(بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (فِي صَلَاةِ النَّفْلِ) هُوَ لُغَةً: الزِّيَادَةُ، وَاصْطِلَاحًا مَا عَدَا الْفَرَائِضِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسُّنَّةِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْحَسَنِ وَالْمُرَغَّبِ فِيهِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالتَّطَوُّعِ فَهِيَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ لِتَرَادُفِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَذَهَبَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ إلَى أَنَّ غَيْرَ الْفَرْضِ ثَلَاثَةٌ: تَطَوُّعٌ وَهُوَ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَقْلٌ بِخُصُوصِهِ بَلْ يُنْشِئُهُ الْإِنْسَانُ ابْتِدَاءً.
وَسُنَّةٌ وَهِيَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمُسْتَحَبٌّ وَهُوَ مَا فَعَلَهُ أَحْيَانًا أَوْ أَمَرَ بِهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْبَقِيَّةِ لِعُمُومِهَا الثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى فَإِنَّ بَعْضَ الْمَسْنُونَاتِ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ قَطْعًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الِاسْمِ، وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا» لِأَنَّهَا تِلْوَ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْقُرَبِ وَأَشْبَهُ بِهِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى نُطْقٍ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٍ بِالْأَرْكَانِ وَاعْتِقَادٍ بِالْجَنَانِ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية الشبراملسي]
بَابُ صَلَاةِ النَّفْلِ (قَوْلُهُ: وَاصْطِلَاحًا) قَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِهِ أَنَّ تَسْمِيَةَ مَا ذُكِرَ نَفْلًا مِنْ وَضْعِ الْفُقَهَاءِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ مَا تَلَقَّى تَسْمِيَتُهُ مِنْ الشَّارِعِ يُقَالُ فِيهِ وَشَرْعًا (قَوْلُهُ: مَا عَدَا الْفَرَائِضَ) أَيْ مِنْ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا كَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ، وَهُوَ مَا طَلَبَهُ الشَّارِعُ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ فَمَا عِبَارَةٌ عَنْ مَطْلُوبٍ فَيَخْرُجُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ الْفَرَائِضِ (قَوْلُهُ: وَالتَّطَوُّعِ) زَادَ سم فِي شَرْحِهِ لِلْوَرَقَاتِ الْكَبِيرِ: وَالْإِحْسَانِ، وَزَادَ حَجّ: وَالْأَوْلَى: أَيْ الْأَوْلَى بِفِعْلِهِ مِنْ تَرْكِهِ (قَوْلُهُ: فَهِيَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ) فِيهِ بَحْثٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ لِشُمُولِهِ الْوَاجِبَ وَالْمُبَاحَ أَيْضًا كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ الْحَسَنُ الْمَأْذُونُ فِيهِ وَاجِبًا وَمَنْدُوبًا وَمُبَاحًا انْتَهَى.
إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّ التَّرَادُفَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ مَاصَدَقَاتِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
أَوْ أَنَّ مُرَادَفَةَ الْحَسَنِ اصْطِلَاحٌ آخَرُ لِلْفُقَهَاءِ أَوْ لِغَيْرِهِمْ فَلْيُتَأَمَّلْ.
اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ) وَثَوَابُ الْفَرْضِ يَفْضُلُهُ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً كَمَا فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالسَّبْعِينَ الْحَصْرَ.
وَزَعْمُ أَنَّ الْمَنْدُوبَ قَدْ يَفْضُلُهُ كَإِبْرَاءِ الْمُعْسِرِ وَإِنْظَارِهِ وَابْتِدَاءِ سَلَامٍ وَرَدِّهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ سَبَبَ الْفَضْلِ فِي هَذَيْنِ اشْتِمَالُ الْمَنْدُوبِ عَلَى مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ وَزِيَادَةً، إذْ بِالْإِبْرَاءِ زَالَ الْإِنْظَارُ وَبِالِابْتِدَاءِ حَصَلَ أَمْنٌ أَكْثَرُ مِمَّا فِي الْجَوَابِ.
اهـ حَجّ: أَيْ فَفَضْلُهُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهُ عَلَى مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ، وَلَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَنْدُوبًا (قَوْلُهُ: وَذَهَبَ الْقَاضِي) مُقَابِلُ قَوْلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْبَقِيَّةِ) وَهِيَ النَّفَلُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْحَسَنُ وَالْمُرَغَّبُ فِيهِ (قَوْلُهُ: بَعْدَ الْإِسْلَامِ) أَيْ أَمَّا هُوَ فَهُوَ أَفْضَلُ مُطْلَقًا، وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ حَيْثُ احْتَرَزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَهُمَا مِنْ الْبَدَنِ، لَكِنْ سَيَأْتِي قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِعِبَادَاتِ الْبَدَنِ عِبَادَاتُ الْقَلْبِ وَهُوَ يُفِيدُ تَخْصِيصَ الْبَدَنِ بِالْهَيْكَلِ الظَّاهِرِ، فَلَعَلَّهُ جَعَلَ الْإِسْلَامَ مِنْ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَهُ لَا تُعْتَبَرُ إلَّا بَعْدَ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا تِلْوُ الْإِيمَانِ) أَيْ تَابِعَةٌ لَهُ فِي الشَّرَفِ وَالذِّكْرِ نَحْوَ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: 3] (قَوْلُهُ: وَعَمَلٍ بِالْأَرْكَانِ) هَذَا قَدْ يُوهِمُ أَنَّ
[حاشية الرشيدي]
[بَابٌ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ وَهِيَ قِسْمَانِ]
[قِسْمٌ لَا يُسَنُّ فِيهِ النَّفَلُ جَمَاعَةً]
بَابٌ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ (قَوْلُهُ: بَعْدَ الْإِسْلَامِ) أَيْ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ إذْ هَذَا حَقِيقَتُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا مَعَ الْإِيمَانِ فَهُوَ مِنْ أَعْمَالِ الْبَدَنِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ» إلَخْ) قَدْ يُقَالُ لَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَفْضَلِيَّةِ الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا بَلْ بِقَيْدِ كَوْنِهَا فِي وَقْتِهَا، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا لَيْسَتْ أَفْضَلَ (قَوْلُهُ: وَأَشْبَهُ بِهِ لِاشْتِمَالِهَا إلَخْ) لَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ الْإِيمَانَ مَجْمُوعُ مَا ذُكِرَ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ
«اسْتَقِيمُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَسَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى إيمَانًا، فَقَالَ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] أَيْ صَلَاتَكُمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلِأَنَّهَا تَجْمَعُ مِنْ الْقُرَبِ مَا تَفَرَّقَ فِي غَيْرِهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ وَالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَاللُّبْثِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَالطَّهَارَةِ وَالسُّتْرَةِ وَتَرْكِ الْأَكْلِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ اخْتِصَاصِهَا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ الصَّوْمُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» لِأَنَّهُ لَمْ يُتَقَرَّبْ إلَى أَحَدٍ بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى فَحَسُنَتْ هَذِهِ الْإِضَافَةُ لِلِاخْتِصَاصِ؛ وَلِأَنَّ خُلُوَّ الْجَوْفِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ يَرْجِعُ إلَى الصَّمَدِيَّةِ، لِأَنَّ الصَّمَدَ هُوَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ، وَالصَّمَدِيَّةُ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَحَسُنَتْ الْإِضَافَةُ لِاخْتِصَاصِ الصَّوْمِ بِصِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَلِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِخْلَاصِ لِخَفَائِهِ دُونَ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّهَا أَعْمَالٌ ظَاهِرَةٌ يُطَّلَعُ عَلَيْهَا فَيَكُونُ الرِّيَاءُ فِيهَا أَغْلَبَ، فَحَسُنَتْ الْإِضَافَةُ لِلشَّرَفِ الَّذِي حَصَلَ لِلصَّوْمِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَفْضَلُهَا الطَّوَافُ، وَرَجَّحَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ، وَقَالَ الْقَاضِي: الْحَجُّ أَفْضَلُ، وَقَالَ ابْنُ عَصْرُونٍ: الْجِهَادُ أَفْضَلُ.
وَقَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: الْعِبَادَاتُ تَخْتَلِفُ أَفْضَلِيَّتُهَا بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهَا وَفَاعِلِيهَا، فَلَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَفْضَلِيَّةِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ كَمَا لَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْخُبْزَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْجَائِعِ وَالْمَاءُ أَفْضَلُ لِلْعَطْشَانِ، فَإِنَّ اجْتَمَعَا نُظِرَ لِلْأَغْلَبِ فَتَصَدُّقُ الْغَنِيِّ الشَّدِيدِ الْبُخْلِ بِدِرْهَمٍ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ وَصِيَامٍ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ حُبِّ الدُّنْيَا، وَالصَّوْمُ لِمَنْ اسْتَحْوَذَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَلِي الصَّلَاةَ الصَّوْمُ ثُمَّ الْحَجُّ ثُمَّ الزَّكَاةُ وَقِيلَ الزَّكَاةُ بَعْدَهَا.
وَالْخِلَافُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ فِي الْإِكْثَارِ مِنْ أَحَدِهِمَا مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْآكَدِ مِنْ الْآخَرِ، وَإِلَّا فَصَوْمُ يَوْمٍ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ بِلَا شَكٍّ، وَخَرَجَ بِعِبَادَاتِ الْبَدَنِ عِبَادَاتُ الْقَلْبِ: كَالْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّفَكُّرِ وَالتَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ وَالرِّضَا وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَمَحَبَّةِ اللَّهِ
[حاشية الشبراملسي]
الْأَعْمَالَ جُزْءٌ مِنْ الْإِيمَانِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا حَقِيقَتُهُ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهَا مُكَمِّلَاتٌ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ الصَّوْمُ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ عِبَادَاتِ إلَخْ (قَوْلُهُ: عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ) وَمِنْهَا أَنَّهُ الَّذِي يُقْصَدُ فِي الْحَوَائِجِ (قَوْلُهُ: وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ) مِنْ الْبَعْضِ حَجّ فَإِنَّهُ جَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِهِ، وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ اعْتِمَادُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ الزَّكَاةُ بَعْدَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ هِيَ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ زِيَادِيٌّ: أَيْ وَعَلَيْهِ فَاَلَّذِي يَلِيهَا الصَّوْمُ ثُمَّ الْحَجُّ (قَوْلُهُ: مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْآكَدِ) وَمِنْهُ الرَّوَاتِبُ غَيْرُ الْمُؤَكَّدَةِ، وَمِنْ ثَمَّ عَبَّرَ بِالْآكَدِ دُونَ الْمُؤَكَّدِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: عِبَادَاتُ الْقَلْبِ) أَيْ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَالتَّفَكُّرُ) أَيْ فِي مَصْنُوعَاتِ اللَّهِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ.
قَالَ سم عَلَى حَجّ: ظَاهِرُهُ، وَإِنْ قَلَّ التَّفَكُّرُ سَاعَةً مَعَ صَلَاةِ أَلْفِ رَكْعَةٍ.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَالتَّوَكُّلُ) أَيْ التَّفْوِيضُ إلَى اللَّهِ فِي الْأُمُورِ وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ مَعَ تَيَسُّرِ الْأَسْبَابِ (قَوْلُهُ: وَالصَّبْرُ) أَيْ وَهُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى الطَّاعَةِ وَمَنْعُهَا
[حاشية الرشيدي]
بِالْقَلْبِ وَمَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَحْمُولٌ عَلَى الْإِيمَانِ الْكَامِلِ (قَوْلُهُ: وَالْخِلَافُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ إلَخْ) عِبَارَةُ الدَّمِيرِيِّ: قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ الصَّلَاةُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّوْمِ أَنَّ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ أَيَّامٍ أَوْ يَوْمٍ فَإِنَّ صَوْمَ يَوْمٍ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ أَمْكَنَهُ الِاسْتِكْثَارَ مِنْ الصَّوْمِ وَمِنْ الصَّلَاةِ وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيَقْتَصِرَ مِنْ الْآخَرِ عَلَى الْمُتَأَكَّدِ مِنْهُ فَهَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ وَالصَّحِيحُ تَفْضِيلُ جِنْسِ الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِعِبَادَاتِ الْبَدَنِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ (قَوْلُهُ: عِبَادَاتُ الْقَلْبِ) أَيْ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشِّهَابُ حَجّ.
قَالَ الشِّهَابُ سم: وَظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّ كَتَفَكُّرِ سَاعَةٍ مَعَ صَلَاةِ أَلْفِ رَكْعَةٍ
تَعَالَى وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ وَالتَّوْبَةِ، وَالتَّطَهُّرِ مِنْ الرَّذَائِلِ، وَأَفْضَلُهَا الْإِيمَانُ، وَلَا يَكُونُ إلَّا وَاجِبًا وَقَدْ يَكُونُ تَطَوُّعًا بِالتَّجْدِيدِ، وَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَفْضَلَ الْعِبَادَاتِ كَمَا مَرَّ فَفَرْضُهَا أَفْضَلُ الْفُرُوضِ وَتَطَوُّعُهَا أَفْضَلُ التَّطَوُّعِ، وَلَا يَرِدُ طَلَبُ الْعِلْمِ وَحِفْظُ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ مِنْ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُمَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ.
وَيَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ كَمَا قَالَ (صَلَاةُ النَّفْلِ قِسْمَانِ: قِسْمٌ لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً) بِنَصَبِهِ عَلَى التَّمْيِيزِ الْمُحَوَّلِ عَنْ نَائِبِ الْفَاعِلِ: أَيْ لَا تُسَنُّ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، وَلَوْ صُلِّيَ جَمَاعَةً لَمْ يُكْرَهْ لَا عَلَى الْحَالِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى، إذْ مُقْتَضَاهُ نَفْيُ السُّنِّيَّةِ حَالَ الْجَمَاعَةِ لَا الِانْفِرَادُ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ (فَمِنْهُ الرَّوَاتِبُ مَعَ الْفَرَائِضِ) وَهِيَ السُّنَنُ التَّابِعَةُ لَهَا.
وَالْحِكْمَةُ فِيهَا أَنَّهَا تُكَمِّلُ مَا نَقَصَ مِنْ الْفَرَائِضِ بِنَقْصِ نَحْوِ خُشُوعٍ كَتَرْكِ تَدَبُّرِ قِرَاءَةٍ (وَهِيَ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ) يُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُهُمَا لِلِاتِّبَاعِ، وَأَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِآيَتَيْ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ أَوْ بِالْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ
[حاشية الشبراملسي]
عَنْ الْمَعْصِيَةِ (قَوْلُهُ: وَالتَّطَهُّرُ مِنْ الرَّذَائِلِ) أَيْ أَنْ يُبْعِدَ نَفْسَهُ بَاطِنًا عَنْهَا (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَكُونُ تَطَوُّعًا بِالتَّجْدِيدِ) وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي التَّوْبَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ صَلَّى جَمَاعَةً لَمْ يُكْرَهْ) أَيْ وَيُثَابُ عَلَى ذَلِكَ.
اهـ سم عَلَى حَجّ بِالْمَعْنَى.
وَهَلْ الْأَوْلَى تَرْكُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ كَمَا مَرَّ فِي اقْتِدَاءِ الْمُسْتَمِعِ بِالْقَارِئِ أَوْ لَا وَيُفَرَّقُ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْفَرْقِ فَيَكُونُ فِعْلُهَا فِي الْجَمَاعَةِ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَقَدْ يُشْعِرُ بِهِ جَعْلُهَا كَذَلِكَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمَحَلِّيِّ فِي التَّرَاوِيحِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّ الِانْفِرَادَ بِهَا أَفْضَلُ كَغَيْرِهَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ لَكِنَّهُ يُشْكِلُ عَلَى كَوْنِهِ خِلَافَ الْأَوْلَى حُصُولُ الثَّوَابِ فِيهَا فَإِنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي عَدَمَ الثَّوَابِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمْ يُرِدْ بِكَوْنِهِ خِلَافَ الْأَوْلَى كَوْنَهُ مَنْهِيًّا عَنْهُ بَلْ إنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ (قَوْلُهُ: فَمِنْهُ الرَّوَاتِبُ) وَانْظُرْ فِي أَيِّ وَقْتٍ طُلِبَتْ الرَّوَاتِبُ (قَوْلُهُ: وَالْحِكْمَةُ فِيهَا أَنَّهَا تُكَمِّلُ مَا نَقَصَ مِنْ الْفَرَائِضِ) وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْجَابِرَ لِلْفَرَائِضِ هُوَ الرَّوَاتِبُ دُونَ غَيْرِهَا وَلَوْ مِنْ جِنْسِ الْفَرَائِضِ كَصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَفِي كَلَامِ سم عَلَى حَجّ تَبَعًا لِظَاهِرِ حَجّ مَا يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ.
وَعِبَارَتُهُ قَوْلُهُ: وَشُرِعَ لِتَكْمِيلِ إلَخْ، عِبَارَةُ الْعُبَابِ: وَإِذَا انْتَقَصَ فَرْضُهُ كُمِّلَ مِنْ نَفْلِهِ وَكَذَا بَاقِي الْأَعْمَالِ اهـ. وَقَوْلُهُ نَفْلُهُ قَدْ يَشْمَلُ غَيْرَ سُنَنِ ذَلِكَ الْفَرْضِ مِنْ النَّوَافِلِ، وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْحَدِيثِ «فَإِذَا انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْئًا قَالَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ: اُنْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهِ مَا انْتَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ» اهـ. بَلْ قَدْ يَشْمَلُ هَذَا تَطَوُّعًا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْفَرِيضَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَعِبَارَةُ الْمُنَاوِيِّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى الْجَامِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَوَّلُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أُمَّتِي الصَّلَاةَ» إلَخْ.
نَصُّهَا: وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يُوجِبْ شَيْئًا مِنْ الْفَرَائِضِ غَالِبًا إلَّا وَجَعَلَ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ نَافِلَةً، حَتَّى إذَا قَامَ الْعَبْدُ بِذَلِكَ الْوَاجِبِ وَفِيهِ خَلَلٌ مَا يُجْبَرُ بِالنَّافِلَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِهِ، فَلِذَا أَمَرَ بِالنَّظَرِ فِي فَرِيضَةِ الْعَبْدِ، فَإِذَا أَقَامَ بِهَا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ جُوزِيَ عَلَيْهَا وَأُثْبِتَتْ لَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا خَلَلٌ كُمِّلَتْ مِنْ نَافِلَتِهِ حَتَّى قَالَ الْبَعْضُ: إنَّمَا ثَبَتَتْ لَك نَافِلَةٌ إذَا سَلِمَتْ لَك الْفَرِيضَةُ اهـ.
وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي خِلَافِ مَا اسْتَظْهَرَهُ سم، بَلْ وَقَعَ فِي الْمُنَاوِيِّ أَيْضًا مَا يُصَرِّحُ بِتَخْصِيصِ الْجَبْرِ بِالرَّوَاتِبِ وَعِبَارَتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الْإِنْسَانِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةٍ مَفْصِلٍ» إلَخْ مَا نَصَّهُ: وَخُصَّتْ الضُّحَى بِذَلِكَ لِتَمَحُّضِهَا لِلشُّكْرِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ جَابِرَةً لِغَيْرِهَا بِخِلَافِ الرَّوَاتِبِ.
اهـ
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَال: أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا الْجَبْرَ لِغَيْرِهَا، وَإِنْ اتَّفَقَ حُصُولُهُ بِهَا فَلَيْسَ أَصْلِيًّا فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا هَذَا وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ نَوَى بِهَا ابْتِدَاءَ جَبْرِ الْخَلَلِ لَمْ تَنْعَقِدْ وَلَوْ عَلِمَ الْخَلَلَ كَتَرْكِهِ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ مَثَلًا (قَوْلُهُ: مَا نَقَصَ مِنْ الْفَرَائِضِ) بَلْ وَلِتَقُومَ فِي الْآخِرَةِ لَا الدُّنْيَا خِلَافًا لِبَعْضِ السَّلَفِ مَقَامَ مَا تَرَكَ مِنْهَا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ.
اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: بِآيَتَيْ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ) وَهُمَا قَوْله تَعَالَى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136] إلَى قَوْلِهِ ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136] وَقَوْلُهُ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 64] إلَى قَوْلِهِ أَيْضًا ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64] (قَوْلُهُ: وَالْإِخْلَاصُ) قَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِأَوْ أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ تَخْفِيفُ الرَّكْعَتَيْنِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا فِيهِ تَطْوِيلٌ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنْ ثَبَتَ وُرُودُ كُلٍّ فِي رِوَايَةٍ فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهَا أَفْضَلُ لِيَتَحَقَّقَ الْعَمَلُ بِجَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، وَانْظُرْ لَوْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَأَنْ يَضْطَجِعَ وَالْأَوْلَى كَوْنُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ بَعْدَهُمَا وَلَعَلَّ مِنْ حِكْمَتِهِ أَنَّهُ يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ ضَجْعَةَ الْقَبْرِ حَتَّى يَسْتَفْرِغَ وُسْعَهُ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَيَتَهَيَّأَ لِذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَصَلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْفَرْضِ بِنَحْوِ كَلَامٍ أَوْ تَحَوُّلٍ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْمَقْضِيَّةِ، وَفِيمَا لَوْ أَخَّرَ سُنَّةَ الصُّبْحِ عَنْهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَا صَحَّ مِنْ مُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِمَا وَلِخَبَرِ «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» وَلَهُ فِي نِيَّتِهَا كَيْفِيَّاتٌ: سُنَّةُ الصُّبْحِ، سُنَّةُ الْفَجْرِ، سُنَّةُ الْبَرْدِ، سُنَّةُ الْوُسْطَى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا الْوُسْطَى، سُنَّةُ الْغَدَاةِ، وَلَهُ أَنْ يَحْذِفَ لَفْظَ السُّنَّةِ وَيُضِيفَ فَيَقُولُ: رَكْعَتَيْ الصُّبْحِ، رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، رَكْعَتَيْ الْبَرْدِ، رَكْعَتَيْ الْوُسْطَى، رَكْعَتَيْ الْغَدَاةِ (وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَكَذَا) رَكْعَتَانِ (بَعْدَهَا) (وَ) رَكْعَتَانِ (بَعْدَ الْمَغْرِبِ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ» . وَذَكَرَ فِي الْكِفَايَةِ فِي رَكْعَتَيْ الْمَغْرِبِ بَعْدَهَا أَنَّهُ يُسَنُّ تَطْوِيلُهُمَا حَتَّى يَنْصَرِفَ أَهْلُ
[حاشية الشبراملسي]
أَحَدِهَا، فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ تَقْدِيمُ الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ لِمَا وَرَدَ فِيهِمَا.
ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ عَلَى الشَّمَائِلِ مَا نَصُّهُ قُبَيْلَ بَابِ صَلَاةِ الضُّحَى عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ رَكْعَتَيْنِ حِينَ يَطْلُعَ الْفَجْرُ إلَخْ: فَيُسَنُّ تَخْفِيفُهُمَا اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا فِي مُسْلِمٍ: «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرًا مَا يَقْرَأُ فِي الْأُولَى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: 136] آيَةَ الْبَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى مُسْلِمُونَ» آيَةَ آلِ عِمْرَانَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَخْفِيفِهِمَا عَدَمُ تَطْوِيلِهِمَا عَلَى الْوَارِدِ فِيهِمَا مَعَ لَوْ قَرَأَ الشَّخْصُ فِي الْأُولَى آيَةَ الْبَقَرَةِ وَأَلَمْ نَشْرَحْ وَالْكَافِرُونَ وَفِي الثَّانِيَةِ آيَةَ آلِ عِمْرَانَ وَأَلَمْ تَرَ كَيْفَ وَالْإِخْلَاصَ لَمْ يَكُنْ مُطَوِّلًا لَهُمَا تَطْوِيلًا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ حَدِّ السُّنَّةِ وَالِاتِّبَاعِ، رَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53] وَ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: 119] » فَيُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِيَتَحَقَّقَ الْإِتْيَانُ بِالْوَارِدِ أَخْذًا مِمَّا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي " إنِّي ظَلَمَتْ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا " وَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ فِي هَذَا رَدَدْته فِي حَاشِيَةِ الْإِيضَاحِ فِي مَبْحَثِ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَضْطَجِعَ) وَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِأَيِّ كَيْفِيَّةٍ فُعِلَتْ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِوَجْهِهِ وَمُقَدَّمِ بَدَنِهِ؛ لِأَنَّهَا الْهَيْئَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْقَبْرِ فَهِيَ أَقْرَبُ لِتَذْكِيرِ أَحْوَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ تِلْكَ الْحَالَةَ فِي مَحَلِّهِ انْتَقَلَ إلَى غَيْرِهِ مِمَّا يَسْهُلُ فِعْلُهَا فِيهِ (قَوْلُهُ: فَصَلَ بَيْنَهُمَا) أَيْ الرَّكْعَتَيْنِ (قَوْلُهُ: بِنَحْوِ كَلَامٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ الذِّكْرِ أَوْ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ تَمْيِيزُ الصَّلَاةِ الَّتِي فَرَغَ مِنْهَا مِنْ الصَّلَاةِ الَّتِي يَشْرَعُ فِيهَا، وَيَنْبَغِي أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِنَحْوِ الْكَلَامِ لَا يُفَوِّتُ سَنَّ الِاضْطِجَاعِ حَتَّى لَوْ أَرَادَهُ بَعْدَ الْفَصْلِ الْمَذْكُورِ حَصَلَ بِهِ السُّنَّةُ (قَوْلُهُ: وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْمَقْضِيَّةِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا أَخَّرَ سُنَّةَ الصُّبْحِ عَنْهَا نُدِبَ لَهُ الِاضْطِجَاعُ بَعْدَ السُّنَّةِ لَا بَيْنَ الْفَرْضِ وَبَيْنَهَا.
وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الِاضْطِجَاعِ الْفَصْلُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَصَلَ بَيْنَهُمَا إلَخْ (قَوْلُهُ: عَلَى الْقَوْلِ) أَيْ الْمَرْجُوحِ (قَوْلُهُ: وَيُضِيفَ) لَعَلَّ هَذَا مُجَرَّدُ تَصْوِيرٍ لِمَا مَرَّ أَنَّ ذِكْرَ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَيَكْفِي أَنْ يَقُولَ أُصَلِّي الْغَدَاةَ أَوْ الْفَجْرَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَيَقُولَ) هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتُ مَا عَدَا رَكْعَتَيْ الْوُسْطَى، بَلْ قَدْ يُقَالُ حَتَّى هِيَ أَيْضًا بِجَعْلِ الْإِضَافَةِ بَيَانِيَّةً تَصْلُحُ لِلْفَرْضِ كَمَا تَصْلُحُ لَلسُّنَّةِ، وَلَعَلَّ الْمُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا وُجُوبُ التَّعَرُّضِ لِلْفَرِيضَةِ فِي الْفَرْضِ وَوُجُوبُ عَدَمِهِ فِي السُّنَّةِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ يُسَنُّ تَطْوِيلُهُمَا) وَيَلْحَقُ بِهِمَا بَقِيَّةُ السُّنَنِ الْمُتَأَخِّرَةِ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَيْهِمَا لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِالِانْصِرَافِ عَقِبَ فِعْلِ الْمَغْرِبِ (قَوْلُهُ: حَتَّى يَنْصَرِفَ) لَا أَنَّ تَطْوِيلَهُمَا سُنَّةٌ لِكُلِّ أَهْلِ الْمَسْجِدِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُغْيَا بِانْصِرَافِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَنَّ ذَلِكَ لِكُلِّ أَحَدٍ حَتَّى يَنْصَرِفَ مَنْ يَنْصَرِفُ عَادَةً أَوْ مَنْ دَعَاهُ إلَى الِانْصِرَافِ أَمْرٌ عَرَضَ لَهُ.
اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَالْكَلَامُ حَيْثُ فَعَلَهَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: بَعْدَهُمَا) جَرَى عَلَى الْغَالِبِ مِنْ تَقْدِيمِهِمَا عَلَى الْفَرْضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ فَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَصَلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْفَرْضِ إذْ يُعْلَمُ مِنْهُ
الْمَسْجِدِ، لَكِنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّهُ يُنْدَبُ فِيهِمَا الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصُ خِلَافُهُ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لِأَصْلِ السُّنَّةِ وَذَاكَ لِكَمَالِهَا (وَ) رَكْعَتَانِ بَعْدَ (الْعِشَاءِ) لِلْخَبَرِ الْمَارِّ وَشَمِلَ ذَلِكَ الْحَاجَّ بِمُزْدَلِفَةَ، وَإِنَّمَا سُنَّ لَهُ تَرْكُ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ لِيَسْتَرِيحَ، وَلِيَتَهَيَّأَ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ يَوْمَ النَّحْرِ (وَقِيلَ لَا رَاتِبَةَ لِلْعِشَاءِ) ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا يَجُوزُ كَوْنُهُمَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَيُرَدُّ «بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَيَفْتَتِحُهَا بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ يُطَوِّلُهَا» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَيْنِكَ لَيْسَتَا مِنْهَا، وَنَفَى الْوَجْهَ لِمَا ذَكَرَ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّأْكِيدِ لَا لِأَصْلِ السُّنِّيَّةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إلَى آخِرِهِ، وَمَعْنَى تَعْلِيلِهِ بِمَا ذَكَرَ أَنَّهُ إذَا جَازَ كَوْنُهُمَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ انْتَفَتْ الْمُوَاظَبَةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلتَّأْكِيدِ (وَقِيلَ أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ) لِعَدَمِ تَرْكِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَقِيلَ وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا) لِخَبَرِ «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» (وَقِيلَ وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ) لِخَبَرِ «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» (وَالْجَمِيعُ سُنَّةٌ) رَاتِبَةٌ قَطْعًا لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الرَّاتِبِ الْمُؤَكَّدِ) مِنْ حَيْثُ التَّأْكِيدُ وَهُوَ الْعَشَرُ الْأُوَلُ فَقَطْ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَيْهَا أَكْثَرُ مِنْ الثَّمَانِيَةِ الْبَاقِيَةِ وَكَانَ فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ لَا تَقْتَضِي تَكْرَارًا كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ،
[حاشية الشبراملسي]
فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ انْصِرَافَهُ لِيَفْعَلَهَا فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ (قَوْلُهُ: الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصُ) وَيُسَنُّ هَذَانِ أَيْضًا فِي سَائِرِ السُّنَنِ الَّتِي لَمْ تَرِدْ لَهَا قِرَاءَةٌ مَخْصُوصَةٌ كَمَا بَحَثَ حَجّ (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ لِكَمَالِهَا) وَيَنْبَغِي حَيْثُ أَرَادَ الْأَكْمَلَ أَنْ يُقَدِّمَ الْكَافِرُونَ لِوُرُودِهَا بِخُصُوصِهَا ثُمَّ يَضُمَّ إلَيْهَا مَا شَاءَ، وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْإِخْلَاصَ إلَخْ.
وَالْأَوْلَى فِيمَا يَضُمُّهُ رِعَايَةُ تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ، فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ إذَا رَاعَى ذَلِكَ تَطْوِيلٌ ضَمَّ إلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ، وَإِنْ خَالَفَ تَرْتِيبَ الْمُصْحَفِ (قَوْلُهُ: بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) وَحِكْمَةُ تَخْفِيفِهِمَا الْمُبَادَرَةُ إلَى حِلِّ الْعُقْدَةِ الَّتِي تَبْقَى بَعْدَ حِلِّ الْعُقْدَتَيْنِ قَبْلَهَا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي الْإِنْسَانَ بَعْدَ نَوْمِهِ فَيَعْقِدُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ وَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى انْحَلَّتْ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ الثَّانِيَةُ، وَإِذَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ انْحَلَّتْ الثَّالِثَةُ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُطَوِّلُهَا) أَيْ صَلَاةَ اللَّيْلِ (قَوْلُهُ: فَدَلَّ ذَلِكَ) مِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ يُسَنُّ تَعْجِيلُ سُنَّةِ الْعِشَاءِ الْبَعْدِيَّةِ وَإِنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ وَوَثِقَ بِالْيَقِظَةِ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ تَيْنِكَ) أَيْ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ (قَوْلُهُ: كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ يَشْكُلُ عَلَى هَذَا قَوْلُ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا إلَخْ.
وَعِبَارَةُ ع: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالْجَمِيعُ سُنَّةٌ إلَخْ، اُنْظُرْ هَلْ يَشْكُلُ عَلَى هَذَا قَوْلُ الشَّارِحِ فِي رَاتِبَةِ الْعِشَاءِ وَمَا ذَكَرَ بَعْدَهَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ اهـ.
ثُمَّ رَأَيْت سم عَلَى حَجّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْإِشْكَالِ: فَالْوَجْهُ اسْتِثْنَاءُ هَذِهِ مِنْ الْقَطْعِ الْآتِي بِأَنَّ الْجَمِيعَ سُنَّةٌ، لَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ كحج وَمَعْنَى تَعْلِيلِهِ بِمَا ذَكَرَ أَنَّهُ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهَا كَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: «حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» ) أَيْ مَنَعَهُ مِنْ دُخُولِهَا (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ رَحِمَ اللَّهُ إلَخْ) مُرَادُهُ الدُّعَاءُ (قَوْلُهُ: وَكَانَ فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ) هُوَ قَوْلُهُ: «كَانَ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ اللَّيْلِ» وَعِبَارَةُ حَجّ: وَكَانَ فِي الْخَبَرَيْنِ السَّابِقَيْنِ
[حاشية الرشيدي]
أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الضَّجْعَةِ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْفَرْضِ فَإِذَا قَدَّمَ الْفَرْضَ فَعَلَهَا بَعْدَهُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَنَفْيُ الْوَجْهِ) اللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ: أَيْ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ) أَيْ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: وَمَعْنَى تَعْلِيلِهِ) أَيْ الْوَجْهِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فِي الْخَبَرَيْنِ السَّابِقَيْنِ) هُوَ تَابِعٌ فِي هَذِهِ الْإِحَالَةِ لِلشِّهَابِ حَجّ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدَّمَهُمَا، وَهُمَا فِي كَلَامِ الشِّهَابِ الْمَذْكُورِ قَدَّمَ أَحَدَهُمَا عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَقِيلَ أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَهُوَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَدَعُهَا، وَثَانِيهمَا عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقِيلَ وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَهُوَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي قَبْلَهَا أَرْبَعًا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ.
ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ فِي الْخَبَرَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي أَرْبَعِ الظُّهْرِ وَأَرْبَعِ الْعَصْرِ لَا يَقْتَضِي تَكْرَارًا عَلَى
وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ مَثَلًا، وَلَمْ يَنْوِ الْمُؤَكَّدَ وَلَا غَيْرَهُ انْصَرَفَ لِلْمُؤَكَّدِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ، وَالطَّلَبُ فِيهِ أَقْوَى (وَقِيلَ) مِنْ الرَّوَاتِبِ غَيْرِ الْمُؤَكَّدَةِ (رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ) لِمَا يَأْتِي (قُلْت هُمَا سُنَّةٌ) غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ (عَلَى الصَّحِيحِ) (فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ الْأَمْرُ بِهِمَا) وَلَفْظُهُ «صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ» كَرَاهَةَ أَنْ يَتَّخِذَهُ النَّاسُ سُنَّةً: أَيْ طَرِيقَةً لَازِمَةً.
وَصَحَّ أَنَّ كِبَارَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَانُوا يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ لَهَا إذَا أَذَّنَ الْمَغْرِبُ حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لِيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: مَا رَأَيْت أَحَدًا يُصَلِّيهِمَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُ قَادِحٍ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ نَفْيٌ غَيْرُ مَحْصُورٍ وَعَجِيبٌ مِمَّنْ زَعَمَ كَوْنَهُ مَحْصُورًا، إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَزْمِنَةِ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحْضُرْهُ ابْنُ عُمَرَ وَلَا أَحَاطَ بِمَا يَقَعُ فِيهِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ الْحَصْرُ فَالْمُثْبِتُ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ فَلْيُقَدَّمْ كَمَا قَدَّمُوا رِوَايَةَ مُثْبِتِ صَلَاتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْكَعْبَةِ عَلَى رِوَايَةِ نَافِيهَا مَعَ اتِّفَاقِهِمَا، عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا مَعَهُ فِيهَا.
مَعَ أَنَّ مُدَّعَاهُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ نَفْيُ رُؤْيَةِ غَيْرِهِ، وَبِفَرْضِ التَّسَاقُطِ يَبْقَى مَعْنَى «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ» لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ لَهُ وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ " بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ " أَيْ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ " صَلَاةٌ " إذْ هُوَ يَشْمَلُهُمَا نَصًّا وَمِنْ ثَمَّ أَخَذُوا مِنْهُ اسْتِحْبَابَ
[حاشية الشبراملسي]
فِي أَرْبَعِ الظُّهْرِ وَأَرْبَعِ الْعَصْرِ إلَخْ، وَأَرَادَ بِأَرْبَعِ الظُّهْرِ وَأَرْبَعِ الْعَصْرِ مَا قَدَّمَهُ فِيهِمَا مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَدَعُهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَوْلُهُ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْعَشْرِ لِلْخَبَرِ الْحَسَنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي قَبْلَهَا أَرْبَعًا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ» ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَكَانَ فِي الْخَبَرِ إلَخْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ كَانَ الْوَارِدَةُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهَا ذِكْرٌ فِي كَلَامِهِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْخَبَرِ جِنْسَهُ فَيَشْمَلُ الْخَبَرَيْنِ مَعًا، وَأَنَّهُ أَرَادَ الْوَارِدَ فِي سُنَّةِ الْعَصْرِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْوَارِدَ فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ اشْتَمَلَ عَلَى مَا يُفِيدُ الْمُوَاظَبَةَ وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا يَدَعُهَا فَالتَّكْرَارُ مُسْتَفَادٌ مِنْ غَيْرِ كَانَ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ) أَفْهَمَ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى الْأَرْبَعَ الْقَبْلِيَّةَ وَفَصَلَ بَيْنَهَا بِالسَّلَامِ لَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُ الْأُولَيَيْنِ لِلْمُؤَكَّدِ، بَلْ يَقَعُ ثِنْتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ وَثِنْتَانِ غَيْرُ مُؤَكَّدَتَيْنِ بِلَا تَعْيِينٍ.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ وَالطَّلَبُ فِيهِ أَقْوَى صَرْفُ الْأُولَيَيْنِ لِلْمُؤَكَّدَتَيْنِ مُطْلَقًا، وَهَلْ الْقَبْلِيَّةُ أَفْضَلُ مِنْ الْبَعْدِيَّةِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ هُمَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ؟ قَالَ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ: إنَّ الْبَعْدِيَّةَ أَفْضَلُ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى فِعْلِ الْفَرِيضَةِ، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ حَمْدَانَ.
اهـ أَقُولُ: الْأَقْرَبُ التَّسَاوِي كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْبَهْجَةِ حَيْثُ قَالَ مَا بِالْوَاوِ لَا تُرَتَّبُ.
اهـ: أَيْ مَا ذَكَرْته مِنْ الرَّوَاتِبِ مَعْطُوفًا بِالْوَاوِ وَلَا تَرْتِيبَ فِيهِ وَهَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ عَطَفَهُمَا بِالْوَاوِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَنْوِ الْمُؤَكَّدَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ فِي نِيَّتِهِ عَلَى غَيْرِ الْمُؤَكَّدِ اخْتَصَّ بِهِ، وَبَقِيَ مَا لَوْ أَطْلَقَ سُنَّةَ الظُّهْرِ القَبْلِيَّةَ أَوْ الْبَعْدِيَّةِ بِأَنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِعَدَدٍ هُوَ يَقْتَصِرُ عَلَى ثِنْتَيْنِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى ثِنْتَيْنِ.
اهـ.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ نَصُّهَا: فَرْعٌ: يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ فِي نِيَّةِ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَثَلًا وَيَتَخَيَّرَ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعٍ م ر اهـ. وَفِي كَلَامِهِ أَيْضًا عَلَى الْبَهْجَةِ: لَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ أَوْ الضُّحَى حُمِلَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فَلْيُرَاجِعْ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْفَرْقَ بَيْنَ الضُّحَى وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَبَيْنَ الرَّوَاتِبِ (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الثَّالِثَةِ) أَيْ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، وَقَوْلُهُ كَرَاهَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا: أَيْ قَالَ لِمَنْ شَاءَ كَرَاهَةً (قَوْلُهُ: مَعَ اتِّفَاقِهِمَا) أَيْ الْمُثْبِتِ وَالنَّافِي (قَوْلُهُ: وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ) أَيْ وَيَبْقَى مَعْنَى الْخَبَرِ الصَّحِيحِ إلَخْ
[حاشية الرشيدي]
الْأَصَحِّ عِنْدَ مُحَقِّقِي الْأُصُولِيِّينَ، وَمُبَادَرَتُهُ مِنْهَا أَمْرٌ عُرْفِيٌّ لَا وَضْعِيٌّ، لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ فِي الثَّانِيَةِ لَا الْأُولَى؛ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ لَا يُؤْخَذُ فِيهَا مَنْ كَانَ بَلْ مَنْ لَا يَدَعُ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ لِلْأَغْلَبِ إلَى آخَرِ مَا ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعِشَاءِ.
وَيُسْتَحَبُّ فِعْلُهُمَا بَعْدَ إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ، فَإِنْ تَعَارَضَتْ هِيَ وَفَضِيلَةُ التَّحَرُّمِ لِإِسْرَاعِ الْإِمَامِ بِالْفَرْضِ عَقِبَ الْأَذَانِ أَخَّرَهُمَا إلَى مَا بَعْدَهَا وَلَا يُقَدِّمُهُمَا عَلَى الْإِجَابَةِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِسُنَّةٍ، وَاسْتَدَلَّ بِظَاهِرِ خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ (وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعٌ) لِمَا مَرَّ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ ثِنْتَانِ مِنْهَا مُؤَكَّدَتَانِ (وَقَبْلَهَا مَا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) أَيْ أَرْبَعٌ مِنْهَا ثِنْتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ فَهِيَ كَالظُّهْرِ فِي الْمُؤَكَّدِ وَغَيْرِهِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ، وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَتُهُ تُوهِمُ مُخَالَفَتَهَا لِلظُّهْرِ فِي سُنَّتِهَا لِلْمُتَأَخِّرَةِ، وَيَنْوِي بِالْقَبْلِيَّةِ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ كَالْبَعْدِيَّةِ، وَلَا أَثَرَ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ وُقُوعِهَا خِلَافًا لِصَاحِبِ الْبَيَانِ إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ كُلِّفَ بِالْإِحْرَامِ بِهَا، وَإِنْ شَكَّ فِي عَدَمِ إجْزَائِهَا، أَمَّا الْبَعْدِيَّةُ فَيَنْوِي بِهَا بَعْدَ فِعْلِ الظُّهْرِ بَعْدِيَّتَهُ لَا بَعْدِيَّةَ الْجُمُعَةِ.
(وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً (الْوِتْرُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا لِخَبَرِ «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» وَخَبَرِ «أَوْتِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» وَلَفْظُ الْأَمْرِ لِلنَّدَبِ هُنَا لِإِرَادَةِ مَزِيدِ التَّأْكِيدِ، وَخَبَرِ «إنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ كَمَا يَقُولُ بِوُجُوبِهِ أَبُو حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238] إذْ لَوْ وَجَبَ لَمْ يَكُنْ لِلصَّلَوَاتِ وُسْطَى، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَبَا حَنِيفَةَ عَلَى وُجُوبِهِ حَتَّى صَاحِبَيْهِ، وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ فِعْلُهُمَا) أَيْ اللَّذَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ: أَيْ وَكَذَا سَائِرُ الرَّوَاتِبِ وَإِنَّمَا خَصَّ هَاتَيْنِ بِالذِّكْرِ لِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الْمُبَادَرَةِ بِفِعْلِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ مِنْ الْمُبَادَرَةِ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ عِنْدَ شُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ فِي الْأَذَانِ الْمُفَوِّتِ لِإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ وَلِفِعْلِ الرَّاتِبَةِ قَبْلَ الْفَرْضِ لَهَا لَا يَنْبَغِي، بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَعَارَضَتْ هِيَ) أَيْ السُّنَّةُ الْقَبْلِيَّةَ (قَوْلُهُ: إلَى مَا بَعْدَهُمَا) أَيْ وَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا فِي التَّأْخِيرِ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ فَضْلٌ كَالْحَاصِلِ مَعَ تَقْدِيمِهَا، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ حُصُولَ جَمَاعَةٍ أُخْرَى يَتَمَكَّنُ مَعَهَا مِنْ فِعْلِ الرَّاتِبَةِ الْقَبْلِيَّةِ وَإِدْرَاكِ فَضِيلَةِ التَّحَرُّمِ مَعَ إمَامِ الثَّانِيَةِ سُنَّ تَقَدُّمُ الرَّاتِبَةِ وَتَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْأُولَى مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْأَوَّلِ زِيَادَةُ فَضْلٍ كَكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ أَوْ فِقْهِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُقَدِّمُهُمَا عَلَى الْإِجَابَةِ) أَيْ؛ لِأَنَّهَا تَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ وَلِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا (قَوْلُهُ: كَالْبَعْدِيَّةِ) أَيْ؛ كَمَا أَنَّهُ يَنْوِي بِالسُّنَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ الْبَعْدِيَّةَ حَيْثُ عَلِمَ صِحَّةَ الْجُمُعَةِ أَوْ ظَنَّهَا كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ ظَنَّ إلَخْ، وَإِلَّا صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ نَوَى بَعْدِيَّتَهُ كَمَا يَأْتِي عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
(قَوْلُهُ: عَدَمِ وُقُوعِهَا) أَيْ جُمُعَةٍ (قَوْلُهُ: إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ ظَنَّ وُقُوعَهَا) وَفِي نُسْخَةٍ: إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالْإِحْرَامِ بِهَا وَإِنْ شَكَّ فِي عَدَمِ إجْزَائِهَا، أَمَّا الْبَعْدِيَّةُ فَيَنْوِي بِهَا بَعْدَ فِعْلِ الظُّهْرِ بَعْدِيَّتَهُ لَا بَعْدِيَّةَ الْجُمُعَةِ وَمِنْهُ إلَخْ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ، وَإِنْ شَكَّ فِي عَدَمِ إلَخْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: بَعْدُ وَخَرَجَ إلَخْ، ثُمَّ رَأَيْت قَوْلَهُ وَخَرَجَ إلَخْ مَضْرُوبًا عَلَيْهِ أَيْضًا وَعَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ، وَمَا فِي الْأَصْلِ كَانَ يَتْبَعُ فِيهِ حَجّ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَضَرَبَ عَلَيْهِ بِخَطِّهِ وَكَتَبَ بَدَلَهُ مَا فِي صَدْرِ الْقَوْلَةِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَنْوِ) قَسْمَ قَوْلِهِ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَتُهُ تُوهِمُ إلَخْ) قَالَ الشِّهَابُ حَجّ: وَكَأَنَّ عُذْرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ النَّصُّ الصَّرِيحُ الْمُشْتَهِرُ إلَّا عَلَى هَذِهِ فَقَطْ (قَوْلُهُ: وَلَا أَثَرَ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ وُقُوعِهَا) أَيْ بِإِخْلَالِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا.
وَعِبَارَةُ الدَّمِيرِيِّ فِي تَعْلِيلِ كَلَامِ صَاحِبِ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى غَيْرِ ثِقَةٍ مِنْ اسْتِكْمَالِ شُرُوطِهَا.
(قَوْلُهُ: أَمَّا الْبَعْدِيَّةُ فَيُنْوَى بِهَا بَعْدَ فِعْلِ الظُّهْرِ) أَيْ إنْ فَعَلَهُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ وَانْظُرْ مَا وَجْهُهُ حِينَئِذٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَفِي نُسَخِ الشَّارِحِ هُنَا زِيَادَةٌ فِيهَا اخْتِلَافٌ فِي النُّسَخِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ الشَّيْخُ عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي رَجَعَ إلَيْهَا الْمُصَنِّفُ آخِرًا فِي الْحَاشِيَةِ.
[مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً الْوِتْرُ]
(قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238]
الْوِتْرَ لَيْسَ مِنْ الرَّوَاتِبِ صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ إطْلَاقِ الرَّاتِبَةِ عَلَى التَّابِعَةِ لِلْفَرَائِضِ.
وَلِهَذَا لَوْ نَوَى بِهِ سُنَّةَ الْعِشَاءِ أَوْ رَاتِبَتَهَا لَمْ تَصِحَّ، وَمَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّهُ مِنْهَا صَحِيحٌ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الرَّاتِبَةَ يُرَادُ بِهَا هُنَا السُّنَنُ الْمُؤَقَّتَةُ، وَقَدْ جَرَيَا عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ.
وَلَوْ صَلَّى مَا عَدَا أَخِيرَةِ الْوِتْرِ أُثِيبَ عَلَى مَا أَتَى بِهِ ثَوَابُ كَوْنِهِ مِنْ الْوِتْرِ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَجْمُوعِ الْإِحْدَى عَشْرَةَ، وَمِثْلُهُ مَنْ أَتَى بِبَعْضِ التَّرَاوِيحِ، وَلَيْسَ هَذَا كَمَنْ أَتَى بِبَعْضِ الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ ادَّعَاهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِهَا لَيْسَ لَهُ أَبْعَاضٌ مُتَمَيِّزَةٌ بِنِيَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِخِلَافِ مَا هُنَا.
(وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ) لِخَبَرِ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» وَصَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ» ، وَقَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ: يُكْرَهُ الْإِيتَارُ بِهَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهَا خِلَافُ الْأَوْلَى، وَلَا يُنَافِيهِ الْخَبَرُ؛ لِأَنَّهُ لِبَيَانِ حُصُولِ أَصْلِ السُّنَّةِ بِهَا، وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثَةٌ وَأَكْمَلُ مِنْهُ خَمْسٌ ثُمَّ سَبْعٌ ثُمَّ تِسْعٌ (وَأَكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَةَ) رَكْعَةً لِخَبَرِ عَائِشَةَ «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» وَهِيَ أَعْلَمُ بِحَالِهِ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَصِحُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الرَّوَاتِبِ،
[حاشية الشبراملسي]
وَيَنْوِي إلَخْ
(قَوْلُهُ: فِيمَا يَظْهَرُ) أَيْ وَيَقَعُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: بِذَلِكَ) أَيْ بِسُنَّةِ الْجُمُعَةِ الْقَبْلِيَّةَ إذَا لَمْ تَقَعْ صَلَاتُهُ جُمُعَةً عَنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةَ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يَجُوزُ بِنَاءُ الظُّهْرِ عَلَيْهَا) أَيْ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمْ فِيهَا أَوْ مَنَعَ مَانِعٌ مِنْ إكْمَالِهَا جُمُعَةً كَانْفِضَاضِ بَعْضِ الْعَدَدِ.
(قَوْلُهُ: فَلَمْ يُمْكِنْ الْبِنَاءُ) أَيْ فَيَأْتِي بِسُنَنِ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةَ وَالْبَعْدِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ هَذَا كَمَنْ أَتَى بِبَعْضِ الْكَفَّارَةِ) أَيْ حَيْثُ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ بَعْضِ الْكَفَّارَةِ، بَلْ إنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ أَصْلًا، وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لَكِنْ عَرَضَ لَهُ مَا يَمْنَعُ إكْمَالَهُ وَقَعَ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا
(قَوْلُهُ: وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثَةٌ) الْأَوْلَى حَذْفُ التَّاءِ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُودَ مُؤَنَّثٌ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ أَشَارَ إلَى مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّهُ إذَا حُذِفَ الْمَعْدُودُ جَازَ ثُبُوتُ التَّاءِ وَحَذْفُهَا فَأَثْبَتَهَا فِي الْبَعْضِ وَحَذَفَهَا فِي الْبَعْضِ (قَوْلُهُ: وَأَكْثَرُهُ إحْدَى عَشَرَةَ) أَيْ وَلَوْ مُفَرَّقَةً أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي وَشَمِلَ إلَخْ.
[فَرْعٌ] . نَذَرَ أَنْ يُصَلَّى الْوِتْرَ لَزِمَهُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّ أَقَلَّهُ وَهُوَ وَاحِدَةٌ يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا فَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّذْرُ، فَأَقَلُّ عَدَدٍ مِنْهُ مَطْلُوبٌ لَا كَرَاهَةَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا هُوَ الثَّلَاثُ فَيَنْحَطُّ النَّذْرُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا إذَا قُلْنَا إذَا أَطْلَقَ نِيَّةَ الْوِتْرِ انْعَقَدَتْ عَلَى ثَلَاثٍ م ر. [فَرْعٌ] . لَوْ صَلَّى وَاحِدَةً بِنِيَّةِ الْوِتْرِ حَصَلَ الْوِتْرُ، وَلَا يَجُوزُ بَعْدَهَا أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا بِنِيَّةِ الْوِتْرِ لِحُصُولِهِ وَسُقُوطِهِ، فَإِنْ فَعَلَ عَمْدًا لَمْ يَنْعَقِدْ وَإِلَّا انْعَقَدَ نَفْلًا مُطْلَقًا، وَكَذَا لَوْ صَلَّى ثَلَاثًا بِنِيَّةِ الْوِتْرِ وَسَلَّمَ وَكَذَا نَقَلَ م ر عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ قَالَ: لِسُقُوطِ الطَّلَبِ فَلَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَلْزَمَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ بِأَكْثَرِ الْوِتْرِ أَبَدًا فَنَوَى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ مِنْهُ وَسَلَّمَ مِنْهَا فَاتَ الْعَمَلُ فَالْتَزَمَهُ، وَرَأَيْت شَيْخَنَا حَجّ أَفْتَى بِخِلَافِ ذَلِكَ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُ سم: وَرَأَيْت شَيْخَنَا حَجّ أَفْتَى بِخِلَافِ ذَلِكَ: أَيْ فَقَالَ إذَا صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الْوِتْرِ أَوْ ثَلَاثَةً مَثَلًا جَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بَاقِيَهُ.
أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ مَا قَالَهُ حَجّ وَقَدْ يُنَازَعُ فِي قَوْلِ الرَّمْلِيِّ لِسُقُوطِ الطَّلَبِ بِأَنَّ سُقُوطَ الطَّلَبِ لَا يَقْتَضِي مَنْعَ الْبَقِيَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ الطَّلَبُ فِيهِ بِفِعْلِ وَاحِدٍ وَلَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ بَعْدَهُ أُثِيبَ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْفَرْضِ، وَقَوْلُهُ لَزِمَهُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ هَلْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَذْرَ الثَّلَاثِ يُحْمَلُ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْ الثَّلَاثِ، ثُمَّ إنْ أَحْرَمَ بِالثَّلَاثِ ابْتِدَاءً حَصَلَ بِهَا الْوِتْرُ وَبَرِئَ مِنْ النَّذْرِ، وَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ وَلِلْخَبَرَيْنِ قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: أُثِيبَ عَلَى مَا أَتَى بِهِ) أَيْ وَإِنْ قَصَدَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً
فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْجَمِيعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ سَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ صَحَّ مَا عَدَا الْإِحْرَامَ السَّادِسَ فَلَا يَصِحُّ وِتْرًا، ثُمَّ إنْ عَلِمَ الْمَنْعَ وَتَعَمَّدَ فَالْقِيَاسُ الْبُطْلَانُ، وَإِلَّا وَقَعَ نَفْلًا كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا غَالِطًا، وَشَمَلَ كَلَامُهُ مَا لَوْ أَتَى بِبَعْضِ الْوِتْرِ ثُمَّ تَنَفَّلَ ثُمَّ أَتَى بِبَاقِيهِ (وَقِيلَ) أَكْثَرُهُ (ثَلَاثَ عَشْرَةَ) رَكْعَةً لِأَخْبَارٍ صَحِيحَةٍ تَأَوَّلَهَا الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَيْنِ سُنَّةُ الْعِشَاءِ، وَقَدْ ادَّعَى الْمُصَنِّفُ ضَعْفَ التَّأْوِيلِ وَأَنَّهُ مُبَاعِدٌ لِلْأَخْبَارِ.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: وَأَنَا أَقْطَعُ بِحِلِّ الْإِيتَارِ بِذَلِكَ وَصِحَّتِهِ، وَلَكِنْ أُحِبُّ الِاقْتِصَارَ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ فَأَقَلَّ؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ أَحْوَالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وَيُسَنُّ لِمَنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ الْأَعْلَى، وَفِي الثَّانِيَةِ الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَةِ الْإِخْلَاصَ ثُمَّ الْفَلَقَ ثُمَّ النَّاسَ مَرَّةً مَرَّةً وَلَوْ أَوْتَرَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ قَرَأَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ مَا ذَكَرَ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ.
(وَلِمَنْ) (زَادَ عَلَى رَكْعَةٍ) فِي الْوِتْرِ (الْفَصْلُ) بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالسَّلَامِ لِلِاتِّبَاعِ (وَهُوَ أَفْضَلُ) مِنْ الْوَصْلِ الْآتِي إنْ سَاوَاهُ عَدَدُ الْخَبَرِ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرَغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى الْفَجْرِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَيُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ.
وَقَوْل الْجَوْجَرِيُّ: إنَّ قَضِيَّةَ تَعْبِيرِهِمْ بِالسَّلَامِ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَنَّهُ لَوْ أَوْتَرَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ سَلَّمَ سِتَّ تَسْلِيمَاتٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْقَصُ مِنْ ذَلِكَ كَأَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَسِتًّا بِتَسْلِمَةٍ ثُمَّ يُصَلِّيَ الرَّكْعَةَ، وَإِنْ وُجِدَ مُطْلَقُ الْفَصْلِ؛ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي ذَلِكَ الِاتِّبَاعُ وَلَمْ يَرِدْ إلَّا كَذَلِكَ.
رَدَّهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ خِلَافُهَا بَلْ دَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ قَضِيَّتُهُ مَمْنُوعٌ، وَإِنَّمَا قَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الْأَوْلَى.
وَقِيلَ الْوَصْلُ أَفْضَلُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ لَا يُصَحِّحُ الْفَصْلَ، وَالْقَائِلُونَ بِالْأَوَّلِ مَنَعُوا ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا يُرَاعِي خِلَافَ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى مَحْظُورٍ أَوْ مَكْرُوهٍ، فَإِنَّ الْوَصْلَ بِثَلَاثٍ مَكْرُوهٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ خَيْرَانَ، بَلْ قَالَ الْقَفَّالُ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ وُجِدَ مُسَمَّى الْوِتْرِ امْتَنَعَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ م ر، وَإِنْ أَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ بِالْإِحْدَى عَشَرَةَ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَمْتَنِعْ وَيَقَعُ بَعْضُ مَا أَتَى بِهِ وَاجِبًا وَبَعْضُهُ مَنْدُوبًا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْجَمِيعِ) أَيْ بِالْإِحْدَى عَشَرَةَ مَعَ الزِّيَادَةِ كَأَنْ أَحْرَمَ بِاثْنَيْ عَشَرَ (قَوْلُهُ: مَرَّةً مَرَّةً) رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الْإِخْلَاصِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ (قَوْلُهُ: فِيمَا يَظْهَرُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ وَصَلَ وَإِنْ لَزِمَ تَطْوِيلُ الثَّالِثَةِ عَلَى الثَّانِيَةِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا تُسَنُّ سُورَةٌ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا مُخَصِّصٌ لَهُ لِتَعَلُّقِ الطَّلَبِ بِهِ بِخُصُوصِهِ.
(قَوْلُهُ: بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) أَيْ وَمَا بَعْدَهُمَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَفْضَلُ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، فَإِنْ زَادَ فَالْفَصْلُ أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالتَّحْقِيقِ.
اهـ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِمْ.
أَقُولُ: وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ قَدْ فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ إنْ سَاوَاهُ عَدَدًا.
(قَوْلُهُ: لِخَبَرِ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ) بِهِ يُدْفَعُ مَا يُقَالُ الْقِيَاسُ أَنْ يُقَالَ الْوَصْلُ أَفْضَلُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْوَصْلَ.
وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا يُرَاعَى إذَا لَمْ تُعَارِضْهُ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَرَدَتْ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ الْفَصْلُ (قَوْلُهُ: قَضِيَّتُهُ مَمْنُوعٌ) أَيْ قَوْلٌ مَمْنُوعٌ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مَمْنُوعَةٌ (قَوْلُهُ: أَوْ مَكْرُوهٌ) أَيْ وَالرِّعَايَةُ هُنَا تُؤَدِّي إلَى مَكْرُوهٍ فَإِنَّ الْوَاصِلَ إلَخْ (قَوْلُهُ: بَلْ قَالَ الْقَفَّالُ)
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ خِلَافُهَا) أَيْ الْقَضِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الْأَوْلَى) عَلَّلَهُ فِي الْإِمْدَادِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي بَيَانِ كَوْنِ الْفَصْلِ أَفْضَلَ، فَصَوَّرُوهُ بِذَلِكَ لِيُفِيدَ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ.
(قَوْلُهُ: كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ خَيْرَانَ) أَيْ اسْتِنَادًا لِمَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ «لَا تُشَبِّهُوا الْوِتْرَ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» فَهُوَ الَّذِي مَنَعَ الشَّافِعِيَّ مِنْ مُرَاعَاتِهِ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ، وَإِلَّا فَمَا ذُكِرَ مِنْ جَزْمِ ابْنِ خَيْرَانَ وَمَا بَعْدَهُ لَيْسَ مُسْتَنِدَ الشَّافِعِيِّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ أَوْهَمَتْهُ الْعِبَارَةُ
لَا يَصِحُّ وَصْلُهَا وَبِهِ أَفْتَى الْقَاضِي حُسَيْنُ.
(وَ) لَهُ (الْوَصْلُ بِتَشَهُّدٍ أَوْ تَشَهُّدَيْنِ فِي) الرَّكْعَتَيْنِ (الْأَخِيرَتَيْنِ) لِثُبُوتِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَمْتَنِعُ أَكْثَرُ مِنْ تَشَهُّدَيْنِ وَفِعْلُ أَوَّلِهِمَا قَبْلَ الْأَخِيرَتَيْنِ لِعَدَمِ وُرُودِ ذَلِكَ، وَالْوَصْلُ بِتَشَهُّدٍ أَفْضَلُ مِنْهُ بِتَشَهُّدَيْنِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَلِلنَّهْيِ عَنْ تَشْبِيهِ الْوِتْرِ بِالْمَغْرِبِ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْوِتْرِ ثَلَاثًا: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، ثُمَّ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك، وَبِك مِنْك، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك.
وَقَدْ مَرَّ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ تَمَامَ الْفَضِيلَةِ لِلْوِتْرِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِفِعْلِ أَخِيرَتِهِ لَا أَصْلِهَا.
(وَوَقْتُهُ) أَيْ الْوِتْرُ (بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) وَلَوْ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ (وَطُلُوعِ الْفَجْرِ) الصَّادِقِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ وَقْتُهُ الْمُخْتَارُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُرِدْ تَهَجُّدًا، وَلَمْ يَعْتَدْ الْيَقِظَةَ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَمَا يُشْتَرَطُ وُقُوعُهُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ بَعْدَ فِعْلِهَا حَتَّى لَوْ خَرَجَ وَقْتُهَا، وَأَرَادَ فِعْلَهُ قَضَاءً قَبْلَ فِعْلِهَا كَانَ مُمْتَنِعًا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ.
(وَقِيلَ) (شَرْطُ) جَوَازِ (الْإِيتَارِ بِرَكْعَةٍ) (سَبْقُ نَفْلٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ) ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهَا لِتَقَعَ هِيَ مُوتِرَةً لِذَلِكَ الْفِعْلِ.
وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَكْفِي كَوْنُهَا وِتْرًا فِي نَفْسِهَا أَوْ مُوتِرَةً لِمَا قَبْلَهَا وَلَوْ فَرْضًا (وَيُسَنُّ) لِمَنْ وَثِقَ بِيَقِظَتِهِ، وَأَرَادَ صَلَاةً بَعْدَ نَوْمِهِ (جَعْلُهُ) أَيْ جَمِيعُ وِتْرِهِ
[حاشية الشبراملسي]
ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: وَالْوَصْلُ بِتَشَهُّدِ أَفْضَلُ) أَيْ وَإِنْ أَحْرَمَ بِإِحْدَى عَشَرَةَ، وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّشْبِيهِ بِالْمَغْرِبِ فِيمَا ذُكِرَ أَنَّ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا بَعْدَ شَفْعٍ وَالثَّانِيَ بَعْدَ فَرْدٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ: أَفْضَلُ يُفِيدُ أَنَّ الْوَصْلَ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ بِتَشَهُّدَيْنِ لَيْسَ مَكْرُوهًا وَإِنَّمَا هُوَ خِلَافُ الْأَفْضَلِ.
(قَوْلُهُ: وَلِلنَّهْيِ عَنْ تَشْبِيهِ الْوِتْرِ) أَيْ بِجَعْلِهِ مُشْتَمِلًا عَلَى تَشَهُّدَيْنِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَقُولَ: بَعْدَ الْوِتْرِ) أَيْ بَعْدَ فَرَاغِ الْوِتْرِ رَكْعَةً كَانَ أَوْ أَكْثَرَ (قَوْلُهُ: وَبِك مِنْك) أَيْ أَسْتَجِيرُ بِك مِنْ غَضَبِك (قَوْلُهُ: وَقَدْ مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ صَلَّى مَا عَدَا أَخِيرَةِ الْوِتْرِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ صَارَ مُقِيمًا قَبْلَ فِعْلِهِ وَبَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ كَأَنْ وَصَلَتْ سَفِينَتُهُ دَارَ إقَامَتِهِ بَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ أَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ، لَكِنْ نُقِلَ عَنْ الْعُبَابِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَلْ يُؤَخِّرُهُ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُهُ الْحَقِيقِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ انْتَفَى بِالْإِقَامَةِ.
(قَوْلُهُ: سَبْقُ نَفْلٍ) وَيَنْبَغِي تَصْوِيرُهُ بِرَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ حَيْثُ كَانَ شَفْعًا أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ لِتَقَعَ هِيَ مُوتِرَةً إلَخْ، وَإِلَّا فَالنَّفَلُ يَصْدُقُ بِرَكْعَةٍ وَلَا يَكُونُ الْإِيتَارُ بِرَكْعَةٍ شَفْعًا لَهُ (قَوْلُهُ: بِيَقَظَتِهِ) بِفَتْحِ الْقَافِ اهـ شَرْحَ الْمَنْهَجِ (قَوْلُهُ: جَعَلَهُ إلَخْ) وَعَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ لَوْ صَلَّى أَوَّلَ اللَّيْلِ صَلَّى إحْدَى عَشَرَةَ وَلَوْ صَلَّى آخِرَهُ صَلَّى ثَلَاثَةً، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِحْدَى عَشَرَةَ أَوْلَى مُحَافَظَةً عَلَى كَمَالِ الْعِبَادَةِ.
وَوَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ فَاتَهُ الْوِتْرُ وَأَرَادَ صَلَاتَهُ هَلْ يُقَدِّمُهُ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ يُؤَخِّرُهُ عَنْهَا؟ وَإِذَا أَخَّرَهُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ هَلْ فِعْلُهُ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ أَوْلَى أَوْ تَأْخِيرُهُ إلَى وَقْتِ الضُّحَى؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يَقْتَضِي أَنَّ تَأْخِيرَهُ إلَى وَقْتِ الضُّحَى أَوْلَى كَغَيْرِهِ مِنْ النَّوَافِلِ اللَّيْلِيَّةِ الَّتِي تَفُوتُهُ، وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَ لَهُ وِرْدٌ اعْتَادَهُ لَيْلًا وَلَمْ يَفْعَلْهُ.
اهـ بِالْمَعْنَى.
أَقُولُ: وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّهُ إنْ فَعَلَهُ قَبْلَ الْفَرْضِ كَانَ مِنْ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ فِعْلِ الْفَرْضِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ بَعْدَهُ كَانَ مِنْ التَّنَفُّلِ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، وَهُوَ لَا يَنْعَقِدُ عِنْدَ بَعْضِ الْمَذَاهِبِ فَطَلَبَ تَأْخِيرَهُ إلَى وَقْتٍ لَا يُكْرَهُ فِيهِ التَّنَفُّلُ اتِّفَاقًا وَهُوَ وَقْتُ الضُّحَى.
[فَرْعٌ] قَالَ فِي الْإِيعَابِ مَا حَاصِلُهُ: لَوْ كَانَ لَوْ صَلَّى الْوِتْرَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ مَوْصُولَةٍ أَدْرَكَهَا جَمِيعَهَا فِي الْوَقْتِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَأَرَادَ صَلَاةً بَعْدَ نَوْمِهِ) قَالَ الشِّهَابُ سم: قَدْ يُقَالُ الْجَعْلُ الْمَذْكُورُ مَسْنُونٌ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ صَلَاةً بَعْدَ النَّوْمِ،؛ لِأَنَّ طَلَبَ الشَّيْءِ لَا يَسْقُطُ بِإِرَادَةِ الْخِلَافِ فَمَا وَجْهُ التَّقْيِيدِ؟ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ احْتِرَازٌ عَمَّا لَوْ عَزَمَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ بَعْدَ النَّوْمِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ لَا يُصَدِّقُ قَوْلَهُ جَعَلَهُ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ.
اهـ. .
(آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ) لِخَبَرِ «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنْ اللَّيْلِ وِتْرًا» مَعَ خَبَرِ مُسْلِمٍ «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ آخِرَ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ» ثُمَّ إنْ فَعَلَهُ بَعْدَ نَوْمٍ كَانَ وِتْرًا وَتَهَجُّدًا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُهُمْ هُنَا، وَإِلَّا كَانَ وِتْرًا لَا تَهَجُّدًا وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُهُمَا فِي النِّكَاحِ أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِي: أَيْ جَمِيعُهُ أَنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُ كُلِّهِ، وَإِنْ صَلَّى بَعْضَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فِي جَمَاعَةٍ وَكَانَ لَا يُدْرِكُهَا آخِرَ اللَّيْلِ وَلِهَذَا أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَنْ يُصَلِّي بَعْضَ وِتْرِ رَمَضَانَ جَمَاعَةً وَيُكْمِلُهُ بَعْدَ تَهَجُّدِهِ بِأَنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُ كُلِّهِ، فَقَدْ قَالُوا: إنَّ مَنْ لَهُ تَهَجُّدٌ لَمْ يُوتِرْ مَعَ الْجَمَاعَةِ بَلْ يُؤَخِّرُهُ إلَى اللَّيْلِ، فَإِنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ صَلَّى نَافِلَةً مُطْلَقَةً وَأَوْتَرَ آخِرَ اللَّيْلِ (فَإِنْ أَوْتَرَ ثُمَّ تَهَجَّدَ أَوْ عَكَسَ) أَوْ لَمْ يَتَهَجَّدْ أَصْلًا (لَمْ يُعِدْهُ) أَيْ لَا تُطْلَبُ إعَادَتُهُ، فَإِنْ أَعَادَهُ بِنِيَّةِ الْوِتْرِ عَامِدًا عَالِمًا حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْعَقِدْ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِخَبَرِ «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ.
وَقَدْ قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: صَحَّ النَّهْيُ عَنْ نَقْضِ الْوِتْرِ، وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ؛ وَلِأَنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إنْ رَجَعَ إلَى عَيْنِهِ أَوْ جُزْئِهِ أَوْ لَازِمِهِ، وَالنَّهْيُ هُنَا رَاجِعٌ إلَى كَوْنِهِ وِتْرًا، وَلِلْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ زَادَ فِي الْوِتْرِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ كَمَا صَحَّ بِبُطْلَانِ الزِّيَادَةِ فِي الْعَزِيزِيِّ وَالْأَنْوَارِ نَعَمْ إنْ أَعَادَهُ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا وَقَعَ نَفْلًا مُطْلَقًا كَإِحْرَامِهِ بِالظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ غَالِطًا.
وَلَا يُكْرَهُ التَّهَجُّدُ بَعْدَ الْوِتْرِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْهُ قَلِيلًا (وَقِيلَ يَشْفَعُهُ بِرَكْعَةٍ) أَيْ يُصَلِّي رَكْعَةً لِيُصَيِّرَهُ شَفْعًا (ثُمَّ يُعِيدُهُ) لِيَقَعَ الْوِتْرُ آخِرَ صَلَاتِهِ كَمَا فَعَلَهُ جَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَيُسَمَّى نَقْضَ الْوِتْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ.
(وَيُنْدَبُ الْقُنُوتُ آخِرَ وِتْرِهِ) أَيْ آخِرَ مَا يَقَعُ وِتْرًا، فَشَمِلَ ذَلِكَ مَنْ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ (فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ) لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَنَتَ فِيهِ لَمَّا جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَيْهِ وَصَلَّى بِهِمْ: أَيْ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ (وَقِيلَ) يُسَنُّ فِي آخِرَةِ الْوِتْرِ (كُلُّ السُّنَّةِ) لِإِطْلَاقِ مَا مَرَّ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ قَنَتَ فِيهِ
[حاشية الشبراملسي]
أَوْ مَفْصُولَةٍ خَرَجَ بَعْضُهَا صَلَّاهَا مَوْصُولَةً.
وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَ لَوْ صَلَّى خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا أَدْرَكَهَا فِي الْوَقْتِ، وَإِذَا صَلَّى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ خَرَجَ بَعْضُهَا عَنْ الْوَقْتِ هَلْ الْأَفْضَلُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَقَلِّ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِتَبَعِيَّةِ مَا بَعْدَ الْوَقْتِ لِمَا وَقَعَ فِيهِ فَكَأَنَّهُ صَلَّاهَا كُلَّهَا فِي الْوَقْتِ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرَهُ سم عَلَى حَجّ فِي رَوَاتِبِ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةَ وَالْبَعْدِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا نَوَى الْجَمِيعَ وَأَدْرَكَ بَعْضَهَا فِي الْوَقْتِ وَقَعَتْ كُلُّهَا أَدَاءً (قَوْلُهُ: آخِرِ صَلَاةِ اللَّيْلِ) يُؤْخَذُ مِنْ تَخْصِيصِ سَنِّ التَّأْخِيرِ بِالْوِتْرِ اسْتِحْبَابُ تَعْجِيلِ رَاتِبَةِ الْعِشَاءِ الْبَعْدِيَّةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا يَدُلُّ لَهُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا كَانَ وِتْرًا) أَيْ بِأَنَّ فِعْلَهُ قَبْلَ النَّوْمِ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُ كُلِّهِ) أَيْ مَا لَمْ يَخَفْ مِنْ تَأْخِيرِهِ فَوَاتُ بَعْضِهِ، وَإِلَّا صَلَّى مَا يَخَافُ فَوْتُهُ وَأَخَّرَ بَاقِيَهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا فِي التَّقْدِيمِ لِمَا صَلَّاهُ (قَوْلُهُ: إلَى اللَّيْلِ) أَيْ آخِرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ آخِرَ اللَّيْلِ (قَوْلُهُ: صَلَّى نَافِلَةً) أَيْ مُنْفَرِدًا كَانَ أَوْ إمَامًا.
لَكِنْ لَوْ كَانَ إمَامًا وَصَلَّى وِتْرَ رَمَضَانَ بِنِيَّةِ النَّفْلِ كُرِهَ الْقُنُوتُ فِي حَقِّهِ (قَوْلُهُ: لَمْ يُعِدْهُ) أَيْ وَلَوْ فِي جَمَاعَةٍ، وَعَلَيْهِ فَيُسْتَثْنَى هُنَا لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ النَّفَلَ الَّذِي تُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ يُسَنُّ إعَادَتُهُ جَمَاعَةً، وَقَوْلُهُ أَيْ لَا تُطْلَبُ إعَادَتُهُ بَيَانٌ لِمَا فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ، فَلَا يُقَالُ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَيْ لَمْ تَجُزْ إعَادَتُهُ فَإِنْ أَعَادَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَخْ) لَعَلَّ حِكْمَتَهُ الْمُحَافَظَةُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ عَلَى جَعْلِ الْوِتْرِ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ صُورَةً، فَإِنَّهُ لَمَّا فَصَلَ بَيْنَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ وَمَا بَعْدَهَا كَانَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ لِفَصْلِهِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنَّهُ مِنْهَا يَنْزِلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ مَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْوِتْرِ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ مَا يَقْتَضِي التَّهَجُّدَ بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى الْأَوَّلِ) هُوَ قَوْلُهُ: فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ (قَوْلُهُ: لَوْ قَنَتَ فِيهِ) أَيْ الْوِتْرِ؛ وَمِثْلُهُ مَا لَوْ قَنَتَ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ، فَإِنْ طَالَ بِهِ الِاعْتِدَالُ وَلَوْ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ حَيْثُ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا وَإِلَّا فَلَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ، وَأَفْتَى حَجّ بِأَنَّ تَطْوِيلَ الِاعْتِدَالِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ عُهِدَ تَطْوِيلُهُ بِقُنُوتِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِي غَيْرِ النِّصْفِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ يُطِلْ بِهِ الِاعْتِدَالَ كُرِهَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ طَالَ بِهِ، وَهُوَ عَامِدٌ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا فَلَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ (وَهُوَ كَقُنُوتِ الصُّبْحِ) فِي لَفْظِهِ وَمَحَلِّهِ وَالْجَهْرِ بِهِ وَاقْتِضَاءِ السُّجُودِ بِتَرْكِهِ وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِيهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا مَرَّ ثُمَّ، وَيُسَنُّ لِمُنْفَرِدٍ، وَإِمَامِ غَيْرِ مَنْ مَرَّ زِيَادَةُ مَا سَيَأْتِي عَلَيْهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَيَقُولُ) نَدْبًا (قَبْلَهُ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَغْفِرُك إلَخْ) أَيْ نَسْتَهْدِيك وَنُؤْمِنُ بِك وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْك وَنُثْنِي عَلَيْك الْخَيْرَ كُلَّهُ، نَشْكُرُك وَلَا نَكْفُرُك وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ.
اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْك نَسْعَى وَنَحْفِدُ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ نُسْرِعُ نَرْجُو رَحْمَتَك وَنَخْشَى عَذَابَك إنَّ عَذَابَك الْجِدَّ بِكَسْرِ الْجِيمِ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ، بِكَسْرِ الْحَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ: أَيْ لَاحِقٌ بِهِمْ: وَيَجُوزُ فَتْحُهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْحَقَهُ بِهِمْ.
اللَّهُمَّ عَذِّبْ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ: أَيْ يَمْنَعُونَ عَنْ سَبِيلِك، وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَك وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَك: أَيْ أَنْصَارَك.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ: أَيْ أُمُورَهُمْ وَمُوَاصَلَاتِهِمْ، وَأَلِّفْ: أَيْ اجْمَعْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانَ وَالْحِكْمَةَ، وَهِيَ كُلُّ مَا مَنَعَ الْقَبِيحَ، وَثَبِّتْهُمْ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِك، وَأَوْزِعْهُمْ: أَيْ أَلْهَمَهُمْ أَنْ يُوَفُّوا بِعَهْدِك الَّذِي عَاهَدْتهمْ عَلَيْهِ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّك وَعَدُوِّهِمْ إلَهَ الْحَقِّ وَاجْعَلْنَا مِنْهُمْ.
وَلَا يُسَنُّ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إلَى آخِرِ السُّورَةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ لِكَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ (قُلْت: الْأَصَحُّ) أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ (بَعْدَهُ) ؛ لِأَنَّ قُنُوتَ الصُّبْحِ ثَابِتٌ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْوِتْرِ، وَالْآخَرُ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ فِيهِ، وَإِنَّمَا اخْتَرَعَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَتَبِعُوهُ فَكَانَ تَقْدِيمُهُ أَوْلَى، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقُنُوتُ الصُّبْحِ أَفْضَلُ لِمَا ذُكِرَ (وَأَنَّ) (الْجَمَاعَةَ تُنْدَبُ فِي الْوِتْرِ) فِي رَمَضَانَ سَوَاءٌ أَكَانَ (عَقِبَ التَّرَاوِيحِ) أَمْ بَعْدَهَا أَمْ لَمْ يَفْعَلْهَا، وَسَوَاءٌ أَفُعِلَتْ التَّرَاوِيحُ (جَمَاعَةً) أَمْ لَا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) اقْتِدَاءً فِي ذَلِكَ بِالسَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
أَمَّا وِتْرُ غَيْرِ رَمَضَانَ فَلَا يُسَنُّ لَهُ جَمَاعَةٌ كَغَيْرِهِ.
(وَمِنْهُ) أَيْ وَمِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ لَهُ جَمَاعَةٌ (الضُّحَى) لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِيهَا، وَمَنْ نَفَاهَا إنَّمَا أَرَادَ بِحَسَبِ عِلْمِهِ وَهِيَ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ كَمَا أَفْتَى بِهِ
[حاشية الشبراملسي]
النَّازِلَةِ، وَعَلَيْهِ فَلَا سُجُودَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ.
(قَوْلُهُ: وَنَحْفِدُ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: وَهُوَ مِنْ حَفَدَ وَأَحْفَدَ لُغَةٌ فِيهِ اهـ: أَيْ فَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا (قَوْلُهُ: إنَّ عَذَابَك الْجِدُّ) يُقَالُ الْجِدُّ بِكَسْرِ الْجِيمِ الِاجْتِهَادُ فِي الْأَمْرِ وَالْمُرَادُ هُنَا لَازِمُهُ وَهُوَ شِدَّةُ الْعَذَابِ، فَإِنَّ مَنْ جَدَّ فِي أَمْرٍ حَصَّلَ غَايَتَهُ وَمُنْتَهَاهُ (قَوْلُهُ: أَيْ لَاحِقٌ بِهِمْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ أَلْحَقَ هُنَا بِمَعْنَى لَحِقَ، وَمِنْ ثَمَّ أَشْرَكَ بَيْنَ اسْمِ فَاعِلِ الصِّيغَتَيْنِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: لَحِقْته وَلَحِقْت بِهِ أَلْحَقُ مِنْ بَابِ تَعِبَ لَحَاقًا بِالْفَتْحِ أَدْرَكْته، وَأَلْحَقْته بِالْأَلِفِ مِثْلُهُ، وَأَلْحَقْت زَيْدًا بِعَمْرٍو أَتْبَعْته إيَّاهُ فَلَحِقَ هُوَ وَأَلْحَقَ أَيْضًا، وَفِي الدُّعَاءِ: إنَّ عَذَابَك بِالْكُفَّارِ مُلْحَقُ يَجُوزُ بِالْكَسْرِ اسْمِ فَاعِلٍ بِمَعْنَى لَاحِقٌ، وَيَجُوزُ بِالْفَتْحِ اسْمِ مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَلْحَقَهُ بِالْكُفَّارِ: أَيْ يُنْزِلُهُ بِهِمْ اهـ (قَوْلُهُ: أَيْ أُمُورَهُمْ) تَفْسِيرٌ مُرَادِفٌ لِقَوْلِهِ: ذَاتَ بَيْنِهِمْ.
وَفِي الْبَيْضَاوِيِّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: 1] مَا نَصُّهُ: أَيْ أَصْلِحُوا الْحَالَ الَّتِي بَيْنَكُمْ بِالْمُوَاسَاةِ وَالْمُسَاعَدَةِ فِيمَا رَزَقَكُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَتَسْلِيمِ أَمْرِهِ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (قَوْلُهُ: وَمُوَاصَلَاتِهِمْ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ الْحِكْمَةُ (قَوْلُهُ: الَّذِي عَاهَدَتْهُمْ عَلَيْهِ) أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: 172] الْآيَةَ.
(قَوْلُهُ: لِمَا ذُكِرَ) هُوَ قَوْلُهُ: لِأَنَّ قُنُوتَ الصُّبْحِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تُنْدَبُ إلَخْ) لَعَلَّ حِكْمَةَ التَّعَرُّضِ لِهَذَا هُنَا مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَا تُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْوِتْرَ لِكَوْنِهِ فِي أَكْثَرِ السُّنَّةِ لَا جَمَاعَةَ فِيهِ نَاسَبَ تَتْمِيمَ أَحْوَالِهِ بِذَكَرِ مَا يُفْعَلُ فِيهِ فِي بَعْضِ السُّنَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ) عِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: فَرْعٌ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّ صَلَاةَ الْإِشْرَاقِ غَيْرُ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: غَيْرُ مَنْ مَرَّ) الصَّوَابُ إسْقَاطُ لَفْظِ غَيْرٍ
[مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ لَهُ جَمَاعَةٌ الضُّحَى]
(قَوْلُهُ: وَمَنْ نَفَاهَا) إنْ أَرَادَ بِالنَّافِي عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَ
الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْعُبَابِ أَنَّهَا غَيْرُهَا، وَعَلَى مَا فِيهِ يُنْدَبُ قَضَاؤُهَا إذَا فَاتَتْ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ وَقْتٍ (وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصَى بِهِمَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَنَّهُ لَا يَدَعْهُمَا، وَيُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصَ وَهُمَا أَفْضَلُ فِي ذَلِكَ مِنْ الشَّمْسِ وَالضُّحَى، وَإِنْ وَرَدَتَا أَيْضًا إذْ الْإِخْلَاصُ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَالْكَافِرُونَ تَعْدِلُ رُبُعَهُ بِلَا مُضَاعَفَةٍ، وَأَدْنَى الْكَمَالِ أَرْبَعٌ وَأَكْمَلُ مِنْهُ سِتٌّ.
وَاخْتَلَفَ فِي أَكْثَرِهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَأَكْثَرُهَا ثِنْتَا عَشْرَةَ) لِخَبَرٍ فِيهِ ضَعِيفٍ، وَهَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَصَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ أَكْثَرَهَا ثَمَانٍ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ زَادَ عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ وَلَمْ يَصِحَّ ضُحًى إنْ أَحْرَمَ بِالْجَمِيعِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ سَلَّمَ مِنْ كُلِّ ثِنْتَيْنِ صَحَّ إلَّا الْإِحْرَامَ الْخَامِسَ فَلَا يَصِحُّ ضُحًى، ثُمَّ إنْ عَلِمَ الْمَنْعَ وَتَعَمَّدَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَإِلَّا وَقَعَ نَفْلًا كَنَظِيرِهِ مِمَّا مَرَّ.
وَيُسَنُّ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ كَبَقِيَّةِ الرَّوَاتِبِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ جَمْعُ أَرْبَعٍ فِي التَّرَاوِيحِ؛ لِأَنَّهَا أَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ بِطَلَبِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ الْوِتْرُ فَإِنَّهُ، وَإِنْ جَازَ جَمْعُ أَرْبَعٍ مِنْهُ
[حاشية الشبراملسي]
صَلَاةِ الضُّحَى م ر اهـ. وَفِي حَجّ مَا يُوَافِقُهُ وَعَلَيْهِ فَتَحْصُلُ بِرَكْعَتَيْنِ.
وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِأَكْثَرَ انْعَقَدَتْ، وَأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ بِصَلَاةٍ أُخْرَى يَنْوِي بِهَا ذَلِكَ لَمْ تَنْعَقِدْ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ حَصَلَتْ بِالْأُولَى وَالثَّانِيَةُ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ قِيَاسًا عَلَى مَا يَأْتِي فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ (قَوْلُهُ: الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصَ) وَيَقْرَؤُهُمَا أَيْضًا فِيمَا لَوْ صَلَّى أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْ حَجّ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ أَيْضًا مَا لَمْ يُصَلِّ أَرْبَعًا أَوْ سِتًّا بِإِحْرَامٍ فَلَا يُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ سُورَةٍ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَمِثْلُهُ كُلُّ سُنَّةٍ تَشَهَّدَ فِيهَا بِتَشَهُّدَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَقْرَأُ السُّورَةَ فِيمَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ: بِلَا مُضَاعَفَةٍ) غَرَضُهُ دَفْعُ مَا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ كَيْفَ يُعْقَلُ أَنَّ الْإِخْلَاصَ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ مَعَ أَنَّهَا مِنْهُ وَبَاقِيهِ يَشْتَمِلُ عَلَى يس ~ وَتَبَارَكَ الْمُلْكُ وَنَحْوِهِمَا، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فِيهَا ثَوَابٌ مَخْصُوصٌ إذَا جُمِعَ زَادَ مَجْمُوعُهُ عَلَى ثُلُثَيْ الْقُرْآنِ كَثِيرًا (قَوْلُهُ: وَأَكْثَرُهَا ثِنْتَا عَشْرَةَ إلَخْ) .
[فَائِدَةٌ] قَالَ حَجّ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ صَلَاةِ الضُّحَى قَالَ: مَا أَخْبَرَنِي أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى إلَّا أُمُّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا حَدَّثَتْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ فَسَبَّحَ» : أَيْ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ إلَخْ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ: فَاغْتَسَلَ أَخَذَ مِنْهُ أَئِمَّتُنَا أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَوَّلَ يَوْمٍ لِصَلَاةِ الضُّحَى اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ. ثُمَّ قَالَ أَيْضًا فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ: قِيلَ وَقَوْلُهَا: أَيْ عَائِشَةَ السَّابِقُ: مَا رَأَيْته يُصَلِّيهَا يُنَازِعُ مَنْ جَعَلَ مِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَرِوَايَةُ الدَّارَقُطْنِيّ «أُمِرْت بِصَلَاةِ الضُّحَى وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِهَا» ضَعِيفَةٌ وَيُرَدُّ بِأَنَّ الَّذِي مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وُجُوبُ أَصْلِ صَلَاتِهَا لَا تَكْرِيرُهَا.
انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِيهِ أَيْضًا: فَائِدَةٌ مِنْ فَوَائِدِ صَلَاةِ الضُّحَى أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ الصَّدَقَةِ الَّتِي تُصْبَحُ عَلَى مَفَاصِلِ الْإِنْسَانِ الثَّلَاثِمِائَةِ وَسِتِّينَ مَفْصِلًا كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَفِيهِ: وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ رَكْعَتَا الضُّحَى.
وَحَكَى الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ أَنَّهُ اُشْتُهِرَ بَيْنَ الْعَوَامّ أَنَّهُ مَنْ قَطَعَهَا يُعْمَى فَصَارَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَتْرُكُهَا أَصْلًا لِذَلِكَ، وَلَيْسَ لِمَا قَالُوهُ أَصْلٌ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِمَّا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ لِيَحْرِمَهُمْ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ لَا سِيَّمَا إجْزَاؤُهَا عَنْ تِلْكَ
[حاشية الرشيدي]
يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا أَرَادَ بِحَسَبِ رُؤْيَتِهِ بَدَلَ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ إنَّمَا قَالَتْ مَا رَأَيْته يُصَلِّيهَا (قَوْلُهُ: بِلَا مُضَاعَفَةٍ) أَيْ فِي الْقُرْآنِ فَهَذَا الثَّوَابُ بِالنَّظَرِ لِأَصْلِ ثَوَابِ الْقُرْآنِ، وَالْمُرَادُ أَيْضًا ثُلُثُ الْقُرْآنِ أَوْ رُبُعُهُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ الْإِخْلَاصُ بَلْ وَلَا الْكَافِرُونَ (قَوْلُهُ: كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ) فِيهِ أَنَّ الْمَتْنَ لَا إشَارَةَ فِيهِ لِلْخِلَافِ أَصْلًا
مَثَلًا بِتَسْلِيمَةٍ مَعَ شِبْهِهِ لِمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ الْفَصْلُ فِي جِنْسِهِ بِخِلَافِ التَّرَاوِيحِ.
.
وَوَقْتُهَا مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ كَرُمْحٍ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ، وَقَوْلُ الرَّوْضَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ مِنْ طُلُوعِهَا وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى ارْتِفَاعِهَا رُدَّ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّهُ غَرِيبٌ أَوْ سَبْقُ قَلَمٍ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّارِحُ: كَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ الْقَلَمِ لَفْظَةُ بَعْضٍ قَبْلَ أَصْحَابِنَا، وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ حِكَايَةُ وَجْهٍ كَالْأَصَحِّ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَحْكِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَالْأَوَّلُ أَوْفَقُ لِمَعْنَى الضُّحَى، وَهُوَ كَمَا فِي الصِّحَاحِ حِينَ تُشْرِقَ الشَّمْسُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَمِنْهُ قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَوَقْتُهَا إذَا أَشْرَقَتْ الشَّمْسُ إلَى الزَّوَالِ: أَيْ أَضَاءَتْ وَارْتَفَعَتْ، بِخِلَافِ شَرِقَتْ فَمَعْنَاهُ طَلَعَتْ.
اهـ.
وَوَقْتُهَا الْمُخْتَارُ إذَا مَضَى رُبُعُ النَّهَارِ لِيَكُونَ فِي كُلِّ رُبُعٍ مِنْهُ صَلَاةٌ، وَلِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» بِفَتْحِ الْمِيم: أَيْ تَبْرُكُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي خِفَافِهَا.
(وَ) مِنْهُ (تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ) لِدَاخِلِ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَشَمِلَ ذَلِكَ الْمَسَاجِدَ الْمُتَلَاصِقَةَ وَاَلَّذِي بَعْضُهُ مَسْجِدٌ وَبَعْضُهُ غَيْرُهُ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِي بَابِ الْغُسْلِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَطَهِّرًا أَمْ مُحْدِثًا وَتَطَهَّرَ عَنْ قُرْبٍ قَبْلَ جُلُوسِهِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ لِدَاخِلِهِ عَلَى وُضُوءٍ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مُرِيدًا لِلْجُلُوسِ أَمْ لَا، وَقَوْلُ الشَّيْخِ نَصْرٍ لِمُرِيدِ الْجُلُوسِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، إذْ الْأَمْرُ بِهَا مُعَلَّقٌ عَلَى مُطْلَقِ الدُّخُولِ تَعْظِيمًا لِلْبُقْعَةِ، وَإِقَامَةً لِلشِّعَارِ، كَمَا يُسَنُّ لِدَاخِلِ مَكَّةَ الْإِحْرَامُ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْإِقَامَةَ بِهَا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مُدَرِّسًا يَنْتَظِرُ كَمَا فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَمْ لَا، وَإِنْ نَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ خِلَافَهُ لِعَدَمِ اسْتِحْضَارِهِ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ أَدْخَلَ زَحْفًا أَمْ حَبْوًا أَمْ غَيْرَهُمَا.
وَيُكْرَهُ تَرْكُهَا إلَّا إنْ قَرُبَ قِيَامُ مَكْتُوبَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جُمُعَةً بِحَيْثُ لَوْ اشْتَغَلَ بِهَا فَاتَتْهُ فَضِيلَةُ التَّحَرُّمِ مَعَ إمَامِهِ وَكَانَتْ
[حاشية الشبراملسي]
الصَّدَقَةِ.
اهـ.
أَقُولُ: وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْبُطْلَانِ مَا اُشْتُهِرَ أَيْضًا فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّ مَنْ صَلَّاهَا تَمُوتُ أَوْلَادُهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ وَرَدَ إلَخْ) أَيْ وَلِأَنَّهُ ضَعُفَتْ مُشَابَهَتُهُ لِلْفَرَائِضِ بِتَخْصِيصِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ بِنِصْفِ رَمَضَانَ وَعَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهَا فِيمَا عَدَاهُ، بِخِلَافِ التَّرَاوِيحِ فَإِنَّهَا شُرِعَتْ فِيهِ جَمِيعِ الشَّهْرِ فَأَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ بِمَشْرُوعِيَّةِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا جَمِيعِ السَّنَةِ (قَوْلُهُ: الْفَصْلُ فِي جِنْسِهِ) الْأَوْلَى الْوَصْلُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَنْ تُشْرِقَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ أَشْرَقَتْ (قَوْلُهُ: إذَا مَضَى رُبُعُ النَّهَارِ) أَيْ فَفِي الرُّبُعِ الْأَوَّلِ الصُّبْحُ، وَفِي الثَّانِي الضُّحَى، وَفِي الثَّالِثِ الظُّهْرُ، وَفِي الرَّابِعِ الْعَصْرُ (قَوْلُهُ: صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ) أَيْ صَلَاةُ الضُّحَى
[مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ لَهُ جَمَاعَةٌ تَحِيَّةُ الْمَسْجِد]
(قَوْلُهُ: لِدَاخِلِ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مَرِيدُ الطَّوَافِ وَأَرَادَ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ قَبْلَ الطَّوَافِ فَهَلْ تَنْعَقِدُ؟ قَالَ الشَّيْخُ الرَّمْلِيُّ: يَنْبَغِي أَنَّهَا تَنْعَقِدُ، وَخَالَفَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَقَالَ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ.
وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ فَقَالَ بِالِانْعِقَادِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِمْ يُسَنُّ لِمُرِيدِ الطَّوَافِ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ عَنْهُ أَنَّهُ لَوْ قَدَّمَهَا عَلَيْهِ فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ الطَّوَافَ نُدِبَ فِي حَقِّهِ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ أَيْضًا.
وَإِذَا صَلَّى بَعْدَ الطَّوَافِ لِلطَّوَافِ انْدَرَجَ فِي ذَلِكَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ اهـ هَكَذَا بِهَامِشٍ بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَالْمُرَادُ بِبَعْضِ الْفُضَلَاءِ هُوَ الدَّوَاخِلِيُّ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِيمَا نَنْقُلُهُ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ.
[فَرْعٌ] لَوْ وَقَفَ جُزْءَ شَائِعٍ مَسْجِدًا اُسْتُحِبَّ التَّحِيَّةُ: أَيْ فِيهِ وَلَمْ يَصِحَّ الِاعْتِكَافُ فِيهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ التَّحِيَّةِ أَنْ لَا تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَاسْتُحِبَّ فِي الشَّائِعِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ مَسْجِدٌ بَلْ مَا مِنْ جُزْءٍ إلَّا وَفِيهِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَرُدَّ الْفَصْلُ) صَوَابُهُ الْوَصْلُ (قَوْلُهُ: فِي جِنْسِهِ) كَأَنَّ الْمُرَادَ فِيهِ فَلَفْظُ جِنْسٍ مُقْحَمٌ (قَوْلُهُ: انْتَهَى) أَيْ كَلَامُ الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ: لِدَاخِلِ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أَمَّا هُوَ فَلَا تُسَنُّ لِدَاخِلِهِ بِالْقَيْدَيْنِ الْآتِيَيْنِ (قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي بَعْضُهُ مَسْجِدٌ) أَيْ عَلَى الْإِشَاعَةِ
الْجَمَاعَةُ مَشْرُوعَةً لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّاهَا جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى فِيمَا يَظْهَرُ، أَوْ كَانَ خَطِيبًا، وَدَخَلَ وَقْتُ الْخُطْبَةِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا، أَوْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي مَكْتُوبَةٍ، أَوْ خَافَ فَوْتَ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ كَمَا فِي الرَّوْنَقِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ طَوَافَ الْقُدُومِ إذَا خَشَى فَوَاتَ سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ، أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ مُرِيدًا لِلطَّوَافِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ؛ لِحُصُولِهَا بِرَكْعَتَيْهِ، وَيَحْرُمُ الِاشْتِغَالُ بِهَا عَنْ فَرْضٍ ضَاقَ وَقْتُهُ، وَخَرَجَ بِالْمَسْجِدِ الرِّبَاطُ وَمُصَلَّى الْعِيدِ وَمَا بُنِيَ فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ عَلَى صُورَةِ الْمَسْجِدِ، وَأَذِنَ بَانِيهِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ، وَهِيَ (رَكْعَتَانِ) لِلْحَدِيثِ: أَيْ أَفْضَلُهَا ذَلِكَ، وَإِلَّا فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا جَائِزَةٌ وَتَكُونُ كُلُّهَا تَحِيَّةٌ، فَإِنْ سَلَّمَ ثُمَّ أَتَى بِرَكْعَتَيْنِ لِلتَّحِيَّةِ لَمْ يَنْعَقِدْ إلَّا مِنْ جَاهِلٍ فَيَنْعَقِدُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا (وَتَحْصُلُ بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ) نُوِيَتْ أَمْ لَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَهْجَةِ، وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ لِعَدَمِ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ الْمَقْصُودَةِ.
نَعَمْ لَوْ نَوَى عَدَمَهَا لَمْ يَحْصُلْ فَضْلُهَا فِيمَا
[حاشية الشبراملسي]
جِهَةُ مَسْجِدِيَّةٍ وَتَرْكُ الصَّلَاةِ يُخِلُّ بِتَعْظِيمِهِ، وَالِاعْتِكَافُ إنَّمَا هُوَ فِي مَسْجِدٍ، وَالشَّائِعُ بَعْضُهُ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ فَالْمُكْثُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ خَرَجَ بَعْضُهُ عَنْ الْمَسْجِدِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ.
[فَرْعٌ] أَحْرَمَ بِالتَّحِيَّةِ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ أَثْنَائِهَا مِنْ الْمَسْجِدِ هَلْ تَصِحُّ تَحِيَّتُهُ اكْتِفَاءً بِالشُّرُوعِ فِيهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ لَا؟ وَلَا بُدَّ مِنْ إتْمَامِهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَعَلَى الثَّانِي هَلْ تَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ أَوْ تَنْقَلِبُ نَفْلًا مُطْلَقًا أَوْ يَفْصِلُ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَتَوَقَّفَ م ر فِي ذَلِكَ، وَالْقَلْبُ إلَى اشْتِرَاطِ إيقَاعِهَا جَمِيعِهَا فِي الْمَسْجِدِ فِي كَوْنِهَا تَحِيَّةٍ أَمْيَلُ، وَأَنَّهُ إذَا خَرَجَ فِي الْأَثْنَاءِ فَصَلَ بَيْنَ الْعَالِمِ فَتَبْطُلُ وَغَيْرِهِ فَتَنْقَلِبُ نَفْلًا مُطْلَقًا.
[فَرْعٌ] لَوْ أَحْرَمَ بِالتَّحِيَّةِ ثُمَّ رَأَى عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةً فَذَهَبَ وَغَسَلَهَا يَنْبَغِي إنْ طَالَ الْفَصْلُ فَاتَتْ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَتْ رُؤْيَةُ النَّجَاسَةِ بَعْدَ أَنْ جَلَسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أَوْ لِلِاسْتِرَاحَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْجُلُوسَ بِمَنْزِلَةِ الْجُلُوسِ سَهْوًا وَلَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِمَادِ فَوَاتِهَا بِطُولِ الْفَصْلِ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ وَإِنْ قُلْنَا لَا تَفُوتُ بِالْقِيَامِ وَإِنْ طَالَ لَمْ تَفُتْ هُنَا مُطْلَقًا.
[فَرْعٌ] نَوَى قَلْبَ التَّحِيَّةِ أَوْ نَحْوِهَا نَفْلًا مُطْلَقًا، فِيهِ نَظَرٌ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ م ر وَالْقَلْبُ إلَى الْبُطْلَانِ أَمْيَلُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ خَطِيبًا) أَيْ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ التَّرْكُ بَلْ يُكْرَهُ لَهُ الْفِعْلُ كَمَا قَالَهُ حَجّ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا إنْ قَرُبَ (قَوْلُهُ: وَمَا بُنِيَ فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ) وَمِثْلُهَا الْمُحْتَكَرَةُ وَالْأَرْضُ الَّتِي لَا تَجُوزُ عِمَارَتُهَا كَاَلَّتِي بِحَرِيمِ الْأَنْهَارِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ، أَمَّا مَا فِيهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَمِنْهُ الْبَلَاطُ وَنَحْوُهُ فَيَصِحُّ وَقْفُهُ مَسْجِدًا حَيْثُ اسْتَحَقَّ إثْبَاتُهُ فِيهَا كَأَنْ اسْتَأْجَرَهَا لِمَنَافِعَ تَشْمَلُ الْبِنَاءَ وَنَحْوَهُ وَتَصِحُّ التَّحِيَّةُ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَتَكُونُ كُلُّهَا تَحِيَّةً) وَذَلِكَ حَيْثُ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ابْتِدَاءً، فَلَوْ أَطْلَقَ فِي إحْرَامِهِ حُمِلَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ قِيَاسًا عَلَى مَا قَالَهُ الزِّيَادِيُّ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا نَوَى سُنَّةَ الظُّهْرِ وَأَطْلَقَ حُمِلَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَتَقَدَّمَ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الرَّاتِبِ الْمُؤَكَّدِ عَنْ ابْنِ قَاسِمٍ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ نَقْلًا عَنْ م ر أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعٍ (قَوْلُهُ: لَمْ يَنْعَقِدْ) أَيْ الْمَأْتِيُّ بِهِ ثَانِيًا (قَوْلُهُ: أَوْ نَفْلٍ) يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَنْذُرْهَا، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا مُسْتَقِلَّةً؛ لِأَنَّهَا بِالنَّذْرِ صَارَتْ مَقْصُودَةً فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ فَرْضٍ وَلَا نَفْلٍ وَلَا تَحْصُلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ) مِمَّنْ نَازَعَهُ شَارِحُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ لَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعِبَارَتُهُ وَلَفْظُ فَضْلٍ مِنْ زِيَادَتِهِ وَعِبَارَةِ أَصْلِهِ وَتَأَدَّتْ فَلَا تَحْصُلُ بَعْدَهُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَفُوتَ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ التَّحِيَّةُ إنْ لَمْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ وَكَأَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهَا كَأَنْ لَمْ يَكْمُلْ الْعَدَدُ (قَوْلُهُ: فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ) أَيْ وَالصُّورَةُ أَنَّهُ لَمْ يَبْنِ فِي أَرْضِهِ نَحْوَ دَكَّةٍ، أَمَّا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَوَقَفَ مَسْجِدًا فَإِنَّهُ تَصِحُّ فِيهِ التَّحِيَّةُ (قَوْلُهُ: نُوِيَتْ أَمْ لَا) الْمُرَادُ حُصُولُ فَضْلِهَا الْمَخْصُوصِ بِدَلِيلِ عَزْوِهِ لِلْبَهْجَةِ إذْ عِبَارَتُهَا وَفَضْلُهَا بِالنَّفْلِ وَالْفَرْضِ حَصَلَ إنْ نُوِيَتْ أَوْ لَا، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِطَرِيقَةِ الشِّهَابِ حَجّ (قَوْلُهُ: لَمْ يَحْصُلْ فَضْلُهَا) ظَاهِرُ تَسْلِيطِ النَّفْيِ عَلَى فَضْلِهَا لَا عَلَى أَصْلِهَا أَنَّ أَصْلَ
يَظْهَرُ؛ لِوُجُودِ الصَّارِفِ أَخْذًا مِمَّا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ فِي سُنَّةِ الطَّوَافِ (لَا رَكْعَةَ) أَيْ لَا يَحْصُلُ بِهَا التَّحِيَّةُ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِخَبَرِ «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» .
وَالثَّانِي نَعَمْ لِحُصُولِ الْإِكْرَامِ بِهَا الْمَقْصُودِ مِنْ الْخَبَرِ وَيَجْرِي فِيمَا بَعْدَهُ (قُلْت: وَكَذَا الْجِنَازَةُ وَسَجْدَةُ تِلَاوَةٍ وَ) سَجْدَةُ (شُكْرٍ) فَلَا تَحْصُلُ بِهَذِهِ، وَلَا بِبَعْضِهَا لِلْحَدِيثِ أَيْضًا.
(وَتَتَكَرَّرُ) التَّحِيَّةُ: أَيْ طَلَبُهَا (بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ عَلَى قُرْبٍ فِي الْأَصَحِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) ؛ لِتَجَدُّدِ سَبَبِهَا كَالْبُعْدِ وَالثَّانِي لَا لِلْمَشَقَّةِ وَتَفُوتُ بِجُلُوسِهِ قَبْلَ فِعْلِهَا، وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ إلَّا إنْ جَلَسَ سَهْوًا وَلَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَيُطَوِّلُ الْوُقُوفَ أَيْضًا كَمَا أَفْتَى بِهَا الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قِيَاسًا عَلَى فَوَاتِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِطُولِ الْفَصْلِ بَعْدَ قِرَاءَتِهَا، وَكَمَا يَفُوتُ سُجُودُ السَّهْوِ بِطُولِ الْفَصْلِ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَلَوْ سَهْوًا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا إنَّمَا يُفْعَلُ لِعَارِضٍ وَقَدْ زَالَ، وَقَوْلُهُمْ إنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ تَفُوتُ بِجُلُوسِهِ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا قَبْلَ فِعْلِهَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ مِنْ حَالِ دَاخِلِ الْمَسْجِدِ.
وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا قَائِمًا ثُمَّ أَرَادَ الْقُعُودَ لِإِتْمَامِهَا فَالْأَوْجَهُ الْجَوَازُ، وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا جَالِسًا فَالْأَوْجَهُ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَوَازُهُ حَيْثُ جَلَسَ لِيَأْتِيَ بِهَا إذْ لَيْسَ لَنَا نَافِلَةٌ يَجِبُ التَّحَرُّمُ بِهَا قَائِمًا، وَحَدِيثُهَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَلِهَذَا لَا تَفُوتُ بِجُلُوسٍ قَصِيرٍ نِسْيَانًا أَوْ جَهْلًا، وَإِنْ جَرَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى خِلَافِهِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ فَوَاتُهَا بِجُلُوسِهِ لِلشُّرْبِ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ بِفَوَاتِهَا بِجُلُوسِهِ مِنْ أَجْلِهَا فَفَوَاتُهَا بِهِ لِغَيْرِهَا أَوْلَى، وَمَرَّ أَيْضًا أَنَّ لَنَا قَوْلًا بِفَوَاتِهَا بِتَقْدِيمِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ عَلَيْهَا مَعَ اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي وُجُوبِهَا وَمَا نَحْنُ فِيهِ أَوْلَى، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فَوَاتُهَا أَيْضًا لِمَنْ دَخَلَ غَيْرَ قَائِمٍ وَطَالَ الْفَصْلُ قَبْلَ فِعْلِهَا.
وَيُكْرَهُ كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ دُخُولُ الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ، فَإِنْ دَخَلَ فَلْيَقُلْ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ فَإِنَّهَا تَعْدِلُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْفَضْلِ، زَادَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، وَغَيْرُهُ زَادَ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ؛ لِأَنَّهَا الطَّيِّبَاتُ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ وَصَلَاةُ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ.
وَفِي الْأَذْكَارِ عَنْ بَعْضِهِمْ: يُسَنُّ لِمَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهَا لِحَدَثٍ أَوْ شُغْلٍ أَوْ نَحْوِهِ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ أَرْبَعًا، قَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّحِيَّاتِ
[حاشية الشبراملسي]
يَطُلْ بِهَا فَصْلٌ (قَوْلُهُ: وَيُطَوِّلُ الْوُقُوفَ) أَيْ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَسَهْوِهِ إلَخْ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ ثُمَّ خَرَجَ بِطُولِ الْوُقُوفِ مَا لَوْ اتَّسَعَ الْمَسْجِدُ جِدًّا فَدَخَلَهُ وَلَمْ يَقِفْ فِيهِ بَلْ قَصَدَ الْمِحْرَابَ مَثَلًا وَزَادَ مَشْيُهُ إلَيْهِ عَلَى مِقْدَارِ رَكْعَتَيْنِ فَلَا تَفُوتُ التَّحِيَّةُ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ سَهْوًا) الْأَوْلَى إسْقَاطُ قَوْلِهِ وَلَوْ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ يَفُوتُ بِالسَّلَامِ: أَيْ سُجُودُ السَّهْوِ عَمْدًا مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: بِجُلُوسِهِ سَهْوًا) أَيْ حَيْثُ طَالَ الْفَصْلُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ (قَوْلُهُ: حَيْثُ جَلَسَ لِيَأْتِيَ بِهَا) خَرَجَ صُورَةُ الْإِطْلَاقِ فَتَفُوتُ التَّحِيَّةُ بِالْجُلُوسِ، وَشَمِلَ ذَلِكَ قَوْلَهُ السَّابِقَ وَتَفُوتُ بِجُلُوسِهِ قَبْلَ فِعْلِهَا، وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ (قَوْلُهُ: بِجُلُوسِهِ لِلشُّرْبِ عَمْدًا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ بِهِ عَطَشٌ، وَعِبَارَةُ حَجّ: وَلَوْ دَخَلَ عَطْشَانَا لَمْ تَفُتْ بِشُرْبِهِ جَالِسًا عَلَى الْأَوْجَهِ؛ لِأَنَّهُ لِعُذْرٍ: أَيْ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلشَّارِحِ كَمَا تَرَى، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ حَجّ عَلَى مَا إذَا اشْتَدَّ الْعَطَشُ وَكَلَامُ الشَّارِحِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَشْتَدَّ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَنَّهُ يَشْرَبُ مِنْ وُقُوفٍ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ وَهُوَ قَرِيبٌ.
(قَوْلُهُ: فَلْيَقُلْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ سُبْحَانَ اللَّهِ إلَخْ) يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ الْوُضُوءُ فِيهِ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ وَإِلَّا فَلَا تَحْصُلُ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ الْوُضُوءِ مَعَ تَيَسُّرِهِ (قَوْلُهُ: وَصَلَاةُ الْحَيَوَانَاتِ) أَيْ دُعَاؤُهُمْ (قَوْلُهُ: أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ أَرْبَعًا) مُعْتَمَدٌ.
[حاشية الرشيدي]
الطَّلَبِ يَسْقُطُ وَفِيهِ بُعْدٌ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ سَلَامِهِ وَلَوْ سَهْوًا) كَذَا فِي نُسَخٍ وَلَا مَعْنَى لِلْغَايَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ إسْقَاطُ لَفْظِ وَلَوْ وَهِيَ الصَّوَابُ (قَوْلُهُ: وَمَرَّ أَيْضًا) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَأَيْضًا فَقَدْ مَرَّ إلَخْ.
مُتَعَدِّدَةٌ، تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ وَالْبَيْتِ بِالطَّوَافِ وَالْحَرَمِ بِالْإِحْرَامِ وَمِنًى بِالرَّمْيِ وَعَرَفَةَ بِالْوُقُوفِ وَلِقَاءِ الْمُسْلِمِ بِالسَّلَامِ، وَتَحِيَّةُ الْخَطِيبِ الْخُطْبَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
(وَيَدْخُلُ وَقْتُ الرَّوَاتِبِ) اللَّاتِي (قَبْلَ الْفَرْضِ) بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَرْضِ (وَ) يَدْخُلُ وَقْتُ اللَّاتِي (بَعْدَهُ بِفِعْلِهِ) كَالْوِتْرِ (وَيَخْرُجُ النَّوْعَانِ) اللَّذَانِ قَبْلَ الْفَرْضِ وَبَعْدَهُ (بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ) لِتَبَعِيَّتِهِمَا لَهُ، فَلَوْ فَعَلَ الْقَبْلِيَّةَ بَعْدَهُ كَانَتْ أَدَاءً.
نَعَمْ يَفُوتُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ لَهَا بِفِعْلِهِ وَتَصِيرُ الْبَعْدِيَّةُ قَضَاءً بِفَوْتِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا وَلَوْ فَعَلَهَا قَبْلَهُ لَمْ تَنْعَقِدْ، وَإِنْ كَانَ الْفَرْضُ قَضَاءً فِي أَرْجَحِ الْوَجْهَيْنِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ وُقُوعِ الرَّاتِبَةِ بِقُرْبِ فِعْلِ الْفَرْضِ وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِلشَّامِلِ، وَهَلْ تَفُوتُ سُنَّةُ الْوُضُوءِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا كَمْ بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الضُّحَى فَإِنَّهَا لَا يَفُوتُ طَلَبُهَا، وَإِنْ فَعَلَ بَعْضَهَا فِي الْوَقْتِ قَاصِدًا الْإِعْرَاضَ عَنْ بَاقِيهَا، بَلْ يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ، أَوْ بِالْحَدَثِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ، أَوْ بِطُولِ الْفَصْلِ عُرْفًا احْتِمَالَاتٌ أَوْجَهُهَا ثَالِثُهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي رَوْضَتِهِ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَوَضَّأَ أَنْ يُصَلِّيَ عَقِبَهُ، وَقَوْلُهُ فِيهَا فِي مَبْحَثِ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ وَمِنْهُ رَكْعَتَانِ عَقِبَ الْوُضُوءِ، وَإِطْلَاقُ الشَّيْخَيْنِ أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مَحْمُولٌ مَا إذَا كَانَ الزَّمَنُ قَصِيرًا، وَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى حَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى نَدْبِ الْمُبَادَرَةِ وَهُنَا عَلَى امْتِدَادِ الْوَقْتِ مَا بَقِيَتْ الطَّهَارَةُ إذْ الْقَصْدُ بِهَا صِيَانَتُهَا عَنْ التَّعْطِيلِ، وَلَا فَرْقَ فِي اسْتِحْبَابِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ بَيْنَ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ سَوَاءٌ أَكَانَ قَصِيرًا أَمْ طَوِيلًا لَكِنَّهَا فِي الْحَضَرِ آكَدُ، وَسَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ رَدُّ شَهَادَةِ مَنْ وَاظَبَ عَلَى تَرْكِ الرَّاتِبَةِ.
(وَلَوْ) (فَاتَ النَّفَلُ الْمُؤَقَّتُ) كَصَلَاةِ الْعِيدِ وَالضُّحَى وَالرَّوَاتِبِ (نُدِبَ قَضَاؤُهُ) أَبَدًا (فِي الْأَظْهَرِ) لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَتَحِيَّةُ الْخَطِيبِ الْخُطْبَةُ) أَيْ التَّحِيَّاتُ تُطْلَبُ مِنْهُ إذَا دَخَلَ هِيَ الْخُطْبَةُ
(قَوْلُهُ: أَخْذًا مِمَّا مَرَّ) أَيْ فِي الْوِتْرِ (قَوْلُهُ: أَوْجَهُهَا ثَالِثُهَا) .
[فَرْعٌ] لَوْ تَوَضَّأَ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ هَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ يَنْوِي بِهِمَا أَحَدَ السُّنَّتَيْنِ وَتَدْخُلُ الْأُخْرَى، أَوْ يُصَلِّي أَرْبَعًا بِأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَثِنْتَيْنِ سُنَّةَ الْوُضُوءِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: إنْ اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ نَوَى بِهِمَا أَحَدَ السُّنَّتَيْنِ أَوْ هُمَا اكْتَفَى بِهِ فِي أَصْلِ السُّنَّةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ فِي صَلَاتِهِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَلَا تَفُوتُ بِهِمَا سُنَّةُ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ سُنَّةَ الْوُضُوءِ فِيهَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ، وَلَا كَذَلِكَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ.
(قَوْلُهُ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) أَيْ وَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ وَقْتَ كَرَاهَةٍ لِكَوْنِهَا صَلَاةً لَهَا سَبَبٌ، وَمَحَلُّ الصِّحَّةِ مَا لَمْ يَتَوَضَّأْ لِيُصَلِّيَهَا فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ كَمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ بِقَصْدِ التَّحِيَّةِ فَقَطْ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
(قَوْلُهُ: إلَى حَمْلِ الْأَوَّلِ) هُوَ قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَوَضَّأَ إلَخْ (قَوْلُهُ: مَنْ وَاظَبَ عَلَى تَرْكِ الرَّاتِبَةِ) أَيْ كُلِّهَا كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا لَوْ وَاظَبَ عَلَى تَرْكِ بَعْضِهَا وَلَوْ غَيْرَ مُؤَكَّدٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ لِإِشْعَارِ ذَلِكَ بِعَدَمِ اكْتِرَاثِهِ بِالْمَطْلُوبِ.
(قَوْلُهُ: نُدِبَ قَضَاؤُهُ) اُنْظُرْ هَلْ يُقْضَى النَّفَلُ مِنْ الصَّوْمِ أَيْضًا إذَا فَاتَهُ كَيَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ فِيهِ نَظَرٌ، يَنْبَغِي أَنْ يَنْدُبَ الْقَضَاءُ أَخْذًا مِنْ نَدْبِ قَضَاءِ النَّفْلِ الْمُوَقَّتِ هُنَا، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الشَّبْشِيرِيِّ خِلَافُهُ مُعَلَّلًا بِأَنَّ لَهُ مَعَانِيَ وَقَدْ فَاتَتْ.
اهـ. وَفِيهِ وَقْفَةٌ، ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَصَوْمُهُ الْخَمِيسَ وَالِاثْنَيْنِ مَا نَصُّهُ: وَفِي فَتَاوَى الشَّارِحِ أَنَّهُ إذَا فَاتَهُ صَوْمٌ مُؤَقَّتٌ أَوْ اتَّخَذَهُ وِرْدًا سُنَّ لَهُ قَضَاؤُهُ.
اهـ. وَهُوَ يُفِيدُ سَنَّ قَضَاءِ نَحْوِ الْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ وَسِتِّ شَوَّالٍ إذَا فَاتَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَبَدًا فِي الْأَظْهَرِ) أَيْ فَلَا يَتَقَيَّدُ قَضَاءُ فَائِتِ النَّهَارِ بِبَقِيَّتِهِ وَلَا فَائِتِ اللَّيْلِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَوْجَهُهَا ثَالِثُهَا) وَحِينَئِذٍ فَإِذَا أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ عَنْ قُرْبٍ لَا تَفُوتُهُ سُنَّةُ الْوُضُوءِ الْأَوَّلُ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَهَا، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَكْفِي عَنْ الْوُضُوءَيْنِ رَكْعَتَانِ لِتَدَاخُلِ سُنَّتِهِمَا وَهَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ لِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ؟ يُرَاجَعُ.
فِي ذَلِكَ كَقَضَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَّةَ الصُّبْحِ فِي قِصَّةِ الْوَادِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَسُنَّةَ الظُّهْرِ الْبَعْدِيَّةِ بَعْدَ الْعَصْرِ لَمَّا اشْتَغَلَ عَنْهَا بِالْوَفْدِ؛ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مُؤَقَّتَةٌ فَقُضِيَتْ كَالْفَرَائِضِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي.
وَالثَّانِي لَا يُقْضَى كَغَيْرِ الْمُؤَقَّتِ وَخَرَجَ بِالْمُؤَقَّتِ ذُو السَّبَبِ كَكُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ وَتَحِيَّةٍ فَلَا مَدْخَلَ لِلْقَضَاءِ فِيهِ، وَالصَّلَاةُ بَعْدَ الِاسْتِسْقَاءِ شُكْرًا عَلَيْهِ لَا قَضَاءً نَعَمْ لَوْ قَطَعَ نَفْلًا مُطْلَقًا اُسْتُحِبَّ قَضَاؤُهُ، وَكَذَا لَوْ فَاتَهُ وِرْدُهُ مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ.
.
وَمِمَّا لَا تُسَنُّ فِيهِ الْجَمَاعَةُ رَكْعَتَانِ عِنْدَ إرَادَةِ سَفَرِهِ بِمَنْزِلِهِ وَكُلَّمَا نَزَلَ، وَبِالْمَسْجِدِ عِنْدَ قُدُومِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَنْزِلَهُ وَيَكْتَفِي بِهِمَا عَنْ رَكْعَتَيْ دُخُولِهِ، وَعَقِبَ خُرُوجِهِ مِنْ الْحَمَّامِ وَعِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلسَّفَرِ، وَلِمَنْ زُفَّتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ قَبْلَ الْوِقَاعِ وَيُنْدَبَانِ لَهَا أَيْضًا، وَلِمَنْ دَخَلَ أَرْضًا لَا يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهَا وَبَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْكَعْبَةِ مُسْتَقْبِلًا بِهِمَا وَجْهَهَا، وَقَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَعِنْدَ حِفْظِ الْقُرْآنِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْوُضُوءِ.
وَأَلْحَقَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ الْغُسْلَ وَالتَّيَمُّمَ يَنْوِي بِهِمَا سُنَّتَهُ، وَرَكْعَتَانِ لِلِاسْتِخَارَةِ، وَتَحْصُلُ السُّنَّتَانِ بِكُلِّ صَلَاةٍ كَالتَّحِيَّةِ وَلِلْحَاجَةِ لِحَدِيثٍ فِيهَا ضَعِيفٍ، وَفِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلِلْقَتْلِ بِحَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ، وَلِلتَّوْبَةِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا وَلَوْ مِنْ صَغِيرَةٍ، وَصَلَاةُ الْأَوَّابِينَ وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَرُوِيَتْ سِتًّا وَأَرْبَعًا
[حاشية الشبراملسي]
بِبَقِيَّتِهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِهِ.
اهـ مَحَلِّيٌّ بِالْمَعْنَى.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مُؤَقَّتَةٌ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِلْأَحَادِيثِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَلَا مَدْخَلَ لِلْقَضَاءِ فِيهِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ نَظَرَهُ وَهُوَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ مَا فَاتَ مِمَّا لَهُ سَبَبٌ لَا يُنْدَبُ قَضَاؤُهُ (قَوْلُهُ: شُكْرًا) أَيْ تَقَعُ شُكْرًا.
[مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ لَهُ جَمَاعَةٌ رَكْعَتَانِ عِنْدَ السَّفَر]
(قَوْلُهُ: وَكُلَّمَا نَزَلَ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بَيْنَ النُّزُولَيْنِ (قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَنْزِلَهُ) أَيْ وَيَنْبَغِي لَهُ مُرَاعَاةُ أَقْرَبِ الْمَسَاجِدِ إلَى مَنْزِلِهِ وَأَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ بِغَيْرِهِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: عَنْ رَكْعَتَيْ دُخُولِهِ) أَيْ الْمَنْزِلِ (قَوْلُهُ: وَعَقِبَ خُرُوجِهِ مِنْ الْحَمَّامِ) وَيُكْرَهُ فِعْلُهُمَا فِي مَسْلَخَةٍ فَيَفْعَلُهُمَا فِي بَيْتِهِ أَوْ الْمَسْجِدِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بِحَيْثُ تَنْقَطِعُ نِسْبَتُهُمَا عَنْ كَوْنِهِمَا لِلْخُرُوجِ مِنْ الْحَمَّامِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ إرَادَةِ الْخُرُوجِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَلِمَنْ دَخَلَ أَرْضًا لَا يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهَا) وَمِنْهَا أَمَاكِنُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْمُخْتَصَّةُ بِهِمْ فَإِنَّ عِبَادَتَهُمْ فِيهَا بَاطِلَةٌ فَكَأَنْ لَا عِبَادَةَ (قَوْلُهُ: وَقَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ لِتَعَاطِيهِمَا الْعَقْدِ دُونَ الزَّوْجَةِ، وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنَّ فِعْلَهُمَا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ قَبْلَ تَعَاطِيهِ (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ حِفْظِ الْقُرْآنِ) أَيْ وَلَوْ بَعْدَ نِسْيَانِهِ وَقَدْ صَلَّى لِلْحِفْظِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَأَلْحَقَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ الْغُسْلَ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ مَنْدُوبًا (قَوْلُهُ: وَتَحْصُلُ السُّنَّتَانِ) أَيْ الْوُضُوءُ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ وَالِاسْتِخَارَةُ (قَوْلُهُ: وَلِلْحَاجَةِ) أَيْ الَّتِي يُهْتَمُّ بِهَا عَادَةً، وَيَنْبَغِي أَنَّ فِعْلَهَا عِنْدَ إرَادَةِ الشُّرُوعِ فِي طَلَبِهَا، حَتَّى لَوْ طَالَ الزَّمَنُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالشُّرُوعِ فِي قَضَائِهَا لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا وَتَقَعُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: وَفِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهَا) أَيْ صَلَاةَ الْحَاجَةِ (قَوْلُهُ: وَلِلتَّوْبَةِ) أَيْ وَإِنْ تَكَرَّرَتْ وَلَوْ مِنْ صَغِيرَةٍ، وَيُسَنُّ فِي الْمَذْكُورَاتِ نِيَّةُ أَسْبَابِهَا كَأَنْ يَقُولَ سُنَّةَ الزِّفَافِ، فَلَوْ تَرَكَ ذِكْرَ السَّبَبِ صِحْت صَلَاتُهُ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَكُونُ نَفْلًا مُطْلَقًا حَصَلَ فِي ضِمْنِهِ ذَلِكَ الْمُقَيَّدُ (قَوْلُهُ: وَصَلَاةُ الْأَوَّابِينَ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ رَكْعَتَانِ عِنْدَ إرَادَةِ سَفَرٍ إلَخْ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ فَاعِلَهَا رَجَعَ إلَى اللَّهِ وَتَابَ مِمَّا فَعَلَهُ فِي نَهَارِهِ، فَإِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ دَلَّ عَلَى كَثْرَةِ رُجُوعِهِ إلَى اللَّهِ وَلَوْ لَمْ يُلَاحَظْ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِصَلَاةِ الْغَفْلَةِ.
(قَوْلُهُ: بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) أَيْ بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ بِنَفْلٍ قَبْلَ فِعْلِ الْمَغْرِبِ وَبَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ نَوَاهَا لَمْ تَنْعَقِدْ؛ لِعَدَمِ دُخُولِ وَقْتِهَا كَرَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ إذَا فُعِلَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَإِذَا فَاتَتْ سُنَّ قَضَاؤُهَا، وَكَذَا صَلَاةُ سُنَّةِ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُؤَقَّتٌ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْإِشْرَاقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ الضُّحَى، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ سَنِّ قَضَاءِ سُنَّةِ الزَّوَالِ لِتَصْرِيحِهِ بِأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ، فَإِذَا صَلَّى سُنَّةَ الظُّهْرِ حَصَلَ بِهَا سُنَّةُ الزَّوَالِ مَا لَمْ يَنْفِهَا قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ،
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَرَكْعَتَيْنِ فَهُمَا أَقَلُّهَا، وَصَلَاةُ الزَّوَالِ بَعْدَهُ وَهِيَ رَكْعَتَانِ أَوْ أَرْبَعٌ، وَصَلَاةُ التَّسْبِيحِ مَرَّةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِلَّا فَجُمُعَةٍ، وَإِلَّا فَشَهْرٍ، وَإِلَّا فَسَنَةٍ، وَإِلَّا فَمَرَّةٍ فِي الْعُمُرِ، وَهِيَ أَرْبَعٌ بِتَسْلِيمَةٍ وَهُوَ الْأَحْسَنُ نَهَارًا، أَوْ بِتَسْلِيمَتَيْنِ وَهُوَ الْأَحْسَنُ لَيْلًا كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ، يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ اللَّهُ أَكْبَرُ، زَادَ فِي الْإِحْيَاءِ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَفِي كُلٍّ مِنْ الرُّكُوعِ وَالِاعْتِدَالِ وَكُلٍّ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا وَالْجُلُوسِ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ عَشْرًا، فَذَاكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ مَرَّةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَّمَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَبَّاسَ وَذَكَرَ لَهُ فِيهَا فَضْلًا عَظِيمًا، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ سُنِّيَّتِهَا هُوَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا وَجَرَى عَلَيْهِ
[حاشية الشبراملسي]
وَعَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا صَلَّى بَعْدَ الرَّاتِبَةِ سُنَّةَ الزَّوَالِ لَمْ تَنْعَقِدْ لِحُصُولِهَا بِالرَّاتِبَةِ (قَوْلُهُ: وَصَلَاةُ الزَّوَالِ بَعْدَهُ) أَيْ فَلَوْ قَدَّمَهَا عَلَيْهِ لَمْ تَنْعَقِدْ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْمُنَاوِيِّ الْآتِي (قَوْلُهُ: وَهِيَ رَكْعَتَانِ أَوْ أَرْبَعٌ) وَهِيَ غَيْرُ سُنَّةِ الظُّهْرِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ إفْرَادِهَا بِالذِّكْرِ بَعْدَ الرَّوَاتِبِ وَتَصِيرُ قَضَاءً بِطُولِ الزَّمَنِ عُرْفًا، وَعِبَارَةُ الْمُنَاوِيِّ عَلَى الْجَامِعِ فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ إلَخْ نَصُّهَا: أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ: أَيْ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ يُصَلِّيهِنَّ الْإِنْسَانُ قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوْ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ، وَهُوَ أَيْ وَقْتُهُ عِنْدَ الزَّوَالِ.
قَالَ الْعَلْقَمِيُّ: هَذِهِ يُسَمُّونَهَا سُنَّةَ الزَّوَالِ، وَهِيَ غَيْرُ الْأَرْبَعِ الَّتِي هِيَ سُنَّةُ الظُّهْرِ.
قَالَ شَيْخُنَا: قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ: وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ فِي كِتَابِ الْأَوْرَادِ لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ: أَيْ لَيْسَ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا فَصْلٌ بِسَلَامٍ تُفْتَحُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ كِنَايَةٌ عَنْ حُسْنِ الْقَبُولِ وَسُرْعَةِ الْوُصُولِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الشَّيْخُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ أَرْبَعٌ بِتَسْلِيمَةٍ) أَيْ فَلَا تَصِحُّ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَرْبَعِ (قَوْلُهُ: أَوْ بِتَسْلِيمَتَيْنِ) اُنْظُرْ وَجْهَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَعَ أَنَّ الْفَصْلَ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصْلِ مُطْلَقًا.
وَلَعَلَّهُ أَنَّ الصَّلَاةَ بِاللَّيْلِ يَبْعُدُ عُرُوضُ مَا يَمْنَعُ مِنْ إتْمَامِهَا فَطَلَبَ فِيهَا الْفَصْلَ بِالسَّلَامِ لِزِيَادَةِ مَا يَفْعَلُهَا فِيهَا، وَبِالنَّهَارِ قَدْ يَعْرِضُ تَشَاغُلٌ يَمْنَعُ مِنْ إتْمَامِهَا فَطَلَبَ فِعْلَهَا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ لِيَكُونَ التَّحَرُّمُ بِهَا مَانِعًا عَنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا، وَدَخَلَ فِيهِ مَا لَوْ فَرَّقَهَا فَفَعَلَ فِي لَيْلَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَفِي لَيْلَةٍ أُخْرَى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ شَرْطَ حُصُولِ سُنَّتِهَا إذَا فَعَلَهَا مُتَوَالِيَةً حَتَّى تُعَدَّ صَلَاةً وَاحِدَةً، وَهُوَ أَقْرَبُ.
(قَوْلُهُ: يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) قَالَ السُّيُوطِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ مَا نَصُّهُ: كَيْفِيَّةُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِيهَا أَلْهَاكُمْ وَالْعَصْرَ وَالْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصَ، وَبَعْدَ ذَلِكَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةٍ فِي الْقِيَامِ وَعَشْرًا فِي الرُّكُوعِ وَالِاعْتِدَالِ وَالسَّجْدَتَيْنِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا وَالِاسْتِرَاحَةِ وَالتَّشَهُّدِ تِرْمِذِيٌّ، أَوْ يَضُمُّ إلَيْهَا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، وَبَعْدَهَا قَبْلَ السَّلَامِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك تَوْفِيقَ أَهْلِ الْهُدَى وَأَعْمَالَ أَهْلِ الْيَقِينِ وَمُنَاصَحَةَ أَهْلِ التَّوْبَةِ وَعَزْمَ أَهْلِ الصَّبْرِ وَجَدَّ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَطَلَبَ أَهْلِ الرَّغْبَةِ وَتَعَبُّدَ أَهْلِ الْوَرَعِ وَعِرْفَانَ أَهْلِ الْعِلْمِ حَتَّى أَخَافَك، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مَخَافَةً تَحْجِزُنِي عَنْ مَعَاصِيك حَتَّى أَعْمَلَ بِطَاعَتِك عَمَلًا أَسْتَحِبُّ بِهِ رِضَاك وَحَتَّى أُنَاصِحَك بِالتَّوْبَةِ خَوْفًا مِنْك وَحَتَّى أَخْلُصَ لَك النَّصِيحَةَ حَيَاءً مِنْك وَحَتَّى أَتَوَكَّلَ عَلَيْك فِي الْأُمُورِ حُسْنُ ظَنِّيِّ بِك سُبْحَانَ خَالِقِ النَّارِ.
اهـ.
وَفِي رِوَايَةٍ النُّورِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكَرِّرُ الدُّعَاءَ، وَلَوْ قِيلَ بِالتَّكْرَارِ لَكَانَ حَسَنًا، ثُمَّ قَوْلُهُ: وَبَعْدَهَا قَبْلَ السَّلَامِ إلَخْ يَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ بِقَوْلِهِ مَرَّةً إنْ صَلَّاهَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ وَمَرَّتَيْنِ إنْ صَلَّى كُلَّ رَكْعَتَيْنِ بِإِحْرَامٍ (قَوْلُهُ: إلَّا بِاَللَّهِ) زَادَ حَجّ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ (قَوْلُهُ: بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ) وَيَجُوزُ جَعْلُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَحِينَئِذٍ تَكُونُ عَشْرُ جِلْسَةِ الْأَخِيرَةِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ.
قَالَ الْبَغَوِيّ: وَلَوْ تَرَكَ تَسْبِيحَ الرُّكُوعِ لَمْ يَجُزْ الْعَوْدُ إلَيْهِ وَلَا فِعْلُهَا فِي الِاعْتِدَالِ بَلْ يَأْتِي بِهَا فِي السُّجُودِ.
اهـ حَجّ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ تَرَكَ التَّسْبِيحَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ وَلَمْ يَتَدَارَكْهُ هَلْ تَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ أَوْ لَا، وَإِذَا لَمْ تَبْطُلْ فَهَلْ يُثَابُ عَلَيْهَا ثَوَابَ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ أَوْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ إنْ تَرَكَ بَعْضَ التَّسْبِيحِ حَصَلَ لَهُ أَصْلُ سُنَّتِهَا وَإِنْ تَرَكَ الْكُلَّ وَقَعَتْ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْمُتَأَخِّرُونَ وَصَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَحَدِيثُهَا حَسَنٌ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ جَرَى فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّحْقِيقِ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِهَا وَأَنَّ فِي نَدْبِهَا نَظَرًا، وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَسْمَعُ بِعَظِيمِ فَضْلِهَا وَيَتْرُكُهَا إلَّا مُتَهَاوِنٌ بِالدِّينِ، وَالطَّعْنُ فِي نَدْبِهَا بِأَنَّ فِيهَا تَغْيِيرًا لِنَظْمِ الصَّلَاةِ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِهَا، فَإِذَا ارْتَقَى إلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ أَثْبَتَهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهَا ذَلِكَ، وَصَلَاةُ الرَّغَائِبِ أَوَّلَ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ وَلَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبَانَ بِدْعَتَانِ قَبِيحَتَانِ مَذْمُومَتَانِ وَحَدِيثُهُمَا بَاطِلٌ، وَقَدْ بَالَغَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي إنْكَارِهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ صَلَاتِهَا جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَمَنْ زَعَمَ عَدَمَ الْفَرْقِ فِي الْأُولَى وَأَنَّ الثَّانِيَةَ تُنْدَبُ فُرَادَى قَطْعًا فَقَدْ وَهَمَ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا مَعَ أَنَّ الْمَلْحَظَ بُطْلَانُ حَدِيثِهِمَا، وَأَنَّ فِي نَدْبِهِمَا بِخُصُوصِهِمَا جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى إحْدَاثَ شِعَارٍ لَمْ يَصِحَّ وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الصَّلَوَاتِ سِيَّمَا مَعَ تَوْقِيتِهِمَا بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ، وَأَفْضَلُ هَذَا الْقِسْمِ الْوِتْرُ ثُمَّ رَكْعَتَا فَجْرٍ وَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَخَبَرُ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» مَحْمُولُ عَلَى النَّفْلِ الْمُطْلَقِ، ثُمَّ بَاقِي رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ ثُمَّ الضُّحَى ثُمَّ مَا تَعَلَّقَ بِفِعْلٍ غَيْرِ سُنَّةِ وُضُوءٍ كَرَكْعَتَيْ طَوَافٍ، وَإِحْرَامٍ وَتَحِيَّةٍ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مُسْتَوِيَةٌ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ، ثُمَّ سُنَّةُ وُضُوءٍ ثُمَّ نَفْلٌ مُطْلَقٌ.
وَالْمُرَادُ بِالتَّفْضِيلِ مُقَابَلَةُ جِنْسٍ بِجِنْسٍ، وَلَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِ الشَّارِعِ الْعَدَدَ الْقَلِيلَ أَفْضَلَ مِنْ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ بِدَلِيلِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ فَمَعَ اخْتِلَافِهِ أَوْلَى قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ
(وَقِسْمٌ) مِنْ النَّفْلِ (يُسَنُّ جَمَاعَةً) أَيْ تُسَنُّ فِيهِ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ مُسْتَحَبٌّ مُطْلَقًا صُلِّيَ جَمَاعَةً أَمْ لَا (كَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ) وَسَتَأْتِي فِي أَبْوَابِهَا وَأَفْضَلُهَا الْعِيدَانِ النَّحْرُ فَالْفِطْرُ خِلَافًا لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: فِي التَّهْذِيبِ) أَيْ تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ (قَوْلُهُ: وَصَلَاةُ الرَّغَائِبِ) لَمْ يُبَيِّنْ عَدَدَ رَكَعَاتِهَا فَرَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ: بِدْعَتَانِ قَبِيحَتَانِ) وَمَعَ ذَلِكَ فَالصَّلَاةُ نَفْسُهَا صَحِيحَةٌ إذْ غَايَتُهَا أَنَّهَا نَفْلٌ نُهِيَ عَنْهُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ مَا يُؤَدِّي فِعْلُهَا إلَيْهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ اعْتِقَادِ سُنِّيَّتِهَا بِخُصُوصِهَا.
نَعَمْ إنْ نَوَى بِهَا سَبَبًا مُعَيَّنًا كَسُنَّةِ الرَّغَائِبِ فَيَنْبَغِي الْبُطْلَانُ.
وَعِبَارَةُ حَجّ فِي رَدِّ كَلَامٍ لِلسُّهْرَوَرْدِيِ: وَمَنْ اسْتَحْضَرَ كَلَامَهُمْ فِي رَدِّ صَلَوَاتٍ ذُكِرَتْ فِي أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ عَلِمَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ، وَلَا تَصِحُّ هَذِهِ الصَّلَوَاتُ بِتِلْكَ النِّيَّاتِ الَّتِي اسْتَحْسَنَهَا الصُّوفِيَّةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرِدَ لَهَا أَصْلٌ فِي السُّنَّةِ.
اهـ.
وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْنَا (قَوْلُهُ: وَأَنَّ الثَّانِيَةَ) أَيْ صَلَاةَ لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ (قَوْلُهُ: وَأَفْضَلُ هَذَا الْقِسْمِ الْوِتْرُ) أَيْ وَلَوْ بِرَكْعَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ حَجّ.
وَإِنْ كَرِهَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا.
وَعِبَارَةُ حَجّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَكْثَرُهَا ثِنْتَا عَشْرَةَ مَا نَصُّهُ: وَكَرَكْعَةِ الْوِتْرِ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ مَا تَعَلَّقَ بِفِعْلٍ غَيْرِ سُنَّةِ وُضُوءٍ) وَمِنْهُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ سَنِّ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ إرَادَةِ سَفَرٍ بِمَنْزِلِهِ إلَى آخِرِ مَا قَدَّمَهُ فَيَكُونُ بَعْدَ الضُّحَى وَقِيلَ سُنَّةُ الْوُضُوءِ (قَوْلُهُ: وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مُسْتَوِيَةٌ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ) . اقْتِصَارُهُ عَلَى الْحُكْمِ بِاسْتِوَاءِ الثَّلَاثَةِ يُشْعِرُ بِأَنَّ غَيْرَهَا مِمَّا دَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ لَيْسَ فِي رُتْبَتِهَا، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى سُنَّةِ الْوُضُوءِ، وَمُرَادُهُ بِالثَّلَاثَةِ قَوْلُهُ: كَرَكْعَتَيْ طَوَافٍ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَالْكُسُوفِ) أَيْ وَكَوِتْرِ رَمَضَانَ وَالتَّرَاوِيحِ وَصَرَّحَ بِهَا بَعْدُ لِلْخِلَافِ فِيهَا (قَوْلُهُ: وَأَفْضَلُهَا) أَيْ الصَّلَوَاتُ الَّتِي تُسَنُّ فِيهَا الْجَمَاعَةُ فَلَا يُقَالُ تَعْقِيدُ الِاسْتِسْقَاءِ بِالتَّرَاوِيحِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْوِتْرَ وَالرَّوَاتِبَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّرَاوِيحِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ إنَّمَا يَرِدُ لَوْ قِيلَ أَفْضَلُ النَّفْلِ (قَوْلُهُ: لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ) أَيْ مِنْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) لَا خُصُوصِيَّةَ لَهُمَا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ بَلْ مِثْلُهُمَا فِي ذَلِكَ كُلُّ مَا يَأْتِي مِنْ ذَاتِ الْوَقْتِ، وَالسَّبَبُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَ هَذَا عَنْهُ.
[قِسْمٌ مِنْ النَّفْلِ يُسَنُّ جَمَاعَةً]
(قَوْلُهُ: وَأَفْضَلُهَا الْعِيدَانِ) أَيْ صَلَاتُهُمَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ السِّيَاقِ، لَكِنَّ دَلِيلَهُ الْآتِيَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ التَّفْضِيلُ فِي ذَاتِ الْأَيَّامِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ يَلْزَمُ مِنْ تَفْضِيلِ الْأَيَّامِ تَفْضِيلُ مَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ فَالدَّلِيلُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ التَّكْبِيرُ.
أَخْذًا مِنْ تَفْضِيلِهِمْ تَكْبِيرِ الْفِطْرِ عَلَى تَكْبِيرِ الْأَضْحَى لِلنَّصِّ عَلَيْهِ وَيُجَابُ بِعَدَمِ التَّلَازُمِ، وَيَدُلُّ لِمَا قُلْنَا مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قِرْطٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَفْضَلَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَدْ رَجَّحَ فِي الْخَادِمِ مَا ذَكَرْنَاهُ فَقَالَ: إنَّهُ الْأَرْجَحُ فِي النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ وَفِيهِ نُسُكَانِ الْحَجُّ وَالْأُضْحِيَّةُ، وَقِيلَ إنَّ عَشَرَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ كُسُوفُ الشَّمْسِ ثُمَّ خُسُوفُ الْقَمَرِ ثُمَّ الِاسْتِسْقَاءُ ثُمَّ التَّرَاوِيحُ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْقِسْمُ (أَفْضَلُ مِمَّا لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً) لِتَأَكُّدِ أَمْرِهِ بِطَلَبِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ فَأَشْبَهَ الْفَرَائِضَ، وَالْمُرَادُ تَفْضِيلُ الْجِنْسِ عَلَى الْجِنْسِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِعَدَدٍ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ.
(لَكِنَّ الْأَصَحَّ) (تَفْضِيلُ الرَّاتِبَةِ) لِلْفَرَائِضِ (عَلَى التَّرَاوِيحِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَى تِلْكَ دُونَ هَذِهِ فَإِنَّهُ صَلَّاهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ فِي الثَّالِثَةِ تَرَكَهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ.
وَلَا يُشْكِلُ هَذَا بِحَدِيثِ الْإِسْرَاءِ «هِيَ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَخُوفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ اللَّيْلِ بِمَعْنَى جَعْلِ التَّهَجُّدِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً شَرْطًا فِي صِحَّةِ النَّفْلِ فِي اللَّيْلِ وَيُومِئُ إلَيْهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «خَشِيت أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ» فَمَنَعَهُمْ مِنْ التَّجْمِيعِ فِي الْمَسْجِدِ إشْفَاقًا عَلَيْهِمْ مِنْ اشْتِرَاطِهِ، وَأُمِنَ مَعَ إذْنِهِ فِي الْمُوَاظَبَةِ عَلَى
[حاشية الشبراملسي]
تَفْضِيلِ الْفِطْرِ عَلَى النَّحْرِ (قَوْلُهُ: عَلَى تَكْبِيرِ الْأَضْحَى) أَيْ عَلَى التَّكْبِيرِ الْمُرْسَلِ فِي الْأَضْحَى، أَمَّا الْمُقَيَّدُ فِيهِ فَأَفْضَلُ مِنْ تَكْبِيرِ الْفِطْرِ لِشَرَفِهِ بِتَبَعِيَّتِهِ لِلْفَرَائِضِ (قَوْلُهُ: يَوْمُ النَّحْرِ) أَيْ وَتَفْضِيلُ الْيَوْمِ يَقْتَضِي تَفْضِيلَ مَا وَقَعَ فِيهِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ الْأَرْجَحُ فِي النَّظَرِ) أَيْ الْمُدْرَكِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ) أَيْ وَلِأَنَّهُ قِيلَ إلَخْ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِعَدَدٍ) أَيْ وَعَلَيْهِ فَمَا تَقَدَّمَ عَنْ حَجّ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ رَكْعَةِ الْوِتْرِ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ سَبَبُهُ أَنَّ الْوِتْرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الرَّوَاتِبِ ثُمَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الرَّوَاتِبِ وَقَالَ سم عَلَى حَجّ: هَلْ الْمُرَادُ أَنَّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الرَّوَاتِبِ أَوْ مِنْ الرَّوَاتِبِ كُلِّهَا أَوْ كَيْفَ الْحَالُ اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقَابِلُ بَيْنَ زَمَنَيْ الْعِبَادَتَيْنِ، فَمَا زَادَ زَمَنُهُ كَانَ ثَوَابُهُ أَكْثَرَ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِمَا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ كَالْمُقَابَلَةِ بَيْنَ صَوْمِ يَوْمٍ وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ (قَوْلُهُ: أَخْذًا مِمَّا مَرَّ) هُوَ قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ مِنْ التَّفْضِيلِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: الْأَصَحُّ تَفْضِيلُ الرَّاتِبَةِ) أَيْ الْمُؤَكَّدَةِ وَغَيْرِهَا، وَيَلْزَمُهُ تَفْضِيلُ الْوِتْرِ عَلَى التَّرَاوِيحِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَإِذَا اُعْتُبِرَ هَذَا مَعَ مَا مَرَّ مِنْ تَرْتِيبِ النَّفْلِ الَّذِي لَا تُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ عَلِمْت أَنَّ بَعْدَ الِاسْتِسْقَاءِ الْوِتْرَ ثُمَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ ثُمَّ بَاقِيَ الرَّوَاتِبِ ثُمَّ التَّرَاوِيحَ ثُمَّ الضُّحَى إلَى آخِرِ مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرَ أَنَّ الْأَفْضَلَ مِنْ التَّرَاوِيحِ هُوَ الرَّاتِبُ الْمُؤَكَّدُ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ: وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُؤَكَّدِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ التَّابِعَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ الْمَتْبُوعِ اهـ.
وَقَالَ ع: ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُؤَكَّدَةِ وَغَيْرِهَا، وَيُحْتَمَلُ التَّخْصِيصُ بِالْمُؤَكَّدَةِ بِدَلِيلِ التَّعْلِيلِ، وَعَدَمِ تَقْيِيدِ الشَّارِحِ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ يُوَافِقُهُ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَإِنْ اقْتَضَى تَعْلِيلُهُ بِالْمُوَاظَبَةِ خِلَافَهُ (قَوْلُهُ: ثَلَاثَةُ لَيَالٍ) عِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ: وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ وَحِبَّانُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَوْتَرَ» اهـ. أَقُولُ: وَأَمَّا الْبَقِيَّةُ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ فِي بَيْتِهِ قَبْلَ مَجِيئِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَانْظُرْ هَلْ الثَّلَاثُ كَانَتْ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ فَلْيُرَاجِعْ.
وَبِبَعْضِ الْهَوَامِشِ قَوْلُهُ: ثَلَاثُ لَيَالٍ: أَيْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ حِينَ بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ سَبْعُ لَيَالٍ لَكِنْ مُفَرَّقَةٌ، صَلَّاهَا لَيْلَةَ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ وَالْخَامِسَةِ وَالسَّابِعَةِ ثُمَّ انْتَظَرُوهُ فِي الثَّامِنَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ لَهُمْ وَقَالَ: خَشِيت إلَخْ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي الْإِسْنَوِيِّ وَعِبَارَتُهُ: وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ «قُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حَتَّى خَشِيَنَا أَنْ لَا نُدْرِكَ الْفَلَاحَ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: إنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ (قَوْلُهُ: فَمَنَعَهُمْ مِنْ التَّجْمِيعِ إلَخْ) وَأَسْلَمُ الْأَجْوِبَةِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِمْ مِنْ افْتِرَاضِهِ عَلَيْهِمْ، أَوْ يَكُونُ الْمَخُوفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَى الْكِفَايَةِ لَا عَلَى الْأَعْيَانِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ.
أَوْ يَكُونُ الْمَخُوفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ رَمَضَانَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ ذَاكَ كَانَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ وَقْتُ جَدٍّ وَتَشْمِيرٍ، وَقِيَامُ رَمَضَانَ غَيْرُ مُتَكَرِّرٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ، أَوْ أَنَّهُ خَشَى أَنْ يَكُونَ افْتِرَاضُهَا قَدْ عُلِّقَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ عَلَى دَوَامِ إظْهَارِهَا جَمَاعَةً، وَلَمْ يَخْشَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا لِعِلْمِهِ بِعَدَمِ التَّعْلِيقِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ تَفْضِيلُ التَّرَاوِيحِ عَلَى الرَّاتِبَةِ لِسَنِّ الْجَمَاعَةِ فِيهَا (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْجَمَاعَةَ تُسَنُّ فِي التَّرَاوِيحِ) لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا لَيَالِيَ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَوْ أَكْثَرُهُمْ.
أَوْ أَصْلُ مَشْرُوعِيَّتِهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً بِعَشْرِ تَسْلِيمَاتٍ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ.
وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ، وَقَدْ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ الرِّجَالُ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَالنِّسَاءَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَقَدْ انْقَطَعَ النَّاسُ عَنْ فِعْلِهَا جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ إلَى ذَلِكَ، وَسُمِّيَتْ كُلُّ أَرْبَعٍ مِنْهَا تَرْوِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَرَوَّحُونَ عَقِبَهَا: أَيْ يَسْتَرِيحُونَ.
قَالَ الْحَلِيمِيُّ: وَالسِّرُّ فِي كَوْنِهَا عِشْرِينَ أَنَّ الرَّوَاتِبَ: أَيْ الْمُؤَكَّدَةَ فِي غَيْرِ
[حاشية الشبراملسي]
مَا نَقَلَهُ ع عَنْ الْإِسْنَوِيِّ مِنْ خَشْيَةِ تَوَهُّمِ فَرْضِيَّتِهَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ وَقْتُ جَدٍّ وَتَشْمِيرٍ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ بِاعْتِبَارِ الْمُرَادِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ إلَخْ) وَالْوَجْهَانِ إذَا قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِ الْجَمَاعَةِ فِي التَّرَاوِيحِ، فَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ اسْتِحْبَابِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا فَالرَّوَاتِبُ أَفْضَلُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الْمَحَلِّيِّ وَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّارِحِ: وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِعَشْرِ تَسْلِيمَاتٍ) اقْتَصَرَ عَلَى الْوَاجِبِ فَلَا يُقَالُ التَّسْلِيمَاتُ عِشْرُونَ (قَوْلُهُ: عَلَى عَهْدِ عُمَرَ إلَخْ) اُنْظُرْ فِي أَيِّ سَنَةٍ كَانَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ أَيْضًا بَعْدُ، وَقَدْ جَمَعَ إلَخْ اُنْظُرْ فِي أَيِّ سَنَةٍ كَانَ أَيْضًا.
ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ لِلْعِرَاقِيِّ أَنَّ جَمْعَ عُمَرُ إلَخْ كَانَ سَنَةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ الْهِجْرَةِ.
وَقَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: طَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَصْدَرَ الْحَاجِّ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَدُفِنَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ غُرَّةُ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَلَهُ مِنْ الْعُمُرِ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَقِيلَ تِسْعٌ وَخَمْسُونَ وَقِيلَ ثَمَانٍ وَقِيلَ سِتَّةٌ وَخَمْسُونَ وَقِيلَ إحْدَى وَسِتُّونَ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَنِصْفًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ صُهَيْبٌ وَدُفِنَ إلَى جَانِبِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ اهـ.
وَفِيهِ: وَكَانَتْ وَفَاةُ أَبِي بَكْرٍ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُخْرَى سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ اهـ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ عُمَرَ أَقَرَّ النَّاسَ عَلَى صَلَاتِهِمْ فُرَادَى رَمَضَانَا وَاحِدًا بَعْدَ مَوْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَفِي رَمَضَانَ الثَّانِي جَمَعَ النَّاسَ فِيهِ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ (قَوْلُهُ: وَالنِّسَاءُ عَلَى سُلَيْمَانَ) هُوَ بِزِيَادَةِ يَاءٍ قَبْلَ الْمِيمِ تَابِعِيٌّ لَهُ رِوَايَةٌ، وَوَالِدُهُ أَبُو حَثْمَةَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ، لَهُ صُحْبَةٌ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ كَذَا فِي الْإِصَابَةِ.
اهـ وَهِيَ كَذَلِكَ فِي نُسَخٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سَلْمَانُ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا عَلِمْت بَلْ هُوَ خَطَأٌ (قَوْلُهُ: وَقَدْ انْقَطَعَ النَّاسُ عَنْ فِعْلِهَا جَمَاعَةً) أَيْ وَصَارُوا يَفْعَلُونَهَا فِي بُيُوتِهِمْ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: الْمُتَقَدِّمُ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهَا فِي بَيْتِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَهُ ع حَيْثُ قَالَ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الصَّحِيحَيْنِ إنَّهُ صَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ افْتِرَاضُهَا إلَخْ) فِي دَفْعِ هَذَا الْإِشْكَالِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: إلَى ذَلِكَ) أَيْ جَمْعِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
رَمَضَانَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ فَضُوعِفَتْ فِيهِ؛ لِمَا مَرَّ، وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ فِعْلُهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ؛ لِأَنَّ الْعِشْرِينَ خَمْسُ تَرْوِيحَاتٍ، فَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَطُوفُونَ بِكُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، فَجَعَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بَدَلَ كُلِّ أُسْبُوعٍ تَرْوِيحَةً لِيُسَاوُوهُمْ.
قَالَا: وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ لَهُمْ شَرَفًا بِهِجْرَتِهِ، وَبِدَفْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِلْحَلِيمِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَفِعْلُهَا بِالْقُرْآنِ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ أَوْلَى وَأَفْضَلُ مِنْ تَكْرِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَوَقْتُهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَلَوْ تَقْدِيمًا إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ، وَلَا تَصِحُّ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ بَلْ يَنْوِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ أَوْ مِنْ قِيَامِ رَمَضَانَ.
وَلَوْ صَلَّى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَمْ يَصِحَّ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا، وَإِلَّا صَارَتْ نَفْلًا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْرُوعِ، بِخِلَافِ سُنَّةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ التَّرَاوِيحَ أَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ كَمَا مَرَّ، فَلَا
[حاشية الشبراملسي]
بَقِيَّةَ الشَّهْرِ (قَوْلُهُ: فَضُوعِفَتْ) لَعَلَّ الْمَعْنَى فَزِيدَ قَدْرُهَا وَضِعْفُهُ لَا فَزِيدَ عَلَيْهَا قَدْرُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَهَذَا كَمَا تَرَى مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ مِثْلُهُ، أَمَّا إذَا قِيلَ إنَّ ضَعْفَهُ مِثْلَاهُ فَلَا تَأْوِيلَ، وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الْمَشْهُورُ.
(قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ وَقْتُ جِدٍّ وَتَشْمِيرٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أَيْ يَجُوزُ لَهُمْ وَإِنْ كَانَ اقْتِصَارُهُمْ عَلَى الْعِشْرِينَ أَفْضَلَ.
اهـ شَيْخُنَا زِيَادِيٌّ (قَوْلُهُ: فَعَلَهَا سِتًّا) .
[فَرْعٌ] قَالَ م ر فِي جَوَابِ سَائِلٍ: الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ بِهَا وَإِنْ كَانُوا غُرَبَاءَ لَا أَهْلِهَا بِغَيْرِهَا، وَأَظُنُّهُ قَالَ لِأَهْلِهَا حُكْمُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا حَوْلَهَا فَلْيُتَأَمَّلْ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلِهِ لِيُسَاوُوهُمْ) قَالَ حَجّ: وَابْتِدَاءُ حُدُوثِ ذَلِكَ كَانَ أَوَاخِرَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ ثُمَّ اُشْتُهِرَ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ، وَلَمَّا كَانَ فِيهِ مَا فِيهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْعِشْرُونَ لَهُمْ أَحَبُّ إلَيَّ.
اهـ.
وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ: أَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَلَهُمْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ، وَإِنْ كَانَ اقْتِصَارُهُمْ عَلَى الْعِشْرِينَ أَفْضَلَ.
اهـ. وَعَلَيْهِ فَالْإِجْمَاعُ إنَّمَا هُوَ عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ لَا طَلَبِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ إذَا فُعِلَتْ يُثَابُونَ عَلَيْهَا فَوْقَ ثَوَابِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ وَيَنْوُونَ بِالْجَمِيعِ التَّرَاوِيحَ (قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ) لَوْ فَاتَتْ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِهَا وَأَرَادَ أَنْ يَقْضِيَهَا فِي غَيْرِهَا فَعَلَهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ وَعَكْسُهُ يَفْعَلُهَا عِشْرِينَ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ.
اهـ شَيْخُنَا زِيَادِيٌّ بِهَامِشٍ هُوَ مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الدَّوَاخِلِيِّ، وَمَا أَنْقُلُهُ دَائِمًا عَنْ هَامِشٍ يَكُونُ مُرَادِي بِهِ الشَّيْخَ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَمَلًا بِمَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِمْ الْقَضَاءُ يَحْكِي الْأَدَاءَ.
وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ الشَّوْبَرِيِّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى التَّحْرِيرِ قَوْلُهُ: عِشْرُونَ رَكْعَةً: أَيْ لِغَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَسِتٌّ وَثَلَاثُونَ.
وَسُئِلَ شَيْخُنَا: لَوْ أَرَادَ الْمَدَنِيُّ أَنْ يَقْضِيَ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ أَوْ غَيْرُهُ أَنْ يَقْضِيَهَا فِي الْمَدِينَةِ وَالْأَوَّلُ فِي غَيْرِهَا هَلْ يَقْضِيهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ؟ وَأَجَابَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ اخْتِصَاصُ فِعْلِ التَّرَاوِيحِ سِتًّا وَثَلَاثِينَ بِمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ حَالَ طَلَبِهَا مِنْهُ ابْتِدَاءً وَفَعَلَهَا فِيهَا.
اهـ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْحَلِيمِيِّ) أَيْ حَيْثُ قَالَ: وَمَنْ اقْتَدَى بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَامَ بِسِتٍّ وَثَلَاثِينَ فَحَسَنٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَرَادُوا بِمَا صَنَعُوا الِاقْتِدَاءَ بِأَهْلِ مَكَّةَ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْ الْفَضْلِ لَا الْمُنَافِسَةَ كَمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ.
اهـ شَرْحُ رَوْضِ (قَوْلُهُ: بَلْ يَنْوِي رَكْعَتَيْنِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِعَدَدٍ بَلْ قَالَ أُصَلِّي قِيَامَ رَمَضَانَ أَوْ مِنْ قِيَامِ رَمَضَانَ لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ، وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِلْعَدَدِ لَا يَجِبُ وَتُحْمَلُ نِيَّتُهُ عَلَى الْوَاجِبِ فِي التَّرَاوِيحِ، وَهُوَ رَكْعَتَانِ كَمَا لَوْ قَالَ أُصَلِّي الظُّهْرَ أَوْ الصُّبْحَ حَيْثُ قَالُوا فِيهِ بِالصِّحَّةِ وَيُحْتَمَلُ عَلَى مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ الْعَدَدِ شَرْعًا (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ سُنَّةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) أَيْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ تَصِحُّ نِيَّةُ الْأَرْبَعِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَضُوعِفَتْ) أَيْ وَجُعِلَتْ بِتَضْعِيفِهَا زِيَادَةً فِي رَمَضَانَ، وَإِلَّا فَالرَّوَاتِبُ مَطْلُوبَةٌ أَيْضًا فِي رَمَضَانَ أَوْ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ مِثْلَاهُ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْحَلِيمِيِّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ اقْتَدَى بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَامَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ فَحَسَنٌ أَيْضًا
تُغَيَّرُ عَمَّا وَرَدَ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ سُنَّةَ الظُّهْرِ الَّتِي قَبْلَهَا وَصَلَّاهَا بَعْدَهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَهَا مَعَ سُنَّتِهِ الَّتِي بَعْدَهَا بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ يَجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ الْقَبْلِيَّةَ وَالْبَعْدِيَّةِ.
قَالَ: بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى سُنَّةَ عِيدِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى حَيْثُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ اشْتَمَلَتْ نِيَّتُهُ عَلَى صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ نِصْفُهَا مُؤَدَّى، وَنِصْفُهَا مَقْضِيٌّ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْمَذْهَبِ؛ وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ شَبِيهَةٌ بِالْفَرَائِضِ فَلَا تُغَيَّرُ عَمَّا وَرَدَ، نَظِيرُ مَا مَرَّ وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ زِيَادَةِ الْوُقُودِ عِنْدَ فِعْلِ التَّرَاوِيحِ خُصُوصًا مَعَ تَنَافُسِ أَهْلِ الْإِسْبَاعِ فِي الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ جَائِزٌ إنْ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ، وَإِلَّا حَرُمَ كَمَا فِيهِ نَفْعٌ وَهُوَ مِنْ مَالٍ مَحْجُورٍ أَوْ وَقْفٍ لَمْ يَشْتَرِطْهُ وَاقِفُهُ وَلَمْ تَطَّرِدْ الْعَادَةُ بِهِ فِي زَمَنِهِ وَعِلْمُهَا، وَلَوْ جَمَعَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ سُنَّةَ الْعِشَاءِ ثِنْتَيْنِ مِنْهَا وَوَاحِدَةَ الْوِتْرِ لَمْ يَصِحَّ خِلَافًا لِصَاحِبِ الْبَيَانِ.
(وَلَا حَصْرَ لِلنَّفْلِ الْمُطْلَقِ) وَهُوَ الَّذِي لَا يَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ أَيْ لَا حَصْرَ لِعَدَدِهِ وَلَا لِعَدَدِ رَكَعَاتِهِ لِخَبَرِ «الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَاسْتَكْثِرْ مِنْهَا أَوْ أَقِلَّ» فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: بَيْنَ الْقَبْلِيَّةَ وَالْبَعْدِيَّةِ) أَيْ أَمَّا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ سُنَّةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِإِحْرَامٍ فَلَا لِاخْتِلَافِ النَّوْعِ.
اهـ.
وَقَوْلُهُ بَعْدُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ اشْتَمَلَتْ إلَخْ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا جَازَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ سُنَّتَيْهِمَا بَعْدَ فِعْلِهِمَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: الْآتِي وَلَوْ جَمَعَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ سُنَّةً إلَخْ لِاخْتِلَافِ نَوْعِهِمَا مَعَ أَنَّ كُلًّا سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ فِي نَفْسِهَا، ثُمَّ رَأَيْت سم عَلَى مَنْهَجٍ صَرَّحَ بِمَا قُلْنَاهُ حَيْثُ قَالَ: بِخِلَافِ مَا لَوْ جَمَعَ رَوَاتِبَ فَرْضَيْنِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمَا نَوْعَانِ، وَلَمْ يُعْهَدْ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ بَعْضِهَا أَدَاءً وَبَعْضِهَا قَضَاءً م ر. وَأَظُنُّهُ نَقَلَهُ عَنْ فَتْوَى وَالِدِهِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ سُنَّةِ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ؛ لِأَنَّهُمَا نَوْعَانِ، وَانْظُرْ لَوْ جَمَعَ أَرْبَعَ الظُّهْرِ القَبْلِيَّةَ وَالْبَعْدِيَّةَ أَوْ جَمَعَ الثَّمَانِ لَكِنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَوَقَعَ الْبَاقِي خَارِجَهُ هَلْ يَكُونُ الْأَرْبَعُ أَوْ الثَّمَانِ أَدَاءً أَوْ لَا بُدَّ فِي كَوْنِهَا أَدَاءً مِنْ وُقُوعِ رَكْعَةٍ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْوَقْتِ بِأَنْ يُدْرِكَ ثَلَاثًا فِي الْوَقْتِ فِي صُورَةِ الْأَرْبَعِ وَخَمْسًا فِي صُورَةِ الثَّمَانِ؟ .
قَالَ م ر: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ أَدَاءً بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ صَارَ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ، وَقَوْلُهُ بِأَنْ يُدْرِكَ ثَلَاثًا إلَخْ لَعَلَّ وَجْهَ اشْتِرَاطِ الثَّلَاثِ وَالْخَمْسِ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْقَبْلِيَّةَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ الْأَرْبَعِ مُسْتَقِلَّةً فَيُشْتَرَطُ وُقُوعُهَا كُلُّهَا فِي الْوَقْتِ، وَالْبَعْدِيَّةُ صَلَاةٌ أُخْرَى فَيُكْتَفَى مِنْهَا بِرَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ (قَوْلُهُ: شَبِيهَةٌ بِالْفَرَائِضِ) وَعَلَى هَذَا لَوْ فَاتَهُ عِيدُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ مَعَ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا كَانَ مُعَلَّلًا بَعْلَتَيْنِ يَبْقَى مَا بَقِيَتْ إحْدَاهُمَا، وَكَذَا لَوْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ الْعِيدَ وَالضُّحَى فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمَا سُنَّتَانِ مَقْصُودَتَانِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ لَا حَصْرَ لِعَدَدِهِ) أَيْ بِأَنْ يُقَالَ هُوَ مَحْصُورٌ فِي عِشْرِينَ مَثَلًا فَلَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ وَلَا لِعَدَدِ رَكَعَاتِهِ: أَيْ فَإِذَا أَحْرَمَ وَأَطْلَقَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا شَاءَ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِعَدَدِ رَكَعَاتِهِ فَافْهَمْهُ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا يُفِيدُ ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ: خَيْرُ مَوْضُوعٍ) هُوَ بِالْإِضَافَةِ لِيَظْهَرَ بِهِ الِاسْتِدْلَال عَلَى فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهَا، وَأَمَّا تَرْكُ الْإِضَافَةِ، وَإِنْ صَحَّ فَلَا يَحْصُلُ مَعَهُ الْمَقْصُودُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ.
[فَائِدَةٌ] قَالُوا طُولُ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مِنْ كَثْرَةِ الْعَدَدِ، فَمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا مَثَلًا وَطَوَّلَ الْقِيَامَ أَفْضَلُ مِمَّنْ صَلَّى ثَمَانِيًا وَلَمْ يُطَوِّلْهُ، وَهَلْ يُقَاسُ بِذَلِكَ مَا لَوْ صَلَّى قَاعِدًا رَكْعَتَيْنِ مَثَلًا وَطَوَّلَ فِيهِمَا وَصَلَّى آخَرُ أَرْبَعًا أَوْ سِتًّا وَلَمْ يُطَوِّلْ فِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى قَدْرِ صَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّا إنَّمَا فَضَّلْنَا ذَاتَ الْقِيَامِ عَلَى غَيْرِهَا نَظَرًا لِلْمَشَقَّةِ الْحَاصِلَةِ بِطُولِ الْقِيَامِ وَمَا هُنَا لَا مَشَقَّةَ فِيهِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقُعُودِ الَّذِي لَا مَشَقَّةَ فِيهِ، وَحَيْثُ زَادَتْ كَثْرَةُ الْعَدَدِ بِالرُّكُوعَاتِ وَالسُّجُودَاتِ وَغَيْرِهَا كَانَتْ أَفْضَلَ (قَوْلُهُ: أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ) أَيْ وَيُسَلِّمَ مَتَى شَاءَ مَعَ جَهْلِهِ كَمْ صَلَّى عُبَابُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: نِصْفُهَا مُؤَدًّى وَنِصْفُهَا مَقْضِيٌّ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا مَقْضِيَّيْنِ صَحَّ لَكِنَّ قَضِيَّةَ التَّعْلِيلِ الْآخَرِ خِلَافُهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ جَمَعَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ سُنَّةَ الْعِشَاءِ إلَخْ) فِي التَّعْبِيرِ قَلَاقَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَلَا حَصْرَ لِعَدَدِهِ وَلَا لِعَدَدِ رَكَعَاتِهِ) عِبَارَةُ
وَلَوْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ عَدَدٍ، وَأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (فَإِنْ أَحْرَمَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ فَلَهُ التَّشَهُّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) وَفِي كُلِّ ثَلَاثٍ وَكُلِّ أَرْبَعٍ وَهَكَذَا؛ لِأَنَّهُ مَعْهُودٌ فِي الْفَرَائِضِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى التَّشَهُّدِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ كَالْفَرْضِ وَيَقْرَأُ السُّورَةَ فِي الْكُلِّ، وَإِلَّا فَفِيمَا قَبْلَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ كَمَا مَرَّ (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) لِجَوَازِ التَّطَوُّعِ بِهَا مَعَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا فَيَجُوزُ لَهُ الْقِيَامُ حِينَئِذٍ لِأُخْرَى (قُلْت: الصَّحِيحُ مَعَهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِمَا فِيهِ مِنْ اخْتِرَاعِ صُورَةٍ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تُعْهَدْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ مَنْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يُطِلْ جَلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ لَا سِيَّمَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ الْبُطْلَانِ بِتَطْوِيلِهَا (وَإِذَا نَوَى عَدَدًا) وَمِنْهُ الرَّكْعَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ غَيْرَ عَدَدٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْحِسَابِ (فَلَهُ أَنْ يَزِيدَ) عَلَى مَا نَوَاهُ (وَ) أَنْ (يَنْقُصَ) عَنْهُ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ (بِشَرْطِ تَغْيِيرِ النِّيَّةِ قَبْلَهُمَا) أَيْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا حَصْرَ لَهُ.
نَعَمْ لَوْ رَأَى الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ عَدَدٍ نَوَاهُ لَيْسَ لَهُ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي بَابِهِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ النِّيَّةَ قَبْلَهُمَا (فَتَبْطُلُ) صَلَاتُهُ بِذَلِكَ لِعَدَمِ شُمُولِ نِيَّتِهِ لِمَا أَحْدَثَهُ (فَلَوْ) (نَوَى رَكْعَتَيْنِ) مَثَلًا (ثُمَّ قَامَ إلَى) رَكْعَةٍ (ثَالِثَةٍ سَهْوًا) ثُمَّ تَذَكَّرَ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقْعُدُ) حَتْمًا (ثُمَّ يَقُومُ لِلزِّيَادَةِ إنْ شَاءَ) هَا ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ آخِرَ صَلَاتِهِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى رَكْعَةٍ) أَيْ بِأَنْ يَنْوِيَهَا أَوْ يُطْلِقَ فِي نِيَّتِهِ ثُمَّ يُسَلِّمَ مِنْهَا (قَوْلُهُ: وَفِي كُلِّ ثَلَاثٍ) أَيْ بَعْدَ كُلِّ ثَلَاثٍ وَكُلِّ أَرْبَعٍ إلَخْ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي الْأَعْدَادِ قَبْلَ كُلِّ تَشَهُّدٍ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَتَشَهَّدَ ثُمَّ ثَلَاثًا وَيَتَشَهَّدَ ثُمَّ أَرْبَعًا وَهَكَذَا (قَوْلُهُ: وَهَكَذَا) يُفِيدُ جَوَازَ التَّشَهُّدِ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ مَثَلًا وَيُفِيدُ جَوَازَهُ فِي كُلِّ خَمْسٍ.
فَإِنْ قُلْت هَذَا اخْتِرَاعُ صُورَةٍ لَمْ تُعْهَدْ فِي الصَّلَاةِ فَلْتَمْتَنِعْ كَالتَّشَهُّدِ كُلِّ رَكْعَةٍ.
قُلْت: التَّشَهُّدُ بَعْدَ كُلِّ عَدَدٍ مَعْهُودِ الْجِنْسِ بِخِلَافِهِ بَعْدَ كُلِّ رَكْعَةٍ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: وَيَقْرَأُ السُّورَةَ فِي الْكُلِّ وَإِلَّا فَفِيمَا قَبْلَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ) أَقُولُ: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا لَوْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ لِلْفَرِيضَةِ حَيْثُ لَا يَأْتِي بِالسُّورَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ أَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ لَمَّا طُلِبَ لَهُ جَابِرٌ وَهُوَ السُّجُودُ كَانَ كَالْمَأْتِيِّ بِهِ بِخِلَافِ هَذَا (قَوْلُهُ: مَنَعَهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ بِعَشْرِ رَكَعَاتٍ إنَّمَا تَبْطُلُ إذَا تَشَهَّدَ عَشْرَ تَشَهُّدَاتٍ بِعَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ إذَا تَشَهَّدَ بَعْدَ رَكْعَةٍ مُنْفَرِدَةٍ وَلَوْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي قُبَيْلَ الْأَخِيرَةِ بَطَلَتْ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ مَنْعُهُ) عِبَارَةُ ابْنُ حَجَرٍ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ امْتِنَاعُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَإِنْ لَمْ يُطَوِّلْ جَلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَشَهَّدَ فِي الْمَكْتُوبَةِ الرُّبَاعِيَّةِ مَثَلًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَلَمْ يُطَوِّلْ جَلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ لَمْ يَضُرَّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
فَإِمَّا أَنْ يَحْمِلَ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا طَوَّلَ بِالتَّشَهُّدِ جَلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ لِمَا مَرَّ أَنَّ تَطْوِيلَهَا مُبْطِلٌ، أَوْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ كَيْفِيَّةَ الْفَرْضِ اسْتَقَرَّتْ فَلَمْ يَنْظُرْ لِإِحْدَاثِ مَا لَمْ يُعْهَدْ فِيهَا بِخِلَافِ النَّفْلِ.
اهـ. هَذَا وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّارِحِ أَنَّهُ مَتَى جَلَسَ فِي الثَّالِثَةِ بِقَصْدِ التَّشَهُّدِ بَطُلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَزِدْ مَا فَعَلَهُ عَلَى جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُطِلْ جَلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَزِدْ التَّشَهُّدَ عَلَيْهَا، وَفِي نُسْخَةٍ: وَإِنْ لَمْ يُطَوِّلْ جَلْسَةَ إلَخْ وَهِيَ أَوْضَحُ (قَوْلُهُ: لَا سِيَّمَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ) أَيْ سَوَاءٌ طَالَتْ أَوْ لَمْ تَطُلْ وَإِنْ قُلْنَا بِمَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ الْبُطْلَانِ بِتَطْوِيلِهَا.
(قَوْلُهُ: عَدَمُ الْبُطْلَانِ بِتَطْوِيلِهَا) أَيْ الْخَالِي عَنْ التَّشَهُّدِ (قَوْلُهُ: إنْ شَاءَهَا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الزِّيَادَةَ وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ قَعَدَ لَمْ يَجُزْ، وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ حَمْدَانَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ: وَإِنْ زَادَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ثُمَّ تَذَكَّرَ أَوْ عَلِمَ قَعَدَ حَتْمًا، وَإِنْ نَوَى الزِّيَادَةَ قَائِمًا؛ لِأَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَغْوٌ، وَهَلْ إذَا نَوَى الزِّيَادَةَ حَالَةَ قِيَامِهِ سَهْوًا، وَقَبْلَ قُعُودِهِ هَلْ يُكْتَفَى بِهَا أَوْ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهِ الزِّيَادَةِ بَعْدَ قُعُودِهِ حَرَّرَهُ.
وَمُقْتَضَى الشَّارِحِ
[حاشية الرشيدي]
شَرْحِ الرَّوْضِ لَا حَصْرَ لِأَعْدَادِهَا وَلَا لِرَكَعَاتِ الْوَاحِدَةِ مِنْهَا (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ مَعْهُودٌ) أَيْ التَّشَهُّدُ فِي أَكْثَرِ مِنْ رَكْعَةٍ (قَوْلُهُ: لَا سِيَّمَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ لَا سِيَّمَا إنْ قُلْنَا بِالْإِبْطَالِ بِهَا (قَوْلُهُ: لِمَا أَحْدَثَهُ) أَيْ مِنْ الزِّيَادَةِ أَوْ الِاقْتِصَارِ، وَعِبَارَةُ الْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ: لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا نَوَاهُ
إذْ تَعَمُّدُ قِيَامِهِ لِلثَّالِثَةِ مُبْطِلٌ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْهَا قَعَدَ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ ثُمَّ سَلَّمَ.
وَالثَّانِي لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقُعُودِ فِي إرَادَةِ الزِّيَادَةِ بَلْ يَمْضِي فِيهَا كَمَا لَوْ نَوَاهَا قَبْلَ الْقِيَامِ، أَمَّا النَّفَلُ غَيْرُ الْمُطْلَقِ كَالْوِتْرِ فَلَيْسَ لَهُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ فِيهِ عَمَّا نَوَاهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ بَعْدَ تَذَكُّرِهِ وَلَمْ يَصِرْ لِلْقِيَامِ أَقْرَبَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَعُودَ لِلْقُعُودِ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِحَرَكَتِهِ فَيَمْتَنِعُ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا، وَيُفَرَّقُ عَلَى هَذَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي سُجُودِ السَّهْوِ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِلْقِيَامِ أَقْرَبَ وَأَنْ لَا بِأَنَّ الْمَلْحَظَ ثُمَّ مَا يُبْطِلُ تَعَمُّدُهُ حَتَّى يَحْتَاجَ لِجَبْرِهِ، وَهُنَا عَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِحَرَكَتِهِ حَتَّى لَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا.
(قُلْت) (نَفْلُ اللَّيْلِ) أَيْ صَلَاةُ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ فِيهِ (أَفْضَلُ) مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ نَهَارًا، لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» وَحَمَلُوهُ عَلَى النَّفْلِ الْمُطْلَقِ كَمَا مَرَّ فِي غَيْرِهِ (وَأَوْسَطُهُ أَفْضَلُ) مِنْ طَرَفَيْهِ حَيْثُ قَسَّمَهُ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّ الْغَفْلَةَ فِيهِ أَكْثَرُ وَالْعِبَادَةَ فِيهِ أَثْقَلُ، وَأَفْضَلُ مِنْهُ السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ لِلْخَبَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُد، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ» (ثُمَّ آخِرُهُ) أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِهِ إنْ قَسَمَهُ نِصْفَيْنِ لِخَبَرِ «يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» وَمَعْنَى يَنْزِلُ رَبُّنَا: أَيْ أَمْرُهُ (وَ) الْأَفْضَلُ لِلْمُتَنَفِّلِ لَيْلًا وَنَهَارًا (أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ)
[حاشية الشبراملسي]
كحج أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ النِّيَّةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّيْخِ حَمْدَانَ أَنَّ مَكْتُوبَتَهُ يُعْتَدُّ بِهَا وَهُوَ الْقِيَاسُ (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لَهُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ) خِلَافًا لِمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْوِتْرِ مِنْ أَنَّهُ إذَا نَوَى عَدَدًا فَلَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَالنَّقْصُ مِنْهُ.
اهـ حَجّ بِالْمَعْنَى عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ السَّابِقِ: وَقِيلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَيَمْتَنِعُ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا) مُعْتَمَدٌ.
(قَوْلُهُ: وَيُفَرَّقُ عَلَى هَذَا إلَخْ) كَأَنَّ الْمُحْوِجَ إلَى هَذَا الْفَرْقِ أَنَّهُمْ حَيْثُ لَمْ يَأْمُرُوهُ بِالسُّجُودِ ثُمَّ عِنْدَ عَدَمِ قُرْبِهِ الْقِيَامِ أَلْحَقُوا الْحَرَكَةَ الْخَفِيفَةَ بِالْجُلُوسِ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُ، وَفِيمَا لَوْ قَامَ لِلزِّيَادَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ مَعَ قُرْبِهِ مِنْ الْجُلُوسِ، وَأَلْغَوْا تِلْكَ الْحَرَكَةَ أَلْحَقُوهَا بِالْقِيَامِ، هَذَا وَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّارِحِ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ إلَى الْقِيَامِ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ قَامَ لِخَامِسَةٍ سَهْوًا ثُمَّ تَذَكَّرَ وَعَادَ فَصَّلَ فِيهِ بَيْنَ كَوْنِهِ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ وَأَنْ لَا، لَكِنْ تَقَدَّمَ لَهُ أَنَّ هَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ، وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ لَا سُجُودَ مُطْلَقًا حَيْثُ عَادَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ فَلَعَلَّ مَا هُنَا فِيمَا لَوْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ سَهْوًا، وَتَذَكَّرَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ فَعَادَ: وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ.
فَرْعٌ: لَوْ نَوَى عَدَدًا فَجَلَسَ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ مِنْ قِيَامٍ سَهْوًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُكْمِلَهُ مِنْ جُلُوسٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ سُجُودُ السَّهْوِ.
انْتَهَى.
أَقُولُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا بِالْأَوْلَى أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِبَعْضِ الرَّكْعَةِ مِنْ قِيَامٍ ثُمَّ أَرَادَ فِعْلَ بَاقِيهَا مِنْ الْجُلُوسِ لَمْ يَمْتَنِعْ، وَلَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي هَوِيِّهِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ فِيهِ حَالَةُ الْهَوِيِّ أَكْمَلُ مِمَّا هُوَ صَائِرٌ إلَيْهِ مِنْ الْجُلُوسِ (قَوْلُهُ: حَتَّى لَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا) وَقَضِيَّةُ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بِذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: أَيْ صَلَاةُ النَّفْلِ) وَبِهَذَا التَّفْسِيرِ انْدَفَعَ مَا أَوْرَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ عَلَى الْمَتْنِ مِنْ اقْتِضَائِهِ أَنَّ رَاتِبَةَ الْعِشَاءِ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ مَثَلًا مَعَ أَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنْهَا (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ فِي غَيْرِهِ) وَرَوَى أَيْضًا أَنَّ كُلَّ لَيْلَةٍ فِيهَا سَاعَةُ إجَابَةٍ.
اهـ حَجّ.
(قَوْلُهُ: إنْ قَسَمَهُ نِصْفَيْنِ) وَكَذَا لَوْ قَسَمَهُ أَثْلَاثًا أَوْ أَرْبَاعًا عَلَى نِيَّةِ أَنَّهُ يَقُومُ ثُلُثًا وَاحِدًا أَوْ رُبُعًا وَاحِدًا وَيَنَامُ الْبَاقِيَ فَالْأَوْلَى أَنْ يَجْعَلَ مَا يَقُومُهُ آخِرًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَسَمَهُ أَجْزَاءً يَنَامُ جُزْءًا وَيَقُومُ جُزْءًا ثُمَّ يَنَامُ الْآخِرُ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْعَلَ مَا يَقُومُهُ وَسَطًا، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُومَ رُبُعًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُومَ الثَّالِثَ.
(قَوْلُهُ: يَنْزِلُ رَبُّنَا) قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي بِفَتْحِ الْيَاءِ: أَيْ أَمْرُهُ وَضَمِّهَا رِوَايَتَانِ، وَقَوْلُهُ وَضَمُّهَا: أَيْ مَلَائِكَتُهُ، وَنَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرٍ آخَرَ: أَيْ حَامِلُ أَمْرِ رَبِّنَا أَقُولُ: وَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِجَوَازِ أَنَّ الْمَعَانِيَ تُجَسَّمُ كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ) قَضِيَّةُ هَذَا أَنَّ مَحَلِّ هَذَا النُّزُولِ آخِرُ الثُّلُثَيْنِ الْأَوْلَيَيْنِ لَا نَفْسُ الثُّلُثِ الثَّالِثِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ النُّزُولَ فِي هَذَا الْوَقْتِ ثُمَّ يَسْتَمِرُّ.
اهـ عَمِيرَةُ.
(قَوْلُهُ: يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَخْ) عَمِيرَةُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِأَنْ يَنْوِيَهُمَا ابْتِدَاءً أَوْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهِمَا فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ؛ لِخَبَرِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الظُّهْرِ مَثَلًا مَثْنَى، أَمَّا التَّنَفُّلُ بِالْأَوْتَارِ فَغَيْرُ مُسْتَحَبٍّ.
(وَيُسَنُّ) (التَّهَجُّدُ) بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79] وَلِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ التَّنَفُّلُ لَيْلًا بَعْدَ نَوْمٍ.
وَيُسَنُّ لِلْمُتَهَجِّدِ نَوْمُ الْقَيْلُولَةِ وَهُوَ قُبَيْلَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ كَالسُّحُورِ لِلصَّائِمِ (وَيُكْرَهُ قِيَامُ) أَيْ سَهَرُ (كُلُّ اللَّيْلِ) وَلَوْ فِي عِبَادَةٍ (دَائِمًا) لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَلِضَرَرِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ حَتَّى أَنَّهُ يُكْرَهُ قِيَامٌ مُضِرٌّ وَلَوْ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، وَاحْتَرَزَ بِكُلِّ عَنْ قِيَامِ لَيَالٍ كَامِلَةٍ كَالْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَلَيْلَتَيْ الْعِيدِ فَيُسْتَحَبُّ إحْيَاؤُهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ صَوْمُ الدَّهْرِ بِقَيْدِهِ الْآتِي؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي فِي اللَّيْلِ مَا فَاتَهُ، وَهُنَا لَا يُمْكِنُهُ نَوْمُ النَّهَارِ لِتَعَطُّلِ ضَرُورِيَّاتِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ.
(وَ) يُكْرَهُ
[حاشية الشبراملسي]
وَجَلَّ يُمْهِلُ حَتَّى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي فَيَقُولُ هَلْ مِنْ دَاعٍ.
اهـ.
وَقَوْلُهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ: أَيْ عَلَى أَنَّ النُّزُولَ آخِرُ الثُّلُثَيْنِ الْأَوْلَيْنَ (قَوْلُهُ: أَوْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِمَا) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَلَا يَبْعُدُ مِنْ تَرَدُّدِ أَنَّ الْأَفْضَلَ الْإِتْيَانُ بِمَا نَوَاهُ.
اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: فَغَيْرُ مُسْتَحَبٍّ) أَيْ وَلَا مَكْرُوهٍ اهـ حَجّ وَلَوْ بِوَاحِدَةٍ كَمَا مَرَّ.
[حُكْمُ التَّهَجُّد]
(قَوْلُهُ: وَهُوَ التَّنَفُّلُ لَيْلًا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بِرَكْعَةٍ وَفِي سم عَلَى حَجّ ظَاهِرُهُ إخْرَاجُ فِعْلِ الْفَرَائِضِ بِأَنْ قَضَى فَوَائِتَ.
اهـ.
وَنَقَلَ عَنْ إفْتَاءِ الشَّارِحِ أَنَّ النَّفَلَ لَيْسَ بِقَيْدٍ.
قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: ذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّ الْمُتَهَجِّدَ يَشْفَعُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ اسْتَنْبَطَهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79] الْآيَةَ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَسْمَاءِ بِنْتِ يَزِيدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ تَعَالَى يَحْشُرُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنَادِي مُنَادٍ أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ تَتَجَافَى جَنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ثُمَّ يُؤْمَرُ بِالنَّاسِ إلَى الْحِسَابِ» .
وَرُئِيَ الْجُنَيْدُ فِي النَّوْمِ فَقِيلَ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك؟ قَالَ: طَاحَتْ تِلْكَ الْإِشَارَاتُ وَغَابَتْ تِلْكَ الْعِبَارَاتُ وَفَنِيَتْ تِلْكَ الْعُلُومُ وَنَفِدَتْ تِلْكَ الرُّسُومُ وَمَا نَفَعَنَا إلَّا رَكَعَاتٌ كُنَّا نَرْكَعُهَا عِنْدَ السَّحَرِ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُهُ اسْتَنْبَطَهُ لَعَلَّهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79] فَإِنَّ كَوْنَهُ كَذَلِكَ يَقْتَضِي الشَّفَاعَةَ.
[فَائِدَةٌ] قَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ: مِنْ خَصَائِصِنَا الْجَمَاعَةُ وَالْجُمُعَةُ وَصَلَاةُ اللَّيْلِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْوِتْرِ اهـ مُنَاوِيٌّ عِنْدَ قَوْلِهِ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ» إلَخْ (قَوْلُهُ: بَعْدَ نَوْمٍ) أَيْ وَبَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى مَنْهَجٍ مَا نَصُّهُ: فَرْعٌ: يَدْخُلُ وَقْتُ التَّهَجُّدِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَفِعْلِهَا، وَلَا يَكْفِي دُخُولُ وَقْتِ الْعِشَاءِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهَا خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نَوْمٍ فَهُوَ كَالْوِتْرِ فِي تَوَقُّفِهِ عَلَى فِعْلِ الْعِشَاءِ وَلَوْ جَمْعَ تَقْدِيمٍ مَعَ الْمَغْرِبِ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ بِاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ بَعْدَ نَوْمٍ م ر.
وَمُقْتَضَى قَوْلِ شَيْخِنَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَهُوَ: أَيْ التَّهَجُّدُ الصَّلَاةُ بَعْدَ النَّوْمِ وَلَوْ فِي وَقْتٍ لَا يَكُونُ النَّاسُ فِيهِ نِيَامًا.
اهـ. أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِدُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ فَلْيُرَاجِعْ.
وَعِبَارَتُهُ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ: وَهَلْ يَكْفِي النَّوْمُ عَقِبَ الْغُرُوبِ يَسِيرًا أَوْ إلَى دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ يُسْتَبْعَدُ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ.
اهـ. أَيْ فَلَا بُدَّ فِي كَوْنِ النَّوْمِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَلَوْ قَبْلَ فِعْلِهَا.
اهـ.
وَيُوَافِقُ هَذَا مَا نَقَلَ عَنْ حَاشِيَةِ الشِّهَابِ الرَّمْلِيُّ عَلَى الرَّوْضِ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ: أَيْ النَّوْمُ وَقْتَ نَوْمٍ (قَوْلُهُ: وَهُوَ قُبَيْلُ الزَّوَالِ) قَالَ شَيْخُنَا: إنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ مَا تَرَكَ نَوْمَ الْقَيْلُولَةِ لَا صَيْفًا وَلَا شِتَاءً.
وَيَنْبَغِي أَنَّ قَدْرَهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ عَادَةِ النَّاسِ فِيمَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى التَّهَجُّدِ (قَوْلُهُ: كُلُّ اللَّيْلِ) يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: حَتَّى إنَّهُ يُكْرَهُ قِيَامٌ مُضِرٌّ إلَخْ) لَا مَوْقِعَ لِهَذِهِ الْغَايَةِ هُنَا، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ فِيهَا حَتَّى إنَّهُ يُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ.
(تَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ) أَيْ صَلَاةٍ لِخَبَرِ «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنَ اللَّيَالِيِ» وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ عَدَمَ كَرَاهَةِ إحْيَائِهَا مَضْمُومَةً لِمَا قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا وَهُوَ نَظِيرُ مَا ذَكَرُوهُ فِي صَوْمِهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَتَخْصِيصُهُمْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِذَلِكَ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ كَرَاهَةِ تَخْصِيصِ غَيْرِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِيهِ وَقْفَةٌ.
أَمَّا إحْيَاؤُهَا بِغَيْرِ صَلَاةٍ فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا سِيَّمَا بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ فِيهَا.
(وَ) يُكْرَهُ (تَرْكُ تَهَجُّدٍ اعْتَادَهُ) مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِخَبَرِ «يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ ثُمَّ تَرَكَهُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَيُسَنُّ أَنْ لَا يُخِلَّ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَإِنْ قَلَّتْ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَأَنْ يُكْثِرَ فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَنِصْفُهُ الْأَخِيرُ آكَدُ وَأَفْضَلُهُ عِنْدَ السَّحَرِ، وَأَنْ يُوقِظَ مِنْ يَطْمَعُ فِي تَهَجُّدِهِ حَيْثُ لَا ضَرَرَ وَيُسَنُّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنْ يَنْوِيَ الشَّخْصُ الْقِيَامَ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَنْ يَمْسَحَ الْمُتَيَقِّظُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَأَنْ يَنْظُرَ إلَى السَّمَاءِ وَأَنْ يَقْرَأَ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190] إلَى آخِرِهَا.
وَأَنْ يَفْتَتِحَ تَهَجُّدَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، وَإِطَالَةُ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مِنْ تَكْثِيرِ الرَّكَعَاتِ، وَأَنْ يَنَامَ مَنْ نَعَسَ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى يَذْهَبَ نَوْمُهُ وَلَا يَعْتَادُ مِنْهُ إلَّا مَا يَظُنُّ إدَامَتَهُ عَلَيْهِ، وَيَتَأَكَّدُ إكْثَارُ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَنِصْفُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ آكَدُ، وَعِنْدَ السَّحَرِ أَفْضَلُ.
[حاشية الشبراملسي]
كَأَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لِحِرَاسَةِ زَرْعِهِ أَوْ مَاشِيَتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: لِخَبَرِ لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ) : قِيلَ: وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ يَوْمِهَا، لَكِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةُ تَقْتَضِي أَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالْقِيَامِ بَلْ تَجْرِي فِي إحْيَائِهَا بِغَيْرِهِ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ فِي الْقِيَامِ بِأَعْمَالٍ لِجَمِيعِ الْبَدَنِ عَلَى وَجْهٍ شَاقٍّ عَادَةً بِخِلَافِ غَيْرِهِ حَمْدَانُ (قَوْلُهُ: فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ) اُنْظُرْ مَا حِكْمَةُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ.
(قَوْلُهُ: لِخَبَرِ يَا عَبْدَ اللَّهِ) الْخِطَابُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَقَوْلُهُ مِثْلَ فُلَانٍ أَرَادَ بِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ أَنْ لَا يُخِلَّ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ) أَيْ أَنْ لَا يَتْرُكَهَا (قَوْلُهُ: أَنْ يَنْوِيَ الشَّخْصُ الْقِيَامَ) أَيْ لِلتَّهَجُّدِ (قَوْلُهُ: عِنْدَ النَّوْمِ) أَيْ حَيْثُ جَوَّزَهُ، فَإِنْ قَطَعَ بِعَدَمِ قِيَامِهِ عَادَةً فَلَا مَعْنَى لِنِيَّتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَأَنْ يَنْظُرَ إلَى السَّمَاءِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ أَعْمَى وَتَحْتَ سَقْفٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ إنْ صَحَّ أَنَّ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ مِنْ الْأَعْمَى وَنَحْوِهِ تَذَكُّرًا لِعَجَائِبِ السَّمَاءِ وَمَا فِيهَا فَيُدْفَعُ بِذَلِكَ الشَّيْطَانُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَقْرَأَ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190] إلَخْ) أَيْ الْوَاقِعَةَ فِي آلِ عِمْرَانَ.
وَانْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِالْآخِرِ هَلْ هُوَ السُّورَةُ أَوْ الْآيَةُ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي، ثُمَّ رَأَيْت فِي التِّبْيَانِ لِلنَّوَوِيِّ وَمِثْلَهُ فِي الْأَذْكَارِ لِلنَّوَوِيِّ وَعِبَارَتُهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ النَّوْمِ كُلَّ لَيْلَةٍ آخِرَ آلِ عِمْرَانَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190] إلَى آخِرِهَا، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ خَوَاتِيمَ آلِ عِمْرَانَ إذَا اسْتَيْقَظَ» . (قَوْلُهُ: وَإِطَالَةُ الْقِيَامِ فِيهَا) أَيْ صَلَاةِ اللَّيْلِ (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَنَامَ مَنْ نَعَسَ فِي صَلَاتِهِ) وَمِثْلُ الصَّلَاةِ غَيْرُهَا مِنْ الطَّاعَاتِ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ، وَقَوْلُهُ نَعَسَ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: بَابُهُ قَتَلَ وَالِاسْمُ النُّعَاسُ.
[حاشية الرشيدي]
وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَمِنْ ثَمَّ كُرِهَ قِيَامٌ مُضِرٌّ وَلَوْ بَعْضَ اللَّيْلِ (قَوْلُهُ: عَدَمُ كَرَاهَةِ إحْيَائِهَا) أَيْ بِالصَّلَاةِ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي.
(كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) وَأَحْكَامِهَا.
وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: 102] الْآيَةَ.
أَمَرَ بِهَا فِي الْخَوْفِ، فَفِي الْأَمْنِ أَوْلَى وَلِلْأَخْبَارِ الْآتِيَةِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَيْهَا.
وَأَقَلُّهَا إمَامٌ وَمَأْمُومٌ لِخَبَرِ «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» (هِيَ) أَيْ الْجَمَاعَةُ (فِي الْفَرَائِضِ) أَيْ الْمَكْتُوبَاتِ (غَيْرَ) بِالنَّصْبِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ بِمَعْنَى إلَّا أُعْرِبَتْ إعْرَابَ الْمُسْتَثْنَى وَأُضِيفَتْ إلَيْهِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي فَنِّ النَّحْوِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْجَرُّ؛ لِأَنَّهَا لَا تُعَرَّفُ بِالْإِضَافَةِ إلَّا إنْ وَقَعَتْ بَيْنَ ضِدَّيْنِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ اللَّامَ لِلْجِنْسِ فَلَا يَضُرُّ الْوَصْفُ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ بِهَا فِي الْمَعْنَى كَالنَّكِرَةِ، وَيَجُوزُ نَصْبُهَا عَلَى الْحَالِ (الْجُمُعَةُ) لِمَا يَأْتِي أَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ فِيهَا، وَشَرْطٌ لِصِحَّتِهَا بِالِاتِّفَاقِ (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) لِخَبَرِ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ» أَيْ
[حاشية الشبراملسي]
[كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَأَحْكَامِهَا]
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ: كِتَابُ) كَأَنَّ حِكْمَةَ التَّرْجَمَةِ بِهِ دُونَ جَمِيعِ مَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إلَى الْجَنَائِزِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَتْ فِعْلًا حَتَّى تَكُونَ مِنْ جِنْسِهَا فَكَانَتْ كَالْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ فَأَفْرَدَهَا بِكِتَابٍ، وَلَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا صِفَةٌ تَابِعَةٌ لِلصَّلَاةِ فَوَسَّطَهَا بَيْنَ أَبْوَابِهَا، وَلَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ مُغَايِرَةً لِمُطْلَقِ الصَّلَاةِ مُغَايِرَةً ظَاهِرَةً أَفْرَدَهَا بِكِتَابٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْ جَمِيعِ أَبْوَابِ الصَّلَاةِ نَظَرًا لِتِلْكَ الْمُغَايَرَةِ.
اهـ حَجّ.
[فَائِدَةٌ] قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ عَنْ سُلَيْمَانَ الدَّارَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَفُوتُ أَحَدًا صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ إلَّا بِذَنْبٍ أَذَنْبَهُ.
قَالَ: وَكَانَ السَّلَفُ يُعَزُّونَ أَنْفُسَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إذَا فَاتَتْهُمْ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى، وَسَبْعَةً إذَا فَاتَتْهُمْ الْجَمَاعَةُ (قَوْلُهُ: وَأَقَلُّهَا إمَامٌ وَمَأْمُومٌ) هَذَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: لَا تَقُومُ فِيهِمْ الْجَمَاعَةُ وَلَوْ أَقَامَهَا إمَامٌ وَمَأْمُومٌ وَاحِدٌ فَقَطْ وَلَمْ يَنْوِ الْإِمَامُ الْإِمَامَةَ هَلْ يَجُوزُ؟ لِلْأَذْرَعِيِّ فِيهِ احْتِمَالٌ، وَلَعَلَّ الْوَجْهَ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ حُصُولُ الْجَمَاعَةِ وَقَدْ حَصَلَتْ بِوَاسِطَةِ نِيَّةِ الْمَأْمُومِ الِاقْتِدَاءَ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ حِينَئِذٍ جَمَاعَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامُ الْإِمَامَةَ فَقَدْ حَصَلَتْ الْجَمَاعَةُ بِذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُ سم فِيهِ احْتِمَالٌ: أَيْ بِعَدَمِ الْجَوَازِ (قَوْلُهُ: إلَّا إنْ وَقَعَتْ بَيْنَ ضِدَّيْنِ) وَمَثَلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ الْحَرَكَةُ غَيْرَ السُّكُونِ (قَوْلُهُ: إنَّ اللَّامَ لِلْجِنْسِ) أَيْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ فَلَا يُنَافِي مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهَا لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ نَصْبُهَا عَلَى الْحَالِ) يُتَأَمَّلُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَقَوْلِهِ أُعْرِبَتْ إعْرَابَ الْمُسْتَثْنَى فَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْضًا، وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ إنَّ غَيْرَ تُعْرِبُ إعْرَابَ الْمُسْتَثْنَى أَنَّهَا تُنْصَبُ إذَا كَانَتْ بَعْدَ كَلَامٍ تَامٍّ مُوجَبٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَقَدْ يُقَالُ: لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ هَذَا مُقَابِلٌ لِكَوْنِهَا أُعْرِبَتْ إعْرَابَ الْمُسْتَثْنَى، بَلْ مُرَادُهُ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَتْ اللَّامُ فِي الْفَرَائِضِ لِلْجِنْسِ جَازَ فِي غَيْرِ أَنْ تَكُونَ صِفَةً وَأَنْ تَكُونَ حَالًا؛ لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ فَاللَّامُ الْجِنْسِ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ النَّكِرَاتِ وَالْمَعَارِفِ، لَكِنْ قَالَ عَمِيرَةُ: أَعْرَبَهُ الْإِسْنَوِيُّ حَالًا.
وَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ أَقْعَدُ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ وَأَمَّا جَعْلُهَا صِفَةً فَمُمْتَنِعٌ لِعَدَمِ كَوْنِهَا مَعْرِفَةً اهـ.
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحَالِيَّةَ إعْرَابُهَا غَيْرُ إعْرَابِ الْمُسْتَثْنَى فَلْيُتَأَمَّلْ
[حاشية الرشيدي]
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ) أَيْ كَاَلَّذِي بَعْدَهُ إلَى قَوْلِهِ فَنِّ النَّحْوِ، إلَّا أَنَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ عِلْمِ النَّحْوِ وَإِنْ أَوْهَمَ صَنِيعُهُ خِلَافَهُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّ اللَّامَ لِلْجِنْسِ) أَيْ خِلَافُ مَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ أَنَّهَا لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ إلَّا أَنَّ جَعْلَهَا لِلْجِنْسِ
بِالْمُعْجَمَةِ «بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» فِي رِوَايَةٍ «بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» وَلَا مُنَافَاةَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ لَا يَنْفِي الْكَثِيرَ، أَوْ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِالْقَلِيلِ ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِزِيَادَةِ الْفَضْلِ فَأَخْبَرَ بِهَا، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُصَلِّينَ، أَوْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ بِحَسَبِ قُرْبِ الْمَسْجِدِ وَبُعْدِهِ، أَوْ أَنَّ الْأُولَى فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ وَالثَّانِيَةَ فِي السَّرِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَنْقُصُ عَنْ الْجَهْرِيَّةِ بِسَمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ وَالتَّأْمِينِ لِتَأْمِينِهِ.
وَمَكَثَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُدَّةَ مُقَامِهِ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُصَلِّي بِغَيْرِ جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا مَقْهُورِينَ يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ، فَلَمَّا هَاجَرُوا إلَى الْمَدِينَةِ أَقَامَ الْجَمَاعَةَ وَوَاظَبَ عَلَيْهَا، وَحِكْمَةُ كَوْنِهَا بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ كَمَا أَفَادَهُ السَّرَّاجُ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ الْجَمَاعَةَ ثَلَاثَةٌ وَالْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَقَدْ حَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَشْرَةٌ فَالْجُمْلَةُ ثَلَاثُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ رَأْسُ مَالِهِ وَاحِدٌ يَبْقَى تِسْعَةٌ تُضْرَبُ فِي ثَلَاثَةٍ بِسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَرَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا يُعْطِي كُلَّ إنْسَانٍ مَا لِلْجَمَاعَةِ فَصَارَ لِكُلٍّ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَحِكْمَةُ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمَاعَةِ اثْنَانِ كَمَا قَالَهُ أَنَّ رَبَّنَا جَلَّ وَعَلَا يُعْطِيهِمَا بِمَنِّهِ وَكَرْمِهِ مَا يُعْطِي الثَّلَاثَةَ، وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ غَايَةَ الْإِيضَاحَ مَعَ زِيَادَةِ حِكَمٍ لِذَلِكَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي الْأَمَالِي وَأَفْرَدَهُ فِي جُزْءٍ سَمَّاهُ [مَعْرِفَةُ الْخِصَالِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى الظِّلَالِ] وَأَلْ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: «بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّرَجَةِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَفِي بَعْضِهَا التَّعْبِيرُ بِالضَّعْفِ وَهُوَ مُشْعِرٌ بِذَلِكَ.
اهـ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً) وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْخَمْسَ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ إنَّمَا فُرِضَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ (قَوْلُهُ: يُصَلِّي بِغَيْرِ جَمَاعَةٍ) لَعَلَّ الْمُرَادَ: أَيْ مِنْ غَيْرِ مُوَاظَبَةٍ عَلَى الْجَمَاعَةِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ، فَيَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي جَمَاعَةً فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ صَلَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ جَمَاعَةً، وَقَوْلُ الْمَحَلِّيِّ: وَوَاظَبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ لَكِنَّهُ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهَا، وَفِي كَلَامِ الشَّامِيِّ فِي مَرَاتِبِ الْوَحْيِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِخَدِيجَةَ وَعَلِيٍّ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَهُوَ بِمَكَّةَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ» . اهـ.
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ صَلَّى جَمَاعَةً قَبْلَ الْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِينَةِ (قَوْلُهُ: إنَّ الْجَمَاعَةَ ثَلَاثَةٌ) أَيْ أَقَلُّهَا لُغَةً ثَلَاثَةٌ (قَوْلُهُ: إنَّ أَقَلَّ الْجَمَاعَةِ اثْنَانِ) أَيْ الَّتِي لَهَا ذَلِكَ الثَّوَابُ وَإِلَّا فَكَانَ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ السَّابِقَةِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ الِاثْنَيْنِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ.
[فَرْعٌ] وَقَفَ شَافِعِيٌّ بَيْنَ حَنَفِيَّيْنِ وَاقْتَدَى بِشَافِعِيٍّ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ وَالصَّفُّ فِيمَا يَظْهَرُ وَإِنْ تَحَقَّقَ مِنْ الْحَنَفِيِّ عَدَمُ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ.
لَا يُقَالُ: حَيْثُ عَلِمَ تَرْكَ الْحَنَفِيِّ الْقِرَاءَةَ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةً عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَيَصِيرُ فِي اعْتِقَادِهِمْ مُنْفَرِدًا.
لِأَنَّا نَقُولُ: صَرَّحُوا بِأَنَّ فِعْلَ الْمُخَالِفِ لِكَوْنِهِ نَاشِئًا عَنْ اعْتِقَادٍ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ السَّهْوِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ اقْتَدَى شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيٍّ فَسَجَدَ لِتِلَاوَةِ سَجْدَةِ صَ ~ لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الشَّافِعِيِّ بِفِعْلِ الْحَنَفِيِّ، وَلَا تَبْطُلُ قُدْوَتُهُ بِهِ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ فَعَلَ مَا يَبْطُلُ عَمْدَهُ سَهْوًا فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَوْ بَانَ إمَامُهُ مُحْدِثًا لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَحَصَلَتْ لَهُ الْجَمَاعَةُ لِوُجُودِ صُورَتِهَا حَتَّى فِي الْجُمُعَةِ حَيْثُ كَانَ الْإِمَامُ زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ.
لَا يُقَالُ: يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَسَجْدَةِ صَ ~ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ يَرَى سُجُودَ
[حاشية الرشيدي]
يَلْزَمُهُ فَسَادٌ لَا يَخْفَى مَعَ أَنَّهُ يُنَافِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ إذْ هُوَ آيَةُ الْعُمُومِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَلِيلَ لَا يَنْفِي الْكَثِيرَ) مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ لَا مَفْهُومَ لَهُ وَهِيَ طَرِيقَةٌ مَرْجُوحَةٌ (قَوْلُهُ: يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ) صَرِيحُ هَذَا أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ يُصَلِّيهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ فَرْضِ الْخَمْسِ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْجَمَاعَةَ ثَلَاثَةٌ) أَيْ بِالنَّظَرِ لِأَصْلِ اللُّغَةِ، لَكِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَتِهِمْ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَحِكْمَةُ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمَاعَةِ اثْنَانِ) هَذَا مِنْ تَمَامِ الْجُمْلَةِ قَبْلَهُ، وَلَيْسَ حِكْمَةً مُسْتَقِلَّةً فَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا قَبْلَهُ إذْ هَذَا إنَّمَا يَأْتِي عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمَاعَةِ ثَلَاثَةٌ، وَهُوَ مَعْنًى لُغَوِيٌّ، وَالْجَمَاعَةُ
فِي الْفَرَائِضِ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ أَوَّلُ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَاتِ خَمْسٌ فَهُوَ مُسَاوٍ لِقَوْلِ أَصْلِهِ فِي الْخَمْسِ وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ.
وَخَرَجَتْ الْمَنْذُورَةُ الَّتِي لَا تُشْرَعُ فِيهَا جَمَاعَةً فَلَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهَا لِاخْتِصَاصِهَا بِأَنَّهَا شِعَارُ الْمَكْتُوبَةِ كَالْأَذَانِ، وَفِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ أَنَّ مَنْ صَلَّى فِي عَشَرَةِ آلَافٍ لَهُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ، وَمَنْ صَلَّى مَعَ اثْنَيْنِ لَهُ ذَلِكَ لَكِنْ دَرَجَاتُ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ (وَقِيلَ) هِيَ (فَرْضُ كِفَايَةٍ لِلرِّجَالِ) الْبَالِغِينَ الْعُقَلَاءِ الْأَحْرَارِ الْمَسْتُورِينَ الْمُقِيمِينَ فِي الْمُؤَدَّاةِ فَقَطْ لِخَبَرِ «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمْ الْجَمَاعَةُ إلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ» أَيْ غَلَبَ، فَعَلَيْك بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنْ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةَ، وَخَرَجَ بِالرِّجَالِ غَيْرُهُمْ وَسَيَأْتِي، وَبِالْبَالِغِينَ: الصِّبْيَانُ، وَبِالْعُقَلَاءِ: أَضْدَادُهُمْ فَلَا تَصِحُّ مِنْهُمْ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ، وَبِالْأَحْرَارِ: مَنْ فِيهِ رِقٌّ وَلَوْ مُبَعَّضًا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ، وَالتَّوْبَةُ لَهُ سَوَاءٌ انْفَرَدَ الْأَرِقَّاءُ بِبَلَدٍ أَمْ لَا خِلَافًا لِمَنْ رَجَّحَ خِلَافَ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْأُجَرَاءِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِالْمَسْتُورِينَ: الْعُرَاةُ فَلَا تَكُونُ فَرْضًا عَلَيْهِمْ بَلْ هِيَ وَالِانْفِرَادُ فِي حَقِّهِمْ سَوَاءٌ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا عُمْيًا أَوْ فِي ظُلْمَةٍ فَتُسْتَحَبُّ لَهُمْ، وَبِالْمُقِيمِينَ: الْمُسَافِرُونَ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ
[حاشية الشبراملسي]
التِّلَاوَةِ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: وَيَرَى سُقُوطَ الْفَاتِحَةِ عَنْ الْمَأْمُومِ فِي الْجُمْلَةِ أَيْضًا كَأَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا.
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَتْ الْمَنْذُورَةُ) أَيْ بِقَوْلِهِ: أَيْ الْمَكْتُوبَاتُ (قَوْلُهُ: الَّتِي لَا تُشْرَعُ فِيهَا جَمَاعَةٌ) أَيْ قَبْلَ النَّذْرِ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ مَثَلًا بِخِلَافِ غَيْرِهَا كَالْعِيدِ فَتُشْرَعُ فِيهَا لَا مِنْ حَيْثُ النَّذْرُ (قَوْلُهُ: فَلَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهَا) أَيْ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَهَا جَمَاعَةً فَلَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِيهَا لَيْسَتْ قُرْبَةً، بِخِلَافِ مَا شُرِعَتْ فِيهَا الْجَمَاعَةُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَهَا جَمَاعَةً فَيَنْعَقِدُ نَذْرُهُ وَلَوْ صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا صَحَّتْ، لَكِنْ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا جَمَاعَةً لِلنَّذْرِ وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا أَوْ لَا؟ قَالَ سم: فِيهِ نَظَرٌ، وَفِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ فِي بَابِ النَّذْرِ حِكَايَةُ خِلَافٍ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَالْمُعْتَمَدُ مِنْهُ الْوُجُوبُ فَلْيُرَاجَعْ وَلْيُحَرَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ صَلَّى مَعَ اثْنَيْنِ) أَيْ أَوْ مَعَ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ) لَفْظَةُ مِنْ زَائِدَةٌ: أَيْ مَا ثَلَاثَةٌ فِي قَرْيَةٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ) عِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ: أَوْ بَدْوٍ، وَفِي الْمَحَلِّيِّ أَيْضًا بَدَلُ الْجَمَاعَةِ الصَّلَاةُ فَلْيُرَاجَعْ، وَلَعَلَّ فِي الْحَدِيثِ رِوَايَاتٌ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَفِي رِوَايَةِ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: مِنْ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةِ) أَيْ الْبَعِيدَةِ.
وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ يُقَالُ أَمَرَ بِالْجَمَاعَةِ حَالَ الْخَوْفِ، فَقِيَاسٌ عَلَيْهِ حَالُ الْأَمْنِ بِالْأَوْلَى.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: وَقَدْ يُقَالُ لَا دَلَالَةَ لِمَا ذَكَرَ عَلَى خُصُوصِ الْوُجُوبِ، وَمِنْ ثَمَّ جَعَلَهُ الشَّارِحُ فِي التَّرْجَمَةِ دَلِيلًا عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ الصَّادِقَةِ بِالْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فَيَتَمَسَّكُ بِهِ حَتَّى يُوجَدَ صَارِفٌ (قَوْلُهُ: وَبِالْبَالِغِينَ الصِّبْيَانِ) أَيْ فَلَوْ فَعَلَهَا الصِّبْيَانُ أَوْ الْخَنَاثَى ثُمَّ تَبَيَّنَ بُلُوغُ الصِّبْيَانِ وَاتِّضَاحُ الْخَنَاثَى بِالذُّكُورَةِ فَهَلْ يَسْقُطُ الطَّلَبُ عَنْ الْبَالِغِينَ بِذَلِكَ أَوْ لَا لِتَقْصِيرِهِمْ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بَعْدَ الْفِعْلِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الطَّلَبِ فَسَقَطَ الْوَاجِبُ بِفِعْلِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ السُّقُوطِ لِنِسْبَةِ الْقَوْمِ إلَى التَّقْصِيرِ حَيْثُ لَمْ يَفْعَلُوهَا، وَفِي سم عَلَى الْعُبَابِ: لَوْ اتَّكَلُوا عَلَى فِعْلِ نَحْوِ الْخَنَاثَى ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ بِفِعْلِهِمْ يَسْقُطُ الطَّلَبُ عَنْهُمْ هَلْ يُقَاتَلُوا مَعَ هَذَا الظَّنِّ أَمْ لَا.
اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقَاتَلُوا لِلشُّبْهَةِ الظَّاهِرَةِ مِنْهُمْ فِي تَرْكِ ذَلِكَ سَوَاءٌ عُذِرُوا فِي هَذَا الظَّنِّ أَمْ لَا حَيْثُ حَصَلَ بِهِمْ الشِّعَارُ؛ وَلِأَنَّ الْقِتَالَ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ (قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْأُجَرَاءِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ) عِبَارَتُهُ ثُمَّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْإِجَارَةِ.
نَعَمْ تَبْطُلُ بِاسْتِثْنَائِهَا مِنْ إجَارَةِ أَيَّامٍ مُعَيَّنَةٍ كَمَا فِي قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ لِلْجَهْلِ بِمِقْدَارِ الْوَقْتِ الْمُسْتَثْنَى مَعَ إخْرَاجِهِ عَنْ مُسَمَّى اللَّفْظِ، وَإِنْ وَافَقَ الِاسْتِثْنَاءَ الشَّرْعِيَّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اهـ (قَوْلُهُ: وَبِالْمُقِيمِينَ الْمُسَافِرُونَ) أَيْ وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَايَةٍ
[حاشية الرشيدي]
فِي الشَّرْعِ اثْنَانِ (قَوْلُهُ: وَبِالْعُقَلَاءِ أَضْدَادُهُمْ) إنَّمَا عَبَّرَ بِهِ لِيَشْمَلَ نَحْوَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ
الْإِمَامِ وَأَقَرَّهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ ظَاهِرِ النَّصِّ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِهَا مَحْمُولٌ عَلَى نَحْوِ عَاصٍ بِسَفَرِهِ، وَبِالْمُؤَدَّاةِ الْمَقْضِيَّةُ فَلَا تَكُونُ فَرْضًا فِيهَا بَلْ هِيَ سُنَّةٌ إنْ كَانَتْ مِنْ نَوْعِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهَا لَمْ تُسَنَّ أَيْضًا، وَمَتَى كَانَتْ فَرْضَ كِفَايَةٍ (فَتَجِبُ) إقَامَتُهَا (بِحَيْثُ يَظْهَرُ) بِهَا (الشِّعَارُ) أَيْ شِعَارُ الْجَمَاعَةِ فِي تِلْكَ الْمَحَلَّةِ بِإِقَامَتِهَا فِي كُلِّ مُؤَدَّاةٍ مِنْ الْخَمْسِ بِجَمَاعَةٍ ذُكُورٍ أَحْرَارٍ بَالِغِينَ فِيمَا يَظْهَرُ كَرَدِّ السَّلَامِ، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَإِنَّ مَقْصُودَهَا الدُّعَاءُ وَهُوَ مِنْ الصَّغِيرِ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً اُشْتُرِطَ تَعَدُّدُهَا فِيهَا بَادِيَةً أَوْ غَيْرَهَا، وَلَا يَكْفِي فِعْلُهَا فِي نَحْوِ مَحَلٍّ وَلَا فِي الْبُيُوتِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ فِي الْأَسْوَاقِ؛ لِأَنَّ الشِّعَارَ لَا يَحْصُل بِذَلِكَ، وَمُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ بِهَا الشِّعَارُ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، كَأَنْ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا بِحَيْثُ لَا يَحْتَشِمُ كَبِيرٌ وَلَا صَغِيرٌ مِنْ دُخُولِهَا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْأَوْجَهُ الِاكْتِفَاءَ بِإِقَامَتِهَا فِي الْأَسْوَاقِ إنْ كَانَتْ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ لِأَكْثَرِ النَّاسِ مُرُوءَاتٍ تَأْبَى دُخُولُ بُيُوتِ النَّاسِ وَالْأَسْوَاقِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ إقَامَتُهَا بِجُمْهُورِهِمْ بَلْ تَسْقُطُ بِطَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ ظَهَرَ الشِّعَارُ بِهِمْ، وَقَدْ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي طَائِفَةِ مُسَافِرِينَ أَقَامُوا الْجَمَاعَةَ فِي بَلْدَةٍ
[حاشية الشبراملسي]
مِنْ الرَّاحَةِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ سَفَرَ نُزْهَةٍ، وَسَيَأْتِي عَنْ الزِّيَادِيِّ فِي الْأَعْذَارِ أَنَّ بَعْضَهُمْ تَوَقَّفَ فِي جَوَازِ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ فِي السَّفَرِ عِنْد ارْتِحَالِ الرُّفْقَةِ.
قَالَ: وَالتَّوَقُّفُ ظَاهِرٌ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِي الْقَصْرِ لَوْ كَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى السَّفَرِ لِلنُّزْهَةِ فَقَطْ فَلَا تُرَخَّصُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ (قَوْلُهُ: الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِهَا) أَيْ عَلَى الْمُسَافِرِينَ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ مِنْ نَوْعِهَا) أَيْ بِأَنْ اتَّفَقَا فِي عَيْنِ الْمَقْضِيَّةِ كَظُهْرَيْنِ أَوْ عَصْرَيْنِ، وَلَوْ مِنْ يَوْمَيْنِ، بِخِلَافِ ظُهْرٍ وَعَصْرٍ وَإِنْ اتَّفَقَا فِي كَوْنِهِمَا رُبَاعِيَّتَيْنِ، وَعِبَارَةُ ابْنُ حَجَرٍ وَلِمُصَلِّينَ مَقْضِيَّةٌ اتَّحَدَتْ (قَوْلُهُ: لَمْ تُسَنَّ أَيْضًا) أَيْ وَتَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ يَظْهَرُ بِهَا الشَّعَارُ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَكَسْرِهَا لُغَةً الْعَلَامَةُ حَجّ، وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ جَمْعُ شَعِيرَةٍ، وَهِيَ الْعَلَامَةُ.
اهـ.
وَمَا قَالَهُ حَجّ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْمِصْبَاحِ حَيْثُ قَالَ: وَالشَّعَارُ أَيْضًا عَلَامَةُ الْقَوْمِ فِي الْحَرْبِ، وَهُوَ مَا يُنَادُونَ بِهِ لِيَعْرِفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَالْعِيدُ شِعَارٌ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَالشَّعَائِرُ أَعْلَامُ الْحَجِّ وَأَفْعَالُهُ.
الْوَاحِدَةُ شَعِيرَةٌ أَوْ شِعَارَةٌ بِالْكَسْرِ.
اهـ.
فَلَعَلَّ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ مِنْ أَنَّ الْعَلَامَةَ الشَّعِيرَةُ قَوْلٌ فِي اللُّغَةِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: ذُكُورٍ أَحْرَارٍ) بَالِغِينَ وَمُقِيمِينَ أَخْذٌ مِمَّا يَأْتِي، وَهَذَا السِّيَاقُ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْآدَمِيِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ يُوصَفُونَ بِالْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَاَلَّذِينَ يَحْكُمُ لَهُمْ مِنَّا بِالْبُلُوغِ وَالصِّبَا فَيَخْرُجُ بِهِ الْجِنُّ فَلَا يَكْفِي إقَامَتُهَا بِهِمْ فِي بَلَدٍ وَإِنْ ظَهَرَ بِهِمْ الشَّعَارُ.
وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْجَمَاعَةِ حَثُّ أَهْلِ الْبَلَدِ عَلَى التَّعَارُفِ بِإِقَامَتِهَا، وَبِحَثِّ بَعْضِهِمْ عَنْ أَحْوَالِ بَعْضٍ بِالِاجْتِمَاعِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَتَسْهِيلُ الْجَمَاعَةِ عَلَى طَالِبِيهَا.
وَمَنْ عَرَفَ أَنَّ الْمُقِيمِينَ مِنْ الْجِنِّ يَنْفِرُ مِنْهُمْ وَلَا يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ، سِيَّمَا مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ كَمَالُ عَقْلٍ، وَقَدْ يُؤَيِّدُ هَذَا عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ بِإِقَامَةِ الْمُسَافِرِينَ مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ أَمْثَالِ أَهْلِ مَحَلَّتِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَاحْفَظْهُ وَارْفُضْ مَا عَدَاهُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إلَخْ) أَيْ وَبِخِلَافِ الْجِهَادِ فَإِنَّهُ إذَا قَامَ بِهِ الصِّبْيَانُ كَفَى، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ نِكَايَةُ الْكُفَّارِ، وَهِيَ إذَا حَصَلَتْ بِالصِّبْيَانِ كَانَتْ أَقْوَى فِي حُصُولِ الْمُرَادِ.
ثُمَّ رَأَيْت سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ صَرَّحَ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: فِي الْأَسْوَاقِ) أَيْ وَفِي الْمَحَلَّاتِ الْخَارِجَةِ عَنْ الصُّوَرِ أَيْضًا حَيْثُ ظَهَرَ مِنْهَا الشَّعَارُ.
اهـ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ بِالْمَعْنَى.
(قَوْلُهُ: تَأْبَى) أَيْ تَمْنَعُ (قَوْلُهُ: الشَّعَارُ بِهِمْ) أَيْ وَمِثْلُهُمْ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَنَحْوُهُمْ اهـ زِيَادِيٌّ، وَمِنْ النَّحْوِ الْعُرَاةُ.
اهـ سم عَلَى حَجّ: أَيْ وَالْأَرِقَّاءُ أَيْضًا، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ جَمَاعَةٌ ذُكُورٌ إلَخْ مَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ، وَقَوْلُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَإِنْ ظَهَرَتْ فِي الْأَسْوَاقِ) أَيْ ظُهُورًا لَا يَحْصُلُ بِهِ الشِّعَارُ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ
وَأَظْهَرُوهَا هَلْ يَحْصُلُ بِهِمْ وَيَسْقُطُ بِفِعْلِهِمْ الطَّلَبُ عَنْ الْمُقِيمِينَ بِعَدَمِ حُصُولِ الشِّعَارِ بِهِمْ وَأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِفِعْلِهِمْ الطَّلَبُ عَنْ الْمُقِيمِينَ، فَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: إذَا أَقَامَ الْجَمَاعَةَ طَائِفَةً يَسِيرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلْدَةِ وَلَمْ يَحْضُرْهَا جُمْهُورُ الْمُقِيمِينَ فِي الْبَلَدِ حَصَلَتْ الْجَمَاعَةُ، وَلَا إثْمَ عَلَى الْمُتَخَلِّفِينَ كَمَا لَوْ صَلَّى الْجِنَازَةَ طَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ، هَكَذَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَأَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَيْضًا فِي أَهْلِ قَرْيَةٍ صَلَّوْا رَكْعَةً مِنْ فَرِيضَةٍ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ نَوَوْا قَطَعَ الْقُدْوَةِ وَأَتَمُّوهَا مُنْفَرِدِينَ بِأَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُمْ طَلَبُ الْجَمَاعَةِ لِتَأْدِي شِعَارِهَا بِصَلَاتِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْفَرِيضَةُ الْجُمُعَةَ وَتَلْزَمُ أَهْلَ الْبَوَادِي السَّاكِنِينَ بِهَا.
وَأَمَّا فِي الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ تَعَدُّدُهَا فِيهَا؛ لِحُصُولِ الْفَرْضِ بِدُونِهِ.
وَضَبَطَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْقَرْيَةَ الصَّغِيرَةَ بِأَنْ يَكُونَ فِيهَا نَحْوَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَقْرِيبٌ، بَلْ لَوْ ضُبِطَ ذَلِكَ بِالْعُرْفِ لَكَانَ أَقْرَبَ إلَى الْمَعْنَى، وَكَلَامُهُمْ بِمَحَلٍّ فِي الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ وَفِي الْكَبِيرَةِ وَالْبَلَدِ بِمَحَلَّيْنِ مَثَلًا مَفْرُوضٌ فِيمَا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ مَنْ يَقْصِدُهَا إدْرَاكَهَا مِنْ غَيْرِ كَبِيرِ مَشَقَّةٍ فِيهَا فِيمَا يَظْهَرُ، فَلَا يُشْتَرَطُ إقَامَتُهَا فِي كُلِّ مَحَلَّةٍ مِنْهَا خِلَافًا لِجَمْعٍ (فَإِنْ) (امْتَنَعُوا كُلُّهُمْ) مِنْ فِعْلِهَا بِأَنْ لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ أَوْ فُعِلَتْ لَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ (قُوتِلُوا) أَيْ قَاتَلَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ الْمُمْتَنِعِينَ لِإِظْهَارِ هَذَا الشِّعَارِ الْعَظِيمِ
[حاشية الشبراملسي]
الزِّيَادِيُّ أَيْضًا: وَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِمَنْ لَا يَتَوَجَّهُ الْفَرْضُ عَلَيْهِمْ كَالنِّسَاءِ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِعَدَمِ حُصُولِ الشَّعَارِ) أَيْ وَعَلَى هَذَا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّظْلِيلُ أَوْ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ أَدَّى إلَى مَنْعِ أَهْلِ الْبَلَدِ مِنْ إقَامَتِهَا فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ غَرَضِ الْوَاقِفِ مِنْ إحْيَاءِ الْبُقْعَةِ بِالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِهَا عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
لَا يُقَالُ: الِاعْتِكَافُ أَيْضًا مِنْ مَقَاصِدِ الْوَاقِفِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْ وَقْفِ الْمَسْجِدِ شَغْلُهُ بِقِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ اعْتِكَافٍ أَوْ غَيْرِهَا.
لِأَنَّا نَقُولُ: الْغَرَضُ الْأَصْلِيُّ مِنْ وَقْفِ الْمَسَاجِدِ الصَّلَاةُ فِيهَا فَيُمْنَعُ مِنْ شَغْلِهَا بِمَا يُفَوِّتُ ذَلِكَ الْمَقْصُودَ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ بِذَلِكَ الْمَنْفَعَةَ عَلَى مُسْتَحَقِّيهَا، وَبَقِيَ مَا لَوْ نَذَرَ الْمُسَافِرُ اعْتِكَافًا مُتَتَابِعًا فِي الْمَسْجِدِ مُدَّةً تَقْطَعُ السَّفَرَ ثُمَّ نَوَى الِاعْتِكَافَ فِي مَسْجِدِ قَرْيَةٍ وَكَانَ اعْتِكَافُهُ فِيهِ يَمْنَعُ مِنْ إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ، فَهَلْ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ مُدَّةَ صَلَاتِهِمْ يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ نَذَرَ مُدَّةً مُطْلَقَةً، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ إلَّا ذَلِكَ الْمَسْجِدُ فَهُوَ مُقَصِّرٌ بِاعْتِكَافِهِ فِيهِ فَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ، وَهُوَ بِسَبِيلٍ مِنْ تَأْخِيرِ الِاعْتِكَافِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الِاعْتِكَافِ بِمَسْجِدٍ لَا يُعَارَضُ فِيهِ، وَإِنْ عَيَّنَ مُدَّةً اتَّفَقَ وُقُوعُهَا فِي سَفَرِهِ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَسْجِدٌ مَهْجُورٌ مَثَلًا أَوْ وَاسِعٌ لَا يُعَارِضُهُ فِيهِ أَحَدٌ إذَا اعْتَكَفَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ انْقَطَعَ تُتَابِعُهُ بِإِخْرَاجِهِ لِتَقْصِيرِهِ بِاعْتِكَافِهِ فِيهِ مَعَ تَيَسُّرِ غَيْرِهِ، وَإِنْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ الْمَسْجِدَ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِإِخْرَاجِهِ مِنْهُ لِكَوْنِهِ مُكْرَهًا عَلَى الْخُرُوجِ (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ) عَطْفٌ عَلَى عَدَمِ (قَوْلُهُ: فَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ) غَرَضُهُ مِنْهُ الِاسْتِظْهَارُ عَلَى الْإِفْتَاءِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ يُفِيدُ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ أَنَّ غَيْرَ أَهْلِ الْبَلَدِ لَا يَسْقُطُ بِفِعْلِهِ الطَّلَبُ عَنْ أَهْلِ الْبَلَدِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَتَلْزَمُ أَهْلَ الْبَوَادِي) أَيْ الْجَمَاعَةُ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي الْقَرْيَةِ) قَسِيمُ قَوْلِهِ فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً إلَخْ (قَوْلُهُ: لَكَانَ أَقْرَبُ) مُعْتَمَدٌ.
(قَوْلُهُ: وَكَلَامُهُمْ) أَيْ حَيْثُ اكْتَفَوْا بِمَحَلٍّ إلَخْ، وَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ وَاكْتِفَاؤُهُمْ كَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: الْمُمْتَنِعِينَ) أَشْعَرَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْجَأَهُمْ بِالْقِتَالِ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ بَلْ حَتَّى يَأْمُرَهُمْ فَيَمْتَنِعُوا مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ.
اهـ حَجّ: أَيْ فَهُوَ كَقِتَالِ الْبُغَاةِ، وَوَجْهُ الْإِشْعَارِ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِعَلِيَّةِ مَأْخَذِ الِاشْتِقَاقِ فَيُفِيدُ أَنَّ الْقِتَالَ لِامْتِنَاعِهِمْ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: فَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ إلَخْ) مَحَلُّ هَذَا عَقِبَ قَوْلِهِ االْمَارِّ، وَلَا إقَامَتُهَا بِجُمْهُورِهِمْ إلَخْ إذْ هُوَ مِنْ تَعَلُّقِهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمَهُ عَلَى قَوْلِهِ: وَقَدْ أَفْتَى الْوَالِدُ إلَخْ
وَلَا يُقَاتِلُهُمْ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ (وَلَا يَتَأَكَّدُ النَّدْبُ لِلنِّسَاءِ تَأَكُّدُهُ لِلرِّجَالِ) لِمَزِيَّتِهِمْ عَلَيْهِنَّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ لَهُنَّ (فِي الْأَصَحِّ) لِخَشْيَةِ الْمَفْسَدَةِ فِيهِنَّ وَكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِنَّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَأَتَّى غَالِبًا إلَّا بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ فَيُكْرَهُ تَرْكُهَا لَهُمْ لَا لَهُنَّ، وَالْخَنَاثَى كَالنِّسَاءِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ نَعَمْ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (قُلْت: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ أَنَّهَا) عِنْدَ وُجُودِ سَائِرِ شُرُوطِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ فَلَيْسَتْ فَرْضَ عَيْنٍ لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ الْمَارِّ فَإِنَّ الْمُفَاضَلَةَ تَقْتَضِي جَوَازَ الِانْفِرَادِ، وَذِكْرُ أَفْضَلَ فِي الْخَبَرِ قَبْلَهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا لِقِيَامِ غَيْرِهِ بِهَا أَوْ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ.
أَمَّا إذَا اخْتَلَّ شَرْطٌ مِمَّا مَرَّ فَلَا تَجِبُ بَلْ تَارَةً تُسَنُّ وَتَارَةً لَا وَتُسَنُّ لِمُمَيِّزٍ.
نَعَمْ يَلْزَمُ وَلِيُّهُ أَمْرَهُ بِهَا لِيَتَعَوَّدَهَا إذَا كَمُلَ (وَقِيلَ) هِيَ فَرْضُ (عَيْنٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِلْخَبَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَلَا يُقَاتِلُهُمْ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ) أَيْ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ الْأَذَانِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمَتْنِ فِي الْإِقَامَةِ، وَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ كُلَّ سُنَّةٍ يَجْرِي فِي الْقِتَالِ عَلَى تَرْكِهَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ.
اهـ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ.
وَقَدْ صَرَّجَ الْمَحَلِّيُّ هُنَا بِحِكَايَةِ وَجْهٍ بِنَاءً عَلَى السُّنِّيَّةِ أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ عَلَيْهِمْ حَذَرًا مِنْ إمَاتَتِهَا، وَقَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتَلُونَ عَلَى السُّنِّيَّةِ فِي الْأَذَانِ وَنَحْوِهِ قَطْعًا وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ الْخِلَافُ جَارٍ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا فَلَعَلَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى حِكَايَتِهِ فِي الْجَمَاعَةِ لِكَوْنِهِ أَشْهَرُ (قَوْلُهُ: لِمَزِيَّتِهِمْ) أَيْ شَرَفِهِمْ (قَوْلُهُ: لَا لَهُنَّ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ سَهُلَ عَلَيْهِنَّ تَحْصِيلُهَا إمَّا فِي بُيُوتِهِنَّ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا مَشَقَّةٍ، وَمَعَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ لِكَوْنِهِنَّ غَيْرَ مُشْتَهَيَاتٍ.
(قَوْلُهُ: لِلْخَبَرِ السَّابِقِ) هُوَ قَوْلُهُ: مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ الْمَارِّ) هُوَ قَوْلُهُ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ» إلَخْ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ هِيَ فِيهِ لَمْ يَذْكُرْهُ عَنْ الشَّيْخَيْنِ وَعِبَارَةُ حَجّ لِلْخَبَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.
اهـ.
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ مِنْ رِوَايَتِهِمَا (قَوْلُهُ: فِي الْخَبَرِ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ قَوْلِهِ مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَخْ الَّذِي عَنَاهُ بِقَوْلِهِ الْخَبَرِ السَّابِقِ (قَوْلُهُ: بَلْ تَارَةً تُسَنُّ) وَهَلْ يَحْتَاجُ الْعَبْدُ إلَى إذْنِ السَّيِّدِ؟ قَالَ الْقَاضِي: إنْ زَادَ زَمَنُهَا عَلَى زَمَنِ الِانْفِرَادِ احْتَاجَ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ: وَلَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ شَغْلٌ، وَاعْتَمَدَ م ر فِي الْعَبْدِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ السَّيِّدِ إذَا كَانَ زَمَنُهَا عَلَى الْعَادَةِ وَإِنْ زَادَ عَلَى زَمَنِ الِانْفِرَادِ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: وَتُسَنُّ لِمُمَيِّزٍ) أَيْ يُكْتَبُ لَهُ ثَوَابُهَا دُونَ ثَوَابِ الْوَاجِبِ لَا أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهَا عَلَى سَبِيلِ السُّنِّيَّةِ فَإِنَّهُ لَا خِطَابَ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ (قَوْلُهُ: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ إلَخْ) قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ: اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ وَالْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ الصَّلَاةِ الْمُتَوَعَّدِ عَلَى تَرْكِهَا بِالتَّحْرِيقِ هَلْ هِيَ الْعِشَاءُ أَوْ هِيَ الصُّبْحُ أَوْ الْجُمُعَةُ؟ وَظَاهِرُ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْمُرَادَ الْعِشَاءُ لِقَوْلِهِ فِي آخِرِهِ: لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ.
وَقِيلَ هِيَ الْعِشَاءُ وَالصُّبْحُ مَعًا، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَفِي بَعْضِ طَرِيقِ هَذَا الْحَدِيثِ «إنَّ أَثْقَلَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا وَلَقَدْ هَمَمْت» فَذَكَرَهُ.
وَقِيلَ هِيَ الْجُمُعَةُ، وَيَدُلُّ لَهُ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ «فَأُحَرِّقَ عَلَى قَوْمٍ بُيُوتَهُمْ لَا يَشْهَدُونَ الْجُمُعَةَ» وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ لَقَدْ هَمَمْت» فَذَكَرَهُ، ثُمَّ قَالَ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ فِي كَوْنِهَا الْجُمُعَةَ، وَرِوَايَةُ كَوْنِهَا الْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي كَوْنِهَا الْجُمُعَةَ حَدِيثٌ آخَرُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَقْدَحُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيَنْظُرُ فِي اخْتِلَافِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ رَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ فِيهِ عَلَى رِوَايَةِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ سَائِرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ عَبَّرَ بِالْجُمُعَةِ عَنْ الْجَمَاعَةِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَ كَلَامِ الْبَيْهَقِيّ: بَلْ هُمَا رِوَايَتَانِ رِوَايَةٌ فِي الْجُمُعَةِ وَرِوَايَةٌ فِي الْجَمَاعَةِ وَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ.
اهـ مُلَخَّصًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَتَأَمَّلْهُ فَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ كُلٍّ مِنْ الرِّوَايَاتِ، يَحْتَمِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ بَاعِثًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى إرَادَةِ التَّحْرِيقِ.
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» وَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ وَارِدٌ فِي قَوْمٍ مُنَافِقِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَلَا يُصَلُّونَ فُرَادَى، وَالسِّيَاقُ يُؤَيِّدُهُ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُحَرِّقْهُمْ، وَإِنَّمَا هَمَّ بِتَحْرِيقِهِمْ.
لَا يُقَالُ: لَوْ لَمْ يَجُزْ تَحْرِيقُهُمْ لَمَا هَمَّ بِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَعَلَّهُ هَمَّ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ نَزَلَ وَحْيٌ بِالْمَنْعِ أَوْ تَغَيَّرَ الِاجْتِهَادُ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ أَوْ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمُثْلَةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ فَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
(وَ) الْجَمَاعَةُ (فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ) وَالْخُنْثَى (أَفْضَلُ) مِنْهَا خَارِجَةً لِخَبَرِ «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» أَيْ فَهِيَ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الشَّرَفِ وَالطَّهَارَةِ، وَإِظْهَارُ الشِّعَارِ، وَكَثْرَةُ الْجَمَاعَةِ، وَشَمَلَ كَلَامُهُ مَا لَوْ كَانَتْ جَمَاعَةُ الْمَسْجِدِ أَقَلَّ مِنْ جَمَاعَةِ غَيْرِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ إنَّ جَمَاعَةَ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ قَلَّتْ أَفْضَلُ مِنْهَا خَارِجَهُ، وَإِنْ كَثُرَتْ، وَبِهِ
[حاشية الشبراملسي]
فَرْعٌ] إذَا عَلِمَ الْأَجِيرُ أَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ يَمْنَعُهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَكَانَ الشَّعَارُ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُضُورِهِ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إيجَارُ نَفْسِهِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ؟ وَكَذَا إذَا عَلِمَ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إيجَارُ نَفْسِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ كَالسَّفَرِ الْمُفَوِّتِ؟ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَقَدْ يَفْصِلُ بَيْنَ أَنْ يَحْتَاجَ أَوْ يَضْطَرَّ لِذَلِكَ الْإِيجَارِ فَلْيُحَرَّرْ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى هُنَا بِأَدْنَى حَاجَةٍ أَخْذًا مِنْ تَجْوِيزِهِمْ السَّفَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمُجَرَّدِ الْوَحْشَةِ بِانْقِطَاعِهِ عَنْ الرُّفْقَةِ وَحَيْثُ لَا حَاجَةَ حَرُمَتْ الْإِجَارَةُ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ تَعَدَّى وَآجَرَ نَفْسَهُ هَلْ تَصِحُّ أَوْ لَا؟ نُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ سم الصِّحَّةُ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ وَقْتَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ انْتَهَى.
وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْبَيْعَ وَقْتَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ شُرُوطِ الْبَيْعِ، وَالْحُرْمَةُ فِيهِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ، وَأَمَّا هُنَا فَالْمُؤَجِّرُ عَاجِزٌ عَنْ التَّسْلِيمِ شَرْعًا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ الْمَاءَ الَّذِي يَحْتَاجُهُ لِطَهَارَتِهِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِرْجَاعِهِ (قَوْلُهُ: فَأُحَرِّقُ) هُوَ بِالتَّشْدِيدِ، وَيُرْوَى فَأُحْرِقُ بِإِسْكَانِ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَهُمَا لُغَتَانِ أَحْرَقْت وَحَرَقْت، وَالتَّشْدِيدُ أَبْلَغُ فِي الْمَعْنَى انْتَهَى شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ عَلَى الْمَنْهَجِ.
(قَوْلُهُ: عَلَيْهِمْ) يُشْعِرُ بِأَنَّ الْعُقُوبَةَ لَيْسَتْ قَاصِرَةً عَلَى الْمَالِ، بَلْ الْمُرَادُ تَحْرِيقُ الْمَقْصُودَيْنِ وَالْبُيُوتُ تَبَعٌ لِلْقَاطِنَيْنِ بِهَا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ «فَأُحَرِّقُ بُيُوتًا عَلَى مَنْ فِيهَا» . انْتَهَى فَتْحُ الْبَارِي لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ.
(قَوْلُهُ: وَالسِّيَاقُ يُؤَيِّدُهُ) وَهُوَ قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا وَلَقَدْ هَمَمْت» إلَخْ.
انْتَهَى شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ.
(قَوْلُهُ: نَزَلَ وَحْيٌ بِالْمَنْعِ) أَيْ نَاسِخٌ لِمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ الْخَطَأُ مِنْهُ أَصْلًا خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ لَكِنْ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ، بَلْ يُنَبَّهُ عَلَى الصَّوَابِ بِالْوَحْيِ حَالًا.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمُثْلَةِ) أَيْ بِالْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ،
وَفِي الْمِصْبَاحِ: وَمَثَلْت بِالْقَتِيلِ مَثْلًا مِنْ بَابَيْ قَتَلَ وَضَرَبَ: إذَا جَدَعْته وَظَهَرَ آثَارُ فِعْلِك عَلَيْهِ تَنْكِيلًا، وَالتَّشْدِيدُ مُبَالَغَةٌ وَالِاسْمُ الْمُثْلَةُ وِزَانُ غُرْفَةٍ، وَالْمَثُلَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الثَّاءِ الْعُقُوبَةُ.
اهـ
(قَوْلُهُ: لِخَبَرِ «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ» ) أَيْ صَلَاتُهُ فِي بَيْتِهِ (قَوْلُهُ: فَهِيَ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ) أَيْ إلَّا إذَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَوْ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمُثْلَةِ) هَذَا لَا يَدْفَعَ الْإِيرَادَ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ جَوَابًا عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ يَجُوزُ التَّحْرِيقُ، وَإِنْ قُلْنَا فَرْضُ عَيْنٍ، مَعَ أَنَّ الْمُثْلَةَ حَرَامٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشِّهَابُ حَجّ.
[الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى أَفْضَلُ]
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ إلَخْ) فِيهِ أُمُورٌ: مِنْهَا أَنَّ الْمُقْتَضِيَ بِالْكَسْرِ وَالْمُقْتَضَى بِالْفَتْحِ هُنَا مُتَّحِدَانِ وَلَا بُدَّ مِنْ اخْتِلَافِهِمَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِمَا ذُكِرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَذْكُرُهُ عَنْ فَتَاوَى وَالِدِهِ الَّتِي تَصَرَّفَ فِيهَا هَذَا التَّصَرُّفَ.
وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ وَيَدُلُّ لَهُ إلَخْ بَعْدَ نَقْلِ مَا ذُكِرَ عَنْ إفْتَاءِ وَالِدِهِ يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَعِبَارَةُ الْفَتَاوَى سُئِلَ هَلْ الْأَفْضَلُ الْجَمَاعَةُ الْقَلِيلَةُ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ الْكَثِيرَةُ فِي غَيْرِهِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ قَلَّتْ أَفْضَلُ مِنْهَا خَارِجَهُ وَإِنْ كَثُرَتْ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَيَدُلُّ لَهُ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» وَهُوَ
صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيَدُلُّ لَهُ الْخَبَرُ الْمَارُّ وَهُوَ مُخَصِّصٌ لِخَبَرِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ عَكَسَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَرَجَّحَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْفَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْفَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَكَانِهَا.
وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْفَضِيلَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْعِبَادَةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ مَوْجُودَةٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، أَمَّا الْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى فَجَمَاعَتُهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا أَفْضَلُ لِخَبَرِ «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» وَيُكْرَهُ لَهَا حُضُورُ جَمَاعَةِ الْمَسْجِدِ إنْ كَانَتْ مُشْتَهَاةً وَلَوْ فِي ثِيَابِ مِهْنَةٍ، أَوْ غَيْرَ مُشْتَهَاةٍ وَبِهَا شَيْءٌ مِنْ الزِّينَةِ أَوْ الرِّيحِ الطَّيِّبِ، وَلِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ مَنْعُهُنَّ حِينَئِذٍ كَمَا لَهُ مَنْعُ مَنْ تَنَاوَلَ ذَا رِيحٍ كَرِيهٍ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيٍّ أَوْ حَلِيلٍ أَوْ سَيِّدٍ أَوْ هُمَا فِي أَمَةٍ مُتَزَوِّجَةٍ وَمَعَ خَشْيَةِ فِتْنَةٍ مِنْهَا أَوْ عَلَيْهَا، وَلِلْآذِنِ لَهَا فِي الْخُرُوجِ حُكْمُهَا، وَفِيمَا بَحَثَ مِنْ إطْلَاقِ إلْحَاقِ الْأَمْرَدِ الْجَمِيلِ بِهَا فِي ذَلِكَ أَيْضًا نَظَرٌ ظَاهِرٌ.
وَتَحْصُلُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ لِلشَّخْصِ بِصَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ بِزَوْجَةٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ غَيْرِهِمْ، بَلْ بَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ أَنَّ ذَهَابَهُ إلَى الْمَسْجِدِ لَوْ فَوَّتَهَا عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ مَفْضُولٌ وَأَنَّ إقَامَتَهَا لَهُمْ أَفْضَلُ، وَنَظَرَ فِيهِ بِأَنَّ فِيهِ إيثَارًا بِقُرْبَةٍ مَعَ إمْكَانِ تَحْصِيلِهَا بِإِعَادَتِهَا مَعَهُمْ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ
[حاشية الشبراملسي]
حَصَلَتْ الْجَمَاعَةُ فِي الْبَيْتِ دُونَ الْمَسْجِدِ فَهِيَ فِيهِ أَفْضَلُ.
اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ لَهُ الْخَبَرُ الْمَارُّ) هُوَ قَوْلُهُ: أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمَا كَانَ أَكْثَرُ) صَدْرُ الْحَدِيثِ مَا ذَكَرَهُ الدَّمِيرِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ الْمَذْكُورَةِ «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَمَا كَانَ» إلَخْ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِرَجَّحَهُ (قَوْلُهُ: مَوْجُودَةٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا) يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْفَضِيلَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْعِبَادَةِ، وَهِيَ كَمَالُ دَرَجَاتِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ عَلَى الْقَلِيلِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِيهِمَا وَيَكُونُ هَذَا مُرَادُ الْقَاضِي.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ بِالْمَعْنَى.
(قَوْلُهُ: وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ) فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَتْ خَيْرًا لَهُنَّ فَمَا وَجْهُ النَّهْيِ عَنْ مَنْعِهِنَّ الْمُسْتَلْزِمِ لِذَلِكَ الْخَبَرِ؟ قُلْت: أَمَّا النَّهْيُ فَهُوَ لِلتَّنْزِيهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ سِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ، ثُمَّ الْوَجْهُ حَمْلُهُ عَلَى زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَهَيَاتِ إذَا كُنَّ مُبْتَذَلَاتٍ.
اهـ ابْنُ حَجَرٍ.
ثُمَّ قَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ جَمَاعَةَ النِّسَاءِ فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ وَإِنْ كُنَّ مُبْتَذِلَاتٍ غَيْرَ مُشْتَهَيَاتٍ، وَلَكِنْ لَوْ حَضَرْنَ لَا يُكْرَهُ لَهُنَّ الْحُضُورُ.
وَقَوْلُهُ مُبْتَذَلَاتٌ يَحْتَمِلُ قِرَاءَتَهُ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ، وَيَحْتَمِلُ تَقْدِيمَ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ عَلَى الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ تَشْدِيدُ الذَّالِ الْمَكْسُورَةِ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: ابْتَذَلْت الشَّيْءَ امْتَهَنْته، ثُمَّ قَالَ: وَالتَّبَذُّلُ خِلَافُ التَّصَاوُنِ: أَيْ الصِّيَانَةِ.
انْتَهَى (قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ مُشْتَهَاةً) وَمِنْ الْمُشْتَهَيَاتِ الشَّابَّةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ رِيحٍ؛ لِأَنَّ هَيْئَتَهَا تُعْلَمُ وَعِبَارَةُ الْبَهْجَةِ: وَتَحْضُرُ الْعَجُوزُ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: إنْ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا إنْ كَانَ وَلَمْ تَتَزَيَّنْ وَلَمْ تَتَطَيَّبْ، ثُمَّ قَالَ: وَخَرَجَ بِالْعَجُوزِ: أَيْ غَيْرِ الْمُشْتَهَاةِ الشَّابَّةُ وَالْمُشْتَهَاةُ فَيُكْرَهُ لَهُمَا الْحُضُورُ كَمَا مَرَّ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَلِلْإِمَامِ إلَخْ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ عَلَى مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ: وَلِلْإِمَامِ إلَخْ، وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ حَيْثُ رَآهُ مَصْلَحَةً لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رِعَايَةُ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيٍّ) أَيْ فِي الْخَلِيَّةِ، وَقَوْلُهُ أَوْ حَلِيلٍ: أَيْ فِي الْمُتَزَوِّجَةِ، ثُمَّ قَضِيَّةُ الْعَطْفِ بِأَوْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْخُرُوجِ إذْنُهُمَا، وَيَنْبَغِي اشْتِرَاطُ اجْتِمَاعِهِمَا فِي الْإِذْنِ حَيْثُ كَانَ ثَمَّ رِيبَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ قَدْ تَظْهَرُ لِلْوَلِيِّ دُونَ الْحَلِيلِ أَوْ عَكْسِهِ.
(قَوْلُهُ: وَمَعَ خَشْيَةِ فِتْنَةٍ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيٍّ فَلَا يَتَوَقَّفُ حُرْمَةُ الْحُضُورِ عَلَى عَدَمِ الْإِذْنِ.
(قَوْلُهُ: حُكْمُهَا) أَيْ حُكْمُهَا فِي الْخُرُوجِ لِلْجَمَاعَةِ فَيُكْرَهُ لَهُ الْإِذْنُ حَيْثُ كُرِهَ حُضُورُهَا إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: نَظَرٌ ظَاهِرٌ) قَدْ يُمْنَعُ مَا ذُكِرَ مِنْ النَّظَرِ، وَيُوَجَّهُ الْبَحْثُ بِأَنَّ
[حاشية الرشيدي]
مُخَصَّصٌ إلَى قَوْلِهِ مَوْجُودَةٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: مَوْجُودَةٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ وَفَضِيلَةُ الْمَكَانِ سَالِمَةٌ مِنْ الْمُعَارِضِ (قَوْلُهُ: وَفِيمَا بَحَثَ مِنْ إطْلَاقِ إلْحَاقِ الْأَمْرَدِ الْجَمِيلِ بِهَا) فِي ذَلِكَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ: أَيْ بَلْ إنَّمَا يُلْحَقُ بِهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ لَا عَلَى
الْفَرْضَ فَوَاتُهَا لَوْ ذَهَبَ لِلْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ إيثَارٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ حُصُولَهَا لَهُمْ بِسَبَبِهِ رُبَّمَا عَادَلَ فَضْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَمُسَاعَدَةِ الْمَجْرُورِ مِنْ الصَّفِّ.
وَتُكْرَهُ إقَامَةُ جَمَاعَةٍ بِمَسْجِدٍ غَيْرِ مَطْرُوقٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ، فَإِنْ غَابَ الرَّاتِبُ سُنَّ انْتِظَارُهُ، ثُمَّ إنْ أَرَادُوا فَضْلَ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَمَّ غَيْرُهُ، وَإِلَّا فَلَا إلَّا إنْ خَافُوا فَوْتَ كُلِّ الْوَقْتِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ حَيْثُ لَا فِتْنَةَ، وَإِلَّا صَلُّوا فُرَادَى مُطْلَقًا، أَمَّا الْمَسْجِدُ الْمَطْرُوقُ فَلَا يُكْرَهُ فِيهِ تَعَدُّدُ الْجَمَاعَاتِ وَلَوْ كَانَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ وَوَقَعَ فِيهِ جَمَاعَتَانِ مَعًا كَمَا أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ مَفْهُومٌ بِالْأَوْلَى مِنْ نَفْيِهِمْ كَرَاهَةَ إقَامَةِ جَمَاعَةٍ فِيهِ قَبْلَ إمَامِهِ، وَشَمِلَ ذَلِكَ قَوْلَ التَّحْقِيقِ لَوْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ وَلَيْسَ مَطْرُوقًا كُرِهَ لِغَيْرِ إمَامٍ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ، وَيُقَالُ إلَّا إنْ أُقِيمَتْ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ، وَإِلَّا فَلَا، وَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّتِمَّةِ مِنْ كَرَاهَةِ عَقْدِ جَمَاعَتَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَطْرُوقِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ صَرَّحَ بِكَرَاهَةِ الْقَبْلِيَّةَ وَالْبَعْدِيَّةِ وَسَكَتَ عَنْ الْمُقَارَنَةِ.
. وَأَفْضَلُ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ صُبْحُهَا، ثُمَّ صُبْحُ غَيْرِهَا ثُمَّ الْعِشَاءُ ثُمَّ الْعَصْرُ، وَلَا يُنَافِيهِ كَوْنُ الْعَصْرِ الْوُسْطَى؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِي ذَيْنِك أَعْظَمُ، وَالْأَوْجَهُ تَفْضِيلُ الظُّهْرِ ذَاتًا وَجَمَاعَةً عَلَى الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهَا اخْتَصَّتْ مِنْ بَيْنَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ بِبَدَلٍ وَهُوَ الْجُمُعَةُ: أَيْ بِصَلَاةٍ تُفْعَلُ فِي وَقْتِهَا وَبِالْإِيرَادِ.
(وَمَا كَثُرَ جَمْعُهُ) مِنْ الْمَسَاجِدِ (أَفْضَلُ) مِمَّا قَلَّ جَمْعُهُ مِنْهَا، وَكَذَا
[حاشية الشبراملسي]
الِافْتِنَانَ بِالْأَمْرَدِ أَغْلِبُ مِنْهُ بِالْمَرْأَةِ لِمُخَالَطَةِ الْأَمْرَدِ لِلرِّجَالِ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ، وَلَعَلَّ هَذَا وَجْهُ تَعْبِيرِهِ بِقَوْلِهِ وَفِيمَا بَحَثَ مِنْ إطْلَاقِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ حَيْثُ كَانَ حَاضِرًا (قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَهُ) قَدْ يُشْكِلُ خُصُوصًا إذَا حَصَلَ لِلْجَائِينَ بَعْدَ الْجَمَاعَةِ الْأُولَى عُذْرٌ اقْتَضَى التَّأْخِيرَ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَحَرِّي إيقَاعِ الْجَمَاعَةِ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَفْهُومٌ بِالْأَوْلَى) قَدْ تُمْنَعُ الْأَوْلَوِيَّةُ بِأَنَّ فِعْلَهَا قَبْلَهُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لِعُذْرٍ يَمْنَعُ مِنْ انْتِظَارِهِ، بِخِلَافِ الْمَعِيَّةِ فَإِنَّهَا قَدْ تُحْمَلُ عَلَى أَنَّ تَرْكَ صَلَاتِهِ مَعَ الْإِمَامِ إنَّمَا هُوَ لِخَلَلٍ فِيهِ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: وَوَقَعَ جَمَاعَتَانِ مَعًا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ إمَامُ إحْدَاهُمَا الرَّاتِبَ (قَوْلُهُ: وَسَكَتَ عَنْ الْمُقَارَنَةِ) أَيْ وَهِيَ مَفْهُومَةٌ بِالْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ الْعَصْرُ) زَادَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: ثُمَّ الظُّهْرُ ثُمَّ الْمَغْرِبُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ كُلًّا مِنْ عِشَاءِ الْجُمُعَةِ وَمَغْرِبِهَا وَعَصْرِهَا آكَدُ مِنْ عِشَاءِ وَمَغْرِبِ وَعَصْرِ غَيْرِهَا عَلَى قِيَاسِ مَا قِيلَ فِي صُبْحِهَا مَعَ صُبْحِ غَيْرِهَا.
انْتَهَى.
وَأَمَّا أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ مَا نَصُّهُ: أَفْضَلُهَا الْعَصْرُ وَيَلِيهَا الصُّبْحُ ثُمَّ الْعِشَاءُ ثُمَّ الظُّهْرُ ثُمَّ الْمَغْرِبُ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَإِنَّمَا فَضَّلُوا جَمَاعَةَ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ؛ لِأَنَّهَا فِيهِمَا أَشَقُّ.
انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ التَّسْوِيَةُ فِي الْفَضْلِ بَيْنَ صُبْحِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَقِيَاسُ مَا ذُكِرَ فِي الْجَمَاعَةِ أَنَّ صُبْحَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صُبْحِ غَيْرِهَا: بَلْ وَقِيَاسُ مَا ذُكِرَ عَنْ سم أَنَّ بَقِيَّةَ صَلَوَاتِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَوَاتِ غَيْرِهَا.
(قَوْلُهُ: أَفْضَلُ مِمَّا قَلَّ جَمْعُهُ) بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ الْمَأْمُومِ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ مِنْ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَذَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ لَوْ تَعَارَضَ كَوْنُهُ إمَامًا مَعَ جَمْعٍ قَلِيلٍ وَمَأْمُومًا مَعَ جَمْعٍ كَثِيرٍ فَهَلْ يَسْتَوِي الْفَضِيلَتَانِ وَتُجْبَرُ فَضْلُ الْكَثْرَةِ الْإِمَامَةَ فَيُصَلِّي إمَامًا أَوْ لَا فَيُصَلِّي مَأْمُومًا؟
[حاشية الرشيدي]
الْإِطْلَاقِ، وَلَعَلَّهُ إذَا خَشِيَ بِهِ الِافْتِتَانَ وَأَفْصَحَ بِهِ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ.
(قَوْلُهُ: وَشَمِلَ ذَلِكَ قَوْلَ التَّحْقِيقِ) لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ الشُّمُولِ وَلَمْ يُعَبِّرْ بِهِ وَالِدُهُ فِي الْفَتَاوَى الَّتِي مَا هُنَا عِبَارَتُهَا مَعَ التَّصَرُّفِ بِلَفْظِ الشُّمُولِ وَإِنْ أَوْهَمَ سِيَاقُهُ خِلَافَ ذَلِكَ.
وَلَفْظُ الْفَتَاوَى: سُئِلَ هَلْ تُكْرَهُ إقَامَةُ جَمَاعَتَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَسْجِدٍ مَطْرُوقٍ إذَا كَانَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا تُكْرَهُ، وَهُوَ مَفْهُومٌ بِالْأَوْلَى مِنْ نَفْيِهِمْ كَرَاهَةَ إقَامَةِ جَمَاعَةٍ فِيهِ قَبْلَ إمَامِهِ.
وَعِبَارَةُ التَّحْقِيقِ: لَوْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ إلَخْ، وَانْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ بِالْجَمَاعَتَيْنِ جَمَاعَتَانِ غَيْرُ جَمَاعَةِ الرَّاتِبِ أَوْ جَمَاعَةُ الرَّاتِبِ وَجَمَاعَةٌ أُخْرَى، وَعَلَى كُلٍّ فَفِي فَهْمِ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ هُنَا مِنْ نَفْيِهِمْ كَرَاهَةَ إقَامَةِ جَمَاعَةٍ فِيهِ قَبْلَ إمَامِهِ بِالْأَوْلَى بَلْ بِالْمُسَاوَاةِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ.
[أَفْضَلُ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ]
(قَوْلُهُ: أَيْ بِصَلَاةٍ تُفْعَلُ فِي وَقْتِهَا) تَفْسِيرٌ لِلْمُرَادِ مِنْ الْبَدَلِيَّةِ هُنَا وَإِلَّا فَلَا بَدَلِيَّةَ هُنَا حَقِيقَةً.
مَا كَثُرَ جَمْعُهُ مِنْ الْبُيُوتِ أَفْضَلُ مِمَّا قَلَّ جَمْعُهُ مِنْهَا لِلْخَبَرِ الْمَارِّ.
نَعَمْ الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ قَلَّتْ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا، وَإِنْ كَثُرَتْ، بَلْ قَالَ الْمُتَوَلِّي: إنَّ الِانْفِرَادَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِهَا وَهُوَ الْأَوْجَهُ وَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ كَوْنِ الْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ تُنَازِعُ فِيهِ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّهَا أَغْلَبِيَّةٌ، عَلَى أَنَّ الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ اخْتَصَّتْ بِخَصَائِصَ دُونَ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا.
وَأَفْتَى الْغَزَالِيُّ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا خَشَعَ: أَيْ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، وَلَوْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ لَمْ يَخْشَعْ فَالِانْفِرَادُ أَفْضَلُ، وَتَبِعَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ تَبَعًا لِلْأَذْرَعِيِّ: وَالْمُخْتَارُ بَلْ الصَّوَابُ خِلَافُ مَا قَالَاهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَا مَرَّ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْخِلَافِ فِي كَوْنِ الْخُشُوعِ شَرْطًا فِيهَا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الرَّاجِحُ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَأَنَّهُ سُنَّةٌ (إلَّا لِبِدْعَةِ إمَامِهِ) الَّتِي لَا يَكْفُرُ بِهَا كَمُعْتَزِلِيِّ وَرَافِضِيِّ وَقَدَرِيِّ وَمِثْلُهُ الْفَاسِقُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَالْمُتَّهَمُ بِذَلِكَ كَمَا فِي الْأَنْوَارِ وَكُلُّ مَنْ يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ كَمَا فِي التَّوَسُّطِ وَالْخَادِمِ، أَوْ لِكَوْنِ الْإِمَامِ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ بَعْضِ الْأَرْكَانِ أَوْ الشُّرُوطِ كَحَنَفِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ أَتَى بِهَا لِقَصْدِهِ بِهَا النَّفْلِيَّةَ وَهُوَ مُبْطِلٌ عِنْدَنَا وَلِهَذَا مَنَعَ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ مُطْلَقًا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَتَجْوِيزُ الْأَكْثَرِ لَهُ؛ لِمُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ وَاكْتِفَاءً بِوُجُودِ صُورَتِهَا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاءٌ بِمُخَالِفٍ وَتَعَطَّلَتْ الْجَمَاعَاتُ فَالْأَقَلُّ جَمَاعَةً أَفْضَلُ.
وَلَوْ تَعَذَّرَتْ الْجَمَاعَةُ إلَّا خَلْفَ مَنْ يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ لَمْ تَنْتَفِ الْكَرَاهَةُ كَمَا شَمِلَهُ كَلَامُهُمْ، وَلَا نَظَرَ لِإِدَامَةِ تَعْطِيلِهَا لِسُقُوطِ فَرْضِهَا حِينَئِذٍ (أَوْ تَعَطُّلِ مَسْجِدٍ قَرِيبٍ) أَوْ بَعِيدٍ عَنْ الْجَمَاعَةِ (لِغَيْبَتِهِ) عَنْهُ لِكَوْنِهِ إمَامَهُ أَوْ يَحْضُرُ النَّاسُ بِحُضُورِهِ، فَقَلِيلُ
[حاشية الشبراملسي]
فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِمَا فِي الْإِمَامَةِ مِنْ تَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ لِغَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْمَأْمُومِ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ حَاصِلَةٌ بِغَيْرِهِ، فَالْمَنْفَعَةُ فِي قُدْوَتِهِ عَائِدَةٌ عَلَيْهِ وَحْدَهُ.
(قَوْلُهُ: أَفْضَلُ مِنْ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِهَا) قِيَاسُ ذَلِكَ أَنَّهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مُنْفَرِدًا أَفْضَلُ مِنْ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَفِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
أَقُولُ: وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي أَفْضَلِيَّةِ الِانْفِرَادِ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي الْأَقْصَى؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَفِي الْمَدِينَةِ بِصَلَاتَيْنِ فِي الْأَقْصَى، فَالْجَمَاعَةُ فِي الْأَقْصَى تَزِيدُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ عَلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الصَّلَوَاتِ الَّتِي ضُوعِفَتْ بِهَا الصَّلَوَاتُ فِي الْأَقْصَى مِنْ الصَّلَوَاتِ بِغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ فِيهِ بُعْدُ شَيْءٍ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَوْجَهُ) أَيْ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: الْقَاعِدَةُ السَّابِقَةُ) وَهِيَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْفَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْفَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَكَانِهَا، (قَوْلُهُ: خِلَافُ مَا قَالَاهُ) أَيْ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ) مِنْ م ر (قَوْلُهُ: إنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ) عِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ: وَلَوْ تَعَارَضَ الْخُشُوعُ وَالْجَمَاعَةُ فَهِيَ أَوْلَى كَمَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ حَيْثُ قَالُوا: إنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ السُّنَّةِ، وَأَيْضًا فَالْخِلَافُ فِي كَوْنِهَا فَرْضَ عَيْنٍ وَكَوْنِهَا شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ أَقْوَى مِنْهُ فِي شَرْطِيَّةِ الْخُشُوعِ.
وَقَضِيَّتُهَا جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِي كَوْنِ الْجَمَاعَةِ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّارِحِ مِنْ أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا قَطْعًا، وَيُصَرَّحُ بِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ قَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ فِي الْقُوتِ مَا نَصُّهُ: وَحَكَى الْإِمَامُ عَنْ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ جَعَلَهَا شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ.
وَفِي الْبَحْرِ: وَقِيلَ إنَّهَا شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ: أَيْ لِغَيْرِ الْمَعْذُورِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ كَجٍّ وَالدَّارِمِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ لَيْسَ بِوَجْهٍ لَنَا أَلْبَتَّةَ انْتَهَى، وَمِثْلُهُ فِي الْإِسْنَوِيِّ (قَوْلُهُ: وَالْمُتَّهَمُ بِذَلِكَ) أَيْ تُهْمَةٌ قَوِيَّةٌ (قَوْلُهُ: كَمَا شَمَلَهُ كَلَامُهُمْ) هَذِهِ مَقَالَةٌ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ بَعْدُ:
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَوْ لِكَوْنِ الْإِمَامِ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ بَعْضٍ بِالْأَرْكَانِ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَا فِي الْمَتْنِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ مَكْرُوهٌ أَيْضًا وَإِنْ أَوْهَمَ سِيَاقُهُ خِلَافَهُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَتَى بِهَا لِقَصْدِهِ بِهَا النَّفْلِيَّةَ) يُوهِمُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ بِهِ إذَا لَمْ يَأْتِ بِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالتَّعْبِيرُ بِالْغَايَةِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ
الْجَمْعِ أَفْضَلُ مِنْ كَثِيرِهِ فِي ذَلِكَ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِإِمَامِ الْجَمْعِ الْقَلِيلِ أَفْضَلُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِإِمَامِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ إذَا كَانَ مُخَالِفًا فِيمَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ حُصُولُ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ خَلْفَ هَؤُلَاءِ، وَأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: إنَّ كَلَامَهُمْ يُشْعِرُ بِهِ وَجَزَمَ بِهِ الدَّمِيرِيِّ.
وَقَالَ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ: لَعَلَّهُ الْأَقْرَبُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَبِهِ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَمَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ عَدَمِ حُصُولِهَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ وَقَدْ نَظَرَ فِيهِ الطَّبَرِيُّ، بَلْ نُقِلَ
[حاشية الشبراملسي]
وَمُقْتَضَى قَوْلُ الْأَصْحَابِ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِإِمَامِ الْجَمْعِ الْقَلِيلِ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ) وَلَا فَرْقَ فِي أَفْضَلِيَّتِهَا بَيْنَ وُجُودِ غَيْرِهَا وَعَدَمِهِ.
وَقِيَاسُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِعَادَةَ مَعَ هَؤُلَاءِ أَفْضَلُ مِنْ عَدَمِهَا بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ.
اهـ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) قَدْ يُشْكِلُ اعْتِمَادُ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِهِمْ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ بِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَعَطَّلَتْ الْجَمَاعَةُ إلَّا خَلْفَ مِنْ يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ لَمْ تَنْتَفِ الْكَرَاهَةُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذَا مُقَابِلٌ لِمَا مَرَّ مِنْ بَقَاءِ الْكَرَاهَةِ، وَعَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلَوْ تَعَطَّلَتْ الْجَمَاعَةُ إلَّا خَلْفَ هَؤُلَاءِ لَمْ تَزُلْ الْكَرَاهَةُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ بِزَوَالِهَا وَحُصُولِ الْفَضِيلَةِ، وَعَلَيْهِ فَلَا تَنَافِيَ وَلَا إشْكَالَ، وَيُصَرَّحُ بِهَذَا مَا قَالَهُ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ مِنْ انْتِفَاءِ الْكَرَاهَةِ، وَأَنَّهُ بَحَثَ مَعَ م ر فَوَافَقَ عَلَيْهِ [فَرْعٌ] إذَا كَانَ عَلَيْهِ الْإِمَامَةُ فِي مَسْجِدٍ فَلَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ أَحَدٌ يُصَلِّي مَعَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فِيهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ شَيْئَيْنِ: الصَّلَاةُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، وَالْإِمَامَةُ فِيهِ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْقُطُ الْآخَرُ، بِخِلَافِ مَنْ عَلَيْهِ التَّدْرِيسُ إذَا لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ مِنْ الطَّلَبَةِ لَا يَجِبُ أَنْ يُدَرِّسَ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْمُدَرِّسِ التَّعْلِيمُ وَلَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ مُتَعَلِّمٍ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ أَمْرَانِ كَمَا تَقَدَّمَ.
م ر اهـ سم مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: وَقَوْلُهُ لَا يَجِبُ أَنْ يُدَرَّسَ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالطَّلَبَةِ الْمُقَرَّرِينَ فِي الْوَظَائِفِ بَلْ حَيْثُ كَانَ إذَا حَضَرَ يَحْضُرُ عِنْدَهُ مَنْ يَسْمَعُهُ وَجَبَتْ الْقِرَاءَةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ الْإِثْمَ بِالتَّرْكِ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكٌ لِلْإِمَامَةِ أَوْ التَّدْرِيسِ بَلْ الْمُرَادُ وُجُوبُ ذَلِكَ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْمَعْلُومِ.
[فَائِدَةٌ] كَانَ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ يَقُولُ: إذَا حَضَرَ الْمُدَرِّسُ وَحَضَرَ عِنْدَهُ مَنْ يَسْمَعُهُ يَقْرَأُ لَهُمْ مَا يَسْتَفِيدُونَهُ كَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ.
أَقُولُ: وَلَعَلَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا عَيَّنَ الْوَاقِفُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَمِنْهُ مَا لَوْ عَيَّنَ تَفْسِيرًا مَثَلًا وَلَمْ يَحْضُرْ عِنْدَهُ مَنْ يَفْهَمُهُ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ وَيَسْتَحِقُّ الْمَعْلُومَ.
وَلَا يُقَالُ: يَقْرَأُ مَا يُمْكِنهُمْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: حُصُولُ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ خَلْفَ هَؤُلَاءِ) أَيْ الْمُبْتَدِعِ وَمَنْ بَعْدَهُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ صَنِيعُ التُّحْفَةِ وَفِي حُصُولِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ مَعَ كَرَاهَةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ الْمُصَرَّحِ بِهَا فِيمَا مَرَّ حَتَّى فِيمَا لَوْ تَعَذَّرَتْ الْجَمَاعَةُ إلَّا خَلْفَهُمْ وَقْفَةٌ ظَاهِرَةٌ سِيَّمَا وَالْكَرَاهَةُ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَةُ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَةُ تَفُوتُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ.
لَا جَرَمَ اخْتَارَ الشِّهَابُ حَجّ مَقَالَةَ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ الْآتِيَةَ، وَشَيْخُنَا جَعَلَ فِي حَاشِيَتِهِ فِي قَوْلِهِ قَوْلُ الشَّارِحِ: وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ إلَخْ، مُقَابِلًا لِقَوْلِهِ الْمَارِّ: وَلَوْ تَعَذَّرَتْ الْجَمَاعَةُ إلَّا خَلْفَ مَنْ يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ إلَخْ، ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ مَعَهُ فِي قَوْلَةٍ أُخْرَى.
وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذَا مُقَابِلُ ذَاكَ، قَالَ: فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلَوْ تَعَطَّلَتْ الْجَمَاعَةُ إلَّا خَلْفَ هَؤُلَاءِ لَمْ تَزُلْ الْكَرَاهَةُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ السُّبْكِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ بِزَوَالِهَا وَحُصُولِ الْفَضِيلَةِ.
اهـ.
وَعَلَيْهِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ إلَخْ، مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا تَعَذَّرَتْ الْجَمَاعَةُ إلَّا خَلَفَ هَؤُلَاءِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ غَيْرِهِ، فَالْإِشْكَالُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بَاقٍ بِحَالِهِ، وَلَا وَجْهَ لِمَا فَهِمَهُ الشَّيْخُ مِنْ هَذَا الْقَصْرِ فَلْيُحَرَّرْ (قَوْلُهُ: بَلْ نُقِلَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَالْإِضْرَابُ رَاجِعٌ لِكَلَامِ أَبِي إِسْحَاقَ لَا لِنَظَرِ الطَّبَرِيِّ وَإِنْ أَوْهَمَتْهُ الْعِبَارَةُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّقْلَ الْمُحَقَّقَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ هُوَ مَا مَرَّ وَنَظَرَ فِيهِ الطَّبَرِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَيْضًا عَدَمَ صِحَّةِ
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالْمُخَالِفِ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَوْنِ كَثِيرِ الْجَمْعِ أَفْضَلَ مِنْ قَلِيلِهِ صُوَرٌ أَيْضًا: مِنْهَا مَا لَوْ كَانَ قَلِيلُ الْجَمْعِ يُبَادِرُ إمَامَهُ فِي الْوَقْتِ الْمَحْبُوبِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَعَهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَ إمَامُ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ سَرِيعَ الْقِرَاءَةِ وَالْمَأْمُومُ بَطِيئُهَا لَا يُدْرِكُ مَعَهُ الْفَاتِحَةَ وَيُدْرِكُهَا مَعَ إمَامِ الْجَمْعِ الْقَلِيلِ قَالَهُ الْفُورَانِيُّ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَ قَلِيلُ الْجَمْعِ لَيْسَ فِي أَرْضِهِ شُبْهَةٌ وَكَثِيرُ الْجَمْعِ بِخِلَافِهِ لِاسْتِيلَاءِ ظَالِمٍ عَلَيْهِ، فَالسَّالِمُ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى، وَلَوْ اسْتَوَى مَسْجِدًا جَمَاعَةً قُدِّمَ الْأَقْرَبُ مَسَافَةً لِحُرْمَةِ الْجِوَارِ، ثُمَّ مَا انْتَفَتْ الشُّبْهَةُ فِيهِ عَنْ مَالِ بَانِيهِ أَوْ وَاقِفِهِ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ.
نَعَمْ إنْ سَمِعَ النِّدَاءَ مُرَتَّبًا فَذَهَابُهُ إلَى الْأَوَّلِ أَفْضَلُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ؛ لِأَنَّ مُؤَذِّنَهُ دَعَاهُ أَوَّلًا.
(وَإِدْرَاكُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) مَعَ الْإِمَامِ (فَضِيلَةٌ) مَأْمُورٌ بِهَا لِكَوْنِهَا صَفْوَةَ الصَّلَاةِ، وَالْخَبَرُ «مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ» وَهَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ الْفَضَائِلِ الَّتِي يَتَسَامَحُ فِيهَا (وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِالِاشْتِغَالِ بِالتَّحْرِيمِ عَقِبَ تَحَرُّمِ إمَامِهِ) مَعَ حُضُورِهِ تَكْبِيرَةَ إحْرَامِهِ لِخَبَرِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَوْ تَرَاخَى عَنْهُ فَاتَتْهُ.
لَكِنْ تُغْتَفَرُ الْوَسْوَسَةُ الْخَفِيفَةُ، وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ بِعَدَمِ اغْتِفَارِهِمْ الْوَسْوَسَةَ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْإِمَامِ بِتَمَامِ رَكْعَتَيْنِ فِعْلِيَّتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تَكُونُ إلَّا ظَاهِرَةً فَلَا تَنَافِيَ حِينَئِذٍ (وَقِيلَ) تَحْصُلُ (بِإِدْرَاكِ بَعْضِ الْقِيَامِ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّحَرُّمِ (وَقِيلَ بِ) إدْرَاكِ (أَوَّلِ رُكُوعٍ) أَيْ بِالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ قِيَامِهَا.
وَمَحَلُّ مَا ذَكَرَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ لَمْ يَحْضُرْ إحْرَامَ الْإِمَامِ، وَإِلَّا بِأَنْ حَضَرَهُ وَأَخَّرَ فَاتَتْهُ عَلَيْهِمَا أَيْضًا، وَإِنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً كَمَا حَكَاهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْبَسِيطِ وَأَقَرَّهُ، وَلَوْ خَافَ فَوْتَ
[حاشية الشبراملسي]
فَهْمَهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا خِلَافُ مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ قِرَاءَةُ هَذَا بِخُصُوصِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْوَقْتِ الْمَحْبُوبِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا كَانَ الثَّانِي يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ، وَعَلَيْهِ فَالصَّلَاةُ خَلْفَ إمَامِ الطَّيْبَرِسِيَّةِ مَثَلًا لَيْسَتْ أَفْضَلَ مِنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ إمَامِ الْأَزْهَرِ لِوُقُوعِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي وَقْتِ الْفَضِيلَةِ، وَمَا فِي سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ لَعَلَّهُ بِاعْتِبَارِ زَمَانِهِ مِنْ أَنَّ إمَامَ الْأَزْهَرِ كَانَ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَ إمَامُ إلَخْ) وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى أَيْضًا مَا لَوْ كَانَ إمَامُ الْجَمْعِ الْقَلِيلِ أَفْضَلَ مِنْ إمَامِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ لِفِسْقِهِ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يَأْتِي فِي صِفَةِ الْأَئِمَّةِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَتَخَيَّرُ) أَيْ حَيْثُ اسْتَوَيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَوْلُهُ نَعَمْ إنْ إلَخْ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ.
(قَوْلُهُ: لِكَوْنِهَا صَفْوَةَ الصَّلَاةِ) أَيْ خَالِصَهَا: أَيْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الِانْعِقَادَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ، فَأُعْطِيَتْ حُكْمُهَا مِنْ اخْتِيَارِهَا عَلَى سَائِرِ الْأَرْكَانِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ إذَا شَكَّ فِيهَا لَمْ تَنْعَقِدْ، وَقَوْلُهُ صَفْوَةُ الصَّلَاةِ إلَخْ: أَيْ كَمَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَلَفْظُهُ كَمَا فِي الشَّيْخِ حَمْدَانَ «لِكُلِّ شَيْءٍ صَفْوَةٌ، وَصَفْوَةُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى فَحَافِظُوا عَلَيْهَا» (قَوْلُهُ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا) أَيْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ (قَوْلُهُ: لَكِنْ تُغْتَفَرُ الْوَسْوَسَةُ الْخَفِيفَةُ) وَهِيَ الَّتِي لَا يُؤَدِّي الِاشْتِغَالُ بِهَا إلَى فَوَاتِ رُكْنَيْنِ فِعْلِيَّيْنِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: وَلَا يَشْكُلُ إلَخْ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بَلْ الْمُرَادُ مَا لَا يَطُولُ بِهَا زَمَانٌ عُرْفًا حَتَّى لَوْ أَدَّتْ وَسْوَسَةٌ إلَى فَوَاتِ الْقِيَامِ أَوْ مُعْظَمِهِ فَاتَتْ بِهَا فَضِيلَةُ التَّحَرُّمُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً) وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا الْأُولَى،
[حاشية الرشيدي]
الِاقْتِدَاءِ بِالْمُخَالِفِ، ثُمَّ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مِنْ عَدَمِ حُصُولِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ هُوَ نَقْلٌ بِاللَّازِمِ، وَإِلَّا فَاَلَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ غَيْرُ الشَّارِحِ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ الِانْفِرَادَ حِينَئِذٍ أَفْضَلُ.
وَعِبَارَةُ فَتَاوَى وَالِدِ الشَّارِحِ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ الِانْفِرَادَ أَفْضَلُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ نُقِلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِمُخَالِفٍ لَا يَصِحُّ.
انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: لِكَوْنِهَا صَفْوَةَ الصَّلَاةِ) أَيْ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَزَّارِ