نهاية المحتاج إلى شرح المنهاجصفحات 341-380

كِتَابُ الْإِجَارَةِ

صفحات 341-380

الْمُحْيِي قَطْعًا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ نَقْلُ آلَاتِ الْمُتَحَجِّرِ مُطْلَقًا، وَالثَّانِي لَا يَمْلِكُهُ لِئَلَّا يُبْطِلَ حَقَّ غَيْرِهِ (وَلَوْ طَالَتْ مُدَّةُ التَّحَجُّرِ) عُرْفًا بِلَا عُذْرٍ وَلَمْ يُحْيِ (قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ) أَوْ نَائِبُهُ (أَحْيِ أَوْ اُتْرُكْ) مَا تَحَجَّرْته لِتَضْيِيقِهِ عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ فَمُنِعَ مِنْهُ (فَإِنْ اسْتَمْهَلَ) وَأَبْدَى عُذْرًا (أُمْهِلَ مُدَّةً قَرِيبَةً) بِحَسَبِ رَأْيِ الْإِمَامِ رِفْقًا بِهِ وَدَفْعًا لِضَرَرِ غَيْرِهِ، فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا بَطَلَ حَقُّهُ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَذْكُرْ عُذْرًا أَوْ عُلِمَ مِنْهُ الْإِعْرَاضُ فَيَنْزِعَهَا مِنْهُ حَالًا وَلَا يُمْهِلُهُ كَمَا بَحَثَهُ السُّبْكِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ بِلَا مُهْلَةٍ، وَهُوَ مَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي، وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِمَا جَزَمَ بِهِ الْإِمَامُ مِنْ بُطْلَانِهِ بِذَلِكَ لِأَنَّ التَّحَجُّرَ ذَرِيعَةٌ إلَى الْعِمَارَةِ وَهِيَ لَا تُؤَخَّرُ إلَّا بِقَدْرِ تَهْيِئَةِ أَسْبَابِهَا، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَحَجُّرُ فَقِيرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَهْيِئَتِهَا (وَلَوْ أَقْطَعهُ الْإِمَامُ مَوَاتًا) يَقْدِرُ عَلَيْهِ (صَارَ أَحَقَّ بِإِحْيَائِهِ) بِمُجَرَّدِ الْإِقْطَاعِ: أَيْ مُسْتَحِقًّا لَهُ دُونَ غَيْرِهِ وَصَارَ (كَالْمُتَحَجِّرِ) فِي أَحْكَامِهِ الْمَارَّةِ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرْضًا مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ» كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَبَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ مَا أَقْطَعهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَمْلِكُهُ الْغَيْرُ بِإِحْيَائِهِ كَمَا لَا يَنْقُضُ حِمَاهُ وَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُقْطَعَ لَا يَمْلِكُ قَوْلَ الْمَاوَرْدِيِّ إنَّهُ يَمْلِكُ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَلَى مَا إذَا أَقْطَعهُ الْأَرْضَ تَمْلِيكًا لِرَقَبَتِهَا كَمَا مَرَّ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ مَوَاتًا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إقْطَاعُ غَيْرِهِ وَلَوْ مُنْدَرِسًا وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ تُوُقِّعَ ظُهُورَ مِلْكِهِ حُفِظَ لَهُ وَإِلَّا صَارَ مِلْكًا لِبَيْتِ الْمَالِ فَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُهُ مِلْكًا أَوْ ارْتِفَاقًا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً.

(وَلَا يَقْطَعُ الْإِمَامُ) أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ (إلَّا قَادِرًا عَلَى الْإِحْيَاءِ) حِسًّا وَشَرْعًا دُونَ ذِمِّيٍّ بِدَارِنَا (وَقَدْرًا يَقْدِرُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى إحْيَائِهِ لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِفِعْلِهِ الْمَنُوطِ بِالْمَصْلَحَةِ (وَكَذَا الْمُتَحَجِّرُ) لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ مِنْ مُرِيدِهِ إلَّا فِيمَا يَقْدِرُ عَلَى إحْيَائِهِ، وَإِلَّا فَلِغَيْرِهِ إحْيَاءُ الزَّائِدِ كَمَا مَرَّ، وَالْأَوْجَهُ حُرْمَةُ تَحْجِيرٍ زَائِدٍ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لِأَنَّ فِيهِ مَنْعًا لِمُرِيدِ الْإِحْيَاءِ بِلَا حَاجَةٍ، وَلَوْ قَالَ الْمُتَحَجِّرُ لِغَيْرِهِ آثَرْتُك بِهِ أَوْ أَقَمْتُك مَقَامِي

[حاشية الشبراملسي]

فَلِلْأَوَّلِ أَنْ يَطْلُبَ نَزْعَهَا وَإِذَا نُزِعَتْ لَا تَنْقُصُ مِلْكَ الثَّانِي الْمُتِمِّ فَلْيُحَرَّرْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ وَقَوْلُ سم لَا يَنْقُصُ مِلْكُ الثَّانِي أَيْ إذَا كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ نَزْعِ آلَاتِ الْأَوَّلِ لَا يَصْلُحُ مَسْكَنًا مَثَلًا (قَوْلُهُ: نَقَلَ آلَاتِ الْمُتَحَجِّرِ) أَيْ فَإِنْ نَقَلَهَا أَثِمَ وَدَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ، وَقَوْلُهُ قَالَ لَهُ: أَيْ وُجُوبًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: فَمُنِعَ مِنْهُ) أَيْ وُجُوبًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: أَوْ عُلِمَ مِنْهُ الْإِعْرَاضُ) أَيْ صَرِيحًا، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ الْعِلْمِ الظَّنُّ الْقَوِيُّ سِيَّمَا مَعَ دَلَالَةِ الْقَرَائِنِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّحَجُّرَ) عِلَّةٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) كَأَنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ الْقِيَاسُ وَإِلَّا فَالْكَلَامُ فِي إقْطَاعِ الْمَوَاتِ وَأَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ لَيْسَتْ مِنْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ لَا يَمْلِكُهُ الْغَيْرُ) أَيْ غَيْرُ الْمُقْطَعِ.

(قَوْلُهُ: ذِمِّيٌّ بِدَارِنَا) أَيْ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِفِعْلِهِ) أَيْ فَلَوْ أَقْطَعَهُ أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ هَلْ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ أَوْ تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي (قَوْلُهُ: إحْيَاءُ الزَّائِدِ) قَالَ فِي الْخَادِمِ: يَنْبَغِي أَنْ يُرَاجَعَ الْأَوَّلُ وَبِقَوْلِهِ اخْتَرْ لَك جِهَةً انْتَهَى.
وَمُرَادُهُ يَنْبَغِي الْوُجُوبُ وَذَلِكَ لِعَدَمِ تَمْيِيزِ الزَّائِدِ عَنْ غَيْرِهِ، فَلَوْ امْتَنَعَ مِنْ الِاخْتِيَارِ فَيَنْبَغِي أَنَّ الْحَاكِمَ يُعَيِّنُ جِهَةً لِمُرِيدِ الْإِحْيَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ وَامْتَنَعَ الْمُحْيِي مِنْ الِاخْتِيَارِ اخْتَارَ مُرِيدُ إحْيَاءِ الزَّائِدَ بِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ أَقَمْتُك مُقَامِي) أَيْ وَلَوْ بِمَالٍ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ، وَيَجُوزُ لِلْمُؤَثِّرِ أَخْذُهُ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي جَوَازِ أَخْذِ الْمَالِ فِي مُقَابَلَةِ رَفْعِ الْيَدِ عَنْ الِاخْتِصَاصِ كَالسِّرْجِينِ، وَبِمَا ذَكَرُوهُ فِي النُّزُولِ عَنْ

[حاشية الرشيدي]

بِخِلَافِ مَا عَدَاهُ وَإِنْ كَانَ شَائِعًا فَيَنْبَغِي تَحَجُّرُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ) الْأَصْوَبُ بِطُولِ الْمُدَّةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّحَجُّرَ ذَرِيعَةٌ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِمَا جَزَمَ بِهِ الْإِمَامُ (قَوْلُهُ: أَنَّ مَا أَقْطَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: إرْفَاقًا

صَارَ الثَّانِي أَحَقَّ بِهِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَيْسَ ذَلِكَ هِبَةً بَلْ تَوْلِيَةٌ وَإِيثَارٌ (وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لِلْإِمَامِ) وَنَائِبِهِ وَلَوْ وَالَى نَاحِيَةٍ (أَنْ يَحْمِيَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ: أَيْ يَمْنَعَ، وَبِضَمِّهِ: أَيْ يَجْعَلَ حِمَى (بُقْعَةِ مَوَاتٍ لِرَعْيِ) خَيْلِ جِهَادٍ وَ (نَعَمِ جِزْيَةٍ) وَفَيْءٍ (وَصَدَقَةٍ وَ) نَعَمٍ (ضَالَّةٍ وَ) نَعَمٍ إنْسَانٍ (ضَعِيفٍ عَنْ النُّجْعَةِ) بِضَمِّ النُّونِ وَهُوَ الْإِبْعَادُ فِي الذَّهَابِ لِطَلَبِ الرَّعْيِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَى النَّقِيعِ بِالنُّونِ وَقِيلَ بِالْبَاءِ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ بِقُرْبِ وَادِي الْعَقِيقِ عَلَى عِشْرِينَ مِيلًا مِنْ الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ عَلَى عِشْرِينَ فَرْسَخًا، وَمَعْنَى خَبَرِ الْبُخَارِيِّ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» لَا حِمَى إلَّا مِثْلُ حِمَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يَكُونَ لِمَا ذُكِرَ، وَمَعَ كَثْرَةِ الْمَرْعَى بِحَيْثُ يَكْفِي الْمُسْلِمِينَ مَا بَقِيَ وَإِنْ احْتَاجُوا لِلتَّبَاعُدِ لِلرَّعْيِ، وَذِكْرُ النَّعَمِ فِيمَا عَدَا الصَّدَقَةِ لِلْغَالِبِ، وَالْمُرَادُ مُطْلَقُ الْمَاشِيَةِ.
وَيَحْرُمُ عَلَى الْإِمَامِ أَخْذُ عِوَضٍ مِمَّنْ يَرْعَى فِي حِمًى أَوْ مَوَاتٍ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِيَ الْمَاءَ الْعِدَّ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ الَّذِي لَهُ مَادَّةٌ لَا تَنْقَطِعُ كَمَاءِ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ لِشُرْبِ خَيْلِ الْجِهَادِ وَإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَالْجِزْيَةِ وَغَيْرِهِمَا (وَ) الْأَظْهَرُ (أَنَّ لَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (نَقْضُ حِمَاهُ) وَحِمَى غَيْرِهِ إذَا كَانَ النَّقْضُ (لِلْحَاجَةِ) بِأَنْ ظَهَرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ بَعْدَ ظُهُورِهَا فِي الْحِمَى رِعَايَةً لِلْمَصْلَحَةِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ.
وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِتَعَيُّنِهِ لِتِلْكَ الْجِهَةِ كَمَا لَوْ عَيَّنَ بُقْعَةً لِمَسْجِدٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ.
أَمَّا مَا حَمَاهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَا يُنْقَضُ وَلَا يُغَيَّرُ بِحَالٍ لِأَنَّهُ نَصَّ بِخِلَافِ حِمَى غَيْرِهِ وَلَوْ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (وَلَا يَحْمِي) الْإِمَامُ وَنَائِبُهُ (لِنَفْسِهِ) قَطْعًا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُدْخِلَ مَوَاشِيَهُ مَا حَمَاهُ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ قَوِيٌّ، وَيُنْدَبُ لَهُ نَصْبُ أَمِينٍ يُدْخِلُ دَوَابَّ الضُّعَفَاءِ وَيَمْنَعُ دَوَابَّ الْأَقْوِيَاءِ، فَإِنْ رَعَاهُ قَوِيٌّ مُنِعَ مِنْهُ، وَلَا يَغْرَمُ شَيْئًا وَلَا يُخَالِفُهُ مَا مَرَّ فِي الْحَجِّ مِنْ أَنَّ مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا مِنْ نَبَاتِ الْبَقِيعِ ضَمِنَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ مَا هُنَا فِي الرَّعْيِ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ مَا حُمِيَ بِهِ، وَمَا هُنَاكَ فِي الْإِتْلَافِ بِغَيْرِهِ وَلَا يُعَزَّرُ أَيْضًا، وَحَمَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى جَاهِلِ التَّحْرِيمِ.
قَالَ وَإِلَّا فَلَا رَيْبَ فِي التَّعْزِيرِ انْتَهَى.
وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ حُرْمَةُ الرَّعْيِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَقَدْ يَنْتَفِي التَّعْزِيرُ فِي الْمُحَرَّمِ لِعَارِضٍ، وَلَعَلَّهُمْ سَامَحُوا فِيهِ كَمُسَامَحَتِهِمْ فِي الْغُرْمِ.

فَصْلٌ (مَنْفَعَةُ الشَّارِعِ) الْأَصْلِيَّةُ (الْمُرُورِ) فِيهِ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِذَلِكَ، وَهَذَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي الصُّلْحِ وَذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ.
أَمَّا غَيْرُ الْأَصْلِيَّةِ فَأَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (وَيَجُوزُ الْجُلُوسُ بِهِ) وَلَوْ بِوَسَطِهِ (لِاسْتِرَاحَةٍ وَمُعَامَلَةٍ وَنَحْوِهِمَا) كَانْتِظَارِ

[حاشية الشبراملسي]

الْوَظَائِفِ بِعِوَضٍ، وَحَيْثُ وَقَعَ ذَلِكَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بَعْدُ لِأَنَّهُ سَقَطَ حَقُّهُ (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ يَكْفِي الْمُسْلِمِينَ مَا بَقِيَ) أَيْ فَلَوْ عَرَضَ بَعْدَ حِمَى الْإِمَامِ ضِيقُ الْمَرْعَى لِجَدْبٍ أَصَابَهُمْ أَوْ لِعُرُوضِ كَثْرَةِ مَوَاشِيهِمْ هَلْ يَبْطُلُ الْحِمَى بِذَلِكَ أَوْ لَا، وَيُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ فِعْلَهُ إنَّمَا هُوَ لِلْمَصْلَحَةِ وَقَدْ بَطَلَتْ لِلُحُوقِ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ بِدَوَامِ الْحِمَى (قَوْلُهُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ) وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ (قَوْلُهُ: مِنْ جِنْسِ مَا حَمَى بِهِ) أَيْ بِسَبَبِهِ (قَوْلُهُ وَلَا يُعَزَّرُ) أَيْ الْقَوِيُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَإِنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ عَلَى مَا يَأْتِي.

[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْمَنَافِعِ الْمُشْتَرَكَةِ]

(قَوْلُهُ: مَنْفَعَةُ الشَّارِعِ الْأَصْلِيَّةُ) فِيهِ دَفْعُ إشْكَالِ الْحَصْرِ الْمُتَبَادِرِ مِنْ الْعِبَارَةِ وَقَرِينَةِ التَّقْيِيدِ اهـ سم عَلَى حَجّ

[حاشية الرشيدي]

فَصْلٌ) فِي حُكْمِ الْمَنَافِعِ الْمُشْتَرَكَةِ

رَفِيقٍ وَسُؤَالٍ، وَلَهُ الْوُقُوفُ فِيهِ أَيْضًا.
نَعَمْ فِي الشَّامِلِ أَنَّ لِلْإِمَامِ مُطَالَبَةَ الْوَاقِفِ بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ وَالِانْصِرَافَ وَهُوَ مُتَّجَهٌ إنْ تَوَلَّدَ مِنْ قَوْلِهِ ضَرَرٌ وَلَوْ عَلَى نُدُورٍ، هَذَا كُلُّهُ (إذَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى الْمَارَّةِ) فِيهِ لِخَبَرِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ وَإِنْ تَقَادَمَ الْعَهْدُ» (وَلَا يُشْتَرَطُ إذْنُ الْإِمَامِ) وَشَمِلَ كَلَامُهُ الذِّمِّيَّ فَيَثْبُتَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَتَبِعْهُ السُّبْكِيُّ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الْوُلَاةِ أَخْذُ عِوَضٍ مِمَّنْ يَرْتَفِقُ بِالْجُلُوسِ فِيهِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِبَيْعٍ أَمْ لَا، وَإِنْ فَعَلَهُ وُكَلَاءُ بَيْتِ الْمَالِ زَاعِمِينَ أَنَّهُ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ لِاسْتِدْعَاءِ الْبَيْعِ تَقَدُّمَ الْمِلْكِ وَهُوَ مُنْتَفٍ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ بَيْعُ الْمَوَاتِ وَلَا قَائِلَ بِهِ، قَالَهُ السُّبْكِيُّ كَابْنِ الرِّفْعَةِ.
قَالَ: وَلَا أَدْرَى بِأَيِّ وَجْهٍ يَلْقَى اللَّهَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَفِي مَعْنَاهُ الرِّحَابُ الْوَاسِعَةُ بَيْنَ الدُّورِ (وَلَهُ) أَيْ الْجَالِسِ فِي الشَّارِعِ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: أَنَّ لِلْإِمَامِ مُطَالَبَةَ الْوَاقِفِ) قَضِيَّتُهُ عَدَمُ جَوَازِهِ لِلْآحَادِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحِلَّهُ إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ وَإِلَّا جَازَ، ثُمَّ قَوْلُهُ لِلْإِمَامِ يُشْعِرُ بِالْجَوَازِ فَقَطْ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، فَإِنَّ مَا اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ يَكُونُ وَاجِبًا عَلَى الْإِمَامِ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مَا أَشْعَرَ بِهِ مِنْ الْجَوَازِ جَوَازٌ بَعْدَ مَنْعٍ وَهُوَ لَا يُنَافَى الْوُجُوبَ، وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا تَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَى نَصْبِ جَمَاعَةٍ يَطْلُبُونَ ذَلِكَ وَجَبَ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنَّ مِثْلَهُ الْجَالِسُ بِالْأَوْلَى.
[فَرْعٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا يَقَعُ بِمِصْرِنَا كَثِيرًا مِنْ الْمُنَادَاةِ مِنْ جَانِبِ السَّلْطَنَةِ بِقَطْعِ الطُّرُقَاتِ الْقَدْرَ الْفُلَانِيَّ هَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَهَلْ هُوَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَصْلَحَةٌ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَتَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ ثُمَّ عَلَى مَيَاسِيرِ الْمُسْلِمِينَ أَمْ لَا؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الظَّاهِرَ الْجَوَازُ، بَلْ الْوُجُوبُ حَيْثُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ، وَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ عَلَى الْإِمَامِ فَيَجِبُ صَرْفُهُ أُجْرَةَ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ ذَلِكَ لِظُلْمِ مُتَوَلِّيهِ فَعَلَى مَيَاسِيرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا مَا يَقَعُ الْآنَ مِنْ إكْرَاهِ كُلِّ شَخْصٍ مِنْ سُكَّانِ الدَّكَاكِينِ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ فَهُوَ ظُلْمٌ مَحْضٌ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى مَالِكِ الدُّكَّانِ بِمَا غَرِمَهُ إذَا كَانَ مُسْتَأْجِرًا لَهَا، لِأَنَّ الظَّالِمَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهُ وَالْمَظْلُومُ لَا يَرْجِعُ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ، وَإِذَا تَرَتَّبَ عَلَى فِعْلِهِ ضَرَرٌ بِعُثُورِ الْمَارَّةِ بِمَا يَفْعَلُهُ مِنْ حَفْرِ الْأَرْضِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَنْ أَمَرَهُ بِمُعَاوَنَتِهِ بِأُجْرَةٍ أَوْ بِدُونِهَا لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ جَائِزٌ، بَلْ قَدْ يَجِبُ حَيْثُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ وَإِنْ حَصَلَ الظُّلْمُ بِإِكْرَاهِ أَرْبَابِ الدَّكَاكِينِ عَلَى دَفْعِ الدَّرَاهِمِ، ثُمَّ إنَّ الْمَأْمُورِينَ إذَا بَادَرَ بَعْضُهُمْ لِلْفِعْلِ بِحَيْثُ صَارَ الْمَحِلُّ الَّذِي حَفَرَهُ حُفْرَةً تَضُرُّ بِالْمَارَّةِ بِالنُّزُولِ فِيهَا ثُمَّ الصُّعُودُ مِنْهَا لَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَوْ صَبَرَ شَارَكَهُ جِيرَانُهُ فِي الْحَفْرِ دَفْعَةً بِحَيْثُ تَصِيرُ الْأَرْضُ مُسْتَوِيَةً لَا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا ضَرَرٌ (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ لَا ضَرَرَ) أَيْ جَائِزٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَقَادَمَ الْعَهْدُ) أَيْ وَإِنْ تَقَادَمَ عَهْدُ الْإِسْلَامِ لَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِحَيْثُ يَحْتَمِلُ الضَّرَرَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا مِنْ تَمَامِ الْحَدِيثِ فَلْيُرَاجِعْ، وَفِي ابْنِ حَجَرٍ إسْقَاطُ قَوْلِهِ وَإِنْ تَقَادَمَ إلَخْ (قَوْلُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ) أَيْ فِي جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَوْ لِذِمِّيٍّ أَذِنَ الْإِمَامُ لِإِطْبَاقِ النَّاسِ عَلَيْهِ بِدُونِ إذْنِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَسَيَأْتِي فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ إذَا اُعْتِيدَ إذْنُهُ تَعَيَّنَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا كَذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ الْفَرْقَ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ النَّظَرَ فِي أَحْوَالِ الْعُلَمَاءِ وَنَحْوِهِمْ دُونَ الْجَالِسِينَ فِي الطُّرُقِ اهـ. أَقُولُ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَرْقِ ظَاهِرٌ فَلَا يَتَوَقَّفُ جُلُوسُ الذِّمِّيِّ فِي الشَّوَارِعِ عَلَى إذْنٍ بَلْ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ: زَاعِمِينَ أَنَّهُ) أَيْ مَا أُخِذَ وَعِوَضُهُ (قَوْلُهُ: تَقَدَّمَ الْمِلْكُ) أَيْ وَاسْتِدْعَاءُ أَخْذِ الْأُجْرَةِ مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ (قَوْلُهُ قَالَ وَلَا أَدْرَى) أَيْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: الرِّحَابُ الْوَاسِعَةُ بَيْنَ الدُّورِ) وَحَكَى الْأَذْرَعِيُّ قَوْلَيْنِ فِي حِلِّ الْجُلُوسِ فِي أَفْنِيَةِ الْمَنَازِلِ وَحَرِيمِهَا بِغَيْرِ إذْنِ مُلَّاكِهَا،

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَإِنْ تَقَادَمَ الْعَهْدُ) أَيْ: وَإِنْ طَالَ زَمَنُ الْجُلُوسِ مَثَلًا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ فَعَلَهُ) يَعْنِي الْبَيْعَ بِدَلِيلِ التَّعْلِيلِ.
.

(تَظْلِيلُ مَقْعَدِهِ) أَيْ مَوْضِعِ قُعُودِهِ فِي الشَّارِعِ (بِبَارِيَّةٍ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ كَمَا فِي الدَّقَائِقِ، وَحُكِيَ تَخْفِيفُهَا: نَوْعٌ يُنْسَجُ مِنْ قَصَبٍ كَالْحَصِيرِ (وَغَيْرُهَا) مِمَّا لَا يَضُرُّ الْمَارَّةَ عُرْفًا فِيمَا يَظْهَرُ كَثَوْبٍ وَعَبَاءَةٍ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهِ، فَلَوْ كَانَ مُثَبَّتًا بِبِنَاءٍ كَالدِّكَّةِ امْتَنَعَ، وَلَهُ وَضْعُ سَرِيرٍ اُعْتِيدَ وَضْعُهُ فِيهِ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ تَرَدُّدٍ فِيهِ، وَيَخْتَصُّ الْجَالِسُ بِمَحِلِّهِ وَمَحِلِّ أَمْتِعَتِهِ وَمُعَامِلِيهِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِ فِيهِ بِحَيْثُ يَضُرُّ بِهِ فِي الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ وَالْعَطَاءِ، وَلَهُ مَنْعُ وَاقِفٍ بِقُرْبِهِ إنْ مَنَعَ رُؤْيَةً أَوْ وُصُولَ مُعَامِلِيهِ إلَيْهِ لَا مَنْ قَعَدَ لِبَيْعٍ مِثْلَ مَتَاعِهِ وَلَمْ يُزَاحِمْهُ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْمَرَافِقِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يَقْطَعَ بُقْعَةً مِنْ الشَّارِع لِمَنْ يَرْتَفِقُ فِيهَا بِالْمُعَامَلَةِ لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا وَاجْتِهَادَهُ فِي أَنَّ الْجُلُوسَ فِيهَا مُضِرٌّ أَوْ لَا وَهَذَا يُزْعِجُ مَنْ يَرَى جُلُوسَهُ مُضِرًّا.

(وَلَوْ) (سَبَقَ إلَيْهِ) أَيْ مَوْضِعٍ مِنْ الشَّارِعِ (اثْنَانِ) وَتَنَازَعَا وَلَمْ يَسْعَهُمَا مَعًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا وُجُوبًا لِانْتِفَاءِ الْمُرَجِّحِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا قُدِّمَ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ، لِأَنَّ انْتِفَاعَ الذِّمِّيِّ بِدَارِنَا إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ التَّبَعِ لَنَا، وَإِنْ تَرَتَّبَا قُدِّمَ السَّابِقُ (وَقِيلَ يُقَدِّمُ الْإِمَامُ) أَحَدَهُمَا (بِرَأْيِهِ) أَيْ اجْتِهَادِهِ كَمَالِ بَيْتِ الْمَالِ (وَلَوْ جَلَسَ) فِي الشَّارِعِ لِنَحْوِ اسْتِرَاحَةٍ بَطَلَ حَقُّهُ بِمُجَرَّدِ مُفَارَقَتِهِ وَإِنْ نَوَى الْعَوْدَ أَوْ (لِمُعَامَلَةٍ) أَوْ صِنَاعَةِ مَحِلٍّ وَإِنْ أَلِفَهُ (ثُمَّ فَارَقَهُ تَارِكًا الْحِرْفَةَ أَوْ مُنْتَقِلًا إلَى غَيْرِهِ بَطَلَ حَقُّهُ) مِنْهُ وَلَوْ مُقْطَعًا كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ (وَإِنْ فَارَقَهُ) أَيْ مَحِلَّ جُلُوسِهِ الَّذِي أَلِفَهُ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ (لِيَعُودَ) إلَيْهِ، وَيَلْحَقَ بِهِ مَا لَوْ فَارَقَهُ لَا بِقَصْدِ الْعَوْدِ (لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَيَجْرِي هَذَا فِي السُّوقِ الَّذِي يُقَامُ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ مَرَّةً مَثَلًا (إلَّا أَنْ تَطُولَ مُفَارَقَتُهُ) وَلَوْ لِعُذْرٍ، وَإِنْ تَرَكَ فِيهِ مَتَاعَهُ (بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ مُعَامِلُوهُ عَنْهُ وَيَأْلَفُونَ غَيْرَهُ)

[حاشية الشبراملسي]

ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا إنَّمَا يَأْتِي إنْ عُلِمَ الْحَرِيمُ.
أَمَّا فِي وَقْتِنَا هَذَا فِي الْأَمْصَارِ وَنَحْوِهَا الَّتِي لَا يَدْرِي كَيْفَ صَارَ الشَّارِعُ فِيهَا شَارِعًا فَيَجِبُ الْجَزْمُ بِجَوَازِ الْقُعُودِ فِي أَفْنِيَتِهَا، وَأَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ لِأَرْبَابِهَا إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِمْ وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ الْفِعْلِيُّ انْتَهَى وَاعْتَمَدُوهُ.
بَلْ قَالَ شَيْخُنَا: إنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ كَلَامُ أَئِمَّتِنَا، وَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّ خَرْقَ الْإِجْمَاعِ الْفِعْلِيِّ كَالْقَوْلِيِّ، وَهُوَ الْوَجْهُ انْتَهَى.
وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ ذَلِكَ فِي إجْمَاعٍ فَعَلِيٍّ عُلِمَ صُدُورُهُ مِنْ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ فَلَا عِبْرَةَ بِإِجْمَاعِ غَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا ذَكَرْت هَذَا لِأَنَّ الْأَذْرَعِيَّ وَغَيْرَهُ كَثِيرًا مَا يَعْتَرِضُونَ الشَّيْخَيْنِ وَالْأَصْحَابَ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْفِعْلِيَّ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرُوهُ، فَإِذَا عَلِمْت ضَابِطَهُ الَّذِي ذَكَرْته لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِمْ الِاعْتِرَاضُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ إجْمَاعُ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ أَمْ لَا.
نَعَمْ مَا ثَبَتَ فِيهِ أَنَّ الْعَامَّةَ تَفْعَلُهُ وَجَرَتْ أَعْصَارُ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ وَعَدَمِ إنْكَارِهِمْ لَهُ يُعْطِي حُكْمَ فِعْلِهِمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْهُ اهـ جج (قَوْلُهُ: تَظْلِيلُ مَقْعَدِهِ) قَدْ يَشْمَلُ إطْلَاقُهُ الذِّمِّيَّ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَ التَّظْلِيلِ بِمُثَبِّتٍ فَيَمْتَنِعُ كَالْجَنَاحِ وَغَيْرِهِ كَثَوْبٍ مَعَ إزَالَتِهَا عِنْدَ انْتِهَاءِ الْحَاجَةِ بِلَا تَضْيِيقٍ فَلَا يَمْتَنِعُ م ر اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْجَنَاحِ وَمَا هُنَا بِأَنَّ فِي الْجَنَاحِ اسْتِعْلَاءً عَلَى مَنْ يَمُرُّ تَحْتَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَمُنِعَ مِنْهُ، وَمَا يُظَلَّلُ بِهِ لَا يَتِمُّ انْتِفَاعُهُ إلَّا بِهِ، فَحَيْثُ جَازَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فَالْقِيَاسُ جَوَازُ التَّظْلِيلِ مُطْلَقًا بِالْمُثَبِّتِ وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا مَحِلُّ الْجَنَاحِ فَمِلْكٌ فَيَدُومُ حَتَّى بَعْدَ مَوْتِ الْمُخْرِجِ لَهُ لِانْتِقَالِ الْحَقِّ فِي الْمِلْكِ لِوَرَثَتِهِ وَلَا كَذَلِكَ مَا هُنَا (قَوْلُهُ: فَلَوْ كَانَ مُثَبَّتًا بِبِنَاءٍ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ بِنَاءٍ جَازَ لِكُلٍّ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِعْلُهُ وَفِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ مَا ذَكَرَ مِنْ امْتِنَاعِ الْإِثْبَاتِ بِبِنَاءٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ إثْبَاتِهِ لِلتَّمَلُّكِ أَوْ الِارْتِفَاقِ، وَفِي كَلَامِ سم عَلَى حَجّ اسْتِنْبَاطٌ مِنْ كَلَامِ الرَّوْضِ أَنَّ بِنَاءَ الْبُيُوتِ فِي حَرِيمِ الْأَنْهَارِ، وَفِي مِنًى إذَا كَانَ لِلِارْتِفَاقِ لَا يَمْتَنِعُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اقْتَضَاهُ هَذَا الْكَلَامُ، بَلْ يَقْتَضِي جَوَازَ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي حَرِيمِ الْأَنْهَارِ لِأَنَّهَا لَمْ تُفْعَلْ لِلتَّمَلُّكِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِامْتِنَاعِهِ فَلْيُرَاجِعْ (قَوْلُهُ: اُعْتِيدَ وَضْعُهُ فِيهِ) أَيْ الشَّارِعِ (قَوْلُهُ: وَالْعَطَاءُ) أَيْ الْأَخْذُ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ تَرَتَّبَا قُدِّمَ السَّابِقُ) وَلَوْ ذِمِّيًّا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِوُجُودِ الْمُرَجِّحِ وَهُوَ السَّبْقُ، وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ (قَوْلُهُ: لَا بِقَصْدِ الْعَوْدِ) أَيْ وَيُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ بِيَمِينِهِ مَا لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى خِلَافِهِ (قَوْلُهُ بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ إلَخْ)

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

هُوَ لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ فَيَبْطُلَ حَقُّهُ حِينَئِذٍ وَلَوْ مُقْطَعًا كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَإِنْ أَطَالَ جَمْعٌ فِي رَدِّهِ لِانْتِفَاءِ تَعَيُّنِ غَرَضِ الْمَوْضِعِ مِنْ كَوْنِهِ يُعْرَفُ فَيُعَامَلَ وَخَرَجَ يَجْلِسُ لِمُعَامَلَةٍ مَا لَوْ جَلَسَ لِاسْتِرَاحَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَيَبْطُلَ حَقُّهُ بِمُفَارَقَتِهِ كَمَا مَرَّ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ جَوَّالًا يَقْعُدُ كُلَّ يَوْمٍ فِي مَوْضِعٍ مِنْ السُّوقِ.
وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ فِي الشَّارِعِ لِحَدِيثٍ أَوْ نَحْوِهِ إنْ لَمْ يُعْطِهِ حَقَّهُ مِنْ غَضِّ بَصَرٍ وَكَفِّ أَذًى وَرَدِّ سَلَامٍ وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ.

(وَمَنْ أَلِفَ مِنْ الْمَسْجِدِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَسَاجِدِ الْعِظَامِ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ، وَمِثْلُهُ الْمُدَرِّسَةُ (مَوْضِعًا يُفْتَى فِيهِ) النَّاسُ (أَوْ يَقْرَأُ) فِيهِ قُرْآنًا أَوْ عِلْمًا شَرْعِيًّا أَوْ آلَةً لَهُ، أَوْ لِتَعَلُّمِ مَا ذُكِرَ كَسَمَاعِ دَرْسٍ بَيْنَ يَدَيْ مُدَرِّسٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُفِيدَ أَوْ يَسْتَفِيدَ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَإِلَّا فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا (كَالْجَالِسِ فِي شَارِعٍ لِمُعَامَلَةٍ) فَيَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَارُّ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي مُلَازَمَةِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَأْلَفَهُ النَّاسُ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ وَطَنًا يَسْتَحِقُّ مَخْصُوصٌ بِمَا عَدَا ذَلِكَ، وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَدَمَ اشْتِرَاطِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَوْ لِمَسْجِدٍ كَبِيرٍ أَوْ جَامِعٍ اُعْتِيدَ الْجُلُوسُ فِيهِ بِإِذْنِهِ فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18] وَلِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِي مَقْعَدِهِ، وَمَحِلُّ تَدْرِيسِهِ مُدَّةَ غَيْبَتِهِ الَّتِي لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِهَا لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ مَنْفَعَةُ الْمَوْضِعِ فِي الْحَالِ، وَكَذَا حَالُ جُلُوسِهِ لِغَيْرِ الْإِقْرَاءِ أَوْ الْإِفْتَاءِ فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الْجُلُوسَ فِيهِ لِذَلِكَ لَا مُطْلَقًا وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ الْمَنْقُولُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ الْعَبَّادِيِّ وَالْغَزَالِيِّ، وَقَالَ الشَّيْخَانِ: إنَّهُ أَشْبَهُ بِمَأْخَذِ الْبَابِ، وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ (وَلَوْ جَلَسَ فِيهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ

[حاشية الشبراملسي]

يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنْ تَمْضِيَ مُدَّةٌ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُقْطَعَ الْأُلَّافُ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعُوا مِنْ ابْتِدَاءِ الْغَيْبَةِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: هُوَ لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ) فِيهِ نَظَرٌ، إذْ قَدْ يَنْقَطِعُونَ عَنْهُ لِعَدَمِ حُضُورِهِ وَلَا يَأْلَفُونَ غَيْرَهُ بَلْ يَنْتَظِرُونَ عَوْدَهُ لِيَعُودُوا إلَى مُعَامَلَتِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُوَ الْغَالِبُ بَلْ قَدْ يُقَالُ مَا دَامُوا يَنْتَظِرُونَهُ لَا يُقَالُ انْقَطَعَ أُلَّافُهُ (قَوْلُهُ: يَقْعُدُ كُلَّ يَوْمٍ فِي مَوْضِعٍ) أَيْ فَيَبْطُلُ حَقُّهُ (قَوْلُهُ: مِنْ غَضِّ بَصَرٍ إلَخْ) وَقَدْ نَظَمَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ آدَابَ الْجُلُوسِ عَلَى الطَّرِيقِ، فَقَالَ: نَظَمْت آدَابَ مَنْ رَامَ الْجُلُوسَ عَلَى ... الطَّرِيقِ فِي قَوْلِ خَيْرِ الْخَلْقِ إنْسَانَا أَفْشِ السَّلَامَ وَأَحْسِنْ فِي الْكَلَامِ لِعَا ... وَشَمِّتْ الْعَاطِسَ الْحَمَّادَ إيمَانَا فِي الْحَمْلِ عَاوِنْ وَمَظْلُومًا أَعِنْ وَأَغِثْ ... لَهْفَانَ رَدَّ سَلَامًا وَاهْدِ حَيْرَانَا بِالْعُرْفِ مُرْ وَانْهَ عَنْ نُكْرٍ وَكُفَّ أَذًى ... وَغُضَّ طَرْفًا وَأَكْثِرْ ذِكْرَ مَوْلَانَا أَيْ فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ كَانَ جُلُوسُهُ مُبَاحًا حَيْثُ جَلَسَ لِغَرَضِ نَفْسِهِ وَاتَّفَقَ فِيهِ اجْتِمَاعُ الشُّرُوطِ، فَإِنْ قَصَدَ بِجُلُوسِهِ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْقُرْبِ كَانَ مَنْدُوبًا.
وَقَوْلُهُ فِي النَّظْمِ لِعَا: أَيْ بِأَنْ يَقُولَ لِلْعَاثِرِ لَعَا لَك عَالِيًا دُعَاءٌ لَهُ بِأَنْ يَنْتَعِشَ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ نَاظِمَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ.

(قَوْلُهُ: أَوْ يَقْرَأُ فِيهِ إلَخْ) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ جَلَسَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَلَا يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِرَاءَةُ الْأَسْبَاعِ الَّتِي تُفْعَلُ بِالْمَسَاجِدِ مَا لَمْ يَكُنْ الشَّارِطُ لِمَحِلِّهِ بِعَيْنِهِ الْوَاقِفَ لِلْمَسْجِدِ، قَالَ سم عَلَى حَجّ: وَقَدْ يَشْمَلُ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ بِحِفْظِهِ فِي الْأَلْوَاحِ انْتَهَى وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ أَوْ لِتَعَلُّمِ مَا ذُكِرَ) وَمِنْهُ الْمُطَالَعَةُ فِي كِتَابٍ لِلتَّعَلُّمِ مِنْهُ فَلْيُرَاجِعْ م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: الَّتِي لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِهَا) بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِعْرَاضَ عَنْهُ وَلَا طَالَتْ غَيْبَتُهُ.
وَلَيْسَ مِنْ الْغَيْبَةِ تَرْكُ الْجُلُوسِ فِيهِ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَطَالَتِهَا وَلَوْ أَشْهُرًا كَمَا هُوَ الْعَادَةُ فِي قِرَاءَةِ الْفِقْهِ فِي الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ، وَمِمَّا لَا يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّهُ أَيْضًا مَا لَوْ اعْتَادَ الْمُدَرِّسُ قِرَاءَةَ الْكِتَابِ فِي سَنَتَيْنِ وَتَعَلَّقَ غَرَضُ بَعْضِ الطَّلَبَةِ بِحُضُورِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مَثَلًا فِي سَنَتِهِ فَلَا يَنْقَطِعُ حَقُّهُ بِغَيْبَتِهِ فِي الثَّانِي (قَوْلُهُ: وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ) مِنْ أَنَّ الْجُلُوسَ فِيهِ كَالْجُلُوسِ فِي الشَّارِعِ (قَوْلُهُ وَلَوْ جَلَسَ فِيهِ)

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(لِصَلَاةٍ) وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا أَوْ كَانَ الْجَالِسُ صَبِيًّا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فِيمَا يَظْهَرُ أَوْ اسْتِمَاعِ حَدِيثٍ أَوْ وَعْظٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ لَهُ عَادَةٌ بِالْجُلُوسِ بِقُرْبِ كَبِيرِ الْمَجْلِسِ وَانْتَفَعَ الْحَاضِرُونَ بِقُرْبِهِ مِنْهُ لِعِلْمِهِ وَنَحْوِهِ أَمْ لَا كَمَا رَجَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ (لَمْ يَصِرْ أَحَقَّ بِهِ فِي غَيْرِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا مَرَّ لِأَنَّ لُزُومَ بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِلصَّلَاةِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ بَلْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ،

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ جُلُوسًا جَائِزًا لَا كَخَلْفِ الْمَقَامِ الْمَانِعِ لِلطَّائِفَيْنِ مِنْ فَضِيلَةِ سُنَّةِ الطَّوَافِ ثُمَّ فَإِنَّهُ حَرَامٌ عَلَى الْأَوْجَهِ، وَبِهِ جَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَأَلْحَقُوا بِهِ بَسْطَ السَّجَّادَةِ وَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ.
قَالُوا: وَيُعَزَّرُ فَاعِلُ ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ بِمَنْعِهِ، وَنُوزِعَ فِي تَحْرِيمِ الْجُلُوسِ بِمَا لَا يُجْدِي، وَمِنْهُ التَّرْدِيدُ فِي الْمَزَارِ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ عُرْفًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَأَنَّهُ مَوْضِعٌ مِنْ الْمَسْجِدِ فَكَيْفَ يُعَطَّلُ عَمَّا وُضِعَ الْمَسْجِدُ لَهُ، وَأَنَّ صَلَاةَ سُنَّةِ الطَّوَافِ لَا تَخْتَصُّ بِهِ، وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ امْتَازَ عَنْ بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ بِكَوْنِ الشَّارِعِ عَيْنَهُ مِنْ حَيْثُ الْأَفْضَلِيَّةُ لِهَذِهِ الصَّلَاةِ وَوُقُوفِ إمَامِ الْجُمُعَةِ فِيهِ فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ تَفْوِيتُهُ بِجُلُوسٍ بَلْ وَلَا صَلَاةٍ لَمْ يُعَيِّنْهُ الشَّارِعُ لَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْأَفْضَلِيَّةُ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعْطِيلُ مَحِلٍّ مِنْ الْمَسْجِدِ عَنْ الْعِبَادَةِ فِيهِ لِاحْتِمَالِ فِعْلِ عِبَادَةٍ أُخْرَى.
وَيُرَدُّ بِأَنَّ مَحِلَّ التَّحْرِيمِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْجُلُوسِ فِيهِ فِي وَقْتٍ يَحْتَاجُ الطَّائِفُونَ لِصَلَاةِ سُنَّةِ الطَّوَافِ فِيهِ، وَالْكَلَامُ فِي جُلُوسٍ لِغَيْرِ دُعَاءٍ عَقِبَ سُنَّةِ الطَّوَافِ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهَا اهـ حَجّ.
أَقُولُ: وَكَمَا يُمْنَعُ مِنْ الْجُلُوسِ خَلْفَ الْمَقَامِ عَلَى مَا ذَكَرَ يُمْنَعُ مِنْ الْجُلُوسِ فِي الْمِحْرَابِ وَقْتَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِيهِ وَكَذَا يُمْنَعُ مِنْ الْجُلُوسِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ إذَا كَانَ جُلُوسُهُ يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ أَوْ يَقْطَعُ الصَّفَّ عَلَى الْمُصَلِّينَ، وَهَلْ مِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ اعْتَادَ النَّاسُ الصَّلَاةَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَسْجِدِ مَعَ إمْكَانِ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهِ كَبَحْرَةِ رُوَاقِ ابْنِ الْمُعَمَّرِ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ فَيَزْعَجَ مِنْهُ مَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ فِيهِ فِي وَقْتٍ يُفَوِّتُ عَلَى النَّاسِ الْجَمَاعَةَ فِيهِ، فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الْإِلْحَاقُ فَلْيُرَاجَعْ.
وَفِي سم عَلَى حَجّ: فَرْعٌ: أَفْتَى شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِجَوَازِ وَضْعِ الْخِزَانَةِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ تُضَيِّقْ وَحَصَلَ بِسَبَبِهَا نَفْعٌ عَامٌّ كَمُدَرِّسٍ أَوْ مُفْتٍ يَضَعُ فِيهَا مِنْ الْكُتُبِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي التَّدْرِيسِ وَالْإِفْتَاءِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا يَقَعُ فِي قُرَى مِصْرَ مِنْ وَضْعِ الْقَمْحِ فِي الْجَرِينِ، هَلْ يَسْتَحِقُّ مَنْ اعْتَادَ الْوَضْعَ بِمَحِلٍّ مِنْهُ وَضْعُهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحَيْثُ يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ حَتَّى لَوْ رَأَى مَنْ سَبَقَهُ إلَى وَضْعِ غَلَّتِهِ فِيهِ مَنَعَهُ كَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَنْ اعْتَادَ الصَّلَاةَ بِمَحِلٍّ مِنْ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَحْصُلُ بِالْوَضْعِ فِي جَمِيعِ الْمَحَالِّ كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ فِي جَمِيعِ بِقَاعِ الْمَسْجِدِ، وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّهُ قَدْ يَتَعَلَّقُ غَرَضُهُ بِمَوْضِعٍ مِنْهُ كَقُرْبِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ بُعْدِهِ عَنْ أَطْرَافِ الْمَحَالِّ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةٌ لِلسَّرِقَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَغْرَاضَ لَا نَظَرَ إلَيْهَا، كَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَنْظُرُوا فِي بِقَاعِ الْمَسْجِدِ إلَى حُصُولِ الثَّوَابِ بِالْقُرْبِ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ كَوْنِهِ بِمَيْمَنَةِ الصَّفِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَقَاعِدُ الْأَسْوَاقِ إنَّمَا كَانَ أَحَقَّ بِهَا لِتَوَلُّدِ الضَّرَرِ بِانْقِطَاعِ أُلَّافِهِ عِنْدَ عَدَمِ اهْتِدَائِهِمْ لِمَحِلِّهِ، فَمَنْ سَبَقَهُ إلَيْهِ اسْتَحَقَّهُ، وَلَا يَحْصُلُ السَّبْقُ بِوَضْعِ عَلَامَةٍ فِي الْمَحِلِّ كَمَا لَا يَحْصُلُ الِالْتِقَاطُ بِمُجَرَّدِ الْوُقُوفِ عَلَى اللُّقَطَةِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ السَّبْقُ بِالشُّرُوعِ فِي شَغْلِ الْمَحِلِّ كَوَضْعِ شَيْءٍ مِنْ الزَّرْعِ الَّذِي يُرَادُ وَضْعُهُ فِي الْمَحِلِّ بِحَيْثُ يُعَدُّ أَنَّهُ شَرْعٌ فِي التَّجْرِينِ (قَوْلُهُ: أَوْ اسْتِمَاعُ حَدِيثٍ) خَرَجَ بِالِاسْتِمَاعِ مَا لَوْ جَلَسَ لِتَعَلُّمِهِ مِنْ الْمُحَدِّثِ بِأَنْ قَرَأَهُ عَلَى وَجْهٍ يُبَيِّنُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا أَوْ كَانَ الْجَالِسُ صَبِيًّا) هَاتَانِ الْغَايَتَانِ إنَّمَا يَظْهَرُ مَعْنَاهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي، فَلَوْ فَارَقَهُ لِحَاجَةٍ لِيَعُودَ لَمْ يَبْطُلْ اخْتِصَاصُهُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ إلَخْ لَا بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ لَمْ يَصِرْ أَحَقَّ بِهِ فِي غَيْرِهَا إذْ الْمُنَاسِبُ فِيهِ غَايَةٌ إنَّمَا هُوَ عَكْسُ مَا ذُكِرَ.
(قَوْلُهُ: كَمَا رَجَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ) أَيْ بِحَسَبِ مَا اقْتَضَاهُ سِيَاقُهُ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي الرَّوْضَةِ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَرْجِيحٍ.

وَحِينَئِذٍ فَلَا نَظَرَ لِأَفْضَلِيَّةِ الْقُرْبِ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ جِهَةِ الْيَمِينِ وَإِنْ انْحَصَرَ فِي مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ النَّهْيِ الشَّامِلِ لِهَذِهِ الصُّورَةِ فَزَالَ اخْتِصَاصُهُ عَنْهَا بِمُفَارَقَتِهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ حَتَّى لَا يَأْلَفَهَا فَيَقَعَ فِي رِيَاءٍ وَنَحْوِهِ، وَفَارَقَ مَقَاعِدَ الْأَسْوَاقِ بِأَنَّ غَرَضَ الْمُعَامَلَةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا، وَالصَّلَاةُ بِبِقَاعِ الْمَسْجِدِ لَا تَخْتَلِفُ، وَاعْتِرَاضُ الرَّافِعِيِّ بِأَنَّ ثَوَابَهَا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَكْثَرُ رُدَّ بِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ لَهُ مَوْضِعَهُ مِنْهُ وَأُقِيمَتْ لَزِمَ عَدَمُ اتِّصَالِ الصَّفِّ الْمُسْتَلْزِمِ لِنَقْصِهَا فَإِنَّ تَسْوِيَتَهُ مِنْ تَمَامِهَا وَمَجِيئُهُ فِي أَثْنَائِهَا لَا يَجْبُرُ الْخَلَلَ الْوَاقِعَ فِي أَوَّلِهَا وَبِأَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ لَا يَتَعَيَّنُ لَهُ مَحِلٌّ مِنْ الْمَسْجِدِ بَلْ هُوَ مَا يَلِي الْإِمَامَ فِي أَيِّ مَحِلٍّ كَانَ مِنْهُ، فَثَوَابُهُ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ بِاخْتِلَافِ بِقَاعِهِ، بِخِلَافِ مَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ فَإِنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ فِي ذَاتِهَا مِنْ حَيْثُ اخْتِصَاصِ بَعْضِهَا بِكَثْرَةِ الْوَارِدِينَ فِيهِ وَبِالْوِقَايَةِ مِنْ نَحْوِ حَرٍّ وَبَرْدٍ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ قَائِلَهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَجِيئِهِ قَبْلُ فَيَبْقَى حَقُّهُ وَبَيْنَ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ الْإِقَامَةِ فَيَبْطُلَ حَقُّهُ، وَهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ.
وَفَارَقَ أَيْضًا بَيْتَ الْمَدْرَسَةِ إذَا فَارَقَهُ سَاكِنُهُ بِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَا يُقْصَدُ السُّكْنَى فِيهِ، وَإِنَّمَا تُؤْلَفُ بِقَاعُهُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فِيهَا، بِخِلَافِ بُيُوتِ الْمَدَارِسِ تُقْصَدُ السُّكْنَى بِهَا فَاعْتُبِرَ مَا يُشْعِرُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا وَهُوَ الْغَيْبَةُ الطَّوِيلَةُ (فَلَوْ فَارَقَهُ) وَلَوْ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ فِيمَا يَظْهَرُ (لِحَاجَةٍ) كَقَضَاءِ حَاجَةٍ وَرُعَافٍ وَتَجْدِيدِ وُضُوءٍ وَإِجَابَةِ دَاعٍ (لِيَعُودَ لَمْ يَبْطُلْ اخْتِصَاصُهُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ) وَمَا أُلْحِقَ بِهَا (فِي الْأَصَحِّ) فَيَحْرُمَ عَلَى غَيْرِهِ الْعَالِمِ بِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَظَنَّ رِضَاهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ إزَارَهُ فِيهِ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ آنِفًا، وَالثَّانِي يَبْطُلُ كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ.
نَعَمْ إنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَاتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ فَالْوَجْهُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ سَدُّ الصَّفِّ مَكَانَهُ، وَمَا اسْتَثْنَاهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ حَقِّ السَّبَقِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَعَدَ خَلْفَ الْإِمَامِ وَلَيْسَ أَهْلًا لِلِاسْتِخْلَافِ أَوْ كَانَ ثَمَّ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْهُ بِالْإِمَامَةِ فَيُؤَخَّرُ وَيَتَقَدَّمُ الْأَحَقُّ بِمَوْضِعِهِ لِخَبَرِ " لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى " مَرْدُودٌ، إذْ الِاسْتِخْلَافُ نَادِرٌ وَلَا يَخْتَصُّ بِمَنْ هُوَ خَلْفَهُ، وَكَيْفَ يُتْرَكُ حَقٌّ ثَابِتٌ لِمُتَوَهِّمٍ عَلَى أَنَّ عُمُومَ كَلَامِهِمْ صَرِيحٌ فِي رَدِّهِ، وَلَا شَاهِدَ لَهُ فِي الْخَبَرِ وَلَا غَيْرِهِ كَمَا أَفْهَمهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِفَرْشِ سَجَّادَةٍ لَهُ قَبْلَ حُضُورِهِ فَلِلْغَيْرِ تَنْحِيَتُهَا بِرِجْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَهَا بِهَا عَنْ الْأَرْضِ لِئَلَّا تَدْخُلَ فِي ضَمَانِهِ وَلَوْ قِيلَ

[حاشية الشبراملسي]

فِيهِ الْعِلَلَ وَمَعَانِيَ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْجَالِسَ لَهُ يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ، وَمِثْلُهُ فِي عَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى مَا اعْتَادَهُ بَعْضُ الْفُقَرَاءِ مِنْ اتِّخَاذِ مَوْضِعٍ فِي الْمَسْجِدِ لِلذِّكْرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَثَلًا، فَإِذَا اجْتَمَعُوا نُظِرَ إنْ تَرَتَّبَ عَلَى اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ تَشْوِيشٌ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ فِي صَلَاتِهِمْ أَوْ قِرَاءَتِهِمْ مُنِعُوا مُطْلَقًا وَإِلَّا لَمْ يُمْنَعُوا مَا دَامُوا مُجْتَمَعِينَ فِيهِ، فَإِنْ فَارَقُوهُ سَقَطَ حَقُّهُمْ حَتَّى لَوْ عَادُوا فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَوَجَدُوا غَيْرَهُمْ سَبَقَهُمْ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ إقَامَتُهُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: لَمْ يَبْطُلُ اخْتِصَاصُهُ) يُفِيدُ أَنَّ مَنْ جَلَسَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَسْجِدِ لِقِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ ثُمَّ فَارَقَهُ لِحَاجَةٍ لِيَعُودَ لَمْ يَنْقَطِعْ حَقُّهُ، وَلَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ جَلَسَ مَكَانَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي أَرَادَ شَغْلَهُ بِتِلْكَ الْقِرَاءَةِ لَا فِي وَقْتٍ آخَرَ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: وَمِنْهُ مَا اُعْتِيدَ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الْمَصَاحِفِ الَّتِي تُوضَعُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَلَوْ أَحْدَثَ مَنْ يُرِيدُ الْقِرَاءَةَ فِيهِ فَقَامَ لِيَتَطَهَّرَ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ مَتَاعَهُ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ انْتَهَتْ قِرَاءَتُهُ فِي يَوْمٍ فَفَارَقَهُ ثُمَّ عَادَ فَلَا حَقَّ لَهُ (قَوْلُهُ: وَمَا أُلْحِقَ بِهَا) أَيْ مِمَّا اُعْتِيدَ فِعْلُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالْأَذْكَارِ وَنَحْوِهَا، أَوْ مَا أُلْحِقَ بِهَا مِنْ اسْتِمَاعِ الْحَدِيثِ وَالْوَعْظِ وَنَحْوِهِمَا، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أَرَادَ صَلَاةَ الضُّحَى أَوْ الْوَتْرَ فَفَعَلَ بَعْضَهَا ثُمَّ طَرَأَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَلَا يَنْقَطِعُ حَقُّهُ بِذَهَابِهِ إلَيْهَا لِأَنَّهَا كُلَّهَا تُعَدُّ صَلَاةً وَاحِدَةً، وَيَنْبَغِي أَنَّ النَّفَلَ الْمُطْلَقَ مِثْلُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: الْجُلُوسُ فِيهِ) وَيَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُلُوسِ عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُهُ مِنْهُ إذَا جَاءَ: أَمَّا إذَا جَلَسَ عَلَى وَجْهِ أَنَّهُ إذَا جَاءَ قَامَ لَهُ عَنْهُ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ اهـ سم.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحِلَّهُ حَيْثُ لَمْ يُؤَدِّ جُلُوسُهُ فِيهِ إلَى امْتِنَاعِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمَجِيءِ لَهُ حَيَاءً أَوْ خَوْفًا وَإِلَّا امْتَنَعَ (قَوْلُهُ: لِئَلَّا تَدْخُلَ فِي ضَمَانِهِ)

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بِحُرْمَةِ فَرْشِهَا كَمَا يُفْعَلُ بِالرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ وَخَلْفَ مَقَامِ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى نَبِيِّنَا لَمْ يَبْعُدْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ وَتَحْجِيرِ الْمَسْجِدِ، وَلَا نَظَرَ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْ تَنْحِيَتِهَا لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَهَابُ ذَلِكَ فَهُوَ قِيَاسُ حُرْمَةِ صَوْمِ الْمَرْأَةِ بِحَضْرَةِ زَوْجِهَا وَإِنْ كَانَ لَهُ قَطْعُهُ لِأَنَّهُ يَهَابُهُ عَلَى أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا لَا يَخْفَى، وَخَرَجَ بِالصَّلَاةِ جُلُوسُهُ لِاعْتِكَافِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ مُدَّةً بَطَلَ حَقُّهُ بِخُرُوجِهِ وَلَوْ لِحَاجَةٍ وَإِلَّا لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ بِخُرُوجِهِ أَثْنَاءَهَا لِحَاجَةٍ كَمَا لَوْ خَرَجَ لِغَيْرِهَا نَاسِيًا كَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيُسَنُّ مَنْعُ مَنْ جَلَسَ فِيهِ لِمُبَايَعَةٍ أَوْ حِرْفَةٍ وَيُمْنَعُ مَنْ هُوَ بِحَرِيمِهِ إنْ أَضَرَّ بِأَهْلِهِ، وَيُنْدَبُ مَنْعُ النَّاسِ مِنْ اسْتِطْرَاقِ حِلَقِ الْقُرَّاءِ وَالْفُقَهَاءِ فِي الْجَوَامِعِ وَغَيْرِهَا تَوْقِيرًا لَهُمْ

(وَلَوْ) (سَبَقَ رَجُلٌ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ رِبَاطٍ مُسَبَّلٍ) وَفِيهِ شَرْطٌ مَنْ يَدْخُلُهُ وَكَذَا الْبَاقِي (أَوْ فَقِيهٌ إلَى مَدْرَسَةٍ) أَوْ مُتَعَلِّمُ قُرْآنٍ إلَى مَا بُنِيَ لَهُ (أَوْ صُوفِيٌّ إلَى خَانِقَاهُ لَمْ يُزْعِجْ وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ) مِنْهُ (بِخُرُوجِهِ لِشِرَاءِ حَاجَةٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ الْأَعْذَارِ وَلَوْ لَمْ يَتْرُكْ مَتَاعًا وَلَا نَائِبًا وَيَأْذَنُ الْإِمَامُ لِعُمُومِ خَبَرِ مُسْلِمٍ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ نَاظِرٌ أَوْ اسْتَأْذَنَهُ وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَهُ، وَيُوَافِقُهُ اعْتِبَارُ الْمُصَنِّفِ كَابْنِ الصَّلَاحِ إذْنُهُ فِي سُكْنَى بُيُوتِ الْمَدْرَسَةِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ الْمُتَوَلِّي إذْنَهُ فِي ذَلِكَ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا اُعْتِيدَ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ، وَمَتَى عَيَّنَ الْوَاقِفُ مُدَّةً لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْيَدِ مَنْ هُوَ صِفَتُهُ لِأَنَّ الْعُرْفَ يَشْهَدُ بِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يُرِدْ شُغُورَ مَدْرَسَتِهِ، وَكَذَا كُلُّ شَرْطٍ شَهِدَ الْعُرْفُ بِتَخْصِيصِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُنْظَرُ إلَى الْغَرَضِ الْمُبْنَى لَهُ وَيُعْمَلُ بِالْمُعْتَادِ الْمُطَّرِدِ فِي مِثْلِهِ حَالَةَ الْوَقْفِ لِأَنَّ الْعَادَةَ الْمُطَّرِدَةَ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ إذَا عَلِمَ بِهَا تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ شَرْطِهِ فَيُزْعَجَ فَقِيهٌ تَرَكَ التَّعَلُّمَ وَصُوفِيٌّ تَرَكَ التَّعَبُّدَ، وَلَا يُزَادُ فِي رِبَاطِ مَارَّةٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَا لَمْ يَعْرِضْ نَحْوُ ثَلْجٍ

[حاشية الشبراملسي]

قَضِيَّةُ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَهَا عَدَمُ جَوَازِ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ لِئَلَّا تَدْخُلَ فِي إلَخْ يَقْتَضِي خِلَافَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا مَانِعَ مِنْ إزَالَتِهَا وَإِنْ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَمْ يَنْوِ مُدَّةً إلَخْ) قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّفْصِيلُ فِي الِاعْتِكَافِ أَنَّهُ لَوْ جَلَسَ لِقِرَاءَةٍ مَثَلًا، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ قَدْرًا بَطَلَ حَقُّهُ بِمُفَارَقَتِهِ وَإِلَّا لَمْ يَبْطُلْ بِذَلِكَ بَلْ يَبْطُلُ حَقُّهُ إلَى الْإِتْيَانِ بِمَا قَصَدَهُ وَإِنْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ وَعَادَ اهـ سم.
أَقُولُ: وَقَدْ يُمْنَعُ الْأَخْذُ بِأَنَّ الْمَسْجِدَ شَرْطُ الِاعْتِكَافِ، بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الِاعْتِكَافُ كَمَا يَصِحُّ فِي الْمَحِلِّ الَّذِي فَارَقَهُ يَصِحُّ فِي غَيْرِهِ، فَبِقَاعُ الْمَسْجِدِ بِالنِّسْبَةِ لِلِاعْتِكَافِ مُسْتَوِيَةٌ (قَوْلُهُ: بَطَلَ حَقُّهُ بِخُرُوجِهِ) وَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ نِيَّةَ الْمُدَّةِ لِيَكُونَ أَحَقَّ مِنْ غَيْرِهِ إذَا عَادَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَبْطُلُ حَقُّهُ بِخُرُوجِهِ وَإِنْ نَوَى الْعَوْدَ حَالَةَ الْخُرُوجِ وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ عَلَى نِيَّةِ أَنْ يَعُودَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ إذَا عَادَ، وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ مَنْعُ مَنْ جَلَسَ) أَيْ مَثَلًا، وَقَوْلُهُ فِيهِ: أَيْ الْمَسْجِدِ، وَقَوْلُهُ أَوْ حِرْفَةٌ: أَيْ لَا تَلِيقُ بِالْمَسْجِدِ كَخِيَاطَةٍ بِخِلَافِ نَسْخِ كُتُبِ الْعِلْمِ وَنَحْوِهَا (قَوْلُهُ: وَيُمْنَعُ مَنْ هُوَ إلَخْ) أَيْ فَيَحْرُم جُلُوسُهُ حِينَئِذٍ لِلْإِضْرَارِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ وَيُنْدَبُ مَنْعُ النَّاسِ) عِبَارَةُ حَجّ وَيُمْنَعُ مُسْتَطْرِقٌ لِحَلْقَةِ عِلْمٍ إلَخْ انْتَهَى: أَيْ نَدْبًا أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ.

(قَوْلُهُ: لَمْ يُرِدْ شُغُورَ مَدْرَسَتِهِ) أَيْ خُلُوَّهَا (قَوْلُهُ: يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ شَرْطِهِ) أَيْ إذْ لَوْ أَرَادَ خِلَافَهُ لَذَكَرَهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ جَوَابُ مَا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لَنَا تَمْكِينُ الذِّمِّيِّ مِنْ التَّخَلِّي وَالِاغْتِسَالِ فِي فَسْقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ إذَا كَانَتْ خَارِجَةً عَنْ الْمَسْجِدِ أَوْ يَمْتَنِعُ وَهُوَ الْجَوَازُ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا جَارٍ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ وَعِلْمِهِ وَلَمْ يَشْرِطْ فِي وَقْفِهِ مَا يُخَالِفُهُ.
[فَرْعٌ] لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ دُخُولُ كَنِيسَةٍ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهَا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَلَا يُزَادُ فِي رِبَاطِ مَارَّةٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ) أَيْ: بِأَنْ نَوَى مُدَّةً مُعَيَّنَةً

أَوْ خَوْفٍ فَيُقِيمَ إلَى انْقِضَائِهِ وَلِغَيْرِ أَهْلِ الْمَدْرَسَةِ مَا اُعْتِيدَ فِيهَا مِنْ نَحْوِ نَوْمٍ بِهَا وَطُهْرٍ وَشُرْبٍ مِنْ مَائِهَا مَا لَمْ يَنْقُصُ الْمَاءُ مِنْ حَاجَةِ أَهْلِهَا فِيمَا يَظْهَرُ، وَأَفْهَمَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْعَادَةِ أَنَّ بَطَالَةَ الْأَزْمِنَةِ الْمَعْهُودَةِ الْآنَ فِي الْمَدَارِسِ تَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ مَعْلُومِهَا حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ شَرْطُ وَاقِفهَا وَلَا مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّا مَرَّ، أَمَّا خُرُوجُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَيَبْطُلَ بِهِ حَقُّهُ كَمَا لَوْ كَانَ بِعُذْرٍ وَطَالَتْ غَيْبَتُهُ عُرْفًا، وَلِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِي زَمَنِ غَيْبَتِهِ الَّتِي يَبْقَى حَقُّهُ مَعَهَا عَلَى نَظِيرِ مَا مَرَّ.

(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ حُكْمِ الْأَعْيَانِ الْمُشْتَرَكَةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ الْأَرْضِ (الْمَعْدِنُ) هُوَ حَقِيقَةُ الْبُقْعَةِ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى جَوَاهِرَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعُدُونِ: أَيْ إقَامَةِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ فِيهَا، وَالْمُرَادُ مَا فِيهَا (الظَّاهِرُ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ) جَوْهَرُهُ (بِلَا عِلَاجٍ) فِي بُرُوزِهِ، وَإِنَّمَا الْعِلَاجُ فِي تَحْصِيلِهِ (كَنِفْطٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَيَجُوزُ فَتْحُهُ دُهْنٌ مَعْرُوفٌ (وَكِبْرِيتٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَصْلُهُ عَيْنٌ تَجْرِي فَإِذَا جَمَدَ مَاؤُهَا صَارَ كِبْرِيتًا وَأَعَزُّهُ الْأَحْمَرُ، وَيُقَالُ إنَّهُ مِنْ الْجَوَاهِرِ وَلِهَذَا يُضِيءُ فِي مَعْدِنِهِ (وَقَارٌ) أَيْ زِفْتٌ (وَمُومْيَا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِالْمَدِّ وَحُكِيَ الْقَصْرُ: شَيْءٌ يُلْقِيهِ الْمَاءُ فِي بَعْضِ السَّوَاحِلِ فَيَجْمُدَ وَيَصِيرَ كَالْقَارِ، وَقِيلَ حِجَارَةٌ سُودٌ بِالْيَمَنِ وَيُؤْخَذُ مِنْ عِظَامِ مَوْتَى الْكُفَّارِ شَيْءٌ يُسَمَّى بِذَلِكَ وَهُوَ نَجِسٌ أَيْ مُتَنَجِّسٌ (وَبِرَامٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ بُرْمَةٍ بِضَمِّهَا: حَجَرٌ يُعْمَلُ مِنْهُ قُدُورُ الطَّبْخِ (وَأَحْجَارُ رَحًى) وَنَوْرَةٌ وَمَدَرٌ وَمِلْحٌ مَائِيٌّ أَوْ جَبَلِيٌّ إنْ لَمْ يُحْوِجُ إلَى حَفْرٍ وَتَعَبٍ أَوْ أُلْحِقَ بِهِ قِطْعَةٌ نَحْوُ ذَهَبٍ أَظْهَرَهَا السَّيْلُ مِنْ مَعْدِنٍ (لَا يَمْلِكُ) بُقْعَةً وَنِيلًا بِالْإِحْيَاءِ لِمَنْ عَلِمَهُ قَبْلَ إحْيَائِهِ (وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ اخْتِصَاصٌ بِتَحَجُّرٍ وَلَا إقْطَاعٍ) بِالرَّفْعِ مِنْ نَحْوِ سُلْطَانٍ بَلْ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّاسِ مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ كَالْمَاءِ وَالْكَلَإِ لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ رَجُلًا مِلْحَ مَأْرَبَ» أَيْ مَدِينَةٍ قُرْبَ صَنْعَاءَ كَانَتْ بِهَا بِلْقِيسُ «فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ كَالْمَاءِ الْعِدِّ، قَالَ: فَلَا إذَنْ» وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْعِ إقْطَاعِ مَشَارِعِ الْمَاءِ وَهَذَا مِثْلُهَا بِجَامِعِ الْحَاجَةِ الْعَامَّةِ وَأَخْذِهَا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَيَمْتَنِعُ أَيْضًا إقْطَاعُ وَتَحَجُّرُ أَرْضٍ لِأَخْذِ نَحْوِ حَطَبِهَا وَصَيْدِهَا وَبِرْكَةٍ لِأَخْذِ سَمَكِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ نَفْيُ

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ يَجْلِسُ مَكَانَهُ إذَا خَرَجَ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَمَتَى عَيَّنَ الْوَاقِفُ إلَخْ (قَوْلُهُ: تَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ مَعْلُومِهَا) أَيْ مَعْلُومِ أَيَّامِ الْبَطَالَةِ اهـ (قَوْلُهُ: وَلَا مَا يَقُومُ مَقَامَهُ) الْمُرَادُ بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ مَا ذَكَرَهُ حَجّ فِي الْوَقْفِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْعِبْرَةُ فِيهَا: أَيْ الْبَطَالَةِ بِنَصِّ الْوَاقِفِ، وَإِلَّا فَبِعُرْفِ زَمَنِهِ الْمُطَّرِدِ الَّذِي عَرَفَهُ وَإِلَّا فَبِعَادَةِ مَحِلِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ (قَوْلُهُ: وَطَالَتْ غَيْبَتُهُ عُرْفًا) قَالَ فِي الْكَنْزِ: وَلَوْ اتَّخَذَهُ مَسْكَنًا أَزْعَجَ مِنْهُ اهـ سم: أَيْ عَلَى خِلَافِ غَرَضِ الْوَاقِفِ مِنْ إعْدَادِهِ لِلصُّوفِيَّةِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ لِيَسْتَعِينُوا بِسُكْنَاهُ عَلَى حُضُورِ الدَّرْسِ وَنَحْوِهِ.

(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ حُكْمِ الْأَعْيَانِ الْمُشْتَرَكَةِ (قَوْلُهُ: فِي بَيَانِ حُكْمِ إلَخْ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ كَقِسْمَةِ مَاءِ الْقَنَاةِ الْمُشْتَرَكَةِ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ مَا فِيهَا) أَيْ فَيَكُونُ مَجَازًا (قَوْلُهُ: فَإِذَا جَمَدَ) مِنْ بَابِ نَصَرَ وَدَخَلَ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: يُسَمَّى بِذَلِكَ) أَيْ وَلَيْسَ هُوَ مُرَادًا هُنَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَعَادِنِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ (قَوْلُهُ: وَأُلْحِقَ بِهِ) أَيْ الْمَعْدِنُ الظَّاهِرُ (قَوْلُهُ: كَالْمَاءِ الْعِدِّ) أَيْ الَّذِي لَهُ مَادَّةٌ لَا تَنْقَطِعُ كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ (قَوْلُهُ: وَلِلْإِجْمَاعِ) أَيْ فَلَا يَخْتَصُّ إذَنْ (قَوْلُهُ: وَبِرْكَةٌ) بِكَسْرِ الْبَاءِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ،

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَأَفْهَمَ مَا ذَكَرَهُ) أَيْ ابْنُ الصَّلَاحِ.

[فَصْل فِي بَيَانِ حُكْمِ الْأَعْيَان الْمُشْتَرَكَة الْمُسْتَفَادَة مِنْ الْأَرْضِ]

(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ حُكْمِ الْأَعْيَانِ الْمُشْتَرَكَةِ.
(قَوْلُهُ: مَأْرِبٌ) بِإِسْكَانِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ

إقْطَاعِ التَّمَلُّكِ وَالِارْتِفَاقِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ قَيَّدَ الزَّرْكَشِيُّ الْمَنْعَ بِالْأَوَّلِ، وَذَكَرَ فِي الْأَنْوَارِ أَنَّ مِنْ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ النَّاسُ الْمُمْتَنِعِ عَلَى الْإِمَامِ إقْطَاعُهُ الْأَيْكَةَ وَثِمَارَهَا وَصَيْدَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَجَوَاهِرِهِ، قَالَ غَيْرُهُ: وَمِنْهُ مَا يُلْقِيهِ الْبَحْرُ مِنْ الْعَنْبَرِ فَهُوَ لِآخِذِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَيْكَةِ وَثِمَارِهَا يُخَالِفُهُ مَا فِي التَّنْبِيهِ مِنْ أَنَّ مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا مَلَكَ مَا فِيهِ مِنْ النَّخْلِ وَإِنْ كَثُرَ.
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى قَصْدِ الْأَيْكَةِ دُونَ مَحِلِّهَا، وَالثَّانِي عَلَى قَصْدِ إحْيَاءِ الْأَرْضِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى ذَلِكَ فَيَدْخُلَ تَبَعًا، وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَرْضًا بِالْإِحْيَاءِ مَلَكَ مَا فِيهَا حَتَّى الْكَلَأَ، وَإِطْلَاقُهُمَا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا لَيْسَ فِي مَمْلُوكٍ وَعَلَى عَدَمِ مِلْكِهِ هُوَ أَحَقُّ بِهِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ الْإِحْيَاءِ فَيَمْلِكَهُ بُقْعَةً وَنِيلًا إجْمَاعًا عَلَى مَا حَكَاهُ الْإِمَامُ، وَأَمَّا مَا فِيهِ عِلَاجٌ كَمَا لَوْ كَانَ بِقُرْبِ السَّاحِلِ بُقْعَةٌ لَوْ حُفِرَتْ وَسِيقَ الْمَاءُ إلَيْهَا ظَهَرَ الْمِلْحُ فَيُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ وَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُهَا (فَإِنْ ضَاقَ نِيلُهُ) أَيْ الْحَاصِلُ مِنْهُ عَنْ اثْنَيْنِ تَسَابَقَا إلَيْهِ، وَمِثْلُهُ فِي هَذَا الْبَاطِنُ الْآتِي (قُدِّمَ السَّابِقُ) مِنْهُمَا لِسَبْقِهِ، وَإِنَّمَا يُقَدَّمُ (بِقَدْرِ حَاجَتِهِ) عُرْفًا فَلَهُ أَخْذُ مَا تَقْتَضِيهِ عَادَةُ أَمْثَالِهِ، وَيَبْطُلُ حَقُّهُ بِانْصِرَافِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا (فَإِنْ طَلَبَ زِيَادَةً) عَلَى حَاجَتِهِ (فَالْأَصَحُّ إزْعَاجُهُ) إنْ زُوحِمَ عَلَى الزِّيَادَةِ، لِأَنَّ عُكُوفَهُ عَلَيْهِ كَالتَّحَجُّرِ، وَالثَّانِي يَأْخُذُ مِنْهُ مَا شَاءَ لِسَبْقِهِ، وَفَارَقَ مَا مَرَّ فِي نَحْوِ مَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ بِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى الْمَعَادِنِ، وَمَحِلُّ الْخِلَافِ عِنْدَ انْتِفَاءِ إضْرَارِ الْغَيْرِ، وَإِلَّا أُزْعِجَ جَزْمًا (فَلَوْ جَاءَا) إلَيْهِ (مَعًا) أَوْ جَهِلَ السَّابِقُ وَلَمْ يَكْفِهِمَا الْحَاصِلُ مِنْهُ لِحَاجَتِهِمَا، أَوْ تَنَازَعَا فِي الِابْتِدَاءِ (أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فِي الْأَصَحِّ) لِانْتِفَاءِ الْمُرَجِّحِ، فَإِنْ وَسِعَهُمَا اجْتَمَعَا، وَلَيْسَ

[حاشية الشبراملسي]

وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ السُّيُوطِيّ أَنَّ فِيهِ لُغَةٌ بِضَمِّ الْبَاءِ (قَوْلُهُ: الْأَيْكَةَ) أَيْ وَهِيَ الْأَشْجَارُ النَّابِتَةُ فِي الْأَرَاضِي لَا مَالِكَ لَهَا اهـ حَجّ.
وَهِيَ أَوْضَحُ فِي الْمُرَادِ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْقَرْيَةِ لِشُمُولِهَا لِلْمَمْلُوكِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ لَا يُوَافِقُ الْجَمْعَ الْآتِيَ (قَوْلُهُ وَأَمَّا مَا فِيهِ عِلَاجٌ) قَضِيَّةُ إفْرَادِهِ بِالذِّكْرِ أَنَّهُ غَيْرُ الْبَاطِنِ الْآتِي، وَعَلَيْهِ فَمَا مَعْنَى كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ الظَّاهِرِ وَلَا مِنْ الْبَاطِنِ وَلَكِنَّهُ يَخْرُجُ بِعِلَاجٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ نَفْسِهَا مَعْدِنٌ لَكِنْ لِفَسَادِ تُرْبَتِهَا إذَا دَخَلَهَا الْمَاءُ وَاخْتَلَطَ بِتُرْبَتِهَا صَارَ الْمَاءُ الْمُخْتَلِطُ بِالتُّرَابِ مِلْحًا، فَالْأَرْضُ لَا مَعْدِنَ فِيهَا وَلَكِنَّهُ يَحْصُلُ بِإِجْرَاءِ الْمَاءِ إلَيْهَا فَجَازَ إحْيَاؤُهَا لِكَوْنِ الْمُحَيَّا أَرْضًا مُجَرَّدَةً (قَوْلُهُ: وَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُهَا) هَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْإِرْفَاقِ قِيَاسًا عَلَى الْبَاطِنِ الْآتِي أَوْ يَعُمُّهُ وَالتَّمْلِيكُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّهَا تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ وَلَوْ مَعَ الْعِلْمِ بِهَا وَلَيْسَ الْبَاطِنُ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: قُدِّمَ السَّابِقُ) أَيْ لَوْ ذِمِّيًّا، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ مَا يُوَافِقُهُ (قَوْلُهُ: بِقَدْرِ حَاجَتِهِ) هَلْ الْمُرَادُ حَاجَةُ يَوْمِهِ أَوْ أُسْبُوعِهِ أَوْ شَهْرِهِ أَوْ سَنَتِهِ أَوْ عُمُرِهِ الْغَالِبِ أَوْ عَادَةِ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ اهـ سم عَلَى حَجّ أَقُولُ: الْأَقْرَبُ اعْتِبَارُ الْعُمُرِ الْغَالِبَ كَمَا فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ، وَقَدْ يُقَالُ بَلْ الْأَقْرَبُ اعْتِبَارُ عَادَةِ النَّاسِ وَلَوْ لِلتِّجَارَةِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّكَاةِ بِأَنَّ النَّاسَ مُشْتَرِكُونَ فِي الْمَعْدِنِ بِالْأَصَالَةِ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْحَاجَةِ وَمِنْ ثَمَّ امْتَنَعَتْ عَلَى الْغَنِيِّ بِمَالٍ أَوْ كَسْبٍ بِخِلَافِ الْمَعْدِنِ (قَوْلُهُ: فَالْأَصَحُّ إزْعَاجُهُ) أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَخَذَ شَيْئًا قَبْلَ الْإِزْعَاجِ هَلْ يَمْلِكُهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ حِينَ أَخَذَهُ كَانَ مُبَاحًا (قَوْلُهُ: إنْ زُوحِمَ) أَيْ فَإِنْ لَمْ يُزَاحَمْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، لَكِنَّ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِأَنَّ عُكُوفَهُ عَلَيْهِ كَالتَّحَجُّرِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فَإِنَّهُ مَا دَامَ مُقِيمًا عَلَيْهِ يُهَابُ فَلَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَإِنْ احْتَاجَ مَا دَامَ مُقِيمًا (قَوْلُهُ: أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ وُجُوبًا، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ لِانْتِفَاءِ الْمُرَجِّحِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: الْأَيْكَةِ) وَهِيَ الْأَشْجَارُ النَّابِتَةُ فِي الْأَرْضِ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا (قَوْلُهُ: عَلَى مَا حَكَاهُ الْإِمَامُ) التَّبَرِّي إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِحِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ خَاصَّةً، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ مُسَلَّمٌ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي

لِأَحَدٍ أَخْذُ أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ بِرِضَاهُ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَخْذِ الْأَكْثَرِ مِنْ الْبُقْعَةِ لَا النِّيلِ إذْ لَهُ أَخْذُ الْأَكْثَرِ مِنْهُ، وَلَا فَرْقَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بَيْنَ أَخْذِ أَحَدِهِمَا لِلتِّجَارَةِ وَالْآخَرِ لِلْحَاجَةِ أَوْ لَا.
نَعَمْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالْآخَرُ ذِمِّيًّا قُدِّمَ الْمُسْلِمُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي نَظِيرِ مَا مَرَّ فِي مَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ وَيُقَدِّمُ مَنْ يَرَاهُ أَحْوَجَ، وَقِيلَ يَنْصِبُ مَنْ يَقْسِمُ الْحَاصِلَ بَيْنَهُمَا (وَالْمَعْدِنُ الْبَاطِنُ وَهُوَ مَا لَا يَخْرُجُ إلَّا بِعِلَاجٍ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ) وَرَصَاصٍ وَفَيْرُوزَجَ وَعَقِيقٍ وَسَائِرِ الْجَوَاهِرِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الْأَرْضِ، وَعَدَّ فِي التَّنْبِيهِ الْيَاقُوتَ مِنْ الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ، وَجَرَى عَلَيْهِ الدَّمِيرِيُ، وَالْمَجْزُومُ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا أَنَّهُ مِنْ الْبَاطِنَةِ (لَا يُمْلَكُ) مَحِلُّهُ (بِالْحَفْرِ وَالْعَمَلِ) مُطْلَقًا وَلَا بِالْإِحْيَاءِ فِي مَوَاتٍ عَلَى مَا يَأْتِي (فِي الْأَظْهَرِ كَالظَّاهِرِ) . وَالثَّانِي يُمْلَكُ بِذَلِكَ إذَا قُصِدَ التَّمَلُّكُ كَالْمَوَاتِ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الْمَوَاتَ يُمْلَكُ بِالْعِمَارَةِ وَحَفْرُ الْمَعْدِنِ تَخْرِيبٌ، وَلِأَنَّ الْمَوَاتَ إذَا مُلِكَ يَسْتَغْنِي الْمُحْيِي عَنْ الْعَمَلِ وَالنِّيلُ مَبْثُوثٌ فِي طَبَقَاتِ الْأَرْضِ يَحُوجُ كُلَّ يَوْمٍ إلَى حَفْرٍ وَعَمَلٍ وَخَرَجَ بِمَحِلِّهِ نِيلُهُ فَيُمْلَكُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ بِالْأَخْذِ قَطْعًا لَا قَبْلَ الْأَخْذِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَفْهَمَ سُكُوتُهُ هُنَا عَنْ الْإِقْطَاعِ جَوَازَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِرْفَاقِ لَا لِلتَّمَلُّكِ.
نَعَمْ لَا يَثْبُتُ فِيهِ اخْتِصَاصٌ بِتَحَجُّرٍ كَالظَّاهِرِ.

(وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَظَهَرَ فِيهِ مَعْدِنٌ بَاطِنٌ مَلَكَهُ) بُقْعَةً وَنِيلًا لِكَوْنِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ بِالْإِحْيَاءِ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ هُنَا بِخِلَافِ الرِّكَازِ لَيْسَ فِي مَحِلِّهِ وَمَعَ مِلْكِهِ لِلْبُقْعَةِ يَمْلِكُ مَا فِيهَا قَبْلَ أَخْذِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ السُّبْكِيّ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ خِلَافًا لِلْجَوْجَرِيِّ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ فَظَهَرَ الْمُشْعِرُ بِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ حَالَ إحْيَائِهِ مَا لَوْ عَلِمَهُ وَبَنَى عَلَيْهِ دَارًا مَثَلًا فَلَا يَمْلِكُ شَيْئًا فِي أَرْجَحِ الطَّرِيقَيْنِ لِفَسَادِ الْقَصْدِ خِلَافًا لِمَا فِي الْكِفَايَةِ، وَخَرَجَ بِالظَّاهِرِ الْبَاطِنُ فَلَا يَمْلِكُهُ بِالْإِحْيَاءِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ إنْ عَلِمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ مَلَكَهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَعْدِنَيْنِ حُكْمُهُمَا وَاحِدٌ وَبُقْعَتُهُمَا لَا يَمْلِكُهَا بِالْإِحْيَاءِ مَعَ عِلْمِهِ، إذْ الْمَعْدِنُ لَا يُتَّخَذُ دَارًا وَلَا مَزْرَعَةً وَلَا بُسْتَانًا، وَتَخْصِيصُ الْمُصَنِّفِ الْمَعْدِنَ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِ الْكَلَامِ فِيهِ، وَإِلَّا فَمَنْ مَلَكَ أَرْضًا مَلَكَ طَبَقَاتِهَا حَتَّى الْأَرْضَ السَّابِعَةَ.

(وَالْمِيَاهُ الْمُبَاحَةُ) بِأَنْ لَمْ تُمْلَكْ (مِنْ الْأَوْدِيَةِ) كَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ (وَالْعُيُونِ) الْكَائِنَةِ (فِي الْجِبَالِ)

[حاشية الشبراملسي]

مُسْلِمًا قُدِّمَ كَمَا مَرَّ، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ) هِيَ لِلْقَمُولِيِّ (قَوْلُهُ: قُدِّمَ الْمُسْلِمُ) أَيْ وَإِنَّ اشْتَدَّتْ حَاجَةُ الذِّمِّيِّ لِأَنَّ ارْتِفَاقَهُ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ التَّبَعِ لَنَا (قَوْلُهُ: وَعَدَّ فِي التَّنْبِيهِ الْيَاقُوتَ إلَخْ) حَمَلَ سم عَلَى حَجّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ مِنْ الظَّاهِرِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَحْجَارُهُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مِنْ الْبَاطِنِ عَلَى نَفْسِ الْيَاقُوتِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَالْعَمَلُ) هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْحَفْرِ (قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ لِلْإِرْفَاقِ) لَا يُنَافِي هَذَا مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ نَفْيُ إقْطَاعِ التَّمَلُّكِ وَالِارْتِفَاقِ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَخْ، لِأَنَّ ذَاكَ فِي الظَّاهِرِ وَهَذَا فِي الْبَاطِنِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَا هُنَا لَمَّا كَانَ يُحْوِجُ إلَى تَعَبٍ لَمْ يَكُنْ كَالْحَاصِلِ فَجَازَ إقْطَاعُهُ لِلْإِرْفَاقِ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ

(قَوْلُهُ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ) أَيْ حَجّ (قَوْلُهُ: يَمْلِكُ مَا فِيهَا قَبْلَ أَخْذِهِ) خِلَافًا لِحَجِّ (قَوْلُهُ فَلَا يَمْلِكُ شَيْئًا) أَيْ وَيَلْزَمُ بِإِزَالَةِ الْبِنَاءِ إنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ الْأَخْذَ (قَوْلُهُ: فِي أَرْجَحِ الطَّرِيقَيْنِ) خِلَافًا لِحَجِّ (قَوْلُهُ: لِفَسَادِ الْقَصْدِ) وَهُوَ حِرْمَانُ غَيْرِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ

(قَوْلُهُ: وَالْمِيَاهُ الْمُبَاحَةُ إلَخْ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ: وَهِيَ أَيْ الْمِيَاهُ قِسْمَانِ: مُخْتَصَّةٌ، وَغَيْرُهَا، فَغَيْرُ الْمُخْتَصَّةِ كَالْأَوْدِيَةِ وَالْأَنْهَارِ فَالنَّاسُ فِيهَا سَوَاءٌ، ثُمَّ قَالَ: فَرْعٌ: وَعِمَارَةُ هَذِهِ الْأَنْهَارِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلِكُلٍّ: أَيْ مِنْ النَّاسِ بِنَاءُ قَنْطَرَةٍ وَرَحًى عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ فِي مَوَاتٍ أَوْ فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْعُمْرَانِ فَالْقَنْطَرَةُ كَحَفْرِ الْبِئْرِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الشَّارِعِ، وَالرَّحَى

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْمَوَاتَ إذَا مُلِكَ إلَخْ) عِبَارَةُ الْقُوتِ: وَلِأَنَّ الْمَوَاتَ إذَا مُلِكَ لَا يَحْتَاجُ فِي تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ إلَى مِثْلِ الْعَمَلِ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الْمَعْدِنِ

(قَوْلُهُ: فَلَا يَمْلِكُ شَيْئًا فِي أَرْجَحِ الطَّرِيقَيْنِ) أَيْ: لَا مِنْ الْبُقْعَةِ لِمَا يَأْتِي، وَلَا مِنْ النِّيلِ كَمَا يُعْلَمُ

وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَوَاتِ وَسُيُولِ الْأَمْطَارِ (يَسْتَوِي النَّاسُ فِيهَا) لِخَبَرِ «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءُ، وَالْكَلَأُ، وَالنَّارُ» وَصَحَّ «ثَلَاثَةٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ» فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَحَجُّرُهَا وَلَا لِلْإِمَامِ إقْطَاعُهَا بِالْإِجْمَاعِ وَعِنْدَ الِازْدِحَامِ مَعَ ضِيقِ الْمَاءِ أَوْ مُشْرَعِهِ يُقَدَّمُ الْأَسْبَقُ وَإِلَّا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ لِلْقَارِعِ تَقْدِيمُ دَوَابِّهِ عَلَى الْآدَمِيِّينَ، إذْ الظَّامِئُ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ وَطَالِبُ الشُّرْبِ عَلَى طَالِبِ السَّقْيِ، وَمَا جُهِلَ أَصْلُهُ وَهُوَ تَحْتَ يَدِ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْإِبَاحَةِ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ.
وَمَحِلُّهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ إذَا كَانَ مَنْبَعُهُ مِنْ مَمْلُوكٍ لَهُمْ، بِخِلَافِ مَا مَنْبَعُهُ بِمَوَاتٍ أَوْ يَخْرُجُ مِنْ نَهْرٍ عَامٍّ كَدِجْلَةَ فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ، وَيُعْمَلُ فِيمَا جُهِلَ قَدْرُهُ وَوَقْتُهُ وَكَيْفِيَّتُهُ فِي الْمَشَارِبِ وَالْمُسَاقَى وَغَيْرِهَا بِالْعَادَةِ الْمُطَّرِدَة لِأَنَّهَا مُحَكَّمَةٌ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ مَنْ كَانَ لِأَرْضِهِ شِرْبٌ مِنْ مَاءٍ مُبَاحٍ فَعَطَّلَهُ آخَرُ بِأَنْ أَحْدَثَ مَا يَنْحَدِرُ بِهِ الْمَاءُ عَنْهُ تَأْثِيمُ فَاعِلِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ مُدَّةَ تَعْطِيلِهَا لَوْ سُقِيَتْ بِذَلِكَ الْمَاءِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَقَدْ جَرَى جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِثَلَاثَةٍ ثَلَاثُ مَسَاقٍ مِنْ مَاءٍ مُبَاحٍ أَعْلَى وَأَوْسَطَ وَأَسْفَلَ

[حاشية الشبراملسي]

يَجُوزُ بِنَاؤُهَا إنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمُلَّاكِ انْتَهَى.
وَفِيهِ أُمُورٌ: مِنْهَا أَنَّهُ يُسْتَفَادُ جَوَازُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ بِنَاءِ السَّوَاقِي بِحَافَّاتِ النِّيلِ لِقَوْلِهِ لِكُلٍّ بِنَاءُ قَنْطَرَةٍ وَرَحًى عَلَيْهَا، بَلْ وَبِحَافَّاتِ الْخَلِيجِ بَيْنَ عُمْرَانِ الْقَاهِرَةِ لِقَوْلِهِ وَالرَّحَى يَجُوزُ بِنَاؤُهَا إلَخْ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ جَوَازِ الرَّحَى فِي الْمَوَاتِ بِأَنْ لَا يَضُرَّ الْمُنْتَفِعُ بِالنَّهْرِ لِأَنَّ حَرِيمَ النَّهْرِ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا يَضُرُّ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ كَمَا تَقَرَّرَ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يُشْكِلُ جَوَازُ بِنَاءِ الْقَنْطَرَةِ وَالرَّحَى فِي الْمَوَاتِ وَالْعُمْرَانِ بِامْتِنَاعِ إحْيَاءِ حَرِيمِ النَّهْرِ وَالْبِنَاءِ فِيهِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُمْتَنَعَ التَّمَلُّكُ بِالْإِحْيَاءِ.
وَأَمَّا مُجَرَّدُ الِانْتِفَاعِ بِحَرِيمِهِ بِشَرْطِ عَدَمِ الضَّرَرِ فَلَا مَانِعَ مِنْهُ وَقَدْ يَقْضِي هَذَا جَوَازَ بِنَاءِ نَحْوِ بَيْتٍ فِي حَرِيمِهِ لِلِارْتِفَاقِ حَيْثُ لَا تَضَرُّرَ لِأَحَدٍ بِهِ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي بِنَاءِ بَيْتٍ بِمِنًى لِذَلِكَ حَيْثُ لَا تَضَرُّرَ بِهِ.
وَمِنْهَا أَنَّ قَضِيَّةَ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ فِي الْمَوَاتِ بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَهُ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً: أَوْ لِعُمُومِ النَّاسِ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بِنَاءُ الْقَنْطَرَةِ وَمَنْعُ النَّاسِ مِنْ الْمُرُورِ عَلَيْهَا لَكِنْ عَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ بِقَوْلِهِ قَنْطَرَةٍ لِعُبُورِ النَّاسِ اهـ. وَقَالَ فِي الرَّحَى بَيْنَ الْعُمْرَانِ إذَا لَمْ تَضُرَّ، وَأَصَحُّهُمَا: أَيْ الْوَجْهَيْنِ الْجَوَازُ كَإِشْرَاعِ الْجَنَاحِ فِي السِّكَّةِ النَّافِذَةِ اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ) عِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ: فِي الْمَاءِ (قَوْلُهُ: أَوْ مُشْرَعِهِ) أَيْ طَرِيقِهِ (قَوْلُهُ: مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ وَلَوْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى هَلَاكِ الدَّوَابِّ حَيْثُ كَانَ الْآدَمِيُّ مُضْطَرًّا (قَوْلُهُ: مَاءٌ مَنْبَعُهُ بِمَوَاتٍ) بَقِيَ مَا لَوْ جُهِلَ مَنْبَعُهُ اهـ سم.
أَقُولُ: الْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَوْ جُهِلَ أَصْلُهُ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ) أَيْ مَا لَمْ يَدْخُلْ لِمَحِلٍّ يَخْتَصُّ بِهِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَكَالْأَخَذِ فِي إنَاءِ سَوْقِهِ لِنَحْوِ بِرْكَةٍ أَوْ حَوْضٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: مُدَّةَ تَعْطِيلِهَا) هَذَا قَدْ يُخَالِفُ مَا مَرَّ فِي أَوَّلِ الْغَصْبِ مِنْ قَوْلِهِ وَمَدَارُهُ: أَيْ الْغَصْبِ عَلَى الْعُرْفِ فَلَيْسَ مِنْهُ مَنْعُ الْمَالِكِ مِنْ سَقْيِ زَرْعِهِ أَوْ مَاشِيَتِهِ حَتَّى تَلِفَ فَلَا ضَمَانَ لِانْتِفَاءِ الِاسْتِيلَاءِ سَوَاءٌ أَقَصَدَ مَنْعَهُ عَنْهُ أَمْ لَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَفَارَقَ هَذَا هَلَاكَ وَلَدِ

[حاشية الرشيدي]

مِمَّا يَأْتِي أَيْضًا مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْمَعْدِنَيْنِ وَاحِدٌ

(قَوْلُهُ: إذْ الظَّامِئُ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ) كَانَ حَقُّ التَّعْلِيلِ إذْ الْآدَمِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَعَطْشَانُ عَلَى غَيْرِهِ وَطَالِبُ شُرْبٍ عَلَى طَالِبِ سَقْيٍ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ) أَيْ: إذْ الصُّورَةُ أَنَّهُ يَدْخُلُ إلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ بِلَا سَوْقٍ فَلَا يُنَافِيهِ مَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَكَالْأَخَذِ فِي إنَاءٍ سَوْقُهُ لِنَحْوِ بِرْكَةٍ أَوْ حَوْضٍ مَسْدُودٍ، فَمَا هُنَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ الْآتِي أَيْضًا وَخَرَجَ بِمَا تَقَرَّرَ دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ بِنَحْوِ سَيْلٍ وَلَوْ بِحَفْرِ نَهْرٍ حَتَّى دَخَلَ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ فِي حَاشِيَتِهِ قَوْلُهُ: أَيْ: الشَّارِحِ فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ: أَيْ مَا لَمْ يَدْخُلْ بِمَحَلٍّ يَخْتَصُّ بِهِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَكَالْأَخَذِ فِي إنَاءٍ سَوْقُهُ لِنَحْوِ بِرْكَةٍ أَوْ حَوْضٍ إلَخْ اهـ. فَيُقَالُ فِيهِ هَذَا الْأَخْذُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِاخْتِلَافِ الْمَأْخَذِ الَّذِي أَشَرْتُ إلَيْهِ الْمَعْلُومُ مِمَّا يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى أَنَّ حَمْلَهُ الْمَذْكُورَ لَا يَصِحُّ إذْ هُوَ عَيْنُ الْمَسْأَلَةِ هُنَا كَمَا يُعْلَمُ بِالتَّأَمُّلِ

فَأَرَادَ ذُو الْأَعْلَى أَنْ يَسْقِيَ مِنْ الْأَوْسَطِ بِرِضَا صَاحِبِهِ كَانَ لِذِي الْأَسْفَلِ مَنْعُهُ لِئَلَّا يَتَقَادَمَ ذَلِكَ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ لَهُ شِرْبًا مِنْ الْأَوْسَطِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ أَرْضَانِ عُلْيَا فَوُسْطَى وَبِسُفْلَى لِآخَرَ شِرْبٌ مِنْ مُبَاحٍ كَذَلِكَ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ لِلثَّانِيَةِ شِرْبًا مُسْتَقِلًّا لِيَشْرَبَا مَعًا ثُمَّ يُرْسِلَ لِمَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ وَأَرَادَ هَذَا مَنْعَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهِ تَأْخِيرٌ لِسَقْيِ أَرْضِهِ، بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ وُصُولُ الْمَاءِ إلَيْهِ إذَا شَرِبَا مَعًا أَسْرَعُ مِنْهُ إذَا شَرِبَا مُرَتَّبًا (فَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ سَقْيَ أَرَضَهُمْ) بِفَتْحِ الرَّاءِ بِلَا أَلِفٍ (مِنْهَا) أَيْ الْمِيَاهِ الْمُبَاحَةِ (فَضَاقَ سَقْيُ الْأَعْلَى) وَإِنْ زَادَ عَلَى مَرَّةٍ لِأَنَّ الْمَاءَ مَا لَمْ يُجَاوِزْ أَرْضَهُ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مَا دَامَتْ لَهُ بِهِ حَاجَةٌ (فَالْأَعْلَى) وَإِنْ هَلَكَ زَرْعُ الْأَسْفَلِ قَبْلَ انْتِهَاءِ النَّوْبَةِ إلَيْهِ فَإِنْ اتَّسَعَ سَقَى مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ، هَذَا كُلُّهُ إنْ أَحْيَوْا مَعًا أَوْ جُهِلَ الْحَالُ.
أَمَّا لَوْ كَانَ الْأَسْفَلُ أَسْبَقَ إحْيَاءً فَهُوَ الْمُقَدَّمُ، بَلْ لَهُ مَنْعُ مَنْ أَرَادَ إحْيَاءَ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى النَّهْرِ وَسَقْيَهُ مِنْهُ عِنْدَ الضِّيقِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَصَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ لِئَلَّا يُسْتَدَلَّ بِقُرْبِهِ بَعْدُ عَلَى أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ ثُمَّ مَنْ وَلِيَهُ فِي الْإِحْيَاءِ وَهَكَذَا، وَلَا عِبْرَةَ حِينَئِذٍ بِالْقُرْبِ مِنْ النَّهْرِ، وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْأَعْلَى الْمُحْيِي قَبْلَ الثَّانِي وَهَكَذَا لَا الْأَقْرَبُ إلَى النَّهْرِ، وَعَبِّرُوا بِذَلِكَ جَرْيًا عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ مَنْ أَحْيَا يَتَحَرَّى قُرْبَهَا مِنْ الْمَاءِ مَا أَمْكَنَ لِمَا فِيهِ مِنْ سُهُولَةِ السَّقْيِ وَخِفَّةِ الْمُؤْنَةِ وَقُرْبِ عُرُوقِ الْغِرَاسِ مِنْ الْمَاءِ، وَلَوْ اسْتَوَتْ أَرَضُونَ فِي الْقُرْبِ لِلنَّهْرِ وَجُهِلَ الْمُحْيِي أَوْ لَا أُقْرِعَ لِلتَّقَدُّمِ (وَحَبَسَ كُلُّ وَاحِدٍ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ) لِقَضَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِمَا ذُكِرَ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ جَانِبُ الْكَعْبِ الْأَسْفَلِ وَمُخَالَفَةُ غَيْرِهِ لَهُ مُحْتَجًّا بِآيَةِ الْوُضُوءِ مَرْدُودَةٌ بِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى دُخُولِ الْمُغَيَّا فِي تِلْكَ خَارِجِيٌّ وُجِدَ ثُمَّ لَا هُنَا، وَالتَّقْدِيرُ بِهِمَا هُوَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ

[حاشية الشبراملسي]

شَاةٍ ذَبَحَهَا بِأَنَّهُ ثَمَّ أَتْلَفَ غَدَاءً لِلْوَلَدِ الْمُتَعَيَّنِ لَهُ بِإِتْلَافِ أُمِّهِ بِخِلَافِهِ هُنَا، وَبِهَذَا الْفَرْقِ يَتَأَيَّدُ مَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَغَيْرِهِ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ السَّمْنَ، وَيَأْتِي قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ سَقْيَ أَرَاضِيهِمْ فِيمَنْ عَطَّلَ شُرْبَ مَاءِ الْغَيْرِ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وَأَرَادَ بِمَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ مَا ذَكَرَهُ حَجّ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَفْتَى أَيْضًا ابْنُ الصَّلَاحِ بِضَمَانِ شَرِيكِ غَوَّرَ مَاءَ عَيْنٍ مِلْكٍ لَهُ وَلِشُرَكَائِهِ فَيَبِسَ مَا كَانَ يُسْقَى بِهَا مِنْ الشَّجَرِ.
وَقَدْ يُقَالُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ مَفْرُوضٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِيمَا أَدَّى حَبْسُهُ إلَى فَسَادِ الشَّجَرِ نَفْسِهِ، وَمَا هُنَا فِيمَا لَوْ عَطَّلَ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ بِأَنْ أَيْبَسَهَا بِحَيْثُ لَا تَصِحُّ لِلزِّرَاعَةِ (قَوْلُهُ كَذَلِكَ) أَيْ لَهُ ثَلَاثُ مَسَاقٍ، وَقَوْلُهُ " وَأَرَادَ هَذَا " اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ ثُمَّ يُرْسِلُ إلَى أَسْفَلَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ زَادَ عَلَى مَرَّةٍ) وَظَاهِرُهُ وَإِنْ تَلِفَ زَرْعُ غَيْرِهِ فِي مُدَّةِ سَقْيِهِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ هَلَكَ إلَخْ (قَوْلُهُ: بَلْ مُنِعَ مَنْ أَرَادَ إحْيَاءَ أَقْرَبَ مِنْهُ) فِي الْخَادِمِ: فَرْعٌ أَرْضٌ لَهَا شِرْبٌ مِنْ نَهْرٍ فَقَصَدَ مَالِكُهَا حَفْرَ سَاقِيَةٍ إلَى نَهْرٍ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ لَا اسْتِحْقَاقَ لَهُ فِيهِ وَسَدَّهُ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ كَنَظِيرِهِ مِنْ الْأَبْوَابِ إلَى الشَّارِعِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ اهـ؟ قُلْت: وَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ إنْ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ تَضْيِيقٌ عَلَى السَّابِقِينَ بِالْإِحْيَاءِ الْمُسْتَحَقِّينَ السَّقْيَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ أَوْ كَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى ذَلِكَ النَّهْرِ مِنْهُمْ امْتَنَعَ، وَإِلَّا فَلَا أَخْذًا مِمَّا تَقَرَّرَ فَتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّ مَنْ أَحْيَا) أَيْ أَوَّلًا (قَوْلُهُ: هُوَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ) عِبَارَةُ حَجّ: وَاعْتَرَضُوا بِأَنَّ الْوَجْهَ أَنَّهُ قَدْ يُرْجَعُ فِي قَدْرِ السَّقْيِ لِلْعَادَةِ وَالْحَاجَةِ لِاخْتِلَافِهِمَا زَمَنًا وَمَكَانًا، فَاعْتُبِرَتْ فِي حَقِّ أَهْلِ كُلِّ مَحِلٍّ بِمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ عِنْدَهُمْ وَالْخَبَرُ جَارٍ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ قِيلَ النَّخْلُ إنْ أُفْرِدَتْ كُلٌّ بِحَوْضٍ فَالْعَادَةُ مِلْؤُهُ وَإِلَّا اُتُّبِعَتْ تِلْكَ الْأَرْضُ اهـ: وَلَا حَاجَةَ لِهَذَا التَّفْصِيلِ إلَخْ اهـ.

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: كَانَ لِذِي الْأَسْفَلِ مَنْعُهُ) كَأَنَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ شَرِيكَ أَرْبَعَةٍ فِي الْمَعْنَى بَعْدَ أَنْ كَانَ شَرِيكَ اثْنَيْنِ، وَلَعَلَّ الصُّورَةَ عِنْدَ الضِّيقِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشِّهَابَ حَجّ نَظَرَ فِي هَذَا الْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ: وَسَقْيُهُ مِنْهُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَنْ فِي قَوْلِهِ

مِنْ كَوْنِ الْوَجْهِ الرُّجُوعَ فِي السَّقْيِ لِلْعَادَةِ وَالْحَاجَةِ لِاخْتِلَافِهِمَا زَمَنًا وَمَكَانًا، فَاعْتُبِرَتْ فِي حَقِّ أَهْلِ كُلِّ مَحِلٍّ بِمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ عِنْدَهُمْ، وَالْخَبَرُ جَارٍ عَلَى عَادَةِ الْحِجَازِ، فَقَدْ قِيلَ إنَّ النَّخْلَ إنْ أُفْرِدَتْ كُلٌّ بِحَوْضٍ فَالْعَادَةُ مِلْؤُهُ وَإِلَّا اُتُّبِعَتْ عَادَةُ تِلْكَ الْأَرْضِ، يُقَالُ عَلَيْهِ لَا حَاجَةَ لِهَذَا التَّفْصِيلِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ قِسْمَيْهِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ فِي مِثْلِهِ فَكَلَامُهُمْ شَامِلٌ لَهُ (فَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ) الْوَاحِدَةِ (ارْتِفَاعٌ) مِنْ طَرَفٍ (وَانْخِفَاضٌ) مِنْ طَرَفٍ (أُفْرِدَ كُلُّ طَرَفٍ بِسَقْيٍ) لِئَلَّا يَزِيدَ الْمَاءُ فِي الْمُخَفَّضَةِ عَلَى الْكَعْبَيْنِ لَوْ سَقَيَا مَعًا فَيُسْقَى أَحَدُهُمَا حَتَّى يَبْلُغَهُمَا ثُمَّ يُسَدَّ عَنْهَا وَيُرْسِلَهُ إلَى الْآخَرِ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْبُدَاءَةُ بِالْأَسْفَلِ بَلْ لَوْ عُكِسَ جَازَ، وَمُرَادُهُمْ أَنْ لَا تَزِيدَ الْمُسْتَقِلَّةُ عَلَى الْكَعْبَيْنِ كَمَا مَرَّ وَهُوَ وَاضِحٌ (وَمَا أُخِذَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ) الْمُبَاحِ (فِي إنَاءٍ مِلْكٌ عَلَى الصَّحِيحِ) بَلْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَلَا يَصِيرُ بِإِعَادَتِهِ إلَيْهِ شَرِيكًا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ، وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ حُرْمَةِ صَبِّهِ عَلَيْهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَمْيِ الْمَالِ فِيهِ ظَاهِرٌ، وَكَالْأَخَذِ فِي إنَاءِ سَوْقِهِ لِنَحْوِ بِرْكَةٍ أَوْ حَوْضٍ مَسْدُودٍ، وَكَذَا دُخُولُهُ فِي كِيزَانِ دُولَابِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ.
وَالثَّانِي لَا يُمْلَكُ الْمَاءُ بِحَالٍ بَلْ يَكُونُ بِإِحْرَازِهِ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَخَرَجَ بِمَا تَقَرَّرَ دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ بِنَحْوِ سَيْلٍ وَلَوْ بِحَفْرِ نَهْرٍ حَتَّى دَخَلَ فَلَا يَمْلِكُهُ بِدُخُولِهِ.
نَعَمْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، بَلْ جَرْيًا فِي مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُهُ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا أَحْرَزَ مَحِلَّهُ بِالْقَفْلِ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ (وَحَافِرُ بِئْرٍ بِمَوَاتِ الِارْتِفَاقِ) لِنَفْسِهِ بِشُرْبِهِ أَوْ شُرْبِ دَوَابِّهِ مِنْهُ لَا لِلتَّمَلُّكِ (أَوْلَى بِمَائِهَا) مِنْ غَيْرِهِ فِيمَا يَحْتَاجُهُ مِنْهُ وَلَوْ لِسَقْيِ زَرْعِهِ (حَتَّى يَرْتَحِلَ) لِسَبْقِهِ إلَيْهِ، فَإِنْ ارْتَحَلَ بَطَلَتْ أَحَقِّيَّتُهُ وَإِنْ عَادَ.
وَمَحِلُّهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ مَا لَمْ يَرْتَحِلْ بِنِيَّةِ الْعَوْدِ وَلَمْ تَطُلْ غَيْبَتُهُ.
وَأَمَّا حَفْرُهَا لِارْتِفَاقِ

[حاشية الشبراملسي]

وَهِيَ أَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: مِنْ كَوْنِ الْوَجْهِ الرُّجُوعَ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: فَاعْتُبِرَتْ) أَيْ الْحَاجَةُ (قَوْلُهُ: فِي إنَاءِ مِلْكٍ فِي الْأَصَحِّ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْآخِذُ لَهُ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، وَعَلَيْهِ فَانْظُرْ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِحْيَاءِ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّمْيِيزِ فِي الْمُحْيِي بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ.
وَالْجَوَابُ أَمَّا أَوَّلًا فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الشَّارِحَ لَا يَرَى ذَلِكَ الْقَيْدَ بِدَلِيلِ تَمْثِيلِهِ ثُمَّ بِالْمَجْنُونِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هَذَا لَمَّا كَانَ الِانْتِقَاعُ بِهِ بِإِعْدَامِهِ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ النَّفْعُ بِهِ حَتَّى لِلدَّوَابِّ الَّتِي لَا قَصْدَ لَهَا وَلَا شُعُورَ تَوَسَّعُوا فِيهِ فَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِي تَمَلُّكِهِ تَمْيِيزًا وَلَا غَيْرَهُ.
وَيُؤَيِّدُ الثَّانِيَ أَنَّهُمْ جَوَّزُوا لِلذِّمِّيِّ أَخْذَ الْحَطَبِ وَنَحْوِهِ مِنْ دَارِنَا قَالُوا لِأَنَّ الْمُسَامَحَةَ تَغْلِبُ فِي ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَمَا يَقَعُ مِنْ إرْسَالِ الصِّبْيَانِ لِلْإِتْيَانِ بِمَاءٍ أَوْ حَطَبِ الْمِلْكِ فِيمَا أَتَوْا بِهِ لِلْمُرْسَلِ حَيْثُ كَانَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ تَجُوزُ اسْتِخْدَامُهُ لَهُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ أَحَدٌ أَوْ أَرْسَلَهُ غَيْرُ وَلِيِّهِ الْمَذْكُورِ فَالْمَالِكُ فِيهِ لَهُ فَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ وَالِدًا أَخْذُهُ إلَّا إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فَالْمَالِكُ فِي أَخْذِهِ وَصَرْفِ بَدَلِهِ أَوْ هُوَ عَلَى الصَّبِيِّ (قَوْلُهُ: عَدَمُ حُرْمَةِ صَبِّهِ) أَيْ بِخِلَافِ السَّمَكِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ إلْقَاؤُهُ فِيهِ بَعْدَ أَخْذِهِ كَمَا شَمِلَهُ قَوْلُهُ الْآتِي رَمْيِ الْمَالِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ رَدَّ السَّمَكِ إلَيْهِ بَعْدُ يُعَدُّ تَضْيِيعًا لَهُ لِعَدَمِ تَيَسُّرِ أَخْذِهِ كُلَّ وَقْتٍ بِخِلَافِ الْمَاءِ (قَوْلُهُ: ظَاهِرٌ) وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ ضَيَاعًا لَهُ، بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ أَيَّ وَقْتٍ أَرَادَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خُصُوصَ مُرَادِهِ (قَوْلُهُ: فِي كِيزَانِ دُولَابِهِ) فِي تَجْرِيدِ الْمُزَجَّدِ فِي الْأَنْوَارِ أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ كُوزًا وَجَمَعَ فِيهِ مَاءً

[حاشية الرشيدي]

مَنْعُ مَنْ أَرَادَ السَّقْيِ: أَيْ وَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ السَّقْيِ لَوْ أَحْيَا.
(قَوْلُهُ: يُقَالُ عَلَيْهِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ صَرِيحَ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ هَذَا رَدٌّ لِلِاعْتِرَاضِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَحَاصِلُ مَا فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الشِّهَابَ حَجّ لَمَّا تَمَّمَ الْكَلَامَ عَلَى التَّقْدِيرِ بِالْكَعْبَيْنِ قَالَ: وَالتَّقْدِيرُ بِهِمَا هُوَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
وَاعْتَرَضُوا بِأَنَّ الْوَجْهَ إلَى قَوْلِهِ وَالْخَبَرُ جَارٍ عَلَى عَادَةِ الْحِجَازِ، وَأَقَرَّ الِاعْتِرَاضَ ثُمَّ قَالَ عَقِبَهُ: قِيلَ النَّخْلُ إنْ أَفْرَدَ، إلَى أَنْ قَالَ: وَلَا حَاجَةَ لِهَذَا التَّفْصِيلِ إلَخْ، فَقَوْلُهُ: وَلَا حَاجَةَ رَاجِعٌ لِلْقِيلِ خَاصَّةً كَمَا لَا يَخْفَى، وَالشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَصَرَّفَ فِي عِبَارَتِهِ بِمَا تَرَى مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ.
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِمَا تَقَرَّرَ دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ)

الْمَارَّةِ أَوْ لَا بِقَصْدِ نَفْسِهِ وَلَا الْمَارَّةِ فَهُوَ كَأَحَدِهِمْ فَيَشْتَرِكُ النَّاسُ فِيهَا وَلَوْ مَعَ عَدَمِ تَلَفُّظِهِ بِوَقْفِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الصَّيْمَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ سَدُّهَا وَإِنْ حَفَرَهَا لِنَفْسِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ النَّاسِ بِهَا فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ (وَالْمَحْفُورَةُ) فِي الْمَوَاتِ (لِلتَّمَلُّكِ) أَوْ الْمَحْفُورَةِ بَلْ وَالتَّابِعَةِ بِدُونِ حَفْرٍ (فِي مِلْكٍ يَمْلِكُ) حَافِرُهَا وَمَلَكَ مَحِلَّهَا (مَاءَهَا فِي الْأَصَحِّ) إذْ هُوَ نَمَاءُ مِلْكِهِ كَالثَّمَرَةِ وَاللَّبَنِ وَالشَّجَرِ النَّابِتِ فِي مِلْكِهِ، وَالثَّانِي لَا يَمْلِكُهُ لِلْخَبَرِ الْمَارِّ وَيَجْرِي الْخِلَافُ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كُلٍّ مَا يَنْبُعُ فِي مِلْكِهِ مِنْ نِفْطٍ وَمِلْحٍ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَإِنَّمَا جَازَ لِمُكْتَرِي دَارِ الِانْتِفَاعِ بِمَاءِ بِئْرِهَا لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ قَدْ يُمْلَكُ بِهِ عَيْنٌ تَبَعًا كَاللَّبَنِ (وَسَوَاءٌ مَلَكَهُ أَمْ لَا لَا يَلْزَمُهُ بَدَلُ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ) وَلَوْ لِزَرْعِهِ (لِزَرْعٍ) وَشَجَرٍ لِغَيْرِهِ، أَمَّا عَلَى الْمِلْكِ فَكَسَائِرِ الْمَمْلُوكَاتِ، وَأَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ فَلِأَنَّهُ أَوْلَى بِهِ لِسَبْقِهِ (وَيَجِبُ) بَذْلُ الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَتِهِ النَّاجِزَةِ كَمَا قَيَّدَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمَحِلُّهُ إنْ كَانَ مَا يُسْتَخْلَفُ مِنْهُ يَكْفِيهِ لِمَا يَطْرَأُ بِلَا عِوَضٍ قَبْلَ أَخْذِهِ فِي نَحْوِ إنَاءٍ (لِمَاشِيَةٍ) إذَا كَانَ بِقُرْبِهِ كَلَأٌ مُبَاحٌ وَلَمْ يَجِدْ صَاحِبُهَا مَاءً آخَرَ مُبَاحًا (عَلَى الصَّحِيحِ) بِأَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ سَقْيهَا مِنْهُ حَيْثُ لَمْ يَضُرَّ زَرْعَهُ وَلَا مَاشِيَتَهُ، وَإِلَّا فَمَنْ أَخَذَهُ أَوْ سَوَّقَهُ إلَيْهَا حَيْثُ لَا ضَرَرَ فِيمَا يَظْهَرُ لِحُرْمَةِ الرُّوحِ وَمَحِلُّهُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الِاضْطِرَارِ، وَإِلَّا وَجَبَ بَذْلُهُ لِذِي رُوحٍ مُحْتَرَمَةٍ كَآدَمِيٍّ وَإِنْ احْتَاجَهُ لِمَاشِيَةٍ وَمَاشِيَتِهِ وَإِنْ احْتَاجَهُ لِزَرْعٍ وَقِيلَ يَجِبُ لِلزَّرْعِ كَالْمَاشِيَةِ وَقِيلَ لَا يَجِبُ لِلْمَاشِيَةِ كَالْمَاءِ الْمُحْرَزِ وَلَا يَجِبُ بَذْلُ فَاضِلِ الْكَلَأِ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَخْلَفُ فِي الْحَالِ وَيُتَمَوَّلُ

[حاشية الشبراملسي]

مُبَاحًا مَلَكَهُ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْغَصْبِ اهـ سم (قَوْلُهُ: وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ سَدُّهَا) هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا لَوْ كَانَ الْحَافِرُ مُكَلَّفًا، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَمْلِكُ بِالْحَفْرِ وَإِنْ قَصَدَ نَفْسَهُ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ اتَّفَقَ حَفْرُهُ لِبِئْرٍ فَهَلْ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مَا حَفَرَهُ الْمُكَلَّفُ بِلَا قَصْدٍ فَتَكُونُ وَقْفًا لِعَامَّةِ النَّاسِ أَوْ يُلْغَى فِعْلُهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ حَيْثُ صَارَ وَقْفًا مَعَ عَدَمِ الْقَصْدِ لَهُ مِنْ الْمُكَلَّفِ فَلَا يَبْعُدُ تَنْزِيلُ غَيْرِهِ مَنْزِلَتَهُ فِي ذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ فِي الْمَاءِ مَا يُفْسِدُهُ قَبْلَ ارْتِحَالِهِ كَتَغَوُّطِهِ فِيهِ عَمْدًا امْتَنَعَ عَلَيْهِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فِي مِلْكٍ يُمْلَكُ) وَلَوْ وَقَفَ الْمَالِكُ أَرْضًا مَثَلًا بِهَا بِئْرٌ اسْتَحَقَّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مَاءِ الْبِئْرِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ عَلَى الْعَادَةِ، وَلَهُ مَنْعُ غَيْرِهِ مِنْهُ حَيْثُ احْتَاجَ إلَيْهِ كَمَا فِي الْمِلْكِ، وَلَوْ كَانَتْ الْبِئْرُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ اثْنَيْنِ لِوَقْفٍ أَوْ مِلْكٍ اقْتَسَمَا مَاءَهَا عَلَى حَسَبِ الْحِصَصِ إنْ لَمْ يَفِ بِحَاجَتِهِمَا (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَجِبُ لِلزَّرْعِ إلَخْ) وَسَكَتُوا عَنْ الْبَذْلِ لِنَحْوِ طَهَارَةِ غَيْرِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ أَيْضًا، لَكِنْ هَلْ يُقْدِمُ عَلَى شُرْبِ مَاشِيَتِهِ وَزَرْعِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ؟ أَقُولُ: نَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ يُقْدِمَ الْمَاشِيَةَ وَيَدُلُّ لَهُ مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي التَّيَمُّمِ مِنْ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ التَّيَمُّمِ احْتِيَاجَهُ لِعَطَشِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ وَلَوْ

[حاشية الرشيدي]

أَيْ مِنْ غَيْرِ سَوْقٍ فَفَارَقَ مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ لِزَرْعِهِ) لَا مَوْقِعَ لِهَذِهِ الْغَايَةِ هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مُتَأَمِّلٍ؛ إذْ الْحُكْمُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ مَاءٍ وَإِنْ فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ فَأَيُّ حَاجَةٍ إلَى بَيَانِ الْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ هَذِهِ الْغَايَةُ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَتَجِبُ لِمَاشِيَةٍ فَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَهَا هُنَاكَ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ) أَيْ: الِارْتِفَاقِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: بِلَا عِوَضٍ) مُتَعَلِّقٌ بِبَذْلِ وَكَذَا قَوْلُهُ: قَبْلُ كَمَا نَقَلَهُ الشِّهَابُ سم عَنْ الشِّهَابِ حَجّ الَّذِي الْعِبَارَةُ لَهُ فِي تُحْفَتِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْ قَوْلَهُ قَبْلَ أَخْذِهِ قَيْدًا فِي الْبَذْلِ: أَيْ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِلَا عِوَضٍ حَيْثُ لَمْ يَأْخُذْ فِي إنَاءٍ: أَيْ أَمَّا إذَا أَخَذَهُ فِيهِ فَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ هُنَا أَنَّهُ لَا اضْطِرَارَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُهُ وَلَوْ بِعِوَضٍ.
(قَوْلُهُ: كَلَإٍ مُبَاحٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُبَاحَ هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا وَجَبَ بَذْلُهُ لِذِي رُوحٍ مُحْتَرَمَةٍ) قَالَ الشِّهَابُ سم فِي حَوَاشِي التُّحْفَةِ: يَدْخُلُ فِي ذِي الرُّوحِ الْمُحْتَرَمَةِ الْمَاشِيَةُ فَيُقَدَّمُ: أَيْ الْآدَمِيُّ عَلَى حَاجَةِ مَاشِيَتِهِ، فَعَلَى

فِي الْعَادَةِ وَزَمَنُ رَعْيِهِ يَطُولُ بِخِلَافِ الْمَاءِ، وَحَيْثُ وَجَبَ الْبَذْلُ لَمْ يَجُزْ أَخْذُ عِوَضٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْبَذْلُ إعَارَةُ آلَةِ الِاسْتِقَاءِ، وَيُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ الْمَاءِ تَقْدِيرُهُ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ لَا بَرِّيِّ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَوَازِ الشُّرْبِ مِنْ مَاءِ السِّقَاءِ بِعِوَضٍ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي شُرْبِ الْآدَمِيِّ أَهْوَنُ مِنْهُ فِي شُرْبِ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ، وَجَوَّزَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشُّرْبَ وَسَقْيَ الدَّوَابِّ مِنْ نَحْوِ جَدْوَلٍ مَمْلُوكٍ لَمْ يَضُرَّ بِمَالِكِهِ إقَامَةٌ لِلْإِذْنِ الْعُرْفِيِّ مَقَامَ اللَّفْظِيِّ ثُمَّ تَوَقَّفَ فِيمَا إذَا كَانَ لِنَحْوِ يَتِيمٍ أَوْ وَقْفٍ عَامٍّ، ثُمَّ قَالَ وَلَا أَرَى جَوَازَ وُرُودِ أَلْفِ إبِلٍ جَدْوَلًا مَاؤُهُ يَسِيرٌ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا لَمْ يَضُرَّ بِمَالِكِهِ.

(وَالْقَنَاةُ) أَوْ الْعَيْنُ (الْمُشْتَرَكَةُ) بَيْنَ جَمَاعَةٍ لَا يُقَدَّم فِيهَا أَعْلَى عَلَى أَسْفَلَ وَلَا عَكْسُهُ بَلْ (يُقْسَمُ مَاؤُهَا) الْمَمْلُوكُ الْجَارِي مِنْ بِئْرٍ أَوْ نَهْرٍ قَهْرًا عَلَيْهِمْ إنْ تَنَازَعُوا وَضَاقَ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَقَدَّمُ شَرِيكٌ عَلَى شَرِيكٍ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ (بِنَصْبِ خَشَبَةٍ) مَثَلًا مُتَسَاوٍ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلُهَا بِمَحِلٍّ مُسْتَوٍ، وَأُلْحِقَ بِالْخَشَبَةِ وَنَحْوِهَا بِنَاءُ جِدَارٍ بِهِ ثُقْبٌ مُحْكَمَةٌ بِالْجَصِّ (فِي عَرْضِ النَّهْرِ) أَيْ فَمُ الْمَجْرَى فِيهَا ثُقْبٌ (مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَفَاوِتَةٌ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ) مِنْ الْقَنَاةِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّهُ طَرِيقٌ عَلَى اسْتِيفَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ، وَعِنْدَ تَسَاوِي الثُّقْبِ وَتَفَاوُتِ الْحُقُوقِ أَوْ عَكْسِهِ يَأْخُذُ كُلٌّ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، فَإِنْ جُهِلَ قَدْرُ الْحِصَصِ قُسِمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرَاضِيِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الشَّرِكَةَ بِحَسَبِ الْمِلْكِ، وَقِيلَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ سَوَاءً، هَذَا إنْ اتَّفَقُوا عَلَى مِلْكِ كُلٍّ مِنْهُمْ، وَإِلَّا رُجِّحَ بِالْقَرِينَةِ وَالْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ فِي ذَلِكَ كَمَا مَرَّ، وَلَا يُنَافِي مَا رَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ مَا ذَكَرَهُ فِي مُكَاتَبَيْنِ خَسِيسٍ وَنَفِيسٍ كُوتِبَا عَلَى نُجُومٍ مُتَفَاوِتَةٍ بِحَسَبٍ قِيمَتِهِمَا فَأَحْضَرَا مَالًا وَادَّعَى الْخَسِيسُ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا وَالنَّفِيسُ أَنَّهُ مُتَفَاوِتٌ عَلَى قَدْرِ النُّجُومِ صُدِّقَ الْخَسِيسُ عَمَلًا بِالْيَدِ لِإِمْكَانِ الْفَرْقِ إذْ الْمَدَارُ هُنَاكَ عَلَى الْيَدِ وَهِيَ مُتَسَاوِيَةٌ وَفِي مَسْأَلَتِنَا عَلَى الْأَرْضِ الْمَسْقِيَّةِ وَهِيَ مُتَفَاوِتَةٌ فَعُمِلَ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَحِلَّيْنِ بِمَا يُنَاسِبُهُ.
وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا كُلُّ أَرْضٍ أَمْكَنَ سَقْيُهَا مِنْ هَذَا النَّهْرِ إذَا رَأَيْنَا لَهَا سَاقِيَّةً مِنْهُ وَلَمْ نَجِدْ لَهَا شِرْبًا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ حَكَمْنَا عِنْدَ التَّنَازُعِ بِأَنَّ لَهَا شِرْبًا مِنْهُ اهـ. وَأَفْهَمَ كَلَامُهُمَا أَنَّ مَا عُدَّ لِإِجْرَاءِ الْمَاءِ فِيهِ عِنْدَ

[حاشية الشبراملسي]

مَآلًا فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ وَجَبَ إلَخْ) هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا بِلَا عِوَضٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْغَرَضُ مِنْ الْأَوَّلِ بَيَانُ أَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى بَذْلِ عِوَضٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ حُرْمَةُ أَخْذِ الْعِوَضِ (قَوْلُهُ: فِي شُرْبِ الْمَاشِيَةِ) قَضِيَّتُهُ اخْتِصَاصُ جَوَازِ التَّقْدِيرِ بِالرَّمْيِ بِالْآدَمِيِّ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ فِي شُرُوطِ الْبَيْعِ وَعِبَارَتُهُ ثُمَّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْخَامِسِ الْعِلْمُ بِهِ نَصُّهَا: وَقَدْ يُغْتَفَرُ الْجَهْلُ لِلضَّرُورَةِ أَوْ الْمُسَامَحَةِ كَمَا سَيُبَيِّنُهُ فِي اخْتِلَاطِ حَمَامِ الْبُرْجَيْنِ وَكَمَا فِي بَيْعِ الْفُقَّاعِ وَمَاءِ السِّقَاءِ فِي الْكُوزِ.
قَالَ جَمْعٌ: وَلَوْ لِشُرْبِ دَابَّةٍ.
وَقَدْ يُقَالُ مَا سَبَقَ لَمْ يَنْقُلْهُ جَازِمًا بِهِ بَلْ أَوْرَدَهُ بِصُورَةِ التَّبَرِّي مِنْهُ حَيْثُ قَالَ: قَالَ جَمْعٌ وَمَا هُنَا جَعَلَهُ شَرْطًا مَجْذُومًا بِهِ فَيُقَدَّمُ (قَوْلُهُ: مِنْ نَحْوِ جَدْوَلٍ) اسْمٌ لِلنَّهْرِ الصَّغِيرِ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ (قَوْلُهُ: لَمْ يَضُرَّ بِمَالِكِهِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَشْرَبَ أَوْ يَسْقِيَ دَابَّتَهُ مِنْهُ فِي مَوْضِعِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى مَحِلِّهِ لِيَشْرَبَ مِنْهُ بَعْدُ أَوْ يَسْقِيَ دَابَّتَهُ (قَوْلُهُ: إقَامَةً لِلْإِذْنِ الْعُرْفِيِّ مُقَامَ اللَّفْظِيِّ) أَيْ مَا لَمْ يَمْنَعْ صَاحِبُ الْجَدْوَلِ عَنْهُ، فَإِنْ مَنَعَ امْتَنَعَ عَلَى غَيْرِهِ فِعْلُ ذَلِكَ

(قَوْلُهُ: وَلَا يُنَافِي مَا رَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ) أَيْ مِنْ الْقِسْمَةِ عَلَى قَدْرِ الْأَرَاضِي وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ رَجَّحَهُ هُنَا (قَوْلُهُ: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ شِرْبًا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهَا شِرْبٌ مِنْ مَحِلٍّ آخَرَ لَا يَكُونُ لَهَا

[حاشية الرشيدي]

حَاجَةِ زَرْعِهِ بِالْأَوْلَى، فَأَيُّ حَاجَةٍ مَعَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ وَمَاشِيَتِهِ وَإِنْ احْتَاجَهُ لِزَرْعٍ (قَوْلُهُ: وَحَيْثُ وَجَبَ الْبَذْلُ لَمْ يَجُزْ أَخْذُ عِوَضٍ عَلَيْهِ) يَعْنِي فِي مَسْأَلَةِ الْمَتْنِ الَّتِي لَا اضْطِرَارَ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ قَدَّمَهُ هُنَاكَ وَذِكْرُهُ هُنَا يُوهِمُ جَرَيَانَهُ فِي مَسْأَلَةِ الِاضْطِرَارِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فِي شُرْبِ الْمَاءِ) صَوَابُهُ فِي شُرْبِ الْآدَمِيِّ (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ لِلْعِلْمِ بِهِ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ إلَخْ

. (قَوْلُهُ: مَا رَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ) أَيْ: وَهُوَ الْقِسْمَةُ عَلَى قَدْرِ الْأَرَاضِيِ:

وُجُودِهِ إلَى أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْيَدَ فِيهِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ الَّتِي يُمْكِنُ سَقْيُهَا مِنْهَا سَوَاءٌ اتَّسَعَ الْمَجْرَى وَقَلَّتْ الْأَرْضُ أَوْ عَكْسُهُ، وَسَوَاءٌ الْمُرْتَفِعُ وَالْمُنْخَفِضُ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَسْقِيَ بِمَائِهِ أَرْضًا لَهُ أُخْرَى لَا شِرْبَ لَهَا مِنْهُ سَوَاءٌ أَحْيَاهَا أَمْ لَا لِأَنَّهُ يَجْعَلُ لَهَا رَسْمَ شِرْبٍ لَمْ يَكُنْ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَلَوْ زَادَ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ مِنْ الْمَاءِ عَلَى رَيِّ أَرْضِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ لِشُرَكَائِهِ، بَلْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ (وَلَهُمْ) أَيْ الشُّرَكَاءِ (الْقِسْمَةُ مُهَايَأَةً) مُيَاوَمَةً مَثَلًا كَأَنْ يَسْقِيَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَوْمًا كَسَائِرِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَلَا نَظَرَ لِزِيَادَةِ الْمَاءِ وَنَقْصِهِ مَعَ التَّرَاضِي، عَلَى أَنَّ لَهُمْ الرُّجُوعَ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ رَجَعَ وَقَدْ أَخَذَ نَوْبَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا الْآخَرُ نَوْبَتَهُ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ نَوْبَتِهِ مِنْ النَّهْرِ لِلْمُدَّةِ الَّذِي أَخَذَ نَوْبَتَهُ فِيهَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَتَعَيَّنُ الطَّرِيقُ الثَّانِي إذَا تَعَذَّرَ مَا مَرَّ لِبُعْدِ أَرْضِ بَعْضِهِمْ عَنْ الْمُقْسَمِ، وَيَتَعَيَّنُ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْقَنَاةُ تَارَةً يَكْثُرُ مَاؤُهَا وَتَارَةً يَقِلُّ فَتَمْتَنِعَ الْمُهَايَأَةُ حِينَئِذٍ كَمَا مَنَعُوا فِي لَبُونٍ لِيَحْلِبَ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفَاوُتِ الظَّاهِرِ اهـ. وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ تَوْسِيعُ فَمِ النَّهْرِ وَلَا تَضْيِيقُهُ وَلَا تَقْدِيمُ رَأْسِ السَّاقِيَةِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ وَلَا تَأْخِيرُهُ وَلَا غَرْسُ شَجَرَةِ عَلَى حَافَّتِهِ بِدُونِ رِضَا الْبَاقِينَ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ وَعِمَارَتُهُ بِحَسَبِ الْمِلْكِ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَاءِ الْبِئْرِ وَالْقَنَاةِ مُنْفَرِدًا عَنْهُمَا، لِأَنَّهُ يَزِيدُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَيَخْتَلِطُ الْمَبِيعُ بِغَيْرِهِ فَيَتَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ، فَإِنْ بَاعَهُ بِشَرْطِ أَخْذِهِ الْآنَ صَحَّ، وَلَوْ بَاعَ صَاعًا مِنْ مَاءٍ رَاكِدٍ صَحَّ لِعَدَمِ زِيَادَتِهِ، وَلَوْ بَاعَ مَاءَ الْقَنَاةِ مَعَ قَرَارِهِ وَالْمَاءُ جَارٍ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ لِلْجَهَالَةِ، وَإِنْ أَفْهَمَ كَلَامُ الرَّوْضَةِ الْبُطْلَانَ فِي الْمَاءِ فَقَطْ عَمَلًا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ اشْتَرَى الْبِئْرَ وَمَاءَهَا الظَّاهِرَ أَوْ جُزْأَهُمَا شَائِعًا وَقَدْ عَرَفَ عُمْقَهَا فِيهِمَا صَحَّ، وَمَا يَنْبُعُ فِي الثَّانِيَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا كَالظَّاهِرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَاهَا أَوْ جُزْأَهَا الشَّائِعَ دُونَ الْمَاءِ أَوْ أَطْلَقَ فَلَا يَصِحُّ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْمَاءَانِ، وَلَوْ سَقَى زَرْعَهُ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ ضَمِنَ الْمَاءَ بِبَدَلِهِ وَالْغَلَّةُ لَهُ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ لِلْبَذْرِ، فَإِنْ غَرِمَ الْبَدَلَ وَتَحَلَّلَ مِنْ صَاحِبِ الْمَاءِ كَانَتْ الْغَلَّةُ أَطْيَبَ لَهُ مِمَّا لَوْ غَرِمَ الْبَدَلَ فَقَطْ، وَلَوْ أَشْعَلَ نَارًا فِي حَطَبٍ مُبَاحٍ لَمْ يَمْنَعْ أَحَدًا الِانْتِفَاعَ بِهَا وَلَا الِاسْتِصْبَاحُ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ الْحَطَبُ لَهُ فَلَهُ الْمَنْعُ مِنْ الْأَخْذِ مِنْهَا لَا الِاصْطِلَاءُ بِهَا وَلَا الِاسْتِصْبَاحُ مِنْهَا.
وَمُهَايَأَةٌ فِي كَلَامِهِ مَنْصُوبٌ إمَّا عَلَى الْحَالِ مِنْ الْمُبْتَدَإِ وَهُوَ الْقِسْمَةُ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْحَالِ مِنْهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرُهُ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وَيَجُوزُ كَوْنُ الْقِسْمَةِ فَاعِلَةً بِالظَّرْفِ بِنَاءً عَلَى مَنْ جَوَّزَ عَمَلَ الْجَارِ بِلَا اعْتِمَادٍ وَهُمْ الْكُوفِيُّونَ، وَعَلَيْهِ فَنَصْبُ مُهَايَأَةٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ الْفَاعِلِ.

[حاشية الشبراملسي]

شِرْبٌ مِنْ هَذَا النَّهْرِ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّهُ الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ لَهَا شِرْبٌ مِنْ مَوْضِعَيْنِ، وَمُجَرَّدُ كَوْنِ لَهَا شِرْبٍ مِنْ غَيْرِهِ لَا يَمْنَعُ أَنَّ لَهَا شِرْبًا مِنْهُ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَيَتَعَيَّنُ الطَّرِيقُ الثَّانِي) هُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَهُمْ الْقِسْمَةُ مُهَايَأَةً، وَالطَّرِيقُ الْأُولَى قَوْلُهُ بِنَصَبِ خَشَبَةٍ فِي عَرْضِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَتَمْتَنِعُ الْمُهَايَأَةُ) هَذَا قَدْ يُخَالِفُ مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ وَلَا نَظَرَ لِزِيَادَةِ الْمَاءِ وَنَقْصِهِ مِنْ التَّرَاضِي إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالِامْتِنَاعِ هُنَا عَدَمُ الْإِجْبَارِ عَلَى ذَلِكَ فَلَا مُنَافَاةَ، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُهَايَأَةَ لَا إجْبَارَ فِيهَا، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: يُصَوَّرُ ذَاكَ بِزِيَادَةٍ تَارَةً مِنْ غَيْرِ اعْتِيَادٍ كَتَحَرُّكِ هَوَاءٍ وَنَحْوِهِ، وَمَا هُنَا بِمَا إذَا عُهِدَتْ الزِّيَادَةُ تَارَةً وَالنَّقْصُ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ اعْتِيَادِ وَقْتٍ بِخُصُوصِهِ لِلزِّيَادَةِ وَآخَرَ لِلنَّقْصِ (قَوْلُهُ: صَحَّ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ لَكِنْ إذَا تَأَخَّرَ مُدَّةً وَاخْتَلَطَ فِيهَا الْحَادِثُ بِالْمَوْجُودِ وَتَنَازَعَا جَاءَ فِيهِ مَا قِيلَ فِي بَيْعِ الثَّمَرَةِ إذَا اخْتَلَطَ حَادِثُهَا بِمَوْجُودِهَا وَهُوَ تَصْدِيقُ ذِي الْيَدِ.

[حاشية الرشيدي]

أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْسُبْهُ إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: عَمَدَ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ) أَيْ: وَإِنَّمَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ إمْكَانُ التَّوْزِيعِ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا لِلْجَهَالَةِ.

كِتَابُ الْوَقْفِ هُوَ لُغَةً: الْحَبْسُ، وَيُرَادِفُهُ التَّحْبِيسُ وَالتَّسْبِيلُ، وَأَوْقَفَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، وَأَحْبَسَ أَفْصَحُ مِنْ حَبَسَ عَلَى مَا نُقِلَ، لَكِنَّ حَبَسَ هِيَ الْوَارِدَةُ فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ، وَشَرْعًا: حَبْسُ مَالٍ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ بِقَطْعِ التَّصَرُّفِ فِي رَقَبَتِهِ عَلَى مَصْرِفٍ مُبَاحٍ مَوْجُودٍ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] وَلَمَّا سَمِعَهَا أَبُو طَلْحَةَ بَادَرَ إلَى وَقْفِ أَحَبِّ أَمْوَالِهِ بَيْرُحَا حَدِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَقَوْلُهُ ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: 115] وَخَبَرُ مُسْلِمٍ «إذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ أَيْ مُسْلِمٌ يَدْعُو لَهُ»

[حاشية الشبراملسي]

كِتَابُ الْوَقْفِ (قَوْلُهُ: التَّحْبِيسُ) أَيْ وَالِاحْتِبَاسُ أَيْضًا أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: لُغَةً رَدِيئَةً) عِبَارَةُ الشَّيْخِ عَمِيرَةَ لُغَةُ تَمِيمٍ (قَوْلُهُ أَفْصَحُ مِنْ حَبَّسَ) أَيْ بِالتَّشْدِيدِ (قَوْلُهُ: عَلَى مَصْرِفٍ مُبَاحٍ مَوْجُودٍ) أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ، أَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ، وَلَوْ أَسْقَطَهُ لِيَتَأَتَّى عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ لَكَانَ أَوْلَى كَمَا فَعَلَ حَجّ (قَوْلُهُ: بَيْرُحَا) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ كَثِيرًا مَا تَخْتَلِطُ أَلْفَاظَ الْمُحَدِّثِينَ فِيهَا فَيَقُولُونَ بَيْرُحَا بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا وَبِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهِمَا وَالْمَدِّ فِيهِمَا وَبِفَتْحِهِمَا وَالْقَصْرِ، وَهِيَ اسْمُ مَالٍ وَمَوْضِعٍ بِالْمَدِينَةِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْفَائِقِ: إنَّهَا فَيُعْلَى مِنْ الْبَرَاحِ، وَهِيَ الْأَرْضُ الظَّاهِرَةُ اهـ الْمُرَادُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: إذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ» فَلَهُمَا رِوَايَتَانِ (قَوْلُهُ: أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ) زَادَ السُّيُوطِيّ عَلَى ذَلِكَ أُمُورًا وَنَظَمَهَا فَقَالَ: إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ لَيْسَ يَجْرِي ... عَلَيْهِ مِنْ فِعَالٍ غَيْرُ عَشْرِ عُلُومٌ بَثَّهَا وَدُعَاءُ نَجْلِ ... وَغَرْسُ النَّخْلِ وَالصَّدَقَاتُ تَجْرِي وِرَاثَةُ مُصْحَفٍ وَرِبَاطُ ثَغْرِ ... وَحَفْرُ الْبِئْرِ أَوْ إجْرَاءُ نَهْرِ وَبَيْتٌ لِلْغَرِيبِ بَنَاهُ يَأْوِي ... إلَيْهِ أَوْ بِنَاءُ مَحِلِّ ذِكْرِ وَتَعْلِيمٌ لِقُرْآنٍ كَرِيمٍ ... فَخُذْهَا مِنْ أَحَادِيثَ بِحَصْرِ وَلَعَلَّ قَوْلَهُ وَبَيْتٌ: الْبَيْتُ هُوَ التَّاسِعُ فَلَا يُقَالُ هِيَ أَحَدَ عَشَرَ، وَقَوْلُهُ وَتَعْلِيمٌ لِقُرْآنٍ: أَيْ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ.
وَفِي شَرْحِ الْعُبَابِ لِحَجِّ فِي التَّيَمُّمِ بَعْدَ كَلَامٍ قَرَّرَهُ إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ رَأَيْت عَنْ الزَّرْكَشِيّ أَنَّهُ نَازَعَ ابْنَ الرِّفْعَةِ فِي تَفْضِيلِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْوَقْفِ بِأَنَّ الْعُلَمَاءَ فَسَّرُوا الصَّدَقَةَ الْجَارِيَةَ بِهِ وَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى غَيْرِهِ.
وَعَنْهُ عَنْ الْمُحِبِّ السَّنْكَلُونِيِّ أَنَّ النَّفْعَ بِالتَّعْلِيمِ النَّاجِزِ أَوْلَى مِنْهُ بِالتَّصْنِيفِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الْمُعَجَّلَةِ، ثُمَّ عَضَّدَهُ بِمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ فِي الصَّدَقَةِ وَالْوَقْفِ، ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ «أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ» وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُنْتَفِعَ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالتَّصْنِيفِ اهـ. وَفِي هَذَا الْحَصْرِ نَظَرٌ، بَلْ التَّعْلِيمُ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَقُومُ عَنْهُ بِالتَّعْلِيمِ كَانَ التَّصْنِيفُ أَوْلَى وَإِلَّا فَالتَّعْلِيمُ أَوْلَى اهـ (قَوْلُهُ: يَدْعُو لَهُ) هُوَ مِنْ تَتِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَعِبَارَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «إذَا

[حاشية الرشيدي]

[كِتَابُ الْوَقْفِ]

ِ (قَوْلُهُ: هُوَ لُغَةً الْحَبْسُ) اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِالْحَبْسِ فِي اللُّغَةِ

وَحَمَلَ الْعُلَمَاءُ الصَّدَقَةَ الْجَارِيَةَ عَلَى الْوَقْفِ دُونَ نَحْوِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ الْمُبَاحَةِ لِنُدْرَتِهَا.
«وَوَقَفَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرْضًا أَصَابَهَا بِخَيْبَرَ بِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَرَطَ فِيهَا شُرُوطًا: مِنْهَا أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُورَثُ وَلَا يُوهَبُ وَأَنَّ مَنْ وَلِيَهَا يَأْكُلُ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمُ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَهُوَ أَوَّلُ وَقْفٍ وُقِفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: بَلْ «وَقَفَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْوَالَ مُخَيْرِيقٍ الَّتِي أَوْصَى بِهَا لَهُ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ» . وَجَاءَ عَنْ جَابِرٍ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ مَقْدِرَةٌ حَتَّى وَقَفَ.
وَأَشَارَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى أَنَّ هَذَا الْوَقْفَ الْمَعْرُوفَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً لَمْ تَعْرِفْهُ الْجَاهِلِيَّةُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ خَبَرَ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا رَجَعَ عَنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِبَيْعِ الْوَقْفِ وَقَالَ: لَوْ سَمِعَهُ لَقَالَ بِهِ

وَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ: مَوْقُوفٌ، وَمَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وَصِيغَةٌ، وَوَاقِفٌ.
وَبَدَأَ بِهِ لِكَوْنِهِ الْأَصْلَ فَقَالَ (شَرْطُ الْوَاقِفِ صِحَّةُ عِبَارَتِهِ) وَلَوْ كَافِرًا لِمَا لَا يَعْتَقِدُهُ قُرْبَةً كَمَسْجِدٍ فَخَرَجَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ (وَأَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ) فِي الْحَيَاةِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ وَهَذَا أَخَصُّ مِمَّا قَبْلَهُ فَجَمْعُهُ بَيْنَهُمَا لِلْإِيضَاحِ،

[حاشية الشبراملسي]

مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَوْلُهُ: أَرْضًا) أَيْ جُزْءًا مُشَاعًا مِنْ أَرْضٍ أَصَابَهَا إلَخْ.
قَالَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيِّ: وَقْفُ مِائَةِ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ اهـ. لَكِنْ يُرَاجَعُ مِقْدَارُ الْأَرْضِ الَّتِي كَانَتْ مُجَزَّأَةً إلَى ذَلِكَ حَتَّى يُنْسَبَ إلَيْهَا مَا ذَكَرَ (قَوْلُهُ: بِخَيْبَرَ) الَّذِي وَقَفَهُ عُمَرُ اسْمُهُ ثَمْغٌ بِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مِيمٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ اهـ شَرْحَ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ (قَوْلُهُ: غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ) لَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ فِيهِ تَصَرُّفَ ذِي الْأَمْوَالِ، وَلَا يَحْسُنُ حَمْلُهُ عَلَى الْفَقِيرِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادًا لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالصَّدِيقِ (قَوْلُهُ: الَّتِي أَوْصَى بِهَا لَهُ) هُوَ مُخَيْرِيقٌ.
قَالَ فِي الْإِصَابَةِ: «مُخَيْرِيقٌ النَّضْرِيُّ بِفَتْحَتَيْنِ كَمَا فِي اللُّبِّ الْإِسْرَائِيلِيِّ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، وَيُقَالُ إنَّهُ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَيُقَالُ مِنْ بَنِي الْقَيْطُونِ، كَانَ عَالِمًا وَكَانَ أَوْصَى بِأَمْوَالِهِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ سَبْعُ حَوَائِطَ: الْمُثَبَّتَةُ، وَالصَّائِفَةُ، وَالدِّلَالُ، وَحِسْيٌ، وَيُومَةُ، وَالْأَعْوَانُ، وَسَرِيَّةُ أُمِّ إبْرَاهِيمَ، فَجَعَلَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةً» (قَوْلُهُ: مُقَدَّرَةٌ) أَيْ عَلَى الْوَقْفِ أَوَّلُهُ غِنًى فِي نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: لَمْ تَعْرِفْهُ الْجَاهِلِيَّةُ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِمْ هُنَا مَنْ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِكِتَابٍ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لِمَا يَأْتِي بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جِهَةِ مَعْصِيَةٍ إلَخْ مِنْ قَوْلِهِ مَا فَعَلَهُ ذِمِّيٌّ لَا نُبْطِلُهُ إلَّا إنْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا، إلَى قَوْلِهِ: لَا مَا وَقَفُوهُ قَبْلَ الْمَبْعَثِ عَلَى كَنَائِسِهِمْ إلَخْ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْوَقْفِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ لَوْ سَمِعَهُ لَقَالَ بِهِ) قَالَ حَجّ: وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ الرَّدُّ بِهِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ يَقُولُ بِبَيْعِهِ: أَيْ الِاسْتِبْدَالِ بِهِ وَإِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ عَدَمَهُ

(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَافِرًا) لَوْ وَقَفَ ذِمِّيٌّ عَلَى أَوْلَادِهِ إلَّا مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: رُفِعَتْ إلَيَّ فِي الْمُحَاكِمَاتِ فَأَبْقَيْت الْوَقْفَ وَأَلْغَيْت الشَّرْطَ، وَمَالَ م ر إلَى بُطْلَانِ الْوَقْفِ اهـ سم عَلَى مَنْهَج.
أَقُولُ: وَلَعَلَّ وَجْهَ مَا مَالَ إلَيْهِ م ر أَنَّهُ قَدْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْبَقَاءِ عَلَى الْكُفْرِ، وَبِتَقْدِيرِ مَعْرِفَتِهِمْ بِإِلْغَاءِ الشَّرْطِ لَفْظُهُ مُشْعِرٌ بِقَصْدِ الْمَعْصِيَةِ (قَوْلُهُ: لِمَا لَا يَعْتَقِدُهُ) هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَايَةِ (قَوْلُهُ: كَمَسْجِدٍ) أَيْ وَكَوَقْفِ مُصْحَفٍ وَيُتَصَوَّرْ مِلْكُهُ لَهُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَأَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ هَذَا الْوَقْفَ الْمَعْرُوفَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ) قَدْ يُقَالُ: إنْ أَرَادَ بِالْمَعْرُوفِ هَذَا الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ الْمُسْتَوْفِي لِلشَّرَائِطِ فَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْوَقْفِ بِذَلِكَ، بَلْ سَائِرُ الْعُقُودِ مِثْلُهُ يَكُونُ لَهَا مَعْنًى لُغَوِيٌّ أَعَمُّ فَيَنْقُلُهُ الشَّارِعُ إلَى مَا هُوَ أَخَصُّ بِاشْتِرَاطِ شُرُوطٍ فِيهِ تَقْتَضِي خُصُوصَهُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَلَمْ يَحْبِسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا عَلِمَتْهُ دَارًا وَلَا أَرْضًا وَإِنَّمَا حَبَسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ انْتَهَتْ

(قَوْلُهُ: فِي الْحَيَاةِ) أَيْ: حَتَّى لَا يَرِدَ السَّفِيهُ الْآتِي إذْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ لَكِنْ بَعْدَ الْمَوْتِ بِالْوَصِيَّةِ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يُقَالُ: إذَا كَانَ هَذَا مُرَادَ الْمُصَنِّفِ كَمَا قَرَّرَهُ؛ فَقَدْ خَرَجَ

فَلَا يَصِحُّ مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ وَصِحَّةٍ نَحْوُ وَصِيَّتِهِ وَلَوْ بِوَقْفِ دَارِهِ لِارْتِفَاعِ الْحَجْرِ عَنْهُ بِمَوْتِهِ وَمُكْرَهٍ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي حَالَةِ الْإِكْرَاهِ لَيْسَ صَحِيحَ الْعِبَارَةِ وَلَا أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ وَلَا لِغَيْرِهِ إذْ مَا يَقُولُهُ أَوْ يَفْعَلُهُ لِأَجْلِ الْإِكْرَاهِ لَغْوٌ مِنْهُ، وَمُكَاتَبٍ وَمُفْلِسٍ وَوَلِيٍّ وَيَصِحُّ مِنْ مُبَعَّضٍ وَمِمَّنْ لَمْ يَرَ وَلَا خِيَارَ لَهُ إذَا رَأَى، وَمِنْ الْأَعْمَى قِيَاسًا عَلَى مَا قَبْلَهُ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ وَإِنْ لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِهِ

(وَ) شَرْطُ (الْمَوْقُوفِ) كَوْنُهُ عَيْنًا مُعَيَّنَةً مَمْلُوكَةً مِلْكًا يَقْبَلُ النَّقْلَ يَحْصُلُ مِنْهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا فَائِدَةٌ أَوْ مَنْفَعَةٌ تَصِحُّ إجَارَتُهَا كَمَا يُشِيرُ لِذَلِكَ كَلَامُهُ الْآتِي بِذِكْرِهِ بَعْضَ مُحْتَرِزَاتِ مَا ذَكَرَ كَالْمَنْفَعَةِ وَإِنْ مَلَكَهَا مُؤَبَّدًا بِالْوَصِيَّةِ وَالْمُلْتَزَمِ فِي الذِّمَّةِ وَأَحَدِ عَبْدَيْهِ وَمَا لَا يُمْلَكُ كَكَلْبٍ.
نَعَمْ يَصِحُّ وَقْفُ الْإِمَامِ نَحْوَ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى جِهَةٍ وَمُعَيَّنٍ عَلَى الْمَنْقُولِ الْمَعْمُولِ بِهِ بِشَرْطِ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ إذْ تَصَرُّفُهُ فِيهِ مَنُوطٌ بِهَا كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ رَأَى تَمْلِيكَ ذَلِكَ لَهُمْ جَازَ، وَأُمِّ وَلَدٍ وَمُكَاتَبٍ وَحَمْلٍ مُنْفَرِدٍ وَذِي مَنْفَعَةٍ لَا يُسْتَأْجَرُ لَهَا كَآلَةِ لَهْوٍ وَطَعَامٍ،

[حاشية الشبراملسي]

بِأَنْ كَتَبَهُ أَوْ وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ، وَمِثْلُ الْمُصْحَفِ الْكُتُبُ الْعِلْمِيَّةُ (قَوْلُهُ وَنَحْوُ وَصِيَّتِهِ) أَيْ السَّفِيهِ (قَوْلُهُ: وَمُفْلِسٌ) أَيْ وَإِنْ زَادَ مَالُهُ عَلَى دُيُونِهِ كَأَنْ طَرَأَ لَهُ مَالٌ بَعْدَ الْحَجْرِ أَوْ ارْتَفَعَ سِعْرُ مَالِهِ الَّذِي حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَمِنْ الْأَعْمَى قِيَاسًا) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُسْقِطَ قِيَاسًا وَيَقُولَ وَيُؤْخَذُ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ صِحَّةُ وَقْفِ الْأَعْمَى، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ التَّقْدِيرَ وَيَصِيرُ لَمْ يَرَ لِأَنَّهُ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ

(قَوْلُهُ: مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا فَائِدَةٌ) أَيْ كَالْفَحْلِ لِلضِّرَابِ (قَوْلُهُ: تَصِحُّ إجَارَتُهَا) أَيْ الْمَنْفَعَةِ، وَقَوْلُهُ فَلَا يَصِحُّ وَقْفُ الْمَنْفَعَةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْخَلَوَاتُ فَلَا يَصِحُّ وَقْفُهَا (قَوْلُهُ: نَعَمْ يَصِحُّ وَقْفُ الْإِمَامِ) أَيْ وَحَيْثُ صَحَّ وَقْفُهُ لَا يَجُوزُ تَغْيِيرٌ، وَمِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى مَا يَقَعُ الْآنَ كَثِيرًا مِنْ الرِّزْقِ الرَّصْدَةِ عَلَى أَمَاكِنَ أَوْ عَلَى طَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ حَيْثُ تُغَيَّرُ وَتُجْعَلُ عَلَى غَيْرِ مَا كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ أَوْ لَا فَإِنَّهُ بَاطِلٌ، وَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ لِغَيْرِ مَنْ عُيِّنَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ الْأَوَّلِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ كَثِيرًا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ عَدَمِ صِحَّةِ عِتْقِ عَبِيدِ بَيْتِ الْمَالِ بِأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ هُنَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحَقِّينَ فِيهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ بِشَرْطِ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فَوَقْفُهُ كَإِيصَالِ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْعِتْقُ نَفْسُهُ فَإِنَّهُ تَفْوِيتٌ لِلْمَالِ (قَوْلُهُ: نَحْوَ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَالِ) كِتَابَتُهُ بِالْأَلِفِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الشَّارِحِ كَالْمَحَلِّيِّ بَعْدَ قَوْلِ، الْمُصَنِّفِ السَّابِقِ وَلَوْ أَرَادَ قَوْمٌ سَقْيَ أَرَضِيهمْ بِفَتْحِ الرَّاءِ بِلَا الْأَلِفِ اهـ. وَمَا ذَكَرَاهُ هُوَ الْقِيَاسُ فَإِنَّ الْجَمْعَ يَقْتَضِي زِيَادَةَ الْعَلَامَةِ عَلَى الْمُفْرَدِ وَهِيَ هُنَا الْيَاءُ فَلَا وَجْهَ لِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ، وَلَكِنَّ فِي الْمِصْبَاحِ الْأَرْضُ مُؤَنَّثَةٌ وَالْجَمْعُ أَرَضُونَ بِفَتْحِ الرَّاءِ.
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: وَسَمِعْت الْعَرَبَ تَقُولُ فِي جَمْعِ الْأَرْضِ الْأَرَاضِي وَالْأُرُوضَ مِثْلَ فُلُوسٍ، وَجَمْعُ فَعْلٍ فَعَالِي فِي أَرْضٍ وَأَرَاضِي اهـ. فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا جَارٍ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ (قَوْلُهُ: وَأُمُّ وَلَدٍ) عَطْفٌ عَلَى مَا لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ وَيُشْكِلُ عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ صِحَّةِ وَقْفِ الْمُدَبَّرَةِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، فَإِنَّ قِيَاسَ ذَلِكَ صِحَّةُ وَقْفِ أُمِّ الْوَلَدِ وَبُطْلَانُهُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ بَيْعُهَا حَالَ الْوَقْفِ أَشْبَهَتْ الْحُرَّةَ فَحُكِمَ بِعَدَمِ صِحَّةِ وَقْفِهَا، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ وَالْمُعَلَّقِ فَإِنَّ كُلًّا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَيَبْطُلُ التَّدْبِيرُ وَالتَّعْلِيقُ بِالْعِتْقِ (قَوْلُهُ وَمُكَاتَبٌ) أَيْ كِتَابَةً صَحِيحَةً كَمَا يَأْتِي، وَكَأَنَّ فَائِدَةَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأُمُورِ مَعَ ذِكْرِ بَعْضِهَا فِي الْمَتْنِ كَأُمِّ الْوَلَدِ

[حاشية الرشيدي]

السَّفِيهُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اعْتِذَارٍ عَنْهُ بِقَوْلِهِ الْآتِي وَصِحَّةُ نَحْوِ وَصِيَّتِهِ إلَخْ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِهِ) صَرَّحَ بِهِ الدَّمِيرِيِّ قَالَ: وَقَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ

(قَوْلُهُ: نَحْوَ أَرَاضِيِ بَيْتِ الْمَالِ) هَذَا لَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ فِي الشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ السَّابِقِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَلَوْ أَرَادَ قَوْمٌ سَقْيَ أَرَضِيهمْ مِنْ ضَبْطِهِ بِفَتْحِ الرَّاءِ بِلَا أَلِفٍ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَبْطٌ لِمَا وَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهِ هُنَاكَ فِي الْمِنْهَاجِ فَلَا يُنَافِي قِرَاءَتَهُ بِالْأَلِفِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ الشَّارِحُ هُنَا خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: وَأُمُّ وَلَدٍ) أَيْ خَرَجَتْ بِقَبُولِ النَّقْلِ وَبِهِ فَارَقَتْ الْمُدَبَّرَ وَالْمُعَلَّقَ الْعِتْقَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى فَرْقٍ بَيْنَهُمَا

أَمَّا لَوْ وَقَفَ حَامِلًا صَحَّ فِيهِ تَبَعًا لِأُمِّهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ.
نَعَمْ يَصِحُّ وَقْفُ فَحْلٍ لِلضِّرَابِ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ إجَارَتُهُ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الْقُرْبَةِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمُعَاوَضَةِ وَ (دَوَامَ الِانْتِفَاعُ) الْمَذْكُورُ (بِهِ) الْمَقْصُودُ بِأَنْ تَحْصُلَ مِنْهُ فَائِدَةٌ مَعَ بَقَائِهِ مُدَّةً كَمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ، وَضَابِطُ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُهُ عَلَى شَرْطِ ثُبُوتِ حَقِّ الْمَلِكِ فِي الرَّقَبَةِ، وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا أَفَادَهُ كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَكْفِي بَقَاؤُهُ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا تُقْصَدُ إجَارَتُهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَشَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَقْفَ الْمُوصَى بِعَيْنِهِ مُدَّةً وَالْمَأْجُورِ وَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُمَا، وَنَحْوُ الْجَحْشِ الصَّغِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ لِتُصَاغَ حُلِيًّا فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ مَنْفَعَةٌ حَالًّا كَالْمَغْصُوبِ وَلَوْ مِنْ عَاجِزٍ عَنْ انْتِزَاعِهِ، وَكَذَا وَقْفُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ فَإِنَّهُمَا وَإِنْ عَتَقَا بِالْمَوْتِ وَوُجُودِ الصِّفَةِ وَبَطَلَ الْوَقْفُ لَكِنْ فِيهِمَا دَوَامٌ نِسْبِيٌّ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ،

[حاشية الشبراملسي]

التَّنْبِيهُ عَلَى ذِكْرِ مُحْتَرِزَاتِ الشُّرُوطِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا مُجْتَمِعَةً كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ كَمَا يُشِيرُ لِذَلِكَ كَلَامُهُ الْآتِي بِذِكْرِهِ بَعْضَ مُحْتَرِزَاتِ مَا ذَكَرَ إلَخْ (قَوْلُهُ: صَحَّ فِيهِ) أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَوْ اسْتَثْنَاهُ أَوْ جَعَلَهُ مَقْصُودًا بِأَنْ قَالَ وَقَفْتهَا وَحَمْلَهَا أَوْ كَانَتْ حَامِلًا بِحُرٍّ فَهَلْ يَبْطُلُ وَقْفُهَا قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ أَوْ لَا وَيُفَرَّقُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يَصِحُّ وَقْفٌ فَحْلٍ لِلضِّرَابِ) أَيْ وَأَرْشُ جِنَايَتِهِ عَلَى مَنْ يَكُونُ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْوَقْفِ حَالَ جِنَايَتِهِ إنْ نُسِبَ لِتَقْصِيرٍ حَتَّى أُتْلِفَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ الْمَوْقُوفِ إذَا جَنَى حَيْثُ قَالُوا أَرْشُ جِنَايَتِهِ عَلَى الْوَاقِفِ أَنَّهُ فِي وَقْفِ الْعَبْدِ فَوَّتَ مَحِلَّ تَعَلُّقِ الْأَرْشِ وَهُوَ الرَّقَبَةُ، وَلَا كَذَلِكَ الْفَحْلُ فَإِنَّ مَا أَتْلَفَهُ الْفَحْلُ.
بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْوَقْفِ لَا يُبَاعُ فِيهِ بَلْ يَضْمَنُهُ مَنْ كَانَ الْفَحْلُ بِيَدِهِ، كَذَا نُقِلَ عَنْ الشِّهَابِ الرَّمْلِيِّ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ مَا يُخَالِفُهُ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَا قَالَهُ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ.
أَقُولُ: وَمَا قَالَهُ الرَّمْلِيُّ ظَاهِرٌ وَيُوَافِقُ مَا فَرَّقَ بِهِ مَا ذَكَرَهُ حَجّ هُنَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ أَرْشِ جِنَايَةِ الرَّقِيقِ الْمَوْقُوفِ حَيْثُ لَزِمَ الْوَاقِفَ وَبَيْنَ أُجْرَةِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ فِي الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ أَوْ الْمُسْتَأْجَرَةِ إذَا رَضِيَ صَاحِبُ الْأَرْضِ بِبَقَائِهِمَا بِأُجْرَةٍ حَيْثُ قُلْنَا بِعَدَمِ لُزُومِهَا، وَلَوْ وَصَلَ الْفَحْلُ الْمَوْقُوفُ عَلَى ذَلِكَ إلَى حَالَةٍ لَا يَصْلُحُ فِيهَا لِلضِّرَابِ فَقِيَاسُ مَا يَأْتِي فِي حُصْرِ الْمَسْجِدِ وَجُذُوعِهِ إذَا لَمْ يَتَأَتَّ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا فِي الْمَسْجِدِ مِنْ جَوَازِ بَيْعِهِمَا أَنَّهُ هُنَا يُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ مِثْلُهُ أَوْ جُزْءٌ مِنْ مِثْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ شِرَاءُ جُزْئِهِ لِقِلَّتِهِ رَجَعَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ إذَا قُلِعَا بَعْدَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ (قَوْلُهُ: عَلَى شَرْطِ ثُبُوتٍ) أَيْ تَقْدِيرِ ثُبُوتٍ (قَوْلُهُ: مُدَّةً) الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ أَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ، وَعَلَيْهِ فَيَخْرُجُ بِهَا مَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِغَيْرِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَيَنْبَغِي الصِّحَّةُ فِيهِ كَوَقْفِ الْمُدَبَّرِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ لَمْ يُعْلَمْ وَقْتُهَا فَإِنَّ مُدَّةَ الْوَقْفِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَجْهُولَةٌ، وَقِيلَ فِيهِمَا بِالصِّحَّةِ (قَوْلُهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ بِأَنْ تَحْصُلَ مِنْهُ فَائِدَةٌ مَعَ بَقَاءِ

[حاشية الرشيدي]

مِنْ خَارِجٍ وَإِنْ تَكَلَّفَهُ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ (قَوْلُهُ: الْمَقْصُودُ بِأَنْ تَحْصُلَ مِنْهُ فَائِدَةٌ إلَخْ) عِبَارَةُ الشِّهَابِ حَجّ نَصُّهَا: وَدَوَامُ الِانْتِفَاعِ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَلَوْ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ يَبْقَى مُدَّةً تُقْصَدُ بِالِاسْتِئْجَارِ غَالِبًا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا أَفَادَهُ كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ إنَّهُ لَا يَكْفِي فِيهِ نَحْوُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَدَخَلَ وَقْفُ عَيْنِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ، إلَى آخِرِ مَا فِي الشَّارِحِ، فَقَوْلُهُ: فَدَخَلَ وَقْفُ عَيْنِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ إلَخْ: أَيْ بِقَوْلِهِ وَلَوْ بِالْقُوَّةِ الَّذِي هُوَ غَايَةٌ فِي الِانْتِفَاعِ، وَقَوْلُهُ: وَكَذَا وَقْفُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ: أَيْ يَدْخُلَانِ بِقَوْلِهِ بِأَنْ يَبْقَى مُدَّةٌ تُقْصَدُ بِالِاسْتِئْجَارِ غَالِبًا الَّذِي هُوَ تَفْسِيرٌ لِدَوَامِ الِانْتِفَاعِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَقَوْلُهُ: وَخَرَجَ مَا لَمْ يَقْصِدْ إلَخْ أَيْ بِقَوْلِهِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ: أَيْ عُرْفًا، وَقَوْلُهُ: وَمَا لَا يُفِيدُ نَفْعًا إلَخْ: أَيْ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ الِانْتِفَاعُ وَبِتَأَمُّلِهِ تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ تَحْصُلَ مِنْهُ فَائِدَةٌ مَعَ بَقَائِهِ مُدَّةً) عَدَلَ بِهِ عَمَّا مَرَّ عَنْ حَجّ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّكْرَارُ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُ.
(قَوْلُهُ: عَلَى شَرْطِ ثُبُوتِ حَقِّ الْمِلْكِ فِي الرَّقَبَةِ) كَأَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ أَيْ بِشَرْطِ فِعْلٍ بِمَعْنَى الْبَاءِ وَلَعَلَّ هَذَا أَصْوَبُ مِمَّا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تُقْصَدْ إجَارَتُهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ) أَيْ: بِأَنْ كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ فِيهَا لَا تُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ (قَوْلُهُ: وَشَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ إلَخْ) قَدْ عَلِمْت مِمَّا أَسْلَفْتُهُ عَنْ حَجّ أَنَّ

وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ وَقْفُ بِنَاءٍ وَغِرَاسٍ فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ لَهُمَا، وَإِنْ اسْتَحَقَّا الْقَلْعَ بَعْدِ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَفَارَقَ صِحَّةَ بَيْعِهِمَا وَعَدَمَ عِتْقِهِمَا مُطْلَقًا بِأَنَّهُ هُنَا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ حَقَّانِ مُتَجَانِسَانِ فَقَدَّمْنَا أَقْوَاهُمَا مَعَ سَبْقِ مُقْتَضِيَةٍ، وَبِهِ فَارَقَ مَا لَوْ أَوْلَدَ الْوَاقِفُ الْمَوْقُوفَةَ حَيْثُ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ وَخَرَجَ مَا لَا يُقْصَدُ كَنَقْدٍ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ أَوْ الِاتِّجَارِ فِيهِ وَصُرِفَ رِبْحُهُ لِلْفُقَرَاءِ، وَكَذَا الْوَصِيَّةُ بِهِ كَمَا يَأْتِي وَمَا لَا يُفِيدُ نَفْعًا كَزَمِنٍ غَيْرِ مَرْجُوٍّ بُرْؤُهُ (لَا مَطْعُومٌ) بِالرَّفْعِ أَيْ وَقْفُهُ إذْ نَفْعُهُ بِإِهْلَاكِهِ (وَرَيْحَانٌ) مَحْصُودٌ لِسُرْعَةِ فَسَادِهِ، أَمَّا مَزْرُوعٌ فَيَصِحُّ وَقْفُهُ لِلشَّمِّ لِبَقَائِهِ مُدَّةً كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ نَفْعٌ آخَرُ وَهُوَ التَّنَزُّهُ، وَلِهَذَا قَالَ الْخُوَارِزْمِيَّ وَابْنُ الصَّلَاحِ: يَصِحُّ وَقْفُ الْمَشْمُومِ الدَّائِمِ النَّفْعِ كَالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ بِخِلَافِ عُودِ الْبَخُورِ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِاسْتِهْلَاكِهِ، فَإِلْحَاقُ جَمْعِ الْعُودِ بِالْعَنْبَرِ مَحْمُولٌ عَلَى عُودٍ يُنْتَفَعُ بِهِ بِدَوَامِ شَمِّهِ

(وَيَصِحُّ وَقْفُ عَقَارٍ) بِالْإِجْمَاعِ (وَمَنْقُولٍ) لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ فِيهِ (وَمُشَاعٍ) وَإِنْ جُهِلَ قَدْرُ حِصَّتِهِ أَوْ صِفَتِهَا لِأَنَّ وَقْفَ عُمَرَ السَّابِقِ كَانَ مُشَاعًا، وَلَا يَسْرِي لِلْبَاقِي، وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا لَوْ وُقِفَ الْمُشَاعُ مَسْجِدًا، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ قَالَ: وَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ الْمُكْثُ فِيهِ وَتَجِبُ قِسْمَتُهُ لِتَعَيُّنِهَا طَرِيقًا وَمَا نُوزِعَ بِهِ مَرْدُودٌ، وَتَجْوِيزُ الزَّرْكَشِيّ الْمُهَايَأَةَ هُنَا بَعِيدٌ إذْ لَا نَظِيرَ لِكَوْنِهِ مَسْجِدًا فِي يَوْمٍ وَغَيْرَ مَسْجِدٍ فِي آخَرَ، وَلَا فَرْقَ فِيمَا مَرَّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ مَسْجِدًا هُوَ الْأَقَلُّ أَوْ الْأَكْثَرُ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَمْلِ تَفْسِيرٍ فِيهِ قُرْآنٌ بِأَنَّ الْمَسْجِدِيَّةَ هُنَا شَائِعَةٌ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْهَا فَلَمْ يُمْكِنْ تَبَعِيَّةُ الْأَقَلِّ لِلْأَكْثَرِ إذْ لَا تَبَعِيَّةَ إلَّا مَعَ التَّمْيِيزِ، بِخِلَافِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ مُتَمَيِّزٌ عَنْ التَّفْسِيرِ، فَاعْتُبِرَ الْأَكْثَرُ لِيَكُونَ الْبَاقِي تَابِعًا لَهُ.
أَمَّا جَعْلُ الْمَنْقُولِ مَسْجِدًا كَفُرُشٍ وَثِيَابٍ فَمَوْضِعُ تَوَقُّفٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ مِثْلُهُ، وَكُتُبُ الْأَصْحَابِ سَاكِتَةٌ عَنْ تَنْصِيصٍ بِجَوَازٍ أَوْ

[حاشية الشبراملسي]

إلَخْ (قَوْلُهُ: وَفَارَقَ صِحَّةَ إلَخْ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ صِحَّةِ الْوَقْفِ ابْتِدَاءً وَبُطْلَانِهِ بِمَوْتِ السَّيِّدِ وَوُجُودِ الصِّفَةِ لِحُصُولِ الْعِتْقِ وَقَوْلُهُ مُطْلَقًا: أَيْ إنْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ وَمَاتَ السَّيِّدُ بَعْدَ الْبَيْعِ (قَوْلُهُ: حَقَّانِ مُتَجَانِسَانِ) وَهُمَا الْوَقْفُ وَالْعِتْقُ وَتَجَانُسُهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ كُلًّا حَقُّ اللَّهِ (قَوْلُهُ كَنَقْدٍ لِلتَّزَيُّنِ) وَمِثْلُهُ وَقْفُ الْجَامِكِيَّةِ، لِأَنَّ شَرْطَ الْوَقْفِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْوَاقِفِ وَهِيَ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِمَنْ هِيَ تَحْتَ يَدِهِ، وَمَا يَقَعُ مِنْ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ فِي الْفَرَاغِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْجَامِكِيَّةِ لِيَكُونَ لِبَعْضِ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلًا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لَيْسَ مِنْ وَقْفِهَا بَلْ بِفَرَاغِ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا وَصَارَ الْأَمْرُ فِيهَا إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فَيَصِحُّ تَعْيِينُهُ لِمَنْ شَاءَ حَيْثُ رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً، وَلِغَيْرِهِ نَقْضُهُ إذَا رَأَى فِي النَّقْدِ مَصْلَحَةً

(قَوْلُهُ: وَمَنْقُولٌ) حَيَوَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ثُمَّ إذَا أَشْرَفَ الْحَيَوَانُ عَلَى الْمَوْتِ ذُبِحَ إنْ كَانَ مَأْكُولًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِي لَحْمِهِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ فِي الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ أَوْ الْمُعَارَةِ لَهُمَا إذَا قُلِعَا مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ مَمْلُوكًا لِلْوَاقِفِ أَوْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إلَخْ، وَمَحِلُّهُمَا حَيْثُ لَمْ يَتَأَتَّ شِرَاءُ حَيَوَانٍ أَوْ جُزْئِهِ بِثَمَنِ الْحَيَوَانِ الْمَذْبُوحِ عَلَى مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَلَا يَسْرِي لِلْبَاقِي) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْوَاقِفُ مُوسِرًا بِخِلَافِ الْعِتْقِ (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ الْمُكْثُ فِيهِ) قَرَّرَ م ر أَنَّهُ يُطْلَبُ التَّحِيَّةُ لِدَاخِلِهِ وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِيهِ وَلَا الِاقْتِدَاءُ مَعَ التَّبَاعُدِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ اهـ سم عَلَى حَجّ، وَرَاجِعْ مَا ذَكَرَهُ فِي طَلَبِ التَّحِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَتَجِبُ قِسْمَتُهُ) أَيْ فَوْرًا، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إفْرَازًا وَهُوَ مُشْكِلٌ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى لِلضَّرُورَةِ كَمَا قَالَهُ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ آخَرَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ أَمْكَنَتْهُ الْقِسْمَةُ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ كَأَنْ جَهِلَ مِقْدَارَ

[حاشية الرشيدي]

كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لَا يَشْمَلُ هَذَا بِمُجَرَّدِهِ

(قَوْلُهُ: أَوْ صِفَتُهَا) لَعَلَّ صُورَتَهُ أَنَّهُ يَجْهَلُ صِفَةَ مَا مِنْهُ الْحِصَّةُ بِأَنْ لَمْ يَرَهُ.
(قَوْلُهُ: وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ) أَيْ: مِنْ حَيْثُ حُرْمَةُ مُكْثِ الْجُنُبِ فِيهِ وَنَحْوِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ مَسْجِدًا هُوَ الْأَقَلُّ.
(قَوْلُهُ: فَمَوْضِعُ تَوَقُّفٍ) أَيْ: مَا لَمْ يَثْبُتْ بِنَحْوِ سَهْوٍ، أَمَّا إذَا ثَبَتَ كَذَلِكَ فَلَا تُوقَفُ فِيهِ صِحَّةُ وَقْفِيَّتِهِ مَسْجِدًا كَمَا أَفْتَى بِهِ الشَّارِحُ

مَنْعٍ، وَإِنْ فُهِمَ مِنْ إطْلَاقِهِمْ الْجَوَازُ فَالْأَحْوَطُ الْمَنْعُ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ بَعْضُ شُرَّاحِ الْحَاوِي، وَمَا نُسِبَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ إفْتَائِهِ بِالْجَوَازِ فَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ (لَا) وَقْفُ (عَبْدٍ وَثَوْبٍ فِي الذِّمَّةِ) لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ إزَالَةُ مِلْكٍ عَنْ عَيْنٍ، نَعَمْ يَجُوزُ الْتِزَامُهُ فِيهَا بِالنَّذْرِ (وَلَا وَقْفُ حُرٍّ نَفْسَهُ) لِأَنَّ رَقَبَتَهُ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُ (وَكَذَا مُسْتَوْلَدَةٌ) لِعَدَمِ قَبُولِهَا لِلنَّقْلِ كَالْحُرِّ وَمِثْلُهَا الْمُكَاتَبُ، أَيْ كِتَابَةً صَحِيحَةً عَلَى الْأَوْجَهِ، بِخِلَافِ ذِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ إذْ الْمُغَلِّبُ فِيهِ التَّعْلِيقُ، وَمَرَّ فِي الْمُعَلَّقِ صِحَّةُ وَقْفِهِ (وَكَلْبٌ مُعَلَّمٌ) أَوْ غَيْرُ مُعَلَّمٍ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ وَتَقْيِيدُهُ بِالْمُعَلَّمِ لِأَجْلِ الْخِلَافِ (وَأَحَدُ عَبْدَيْهِ فِي الْأَصَحِّ) كَالْبَيْعِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ فِيهِ يَقِيسُ الْوَقْفَ عَلَى الْعِتْقِ، وَفِيمَا قَبْلَهُ يَقِيسُ وَقْفَهُ عَلَى إجَارَتِهِ: أَيْ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ فِيهَا، وَفَارَقَ الْعِتْقُ بِأَنَّهُ أَقْوَى وَأَنْفَذُ لِسِرَايَتِهِ وَقَبُولِهِ التَّعْلِيقَ

(وَلَوْ) (وَقَفَ بِنَاءً أَوْ غِرَاسًا فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ) إجَارَةً صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً أَوْ مُسْتَعَارَةً مَثَلًا (لَهُمَا) ثَنَّاهُ مَعَ أَنَّ الْعَطْفَ بِأَوْ لِأَنَّهَا بَيْنَ ضِدَّيْنِ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ (فَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ) لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ.
وَالثَّانِي الْمَنْعُ إذْ لِمَالِكِ الْأَرْضِ قَلْعُهُمَا فَلَا يَدُومُ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا.
قُلْنَا يَكْفِي دَوَامُهُ إلَى الْقَلْعِ بَعْدَ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، فَلَوْ قَلَعَ ذَلِكَ وَبَقِيَ مُنْتَفَعًا بِهِ فَهُوَ وَقْفٌ كَمَا كَانَ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فَهُوَ يَصِيرُ مِلْكًا

[حاشية الشبراملسي]

الْمَوْقُوفِ بَقِيَ عَلَى شُيُوعِهِ وَلَا يَبْطُلُ الْوَقْفُ كَمَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ قَبْلُ وَإِنْ جَهِلَ قَدْرَ حِصَّتِهِ لَكِنْ يَنْظُرُ طَرِيقَ انْتِفَاعِ الشَّرِيكِ بِحِصَّتِهِ وَالْحَالَةُ مَا ذَكَرَ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: يَنْتَفِعُ مِنْهُ بِمَا لَا يُنَافِي حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ كَالصَّلَاةِ فِيهِ وَالْجُلُوسِ لِمَا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ كَالْخِيَاطَةِ، وَلَا يَجْلِسُ فِيهِ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يُجَامِعُ زَوْجَتَهُ، وَيَجِبُ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي شُغُلِهِ لَهُ عَلَى مَا يَتَحَقَّقُ أَنَّ مِلْكَهُ لَا يَنْقُصُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: فَالْأَحْوَطُ الْمَنْعُ) أَيْ مَنْعُ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِيَّةِ، وَطَرِيقُ الصِّحَّةِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَنْ تَثْبُتَ فِي مَكَان بِنَحْوِ سَمْرٍ ثُمَّ تُوقَفَ وَلَا تَزُولُ وَقْفِيَّتُهَا بَعْدُ بِزَوَالِ سَمْرِهَا لِأَنَّ الْوَقْفِيَّةَ إذَا ثَبَتَتْ لَا تَزُولُ ثُمَّ مَا نَقَلَ عَنْ الشَّيْخِ أَجَابَ بِهِ م ر عَنْ سُؤَالٍ، صُورَتُهُ: لَوْ فَرَشَ إنْسَانٌ بِسَاطًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَسَمَّرَهُ ثُمَّ وَقَفَهُ مَسْجِدًا هَلْ يَصِحُّ وَقْفُهُ؟ فَأَجَابَ حَيْثُ وَقَفَ ذَلِكَ مَسْجِدًا بَعْدَ إثْبَاتِهِ صَحَّ اهـ. وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ فِي الشَّرْحِ أَمَّا جَعْلُ الْمَنْقُولِ إلَخْ مَحِلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ عَنْ الشَّيْخِ فَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ لِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَثْبُتْ أَوْ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ وَلَوْ مَعَ إثْبَاتِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ فِي الْفَتَاوَى بِصِحَّةِ وَقْفِهِ مَعَ الْإِثْبَاتِ مُسْتَنِدًا فِيهِ لِغَيْرِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: إذْ الْمُغَلَّبُ فِيهِ التَّعْلِيقُ) قَضِيَّةُ تَشْبِيهِهِ بِالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ أَنَّ الْكِتَابَةَ الْفَاسِدَةَ لَا تُبْطِلُ، فَإِذَا أَدَّى النُّجُومَ عَتَقَ وَبَطَلَ الْوَقْفُ كَوُجُودِ الصِّفَةِ فِي وَقْفِ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَفِيمَا قَبْلَهُ) أَيْ الْمُسْتَوْلَدَةِ وَالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ (قَوْلُهُ: عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ فِيهَا) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْكَلْبِ دُونَ الْمُسْتَوْلَدَةِ لِمَا مَرَّ أَنَّ إجَارَتَهَا تَصِحُّ وَتَبْطُلُ بِالْمَوْتِ (قَوْلُهُ وَفَارَقَ) أَيْ الْوَقْفَ

(قَوْلُهُ: أَوْ فَاسِدَةٌ) يُتَأَمَّلْ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ بِنَاءً وَلَا غِرَاسًا حَتَّى لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كُلِّفَ الْقَلْعَ مَجَّانًا، وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَبِنَاءٌ وَغِرَاسٌ وُضِعَا بِأَرْضٍ بِحَقٍّ اهـ. وَالْبِنَاءُ فِي الْمُسْتَأْجَرَةِ إجَارَةً فَاسِدَةً لَمْ يُصَدَّقْ عَلَيْهِ أَنَّهُ وُضِعَ بِحَقٍّ، هَذَا وَقَدْ مَرَّ لِلشَّارِحِ أَنَّ مَا قُبِضَ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ لَوْ بُنِيَ فِيهِ أَوْ غُرِسَ لَمْ يُقْلَعْ مَجَّانًا لِأَنَّ الْبَيْعَ وَلَوْ فَاسِدًا يَتَضَمَّنُ الْإِذْنَ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ كَالْمُعَارِ عَلَى مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ، لَكِنْ قُدِّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ خِلَافُهُ، فَمَا هُنَا يُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ الْفَاسِدَةَ تَتَضَمَّنُ الْإِذْنَ بِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا بَيْنَ ضِدَّيْنِ) زَادَ حَجّ وَالِاسْتِحَالَةُ اجْتِمَاعُ حَقِيقَتِهِمَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: بَعْدَ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ) هُوَ وَاضِحٌ فِي الْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ لِتَعَيُّنِ بَقَائِهَا، أَمَّا الْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةُ وَالْعَارِيَّةُ فَالْمَالِكُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ قَلْعِهِمَا حَالًا فَلَا بَقَاءَ لَهُمَا فَأَشْبَهَا الْمَغْصُوبَ اهـ حَجّ بِالْمَعْنَى.
أَقُولُ: وَقَدْ يُقَالُ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَغْصُوبِ بِأَنَّ لِمَالِكِ الْمَغْصُوبِ قَلْعَ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ مَجَّانًا، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْعَارِيَّةِ وَالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ عَلَى

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَبَقِيَ مُنْتَفَعًا بِهِ) أَيْ: مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي وَقَفَ لَهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ فَتَأَمَّلْ

لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ يَرْجِعُ لِلْوَاقِفِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَوَّلُهُمَا، وَقَوْلُ الْجَمَّالِ الْإِسْنَوِيِّ إنَّ الصَّحِيحَ غَيْرُهُمَا وَهُوَ شِرَاءُ عَقَارٍ أَوْ جُزْءٍ مِنْ عَقَارٍ وَهُوَ قِيَاسُ النَّظَائِرِ فِي آخِرِ الْبَابِ، وَنَقَلَ نَحْوَهُ الْأَذْرَعِيُّ فَقَالَ: وَيَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ مِنْ جِنْسِهِ مَا يُوقَفُ مَكَانَهُ مَحْمُولٌ عَلَى إمْكَانِ الشِّرَاءِ الْمَذْكُورِ، وَكَلَامُ الشَّيْخَيْنِ الْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِهِ وَيَلْزَمُهُ بِالْقَلْعِ أَرْشُ نَقْصِهِ يُصْرَفُ عَلَى الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، وَخَرَجَ بِنَحْوِ الْمُسْتَأْجَرَةِ الْمَغْصُوبَةُ فَلَا يَصِحُّ وَقْفُ مَا فِيهَا لِعَدَمِ دَوَامِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، وَهَذَا مُسْتَحِقُّ الْإِزَالَةِ كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. لَا يُقَالُ: غَايَةُ أَمْرِهِ أَنْ يَكُونَ مَقْلُوعًا وَهُوَ يَصِحُّ وَقْفُهُ لِأَنَّا نَقُولُ: وَقْفُهُ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ مُلَاحَظٌ فِيهِ كَوْنُهُ غِرَاسًا قَائِمًا، بِخِلَافِ الْمَقْلُوعِ فَغَيْرُ مُلَاحَظٍ فِيهِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ وَقْفٌ مَنْقُولٌ، وَيَصِحُّ شَرْطُ الْوَاقِفِ صَرْفَ أُجْرَةِ الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لَهُمَا مِنْ رَيْعِهِمَا إنْ لَمْ تَلْزَمْ ذِمَّتَهُ الْأُجْرَةُ.
بِخِلَافِ مَا لَزِمَ ذَلِكَ بِعَقْدِ إجَارَةٍ أَوْ بِدُونِهِ فَلَا يَصِحُّ شَرْطُ صَرْفِهِ مِنْهُ لِأَنَّهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ يُحْمَلُ الْكَلَامَانِ الْمُخْتَلِفَانِ

(فَإِنْ وَقَفَ) عَلَى جِهَةٍ فَسَيَأْتِي أَوْ (عَلَى مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ أَوْ جَمْعٍ) هُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ أَصْلِهِ جَمَاعَةً، وَحُصُولُ الْجَمَاعَةِ بِاثْنَيْنِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهَا اصْطِلَاحٌ يَخُصُّ ذَلِكَ الْبَابَ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ بِهِ، وَحُكْمُ الِاثْنَيْنِ يُعْلَمُ مِنْ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْوَاحِدِ الصَّادِقِ مَجَازًا بِقَرِينَةِ الْمُقَابَلَةِ بِالِاثْنَيْنِ (اُشْتُرِطَ) عَدَمُ الْمَعْصِيَةِ وَتَعْيِينُهُ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ مُعَيَّنٌ وَ (إمْكَانُ تَمْلِيكِهِ) مِنْ الْوَاقِفِ فِي الْخَارِجِ بِأَنْ يُوجَدَ خَارِجًا مُتَأَهِّلًا لِلْمِلْكِ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ (فَلَا يَصِحُّ) الْوَقْفُ عَلَى مَعْدُومٍ كَعَلَى مَسْجِدٍ سَيُبْنَى، أَوْ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا وَلَدٍ لَهُ، أَوْ عَلَى فُقَرَاءِ أَوْلَادِهِ وَلَيْسَ فِيهِمْ فَقِيرٌ، أَوْ عَلَى الْقِرَاءَةِ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ أَوْ قَبْرِ أَبِيهِ الْحَيِّ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ وَفِيهِمْ فَقِيرٌ صَحَّ وَصُرِفَ لِلْحَادِثِ وُجُودُهُ فِي الْأُولَى أَوْ فَقْرُهُ فِي الثَّانِيَةِ لِصِحَّتِهِ عَلَى الْمَعْدُومِ تَبَعًا كَوَقَفْتُهُ عَلَى وَلَدِي ثُمَّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِي وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ لَهُ كَعَلَى مَسْجِدِ كَذَا وَكُلِّ مَسْجِدٍ سَيُبْنَى فِي تِلْكَ الْمُحَلَّةِ، وَسَيَذْكُرُ فِي نَحْوِ الْحَرْبِيِّ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الشَّرْطَ بَقَاؤُهُ فَلَا يُرَدُّ

[حاشية الشبراملسي]

مَا يُفْهِمُهُ قَوْلُهُ بَعْدُ وَيَلْزَمُهُ بِالْقَلْعِ أَرْشُ نَقْصِهِ.
فَكَانَ احْتِمَالُ الْبَقَاءِ فِيهِمَا بِالْأُجْرَةِ أَقْرَبَ مِنْهُ فِي الْمَغْصُوبِ فَصَحَّ وَقْفُهُمَا دُونَهُ، ثُمَّ مَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ وَيَلْزَمُهُ إلَخْ مِنْ وُجُوبِ الْأَرْشِ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ مُوَافِقٌ لِمَا نُقِلَ عَنْ الْبَغَوِيّ فِيمَا لَوْ غَرَسَ أَوْ بَنَى فِي الْأَرْضِ الْمَقْبُوضَةِ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ مِنْ أَنَّ الْمَالِكَ يُخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ الْقَلْعِ وَغُرْمِ أَرْشِ النَّقْصِ وَالتَّمَلُّكِ بِالْقِيمَةِ وَالتَّبْقِيَةِ بِالْأُجْرَةِ كَالْعَارِيَّةِ، وَمُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ لِلشَّارِحِ مِنْ أَنَّ مَالِكَ الْأَرْضِ فِي الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ يَقْلَعُ مَجَّانًا (قَوْلُهُ: وَيَلْزَمُهُ بِالْقَلْعِ) أَيْ الْمَالِكَ لِلْأَرْضِ.
وَقَوْلُهُ أَرْشُ نَقْصِهِ: أَيْ الْقَلْعُ (قَوْلُهُ: وَهَذَا مُسْتَحِقُّ الْإِزَالَةِ) وَمِنْهُ مَا لَوْ بَنَى فِي حَرِيمِ النَّهْرِ بِنَاءً وَوَقَفَهُ مَسْجِدًا فَإِنَّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الزَّوَالِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الْمَقْلُوعُ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ تَلْزَمْ ذِمَّتَهُ) أَيْ بِأَنْ وَجَبَتْ بَعْدَ الْوَقْفِ، بِخِلَافِ الَّتِي لَزِمَتْ ذِمَّتَهُ قَبْلُ فَإِنَّهَا دَيْنٌ عَلَيْهِ، وَشَرْطُ وَفَاءِ دَيْنِ الْوَاقِفِ مِنْ وَقْفِهِ بَاطِلٌ اهـ سم عَلَى حَجّ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ شَرْطُ صَرْفِهِ) أَيْ بَلْ وَلَا الْوَقْفُ أَيْضًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى شَرْطِ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مِنْ غَلَّةِ وَقْفِهِ

(قَوْلُهُ: أَوْ قَبْرُ أَبِيهِ الْحَيِّ) وَوَجْهُ عَدَمِ الصِّحَّةِ فِيهِ أَنَّ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ، قَالَ حَجّ هُنَا: عَلَى أَنَّهُ يَأْتِي تَفْصِيلٌ فِي مَسْأَلَةِ الْقِرَاءَةِ: أَيْ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ إلَخْ، وَعِبَارَتُهُ ثَمَّةَ: وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ كَوَقَفْتُهُ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِي أَوْ قَبْرِ أَبِي وَأَبُوهُ حَيٌّ، بِخِلَافِ وَقَفْته الْآنَ أَوْ بَعْدَ مَوْتِي عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي فَإِنَّهُ وَصِيَّةٌ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ أُجِيزَ وَعُرِفَ قَبْرُهُ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: أَوْ بِدُونِهِ) لَعَلَّ صُورَتَهُ أَنَّهُ تَرَتَّبَتْ فِي ذِمَّتِهِ أُجْرَةٌ فِي إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ ثُمَّ وَقَفَ وَشَرَطَ صَرْفَهَا مِنْ الْوَقْفِ

(قَوْلُهُ: فِي الْخَارِجِ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ حَجّ

عَلَيْهِ هُنَا إيهَامُهُ الصِّحَّةَ عَلَيْهِ لِإِمْكَانِ تَمْلِيكِهِ وَلَا (عَلَى) أَحَدِ هَذَيْنِ وَلَا عَلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يُبَيِّنْهُ، بِخِلَافِ دَارِي عَلَى مَنْ أَرَادَ سُكْنَاهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا عَلَى مَيِّتٍ وَلَا عَلَى (جَنِينٍ) لِأَنَّ الْوَقْفَ تَسْلِيطٌ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ، وَلَا يَدْخُلُ أَيْضًا فِي الْوَقْفِ عَلَى أَوْلَادِهِ إذْ لَا يُسَمَّى وَلَدًا وَإِنْ كَانَ تَابِعًا لِغَيْرِهِ.
نَعَمْ إنْ انْفَصَلَ اسْتَحَقَّ مَعَهُمْ قَطْعًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ قَدْ سَمَّى الْمَوْجُودِينَ أَوْ ذَكَرَ عَدَدَهُمْ فَلَا يَدْخُلُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيَدْخُلُ الْحَمْلُ الْحَادِثُ عُلُوقُهُ بَعْدَ الْوَقْفِ، فَإِذَا انْفَصَلَ اسْتَحَقَّ مِنْ غَلَّةِ مَا بَعْدَ انْفِصَالِهِ كَمَا مَرَّ.
وَأَمَّا إطْلَاقُ السُّبْكِيّ بَحْثًا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فَيُصْرَفُ لِغَيْرِهِ حَتَّى يَنْفَصِلَ فَمُعْتَرَضٌ بِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ أَنَّ الْوَاقِعَ مِنْ الرَّيْعِ يُوقَفُ لِانْفِصَالِهِ وَبَنُو زَيْدٍ لَا يَشْمَلُ بَنَاتِهِ، بِخِلَافِ بَنِي تَمِيمٍ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ (وَلَا عَلَى الْعَبْدِ) وَلَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمِّ وَلَدٍ (لِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ أَهْلٍ لِلْمِلْكِ.
نَعَمْ إنْ وَقَفَ عَلَى جِهَةِ قُرْبَةٍ كَخِدْمَةِ مَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ صَحَّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَصْدَ تِلْكَ الْجِهَةُ، أَمَّا الْمُبَعَّضُ فَالظَّاهِرُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ مُهَايَأَةً وَصَدَّرَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ يَوْمَ نَوْبَتِهِ فَكَالْحُرِّ، أَوْ يَوْمَ نَوْبَةِ سَيِّدِهِ فَكَالْعَبْدِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُهَايَأَةً وُزِّعَ عَلَى الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ إطْلَاقُ ابْنِ خَيْرَانَ صِحَّةَ الْوَقْفِ عَلَيْهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَلَوْ أَرَادَ مَالِكُ الْبَعْضِ أَنْ يَقِفَ نِصْفَهُ الرَّقِيقَ عَلَى نِصْفِهِ الْحُرِّ فَالظَّاهِرُ الصِّحَّةُ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِنِصْفِهِ الْحُرِّ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ أَنَّ الْأَوْجَهَ صِحَّتُهُ عَلَى مُكَاتَبِ غَيْرِهِ كِتَابَةً صَحِيحَةً لِأَنَّهُ يُمْلَكُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَإِنْ نُقِلَ خِلَافُهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ ثُمَّ لَمْ يُقَيَّدْ بِالْكِتَابَةِ صَرْفٌ لَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ أَيْضًا، وَإِلَّا فَهُوَ مُنْقَطِعُ الْآخِرِ فَيَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ وَيَنْتَقِلُ الْوَقْفُ إلَى مَنْ بَعْدَهُ، هَذَا إنْ لَمْ يَعْجِزْ وَإِلَّا بَانَ بُطْلَانُهُ لِكَوْنِهِ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَخَذَهُ مِنْ غَلَّتِهِ، أَمَّا

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: الصِّحَّةُ عَلَيْهِ) أَيْ الْحَرْبِيِّ (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يُبَيِّنْهُ) أَيْ الْمَسْجِدَ (قَوْلُهُ: أَرَادَ سُكْنَاهَا) أَيْ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيُعَيِّنُ مَنْ يَسْكُنُ فِيهَا مِمَّنْ أَرَادَ السُّكْنَى حَيْثُ نَازَعُوا النَّاظِرَ عَلَى الْوَقْفِ (قَوْلُهُ: فِي الْوَقْفِ عَلَى أَوْلَادِهِ) أَيْ بِخِلَافِ نَحْوِ الذُّرِّيَّةِ كَمَا قَالَهُ فِي الْعُبَابِ كَالرَّوْضِ وَشَرْحِهِ، وَكَذَا: أَيْ يَدْخُلُ فِي الذُّرِّيَّةِ وَالنَّسْلِ وَالْعَقِبِ الْحَمْلُ الْحَادِثُ فَتُوقَفُ حِصَّتُهُ اهـ. وَالتَّقْيِيدُ بِالْحَادِثِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَيْسَ لِإِخْرَاجِ الْمَوْجُودِ حَالَ الْوَقْفِ اهـ سم عَلَى حَجّ وَقَوْلُهُ فَتُوقَفُ حِصَّتُهُ يُخَالِفُ قَوْلَ الشَّارِحِ الْآتِي فَإِنْ انْفَصَلَ اسْتَحَقَّ مِنْ غَلَّةِ مَا بَعْدَ انْفِصَالِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِتَوَقُّفِ حِصَّتِهِ عَدَمَ حِرْمَانِهِ إذَا انْفَصَلَ (قَوْلُهُ: بَعْدَ الْوَقْفِ) زَادَ فِي نُسْخَةٍ: يَعْنِي أَنَّهُ يُصْرَفُ لَهُ بَعْدَ انْفِصَالِهِ اهـ. وَهِيَ شَامِلَةٌ لِمَا حَصَلَ مِنْ الْغَلَّةِ فِي مُدَّةِ كَوْنِهِ حَمْلًا (قَوْلُهُ: فَيُصْرَفُ لِغَيْرِهِ) أَيْ مِنْ الْمَذْكُورِينَ فِي الْوَقْفِ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ إلَخْ) هَذَا يُخَالِفُ مَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ انْفَصَلَ اسْتَحَقَّ مِنْ غَلَّةِ مَا بَعْدَ انْفِصَالِهِ فَإِنَّهُ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَا يُوقَفُ لَهُ شَيْءٌ مُدَّةَ الْحَمْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَإِذَا قُلْنَا يُوقَفُ لِانْفِصَالِهِ فَأَيُّ جُزْءٍ مِنْ الْغَلَّةِ يُوقَفُ مَعَ الْجَهْلِ بِعَدَدِ الْحَمْلِ مِنْ كَوْنِهِ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ الْمُؤَدِّي إلَى تَعَذُّرِ الصَّرْفِ، وَقِيَاسُ الْمُعَامَلَةِ بِالْإِضْرَارِ فِي إرْثِ الْحَمْلِ أَنْ تُوقَفَ جَمِيعُ الْغَلَّةِ حَتَّى يَنْفَصِلَ وَتُقَدَّمَ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: أَوْ أُمَّ وَلَدٍ) أَيْ حَالَ كَوْنِهَا رَقِيقَةً كَمَا هُوَ الْفَرْضُ، وَأَمَّا مَا فِي الرَّوْضِ مِنْ صِحَّةِ وَقْفِهِ عَلَى أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: وَقَفْت دَارِي مَثَلًا بَعْدَ مَوْتِي عَلَى أُمَّهَاتِ أَوْلَادِي، أَوْ يُوصِي بِالْوَقْفِ عَلَيْهِنَّ مَثَلًا (قَوْلُهُ: فَكَالْحُرِّ) يَنْبَغِي أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، فَإِنْ عَيَّنَ الْوَاقِفُ شَيْئًا أُتْبِعَ حَتَّى لَوْ وَقَفَ فِي نَوْبَةِ الْمُبَعَّضِ عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ لِلْعَبْدِ أَوْ عِنْدَ عَدَمِ الْمُهَايَأَةِ عَلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ عُمِلَ بِهِ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: الْأَوْجَهُ صِحَّتُهُ) أَيْ الْوَقْفِ (قَوْلُهُ: بِمَا أَخَذَهُ مِنْ غَلَّتِهِ) أَيْ ثُمَّ إنْ كَانَ مَا قَبَضَهُ مِنْ الْغَلَّةِ بَاقِيًا أَخَذَ مِنْهُ وَإِلَّا فَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ يُطَالِبُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْيَسَارِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: لِإِمْكَانِ تَمْلِيكِهِ) عِلَّةٌ لِلْإِيهَامِ.
(قَوْلُهُ: فَمُعْتَرَضٌ بِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ مَا بَحَثَهُ السُّبْكِيُّ هُوَ عَيْنُ مَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ وَحَاصِلُ الِاعْتِرَاضِ يُنَاقِضُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ وَلْيُحَرَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْتَقِلُ الْوَقْفُ إلَى مَنْ بَعْدَهُ) هَذَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِهِ

مُكَاتَبُ نَفْسِهِ فَلَا يَصِحُّ وَقْفُهُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ وُقِفَ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَيَأْتِي فِي إعْطَاءِ الزَّكَاةِ لَهُ (فَإِنْ أُطْلِقَ الْوَقْفُ عَلَيْهِ فَهُوَ وَقْفٌ عَلَى سَيِّدِهِ) كَمَا لَوْ وَهَبَ مِنْهُ أَوْ أَوْصَى لَهُ وَيُقْبَلُ هُوَ إنْ شَرَطْنَاهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْآتِي وَإِنْ نَهَاهُ، سَيِّدُهُ عَنْهُ دُونَ السَّيِّدِ إنْ امْتَنَعَ كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الْوَصِيَّةِ

(وَلَوْ) (أُطْلِقَ الْوَقْفُ عَلَى بَهِيمَةٍ) مَمْلُوكَةٍ (لَغَا) لِاسْتِحَالَةِ مِلْكِهَا (وَقِيلَ هُوَ وَقْفٌ عَلَى مَالِكِهَا) كَالْعَبْدِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَبْدَ قَابِلٌ لَأَنْ يُمْلَكَ بِخِلَافِهَا، وَخَرَجَ بِأَطْلَقَ الْوَقْفُ عَلَى عَلَفِهَا أَوْ عَلَيْهَا بِقَصْدِ مَالِكِهَا وَبِالْمَمْلُوكَةِ الْمُسَبَّلَةِ فِي ثَغْرٍ أَوْ نَحْوِهِ فَيَصِحُّ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُسَبَّلَةِ وَمِنْ ثَمَّ نَقْلًا عَنْ الْمَتْبُولِيِّ عَدَمُ صِحَّتِهِ عَلَى الْوُحُوشِ وَالطُّيُورِ الْمُبَاحَةِ، وَمَا نُوزِعَا بِهِ مُسْتَدِلِّينَ بِمَا يَأْتِي أَنَّ الشَّرْطَ فِي الْجِهَةِ عَدَمُ الْمَعْصِيَةِ يُرَدُّ بِأَنَّ هَذِهِ الْجِهَةَ لَا يُقْصَدُ الْوَقْفُ عَلَيْهَا عُرْفًا وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا قُصِدَ حَمَّامُ مَكَّةَ بِالْوَقْفِ عَلَيْهِ عُرْفًا كَانَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ صِحَّتَهُ عَلَيْهِ.
أَمَّا الْمُبَاحَةُ الْمُعَيَّنَةُ فَلَا يَصِحُّ عَلَيْهِ جَزْمًا عَلَى نِزَاعٍ فِيهِ

(وَيَصِحُّ) الْوَقْفُ وَلَوْ مِنْ مُسْلِمٍ (عَلَى ذِمِّيٍّ) مُعَيَّنٍ مُتَّحِدٍ أَوْ مُتَعَدِّدٍ كَمَا يَجُوزُ التَّصَدُّقُ عَلَيْهِ.
نَعَمْ لَوْ ظَهَرَ فِي تَعْيِينِهِ قَصْدُ مَعْصِيَةٍ كَالْوَقْفِ عَلَى خَادِمِ كَنِيسَةٍ لِلتَّعَبُّدِ لَغَا كَالْوَقْفِ عَلَى تَرْمِيمِهَا أَوْ وَقُودِهَا أَوْ حَصْرِهَا، وَكَذَا لَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ مَا لَا يَمْلِكُهُ كَقِنٍّ مُسْلِمٍ وَنَحْوِ مُصْحَفٍ فَلَوْ حَارَبَ ذِمِّيٌّ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ صَارَ الْوَقْفُ كَمُنْقَطِعِ الْوَسَطِ أَوْ الْآخِرِ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَعَلَيْهِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُكَاتَبِ إذَا رُقَّ ظَاهِرٌ (لَا مُرْتَدٌّ وَحَرْبِيٌّ) لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَلَا بَقَاءَ لَهُمَا وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ نَحْوِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ وَإِنْ كَانَا دُونَهُ فِي الْإِهْدَارِ إذْ لَا تُمْكِنُ عِصْمَتُهُ بِحَالٍ بِخِلَافِهِمَا بِأَنَّ فِي الْوَقْفِ عَلَيْهِمَا مُنَابَذَةً لِعِزَّةِ الْإِسْلَامِ لِتَمَامِ مُعَانَدَتِهِمَا لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِخِلَافِهِ لَا سِيَّمَا وَالِارْتِدَادُ يُنَافِي الْمِلْكَ وَالْحِرَابَةُ سَبَبُ زَوَالِهِ فَلَا يُنَاسِبُهُمَا التَّحْصِيلُ، أَمَّا الْمُعَاهَدُ وَالْمُؤَمَّنُ فَيَلْحَقَانِ بِالْحَرْبِيِّ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ الدَّمِيرِيِّ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ الْمَفْهُومُ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: فَهُوَ وَقْفٌ عَلَى سَيِّدِهِ) أَيْ فَلَوْ قَصَدَ بِالْوَقْفِ سَيِّدَ الْعَبْدِ أَوْ أَطْلَقَ وَقُلْنَا بِالْمَصْلَحَةِ أَوْ وَقَفَ عَلَى الْبَهِيمَةِ وَقَصَدَ مَالِكَهَا أَوْ عَلَى عَلَفِهَا ثُمَّ بَاعَ الْمَالِكُ لِلْعَبْدِ أَوْ الْبَهِيمَةِ إيَّاهُمَا فَهَلْ يَبْقَى الْمَوْقُوفُ لَهُ أَوْ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُشْتَرِي؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ ذَكَرُوا فِي نَظِيرِ ذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ تَفْصِيلًا وَلَا يَبْعُدُ مَجِيئُهُ هُنَا فَلْيُرَاجَعْ وَيَحْتَمِلُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ بِأَنَّ الْوَقْفَ (قَوْلُهُ: كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الْوَصِيَّةِ إلَخْ) وَعِبَارَتُهُ فِي الْوَصِيَّةِ مَا نَصُّهُ: وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى بَهِيمَةٍ وَلَوْ أَطْلَقَ أَوْ وَقَفَ عَلَى عَلَفِهَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهَا لِلْمِلْكِ إلَى أَنْ قَالَ: فَإِنْ قَصَدَ بِهِ مَالِكَهَا فَهُوَ وَقْفٌ عَلَيْهِ اهـ سم عَلَى حَجّ

(قَوْلُهُ: يَقْصِدُ مَالِكُهَا) يَنْبَغِي رُجُوعُهُ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ لِيُوَافِقَ قَوْلَ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْمُبَاحَةُ) أَيْ الطُّيُورُ الْمُبَاحَةُ

(قَوْلُهُ: عَلَى ذِمِّيٍّ مُعَيَّنٍ) وَسَيَأْتِي حُكْمُ مَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ (قَوْلُهُ: يُشْرَطُ الْوَسَطُ) أَيْ إنْ ذَكَرَ بَعْدَ الذِّمِّيِّ مَصْرِفًا: أَيْ فَيُصْرَفُ لِأَقْرَبِ رَحِمِ الْوَاقِفِ مَا دَامَ حَيًّا، ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِ الذِّمِّيِّ لِمَنْ عَيَّنَهُ الْوَاقِفُ بَعْدَهُ أَوْ الْآخَرِ فَيُصْرَفُ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْآنَ إنْ عَيَّنَ الْوَاقِفُ جِهَةً وَإِلَّا فَلِأَقْرَبِ رَحِمِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ) أَيْ مَا بَحَثَهُ مِنْ أَنَّهُ كَمُنْقَطِعِ الْوَسَطِ أَوْ الْآخِرِ، ثُمَّ إذَا أَسْلَمَ أَوْ تَرَكَ الْمُحَارَبَةَ وَالْتَزَمَ الْجِزْيَةَ هَلْ يَعُودُ اسْتِحْقَاقُهُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَقِيَاسُ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ إلَّا مَنْ يَفْسُقُ مِنْهُمْ فَفَسَقَ بَعْضُهُمْ ثُمَّ عَادَ عَدْلًا مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ اسْتِحْقَاقُهُ هُنَا (قَوْلُهُ: ظَاهِرٌ) وَهُوَ أَنَّهُ بِالْعَجْزِ عَنْ الْكِتَابَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ السَّيِّدِ حَتَّى إنَّ السَّيِّدَ يَسْتَحِقُّ مَا كَسَبَهُ فِي مُدَّةِ كِتَابَتِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الذِّمِّيُّ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ بِحَرَابَتِهِ الْآنَ بَقَاءَ حِرَابَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ (قَوْلُهُ: لَا مُرْتَدٌّ) أَيْ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ مِنْهُ.
لَا يُقَالُ: إنَّهُ مَوْقُوفٌ إنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ تَبَيَّنَ صِحَّتَهُ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: ذَاكَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، بِخِلَافِ مَا لَا يَقْبَلُهُ كَالْبَيْعِ وَالْوَقْفِ فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ بِبُطْلَانِهِ مِنْ الْمُرْتَدِّ مِنْ أَصْلِهِ وَلَوْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ وَبَيَّنَ نَحْوَ الزَّانِي الْمُحْصَنِ) أَيْ حَيْثُ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ دُونَهُمَا (قَوْلُهُ: فَيَلْحَقَانِ بِالْحَرْبِيِّ) أَيْ

[حاشية الرشيدي]

مُنْقَطِعَ الْآخِرِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي، وَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ مُتَجَوِّزٌ بِقَوْلِهِ فَهُوَ مُنْقَطِعُ الْآخِرِ وَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَهُ وَالِاقْتِصَارَ عَلَى قَوْلِهِ فَيَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ إلَخْ

. (قَوْلُهُ: وَمَا نُوزِعَا بِهِ مُسْتَدِلِّينَ) أَيْ: الْمُنَازَعِينَ، وَفِيهِ مَجِيءُ الْحَالِ مِنْ الْفَاعِلِ الْمَحْذُوفِ فَانْظُرْ هَلْ هُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْتِحَاقِهِ

مِنْ كَلَامِهِمْ، وَرَجَّحَ الْغَزِّيِّ إلْحَاقَهُمَا بِالذِّمِّيِّ وَهُوَ الْأَوْجَهُ إنْ حَلَّ بِدَارِنَا مَا دَامَ فِيهَا، فَإِذَا رَجَعَ صُرِفَ لِمَنْ بَعْدَهُ، وَخَصَّ الْمُصَنِّفُ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ الْخِلَافَ بِقَوْلِهِ وَقَفْت عَلَى زَيْدٍ الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ اللُّبَابِ، أَمَّا إذَا وَقَفَ عَلَى الْحَرْبِيَّيْنِ أَوْ الْمُرْتَدَّيْنِ فَلَا يَصِحُّ قَطْعًا، وَرَجَّحَ السُّبْكِيُّ فِيمَنْ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ بِالْمُحَارَبَةِ أَنَّهُ كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ

(وَنَفْسُهُ فِي الْأَصَحِّ) لِتَعَذُّرِ تَمْلِيكِ الْإِنْسَانِ مِلْكَهُ أَوْ مَنَافِعَ مِلْكِهِ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ حَاصِلٌ، وَيَمْتَنِعُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَاخْتِلَافُ الْجِهَةِ إذْ اسْتِحْقَاقُهُ وَقْفًا غَيْرُهُ مِلْكًا الَّذِي نُظِرَ لَهُ مُقَابِلٌ الْأَصَحُّ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ، وَمِنْهُ أَنْ يَشْتَرِطَ نَحْوَ قَضَاءِ دَيْنِهِ مِمَّا وَقَفَهُ، أَوْ انْتِقَاعِهِ بِهِ، أَوْ شُرْبِهِ مِنْهُ، أَوْ مُطَالَعَتِهِ فِي الْكِتَابِ، أَوْ طَبْخِهِ فِي الْقِدْرِ، أَوْ اسْتِعْمَالِهِ مِنْ بِئْرٍ أَوْ كُوزٍ وُقِفَ ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ الْفُقَرَاءِ، فَيَبْطُلُ الْوَقْفُ بِذَلِكَ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الشُّرَّاحِ هُنَا، وَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ جَوَازَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ عُثْمَانَ فِي وَقْفِهِ لِبِئْرِ رُومَةَ دَلْوِي فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَقَدْ أَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ بَلْ الْإِخْبَارِ بِأَنَّ لِلْوَاقِفِ الِانْتِفَاعَ بِوَقْفِهِ الْعَامِّ كَالصَّلَاةِ بِمَسْجِدٍ وَقَفَهُ وَالشُّرْبِ مِنْ بِئْرٍ وَقَفَهَا.
نَعَمْ لَوْ شَرَطَ أَنْ يُضَحَّى عَنْهُ صَحَّ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِ بِصِحَّةِ شَرْطِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْهُ: أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ سِوَى الثَّوَابِ وَهُوَ لَا يَضُرُّ بَلْ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْوَقْفِ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ مَثَلًا ثُمَّ صَارَ فَقِيرًا جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهُ: وَكَذَا لَوْ كَانَ فَقِيرًا حَالَ الْوَقْفِ كَمَا فِي الْكَافِي وَاعْتَمَدَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيَصِحُّ

[حاشية الشبراملسي]

فَلَا يَصِحُّ عَلَيْهِمَا (قَوْلُهُ: إنْ حَلَّ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَقَوْلُهُ فَإِذَا رَجَعَ أَيْ عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ (قَوْلُهُ: صُرِفَ لِمَنْ بَعْدَهُ) أَيْ وَهُوَ الْفُقَرَاءُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي الذِّمِّيِّ إذَا حَارَبَ أَنَّهُ يَصِيرُ كَمُنْقَطِعِ الْوَسَطِ حَيْثُ ذَكَرَ بَعْدَهُ جِهَةً يُصْرَفُ إلَيْهَا، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ مَوْضُوعَ الذِّمَّةِ عَلَى عَدَمِ النَّقْصِ مَا بَقِيَ الذِّمِّيُّ، بِخِلَافِ الْعَهْدِ وَالْأَمَانِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَوْضُوعُهُ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَانْتِقَالُهُ لِدَارِ الْحَرْبِ كَالْمُحَقَّقِ، فَكَأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ الِاسْتِحْقَاقَ إلَّا بِالْمُدَّةِ الْقَلِيلَةِ فَلَمْ يُجْزِ فِيهِ كَوْنُهُ كَمُنْقَطِعِ الْوَسَطِ بَلْ جَزَمَ فِيهِ بِانْتِقَالِهِ لِمَنْ بَعْدَهُ، وَعَلَى هَذَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا عَادَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْوَاقِفِ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا الْمُدَّةَ الْأُولَى (قَوْلُهُ وَقَفْت عَلَى زَيْدٍ الْحَرْبِيِّ) ظَاهِرُهُ أَنَّ لَفْظَ الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ مِنْ جُمْلَةِ صِيغَتِهِ فَلَا تَتَقَيَّدُ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَيْهِمَا الَّذِي قَالَ بِهِ مُقَابِلُ الْأَصَحِّ بِمَا لَوْ قَالَ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ فِي الْوَاقِعِ حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَصْفَ بِالْحَرْبِيِّ أَوْ الْمُرْتَدِّ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى الْوَقْفِ عَلَيْهِ الْحِرَابَةِ أَوْ الرِّدَّةُ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِعَلِيَّةِ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ وَقَفْت دَارِي عَلَى مَنْ يَرْتَدُّ أَوْ يُحَارِبُ وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا (قَوْلُهُ: وَرَجَّحَ السُّبْكِيُّ إلَخْ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَوْلُهُ بِالْمُحَارَبَةِ: أَيْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَقَوْلُهُ كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ أَيْ فَيَصِحَّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ

(قَوْلُهُ: وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ) لَا يَقْوَى عَلَى دَفْعِ ذَلِكَ التَّعَذُّرِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ انْتِفَاعُهُ) أَيْ وَلَوْ بِالصَّلَاةِ فِيمَا وَقَفَهُ مَسْجِدًا اهـ حَجّ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْوَقْفَ يَبْطُلُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ وَنَقَلَهُ عَنْ تَصْرِيحِ شَرْحِ الْبَهْجَةِ رَادًّا بِهِ عَلَى مَنْ اقْتَضَى كَلَامُهُ صِحَّةَ الْوَقْفِ وَبُطْلَانَ الشَّرْطِ (قَوْلُهُ: فَيَبْطُلُ الْوَقْفُ) وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْبُطْلَانِ مَا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ مِنْ أَنَّ شَخْصًا وَقَفَ نَخِيلًا عَلَى مَسْجِدٍ بِشَرْطِ أَنْ تَكُون ثَمَرَتُهَا لَهُ وَالْجَرِيدُ وَاللِّيفُ وَالْخَشَبُ وَنَحْوُهَا لِلْمَسْجِدِ، وَبَقِيَ مَا لَوْ وَقَفَ جَرِيدَ النَّخْلِ أَوْ لِيفَهُ مَثَلًا هَلْ يَشْمَلُ الْحَادِثَ وَالْمَوْجُودَ أَوْ الْمَوْجُودَ فَقَطْ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ.
وَمَحِلُّ التَّرَدُّدِ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْمَوْجُودِ بِأَنْ يَقُولَ هَذَا الْجَرِيدُ، فَإِنْ نَصَّ عَلَيْهِ لَمْ يَدْخُلْ الْحَادِثُ (قَوْلُهُ: عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ) هَذَا كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّصْرِيحَ بِنَفْسِهِ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ فِي وَقْفِ نَحْوِ الْبِئْرِ وَالْمَسْجِدِ يَضُرُّ فَتَأَمَّلْهُ وَرَاجِعْهُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ بِشَرْطِهِ ذَلِكَ مَنَعَ غَيْرَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ فَأَشْبَهَ الْوَقْفَ عَلَى نَفْسِهِ، عَلَى أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ: أَوْ شُرْبُهُ مِنْهُ أَوْ مُطَالَعَتُهُ فِي الْكِتَابِ، صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ (قَوْلُهُ: جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهُ) أَيْ كَأَحَدِهِمْ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ شَرَطَ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُ صَحَّ) اُنْظُرْ هَلْ لِهَذِهِ الْأُضْحِيَّةَ حُكْمُ سَائِرِ الضَّحَايَا وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِ الْوَاقِفِ

شَرْطُهُ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ وَلَوْ بِمُقَابِلٍ إنْ كَانَ بِقَدْرِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَقَلَّ كَمَا قَيَّدَهُ بِذَلِكَ ابْنُ الصَّلَاحِ.
وَمِنْ الْحِيَلِ فِي الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ أَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِ أَبِيهِ وَيَذْكُرَ صِفَاتِ نَفْسِهِ فَيَصِحَّ كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاعْتَمَدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَعَمِلَ بِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَوَقَفَ عَلَى الْأَفْقَهِ مِنْ بَنِي الرِّفْعَةِ وَكَانَ يَتَنَاوَلُهُ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ وَالْخُوَارِزْمِيّ فَأَبْطَلُوهُ إنْ انْحَصَرَتْ الصِّفَةُ فِيهِ وَإِلَّا صَحَّ، قَالَ: وَهُوَ أَقْرَبُ لِبُعْدِهِ عَنْ قَصْدِ الْجِهَةِ وَأَنْ يُؤَجِّرَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ يَقِفَهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ مَثَلًا ثُمَّ يَتَصَرَّفَ فِي الْأُجْرَةِ أَوْ يَسْتَأْجِرَهُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَهُوَ الْأَحْوَطُ لِيَنْفَرِدَ بِالْيَدِ وَيَأْمَنَ خَطَرَ الدَّيْنِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَأَنْ يَسْتَحِكُمْ فِيهِ مَنْ يَرَاهُ، وَلَوْ أَقَرَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى جِهَاتٍ مُفَصَّلَةٍ بِأَنَّ حَاكِمًا يَرَاهُ حُكِمَ بِهِ وَبِلُزُومِهِ وَآخَذْنَاهُ بِإِقْرَارِهِ وَنُقِضَ الْوَقْفُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْبُرْهَانُ الْمَرَاغِيَّ، وَالْأَوْجَهُ مَا أَفْتَى بِهِ التَّاجُ الْفَزَارِيّ مِنْ قَبُولِ إقْرَارِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ يَتَلَقَّى مِنْهُ، كَمَا لَوْ قَالَ هَذَا وَقْفٌ عَلَيَّ وَسَيَأْتِي مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ، وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ وَتَبِعَهُ جَمْعٌ بِأَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ لَا يَمْنَعُ الشَّافِعِيَّ بَاطِنًا مِنْ بَيْعِهِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ فِيهِ، قَالَ: لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَمْنَعُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ سِيَاسَةً شَرْعِيَّةً، وَيَلْحَقُ بِهَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ، لَكِنْ رَدَّهُ جَمْعٌ بِأَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى مَرْجُوحٍ وَهُوَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مَحِلِّ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعْلِيلُهُ، وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ فِي مَوَاضِعِ نُفُوذِهِ بَاطِنًا، وَلَا مَعْنَى لَهُ إلَّا تَرَتُّبَ الْآثَارِ عَلَيْهِ مِنْ حِلٍّ وَحُرْمَةٍ وَنَحْوِهِمَا.
وَصَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ بِرَفْعِ الْخِلَافِ وَيَصِيرُ الْأَمْرُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ

(وَإِنْ) (وَقَفَ) مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ (عَلَى جِهَةِ مَعْصِيَةٍ كَعِمَارَةِ) نَحْوِ (الْكَنَائِسِ) الْمَقْصُودَةِ،

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: بِقَدْرِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ) أَيْ أَمَّا إنْ شَرَطَ النَّظَرَ لِغَيْرِهِ وَجَعَلَ لِلنَّاظِرِ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَمْ يَمْتَنِعْ كَمَا يَأْتِي بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ فَوَّضَ إلَيْهِ هَذِهِ الْأُمُورَ (قَوْلُهُ: وَكَأَنَّ) أَيْ ابْنَ الرِّفْعَةِ، وَقَوْلَهُ يَتَنَاوَلُهُ: أَيْ يَأْخُذُ غَلَّتَهُ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يَتَصَرَّفُ فِي الْأُجْرَةِ) وَلَوْ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بَعْدَ الْوَقْفِ عَادَتْ الْمَنَافِعُ لِلْوَاقِفِ كَمَا تَقَدَّمَ لِلشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الْإِجَارَةِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى سَيِّدِهِ بِأُجْرَةِ مَا بَعْدَ الْعِتْقِ (قَوْلُهُ: مَنْ يَرَاهُ) أَيْ الْوَقْفَ عَلَى النَّفْسِ كَالْحَنَفِيِّ (قَوْلُهُ: وَعَلَى مَنْ يَتَلَقَّى) أَيْ فَلَا يَبْطُلُ فِي حَقِّهِ وَلَا حَقِّ مَنْ يَتَلَقَّى مِنْهُ (قَوْلُهُ وَسَيَأْتِي) قَالَ حَجّ قَبِيلَ الْفَصْلِ اهـ (قَوْلُهُ بِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ) أَيْ وَلَوْ حَاكِمَ ضَرُورَةٍ.
وَمَحِلُّ ذَلِكَ كُلِّهِ حَيْثُ صَدَرَ حُكْمٌ صَحِيحٌ مَبْنِيٌّ عَلَى دَعْوَى وَجَوَابٍ.
أَمَّا لَوْ قَالَ الْحَاكِمُ الْحَنَفِيُّ مَثَلًا حَكَمْت بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَبِمُوجِبِهِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ دَعْوَى فِي ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا بَلْ هُوَ إفْتَاءٌ مُجَرَّدٌ وَهُوَ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ فَكَأَنْ لَا حُكْمَ فَيَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ بَيْعُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ

(قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ مَعْصِيَةٍ) اُنْظُرْ هَلْ الْعِبْرَةُ بِعَقِيدَةِ الْوَاقِفِ أَوْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْ بِعَقِيدَتِهِمَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَقِيدَةِ الْوَاقِفِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ لِلْفِعْلِ فَتُعْتَبَرُ عَقِيدَتُهُ، وَبَقِيَ مَا لَوْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَى الْكَنَائِسِ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى مَا تَنْزِلُهُ الْمَارَّةُ فَيَصِحُّ أَوْ عَلَى مَا لِلتَّعَبُّدِ فَيَبْطُلُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَاشِيَةِ التَّحْرِيرِ لِشَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ عَلَى عِمَارَةِ الْكَنَائِسِ لَوْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَى الْكَنَائِسِ فَهَلْ يَبْطُلُ، أَفْتَى شَيْخُنَا صَالِحٌ بِالْبُطْلَانِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْوَقْفِ عَلَيْهَا الْوَقْفُ عَلَى مَصَالِحِهَا الْمَمْنُوعِ وَهُوَ مَا كَانَ يَظْهَرُ اهـ (قَوْلُهُ نَحْوَ الْكَنَائِسِ) وَصَرِيحُ مَا ذَكَرَ أَنَّ هَذَا إذَا صَدَرَ مِنْ مُسْلِمٍ يَكُونُ مَعْصِيَةً فَقَطْ وَلَا يَكْفُرُ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ فَعَلَ أَمْرًا مُحَرَّمًا لَا يَتَضَمَّنُ قَطْعَ الْإِسْلَامِ، لَكِنْ نَقَلَ بِالدَّرْسِ عَنْ شَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ أَنَّ عِمَارَةَ الْكَنِيسَةِ مِنْ الْمُسْلِمِ كُفْرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ تَعْظِيمٌ لِغَيْرِ الْإِسْلَامِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى

[حاشية الرشيدي]

الْمُضَحَّى عَنْهُ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ بِقَدْرِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَقَلَّ) أَيْ: وَإِلَّا بَطَلَ الْوَقْفُ، كَذَا فِي بَعْضِ الْهَوَامِشِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَقْرَبُ) لَعَلَّهُ سَقَطَ قَبْلَ لَفْظِ قَالَ السُّبْكِيُّ إذْ هُوَ كَذَلِكَ فِي التُّحْفَةِ، وَإِلَّا فَقَدْ اسْتَوْجَهَ هُوَ الصِّحَّةَ.
(قَوْلُهُ: لِبُعْدِهِ عَنْ قَصْدِ الْجِهَةِ) تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَ قَوْلِهِ وَإِلَّا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى مَنْ يَتَلَقَّى مِنْهُ) اُنْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ مَنْ يَتَلَقَّى مِنْهُ

لِلتَّعَبُّدِ وَتَرْمِيمِهَا وَإِنْ مَكَّنَّاهُمْ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَوْ قَنَادِيلِهَا أَوْ كِتَابَةِ نَحْوِ التَّوْرَاةِ (فَبَاطِلٌ) لِكَوْنِهِ إعَانَةً عَلَى مَعْصِيَةٍ.
نَعَمْ مَا فَعَلَهُ ذِمِّيٌّ لَا نُبْطِلُهُ إلَّا إنْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا وَإِنْ قَضَى بِهِ حَاكِمُهُمْ لَا مَا وَقَفُوهُ قَبْلَ الْمَبْعَثِ عَلَى كَنَائِسِهِمْ الْقَدِيمَةِ فَلَا نُبْطِلُهُ بَلْ نُقِرُّهُ حَيْثُ نُقِرُّهَا، أَمَّا نَحْوُ كَنِيسَةٍ لِنُزُولِ الْمَارَّةِ أَوْ لِسُكْنَى قَوْمٍ مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ فِيمَا يَظْهَرُ فَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهَا وَعَلَى نَحْوِ قَنَادِيلِهَا وَإِسْرَاجِهَا وَإِطْعَامِ مَنْ يَأْتِي إلَيْهَا مِنْهُمْ لِانْتِقَاءِ الْمَعْصِيَةِ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ رِبَاطٌ لَا كَنِيسَةٌ كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ جَرَى هُنَا جَمِيعُ مَا يَأْتِي ثُمَّ، وَمِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَنَّهُ يَقِفُ مَا لَهُ عَلَى ذُكُورِ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ حَالَ صِحَّتِهِ قَاصِدًا بِذَلِكَ حِرْمَانَ إنَاثِهِمْ، وَالْأَوْجَهُ الصِّحَّةُ وَإِنْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ الْقَوْلُ بِبُطْلَانِهِ (أَوْ) عَلَى (جِهَةِ قُرْبَةٍ كَالْفُقَرَاءِ) وَالْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا فُقَرَاءُ الزَّكَاةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ.
نَعَمْ الْمُكْتَسِبُ كِفَايَتَهُ وَلَا مَالَ لَهُ يَأْخُذُهَا (وَالْعُلَمَاءُ) وَهُمْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَصْحَابُ عُلُومِ الشَّرْعِ كَالْوَصِيَّةِ وَالْمَدَارِسِ وَالْكَعْبَةِ وَالْقَنَاطِرِ وَتَجْهِيزِ الْمَوْتَى فَيَخْتَصُّ بِهِ مَنْ لَا تَرِكَةَ لَهُ وَلَا مُنْفِقَ (صَحَّ) لِعُمُومِ أَدِلَّةِ الْوَقْفِ وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ عَلَى جَمَادٍ لِأَنَّ نَفْعَ ذَلِكَ رَاجِعٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا لِانْقِطَاعِ الْعُلَمَاءِ دُونَ الْفُقَرَاءِ لِأَنَّ الدَّوَامَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ إمْكَانِ حَصْرِ الْجِهَةِ، فَلَوْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ كَالْوَقْفِ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ صَحَّ كَذَلِكَ أَيْضًا كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَبَعًا لِلسُّبْكِيِّ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ (أَوْ) عَلَى (جِهَةٍ لَا تَظْهَرُ فِيهَا الْقُرْبَةُ) بَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِجِهَةِ الْقُرْبَةِ مَا ظَهَرَ فِيهِ قَصْدُهَا وَإِلَّا فَالْوَقْفُ كُلُّهُ قُرْبَةٌ (كَالْأَغْنِيَاءِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ) كَمَا يَجُوزُ بَلْ تُسَنُّ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ، فَالْمُرَاعَى انْعِقَادُ الْمَعْصِيَةِ عَنْ الْجِهَةِ فَقَطْ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكٌ كَالْوَصِيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَحْسَنَّا بُطْلَانَهُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْفُسَّاقِ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَهُوَ مَرْدُودٌ نَقْلًا وَمَعْنًى، وَتَمْثِيلُ الْمُصَنِّفِ صَحِيحٌ، وَمَنْ زَعَمَ عَدَمَ صِحَّتِهِ مَعَ سَنِّ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ فَكَيْفَ لَا يَظْهَرُ فِيهِمْ قَصْدُ الْقُرْبَةِ فَقَدْ وَهَمَ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا لَا يَظْهَرُ وَلَا يُوجَدُ،

[حاشية الشبراملسي]

لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ فِيهِ تَعْظِيمُ غَيْرِ الْإِسْلَامِ مَعَ إنْكَارِهِ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَضُرُّ وَبِتَسْلِيمِهِ فَمُجَرَّدُ تَعْظِيمِهِ مَعَ اعْتِقَادِ حَقِّيَّةَ الْإِسْلَامِ لَا يَضُرُّ أَيْضًا لِجَوَازِ كَوْنِ التَّعْظِيمِ لِضَرُورَةٍ فَهُوَ تَعْظِيمٌ ظَاهِرِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ، فَإِنْ صَحَّ مَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الْمَذْكُورِ حُمِلَ عَلَى تَعْظِيمٍ يُؤَدِّي إلَى حَقَارَةِ الْإِسْلَامِ كَاسْتِحْسَانِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ دِينُهَا عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ مَعَ التَّعْظِيمِ (قَوْلُهُ: لِلتَّعَبُّدِ) أَيْ وَلَوْ مَعَ نُزُولِ الْمَارَّةِ، وَقَوْلُهُ إلَّا إنْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا: أَيْ فَنُبْطِلُهُ وَإِنْ قَضَى إلَخْ (قَوْلُهُ: بَلْ نُقِرُّهُ حَيْثُ نُقِرُّهَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ شُرُوطَهُ عِنْدَهُمْ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُعْتَبَرُ فِي شَرِيعَتِنَا مُعْتَبَرًا فِي شَرِيعَتِهِمْ حِين كَانَتْ حَقًّا (قَوْلُهُ: لِنُزُولِ الْمَارَّةِ) أَيْ وَلَوْ ذِمِّيِّينَ (قَوْلُهُ: حَالَ صِحَّتِهِ) أَيْ أَمَّا فِي حَالِ مَرَضِهِ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِإِجَازَةِ الْإِنَاثِ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَا الْبَاقِينَ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ الصِّحَّةُ) أَيْ مَعَ عَدَمِ الْإِثْمِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَلَا مَالَ لَهُ) قَضِيَّةُ تَخْصِيصِ الِاسْتِدْرَاكِ بِمَا ذَكَرَ أَنَّ مَنْ لَهُ مَالٌ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ لَا يَأْخُذُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فَقِيرًا فِي الزَّكَاةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْفَقِيرِ هُنَا مَا يَشْمَلُ الْمِسْكِينَ فَمَنْ لَهُ مَالٌ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ لَكِنَّهُ لَا يَكْفِيهِ فَقِيرٌ (قَوْلُهُ: وَالْعُلَمَاءُ) أَيْ وَيُصْرَفُ لَهُمْ وَلَوْ أَغْنِيَاءَ (قَوْلُهُ: عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ صَحَّ) وَعَلَى الصِّحَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكْفِي الصَّرْفَ لِثَلَاثَةٍ، لَكِنْ لَا يَتَّجِهُ هُنَا إذَا فَضَلَ الرُّبُعُ عَنْ كِفَايَتِهِمْ لَا سِيَّمَا مَعَ احْتِيَاجِ

[حاشية الرشيدي]

بِجِهَةِ الْوَقْفِ خَاصَّةً حَتَّى يُخْرِجَ نَحْوَ الزَّوْجَةِ فَلَا يَسْرِي عَلَيْهِ أَوْ الْمُرَادُ مَا هُوَ أَعَمُّ

(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَضَى بِهِ حَاكِمُهُمْ) أَيْ: فَنُبْطِلُهُ إذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا (قَوْلُهُ: هَذَا كُلُّهُ إلَخْ) هَذَا التَّعْبِيرُ يُوهِمُ ابْتِدَاءً أَنَّ مَا سَيَذْكُرُهُ يُخَالِفُ حُكْمَ مَا ذَكَرَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَكَانَ الْأَوْلَى خِلَافَ هَذَا التَّعْبِيرِ.
(قَوْلُهُ: لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَظْهَرُ وَلَا يُوجَدُ) قَدْ يُقَالُ: لَيْسَ هَذَا حَقَّ الْجَوَابِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ لَمْ يُسَوِّ بَيْنَهُمَا بَلْ ادَّعَى الظُّهُورَ فِي الْإِغْيَاءِ الَّذِي نَفَاهُ الْمُصَنِّفُ فَكَانَ حَقُّ الْجَوَابِ إنَّمَا هُوَ

وَلَوْ حَصَرَهُمْ كَأَغْنِيَاءِ أَقَارِبِهِ صَحَّ جَزْمًا كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ، وَالْغَنِيُّ هُنَا مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، قَالَهُ الزَّبِيلِيُّ، وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ اعْتِبَارَ الْعُرْفِ ثُمَّ تَشَكَّكَ فِيهِ

(وَلَا يَصِحُّ) الْوَقْفُ مِنْ نَاطِقٍ لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ (إلَّا بِلَفْظٍ) وَلَا يَأْتِي فِيهِ خِلَافُ الْمُعَاطَاةِ وَفَارَقَ نَحْوَ الْبَيْعِ بِأَنَّهَا عُهِدَتْ فِيهِ جَاهِلِيَّةٌ فَأَمْكَنَ تَنْزِيلُ النَّصِّ عَلَيْهَا، وَلَا كَذَلِكَ الْوَقْفُ، فَلَوْ بَنَى بِنَاءً عَلَى هَيْئَةِ مَسْجِدٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ وَأَذِنَ فِي إقَامَةِ الصَّلَاةِ أَوْ الدَّفْنِ فِيهِ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ مِلْكِهِ.
نَعَمْ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ فِي الْمَوَاتِ تَكْفِي النِّيَّةُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إخْرَاجُ الْأَرْضِ الْمَقْصُودَةِ بِالذَّاتِ عَنْ مِلْكِهِ لَا حَقِيقَةً وَلَا تَقْدِيرًا حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى لَفْظٍ قَوِيٍّ يُخْرِجُهُ عَنْهُ كَمَا قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ تَبَعًا لِلْمَاوَرْدِيِّ، وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ الْآلَةِ بِاسْتِقْرَارِهَا فِي مَحِلِّهَا مِنْ الْبِنَاءِ لَا قَبْلَهُ، إلَّا أَنْ يَقُولَ؛ هِيَ لِلْمَسْجِدِ، وَيَقْبَلُ نَاظِرُهُ لَهُ ذَلِكَ وَيَقْبِضُهُ كَمَا قَالَهُ الْقَمُولِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ، وَقَوْلُ الرُّويَانِيِّ: لَوْ عَمَرَ مَسْجِدًا خَرَابًا وَلَمْ يَقِفْ الْآلَةَ كَانَتْ عَارِيَّةً يَرْجِعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ، يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَبْنِ بِقَصْدِ الْمَسْجِدِ وَالْقَوْلُ بِخِلَافِهِ عَلَى مَا إذَا بَنَى بِقَصْدِ ذَلِكَ، وَفِي كَلَامِ الْبَغَوِيّ مَا يَرُدُّ كَلَامَ الرُّويَانِيِّ، وَأَلْحَقَ الْإِسْنَوِيُّ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ بِالْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ الْمَدَارِسَ وَالرُّبُطَ وَالْبُلْقِينِيُّ أَخْذًا مِنْهُ أَيْضًا الْبِئْرَ الْمَحْفُورَةَ لِلسَّبِيلِ وَالْبُقْعَةَ الْمُحَيَّاةَ مَقْبَرَةً.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكَذَا لَوْ أَخَذَ مِنْ النَّاسِ شَيْئًا لِيَبْنِيَ بِهِ زَاوِيَةً أَوْ رِبَاطًا فَيَصِيرَ كَذَلِكَ بِمُجَرَّدِ بِنَائِهِ

[حاشية الشبراملسي]

غَيْرِهِمْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَظَاهِرُهُ إنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ لَهُمْ أَغْنِيَاءَ (قَوْلُهُ: مِنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ) أَيْ بِمَالٍ لَهُ لَا بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ لِمَا مَرَّ فِي الْفَقِيرِ اهـ. لَكِنْ فِي سم عَلَى حَجّ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ وَالْغَنِيُّ إلَخْ شَامِلٌ لِلْمُكْتَسِبِ السَّابِقِ إلْحَاقُهُ بِالْفُقَرَاءِ فِي الْأَخْذِ مِنْ الْوَقْفِ عَلَيْهِمْ، فَعَلَى هَذَا الشُّمُولِ يَلْزَمُ أَنْ يَأْخُذَ الْمُكْتَسِبُ الْمَذْكُورُ مَعَ الْأَغْنِيَاءِ وَمَعَ الْفُقَرَاءِ وَهُوَ بَعِيدٌ

(قَوْلُهُ: وَلَا يَأْتِي فِيهِ) أَيْ الْوَقْفِ، وَقَوْلُهُ وَفَارَقَ الْبَيْعَ: أَيْ حَيْثُ جَرَى فِيهِ الْخِلَافُ (قَوْلُهُ فَأَمْكَنَ تَنْزِيلُ النَّصِّ عَلَيْهَا) وَهُوَ قَوْلُهُ " إنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ " فَحُمِلَ عَلَى الْبَيْعِ الْمَعْرُوفِ لَهُمْ وَلَوْ بِالْمُعَاطَاةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا (قَوْلُهُ: وَيَقْبِضُهُ) هُوَ وَاضِحٌ فِيمَا لَهُ نَاظِرٌ، أَمَّا مَا لَا نَاظِرَ لَهُ كَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا بِقَصْدِ الْمَسْجِدِيَّةِ فَإِنَّ مَا أَحْيَاهُ يَصِيرُ مَسْجِدًا وَلَا نَاظِرَ لَهُ، فَإِذَا أَعَدَّ لَهُ آلَةً قَبْلَ الْإِحْيَاءِ ثُمَّ بَنَى بِهَا فِيهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ مَلَكَهَا مِنْ حِينِ الْإِعْدَادِ اهـ حَجّ بِالْمَعْنَى: أَيْ وَأَمَّا مَا أَعَدَّهُ بَعْدَ الْإِحْيَاءِ لِنَحْوِ تَرْمِيمِهِ أَوْ إكْمَالِ بِنَائِهِ وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ الْآلَةِ بِاسْتِقْرَارِهِ فِي مَحِلِّهِ إلَخْ، ثُمَّ مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الْمَسْجِدَ قَدْ يَكُونُ لَا نَاظِرَ لَهُ ظَاهِرٌ فِيمَنْ شَرَعَ فِي إحْيَاءِ مَسْجِدٍ فِي مَوَاتٍ فَإِنَّهُ قَبْلَ تَمَامِ الْإِحْيَاءِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِيَّةِ فَلَا نَاظِرَ لَهُ، أَمَّا بَعْدَ تَمَامِ الْإِحْيَاءِ فَيَكُونُ نَاظِرُهُ الْحَاكِمَ (قَوْلُهُ: يُمْكِنُ حَمْلُهُ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: بِالْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهُ يَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الْبِنَاءِ فِي الْمَوَاتِ (قَوْلُهُ: لِيَبْنِيَ بِهِ زَاوِيَةً) وَاشْتَهَرَ عُرْفًا فِي الزَّاوِيَةِ أَنَّهَا

[حاشية الرشيدي]

ادِّعَاءُ مَنْعِ الظُّهُورِ

(قَوْلُهُ: وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ الْآلَةِ إلَخْ) هُوَ مِنْ كَلَامِ الْكِفَايَةِ أَيْضًا تَبَعًا لِلْمَاوَرْدِيِّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي فِي الشَّارِحِ فَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَ قَوْلِهِ كَمَا قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ إلَخْ عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَاعْتِرَاضُ الْقَمُولِيِّ وَالْبُلْقِينِيِّ إلَخْ) لَيْسَ فِيمَا رَأَيْته مِنْ نُسَخِ الشَّارِحِ لِهَذَا خَبَرٌ، وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ الْكَتَبَةِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَاعْتَرَضَ الْقَمُولِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ مَا ذَكَرَهُ آخِرًا بِأَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي تَوَقُّفُ مِلْكِهِ لِلْآلَةِ عَلَى قَبُولِ نَاظِرِهِ وَقَبْضِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْآلَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْإِحْيَاءُ وَهُوَ حِينَئِذٍ لَا نَاظِرَ لَهُ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَسْجِدِيَّةِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُوجَدَ مِنْ الْبِنَاءِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْيَاءُ؛ وَإِذَا تَعَذَّرَ النَّاظِرُ حِينَئِذٍ اقْتَضَتْ الضَّرُورَةُ أَنَّ مَا سَيَصِيرُ مَسْجِدًا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ مَلَكَ تِلْكَ الْآلَةَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، فَمَا قَالَهُ: أَيْ الْمَاوَرْدِيُّ صَحِيحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: مَا ذَكَرَهُ آخِرًا) يَعْنِي صَاحِبَ الْكِفَايَةِ تَبَعًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَقَوْلُهُ: آخِرًا: أَيْ قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَقُلْ هِيَ لِلْمَسْجِدِ (قَوْلُهُ: وَغَيْرِهِمَا) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْقَمُولِيِّ وَالْبُلْقِينِيِّ: أَيْ وَاعْتِرَاضِ غَيْرِهِمَا، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: يُمْكِنُ حَمْلُهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لَهُ إلَّا بِتَكَلُّفٍ؛ إذْ الَّذِي يُمْكِنُ حَمْلُهُ إنَّمَا هُوَ كَلَامُ الرُّويَانِيِّ لَا الِاعْتِرَاضُ الْمُقَدَّرُ الَّذِي

أَمَّا الْأَخْرَسُ فَيَصِحُّ بِإِشَارَتِهِ وَأَمَّا الْكَاتِبُ فَبِكِتَابَتِهِ مَعَ النِّيَّةِ (وَصَرِيحُهُ) مَا اُشْتُقَّ مِنْ لَفْظِ الْوَقْفِ، نَحْوَ (وَقَفْت كَذَا) عَلَى كَذَا (أَوْ أَرْضِي) أَوْ أَمْلَاكِي (مَوْقُوفَةٌ) أَوْ وَقْفٌ (عَلَيْهِ وَالتَّسْبِيلُ وَالتَّحْبِيسُ) أَيْ مَا اُشْتُقَّ مِنْهُمَا كَأَمْلَاكِي حَبْسٌ عَلَيْهِ (صَرِيحَانِ عَلَى الصَّحِيحِ) فِيهِمَا لِاشْتِهَارِهِمَا شَرْعًا وَعُرْفًا فِيهِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُمَا كِنَايَتَانِ لِعَدَمِ اشْتِهَارِهِمَا كَاشْتِهَارِ الْوَقْفِ، وَقِيلَ الْأَوَّلُ كِنَايَةٌ وَالثَّانِي صَرِيحٌ (وَلَوْ قَالَ تَصَدَّقْت بِكَذَا صَدَقَةً مُحَرَّمَةً) أَوْ مُؤَبَّدَةً (أَوْ مَوْقُوفَةً) وَلَا يُشْكِلُ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ مَعَ صَرَاحَةِ أَرْضِي مَوْقُوفَةٌ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ فِيهَا خِلَافًا أَيْضًا، وَعَلَى عَدَمِهِ فَمَوْقُوفَةٌ فِي الْأُولَى وَقَعَتْ مَقْصُودَةً، وَفِي الثَّانِيَةِ وَقَعَتْ تَابِعَةً فَضَعَّفَتْ صَرَاحَتَهَا أَوْ مُسَبَّلَةً أَوْ مُحْبَسَةً أَوْ صَدَقَةَ حَبْسٍ أَوْ حَبْسٍ مُحَرَّمٍ أَوْ صَدَقَةً ثَابِتَةً أَوْ بَتَلَةً كَمَا قَالَهُ ابْنُ خَيْرَانِ أَوْ لَا تُورَثُ (أَوْ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ) الْوَاوُ هُنَا بِمَعْنَى أَوْ، إذْ أَحَدُهُمَا كَافٍ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْبَحْرِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ خَيْرَانِ وَابْنُ الرِّفْعَةِ وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ السُّبْكِيُّ (فَصَرِيحٌ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ لَفْظَ التَّصَدُّقِ مَعَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ لَا يَحْتَمِلُ سِوَى الْوَقْفِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ هَذَا صَرِيحًا بِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ بَائِنٌ مِنِّي بَيْنُونَةً مُحَرَّمَةً لَا تَحِلِّينَ لِي بَعْدَهَا أَبَدًا صَرِيحًا لِاحْتِمَالِهِ غَيْرِ الطَّلَاقِ كَالتَّحْرِيمِ بِالْفَسْخِ بِنَحْوِ رَضَاعٍ، وَالثَّانِي كِنَايَةٌ لِاحْتِمَالِ تَأْكِيدِ مِلْكِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ لَا تَكْفِي صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ حَتَّى يَقُولَ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ (وَقَوْلُهُ تَصَدَّقْت فَقَطْ لَيْسَ بِصَرِيحٍ) فِي الْوَقْفِ وَلَا كِنَايَةً فَلَا يَحْصُلُ وَقْفٌ بِهِ (وَإِنْ نَوَاهُ) لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ صَدَقَةِ الْفَرْضِ وَالنَّقْلِ وَالْوَقْفِ (إلَّا أَنْ يُضَيِّقَهُ إلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ) كَتَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ (وَيَنْوِي الْوَقْفَ) فَيَصِيرَ كِنَايَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَصَوَّبَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَيَحْصُل الْوَقْفُ بِهِ لِظُهُورِ اللَّفْظِ حِينَئِذٍ فِيهِ بِخِلَافِهِ فِي الْمُضَافِ

[حاشية الشبراملسي]

تُرَادِفُ الْمَسْجِدَ وَقَدْ تُرَادِفُ الْمَدْرَسَةَ وَقَدْ تُرَادِفُ الرِّبَاطَ فَيُعْمَلُ فِيهَا بِعُرْفِ مَحِلِّهَا الْمُطَّرِدِ وَإِلَّا فَبِعُرْفِ أَقْرَبِ مَحِلٍّ إلَيْهِ كَمَا هُوَ قِيَاسُ نَظَائِرِهِ اهـ حَجّ.
أَقُولُ: وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَخَذَ مِنْ جَمَاعَةٍ فِي بِلَادٍ مُتَفَرِّقَةٍ مَثَلًا لِيَبْنِيَ زَاوِيَةً فِي مُحَلَّةِ كَذَا كَانَ الْعِبْرَةُ بِعُرْفِ مُحَلَّةِ الزَّاوِيَةِ دُونَ الدَّافِعِينَ، لَكِنْ هَلْ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الدَّافِعِينَ بِعُرْفِ مُحَلَّةِ الزَّاوِيَةِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْآخِذُ مَحِلًّا بِعَيْنِهِ حَالَ الْأَخْذِ لِبِنَاءِ الزَّاوِيَةِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ وَيَتَخَيَّرُ فِي الْمَحِلِّ الَّذِي يَبْنِي فِيهِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الصِّحَّةُ وَكَرِهَ فِي النَّظَرِ لِجِهَةِ الْوَقْفِ مَا أَمْكَنَ، ثُمَّ لَوْ بَقِيَ مِنْ الدَّرَاهِمِ الَّتِي أَخَذَهَا لِمَا ذَكَرً شَيْءٌ بَعْدَ الْبِنَاءِ، فَيَنْبَغِي حِفْظُهُ لِيَصْرِفَ عَلَى مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ الْمَصَالِحِ، وَفِي سم عَلَى حَجّ: فَرْعٌ: فِي فَتَاوَى السُّيُوطِيّ مَا نَصُّهُ: مَسْأَلَةُ الْمَدَارِسِ الْمَبْنِيَّةِ الْآنَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَلَا يُعْلَمُ لِلْوَاقِفِ نَصٌّ عَلَى أَنَّهَا مَسْجِدٌ لِفَقْدِ كِتَابِ الْوَقْفِ وَلَا تُقَامُ بِهَا جُمُعَةٌ هَلْ تُعْطَى حُكْمُ الْمَسْجِدِ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ الْمَدَارِسُ الْمَشْهُورَةُ الْآنَ حَالُهَا مَعْلُومٌ، فَمِنْهَا مَا عُلِمَ نَصُّ الْوَاقِفِ أَنَّهَا مَسْجِدٌ كَالشَّيْخُونِيَّة فِي الْإِيوَانَيْنِ خَاصَّةً دُونَ الصَّحْنِ، وَمِنْهَا مَا عُلِمَ نَصُّهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَسْجِدٍ كَالْكَامِلِيَّةِ وَالْبِيبَرْسِيَّة، فَإِنْ فَرَضَ مَا يُعْلَمُ فِيهِ ذَلِكَ وَلَوْ بِالِاسْتِفَاضَةِ لَمْ يُحْكَمْ بِأَنَّهَا مَسْجِدٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ خِلَافُهُ اهـ. وَأَفْهَم أَنَّ مَا لَمْ يُعْلَمْ فِيهِ شَيْءٌ لَا بِالِاسْتِفَاضَةِ وَلَا غَيْرِهَا يُحْكَمُ بِمَسْجِدِيَّتِهِ اكْتِفَاءً بِظَاهِرِ الْحَالِ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَخْرَسُ) مُحْتَرِزٌ مِنْ نَاطِقٍ (قَوْلُهُ حَبَسَ عَلَيْهِ) أَيْ مَحْبُوسَةً وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ مَصْدَرُ حَبَسَ إذَا وَقَفَ وَبِضَمِّهَا الْمَوْقُوفُ فَفِي الْمُخْتَارِ الْحَبْسُ بِوَزْنِ الْقَفْلِ مَا وُقِفَ (قَوْلُهُ: أَوْ حَبْسَ مُحَرَّمٍ) أَيْ أَوْ صَدَقَةَ حَبْسٍ مُحَرَّمٍ؟ (قَوْلُهُ: صَرِيحًا بِغَيْرِهِ) وَهُوَ مَا ضَمَّهُ إلَى

[حاشية الرشيدي]

هُوَ الْمُبْتَدَأُ (قَوْلُهُ: حُبُسٌ عَلَيْهِ) لَعَلَّهُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَالْبَاءِ جَمْعًا لِحَبِيسٍ حَتَّى يُنَاسِبَ التَّفْسِيرَ قَبْلَهُ.
(قَوْلُهُ: مَعَ صَرَاحَةِ أَرْضِي مَوْقُوفَةٌ بِلَا خِلَافٍ) أَيْ مَعَ ذِكْرِهِ صَرَاحَةَ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ حَتَّى يُلَاقِيَ الْجَوَابَ بِأَنَّ فِيهَا خِلَافًا أَيْضًا عَلَى مَا فِيهِ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهَا ثُمَّ يَدَّعِي فِيهِ الْخِلَافَ.
(قَوْلُهُ: لِاحْتِمَالِهِ غَيْرَ الطَّلَاقِ) وَالْقِيَاسُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَدَّعِ الطَّلَاقَ يُمْنَعُ عَنْهَا مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ ثُمَّ يَسْتَفْسِرُ وَأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِغَيْرِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ

إلَى مُعَيَّنٍ وَلَوْ جَمَاعَةً لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي الْوَقْفِ وَإِنْ نَوَاهُ، إذْ هُوَ صَرِيحٌ فِي التَّمْلِيكِ بِلَا عِوَضٍ، فَإِنْ قَبِلَ وَقَبَضَهُ مَلَكَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ جَمْعٍ أَنَّهُ مَتَى نَوَى بِهِ الْوَقْفَ كَانَ وَقْفًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى (وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَوْلَهُ حَرَّمْته أَوْ أَبَدْته لَيْسَ بِصَرِيحٍ) لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ مُسْتَقِلًّا بَلْ مُؤَكَّدٍ كَمَا مَرَّ فَيَكُونَ كِنَايَةً لِاحْتِمَالِهِ وَإِتْيَانُهُ بِأَوْ لِدَفْعِ إيهَامِ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِكِنَايَةٍ.
وَالثَّانِي أَنَّهُمَا صَرِيحَانِ لِإِفَادَتِهِمَا الْغَرَضَ كَالتَّحْبِيسِ وَالتَّسْبِيلِ (وَ) الْأَصَحُّ وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ (أَنَّ قَوْلَهُ جَعَلْت الْبُقْعَةَ مَسْجِدًا) مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ صَرِيحٌ حِينَئِذٍ (تَصِيرُ بِهِ مَسْجِدًا) وَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِمَّا مَرَّ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَا يَكُونُ إلَّا وَقْفًا.
وَالثَّانِي لَا تَصِيرُ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِمَا وَصَفَهَا الشَّارِعُ بِقَوْلِهِ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَالْخِلَافُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، فَلَوْ نَوَى بِهِ الْوَقْفَ أَوْ زَادَ لِلَّهِ صَارَ مَسْجِدًا قَطْعًا، وَالظَّاهِرُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَذِنْت فِي الِاعْتِكَافِ فِيهِ صَارَ مَسْجِدًا لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي مَسْجِدٍ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ صَيْرُورَتَهُ مَسْجِدًا بِذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِتَضَمُّنِ كَلَامِهِ الْإِقْرَارَ بِهِ لَا لِكَوْنِ ذَلِكَ صِيغَةَ إنْشَاءٍ لِوَقْفِهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ صِيغَةٌ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَقْفًا بَاطِنًا

(وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ) (الْوَقْفَ عَلَى مُعَيَّنٍ) وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ (يُشْتَرَطُ فِيهِ قَبُولُهُ) إنْ كَانَ أَهْلًا، وَإِلَّا فَقَبُولُ وَلِيِّهِ عَقِبَ الْإِيجَابِ أَوْ بُلُوغِ الْخَبَرِ كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ، إذْ دُخُولُ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ فِي مِلْكِهِ قَهْرًا بِغَيْرِ الْإِرْثِ بَعِيدٌ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَأَتْبَاعُهُ وَعَزَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحَيْنِ لِلْإِمَامِ وَآخَرِينَ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَنَقَلَهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ عَنْهُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ رَجَّحَ فِي الرَّوْضَةِ فِي السَّرِقَةِ عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ بِالْقُرْبِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْعُقُودِ، وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ عَنْ النَّصِّ، وَانْتَصَرَ لَهُ جَمْعٌ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَاعْتَمَدُوهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُشْتَرَطُ قَبُولٌ مِنْ بَعْدِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ بَلْ الشَّرْطُ عَدَمُ الرَّدِّ وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّهُمْ يَتَلَقَّوْنَ مِنْ الْوَاقِفِ، فَإِنْ رَدُّوا فَمُنْقَطِعُ الْوَسَطِ، فَإِنْ رَدَّ الْأَوَّلُ بَطَلَ الْوَقْفُ، وَلَوْ رَجَعَ بَعْدَ الرَّدِّ لَمْ يَعُدْ لَهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ رَدَّ بَعْدَ قَبُولِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ فُلَانٍ وَمَنْ يَحْدُثُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ وَلَمْ يَقْبَلْ الْوَلَدُ لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ وَرَثَةٍ حَائِزِينَ وَقَفَ عَلَيْهِمْ مُورِثُهُمْ مَا يَفِي

[حاشية الشبراملسي]

تَصَدَّقْت وَنَحْوِهِ، وَقَوْلُهُ إذْ هُوَ صَرِيحٌ مُعْتَمَدٌ، وَقَوْلُهُ كَانَ وَقْفًا إلَخْ مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: صَارَ مَسْجِدًا) قَضِيَّةُ قَوْلِهِ صَارَ أَنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي إنْشَاءِ وَقْفِهَا مَسْجِدًا، وَمِنْ ثَمَّ بَحَثَ فِيهِ الشَّارِحُ بِمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: فِي الِاعْتِكَافِ) أَيْ أَوْ فِي صَلَاةِ التَّحِيَّةِ فِيهِ

(قَوْلُهُ: يُشْتَرَطُ فِيهِ قَبُولُهُ) وَلَوْ مُتَرَاخِيًا وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ حَيْثُ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ غَائِبًا فَلَمْ يَبْلُغْهُ الْخَبَرُ إلَّا بَعْدَ الطُّولِ.
أَمَّا لَوْ كَانَ حَاضِرًا فَيُشْتَرَطُ الْفَوْرُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ عَقِبَ الْإِيجَابِ، لَكِنْ لَوْ مَاتَ الْوَاقِفُ هَلْ يَكْفِي قَبُولُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ صِحَّةِ الْقَبُولِ لِإِلْحَاقِهِمْ الْوَقْفَ بِالْعُقُودِ دُونَ الْوَصِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ قَبُولُهُ: أَيْ فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ الْمُعَيَّنُ وَلَا وَلِيُّهُ لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ فِي حِصَّةِ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ، وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ: فَرْعٌ: مَالَ م ر إلَى بُطْلَانِ الْوَقْفِ فِيمَا لَوْ مَاتَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ قَبْلَ الْقَبُولِ أَوْ رَدَّ الْوَاقِفُ، وَقَالَ: إنَّ فِي الْمَنْقُولِ مَا يُسَاعِدُهُ فَلْيُحَرَّرْ اهـ سَمِّ عَلَى مَنْهَجٍ.
وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ فَإِنْ رَدَّ الْأَوَّلُ بَطَلَ الْوَقْفُ، وَقَوْلُ سم رَدَّ الْوَاقِفُ: أَيْ رَجَعَ قَبْلَ الْقَبُولِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَقَبُولُ وَلِيِّهِ) أَيْ فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ وَلِيُّهُ بَطَلَ الْوَقْفُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ الْوَاقِفُ أَوْ غَيْرُهُ، وَمَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ خَاصٌّ فَوَلِيُّهُ الْقَاضِي فَيَقْبَلُ لَهُ عِنْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ أَوْ يُقِيمُ عَلَى الصَّبِيِّ مَنْ يَقْبَلُ لَهُ، فَلَوْ وَقَفَ عَلَى جَمْعٍ فَقِبَل بَعْضُهُمْ دُونَ الْبَعْضِ بَطَلَ فِيمَا يَخُصُّ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ عَمَلًا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (قَوْلُهُ: بَلْ الشَّرْطُ عَدَمُ الرَّدِّ) أَيْ فِيمَنْ بَعْدَ الْأَوَّلِ فَلَوْ رَدَّ بَطَلَ فِيمَا يَخُصُّهُ وَانْتَقَلَ لِمَنْ بَعْدَهُ وَيَكُونُ كَمُنْقَطِعِ الْوَسَطِ (قَوْلُهُ: بَطَلَ الْوَقْفُ) هَذَا يُشْعِرُ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ ابْتِدَاءً وَأَنَّهُ إنَّمَا

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ وَرَثَةٍ حَائِزِينَ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ فِي الْوَقْفِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ فَلْيُرَاجَعْ.

بِهِ الثُّلُثَ عَلَى قَدْرِ أَنْصِبَائِهِمْ فَيَصِحُّ، وَيَلْزَمُ مِنْ جِهَتِهِمْ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ قَهْرًا عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْوَقْفِ دَوَامَ الثَّوَابِ لِلْوَاقِفِ فَلَمْ يَمْلِكْ الْوَارِثُ رَدَّهُ، إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ.
وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ إخْرَاجَ الثُّلُثِ عَنْ الْوَارِثِ بِالْكُلِّيَّةِ فَوَقْفُهُ عَلَيْهِ أَوْلَى، وَلَوْ وَقَفَ جَمِيعَ أَمْلَاكِهِ كَذَلِكَ وَلَمْ يُجِيزُوهُ نَفَذَ فِي ثُلُثِ التَّرِكَةِ قَهْرًا عَلَيْهِمْ كَمَا مَرَّ، وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَمَاتَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ قَبْرٌ بَطَلَ وَقْفُهُ، وَخَرَجَ بِالْمُعَيَّنِ الْجِهَةُ الْعَامَّةُ وَجِهَةُ التَّحْرِيرِ كَالْمَسْجِدِ فَلَا قَبُولَ فِيهِ جَزْمًا وَلَمْ يَنُبْ الْإِمَامُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ بِخِلَافِهِ فِي نَحْوِ الْقَوْدِ لِأَنَّ هَذَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُبَاشِرٍ، وَلَوْ وُقِفَ عَلَى مَسْجِدٍ لَمْ يُشْتَرَطْ قَبُولُ نَاظِرِهِ بِخِلَافِ مَا وُهِبَ لَهُ (وَلَوْ رَدَّ) الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ أَوْ بَعْضُهُمْ الْوَقْفَ (بَطَلَ حَقُّهُ) مِنْهُ (شَرَطْنَا الْقَبُولَ أَمْ لَا) كَالْوَصِيَّةِ.
نَعَمْ لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ الْحَائِزِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ لَزِمَ وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ بِرَدِّهِ كَمَا مَرَّ

وَلَمَّا تَمَّمَ الْكَلَامَ عَلَى أَرْكَانِهِ الْأَرْبَعَةِ شَرَعَ فِي ذِكْرِ شُرُوطِهِ.
وَهِيَ: التَّأْبِيدُ، وَالتَّنْجِيزُ وَبَيَانُ الْمَصْرِفِ، وَالْإِلْزَامُ، فَقَالَ (وَلَوْ قَالَ وَقَفْت هَذَا) عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ عَلَى مَسْجِدٍ مَثَلًا (سَنَةً) مَثَلًا (فَبَاطِلٌ) وَقْفُهُ لِفَسَادِ الصِّيغَةِ، إذْ وَضْعُهُ عَلَى التَّأْبِيدِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ طَوِيلُ الْمُدَّةِ وَقَصِيرُهَا.
نَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لَوْ وَقَفَهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَلْفَ سَنَةٍ أَوْ نَحْوَهَا مِمَّا يَبْعُدُ بَقَاءُ الدُّنْيَا إلَيْهِ صَحَّ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ كَالْأَذْرَعِيِّ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ التَّأْبِيدُ دُونَ حَقِيقَةِ التَّأْقِيتِ، وَلَا أَثَرَ لِتَأْقِيتِ الِاسْتِحْقَاقِ كَعَلَى زَيْدٍ سَنَةً ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
أَوْ إلَّا أَنْ يُولَدَ لِي وَلَدٌ كَمَا نَقَلَهُ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ الْخُوَارِزْمِيَّ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَجَرَى عَلَيْهِ فِي الْأَنْوَارِ.
وَلَا لِلتَّأْقِيتِ الضِّمْنِيِّ فِي مُنْقَطِعِ الْآخِرِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ (وَلَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي أَوْ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ نَسْلِهِ) أَوْ نَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يَدُومُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ (فَالْأَظْهَرُ صِحَّةُ الْوَقْفِ) لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْقُرْبَةُ وَالدَّوَامُ فَإِذَا بَيَّنَ مَصْرِفَهُ ابْتِدَاءً سَهَّلَ إدَامَتَهُ عَلَى سَبِيلِ الْخَيْرِ (فَإِذَا انْقَرَضَ الْمَذْكُورُ) أَوْ لَمْ تُعْرَفْ أَرْبَابُ الْوَقْفِ (فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَبْقَى وَقْفًا) لِأَنَّ وَضْعَ الْوَقْفِ الدَّوَامُ كَالْعِتْقِ وَلِأَنَّهُ صَرَفَهُ عَنْهُ فَلَا يَعُودُ كَمَا لَوْ نَذَرَ هَدْيًا إلَى مَكَّةَ فَرَدَّهُ فُقَرَاؤُهَا.
وَالثَّانِي يَرْتَفِعُ الْوَقْفُ وَيَعُودُ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَاتَ، لِأَنَّ بَقَاءَ الْوَقْفِ بِلَا مَصْرِفٍ مُتَعَذِّرٌ، وَإِثْبَاتُ مَصْرِفٍ لَمْ يَذْكُرْهُ الْوَاقِفُ بَعِيدٌ فَتَعَيَّنَ ارْتِفَاعُهُ (وَ) الْأَظْهَرُ (أَنَّ مَصْرِفَهُ

[حاشية الشبراملسي]

يَبْطُلُ إذَا مَاتَ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ قَبْرٌ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا عُلِمَ لَهُ قَبْرٌ بَعْدَ الْمَوْتِ اسْتَمَرَّتْ الصِّحَّةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ الْبُطْلَانُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْقِرَاءَةِ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ أَوْ قَبْرِ أَبِيهِ الْحَيِّ فَلْيُتَأَمَّلْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَفِي حَجّ بَعْدَ حِكَايَةِ هَذَا عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ مَا نَصُّهُ: عَلَى أَنَّهُ يَأْتِي تَفْصِيلُ فِي مَسْأَلَةِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ فَاعْلَمْ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ كَوَقَفْتُهُ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِي أَوْ عَلَى قَبْرِ أَبِي وَأَبُوهُ حَيٌّ، بِخِلَافِ وَقَفْته الْآنَ أَوْ بَعْدَ مَوْتِي عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي فَإِنَّهُ وَصِيَّةٌ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ أُجِيزَ وَعُرِفَ قَبْرُهُ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا اهـ. فَيُحْمَلُ قَوْلُ الشَّارِحِ هُنَا بِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ إلَخْ عَلَى مَا لَوْ كَانَ صُورَةُ الْوَقْفِ وَقَفْت الْآنَ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي فَيَصِحُّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَوْ نجز وَعَلَّقَ إعْطَاءَهُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ جَازَ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَعَلَيْهِ فَالرِّيعُ الْحَاصِلُ فِي حَيَاتِهِ لِلْوَاقِفِ كَالْفَوَائِدِ الْحَاصِلَةِ مِنْ الْمُوصَى بِهِ (قَوْلُهُ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَسْجِدٍ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَهُ الرِّبَاطُ وَالْمَدْرَسَةُ وَالْمَقْبَرَةُ لِمُشَابَهَتِهَا لِلْمَسْجِدِ فِي كَوْنِ الْحَقِّ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى

(قَوْلُهُ: كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ) قَدْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا قَالُوهُ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ فِيهِمَا، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْوَقْفُ لِكَوْنِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ الْقُرْبَةَ الْمَحْضَةَ نَظَرُوا لِمَا يُقْصَدُ مِنْ اللَّفْظِ دُونَ مَدْلُولِهِ (قَوْلُهُ: فَإِذَا لَمْ يُبَيِّنْ مَصْرِفَهُ) أَيْ جَمِيعَ مَصْرِفِهِ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى أَوَّلِهِ.
أَمَّا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ مَصْرِفًا فَبَاطِلٌ لِمَا يَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى وَقَفْت فَالْأَظْهَرُ بُطْلَانُهُ (قَوْلُهُ: فَرَدَّهُ) أَيْ فَلَا

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أَقْرَبُ النَّاسِ) رَحِمًا لَا إرْثًا فَيُقَدَّمُ وُجُوبًا ابْنُ بِنْتٍ عَلَى ابْنِ عَمٍّ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ صِحَّةُ مَا أَفْتَى بِهِ الْعِرَاقِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ ثُمَّ الْأَقْرَبُ إلَى الْوَاقِفِ أَوْ الْمُتَوَفَّى قُرْبُ الدَّرَجَةِ وَالرَّحِمِ لَا قُرْبُ الْإِرْثِ وَالْعُصُوبَةِ فَلَا تَرْجِيحَ بِهِمَا فِي مُسْتَوِيَيْنِ فِي الْقُرْبِ مِنْ حَيْثُ الرَّحِمِ وَالدَّرَجَةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: لَمْ يُرَجَّحْ عَمٌّ عَلَى خَالَةٍ بَلْ هُمَا مُسْتَوِيَانِ وَيُعْتَبَرُ فِيهِمْ الْفَقْرُ، وَلَا يُفَضَّلُ الذَّكَرُ عَلَى غَيْرِهِ فِيمَا يَظْهَرُ (إلَى الْوَاقِفِ) بِنَفْسِهِ (يَوْمَ انْقِرَاضِ الْمَذْكُورِ) لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَقَارِبِ أَفْضَلُ الْقُرُبَاتِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ الرَّدُّ لِلْوَاقِفِ تَعَيَّنَ أَقْرَبُهُمْ إلَيْهِ لِأَنَّ الْأَقَارِبَ مِمَّا حَثَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِمْ فِي جِنْسِ الْوَقْفِ لِخَبَرِ أَبِي طَلْحَةَ «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ» وَبِهِ فَارَقَ عَدَمُ تَعَيُّنِهِمْ فِي نَحْوِ الزَّكَاةِ عَلَى أَنَّ لِهَذِهِ مَصْرِفًا عَيَّنَهُ الشَّارِعُ بِخِلَافِ الْوَقْفِ، وَلَوْ فُقِدَتْ أَقَارِبُهُ أَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ أَغْنِيَاءَ صُرِفَ الرُّبُعُ لِمَصَالِح الْمُسْلِمِينَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْبُوَيْطِيُّ فِي الْأُولَى، أَوْ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ عَلَى مَا قَالَهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمْ، أَوْ قَالَ لِيُصْرَفْ مِنْ غَلَّتِهِ لِفُلَانٍ كَذَا وَسَكَتَ عَنْ بَاقِيهَا فَكَذَلِكَ، وَصَرَّحَ فِي الْأَنْوَارِ بِعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِفُقَرَاءِ بَلَدِ الْوَقْفِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، أَمَّا الْإِمَامُ إذَا وَقَفَ مُنْقَطِعَ الْآخِرِ فَيُصْرَفُ لِلْمَصَالِحِ لَا لِأَقَارِبِهِ كَمَا أَفَادَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَلَوْ كَانَ) (الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ كَوَقَفْتُهُ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي) أَوْ عَلَى مَسْجِدٍ سَيُبْنَى ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ مَثَلًا (فَالْمَذْهَبُ بُطْلَانُهُ) لِتَعَذُّرِ الصَّرْفِ إلَيْهِ حَالًّا وَمَنْ بَعْدَهُ فَرَّعَهُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا الصِّحَّةُ، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ بَعْدَ الْأَوَّلِ مَصْرِفًا بَطَلَ قَطْعًا لِأَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ، وَلَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَمَنْ سَيُولَدُ لِي عَلَى مَا أُفَصِّلُهُ فَفَصَّلَهُ عَلَى الْمَوْجُودِينَ وَجَعَلَ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ بِلَا عَقِبٍ لِمَنْ سَيُولَدُ لَهُ صَحَّ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ قَوْلُهُ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَمَنْ سَيُولَدُ لِي لِأَنَّ التَّفْصِيلَ بَعْدَهُ بَيَانٌ لَهُ (أَوْ) كَانَ الْوَقْفُ (مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ) بِالتَّحْرِيكِ (كَوَقَفْتُهُ عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ) عَلَى (رَجُلٍ) مُبْهَمٍ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ تَرَدُّدٌ فِي صِفَةٍ

[حاشية الشبراملسي]

يَعُودُ لِلنَّاذِرِ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ صِحَّةُ إلَخْ) مِثْلُهُ فِي حَجّ بِالْحَرْفِ (قَوْلُهُ: بَلْ هُمَا مُسْتَوِيَانِ) وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْأَخَ الشَّقِيقَ وَالْأَخَ لِلْأَبِ مُسْتَوِيَانِ لَكِنَّ (قَوْلَهُ بِنَفْسِهِ) أَوْ بِوَكِيلِهِ عَنْ نَفْسِهِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: صُرِفَ الرِّيعُ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: فَكَذَلِكَ) أَيْ كَمُنْقَطِعِ الْآخِرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ وَلَوْ كَانَ الْمُعَيَّنُ لِلصَّرْفِ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى يَكُونُ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ فِيمَا زَادَ عَلَى مَنْ سَمَّاهُ بَلْ يُصْرَفُ لِأَقْرَبِ رَحِمِ الْوَاقِفِ تَبَعًا لِلْمُعَيَّنِ.
[فَرْعٌ] فِي الزَّرْكَشِيّ لَوْ وَقَفَ عَلَى الْأَقَارِبِ اخْتَصَّ بِالْفَقِيرِ مِنْهُمْ أَيْضًا خِلَافَ الْوَقْفِ عَلَى الْجِيرَانِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا الْمُرَادُ بِالْجِيرَانِ هُنَا، وَالْأَقْرَبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا فِي الْوَصِيَّةِ لِمُشَابَهَةِ الْوَقْفِ لَهَا فِي التَّبَرُّعِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ) وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ مَا وَقَفَهُ الْإِمَامُ مَبْنِيٌّ عَلَى النَّظَرِ لِمَا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَحَيْثُ انْقَطَعَ مَنْ وَقَفَهُ عَلَيْهِمْ لِخُصُوصِ مَصْلَحَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ كَكَوْنِهِ عَالِمًا رَجَعَ إلَى عُمُومِ مَصْلَحَتِهِمْ لَا لِأَقَارِبِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا وَقَفَهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَمَّا مَا وَقَفَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ كَغَيْرِهِ فِي الصَّرْفِ لِأَقَارِبِهِ (قَوْلُهُ: بِالتَّحْرِيكِ) أَيْ عَلَى الْأَفْصَحِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ بِنَفْسِهِ) أَوْ بِوَكِيلِهِ بَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ لَهُ الْوَقْفُ لَا مَنْ تَعَاطَى الْوَقْفَ كَالْوَكِيلِ (قَوْلُهُ وَصَرَّحَ فِي الْأَنْوَارِ) أَيْ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي (قَوْلُهُ فَيُصْرَفُ لِلْمَصَالِحِ لَا لِأَقَارِبِهِ) أَيْ إذَا كَانَ الْوَقْفُ مِنْ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ تَرَدُّدٌ) أَيْ فِي عِبَارَةِ الْوَاقِفِ بَأَنْ كَانَتْ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ أَمْرَيْنِ وَهُنَاكَ مِنْ الْقَرَائِنِ مَا يَدُلُّ عَلَى ظَاهِرٍ (قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ تَرَدُّدٌ) أَيْ فِي عِبَارَةِ الْوَاقِفِ بَأَنْ كَانَتْ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ أَمْرَيْنِ وَهُنَاكَ مِنْ الْقَرَائِنِ مَا يَدُلُّ عَلَى

أَوْ شَرْطٍ أَوْ مَصْرِفٍ دَلَّتْ قَرِينَةٌ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى تَعَيُّنِهِ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ الِانْقِطَاعُ إلَّا مَعَ الْإِبْهَامِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (ثُمَّ الْفُقَرَاءُ فَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ) لِوُجُودِ الْمَصْرِفِ حَالًّا وَمَآلًا، وَمَصْرِفًا عِنْدَ الِانْقِطَاعِ كَمَصْرِفٍ مُنْقَطِعِ الْآخِرِ، لَكِنَّ مَحِلَّهُ إنْ عُرِفَ أَمَدُ انْقِطَاعِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ كَرَجُلٍ صَرَفَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَوَّلِ لِمَنْ بَعْدَ الْمُتَوَسِّطِ كَالْفُقَرَاءِ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ الْمُقْرِي، وَإِطْلَاقُ الشَّارِحِ كَكَثِيرٍ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ (وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى) قَوْلِهِ (وَقَفْت) كَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ مَصْرِفًا أَوْ ذَكَرَ مَصْرِفًا مُتَعَذِّرًا كَوَقَفْتُ كَذَا عَلَى جَمَاعَةٍ (فَالْأَظْهَرُ بُطْلَانُهُ) وَإِنْ قَالَ لِلَّهِ لِأَنَّ الْوَقْفَ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ فَإِذَا لَمْ يُعَيِّنْ مُتَمَلِّكًا بَطَلَ كَالْبَيْعِ وَلِأَنَّ جَهَالَةَ الْمَصْرِفِ كَعَلَى مَنْ شِئْت وَلَمْ يُعَيِّنْهُ عِنْدَ الْوَقْفِ أَوْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ يُبْطِلُهُ فَعَدَمُهُ بِالْأَوْلَى، وَإِنَّمَا صَحَّ أَوْصَيْت بِثُلُثَيْ وَلَمْ يَذْكُرْ مَصْرِفًا حَيْثُ يُصْرَفُ لِلْمَسَاكِينِ الْقَائِلُ بِهِ مُقَابِلُ الْأَظْهَرِ هُنَا لِأَنَّ غَالِبَ الْوَصَايَا لَهُمْ فَحُمِلَ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا أَوْسَعُ لِصِحَّتِهَا بِالْمَجْهُولِ وَالنَّجِسِ، وَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الْمَصْرِفَ وَاعْتَرَفَ بِهِ صَحَّ مَرْدُودٌ كَمَا قَالَهُ الْغَزِّيِّ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ طَالِقٌ وَنَوَى زَوْجَتَهُ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تُؤَثِّرُ مَعَ لَفْظٍ يَحْتَمِلُهَا وَلَا لَفْظَ هُنَا يَدُلُّ عَلَى الْمَصْرِفِ أَصْلًا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ وَاحِدٍ نَوَيْت مُعَيِّنًا لَا يَصِحُّ قِيلَ وَهُوَ مُتَّجَهٌ (وَلَا يَجُوزُ) أَيْ لَا يَحِلُّ وَلَا يَصِحُّ (تَعْلِيقُهُ) فِيمَا لَا يُضَاهِي التَّحْرِيرَ (كَقَوْلِهِ إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ وَقَفْت) كَذَا عَلَى كَذَا لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَقْتَضِي نَقْلًا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ حَالًّا كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، أَمَّا مَا يُضَاهِيهِ كَجَعَلْتُهُ مَسْجِدًا إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَالظَّاهِرُ صِحَّتُهُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُعَلِّقْهُ بِالْمَوْتِ، فَإِنْ عَلَّقَهُ بِهِ كَوَقَفْتُ دَارِي بَعْدَ مَوْتِي عَلَى الْفُقَرَاءِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، قَالَهُ الشَّيْخَانِ، وَكَأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لِقَوْلِ الْقَفَّالِ لَوْ عَرَضَهَا لِلْبَيْعِ كَانَ رُجُوعًا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَبَّرِ بِأَنَّ الْحَقَّ الْمُتَعَلِّقَ بِهِ وَهُوَ الْعِتْقُ أَقْوَى، فَلَمْ يَجُزْ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَّا بِنَحْوِ الْبَيْعِ دُونَ نَحْوِ الْعَرْضِ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ لَوْ نَجَزَهُ وَعَلَّقَ إعْطَاءَهُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ جَازَ كَالْوَكَالَةِ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ كَالْوَصِيَّةِ أَيْضًا فِيمَا يَظْهَرُ (وَلَوْ

[حاشية الشبراملسي]

وَيَجُوزُ فِيهِ الْإِسْكَانُ (قَوْلُهُ: دَلَّتْ قَرِينَةٌ) فِي عِبَارَةِ الْوَاقِفِ (قَوْلُهُ: قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ مَا فِيهِ التَّرَدُّدُ (قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ لِلَّهِ) قَالَ السُّبْكِيُّ: وَمَحِلُّ الْبُطْلَانِ مَا لَمْ يَقُلْ لِلَّهِ وَإِلَّا فَيَصِحُّ ثُمَّ يُعَيِّنُ الْمَصْرِفَ اهـ شَرْحَ الرَّوْضِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: لَا يَصِحُّ قِيلَ وَهُوَ مُتَّجَهٌ) عِبَارَةُ حَجّ قَبْلَ وَهُوَ مُتَّجَهٌ اهـ. وَالْمُرَادُ مِنْهَا ظَاهِرٌ، أَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَلَمْ يَظْهَرْ الْمُرَادُ مِنْهُ، فَإِنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ لَمْ تُؤْخَذْ مِمَّا ذَكَرَ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَى جَمَاعَةٍ أَوْ وَاحِدٍ مُحْتَمَلٌ لِمَا نَوَاهُ وَهُوَ مُقْتَضٍ لِلصِّحَّةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعْيِينٌ كَانَ كَمَا لَوْ قَالَ وَقَفْت وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَحُكْمُهُ مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ وَإِنْ نَوَى مُعَيَّنًا فَيَكُونُ مَا ذَكَرَ مِثْلُهُ (قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ إلَخْ) وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَقَعُ فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ مِنْ قَوْلِهِمْ وَأَنَّ مَا سَيَحْدُثُ فِيهِ مِنْ الْبِنَاءِ يَكُونُ وَقْفًا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ تَنْجِيزِ وَقْفِيَّتِهِ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْبَانِي وَلَوْ كَانَ هُوَ الْوَاقِفُ، لَكِنْ سَيَأْتِي بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَلْ يَشْتَرِي بِهَا عَبْدًا إلَخْ أَنَّ مَا يَبْنِيهِ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ فِي الْجُدَرَانِ الْمَوْقُوفَةِ يَصِيرُ وَقْفًا بِالْبِنَاءِ لِجِهَةِ الْوَقْفِ (قَوْلُهُ: أَمَّا مَا يُضَاهِيهِ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ: فَيَصِحُّ مُؤَبَّدًا كَمَا لَوْ ذَكَرَ فِيهِ شَرْطًا فَاسِدًا، قَالَهُ الْإِمَامُ وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ اهـ. وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءُ مَا يُضَاهِي التَّحْرِيرَ أَيْضًا مِمَّا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَلَوْ أَوْقَفَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ بَطَلَ عَلَى الصَّحِيحِ اهـ سم عَلَى حَجّ.

[حاشية الرشيدي]

إرَادَتِهِ أَحَدَهُمَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَرَدُّدَ الْوَاقِفِ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ الْوَقْفِ (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ كَرَجُلٍ) أَيْ الَّذِي هُوَ صُورَةُ الْمَتْنِ وَمِثَالُ مَا يُعْرَفُ أَمَدُ انْقِطَاعِهِ كَأَنْ يَقُولَ عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ عَلَى عَبْدِ زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ (قَوْلُهُ كَوَقَفْتُ كَذَا عَلَى جَمَاعَةٍ) أَيْ وَلَمْ يَنْوِ مُعَيَّنًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي قَرِيبًا (قَوْلُهُ قَالَهُ الشَّيْخَانِ وَكَأَنَّهُ وَصِيُّهُ) قَالَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْوَصَايَا فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ الثُّلُثِ وَفِي جَوَازِ الرُّجُوعِ عَنْهُ وَفِي عَدَمِ صَرْفِهِ

وَقَفَ) شَيْئًا (بِشَرْطِ الْخِيَارِ) لَهُ فِي الرُّجُوعِ عَنْهُ، أَوْ فِي بَيْعِهِ مَتَى شَاءَ، أَوْ فِي تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِنْهُ بِوَصْفٍ، أَوْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (بَطَلَ) الْوَقْفُ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَفَارَقَ الْعِتْقُ حَيْثُ لَمْ يَفْسُدْ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، كَمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ وَاعْتَمَدَهُ السُّبْكِيُّ، بَلْ قَالَ إنَّ خِلَافَهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى السِّرَايَةِ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَيْهِ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ يَصِحُّ الْوَقْفُ وَيَلْغُو الشَّرْطُ كَمَا لَوْ طَلَّقَ عَلَى أَنْ لَا رَجْعَةَ لَهُ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا وَقَفَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ) أَصْلًا أَوْ سَنَةً أَوْ لَا يُؤَجَّرَ مِنْ ذِي شَوْكَةٍ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، أَوْ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ يَسْكُنُ فِيهِ بِنَفْسِهِ (اُتُّبِعَ) فِي غَيْرِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ (شَرْطُهُ) كَسَائِرِ شُرُوطِهِ الَّتِي لَا تُخَالِفُ الشَّرْعَ وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ وُجُودِ الْمَصْلَحَةِ.
وَالثَّانِي لَا يُتَّبَعُ شَرْطُهُ لِأَنَّهُ حَجْرٌ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَخَرَجَ بِغَيْرِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ مَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا مَنْ لَا يَرْغَبُ فِيهِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ مُخَالِفٍ لِذَلِكَ فَيَجُوزُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ تَعْطِيلَ وَقْفِهِ، وَلَوْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ الْمَشْرُوطُ عَدَمُ إجَارَتِهَا إلَّا مِقْدَارَ كَذَا وَلَمْ تُمْكِنُ عِمَارَتُهَا إلَّا بِإِجَارَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أوجرت بِقَدْرِ مَا يَفِي بِالْعِمَارَةِ فَقَطْ مُرَاعِيًا مَصْلَحَةَ الْوَاقِفِ لَا مَصْلَحَةَ الْمُسْتَحِقِّ، وَيَجِبُ أَنْ يُعَدِّدَ الْعُقُودَ فِي مَنْعِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ مَثَلًا وَإِنْ شَرَطَ مَنْعَ الِاسْتِئْنَافِ كَذَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَخَالَفَهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ رَزِينٍ وَأَئِمَّةُ عَصْرِهِ فَجَوَّزُوا ذَلِكَ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَقَوْلُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ مُدَّةً طَوِيلَةً لِأَجْلِ عِمَارَتِهِ لِأَنَّ بِهَا يَنْفَسِخُ الْوَقْفُ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا يَقَعُ بِمَكَّةَ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، لِأَنَّ غَرَضَ الْوَاقِفِ بَقَاءُ عَيْنِهِ وَإِنْ تَمَلَّكَ ظَاهِرًا بَقَاءَ الثَّوَابِ لَهُ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ إذَا شَرَطَ فِي وَقْفِ الْمَسْجِدِ اخْتِصَاصَهُ بِطَائِفَةٍ كَالشَّافِعِيَّةِ) وَزَادَ إنْ انْقَرَضُوا فَلِلْمُسْلِمِينَ مَثَلًا أَوْ لَمْ يَزِدْ شَيْئًا (اُخْتُصَّ بِهِمْ) أَيْ اُتُّبِعَ شَرْطُهُ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ فَلَا يُصَلِّي وَلَا يَعْتَكِفُ بِهِ غَيْرُهُمْ رِعَايَةً لِغَرَضِهِ وَإِنْ كُرِهَ هَذَا الشَّرْطُ وَالثَّانِي لَا يَخْتَصُّ

[حاشية الشبراملسي]

فَرْعٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ قَالَ وَقَفْت دَارِي كَوَقْفِ زَيْدٍ هَلْ يَصِحُّ الْوَقْفُ أَوْ يَبْطُلُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: إنْ عَلِمَ شُرُوطَ وَقْفِ زَيْدٍ قَبْلَ قَوْلِهِ ذَلِكَ صَحَّ الْوَقْفُ وَإِلَّا فَلَا، وَيَحْتَمِلُ صِحَّتَهُ مُطْلَقًا.
وَفِي حَالَةِ جَهْلِهِ يَبْحَثُ عَنْهُ لِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ فِي الْوَاقِعِ.
فَإِنْ عَرَفَ فَذَاكَ وَإِلَّا تَبَيَّنَ الْبُطْلَانُ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ فَلْيُرَاجَعْ.
وَقَوْلُ سم: فَيَصِحُّ مُؤَبَّدًا: أَيْ مِنْ الْآنَ (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِغَيْرِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ مَنْ يَأْخُذُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَيَسْتَأْجِرُ عَلَى مَا يُوَافِقُ شَرْطَ الْوَاقِفِ وَمَنْ يَطْلُبُهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي إجَارَةٍ تُخَالِفُ شَرْطَ الْوَاقِفِ عَدَمَ الْجَوَازِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ، وَأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ مَنْ يَأْخُذُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَيُوَافِقُ شَرْطَ الْوَاقِفِ فِي الْمُدَّةِ وَمَنْ يَأْخُذُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَيُخَالِفُ شَرْطَ الْوَاقِفِ عَدَمَ الْجَوَازِ أَيْضًا رِعَايَةً لِشَرْطِ الْوَاقِفِ فِيهِمَا (قَوْلُهُ: فَجَوَّزُوا ذَلِكَ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كُرِهَ هَذَا الشَّرْطُ) فِي فَتَاوَى السُّيُوطِيّ الْمَسْجِدُ الْمَوْقُوفُ عَلَى مُعَيَّنِينَ هَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ دُخُولُهُ وَالصَّلَاةُ فِيهِ وَالِاعْتِكَافُ بِإِذْنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ؟ نَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْأَلْغَازِ أَنَّ كَلَامَ الْقَفَّالِ فِي فَتَاوِيهِ يُوهَمُ الْمَنْعَ، ثُمَّ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ عِنْدِهِ: وَالْقِيَاسُ جَوَازُهُ.
وَأَقُولُ: الَّذِي يَتَرَجَّحُ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى أَشْخَاصٍ مُعَيَّنَةٍ كَزَيْدٍ وَعُمَرَ وَبَكْرٍ مَثَلًا أَوْ ذُرِّيَّتِهِ أَوْ ذُرِّيَّةِ فُلَانٍ جَازَ الدُّخُولُ بِإِذْنِهِمْ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَجْنَاسٍ مُعَيَّنَةٍ كَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالصُّوفِيَّةِ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ هَذَا الْجِنْسِ الدُّخُولُ وَلَوْ أَذِنَ لَهُمْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِمَنْعِ دُخُولِ غَيْرِهِمْ لَمْ يَطْرُقْهُ خِلَافٌ أَلْبَتَّةَ.
وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ الدُّخُولِ بِالْإِذْنِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي الْمَسْجِدِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالرِّبَاطِ كَانَ لَهُمْ الِانْتِفَاعُ عَلَى نَحْوِ مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ لِلْمُعَيَّنِينَ لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ وَهُمْ مُقَيَّدُونَ بِمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ اهـ. وَتَقَدَّمَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَوْ سَبَقَ رَجُلٌ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ رِبَاطٍ سُبِّلَ أَوْ فَقِيهٌ إلَى مَدْرَسَةٍ إلَخْ مَا نَصُّهُ: وَلِغَيْرِ أَهْلِ

[حاشية الرشيدي]

لِلْوَارِثِ وَحُكْمِ الْأَوْقَافِ فِي تَأْيِيدِهِ وَعَدَمِ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ وَإِرْثِهِ (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ كَالْبَيْعِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَالْبَيْعِ فِي مُطْلَقِ عَدَمِ قَبُولِهِ لِلشَّرْطِ وَإِلَّا فَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَبْطُلُ بِاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ

الْمَسْجِدُ بِهِمْ لِأَنَّ جَعْلَ الْبُقْعَةِ مَسْجِدًا كَالتَّحْرِيرِ فَلَا مَعْنَى لِاخْتِصَاصِهِ بِجَمَاعَةٍ وَلَوْ خَصَّ الْمَقْبَرَةَ بِطَائِفَةٍ اُخْتُصَّتْ بِهِمْ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَلَوْ شَغَلَهُ شَخْصٌ بِمَتَاعِهِ لَزِمَتْهُ أُجْرَتُهُ وَهَلْ تَكُونُ لَهُمْ الْأَقْرَبُ لَا لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا الِانْتِفَاعَ بِهِ لَا الْمَنْفَعَةَ، وَلَوْ انْقَرَضَ مَنْ ذَكَرَهُمْ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدًا بَعْدَهُمْ، فَالْأَوْجَهُ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ انْتِفَاعُ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَا يُرِيدُ تَعَطُّلَ وَقْفِهِ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى بِهِ مِنْ أَحَدٍ (كَالْمَدْرَسَةِ وَالرِّبَاطِ) وَالْمَقْبَرَةِ إذَا خَصَّصَهَا بِطَائِفَةٍ فَإِنَّهَا تَخْتَصُّ بِهِمْ قَطْعًا لِأَنَّ النَّفْعَ هُنَا عَائِدٌ إلَيْهِمْ، بِخِلَافِهِ ثُمَّ فَإِنَّ صَلَاتَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ كَفِعْلِهَا فِي مَسْجِدٍ آخَرَ (وَلَوْ وَقَفَ عَلَى شَخْصَيْنِ) كَهَذَيْنِ (ثُمَّ الْفُقَرَاءِ) مَثَلًا (فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ أَنَّ نَصِيبَهُ يُصْرَفُ إلَى الْآخَرِ) لِأَنَّ شَرْطَ الِانْتِقَالِ إلَى الْفُقَرَاءِ انْقِرَاضُهُمَا جَمِيعًا وَلَمْ يُوجَدُوا إذَا امْتَنَعَ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ، فَالصَّرْفُ لِمَنْ ذَكَرَهُ الْوَاقِفُ أَوْلَى.
وَالثَّانِي يُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ كَمَا يُصْرَفُ إلَيْهِمْ إذَا مَاتَا، وَمَحِلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَفْصِلْ، وَإِلَّا بِأَنْ قَالَ وَقَفْت عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفَ هَذَا فَهُمَا وَقْفَانِ كَمَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ فَلَا يَكُونُ نَصِيبُ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ بَلْ الْأَقْرَبُ انْتِقَالُهُ لِلْفُقَرَاءِ إنْ قَالَ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَإِنْ قَالَ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمَا عَلَى الْفُقَرَاءِ فَالْأَقْرَبُ انْتِقَالُهُ لِلْأَقْرَبِ إلَى الْوَاقِفِ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَيْهِمَا وَسَكَتَ عَمَّنْ يُصْرَفُ لَهُ بَعْدَهُمَا فَهَلْ نَصِيبُهُ لِلْآخَرِ أَوْ لِأَقْرِبَاءِ الْوَاقِفِ؟ وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ الْأَوَّلُ وَصَحَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَلَوْ رَدَّ أَحَدُهُمَا أَوْ بَانَ مَيِّتًا فَالْقِيَاسُ عَلَى الْأَصَحِّ صَرْفُهُ لِلْآخَرِ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَمْرٍو ثُمًّ بَكْرٍ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ عَمْرٌو قَبْلَ زَيْدٍ ثُمَّ مَاتَ زَيْدٌ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: لَا شَيْءَ لِبَكْرِ وَيَنْتَقِلُ الْوَقْفُ مِنْ زَيْدٍ إلَى الْفُقَرَاءِ لِأَنَّهُ رَتَّبَهُ بَعْدَ عَمْرٍو وَعَمْرٌو بِمَوْتِهِ أَوَّلًا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَمَلَّكَ بَكْرٌ عَنْهُ شَيْئًا وَقَالَ الْقَاضِي فِي فَتَاوِيهِ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى بَكْرٍ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْفُقَرَاءِ مَشْرُوطٌ بِانْقِرَاضِهِ، كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ وَلَدِ وَلَدِهِ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ وَلَدُ الْوَلَدِ ثُمَّ الْوَلَدُ يَرْجِعُ لِلْفُقَرَاءِ، وَيُوَافِقُهُ فَتْوَى

[حاشية الشبراملسي]

الْمَدْرَسَةِ مَا اُعْتِيدَ فِيهَا مِنْ نَحْوِ نَوْمٍ بِهَا وَشُرْبٍ وَطُهْرٍ مِنْ مَائِهَا مَا لَمْ يَنْقُصُ الْمَاءُ عَنْ حَاجَةِ أَهْلِهَا عَلَى الْأَوْجَهِ اهـ. وَكَأَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يُشْرَطْ الِاخْتِصَاصُ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ السُّيُوطِيّ، أَوْ هَذَا فِيمَا اُعْتِيدَ وَذَاكَ فِي غَيْرِهِ فَلْيُحَرَّرْ.
وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ: وَإِنْ شَرَطَ فِي وَقْفِ الْمَسْجِدِ اخْتِصَاصَ طَائِفَةٍ كَالشَّافِعِيَّةِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ صَحَّ وَكُرِهَ وَاخْتَصَّ بِهَا فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ الصَّلَاةُ فِيهِ كَمَا لَوْ خَصَّ الرِّبَاطَ وَالْمَدْرَسَةَ بِطَائِفَةٍ اهـ سَمِّ عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي حَمْلُ مَا ذَكَرَ فِي الشِّقِّ الثَّانِي مِنْ الْمَنْعِ عَلَى مَا إذَا شَوَّشَ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ (قَوْلُهُ وَلَوْ خَصَّ الْمَقْبَرَةَ بِطَائِفَةٍ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ دُفِنَ بِهَا غَيْرُ مِنْ اُخْتُصَّتْ بِهِ فَقِيَاسُ نَبْشُ الْمَغْصُوبِ لِإِخْرَاجِ مَنْ دُفِنَ بِهِ أَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ، وَهَلْ مِنْ التَّخْصِيصِ مَا لَوْ اعْتَادَ أَهْلُ بَلَدٍ دَفْنًا بِمَحِلٍّ فَيَمْتَنِعَ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ الدَّفْنُ فِيهِ أَوْ يَصِيرَ مَقْبَرَةً مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ بِأَحَدٍ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِمَالِك أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهُ، وَمُجَرَّدُ الْعَادَةِ إنَّمَا اقْتَضَتْ جَوَازَ الْإِقْدَامِ عَلَى الدَّفْنِ ثُمَّ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ (قَوْلُهُ الْأَقْرَبُ لَا) وَيَنْبَغِي حِفْظُهَا لِمَصَالِح الْمَوْقُوفِ (قَوْلُهُ وَلَوْ شَغَلَهُ) أَيْ الْمَخْصُوصِ بِطَائِفَةٍ (قَوْلُهُ انْتِفَاعُ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ عَلَى مَعْنَى أَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فِيهِ حَقًّا فَهُوَ كَالْمَسَاجِدِ الَّتِي لَمْ يَخُصَّهَا وَاقِفُهَا بِأَحَدٍ فَكُلُّ مَنْ سَبَقَ إلَى مَحِلٍّ مِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ (قَوْلُهُ: إلَى الْوَاقِفِ) أَيْ وَيَكُونُ كَمُنْقَطِعِ الْوَسَطِ (قَوْلُهُ: فَلَمْ يَجُزْ) أَيْ بِنَاءٌ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ الَّتِي بَنَيَا عَلَيْهَا كَلَامَهُمَا (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْقَاضِي إلَخْ) مُعْتَمَدٌ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ فَإِنَّهَا تَخْتَصُّ بِهِمْ قَطْعًا) هَذَا يُنَافِي مَا قَدَّمَهُ قَرِيبًا مِنْ نِسْبَتِهِ لِلْأَكْثَرِينَ وَهُوَ تَابِعٌ فِيمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ الْقَطْعِ

الْبَغَوِيّ فِي مَسْأَلَةٍ حَاصِلُهَا أَنَّهُ إذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْوَاقِفِ فِي وَقْفِ التَّرْتِيبِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لِلْوَقْفِ لِحَجْبِهِ بِمَنْ فَوْقَهُ يُشَارِكُ وَلَدَهُ مِنْ بَعْدِهِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ فَإِذَا انْقَرَضَ أَوْلَادُهُمْ فَعَلَى الْفُقَرَاءِ فَالْأَوْجَهُ كَمَا صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ لِأَنَّ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ لَمْ يَشْرِطْ لَهُمْ شَيْئًا وَإِنَّمَا شَرَطَ انْقِرَاضَهُمْ لِاسْتِحْقَاقِ غَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ دُخُولَهُمْ وَجَعَلَ ذِكْرَهُمْ قَرِينَةً عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمْ وَاخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيُّ.

فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْوَقْفِ اللَّفْظِيَّةِ

(قَوْلُهُ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْكُلِّ) فِي الْإِعْطَاءِ وَقَدْرِ الْمُعْطَى لِأَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ لَا لِلتَّرْتِيبِ خِلَافًا لِلْعَبَّادِيِّ وَإِنْ نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ شَاذٌّ وَبِفَرْضِ ثُبُوتِهِ فَمَحَلُّهُ فِي وَاوٍ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ، أَمَّا الْوَارِدَةُ لِلتَّشْرِيكِ كَمَا فِي ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60] فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ (وَكَذَا) يُسَوِّي بَيْنَ الْجَمِيعِ (لَوْ زَادَ مَا تَنَاسَلُوا أَوْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ) أَوْ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ لِاقْتِضَائِهِ التَّشْرِيكَ لِأَنَّهُ لِمَزِيدِ التَّعْمِيمِ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمِثْلُهُ مَا تَنَاسَلُوا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِ) وَذَلِكَ عِنْدَ صَيْرُورَتِهِ هُوَ وَبَقِيَّةُ أَهْلِ الْوَقْفِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أَعْمَامِ وَلَدِ الْوَلَدِ الْمَذْكُورِ فَيُشَارِكُ أَوْلَادَهُمْ لِكَوْنِ الْجَمِيعِ صَارُوا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا شَيْءَ لَهُ مَعَ وُجُودِ الْأَعْمَامِ عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى، وَقَوْلُهُ وَهَذَا إلَخْ مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ) أَيْ فَيُصْرَفُ بَعْدَ الْأَوْلَادِ إلَى أَقْرَبِ رَحِمِ الْوَاقِفِ إنْ كَانَ غَيْرَ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُمْ أَخَذُوا مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ أَقْرَبُ رَحِمِ الْوَاقِفِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمْ.

(فَصْلٌ) فِي أَحْكَامِ الْوَقْفِ اللَّفْظِيَّةِ (قَوْلُهُ: اللَّفْظِيَّةُ) أَيْ الَّتِي هِيَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ (قَوْلُهُ: تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ) أَيْ ثُمَّ إنْ زَادَ عَلَى مَا تَنَاسَلُوا كَانَ لِلتَّعْمِيمِ فِي جَمِيعِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ وَإِلَّا كَانَ مُنْقَطِعَ الْآخَرَ بَعْدَ الْبَطْنَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَالرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا إلَخْ.
(قَوْلُهُ: لَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ) أَيْ بَلْ هِيَ لِلتَّسْوِيَةِ وَمَا هُنَا مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ مَا تَنَاسَلُوا أَوْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ مَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ) أَيْ حَيْثُ قَالَ: إنَّهُ إذَا جَمَعَ بَيْنَ قَوْلِهِ مَا تَنَاسَلُوا، وَقَوْلِهِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ كَانَ لِلتَّرْتِيبِ.
لَا يُقَالُ: مَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ هُوَ عَيْنُ قَوْلِ الشَّارِحِ وَقِيلَ الْمَزِيدُ فِيهِ إلَخْ.
لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا الْمَحْكِيُّ بِقِيلَ مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى " بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ " وَهَذَا فِيمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا تَنَاسَلُوا، هَذَا وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا ذَكَرَ مُخَالَفَةُ السُّبْكِيّ فِي " بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ " سَوَاءٌ ضُمَّ إلَيْهَا مَا تَنَاسَلُوا أَوْ لَا، وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ حَيْثُ قَالَ:

[حاشية الرشيدي]

لِلْمُتَوَلِّي وَفِيمَا قَدَّمَهُ مِنْ نِسْبَتِهِ لِلْأَكْثَرِينَ لِلْإِمَامِ (قَوْلُهُ يُشَارِكُ وَلَدَهُ مِنْ بَعْدِهِ) أَيْ مِمَّنْ هُوَ فِي دَرَجَةِ الْوَلَدِ وَقَوْلُهُ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِ أَيْ دُخُولِ وَقْتِ اسْتِحْقَاقِهِ بِانْقِرَاضِ مَنْ فَوْقَهُ وَلَا يَمْنَعُهُ تَرَتُّبُ اسْتِحْقَاقِهِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ أَبِيهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ كَلَامُ الْوَاقِفِ وَهُوَ لَمْ يَسْتَحِقَّ.

[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْوَقْفِ اللَّفْظِيَّةِ] (فَصْلٌ) فِي أَحْكَامِ الْوَقْفِ اللَّفْظِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ) يَعْنِي فِي بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ خَاصَّةً

وَقِيلَ الْمَزِيدُ فِيهِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ لِلتَّرْتِيبِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَفَارَقَ مَا هُنَا مَا يَأْتِي فِي الطَّلَاقِ أَنَّ طَلْقَةً بَعْدَ أَوْ بَعْدَهَا طَلْقَةٌ أَوْ قَبْلَ أَوْ قَبْلَهَا طَلْقَةٌ تَقَعُ بِهِ وَاحِدَةٌ فِي غَيْرِ مَوْطُوءَةٍ وَثِنْتَانِ مُتَعَاقِبَتَانِ فِي مَوْطُوءَةٍ بِأَنَّ مَا هُنَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي التَّسْوِيَةِ وَالْعَقَبِيَّةُ بِالْبَعْدِيَّةِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي التَّرْتِيبِ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا تَأْتِي لِلِاسْتِمْرَارِ وَعَدَمِ الِانْقِطَاعِ، وَأَمَّا ثُمَّ فَلَيْسَ قَبْلَهَا مَا يُفِيدُ تَسْوِيَةً فَعُمِلَ بِمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ بَعْدِ، وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي التَّرْتِيبِ (وَلَوْ قَالَ) وَقَفْته (عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ مَا تَنَاسَلُوا أَوْ) قَالَ وَقَفْته (عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى أَوْ) الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ أَوْ (الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ) بِالْجَرِّ كَمَا بِخَطِّهِ بَدَلًا مِمَّا قَبْلَهُ (فَهُوَ لِلتَّرْتِيبِ) لِدَلَالَةِ ثُمَّ عَلَيْهِ وَلِتَصْرِيحِهِ بِهِ فِي الثَّانِيَةِ وَعَمَلًا بِهِ فِيمَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْأُولَى، لِأَنَّ مَا تَنَاسَلُوا يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ بِالصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ عَدَمُ الصَّرْفِ لِبَطْنٍ وَهُنَاكَ أَحَدٌ مِنْ بَطْنٍ أَقْرَبَ مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَالرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا أَنَّ مَا تَنَاسَلُوا قَيْدٌ فِي الْأُولَى خَاصَّةً، وَالْأَوْجَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ أَنَّهُ قَيْدٌ فِي الثَّانِيَةِ أَيْضًا، فَإِنَّ حَذْفَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا اقْتَضَى التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْبَطْنَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فَقَطْ وَيَكُونُ بَعْدَهُمَا مُنْقَطِعَ الْآخِرِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ مَصْرِفًا، وَبَحَثَ السُّبْكِيُّ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ وَلَدِ أَخِيهِ ثُمَّ وَلَدِ وَلَدِ بِنْتِهِ فَمَاتَ وَلَدُهُ وَلَا وَلَدَ لِأَخِيهِ ثُمَّ حَدَثَ لِأَخِيهِ وَلَدٌ اسْتَحَقَّ،

[حاشية الشبراملسي]

وَقِيلَ الْمَزِيدُ فِيهِ " بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ " لِلتَّرْتِيبِ، وَنُقِلَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَصَحَّحَهُ السُّبْكِيُّ (قَوْلُهُ: وَعَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ إنَّهُ لِلتَّعْمِيمِ (قَوْلُهُ وَالْعَقَبِيَّةُ) عِبَارَةُ حَجّ: وَتَعْقِيبُهُ وَهِيَ أَوْضَحُ.
(قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي كَلَامِهِ مَا ذُكِرَ، لَكِنْ فِي حَجّ قَبْلَ هَذَا مَا نَصُّهُ: لِأَنَّ بَعْدَ تَأْتِي بِمَعْنَى مَعَ ثُمَّ قَالَ وَالِاسْتِمْرَارُ وَعَدَمُ الِانْقِطَاعِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ وَقَفْته عَلَى أَوْلَادِي) وَبَقِيَ مَا لَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى آبَائِي أَوْ أُمَّهَاتِي هَلْ تَدْخُلُ الْأَجْدَادُ فِي الْأَوَّلِ وَالْجَدَّاتُ فِي الثَّانِي أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ.
لَا يُقَالُ: قِيَاسُ عَدَمِ دُخُولِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ مَعَ وُجُودِ الْأَوْلَادِ عَدَمُ دُخُولِهِمْ.
لِأَنَّا نَقُولُ: فَرْقٌ ظَاهِرٌ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَنَّ الْأَوْلَادَ يَتَعَدَّدُونَ بِخِلَافِ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْإِنْسَانِ أَبَوَانِ، فَالتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ دَلِيلٌ عَلَى دُخُولِ الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ، وَيَكُونُ لَفْظُ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ (قَوْلُهُ: مَا تَنَاسَلُوا) هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ وَإِنْ سَفَلُوا.
(قَوْلُهُ: الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى إلَخْ) الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فَالْأَعْلَى وَمِنْ قَوْلِهِ فَالْأَوَّلُ الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ، وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْأَعْلَى وَالْأَوَّلِ بِالنَّظَرِ لِمَا بَعْدَهَا مِنْ الطَّبَقَاتِ.
(قَوْلُهُ: بِالْجَرِّ كَمَا بِخَطِّهِ) وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ لِكَوْنِ الْأَوَّلِ مَعْرِفَةً، وَلَعَلَّ هَذَا سَبَبُ ضَبْطِ الْمُصَنِّفِ لَهُ بِالْجَرِّ.
(قَوْلُهُ: وَعَمَلًا بِهِ) أَيْ التَّرْتِيبِ.
(قَوْلُهُ: فِيمَا لَمْ يَذْكُرْهُ) أَيْ فِيمَا لَمْ يَذْكُرْ التَّرْتِيبَ فِيهِ فِي الْأُولَى وَهُوَ قَوْلُهُ فِيهَا بَعْدَ قَوْلِهِ ثُمَّ أَوْلَادُهُ مَا تَنَاسَلُوا (قَوْلُهُ: فِي الْأُولَى) أَيْ فَلَا يُقَالُ: إنَّ التَّرْتِيبَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا صَرَّحَ بِهِ بِثُمَّ أَوْ نَحْوِهَا وَمَا عَدَاهُ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ وَلَكِنَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَنْ يُوجَدُ مِنْهُمْ، وَوَجْهُ الدَّفْعِ مَا صَرَّحَ بِهِ مِنْ أَنَّ مَا تَنَاسَلُوا بِالصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ التَّرْتِيبُ وَكَأَنَّ هَذَا مَأْخُوذٌ مِمَّا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الصِّفَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ تَشْمَلُ الْجَمِيعَ.
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ قَيْدٌ فِي الثَّانِيَةِ) أَيْ وَالثَّالِثَةُ أَيْضًا وَهِيَ قَوْلُهُ أَوْ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ حَذْفَهُ) أَيْ قَوْلَهُ مَا تَنَاسَلُوا.
(قَوْلُهُ: اسْتَحَقَّ) هَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ وَلَدَ وَلَدِ الْبِنْتِ إلَى حُدُوثِ وَلَدِ الْأَخِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ أَنَّهَا تَأْتِي لِلِاسْتِمْرَارِ إلَخْ) هُوَ تَابِعٌ فِي هَذِهِ الْإِحَالَةِ لِلشِّهَابِ حَجّ لَكِنْ ذَاكَ قَدَّمَ هَذَا فِي كَلَامِهِ بِخِلَافِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ قَيْدٌ فِي الثَّانِيَةِ أَيْضًا) أَيْ قَوْلُهُ: عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي سَوَاءٌ قَالَ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى أَوْ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ مَسْأَلَتَيْنِ فَلَا حَاجَةَ لِمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ حَدَثَ لِأَخِيهِ وَلَدٌ اسْتَحَقَّ) وَالظَّاهِرُ اسْتِقْلَالُهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ دُونَ وَلَدِ وَلَدِ بِنْتِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَيَأْتِي فِيمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَاقِفِ عِنْدَ الْوَقْفِ إلَّا وَلَدُ وَلَدٍ ثُمَّ حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ حَيْثُ يُشَارِكُهُ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْوَاقِفِ عِنْدَ الْوَقْفِ إلَّا وَلَدُ الْوَلَدِ حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى مَا يَشْمَلُهُ

وَلَوْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَثَلًا فِي أَنَّهُ وَقْفُ تَرْتِيبٍ أَوْ تَشْرِيكٍ أَوْ فِي الْمَقَادِيرِ حَلَفُوا، ثُمَّ إنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ أَوْ يَدِ غَيْرِهِمْ قُسِمَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، أَوْ فِي يَدِ بَعْضِهِمْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَكَذَا النَّاظِرُ إنْ كَانَ فِي يَدِهِ، وَأَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى مَصَارِيفَ ثُمَّ الْفُقَرَاءُ وَاحْتَاجَ الْوَقْفُ إلَى عِمَارَةٍ فَعَمَّرَهُ وَبَقِيَتْ فَضْلَةٌ بِأَنَّهَا تُصْرَفُ لِمَنْ تُجْمَدُ لَهُ تِلْكَ الْمَصَارِيفُ، لِأَنَّ الْوَاقِفَ قَدَّمَهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ.

(وَلَا يَدْخُلُ) الْأَرِقَّاءُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ لِانْتِفَاءِ مِلْكِهِمْ، وَيَدْخُلُ فِيهِمْ الْكُفَّارُ وَلَوْ أَهْلَ حِرَابَةٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
نَعَمْ الْأَوْجَهُ فِي الْمُرْتَدِّ وَقْفُ دُخُولِهِ عَلَى إسْلَامِهِ وَلَا (أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ) ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا (فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ) وَالنَّوْعَانِ مَوْجُودَانِ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى وَلَدًا حَقِيقَةً،

[حاشية الشبراملسي]

فَيَنْقَطِعُ اسْتِحْقَاقُهُ أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَعَهُ؟ اهـ سم عَلَى حَجّ، أَقُولُ: قِيَاسُ مَا يَأْتِي لِلشَّارِحِ فِيمَا لَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَلَا وَلَدَ لَهُ ثُمَّ حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَنْ حَدَثَ وَوَلَدِ الْوَلَدِ الْمَوْجُودِ حَالَ الْوَقْفِ الثَّانِي، ثُمَّ مَا ذُكِرَ مِنْ اسْتِحْقَاقِ وَلَدِ الْبِنْتِ بِمَوْتِ الْوَلَدِ ظَاهِرٌ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْقَاضِي فِيمَا لَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَمْرٍو ثُمَّ بَكْرٍ إلَخْ.
أَمَّا عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ مِنْ أَنَّ بَكْرًا لَا شَيْءَ لَهُ فَقِيَاسُهُ أَنَّ وَلَدَ الْبِنْتِ هُنَا لَا شَيْءَ لَهُ مُدَّةَ عَدَمِ حُدُوثِ وَلَدِ الْأَخِ، وَإِنَّمَا يُعْطَى بَعْدَ حُدُوثِهِ وَمَوْتِهِ وَقَبْلَ الْحُدُوثِ تُصْرَفُ الْغَلَّةُ لِأَقْرَبِ رَحِمِ الْوَاقِفِ الْفَقِيرِ (قَوْلُهُ: حَلَفُوا) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ بَعْضِهِمْ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فَلَا مَعْنَى لِتَحْلِيفِ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) الْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ، فَإِنَّ الشَّخْصَ لَا يَثْبُتُ لِغَيْرِهِ حَقًّا بِيَمِينِهِ، وَهُوَ هُنَا يَثْبُتُ بِيَمِينِهِ حَقًّا لِأَهْلِ الْوَقْفِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يَصْدُقُ بِلَا يَمِينٍ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا وَهِيَ أَنَّ جَمَاعَةً ادَّعَوْا أَنَّ أَبَاهُمْ مَثَلًا وَقَفَ وَقْفُهُ هَذَا عَلَى أَوْلَادِ الظُّهُورِ دُونَ أَوْلَادِ الْبُطُونِ وَأَقَامُوا بِذَلِكَ بَيِّنَةً، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ أَقَامَ غَيْرُهُمْ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ وَقَفَهُ عَلَى أَوْلَادِ الظُّهُورِ وَأَوْلَادِ الْبُطُونِ وَلَمْ تَسْنُدْ وَاحِدَةٌ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ الْوَقْفَ لِتَارِيخٍ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ، ثُمَّ إنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ أَوْ يَدِ غَيْرِهِمْ قُسِمَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، أَوْ فِي يَدِ بَعْضِهِمْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَكَذَا النَّاظِرُ إنْ كَانَ فِي يَدِهِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ تَصْدِيقَ ذِي الْيَدِ مَحَلُّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ يَدُهُ مُسْتَنِدَةً إلَى الْبَيِّنَةِ الَّتِي أَقَامَهَا، وَمِنْهُ أَيْضًا يُعْلَمُ جَوَابُ مَا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ مِنْ أَنَّ إنْسَانًا كَانَ مُتَصَرِّفًا فِي مَحَلَّاتِ مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ وَقَفَهَا وَأَقَامَ عَلَيْهَا نَاظِرًا فَتَصَرَّفَ النَّاظِرُ فِيهَا بَقِيَّةَ حَيَاةِ الْوَاقِفِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ أَيْضًا ثُمَّ إنَّ جَمَاعَةً ادَّعَوْا أَنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى مَسْجِدِ كَذَا، وَهُوَ أَنَّهُمْ إنْ أَقَامُوا بِذَلِكَ بَيِّنَةً شَرْعِيَّةً وَبَيَّنَتْ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى الْمَسْجِدِ قَبْلَ وَضْعِ هَذَا الْوَاقِفِ الثَّانِي يَدَهُ عَلَيْهِ قَدِّمُوا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ النَّاظِرِ بِمُقْتَضَى وَضْعِ يَدِهِ وَتَصَرُّفُهُ فِي الْوَقْفِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى يَدِ الْوَاقِفِ وَتَصَرُّفُهُ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا النَّاظِرُ) أَيْ وَلَوْ امْرَأَةً.
(قَوْلُهُ: فَعُمْرُهُ) أَيْ بِمَا حَصَلَ مِنْ غَلَّتِهِ وَلَمْ يَدْفَعْ فِي مُدَّةِ الْعِمَارَةِ مَا يَفِي بِالْمَصَارِيفِ الَّتِي عَيَّنَهَا.

(قَوْلُهُ: وَيَدْخُلُ فِيهِمْ) أَيْ الْأَوْلَادُ، وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ الْوَقْفِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وَاسْتِحْقَاقِهِمْ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ فَيُفَارِقُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ

[حاشية الرشيدي]

كَمَا سَيَأْتِي لِظُهُورِ إرَادَةِ الْوَاقِفِ لَهُ فَصَارَ فِي رُتْبَةِ الْوَلَدِ، وَأَمَّا هُنَا فَإِنَّمَا أَعْطَيْنَا ابْنَ ابْنِ الْبِنْتِ بِمُجَرَّدِ ضَرُورَةِ فَقْدِ ابْنِ الْأَخِ، وَلَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ عَلَى جَعْلِهِ فِي مَرْتَبَةِ ابْنِ الْأَخِ، عَلَى أَنَّهُ عَطَفَ هُنَا بِثُمَّ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرْتِيبِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ فَانْدَفَعَ بَحْثُ الشَّيْخِ التَّشْرِيكَ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَصَارِيفَ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ) أَيْ كَأَنْ وَقَفَ مَا يُصْرَفُ مِنْ رَيْعِهِ مِقْدَارُ كَذَا لِقُرَّاءٍ أَوْ نَحْوِهِمْ وَمَا فَضَلَ عَنْهُمْ لِلْفُقَرَاءِ فَإِذَا اتَّفَقَ أَنَّ الْمَصَارِيفَ كَانَتْ نِصْفَ الرُّبُعِ مَثَلًا وَكَانَ مَا فَضَلَ عَنْ الْعِمَارَةِ النِّصْفَ فَأَقَلَّ دَفَعَ الْمَصَارِيفَ.
وَلَا يُقَالُ: إنَّ الْمَصَارِيفَ قَبْلَ الْعِمَارَةِ كَانَتْ لَا تَسْتَغْرِقُ إلَّا النِّصْفَ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا نِصْفُ مَا فَضَلَ

(قَوْلُهُ: وَقَفَ دُخُولَهُ عَلَى إسْلَامِهِ) اُنْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُتَوَقِّفَ عَلَى الْإِسْلَامِ نَفْسُ دُخُولِهِ فِي الْوَقْفِ حَتَّى لَا يَسْتَحِقَّ فِيمَا مَضَى فِي زَمَنِ رِدَّتِهِ أَوْ الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ تَبَيُّنُ الدُّخُولِ مِنْ حِينِ الْوَقْفِ، وَيُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي فِي وَلَدِ

جارٍ التحميل