِمَارًا إنْ مَضَتْ إلَيْهِ احْتَاجَتْ أَفْعَالًا مُبْطِلَةً أَوْ انْتَظَرَتْ مَنْ يَأْتِي بِهِ لَهَا مَضَتْ مُدَّةٌ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ بَنَتْ، وَكَذَا إنْ وَجَدَتْهُ قَرِيبًا فَتَنَاوَلَتْهُ وَلَمْ تَسْتَدْبِرْ وَسَتَرَتْ بِهِ رَأْسَهَا فَوْرًا كَعَارٍ وَجَدَ سُتْرَةً وَلَوْ لَمْ تَعْلَمْ بِالسُّتْرَةِ أَوْ بِالْعِتْقِ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُهَا فِيهِ السَّتْرُ لَوْ عَلِمَتْ بَطَلَتْ.
وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: إنْ صَلَّيْت صَلَاةً صَحِيحَةً فَأَنْت حُرَّةٌ قَبْلَهَا فَصَلَّتْ بِلَا خِمَارٍ عَاجِزَةً عَتَقَتْ وَصَحَّتْ صَلَاتُهَا، أَوْ قَادِرَةً صَحَّتْ وَلَمْ تُعْتَقْ لِلدَّوْرِ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلذَّكَرِ أَنْ يَلْبَسَ لِصَلَاتِهِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَيَتَقَمَّصَ وَيَتَعَمَّمَ وَيَتَطَيْلَسَ وَيَرْتَدِيَ وَيَتَّزِرُ أَوْ يَتَسَرْوَلَ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ثَوْبَيْنِ فَقَمِيصٌ مَعَ رِدَاءٍ أَوْ إزَارٌ أَوْ سَرَاوِيلُ أَوْلَى مِنْ رِدَاءٍ مَعَ إزَارٍ أَوْ سَرَاوِيلَ وَمِنْ إزَارٍ مَعَ سَرَاوِيلَ.
وَحَاصِلُهُ اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبَيْنِ لِلِاتِّبَاعِ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدٍ فَقَمِيصٌ فَإِزَارٌ فَسَرَاوِيلُ وَيَلْتَحِفُ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ إنْ اتَّسَعَ، وَيُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ فَإِنْ ضَاقَ اتَّزَرَ بِهِ وَجَعَلَ شَيْئًا مِنْهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَيُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى فِي الصَّلَاةِ ثَوْبٌ سَابِغٌ لِجَمِيعِ بَدَنِهَا وَخِمَارٌ وَمِلْحَفَةٌ كَثِيفَةٌ، وَإِتْلَافُ الثَّوْبِ
[حاشية الشبراملسي]
أَنَّهُ لَابِسٌ لَهُ خِلَافًا لِمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ ضَعَفَةِ الطَّلَبَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ أَكْثَرُ مِنْ أُجْرَةِ الثَّوْبِ) عُمُومُ قَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ إلَخْ يَشْمَلُ مَا لَوْ لَمْ يَنْقُصْ بِالْقَطْعِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ إلَخْ سَوَاءٌ نَقَصَ بِالْقَطْعِ أَكْثَرُ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ أَوْ لَمْ يَنْقُصْ، وَهُوَ شَامِلٌ لِانْتِفَاءِ النَّقْصِ مِنْ أَصْلِهِ، لَكِنَّ عِبَارَةَ حَجّ وَالْأَوْجَهَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَطْعُ زَائِدٍ عَلَى الْعَوْرَةِ إنْ نَقَصَ بِهِ الْمَقْطُوعُ وَلَوْ يَسِيرًا.
اهـ. وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْقُصْ بِالْقَطْعِ لَزِمَهُ، وَهُوَ قَضِيَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ وَلِمَا فِي قَطْعِهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ (قَوْلُهُ: لِمُسَامَحَتِهِمْ فِي الْأَعْذَارِ) وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا يَأْتِي فِي قَطْعِ الْمُتَنَجِّسِ (قَوْلُهُ: وَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمُتَنَجِّسِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ فَقَدَهُ وَوَجَدَ مُتَنَجِّسًا اسْتَتَرَ بِهِ، وَلَيْسَ مُرَادًا لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يُصَلِّي عَارِيًّا وَلَا إعَادَةَ عَلَى مَا مَرَّ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَيُقَدَّمُ الْمُتَنَجِّسُ عَلَيْهِ فِي الْخَلْوَةِ) أَيْ، وَإِنْ كَانَ رَطْبًا وَيَغْسِلُ بَدَنَهُ حَيْثُ احْتَاجَ لِلْغُسْلِ.
(قَوْلُهُ: لَوْ عَلِمَتْ بَطَلَتْ) أَيْ، وَإِنْ كَانَتْ السُّتْرَةُ بَعِيدَةً؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ لَا تَسْقُطُ بِالْجَهْلِ وَلَا النِّسْيَانِ
(قَوْلُهُ: فَأَنْتِ حُرَّةٌ قَبْلَهَا) وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ قَالَ سَيِّدُهَا مَتَى قُمْت لِلرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مَثَلًا فَأَنْت حُرَّةٌ وَصَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ هَلْ تَنْعَقِدُ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّهَا بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ تَسْتُرَهَا قُبَيْلَ مَا عَلَّقَ بِهِ السَّيِّدُ أَمْ لَا تَنْعَقِدُ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَتْ السُّتْرَةُ قَرِيبَةً مِنْهَا بِحَيْثُ لَا تَحْتَاجُ فِي وَضْعِهَا لِأَفْعَالٍ كَثِيرَةٍ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهَا وَعَتَقَتْ، وَإِلَّا فَلَا إنْ لَمْ يَحْتَمِلْ احْتِمَالًا قَرِيبًا وُجُودَ مَنْ يَأْتِي لَهَا بِهَا بِإِشَارَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَإِنْ احْتَمَلَ ذَلِكَ انْعَقَدَتْ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) أَيْ وَيُحَافِظُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَتَجَمَّلُ بِهِ عَادَةً وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ (قَوْلُهُ: أَوْ يَتَسَرْوَلُ) فِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَتَاهِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ الْأَرْضَ تَسْتَغْفِرُ لِلْمُصَلِّي بِالسَّرَاوِيلِ» . اهـ دَمِيرِي (قَوْلُهُ: وَمِنْ إزَارٍ مَعَ سَرَاوِيلَ) وَبَقِيَ كُلٌّ مِنْ الثَّلَاثَتَيْنِ بَعْضُهُ مَعَ بَعْضٍ فَانْظُرْ حُكْمَهُ، وَلَعَلَّ أَوْلَاهَا الْقَمِيصُ مَعَ السَّرَاوِيلِ ثُمَّ الْقَمِيصُ مَعَ الْإِزَارِ ثُمَّ مَعَ الرِّدَاءِ (قَوْلُهُ: فَإِزَارٌ فَسَرَاوِيلُ) لَعَلَّ وَجْهَ تَقْدِيمِ الْإِزَارِ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَحْكِي حَجْمَ الْعَوْرَةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ
[حاشية الرشيدي]
مِنْهُ، وَمِثْلُهُ فِي الْإِمْدَادِ وَالرَّدِّ الْمَذْكُورِ لَهُ
(قَوْلُهُ: احْتَاجَتْ أَفْعَالًا مُبْطِلَةً) أَيْ وَمَضَتْ إلَيْهِ بِالْفِعْلِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ إلَّا بِالْمُضِيِّ أَوْ الِانْتِظَارِ بِالْفِعْلِ، لَكِنْ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ كَالْعُبَابِ مَا هُوَ كَالصَّرِيحِ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِمُجَرَّدِ الْوُجُودِ لِلسَّاتِرِ الْبَعِيدِ وَإِنْ لَمْ تَمْضِ إلَيْهِ وَلَمْ تَنْتَظِرْ فَلْيُرَاجَعْ
وَبَيْعُهُ فِي الْوَقْتِ كَالْمَاءِ، وَلَا يُبَاعُ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا خَادِمٌ كَمَا فِي الْكَفَّارَةِ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ فِيهِ صُورَةٌ وَأَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُصَلِّيَ مُضْطَبِعًا وَأَنْ يُغَطِّيَ فَاهُ، فَإِنْ تَثَاءَبَ غَطَّاهُ بِيَدِهِ نَدْبًا وَأَنْ يَشْتَمِلَ اشْتِمَالَ الصَّمَّاءِ وَالْيَهُودِ بِأَنْ يُخَلِّلَ فِي الْأَوَّلِ بَدَنَهُ بِالثَّوْبِ ثُمَّ يَرْفَعَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَفِي الثَّانِي بِأَنْ يُخَلِّلَ بَدَنَهُ بِالثَّوْبِ بِدُونِ رَفْعِ طَرَفَيْهِ، وَأَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُتَلَثِّمًا وَالْمَرْأَةُ مُتَنَقِّبَةً.
(وَ) رَابِعُهَا (طَهَارَةُ الْحَدَثِ) الْأَصْغَرِ وَغَيْرُهُ عِنْدَ قُدْرَتِهِ فَإِنْ عَجَزَ فَقَدْ مَرَّ فِي التَّيَمُّمِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا عِنْدَ إحْرَامِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الطَّهَارَةِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ أَحْرَمَ مُتَطَهِّرًا ثُمَّ أَحْدَثَ نَظَرَ (فَإِنْ سَبَقَهُ) حَدَثُهُ غَيْرُ الدَّائِمِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ لِبُطْلَانِهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَشَمِلَ ذَلِكَ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ (وَفِي الْقَدِيمِ) وَنُسِبَ لِلْجَدِيدِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بَلْ يَتَطَهَّرُ وَ (يَبْنِي) عَلَى صَلَاتِهِ لِعُذْرِهِ، وَإِنْ كَانَ حَدَثُهُ أَكْبَرَ لِحَدِيثٍ فِيهِ ضَعْفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ، وَمَعْنَى الْبِنَاءِ أَنْ يَعُودَ إلَى الرُّكْنِ الَّذِي سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِيهِ، وَيَجِبُ تَقْلِيلُ الزَّمَانِ وَالْأَفْعَالِ قَدْرَ الْإِمْكَانِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْبِدَارُ الْخَارِجُ عَنْ الْعَادَةِ، فَلَوْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ بَابَانِ فَسَلَكَ الْأَبْعَدَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ طَهَارَتِهِ عَوْدٌ إلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ إمَامًا لَمْ يَسْتَخْلِفْ أَوْ مَأْمُومًا يَبْغِي فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ، كَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ التَّتِمَّةِ وَأَقَرَّهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، لَكِنْ فِي التَّحْقِيقِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ عُذْرٌ مُطْلَقًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُنْفَرِدُ وَالْإِمَامُ الْمُسْتَخْلِفُ.
أَمَّا حَدَثُهُ الدَّائِمُ كَسَلَسِ بَوْلٍ فَغَيْرُ ضَارٍ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْحَيْضِ، وَإِنْ أَحْدَثَ مُخْتَارًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَطْعًا عَلِمَ كَوْنَهُ فِي الصَّلَاةِ أَمْ كَانَ نَاسِيًا.
وَلَوْ نَسِيَ الْحَدَثَ فَصَلَّى أُثِيبَ عَلَى قَصْدِهِ دُونَ فِعْلِهِ إلَّا الْقِرَاءَةَ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْوُضُوءِ فَيُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ أَيْضًا.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَفِي إثَابَتِهِ عَلَى الْقِرَاءَةِ إذَا كَانَ جُنُبًا نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ عَدَمُ إثَابَتِهِ (وَيَجْرِيَانِ) أَيْ الْقَوْلَانِ (فِي كُلِّ مُنَاقِضٍ) أَيْ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ (عَرَضَ) فِيهَا (بِلَا تَقْصِيرٍ) مِنْ
[حاشية الشبراملسي]
بِالْبُطْلَانِ (قَوْلُهُ: كَالْمَاءِ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا نَحْوُهُ، وَيَجِبُ اسْتِرْدَادُهُ مَا دَامَ بَاقِيًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَرِدَّهُ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ لِمَا صَلَّاهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِرْدَادِهِ، وَكَذَا مَعَ الْعَجْزِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ الَّتِي فَوَّتَهُ فِي وَقْتِهَا.
(قَوْلُهُ: فِي ثَوْبٍ فِيهِ صُورَةٌ) ظَاهِرُهُ، وَلَوْ أَعْمَى أَوْ فِي ظُلْمَةٍ أَوْ كَانَتْ الصُّورَةُ خَلْفَ ظَهْرِهِ أَوْ مُلَاقِيَةً لِلْأَرْضِ بِحَيْثُ لَا يَرَاهَا إذَا صَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ تَبَاعُدًا عَمَّا فِيهِ الصُّورَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا (قَوْلُهُ: وَأَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ) وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَنْ وَقْفِ هَذَا الثَّوْبِ هَلْ يَصِحُّ وَيُثَابُ عَلَى وَقْفِهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْوَقْفَ صَحِيحٌ لِكَوْنِهِ لَيْسَ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَلَوْ قِيلَ بِعَدَمِ ثَوَابِهِ بَلْ بِكَرَاهَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْرِيضِ لِلصَّلَاةِ الْمَكْرُوهَةِ لَمْ يَبْعُدْ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالْحُكْمِ لَا نَظَرَ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: غَطَّاهُ بِيَدِهِ) أَيْ الْيَسَارِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ بِظَهْرِهَا (قَوْلُهُ: عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ) عِبَارَةُ الْقَامُوسِ وَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ أَنْ يَرُدَّ الْكِسَاءَ مِنْ قِبَلِ يَمِينِهِ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى وَعَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ يَرُدَّهُ ثَانِيَةً مِنْ خَلْفِهِ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى وَعَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ فَيُغَطِّيهِمَا جَمِيعًا.
[مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاة الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ]
(قَوْلُهُ: مَعَ قُدْرَتِهِ) خَرَجَ بِهِ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَنْعَقِدُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ سَبَقَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مُتَطَهِّرًا، وَمِثْلُهُ: أَيْ مِثْلُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلْمُقَيَّدِ بِدُونِ قَيْدِهِ بِقَرِينَةٍ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ إذَا قَامَتْ عَلَى ذَلِكَ قَرِينَةٌ، وَالْقَرِينَةُ هُنَا بُطْلَانُ صَلَاتِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، فَصَحَّ قَوْلُ الشَّارِحِ وَشَمَلَ ذَلِكَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَشَمَلَ ذَلِكَ) فِي دَعْوَى الشُّمُولِ بَعْدَ تَقْيِيدِهِ الْإِحْرَامَ بِكَوْنِهِ مُتَطَهِّرًا نَظَرٌ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ الْأَوْلَى تَرْكَ التَّقْيِيدِ أَوْ يُقَيِّدُ ثُمَّ يَقُولُ وَلَوْ كَانَ فَاقِدًا إلَخْ (قَوْلُهُ: أَنْ يَعُودَ إلَى الرُّكْنِ الَّذِي سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِيهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَحْدَثَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ أَوْ جُلُوسِ الِاسْتِرَاحَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لَهُ، وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ وَأَنَّهُ يَجِبُ الْعَوْدُ إلَيْهِ لِيَقُومَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ قِيَامَهُ مَعَ الْحَدَثِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمَحَلِّيِّ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يَبْنِي بَعْدَ الطَّهَارَةِ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْهَا يُشْعِرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِرُكْنٍ وَلَا بِغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ) لَوْ عَبَّرَ بِالْوَاوِ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّعُ عَمَّا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: وَالْأَقْرَبُ) مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: عَدَمُ إثَابَتِهِ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: قَوْلُهُ: إلَّا مِنْ نَحْوِ جُنُبٍ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا بَلْ عَلَى قَصْدِهَا فَقَطْ.
وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْمُصَلِّي (وَتَعَذَّرَ دَفْعُهُ فِي الْحَالِ) كَمَا لَوْ تَنَجَّسَ بَدَنُهُ أَوْ ثَوْبُهُ وَاحْتَاجَ إلَى الْغُسْلِ أَوْ طَيَّرَتْ الرِّيحُ ثَوْبَهُ إلَى مَكَان بَعِيدٍ (فَإِنْ أَمْكَنَ) دَفَعَهُ فِي الْحَالِ (بِأَنْ كَشَفَتْهُ رِيحٌ فَسُتِرَ فِي الْحَالِ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ، وَكَذَا لَوْ سَقَطَ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ رَطْبَةٌ فَأَلْقَى الثَّوْبَ حَالًا أَوْ يَابِسَةً فَسَقَطَتْ فِي الْحَالِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُنَحِّيَهَا بِيَدِهِ أَوْ كُمِّهِ أَوْ بِعُودٍ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (وَإِنْ قَصَّرَ) فِي دَفْعِهِ (بِأَنْ فَرَغَتْ مُدَّةٌ خَفَّ فِيهَا) أَيْ الصَّلَاةَ (بَطَلَتْ) قَطْعًا لِتَقْصِيرِهِ مَعَ احْتِيَاجِهِ إلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ أَوْ الْوُضُوءِ بِاتِّفَاقِ الْقَوْلَيْنِ، حَتَّى لَوْ غَسَلَ فِي الْخُفِّ رِجْلَيْهِ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ لَمْ يُؤَثِّرْ، إذْ مَسْحُ الْخُفِّ يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَلَا تَأْثِيرَ لِلْغَسْلِ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ، وَمِثْلُهُ غَسْلُهُمَا بَعْدَهَا لِمُضِيِّ مُدَّةٍ، وَهُوَ
[حاشية الشبراملسي]
الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ أَنَّ قِرَاءَةَ الْجُنُبِ لَا بِقَصْدِ الْقُرْآنِ يُثَابُ عَلَيْهَا ثَوَابَ الذِّكْرِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ هُنَا لَمْ يَصْرِفْهَا عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ لِنِسْيَانِهِ الْجَنَابَةَ وَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ ثَوَابِهَا مِنْ الطَّهَارَةِ، وَهُنَاكَ انْصَرَفَتْ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ لِعَدَمِ قَصْدِهَا فَصَارَتْ ذِكْرًا فَأُثِيبَ عَلَى الذِّكْرِ.
وَقَدْ يُقَالُ: نِسْيَانُهُ الْجَنَابَةَ لَا يَقْتَضِي قَصْدَ الْقُرْآنِيَّةِ فَيَنْبَغِي حِينَئِذٍ أَنْ يُثَابَ عَلَيْهَا ثَوَابَ الذِّكْرِ لِانْصِرَافِهَا عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُثَابَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَصَدَهَا إلْغَاءً لِقَصْدِهَا لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ.
اهـ (قَوْلُهُ: بِأَنْ كَشَفَتْهُ رِيحٌ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: وَلَوْ تَكَرَّرَ كَشْفُ الرِّيحُ وَتَوَالَى بِحَيْثُ احْتَاجَ فِي السَّتْرِ إلَى حَرَكَاتٍ كَثِيرَةٍ مُتَوَالِيَةٍ فَالْمُتَّجَهُ الْبُطْلَانُ بِفِعْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالُوهُ فِيمَا لَوْ صَلَّتْ أَمَةٌ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ فَعَتَقَتْ فِي الصَّلَاةِ وَوَجَدَتْ خِمَارًا تَحْتَاجُ فِي مُضِيِّهَا إلَيْهِ إلَى أَفْعَالٍ كَثِيرَةٍ أَوْ طَالَتْ مُدَّةُ التَّكَشُّفِ مِنْ أَنَّ صَلَاتَهَا تَبْطُلُ.
اهـ.
وَرَأَيْت بِهَامِشٍ عَنْ سم مَا نَصُّهُ: وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ الرِّيحِ الْآدَمِيِّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ وَالْبَهِيمَةِ وَلَوْ مُعَلَّمَةً.
اهـ. وَقَوْلُهُ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ مَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُمَيِّزَ يَضُرُّ، وَيُوَجَّهُ ذَلِكَ بِأَنَّ لَهُ قَصْدًا فَبَعُدَ إلْحَاقُهُ بِالرِّيحِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ أَمْكَنَ إلْحَاقُهُ بِهِ هَذَا.
وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ الضَّرَرُ فِي غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَعَلَّلَهُ بِنُدْرَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُرَاجَعْ.
أَقُولُ: وَهُوَ قِيَاسُ مَا قَالُوهُ فِي الِانْحِرَافِ عَنْ الْقِبْلَةِ مُكْرَهًا فَإِنَّهُ يَضُرُّ، وَإِنْ عَادَ حَالًا، وَعَلَّلُوهُ بِنُدْرَةِ الْإِكْرَاهِ فِي الصَّلَاةِ فَاعْتَمِدْهُ.
(قَوْلُهُ: نَجَاسَةٌ رَطْبَةٌ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: تَنْبِيهٌ: لَوْ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ إلْقَاءِ النَّجَاسَةِ حَالًا لِتَصِحَّ صَلَاتُهُ لَكِنْ يَلْزَمُهُ إلْقَاؤُهَا فِي الْمَسْجِدِ لِكَوْنِهِ فِيهِ وَبَيْنَ عَدَمِ إلْقَائِهَا صَوْنًا لِلْمَسْجِدِ عَنْ التَّنْجِيسِ لَكِنْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، فَالْمُتَّجَهُ عِنْدِي مُرَاعَاةُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَإِلْقَاءُ النَّجَاسَةِ حَالًا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ إزَالَتُهَا فَوْرًا بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَتَطْهِيرِ الْمَسْجِدَ، لَكِنْ يُغْتَفَرُ إلْقَاؤُهَا فِيهِ وَتَأْخِيرُ التَّطْهِيرِ إلَى فَرَاغِ الصَّلَاةِ لِلضَّرُورَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَقَوْلُنَا فَالْمُتَّجَهُ إلَخْ وَافَقَ عَلَيْهِ م ر فِي الْجَافَّةِ وَمَنَعَهُ فِي الرَّطْبَةِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ.
اهـ. وَفِيهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: أَوْ نَقَضَهَا حَالًا يَنْبَغِي أَوْ غَسَلَهَا حَالًا كَأَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ نُقْطَةُ بَوْلٍ فَصَبَّ عَلَيْهَا حَالًا الْمَاءَ بِحَيْثُ طَهُرَ مَحِلُّهَا بِمُجَرَّدِ صَبِّهِ حَالًا، وَالْمُتَّجَهُ أَنَّ الْبَدَنَ كَالثَّوْبِ فِي ذَلِكَ بِجَامِعِ اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِ نُقْطَةُ بَوْلٍ مَثَلًا فَصَبَّ فَوْرًا الْمَاءَ عَلَيْهَا إلَخْ بِحَيْثُ طَهُرَ الْمَحَلُّ بِمُجَرَّدِ الصَّبِّ حَالًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، كَمَا لَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ نَجَسٌ جَافٌّ فَأَلْقَاهُ عَنْهُ حَالًا بِنَحْوِ إمَالَتِهِ فَوْرًا حَتَّى سَقَطَ عَنْهُ النَّجَسُ، إذْ لَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ إلْقَاءِ النَّجَسِ الْجَافِّ فَوْرًا وَصَبِّ الْمَاءِ عَلَى النَّجَسِ الرَّطْبِ فَوْرًا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَلْيُتَأَمَّلْ.
ثُمَّ رَأَيْت عَنْ الْفَتَى فِيمَا لَوْ أَصَابَهُ فِي الصَّلَاةِ نَجَاسَةٌ حُكْمِيَّةٌ فَغَسَلَهَا فَوْرًا أَنَّ أَوَّلَ كَلَامِ الرَّوْضَةِ يُفْهِمُ صِحَّةَ صَلَاتِهِ، وَآخِرَهُ يُفْهِمُ خِلَافَهُ.
اهـ.
وَقَوْلُهُ: يُفْهِمُ خِلَافَهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ يُصَدَّقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَامِلٌ لِلنَّجَاسَةِ إلَى وَقْتِ الْغَسْلِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَمَلَ الثَّوْبَ الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ.
وَفِي كَلَامِ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الشَّوْبَرِيِّ: وَأَمَّا إلْقَاؤُهَا عَلَى نَحْوِ مُصْحَفٍ أَوْ فِي نَحْوِ جَوْفِ الْكَعْبَةِ فَالْوَجْهُ مُرَاعَاتُهُمَا وَلَوْ جَافَّةً لِعِظَمِ حُرْمَتِهِمَا فَلْيُحْرَرْ (قَوْلُهُ: فَسَقَطَتْ) أَيْ وَأَسْقَطَهَا عَلَى وَجْهٍ لَمْ يُعَدَّ حَامِلًا لَهَا (قَوْلُهُ: مَعَ احْتِيَاجِهِ) أَيْ فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ لِذَلِكَ كَأَنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ دَاخِلَ الْخُفِّ، وَهُوَ مُحْدِثٌ ثُمَّ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْخُفِّ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ يُصَلِّي لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لِبَقَاءِ طَهَارَتِهِ (قَوْلُهُ: قَبْلَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ) أَيْ، وَهُوَ بِطَهَارَةِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ هَذَا
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُحْدِثٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ فِي الْمَاءِ رِجْلَيْهِ قَبْلَ فَرَاغِهَا وَاسْتَمَرَّ إلَى انْقِضَائِهَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَدَثٍ ثُمَّ يَرْتَفِعُ، وَأَيْضًا لَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ حَدَثٌ لَمْ تَشْمَلْهُ نِيَّةُ وُضُوئِهِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ حَيْثُ دَخَلَ فِيهَا ظَانًّا الْبَقَاءَ، فَإِنْ قَطَعَ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فِيهَا اُتُّجِهَ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ عَدَمُ انْعِقَادِهَا، وَفَارَقَ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا لَوْ كَانَتْ عَوْرَتُهُ تَنْكَشِفُ فِي رُكُوعِهِ حَيْثُ حُكِمَ بِانْعِقَادِهَا عَلَى الصَّحِيحِ بِعَدَمِ قَطْعِهِ ثَمَّ بِالْبُطْلَانِ، بَلْ صِحَّتُهَا مُمْكِنَةٌ بِأَنْ يَسْتُرَهَا بِشَيْءٍ عِنْدَ رُكُوعِهِ، بِخِلَافِهِ هُنَا إذْ كَيْفَ يُقَالُ بِانْعِقَادِهَا مَعَ الْقَطْعِ بِعَدَمِ اسْتِمْرَارِ صِحَّتِهَا وَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ نِيَّتُهَا.
نَعَمْ إنْ كَانَ فِي نَفْلٍ مُطْلَقٍ يُدْرِكُ مِنْهُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ انْعَقَدَتْ، وَلَوْ اُفْتُصِدَ مَثَلًا فَخَرَجَ دَمُهُ، وَلَمْ يُلَوِّثْ بَشَرَتَهُ أَوْ لَوَّثَهَا قَلِيلًا لَمْ تَبْطُلْ.
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَحْدَثَ فِي صَلَاتِهِ أَنْ يَأْخُذَ بِأَنْفِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفَ مُوهِمًا أَنَّهُ رَعَفَ سَتْرًا عَلَى نَفْسِهِ لِئَلَّا يَخُوضَ النَّاسُ فِيهِ فَيَأْثَمُوا وَيَلْحَقُ بِهِ مَنْ أَحْدَثَ، وَهُوَ مُنْتَظِرٌ إقَامَتَهَا لَا سِيَّمَا مَعَ قُرْبِ الزَّمَانِ لِذَلِكَ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مَنْ ارْتَكَبَ مَا يَدْعُو النَّاسَ إلَى الْوَقِيعَةِ فِيهِ أَنْ يَسْتُرَهُ لِذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْعِمَادِ لِحَدِيثٍ فِيهِ.
(وَ) خَامِسُهَا (طَهَارَةُ النَّجَسِ) الَّذِي لَا يُعْفَى عَنْهُ (فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ) وَلَوْ دَاخِلَ فَمِهِ أَوْ أَنْفِهِ أَوْ عَيْنِهِ أَوْ أُذُنِهِ (وَالْمَكَانِ) أَيْ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ مَعَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِوُجُودِهِ أَوْ بِبُطْلَانِهَا بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي» ثَبَتَ الْأَمْرُ بِاجْتِنَابِ النَّجَسِ، وَهُوَ لَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَيَجِبُ فِيهَا، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي فَسَادَهَا.
نَعَمْ يَحْرُمُ التَّضَمُّخُ بِهِ خَارِجَهَا فِي الْبَدَنِ بِلَا حَاجَةٍ، وَكَذَا الثَّوْبُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَمَا فِي التَّحْقِيقِ مِنْ تَحْرِيمِهِ فِي الْبَدَنِ فَقَطْ مُرَادُهُ بِهِ مَا يَعُمُّ مَلَابِسَهُ لِيُوَافِقَ مَا قَبْلَهُ، وَلَوْ رَأَيْنَا فِي ثَوْبِ مَنْ يُرِيدُ الصَّلَاةَ نَجَاسَةً لَا يَعْلَمُ بِهَا وَجَبَ عَلَيْنَا إعْلَامُهُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِصْيَانِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَبِهِ أَفْتَى الْحَنَّاطِيُّ، كَمَا لَوْ رَأَيْنَا
[حاشية الشبراملسي]
الْغَسْلَ لَمْ يَرْفَعْ الْحَدَثَ (قَوْلُهُ: عَدَمُ انْعِقَادِهَا) مُعْتَمَدٌ خِلَافًا لحج حَيْثُ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ ذَكَرَهُ: يَقْتَضِي عَدَمَ الِانْعِقَادِ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ انْعِقَادُهَا حَتَّى تَصِحَّ الْقُدْوَةُ بِهِ، وَفِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ مَا يُوَافِقُهُ (قَوْلُهُ: انْعَقَدَتْ) أَيْ وَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: أَوْ لَوَّثَهَا قَلِيلًا) أَفْهَمَ أَنَّهُ إنْ لَوَّثَهَا كَثِيرًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْكَثِيرَ إذَا كَانَ بِفِعْلِهِ لَا يُعْفَى عَنْهُ وَاقْتِصَادُهُ مِنْ فِعْلِهِ، وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ دُمَّلٌ فَفَتَحَهُ فَخَرَجَ مِنْهُ دَمٌ كَثِيرٌ لَا يُعْفَى عَنْهُ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ الْعَفْوِ عِنْدَ فَتْحِهِ إذَا خَرَجَ الدَّمُ مُتَّصِلًا بِالْفَتْحِ، فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ عَقِبَ الْفَتْحِ لَكِنَّهُ تَحَلَّلَ وَخَرَجَ بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ خُرُوجُهُ لِلْفَتْحِ لَمْ يَضُرَّ.
(قَوْلُهُ: مَنْ ارْتَكَبَ مَا يَدْعُو النَّاسَ) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ عُقُوبَةُ الذَّنْبِ بَاقِيَةٌ فَيَسْتَحِقُّ بِهَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ وَقَدْ يَعْفُو سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْهُ (قَوْلُهُ: أَنْ يَسْتُرَهُ لِذَلِكَ) أَيْ لِئَلَّا يَخُوضَ النَّاسُ فِيهِ.
.
[مِنْ شُرُوطُ الصَّلَاةِ طَهَارَةُ النَّجَسِ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ]
(قَوْلُهُ: وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ) أَيْ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ عَيْنَ النَّهْيِ وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ عَلَى الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ: لِيُوَافِقَ مَا قَبْلَهُ) قَضِيَّةُ هَذَا الْحَمْلِ عَدَمُ حُرْمَةِ تَنْجِيسِ ثَوْبٍ غَيْرِ مَلْبُوسٍ لَهُ، وَلَعَلَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ بَلْ الْمُرَادُ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُلَابِسَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِيُوَافِقَ مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: وَجَبَ عَلَيْنَا إعْلَامُهُ بِهَا) أَيْ وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَتْ تَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ وَعَلِمْنَا بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا لِجَوَازِ كَوْنِهِ صَلَّى مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ لِعَدَمِ اعْتِقَادِهِ الْبُطْلَانَ مَعَهُ (قَوْلُهُ: وَبِهِ أَفْتَى الْحَنَّاطِيُّ) قَدْ يُشْعِرُ هَذَا بِأَنَّ الْحَنَّاطِيَّ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَأَفْتَى بِمَا قَالَهُ،
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ كَانَ فِي نَفْلٍ مُطْلَقٍ) أَيْ وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(قَوْلُهُ: ثَبَتَ الْأَمْرُ بِاجْتِنَابِ النَّجَسِ إلَخْ) هَذَا لَا يَظْهَرُ تَرَتُّبُهُ عَلَى الْآيَةِ وَالْخَبَرِ الْمَذْكُورَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِمَا إنَّمَا هُوَ بِالتَّطْهِيرِ وَالْغُسْلِ لَا بِاجْتِنَابِ النَّجَسِ وَإِنْ اُسْتُفِيدَ مِنْهُمَا بِاللَّازِمِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْخَبَرِ مُقَيَّدٌ بِالصَّلَاةِ فَلَا يَتَأَتَّى قَوْلُهُ: وَهُوَ لَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ إلَخْ، وَالشِّهَابُ حَجّ
صَبِيًّا يَزْنِي بِصَبِيَّةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا الْمَنْعُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِصْيَانٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْمَكَانِ مَا لَوْ كَثُرَ ذَرْقُ الطُّيُورِ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ فِي الْأَرْضِ، وَكَذَا الْفُرُشُ فِيمَا يَظْهَرُ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْجِدًا فِيمَا يَظْهَرُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ الْمَشْيَ عَلَيْهِ كَمَا قَيَّدَ الْعَفْوَ فِي ذَلِكَ فِي الْمَطْلَبِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ قَيْدٌ مُتَعَيَّنٌ، وَأَنْ لَا يَكُونَ رَطْبًا أَوْ رِجْلُهُ مُبْتَلَّةٌ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُكَلَّفُ تَحَرِّيَ غَيْرِ مَحَلِّهِ.
وَلَوْ تَنَجَّسَ ثَوْبُهُ بِغَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهُ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُطَهِّرُهُ بِهِ وَجَبَ قَطْعُ مَحَلِّهِ إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ بِالْقَطْعِ فَوْقَ أُجْرَةِ سُتْرَةٍ يُصَلِّي بِهَا لَوْ اكْتَرَاهَا كَمَا قَالَاهُ تَبَعًا لِلْمُتَوَلِّي، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ إنَّ الصَّوَابَ اعْتِبَارُ أَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَنِ الْمَاءِ لَوْ اشْتَرَاهُ مَعَ أُجْرَةِ غَسْلِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ وَجَبَ تَحْصِيلُهُ، وَأَنْكَرَ الشَّاشِيُّ كَلَامَ الْمُتَوَلِّي وَقَالَ: الْوَجْهُ أَنْ يَعْتَبِرَ ثَمَنَ الثَّوْبِ لَا أُجْرَتَهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَقَيَّدَا وُجُوبَ الْقَطْعِ أَيْضًا بِحُصُولِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِالطَّاهِرِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُتَوَلِّي، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ بِنَاءٍ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ مَا يَسْتُرُ بِهِ بَعْضَ الْعَوْرَةِ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
(وَلَوْ) (اشْتَبَهَ) عَلَيْهِ (طَاهِرٌ وَنَجِسٌ) مِنْ ثَوْبَيْنِ أَوْ بَيْتَيْنِ (اجْتَهَدَ) فِيهِمَا لِلصَّلَاةِ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ كَمَا فِي الْأَوَانِي وَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ ثَمَّ،
[حاشية الشبراملسي]
وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ فِي طَبَقَاتِهِ فِي تَرْجَمَةِ الْحَنَّاطِيِّ: قَدِمَ بَغْدَادَ فِي أَيَّامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: إنَّهُ مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: إنَّهُ مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَقَوْلُهُ هُنَا وَبِهِ أَفْتَى الْحَنَّاطِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَهُ تَبَعًا لِلْحَنَّاطِيِّ، أَوْ قَالَهُ فَوَافَقَهُ قَوْلُ الْحَنَّاطِيِّ، وَقَوْلُهُ: الْحَنَّاطِيُّ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي طَبَقَاتِهِ: هُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدٌ الطَّبَرِيُّ، وَهُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ: مَعْنَاهُ الْحَنَّاطُ كَالْخَبَّازِ وَالْبَقَّالِ، وَلَكِنَّ الْعَجَمَ يَزِيدُونَ عَلَيْهِ يَاءَ النَّسَبِ أَيْضًا فَيُعَبِّرُونَ مَثَلًا عَنْ الَّذِي يُقَصِّرُ الثِّيَابَ بِالْقَصَّارِ مَرَّةً وَبِالْقَصَّارِي أُخْرَى.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: لَعَلَّ أَنَّ بَعْضَ أَجْدَادِهِ كَانَ يَبِيعُ الْحِنْطَةَ.
اهـ بِاخْتِصَارٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَكُونَ رَطْبًا) أَيْ فَمَعَ الرُّطُوبَةِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ لَا يُعْفَى عَنْهُ، وَظَاهِرُهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْمَشْيُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَوْضِعِ طَهَارَتِهِ كَأَنْ تَوَضَّأَ مِنْ مَطْهَرَةٍ عَمَّ ذَرْقُ الطَّيْرِ الْمَذْكُورِ سَائِرَ أَجْزَاءِ الْمَحَلِّ الْمُتَّصِلِ بِهَا، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ الْعَفْوُ.
أَقُولُ: وَهُوَ قَرِيبٌ لِلْمَشَقَّةِ (قَوْلُهُ: وَمَعَ ذَلِكَ) أَيْ مَعَ اجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: لَا يُكَلَّفُ تَحَرِّي غَيْرِ مَحَلِّهِ) أَيْ فَحَيْثُ كَثُرَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ بِحَيْثُ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لَا يُكَلَّفُ غَيْرَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ بَعْضُ أَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ خَالِيًا مِنْهُ وَيُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ فِيهِ لَا يُكَلَّفُهُ بَلْ يُصَلِّي كَيْفَ اتَّفَقَ، وَإِنْ صَادَفَ مَحَلَّ ذَرْقِ الطَّيْرِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ عَمَّ الذَّرْقُ الْمَحَلَّ، فَلَوْ اشْتَمَلَ الْمَسْجِدُ مَثَلًا عَلَى جِهَتَيْنِ إحْدَاهُمَا خَالِيَةٌ مِنْ الذَّرْقِ وَالْأُخْرَى مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِ وَجَبَ قَصْدُ الْخَالِيَةِ لِيُصَلِّيَ فِيهَا إذْ لَا مَشَقَّةَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي الِاسْتِقْبَالِ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: ثَمَنَ الثَّوْبِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ ثَمَنُ ثَوْبٍ يَشْتَرِيهِ مِمَّا يُمْكِنُ الِاسْتِتَارُ بِهِ، فَإِذَا فُرِضَ أَنَّ الثَّوْبَ الْمُتَنَجِّسَ إذَا قُطِعَ
[حاشية الرشيدي]
رَتَّبَ هَذَا عَلَى خَبَرِ «تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ» وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ الْمَشْيَ عَلَيْهِ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ مَكَانِهَا، وَأَيْضًا اشْتِرَاطُ عَدَمِ تَعَمُّدِ الْمَشْيِ عَلَيْهَا مَعَ الْجَفَافِ لَا مَعْنَى لَهُ إلَّا فِيهَا، وَحِينَئِذٍ لَا وَجْهَ لِلتَّعْبِيرِ بِالْمَشْيِ هُنَا إذْ لَا مَشْيَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَصِحُّ إرَادَةُ الْمَشْيِ إلَى مَحَلِّ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ إنْ كَانَتْ رَطْبَةً فَالْكَلَامُ عَلَيْهَا سَيَأْتِي، وَإِنْ كَانَتْ جَافَّةً فَإِنْ عَلِقَتْ بِرِجْلِهِ خَرَجَ عَنْ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ نَجَاسَةِ الْمَحَلِّ إلَى نَجَاسَةِ الْبَدَنِ وَإِنْ لَمْ تَعْلَقْ بِرِجْلِهِ فَلَا تَضُرُّهُ فِي صَلَاةٍ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ ذَكَرَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ بِعَيْنِهَا فِي شَرْحِهِ لِإِيضَاحِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَنَاسِكِ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّوَافِ، فَلَعَلَّهُ نَقَلَ الْعِبَارَةَ بِرُمَّتِهَا إلَى هُنَا، وَلَمْ يُغَيِّرْ لَفْظَ الْمَشْيِ لِسَبْقِ الْقَلَمِ أَوْ نَحْوِهِ، وَسَتَأْتِي لَهُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى
وَلَوْ صَلَّى فِيمَا ظَنَّهُ طَاهِرًا مِمَّا ذُكِرَ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ حَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ، بِخِلَافِ مَا مَرَّ فِي الْمِيَاهِ حَيْثُ يُجَدِّدُهُ فِيهَا لِكُلِّ فَرْضٍ، إذْ بَقَاءُ الثَّوْبِ وَالْمَكَانِ بِمَنْزِلَةِ بَقَائِهِ مُتَطَهِّرًا، فَلَوْ اجْتَهَدَ فَتَغَيَّرَ ظَنُّهُ عَمِلَ بِالثَّانِي فَيُصَلِّي فِي الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ كَمَا لَا تَجِبُ إعَادَةُ الْأُولَى، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَقْضُ اجْتِهَادٍ بِاجْتِهَادٍ بِخِلَافِ الْمِيَاهِ.
وَلَوْ غَسَلَ أَحَدَ ثَوْبَيْنِ بِاجْتِهَادٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِيهِمَا وَلَوْ مَعَ جَمْعِهِمَا عَلَيْهِ، وَلَوْ اجْتَهَدَ فِي الثَّوْبَيْنِ وَنَحْوِهِمَا فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ صَلَّى عَارِيًّا وَفِي أَحَدِ الْبَيْتَيْنِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ؛ لِكَوْنِهِ مُقَصِّرًا بِعَدَمِ إدْرَاكِ الْعَلَامَةِ؛ وَلِأَنَّ مَعَهُ ثَوْبًا وَمَكَانًا طَاهِرًا بِيَقِينٍ.
وَلَوْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ اثْنَانِ تَنَجَّسَ بَدَنُ أَحَدِهِمَا وَأَرَادَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِأَحَدِهِمَا اجْتَهَدَ بَيْنَهُمَا وَعَمِلَ بِمَا ظَهَرَ لَهُ، فَإِنْ صَلَّى خَلْفَ أَحَدِهِمَا ثُمَّ تَغَيَّرَ ظَنُّهُ إلَى الْآخَرِ جَازَ لَهُ الِاقْتِدَاءُ بِالْآخَرِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ، كَمَا لَوْ صَلَّى لِلْقِبْلَةِ بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لِجِهَةٍ أُخْرَى فَإِنْ تَحَيَّرَ صَلَّى مُنْفَرِدًا.
(وَلَوْ) (نَجِسَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا (بَعْضُ ثَوْبٍ أَوْ) بَعْضُ (بَدَنٍ) أَوْ مَكَان ضَيِّقٍ (وَجَهِلَ) ذَلِكَ الْبَعْضَ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ (وَجَبَ غَسْلُ كُلِّهِ) لِتَصِحَّ صَلَاتُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّجَاسَةِ مَا بَقِيَ جُزْءٌ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ، هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ انْحِصَارَهَا فِي وَاحِدٍ مِنْ مُنْحَصِرَيْنِ كَأَحَدِ كُمَّيْهِ أَوْ مَوْضِعٍ مِنْ مُقَدَّمِ الثَّوْبِ أَوْ مُؤَخَّرِهِ، فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ سِوَى مَا أَشْكَلَ، وَلَوْ أَصَابَ شَيْءٌ رَطْبٌ طَرَفًا مِنْ هَذَا الثَّوْبِ أَوْ الْبَدَنَ لَمْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ نَجَاسَةَ مَوْضِعِ الْإِصَابَةِ، وَلَوْ شَقَّ الثَّوْبَ الْمَذْكُورَ نِصْفَيْنِ لَمْ يَجُزْ الِاجْتِهَادُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ الشَّقُّ فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ فَيَكُونَانِ نَجِسَيْنِ، أَمَّا إذَا كَانَ الْمَكَانُ وَاسِعًا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ، وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّةٌ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِلَا اجْتِهَادٍ فِيهِ، وَالْأَحْسَنُ فِي ضَبْطِ الْوَاسِعِ وَالضَّيِّقِ بِالْعُرْفِ، وَإِنْ ادَّعَى ابْنُ الْعِمَادِ أَنَّ الْمُتَّجَهَ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إنْ بَلَغَتْ بِقَاعَ الْمَوْضِعِ لَوْ فُرِّقَتْ حَدَّ الْعَدَدِ غَيْرِ الْمُنْحَصِرِ فَوَاسِعٌ، وَإِلَّا فَضَيِّقٌ، وَتُقَدَّرُ كُلُّ بُقْعَةٍ بِمَا يَسَعُ الْمُصَلِّي.
انْتَهَى.
وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمُتَوَلِّي: إذَا جَوَّزْنَا الصَّلَاةَ فِي الْمُتَّسَعِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ إلَى أَنْ يَبْقَى
[حاشية الشبراملسي]
الْمُتَنَجِّسُ مِنْهُ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مَثَلًا وَزَادَتْ تِلْكَ الدَّرَاهِمُ عَلَى أُجْرَةِ السُّتْرَةِ وَعَلَى ثَمَنِ الْمَاءِ وَعَلَى أُجْرَةِ مَنْ يَغْسِلُ مِنْهَا لَمْ تَزِدْ عَلَى ثَمَنِ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ وَجَبَ قَطْعُهُ، وَيُحْتَمَلُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْسُ الثَّوْبِ الَّذِي مَعَهُ، فَإِنْ نَقَصَ بِقَطْعِهِ فَوْقَ أُجْرَةِ الثَّوْبِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، وَثَمَنِ الْمَاءِ الَّذِي يَغْسِلُهُ بِهِ، وَأُجْرَةِ مَنْ يَغْسِلُهُ لَمْ يَجِبْ قَطْعُهُ، وَإِلَّا وَجَبَ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ غَسَلَ أَحَدٌ ثَوْبَيْنِ بِاجْتِهَادٍ) خَرَجَ بِقَوْلِهِ بِاجْتِهَادٍ مَا لَوْ هَجَمَ وَغَسَلَ أَحَدُهُمَا فَلَيْسَ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ (قَوْلُهُ: ثُمَّ تَغَيَّرَ ظَنُّهُ) أَيْ وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: جَازَ لَهُ الِاقْتِدَاءُ بِالْآخَرِ) أَيْ بِأَنْ يُدْخِلَ نَفْسَهُ فِي الْقُدْوَةِ بِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ مَعَ بَقَائِهَا عَلَى الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ بِتَغَيُّرِ ظَنِّهِ صَارَ مُنْفَرِدًا بِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ صَلَاةِ إمَامِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَحَيَّرَ صَلَّى مُنْفَرِدًا) أَيْ سَوَاءٌ حَصَلَ التَّحَيُّرُ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ حُصُولِ الْقُدْوَةِ بِأَحَدِهِمَا بِالِاجْتِهَادِ، ثُمَّ طَرَأَ التَّحَيُّرُ بِأَنْ شَكَّ فِي إمَامِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ طَهَارَةُ الثَّانِي وَحِينَئِذٍ يُكْمِلُ صَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا.
(قَوْلُهُ: وَكَسْرِهَا) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَارِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ نَجَاسَةَ مَوْضِعِ الْإِصَابَةِ) مِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَ بِهِ صَبِيٌّ أَوْ هِرَّةٌ لَمْ يَعْلَمْ نَجَاسَةَ مَنْفَذِهِمَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَعَارَضَ فِيهِ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ إذْ الْأَصْلُ الطَّهَارَةُ وَالْغَالِبُ النَّجَاسَةُ، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا لَمْ يَعْلَمْ نَجَاسَةَ مَنْفَذِهِمَا مَا لَوْ عَلِمَهُ ثُمَّ غَابَتْ الْهِرَّةُ وَالطِّفْلُ زَمَنًا يُمْكِنُ فِيهِ غَسْلُ مَنْفَذِهِمَا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَعَلُّقِهِمَا بِالْمُصَلِّي وَلَا نَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ مَا أَصَابَ مَنْفَذَهُمَا كَالْهِرَّةِ إذَا أَكَلَتْ فَأْرَةً ثُمَّ غَابَتْ غَيْبَةً يُمْكِنُ طُهْرُ فَمِهَا فِيهَا (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا كَانَ الْمَكَانُ وَاسِعًا) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: أَوْ مَكَان ضَيِّقٍ (قَوْلُهُ: وَالضِّيقُ بِالْعُرْفِ) أَيْ ضَبَطَهُ بِالْعُرْفِ وَفِي نُسْخَةٍ أَنْ يُضْبَطَ بِالْعُرْفِ (قَوْلُهُ: إذَا جَوَّزْنَا الصَّلَاةَ) يُشْعِرُ بِأَنَّ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ فِيهِ خِلَافًا وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ،
[حاشية الرشيدي]
الطَّوَافِ، وَعِبَارَةُ الشِّهَابِ حَجّ هُنَا: وَلَمْ يَتَعَمَّدْ مُلَامَسَتَهُ
(قَوْلُهُ: وَفِي أَحَدِ الْبَيْتَيْنِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُهُمَا بِأَنْ كَانَ مَحْبُوسًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ مَكَانٌ ضَيِّقٌ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ بِمِقْدَارِ مَا يَسَعُ الصَّلَاةَ فَقَطْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
مَوْضِعٌ قَدْرَ النَّجَاسَةِ (فَلَوْ ظَنَّ) بِالِاجْتِهَادِ (طَرَفًا) مِنْ مَوْضِعَيْنِ مُتَمَيِّزَيْنِ فَأَكْثَرُ أَحَدِ طَرَفَيْ ثَوْبِهِ أَوْ كُمَّيْهِ أَوْ يَدَيْهِ أَوْ أَصَابِعِهِ (لَمْ يَكْفِ غَسْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ) إذْ الِاجْتِهَادُ إنَّمَا يَكُونُ فِي مُتَعَدِّدٍ وَمَا هُنَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، فَلَوْ فَصَلَ أَحَدَ كُمَّيْهِ ثُمَّ اجْتَهَدَ جَازَ لِلتَّعَدُّدِ حِينَئِذٍ، وَإِذَا ظَنَّ نَجَاسَةَ أَحَدِهِمَا وَغَسَلَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِمَا وَلَهُ جَمْعُهُمَا كَالثَّوْبَيْنِ.
(وَلَوْ) (غَسَلَ) بَعْضَ شَيْءٍ مُتَنَجِّسٍ كَأَنْ غَسَلَ (نِصْفَ) ثَوْبٍ (نَجِسٍ ثُمَّ) غَسَلَ (بَاقِيه) (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ غَسَلَ مَعَ بَاقِيهِ مُجَاوِرَهُ) مِمَّا غَسَلَ أَوَّلًا (طَهُرَ كُلُّهُ، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَغْسِلْ مَعَهُ مُجَاوِرَهُ (فَغَيْرُ الْمُنْتَصَفِ) بِفَتْحِ الصَّادِ يَطْهُرُ فَقَطْ، وَهُوَ طَرَفَاهُ وَيَبْقَى الْمُنْتَصَفُ نَجِسًا حَيْثُ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُحَقَّقَةً فَيَغْسِلُهُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ رَطْبٌ لَاقَى نَجَسًا، وَلَوْ تَنَجَّسَ بَعْضُ ثَوْبِهِ وَجَهِلَ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ اجْتَنَبَهُ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا نَجَاسَتَهُ وَلَمْ نَتَيَقَّنْ طَهَارَتَهُ.
وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ لَاقَى بَعْضُهُ رَطْبًا لَا يُنَجِّسُهُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ إذْ لَا تَنَجُّسَ بِالشَّكِّ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا يَطْهُرُ مُطْلَقًا حَتَّى يَغْسِلَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الرُّطُوبَةَ تَسْرِي.
وَرُدَّ بِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمُجَاوِرِ لَا تَتَعَدَّى لِمَا بَعْدَهُ كَالسَّمْنِ الْجَامِدِ يُنَجِّسُ مَا حَوْلَ النَّجَاسَةِ فَقَطْ، ثُمَّ مَحَلُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَالتَّحْقِيقِ حَيْثُ غَسَلَهُ بِالصَّبِّ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ إنَاءٍ، فَإِنْ غَسَلَهُ فِي إنَاءٍ مِنْ نَحْوِ جَفْنَةٍ بِأَنْ وَضَعَ نِصْفَهُ ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ مَا يَغْمُرُهُ لَمْ يَطْهُرْ حَتَّى يَغْسِلَ دَفْعَةً كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي الْمَجْمُوعِ، إذْ كَلَامُهُ مُقَيِّدٌ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَا فِي نَحْوِ الْجَفْنَةِ مُلَاقٍ لَهُ الثَّوْبَ الْمُتَنَجِّسَ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى مَاءٍ قَلِيلٍ فَيُنَجِّسُهُ وَحَيْثُ تَنَجَّسَ الْمَاءُ لَمْ يَطْهُرْ الثَّوْبُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ خِلَافًا لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(وَلَا تَصِحُّ) (صَلَاةُ مُلَاقٍ بَعْضَ لِبَاسِهِ) أَوْ بَدَنِهِ أَوْ مَحْمُولِهِ (نَجَاسَةً) فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ (وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ) كَطَرَفِ ذَيْلِهِ أَوْ كُمِّهِ أَوْ عِمَامَتِهِ الطَّوِيلِ، وَكَذَا لَوْ فَرَشَ ثَوْبًا
[حاشية الشبراملسي]
وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إذَا جَوَّزْنَا بِأَنْ حُكِمَ بِاتِّسَاعِهِ إمَّا عُرْفًا أَوْ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ، وَقَوْلُهُ إذَا جَوَّزْنَا مُعْتَمَدٌ.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُحَقَّقَةً) أَفْهَمَ أَنَّهُ لَوْ تَنَجَّسَ بَعْضُ الثَّوْبِ وَاشْتَبَهَ فَغَسَلَ نِصْفَهُ ثُمَّ بَاقِيهِ طَهُرَ كُلُّهُ، وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ الْمُنْتَصَفَ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ نَجَاسَةِ مُجَاوِرِ الْمَغْسُولِ (قَوْلُهُ: إذْ لَا نُنَجِّسُ بِالشَّكِّ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: وَيُفَارِقُ مَا لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ حَيْثُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ طَاهِرٌ بِأَنَّ الشَّكَّ فِي النَّجَاسَةِ مُبْطِلٌ الصَّلَاةَ دُونَ الطَّهَارَةِ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ مَسَّهُ فِيهَا بَطَلَتْ أَيْضًا.
وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّهُ لَمَّا أُعْطَى حُكْمَ الْمُتَنَجِّسِ جَمِيعُهُ وَجَبَ اجْتِنَابُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَنَجَّسْ مَا مَسَّهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الِاجْتِنَابِ التَّنَجُّسُ كَمَا فِي النَّجَسِ الْجَافِّ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ مُشْكِلٌ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ مَسِّهِ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ مَا مَسَّهُ، وَحِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الشَّكَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَقْوَى مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ مَعَ مَسِّهِ قَبْلَهَا أَوْ فِي أَثْنَائِهَا مَعَ مُفَارَقَتِهِ وَفِيهِ مَا فِيهِ.
وَأَمَّا الْوُقُوفُ عَلَيْهِ فِي أَثْنَائِهَا مَعَ الِاسْتِمْرَارِ فَمَوْضِعُ نَظَرٍ، وَالْمُتَّجَهُ مَعْنًى أَنَّهُ حَيْثُ أَحْرَمَ خَارِجَهُ ثُمَّ مَسَّهُ أَوْ أَكْمَلَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ صِحَّتُهَا لِلشَّكِّ فِي الْمُبْطِلِ بَعْدَ الِانْعِقَادِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا فِي نَحْوِ الْجَفْنَةِ) يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى مَوْضِعٍ مِنْ الثَّوْبِ مُرْتَفِعٍ عَنْ الْإِنَاءِ وَانْحَدَرَ عَنْهُ الْمَاءُ حَتَّى اجْتَمَعَ فِي الْجَفْنَةِ، وَلَمْ يَصِلْ الْمَاءُ إلَى مَا فَوْقَ الْمَغْسُولِ مِنْ الثَّوْبِ طَهُرَ، وَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ سم عَنْ الشَّارِحِ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلشَّيْخِ) أَيْ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ: وَلَوْ غَسَلَ نِصْفَهُ أَوْ نِصْفَ ثَوْبٍ نَجِسٍ ثُمَّ النِّصْفُ الثَّانِي بِمَا جَاوَرَهُ طَهُرَ مَا نَصُّهُ سَوَاءٌ غَسَلَهُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ جَفْنَةٍ أَمْ فِيهَا.
وَمَا وَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْأَوَّلِ مَرْدُودٌ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: حَيْثُ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُحَقَّقَةً) أَيْ فِي مَحَلِّ الْمُنْتَصَفِ، وَخَرَجَ بِهِ مَا إذَا جُهِلَتْ فَلَا يَكُونُ الْمُنْتَصَفُ نَجِسًا لَكِنَّهُ يُجْتَنَبُ.
وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ: وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى النِّصْفَيْنِ فَقَطْ طَهُرَ الطَّرَفَانِ وَبَقِيَ الْمُنْتَصَفُ نَجِسًا فِي صُورَةِ الْيَقِينِ وَمُجْتَنَبًا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى: يَعْنِي صُورَةَ الِاشْتِبَاهِ، فَمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مِمَّا يُخَالِفُ هَذَا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ.
مُهَلْهَلًا عَلَيْهِ وَمَاسَّهُ مِنْ الْفَرْجِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ فَرَشَهُ عَلَى حَرِيرٍ اُتُّجِهَ بَقَاءُ التَّحْرِيمِ وَفَارَقَ صِحَّةَ سُجُودِهِ عَلَى مَا لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ بِأَنَّ اجْتِنَابَ النَّجَاسَةِ فِيهَا شَرْعٌ لِلتَّعْظِيمِ، وَهَذَا يُنَافِيهِ، وَالْمَطْلُوبُ فِي السُّجُودِ الِاسْتِقْرَارُ عَلَى غَيْرِهِ وَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ بِذَلِكَ (وَلَا) تَصِحُّ صَلَاةُ نَحْوِ (قَابِضٍ طَرَفَ شَيْءٍ) كَحَبْلٍ طَرَفُهُ الْآخَرُ نَجِسٌ أَوْ مَوْضُوعٌ (عَلَى نَجِسٍ إنْ تَحَرَّكَ) ذَلِكَ (بِحَرَكَتِهِ وَكَذَا إنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ) بِهَا لِحَمْلِهِ مَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِهَا (فِي الْأَصَحِّ) فَكَأَنَّهُ حَامِلٌ لَهَا، وَمِثْلُهُ قَابِضٌ عَلَى حَبْلٍ مُتَّصِلٍ بِمَيْتَةٍ أَوْ مَشْدُودٍ بِكَلْبٍ وَلَوْ بِسَاجُورِهِ أَوْ مَشْدُودٍ بِدَابَّةٍ أَوْ سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ بِحَيْثُ تَنْجَرُّ بِجَرِّهِ.
وَالثَّانِي تَصِحُّ؛ لِأَنَّ الطَّرَفَ الْمُلَاقِيَ لِلنَّجَاسَةِ غَيْرُ مَحْمُولٍ لَهُ، بِخِلَافِ السَّفِينَةِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي لَا تَنْجَرُّ بِجَرِّهِ فَإِنَّهَا كَالدَّارِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ فِي الْبَرِّ أَمْ فِي الْبَحْرِ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ.
وَلَوْ كَانَ الْحَبْلُ عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ مِنْ نَحْوِ حِمَارٍ وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ فِي مَحَلٍّ آخَرَ فَعَلَى الْخِلَافِ فِي السَّاجُورِ (فَلَوْ جَعَلَهُ) أَيْ طَرَفَ مَا تَنَجَّسَ طَرَفَهُ الْآخَرَ أَوْ الْكَائِنَ عَلَى نَجِسٍ (تَحْتَ رِجْلِهِ) مَثَلًا (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ (مُطْلَقًا) ، وَإِنْ تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ لَابِسًا أَوْ حَامِلًا لَهُ فَأَشْبَهَ مَنْ صَلَّى عَلَى نَحْوِ بِسَاطٍ طَرَفُهُ نَجِسٌ أَوْ مَفْرُوشٌ عَلَى نَجِسٍ أَوْ عَلَى سَرِيرٍ تَحْتَ قَوَائِمِهِ أَوْ بِهَا نَجَسٌ، وَلَوْ حُبِسَ بِمَحَلٍّ نَجِسٍ صَلَّى وَتَجَافَى عَنْ النَّجَسِ قَدْرَ مَا يُمْكِنُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ وَضْعُ جَبْهَتِهِ بِالْأَرْضِ بَلْ يَنْحَنِي لِلسُّجُودِ إلَى قَدْرٍ لَوْ زَادَ عَلَيْهِ لَاقَى النَّجَسَ ثُمَّ يُعِيدُ، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ كَمَا مَرَّ.
(وَلَا يَضُرُّ) فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ (نَجَسٌ يُحَاذِي صَدْرَهُ) مَثَلًا (فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) أَوْ غَيْرِهِمَا (عَلَى الصَّحِيحِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَامِلٍ وَلَا مُلَاقٍ لِذَلِكَ.
نَعَمْ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مَعَ مُحَاذَاتِهِ كَاسْتِقْبَالِ مُتَنَجِّسٍ أَوْ نَجِسٍ.
وَالثَّانِي يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ لَهُ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا لَوْ صَلَّى مَاشِيًا وَبَيْنَ خُطُوَاتِهِ نَجَاسَةٌ.
قَالَ بَعْضُهُمْ:
[حاشية الشبراملسي]
شَرْحِ الْبَهْجَةِ.
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ قَابِضٌ عَلَى حَبْلٍ مُتَّصِلٍ بِمَيْتَةٍ) حُكْمُ هَذِهِ وَمَا بَعْدَهَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ وَلَا قَابِضِ طَرَفِ شَيْءٍ عَلَى نَجِسٍ إلَخْ، نَعَمْ مَسْأَلَةُ السَّاجُورِ لَمْ يُعْلَمْ حُكْمُهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِسَاجُورِهِ) ، وَهُوَ مَا يُجْعَلُ فِي رَقَبَةِ الْكَلْبِ مِنْ خَشَبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (قَوْلُهُ: أَوْ مَشْدُودٌ بِدَابَّةٍ) أَيْ بَعْضُ بَدَنِهَا مُتَنَجِّسٌ وَلَوْ الْمَنْفَذَ (قَوْلُهُ: فَعَلَى الْخِلَافِ فِي السَّاجُورِ) وَالرَّاجِحُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ شَدَّ بِهِ ضَرَّ، وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ حُبِسَ بِمَحَلٍّ نَجِسٍ صَلَّى) أَيْ الْفَرْضَ فَقَطْ (قَوْلُهُ: لَوْ زَادَ عَلَيْهِ لَاقَى النَّجِسَ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ بِالْأَرْضِ وَلَا كَفَّيْهِ وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ فَتَاوَى الشَّارِحِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: كَاسْتِقْبَالِ)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ قَابِضٌ عَلَى حَبْلٍ مُتَّصِلٍ بِمَيْتَةٍ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَمِنْهُ بَدَلَ وَمِثْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ أَفْرَادِ مَا ذَكَرَهُ قَبْلُ نَعَمْ مَسْأَلَةُ السَّاجُورِ لَيْسَتْ مِنْهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِسَاجُورِهِ) اُنْظُرْ هَلْ السَّاجُورُ قَيْدٌ أَوْ لَا فَيَكُونُ مِثْلَهُ مَا لَوْ كَانَ مَشْدُودًا بِحَبْلٍ مَوْضُوعٍ عَلَى الْكَلْبِ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ قَابِضٌ عَلَى حَبْلٍ مَوْصُولٍ مَوْضُوعٍ عَلَى الْكَلْبِ إذْ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْحَبْلِ الْمَوْضُوعِ عَلَى النَّجَاسَةِ الَّذِي هُوَ قَابِضٌ لَهُ أَنْ يَكُونَ قِطْعَةً وَاحِدَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ قَوْلِهِ السَّابِقِ أَوْ مَوْضُوعٌ عَلَى نَجِسٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ هُنَا هِيَ عِبَارَةُ الرَّوْضِ.
قَالَ شَارِحُهُ عَقِبَهُ: وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ مَشْدُودٌ بَلْ يُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ.
اهـ. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ حَبْلًا عَلَى سَاجُورِ الْكَلْبِ أَنَّهَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَشُدَّهُ بِهِ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الشِّهَابِ حَجّ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهِ، وَلَعَلَّ الشَّارِحَ قَيَّدَ بِالشَّدِّ مَعَ اطِّلَاعِهِ عَلَى كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لِعَدَمِ اعْتِمَادِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ مَشْدُودٌ بِدَابَّةٍ أَوْ سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ) أَيْ يَحْمِلَانِ نَجِسًا، قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: أَوْ مُتَّصِلًا بِهِ اهـ. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى السَّفِينَةِ أَوْ الدَّابَّةِ طَرَفُ حَبْلٍ طَاهِرٍ وَطَرَفُهُ الْآخَرُ مَوْضُوعٌ عَلَى نَجَاسَةٍ بِالْأَرْضِ مَثَلًا وَقَبَضَ الْمُصَلِّ حَبْلًا آخَرَ طَاهِرًا مَشْدُودًا بِهَا بَلْ أَوْ مَوْضُوعًا عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ شَدٍّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ أَنَّهُ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ فَلْيُرَاجَعْ
وَعُمُومُ كَلَامِهِمْ يَتَنَاوَلُ السَّقْفَ وَلَا قَائِلَ بِهِ.
وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ تَارَةً يَقْرَبُ مِنْهُ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُحَاذِيًا لَهُ عُرْفًا وَالْكَرَاهَةُ حِينَئِذٍ ظَاهِرَةٌ وَتَارَةً لَا فَلَا كَرَاهَةَ، وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ كَرَاهَةُ صَلَاتِهِ بِإِزَاءِ مُتَنَجِّسٍ فِي إحْدَى جِهَاتِهِ إنْ قَرُبَ مِنْهُ بِحَيْثُ يُنْسَبُ إلَيْهِ لَا مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(وَلَوْ) (وَصَلَ عَظْمَهُ) أَيْ عِنْدَ احْتِيَاجِهِ لَهُ لِكَسْرٍ وَنَحْوِهِ (بِنَجِسٍ) مِنْ الْعَظْمِ وَلَوْ مُغَلَّظًا، وَمِثْلُ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى دَهْنُهُ بِمُغَلَّظٍ أَوْ رَبْطُهُ بِهِ (لِفَقْدِ الطَّاهِرِ) الصَّالِحِ لِذَلِكَ (فَمَعْذُورٌ) فِيهِ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ مَعَهُ لِلضَّرُورَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ نَزْعُهُ إذَا وَجَدَ الطَّاهِرَ: أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ نَزْعِهِ ضَرَرًا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إنَّ لَحْمَ الْآدَمِيِّ لَا يَنْجَبِرُ سَرِيعًا إلَّا بِعَظْمِ نَحْوِ كَلْبٍ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَيُتَّجَهُ أَنَّهُ عُذْرٌ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ فِي التَّيَمُّمِ فِي بُطْءِ الْبُرْءِ انْتَهَى.
وَمَا تَفَقَّهَهُ مَرْدُودٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، وَعَظْمُ غَيْرِهِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ فِي تَحْرِيمِ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ حَيْثُ عُدَّ مُسْتَقْبِلًا لَهُ عُرْفًا أَخْذًا مِمَّا ذَكَرَهُ فِي السَّقْفِ وَمِنْ قَوْلِهِ وَعُلِمَ مِنْ إلَخْ (قَوْلُهُ: يَتَنَاوَلُ السَّقْفَ) أَيْ فَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ تَحْتَهُ إذَا كَانَ مُتَنَجِّسًا (قَوْلُهُ: وَيُرَدُّ) أَيْ قَوْلُهُ: وَلَا قَائِلَ بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْوَاصِلُ غَيْرَ مَعْصُومٍ لَكِنْ قَيَّدَهُ حَجّ بِالْمَعْصُومِ، وَلَعَلَّ عَدَمَ تَقْيِيدِ الشَّارِحِ بِالْمَعْصُومِ جَرَى عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي التَّيَمُّمِ مِنْ أَنَّ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ وَنَحْوَهُ مَعْصُومٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَتَقْيِيدُ حَجّ جَرْيٌ عَلَى مَا قَدَّمَهُ ثَمَّ مِنْ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ (قَوْلُهُ: أَيْ عِنْدَ احْتِيَاجِهِ) أَيْ بِأَنْ خَشِيَ مُبِيحَ تَيَمُّمٍ لَوْ لَمْ يَصِلْ بِهِ انْتَهَى حَجّ.
وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّجَسُ صَالِحًا وَالظَّاهِرُ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ صَلَاحُهُ يُعِيدُ الْعُضْوَ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ شَيْنٍ فَاحِشٍ، وَالثَّانِي صَلَاحُهُ بِمَا ذُكِرَ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ الشَّيْنُ الْفَاحِشُ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَقَوْلُ حَجّ: بِأَنْ خَشِيَ مُبِيحَ تَيَمُّمٍ وَمِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّيَمُّمِ مَا يُخَافُ مِنْهُ شَيْنٌ فَاحِشٌ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ.
وَالشَّيْنُ: الْأَثَرُ الْمُسْتَكْرَهُ مِنْ تَغَيُّرِ لَوْنٍ أَوْ نُحُولٍ وَاسْتِحْشَافٍ وَثَغْرَةِ تَبْقَى وَلَحْمَةٍ تَزِيدُ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ إذَا خَشِيَ الشَّيْنَ فِي الْعُضْوِ الْبَاطِنِ كَأَنْ انْكَسَرَ ضِلْعُهُ مَثَلًا وَاحْتَاجَ لِوَصْلِهِ بِالنَّجِسِ أَوْ حَصَلَ لَهُ كِبَرٌ فِي الْأُنْثَيَيْنِ مَثَلًا وَاحْتَاجَ لِدَهْنِهِمَا بِالنَّجِسِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْوَصْلُ فِي الْأَوَّلِ وَلَا الدَّهْنُ فِي الثَّانِي، وَلَوْ قِيلَ بِالْجَوَازِ فِيهِمَا لَمْ يَبْعُدْ بَلْ يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُهُ فِيمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ خَافَ ذَلِكَ وَلَوْ نَحْوَ شَيْنٍ أَوْ بُطْءِ بُرْءٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: مِنْ الْعَظْمِ) وَلَوْ وَجَدَ عَظْمَ مَيْتَةٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا وَعَظْمَ مُغَلَّظٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا صَالِحٌ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَوَّلِ، وَلَوْ وَجَدَ عَظْمَ مَيْتَةِ مَا يُؤْكَلُ وَعَظْمَ مَيْتَةِ مَا لَا يُؤْكَلُ مِنْ غَيْرِ مُغَلِّظٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا صَالِحٌ تَخَيَّرَ فِي التَّقْدِيمِ؛ لِأَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي النَّجَاسَةِ فِيمَا يَظْهَرُ فِيهِمَا، وَكَذَا يَنْبَغِي تَقْدِيمُ عَظْمِ الْخِنْزِيرِ عَلَى الْكَلْبِ لِلْخِلَافِ عِنْدَنَا فِي الْخِنْزِيرِ دُونَ الْكَلْبِ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى) لَعَلَّ وَجْهَهَا أَنَّ الْعَظْمَ يَدُومُ وَمَعَ ذَلِكَ عُفِيَ عَنْهُ وَالدُّهْنُ وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يَدُومُ فَهُوَ أَوْلَى بِالْعَفْوِ.
(قَوْلُهُ: لِفَقْدِ الطَّاهِرِ) أَيْ بِمَحِلٍّ يَصِلُ إلَيْهِ قَبْلَ تَلَفِ الْعُضْوِ أَوْ زِيَادَةِ ضَرَرِهِ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَنَحْوِهَا حَيْثُ قَالُوا: يَجِبُ عَلَيْهِ السَّفَرُ لِلتَّعَلُّمِ، وَإِنْ طَالَ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ الْمَاءُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ بِمَشَقَّةِ تَكْرَارِ الطَّلَبِ لِلْمَاءِ بِخِلَافِهِ هُنَا.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ قَوْلُهُ: لِفَقْدِ الطَّاهِرِ، لَمْ يُبَيِّنْ ضَابِطَ الْفَقْدِ وَلَا يَبْعُدُ ضَبْطُهُ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِلَا مَشَقَّةٍ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً.
وَيَنْبَغِي وُجُوبُ الطَّلَبِ عِنْدَ احْتِمَالِ وُجُودِهِ لَكِنْ أَيُّ حَدٍّ يَجِبُ الطَّلَبُ مِنْهُ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَلَا نَظَرَ لِهَذَا التَّوَقُّفِ (قَوْلُهُ: فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ مَعَهُ) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكْتَسِ لَحْمًا.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: اُنْظُرْ قَبْلَ اسْتِتَارِهِ بِاللَّحْمِ لَوْ صَبَّ عَلَيْهِ مَاءً لِغَسْلِهِ فَجَرَى لِلْمَحَلِّ الطَّاهِرِ هَلْ يُطَهِّرُهُ وَيُغْتَفَرُ أَوْ لَا؟ الْوَجْهُ الِاغْتِفَارُ انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ غَيْرُهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي وَعُفِيَ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: إذَا وَجَدَ الطَّاهِرَ) قَالَ حَجّ: وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً، وَإِنْ لَمْ تُبِحْ التَّيَمُّمَ.
اهـ أَيْ وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِحَمْلِهِ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ) هُوَ السُّبْكِيُّ تَبَعًا لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ.
اهـ مَنْهَجٌ، وَنَقَلَهُ الْمَحَلِّيُّ عَنْ قَضِيَّةِ كَلَامِ التَّتِمَّةِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ قِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ) جَرَى عَلَيْهِ حَجّ (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ) لَعَلَّهُ غِلَظُ أَمْرِ النَّجَاسَةِ.
(قَوْلُهُ: وَعَظْمُ غَيْرِهِ) أَيْ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْوَصْلِ بِهِ وَوُجُوبِ نَزْعِهِ كَالْعَظْمِ النَّجِسِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْآدَمِيِّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُحْتَرَمًا أَوْ لَا كَمُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَقَدْ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَصِلُ إلَى مَا انْكَسَرَ مِنْ عَظْمِهِ إلَّا بِعَظْمِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ذَكِيًّا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَبْرُ بِعَظْمِ الْآدَمِيِّ مُطْلَقًا، فَلَوْ وَجَدَ نَجِسًا يَصْلُحُ وَعَظْمَ آدَمِيٍّ كَذَلِكَ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَوَّلِ، وَخِيَاطَةُ الْجُرْحِ وَمُدَاوَاتُهُ بِالنَّجِسِ كَالْجَبْرِ فِي تَفْصِيلِهِ الْمَذْكُورِ.
وَكَذَا الْوَشْمُ، وَهُوَ غَرْزُ الْجِلْدِ بِالْإِبْرَةِ حَتَّى يَخْرُجَ
[حاشية الشبراملسي]
غَيْرُ الْوَاصِلِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ إلَخْ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ عَظْمَ نَفْسِهِ لَا يَمْتَنِعُ وَصْلُهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ مَحَلِّ الْوَصْلِ كَأَنْ وَصَلَ عَظْمَ يَدِهِ بِشَيْءٍ مِنْ عَظْمِ رِجْلِهِ مَثَلًا، وَنُقِلَ عَنْ حَجّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ جَوَازُ ذَلِكَ نَقْلًا عَنْ الْبُلْقِينِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ: وَعَظْمُ الْآدَمِيِّ وَلَوْ مِنْ نَفْسِهِ فِي تَحْرِيمِ الْوَصْلِ بِهِ وَوُجُوبِ نَزْعِهِ كَالنَّجَسِ انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ الِامْتِنَاعِ بِعَظْمِ نَفْسِهِ إذَا أَرَادَ نَقْلَهُ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ، أَمَّا إذَا وَصَلَ عَظْمَ يَدِهِ بِيَدِهِ مَثَلًا فِي الْمَحَلِّ الَّذِي أُبِينَ مِنْهُ فَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ إصْلَاحٌ لِلْمُنْفَصِلِ مِنْهُ وَلِمَحَلِّهِ، وَيَكُونُ هَذَا مِثْلَ رَدِّ عَيْنِ قَتَادَةَ فِي أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ إصْلَاحَ مَا خَرَجَ مِنْ عَيْنِ قَتَادَةَ بِرَدِّهِ إلَى مَحَلِّهِ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَا لَوْ نَقَلَهُ إلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَإِنَّهُ بِانْفِصَالِهِ حَصَلَ لَهُ احْتِرَامُ وَطَلَبُ مُوَارَاتِهِ، ثُمَّ ظَاهِرُ إطْلَاقِ جَوَازِ الْوَصْلِ لِعَظْمِ الْآدَمِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِهِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، فَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ الْوَصْلُ بِعَظْمِ الْأُنْثَى وَعَكْسُهُ، ثُمَّ يَنْبَغِي إذَا مَسَّهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، فَإِنْ اكْتَسَى لَحْمًا وَحَلَّتْهُ الْحَيَاةُ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ الرَّجُلِ فَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ وَلَا وُضُوءُ غَيْرِهِ مِنْ الرِّجَالِ بِمَسِّهِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا مَكْشُوفًا وَلَمْ تَحِلَّهُ الْحَيَاةُ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى نِسْبَتِهِ لِلْأُنْثَى، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ وَوُضُوءُ غَيْرِهِ بِمَسِّهِ؛ لِأَنَّ الْعُضْوَ الْمُبَانَ لَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّهِ إلَّا إذَا كَانَ مِنْ الْفَرْجِ وَأَطْلَقَ اسْمَهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ) مُرَادُهُ حَجّ (قَوْلُهُ: وَلَا يَصِلُ إلَى مَا انْكَسَرَ إلَخْ) ضَمَّنَهُ مَعْنَى يَضُمُّ فَعَدَاهُ بِإِلَى، وَفِي نُسْخَةٍ: أَيْ مَا انْكَسَرَ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ إلَخْ) وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوَصْلُ بِعَظْمِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَلَعَلَّهُ مَنَعَ مِنْ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ دَلِيلٌ آخَرُ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ حَيْثُ وَجَدَ مَا يَصْلُحُ لِلْجَبْرِ وَلَوْ نَجِسًا فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ بَعْدُ فَلَوْ وَجَدَ نَجِسًا إلَخْ (قَوْلُهُ: فَلَوْ وَجَدَ نَجِسًا) وَلَوْ مُغَلَّظًا (قَوْلُهُ: وَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَوَّلِ) أَيْ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَيَجُوزُ قَطْعُ عُضْوِهِ مَثَلًا لِيَصِلَ بِعَظْمِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى عَظْمِ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ لِحُرْمَتِهِ، وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إنَّمَا يَقْطَعُهُ بَعْدَ إزْهَاقِ رُوحِهِ حَيْثُ كَانَ فِي قَطْعِ الْعُضْوِ زِيَادَةُ تَعْذِيبٍ.
وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا قَالُوهُ فِي السِّيَرِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ مَا لَا يُؤْكَلُ لِاِتِّخَاذِ جِلْدِهِ سِقَاءً، وَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ ذَاكَ عَلَى مُجَرَّدِ الْحَاجَةِ وَمَا هُنَا ضَرُورَةٌ، ثُمَّ قَوْلُهُ: وَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَوَّلِ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا عَظْمَ آدَمِيٍّ وَصَلَ بِهِ،، وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ لَحْمَ آدَمِيٍّ، وَيَنْبَغِي تَقَدُّمُ عَظْمِ الْكَافِرِ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَنَّ الْعَالِمَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ وَأَنَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ النَّبِيِّ (قَوْلُهُ: وَمُدَاوَاتُهُ) وَمِنْهَا دَهْنُهُ وَرَبْطُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الْوَشْمُ) أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْجَبْرِ بِالنَّجِسِ فِي تَفْصِيلِهِ الْمَذْكُورِ.
قَالَ فِي الذَّخَائِرِ فِي الْعَظْمِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا الْكَلَامُ فِيهِ إذَا فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ فُعِلَ بِهِ بِاخْتِيَارِهِ، فَإِنْ فُعِلَ بِهِ مُكْرَهًا لَمْ تَلْزَمْهُ إزَالَتُهُ قَوْلًا وَاحِدًا.
قُلْت: وَفِي مَعْنَاهُ الصَّبِيُّ إذَا وَشَمَتْهُ أُمُّهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَبَلَغَ.
وَأَمَّا الْكَافِرُ إذَا وَشَمَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَبْرُ بِعَظْمِ الْآدَمِيِّ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ الْمُحْتَرَمُ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا مَا اقْتَضَاهُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ وَإِنْ تَعَيَّنَ فَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَظْمِ النَّجِسِ كَمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ، كَمَا أَنَّ مَا اقْتَضَاهُ أَيْضًا مِنْ مَنْعِ الْجَبْرِ بِغَيْرِ عَظْمِ الْمُزَكَّى لَيْسَ مُرَادًا أَيْضًا.
وَفِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ أَنَّهُ لَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ بِعَظْمِ أُنْثَى يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ وَوُضُوءُ غَيْرِهِ بِمَسِّهِ مَا دَامَ لَمْ تَحُلَّهُ الْحَيَاةُ وَلَمْ يَكْتَسِ بِاللَّحْمِ، وَهُوَ سَهْوٌ لِمَا مَرَّ فِي بَابِ الْحَدَثِ مِنْ أَنَّ الْعُضْوَ الْمَفْصُولَ لَا يَنْقُضُ مَسُّهُ وَلَوْ سَلَّمْنَاهُ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: لَا يَصِحُّ لَهُ وُضُوءٌ مَا دَامَ الْعَظْمُ الْمَذْكُورُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَاسٌّ لَهُ دَائِمًا.
الدَّمُ ثُمَّ يَذْرُ نَحْوَ نِيلَةٍ لِيَزْرَقَّ بِهِ أَوْ يَخْضَرَّ فَفِيهِ تَفْصِيلُ الْجَبْرِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّ بَابَهُ أَوْسَعُ، فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ الْوَشْمَ بِرِضَاهُ فِي حَالَةِ تَكْلِيفِهِ وَلَمْ يَخَفْ مِنْ إزَالَتِهِ ضَرَرًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ مَنَعَ ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ عَنْ مَحَلِّهِ لِتَنَجُّسِهِ، وَإِلَّا عُذِرَ فِي بَقَائِهِ وَعُفِيَ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ، وَإِمَامَتُهُ وَحَيْثُ لَمْ يُعْذَرْ فِيهِ وَلَا فِي مَاءٍ قَلِيلًا أَوْ مَائِعًا أَوْ رَطْبًا نَجَّسَهُ كَذَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَإِلَّا) أَيْ بِأَنْ وَصَلَهُ بِهِ مَعَ وُجُودِ صَالِحٍ طَاهِرٍ أَوْ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ أَصْلًا حَرُمَ عَلَيْهِ لِلتَّعَدِّي وَ (وَجَبَ) عَلَيْهِ (نَزْعُهُ) وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ (إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا ظَاهِرًا) يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَإِنْ اكْتَسَى لَحْمًا كَمَا لَوْ حَمَلَ نَجَاسَةً تَعَدَّى بِحَمْلِهَا مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ إزَالَتِهَا، وَكَوَصْلِ الْمَرْأَةِ شَعْرَهَا بِشَعْرٍ نَجِسٍ، فَإِنْ امْتَنَعَ لَزِمَ الْحَاكِمَ نَزْعُهُ لِدُخُولِ النِّيَابَةِ فِيهِ كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِأَلَمِهِ حَالًا إنْ أَمِنَ مَآلًا، وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ حِينَئِذٍ
[حاشية الشبراملسي]
نَفْسَهُ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَالْمُتَّجَهُ وُجُوبُ الْكَشْطِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِتَعَدِّيهِ؛ وَلِأَنَّهُ كَانَ عَاصِيًا بِالْفِعْلِ بِخِلَافِ الْمُكْرَهِ وَالصَّبِيِّ، وَلَوْ وُشِمَ بِاخْتِيَارِهِ، وَهُوَ كَافِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَ فَالظَّاهِرُ وُجُوبُهُ لِتَعَدِّيهِ إذْ هُوَ مُكَلَّفٌ انْتَهَى فَلْيُحَرَّرْ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
[حَادِثَةٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا بِمَا صُورَتُهُ: مَا قَوْلُكُمْ فِي كَيٍّ يَتَعَاطَوْنَهُ بِدِمَشْقَ الشَّامِ يُسَمُّونَهُ بِكَيِّ الْحِمَّصَةِ.
وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يُكْوَى مَوْضِعُ الْأَلَمِ ثُمَّ يُعَفَّنُ مُدَّةً بِمُخِّ الْغَنَمِ ثُمَّ يُجْعَلُ فِيهِ حِمَّصَةٌ تُوضَعُ فِيهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ تُلْقَى مِنْهُ وَقَدْ عَظُمَتْ الْبَلِيَّةُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِذًا حُكْمُ الصَّلَاةِ فِيهَا هَلْ تَكُونُ كَاللُّصُوقِ وَالْمَرْهَمِ فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ لِلصَّلَاةِ زَمَنَ مُكْثِهَا فِي الْمَحَلِّ الْمَكْوِيِّ أَوْ لَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
وَأَقُولُ: يُجَابُ عَنْهُ قِيَاسًا عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّ خِيَاطَةَ الْجُرْحِ وَمُدَاوَاتَهُ بِالنَّجَاسَةِ كَالْجَبْرِ: أَيْ فِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقُمْ غَيْرُ مَا دَهَنَهُ بِهِ مِنْ النَّجَسِ مَقَامَهُ عُفِيَ عَنْهُ وَلَا يُنَجَّسُ مَا أَصَابَهُ وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهُ، إنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْحِمَّصَةِ مِثْلُهُ فَإِنْ قَامَ غَيْرُهَا مَقَامَهَا فِي مُدَاوَاةِ الْجُرْحِ لَمْ يُعْفَ عَنْهَا فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ حَمْلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهَا مَقَامَهَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ وَلَا يَضُرُّ انْتِفَاخُهَا وَعِظَمُهَا فِي الْمَحَلِّ مَا دَامَتْ الْحَاجَةُ قَائِمَةً، وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَاجَةِ يَجِبُ نَزْعُهَا، فَإِنَّ تَرْكَهُ بِلَا عُذْرٍ ضُرٌّ وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، فَقَدْ صَرَّحَ الشَّارِحُ هُنَا بِأَنَّهُ حَيْثُ عُذِرَ فِي الْوَشْمِ لَا يَضُرُّ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ، وَلَا فِي غَيْرِهَا وُجُودُ النَّجَاسَةِ مَعَ حُصُولِهَا بِفِعْلِهِ لَا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ مَعَ أَنَّ أَثَرَ الْوَشْمِ يَدُومُ أَوْ تَطُولُ مُدَّتُهُ إلَى حَدٍّ يَزِيدُ عَلَى مَا يَحْصُلُ لِمَنْ يَفْعَلُ الْحِمَّصَةَ الْمَذْكُورَةَ وَلَا يَضُرُّ إخْرَاجُهَا وَعَوْدُ بَدَلِهَا كَمَا لَا يَضُرُّ تَغْيِيرُ اللُّصُوقِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ، وَإِنْ بَقِيَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ مِنْ الْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّ بَابَهُ) أَيْ الْوَشْمِ (قَوْلُهُ: فِي حَالَةِ تَكْلِيفِهِ) أَيْ بِلَا حَاجَةٍ لَهُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا عُذِرَ فِي بَقَائِهِ) أَيْ بِأَنْ فُعِلَ بِهِ قَبْلَ تَكْلِيفِهِ أَوْ فَعَلَهُ بَعْدَهُ وَخَافَ مِنْ إزَالَتِهِ ضَرَرًا يُبِيحُ إلَخْ، أَوْ فُعِلَ بِهِ بَعْدَ تَكْلِيفِهِ بِغَيْرِ رِضًا مِنْهُ.
هَذَا وَفِي حَجّ مَا نَصُّهُ: عَطْفًا عَلَى مَا يُكَلَّفُ إزَالَتَهُ وَفِي الْوَشْمِ، وَإِنْ فَعَلَ بِهِ صَغِيرًا عَلَى الْأَوْجَهِ وَتُوُهِّمَ فَرْقٌ إنَّمَا يَتَأَتَّى مِنْ حَيْثُ الْإِثْمُ وَعَدَمُهُ، فَمَتَى أَمْكَنَهُ إزَالَتُهُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ فِيمَا لَمْ يَتَعَدَّ بِهِ، وَخَوْفُ مُبِيحِ تَيَمُّمٍ فِيمَا تَعَدَّى بِهِ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الْوَصْلِ لَزِمَتْهُ وَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا عَنْ سم عَلَى مَنْهَجٍ قَرِيبًا خِلَافُهُ.
(قَوْلُهُ: وَعُفِيَ عَنْهُ) وَهَلْ مِنْ الْوَشْمِ الَّذِي لَا تَعَدِّيَ بِهِ مَا لَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ، وَكَانَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ؟ لَا يَبْعُدُ نَعَمْ وِفَاقًا لَمْ ر، وَمَشَى أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ جُبِّرَ بِعَظْمٍ نَجِسٍ حَيْثُ يَجُوزُ وَلَمْ يَسْتَتِرْ بِاللَّحْمِ لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَلَا يُنَجَّسُ مَاءُ طَهَارَتِهِ وَنَحْوُهَا إذَا مَرَّ عَلَيْهِ قَبْلَ اسْتِتَارِهِ بِاللَّحْمِ وَلَا الرَّطْبُ إذَا لَاقَاهُ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: مَعَ وُجُودِ صَالِحٍ) أَيْ أَوْ بِمُغَلَّظٍ مَعَ وُجُودِ نَجَسٍ صَالِحٍ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا ظَاهِرًا) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ إذَا كَانَ الْمَقْلُوعُ مِنْهُ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ كَمَا لَوْ وَصَلَهُ ثُمَّ جُنَّ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ إلَّا إذَا أَفَاقَ أَوْ حَاضَتْ لَمْ يُجْبَرْ إلَّا بَعْدَ الطُّهْرِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي عَدَمِ النَّزْعِ إذَا مَاتَ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ انْتَهَى حَاشِيَةُ الرَّمْلِيِّ عَلَى شَرْحِ الرَّوْضِ أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا لَاقَى مَانِعًا أَوْ مَاءً قَلِيلًا نَجَّسَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَقَطَ وُجُوبُ النَّزْعِ لِعَدَمِ مُخَاطَبَتِهِ بِالصَّلَاةِ.
هَذَا وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ النَّزْعِ عَلَى وَلِيِّهِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا؛ لِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَتَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ الْأَصْلَحِ فِي حَقِّهِ،
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِحَمْلِهِ نَجَاسَةً فِي غَيْرِ مَعْدِنِهَا مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ إزَالَتِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرِبَ خَمْرًا وَطَهَّرَ فَمَهُ حَيْثُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَيَّأْ مَا شَرِبَهُ مُتَعَدِّيًا لِحُصُولِهِ فِي مَعِدَتِهَا، فَإِنْ خَافَ ذَلِكَ وَلَوْ نَحْوَ شَيْنٍ أَوْ بُطْءِ بُرْءٍ لَمْ يَلْزَمْهُ نَزْعُهُ لِعُذْرِهِ بَلْ يَحْرُمُ كَمَا فِي الْأَنْوَارِ وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ مَعَهُ بِلَا إعَادَةٍ (قِيلَ) يَجِبُ نَزْعُهُ أَيْضًا (وَإِنْ خَافَ) ضَرَرًا ظَاهِرًا لِتَعَدِّيهِ، إذْ لَوْ لَمْ يَنْزِعْهُ لَكَانَ مُصَلِّيًا فِي عُمُرِهِ كُلِّهِ بِنَجَاسَةٍ فَرَّطَ بِحَمْلِهَا وَنَحْنُ نَقْتُلُهُ بِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَالْأَصَحُّ لَا (فَإِنْ مَاتَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ النَّزْعُ قَبْلَهُ (لَمْ يُنْزَعْ عَلَى الصَّحِيحِ) لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ وَلِسُقُوطِ التَّعَبُّدِ عَنْهُ، وَيَحْرُمُ نَزْعُهُ كَمَا فِي الْبَيَانِ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ مَعَ التَّعْلِيلِ بِالْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ، وَالثَّانِي يُنْزَعُ لِئَلَّا يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى حَامِلًا نَجَاسَةً تَعَدَّى بِحَمْلِهَا، وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا صَرَّحَ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ أَنَّ الْمُعَادَ لِلْمَيِّتِ أَجْزَاؤُهُ الْأَصْلِيَّةُ كَمَا كَانَتْ، وَإِنْ احْتَرَقَتْ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِلِقَائِهِ نُزُولُهُ الْقَبْرَ فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى لِقَاءِ اللَّهِ إذْ هُوَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ إنَّ الْمُعَادَ مِنْ أَجْزَائِهِ مَا مَاتَ عَلَيْهَا، وَالْأَوْلَى تَعْلِيلُهُ بِوُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ طَلَبًا لِلطَّهَارَةِ لِئَلَّا يَبْقَى عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ، وَهَذَا نَجِسٌ فَتَجِبُ إزَالَتُهُ.
وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَصْلُ شَعْرِهَا
[حاشية الشبراملسي]
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ مَاتَ بِأَنَّ فِي نَزْعِهِ مِنْ الْمَيِّتِ هَتْكًا لِحُرْمَتِهِ، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ فَإِنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لَهُ، وَهِيَ دَفْعُ النَّجَاسَةِ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ أَيْضًا فِي عَدَمِ وُجُوبِ النَّزْعِ عَنْ الْحَائِضِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي وُجُوبِ النَّزْعِ حَمْلُهُ لِنَجَاسَةٍ تَعَدَّى بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ مِنْهُ الصَّلَاةُ لِمَانِعٍ مِنْ وُجُوبِهَا قَامَ بِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَتَقَيَّأْ) فِي الْمُخْتَارِ قَاءَ مِنْ بَابِ بَاعَ وَاسْتَقَاءَ بِالْمَدِّ وَتَقَيَّأَ: تَكَلَّفَ الْقَيْءَ انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ فِي الْقَامُوسِ وَالْمِصْبَاحِ، وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ تَقَيَّأَ بِهَذَا اللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: وَلَوْ وَصَلَ جَوْفَهُ مُحَرَّمٌ نَجِسٌ أَوْ غَيْرُهُ وَلَوْ مُكْرَهًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَيَّأَهُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ خَافَ ذَلِكَ) أَيْ ضَرَرًا ظَاهِرًا (قَوْلُهُ: وَلَوْ نَحْوَ شَيْنٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ فِي عُضْوٍ بَاطِنٍ (قَوْلُهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ نَزْعُهُ) وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ اسْتِعْمَالِ النَّجَسِ حَيْثُ كَانَ أَسْرَعَ انْجِبَارًا بِأَنَّ مَا هُنَا دَوَامُ وَيُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَهَلْ يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى غَيْرِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ يَدِ مَنْ مَسَّهُ مَعَ الرُّطُوبَةِ.
قَالَ سم عَلَى حَجّ: فِيهِ نَظَرٌ.
وَقَدْ يُؤَيِّدُ عَدَمَ تَعَدِّيهِ أَنَّ مِنْ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَوْ مَسَّ مَعَ الرُّطُوبَةِ نَجَاسَةً مَعْفُوَّةً عَلَى غَيْرِهِ تَنَجَّسَ.
وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الِاحْتِيَاجَ إلَى الْبَقَاءِ هُنَا أَتَمُّ، بَلْ هُنَا قَدْ تَتَعَذَّرُ الْإِزَالَةُ أَوْ تَمْتَنِعُ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ فِيمَا مَرَّ وَعُفِيَ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ أَنَّ غَيْرَهُ مِثْلُهُ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ لَا) مُقَابِلَ قَوْلِهِ قَبْلُ، وَإِنْ خَافَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَاسَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُعَدُّ مُتَهَاوِنًا بِالدِّينِ حَيْثُ تَرَكَ الصَّلَاةَ بِلَا عُذْرٍ، بِخِلَافِهِ هُنَا حَيْثُ كَانَ بَقَاؤُهُ لِمَحْذُورِ التَّيَمُّمِ (قَوْلُهُ: عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ) وَقَضِيَّةُ عَدَمِ الْوُجُوبِ صِحَّةُ غَسْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَتِرَ الْعَظْمُ النَّجِسُ بِاللَّحْمِ، مَعَ أَنَّهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ لَا يَصِحُّ غَسْلُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْغَسْلِ مَعَ قِيَامِ النَّجَاسَةِ فَكَأَنَّهُمْ اغْتَفَرُوا ذَلِكَ لِضَرُورَةِ هَتْكِ حُرْمَتِهِ.
انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: بِالْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ) هِيَ قَوْلُهُ: وَلِسُقُوطِ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَلْقَى اللَّهَ) أَيْ مَلَائِكَتَهُ فِي الْقَبْرِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ) أَيْ الثَّانِي (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى تَعْلِيلُهُ) أَيْ الْقَوْلِ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ) خَرَجَ بِالْمَرْأَةِ غَيْرُهَا مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى صَغِيرَيْنِ فَيَجُوزُ حَيْثُ كَانَ مِنْ طَاهِرٍ غَيْرِ آدَمِيٍّ، أَمَّا إذَا كَانَ مِنْ نَجِسٍ أَوْ آدَمِيٍّ فَيَحْرُمُ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: وَصْلُ شَعْرِهَا إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ شَعْرَ نَفْسِهَا الَّذِي انْفَصَلَ مِنْهَا أَوَّلًا، وَلَيْسَ بَعِيدًا؛ لِأَنَّهُ بِانْفِصَالِهِ عَنْهَا صَارَ مُحْتَرَمًا وَيُوَافِقُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ م ر. [فَرْعٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَقَدْ أُزِيلَ بَعْضُ شَعْرِ رَأْسِهَا قَبْلَ تَزَوُّجِهِ بِهَا هَلْ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ الْآنَ، وَهَلْ إذَا انْفَصَلَ مِنْهَا شَعْرٌ، وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا هَلْ يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ بَعْدَ الطَّلَاقِ لِانْفِصَالِهِ فِي وَقْتٍ كَانَ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ فِيهِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ الْحُرْمَةُ فِي كُلٍّ مِنْ الصُّورَتَيْنِ، أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا يَشْمَلُ الْأَجْزَاءَ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .