لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي أَنَّ فِعْلَ الرُّخْصَةِ مَتَى تَوَقَّفَ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ، فَإِنْ كَانَ تَعَاطِيهِ فِي نَفْسِهِ حَرَامًا امْتَنَعَ مَعَهُ فِعْلُ الرُّخْصَةِ وَإِلَّا فَلَا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآبِقَ وَنَحْوَهُ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ كَالْبَالِغِ وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ الْإِثْمُ وَخَرَجَ بِالْعَاصِي بِسَفَرِهِ الْعَاصِي فِيهِ وَهُوَ مَنْ يَقْصِدُ سَفَرًا مُبَاحًا فَتَعْرِضُ لَهُ فِيهِ مَعْصِيَةٌ فَيَرْتَكِبُهَا فَلَهُ التَّرَخُّصُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ تَرَخُّصِهِ مُبَاحٌ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا (فَلَوْ) (أَنْشَأَ) سَفَرًا (مُبَاحًا ثُمَّ جَعَلَهُ مَعْصِيَةً فَلَا تَرَخُّصَ) لَهُ (فِي الْأَصَحِّ) مِنْ حِينِ جَعْلِهِ كَمَا لَوْ أَنْشَأَهُ بِهَذِهِ النِّيَّةِ.
وَالثَّانِي يَتَرَخَّصُ اكْتِفَاءً بِكَوْنِ السَّفَرِ مُبَاحًا فِي ابْتِدَائِهِ، فَإِنْ تَابَ تَرَخَّصَ جَزْمًا كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ اللُّقَطَةِ أَيْ وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي أَقَلَّ مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ نَظَرًا لِأَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ مِمَّا يُوهَمُ خِلَافَهُ مُؤَوَّلٌ (وَلَوْ أَنْشَأَهُ عَاصِيًا) بِهِ (ثُمَّ تَابَ) تَوْبَةً صَحِيحَةً (فَمَنْشَأُ السَّفَرِ مِنْ حِينِ التَّوْبَةِ) فَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَحَلِّهَا وَمَقْصِدِهِ مَرْحَلَتَانِ قَصَرَ وَإِلَّا فَلَا.
وَفَارَقَ مَا مَرَّ بِتَقْصِيرِهِ بِإِنْشَائِهِ عَاصِيًا فَلَا يُنَاسِبُهُ التَّخْفِيفُ، وَمَا لَا يُشْتَرَطُ لِلتَّرَخُّصِ طُولُهُ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ يَسْتَبِيحُهُ مِنْ حِينِ التَّوْبَةِ مُطْلَقًا، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا صَحِيحَةً مَا لَوْ عَصَى بِسَفَرِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ تَابَ فَإِنَّهُ لَا يَتَرَخَّصُ مِنْ حِينِ التَّوْبَةِ بَلْ حَتَّى تَفُوتَ الْجُمُعَةُ، وَمِنْ وَقْتِ فَوَاتِهَا يَكُونُ ابْتِدَاءُ سَفَرِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَوْ نَوَى الْكَافِرُ أَوْ الصَّبِيُّ سَفَرَ قَصْرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ بَلَغَ فِي الطَّرِيقِ قَصَرَ فِي بَقِيَّتِهِ كَمَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ خِلَافًا لِلْبَغَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ مِنْ قَصْرِ الصَّبِيِّ دُونَ مَنْ أَسْلَمَ.
(وَ) رَابِعُهَا عَدَمُ اقْتِدَائِهِ بِمُتِمٍّ (وَلَوْ) احْتِمَالًا، فَمَتَى (اقْتَدَى بِمُتِمٍّ) وَلَوْ مُسَافِرًا (لَحْظَةً) كَأَنْ أَدْرَكَهُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ وَلَوْ تَامَّةً فِي نَفْسِهَا
[حاشية الشبراملسي]
هُوَ قَوْلُهُ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ وَقَوْلُهُ وَفِي الثَّانِي هُوَ قَوْلُهُ رُؤْيَةُ الْبِلَادِ.
(قَوْلُهُ: كَالْبَالِغِ وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ الْإِثْمُ) أَيْ فَإِذَا سَافَرَ الصَّبِيُّ بِلَا إذْنٍ مِنْ وَلِيِّهِ لَمْ يَقْصُرْ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَبِهِ صَرَّحَ سم، وَكَذَا النَّاشِزَةُ الصَّغِيرَةُ؛ وَيُنْظَرُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَإِنْ بَلَغَ مَرْحَلَتَيْنِ قَصَرَ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عُصَاةً حَالَ السَّفَرِ لَهُمْ حُكْمُ الْعُصَاةِ.
وَقَالَ حَجّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ يَقْصُرُ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَبَعْدَهُ وَإِنْ سَافَرَ بِلَا إذْنٍ مِنْ وَلِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَاصٍ، وَامْتِنَاعُ الْقَصْرِ فِي حَقِّهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلٍ بِخُصُوصِهِ فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ مَا هُوَ بِصُورَةِ الْمَعْصِيَةِ وَلَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ لَهُ حُكْمُ الْعَاصِي وَأَنَّى بِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا) أَيِّ، وَكَذَا فِيهَا كَأَنْ سَارَ لِمَقَاصِدِهِ وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ فَالسَّيْرُ مُبَاحٌ مَعَ إثْمِهِ بِالشُّرْبِ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ أَنْشَأَ سَفَرًا مُبَاحًا) أَيْ شَرَعَ فِيهِ (قَوْلُهُ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ إلَخْ) وَعِبَارَتُهُ: فَإِنْ تَابَ فَأَوَّلُهُ مَحَلُّ تَوْبَتِهِ انْتَهَى.
وَتَأْوِيلُهَا كَأَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ مَحَلُّ تَوْبَتِهِ: أَيْ حَيْثُ ابْتَدَأَ سَفَرَهُ مَعْصِيَةً، فَإِنْ ابْتَدَأَهُ مُبَاحًا ثُمَّ جَعَلَهُ مَعْصِيَةً ثُمَّ تَابَ تُرُخِّصَ وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ: فَمَنْشَأُ السَّفَرِ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالشِّينِ: أَيْ فَمَوْضِعُ إنْشَاءِ السَّفَرِ يُعْتَبَرُ مِنْ حِينِ إلَخْ.
هَذَا وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ فَمُنْشِئُ السَّفَرِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الشِّينِ انْتَهَى.
وَهِيَ تُفِيدُ أَنَّهُ اسْمٌ لِذَاتِ الْمُسَافِرِ لَا لِمَكَانِ السَّفَرِ وَمَآلُهَا وَاحِدٌ.
(قَوْلُهُ: وَفَارِقُ مَا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَنْشَأَهُ مُبَاحًا ثُمَّ جَعَلَهُ مَعْصِيَةً ثُمَّ تَابَ يَتَرَخَّصُ وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ حِينِ التَّوْبَةِ مُطْلَقًا) بَقِيَ مَرْحَلَتَانِ أَمْ لَا؟ (قَوْلُهُ: حَتَّى تَفُوتَ الْجُمُعَةُ) أَيْ بِسَلَامِ الْإِمَامِ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ غَلَبَةِ ظَنِّهِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَتَرَخَّصُ وَإِنْ بَعُدَ عَنْ مَحَلِّ الْجُمُعَةِ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ إدْرَاكُهَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ الصَّبِيُّ) أَيْ وَلَمْ يَكُنْ سَفَرُهُ بِصُورَةِ الْمَعْصِيَةِ بِأَنْ كَانَ آبِقًا أَوْ نَاشِزَةً أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ عَلَى مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآبِقَ وَنَحْوَهُ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ كَالْبَالِغِ وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ الْإِثْمُ.
(قَوْلُهُ: قَصَرَ فِي بَقِيَّتِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْقَصْرُ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَلَيْسَ مُرَادًا؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ مُسَافِرٌ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ فَلَا مَعْصِيَةَ، فَلَعَلَّهُ إنَّمَا قَيَّدَ بِمَا ذَكَرَ لِلرَّدِّ عَلَى الْبَغَوِيّ (قَوْلُهُ: قَصَرَ فِي بَقِيَّتِهِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مُسَافِرًا لَحْظَةً) وَلَوْ دُونَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ حَجّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَوْ احْتِمَالًا) قَدْ يُقَالُ يُنَافِيهِ مَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ عَلِمَهُ مُسَافِرًا وَشَكَّ فِي نِيَّتِهِ قَصَرَ.
كَصُبْحٍ أَوْ جُمُعَةٍ أَوْ مَغْرِبٍ أَوْ نَحْوِ عِيدٍ أَوْ رَاتِبَةٍ وَلَا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَى الْمُصَنِّفِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهَا تَامَّةٌ فِي نَفْسِهَا (لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ) لِمَا صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّهُ السُّنَّةُ، وَالْأَوْجَهُ جَوَازُ قَصْرِ مُعَادَةٍ صَلَّاهَا أَوَّلًا مَقْصُورَةً وَفَعَلَهَا ثَانِيًا إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا بِقَاصِرٍ، وَلَوْ لَزِمَ الْإِمَامَ الْإِتْمَامُ بَعْدَ إخْرَاجِ الْمَأْمُومِ نَفْسَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِمَامٍ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، إذْ مُتِمٌّ اسْمُ فَاعِلٍ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي حَالِ التَّلَبُّسِ فَيُفِيدُ أَنَّ الْإِتْمَامَ حَالَ الِاقْتِدَاءِ فَلَا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَتَنْعَقِدُ صَلَاةُ الْقَاصِرِ خَلْفَ مُتِمٍّ جَهِلَ الْمَأْمُومُ وَتَلْغُو نِيَّةُ الْقَصْرِ، بِخِلَافِ الْمُقِيمِ لَوْ نَوَى الْقَصْرَ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقَصْرِ وَالْمُسَافِرُ مِنْ أَهْلِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ ثُمَّ نَوَى الْإِتْمَامَ أَوْ صَارَ مُقِيمًا.
(وَلَوْ رَعَفَ) بِتَثْلِيثِ عَيْنِهِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، وَهُوَ مِثَالٌ لَا قَيْدٌ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ (الْإِمَامُ الْمُسَافِرُ) الْقَاصِرُ (وَاسْتَخْلَفَ) لِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ بِرُعَافِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ سَوَاءٌ أَكَانَ قَلِيلًا أَمْ كَثِيرًا لِاخْتِلَاطِهِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْفَضَلَاتِ مَعَ نُدْرَتِهِ فَلَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ.
وَقَالَ الْقَمُولِيُّ فِي الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيِّ رَدًّ اعَلَى أَبِي غَانِمٍ صَاحِبِ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي تَأْوِيلِ نَصِّ الْمُخْتَصَرِ.
وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الِاسْتِخْلَافِ بِعُذْرٍ وَهَذَا اسْتِخْلَافٌ قَبْلَ وُجُودِ الدَّمِ لِتَكْثِيرِ الْمُبْطِلِ لِلصَّلَاةِ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الرُّعَافِ لَا يُبْطِلُ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِتَرْجِيحِ الرَّافِعِيِّ، لَكِنَّ النَّوَوِيَّ رَجَّحَ الْعَفْوَ عَنْ الْكَثِيرِ أَيْضًا.
وَفِي الْمَجْمُوعِ حِكَايَةُ مَا ذَكَرَهُ الْقَمُولِيُّ، قَالَ الْبَكْرِيُّ: وَمَا يُتَخَيَّلُ أَنَّ فِي دَمِ الرُّعَافِ غَيْرَهُ مِنْ الْفَضَلَاتِ خَيَالٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ اهـ.
وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ (مُتِمًّا) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدِيًا بِهِ (أَتَمَّ الْمُقْتَدُونَ) الْمُسَافِرُونَ وَلَوْ لَمْ يَنْوُوا الِاقْتِدَاءَ بِهِ لِصَيْرُورَتِهِمْ مُقْتَدِينَ بِهِ حُكْمًا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِخْلَافِ وَمِنْ ثَمَّ لَحِقَهُمْ سَهْوُهُ وَتَحَمَّلَ سَهْوَهُمْ.
نَعَمْ لَوْ نَوَوْا فِرَاقَهُ عِنْدَ إحْسَاسِهِ بِأَوَّلِ رُعَافِهِ أَوْ حَدَثِهِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: صَلَّاهَا أَوَّلًا مَقْصُورَةً) وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ فِي الْأُولَى كَوْنُهَا مَقْصُورَةً؛ لِأَنَّ الْإِعَادَةَ فِعْلُ الشَّيْءِ ثَانِيًا بِصِفَتِهِ الْأُولَى.
لَا يُقَالُ: عَلَى هَذَا لَا تَجُوزُ إعَادَتُهَا تَامَّةً؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا كَانَ التَّمَامُ هُوَ الْأَصْلُ وَلَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهُ عَلَى نِيَّتِهِ يَمْتَنِعُ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ لِلْأَصْلِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَأْمُومِ.
(قَوْلُهُ: وَتَنْعَقِدُ صَلَاةُ الْقَاصِرِ) أَيْ تَامَّةً، فَالْمُرَادُ مَنْ نَوَى الْقَصْرَ خَلْفَ إلَخْ لَا أَنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِالْقَصْرِ حَقِيقَةً لِاسْتِحَالَتِهِ مَعَ كَوْنِهِ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً
(قَوْلُهُ: وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ) قَالَ ع: وَالضَّمُّ ضَعِيفٌ وَالْكَسْرُ أَضْعَفُ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ الْقَمُولِيُّ فِي الْبَحْرِ) أَيْ وَهُوَ شَرْحُ الْوَسِيطِ لَهُ وَاخْتَصَرَ مِنْهُ الْجَوَاهِرَ (قَوْلُهُ: قَالَ الْبَكْرِيُّ) أَيْ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ لَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ) أَيْ وَهُوَ عَدَمُ الْعَفْوِ عَنْهُ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَقَالَ الْقَمُولِيُّ إلَخْ) أَيْ مُخَالِفًا لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ مَنْ ذَكَرَ، فَغَرَضُ الشَّارِحِ مِنْ ذِكْرِهِ بَيَانُ خِلَافِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قَالَ الْخِلَافُ) مَقُولُ قَوْلِ الْقَمُولِيِّ (قَوْلُهُ: فَقَدْ صَرَّحَ) أَيْ الْقَمُولِيُّ، وَهَذَا أَوَّلُ كَلَامِ الشَّارِحِ بَعْدَ كَلَامِ الْقَمُولِيِّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُوَافِقٌ لِتَرْجِيحِ الرَّافِعِيِّ) أَيْ فِي أَصْلِ مَسْأَلَةِ الدَّمِ الْخَارِجِ مِنْ الْإِنْسَانِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ لَا فِي خُصُوصِ مَسْأَلَةِ الرُّعَافِ وَإِنْ تُوُهِّمَ، وَإِلَّا لَنَافَى قَوْلَهُ وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ، وَقَوْلُهُ: لَكِنَّ النَّوَوِيَّ رَجَّحَ الْعَفْوَ عَلَى الْكَثِيرِ أَيْضًا: أَيْ فِي مُطْلَقِ دَمِ الْإِنْسَانِ كَمَا عَرَفْت: أَيْ وَالرُّعَافُ مُسْتَثْنًى لِمَا مَرَّ مِنْ الْعِلَّةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ غَرَضَ الشَّارِحِ وَإِنْ كَانَ فِي عِبَارَتِهِ قَلَاقَةٌ، وَمِنْ ثَمَّ فُهِمَتْ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ مُخْتَارَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ طِبْقَ مَا مَرَّ لَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ تَبَعًا لِوَالِدِهِ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ كَلَامَ الْقَمُولِيِّ فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُخَالِفِ لِاخْتِيَارِهِ، وَقَوْلُهُ: فِيهِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِتَرْجِيحِ الرَّافِعِيِّ لَكِنَّ النَّوَوِيَّ رَجَّحَ إلَخْ مِنْ بَابِ التَّنَزُّلِ مَعَ الْقَمُولِيِّ كَأَنَّهُ يَقُولُ حَيْثُ لَمْ يَسْتَثْنِ نَحْوَ الرُّعَافِ لِمَا مَرَّ مِنْ الْعِلَّةِ مِنْ مُطْلَقِ دَمِ الْإِنْسَانِ، فَتَقْيِيدُهُ بِالْكَثِيرِ فِي قَوْلِهِ قَبْلَ وُجُودِ الدَّمِ الْكَثِيرِ الْمُبْطِلِ لِلصَّلَاةِ جَرَى عَلَى طَرِيقَةِ الرَّافِعِيِّ الْمَارَّةِ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ، وَإِلَّا فَالنَّوَوِيُّ رَجَّحَ الْعَفْوَ فِي دَمِ الْإِنْسَانِ مُطْلَقًا: أَيْ بِشَرْطِهِ،
قَبْلَ تَمَامِ اسْتِخْلَافِهِ قَصَرُوا اكَمَا لَمْ يَسْتَخْلِفْهُ هُوَ وَلَا الْمَأْمُومُ أَوْ اسْتَخْلَفَ قَاصِرًا (وَكَذَا لَوْ عَادَ الْإِمَامُ وَاقْتَدَى بِهِ) يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ لِاقْتِدَائِهِ بِمُتِمٍّ فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ وَاسْتَخْلَفَ مُتِمًّا عَمَّا لَوْ اسْتَخْلَفَ قَاصِرًا أَوْ اسْتَخْلَفُوهُ أَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفُوا أَحَدًا فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ، وَلَوْ اسْتَخْلَفَ الْمُتِمُّونَ مُتِمًّا وَالْقَاصِرُونَ قَاصِرًا فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ (وَلَوْ لَزِمَ الْإِتْمَامُ مُقْتَدِيًا فَفَسَدَتْ) بَعْدَ ذَلِكَ (صَلَاتُهُ أَوْ صَلَاةُ إمَامِهِ أَوْ بَانَ إمَامُهُ مُحْدِثًا) أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِ ذَا نَجَاسَةٍ خَفِيَّةٍ لِمَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ هَؤُلَاءِ وَحُصُولِ الْجَمَاعَةِ بِهِمْ (أَتَمَّ) ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ قَصْرُهَا كَفَائِتَةِ الْحَضَرِ، وَخَرَجَ " بِفَسَدَتْ " صَلَاتُهُ مَا لَوْ بَانَ عَدَمُ انْعِقَادِهَا فَلَهُ قَصْرُهَا، وَالضَّابِطُ كَمَا أَفَادَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ كُلَّ مَا عَرَضَ بَعْدَ مُوجِبِ الْإِتْمَامِ فَسَادَهُ يَجِبُ إتْمَامُهُ وَمَا لَا فَلَا، وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا وَلَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ ثُمَّ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لَزِمَهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ الْإِتْمَامُ، وَلَوْ فَقَدَ الطَّهُورَيْنِ فَشَرَعَ بِنِيَّةِ الْإِتْمَامِ فِيهَا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الطَّهَارَةِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ: قَصَرَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِحَقِيقَةِ صَلَاةٍ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَعَلَّ مَا قَالُوهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ شَرْعِيَّةٍ بَلْ تُشْبِهُهَا، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ اهـ. وَالْأَوْجَهُ الْأُوَلُ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ صَلَاةً شَرْعِيَّةً لَمْ يَسْقُطْ بِهَا طَلَبُ فِعْلِهَا وَإِنَّمَا أَسْقَطَ حُرْمَةَ الْوَقْتِ فَقَطْ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَنْ صَلَّى بِتَيَمُّمٍ بِمَنْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ بِنِيَّةِ الْإِتْمَامِ ثُمَّ أَعَادَهَا.
(وَلَوْ) (اقْتَدَى بِمَنْ ظَنَّهُ مُسَافِرًا) فَنَوَى الْقَصْرَ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ
[حاشية الشبراملسي]
مُطْلَقًا، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ خِلَافًا لحج حَيْثُ قَالَ بِالْعَفْوِ عَنْ قَلِيلِ دَمِ الْمَنَافِذِ (قَوْلُهُ: قَبْلَ تَمَامِ اسْتِخْلَافِهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الِاسْتِخْلَافِ أَوْ مَعَهُ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ عَادَ الْإِمَامُ) حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَلَوْ اقْتَدَى بِمُتِمٍّ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِهَذِهِ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا أَعَادَ ذَلِكَ هُنَا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْأَصْلِ مَتْبُوعًا لَا يَصِيرُ تَابِعًا لِخَلِيفَتِهِ فَلَا يَسْرِي عَلَيْهِ حُكْمُهُ.
(قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ وَاسْتَخْلَفَ مُتِمًّا) بَيَّنَ بِهِ كَوْنَهُ مُحْتَرَزَ الْمَتْنِ، وَإِلَّا فَهَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْهُ هُوَ وَلَا الْمَأْمُومُونَ أَوْ اسْتَخْلَفَ قَاصِرًا (قَوْلُهُ: أَوْ بَانَ إمَامُهُ مُحْدِثًا) أَيْ بَعْدَ لُزُومِ الْإِتْمَامِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَانَ الْحَدَثُ قَبْلَ لُزُومِ الْإِتْمَامِ أَوْ مَعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ قَاصِرٍ فِي ظَنِّهِ.
(قَوْلُهُ: مَا لَوْ بَانَ عَدَمُ انْعِقَادِهَا) أَيْ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِأَنْ بَانَ لَهُ حَدَثُ نَفْسِهِ أَوْ نَجَاسَةٌ فِي نَحْوِ بَدَنِهِ أَوْ لِكَوْنِ إمَامِهِ ذَا نَجَاسَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ أُمِّيًّا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: لَزِمَهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ الْإِتْمَامُ) أَيْ؛ لِأَنَّهَا انْعَقَدَتْ تَامَّةً بِإِحْرَامِهِ مُنْفَرِدًا لِعَدَمِ نِيَّتِهِ الْقَصْرَ وَنَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ مُقْتَدِيًا لَيْسَ بِقَيْدٍ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الطَّهَارَةِ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ وَنَحْوَهُ لَيْسَ لَهُ صَلَاةٌ إلَّا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ الصَّلَاةِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَاءً فِي الْوَقْتِ أَوْ ظَنَّ عَدَمَ وِجْدَانِهِ وَأَنَّهُ مَا دَامَ يَرْجُو الْمَاءَ لَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَحْرَمَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ بَنَى صَلَاتَهُ عَلَى ظَنٍّ بَانَ خَطَؤُهُ فَتَبَيَّنَ عَدَمُ انْعِقَادِ صَلَاتِهِ فَيُعِيدُهَا مَقْصُورَةً وَلَا يَكُونُ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ.
(قَوْلُهُ: وَلَعَلَّ مَا قَالُوهُ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرَهُ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ الْأُوَلُ) أَيْ جَوَازُ الْقَصْرِ وَهَلْ لَهُ الْجَمْعُ أَيْضًا؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَسَيَأْتِي عَنْ الشَّارِحِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الْآتِي مَا يُفِيدُ أَنَّهُ كَالْمُتَحَيِّرَةِ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ تَقْدِيمًا لَا تَأْخِيرًا فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَسْقُطْ بِهَا طَلَبُ فِعْلِهَا) فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهَا حَيْثُ وُصِفَتْ بِالصِّحَّةِ سَقَطَ بِهَا طَلَبُ الْفِعْلِ وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ حَيْثُ كَانَ فَبِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: إنَّ الصِّحَّةَ إسْقَاطُ الطَّلَبِ.
وَقِيلَ فِي الْعِبَادَةِ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ، فَلَعَلَّ الشَّارِحَ جَرَى عَلَى الثَّانِي أَوْ أَرَادَ بِطَلَبِ الْفِعْلِ الْقَضَاءَ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا يُقَالُ فِيمَنْ صَلَّى بِتَيَمُّمٍ)
[حاشية الرشيدي]
فَلَوْ جَرَى الْقَمُولِيُّ عَلَى طَرِيقَتِهِ لَمْ يُقَيِّدْ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَالضَّابِطُ) هُوَ قَاصِرٌ عَلَى مَا إذَا فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا إلَخْ) هَذَا مِنْ أَفْرَادِ الضَّابِطِ.
(قَوْلُهُ: هُوَ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ إنَّهُ نَوَاهُ
حَالِ الْمُسَافِرِ أَنَّهُ نَوَاهُ (فَبَانَ مُقِيمًا) يَعْنِي مُتِمًّا وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا أَتَمَّ حَتْمًا، أَمَّا لَوْ بَانَ مُحْدِثًا ثُمَّ مُقِيمًا أَوْ بَانَا مَعًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِتْمَامُ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ حَقِيقَةً بَاطِنًا لِحَدَثِهِ (أَوْ) اقْتَدَى نَاوِيًا الْقَصْرَ (بِمَنْ جَهِلَ سَفَرَهُ) بِأَنْ تَرَدَّدَ فِيهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ حَالِهِ شَيْئًا (أَتَمَّ) لُزُومًا وَإِنْ بَانَ مُسَافِرًا قَاصِرًا لِظُهُورِ شِعَارِ الْمُسَافِرِ غَالِبًا وَالْأَصْلُ الْإِتْمَامُ، وَلَوْ صَحَّتْ الْقُدْوَةُ بِأَنْ اقْتَدَى بِمَنْ ظَنَّهُ مُسَافِرًا ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ بَانَ مُقِيمًا أَتَمَّ وَإِنْ عَلِمَ حَدَثَهُ أَوَّلًا، وَإِنَّمَا صَحَّتْ الْجُمُعَةُ مَعَ تَبَيُّنِ حَدَثِ إمَامِهَا الزَّائِدِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ لِلِاكْتِفَاءِ فِيهَا بِصُورَةِ الْجَمَاعَةِ، بَلْ حَقِيقَتِهَا لِقَوْلِهِمْ إنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ جَمَاعَةً كَامِلَةٌ كَمَا مَرَّ، وَلَمْ يُكْتَفَ بِذَلِكَ فِي إدْرَاكِ الْمَسْبُوقِ الرَّكْعَةَ خَلْفَ الْمُحْدِثِ؛ لِأَنَّ تَحَمُّلَهُ عَنْهُ رُخْصَةٌ وَالْمُحْدِثُ لَا يَصْلُحُ لَهُ فَانْدَفَعَ مَا لِلْإِسْنَوِيِّ هُنَا (وَلَوْ عَلِمَهُ) أَوْ ظَنَّهُ؛ لِأَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ الْعِلْمَ كَثِيرًا وَيُرِيدُونَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ (مُسَافِرًا وَشَكَّ) أَيْ تَرَدَّدَ (فِي نِيَّتِهِ) الْقَصْرَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ حَنَفِيٍّ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ فَجَزَمَ هُوَ بِنِيَّتِهِ الْقَصْرَ (قَصَرَ) إذَا بَانَ قَاصِرًا؛ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ وَلَا تَقْصِيرَ فَإِنْ بَانَ مُتِمًّا أَتَمَّ.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ وَشَكَّ فِي نِيَّتِهِ عَمَّا لَوْ عَلِمَهُ مُسَافِرًا وَلَمْ يَشُكَّ كَأَنْ كَانَ الْإِمَامُ حَنَفِيًّا فِي دُونِ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ فَلَهُ قَصْرُهَا
(قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ بَانَ مُحْدِثًا) أَيْ مِنْ ابْتِدَائِهِ الصَّلَاةَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْحَدَثُ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَلَوْ صَحَّتْ الْقُدْوَةُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ بَانَ) غَايَةُ (قَوْلِهِ ثُمَّ أَحْدَثَ) أَيْ الْإِمَامُ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ بَانَ مُقِيمًا) أَتَمَّ أَيْ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اقْتَدَى قَبْلَ الْحَدَثِ بِمُتِمٍّ (قَوْلُهُ: بَلْ حَقِيقَتُهَا) أَيْ بَلْ بِوُجُودِ حَقِيقَتِهَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ ظَنَّهُ) الْأَوْلَى: أَيْ ظَنَّهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ بِالْعِلْمِ هُنَا وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ الْعِلْمَ كَثِيرًا إلَخْ انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ حَجّ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ ظَنَّهُ: بَلْ كَثِيرًا مَا يُرِيدُونَ بِالْعِلْمِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ انْتَهَى.
فَلَمْ يُجْعَلُ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِعَطْفِ الظَّنِّ، بَلْ أَفَادَ بِهِ أَنَّ الظَّنَّ دَاخِلٌ فِي عِبَارَتِهِ.
(قَوْلُهُ: لِكَوْنِهِ غَيْرَ حَنَفِيٍّ) وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ حَنَفِيًّا وَاقْتَدَى بِهِ مَنْ عَلِمَهُ مُسَافِرًا بَعْدَ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ نَوَى الْإِتْمَامَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ لِإِتْمَامِ إمَامِهِ وَيُحْمَلُ عَلَى السَّهْوِ أَوْ لَا، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ حَدَثُهُ ثُمَّ إقَامَتُهُ لِعَدَمِ الْقُدْوَةِ حَقِيقَةً؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي.
وَلَا يُقَالُ: يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ فِي تَبَيُّنِ الْحَدَثِ تَبَيَّنَ لَهُ عَدَمُ حَقِيقَةِ الْقُدْوَةِ وَهُنَا الْقُدْوَةُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَقِيدَةِ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: مَحَلُّ كَوْنِ الْعِبْرَةِ بِعَقِيدَةِ الْمَأْمُومِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ نَاسِيًا كَمَا مَرَّ عَنْ صَاحِبِ الْخَوَاطِرِ السَّرِيعَةِ وَهُنَا لَمْ يُعْلَمْ نِسْيَانُهُ أَوْ تَعَمُّدُهُ عَلَى أَنَّهُ بِتَقْدِيرِ نِسْيَانِهِ هُنَا بَعْدَ نِيَّةِ الْقَصْرِ مِنْهُ مَا فَعَلَهُ يَكُونُ لَغْوًا حَتَّى عِنْدَنَا.
(قَوْلُهُ: فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُجَوِّزُ الْقَصْرَ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا سَيَأْتِي لِلشَّارِحِ فِي قَوْلِهِ خُرُوجًا مِنْ إيجَابِ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَصْرَ فِي الْأَوَّلِ وَالْإِتْمَامَ فِي الثَّانِي انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَنْشَأَ الشَّكِّ هُنَا تَجْوِيزُ أَنَّ إمَامَهُ قَلَّدَ الشَّافِعِيَّ مَثَلًا.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ حَنَفِيًّا وَعَلَيْهَا فَلَا يُرَدُّ مَا ذَكَرَ.
(قَوْلُهُ: قَصَرَ) لَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا أَنَّهُ ثَمَّ لَمَّا جَهِلَ سَفَرَ الْإِمَامِ كَانَ الْحَاصِلُ عِنْدَهُ مَحْضَ التَّرَدُّدِ فِي النِّيَّةِ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الْقَصْرُ وَإِنْ عَلِمَ سَفَرَ إمَامِهِ، وَهُنَا لَمَّا عَلِمَ سَفَرَهُ أَوْ ظَنَّهُ وَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُسَافِرِ نِيَّةَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: حَقِيقَةً بَاطِنًا) الْأَوْلَى بَلْ الصَّوَابُ حَذْفُهُمَا (قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ حَالِهِ شَيْئًا) كَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ ذَاهِلٌ عِنْدَ النِّيَّةِ عَنْ حَالَةِ الْإِمَامِ لَمْ تَخْطِرْ بِبَالِهِ لَكِنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ اعْتِبَاطًا (قَوْلُهُ: لِظُهُورِ شِعَارِ الْمُسَافِرِ غَالِبًا) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: لِقَصِيرِهِ بِشُرُوعِهِ مُتَرَدِّدًا فِيمَا يَسْهُلُ كَشْفُهُ لِظُهُورِ شِعَارِ الْمُسَافِرِ غَالِبًا، فَلَعَلَّ صَدْرَ الْعِبَارَةِ أَسْقَطَهُ النُّسَّاخُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: بَلْ حَقِيقَتُهَا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِلِاكْتِفَاءِ لَا عَلَى مَدْخُولِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ الْعِلْمَ إلَخْ) هَذَا التَّعْلِيلُ لَا يُنَاسِبُ الْعَطْفَ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: أَوْ ظَنَّهُ بَلْ كَثِيرًا مَا يُرِيدُونَ بِالْعِلْمِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ، فَأَشَارَ إلَى جَوَابَيْنِ (قَوْلُهُ: غَيْرَ حَنَفِيٍّ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ) إنَّمَا قَيَّدَ بِالْحَنَفِيِّ؛ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّ فِي أَقَلِّ مِنْ الثَّلَاثِ مُتَيَقِّنُ الْإِتْمَامِ وَفِيمَا فَوْقَهَا مُتَيَقِّنُ الْقَصْرِ فَلَا تُتَصَوَّرُ فِيهِ الْمَسْأَلَةُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ غَيْرَ الْحَنَفِيِّ بِمَا إذَا كَانَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لِيَبْقَى الشَّكُّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَبِالْأَوْلَى إذَا كَانَ فَوْقَ الثَّلَاثِ، لَكِنَّ الْمَوْجُودَ حِينَئِذٍ ظَنٌّ لَا شَكٌّ، إذْ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ حِينَئِذٍ الْقَصْرُ حُمِدَ لَهُ عَلَى الْكَمَالِ مِنْ الْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ
ثَلَاثِ مَرَاحِلَ فَإِنَّهُ يُتِمُّ لِامْتِنَاعِ الْقَصْرِ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْمَسَافَةِ، وَيَتَّجِهُ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ مَا إذَا أَخْبَرَ الْإِمَامُ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِأَنَّ عَزْمَهُ الْإِتْمَامُ.
(وَلَوْ) (شَكَّ فِيهَا) أَيْ فِي نِيَّةِ إمَامِهِ (فَقَالَ) مُعَلِّقًا عَلَيْهَا فِي نِيَّتِهِ (إنْ قَصَرَ قَصُرَتْ وَإِلَّا) بِأَنْ أَتَمَّ (أَتْمَمْت) (قَصَرَ فِي الْأَصَحِّ) إنْ قَصْر وَلَا يَضُرُّ تَعْلِيقُهَا عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ أَنَّ مَحَلَّ اخْتِلَالِ النِّيَّةِ بِالتَّعْلِيقِ مَا لَمْ يَكُنْ تَصْرِيحًا بِمُقْتَضَى الْحَالِ وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّ.
وَالثَّانِي لَا يَقْصُرُ لِلتَّرَدُّدِ فِي النِّيَّةِ، أَمَّا لَوْ بَانَ إمَامُهُ مُتِمًّا لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ قَالَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ كُنْت نَوَيْت الْإِتْمَامَ لَزِمَ الْمَأْمُومَ الْإِتْمَامُ أَوْ نَوَيْت الْقَصْرَ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْمَأْمُومِ مَا نَوَاهُ الْإِمَامُ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ احْتِيَاطًا.
(وَ) خَامِسُهَا نِيَّةُ الْقَصْرِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ كَصَلَاةِ السَّفَرِ أَوْ الظُّهْرِ مَثَلًا رَكْعَتَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ تَرَخُّصًا وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ (يُشْتَرَطُ لِلْقَصْرِ نِيَّتُهُ) لِكَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَاحْتَاجَ لِصَارِفٍ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْإِتْمَامِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تُوجَدَ بِنِيَّةٍ (فِي الْإِحْرَامِ) كَبَقِيَّةِ النِّيَّاتِ بِخِلَافِ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ طُرُوُّ الْجَمَاعَةِ عَلَى الِانْفِرَادِ كَعَكْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَصْلَ هُنَا يُرْجَعُ إلَيْهِ، بِخِلَافِ الْقَصْرِ لَا يُمْكِنُ طُرُوُّهُ عَلَى الْإِتْمَامِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ كَمَا تَقَرَّرَ.
(وَ) سَادِسُهَا (التَّحَرُّرُ عَنْ مُنَافِيهَا) أَيْ نِيَّةِ الْقَصْرِ (دَوَامًا) أَيْ فِي دَوَامِ الصَّلَاةِ بِأَنْ لَا يَتَرَدَّدَ فِي الْإِتْمَامِ فَضْلًا عَنْ الْجَزْمِ بِهِ كَمَا قَالَ (وَلَوْ أَحْرَمَ قَاصِرًا ثُمَّ تَرَدَّدَ فِي أَنَّهُ يَقْصُرُ أَمْ يُتِمُّ) أَتَمَّ (أَوْ) تَرَدَّدَ أَيْ شَكَّ (فِي أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ أَمْ لَا) (أَتَمَّ) وَلَوْ تَذَكَّرَ حَالًا أَنَّهُ نَوَاهُ لِتَأْدِيَتِهِ جُزْءًا مِنْ صَلَاتِهِ حَالَ تَرَدُّدِهِ عَلَى التَّمَامِ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّهُ قَسِيمٌ لِمَنْ أَحْرَمَ قَاصِرًا لَا قَسْمَ مِنْهُ رُدَّ بِأَنَّ كَوْنَهُ قَاصِرًا فِي أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَشْكُوكِ فِيهِمَا لَا يُسَوِّغُ جَعْلَهُ قِسْمًا وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ مِنْ الْمُحْتَرَزِ عَنْهُ وَلَمْ يُصَدِّرْهُمَا بِالْفَاءِ.
قَالَ الشَّارِحُ لِضَمِّهِ إلَيْهِمَا فِي الْجَوَابِ مَا لَيْسَ مِنْ الْمُحْتَرَزِ عَنْهُ اخْتِصَارًا فَقَالَ (أَوْ) (قَامَ) عَطْفٌ عَلَى أَحْرَمَ (إمَامُهُ لِثَالِثَةٍ فَشَكَّ) أَيْ تَرَدَّدَ (هَلْ
[حاشية الشبراملسي]
الْقَصْرِ كَانَتْ نِيَّتُهُ مَبْنِيَّةً عَلَى أَصْلٍ رَاجِحٍ وَهُوَ نِيَّةُ الْقَصْرِ فَاكْتُفِيَ بِهِ وَصَارَ الْحُكْمُ مُعَلَّقًا عَلَى قَصْرِ الْإِمَامِ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ إحْرَامِهِ) أَيْ الْإِمَامِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنَّ عَزْمَهُ الْإِتْمَامُ) أَيْ فَيَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ الْإِتْمَامُ وَإِنْ قَصَرَ إمَامُهُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ تَنْعَقِدُ تَامَّةً لِظَنِّهِ إتْمَامَ إمَامِهِ
(قَوْلُهُ: وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ قَالَ) أَيْ وَلَوْ فَاسِقًا؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ: أَيْ بِحَدَثٍ مَثَلًا، ثُمَّ إنْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ فَرَاغِ الْمَأْمُومِ مِنْ صَلَاتِهِ فَظَاهِرٌ وَإِنْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ بَعْدَ سَلَامِ الْمَأْمُومِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ لِنِيَّةِ الْقَصْرِ أَوَّلًا، فَإِنَّ قِصَرَ الْفَصْلِ بَيْنَ السَّلَامِ وَالْإِخْبَارَ بُنِيَ عَلَى مَا فَعَلَهُ، وَإِنْ طَالَ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْمَأْمُومِ مَا نَوَاهُ) أَيْ كَأَنْ اقْتَدَى بِهِ وَلَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ الْإِحْرَامَ وَشَكَّ فِي نِيَّتِهِ الْقَصْرَ وَسَلَّمَ الْإِمَامُ وَذَهَبَ إلَى سَبِيلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمَأْمُومُ
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَا أَصْلَ هُنَا) غَيْرُ الِانْفِرَادِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ فِي النِّيَّةِ فَيَرْجِعُ إلَى الْإِتْمَامِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ بِخِلَافِ الْإِتْمَامِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَيَلْزَمُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ انْتَهَى وَهِيَ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ لحج
(قَوْلُهُ: وَلَوْ تَذَكَّرَ) غَايَةُ (قَوْلِهِ لِتَأْدِيَتِهِ جُزْءًا مِنْ صَلَاتِهِ إلَخْ) هَذَا التَّعْلِيلُ رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى لَيْسَ فِيهَا شَكٌّ فِي النِّيَّةِ، لَكِنَّ تَرَدُّدَهُ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ مُنَافٍ لِلْجَزْمِ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ) هُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَوْ تَرَدُّدٌ فِي أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ.
(قَوْلُهُ: عَطْفٌ عَلَى أَحْرَمَ) الْأَوْلَى عَطَفَهُ عَلَى تَرَدَّدَ؛ لِأَنَّ عَطْفَهُ عَلَى أَحْرَمَ يُصَيِّرُ التَّقْدِيرَ أَوْ لَمْ يُحْرِمْ قَاصِرًا بَلْ أَحْرَمَ مُتِمًّا وَقَامَ إمَامُهُ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ مَعَ الْمَعْطُوفِ بِأَوْ نَقِيضُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ صُورَتُهُ أَنَّهُ أَحْرَمَ قَاصِرًا ثُمَّ قَامَ إمَامُهُ لِثَالِثَةٍ فَتَرَدَّدَ فِي أَنَّهُ نَوَى إلَى آخِرِهِ، وَعَلَى هَذَا يُشْكِلُ جَعْلُ هَذِهِ زِيَادَةً عَلَى الْمُحْتَرَزِ عَنْهُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ الْجَوَابَ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِضَمِّهِ إلَيْهَا فِي الْجَوَابِ مَا لَيْسَ مِنْ الْمُحْتَرَزِ عَنْهُ) فِي كَوْنِ مَا ذُكِرَ لَيْسَ مِنْ الْمُحْتَرَزِ عَنْهُ وَقْفَةٌ، فَإِنَّ التَّرَدُّدَ قَائِمٌ فِيهِ بِالْمُقْتَدِي وَهُوَ مُنَافٍ لِنِيَّةِ الْقَصْرِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ التَّرَدُّدَ هُنَا فِي فِعْلِ الْإِمَامِ وَهُوَ لَا يَمْنَعُ كَوْنَ التَّرَدُّدِ قَائِمًا بِالْمُقْتَدِي، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ هَذَا وَالْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَهُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، وَمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ مِنْ تَوْجِيهِ كَلَامِ
هُوَ مُتِمٌّ أَوْ سَاهٍ) (أَتَمَّ) ، وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ كَوْنُهُ سَاهِيًا كَمَا لَوْ شَكَّ فِي نِيَّةِ نَفْسِهِ وَفَارَقَ هَذَا مَا مَرَّ مِنْ نَظِيرِهِ فِي الشَّكِّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ حَيْثُ لَا يَضُرُّ لَوْ تَذَكَّرَ عَنْ قُرْبٍ بِأَنَّ زَمَنَهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ، وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهُ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ مَعَ قُرْبِ زَوَالِهِ غَالِبًا، بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّ الْمَوْجُودَ حَالَ الشَّكِّ مَحْسُوبٌ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ نَوَى الْقَصْرَ أَمْ الْإِتْمَامَ لِوُجُودِ أَصْلِ النِّيَّةِ، فَصَارَ مُؤَدِّيًا جُزْءًا مِنْ صَلَاتِهِ عَلَى التَّمَامِ كَمَا مَرَّ فَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، وَفَارَقَ أَيْضًا مَا مَرَّ فِي شَكِّهِ فِي نِيَّةِ الْإِمَامِ الْمُسَافِرِ ابْتِدَاءً بِأَنْ ثَمَّ قَرِينَةٌ عَلَى الْقَصْرِ وَهُنَا الْقَرِينَةُ ظَاهِرَةٌ فِي الْإِتْمَامِ وَهُوَ قِيَامُهُ لِلثَّالِثَةِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ كَانَ إمَامُهُ يُوجِبُ الْقَصْرَ بَعْدَ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ كَحَنَفِيٍّ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِتْمَامُ حَمْلًا لِقِيَامِهِ عَلَى أَنَّهُ سَاهٍ.
(وَلَوْ) (قَامَ الْقَاصِرُ لِثَالِثَةٍ عَمْدًا بِلَا مُوجِبٍ لِلْإِتْمَامِ) (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) كَمَا لَوْ قَامَ الْمُتِمُّ لِرَكْعَةٍ زَائِدَةٍ (وَإِنْ كَانَ) قِيَامُهُ لَهَا (سَهْوًا) ثُمَّ تَذَكَّرَ أَوْ جَهْلًا فَعَلِمَ (عَادَ) حَتْمًا (وَسَجَدَ لَهُ) أَيْ لِهَذَا السَّهْوِ نَدْبًا كَغَيْرِهِ مِمَّا يُبْطِلُ عَمْدُهُ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ صَارَ لِلْقِيَامِ أَقْرَبَ لِمَا مَرَّ فِي سُجُودِ السَّهْوِ لَكِنَّهُ لَا يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ فَرَضَ كَلَامَهُ فِيمَنْ قَامَ (وَسَلَّمَ فَإِنْ أَرَادَ) حَالَةَ تَذَكُّرِهِ وَهُوَ قَائِمٌ (أَنْ يُتِمَّ عَادَ) لِلْجُلُوسِ حَتْمًا (ثُمَّ نَهَضَ مُتِمًّا) أَيْ نَاوِيًا الْإِتْمَامَ لِإِلْغَاءِ نُهُوضِهِ لِسَهْوِهِ فَوَجَبَتْ إعَادَتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِتْمَامَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَهُوَ قَاصِرٌ.
(وَ) سَابِعُهَا دَوَامُ سَفَرِهِ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ كَمَا قَالَ وَ (يُشْتَرَطُ) لِلْقَصْرِ (أَيْضًا كَوْنُهُ) أَيْ النَّاوِي لَهُ (مُسَافِرًا فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ) (فَلَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ) الْقَاطِعَةَ لِلتَّرَخُّصِ (فِيهَا) أَوْ شَكَّ فِي نِيَّتِهَا (أَوْ بَلَغَتْ سَفِينَتُهُ) فِيهَا (دَارَ إقَامَةٍ) أَوْ شَكَّ هَلْ بَلَغَتْهَا أَوْ لَا (أَتَمَّ) لِزَوَالِ تَحَقُّقِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ.
(وَ) ثَامِنُهَا الْعِلْمُ بِجَوَازِ الْقَصْرِ فَلَوْ قَصَرَ جَاهِلًا بِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِتَلَاعُبِهِ كَمَا
[حاشية الشبراملسي]
الْمُحْتَرَزِ بِأَنَّ الشَّكَّ فِي حَالِ الْإِمَامِ إنَّمَا يُنَافِي الْقَصْرَ لَا النِّيَّةَ انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ مَسْأَلَةِ الْعَطْفِ بِأَنَّ كَوْنَ الْمَعْطُوفِ يُقَدَّرُ مَعَهُ نَقِيضُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أَمْرٌ غَالِبِيٌّ، فَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ التَّقْدِيرُ هُنَا: وَلَوْ أَقَامَ الْإِمَامُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَتَمَّ) أَيْ وَعَلَيْهِ فَهَلْ يَنْتَظِرُهُ فِي التَّشَهُّدِ إنْ جَلَسَ إمَامُهُ لَهُ حَمْلًا لَهُ عَلَى أَنَّهُ قَامَ سَاهِيًا، أَوْ تَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، كَمَا لَوْ رَأَى مُرِيدُ الِاقْتِدَاءِ الْإِمَامَ جَالِسًا وَتَرَدَّدَ فِي حَالِهِ هَلْ جُلُوسُهُ لِعَجْزِهِ أَمْ لَا مِنْ أَنَّهُ يُمْنَعُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، فَكَمَا امْتَنَعَ الِاقْتِدَاءُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَا يَفْعَلُهُ قُلْنَا هُنَا بِوُجُوبِ نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ كَوْنُهُ سَاهِيًا) أَيْ لَمَضَى جُزْءٌ مِنْ صَلَاتِهِ عَلَى التَّمَامِ.
(قَوْلُهُ: حَمْلًا لِقِيَامِهِ عَلَى أَنَّهُ سَاهٍ) أَيْ وَيُخَيَّرُ بَيْنَ انْتِظَارِهِ فِي التَّشَهُّدِ وَنِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ مَا لَوْ صَارَ لِلْقِيَامِ أَقْرَبَ) قَالَ حَجّ بَعْدَ مِثْلِ مَا ذَكَرَ: بَلْ وَإِنْ لَمْ يَصِرْ إلَيْهِ أَقْرَبَ لِمَا مَرَّ، ثُمَّ عَنْ الْمَجْمُوعِ أَنْ تَعَمُّدَ الْخُرُوجَ عَنْ حَدِّ الْجُلُوسِ مُبْطِلٌ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ فَرَضَ كَلَامَهُ فِيمَنْ قَامَ) وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقُمْ لَمْ يَسْجُدْ لَكِنْ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ، وَحَيْثُ كَانَ فِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ لَا يُعْتَرَضُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ نَاوِيًا الْإِتْمَامَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا تَكْفِيه نِيَّةُ الْإِرَادَةِ السَّابِقَةِ عَنْ هَذِهِ النِّيَّةِ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ قَامَ مُسْتَصْحِبًا لِلْأُولَى.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ قَوْلُهُ نَاوِيًا الْإِتْمَامَ قَدْ يُشْكِلُ اعْتِبَارُ نِيَّةِ الْإِتْمَامِ مَعَ قَوْلِهِ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ، فَإِنَّ إرَادَتَهُ الْإِتْمَامَ لَا تَنْقُصُ عَنْ التَّرَدُّدِ فِي أَنَّهُ يُتِمُّ بَلْ تَزِيدُ مَعَ أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْإِتْمَامِ، فَأَيُّ حَاجَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى نِيَّةِ الْإِتْمَامِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ اعْتِبَارَ نِيَّةٍ جَدِيدَةٍ لِلْإِتْمَامِ بَلْ مَا يَشْمَلُ نِيَّتَهُ الْحَاصِلَةَ بِإِرَادَةِ الْإِتْمَامِ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ صَرَفَ الْقِيَامَ لِغَيْرِ الْإِتْمَامِ انْتَهَى
(قَوْلُهُ: فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ) أَيْ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِالْإِتْيَانِ بِالْمِيمِ مِنْ عَلَيْكُمْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ شَكَّ فِي نِيَّتِهَا)
[حاشية الرشيدي]
الشَّارِحِ لَا يُجْدِي كَمَا يُعْلَمُ بِتَأَمُّلِهِ (قَوْلُهُ: مَحْسُوبٌ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ) أَيْ بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِي أَنَّهُ نَوَى فَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا فَلَا، فَهُوَ بِأَحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ فَرْضُ كَلَامِهِ فِيمَنْ قَامَ) أَيْ وَأَمَّا إذَا صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ فَمَسْأَلَةٌ أُخْرَى سَكَتَ عَنْهَا وَإِنْ كَانَتْ تُشَارِكُ هَذِهِ فِي الْحُكْمِ، وَالنَّصُّ عَلَى الشَّيْءِ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُ.
(قَوْلُهُ: الْقَاطِعَةُ لِلتَّرَخُّصِ) احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَوْ نَوَى إقَامَةَ دُونِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَوْ نَوَاهَا وَهُوَ سَائِرُ.
فِي الرَّوْضَةِ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَكَأَنَّهُ: تَرَكَهُ لِبُعْدٍ أَنْ يَقْصُرَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ جَوَازَهُ وَ (الْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ إذَا بَلَغَ) سَفَرُهُ الْمُبِيحُ لِلْقَصْرِ (ثَلَاثَ مَرَاحِلَ) وَإِلَّا فَالْإِتْمَامُ أَفْضَلُ خُرُوجًا مِنْ إيجَابِ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَصْرَ فِي الْأَوَّلِ وَالْإِتْمَامَ فِي الثَّانِي، وَلَا يُكْرَهُ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَمَا نُقِلَ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ كَرَاهَةِ الْقَصْرِ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةٍ غَيْرِ شَدِيدَةٍ فَهِيَ بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّ الْإِتْمَامَ أَفْضَلُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَأَكْثَرُ عَمَلًا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ دَائِمُ الْحَدَثِ إذَا كَانَ لَوْ قَصَرَ لَخَلَا زَمَنُ صَلَاتِهِ عَنْ جَرَيَانِ حَدَثِهِ وَلَوْ أَتَمَّ لَجَرَى حَدَثُهُ فِيهَا فَيَكُونُ الْقَصْرُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ مُطْلَقًا، وَكَذَا لَوْ أَقَامَ زِيَادَةً عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لِحَاجَةٍ يَتَوَقَّعُهَا كُلَّ وَقْتٍ أَوْ كَانَ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ كَرَاهَةَ الْقَصْرِ أَوْ الشَّكَّ فِيهِ بِأَنْ لَمْ تَطْمَئِنَّ نَفْسُهُ لِذَلِكَ أَوْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ بَلْ يُكْرَهُ لَهُ الْإِتْمَامُ، أَمَّا الْمَلَّاحُ الَّذِي مَعَهُ أَهْلُهُ فَإِتْمَامُهُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ وَطَنُهُ وَخُرُوجًا مِنْ مَنْعِ أَحْمَدَ الْقَصْرَ لَهُ، وَمِثْلُهُ مَنْ لَا وَطَنَ لَهُ وَأَدَامَ السَّفَرَ بَرًّا وَقُدِّمَ عَلَى خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ لِاعْتِضَادِهِ بِالْأَصْلِ.
وَقَدْ يَكُونُ الْقَصْرُ وَاجِبًا كَأَنْ أَخَّرَ الظُّهْرَ لِيَجْمَعَ تَأْخِيرًا إلَى أَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ إلَّا مَا يَسَعُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَيَلْزَمُهُ قَصْرُ الظُّهْرِ لِيُدْرِكَ الْعَصْرَ ثُمَّ قَصَرَ الْعَصْرَ لِتَقَعَ كُلُّهَا فِي الْوَقْتِ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ الرِّفْعَةِ: لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَأَرْهَقَهُ الْحَدَثُ بِحَيْثُ لَوْ قَصَرَ مَعَ مُدَافَعَتِهِ أَدْرَكَهَا فِي الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَلَوْ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ لَمْ يُدْرِكْهَا فِيهِ لَزِمَهُ الْقَصْرُ.
وَيَأْتِي مَا ذُكِرَ فِي الْعِشَاءِ أَيْضًا إذَا أَخَّرَ الْمَغْرِبَ لِيَجْمَعَهَا مَعَهَا، وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ ضَاقَ وَقْتُهَا عَنْ إتْمَامِهَا
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ الْإِقَامَةِ
(قَوْلُهُ: وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ) فَلَوْ نَذَرَ الْإِتْمَامَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْعَقِدَ نَذْرُهُ لِكَوْنِ الْمَنْذُورِ لَيْسَ قُرْبَةً، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِيمَا لَوْ نَذَرَ الْقَصْرَ وَسَفَرُهُ دُونَ الثَّلَاثِ لِانْتِفَاءِ كَوْنِهِ قُرْبَةً فِيمَا دُونَهَا.
(قَوْلُهُ: إذَا بَلَغَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ) أَيْ إذَا كَانَ يَبْلُغُ ثَلَاثَ إلَخْ فَيَقْصُرُ مِنْ أَوَّلِ سَفَرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُكْرَهُ) أَيْ الْقَصْرُ.
(قَوْلُهُ: أَفْضَلُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ بَلَغَ سَفَرُهُ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ الْقَصْرُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ مُطْلَقًا) أَمَّا لَوْ كَانَ لَوْ قَصَرَ خَلَا زَمَنُ وُضُوئِهِ وَصَلَاتِهِ عَنْهُ فَيَجِبُ الْقَصْرُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ انْتَهَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ أَقَامَ زِيَادَةً عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لِحَاجَةٍ) أَيْ فَيَكُونُ الْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ.
وَفِي كَوْنِ الْقَصْرِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَفْضَلَ نَظَرٌ لِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهَا الْمُتَقَدِّمِ قُبَيْلَ الْفَصْلِ بَلْ الْقِيَاسُ أَفْضَلِيَّةُ الْإِتْمَامِ لِمَا ذُكِرَ.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ، وَنَبَّهَ أَيْضًا: أَيْ الْأَذْرَعِيُّ عَلَى أَنَّ الْإِتْمَامَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ مَنْ أَقَامَ يَنْتَظِرُ حَاجَةً وَزَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ أَنَّ هَذِهِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَوْلِهِ وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ وَكَذَا إلَخْ خِلَافَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوْ كَأَنْ يَجِدَ فِي نَفْسِهِ إلَخْ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ كَوْنِ الْإِتْمَامِ أَفْضَلَ مِنْ الْقَصْرِ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي مَعَهُ أَهْلُهُ) أَيْ إنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ وَأَوْلَادٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْهُمَا كَانَ كَمَنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَهُمْ مَعَهُ فَيَكُونُ إتْمَامُهُ أَفْضَلَ.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ بَلَغَ سَفَرُهُ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: لَوْ ضَاقَ وَقْتُهَا)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَيَكُونُ الْقَصْرُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلَ) قَالَ الشِّهَابُ حَجّ: أَمَّا لَوْ كَانَ لَوْ قَصَرَ خَلَا زَمَنُ وُضُوئِهِ وَصَلَاتِهِ عَنْهُ فَيَجِبُ الْقَصْرُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
اهـ. وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ مُطْلَقًا: أَيْ سَوَاءٌ بَلَغَ سَفَرُهُ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ أَمْ لَا هُوَ مَحَلُّ الِاسْتِثْنَاءِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ أَقَامَ زِيَادَةً عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) أَيْ فَالْإِتْمَامُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ كَوْنِ الْقَصْرِ فِيمَا فَوْقَ الثَّلَاثِ مَرَاحِلَ أَفْضَلَ وَإِنْ أَوْهَمَ عَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَعَطْفُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ خِلَافَهُ.
وَعِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ: وَأَمَّا إذَا أَقَامَ لِتَنَجُّزِ حَاجَةِ إقَامَةٍ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ قُلْنَا يَقْصُرُ فَالْإِتْمَامُ لَهُ أَفْضَلُ.
قَالَ: وَأُلْحِقَ بِهِمَا: أَيْ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ مُدِيمِ السَّفَرِ كُلُّ صُورَةٍ اخْتَلَفَ فِي جَوَازِ الْقَصْرِ فِيهَا.
كَانَ الْقَصْرُ وَاجِبًا، وَأَنَّهُ لَوْ ضَاقَ وَقْتُ الْأُولَى عَنْ الطَّهَارَةِ وَالْقَصْرِ لَزِمَهُ أَنْ يَنْوِيَ تَأْخِيرَهَا إلَى الثَّانِيَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى إيقَاعِهَا بِهِ أَدَاءً (وَالصَّوْمُ) فِي رَمَضَانَ وَيَلْحَقُ بِهِ كُلُّ صَوْمٍ وَاجِبٍ بِنَحْوِ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ كَفَّارَةٍ فِيمَا يَظْهَرُ حَيْثُ كَانَ السَّفَرُ سَفَرَ قَصْرٍ (أَفْضَلُ مِنْ الْقَصْرِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُسَارَعَةِ إلَى تَبْرِئَةِ الذِّمَّةِ وَعَدَمِ إخْلَاءِ الْوَقْتِ عَنْ الْعِبَادَةِ وَلِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184] هَذَا (إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ) فَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ لِنَحْوِ أَلَمٍ يَشُقُّ احْتِمَالُهُ عَادَةً فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ لِخَبَرِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا صَائِمًا فِي السَّفَرِ قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ» نَعَمْ لَوْ خَشِيَ مِنْهُ تَلَفَ شَيْءٍ مُحْتَرَمٍ نَحْوِ مَنْفَعَةِ عُضْوٍ وَجَبَ الْفِطْرُ، فَإِنْ صَامَ كَانَ عَاصِيًا وَأَجْزَأَهُ، وَلَوْ خَشِيَ ضَعْفًا مَآلًا لَا حَالًا فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ فِي سَفَرِ حَجٍّ أَوْ غَزْوٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ مُطْلَقًا لِمَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ كَرَاهَةَ التَّرَخُّصِ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ كَمَا قَيَّدَ بِهِ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ إطْلَاقَ الْأَذْرَعِيِّ وَكَذَا سَائِرُ الرُّخْصِ نَظِيرُ مَا مَرَّ.
(فَصْلٌ) فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (يَجُوزُ) (الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَقْدِيمًا) فِي وَقْتِ الْأُولَى لِغَيْرِ الْمُتَحَيِّرَةِ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ شَرْطَهُ ظَنُّ صِحَّةِ الْأُولَى
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ الْعِشَاءِ.
(قَوْلُهُ: كَانَ الْقَصْرُ وَاجِبًا) نَقَلَ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ الشَّارِحِ خِلَافَهُ حَيْثُ قَالَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ: وَسُئِلَ عَمَّنْ أَخَّرَ ذَلِكَ: أَعْنِي الظُّهْرَ مَثَلًا حَتَّى بَقِيَ مَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ بِلَا قَصْدٍ هَلْ يَجِبُ الْقَصْرُ؟ فَأَجَابَ لَا، قَالَ: لِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَ بِعُذْرٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي إخْرَاجِ بَعْضِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ بِلَا عُذْرٍ فَقَدْ أَثِمَ، وَالْقَصْرُ بَعْدُ لَا يَدْفَعُ عَنْهُ إثْمَ التَّأْخِيرِ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّ كَلَامَهُ هُنَا فِي الْعِشَاءِ وَبِفِعْلِهَا مَقْصُورَةً تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْهَا إلَى وَقْتٍ لَا يَسَعُهَا بِخِلَافِ الظُّهْرِ فَإِنَّهُ إذَا أَخَّرَهَا حَتَّى بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً تَحَقَّقَتْ مَعْصِيَتُهُ وَإِنْ قَصَرَ.
(قَوْلُهُ: لِقُدْرَتِهِ عَلَى إيقَاعِهَا بِهِ أَدَاءً) هَذَا قَدْ يُخَالِفُ مَا يَأْتِي لِلشَّارِحِ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ إذَا تَأَخَّرَ وَلَمْ يَنْوِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا لَا يَسَعُهَا كَامِلَةً عَصَى وَكَانَتْ قَضَاءً، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَا هُنَا مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا كَانَ الزَّمَنُ الْبَاقِي لَا يَسَعُ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةُ مَقْصُورَةٌ، لَكِنَّهُ لَوْ تَرَكَ الطَّهَارَةَ وَصَلَّى أَمْكَنَهُ وُقُوعُهَا كُلِّهَا فِي الْوَقْتِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَتَوَجَّهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الشَّارِحِ.
ثُمَّ رَأَيْت سم عَلَى حَجّ ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ وَعِبَارَتُهُ قَوْلُهُ وَعَنْ الطَّهَارَةِ وَالْقَصْرِ إنْ كَانَ الْمُرَادُ قَصْرَ الْأُولَى، فَهَذَا إنَّمَا يَأْتِي عَنْ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَكْفِي نِيَّةُ التَّأْخِيرِ إذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ ضِيقُهُ عَنْ الْقَصْرِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ مَعَ الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ قَصْرَ الصَّلَاتَيْنِ، وَلُزُومُ نِيَّةِ التَّأْخِيرِ بِعَيْنِهَا مَمْنُوعٌ بَلْ هِيَ أَوْ فِعْلُ الْأُولَى وَحْدَهَا فِي وَقْتِهَا.
وَقَدْ يُجَابُ بِاخْتِيَارِ الْأَوَّلِ وَمَنْعِ قَوْلِهِ فَهَذَا إنَّمَا يَأْتِي إلَخْ؛ لِأَنَّ ضِيقَهُ عَنْ الطَّهَارَةِ وَالْقَصْرِ صَادِقٌ بِعَدَمِ ضِيقِهِ عَنْ الْقَصْرِ وَحْدَهُ، وَنِيَّةُ التَّأْخِيرِ حِينَئِذٍ كَافِيَةٌ لِمَنْ عَزَمَ عَلَى الْقَصْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ نِيَّةِ التَّأْخِيرِ فِي وَقْتٍ يَسَعُهَا مَعَ طَهَارَتِهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِمْ الْآتِيَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَيَلْحَقُ بِهِ كُلُّ صَوْمٍ وَاجِبٍ) قَالَ حَجّ: ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ نَقَلَ عَنْهُمْ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ يَجْرِي فِي الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ لِمُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ.
(قَوْلُهُ: عَادَةً) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُبَحْ التَّيَمُّمُ.
(قَوْلُهُ: فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ فِي سَفَرِ حَجٍّ أَوْ غَزْوٍ) مَفْهُومُهُ أَنَّ الصَّوْمَ فِي غَيْرِهِمَا أَفْضَلُ مَعَ خَوْفِ الضَّعْفِ مَآلًا.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الْفِطْرُ.
(قَوْلُهُ: مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ) أَيْ فَيُفْطِرُ الْقَدْرَ الَّذِي يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى الْعَمَلِ بِالرُّخْصَةِ
فَصْلٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ
(قَوْلُهُ: فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) أَيْ لِلسَّفَرِ أَيْ نَحْوِ الْمَطَرِ.
(قَوْلُهُ: تَقْدِيمًا فِي وَقْتِ الْأُولَى) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِمَا بِتَمَامِهِمَا فِي الْوَقْتِ فَلَا يَكْفِي إدْرَاكُ رَكْعَةٍ مِنْ الثَّانِيَةِ فِيهِ، وَتَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ سم عَلَى حَجّ، وَنَقَلَ عَنْ الشَّارِحِ
[حاشية الرشيدي]
[فَصْلٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ]
وَهُوَ مُنْتَفٍ فِيهَا، وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ وَمِثْلُهَا فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ وَكُلُّ مَنْ لَمْ تَسْقُطْ صَلَاتُهُ بِالتَّيَمُّمِ مَحَلُّ وَقْفَةٍ، إذْ الشَّرْطُ ظَنُّ صِحَّةِ الْأُولَى وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا وَلَوْ حُذِفَ بِالتَّيَمُّمِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ كَانَ أَوْلَى، وَكَالظُّهْرِ الْجُمُعَةُ فِي هَذَا كَمَا نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَاعْتَمَدَهُ وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ، وَيَمْتَنِعُ جَمْعُهَا تَأْخِيرًا؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا يَتَأَتَّى تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا (وَتَأْخِيرًا) فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ (وَ) بَيْنَ (الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) (كَذَلِكَ) أَيْ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا (فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ) الْمُبَاحِ إذْ هُوَ الْمُجَوِّزُ لِلْقَصْرِ لِثُبُوتِ جَمْعِ التَّأْخِيرِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَمْعِ التَّقْدِيمِ فِي الْبَيْهَقِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ فَيَمْتَنِعُ جَمْعُ الْعَصْرِ مَعَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مَعَ الصُّبْحِ وَهِيَ مَعَ الظُّهْرِ وُقُوفًا مَعَ الْوَارِدِ.
وَيَمْتَنِعُ فِي الْحَضَرِ أَيْضًا أَوْ فِي سَفَرٍ قَصِيرٍ وَلَوْ مَكِّيًّا وَفِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ (وَكَذَا الْقَصِيرُ فِي قَوْلٍ) قَدِيمٍ كَالتَّنَفُّلِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَفِي تَعْبِيرِهِ بِيَجُوزُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهُ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُمْ إنَّ الْخِلَافَ لَا يُرَاعَى
[حاشية الشبراملسي]
عَنْ الْمَنْهَجِ مَا فِي الْفَرْعِ الْآتِي بِالصَّفْحَةِ الْأُخْرَى، وَدُفِعَ بِقَوْلِهِ كَالْمَحَلِّيِّ فِي وَقْتِ الْأُولَى مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ تَقْدِيمًا بِأَنَّهُ صَادِقٌ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وَوَسَطِهِ وَآخِرِهِ، بَلْ وَبِمَا قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِالْمَرَّةِ.
(قَوْلُهُ: مَحَلُّ وَقْفَةِ) نَقَلَ سم عَلَى حَجّ عَنْ الشَّارِحِ اعْتِمَادَ هَذَا، وَنَقَلَ عَنْهُ عَلَى مَنْهَجٍ اعْتِمَادَ مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَعِبَارَتُهُ قَوْلُهُ وَيُسْتَثْنَى إلَخْ عَمِيرَةُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: مِثْلُهَا فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ وَكُلُّ مَنْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ انْتَهَى.
وَاعْتَمَدَهُ م ر، قَالَ: لِأَنَّ صَلَاتَهُ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلَا تَجْزِيهِ، فَفِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ تَقْدِيمٌ لَهَا عَلَى وَقْتِهَا بِلَا ضَرُورَةٍ، وَفِي التَّأْخِيرِ تَوَقُّعُ زَوَالِ الْمَانِعِ تَأَمَّلْ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَقَدْ يُقَالُ يُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّارِحِ مِنْ أَنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ وَنَحْوِهِ لَوْ شَرَعَ فِيهَا تَامَّةً أَعَادَهَا وَلَوْ مَقْصُورَةً؛ لِأَنَّ الْأُولَى لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ فَكَأَنَّهَا لَمْ تُفْعَلْ.
(قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ) أَيْ فِي غَيْرِ شَرْحِ مَنْهَجِهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ) لَعَلَّ وَجْهَ الْمُنَازَعَةِ أَنَّ الْمُتَحَيِّرَةَ إنَّمَا امْتَنَعَ جَمْعُ التَّقْدِيمِ فِي حَقِّهَا لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَهُوَ ظَنُّ صِحَّةِ الْأُولَى، وَأَمَّا فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ وَنَحْوِهِ فَصَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ مُسْقِطَةٌ لِلطَّلَبِ، وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ فِي حَقِّهِمْ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهَا بِأَنَّهَا وَإِنْ أَسْقَطَتْ الطَّلَبَ فَفِعْلُهَا لَمَّا كَانَ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ نَزَلَ فِعْلُهَا مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ وَهُوَ يَنْفِي شَرْطَ الْجَمْعِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَتَأَتَّى تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا) أَيْ الْأَصْلِيِّ، هَذَا وَلَوْ قِيلَ بِجَوَازِ جَمْعِهَا تَأْخِيرًا أَمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّ الْعُذْرَ صَيَّرَ الْوَقْتَيْنِ وَاحِدًا فَكَأَنَّهُ فَعَلَهَا فِي وَقْتِهَا، وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ فِعْلَهَا إلَّا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ الْأَصْلِيِّ م ر انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ) شَمَلَ الْمُتَحَيِّرَةَ وَفَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ وَنَحْوَهُمَا، وَعَلَيْهِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَمْعَيْنِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَمْعِ التَّقْدِيمِ ظَنُّ صِحَّةِ الْأُولَى وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْمُتَحَيِّرَةِ، بِخِلَافِ التَّأْخِيرِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ظَنُّهُ ذَلِكَ فَجَازَ وَإِنْ أَمْكَنَ وُقُوعُ الْأُولَى مَعَ التَّأْخِيرِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَقَعَ فِي الطُّهْرِ لَوْ فَعَلَتْهَا فِي وَقْتِهَا.
(قَوْلُهُ: لِثُبُوتِ جَمْعِ التَّأْخِيرِ) أَيْ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
(قَوْلُهُ: أَوْ فِي سَفَرٍ قَصِيرٍ وَلَوْ مَكِّيًّا) أَشَارَ بِهِ إلَى رَدِّ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ إنَّ الْمَكِّيَّ يَجْمَعُ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ عِنْدَهُمْ لِلنُّسُكِ لَا لِلسَّفَرِ فَجَازَ وَلَوْ قَصِيرًا، وَعَلَيْهِ فَالْجَمْعُ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ لِلسَّفَرِ مُطْلَقًا طَالَ أَوْ قَصُرَ، فَالْإِشَارَةُ لِلرَّدِّ إنَّمَا هِيَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ دُونَ نَفْسِ الْأَمْرِ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ جَوَّزُوا الْجَمْعَ بِعَرَفَةَ لَا يَقُولُونَ إنَّهُ لِلسَّفَرِ بَلْ لِلنُّسُكِ.
(قَوْلُهُ: إلَى أَنَّ تَرْكَهُ) أَيْ الْجَمْعِ أَفْضَلُ: أَيْ فَيَكُونُ الْجَمْعُ خِلَافَ الْأَوْلَى، لَكِنْ فِي حَجّ بَعْدَ قَوْلِهِ الْآتِي وَإِنْ كَانَ سَائِرًا وَقْتَ الْأُولَى وَأَرَادَ الْجَمْعَ وَعَدِمَ إلَخْ مَا نَصَّهُ: وَبِقَوْلِي وَأَرَادَ الْجَمْعَ إلَخْ، انْدَفَعَ مَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ تَرْكَ الْجَمْعِ أَفْضَلُ: أَيْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: إذْ هُوَ) الْأَوْلَى حَذْفُهُمَا، بَلْ وَلَفْظُ الْمُبَاحِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ الْمُجَوِّزُ لِلْقَصْرِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي التُّحْفَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيَمْتَنِعُ فِي الْحَضَرِ) أَيْ إلَّا بِالْمَطَرِ كَمَا يَأْتِي وَالْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَكِّيًّا) أَشَارَ إلَى مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ يَجْمَعُ بَيْنَ السَّفَرِ الْقَصِيرِ لِعَرَفَةَ: أَيْ بِسَبَبِ السَّفَرِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الرَّوْضَةِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ
إذَا خَالَفَ سُنَّةً صَحِيحَةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّ تَأْوِيلَهُمْ لَهَا فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ لَهُ نَوْعُ تَمَاسُكٍ وَطَعْنُهُمْ فِي صِحَّتِهَا فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ مُحْتَمَلٌ مَعَ اعْتِضَادِهِمْ الْأَصْلَ فَرُوعِيَ، وَيُسْتَثْنَى الْجَمْعُ بِعَرَفَةَ فِي الْحَجِّ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَبِمُزْدَلِفَةَ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ، فَإِنَّ الْجَمْعَ فِيهِمَا أَفْضَلُ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِلِاتِّبَاعِ وَسَبَبُهُ السَّفَرُ لَا النُّسُكُ فِي الْأَظْهَرِ، وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا الشَّاكُّ فِيهِ وَالرَّاغِبُ عَنْ الرُّخْصَةِ اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبَغَوِيّ فِي تَعْلِيقِهِ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ إذَا جَمَعَ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ خَلَا عَنْ حَدَثِهِ الدَّائِمِ أَوْ كَشَفَ عَوْرَتَهُ فَالْجَمْعُ أَفْضَلُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَكَذَا مَنْ خَافَ فَوْتَ عَرَفَةَ أَوْ عَدَمَ إدْرَاكِ الْعَدُوِّ لِاسْتِنْقَاذِ أَسِيرٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ بَلْ قَدْ يَجِبُ فِي هَذَيْنِ (فَإِنْ كَانَ سَائِرًا فِي وَقْتِ الْأُولَى) وَأَرَادَ الْجَمْعَ وَعَدَمَ مُرَاعَاةِ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْحَالُ أَنَّهُ نَازِلٌ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ (فَتَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ سَائِرًا وَقْتَ الْأُولَى بِأَنْ كَانَ نَازِلًا فِيهِ سَائِرًا وَقْتَ الثَّانِيَةِ (فَعَكْسُهُ) لِلِاتِّبَاعِ وَلِكَوْنِهِ أَرْفَقَ لِلْمُسَافِرِ، فَإِنْ كَانَ سَائِرًا أَوْ نَازِلًا فِيهِمَا فَجَمْعُ التَّأْخِيرِ أَفْضَلُ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ وَلِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ وَلِانْتِفَاءِ سُهُولَةِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ مَعَ الْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهُ وَلِأَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلْأُولَى حَقِيقَةً بِخِلَافِ الْعَكْسِ.
(وَشُرُوطُ) جَمْعِ (التَّقْدِيمِ) (ثَلَاثًا) بَلْ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا (الْبُدَاءَةُ بِالْأُولَى)
[حاشية الشبراملسي]
فَهُوَ مُبَاحٌ فَكَيْفَ يَكُونُ أَفْضَلَ فِيمَا ذُكِرَ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَقَدْ يُمْنَعُ كَوْنُهُ مُبَاحًا بِأَنَّ خِلَافَ الْأَفْضَلِ كَخِلَافِ الْأَوْلَى يَكُونُ مَكْرُوهًا كَرَاهَةً خَفِيفَةً يُعَبَّرُ عَنْهَا بِخِلَافِ الْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: إذَا خَالَفَ سُنَّةً صَحِيحَةً) أَيْ وَهُوَ ثُبُوتُ الْجَمْعِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ كَوْنَ الْحُكْمِ مُسْتَحَبًّا عِنْدَنَا، وَرِعَايَةُ الْخِلَافِ تُفَوِّتُ ذَلِكَ الْمُسْتَحَبَّ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ مَتَى ثَبَتَ الْحُكْمُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ بَعْضُ الْمَذَاهِبِ يُخَالِفُ ذَلِكَ الثَّابِتَ لَا تُسْتَحَبُّ مُرَاعَاتُهُ.
(قَوْلُهُ: نَوْعُ تَمَاسُكٍ) أَيْ قُوَّةٍ.
(قَوْلُهُ: وَطَعْنُهُمْ فِي صِحَّتِهَا) أَيْ السُّنَّةِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ خَلَا عَنْ حَدَثِهِ الدَّائِمِ) قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْقَصْرِ عَنْ حَجّ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَوْ جَمَعَ خَلَا عَنْ حَدَثِهِ الدَّائِمِ فِي وُضُوئِهِ وَصَلَاتِهِ وَجَبَ الْجَمْعُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا هُنَا وَمَا تَقَدَّمَ بِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ الْقَصْرُ ثَمَّ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِهِ سِيَّمَا إذَا زَادَ سَفَرُهُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ حَيْثُ أَوْجَبَهُ الْحَنَفِيَّةُ فَنُظِرَ إلَى قُوَّةِ الْخِلَافِ ثَمَّ وَمَنَعُوا الْجَمْعَ هُنَا إلَّا فِي عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ لِلنُّسُكِ.
وَهَذَا الْجَوَابُ أَوْلَى مِمَّا أَجَابَ بِهِ سم فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: قَوْلُهُ فَيَجِبُ الْقَصْرُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
فَإِنْ قُلْت: هَلَّا وَجَبَ الْجَمْعُ فِي نَظِيرِهِ مَعَ أَنَّهُ أَفْضَلُ فَقَطْ كَمَا سَيَأْتِي أَوَّلَ الْفَصْلِ؟ قُلْت: يُفَرَّقُ بِلُزُومِ إخْرَاجِ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ عَنْ وَقْتِهَا فَلَمْ يَجِبْ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى.
وَوَجْهُ أَوْلَوِيَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ يَمْنَعُ أَنَّ فِي التَّأْخِيرِ إخْرَاجَ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ صَيَّرَ وَقْتَ الصَّلَاتَيْنِ وَاحِدًا عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ بِلُزُومِ إخْرَاجِ إلَخْ لَا يَشْمَلُ جَمْعَ التَّقْدِيمِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِالْإِخْرَاجِ فِعْلَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا.
(قَوْلُهُ: فَالْجَمْعُ أَفْضَلُ) [فَرْعٌ] إذَا تَوَقَّفَ إدْرَاكُ الْوُقُوفِ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَجَبَ، وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَوَقَّفَ إدْرَاكُ الْوُقُوفِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ: أَيْ وَلَوْ تَعَدَّدَتْ تَرَكَهَا؛ لِأَنَّ ذَاكَ إذَا لَمْ يُدْرِكْهُ إلَّا بِتَرْكِهَا مُطْلَقًا وَهُنَا يُدْرِكُهُ مَعَ فِعْلِهَا بِالْجَمْعِ دُونَ غَيْرِهِ م ر انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: بَلْ قَدْ يَجِبُ فِي هَذَيْنِ) هُمَا خَوْفُ فَوْتِ عَرَفَةَ وَعَدَمِ إدْرَاكِ الْعَدُوِّ إلَخْ، وَأَفَادَ كَلَامُهُ كحج أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِمَا أَفْضَلِيَّةُ الْجَمْعِ وَأَنَّهُ قَدْ يَجِبُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِصُورَةِ الْوُجُوبِ مَا لَوْ تَحَقَّقَ فَوْتُ عَرَفَةَ أَوْ إنْقَاذُ الْأَسِيرِ بِتَرْكِ الْجَمْعِ فَيُنْقِذُ الْأَسِيرَ وَيُدْرِكُ عَرَفَةَ ثُمَّ يَجْمَعُ الصَّلَاتَيْنِ تَأْخِيرًا، ثُمَّ رَأَيْته فِي سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: أَفْضَلُ) فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلْأُولَى حَقِيقَةً) يَعْنِي أَنَّهُ يَصِحُّ فِعْلُ الْأُولَى فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الْوَقْتِ الْحَقِيقِيِّ، وَإِلَّا فَوَقْتُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَقَّتَ لِلْأُولَى حَقِيقَةً) فِيهِ مُسَامَحَةٌ.
وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَصِحُّ فِعْلُهَا فِيهِ مُطْلَقًا وَلَوْ بِغَيْرِ جَمْعٍ
لِأَنَّهَا صَاحِبَةُ الْوَقْتِ.
وَالثَّانِيَةُ تَبَعٌ لَهَا وَالتَّابِعُ يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُهُ عَلَى مَتْبُوعِهِ فَلَوْ صَلَّى الْعَصْرَ قَبْلَ الظُّهْرِ لَمْ تَصِحَّ وَلَهُ إعَادَتُهَا بَعْدَ الظُّهْرِ إنْ أَرَادَ الْجَمْعَ، وَكَذَا لَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ (فَلَوْ صَلَّاهُمَا) مُبْتَدِئًا بِالْأُولَى (فَبَانَ فَسَادُهَا) لِفَوَاتِ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ (فَسَدَتْ الثَّانِيَةُ) أَيْضًا: أَيْ لَمْ تَقَعْ عَنْ فَرْضِهِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ مِنْ الْبُدَاءَةِ بِالْأُولَى، وَتَقَعُ نَفْلًا كَمَا نَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْبَحْرِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْفَرْضِ قَبْلَ وَقْتِهِ جَاهِلًا بِالْحَالِ.
(وَ) ثَانِيهَا (نِيَّةُ الْجَمْعِ) لِيَتَمَيَّزَ التَّقْدِيمُ الْمَشْرُوعُ عَنْ التَّقْدِيمِ عَبَثًا أَوْ سَهْوًا (وَمَحَلُّهَا) الْأَصْلِيُّ وَلِهَذَا كَانَ هُوَ الْمَطْلُوبُ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ الْفَاضِلُ لَا سِيَّمَا مَعَ وُجُودِ الْخِلَافِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فِي أَثْنَائِهَا فَانْتَفَى الْفَضْلُ فِيهِ (أَوَّلَ الْأُولَى) كَسَائِرِ الْمَنْوِيَّاتِ فَلَا يَكْفِي تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ (وَتَجُوزُ فِي أَثْنَائِهَا) وَلَوْ مَعَ تَحَلُّلِهَا، إذْ لَا يَتِمُّ خُرُوجُهُ مِنْهَا حَقِيقَةً إلَّا بِتَمَامِ تَسْلِيمِهِ وَلِحُصُولِ الْغَرَضِ بِذَلِكَ (فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ ضَمُّ الثَّانِيَةِ لِلْأُولَى فَمَا لَمْ تَفْرُغْ الْأُولَى فَوَقْتُ ذَلِكَ الضَّمِّ بَاقٍ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي الْقَصْرِ لِتَأَدِّي جُزْءٍ عَلَى التَّمَامِ وَيَسْتَحِيلُ بَعْدَهُ الْقَصْرُ كَمَا مَرَّ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ ثُمَّ أَرَادَهُ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ جَازَ، كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الدَّارِمِيِّ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الْجَمْعَ أَوَّلَ الْأُولَى ثُمَّ نَوَى تَرْكَهُ ثُمَّ قَصَدَ فِعْلَهُ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ فِي نِيَّةِ الْجَمْعِ فِي أَثْنَائِهِ وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ لَا يَجُوزُ قِيَاسًا عَلَى نِيَّةِ الْقَصْرِ بِجَامِعِ أَنَّهُمَا رُخْصَتَا سَفَرٍ، وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِمَا مَرَّ، وَلَوْ شَرَعَ فِي الظُّهْرِ أَوْ الْمَغْرِبِ بِالْبَلَدِ فِي سَفِينَةٍ فَسَارَتْ فَنَوَى الْجَمْعَ،
[حاشية الشبراملسي]
الْأُولَى الْحَقِيقِيُّ يَخْرُجُ، بِخُرُوجِ وَقْتِهَا
(قَوْلُهُ: فَلَوْ صَلَّى الْعَصْرَ قَبْلَ الظُّهْرِ لَمْ تَصِحَّ) يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ أَيْ لَمْ تَقَعْ عَنْ فَرْضٍ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ.
(قَوْلُهُ: جَاهِلًا بِالْحَالِ) وَمَحَلُّ ذَلِكَ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ لَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ مِثْلُهُ وَإِلَّا وَقَعَ عَنْهُ، وَمَحَلُّ وُقُوعِهِ نَفْلًا أَيْضًا حَيْثُ اسْتَمَرَّ جَهْلُهُ إلَى الْفَرَاغِ مِنْهَا وَإِلَّا بَطَلَتْ كَمَا تَقَدَّمَ
(قَوْلُهُ: وَلِحُصُولِ الْغَرَضِ بِذَلِكَ) وَهُوَ تَمْيِيزُ التَّقْدِيمِ الْمَشْرُوعِ عَنْ التَّقْدِيمِ عَبَثًا أَوْ سَهْوًا، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الْغَرَضَ يَحْصُلُ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَمَعَ التَّحَرُّمِ بِالثَّانِيَةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ الْجَمْعُ يُصَيِّرُ وَقْتَ الصَّلَاتَيْنِ وَاحِدًا أَشْبَهَا صَلَاةً وَاحِدَةً وَيُشِيرُ إلَى هَذَا قَوْلُهُ لِأَنَّ الْجَمْعَ ضَمُّ الثَّانِيَةِ لِلْأُولَى إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ) أَيْ الْجَمْعَ بِأَنْ نَوَى عَدَمَهُ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ أَرَادَهُ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ) أَيْ يَقِينًا فَلَوْ شَكَّ فِيهِ امْتَنَعَ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ شَكَّ فِي الْمُوَالَاةِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ أَيْضًا مَا لَمْ يَتَذَكَّرْ عَنْ قُرْبٍ.
(قَوْلُهُ: مِمَّا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الدَّارِمِيِّ) قَدْ يَمْنَعُ الْأَخْذَ مِنْ ذَلِكَ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ مَحَلَّ النِّيَّةِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ الدَّارِمِيِّ بَاقٍ إلَى الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، فَرَفْضُ النِّيَّةِ فِي أَثْنَائِهَا يُنَزِّلُ الْأُولَى مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ، وَيَجْعَلُ الثَّانِيَةَ نِيَّةً مُبْتَدَأَةً، وَلَا كَذَلِكَ مَا لَوْ تَرَكَ النِّيَّةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأُولَى فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ: رَفْضُ النِّيَّةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَبْطَلَ النِّيَّةَ الْأُولَى وَتَعَذَّرَتْ نِيَّةُ الْجَمْعِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ذَلِكَ وَعِبَارَتُهُ: وَلَوْ نَوَى تَرْكَهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ أَرَادَهُ وَلَوْ فَوْرًا لَمْ يَجُزْ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ، وَمِنْهُ أَنَّ وَقْتَ النِّيَّةِ انْقَضَى فَلَمْ يُفِدْ الْعَوْدَةُ إلَيْهَا شَيْئًا، وَإِلَّا لَزِمَ إجْزَاؤُهَا بَعْدَ تَحَلُّلِ الْأُولَى، وَبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَالرِّدَّةِ إذْ الْقَطْعُ فِيهَا ضِمْنِيٌّ وَهُنَا صَرِيحٌ، وَيُغْتَفَرُ فِي الضِّمْنِيِّ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الصَّرِيحِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: فَفِيهِ الْقَوْلَانِ) وَالرَّاجِحُ مِنْهُمَا الْجَوَازُ.
(قَوْلُهُ: وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِمَا مَرَّ)
[حاشية الرشيدي]
[شُرُوطُ جَمْعِ التَّقْدِيمِ]
قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ) أَيْ بَعْدَ نِيَّتِهِ فِي الْأُولَى أَيْ رَفْضِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الدَّارِمِيِّ) قَدْ يَمْنَعُ هَذَا الْأَخْذَ بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشِّهَابُ حَجّ فِي تُحْفَتِهِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَمَا ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ وَعِبَارَتُهُ وَلَوْ نَوَى تَرْكَهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ أَرَادَهُ وَلَوْ فَوْرًا لَمْ يَجُزْ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ، وَفِيهِ أَنَّ وَقْتَ النِّيَّةِ انْقَضَى فَلَمْ يُفِدْ الْعَوْدَ إلَيْهَا شَيْئًا، وَإِلَّا لَزِمَ إجْزَاؤُهَا بَعْدَ تَحَلُّلِ الْأُولَى انْتَهَتْ.
فَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَمَسْأَلَةِ الدَّارِمِيِّ بِأَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الدَّارِمِيِّ عَادَ إلَى
فَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ النِّيَّةُ مَعَ التَّحَرُّمِ صَحَّ لِوُجُودِ السَّفَرِ وَقْتَهَا وَإِلَّا فَلَا، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ الْمُتَوَلِّي، وَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حُدُوثِ الْمَطَرِ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى حَيْثُ لَا يُجْمَعُ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي بِأَنَّ السَّفَرَ بِاخْتِيَارِهِ، فَنَزَلَ اخْتِيَارُهُ لَهُ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَتَهُ بِخِلَافِ الْمَطَرِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيَارِهِ، فَالْوَجْهُ امْتِنَاعُ الْجَمْعِ هُنَا يُرَدُّ بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ السَّفَرِ وَالْمَطَرِ بِأَنَّ الْمَطَرَ أَضْعَفُ لِلْخِلَافِ فِيهِ، وَلِأَنَّ فِيهِ طَرِيقًا بِاشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْجَمْعِ فِي الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْمَطَرِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلْجَمْعِ فَلَمْ تَكُنْ مَحَلًّا لِلنِّيَّةِ، وَفِي السَّفَرِ تَجُوزُ النِّيَّةُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأُولَى؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَتَهُ شَرْطٌ فَكَانَتْ مَحَلًّا لِلنِّيَّةِ، فَإِذًا لَا فَرْقَ فِي الْمُسَافِرِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ لَا كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ يُحْمَلُ الْقَوْلُ بِأَنَّ السَّفَرَ بِاخْتِيَارِهِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ وَلَا كَذَلِكَ الْمَطَرُ فَلَا إيرَادَ.
(وَ) ثَالِثُهَا (الْمُوَالَاةُ بِأَنْ لَا يَطُولَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ) إذْ الْجَمْعُ يَجْعَلُهُمَا كَصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، فَوَجَبَ الْوَلَاءُ كَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ وَالتَّابِعُ لَا يُفْصَلُ عَنْ مَتْبُوعِهِ وَلِهَذَا تُرِكَتْ الرَّوَاتِبُ بَيْنَهُمَا.
وَكَيْفِيَّةُ صَلَاتِهَا أَنَّهُ إذَا جَمَعَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ قَدَّمَ سُنَّةَ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةَ وَلَهُ تَأْخِيرُهَا سَوَاءٌ أَجَمَعَ تَقْدِيمًا أَمْ تَأْخِيرًا، وَتَوْسِيطُهَا إنْ جَمَعَ تَأْخِيرًا سَوَاءٌ أَقَدَّمَ الظُّهْرَ أَمْ الْعَصْرَ وَأَخَّرَ سُنَّتَهَا الَّتِي بَعْدَهَا،
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لِتَأَدِّي جُزْءٍ مِنْهَا عَلَى التَّمَامِ وَيَسْتَحِيلُ بَعْدَهُ الْقَصْرُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ النِّيَّةُ) أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ.
(قَوْلُهُ: صَحَّ) أَيْ مَا نَوَاهُ وَجَازَ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ.
(قَوْلُهُ: لِوُجُودِ السَّفَرِ فِي وَقْتِهَا) أَيْ النِّيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ) هُوَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
(قَوْلُهُ: مَنْزِلَتَهُ) أَيْ مَنْزِلَةَ السَّفَرِ
(قَوْلُهُ: وَثَالِثُهَا الْمُوَالَاةُ) . [فَرْعٌ] لَوْ شَكَّ هَلْ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ لَا يَنْبَغِي امْتِنَاعُ الْجَمْعِ: أَيْ مَا لَمْ يَتَذَكَّرْ عَنْ قُرْبٍ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ فَلَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا بِيَقِينٍ م ر انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَفِيهِ فَرْعٌ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ حِكَايَةِ الرُّويَانِيِّ عَنْ وَالِدِهِ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامٍ طَوِيلٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ: أَيْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ مَا يَسَعُ الْمَغْرِبَ وَدُونَ رَكْعَةٍ مِنْ الْعِشَاءِ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُصَلِّي الْعِشَاءَ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ رَكْعَةٍ يَجْعَلُهَا قَضَاءً.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ يَمْتَدُّ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ عِنْدَ الْعُذْرِ إلَخْ انْتَهَى.
وَوَافَقَ م ر عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي جَوَازُ الْجَمْعِ أَيْضًا انْتَهَى أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُ الْجَوَازَ مَا يَأْتِي مِنْ الِاكْتِفَاءِ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ لِوُقُوعِ تَحَرُّمِ الثَّانِيَةِ فِي السَّفَرِ وَإِنْ أَقَامَ بَعْدَهُ، فَكَمَا اُكْتُفِيَ بِعَقْدِ الثَّانِيَةِ فِي السَّفَرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى بِذَلِكَ فِي الْوَقْتِ.
(قَوْلُهُ: وَلِهَذَا تُرِكَتْ) أَيْ وُجُوبًا لِصِحَّةِ الْجَمْعِ
(قَوْلُهُ: وَكَيْفِيَّةُ صَلَاتِهَا) أَيْ الرَّوَاتِبِ.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ تَأْخِيرُهَا) أَيْ عَنْ الصَّلَاتَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَأَخَّرَ سُنَّتَهَا الَّتِي بَعْدَهَا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ قَدَّمَ سُنَّةَ الظُّهْرِ
[حاشية الرشيدي]
النِّيَّةِ فِي مَحَلِّ النِّيَّةِ فَأَجْزَأَتْ لِوُقُوعِهَا فِي مَحَلِّهَا وَقَطَعْنَا النَّظَرَ عَمَّا وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا هُنَا (قَوْلُهُ: يُرَدُّ إلَخْ) هَذَا الرَّدُّ مُتَوَجِّهٌ إلَى قَوْلِ هَذَا الْبَعْضِ وَهُوَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيَارِهِ، فَالْأَوْجَهُ امْتِنَاعُ الْجَمْعِ هُنَا فَحَاصِلُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الِاخْتِيَارِ وَعَدَمِهِ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ بِالسَّفَرِ فِيمَا ذُكِرَ لَكِنْ فِي هَذَا السِّيَاقِ صُعُوبَةٌ.
(قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي) أَيْ مِنْ حَيْثُ إطْلَاقُهُ الْمُتَنَاوِلُ لِمَا إذَا كَانَ السَّفَرُ بِاخْتِيَارِهِ وَغَيْرِهِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ السَّفَرِ وَالْمَطَرِ: أَيْ بَدَلُ مَا فَرَّقَ بِهِ الْبَعْضُ الْمَذْكُورُ (قَوْلُهُ: لِلْخِلَافِ فِيهِ) أَيْ الْخِلَافِ الْمَذْهَبِيِّ فَإِنَّ الْمُزَنِيّ يَمْنَعُهُ مُطْلَقًا.
وَلَنَا قَوْلٌ شَاذٌّ بِجَوَازِهِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ دُونَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِلَّا فَخِلَافُ الْعُلَمَاءِ ثَابِتٌ حَتَّى فِي الْجَمْعِ بِالسَّفَرِ (قَوْلُهُ: وَفِي السَّفَرِ تَجُوزُ) أَيْ الطَّرِيقُ فَتَجُوزُ بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ (قَوْلُهُ: وَكَانَتْ) الْأَوْلَى فَكَانَ أَيْ الْأَثْنَاءُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُحْمَلُ إلَخْ) هَذَا الْحَمْلُ لَا يَتَأَتَّى مَعَ قَوْلِ الْبَعْضِ الْمَذْكُورِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيَارِهِ إلَخْ، إذْ كَيْفَ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى
وَلَهُ تَوْسِيطُهَا إنْ جَمَعَ تَأْخِيرًا وَقَدَّمَ الظُّهْرَ وَأَخَّرَ عَنْهُمَا سُنَّةَ الْعَصْرِ، وَلَهُ تَوْسِيطُهَا وَتَقْدِيمُهَا إنْ جَمَعَ تَأْخِيرًا سَوَاءٌ أَقَدَّمَ الظُّهْرَ أَمْ الْعَصْرَ وَإِذَا جَمَعَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ أَخَّرَ سُنَّتَيْهِمَا، وَلَهُ تَوْسِيطُ سُنَّةِ الْمَغْرِبِ إنْ جَمَعَ تَأْخِيرًا وَقَدَّمَ الْمَغْرِبَ، وَتَوْسِيطُ سُنَّةِ الْعِشَاءِ إنْ جَمَعَ تَأْخِيرًا وَقَدَّمَ الْعِشَاءَ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وَعَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ سُنَّةً مُتَقَدِّمَةً فَلَا يَخْفَى الْحُكْمُ مِمَّا تَقَرَّرَ فِي جَمْعَيْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ كَذَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ (فَإِنْ طَالَ) الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا (وَلَوْ بِعُذْرٍ) كَجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ سَهْوٍ (وَجَبَ تَأْخِيرُ الثَّانِيَةِ إلَى وَقْتِهَا) لِفَوَاتِ شَرْطِ الْجَمْعِ (وَلَا يَضُرُّ فَصْلٌ يَسِيرٌ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُسَامَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا جَمَعَ بِنَمِرَةَ أَقَامَ لِلصَّلَاةِ بَيْنَهُمَا» وَشَمَلَ ذَلِكَ مَا لَوْ حَصَلَ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ بِنَحْوِ جُنُونٍ أَوْ رِدَّةٍ وَعَادَ لِلْإِسْلَامِ عَنْ قُرْبٍ بَيْنَ سَلَامِهِ مِنْ الْأُولَى وَتَحَرُّمِهِ بِالثَّانِيَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، أَوْ تَرَدَّدَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي أَنَّهُ نَوَى الْجَمْعَ فِي الْأُولَى ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ نَوَاهُ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ مُخَالِفًا فِي ذَلِكَ لِوَالِدِهِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْوَجْهُ بِالْقَيْدِ الْمَارِّ فَلَا يَضُرُّ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا (وَيُعْرَفُ طُولُهُ) وَقِصَرُهُ (بِالْعُرْفِ) إذْ لَا ضَابِطَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ فَرَجَعَ إلَيْهِ فِيهِ كَالْحِرْزِ وَالْقَبْضِ وَمِنْ الطَّوِيلِ قَدْرُ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ وَلَوْ بِأَخَفِّ مُمْكِنٍ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ.
(وَلِلْمُتَيَمِّمِ) بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (الْجَمْعُ) (عَلَى الصَّحِيحِ) كَالْمُتَوَضِّئِ (وَلَا يَضُرُّ تَخَلُّلُ طَلَبٍ خَفِيفٍ) كَالْإِقَامَةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ دُونَهَا فَكَانَ مِنْ مَصْلَحَتِهَا، بَلْ لَوْ كَانَ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ لَيْسَ لِمَصْلَحَتِهَا لَمْ يَضُرَّ أَيْضًا، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّهُ يَضُرُّ لِطُولِ الْفَصْلِ بِهِ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بِالْوُضُوءِ قَطْعًا.
(وَلَوْ) (جَمَعَ) تَقْدِيمًا (ثُمَّ عَلِمَ) بَعْدَ فَرَاغِهِمَا أَوْ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ وَطَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ سَلَامِ الْأُولَى وَعِلْمِهِ (تَرْكَ رُكْنٍ مِنْ الْأُولَى بَطَلَتَا) أَمَّا الْأُولَى فَلِتَرْكِ الرُّكْنِ مِنْهَا وَتَعَذُّرِ تَدَارُكِهِ بِطُولِ الْفَصْلِ،
[حاشية الشبراملسي]
الْقَبْلِيَّةَ.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ تَوْسِيطُهَا) أَيْ سُنَّةِ الْعَصْرِ.
(قَوْلُهُ: وَتَوْسِيطُ سُنَّةِ الْعِشَاءِ) وَالضَّابِطُ لِذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ بَعْدِيَّةً الْأُولَى عَلَى الْأُولَى مُطْلَقًا، وَلَا سُنَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى إنْ جَمَعَ تَقْدِيمًا، وَلَا الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ مُطْلَقًا إنْ جَمَعَ تَقْدِيمًا وَمَا عَدَا ذَلِكَ جَائِزٌ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ) الْمُرَادُ بِطُولِ الْفَصْلِ مَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ أَخَفَّ مَا يُمْكِنُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْوَجْهُ بِالْقَيْدِ الْمَارِّ) وَهُوَ قَوْلُهُ عَنْ قُرْبٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بِأَخَفِّ مُمْكِنٍ) عِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: وَظَاهِرٌ وِفَاقًا لَمْ ر أَنَّهُ لَوْ صَلَّى الرَّاتِبَةَ بَيْنَهُمَا فِي مِقْدَارِ الْفَصْلِ الْيَسِيرِ لَمْ يَضُرَّ.
أَقُولُ: يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ الْيَسِيرِ عَلَى زَمَنٍ لَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ بِأَخَفِّ مُمْكِنٍ بِالْفِعْلِ الْمُعْتَادِ، وَعَلَى هَذَا لَا يُخَالِفُ مَا فِي الشَّرْحِ
(قَوْلُهُ: كَالْإِقَامَةِ) وَمِثْلُ الْإِقَامَةُ الْأَذَانُ إنْ لَمْ يَطُلْ بِهِ الْفَصْلُ، فَإِنْ طَالَ ضَرَّ انْتَهَى سم عَلَى حَجّ.
وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يُطْلَبْ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَقَاعَدُ عَنْ السُّكُوتِ الْمُجَرَّدِ حَيْثُ لَمْ يَطُلْ بِهِ الْفَصْلُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ الطَّلَبُ.
(قَوْلُهُ: لَيْسَ لِمَصْلَحَتِهَا) شَمَلَ ذَلِكَ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ حَيْثُ لَمْ يَطُلْ بِهِمَا فَصْلٌ.
(قَوْلُهُ: لِطُولِ الْفَصْلِ بِهِ) التَّعْلِيلُ بِمَا ذَكَرَ يُشْكِلُ بِجَوَازِ الْفَصْلِ بِالضَّوْءِ بِلَا خِلَافٍ، مَعَ أَنَّ الْفَصْلَ بِهِ يَزِيدُ عَلَى التَّيَمُّمِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ التَّيَمُّمَ لَمَّا كَانَ يُحْوِجُ لِلطَّلَبِ كَانَ مَظِنَّةً لِلطُّولِ فَجُعِلَ مَانِعًا مُطْلَقًا
[حاشية الرشيدي]
مَا هُوَ مُصَرِّحٌ بِخِلَافِهِ
(قَوْلُهُ: قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ) هَذَا الْقَيْدُ مِنْ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ تَقْيِيدٌ لِكَلَامِ الرُّويَانِيِّ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ شَرْحِ الرَّوْضِ لَا مِنْ كَلَامِ الرُّويَانِيِّ وَإِنْ أَوْهَمَهُ سِيَاقُ الشَّارِحِ، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي بِالْقَيْدِ الْمَارِّ.
(قَوْلُهُ: وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّهُ يَضُرُّ لِطُولِ الْفَصْلِ بِهِ) أَيْ بِالطَّلَبِ إذْ مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا اشْتَمَلَ التَّيَمُّمُ عَلَى الطَّلَبِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الرَّوْضَةِ وَعِبَارَتُهَا، وَمَنَعَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ جَمْعَ الْمُتَيَمِّمِ لِلْفَصْلِ بِالطَّلَبِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ الْمَبْنِيُّ عَلَى رُجُوعِ الضَّمِيرِ فِي بِهِ لِلتَّيَمُّمِ جَرْيًا عَلَى ظَاهِرِ السِّيَاقِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بِالْوُضُوءِ) أَيْ شَرْطُهُ مِنْ عَدَمِ طُولِ
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ فَلِبُطْلَانِ شَرْطِهَا مِنْ صِحَّةِ الْأُولَى، وَذَكَرَ هَذِهِ أَوَّلًا لِبَيَانِ التَّرْتِيبِ ثُمَّ هُنَا لِبَيَانِ الْمُوَالَاةِ وَتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ (وَيُعِيدُهُمَا جَامِعًا) إنْ شَاءَ تَقْدِيمًا إنْ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا أَوْ تَأْخِيرًا لِعَدَمِ صَلَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَطُلْ لُغِيَ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَبَنَى عَلَى الْأُولَى وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ عَلِمَ مَا لَوْ شَكَّ فِي غَيْرِ النِّيَّةِ وَتَكْبِيرَةِ التَّحَرُّمِ فَلَا يُؤَثِّرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْأُولَى كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ (أَوْ) عَلِمَهُ (مِنْ الثَّانِيَةِ) بَعْدَ فَرَاغِهَا (فَإِنْ لَمْ يَطُلْ) فَصْلٌ عُرْفًا بَيْنَ سَلَامِهِ وَتَذَكُّرِهِ (تَدَارَكَهُ) وَصَحَّتَا (وَإِلَّا) بِأَنْ طَالَ (فَبَاطِلَةٌ) لِتَعَذُّرِ تَدَارُكِهِ (وَلَا جَمْعَ) لِطُولِهِ فَيُعِيدُهَا فِي وَقْتِهَا (وَلَوْ) (جَهِلَ) فَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيَّتِهِمَا هُوَ (أَعَادَهُمَا لِوَقْتَيْهِمَا) لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ الْأُولَى وَامْتَنَعَ جَمْعُ التَّقْدِيمِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ الثَّانِيَةِ فَيَطُولُ الْفَصْلُ بِهَا وَبِالْأُولَى الْمُعَادَةِ بَعْدَهَا، أُمًّا جَمْعُهُمَا تَأْخِيرًا فَجَائِزٌ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ؛ لِأَنَّ غَايَةَ الشَّكِّ أَنْ يُصَيِّرَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، وَلِأَنَّهُ عَلَى احْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ الْأُولَى وَاضِحٌ، وَكَذَا عَلَى احْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إلَّا أَنَّهُ تَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا، وَالْمُعَادَةُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إلَى الثَّانِيَةِ لِتُصَلَّى مَعَهَا فِي وَقْتِهَا، وَكَوْنُهُ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ لَا يُسَمَّى جَمْعًا حِينَئِذٍ لَا يُنْظَرُ إلَيْهِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ هَذَا الِاحْتِمَالِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَيْسَ الْحُكْمُ مِمَّا يُتَعَبَّدُ بِهِ حَتَّى يُتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ.
وَرَابِعُهَا دَوَامُ سَفَرِهِ إلَى عَقْدِ الثَّانِيَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ جَمَعَ تَقْدِيمًا فَصَارَ إلَى آخِرِهِ (وَإِذَا أَخَّرَ) الصَّلَاةَ (الْأُولَى) إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ (لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ) بَيْنَهُمَا (وَ) لَا (الْمُوَالَاةُ وَ) لَا (نِيَّةَ الْجَمْعِ) فِي الْأُولَى (عَلَى الصَّحِيحِ) ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ هُنَا لِلثَّانِيَةِ، وَالْأُولَى هِيَ التَّابِعَةُ فَلَمْ يَحْتَجْ لِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ ثَمَّ لِتَحَقُّقِ التَّبَعِيَّةِ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّةِ الْوَقْتِ لِلثَّانِيَةِ.
نَعَمْ تُسَنُّ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ هُنَا وَالثَّانِي يَجِبُ ذَلِكَ كَمَا فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ، وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّعْلِيلِ (وَ) الَّذِي (يَجِبُ) هُنَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا دَوَامُ سَفَرِهِ إلَى تَمَامِهِمَا وَسَيَذْكُرُهُ، وَثَانِيهِمَا (كَوْنُ التَّأْخِيرِ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ) أَيْ يَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ
[حاشية الشبراملسي]
وَلَا كَذَلِكَ الْوُضُوءُ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ طَالَ زَمَنُهُ امْتَنَعَ الْجَمْعُ
(قَوْلُهُ: بِالْمَعْنَى السَّابِقِ) مُتَعَلِّقٌ بِبَطَلَتَا وَأَرَادَ بِهِ مَا قَدَّمَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ فَسَدَتْ الثَّانِيَةُ مِنْ أَنَّهَا لَمْ تَقَعْ عَنْ فَرْضِهِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: ذَكَرَ هَذِهِ أَوَّلًا) أَيْ بِقَوْلِهِ فَلَوْ صَلَّاهَا فَبَانَ فَسَادُهَا إلَخْ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ هُنَا أَيْ) ثُمَّ ذَكَرَهَا هُنَا إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَأْخِيرًا) أَيْ حَيْثُ نَوَى التَّأْخِيرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُهَا كَامِلَةً وَإِلَّا فَلَا تَأْخِيرَ، وَيَجِبُ الْإِحْرَامُ بِهَا قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ لِئَلَّا تَصِيرَ كُلُّهَا قَضَاءً، وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ لِعُذْرِهِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَطُلْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ قَبْلُ أَوْ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ وَطَالَ الْفَصْلُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: بَيْنَ سَلَامِهِ وَتَذَكُّرِهِ) أَيْ مِنْ الثَّانِيَةِ.
(قَوْلُهُ: وَبِالْأُولَى الْمُعَادَةِ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الثَّانِيَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُعَادَةُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا صَلَّى الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا وَأَرَادَ إعَادَتَهَا جَازَ تَأْخِيرُهَا إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ لِيَجْمَعَهَا مَعَهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ حَيْثُ فَعَلَهَا فُرَادَى أَمَّا إذَا فَعَلَهَا جَمَاعَةً فَلَا مَانِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ يُصَيِّرُ الْوَقْتَيْنِ وَاحِدًا، فَكَأَنَّهُ فَعَلَ الْأُولَى فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ثُمَّ أَعَادَهَا فِي آخِرِهِ، وَمَا ذَكَرَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا جَمَعَهَا تَأْخِيرًا اشْتَرَطَ وُقُوعَ الْأُولَى فِي جَمَاعَةٍ وَإِطْلَاقُهُ يُخَالِفُهُ.
(قَوْلُهُ: بِظَاهِرِ الْكِتَابِ) يَعْنِي الْمِنْهَاجَ
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ إلَخْ) لَا يُقَالُ: لَوْ قَالَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ كَانَ أَخْصَرَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: التَّعْبِيرُ بِهِ لَا يُعْلَمُ مِنْهُ مَا يَقُولُهُ الثَّانِي، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ حَيْثُ جَعَلَ قَوْلَهُ عَلَى الصَّحِيحِ رَاجِعًا لِكُلٍّ مِنْ الثَّلَاثِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا نِيَّةُ الْجَمْعِ فِي الْأُولَى) أَيْ كَمَا أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي الثَّانِيَةِ.
(قَوْلُهُ: بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّعْلِيلِ) هُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْوَقْتَ هُنَا لِلثَّانِيَةِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ) أَيْ بِأَنْ يَقُولَ: نَوَيْت تَأْخِيرَ الْأُولَى لِأَفْعَلَهَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِمَا ذَكَرَ كَانَ لَغْوًا.
[حاشية الرشيدي]
الْفَصْلِ.
(قَوْلُهُ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ) أَيْ بُطْلَانِ فَرْضِيَّتِهَا (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ الْحُكْمُ مِمَّا يُتَعَبَّدُ بِهِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْفَتَاوَى وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ حَتَّى يَتَمَسَّكَ فِي مَنْعِهَا بِمَفْهُومِ الْمِنْهَاجِ انْتَهَتْ.
وَغَرَضُهُ مِنْ ذَلِكَ الرَّدُّ عَلَى السَّائِلِ فِي تَمَسُّكِهِ بِظَاهِرِ عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ.
قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ قَدْ يَكُونُ مَعْصِيَةً كَالتَّأْخِيرِ لِغَيْرِ الْجَمْعِ، وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا كَالتَّأْخِيرِ لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ تُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ قَدَّمَ النِّيَّةَ عَلَى الْوَقْتِ كَمَا لَوْ نَوَى فِي أَوَّلِ السَّفَرِ أَنَّهُ يَجْمَعُ كُلَّ يَوْمٍ لَمْ تَكْفِهِ عَلَى أَشْبَهِ احْتِمَالَيْنِ ذَكَرَهُمَا الرُّويَانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَصْلُحُ لِلْجَمْعِ، وَالْقِيَاسُ عَلَى نِيَّةِ الصَّوْمِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِخُرُوجِهَا عَنْ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: الْجَمْعُ اشْتِرَاطُ نِيَّةِ إيقَاعِهَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فَلَوْ نَوَى التَّأْخِيرَ فَقَدْ عَصَى وَصَارَتْ الْأُولَى قَضَاءً، وَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ النِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي زَمَنٍ لَوْ اُبْتُدِئَتْ الْأُولَى فِيهِ لَوَقَعَتْ أَدَاءً، كَذَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ، وَفِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ عَنْهُمْ، وَتُشْتَرَطُ هَذِهِ النِّيَّةُ فِي وَقْتِ الْأُولَى بِحَيْثُ يَبْقَى مِنْ وَقْتِهَا مَا يَسَعُهَا أَوْ أَكْثَرُ، فَإِنْ ضَاقَ وَقْتُهَا بِحَيْثُ لَا يَسَعُهَا عَصَى وَصَارَتْ قَضَاءً، وَهُوَ مُبَيَّنٌ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ: إنَّ مُرَادَهُ بِالْأَدَاءِ فِي الرَّوْضَةِ الْأَدَاءُ الْحَقِيقِيُّ بِأَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ الصَّلَاةِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، بِخِلَافِ الْإِتْيَانِ بِرَكْعَةٍ مِنْهَا فِي الْوَقْتِ وَالْبَاقِي بَعْدَهُ، فَتَسْمِيَتُهُ أَدَاءً بِتَبَعِيَّةِ مَا بَعْدَ الْوَقْتِ لِمَا فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ كَلَامَ الرَّوْضَةِ مَحْمُولٌ عَلَى كَلَامِ الْمَجْمُوعِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، إذْ كُلٌّ مِنْ التَّعْبِيرَيْنِ مَنْقُولٌ عَنْ الْأَصْحَابِ، فَالْمُرَادُ بِهِمَا وَاحِدٌ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَوَازِ الْقَصْرِ لِمَنْ سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً وَاضِحٌ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ ثَمَّ كَوْنُهَا مُؤَدَّاةً، وَالْمُعْتَبَرُ هُنَا أَنْ تُمَيِّزَ النِّيَّةُ هَذَا التَّأْخِيرَ عَنْ التَّأْخِيرِ تَعَدِّيًا، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ إنَّهَا صَارَتْ قَضَاءً؛ لِأَنَّهَا فُعِلَتْ خَارِجَ وَقْتِهَا الْأَصْلِيِّ وَقَدْ انْتَفَى شَرْطُ التَّبَعِيَّةِ فِي الْوَقْتِ، كَذَا أَفَادَنِيهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ أَخَّرَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْجَمْعِ أَوْ بِنِيَّتِهِ فِي زَمَنٍ لَا يَسَعُ جَمِيعَهَا (فَيَعْصِي وَتَكُونُ قَضَاءً) أَمَّا عِصْيَانُهُ فَلِأَنَّ التَّأْخِيرَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إنَّمَا يَجُوزُ بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ، فَيَكُونُ انْتِفَاءُ الْعَزْمِ كَانْتِفَاءِ الْفِعْلِ وَوُجُودُهُ كَوُجُودِهِ.
وَأَمَّا كَوْنُهَا قَضَاءً فَكَذَلِكَ أَيْضًا،
[حاشية الشبراملسي]
قَالَ سم: لِأَنَّ مُطْلَقَ التَّأْخِيرِ صَادِقٌ بِالتَّأْخِيرِ الْمُمْتَنِعِ اهـ. وَكَتَبَ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ مَا نَصُّهُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَكْفِي فِي الْقَصْرِ نِيَّةُ صَلَاةِ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ تَرَخُّصًا، وَمُطْلَقُ الرَّكْعَتَيْنِ صَادِقٌ بِالرَّكْعَتَيْنِ لَا عَلَى وَجْهِ الْقَصْرِ فَلْيُحَرَّرْ وَفَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَهُمَا اهـ وَقَدْ يُقَالُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ وَصْفَ الظُّهْرِ مَثَلًا بِكَوْنِهِ رَكْعَتَيْنِ لَا يَكُونُ إلَّا قَصْرًا، فَمَاصَدَقَ الْقَصْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَاحِدٌ، وَلَا كَذَلِكَ مُجَرَّدُ تَأْخِيرِ الظُّهْرِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ بِالتَّأْخِيرِ مَعَ عَدَمِ فِعْلِهَا فِي وَقْتِهَا فَكَانَ صَادِقًا بِالْمُرَادِ وَبِغَيْرِهِ فَامْتَنَعَ، وَلَا كَذَلِكَ صَلَاةُ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَالْقِيَاسُ عَلَى نِيَّةِ الصَّوْمِ) أَيْ حَيْثُ صَحَّتْ بَعْدَ الْغُرُوبِ مَعَ تَقَدُّمِهَا عَلَى وَقْتِهَا، وَهُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ.
(قَوْلُهُ: لِخُرُوجِهَا) أَيْ نِيَّةِ الصَّوْمِ.
(قَوْلُهُ: فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ) أَيْ وَلَوْ فِي وَقْتٍ لَا يَسَعُهَا كُلَّهَا كَأَنْ نَوَى تَأْخِيرَ الظُّهْرِ لِيَفْعَلَهَا فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ بَعْدَ فِعْلِهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ مَا لَا يَسَعُ الظُّهْرَ بِكَمَالِهَا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ عَصَى بِالتَّأْخِيرِ لِذَلِكَ الْوَقْتِ هُوَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْوَقْتِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى تَأْخِيرَ غَيْرِ الْمَجْمُوعَةِ إلَى وَقْتٍ لَا يَسَعُهَا.
(قَوْلُهُ: مَا يَسَعُهَا أَوْ أَكْثَرَ) أَيْ مَقْصُورَةً إنْ أَرَادَ الْقَصْرَ وَإِلَّا فَتَامَّةً فَدَخَلَتْ حَالَةُ الْإِطْلَاقِ اهـ زِيَادِيٌّ.
وَلَا يُشْرَطُ أَنْ يُضَمَّ إلَى ذَلِكَ قَدْرُ إمْكَانِ زَمَنِ الطَّهَارَةِ لِإِمْكَانِ تَقْدِيمِهَا.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَأْتِي بِجَمِيعِ الصَّلَاةِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ مَا يَسَعُ الصَّلَاةَ) أَيْ كَامِلَةً
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا كَوْنُهَا قَضَاءً فَكَذَلِكَ)
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا فُعِلَتْ) هُوَ وَجْهُ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ، وَقَوْلُهُ: وَقَدْ انْتَفَى شَرْطُ التَّبَعِيَّةِ وَهُوَ نِيَّةُ التَّأْخِيرِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَارِّ، وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى الرَّدِّ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا كَوْنُهَا قَضَاءً فَكَذَلِكَ أَيْضًا) فِيهِ تَأَمُّلٌ
وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ كَوْنَهَا قَضَاءً عَلَى مَا إذَا وُجِدَتْ النِّيَّةُ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِهِ مَا لَا يَسَعُ رَكْعَةً، وَعَدَمَ عِصْيَانِهِ عَلَى وُجُودِهَا وَفِي الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الصَّلَاةَ: قَالَ: وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ مَا وَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ التَّنَاقُضِ فِي ذَلِكَ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ.
وَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي إحْيَائِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ لَمْ يَعْصِ، وَكَانَ جَامِعًا؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ صَحِيحٌ فِي عَدَمِ عِصْيَانِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فِي عَدَمِ بُطْلَانِ الْجَمْعِ لِفَقْدِ النِّيَّةِ (وَلَوْ جَمَعَ) أَيْ أَرَادَ الْجَمْعَ (تَقْدِيمًا) بِأَنْ صَلَّى الْأُولَى فِي وَقْتِهَا نَاوِيًا الْجَمْعَ (فَصَارَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) أَوْ قَبْلَ فَرَاغِ الْأُولَى كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَعَدَلَ عَنْهُ لِإِيهَامِهِ وَفَهْمِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ (مُقِيمًا) بِنَحْوِ نِيَّةِ إقَامَةٍ أَوْ شَكٍّ فِيهَا (بَطَلَ الْجَمْعُ) لِزَوَالِ سَبَبِهِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَخِّرَ الثَّانِيَةَ إلَى وَقْتِهَا أَمَّا الْأُولَى فَلَا تَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ.
(وَ) إذَا صَارَ مُقِيمًا (فِي الثَّانِيَةِ) وَمِثْلُهَا إذَا صَارَ مُقِيمًا (بَعْدَهَا لَا يَبْطُلُ) الْجَمْعُ (فِي الْأَصَحِّ) لِلِاكْتِفَاءِ بِاقْتِرَانِ الْعُذْرِ بِأَوَّلِ الثَّانِيَةِ صِيَانَةً لَهَا عَنْ بُطْلَانِهَا بَعْدَ انْعِقَادِهَا، وَإِنَّمَا مَنَعَتْ الْإِقَامَةُ فِي أَثْنَائِهَا جَوَازَ الْقَصْرِ لِمُنَافَاتِهَا لَهُ، بِخِلَافِ جِنْسِ الْجَمْعِ لِجَوَازِهِ بِالْمَطَرِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فِي أَثْنَائِهَا فَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلِهَذَا كَانَ الْخِلَافُ فِيهِ أَضْعَفَ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ: الْبُطْلَانُ قِيَاسًا عَلَى الْقَصْرِ، وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِمَا مَرَّ (أَوْ) جَمَعَ (تَأْخِيرًا فَأَقَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا لَمْ يُؤَثِّرْ) ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ كَجَمْعِ التَّقْدِيمِ وَأَوْلَى (وَ) إقَامَتُهُ (قَبْلَهُ) أَيْ فَرَاغُهُمَا وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (يَجْعَلُ الْأُولَى قَضَاءً) لِتَبَعِيَّتِهَا لِلثَّانِيَةِ فِي الْأَدَاءِ وَالْعُذْرِ، فَاعْتُبِرَ وُجُودُ سَبَبِ الْجَمْعِ فِي جَمِيعِ الْمَتْبُوعَةِ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ الْمَتْبُوعَةَ وَأَقَامَ أَثْنَاءَ التَّابِعَةِ أَنَّهَا تَكُونُ أَدَاءً لِوُجُودِ الْعُذْرِ فِي جَمِيعِ الْمَتْبُوعَةِ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا مَرَّ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ، ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ، وَاعْتَمَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَخَالَفَهُ آخَرُونَ، مِنْهُمْ الطَّاوُسِيُّ، وَأَجْرَى الْكَلَامَ عَلَى إطْلَاقِهِ، فَقَالَ: وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ بِدَوَامِ السَّفَرِ إلَى عَقْدِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يُكْتَفَ بِهِ فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ بَلْ شُرِطَ دَوَامُهُ إلَى تَمَامِهِمَا؛ لِأَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ لَيْسَ وَقْتَ الْعَصْرِ إلَّا فِي السَّفَرِ، وَقَدْ وُجِدَ عِنْدَ عَقْدِ الثَّانِيَةِ فَيَحْصُلُ الْجَمْعُ.
وَأَمَّا وَقْتُ الْعَصْرِ فَيَجُوزُ فِيهِ الظُّهْرُ بِعُذْرِ السَّفَرِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَنْصَرِفُ فِيهِ الظُّهْرُ إلَى السَّفَرِ إلَّا إذَا وُجِدَ السَّفَرُ فِيهِمَا، وَإِلَّا جَازَ أَنْ تَنْصَرِفَ إلَيْهِ لِوُقُوعِ بَعْضِهَا فِيهِ، وَأَنْ تَنْصَرِفَ إلَى غَيْرِهِ لِوُقُوعِ بَعْضِهَا فِي غَيْرِهِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْجَمْعِ بِالْمَطَرِ، فَقَالَ (وَيَجُوزُ الْجَمْعُ) وَلَوْ مُقِيمًا لِمَا يَجْمَعُهُ بِالسَّفَرِ وَلَوْ جُمُعَةً مَعَ الْعَصْرِ خِلَافًا لِلرُّويَانِيِّ (بِالْمَطَرِ) وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا بِشَرْطِ أَنْ يُبَلَّ الثَّوْبُ، وَنَحْوُ الْمَطَرِ مِثْلُهُ كَثَلْجٍ وَبَرَدٍ ذَائِبَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي وَشِفَّانِ، وَهُوَ رِيحٌ بَارِدَةٌ فِيهَا مَطَرٌ خَفِيفٌ (تَقْدِيمًا) بِشُرُوطِهِ السَّابِقَةِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا.
زَادَ مُسْلِمٌ: مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ» . قَالَ الشَّافِعِيُّ كَمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أَرَى ذَلِكَ بِعُذْرِ الْمَطَرِ.
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ أَنَّ التَّأْخِيرَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ) مُرَادُهُ حَجَرٌ.
(قَوْلُهُ: صَحِيحٌ فِي عَدَمِ عِصْيَانِهِ) قَدْ يُقَالُ: إنَّ عَدَمَ الْعِصْيَانِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ يُخَاطَبُ بِفِعْلِهَا فِيهِ إمَّا أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ بَاقِيه حَيْثُ عَزَمَ عَلَى فِعْلِهَا فِي الْوَقْتِ وَتَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا مُمْتَنِعٌ إلَّا بِنِيَّةِ الْجَمْعِ وَلَمْ تُوجَدْ، وَنِسْيَانُهُ لِلنِّيَّةِ لَا يُجَوِّزُ إخْرَاجَهَا عَنْ وَقْتِهَا.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ صَلَّى الْأُولَى فِي وَقْتِهَا) وَهَلْ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْجَمْعِ بَقَاءُ الْوَقْتِ إلَى فَرَاغِ الثَّانِيَةِ أَوْ إلَى عَقْدِهَا فَقَطْ كَالسَّفَرِ، فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي يُفِيدُهُ كَلَامُ سم عَلَى مَنْهَجٍ الِاكْتِفَاءُ بِالتَّحَرُّمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ عِبَارَتِهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ) أَيْ بَدَلَ قَوْلِهِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَلِهَذَا كَانَ الْخِلَافُ فِيهِ أَضْعَفَ) وَعَلَيْهِ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمَتْنِ أَنْ يَقُولَ: وَفِي الثَّانِيَةِ لَا تَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ وَكَذَا بَعْدَهَا عَلَى الصَّحِيحِ.
(قَوْلُهُ: لَوْ قَدَّمَ الْمَتْبُوعَةَ) وَهِيَ الْعَصْرُ، وَقَوْلُهُ أَنَّهَا تَكُونُ: أَيْ التَّابِعَةُ.
(قَوْلُهُ: وَأَجْرَى الْكَلَامَ عَلَى إطْلَاقِهِ) مُعْتَمَدٌ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا) أَيْ الْمَطَرُ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ رِيحٌ بَارِدَةٌ فِيهَا مَطَرٌ) قَضِيَّةُ جَعْلِهِ مُلْحَقًا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّهُ لَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ) أَيْ مَعَ الصَّلَاةِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَبِهِ يَتَّضِحُ عَدَمُ الْعِصْيَانِ وَيَنْدَفِعُ مَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مِنْ اسْتِشْكَالِهِ
وَاعْتَرَضَ بِرِوَايَتِهِ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا شَاذَّةٌ، أَوْ وَلَا مَطَرٍ كَثِيرٍ أَوْ مُسْتَدَامٍ فَلَعَلَّهُ انْقَطَعَ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ، أَوْ أَرَادَ بِالْجَمْعِ التَّأْخِيرَ بِأَنْ أَخَّرَ الْأُولَى إلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَأَوْقَع الثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَانْدَفَعَ أَخْذُ أَئِمَّةٍ بِظَاهِرِهَا (وَالْجَدِيدُ مَنْعُهُ تَأْخِيرًا) إذْ اسْتِدَامَةُ الْمَطَرِ لَا اخْتِيَارَ لِلْجَامِعِ فِيهَا، فَقَدْ يَنْقَطِعُ فَيُؤَدِّي إلَى إخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بِخِلَافِ السَّفَرِ، وَالْقَدِيمُ جَوَازُهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي الْإِمْلَاءِ قِيَاسًا عَلَى السَّفَرِ.
(وَشَرْطُ التَّقْدِيمِ) بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ (وُجُودُهُ) أَيْ الْمَطَرِ (أَوَّلَهُمَا) أَيْ الصَّلَاتَيْنِ لِيَتَحَقَّقَ الْجَمْعُ مَعَ الْعُذْرِ (وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُهُ عِنْدَ سَلَامِ الْأُولَى) لِيَتَحَقَّقَ اتِّصَالُ آخِرِ الْأُولَى بِأَوَّلِ الثَّانِيَةِ فِي حَالَةِ الْعُذْرِ.
وَقَضِيَّتُهُ اشْتِرَاطُ امْتِدَادِهِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا يَضُرُّ انْقِطَاعُهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ.
وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ عِنْدَ سَلَامِ الْأُولَى كَمَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ تَيَقُّنُهُ لِذَلِكَ أَيْضًا حَتَّى لَا يَكْفِيَ الِاسْتِصْحَابُ، صَرَّحَ الْقَاضِي بِالِاشْتِرَاطِ فَقَالَ: لَوْ قَالَ لِآخَرَ بَعْدَ سَلَامِهِ اُنْظُرْ هَلْ انْقَطَعَ الْمَطَرُ أَوْ لَا بَطَلَ جَمْعُهُ لِلشَّكِّ فِي سَبَبِهِ، وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ غَيْرِ الْقَاضِي، وَنُقِلَ عَنْ الْقَاضِي أَيْضًا خِلَافُهُ، وَلَعَلَّهُ سَهْوٌ إنْ لَمْ يَتَنَاقَضْ كَلَامُ الْقَاضِي فِيهِ، وَمَالَ الْإِسْنَوِيُّ إلَى الِاكْتِفَاءِ بِالِاسْتِصْحَابِ، وَادَّعَى غَيْرُهُ أَنَّهُ الْقِيَاسُ، وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ رُخْصَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ سَبَبِهَا (وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ كَمَطَرٍ إنْ ذَابَا) وَبَلَّا الثَّوْبَ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَذُوبَا كَذَلِكَ وَمَشَقَّتُهُمَا نَوْعٌ آخَرُ لَمْ يَرِدْ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا قِطَعًا كِبَارًا يُخْشَى مِنْهُ جَازَ الْجَمْعُ بِهِ كَمَا فِي الشَّامِلِ وَغَيْرِهِ فِي الثَّلْجِ، وَفِي مَعْنَاهُ الْبَرْدُ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الذَّخَائِرِ (وَالْأَظْهَرُ تَخْصِيصُ الرُّخْصَةِ بِالْمُصَلَّى جَمَاعَةً بِمَسْجِدٍ) أَوْ غَيْرِهِ (بَعِيدٍ) عَنْ مَحَلِّهِ عُرْفًا بِحَيْثُ (يَتَأَذَّى) تَأَذِّيًا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْعَادَةِ (بِالْمَطَرِ فِي طَرِيقِهِ) إلَيْهِ، إذْ الْمَشَقَّةُ إنَّمَا تُوجَدُ حِينَئِذٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ انْتَفَى شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ كَأَنْ كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا أَوْ جَمَاعَةً، أَوْ يَمْشِي إلَى الْمُصَلَّى فِي كِنٍّ
[حاشية الشبراملسي]
بِالْمَطَرِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَطَرِ الَّذِي فِيهَا يَبُلُّ الثَّوْبَ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِ حَجَرٍ وَمِنْهُ: أَيْ الْمَطَرِ الَّذِي شَرْطُهُ أَنْ يَبُلَّ الثَّوْبَ شَفَّانِ إلَخْ خِلَافُهُ.
[شُرُوطُ التَّقْدِيمِ فِي صَلَاةِ الْجَمْعِ عِنْدَ الْمَطَرِ]
(قَوْلُهُ: بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَشُرُوطُ التَّقْدِيمِ ثَلَاثَةٌ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ) أَيْ تَحَقُّقُ الِاتِّصَالِ.
(قَوْلُهُ: بَطَلَ جَمْعُهُ لِلشَّكِّ) قَضِيَّتُهُ الْبُطْلَانُ وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِانْقِطَاعِهِ فَوْرًا بِحَيْثُ زَالَ شَكُّهُ سَرِيعًا، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِيمَا لَوْ تَرَكَ نِيَّةَ الْجَمْعِ ثُمَّ نَوَاهُ فَوْرًا مِنْ عَدَمِ الضَّرَرِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ هُنَا كَذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى مَنْهَجٍ مَا نَصُّهُ بَعْدَ نَقْلِهِ مِثْلُ كَلَامِ الشَّارِحِ: وَيُحْتَمَلُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا طَالَ زَمَنُ الشَّكِّ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. وَهُوَ يُفِيدُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَا تَقَدَّمَ لِلشَّارِحِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَرَدَّدَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي أَنَّهُ نَوَى الْجَمْعَ فِي الْأُولَى ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ نَوَاهُ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ لَمْ يَضُرَّ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَظْهَرُ تَخْصِيصُ الرُّخْصَةِ بِالْمُصَلِّي جَمَاعَةً) وَهَلْ تُشْتَرَطُ الْجَمَاعَةُ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ كَالْمُعَادَةِ عَلَى اعْتِمَادِ شَيْخِنَا الشِّهَابِ الرَّمْلِيِّ أَوْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَلَهُ الِانْفِرَادُ فِي الثَّانِيَةِ كَالْجُمُعَةِ أَوْ فِي جُزْءٍ مِنْ أَوَّلِهَا وَلَوْ دُونَ رَكْعَةٍ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَيُتَّجَهُ أَنْ لَا تُشْتَرَطَ الْجَمَاعَةُ فِي الْأُولَى وَأَنَّهُ يَكْفِي وُجُودُهَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالثَّانِيَةِ وَإِنْ انْفَرَدَ قَبْلَ تَمَامِ الرَّكْعَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ تَبَاطَأَ الْمَأْمُومُونَ عَنْ الْإِمَامِ اُعْتُبِرَ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ إحْرَامُهُمْ فِي زَمَنٍ يَسَعُ الْفَاتِحَةَ قَبْلَ رُكُوعِهِ.
وَاخْتَارَ م ر مَرَّةً اشْتِرَاطَ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْأُولَى اهـ سم عَلَى حَجَرٍ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ.
وَفِيهِ أَيْضًا: وَلَوْ تَبَاطَأَ عَنْهُ الْمَأْمُومُونَ فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِصَيْرُورَتِهِ مُنْفَرِدًا يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَرَّجَ عَلَى التَّبَاطُؤِ عَنْ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُحْرِمُوا وَقَدْ بَقِيَ قَبْلَ الرُّكُوعِ مَا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ الْبَقَاءُ هُنَا فِي الرُّكُوعِ، بِخِلَافِهِ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا وُقُوعُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى جَمِيعِهَا فِي جَمَاعَةٍ، بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّهُ يَظْهَرُ الِاكْتِفَاءُ بِالْجَمَاعَةِ عِنْدَ انْعِقَادِ الثَّانِيَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. وَقَوْلُهُ وَقَدْ بَقِيَ قَبْلَ الرُّكُوعِ مَا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ فِيهِ أَنَّهُ يَأْتِي لِلشَّارِحِ فِي الْجُمُعَةِ أَنَّهُ يَكْفِي قِرَاءَتُهُمْ الْفَاتِحَةَ بَعْدَ رُكُوعِ الْإِمَامِ إذَا طَوَّلَهُ وَأَدْرَكُوهُ فِيهِ وَاطْمَأَنُّوا قَبْلَ رَفْعِهِ هَذَا، وَقَدْ يُقَالُ: أَيُّ دَاعٍ لِاعْتِبَارِ إدْرَاكِ زَمَنٍ يَسَعُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَوْ قُرْبٍ مِنْهُ، أَوْ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا بِالْمُصَلَّى لِانْتِفَاءِ تَأَذِّيه فِيمَا عَدَا الْأَخِيرَةَ وَالْجَمَاعَةَ فِيهَا.
وَأَمَّا جَمْعُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَنَّ بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ فَغَيْرُ مُنَافٍ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ أَكْثَرُهَا كَانَ بَعِيدًا فَلَعَلَّهُ لَمَّا جَمَعَ كَانَ فِيهِ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْمَعَ بِهِمْ وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا بِالْمَسْجِدِ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ، وَالْأَوْجَهُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَ إمَامًا رَاتِبًا أَوْ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ إمَامَتِهِ تَعْطِيلُ الْجَمَاعَةِ.
قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَلِمَنْ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ قَبْلَ وُجُودِ الْمَطَرِ فَاتَّفَقَ وُجُودُهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يَجْمَعَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجْمَعْ لَاحْتَاجَ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ أَيْضًا: أَيْ أَوْ الْعِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ وَفِيهِ مَشَقَّةٌ فِي رُجُوعِهِ إلَى بَيْتِهِ ثُمَّ عَوْدِهِ أَوْ فِي إقَامَتِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِيهِ وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ يَتَرَخَّصُ مُطْلَقًا، وَعُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ لَا جَمْعَ بِغَيْرِ السَّفَرِ وَالْمَطَرِ كَمَرَضٍ وَرِيحٍ وَظُلْمَةٍ وَخَوْفٍ وَوَحَلٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَلِخَبَرِ الْمَوَاقِيتِ فَلَا يُخَالَفُ إلَّا بِصَرِيحٍ وَإِنْ اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ جَوَازَهُ فِي الْمَرَضِ، وَحَكَى فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا جَوَازَهُ بِالْمَذْكُورَاتِ، وَقَالَ: إنَّهُ قَوِيٌّ جِدًّا فِي الْمَرَضِ وَالْوَحَلِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَإِنَّمَا لَمْ يُلْحِقُوا الْوَحَلَ الْمَطَرَ كَمَا فِي عُذْرِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ تَارِكَهُمَا يَأْتِي بِبَدَلِهِمَا، وَالْجَامِعُ يَتْرُكُ الْوَقْتَ بِلَا بَدَلٍ وَلِأَنَّ الْعُذْرَ فِيهِمَا لَيْسَ مَخْصُوصًا بِمُعَيَّنٍ، بَلْ كُلُّ مَا يَلْحَقُ بِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ وَالْوَحَلُ مِنْهُ، وَعُذْرُ الْجَمْعِ مَضْبُوطٌ بِمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَلَمْ تَجِئْ بِالْوَحَلِ.
بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مِنْ حَيْثُ تَمَيُّزُهَا عَنْ غَيْرِهَا بِاشْتِرَاطِ أُمُورٍ لِصِحَّتِهَا، وَأُخَرَ لِلُزُومِهَا وَكَيْفِيَّةٍ لِأَدَائِهَا وَتَوَابِعَ لِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي، وَهِيَ بِإِسْكَانِ الْمِيمِ وَتَثْلِيثِهَا، وَالضَّمُّ أَفْصَحُ.
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لَهَا، أَوْ لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ جَمَعَ خَلْقَ أَبِينَا
[حاشية الشبراملسي]
مَعَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ بَقَاءِ الْقُدْوَةِ إلَى الرُّكُوعِ وَالِاكْتِفَاءِ بِجُزْءٍ فِي الْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ: مُنْفَرِدًا بِالْمُصَلَّى) وَلَوْ مَسْجِدًا.
(قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْمَعَ بِهِمْ) قَضِيَّةُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْإِمَامِ أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْمُجَاوِرِينَ بِالْمَسْجِدِ أَوْ مِنْ بُيُوتِهِمْ بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ وَحَضَرُوا مَعَ مَنْ جَاءَهُمْ مِنْ بُعْدٍ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ مَعَ الْإِمَامِ إذَا جَمَعَ تَقْدِيمًا بَلْ يُؤَخِّرُونَهَا إلَى وَقْتِهَا وَإِنْ أَدَّى تَأْخِيرُهُمْ إلَى صَلَاتِهِمْ فُرَادَى بِأَنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مِنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ غَيْرُ مَنْ صَلَّى، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهِمْ.
(قَوْلُهُ: فَاتَّفَقَ وُجُودُهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يَجْمَعَ) أَيْ حَيْثُ صَلَّى جَمَاعَةً فُرَادَى كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ وِفَاقًا لطب وَهُوَ ظَاهِرٌ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ تَارِكَهُمَا يَأْتِي بِبَدَلِهِمَا) فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ الْجَمَاعَةَ لِعُذْرٍ لَمْ يَأْتِ لَهَا بِبَدَلٍ، وَإِنَّمَا أَتَى بِالصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ فِي نَفْسِهَا وَلَيْسَ الِانْفِرَادُ بَدَلًا عَنْ الْجَمَاعَةِ.
[بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ]
[شُرُوطُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ]
بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَيْ وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ (قَوْلهُ مِنْ حَيْثُ تَمَيُّزُهَا) أَيْ لَا مِنْ حَيْثُ أَرْكَانُهَا وَشُرُوطُهَا كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَهِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْخَمْسِ فِي إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالضَّمُّ أَفْصَحُ) أَيْ لِلْمِيمِ، وَهُوَ لُغَةُ الْحِجَازِ، وَفَتْحُهَا لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، وَإِسْكَانُهَا لُغَةُ عُقَيْلٍ، وَقَرَأَ بِهَا الْأَعْمَشُ وَالْجَمْعُ جُمَعٌ وَجُمُعَاتٌ مِثْلُ غُرَفٍ وَغُرُفَاتٍ فِي وُجُوهِهَا، وَجَمَّعَ النَّاسُ بِالتَّشْدِيدِ شَهِدُوا الْجُمُعَةَ كَمَا يُقَالُ عَيَّدُوا إذَا شَهِدُوا الْعِيدَ.
وَأَمَّا الْجُمُعَةُ بِسُكُونِ الْمِيمِ فَاسْمٌ لِأَيَّامِ الْأُسْبُوعِ وَأَوَّلُهَا السَّبْتُ اهـ مِصْبَاحٌ.
وَعَلَيْهِ فَالسُّكُونُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَأَيَّامِ الْأُسْبُوعِ (قَوْلُهُ جَمَعَ خَلْقَ) أَيْ كَمَّلَ خَلْقَ إلَخْ
[حاشية الرشيدي]
[الْجَمْعِ لِعُذْرِ الْمَطَرِ]
بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
آدَمَ فِيهَا، أَوْ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ بِحَوَّاءَ فِيهَا فِي الْأَرْضِ، وَكَانَ يُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَ الْعَرُوبَةِ: أَيْ الْبَيِّنِ الْمُعَظَّمِ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
نَفْسِي الْفِدَاءُ لِأَقْوَامٍ هُمْ خَلَطُوا ... يَوْمَ الْعُرُوبَةِ أَوْرَادًا بِأَوْرَادِ
وَهِيَ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ وَيَوْمُهَا أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ وَخَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْتِقُ اللَّهُ فِيهِ سِتَّمِائَةِ أَلْفِ عَتِيقٍ مِنْ النَّارِ، مَنْ مَاتَ فِيهِ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ وَوُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَهِيَ بِشُرُوطِهَا فَرْضُ عَيْنٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] هُوَ الصَّلَاةُ، وَقِيلَ الْخُطْبَةِ، فَأَمَرَ بِالسَّعْيِ وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ، وَإِذَا وَجَبَ السَّعْيُ وَجَبَ مَا يُسْعَى إلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ نَهَى عَنْ الْبَيْعِ وَهُوَ مُبَاحٌ وَلَا يُنْهَى عَنْ فِعْلٍ مُبَاحٍ إلَّا لِفِعْلٍ وَاجِبٍ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَوَاحُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» وَفُرِضَتْ بِمَكَّةَ وَلَمْ تَقُمْ بِهَا لِفَقْدِ الْعَدَدِ أَوْ لِأَنَّ شِعَارَهَا الْإِظْهَارُ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: أَوْ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ بِحَوَّاءَ) أَيْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا (قَوْلُهُ: وَكَانَ يُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ بَعْدَ مَا ذُكِرَ: وَكَانُوا يُسَمُّونَ الْأَحَدَ أَوَّلَ وَالِاثْنَيْنِ أَهْوَنَ وَالثُّلَاثَاءَ جُبَارًا وَالْأَرْبِعَاءَ دُبَارًا وَالْخَمِيسَ مُؤْنِسًا وَالسَّبْتَ شِيَارًا.
قَالَ الشَّاعِرُ:
أُؤَمِّلُ أَنْ أَعِيشَ وَإِنَّ يَوْمِي ... بِأَوَّلَ أَوْ بِأَهْوَنَ أَوْ جُبَارٍ
أَوْ التَّالِي دُبَارُ فَإِنْ أَفُتْهُ ... فَمُؤْنِسُ أَوْ عَرُوبَةُ أَوْ شِيَارُ
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْأَهْوَنُ لِرَجُلٍ وَاسْمُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَفِيهِ أَيْضًا أَهْوَنُ كَأَحْمَدَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَفِيهِ أَوْهَدُ كَذَلِكَ، وَجُبَارٌ كَغُرَابٍ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ وَيُكْسَرُ، وَفِيهِ أَيْضًا دُبَارٌ كَغُرَابٍ وَكِتَابٍ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ وَفِي كِتَابِ الْعَيْنِ لَيْلَتُهُ، وَفِيهِ أَيْضًا شِيَارٌ كَكِتَابٍ يَوْمُ السَّبْتِ جَمْعُهُ بِالْكَسْرِ، وَفِيهِ وَعَرُوبَةُ وَبِاللَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: أَوْرَادًا بِأَوْرَادٍ) أَيْ اشْتَغَلُوا بِهَا وِرْدًا بَعْدَ وِرْدٍ (قَوْلُهُ: مَنْ مَاتَ فِيهِ) أَوْ فِي لَيْلَتِهِ (قَوْلُهُ وَفِي فِتْنَةِ الْقَبْرِ) أَيْ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى السُّؤَالِ وَأَمَّا هُوَ فَلَا بُدَّ مِنْهُ لِكُلِّ أَحَدٍ مَا عَدَا الْأَنْبِيَاءَ فَلَا يُسْأَلُونَ قَطْعًا، وَكَذَا الصِّبْيَانُ عَلَى الْأَصَحِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ قَالُوا: الصَّبِيُّ لَا يُسَنُّ تَلْقِينُهُ وَلَوْ مُمَيِّزًا، وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مِنْ أَنَّ الْمَيِّتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا يُسْئَلُ فَالْمُرَادُ مِنْهُ لَا يُفْتَنُ بِأَنْ يُلْهَمَ الصَّوَابَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ ذِكْرُ اللَّهِ (قَوْلُهُ: مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمْعٍ تَهَاوُنًا) أَيْ بِأَنْ لَا يَكُونَ لِعُذْرٍ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ اعْتِرَافُهُ بِوُجُوبِهَا وَأَنَّ تَرْكَهَا مَعْصِيَةٌ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُتَوَالِيَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْمُتَوَالِيَةُ (قَوْلُهُ: طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ) أَيْ أَلْقَى عَلَى قَلْبِهِ شَيْئًا كَالْخَاتَمِ يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الْمَوَاعِظِ وَالْحَقِّ (قَوْلُهُ: وَفُرِضَتْ بِمَكَّةَ) وَنُقِلَ عَنْ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ.
أَقُولُ: وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهَا فُرِضَتْ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى أَصْحَابِهِ بِالْمَدِينَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ اسْتَقَرَّ وُجُوبُهَا عَلَيْهِمْ لِزَوَالِ الْعُذْرِ الَّذِي كَانَ قَائِمًا بِهِمْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ طَلَبَ فِعْلَهَا بِمَكَّةَ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَتَّفِقْ لَهُمْ فِعْلُهَا لِلْعُذْرِ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْوُجُوبِ وَوُجِدَ بِالْمَدِينَةِ فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يُخَاطَبُوا بِهَا إلَّا فِيهَا.
وَعِبَارَةُ الدَّمِيرِيِّ: وَأَوَّلُ جُمُعَةٍ صُلِّيَتْ بِالْمَدِينَةِ جُمُعَةٌ أَقَامَهَا أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ فِي بَنِي بَيَاضَةَ بِنَقِيعِ الْخَضِمَاتِ، «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْفَذَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ الْجُمُعَةَ فَنَزَلَ عَلَى أَسْعَدَ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَهُ مِنْ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِ الْجُمُعَةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ بِنَفْسِهِ» . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «إنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُمُعَةٌ بِجُوَاثَى» قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ انْتَهَى.
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾ [الجمعة: 9] هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ الْوُجُوبِ لَا عَلَى أَنَّهُ عَيْنِيٌّ
بِهَا مُسْتَخْفِيًا.
وَأَوَّلُ مَنْ أَقَامَهَا بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، بِقَرْيَةٍ عَلَى مِيلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ.
وَالْجَدِيدُ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَيْسَتْ ظُهْرًا مَقْصُورًا وَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا وَقْتُهُ تُتَدَارَكُ بِهِ بَلْ صَلَاةً مُسْتَقِلَّةً لِأَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْهَا، وَلِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «الْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّهُ حَسَنٌ، وَالْقَدِيمُ أَنَّهَا ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا رَكْعَتَانِ.
وَهِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْخَمْسِ فِي الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ وَالْآدَابِ (إنَّمَا) (تَتَعَيَّنُ) أَيْ تَجِبُ عَيْنًا (عَلَى كُلِّ) مُسْلِمٍ كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ (مُكَلَّفٍ) أَيْ بَالِغٍ عَاقِلٍ وَأُلْحِقَ بِهِ مُتَعَدٍّ بِمُزِيلِ عَقْلِهِ فَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا ظُهْرًا (حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيمٍ) بِمَحَلِّهَا أَوْ بِمَحَلٍّ يُسْمَعُ فِيهِ نِدَاؤُهَا (بِلَا مَرَضٍ وَنَحْوِهِ) كَجُوعِ وَعَطَشٍ وَعُرْيٍ وَخَوْفٍ، وَشَمَلَ ذَلِكَ أَجِيرَ الْعَيْنِ حَيْثُ أَمِنَ فَسَادَ الْعَمَلِ فِي غَيْبَتِهِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ لِخَبَرِ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، إلَّا امْرَأَةٌ أَوْ مُسَافِرٌ أَوْ عَبْدٌ أَوْ مَرِيضٌ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ، كَذَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ هُنَا
[حاشية الشبراملسي]
وَفِي الْقَسْطَلَّانِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ فِي الْقُرَى وَالْمُدُنِ مَا نَصُّهُ: جُمِّعَتْ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيْ فِي الْمَدِينَةِ فِي مَسْجِدِ عَبْدِ الْقَيْسِ بِجُوَاثَى بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَقَدْ تُهْمَزُ ثُمَّ مُثَلَّثَةٌ خَفِيفَةٌ مَفْتُوحَةٌ مَقْصُورَةٌ انْتَهَى (قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ مَنْ أَقَامَهَا بِالْمَدِينَةِ) أَيْ بِجِهَةِ الْمَدِينَةِ انْتَهَى سم عَلَى حَجَرٍ: أَيْ أَوْ أَطْلَقَ الْمَدِينَةَ عَلَى مَا يَشْمَلُ مَا قَرُبَ مِنْهَا (قَوْلُهُ: بِقَرْيَةٍ عَلَى مِيلٍ) وَاسْمُهَا نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: تُتَدَارَكُ) أَيْ الْجُمُعَةُ (قَوْلُهُ: رَكْعَتَانِ تَمَامٌ) أَيْ صَلَاةٌ كَامِلَةٌ (قَوْلُهُ وَمَعْلُومٌ) أَيْ مِنْ الدِّينُ بِالضَّرُورَةِ.
(قَوْلُهُ: وَأُلْحِقَ بِهِ مُتَعَدٍّ) يُفِيدُ تَعَيُّنَهَا عَلَيْهِ وَأَنَّ الْقَضَاءَ فَرْعُ ذَلِكَ، وَفِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ: وَلَا عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَسَكْرَانَ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَإِنْ لَزِمَ الثَّلَاثَةَ الْأَخِيرَةَ عِنْدَ التَّعَدِّي قَضَاؤُهَا ظُهْرًا كَغَيْرِهَا انْتَهَى.
إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ الشَّارِحُ الْإِلْحَاقَ فِي انْعِقَادِ السَّبَبِ لَا فِي التَّكْلِيفِ (قَوْلُهُ: كَجُوعٍ وَعَطَشٍ) أَيْ شَدِيدَيْنِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِهِمَا مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً وَإِنْ لَمْ تُبِحْ التَّيَمُّمَ.
(قَوْلُهُ: وَشَمَلَ ذَلِكَ أَجِيرَ الْعَيْنِ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِجَارَةَ مَتَى أُطْلِقَتْ انْصَرَفَتْ لِلصَّحِيحَةِ، وَأَمَّا مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ إحْضَارِ الْخُبْزِ لِمَنْ يَخْبِزُهُ وَيُعْطِي مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الْأُجْرَةِ فَلَيْسَ اشْتِغَالُهُ بِالْخُبْزِ عُذْرًا بَلْ يَجِبُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ وَإِنْ أَدَّى إلَى تَلَفِهِ مَا لَمْ يُكْرِهُهُ صَاحِبُ الْخُبْزِ عَلَى عَدَمِ الْحُضُورِ فَلَا يَعْصِي، وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّى وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَكَانَ لَوْ تَرَكَهُ وَذَهَبَ إلَى الْجُمُعَةِ تَلِفَ كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا، وَإِنْ أَثِمَ بِأَصْلِ اشْتِغَالِهِ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى تَلَفِهِ لَوْ ذَهَبَ إلَى الْجُمُعَةِ، وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ بَقِيَّةُ الْعَمَلَةِ كَالنَّجَّارِ وَالْبَنَّاءِ وَنَحْوِهِمَا، وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ كَابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَفْسُدْ عَمَلُهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُضُورُ وَإِنْ زَادَ مِنْهُ عَلَى زَمَنِ صَلَاتِهِ بِمَحَلِّ عَمَلِهِ وَلَوْ طَالَ.
وَعِبَارَةُ الْإِيعَابِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَيْسَتْ عُذْرًا فِي الْجُمُعَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخَانِ فِي بَابِهَا أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ زَمَنِهَا زَمَنُ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ الرَّاتِبَةِ وَالْمَكْتُوبَةِ وَلَوْ جُمُعَةً، وَبَحْثُ الْأَذْرَعِيِّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ تَمْكِينُهُ مِنْ الذَّهَابِ إلَى الْمَسْجِدِ لِلْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، قَالَ: وَلَا شَكَّ فِيهِ عِنْدَ بُعْدِهِ أَوْ كَوْنِ إمَامِهِ يُطِيلُ الصَّلَاةَ انْتَهَى بِحُرُوفِهِ.
وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ صِفَةٌ تَابِعَةٌ وَتَتَكَرَّرُ فَاشْتُرِطَ لِاغْتِفَارِهَا أَنْ لَا يَطُولَ زَمَنُهَا رِعَايَةً لِحَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ، وَاكْتُفِيَ بِتَفْرِيغِ الذِّمَّةِ بِالصَّلَاةِ فُرَادَى، بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ فَلَمْ تَسْقُطْ وَإِنْ طَالَ زَمَنُهَا، لِأَنَّ سُقُوطَهَا يُفَوِّتُ الصَّلَاةَ بِلَا بَدَلٍ.
(قَوْلُهُ: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ) لَعَلَّ اقْتِصَارَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: تُتَدَارَكُ بِهِ) كَانَ الْمُنَاسِبُ عَطْفَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ بِالْوَاوِ وَمَعْنَى تَدَارُكِهَا بِهِ فِعْلُهَا ظُهْرًا إذَا فَاتَتْ
(قَوْلُهُ: كَذَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ) إنْ كَانَ مَرْجِعُ الْإِشَارَةِ خُصُوصَ كَوْنِهِ مَرْفُوعًا، وَهُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ بَعْدُ
وَهُوَ صَحِيحٌ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ: فَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي قَبْلَ إلَّا مُوجَبًا جَازَ فِي الِاسْمِ الْوَاقِعِ بَعْدَ إلَّا وَجْهَانِ أَفْصَحُهُمَا النَّصْبُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، الْآخَرُ أَنْ تَجْعَلَهُ مَعَ إلَّا تَابِعًا لِلِاسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ فَتَقُولُ: قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا بِنَصَبِهِ وَرَفْعِهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ بِالرَّفْعِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «فَلَمَّا تَفَرَّقُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إلَّا أَبُو قَتَادَةَ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ جِنِّي فِي شَرْحِ اللُّمَع: وَيَجُوزُ أَنْ تَجْعَلَ إلَّا صِفَةً وَيَكُونُ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ إلَّا مُعْرَبًا بِإِعْرَابِ مَا قَبْلَهَا، تَقُولُ: قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدٌ وَرَأَيْت الْقَوْمَ إلَّا زَيْدًا وَمَرَرْت بِالْقَوْمِ إلَّا زَيْدٍ فَيُعْرَبُ مَا بَعْدَ إلَّا إعْرَابَ مَا قَبْلَهَا لِأَنَّ الصِّفَةَ تَتْبَعُ الْمَوْصُوفَ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْإِعْرَابُ عَلَى إلَّا لَكِنَّ إلَّا حَرْفٌ لَا يُمْكِنُ إعْرَابُهُ فَنُقِلَ إعْرَابُهُ إلَى مَا بَعْدَهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ غَيْرَ لَمَّا كَانَتْ اسْمًا ظَهَرَ الْإِعْرَابُ فِيهَا إذَا كَانَتْ صِفَةً تَقُولُ: قَامَ الْقَوْمُ غَيْرُ زَيْدٍ، وَرَأَيْت الْقَوْمَ غَيْرَ زَيْدٍ، وَمَرَرْت بِالْقَوْمِ غَيْرِ زَيْدٍ انْتَهَى.
عَلَى أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْتُبُونَ الْمَنْصُوبَ بِهَيْئَةِ الْمَرْفُوعِ، لِأَنَّ مَا بَعْدَ إلَّا مَنْصُوبٌ بِهَا أَوْ أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، فَلَا جُمُعَةَ عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ كَالْمَجْنُونِ، وَلَا عَلَى مَنْ فِيهِ رِقٌّ وَإِنْ قَلَّ كَمَا يَأْتِي، وَامْرَأَةٍ وَمُسَافِرٍ سَفَرًا مُبَاحًا وَلَوْ قَصِيرًا لِاشْتِغَالِهِ، وَلَا عَلَى مَرِيضٍ، وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ لِاحْتِمَالِ أُنُوثَتِهِ، وَيَجِبُ أَمْرُ الصَّبِيِّ بِهَا كَغَيْرِهَا مِنْ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ كَمَا مَرَّ.
وَيُسْتَحَبُّ لِمَالِكِ الْقِنِّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي حُضُورِهَا، وَلِعَجُوزٍ فِي ثِيَابٍ بَذَلَتْهَا مَعَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ أَيْضًا حُضُورُهَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَوَّلَ الْجَمَاعَةِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا لِمَرِيضٍ أَطَاقَهُ.
وَضَابِطُهُ أَنْ يَلْحَقَهُ بِحُضُورِهَا مَشَقَّةٌ كَمَشَقَّةِ مَشْيِهِ فِي الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ وَإِنْ نَازَعَ الْأَذْرَعِيُّ فِيهِ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَنَحْوِهِ أَرَادَ بِهِ الْأَعْذَارَ الْمُرَخِّصَةَ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، وَلَا يَضُرُّهُ ذِكْرُهَا عَقِبَهَا لِأَنَّ هَذَا تَصْرِيحٌ بِبَعْضِ مَا خَرَجَ بِالضَّابِطِ كَقَوْلِهِ وَالْمُكَاتَبِ إلَى آخِرِهِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ ذَكَرَ الضَّابِطَ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى الْأَرْبَعَةِ لِكَوْنِهِمْ كَانُوا مَوْجُودِينَ إذْ ذَاكَ وَيُقَاسُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ صَحِيحٌ) أَيْ الدَّفْعُ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ) أَيْ شَاذًّا (قَوْلُهُ: أَوْ أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ) هَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى رِوَايَةِ: أَرْبَعَةً امْرَأَةٌ إلَخْ وَأَمَّا بِدُونِهَا فَلَا يَظْهَرُ إلَّا بِتَقْدِيرِ الْمُسْتَثْنَى مَحْذُوفًا كَأَنْ يُقَالَ: لَا يَتْرُكُهَا أَحَدٌ إلَّا أَرْبَعَةٌ.
(قَوْلُهُ: فَلَا جُمُعَةَ) أَيْ وَاجِبَةً.
(قَوْلُهُ: وَلِعَجُوزِ فِي ثِيَابٍ بَذَلَتْهَا) أَيْ وَيُسْتَحَبُّ لِعَجُوزٍ إلَخْ حَيْثُ أَذِنَ زَوْجُهَا أَوْ كَانَتْ خَلِيَّةً، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْحُضُورُ لِلشَّابَّةِ وَلَوْ فِي ثِيَابٍ بَذَلَتْهَا.
(قَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا لِمَرِيضٍ أَطَاقَهُ) أَيْ الْحُضُورَ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذَا) أَيْ الْمَرِيضَ وَنَحْوَهُ.
(قَوْلُهُ وَالْمُكَاتَبِ) اللَّامُ مِنْ الْحِكَايَةِ لَا مِنْ الْمَحْكِيِّ إذْ الْآتِي فِي كَلَامِهِ وَمُكَاتَبٍ.
[حاشية الرشيدي]
وَهُوَ صَحِيحٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كَذَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ مَضْبُوطًا بِالرَّفْعِ، فَيُقَالُ مَا وَجْهُ إسْنَادِ نَقْلِ هَذَا لِلشَّارِحِ مَعَ أَنَّهُ الرِّوَايَةُ، وَمَا وَجْهُ التَّعْبِيرِ فِي هَذَا بِلَفْظِ النَّقْلِ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ لَفْظَ الضَّبْطِ أَوْ نَحْوَهُ، وَإِنْ كَانَ مَرْجِعُ الْإِشَارَةِ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: كَذَا نَقَلَهُ عَنْ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرِهِ الشَّارِحُ فَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ الْآتِي بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ) مَقُولُ قَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ إلَّا صِفَةً) فِيهِ أَنَّ الضَّمِيرَ لَا يُوصَفُ (قَوْلُهُ: إذَا كَانَتْ صِفَةً) فِيهِ أَنَّ غَيْرَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَيْسَتْ صِفَةً، إذْ لَا تُوصَفُ الْمَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ، وَهِيَ لِتَوَغُّلِهَا فِي الْإِبْهَامِ لَا تَتَعَرَّفُ بِالْإِضَافَةِ لِلْمَعْرِفَةِ إلَّا إذَا وَقَعَتْ بَيْنَ ضِدَّيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّحْوِيُّونَ، بَلْ هِيَ فِي حَالَةِ النَّصْبِ تُعْرَبُ حَالًا وَفِي غَيْرِهَا تُعْرَبُ بَدَلًا (قَوْلُهُ: أَوْ أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ) لَعَلَّهُ يَجْعَلُ إلَّا بِمَعْنَى لَكِنَّ، وَالتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ الْمُسْتَثْنَى امْرَأَةٌ إلَخْ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَضَابِطُهُ) يَعْنِي الْمَرِيضَ الَّذِي لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذَا) يَعْنِي مَا ذَكَرَهُ عَقِبَهُ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: بِبَعْضِ مَا خَرَجَ بِالضَّابِطِ)
مُسْتَوْفًى ذَاكِرًا فِيهِ الْمَرَضَ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْخَبَرِ، وَمَا قِيسَ بِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَعْذَارِ مُشِيرًا إلَى الْقِيَاسِ بِقَوْلِهِ وَنَحْوِهِ ثَمَّ بَيَّنَ بَعْضَ مَا خَرَجَ بِهِ اهْتِمَامًا، وَمِنْهُ مَا خَرَجَ بِذَلِكَ النَّحْوِ الْمُبْهَمِ مِمَّا شَمَلَ الْمَقِيسَ كَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ (وَلَا جُمُعَةَ عَلَى مَعْذُورٍ بِمُرَخِّصٍ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ) مِمَّا يَتَأَتَّى مَجِيئُهُ هُنَا لَا كَالرِّيحِ بِاللَّيْلِ، وَمَا اسْتَشْكَلَهُ جَمْعٌ بِأَنَّ مِنْ ذَلِكَ الْجُوعَ، وَيَبْعُدُ جَوَازُ تَرْكِ الْجُمُعَةِ بِهِ، وَبِأَنَّهُ كَيْفَ يَلْحَقُ فَرْضُ الْعَيْنِ بِمَا هُوَ سُنَّةٌ أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: لَكِنَّ مُسْتَنَدَهُمْ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: الْجُمُعَةُ كَالْجَمَاعَةِ رُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ آنِفًا وَهُوَ مَنْعُ قِيَاسِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، بَلْ صَحَّ بِالنَّصِّ أَنَّ الْمَرَضَ مِنْ أَعْذَارِهَا، فَأَلْحَقُوا بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا هُوَ كَمَشَقَّتِهِ أَوْ أَشَدَّ وَهُوَ سَائِرُ أَعْذَارِ الْجَمَاعَةِ فَمَا قَالُوهُ ظَاهِرٌ، وَبِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ عَبَّاسٍ مُقَرِّرٌ لِمَا سَلَكُوهُ لَا أَنَّهُ الدَّلِيلُ لِمَا ذَكَرُوهُ، وَمِنْ أَعْذَارِهَا هُنَا مَا لَوْ تَعَيَّنَ الْمَاءُ لِطُهْرِ مَحَلِّ نَجْوِهِ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً إلَّا بِحَضْرَةِ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُهُ لِعَوْرَتِهِ وَلَا يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْهَا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَشْفُهَا، لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِهِ الْكَشْفَ حِينَئِذٍ مِنْ الْمَشَقَّةِ مَا يَزِيدُ عَلَى مَشَقَّةِ كَثِيرٍ مِنْ أَعْذَارِهَا.
نَعَمْ هُوَ جَائِزٌ لَوْ أَرَادَ تَحْصِيلَهَا، فَإِنْ خَافَ فَوْتَ وَقْتِ الظُّهْرِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْفَرَائِضِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْكَشْفُ وَعَلَى الْحَاضِرِينَ غَضُّ الْبَصَرِ،
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَمَا قِيسَ بِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَعْذَارِ إلَخْ) قَالَ حَجّ: وَهَلْ مِنْ الْعُذْرِ هُنَا حَلِفُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُصَلِّيَهَا لِخَشْيَتِهِ عَلَيْهِ مَحْذُورًا لَوْ خَرَجَ إلَيْهَا، لَكِنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ لَمْ يَخْشَهُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي تَحْنِيثِهِ حِينَئِذٍ مَشَقَّةً عَلَيْهِ: أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِإِلْحَاقِهِ الضَّرَرَ لِمَنْ لَمْ يَتَعَدَّ بِحَلِفِهِ، فَإِبْرَارُهُ كَتَأْنِيسِ مَرِيضٍ بَلْ أَوْلَى، وَأَيْضًا فَالضَّابِطُ السَّابِقُ شَمَلَ هَذَا، إذْ مَشَقَّةُ تَحْنِيثِهِ أَشَدُّ مِنْ مَشَقَّةِ نَحْوِ الْمَشْيِ فِي الْوَحْلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، أَوْ لَيْسَ ذَلِكَ عُذْرًا لِأَنَّ مُبَادَرَتَهُ بِالْحَلِفِ هُنَا قَدْ يُنْسَبُ فِيهَا إلَى تَهَوُّرٍ: أَيْ وُقُوعٍ فِي الْأَمْرِ بِقِلَّةِ مُبَالَاةٍ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: تَهَوَّرَ الرَّجُلُ: وَقَعَ فِي الْأَمْرِ بِقِلَّةِ مُبَالَاةٍ فَلَا يُرَاعِي كُلَّ مُحْتَمَلٍ، وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ أَقْرَبُ إلَى عُذْرٍ فِي ظَنِّهِ الْبَاعِثِ لَهُ عَلَى الْحَلِفِ لِشَهَادَةِ قَرِينَةٍ بِهِ انْتَهَى.
وَعَلَيْهِ فَلَوْ صَلَّاهَا حَنِثَ الْحَالِفُ بِهِ، لَكِنْ سَيَأْتِي عَنْ الزِّيَادِيِّ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ: فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ) وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْمُشْتَغِلِينَ بِالسَّبَبِ مِنْ خُرُوجِهِمْ لِلْبَيْعِ وَنَحْوِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَيْثُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى عَدَمِ خُرُوجِهِمْ ضَرَرٌ كَفَسَادِ مَتَاعِهِمْ، فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي قُرَى مِصْرِنَا كَثِيرًا (قَوْلُهُ: لَا كَالرِّيحِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: يُمْكِنُ تَصْوِيرُ مَجِيئِهِ هُنَا أَيْضًا وَذَلِكَ فِي بَعِيدِ الدَّارِ إنْ لَمْ تُمْكِنُهُ الْجُمُعَةُ إلَّا بِالسَّعْيِ مِنْ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الْوُجُوبُ عَنْهُ، لِأَنَّ وَقْتَ الصُّبْحِ مُلْحَقٌ بِاللَّيْلِ، وَهُوَ تَصْوِيرٌ حَسَنٌ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ أَعْذَارِ الْجَمَاعَةِ (قَوْلُهُ رُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ آنِفًا) أَيْ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ لِخَبَرِ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ إلَخْ وَهُوَ مَانِعٌ مِنْ كَوْنِ الدَّلِيلِ قِيَاسَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ (قَوْلُهُ: مِنْ أَعْذَارِهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ: فَمَا قَالُوهُ ظَاهِرٌ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَى مَعْذُورٍ بِمُرَخِّصٍ إلَخْ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً إلَّا بِحَضْرَةٍ إلَخْ) أَيْ أَمَّا مَنْ وَجَدَهُ بِحَضْرَةِ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَقَدَرَ عَلَى غَيْرِهِ كَأَنْ أَمْكَنَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِبَيْتِهِ مَثَلًا أَوْ تَحْصِيلُهُ بِنَحْوِ إبْرِيقٍ يَغْتَرِفُ بِهِ وَلَوْ بِالشِّرَاءِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا فِي حَقِّهِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَغُضُّ بَصَرَهُ) أَيْ بِأَنْ ظَنَّ مِنْهُ ذَلِكَ وَلَوْ ظَنًّا غَيْرَ قَوِيٍّ (قَوْلُهُ: نَعَمْ هُوَ جَائِزٌ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ مَا لَوْ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ قَوْلُهُ: كُلُّ مُكَلَّفٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمَا قِيسَ بِهِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْمَرَضُ أَيْ ذَاكِرًا الْمَرَضَ وَمَا قِيسَ بِهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ بَيَّنَ بَعْضَ مَا خَرَجَ بِهِ) أَيْ بِالضَّابِطِ (قَوْلُهُ: رُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ آنِفًا) أَيْ فِي قَوْلِهِ ذَاكِرًا فِيهِ الْمَرَضَ؛ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْخَبَرِ، خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ.
وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَيُجَابُ بِمَا أَشَرْت إلَيْهِ آنِفًا إلَخْ (قَوْلُهُ: بَلْ صَحَّ بِالنَّصِّ إلَخْ) بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ وَهُوَ مَنْعُ قِيَاسِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ سَائِرُ أَعْذَارِ الْجَمَاعَةِ) أَيْ وَمِنْهَا الْجُوعُ أَيْ الَّذِي مَشَقَّتُهُ كَمَشَقَّةِ الْمَرَضِ كَمَا عُلِمَ مِنْ الْقِيَاسِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الِاسْتِشْكَالُ الْأَوَّلُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَصَدَّ لَهُ الشَّارِحُ لِعِلْمِ جَوَابِهِ مِنْ كَلَامِهِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ.
إذْ الْجُمُعَةُ لَهَا بَدَلٌ، بِخِلَافِ الْوَقْتِ، أَفْتَى بِذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِتَجْهِيزِ مَيِّتِ عُذْرٌ أَيْضًا، وَكَذَا إسْهَالٌ لَا يَضْبِطُ مَعَهُ نَفْسَهُ وَيُخْشَى مِنْهُ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ كَمَا فِي التَّتِمَّةِ، وَالْجِنْسُ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ عُذْرٌ إنْ مَنَعَهُ الْحَاكِمُ وَلَهُ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ أَفْتَى الْبَغَوِيّ بِوُجُوبِ إطْلَاقِهِ لِفِعْلِهَا، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي الْجَمَاعَةِ أَنَّهُ عُذْرٌ إنْ لَمْ يُقَصِّرْ فِيهِ فَيَكُونُ هُنَا كَذَلِكَ.
وَلَوْ اجْتَمَعَ فِي الْحَبْسِ أَرْبَعُونَ فَأَكْثَرَ كَغَالِبِ الْأَوْقَاتِ فِي حُبُوسِ الْقَاهِرَةِ وَمِصْرَ فَالْقِيَاسُ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَإِنْ نُوزِعُ فِيهِ لُزُومُ الْجُمُعَةِ لَهُمْ لِأَنَّ إقَامَتَهَا فِي الْمَسْجِدِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، وَالتَّعَدُّدُ يَجُوزُ عِنْدَ عُسْرِ الِاجْتِمَاعِ، فَعِنْدَ تَعَذُّرِهِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْلَى، وَحِينَئِذٍ فَيَتَّجِهُ وُجُوبُ النَّصْبِ عَلَى الْإِمَامِ وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ فَهَلْ يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْ الْبَلَدِ الَّتِي لَا يَعْسُرُ فِيهَا الِاجْتِمَاعُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ لَهُمْ لِأَنَّهَا جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ لَهُمْ وَمَشْرُوعَةٌ أَمْ لَا؟ لِأَنَّا إنَّمَا جَوَّزْنَاهَا لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِيهِ، الْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ (وَ) لَا عَلَى (مُكَاتَبٍ) لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ فَهُوَ مَعْذُورٌ، وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ إشَارَةً إلَى خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ دُونَ الْقِنِّ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ (وَكَذَا مَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ) لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ (عَلَى الصَّحِيحِ) وَلَوْ فِي نَوْبَتِهِ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّهُ إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ وَوَقَعَتْ الْجُمُعَةُ فِي نَوْبَتِهِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَإِلَّا فَلَا، وَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ كَوْنِ الْمُقَابِلِ اللُّزُومَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُرَادٍ.
(وَمَنْ صَحَّتْ ظَهْرُهُ) مِمَّنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ (صَحَّتْ جُمُعَتُهُ) بِالْإِجْمَاعِ كَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ
[حاشية الشبراملسي]
تَعَيَّنَ الْمَاءُ لِطُهْرٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ) أَيْ مِنْ أَنَّهَا إنَّمَا سَقَطَتْ بِالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ لِلْمَشَقَّةِ.
(قَوْلُهُ: أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِتَجْهِيزِ إلَخْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُجَهِّزُ مِمَّنْ لَهُ خُصُوصِيَّةٌ بِالْمَيِّتِ كَابْنِهِ وَأَخِيهِ، بَلْ الْمُتَبَرِّعُ بِمُسَاعَدَةِ أَهْلِهِ حَيْثُ اُحْتِيجَ إلَيْهِ مَعْذُورٌ.
أَمَّا مَنْ يَحْضُرُ عِنْدَ الْمُجَهِّزِينَ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَنَةٍ بَلْ لِلْمُجَامِلَةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي حَقِّهِمْ وَمِثْلُهُمْ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ (قَوْلُهُ: عُذْرٌ أَيْضًا) وَمِنْ الْعُذْرِ أَيْضًا مَا لَوْ اشْتَغَلَ بِرَدِّ زَوْجَتِهِ النَّاشِزَةِ، كَذَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ عَنْ جَوَاهِرِ الْقَمُولِيِّ انْتَهَى.
وَهَلْ مِثْلُ زَوْجَتِهِ مَا لَوْ اشْتَغَلَ بِرَدِّ زَوْجَةِ غَيْرِهِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْإِلْحَاقِ لِأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْحَقَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ لِمَصْلَحَةٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ وَإِنْ تَوَقَّفَ رَدُّهَا عَلَى حُضُورِهِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ بِهِ خُصُوصِيَّةٌ كَزَوْجَةِ وَلَدِهِ، وَلَوْ قِيلَ بِإِلْحَاقِ هَذِهِ بِزَوْجَتِهِ فَيَكُونُ عُذْرًا لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا فَلْيُرَاجَعْ، وَقَوْلُهُ يَرُدُّ زَوْجَتَهُ: أَيْ حَيْثُ تَوَقَّفَ رَدُّهَا عَلَى فَوَاتِ الْجُمُعَةِ بِأَنْ كَانَ مُتَهَيِّئًا لِلسَّفَرِ أَوْ كَانَتْ هِيَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ عُذْرًا (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ) يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَرَ مَصْلَحَةً فِي الْحَبْسِ (قَوْلُهُ: وَلَهُ ذَلِكَ) أَيْ لِلْحَاكِمِ الْمَنْعُ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ) أَيْ الْحَبْسَ عُذْرٌ إلَخْ، وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ يُقَصِّرْ فِيهِ: أَيْ فِي سَبَبِهِ: وَقَوْلُهُ فَيَكُونُ هُنَا كَذَلِكَ مُعْتَمَدٌ.
[فَرْعٌ] لَوْ اجْتَمَعَ فِي مَكَان أَرْبَعُونَ مَرِيضًا وَأَمْكَنَهُمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ سُقُوطِ الْجُمُعَةِ عَنْهُمْ مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي الْحُضُورِ أَوْ لَا أَخْذًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ؟ لَا يَبْعُدْ الْأَوَّلُ وِفَاقًا لِ م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَاعْتَمَدَ حَجّ فِي شَرْحِهِ الثَّانِي، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ قِيلَ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِالْبَلَدِ غَيْرُهُمْ وَأَمْكَنَهُمْ إقَامَتُهَا بِمَحَلِّهِمْ لَزِمَتْهُمْ لَمْ يَبْعُدْ لِأَنَّهُ لَا تَعَدُّدَ هُنَا، وَالْحَبْسُ إنَّمَا يَمْنَعُ وُجُوبَ حُضُورِ مَحَلِّهَا (قَوْلُهُ: وَحِينَئِذٍ فَيَتَّجِهُ وُجُوبُ النَّصْبِ عَلَى الْإِمَامِ) أَيْ نَصْبِ الْخَطِيبِ لِلْخُطْبَةِ (قَوْلُهُ مَنْ يَصْلُحُ) أَيْ لِلْخُطْبَةِ فَلَا يُقَالُ: إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ فَمَا فَائِدَةُ نَصْبِ الْإِمَامِ وَاحِدًا لَهُمْ، لِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ ذَلِكَ النَّصْبِ لَا تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ خَلْفَهُ، عَلَى أَنَّهُ سَيَأْتِي صِحَّةُ صَلَاةِ الْأُمِّيِّينَ خَلْفَ الْقَارِئِ حَيْثُ لَمْ يُقَصِّرُوا بِالتَّعَلُّمِ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ التَّقْصِيرُ لَا ارْتِبَاطُ صَلَاةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ كَمَا يَأْتِي لِلشَّارِحِ (قَوْلُهُ: الْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ تَعْطِيلُ الْجُمُعَةِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ الْحَبْسِ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَيَسَّرْ اجْتِمَاعُ الْكُلِّ فِي الْحَبْسِ وَفِعْلُهَا فِيهِ (قَوْلُهُ: إشَارَةً إلَى خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ) أَيْ مِنْ أَئِمَّتِنَا كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ حَجّ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَالْمُسَافِرِ، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ وَنَحْوِهِ، وَتَعْبِيرُهُ بِالصِّحَّةِ مُسَاوٍ لِتَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِالْإِجْزَاءِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ، وَدَعْوَى مَنْ قَالَ: إنَّ تَعْبِيرَ الْأَصْلِ أَصْوَبُ لِإِشْعَارِهِ بِسُقُوطِ الْقَضَاءِ بِخِلَافِ الصِّحَّةِ مَمْنُوعَةٌ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ لِأَنَّهَا تَصِحُّ لِمَنْ تَلْزَمُهُ فَلِمَنْ لَا تَلْزَمُهُ أَوْلَى: أَيْ بِالصِّحَّةِ، لِأَنَّ مَنْ تَلْزَمُهُ هُوَ الْأَصْلُ وَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ، فَإِذَا أَجْزَأْت الْأَصْلَ أَجْزَأْت التَّابِعَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (وَلَهُ) أَيْ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ (أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ الْجَامِعِ) يَعْنِي مِنْ مَحَلِّ إقَامَتِهَا، وَآثَرَ الْجَامِعَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ إقَامَتُهَا فِيهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِهَا، إذْ الْمَانِعُ مِنْ وُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ وَهُوَ النُّقْصَانُ لَا يَرْتَفِعُ بِحُضُورِهِمْ، وَتَعْبِيرُهُ بِالِانْصِرَافِ: يَسْتَلْزِمُ جَوَازُ تَرْكِهِ الْجُمُعَةَ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْمَعْذُورِ فَسَقَطَ الْقَوْلُ بِخِلَافِهِ (إلَّا الْمَرِيضَ وَنَحْوَهُ) أَيْ مِمَّنْ أُلْحِقَ بِهِ كَالْأَعْمَى لَا يَجِدُ قَائِدًا (فَيَحْرُمُ انْصِرَافُهُ) قَبْلَ إحْرَامِهِ بِهَا (إنْ دَخَلَ الْوَقْتُ) قَبْلَ انْصِرَافِهِ لِأَنَّ الْمَانِعَ فِي حَقِّهِ مَشَقَّةُ الْحُضُورِ وَبِهِ زَالَ الْمَانِعُ وَتَعَبُ الْعَوْدِ لَا بُدَّ مِنْهُ (إلَّا أَنْ يَزِيدَ ضَرَرُهُ بِانْتِظَارِهِ) فِعْلَهَا وَلَمْ تَقُمْ الصَّلَاةُ فَيَجُوزُ لَهُ الِانْصِرَافُ، فَإِنْ أُقِيمَتْ امْتَنَعَ عَلَى الْمَرِيضِ وَنَحْوِهِ.
بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْخُرُوجُ مِنْهَا فَقَطْ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ اللُّزُومِ الصِّفَاتُ الْقَائِمَةُ بِهِمْ وَهِيَ لَا تَرْتَفِعُ، وَمَحَلُّ امْتِنَاعِ الِانْصِرَافِ بَعْدَ إقَامَتِهَا مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي إقَامَتِهِ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ، كَإِسْهَالٍ بِهِ ظَنَّ انْقِطَاعَهُ فَحَضَرَ ثُمَّ أَحَسَّ بِهِ، بَلْ لَوْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ سَبْقَهُ لَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي الصَّلَاةِ لَوْ مَكَثَ فَلَهُ الِانْصِرَافُ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ.
وَلَوْ زَادَ تَضَرُّرُ الْمَعْذُورِ بِطُولِ صَلَاةِ الْإِمَامِ كَأَنْ قَرَأَ بِالْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ جَازَ لَهُ الِانْصِرَافُ أَيْضًا كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ سَوَاءٌ أَكَانَ أَحْرَمَ
[حاشية الشبراملسي]
وَقِيلَ تَجِبُ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ وَنَحْوِهِ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: وَمَنْ صَحَّتْ ظُهْرُهُ (قَوْلُهُ: مَمْنُوعَةٌ) أَيْ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ الصِّحَّةَ مُسَاوِيَةٌ لِلْإِجْزَاءِ: يَعْنِي وَالْإِجْزَاءُ هُوَ الْكِفَايَةُ فِي سُقُوطِ الطَّلَبِ وَقِيلَ فِي الْعِبَادَةِ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ (قَوْلُهُ: أَيْ بِالصِّحَّةِ) خَبَرُ قَوْلِهِ: وَقَوْلُ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: وَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ الْجَامِعِ) يَشْمَلُ مَنْ أَكَلَ ذَا رِيحٍ كَرِيهٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِي حَجّ خِلَافُهُ، قَالَ: وَتَضَرُّرُ الْحَاضِرِينَ بِهِ يُحْتَمَلُ أَوْ يَسْهُلُ زَوَالُهُ بِتَوَقِّي رِيحِهِ وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ هُنَا يَشْمَلُ مَنْ أَكَلَ ذَا رِيحٍ كَرِيهٍ فَلْيَنْظُرْ مَا تَقَدَّمَ فِي الْجَمَاعَةِ بِالْهَامِشِ انْتَهَى.
وَعِبَارَتُهُ ثُمَّ قَوْلُهُ وَأَكْلُ ذِي رِيحٍ كَرِيهٍ لَا فَرْقَ عَلَى الْأَوْجَهِ بَيْنَ مَنْ أَكَلَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ، نَعَمْ إنْ أَكَلَ ذَلِكَ بِقَصْدِ إسْقَاطِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْجَمَاعَةِ أَثِمَ فِي الْجُمُعَةِ وَلَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ كَالْجَمَاعَةِ، وَقَضِيَّةُ عَدَمِ السُّقُوطِ عَنْهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ وَإِنْ تَأَذَّى النَّاسُ، وَاعْتَمَدَهُ م ر انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ حَجّ مِنْ قَوْلِهِ وَتَضَرُّرُ الْحَاضِرِينَ إلَخْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ نَظَرَ إلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَكْلُ ذِي الرِّيحِ الْكَرِيهِ عُذْرًا مُطْلَقًا (قَوْله إنْ دَخَلَ الْوَقْتُ) فَلَوْ انْصَرَفَ حِينَئِذٍ أَثِمَ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ؟ الْوَجْهُ لَا وِفَاقًا لَمْ ر انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلِهِ فَإِنْ أُقِيمَتْ امْتَنَعَ إلَخْ) نَعَمْ إنْ كَانَ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ حُضُورِهِ فَالْوَجْهُ جَوَازُ الِانْصِرَافِ، ثُمَّ رَأَيْت ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي فَلَوْ صَلَّى قَبْلَ فَوْتِهَا الظُّهْرَ ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ إلَخْ فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ لَوْ مَكَثَ فَلَهُ الِانْصِرَافُ) أَيْ بَلْ يَنْبَغِي وُجُوبُهُ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ.
(قَوْلُهُ: جَازَ لَهُ الِانْصِرَافُ) أَيْ بِأَنْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ مِنْ الصَّلَاةِ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَبِأَنْ يَنْوِيَ الْمُفَارَقَةَ وَيُكَمِّلَ مُنْفَرِدًا إنْ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ حَيْثُ لَمْ يَلْحَقْهُ ضَرَرٌ بِالتَّكْمِيلِ وَإِلَّا جَازَ لَهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَتَعْبِيرُهُ بِالِانْصِرَافِ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ تَرْكِهِ الْجُمُعَةَ) أَيْ مَعَ حُضُورِهِ مَحَلَّهَا نَظَرًا إلَى الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلُ (قَوْلُهُ: فَسَقَطَ الْقَوْلُ بِخِلَافِهِ) أَيْ الْقَوْلُ بِأَنَّ جَوَازَ الِانْصِرَافِ لَا يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ أَصْلِ التَّرْكِ: أَيْ فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَهُ
مَعَهُ أَمْ لَا.
(وَتَلْزَمُ الشَّيْخَ الْهَرِمَ وَالزَّمِنَ إنْ وَجَدُوا مَرْكَبًا) مَمْلُوكًا أَوْ مُؤَجَّرًا أَوْ مُعَارًا وَلَوْ آدَمِيًّا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَزُرْ بِهِ رُكُوبُهُ (وَلَمْ يَشُقَّ الرُّكُوبُ عَلَيْهِمَا) كَمَشَقَّةِ الْمَشْيِ فِي الْوَحْلِ كَمَا مَرَّ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِمَا مَشَقَّةً شَدِيدَةً لَا تُحْتَمَلُ غَالِبًا فَلَا وَإِنْ لَمْ تُبِحْ التَّيَمُّمَ فِيمَا يَظْهَرُ (وَالْأَعْمَى يَجِدُ قَائِدًا) وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ وَوَجَدَهَا فَاصِلَةً عَمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْفِطْرَةِ فِيمَا يَظْهَرُ أَوْ مُتَبَرِّعًا أَوْ مَمْلُوكًا لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ لَمْ يُكَلَّفْ الْحُضُورَ وَإِنْ أَحْسَنَ الْمَشْيَ بِالْعَصَا، خِلَافًا لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلضَّرَرِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ مَحَلُّ الْجُمُعَةِ قَرِيبًا بِحَيْثُ لَا يَنَالُهُ مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحُضُورُ فِيمَا يَظْهَرُ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ فَتَاوَى الْوَالِدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْقَاضِي عَلَيْهِ.
(وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ) مَثَلًا (إنْ كَانَ فِيهِمْ جَمْعٌ تَصِحُّ بِهِ الْجُمُعَةُ) أَيْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ وَهُمْ أَرْبَعُونَ بِالصِّفَاتِ الْآتِيَةِ (أَوْ) لَيْسَ فِيهِمْ جَمْعٌ كَذَلِكَ لَكِنْ (بَلَغَهُمْ صَوْتٌ) مِنْ مُؤَذِّنٍ مَعَ اعْتِدَالِ سَمْعِ مَنْ بَلَغَهُ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا لِيُخْرِجَ الْأَصَمَّ، وَمَنْ جَاوَزَ سَمْعُهُ الْعَادَةَ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْبُلُوغِ الْعُرْفُ: أَيْ بِحَيْثُ يُعْلَمُ
[حاشية الشبراملسي]
قَطْعُهَا.
(قَوْلُهُ: الْهَرِمَ) قَالَ حَجّ: هُوَ أَقْصَى الْكِبَرِ، وَالزَّمَانَةُ: الِابْتِلَاءُ وَالْعَاهَةُ انْتَهَى.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: هَرِمَ هَرَمًا مِنْ بَابِ تَعِبَ فَهُوَ هَرِمٌ كَبِرَ وَضَعُفَ، وَعَبَّرَ فِي الْمَنْهَجِ بِالْهَمِّ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ أَوْ مُتَّحِدَانِ، فَفِي الْمِصْبَاحِ: الْهِمُّ بِالْكَسْرِ الشَّيْخُ الْفَانِي وَالْأُنْثَى هِمَّةٌ (قَوْلُهُ: إنْ وَجَدَا مَرْكَبًا) بِفَتْحِ الْكَافِ (قَوْلُهُ: أَوْ مُؤَجَّرًا أَوْ مُعَارًا) أَيْ إعَارَةً لَا مِنَّةَ فِيهَا بِأَنْ تَفِهَتْ الْمَنْفَعَةُ جِدًّا فِيمَا يَظْهَرُ انْتَهَى حَجّ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: قِيَاسُ مَا سَبَقَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَبُولُ هِبَةِ الْمَرْكُوبِ انْتَهَى.
أَقُولُ وَهُوَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ) اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَلَوْ آدَمِيًّا (قَوْلُهُ: وَالْأَعْمَى يَجِدُ قَائِدًا) أَيْ فِي مَحَلٍّ يَسْهُلُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُهُ مِنْهُ عَادَةً بِلَا مَشَقَّةٍ (قَوْلُهُ: عَمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْفِطْرَةِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دُيُونٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُضُورُ وَدَفْعُ مَا زَادَ عَلَى مَا يَحْتَاجُهُ فِي الْفِطْرَةِ لِلْأُجْرَةِ هُنَا، وَقِيَاسُ مَا فِي التَّيَمُّمِ مِنْ أَنَّهُ يَدْفَعُ ثَمَنَ الْمَاءِ لِلدَّيْنِ وَيَتَيَمَّمُ خِلَافُهُ فَيُعْتَبَرُ هُنَا أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ فَاضِلَةً عَنْ دَيْنِهِ وَإِنْ قَاسَهُ عَلَى الْفِطْرَةِ، لِأَنَّ قِيَاسَهُ عَلَيْهَا بِحَسَبِ مَا وَقَعَ فِي عِبَارَاتِهِمْ فَهُوَ مُجَرَّدُ تَصْوِيرٍ.
(قَوْلُهُ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْحُضُورُ فِيمَا يَظْهَرُ) وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي خَلْفَ زَيْدٍ فَصَلَّى زَيْدٌ إمَامَ الْجُمُعَةِ سَقَطَتْ عَنْهُ، قَالَهُ م ر، وَفِيهِ احْتِمَالَانِ فِي النَّاشِرِيِّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَصَوَّرَهُ بِالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ أَوْ تَعْلِيقِ الْعِتْقِ فَرَاجِعْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ م ر: لَكِنَّ السُّقُوطَ يُشْكِلُ بِمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَنْزِعُ ثَوْبَهُ فَأَجْنَبَ وَاحْتَاجَ لِنَزْعِهَا فِي الْغُسْلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ النَّزْعُ وَلَا حَنِثَ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ شَرْعًا، قَالَ: إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ لِلْجُمُعَةِ بَدَلًا وَهُوَ الظُّهْرُ.
أَقُولُ: وَلِلْغُسْلِ بَدَلٌ وَهُوَ التَّيَمُّمُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ لِلْجُمُعَةِ بَدَلٌ يَجُوزُ فِي الْجُمُعَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الْغُسْلِ فَلْيُحَرَّرْ، وَأَتَخَيَّلُ أَنَّ الرَّمْلِيَّ رَجَعَ إلَى اعْتِمَادِ وُجُوبِهَا وَلَا حِنْثَ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ شَرْعًا كَمَسْأَلَةِ الْحَلِفِ عَلَى نَزْعِ الثَّوْبِ الْمَذْكُورَةِ فَلْيُرَاجَعْ وَلْيُحَرَّرْ، ثُمَّ رَأَيْته قَرَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ سُقُوطَهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَالَ حَجّ: إنَّ السُّقُوطَ هُوَ الْأَقْرَبُ.
ثُمَّ رَأَيْت بِهَامِشِ نُسْخَةِ مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ نَقْلًا عَنْهُ اعْتِمَادَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ، وَلَا حِنْثَ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ شَرْعًا.
وَقَوْلُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فِيهِ تَأَمُّلٌ، فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ لِغَيْرِ الْمَعْذُورِينَ فَمَمْنُوعٌ لِمَا يَأْتِي مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ صَلَاةِ غَيْرِ الْمَعْذُورِ قَبْلَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ أَرَادَ الْمَعْذُورَ فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَقَوْلُ سم فَصَلَّى زَيْدٌ إمَامَ الْجُمُعَةِ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا حِينَ الْحَلِفِ أَنَّهُ إمَامٌ وَإِلَّا وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَيَحْنَثُ كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ مَثَلًا.
.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ جَاوَزَ سَمْعُهُ الْعَادَةَ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ) أَيْ فَيَجِبُ عَلَى الْأَصَمِّ دُونَ مَنْ جَاوَزَ سَمْعُهُ الْعَادَةَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ.
فَإِنْ قُلْت: قِيَاسُ مَا فِي الصَّوْمِ مِنْ أَنَّ حَدِيدَ الْبَصَرِ إذَا رَأَى الْهِلَالَ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وُجُوبَ الْحُضُورِ هُنَا.
قُلْت: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَدَارَ فِي الصَّوْمِ عَلَى الْعِلْمِ بِوُجُودِ الْهِلَالِ وَقَدْ حَصَلَ بِرُؤْيَةِ حَدِيدِ الْبَصَرِ، وَالْمَدَارُ هُنَا عَلَى مَسَافَةٍ لَا تَحْصُلُ بِهَا مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، وَلَوْ عُوِّلَ عَلَى حَدِيدِ السَّمْعِ لَرُبَّمَا حَصَلَ بِهَا مَشَقَّةٌ تَامَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَنَّ مَا سَمِعَهُ نِدَاءُ جُمُعَةٍ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا لِمَنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ (عَالٍ) يُؤَذِّنُ كَعَادَتِهِ فِي عُلُوِّ الصَّوْتِ (فِي هُدُوٍّ) أَيْ سُكُونٍ لِلْأَصْوَاتِ وَالرِّيَاحِ (مِنْ طَرَفٍ يَلِيهِمْ لِبَلَدِ الْجُمُعَةِ لَزِمَتْهُمْ) لِخَبَرِ «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» وَلِأَنَّ الْقَرْيَةَ كَالْبَلَدِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَالْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى الْأَرْضِ لَا عَلَى عَالٍ، لِأَنَّهُ لَا ضَبْطَ لِحَدِّهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْبَلْدَةُ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ أَشْجَارٍ كَطَبَرِسْتَانَ فَإِنَّهَا بَيْنَ أَشْجَارٍ تَمْنَعُ بُلُوغَ الصَّوْتِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا الْعُلُوُّ عَلَى مَا يُسَاوِي الْأَشْجَارَ، وَاسْتِثْنَاؤُهُمْ ذَلِكَ لِبَيَانِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ السَّمَاعُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ فَعِنْدَ وُجُودِهِ يُقَدَّرُ زَوَالُهُ أَوْ الْعُلُوُّ عَلَى مَا يُسَاوِيهِ.
وَاعْتُبِرَ الطَّرَفُ الَّذِي يَلِيهِمْ لِأَنَّ الْبَلْدَةَ قَدْ تَكْبُرُ بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُ أَطْرَافَهَا النِّدَاءُ بِوَسَطِهَا فَاحْتِيطَ لِلْعِبَادَةِ وَاعْتُبِرَ هُدُوُّ الْأَصْوَاتِ وَالرِّيَاحِ لِئَلَّا يَمْنَعَا بُلُوغَ النِّدَاءِ أَوْ تُعِينُ غَلَبَةُ الرِّيَاحِ، وَلَوْ سَمِعَ الْمُعْتَدِلُ مِنْ بَلَدَيْنِ فَحُضُورُ الْأَكْثَرِ مِنْهُمَا جَمَاعَةً أَوْلَى، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَالْأَوْجَهُ مُرَاعَاةُ الْأَقْرَبِ كَنَظِيرِهِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَيُحْتَمَلُ مُرَاعَاةُ الْأَبْعَدِ لِكَثْرَةِ الْأَجْرِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ وَلَا بَلَغَهُمْ الصَّوْتُ الْمُعْتَبَرُ (فَلَا) تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ وَلَوْ كَانَتْ الْقَرْيَةُ مُرْتَفِعَةً فَسُمِعَتْ وَلَوْ سَاوَتْ لَمْ تُسْمَعْ، أَوْ كَانَتْ مُنْخَفِضَةً فَلَمْ تُسْمَعْ وَلَوْ سَاوَتْ لَسُمِعَتْ لَزِمَتْ الثَّانِيَةُ دُونَ الْأُولَى اعْتِبَارًا بِتَقْدِيرِ الِاسْتِوَاءِ، وَأَمَّا الْخَبَرُ الْمَارُّ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، إذْ لَوْ أُخِذَ بِظَاهِرِهِ لَزِمَتْ الْبَعِيدَ الْمُرْتَفِعَ دُونَ الْقَرِيبِ الْمُنْخَفِضِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَإِنْ صَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَهَلْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ لَوْ كَانَ بِمُنْخَفَضٍ لَا يُسْمَعُ النِّدَاءُ وَلَوْ اسْتَوَتْ لَسَمِعَهُ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ أَنْ تُبْسَطَ هَذِهِ الْمَسَافَةُ أَوْ أَنْ يَطْلُعَ فَوْقَ الْأَرْضِ مُسَامِتًا لِمَا هُوَ فِيهِ الْمَفْهُومُ
[حاشية الشبراملسي]
فِي الْعَادَةِ، فَإِنَّ حَدِيدَ السَّمْعِ قَدْ يَسْمَعُ مِنْ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ كَنِصْفِ يَوْمٍ مَثَلًا (قَوْلُهُ: أَنَّ مَا سَمِعَهُ نِدَاءُ جُمُعَةٍ) هُوَ مُجَرَّدُ تَصْوِيرٍ لِكَوْنِ الْكَلَامِ فِي الْجُمُعَةِ، وَإِلَّا فَالْمَدَارُ عَلَى سَمَاعِ الصَّوْتِ وَعَدَمِهِ، فَمَا أَفْهَمَهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ لَيْسَ مُرَادًا (قَوْلُهُ: مِنْ طَرَفٍ يَلِيهِمْ) لَعَلَّ ضَابِطَهُ مَا تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ) عِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: سَكَتُوا عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ الْمُسْتَمِعُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَوْضِعُ إقَامَتِهِ بِرّ، وَمَالَ م ر إلَى هَذَا الظَّاهِرِ وَقَالَ: مَنْ سَمِعَ مِنْ مَوْضِعِ إقَامَتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ وَمَنْ لَا فَلَا.
وَحَاصِلُ الَّذِي تَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِهِمْ وَاعْتَمَدَهُ م ر أَنَّ ضَابِطَ مَا تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ مَا يُمْنَعُ الْقَصْرُ قَبْلَ مُجَاوَزَتِهِ، فَشَمَلَ الْمَسْجِدَ الْخَارِجَ عَنْ الْبَلَدِ بِأَنْ خَرِبَ مَا بَيْنَ الْبَلَدِ وَبَيْنَهُ لَكِنَّهُمْ لَمْ يَهْجُرُوهُ بَلْ يَتَرَدَّدُونَ إلَيْهِ لِنَحْوِ الصَّلَاةِ، وَكَذَا الْمَسْجِدُ الَّذِي أَحْدَثُوهُ بِجَانِبِ الْبَلَدِ مُنْفَصِلًا عَنْهَا قَلِيلًا مَعَ تَرَدُّدِهِمْ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مَعْدُودٌ مِنْهَا، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّ لِبَلَدٍ سُورًا وَاتَّصَلَتْ بِهِ الْعِمَارَةُ وَاتَّسَعَتْ بِهِ الْخُطَّةُ جِدًّا وَلَيْسَ بِهَا مَحَلٌّ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ إلَّا دَاخِلَ السُّورِ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَسْمَعُ الصَّوْتَ الْعَالِيَ فِي الْهُدُوِّ مِنْ الطَّرَفِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ وَرَاءِ السُّورِ بِفَرْضِ زَوَالِ الْأَبْنِيَةِ إنْ فُرِضَ أَنَّهَا تَمْنَعُ السَّمَاعَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَإِلَّا فَلَا، أَمَّا لَوْ أُقِيمَتْ الْجُمُعَةُ فِي الْعُمْرَانِ وَفِي دَاخِلِ السُّورِ وَسَمِعَ أَهْلُ الْأَبْنِيَةِ نِدَاءَ مَنْ بِطَرَفِ الْعُمْرَانِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْحُضُورُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا نِدَاءَ مَنْ هُوَ دَاخِلَ السُّورِ، لِأَنَّ وُجُودَ السُّورِ صَيَّرَ كُلًّا مِنْ الْعُمْرَانِ وَدَاخِلِ السُّورِ كَبَلَدٍ مُسْتَقِلَّةٍ (قَوْلُهُ: لَا ضَبْطَ لَحَدِّهِ) أَيْ الْعَالِي (قَوْلُهُ:) عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ هِيَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ السِّينِ اسْمُ بِلَادٍ بِالْعَجَمِ (قَوْلُهُ فَالْأَوْجَهُ مُرَاعَاةُ الْأَقْرَبِ) أَيْ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ (قَوْلُهُ: لَزِمَتْ الثَّانِيَةُ) أَيْ أَهْلَ الثَّانِيَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْخَبَرُ الْمَارُّ) أَيْ وَهُوَ قَوْلُهُ " الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ " (قَوْلُهُ: أَوْ أَنْ يَطْلُعَ فَوْقَ الْأَرْضِ) فِي الْمُخْتَارِ طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَالْكَوَاكِبُ مِنْ بَابِ دَخَلَ، ثُمَّ قَالَ: وَطُلِعَ الْجَبَلُ بِالْكَسْرِ طُلُوعًا انْتَهَى.
وَمَا هُنَا مِنْ الثَّانِي
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِنْ كَلَامِهِمْ الْمَذْكُورِ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَتَاوِيهِ.
وَلَوْ كَانَ بَقَرِيَّةٍ أَرْبَعُونَ كَامِلُونَ حَرُمَ عَلَيْهِمْ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ.
وَصَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ أَنْ يُصَلُّوهَا فِي الْمِصْرِ سَمِعُوا النِّدَاءَ أَمْ لَا لِتَعْطِيلِهِمْ الْجُمُعَةَ فِي مَحَلِّهِمْ، خِلَافًا لِمَنْ صَرَّحَ بِالْجَوَازِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ سُقُوطُ الْجُمُعَةِ عَنْهُمْ لَوْ فَعَلُوا وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ الْجَوَازِ، إذْ الْإِسَاءَةُ لَا تُنَافِي الصِّحَّةَ، وَلَوْ وَافَقَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَحَضَرَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ الَّذِينَ بَلَغَهُمْ النِّدَاءُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ فَلَهُمْ الرُّجُوعُ قَبْلَ صَلَاتِهَا وَتَسْقُطُ عَنْهُمْ وَإِنْ قَرُبُوا مِنْهَا وَسَمِعُوا النِّدَاءَ وَأَمْكَنَهُمْ إدْرَاكُهَا لَوْ عَادُوا إلَيْهَا لِخَبَرِ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَشْهَدَ مَعَنَا الْجُمُعَةَ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْصَرِفَ فَلْيَفْعَلْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُمْ لَوْ كُلِّفُوا بِعَدَمِ الرُّجُوعِ أَوْ بِالْعُودِ إلَى الْجُمُعَةِ لَشُقَّ عَلَيْهِمْ وَالْجُمُعَةُ تَسْقُطُ بِالْمَشَاقِّ فَتُسْتَثْنَى هَذِهِ مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَحْضُرُوا كَأَنْ صَلَّوْا الْعِيدَ بِمَكَانِهِمْ لَزِمَتْهُمْ الْجُمُعَةُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَمَحَلُّ مَا مَرَّ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا قَبْلَ انْصِرَافِهِمْ فَإِنْ دَخَلَ عَقِبَ سَلَامِهِمْ مِنْ الْعِيدِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَرْكُهَا كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الشَّيْخُ.
(وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ) الْجُمُعَةُ بِأَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا وَإِنْ لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ كَمُقِيمٍ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ (السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ) لِأَنَّ وُجُوبَهَا قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْوَقْتِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَفْوِيتُهَا بِهِ (إلَّا أَنْ تُمْكِنُهُ الْجُمُعَةَ فِي) مَقْصِدِهِ أَوْ (طَرِيقِهِ) بِأَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إدْرَاكُهَا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ
[حاشية الشبراملسي]
وَمُضَارِعُهُ عَلَى يَفْعَلُ بِالْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمْ الْمَذْكُورِ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي) عِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ بِمُسْتَوٍ لَسَمِعُوهُ، الْمُرَادُ لَوْ فُرِضَتْ مَسَافَةُ انْخِفَاضِهَا مُمْتَدَّةً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَهِيَ عَلَى آخِرِهَا لَسُمِعَتْ، هَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُفْهَمَ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَقِيسَ عَلَيْهِ نَظِيرُهُ فِي الْأَوْلَى بِرّ، وَاعْتَمَدَ م ر كَأَبِيهِ نَحْوَ هَذَا، وَهِيَ مُخَالَفَةٌ لِمَا فِي الشَّارِحِ، وَالْأَقْرَبُ مَا فِي سم، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْمَشَقَّةِ وَعَدَمِهَا، ثُمَّ رَأَيْته فِي حَاشِيَةِ حَجّ اسْتَوْجَبَهُ أَيْضًا، وَعِبَارَتُهُ بَعْدَ نَقْلِ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ بِهِ عَنْ بِرّ مَا نَصُّهُ: وَهُوَ حَقٌّ وَجِيهٌ، وَإِنْ تَبَادَرَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ تُفْرَضَ الْقَرْيَةُ عَلَى أَوَّلِ الْمُسْتَوَى فَلَا تُحْسَبُ مَشَقَّةُ الِانْخِفَاضِ فِي الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ فِي هَذَا نَظَرًا لَا يَخْفَى، إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنْ طَالَتْ مَسَافَةُ الِانْخِفَاضِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ إدْرَاكُ الْجُمُعَةِ مَعَ قَطْعِهَا مَثَلًا وَعَدَمُ الْوُجُوبِ فِي الْأَوْلَى وَإِنْ قَلَّتْ مَسَافَةُ الِارْتِفَاعِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الْإِدْرَاكُ مَعَ قَطْعِهَا، وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ.
فَإِنْ قُلْت: يُشْتَرَطُ فِي الْوُجُوبِ فِي الثَّانِيَةِ إمْكَانُ الْإِدْرَاكِ وَإِلَّا فَلَا وُجُوبَ فِيهَا.
قُلْت: فَإِمَّا أَنْ يُشْتَرَطَ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ فِي الْأُولَى عَدَمُ إمْكَانِ الْإِدْرَاكِ وَإِلَّا ثَبَتَ الْوُجُوبُ فَلَا وَجْهَ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لِاسْتِوَائِهِمَا عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى، وَإِمَّا أَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِيهِ ذَلِكَ بَلْ نَقُولُ عَدَمُ الْوُجُوبِ ثَابِتٌ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الْوُجُوبِ فِي الثَّانِيَةِ فَهَذَا مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ كَمَا لَا يَخْفَى فَلْيُتَأَمَّلْ، ثُمَّ رَأَيْت أَنَّ شَيْخَنَا الشِّهَابَ الرَّمْلِيَّ اقْتَصَرَ فِي فَتَاوِيهِ عَلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِهِمْ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ الْمُتَبَادَرَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ بَقَرِيَّةٍ أَرْبَعُونَ كَامِلُونَ حَرُمَ عَلَيْهِمْ) أَيْ وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ قَصْدُهُمْ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِي الْمِصْرِ عُذْرًا فِي تَرْكِهِمْ الْجُمُعَةَ فِي بَلْدَتِهِمْ إلَّا إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَسَادُ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَوْ احْتَاجُوا إلَى مَا يَصْرِفُونَهُ فِي نَفَقَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الضَّرُورِيَّةِ وَلَا يُكَلَّفُونَ الِاقْتِرَاضَ (قَوْلُهُ: وَتَسْقُطُ عَنْهُمْ الْجُمُعَةُ بِفِعْلِهَا) أَيْ فِي الْمِصْرِ (قَوْلُهُ: فَحَضَرَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ إلَخْ) أَيْ بِقَصْدِهَا بِأَنْ تَوَجَّهُوا إلَيْهَا بِنِيَّتِهَا وَلَمْ يُدْرِكُوهَا، وَأَمَّا لَوْ حَضَرُوا لِبَيْعِ أَسْبَابِهِمْ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ الْحُضُورُ سَوَاءٌ رَجَعُوا إلَى مَحَلِّهِمْ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: فَلَهُمْ الرُّجُوعُ قَبْلَ صَلَاتِهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ دَخَلَ عَقِبَ سَلَامِهِمْ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُمْ لَوْ صَلَّوْا الْعِيدَ ثُمَّ تَشَاغَلُوا بِأَسْبَابٍ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الِانْصِرَافُ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بَلْ هُوَ مُجَرَّدُ تَصْوِيرٍ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الِانْصِرَافُ حِينَئِذٍ.
(قَوْلُهُ بِأَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ)
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَتَسْقُطُ عَنْهُمْ وَإِنْ قَرُبُوا مِنْهَا وَسَمِعُوا النِّدَاءَ) أَيْ بِالْفِعْلِ وَإِلَّا فَالصُّورَةُ أَنَّهُمْ بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ (قَوْلُهُ: عَقِبَ سَلَامِهِمْ) تَصْوِيرٌ.
مُرَادُ الْمَجْمُوعِ بِقَوْلِهِ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِإِدْرَاكِهَا، إذْ كَثِيرًا مَا يُطْلِقُونَ الْعِلْمَ وَيُرِيدُونَ بِهِ الظَّنَّ، كَقَوْلِهِمْ: يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ الْعِلْمِ بِرِضَاهُ كَذَلِكَ وَيَجُوزُ الْقَضَاءُ بِالْعِلْمِ، وَشَمَلَ إطْلَاقُهُ مَا لَوْ نَقَصَ بِسَفَرِهِ عَدَدُ أَهْلِ الْبَلَدِ بِحَيْثُ أَدَّى إلَى تَعْطِيلِ جُمُعَتِهِمْ وَهُوَ ظَاهِرٌ، إذْ لَا يُكَلَّفُ بِتَصْحِيحِ عِبَادَةِ غَيْرِهِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِمَا لَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَلِخَبَرِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» خِلَافًا لِصَاحِبِ التَّعْجِيزِ، وَلِهَذَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِمَّا مَرَّ آنِفًا مِنْ حُرْمَةِ تَعْطِيلِ بَلَدِهِمْ عَنْهَا، لَكِنَّ الْفَرْقَ وَاضِحٌ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مُعَطَّلُونَ بِغَيْرِ حَاجَةٍ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ.
.
وَلَوْ سَافَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ جُنُونٌ أَوْ مَوْتٌ فَالظَّاهِرُ سُقُوطُ الْإِثْمِ عَنْهُ، كَمَا إذَا جَامَعَ بَعْدَ الْفَجْرِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ أَوْ الْجُنُونُ.
وَمَحَلُّ الْمَنْعِ أَيْضًا مَا لَمْ يَجِبْ السَّفَرُ فَوْرًا، فَإِنْ وَجَبَ كَذَلِكَ كَإِنْقَاذِ نَاحِيَةٍ وَطِئَهَا الْكُفَّارُ أَوْ أَسْرَى اخْتَطِفُوهُمْ وَظَنَّ أَوْ جَوَّزَ إدْرَاكَهُمْ وحج تَضِيق وَخَافَ فَوْتَهُ فَالْوَجْهُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَغَيْرِهِ وُجُوبُ السَّفَرِ فَضْلًا عَنْ جَوَازِهِ (أَوْ يَتَضَرَّرُ بِتَخَلُّفِهِ) لَهَا (عَنْ الرُّفْقَةِ) فَلَا يَحْرُمُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ كَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ مُجَرَّدَ انْقِطَاعِهِ عَنْ الرُّفْقَةِ بِلَا ضَرَرٍ لَيْسَ عُذْرًا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: إنَّ الصَّوَابَ خِلَافُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَحْشَةِ، وَكَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ التَّيَمُّمِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكِفَايَةِ إذْ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّ الطُّهْرَ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ، وَفَرَّقَ
[حاشية الشبراملسي]
لَوْ تَبَيَّنَ خِلَافُ ظَنِّهِ بَعْدَ السَّفَرِ فَلَا إثْمَ وَالسَّفَرُ غَيْرُ مَعْصِيَةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
نَعَمْ إنْ أَمْكَنَ عَوْدُهُ وَإِدْرَاكُهَا فَيَتَّجِهُ وُجُوبُهُ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ الْقَضَاءُ بِالْعِلْمِ) أَيْ بِالظَّنِّ أَنْ تِلْكَ الْوَاقِعَةَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ ظَنًّا غَالِبًا كَأَنْ حَصَلَ عِنْدَهُ بِقَرِينَةٍ قَوِيَّةٍ نَزَّلَتْهُ مَنْزِلَةَ الْعِلْمِ فَاحْفَظْهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ (قَوْلُهُ: وَلِخَبَرِ لَا ضَرَرَ) أَيْ يَتَحَمَّلُهُ، وَلَا ضِرَارَ: أَيْ لِغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ إلَخْ) حَاصِلُهُ تَرْجِيحُ جَوَازِ سَفَرِهِ لِحَاجَةٍ وَإِنْ تَعَطَّلَتْ الْجُمُعَةُ، لَكِنْ هَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَاحِدِ وَنَحْوِهِ، أَوْ لَا فَرْقَ حَتَّى لَوْ سَافَرَ الْجَمِيعُ لِحَاجَةٍ وَجَازَ كَأَنْ أَمْكَنَتْهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ كَانَ جَائِزًا وَإِنْ تَعَطَّلَتْ الْجُمُعَةُ فِي بَلَدِهِمْ وَيُخَصُّ بِذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ تَجْوِيزِ تَعْطِيلِهَا فِي مَحَلِّهِمْ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْوَجْهُ أَنَّهُ الْأَقْرَبُ اهـ سم عَلَى حَجّ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا وَجْهَ لِلتَّرَدُّدِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ السَّفَرُ لِعُذْرٍ مُرَخِّصًا فِي تَرْكِهَا فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ سَافَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أَيْ عَلَى وَجْهٍ يَحْرُمُ (قَوْلُهُ: فَالظَّاهِرُ سُقُوطُ الْإِثْمِ عَنْهُ) أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ لَتَعَدِّيهِ بِالْإِقْدَامِ فِي ظَنِّهِ.
وَيُؤَيِّدُ عَدَمَ السُّقُوطِ مَا لَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ يَظُنُّ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ سُقُوطِ الْإِثْمِ بِالتَّبْيِينِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَفَّارَةِ وَالْإِثْمِ ظَاهِرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِسُقُوطِ الْإِثْمِ انْقِطَاعَهُ لَا ارْتِفَاعَهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَقَدْ يُقَالُ: يَنْبَغِي سُقُوطُ إثْمِ تَضْيِيعِ الْجُمُعَةِ لَا إثْمِ قَصْدِ تَضْيِيعِهَا اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ فَإِنْ وَجَبَ كَذَلِكَ) أَيْ فَوْرًا (قَوْلُهُ: أَوْ يَتَضَرَّرُ بِتَخَلُّفِهِ عَنْ الرُّفْقَةِ) لَيْسَ مِنْ التَّضَرُّرِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَقْصِدُ السَّفَرَ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ لِأَمْرٍ لَا يَفُوتُ بِفَوَاتِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَمِنْهُ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ زِيَارَةَ سَيِّدِي أَحْمَدَ الْبَدْوِيِّ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ، فَيُرِيدُونَ السَّفَرَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي مَرْكَبٍ السَّفَرُ فِيهِ يُفَوِّتُ جُمُعَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، لَكِنْ يُوجَدُ غَيْرُهُ فِي بَقِيَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ فِيمَا يَلِيه
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ الْقَضَاءُ بِالْعِلْمِ) يُرَاجِعُ مَا قَالُوهُ هُنَاكَ
(قَوْلُهُ: فَالظَّاهِرُ سُقُوطُ الْإِثْمِ) فِي سُقُوطِ إثْمِ الْإِقْدَامِ بِمَا ذَكَرَ بَحْثٌ لَا يَخْفَى وَبَيَّنَهُ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ انْقِطَاعُ الْإِثْمِ مِنْ حِينَئِذٍ بِقَرِينَةِ النَّظِيرِ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ الْمَنْعِ أَيْضًا مَا لَمْ يَجِبْ السَّفَرُ فَوْرًا) أَيْ فِي حَدِّ ذَاتِهِ لَا بِالنَّظَرِ لِخُصُوصِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَإِلَّا فَالْغَرَضُ إثْبَاتُ وُجُوبِهِ حِينَئِذٍ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إذَا كَانَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ وَاجِبٌ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى بَحْثُ وُجُوبِهِ وَيَرْجِعُ إلَى تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَمَحَلُّ الْمَنْعِ إذَا لَمْ يَجِبْ وَإِلَّا فَيَجِبُ، وَبَيَانُ انْدِفَاعِهِ أَنَّ الْوُجُوبَ هُنَا عَامٌّ وَفِيمَا يَأْتِي
بَيْنَهُمَا أَيْضًا بِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الْوَسَائِلِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَقَاصِدِ (وَقَبْلَ الزَّوَالِ) وَأَوَّلُهُ الْفَجْرُ (كَبَعْدِهِ) فِي الْحُرْمَةِ (فِي الْجَدِيدِ) لِوُجُوبِ السَّعْيِ عَلَى بَعِيدِ الْمَنْزِلِ قَبْلَهُ وَالْجُمُعَةُ مُضَافَةٌ إلَى الْيَوْمِ فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْجُمُعَةُ فِي طَرِيقِهِ أَوْ تَضَرَّرَ بِتَخَلُّفِهِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، وَالْقَدِيمُ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي زَوَائِدِ حَرْمَلَةَ مِنْ الْجَدِيدِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْوُجُوبِ وَهُوَ الزَّوَالُ وَكَبَيْعِ النِّصَابِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ هَذَا
(إنْ كَانَ سَفَرًا مُبَاحًا) كَسَفَرِ تِجَارَةٍ وَشَمَلَ الْمَكْرُوهَ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ كَسَفَرِ مُنْفَرِدٍ (وَإِنْ كَانَ طَاعَةً) وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا كَسَفَرِ حَجٍّ وَزِيَارَةِ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (جَازَ) قَطْعًا (قُلْت: الْأَصَحُّ) وَفِي الرَّوْضَةِ الْأَظْهَرُ (أَنَّ الطَّاعَةَ كَالْمُبَاحِ) فَيَحْرُمُ فِي الْجَدِيدِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) إذْ لَمْ يَرِدْ فِي التَّفْرِقَةِ نَصٌّ صَرِيحٌ، وَيُكْرَهُ لَهُ السَّفَرُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي شَرْحِهِ عَنْ ابْنِ أَبِي الصَّيْفِ وَارْتَضَاهُ، وَذَكَرَ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ مَنْ سَافَرَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ دَعَا عَلَيْهِ مَلَكَاهُ (وَمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ) وَهُمْ بِالْبَلَدِ (تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِي ظُهْرِهِمْ فِي الْأَصَحِّ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ الطَّالِبَةِ لِلْجَمَاعَةِ.
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي هَذَا الْيَوْمِ شِعَارُ الْجُمُعَةِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَنْ بِبَلَدِ الْجُمُعَةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي غَيْرِهِ اُسْتُحِبَّتْ فِي ظُهْرِهِمْ إجْمَاعًا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (وَيُخْفُونَهَا) كَأَذَانِهَا نَدْبًا (إنْ خَفِيَ عُذْرُهُمْ) كَيْ لَا يُتَّهَمُوا بِالرَّغْبَةِ عَنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَوْ الْجُمُعَةِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ: وَيُكْرَهُ لَهُمْ إظْهَارُهَا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا أَقَامُوهَا بِالْمَسَاجِدِ، فَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ ظَاهِرًا لَمْ يُسْتَحَبَّ الْإِخْفَاءُ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ بَلْ يُسَنُّ الْإِظْهَارُ.
وَلَوْ زَالَ الْعُذْرُ فِي أَثْنَاءِ الظُّهْرِ قَبْلَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ أَجْزَأَتْهُمْ وَسُنَّ لَهُمْ الْجُمُعَةُ.
نَعَمْ إنْ بَانَ الْخُنْثَى رَجُلًا لَزِمَتْهُ لِتَبَيُّنِ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ وَلِيُنْظَرَ فِيمَا لَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ قَبْلَ فِعْلِهِ الظُّهْرَ فَفَعَلَهَا جَاهِلًا بِعِتْقِهِ ثُمَّ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ، أَوْ تَخَلَّفَ لِلْعُرْيِ
[حاشية الشبراملسي]
مِنْ الْأَيَّامِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْصُلُ مَعَهُ التَّمَكُّنُ مِنْ السَّفَرِ وَالزِّيَارَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ أَوْ فَوَاتِ مَنْفَعَةٍ، فَلَا يَجُوزُ السَّفَرُ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: كَبُعْدِهِ) بِالْجَرِّ وَالنَّصْبِ وَالْأَوَّلُ مَنْقُولٌ عَنْ خَطِّ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ وَالْجُمُعَةُ مُضَافَةٌ إلَى الْيَوْمِ) أَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْرُمُ النَّوْمُ بَعْدَ الْفَجْرِ عَلَى مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ الِاسْتِيقَاظِ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ، وَمَنَعَهُ م ر. أَقُولُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيَدُلُّ لَهُ جَوَازُ انْصِرَافِ الْمَعْذُورِينَ مِنْ الْمَسْجِدِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِقِيَامِ الْعُذْرِ بِهِمْ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ وُجُوبِ السَّعْيِ عَلَى بَعِيدِ الدَّارِ، وَالنَّوْمُ هُنَا عُذْرٌ قَائِمٌ بِهِ كَالْمَرَضِ، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْمَرِيضَ بَعْدَ حُضُورِهِ الْمَسْجِدَ وَلَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي الْمُكْثِ لَمْ يَبْقَ لَهُ عُذْرٌ فِي الِانْصِرَافِ، بِخِلَافِ النَّوْمِ فَإِنَّهُ قَدْ يَهْجُمُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعُهُ (قَوْلُهُ: حَرْمَلَةَ) اسْمُ رَجُلٍ
(قَوْلُهُ: دَعَا عَلَيْهِ مَلَكَاهُ) قَالَ حَجّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا
(قَوْلُهُ: ثُمَّ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ مَا مَضَى قَبْلَ يَوْمِ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِ الْجُمُعَةِ لَا قَضَاءَ لِشَيْءٍ مِنْهُ لِعُذْرٍ، وَلَكِنَّ فِي حَاشِيَةِ سم عَلَى مَنْهَجٍ مَا نَصُّهُ: وَمِنْ ذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا عَتَقَ قَبْلَ فِعْلِهِ الظُّهْرَ وَقَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ، لَكِنْ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِعِتْقِهِ حِينَئِذٍ وَاسْتَمَرَّ مُدَّةً يُصَلِّي الظُّهْرَ قَبْلَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ لَزِمَهُ قَضَاءُ ظُهْرٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ أَوَّلَ ظُهْرٍ فَعَلَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ وَلَمْ تَفُتْ، وَالظُّهْرُ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ وَقَعَ قَضَاءً عَنْ هَذَا الظُّهْرِ، وَهَكَذَا كَمَا قَالُوا فِيمَنْ مَكَثَ مُدَّةً يُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَثَلًا قَبْلَ وَقْتِهَا يَلْزَمُهُ مَغْرِبٌ وَاحِدٌ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وِفَاقًا لِشَيْخِنَا طب، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا يَبْعُدُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَعْدَ الْعِتْقِ هُوَ وُجُوبُ الْجُمُعَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِالْعِتْقِ بَعْدَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُ الظُّهْرِ وَلَوْ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ صَلَاتَهُ الْأُولَى غَيْرُ
[حاشية الرشيدي]
خَاصٌّ، أَوْ يُقَالُ: مَعْنَى وُجُوبِ السَّفَرِ اسْتِمْرَارُ وُجُوبِهِ: أَيْ وَلَا تَخْلُفُهُ الْحُرْمَةُ.
(قَوْلُهُ: وَشَمِلَ الْمَكْرُوهَ) أَيْ بَعْدَ تَأْوِيلِهِ بِالْجَائِزِ.
(قَوْلُهُ: أَجْزَأَتْهُمْ وَسُنَّ لَهُمْ الْجُمُعَةُ) هَلْ الْمُرَادُ سَنُّهَا بَعْدَ إتْمَامِ الظُّهْرِ أَوْ أَنَّهُ تُقْطَعُ الظُّهْرُ وَتُسْتَأْنَفُ
ثُمَّ بَانَ أَنَّ عِنْدَهُ ثَوْبًا نَسِيَهُ، أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْ ظَالِمٍ أَوْ غَرِيمٍ ثُمَّ بَانَتْ غَيْبَتُهُمَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ فِي ذَلِكَ (وَيُنْدَبُ لِمَنْ أَمْكَنَ زَوَالُ عُذْرِهِ) قَبْلَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ كَعَبْدٍ يَرْجُو الْعِتْقَ وَمَرِيضٍ يَتَوَقَّعُ الْخِفَّةَ وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ ذَلِكَ (تَأْخِيرُ ظَهْرِهِ إلَى الْيَأْسِ مِنْ) إدْرَاكِ (الْجُمُعَةِ) لِأَنَّهُ قَدْ يَزُولُ عُذْرُهُ وَيَتَمَكَّنُ مِنْ فَرْضِ أَهْلِ الْكَمَالِ وَيَحْصُلُ الْيَأْسُ مِنْ إدْرَاكِهَا بِأَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ الثَّانِي وَيُفَارِقُ مَا سَيَأْتِي فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَصِحَّ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ ثَمَّ لَازِمَةٌ فَلَا تَرْتَفِعُ إلَّا بِيَقِينٍ، بِخِلَافِهَا هُنَا، وَمَحَلُّ صَبْرِهِ إلَى فَوْتِ الْجُمُعَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرْهَا الْإِمَامُ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَإِلَّا فَلَا يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ أَرْبَعُونَ كَامِلُونَ عُلِمَ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُقِيمُونَ الْجُمُعَةَ فَهَلْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ إذَا عَلِمَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَإِنْ لَمْ يَيْأَسْ مِنْ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، إذْ لَا أَثَرَ لِلْمُتَوَقَّعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الْأَوْجَهُ لَا لِأَنَّهَا الْوَاجِبُ أَصَالَةً وَالْمُخَاطَبُ بِهَا يَقِينًا وَهُنَا عَارَضَهُ يَقِينُ الْوُجُوبِ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ إلَّا بِيَقِينِ الْيَأْسِ مِنْهَا.
نَعَمْ لَوْ كَانَ عَدَمُ إعَادَتِهِمْ لَهَا أَمْرًا عَادِيًا لَا يَتَخَلَّفُ كَمَا فِي بَلْدَتِنَا بَعْدَ إقَامَتِهَا أَوَّلًا اتَّجَهَ فِعْلُ الظُّهْرِ وَإِنْ لَمْ يَضِقْ وَقْتُهُ عَنْ فِعْلِهَا كَمَا شَاهَدْته مِنْ فِعْلِ الْوَالِدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَثِيرًا.
(وَ) يُنْدَبُ (لِغَيْرِهِ) أَيْ لِمَنْ لَا يُمْكِنُ زَوَالُ عُذْرِهِ (كَالْمَرْأَةِ وَالزَّمِنِ) الَّذِي لَا يَجِدُ مَرْكَبًا (تَعْجِيلُهَا) أَيْ الظُّهْرِ مُحَافَظَةً عَلَى فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ: إنَّ هَذَا هُوَ اخْتِيَارُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: هَذَا كَالْأَوَّلِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ حَتَّى تَفُوتَ الْجُمُعَةُ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْشَطُ لَهَا وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ الْكَامِلِينَ فَاسْتُحِبَّ لَهُ تَقْدِيمُهَا.
قَالَ: وَالِاخْتِيَارُ التَّوَسُّطُ، فَيُقَالُ إنْ كَانَ جَازِمًا بِأَنَّهُ لَا يَحْضُرُهَا وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ تَقْدِيمُ الظُّهْرِ وَإِنْ كَانَ لَوْ تَمَكَّنَ أَوْ نَشِطَ حَضَرَهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّأْخِيرُ، وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ
[حاشية الشبراملسي]
صَحِيحَةٍ، لَكِنَّهُ قَدْ يُخَالِفُهُ مَا أَفْهَمَهُ قَوْلُ الشَّارِحِ ثُمَّ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ: يَلْزَمُهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ فِي ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْعِتْقِ وَالْعُرْيِ وَعَدَمِ إلَخْ (قَوْلُهُ: إلَّا بِيَقِينٍ) أَيْ وَهُوَ سَلَامُ الْإِمَامِ مِنْهَا، وَأَمَّا قَبْلَ السَّلَامِ فَلَمْ يَيْأَسْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَذَكَّرَ الْإِمَامُ تَرْكَ رُكْنٍ مِنْ الْأُولَى فَتَكْمُلَ الثَّانِيَةُ وَيَبْقَى عَلَيْهِ رَكْعَةٌ يَأْتِي بِهَا، وَحَيْثُ انْتَظَرَهُ الْقَوْمُ حَتَّى يَفْعَلَهَا حَصَلَ لِلْمَسْبُوقِ إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فِي جَمَاعَةٍ أَرْبَعِينَ.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ قَوْلُهُ فَيُحْسَبُ ابْتِدَاءُ سَفَرِهِ مِنْ الْآنَ يَنْبَغِي إذَا وَصَلَ لِمَحَلٍّ لَوْ رَجَعَ مِنْهُ لَمْ يُدْرِكْهَا أَنْ يَنْعَقِدَ سَفَرُهُ مِنْ الْآنَ وَإِنْ كَانَتْ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يَفْعَلْ فِي مَحَلِّهَا (قَوْلُهُ: إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْهَا أَرْبَعٌ) أَيْ قَدْرُ أَرْبَعٍ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ كَانَ عَدَمُ إعَادَتِهِمْ) هُوَ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا بِيَقِينِ الْيَأْسِ مِنْ أَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ حَقِّهِمْ أَنْ لَا يَفْعَلُوا الظُّهْرَ إلَّا عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ فِعْلُ الْجُمُعَةِ مَعَ خُطْبَتِهَا.
[حاشية الرشيدي]
الْجُمُعَةُ، فَيَكُونُ مَعْنَى أَجْزَأَتْهُمْ: أَيْ أَتَمُّوهَا وَاقْتَصَرُوا عَلَيْهَا يُرَاجَعُ (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ فِي ذَلِكَ) اُنْظُرْ لَوْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ قَبْلَ عِلْمِهِ هَلْ تَجِبُ إعَادَةُ الظُّهْرِ (قَوْلُهُ: وَالْمُخَاطَبُ بِهَا يَقِينًا وَهُنَا عَارَضَهُ يَقِينُ الْوُجُوبِ) كَذَا فِي نُسَخِ الشَّارِحِ، وَلَعَلَّ فِي النُّسَخِ سَقَطًا مِنْ النُّسَّاخِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ:؛ لِأَنَّهَا الْوَاجِبُ أَصَالَةً وَالْمُخَاطَبُ بِهَا يَقِينًا فَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا بِالْيَأْسِ يَقِينًا، وَلَيْسَ مِنْ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي مُتَوَقَّعٍ لَمْ يُعَارِضْ مُتَيَقَّنًا، وَهُنَا عَارَضَهُ يَقِينُ الْوُجُوبِ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ إلَّا بِيَقِينِ الْيَأْسِ انْتَهَتْ.
وَمُرَادُهُ بِالْقَاعِدَةِ مَا ذَكَرَهُ الْبَعْضُ فِي قَوْلِهِ إذْ لَا أَثَرَ لِلْمُتَوَقَّعِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ كَانَ عَدَمُ إعَادَتِهِمْ لَهَا أَمْرًا عَادِيًّا لَا يَتَخَلَّفْ كَمَا فِي بَلْدَتِنَا بَعْدَ إقَامَتِهَا) أَيْ فِيمَا إذَا أُقِيمَتْ جَمَاعَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَاحْتُمِلَ سَبْقُ بَعْضِهَا وَلَمْ يُعْلَمْ فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَجِبُ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ كَمَا يَأْتِي، وَوَجْهُ تَعَلُّقِ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ بِمَا قَبْلَهُ النَّظَرُ لِلْعَادَةِ وَعَدَمِهِ وَإِنْ كَانَتْ صُورَةُ الِاسْتِدْرَاكِ فِيهَا إعَادَةُ الْجُمُعَةِ وَالْمُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ جُمُعَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالِاسْتِدْرَاكِ تَقْيِيدَ الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهُ بِأَنَّ مَحَلَّهَا إذَا كَانَتْ تِلْكَ الْعَادَةُ يُمْكِنُ تَخَلُّفُهَا
نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ.
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّوَسُّطِ أَبْدَاهُ لِنَفْسِهِ، وَقَوْلُهُ إنْ كَانَ جَازِمًا يُرَدُّ بِأَنَّهُ قَدْ يَعِنُّ لَهُ بَعْدَ الْجَزْمِ عَدَمُ الْحُضُورِ، فَكَمْ مِنْ جَازِمٍ بِشَيْءٍ ثُمَّ يُعْرِضُ عَنْهُ.
[شُرُوطُ صِحَّةِ الْجُمُعَةِ]
فَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَتْنِ (وَلِصِحَّتِهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (مَعَ شَرْطِ) أَيْ شُرُوطِ (غَيْرِهَا) مِنْ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ (شُرُوطٌ) خَمْسَةٌ (أَحَدُهَا) (وَقْتُ الظُّهْرِ) بِأَنْ تَقَعَ كُلُّهَا فِيهِ لِأَنَّ الْوَقْتَ شَرْطٌ لِافْتِتَاحِهَا فَكَانَ شَرْطًا لِتَمَامِهَا، وَلِأَنَّهُمَا فَرْضَا وَقْتٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يَخْتَلِفْ وَقْتُهُمَا كَصَلَاةِ الْحَضَرِ وَصَلَاةِ السَّفَرِ لِلِاتِّبَاعِ فِي ذَلِكَ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَمَا رَوَيَاهُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ مِنْ قَوْلِهِ «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُمُعَةَ ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يُسْتَظَلُّ بِهِ» مَحْمُولٌ عَلَى شِدَّةِ التَّعْجِيلِ بَعْدَ الزَّوَالِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، عَلَى أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ إنَّمَا يَنْفِي ظِلًّا يُسْتَظَلُّ بِهِ لَا أَصْلَ الظِّلِّ، وَلَوْ أَمَرَ الْإِمَامُ بِالْمُبَادَرَةِ بِهَا فَالْقِيَاسُ وُجُوبُ الِامْتِثَالِ، وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ وَقْتُ الْجُمُعَةِ بَاقِيًا فَجُمُعَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَظُهْرٌ ثُمَّ بَانَ بَقَاؤُهُ فَوَجْهَانِ: أَقِيسُهُمَا الصِّحَّةُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ، وَلِأَنَّهُ نَوَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضَى الْحَالِ (فَلَا تُقْضَى) إذَا فَاتَتْ (جُمُعَةٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ بَلْ تُقْضَى ظُهْرًا إجْمَاعًا،
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: أَيْ شُرُوطِ غَيْرِهَا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِ الْجُمُعَةِ شَرْطٌ وَاحِدٌ وَإِلَى أَنَّ الشَّرْطَ بِمَعْنَى الشُّرُوطِ، وَيُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ بِجَعْلِ الْإِضَافَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ: أَيْ مَعَ كُلِّ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ غَيْرِهَا (قَوْلُهُ: شُرُوطٌ خَمْسَةٌ) لَا يُنَافِيهِ عَدَدُهَا فِي الْمَنْهَجِ سِتَّةٌ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ كَوْنَ الْعَدَدِ أَرْبَعِينَ شَرْطًا مُسْتَقِلًّا بِخِلَافِهِ هُنَا (قَوْلُهُ: بِأَنْ تَقَعَ كُلُّهَا فِيهِ) أَيْ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا بِالتَّسْمِيَةِ الْأُولَى، وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَتَى بِهَا فَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ هَلْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا وَقَعَ فِي الْوَقْتِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْوَقْتَ شَرْطٌ لِافْتِتَاحِهَا) أَيْ أَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فَلَيْسَ الْوَقْتُ شَرْطًا لِافْتِتَاحِهَا بِدَلِيلِ الْقَضَاءِ خَارِجَهُ (قَوْلُهُ: فَلَمْ يَخْتَلِفْ وَقْتُهُمَا) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ بِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمَرَ الْإِمَامُ بِالْمُبَادَرَةِ) أَيْ أَوْ بِتَأْخِيرِهَا انْتَهَى حَجّ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم فِيهِ تَأَمُّلٌ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ إذَا أَمَرَ بِغَيْرِ مَطْلُوبٍ لَا يَجِبُ امْتِثَالُهُ، وَيَرُدُّ هَذَا مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ وُجُوبِ امْتِثَالِ الْإِمَامِ فِيمَا أَمَرَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ التَّأْخِيرُ هُنَا لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا الْإِمَامُ، وَقَوْلُهُ بِهَا: أَيْ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضَى الْحَالِ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ بَعْدَ هَذَا: وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ يُعْلَمُ بَقَاءُ مَا يَسَعُهَا مِنْ الْوَقْتِ أَوْ يُظَنُّ ذَلِكَ فَلَا يُرَدُّ مَا عَسَاهُ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ لِأَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي بَقَاءِ الْوَقْتِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَجَبَ الْإِحْرَامُ بِالظُّهْرِ انْتَهَى.
وَهَذَا التَّصْوِيرُ هُوَ الْمُلَاقِي لِعِبَارَةِ الشَّارِحِ، وَفِي حَاشِيَةِ الزِّيَادِيِّ مَا يُنَافِي هَذَا التَّصْوِيرَ حَيْثُ قَالَ: لَوْ شَكَّ فَنَوَى الْجُمُعَةَ إنْ بَقِيَ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَالظُّهْرُ صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَلَمْ يَضُرَّ هَذَا التَّعْلِيقُ، وَهُوَ مُنَافٍ لِمَفْهُومِ قَوْلِ سم: يَعْلَمُ بَقَاءَ مَا يَسَعُهَا مِنْ الْوَقْتِ أَوْ يَظُنُّ، فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ مَعَ الشَّكِّ لَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ، عَلَى أَنَّ الزِّيَادِيَّ نَظَرَ تَبَعًا لِ حَجّ فِي الصِّحَّةِ الَّتِي نَقَلَ الْجَزْمَ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: فَلَا تُقْضَى)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ شَرْطٌ لِافْتِتَاحِهَا فَكَانَ شَرْطًا لِتَمَامِهَا) الْغَرَضُ هُنَا إثْبَاتُ كَوْنِ الْوَقْتِ شَرْطًا لِافْتِتَاحِهَا وَلِدَوَامِهَا، فَقَوْلُهُ: لِأَنَّ جُمُعَةَ الْوَقْتِ شَرْطٌ لِافْتِتَاحِهَا إلْزَامٌ بِمَا لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ إلَى الْآنَ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَتِمَّةٍ هِيَ مَحْضُ الْقِيَاسِ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ مَعَ تَتِمَّةٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهْم فِيهَا وَجَبَتْ الظُّهْرُ وَمَحَلُّهُ لَيْسَ إلَّا هُنَاكَ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُمَا فَرْضًا وَقْتٌ وَاحِدٌ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِأَصْلِ الْمَتْنِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا أَرْدَفَهُ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ بِأَنْ تَقَعَ كُلُّهَا فِيهِ، لَكِنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ يَرْجِعُ لِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ إذْ حَاصِلُهُ أَنَّ وَقْتَهُمَا مُتَّحِدٌ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِلِاتِّبَاعِ) كَذَا فِي النُّسَخِ وَلَعَلَّهُ سَقَطَتْ مِنْهُ وَاوٌ مِنْ النُّسَّاخِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ إنْ كَانَ وَقْتُ الْجُمُعَةِ بَاقِيًا فَجُمُعَةٌ إلَخْ) لَعَلَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ ظَانٌّ إبْقَاءَ الْوَقْتِ، وَإِلَّا فَسَيَأْتِي
وَجُمُعَةً فِي كَلَامِهِ بِالنَّصْبِ لِفَسَادِ الرَّفْعِ، وَالْفَاءُ هِيَ مَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْوَاوِ، وَرُجِّحَ بَلْ أُفْسِدَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ عَدَمَ الْقَضَاءِ لَا يُؤْخَذُ مِنْ اشْتِرَاطِ وَقْتِ الظُّهْرِ لِشُمُولِهِ الْقَضَاءَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمٍ آخَرَ، وَلَك رَدُّهُ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالظُّهْرِ الْأَعَمُّ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِهَا وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ ظُهْرُ يَوْمِهَا كَمَا أَفَادَهُ السِّيَاقُ، وَحِينَئِذٍ فَالتَّفْرِيعُ صَحِيحٌ كَمَا لَا يَخْفَى.
(فَلَوْ) (ضَاقَ) الْوَقْتُ (عَنْهَا) بِأَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَا يَسَعُ خُطْبَتَيْنِ وَرَكْعَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَوْ احْتِمَالًا (صَلَّوْا ظُهْرًا) كَمَا لَوْ فَاتَ شَرْطُ الْقَصْرِ يَرْجِعُ لِلْإِتْمَامِ، فَلَوْ شَكُّوا فِي خُرُوجِ وَقْتِهَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِهَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ بِالظُّهْرِ لِفَوَاتِ شَرْطِهَا.
وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ مَدَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى حَتَّى تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَا يَسَعُ الثَّانِيَةَ هَلْ تَنْقَلِبُ ظُهْرًا الْآنَ أَوْ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ؟ وَرَجَّحَ مِنْهَا الْأَوَّلَ، وَالْمُعْتَمَدُ الثَّانِي كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ غَدًا فَأَكَلَهُ فِي الْيَوْمِ هَلْ يَحْنَثُ حَالًا أَوْ غَدًا؟ الْأَرْجَحُ الثَّانِي (وَلَوْ خَرَجَ) الْوَقْتُ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا (وَهُمْ فِيهَا) فَاتَتْ وَ (وَجَبَ الظُّهْرُ) سَوَاءٌ أَصَلَّوْا فِي الْوَقْتِ رَكْعَةً أَمْ لَا، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِهَا بَعْدَهُ فَتَنْقَطِعُ بِخُرُوجِهِ كَالْحَجِّ يَتَحَلَّلُ فِيهِ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَإِلْحَاقًا لِلدَّوَامِ بِالِابْتِدَاءِ كَدَارِ الْإِقَامَةِ، وَلِهَذَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: كُلُّ شَرْطٍ اُخْتُصَّ بِالْجُمُعَةِ
[حاشية الشبراملسي]
هَلْ سُنَّتُهَا كَذَلِكَ حَتَّى لَوْ صَلَّى جُمُعَةً مُجْزِئَةً وَتَرَكَ سُنَّتَهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ لَمْ تُقْضَ أَوَّلًا بَلْ يَقْضِيهَا وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ فَرْضُهَا الْقَضَاءَ؟ فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُرَاجَعْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ عَلَى الْمِنْهَاجِ مَا نَصُّهُ: مَسْأَلَتَانِ لَمْ أَرَ فِيهِمَا نَقْلًا: إحْدَاهُمَا تَابِعَةُ الْجُمُعَةِ إذَا لَمْ يُصَلِّهَا فِي وَقْتِهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تُقْضَى: أَيْ سُنَّةُ جُمُعَةٍ انْتَهَى.
وَنَقَلَ عَنْ الْعَلَّامَةِ شَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ مَثَلًا وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِجُمُعَةٍ صَحِيحَةٍ وَدَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ أَنَّ النَّفَلَ الْمُؤَقَّتَ يُسَنُّ قَضَاؤُهُ (قَوْلُهُ: وَجُمُعَةً فِي كَلَامِهِ بِالنَّصْبِ) أَيْ عَلَى الْحَالِيَّةِ (قَوْلُهُ: لِفَسَادِ الرَّفْعِ) لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الْجُمُعَةَ إذَا فَاتَتْ لَا تُقْضَى جُمُعَةً وَلَا ظُهْرًا.
وَعِبَارَةُ حَجّ بَعْدَ قَوْلِ الشَّارِحِ الرَّفْعُ عَلَى مَا قِيلَ وَمَرَّ آنِفًا مَا فِيهِ، وَمُرَادُهُ بِمَا مَرَّ قَوْلُهُ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْآتِيَ بَلْ تُقْضَى ظُهْرًا فِيهِ تَجَوُّزٌ، وَأَنَّ الرَّفْعَ فِي قَوْلِهِ جُمُعَةً صَحِيحٌ لِمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الظُّهْرَ لَيْسَتْ قَضَاءً عَنْهَا انْتَهَى
(قَوْلُهُ: فَلَوْ شَكُّوا فِي خُرُوجِ وَقْتِهَا) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالشَّكِّ الِاسْتِوَاءُ أَوْ مَعَ رُجْحَانِ الْخُرُوجِ فَإِنْ ظَنَّ الْبَقَاءَ فَتَبْقَى الْجُمُعَةُ انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الظَّنُّ نَاشِئًا عَنْ اجْتِهَادٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِاعْتِضَادِهِ بِالْأَصْلِ.
(قَوْلُهُ: تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ بِالظُّهْرِ) أَيْ فَلَوْ أَحْرَمَ ظَانًّا خُرُوجَ الْوَقْتِ فَتَبَيَّنَ سَعَتُهُ تَبَيَّنَ عَدَمُ انْعِقَادِ الظُّهْرِ فَرْضًا وَوَقَعَ نَفْلًا مُطْلَقًا إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ظُهْرٌ آخَرُ وَإِلَّا وَقَعَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا وَيُمْكِنُ فِيهِ فِعْلُ الْجُمُعَةِ فَعَلَهَا وَإِلَّا قَضَى الظُّهْرَ (قَوْلُهُ: وَرَجَّحَ مِنْهُمَا الْأَوَّلُ) جَرَى عَلَيْهِ حَجّ (قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ الثَّانِي) أَيْ فَيُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ مِنْ حِينَئِذٍ وَهَذَا فَائِدَةُ الْخِلَافِ.
وَكَتَبَ سم عَلَى حَجّ مَا نَصُّهُ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا فِي وَقْتٍ يَسَعُهَا لَكِنَّهُ طَوَّلَ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ، أَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي وَقْتٍ لَا يَسَعُهَا جَاهِلًا بِأَنَّهُ لَا يَسَعُهَا فَالْوَجْهُ عَدَمُ انْعِقَادِهَا جُمُعَةً، وَهَلْ تَنْعَقِدُ ظُهْرًا أَوْ نَفْلًا مُطْلَقًا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالثَّانِي أَوْجَهُ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا فِي وَقْتٍ لَا يَقْبَلُهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْوَقْتِ جَاهِلًا فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ الشَّوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ وَالثَّانِي أَوْجَهُ لَا وَجْهَ لَهُ بَلْ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا فِي وَقْتٍ لَا يَقْبَلُهَا: أَيْ جُمُعَةً: أَيْ وَيَقْبَلُهَا ظُهْرًا فَتَنْعَقِدُ ظُهْرًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَقَوْلُهُ فَهُوَ إلَخْ مَمْنُوعٌ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ أَحْرَمَ بِهَا فِيمَا لَا يُقْبَلُ ظُهْرًا وَلَا جُمُعَةً، وَأَمَّا إذَا أَحْرَمَ بِهَا فِي وَقْتٍ
[حاشية الرشيدي]
أَنَّهُمْ لَوْ شَكُّوا فِيهِ وَجَبَتْ نِيَّةُ الظُّهْرِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ احْتِمَالًا) لَعَلَّهُ غَايَةٌ لِيَسَعَ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ كُلُّ شَرْطٍ اُخْتُصَّ بِالْجُمُعَةِ إلَخْ) لَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ حَيْثُ اُشْتُرِطَتْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَقَطْ مَعَ الِاخْتِصَاصِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا لِافْتِتَاحِهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ افْتِتَاحُ الْإِمَامِ قَبْلَ انْعِقَادِ الْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا وُقُوعُهَا فِي افْتِتَاحِ صَلَاةِ
فِي افْتِتَاحِهَا يَجِبُ اسْتِدَامَتُهُ إلَى تَمَامِهَا (بِنَاءً) عَلَى مَا فَعَلَ مِنْهَا فَيُسِرُّ بِقِرَاءَتِهِ مِنْ حِينَئِذٍ.
وَلَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ لِلظُّهْرِ وَإِتْمَامُهَا ظُهْرًا بِنَاءٌ مُتَحَتِّمٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا، وَمَالَ الْأَذْرَعِيُّ إلَى أَنَّهُمْ إنْ شَاءُوا أَتَمُّوهَا ظُهْرًا وَإِنْ شَاءُوا قَلَبُوهَا نَفْلًا وَاسْتَأْنَفُوا الظُّهْرَ.
وَقَالَ: إنَّ الْأَشْبَهَ فَرْضُ الْخِلَافِ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ وَعَدَمِهِ لَا تَحَتُّمُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ، وَهَلْ نَقُولُ الْبِنَاءُ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ إبْطَالِهَا أَوْ الِاسْتِئْنَافُ لِتَصِحَّ ظُهْرُهُ وِفَاقًا؟ الْأَقْرَبُ الثَّانِي إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ، وَحِينَئِذٍ يُقَلِّبُهَا نَفْلًا وَيُسَلِّمُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الظُّهْرَ انْتَهَى.
قَالَ الْغَزِّيِّ: وَقَوْلُهُمْ فِي تَعْلِيلِ الْبِنَاءِ إنَّهُمَا صَلَاتَا وَقْتٍ فَجَازَ بِنَاءُ أَطْوَلِهِمَا عَلَى أَقْصَرِهِمَا كَصَلَاةِ الْحَضَرِ مَعَ السَّفَرِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَوَازِ، نَعَمْ يَجِبُ الْبِنَاءُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ الظُّهْرِ أَوْ اُسْتُؤْنِفَتْ اهـ. قُلْت: كُلٌّ مِنْ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ وَالْغَزِّيِّ غَيْرُ مُتَأَتٍّ فِي مَسْأَلَتِنَا إذْ صُورَتُهَا أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ خَرَجَ وَهُمْ فِيهَا فَتَأَمَّلْ (وَفِي قَوْلٍ اسْتِئْنَافًا) فَيَنْوِي الظُّهْرَ حِينَئِذٍ وَيَنْقَلِبُ مَا فَعَلَ مِنْ الْجُمُعَةِ نَفْلًا أَوْ تَبْطُلُ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَوَّلُهُمَا، وَلَوْ شَكُّوا فِي خُرُوجِهِ فِي أَثْنَائِهَا لَمْ يُؤَثِّرْ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَلَوْ أَخْبَرَهُمْ عَدْلٌ بِخُرُوجِهِ فَفِي فَوْتِهَا احْتِمَالَانِ نَقَلَهُمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ ابْنِ الْمَرْزُبَانِ، أَوْجُهُهُمَا كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ فَوْتُهَا عَمَلًا بِخَبَرِ الْعَدْلِ كَمَا فِي غَالِبِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ هَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ الْمُوَافِقِ.
(وَ) أَمَّا (الْمَسْبُوقُ) الْمُدْرِكُ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً فَهُوَ (كَغَيْرِهِ) فِيمَا مَرَّ فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ سَلَامِهِ أَتَمَّ صَلَاتَهُ ظُهْرًا (وَقِيلَ يُتِمُّهَا جُمُعَةً) لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِجُمُعَةٍ صَحِيحَةٍ وَلَوْ سَلَّمُوا مِنْهَا أَوْ الْمَسْبُوقُ التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى خَارِجَ الْوَقْتِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِخُرُوجِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ كَالسَّلَامِ فِي أَثْنَاءِ الظُّهْرِ عَمْدًا، فَإِنْ كَانُوا جَاهِلِينَ أَتَمُّوهَا ظُهْرًا لِعُذْرِهِمْ، وَإِنَّمَا لَمْ يُحَطَّ عَنْ الْمَسْبُوقِ الْوَقْتُ فِيمَا يَتَدَارَكُهُ كَمَا حُطَّ عَنْهُ الْعَدَدُ
[حاشية الشبراملسي]
لَا يَسَعُهَا فَالْوَقْتُ قَابِلٌ لَا لِلْجُمُعَةِ.
وَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ إذَا انْتَفَى شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهَا كَفَوَاتِ الْعَدَدِ وَنَحْوِهِ وَقَعَتْ ظُهْرًا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الظُّهْرِ) قَضِيَّةُ نَفْيِ الِاحْتِيَاجِ جَوَازُ نِيَّةِ الظُّهْرِ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ، فَإِنَّ اسْتِئْنَافَ الظُّهْرِ يُصَيِّرُهُ قَضَاءً مَعَ إمْكَانِ وُقُوعِهِ أَدَاءً وَهُوَ لَا يَجُوزُ (قَوْلُهُ: كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَهَلْ نَقُولُ إلَخْ) مِنْ فُرُوعِ قَوْلِهِ وَمَالَ الْأَذْرَعِيُّ إلَخْ (قَوْلُهُ: إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ) يُتَأَمَّلُ مَعَ فَرْضِ الْكَلَامِ فِي أَنَّهُ خَرَجَ وَهُمْ فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ فِي قَوْلِهِ قُلْت إلَخْ (قَوْلُهُ: إنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ خَرَجَ وَهُمْ فِيهَا فَتَأَمَّلْ) أَيْ فَلَعَلَّ كَلَامَهُمَا مُصَوَّرٌ بِمَا لَوْ فَاتَ شَرْطٌ يَخْتَصُّ بِهَا قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا كَأَنْ نَقَصَ الْعَدَدُ فِي أَثْنَائِهَا فَإِنَّهُ يَبْطُلُ كَوْنُهَا جُمُعَةً وَتَنْقَلِبُ ظُهْرًا، وَيُقَالُ: الْأَفْضَلُ اسْتِئْنَافُهَا حِينَئِذٍ ظُهْرًا إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ، وَكَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِ الشَّارِحِ: وَلَوْ دَخَلَتْ طَائِفَةٌ فِي الْجُمُعَةِ فَأَخْبَرُوهُمْ بِأَنَّ طَائِفَةً إلَخْ (قَوْلُهُ: وَيَنْقَلِبُ مَا فَعَلَ مِنْ الْجُمُعَةِ نَفْلًا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، وَهُوَ مُشْكِلٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا نَفْلٌ بِدُونِ رَكْعَةٍ وَلَا بِهَا بِدُونِ تَشَهُّدٍ أَوْ سَلَامٍ، فَيُحْتَمَلُ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَنْقَلِبُ نَفْلًا فَيُتِمُّهَا رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ، وَيُحْتَمَلُ انْقِلَابُهَا مِنْ الْآنِ فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا فَعَلَهُ، وَيَخُصُّ كَوْنَ الصَّلَاةِ لَا تَكُونُ بِدُونِ تَشَهُّدٍ وَسَلَامٍ بِالِاخْتِيَارِ وَهَذِهِ لِلْعُذْرِ فِيهَا لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانُوا جَاهِلِينَ أَتَمُّوهَا ظُهْرًا) أَيْ وَسَجَدُوا لِلسَّهْوِ لِفِعْلِهِمْ مَا يَبْطُلُ عَمْدُهُ (قَوْلُهُ كَمَا حُطَّ عَنْهُ الْعَدَدُ) قَدْ يُقَالُ: لَمْ يُحَطَّ الْعَدَدُ عَنْ الْمَسْبُوقِ لِأَنَّ مَعْنَى اعْتِبَارِ الْعَدَدِ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ عَلَى الصِّحَّةِ، وَانْفِرَادُ
[حاشية الرشيدي]
الْمَأْمُومِينَ فَإِنَّمَا هُوَ لِضَرُورَةِ تَقَدُّمِ افْتِتَاحِ الْإِمَامِ الْمُشْتَرَطِ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَرْضُ الْخِلَافِ إلَخْ) أَيْ فَالْقَوْلُ الثَّانِي يَقُولُ: يَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ وَلَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَقُولُ: بَلْ يَجُوزُ الْبِنَاءُ: أَيْ مَعَ الِاسْتِئْنَافِ (قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ) رَاجِعٌ لِلْمَنْفِيِّ وَالضَّمِيرُ فِي لَفْظِهِ لِلْمِنْهَاجِ (قَوْلُهُ: كُلٌّ مِنْ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ وَالْغَزِّيِّ غَيْرُ مُتَأَتٍّ) يَعْنِي آخِرَ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ وَالِاسْتِدْرَاكُ الَّذِي اسْتَدْرَكَهُ الْغَزِّيِّ وَإِلَّا فَصَدْرُ كَلَامِهِمَا مُتَأَتٍّ.
لِكَوْنِهِ تَابِعًا لِأَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّرْعِ بِرِعَايَةِ الْوَقْتِ أَكْثَرُ بِدَلِيلِ اخْتِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الِانْفِضَاضِ الْمُخِلِّ بِالْجَمَاعَةِ وَعَدَمِ اخْتِلَافِهِ فِي فَوَاتِ الْجُمُعَةِ بِوُقُوعِ شَيْءٍ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ خَارِجَ الْوَقْتِ وَبِدَلِيلِ تَوَقُّفِ صِحَّةِ الصَّلَوَاتِ عَلَى دُخُولِ وَقْتِهَا وَحُرْمَةِ تَأْخِيرِهَا عَنْهُ بِخِلَافِ الْقُدْوَةِ وَالْعَدَدِ.
وَلَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ الْأُولَى وَتِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ فِيهِ وَسَلَّمَهَا الْبَاقُونَ خَارِجَهُ صَحَّتْ جُمُعَةُ الْإِمَامِ وَمَنْ مَعَهُ فَقَطْ دُونَ الْمُسَلِّمِينَ خَارِجَهُ فَلَا تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ، وَكَذَا جُمُعَةُ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ لَوْ نَقَصُوا عَنْ أَرْبَعِينَ كَأَنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ فِيهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَعَهُ أَوْ بَعْضُهُمْ خَارِجَهُ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ لَهُ وَحْدَهُ فِيمَا لَوْ كَانُوا مُحْدِثِينَ دُونَهُ لِأَنَّ سَلَامَهُمْ وَقَعَ فِي الْوَقْتِ فَتَمَّتْ فِيهِ صُورَةُ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَلِأَنَّ الْمُحْدِثَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي الْجُمْلَةِ فِيمَا إذَا فَقَدَ الطَّهُورَيْنِ، بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ خَارِجَ الْوَقْتِ، وَلِأَنَّهُ هُنَا مُقَصِّرٌ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ بَعْضِهَا عَنْ الْوَقْتِ، بِخِلَافِهِ فِي تِلْكَ فَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ بَلْ سَلَّمَ فِي الْوَقْتِ فَأَخَّرُوا إلَى أَنْ خَرَجَ الْوَقْتُ اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ إلْحَاقًا لِلْفَرْدِ النَّادِرِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَلْزَمَ فِيهَا صِحَّةُ جُمُعَتِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَهُوَ أَوْجَهُ، هَذَا وَالْمُعْتَمَدُ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ.
(الثَّانِي) مِنْ الشُّرُوطِ (أَنْ) (تُقَامَ فِي خِطَّةِ أَبْنِيَةٍ) التَّعْبِيرُ بِهَا لِلْجِنْسِ فَيَشْمَلُ الْوَاحِدَ إذَا كَثُرَ فِيهِ عَدَدٌ مُعْتَبَرٌ كَمَا لَا يَخْفَى (أَوْطَانِ الْمُجَمِّعِينَ) لِتَشْدِيدِ الْمِيمِ: أَيْ الْمُصَلِّينَ لَهَا سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَبْنِيَّةً لِطِينٍ أَوْ قَصَبٍ أَمْ سَعَفٍ أَمْ غَيْرِهَا أَمْ أَسْرَابًا وَهِيَ بُيُوتٌ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهَا لَمْ تَقُمْ فِي عَصْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ إلَّا
[حاشية الشبراملسي]
الْمَسْبُوقِ عَنْ الْجَمَاعَةِ بِعَدَمِ سَلَامِ الْإِمَامِ كَانْفِرَادِ الْمُوَافِقِ لَوْ نَوَى الْمُفَارَقَةَ بَعْدَ تَمَامِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَطَوَّلَ فِي قِرَاءَتِهِ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ وَذَلِكَ غَيْرُ مُضِرٍّ، وَالْمُوَافِقُ وَالْمَسْبُوقُ فِي هَذَا الْحُكْمِ سَوَاءٌ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِكَوْنِهِ تَابِعًا) أَيْ الْمَسْبُوقُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْقُدْوَةِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ: فِيهِ) أَيْ الْوَقْتِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ) أَيْ ثُمَّ إنْ سَلَّمُوا عَالِمِينَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ وَإِلَّا فَلَا تَبْطُلُ وَيُتِمُّونَهَا ظُهْرًا إنْ عَلِمُوا بِالْحَالِ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا صَحَّتْ لَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: فِيمَا لَوْ كَانُوا مُحْدِثِينَ) وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي: وَلَوْ بَانَ الْإِمَامُ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا إلَخْ (قَوْلُهُ: فَإِنْ فَرَضَ أَنَّهُ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْجَوَابِ الثَّالِثِ (قَوْلُهُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ) أَيْ مِنْ الْبُطْلَانِ (قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ) أَيْ مِنْ بُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَمَنْ مَعَهُ حَيْثُ نَقَصُوا عَنْ الْأَرْبَعِينَ.
(قَوْلُهُ: فِي خِطَّةِ أَبْنِيَةٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَهِيَ أَرْضٌ يَخْتَطُّهَا الرَّجُلُ بِأَنْ يُعَلِّمَ عَلَيْهَا عَلَامَةً بِالْخَطِّ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ اخْتَارَهَا لِيَبْنِيَهَا دَارًا، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ انْتَهَى شَرْحُ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلَهُ فِي خِطَّةٍ إلَخْ: لَوْ أَحْرَمَ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ خَارِجَ الْخِطَّةِ بِالظُّهْرِ وَأَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ دَاخِلَ الْخِطَّة أَرْبَعُونَ مُقْتَدُونَ فَهَلْ تَصِحُّ الْجُمُعَةُ أَوْ أَحْرَمَ أَرْبَعُونَ بِالْجُمُعَةِ فِي قَرْيَتِهِمْ مُقْتَدِينَ بِإِمَامِ جُمُعَةٍ أُخْرَى تُقَامُ بَقَرِيَّة أُخْرَى بِقُرْبِ قَرْيَتِهِمْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ وَعَدَمِ الْحَائِلِ فَهَلْ تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ فِي الصُّورَتَيْنِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ عِنْدِي صِحَّتُهَا فِيهِمَا انْتَهَى.
وَفِي حَجّ الْجَزْمُ بِالصِّحَّةِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ.
(قَوْلُهُ: أَمْ أَسْرَابًا) فِي جَعْلِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْبِنَاءِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ مَا يَشْمَلُ ذَلِكَ إمَّا بِجَعْلِهِ بِنَاءً تَجَوُّزًا أَوْ بِإِطْلَاقِ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ تَغْلِيبًا، وَعِبَارَةُ حَجّ التَّعْبِيرُ بِالْبِنَاءِ وَبِالْجَمْعِ لِلْغَالِبِ، إذْ نَحْوُ الْغِيرَانِ وَالسَّرَادِيبِ فِي نَحْوِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِأَنَّ سَلَامَهُمْ وَقَعَ فِي الْوَقْتِ إلَخْ) هَذَا فَرْقٌ بِعَيْنِ الْمَسْأَلَةِ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ هُنَا مُقَصِّرٌ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَخْ) أَيْ بِتَسَبُّبِهِ بِالتَّأْخِيرِ الْمُؤَدِّي إلَى خُرُوجِ سَلَامِ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ خَارِجَ الْوَقْتِ، وَإِلَّا فَصَلَاتُهُ هُوَ وَقَعَتْ جَمِيعًا فِي الْوَقْتِ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْمُحْدِثَ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَفَارَقَ ذَلِكَ مَا لَوْ بَانَ حَدَثُ غَيْرِ الْإِمَامِ فَإِنَّهَا تَقَعُ لَهُ جُمُعَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ تَصِحُّ مَعَ الْمُحْدِثِ فِي الْجُمْلَةِ كَصَلَاةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَلَا كَذَلِكَ خَارِجَ الْوَقْتِ، فَكَانَ ارْتِبَاطُهَا بِهِ أَتَمَّ مِنْهُ بِالطَّهَارَةِ (قَوْلُهُ: بَلْ سَلَّمَ فِي الْوَقْتِ) أَيْ مَعَ اتِّسَاعِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدُ فَأَخَّرُوا إلَخْ وَإِلَّا فَالْمَسْأَلَةُ قَبْلَهَا لِذَلِكَ
فِي دَارِ الْإِقَامَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا مَسْجِدٌ، وَلَوْ انْهَدَمَتْ أَوْ أُحْرِقَتْ وَأَقَامَ أَهْلُهَا عَلَى عِمَارَتِهَا وَلَوْ فِي غَيْرِ مَظَالٍّ لَمْ يُقْدَحْ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ، وَلَا تَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ بِنَاءٍ إلَّا فِي هَذِهِ، وَفَارَقَ مَا لَوْ نَزَلُوا مَكَانًا وَأَقَامُوا فِيهِ لِيُعَمِّرُوهُ قَرْيَةً حَيْثُ لَا تَصِحُّ فِيهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ بِاسْتِصْحَابِ الْأَصْلِ فِي الْحَالَيْنِ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ خِطَّةٌ وَهِيَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَرْضٌ خُطَّ عَلَيْهَا أَعْلَامٌ لِلْبِنَاءِ فِيهَا الْفَضَاءُ الْمَعْدُودُ مِنْ الْأَبْنِيَةِ الْمُجْتَمِعَةِ بِأَنْ كَانَ فِي مَحَلٍّ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَعْدُودِ مِنْهَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ الْمَنْعَ فِي الْكِنِّ الْخَارِجِ عَنْهَا، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَعْدُودِ مِنْهَا بَيْنَ الْمُتَّصِلِ بِالْأَبْنِيَةِ وَالْمُنْفَصِلِ عَنْهَا كَمَا بَحَثَهُ السُّبْكِيُّ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ، وَاسْتَحْسَنَهُ الْأَذْرَعِيُّ قَالَ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْقُرَى يُؤَخِّرُونَ الْمَسْجِدَ عَنْ جِدَارِ الْقَرْيَةِ قَلِيلًا صِيَانَةً عَنْ نَجَاسَةِ الْبَهَائِمِ، وَعَدَمُ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ فِيهِ بَعِيدٌ، وَقَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ: قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ بَنَى أَهْلُ الْقَرْيَةِ مَسْجِدَهُمْ خَارِجَهَا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ لِانْفِصَالِهِ عَنْ الْبُنْيَانِ مَحْمُولٌ عَلَى انْفِصَالٍ لَا يُعَدُّ بِهِ مِنْ الْقَرْيَةِ انْتَهَى.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الضَّابِطَ فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ بِحَيْثُ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ قَبْلَ مُجَاوَزَتِهِ، وَلَوْ أُقِيمَتْ الْجُمُعَةُ
[حاشية الشبراملسي]
الْجَبَلِ كَذَلِكَ انْتَهَى (قَوْلُهُ: فِي دَارِ الْإِقَامَةِ) أَيْ وَكَانَتْ أَبْنِيَةً.
(قَوْلُهُ: أَوْ أُحْرِقَتْ وَأَقَامَ أَهْلُهَا عَلَى عِمَارَتِهَا) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ غَيْرُ أَهْلِهَا لِعِمَارَتِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ إقَامَتُهَا فِيهَا إذْ لَا اسْتِصْحَابَ فِي حَقِّهِمْ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى سم عَلَى حَجّ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ مَا لَوْ أَقَامَ أَوْلِيَاؤُهُمْ عَلَى الْعِمَارَةِ وَهُمْ عَلَى نِيَّةِ عَدَمِهَا أَوْ الْعَكْسِ هَلْ الْعِبْرَةُ بِنِيَّةِ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ نِيَّتِهِمْ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ وُجُودًا وَعَدَمًا، لِأَنَّ غَيْرَ الْكَامِلِ لَا اعْتِدَادَ بِنِيَّتِهِ.
وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ كَانَ ثَمَّ أَرْبَعُونَ كَامِلُونَ مُسْتَوْطِنُونَ فَتَصِحُّ الْجُمُعَةُ مِنْهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ تَبَعًا لَهُمْ، وَإِنْ قُلْنَا الْعِبْرَةُ بِنِيَّةِ غَيْرِ الْكَامِلِينَ لِكَوْنِ الْقَرْيَةِ مِلْكَهُمْ لَا تَصِحُّ مِنْ الْكَامِلِينَ إذَا فَعَلُوا وَأَمَّا غَيْرُ الْكَامِلِينَ إذَا فَعَلُوهَا اسْتِقْلَالًا لَمْ تَنْعَقِدْ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ.
أَيْضًا مَا لَوْ اخْتَلَفَتْ نِيَّةُ الْكَامِلِينَ فَبَعْضُهُمْ نَوَى الْإِقَامَةَ وَبَعْضُهُمْ نَوَى عَدَمَهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِنِيَّةِ مَنْ نَوَى الْبِنَاءَ وَكَانَ غَيْرُهُمْ مَعَهُمْ جَمَاعَةً أَغْرَابُ دَخَلُوا بَلْدَةَ غَيْرِهِمْ فَتَصِحُّ مِنْهُمْ تَبَعًا لِأَهْلِ الْبَلَدِ (قَوْلُهُ عَلَى عِمَارَتِهَا) أَيْ أَوْ أَطْلَقُوا (قَوْلُهُ: حَيْثُ لَا تَصِحُّ فِيهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ) وَانْظُرْ مَا ضَابِطُ الْبِنَاءِ هُنَا هَلْ هُوَ مَا يُسَمَّى بِنَاءً عُرْفًا أَوْ هُوَ تَهْيِئَتُهُ لِلسُّكْنَى أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَ فِي مَحَلٍّ لَا تُقْصَرُ فِيهِ) أَيْ فَتَصِحُّ فِيهِ اسْتِقْلَالًا وَتَبَعًا هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ إنْ كَانُوا بِمَكَانٍ لَا يَقْصُرُ فِيهِ مَنْ سَافَرَ إلَخْ مُجَرَّدُ تَصْوِيرٍ (قَوْلُهُ: قَالَ) أَيْ الْأَذْرَعِيُّ.
(قَوْلُهُ: وَعَدَمُ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ فِيهِ بَعِيدٌ) مَا لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا بِالْعُمْرَانِ ثُمَّ خَرِبَ مَا حَوَالَيْهِ وَصَارَ مُنْفَصِلًا عَنْ الْعِمَارَةِ هَلْ تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيَّنُ صِحَّتُهَا فِيهِ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهِمَا مِنْ الْبَلَدِ أَوَّلًا، وَطُرُوُّ الْخَرَابِ لَا يَمْنَعُ نِسْبَتَهُ إلَيْهَا، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ وَابْنِ الْبَزْرِيِّ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ انْتَصَرَ لَهُمَا جَمْعٌ وَمَنَعُوا جَوَازَ التَّرَخُّصِ قَبْلَ مُجَاوَزَتِهِ، وَأَطَالَ فِي بَيَانِهِ لَكِنَّهُ نَظَرَ فِيهِ وَمَالَ إلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَرَابِ الْمُتَخَلَّلِ بِالْعُمْرَانِ فَلْيُرَاجَعْ، ثُمَّ رَأَيْت مَا يَأْتِي فِي قَوْلِ الشَّارِحِ: وَلَا فَرْقَ فِي عَدَمِ صِحَّةِ إقَامَتِهَا إلَخْ (قَوْلُهُ: قَبْلَ مُجَاوَزَتِهِ) أَيْ وَالْمَسْجِدِ حَيْثُ نُسِبَ لِلْبَلَدِ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْقَصْرِ مُجَاوَزَتُهُ كَبَعْضِ الْبُيُوتِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْ الْبَلَدِ.
وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ بَعْدَ مِثْلِ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ نَقْلًا عَنْهُ: فَعَلَى هَذَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَرَاكِبِ الرَّاسِيَةِ بِسَاحِلِ بُولَاقَ تَبَعًا لِمَنْ بِالْمَدْرَسَةِ الْبَاشِيَّةِ إذَا كَانُوا أَرْبَعِينَ، لِأَنَّ الْمَرَاكِبَ لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِيهَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ سَيْرِهَا كَمَا تَقَرَّرَ فِي بَابِ الْقَصْرِ.
وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الْحَرِيمَ لَا تَجُوزُ الْجُمُعَةُ فِيهِ إلَّا تَبَعًا لِأَرْبَعَيْنِ فِي الْخُطْبَةِ، وَغَيْرُ الْحَرِيمِ لَا تَجُوزُ فِيهِ مُطْلَقًا، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَوْجَهُ صِحَّةُ الْجُمُعَةِ تَبَعًا وَاسْتِقْلَالًا فِي كُلِّ مَا لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ قَبْلَ مُجَاوَزَتِهِ ثُمَّ سَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَوَافَقَ عَلَى هَذَا الَّذِي قُلْنَا إنَّهُ الْوَجْهُ ثُمَّ قَرَّرَهُ مِرَارًا انْتَهَى.
سُئِلَ عَنْ قَرْيَةٍ لَهَا سُورٌ وَلَا يَكْمُلُ الْعَدَدُ إلَّا بِمَنْ هُوَ دَاخِلَهُ وَخَارِجَهُ، فَهَلْ تَلْزَمُ الْكُلَّ وَتَجُوزُ إقَامَتُهَا دَاخِلَ السُّورِ وَخَارِجَهُ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِي مَحَلٍّ تَصِحُّ فِيهِ وَامْتَدَّتْ الصُّفُوفُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَوَرَاءَ مَعَ الِاتِّصَالِ الْمُعْتَبَرِ حَتَّى خَرَجَتْ إلَى خَارِجِ الْقَرْيَةِ مَثَلًا صَحَّتْ جُمُعَةُ الْخَارِجِينَ إنْ كَانُوا بِمَكَانٍ لَا يَقْصِرُ فِيهِ مَنْ سَافَرَ مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَشَمَلَ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ وَإِلَّا فَلَا تَصِحُّ لِكَوْنِهَا فِي غَيْرِ خِطَّةِ أَبْنِيَةِ أَوْطَانِهِمْ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ كَالصَّرِيحِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا فَرْقَ فِي عَدَمِ صِحَّةِ إقَامَتِهَا فِي مَحَلٍّ يُتَرَخَّصُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَبْنِيَ مَحَلَّ إقَامَتِهَا مُنْفَصِلًا عَنْ الْبَلَدِ وَأَنْ يَطْرَأَ انْفِصَالُهُ عَنْهَا لِخَرَابِ مَا بَيْنَهُمَا، خِلَافًا لِمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الصِّحَّةِ فِي الشِّقِّ الثَّانِي حَيْثُ قَالَ: إنَّهُ إذَا كَانَ الْبَلَدُ كَبِيرًا وَخُرِّبَ مَا حَوَالَيْ الْمَسْجِدِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ حُكْمُ الْوَصْلَةِ فَتَجُوزُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْسَخٌ.
(وَلَوْ) (لَازَمَ أَهْلُ الْخِيَامِ
[حاشية الشبراملسي]
وَكَلَامُهُمْ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَجُوزُ لَهُمْ إقَامَتُهَا خَارِجَ السُّورِ لِجَوَازِ الْقَصْرِ لِمُجَاوَزَتِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ بُنْيَانٌ، لَكِنَّ سُكْنَى بَعْضِهِمْ خَارِجَهُ لَا تَمْنَعُ كَوْنَهُ مِنْ الْمُقِيمِينَ الْمُسْتَوْطِنِينَ فَيَتِمُّ الْعَدَدُ بِهِ إذَا أُقِيمَتْ دَاخِلَهُ.
أَمَّا إذَا كَانَ خَارِجَهُ أَرْبَعُونَ فَأَكْثَرَ وَدَاخِلَهُ كَذَلِكَ فَتَصِحُّ لِلْخَارِجِينَ عَنْهُ حَيْثُ عَسُرَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَكَان دَاخِلَهُ لِأَنَّهُ مَحَلُّ إقَامَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ لِلدَّاخِلِينَ مَحَلَّ سَفَرٍ انْتَهَى.
وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ: قَالُوا لَا بُدَّ فِي إقَامَةِ الْجُمُعَةِ أَنْ تَكُونَ فِي مَحَلٍّ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فِيهِ، فَهَلْ إذَا أَقَامَهَا مَنْ دُورُهُمْ خَارِجَ السُّورِ وَتَكَمَّلُوا بِوَاحِدٍ مِمَّنْ دَارُهُ دَاخِلَ السُّورِ تَنْعَقِدُ بِهِ أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِ لِأَنَّهُ فِي مَحَلٍّ يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ فِيهِ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَالْمُسَافِرِ إذْ لَيْسَ هُوَ دَارَ إقَامَتِهِ، وَلَوْ دَخَلَ مِنْ دَارِهِ خَارِجَ السُّورِ إلَى دَاخِلِهِ انْعَقَدَتْ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ عَلَى مَا أَفْتَيْت بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ السَّفَرَ وَاحْتَاجَ إلَى قَطْعٍ دَاخِلَ السُّورِ لِكَوْنِهِ فِي مَقْصِدِهِ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ السُّورِ ثُمَّ يُجَاوِزَ الْعُمْرَانَ الَّذِي وَرَاءَهُ، لِأَنَّ السُّورَ لَا عِبْرَةَ بِهِ فِي حَقِّهِ، وَإِنَّمَا الْعُمْرَانُ الَّذِي خَارِجَهُ كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ دَارُ إقَامَتِهِ انْتَهَى ابْنُ حَجَرٍ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانُوا بِمَكَانٍ لَا يَقْصُرُ فِيهِ) دَخَلَ فِيهِ مَا لَوْ أُقِيمَتْ الْجُمُعَةُ فِي قَرْيَةٍ وَاقْتَدَى بِإِمَامِهَا أَهْلُ قَرْيَةٍ أُخْرَى مُنْفَصِلَةٍ عَنْهَا عُرْفًا فَلَا تَصِحُّ جُمُعَةُ الْقَرْيَةِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ مَنْ سَافَرَ مِنْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ إلَى تِلْكَ الْقَرْيَةِ جَازَ الْقَصْرُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، لَكِنَّ صَمَّمَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ عَلَى الصِّحَّةِ وَذَكَرَ أَنَّهُ مَنْقُولٌ فَلْيُرَاجَعْ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجَرٍ عَلَى الْمِنْهَاجِ مَا نَصُّهُ: وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ هُنَا فِي خِطَّةِ أَبْنِيَةٍ وَفِيمَا يَأْتِي بِأَرْبَعِينَ أَنَّ شَرْطَهُ الصِّحَّةُ كَوْنُ الْأَرْبَعِينَ فِي الْخِطَّةِ وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ خُرُوجُ مَنْ عَدَاهُمْ عَنْهَا فَيَصِحُّ رَبْطُ صَلَاتِهِمْ الْجُمُعَةَ بِصَلَاةِ إمَامِهَا لِشَرْطِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَكَلَامُهُمْ فِي شُرُوطِ الْقُدْوَةِ الْمَكَانِيَّةِ يَقْتَضِيهِ أَيْضًا، فَعَلَيْهِ لَوْ اقْتَدَى أَهْلُ بَلَدٍ سَمِعُوا وَهُمْ بِبَلَدِهِمْ بِإِمَامِ الْجُمُعَةِ فِي بَلْدَةٍ وَتَوَفَّرَتْ شُرُوطُ الِاقْتِدَاءِ جَازَ انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى أَبِي شُجَاعٍ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَنْ تُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بِمَا نَصُّهُ: أَرْبَعِينَ فَأَكْثَرَ مِنْ أَهْلِ الِانْعِقَادِ وَإِنْ كَانَ إمَامُهَا الزَّائِدُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ خَارِجًا عَمَّا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُ لِلْقَصْرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بِأَنْ اقْتَدُوا بِمَنْ لَا تَلْزَمُهُ وَقَدْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ وَنَوَى غَيْرَهَا أَوْ اقْتَدَى بِمَنْ فِي قَرْيَةِ أُخْرَى حَيْثُ وُجِدَتْ شُرُوطُ الِاقْتِدَاءِ بِهِمَا مِنْ الْقُرْبِ وَعَدَمِ الْحَيْلُولَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ نَقْلًا عَنْ حَوَاشِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ.
(قَوْلُهُ: مَنْ سَافَرَ مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ) أَفْهَمَ أَنَّهُ لَوْ اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ إلَى فَضَاءٍ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِيهِ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِيهِ لَا تَبَعًا وَلَا اسْتِقْلَالًا، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ الشَّارِحِ طب، لَكِنَّهُ نُقِلَ عَنْ ع احْتِمَالًا بِخِلَافِهِ، وَجَرَى ابْنُ حَجَرٍ عَلَى صِحَّةِ جُمُعَةِ الْخَارِجِينَ تَبَعًا حَيْثُ زَادُوا عَلَى الْأَرْبَعِينَ (قَوْلُهُ: وَشَمَلَ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ) أَيْ مِنْ أَنَّ الْقَضَاءَ الْمَعْدُودَ مِنْ الْأَبْنِيَةِ الْمُجْتَمِعَةِ بِأَنْ كَانَ فِي مَحَلٍّ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ تَصِحُّ فِيهِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَزُلْ عَنْهُ حُكْمُ الْوَصْلَةِ) وَجَرَى
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: مَعَ الِاتِّصَالِ الْمُعْتَبَرِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ الْمُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ الْقُدْوَةِ الْمَارُّ فِي بَابِ الْجَمَاعَةِ، وَإِلَّا فَالْجُمُعَةُ لَا يُعْتَبَرُ لَهَا اتِّصَالٌ خَاصٌّ، عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِفْتَاءَ يُوهِمُ أَنَّ هَذَا التَّصْوِيرَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ لَوْ أُنْشِئَتْ الْجُمُعَةُ فِي هَذَا
الصَّحْرَاءَ) أَيْ مَوْضِعًا مِنْهَا كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ (أَبَدًا) وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ النِّدَاءُ مِنْ مَحَلِّ الْجُمُعَةِ (فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ) وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمْ (فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ الْمُقِيمِينَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ بِهَا.
وَالثَّانِي تَجِبُ وَيُقِيمُونَهَا فِي مَوْضِعِهِمْ لِأَنَّ الصَّحْرَاءَ وَطَنُهُمْ، فَإِنْ بَلَغَهُمْ النِّدَاءُ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَلَوْ لَمْ يُلَازِمُوهُ أَبَدًا بِأَنْ انْتَقَلُوا عَنْهُ فِي الشِّتَاءِ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ جُمُعَةٌ جَزْمًا وَلَمْ تَصِحَّ مِنْهُمْ فِي مَوْضِعِهِمْ جَزْمًا.
(الثَّالِثُ) مِنْ الشُّرُوطِ (أَنْ لَا يَسْبِقَهَا وَلَا يُقَارِنَهَا جُمُعَةٌ فِي بَلْدَتِهَا) وَإِنْ كَانَتْ عَظِيمَةً وَكَثُرَتْ مَسَاجِدُهَا، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ لَمْ يُقِيمُوا سِوَى جُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدَةٍ أَفْضَى إلَى الْمَقْصُودِ مِنْ إظْهَارِ شِعَارِ الِاجْتِمَاعِ وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ (إلَّا إذَا كَبُرَتْ) أَيْ الْبَلَدُ (وَعَسُرَ اجْتِمَاعُهُمْ) يَقِينًا عَادَةً (فِي مَكَانِ) مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ تَعَدُّدُهَا بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ دَخَلَ بَغْدَادَ وَأَهْلُهَا يُقِيمُونَ بِهَا جُمُعَتَيْنِ وَقِيلَ ثَلَاثًا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، فَحَمَلَهُ الْأَكْثَرُ عَلَى عُسْرِ الِاجْتِمَاعِ قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: أَوْ بَعُدَتْ أَطْرَافُ الْبَلَدِ أَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَالْأَوَّلُ مُحْتَمَلٌ إنْ كَانَ الْبَعِيدُ بِمَحَلٍّ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ نِدَاؤُهَا لِشُرُوطِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ كَانَ بِمَحَلٍّ لَوْ خَرَجَ مِنْهُ عَقِبَ الْفَجْرِ لَمْ يُدْرِكْهَا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَيْهَا إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ كَمَا مَرَّ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ اجْتَمَعَ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلِّ الْبَعِيدِ كَذَلِكَ أَرْبَعُونَ صَلَّوْا الْجُمُعَةَ وَإِلَّا فَالظُّهْرَ، وَالثَّانِي ظَاهِرٌ أَيْضًا فَكُلُّ فِئَةٍ بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ يَلْزَمُهَا إقَامَةُ الْجُمُعَةِ، وَهَلْ الْمُرَادُ اجْتِمَاعُ مَنْ تَلْزَمُهُ أَوْ مَنْ تَصِحُّ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ أَنَّهُ
[حاشية الشبراملسي]
مَنْ قَالَ بِذَلِكَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْقَصْرِ قَبْلَ مُجَاوَزَتِهِ إلْحَاقًا لِمَا بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْعُمْرَانِ بِالْخَرَابِ الْمُتَخَلِّلِ بَيْنَ عُمْرَانِ الْبَلَدِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ بَلَغَهُمْ النِّدَاءُ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ) أَيْ سَوَاءٌ كَانُوا بِنَفْسِ الْخِيَامِ أَمْ بِمَا يُنْسَبُ إلَيْهَا كَمَرَافِقِهَا فَيَجِبُ الْحُضُورُ وَإِنْ بَعُدَ عَنْ الْخِيَامِ فِيمَا يَظْهَرُ لِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهَا وَعَدِّهِ مِنْهَا، وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي الْقَرْيَتَيْنِ (قَوْلُهُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ) أَيْ بِمَحَلِّهِمْ أَمَّا غَيْرُهُ فَإِنْ بَلَغَهُمْ مِنْهُ النِّدَاءُ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُقَارِنُهَا جُمُعَةٌ فِي بَلْدَتِهَا) . [فَرْعٌ] لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ خُطْبَتَانِ مُحْتَاجٌ إلَيْهِمَا ثُمَّ أَرَادَ شَخْصٌ آخَرُ إحْدَاثَ خُطْبَةٍ ثَالِثَةٍ فَهَلْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إنْشَائِهَا وُقُوعُ خَلَلٍ فِيهَا لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ هِيَ السَّابِقَةَ عَلَى غَيْرِهَا، وَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ تَكْثُرَ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ وَيَحْتَاجُونَ لِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ أَنْ يُقَالَ: يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ خَلَلٍ فِيهَا لِسَبْقِهَا لَكِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى خَلَلٍ فِي الْقَدِيمَتَيْنِ إنْ وَقَعَتَا مَعًا بَعْدَ الْحَادِثَةِ أَوْ بُطْلَانِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إنْ تَرَتَّبَتَا، وَاحْتِمَالُ كَثْرَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ بِحَيْثُ يَحْتَاجُونَ إلَى ذَلِكَ الْأَصْلُ عَدَمُهُ وَلَا يُتْرَكُ الْأَمْرُ الْحَاصِلُ لِلْمُتَوَهِّمِ.
(قَوْلُهُ: فِي مَكَانِ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْمَسْجِدِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَسْجِدَانِ وَكَانَ أَهْلُ الْبَلَدِ إذَا صَلَّوْا فِيهِمَا وَسِعَاهُمْ مَعَ التَّعَدُّدِ وَكَانَ هُنَاكَ مَحَلٌّ مُتَّسَعٌ كَزَرِيبَةٍ مَثَلًا إذَا صَلَّوْا فِيهِ لَا يَحْصُلُ التَّعَدُّدُ هَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ فِعْلُهَا فِي الْأَوَّلَيْنِ أَوْ الثَّانِيَةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي حِرْصًا عَلَى عَدَمِ التَّعَدُّدِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ) مِنْ كَلَامِ م ر (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي ظَاهِرٌ أَيْضًا) هُوَ
[حاشية الرشيدي]
الْمَوْضِعِ ابْتِدَاءً فَهِيَ مُنْعَقِدَةٌ كَمَا عُلِمَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مَوْضِعًا مِنْهَا) أَيْ وَإِلَّا فَالْمَتْنُ صَادِقٌ بِمَا إذَا كَانُوا يَنْتَقِلُونَ فِي الصَّحْرَاءِ مِنْ مَوْضِعٍ لِمَوْضِعٍ إذْ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ مُلَازِمُونَ لِلصَّحْرَاءِ: أَيْ لَمْ يَسْكُنُوا الْعُمْرَانَ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ كَانَ بِمَحَلٍّ وَخَرَجَ مِنْهُ عَقِبَ الْفَجْرِ لَمْ يُدْرِكْهَا) أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يُدْرِكُهَا فَلَا يَجُوزُ التَّعَدُّدُ وَيَجِبُ السَّعْيُ لِمَحَلِّهَا: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ النِّدَاءَ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَةِ هَذَا بِمَا قَبْلَهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ بِبَلَدِ الْجُمُعَةِ فَفَارَقَ اشْتِرَاطَ السَّمْعِ فِي الْخَارِجِ عَنْ الْبَلَدِ وَكَانَ غَرَضُهُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ قَبْلَهُ: وَالْأَوَّلُ مُحْتَمَلٌ إنْ كَانَ الْبَعِيدُ إلَخْ أَنَّ كَلَامَ الْأَنْوَارِ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى إطْلَاقِهِ، فَيُحْتَمَلُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَسْمَعْ النِّدَاءَ، وَيَحْتَمِلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ تَقْيِيدُهُ بِمَحَلٍّ لَوْ خَرَجَ مِنْهُ عَقِبَ الْفَجْرِ إلَخْ (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) لَمْ يَمُرَّ هَذَا فِي كَلَامِهِ وَهُوَ تَابِعٌ فِي الْإِحَالَةِ لِلشِّهَابِ حَجّ، لَكِنَّ ذَاكَ قَدَّمَهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقَبْلَ الزَّوَالِ
لَا يَفْعَلُهَا أَوْ مَنْ يَفْعَلُهَا فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ غَالِبًا كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَلَعَلَّ أَقْرَبَهَا الْأَخِيرُ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَقِيلَ لَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ) وَتُحْتَمَلُ فِيهَا الْمَشَقَّةُ فِي الِاجْتِمَاعِ، وَاقْتَصَرَ فِي التَّنْبِيهِ كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَمُتَابِعِيهِ عَلَى هَذَا وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ، وَسُكُوتُ الشَّافِعِيِّ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُنْكِرُ عَلَى مُجْتَهِدٍ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالتَّعَدُّدِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَهَذَا بَعِيدٌ، ثُمَّ انْتَصَرَ لَهُ وَصَنَّفَ فِيهِ أَرْبَعُ مُصَنَّفَاتٍ وَقَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ مَذْهَبًا وَدَلِيلًا.
(وَقِيلَ إنْ حَالَ نَهْرٌ عَظِيمٌ) يُحْوِجُ إلَى سِبَاحَةٍ (بَيْنَ شِقَّيْهَا) كَبَغْدَادَ (كَانَا) أَيْ الشِّقَّانِ (كَبَلَدَيْنِ) فَيُقَامُ فِي كُلِّ شِقٍّ جُمُعَةٌ (وَقِيلَ إنْ كَانَتْ) أَيْ الْبَلْدَةُ (قُرًى) مُتَفَاصِلَةً (فَاتَّصَلَتْ) أَبْنِيَتُهَا (تَعَدَّدَتْ الْجُمُعَةُ بِعَدَدِهَا) فَيُقَامُ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ جُمُعَةٌ كَمَا كَانَ، (فَلَوْ سَبَقَهَا جُمُعَةٌ) فِي مَوْضِعٍ يَمْتَنِعُ فِيهِ التَّعَدُّدُ (فَالصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ) لِاجْتِمَاعِ شَرَائِطِهَا، وَاللَّاحِقَةُ بَاطِلَةٌ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى وَاحِدَةٍ (وَفِي قَوْلٍ إنْ كَانَ السُّلْطَانُ مَعَ الثَّانِيَةِ) إمَامًا كَانَ أَوْ مُقْتَدِيًا (فَهِيَ الصَّحِيحَةُ) وَإِلَّا لَأَدَّى إلَى تَفْوِيتِ الْجُمُعَةِ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ بِمُبَادَرَةِ شِرْذِمَةٍ إلَى ذَلِكَ.
وَالْمُتَّجَهُ أَنَّ حُكْمَ الْخَطِيبِ الْمَنْصُوبِ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ أَوْ مِنْ جِهَةِ نَائِبِهِ كَحُكْمِ السُّلْطَانِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُقَيَّدٌ فِي الْأُمِّ بِأَنْ لَا يَكُونَ وَكِيلُ الْإِمَامِ مَعَ السَّابِقَةِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا فَالْجُمُعَةُ هِيَ السَّابِقَةُ (وَالْمُعْتَبَرُ سَبْقُ التَّحَرُّمِ) مِنْ الْإِمَامِ بِتَمَامِ التَّكْبِيرِ وَهُوَ الرَّاءُ وَإِنْ سَبَقَهُ الْآخِرُ بِالْهَمْزِ لِأَنَّ بِهِ الِانْعِقَادَ، وَشَمَلَ مَا تَقَرَّرَ مِنْ كَوْنِ الْعِبْرَةِ بِتَمَامِ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ دُونَ تَكْبِيرِ مَنْ خَلَفَهُ مَا لَوْ أَحْرَمَ إمَامٌ بِالْجُمُعَةِ ثُمَّ إمَامٌ آخَرُ بِهَا ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ ثُمَّ بِالْأَوَّلِ مِثْلُهُمْ صَحَّتْ جُمُعَةُ الْأَوَّلِ، إذْ بِإِحْرَامِهِ تَعَيَّنَتْ جُمُعَتُهُ لِلسَّبْقِ وَامْتَنَعَ عَلَى غَيْرِهِ افْتِتَاحُ جُمُعَةٍ أُخْرَى وَبِذَلِكَ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ (وَقِيلَ) الْمُعْتَبَرُ سَبْقُ الْهَمْزَةِ، وَقِيلَ الْمُعْتَبَرُ (سَبْق التَّحَلُّلِ) أَيْ بِتَمَامِ السَّلَامِ لِلْأَمْنِ مَعَهُ مِنْ عُرُوضِ فَسَادِ الصَّلَاةِ، فَكَانَ اعْتِبَارُهُ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ مَا قَبْلَهُ (وَقِيلَ بِأَوَّلِ الْخُطْبَةِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ بَدَلٌ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَلَوْ دَخَلَتْ طَائِفَةٌ فِي الْجُمُعَةِ فَأَخْبَرُوهُمْ بِأَنَّ طَائِفَةً سَبَقَتْهُمْ بِهَا اُسْتُحِبَّ لَهُمْ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ أَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ (قَوْلُهُ: أَوْ مَنْ يَفْعَلُهَا فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ غَالِبًا) أَيْ يَغْلِبُ فِعْلُهُمْ لَهَا (قَوْلُهُ وَلَعَلَّ أَقْرَبَهَا الْأَخِيرُ) عِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ قَوْلِهِ وَعَسُرَ اجْتِمَاعُهُمْ، الْمُرَادُ فِيمَا يَظْهَرُ وِفَاقًا م ر عَسُرَ اجْتِمَاعُ الْحَاضِرِينَ بِالْفِعْلِ انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ، وَهَذَا مُخَالِفٌ كَمَا تَرَى لِقَوْلِ الشَّارِحِ وَلَعَلَّ أَقْرَبَهَا إلَخْ لِاعْتِبَارِ الشَّارِحِ الْغَلَبَةَ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهَا لَهَا حَيْثُ اعْتَبَرَا مَنْ يَحْضُرْ بِالْفِعْلِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا بَعِيدٌ) أَيْ الْقَوْلُ بِالتَّعَدُّدِ.
(قَوْلُهُ: فِي مَوْضِعٍ يَمْتَنِعُ فِيهِ التَّعَدُّدُ) أَيْ وَذَلِكَ بِأَنْ عَسُرَ اجْتِمَاعُهُمْ بِمَكَانٍ عَلَى الْأَوَّلِ وَمُطْلَقًا عَلَى الثَّانِي وَإِنْ لَمْ يَحُلْ نَهْرٌ عَلَى الثَّالِثِ وَمَا إذَا لَمْ تَكُنْ قُرًى عَلَى الرَّابِعِ (قَوْلُهُ: فَالْجُمُعَةُ هِيَ السَّابِقَةُ) أَيْ وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِ الْإِمَامِ مَعَ الثَّانِيَةِ، وَلَعَلَّهُ لِكَوْنِهِ لَمَّا فُوِّضَ الْأَمْرُ إلَيْهِ كَأَنَّهُ رَفَعَ وِلَايَةَ نَفْسِهِ عَنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ مَا دَامَ الْوَكِيلُ مُتَصَرِّفًا فِيهِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ بِهِ) أَيْ التَّحَرُّمِ الِانْعِقَاد إلَخْ (قَوْلُهُ: فَأَخْبَرُوهُمْ) عِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ فَأَخْبَرُوا انْتَهَى.
وَهِيَ صَادِقَةٌ بِمَا لَوْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَاحِدًا بِخِلَافِ كَلَامِ الشَّارِحِ.
لَكِنْ قَدْ
[حاشية الرشيدي]
كَبَعْدِهِ فِي الْجَدِيدِ إنْ كَانَ السَّفَرُ مُبَاحًا (قَوْلُهُ: وَلَعَلَّ أَقْرَبَهَا الْأَخِيرُ) اُنْظُرْ لَوْ اتَّفَقَ حُضُورُ غَيْرِ مَنْ يَفْعَلُهَا فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ غَالِبًا مِمَّنْ تَلْزَمُهُمْ وَلَمْ يَسَعْهُمْ الْمَحَلُّ الَّذِي يَسَعُ مَنْ يَفْعَلُهَا غَالِبًا فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ هَلْ يَجُوزُ التَّعَدُّدُ حِينَئِذٍ أَوْ تَسْقُطُ الْجُمُعَةُ عَمَّنْ ضَاقَ عَنْهُ الْمَحَلُّ؟ فَإِنْ قَالَ الشَّارِحُ بِالْأَوَّلِ رَجَعَ قَوْلُهُ: إلَى النَّظَرِ إلَى مَنْ يَحْضُرُ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ نَقَلَهُ عَنْهُ الشِّهَابُ سم وَذَكَرَ أَنَّهُ اخْتَارَهُ، وَإِنْ قَالَ بِالثَّانِي فَفِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَبِعَكْسِهِ لَوْ اتَّفَقَتْ قِلَّتُهُمْ عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ فَإِنْ قَالَ بِوُجُوبِ انْحِصَارِهِمْ فِي قَدْرِ الْمُحْتَاجِ رَجَعَ إلَى مَا قُلْنَا.
وَإِنْ جُوِّزَ التَّعَدُّدُ مَعَ انْتِفَاءِ الْحَاجَةِ فَهُوَ بَعِيدٌ أَيْضًا، فَإِنْ قِيلَ الْمُعْتَبَرُ مَنْ يَغْلِبُ حُضُورُهُ فَإِنْ اتَّفَقَتْ كَثْرَةً أَوْ قِلَّةً عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ أَدَرْنَا الْحُكْمَ عَلَى ذَلِكَ، قُلْنَا: وَأَيُّ مَعْنًى لِاعْتِبَارِ مَنْ يَحْضُرُ بِالْفِعْلِ غَيْرِ هَذَا (قَوْلُهُ: وَهَذَا بَعِيدٌ) يَعْنِي قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَقِيلَ لَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ.
اسْتِئْنَافُ الظُّهْرِ، وَلَهُمْ إتْمَامُ الْجُمُعَةِ ظُهْرًا.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ هُنَا كَمَا لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمْ فِيهَا يُقَالُ عَلَيْهِ إنَّ التَّشْبِيهَ رَاجِعٌ إلَى الْإِتْمَامِ فَقَطْ.
(فَلَوْ) (وَقَعَتَا) بِمَحَلٍّ يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُهَا فِيهِ (مَعًا أَوْ شَكَّ) فِي الْمَعِيَّةِ فَلَمْ يَدْرِ أَوْقَعَتَا مَعًا أَمْ مُرَتَّبًا (اُسْتُؤْنِفَتْ الْجُمُعَةُ) أَيْ إنْ وَسِعَ الْوَقْتُ لِأَنَّ إبْطَالَ إحْدَاهُمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى فَوَجَبَ إبْطَالُهُمَا، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي صُورَةِ الشَّكِّ عَدَمُ جُمُعَةٍ مُجْزِئَةٍ، وَبَحَثَ الْإِمَامُ أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا تَقَدُّمُ إحْدَى الْجُمُعَتَيْنِ فَلَا تَصِحُّ جُمُعَةٌ أُخْرَى فَيَنْبَغِي لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِمْ بِيَقِينٍ أَنْ يُصَلُّوا بَعْدَهَا ظُهْرًا.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمَا قَالَهُ مُسْتَحَبٌّ وَإِلَّا فَالْجُمُعَةُ كَافِيَةٌ فِي الْبَرَاءَةِ كَمَا قَالُوهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُقُوعِ جُمُعَةٍ مُجْزِئَةٍ فِي حَقِّ كُلِّ طَائِفَةٍ.
قَالَ غَيْرُهُ: وَلِأَنَّ السَّبْقَ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَوْ يُظَنَّ لَمْ يُؤَثِّرْ احْتِمَالُهُ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى عِلْمِ الْمُكَلَّفِ أَوْ ظَنِّهِ لَا إلَى نَفْسِ الْأَمْرِ (وَإِنْ) (سَبَقَتْ إحْدَاهُمَا وَلَمْ تَتَعَيَّنْ) كَأَنْ سَمِعَ مَرِيضَانِ أَوْ مُسَافِرَانِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ تَكْبِيرَتَيْنِ مَثَلًا فَأَخْبَرَا بِذَلِكَ وَلَمْ يَعْرِفَا الْمُتَقَدِّمَةَ مِمَّنْ، وَإِخْبَارُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ كَافٍ فِي ذَلِكَ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الشَّيْخُ (أَوْ تَعَيَّنَتْ وَنُسِيَتْ) بَعْدَهُ (صَلَّوْا ظُهْرًا) لِتَيَقُّنِ وُقُوعِ جُمُعَةٍ صَحِيحَةٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَيَمْتَنِعُ إقَامَةُ جُمُعَةٍ بَعْدَهَا وَالطَّائِفَةُ الَّتِي صَحَّتْ الْجُمُعَةُ بِهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْفَرْضِ فِي حَقِّ كُلِّ طَائِفَةٍ فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الظُّهْرُ (وَفِي قَوْلِ جُمُعَةٍ) لِأَنَّ الْمَفْعُولَتَيْنِ غَيْرُ مُجْزِئَتَيْنِ فَصَارَ وُجُودُهُمَا كَعَدَمِهِمَا، وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا تَرْجِيحُ طَرِيقَةٍ قَاطِعَةٍ فِي الثَّانِيَةِ بِالْأَوَّلِ، وَقَدْ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْجُمَعِ الْوَاقِعَةِ فِي مِصْرَ الْآنَ بِأَنَّهَا صَحِيحَةٌ، سَوَاءٌ أَوْقَعَتْ مَعًا أَمْ مُرَتَّبًا إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ عُسْرُ الِاجْتِمَاعِ بِأَمْكِنَةِ تِلْكَ الْجُمُعَةِ، فَلَا يَجِبُ أَحَدٌ مِنْ مُصَلِّيهَا صَلَاةَ ظُهْرٍ يَوْمَهَا لَكِنَّهَا تُسْتَحَبُّ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَ تَعَدُّدَ الْجُمُعَةِ بِالْبَلَدِ وَإِنْ عَسُرَ الِاجْتِمَاعُ فِي مَكَان فِيهِ، ثُمَّ الْجُمَعُ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ انْتِفَاءِ
[حاشية الشبراملسي]
يُرْشِدُ إلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ كَافٍ مَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَإِخْبَارُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ كَافٍ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: رَاجِعٌ إلَى الْإِتْمَامِ فَقَطْ) أَيْ لَا لَهُ مَعَ صِفَتِهِ الَّتِي هِيَ الِاسْتِحْبَابُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ شَكَّ) قَالَ حَجّ: وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ فِي الْمَعِيَّةِ وُقُوعُهُمَا عَلَى حَالَةِ يُمْكِنُ فِيهَا الْمَعِيَّةُ.
(قَوْلُهُ: اُسْتُؤْنِفَتْ الْجُمُعَةُ) أَيْ فَلَوْ أَيِسَ مِنْ ذَلِكَ جَازَ نَقْلُ الظُّهْرِ عَقِبَ سَلَامِ الْجُمُعَةِ لِلْيَأْسِ مِنْ فِعْلِهِمْ لَهَا جُمُعَةً كَمَا تَقَدَّمَ لِلشَّارِحِ فِي قَوْلِهِ: نَعَمْ لَوْ كَانَ عَدَمُ إقَامَتِهِمْ لَهَا أَمْرًا عَادِيًا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَبَحْثُ الْإِمَامِ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا) أَيْ فِي الشَّكِّ (قَوْلُهُ: كَأَنْ سَمِعَ مَرِيضَانِ أَوْ مُسَافِرَانِ) أَيْ أَوْ غَيْرُهُمَا مِمَّنْ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّخَلُّفُ كَقُرْبِ مَحَلِّهِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَزِيَادَتِهِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ لِتَصِحَّ الْخُطْبَةُ فِي غَيْبَتِهِ، وَمِنْ ثَمَّ عَبَّرَ بِالْكَافِ (قَوْلُهُ: وَإِخْبَار الْعَدْلِ الْوَاحِدِ) : بَقِيَ مَا لَوْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ مُخْبِرَانِ.
فَفِي الزَّرْكَشِيّ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْمُخْبِرُ بِالسَّبَقِ لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ، وَنَازَعَهُ فِي الْإِيعَابِ بِأَنَّ السَّبْقَ إنَّمَا يُرَجَّحُ إذَا كَانَ مُسْتَنَدُهُ يُحَصِّلُ زِيَادَةَ الْعِلْمِ وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُمَا مُتَعَارِضَانِ فَيَرْجِعُ ذَلِكَ لِلشَّكِّ وَهُوَ يُوجِبُ اسْتِئْنَافَ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهَا تُسْتَحَبُّ) وَهَذَا مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا تَعَدَّدَتْ وَاحْتَمَلَ كَوْنَ جُمُعَتِهِ مَسْبُوقَةً.
أَمَّا إذَا لَمْ تَتَعَدَّدْ أَوْ تَعَدَّدَتْ وَعُلِمَ أَنَّهَا السَّابِقَةُ فَلَا يَجُوزُ إعَادَتُهَا جُمُعَةً بِمَحَلِّهِ لِاعْتِقَادِ بُطْلَانِ الثَّانِيَةِ، وَلَا ظُهْرًا لِسُقُوطِ فَرْضِهِ بِالْجُمُعَةِ، وَلَمْ يُخَاطَبْ بِالظُّهْرِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ،
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَهُمْ إتْمَامُ الْجُمُعَةِ ظُهْرًا) لَا يَخْفَى إشْكَالُهُ؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ الْأَخْذِ بِقَوْلِ الْمُخْبِرِينَ وُجُوبُ الِاسْتِئْنَافِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ إخْبَارِهِمْ بِسَبْقِ أُخْرَى لَهُمْ أَنَّ تَحَرُّمَ هَؤُلَاءِ بَاطِلٌ لِوُقُوعِهِ مَسْبُوقًا بِجُمُعَةٍ صَحِيحَةٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَمَا لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهْم فِيهَا أَنَّهُمْ هُنَاكَ أَحْرَمُوا بِالْجُمُعَةِ فِي وَقْتِهَا، وَالصُّورَةُ أَنَّهُمْ يَجْهَلُونَ خُرُوجَهُ فِي أَثْنَائِهَا فَعُذِرُوا بِخِلَافِ هَذِهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: رَاجِعٌ إلَى الْإِتْمَامِ فَقَطْ) أَيْ لَا إلَى مَا قَبْلَهُ أَيْضًا مِنْ اسْتِحْبَابِ الِاسْتِئْنَافِ إذْ هُوَ مُنْتَفٍ ثَمَّ كَمَا مَرَّ، وَالْمُرَادُ التَّشْبِيهُ فِي مُطْلَقِ الْإِتْمَامِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ وَاجِبًا، وَإِلَّا فَاَلَّذِي مَرَّ فِي خُرُوجِ الْوَقْتِ وُجُوبُ الْإِتْمَامِ ظُهْرًا.
(قَوْلُهُ: وَبَحَثَ الْإِمَامُ أَنَّهُ يَجُوزُ) أَيْ يُحْتَمَلُ (قَوْلُهُ: ظُهْرَ يَوْمِهَا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ مَعَ احْتِمَالِ السَّبْقِ وَعَدَمِهِ وَكَانَ وَجْهُهُ النَّظَرَ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ جَوَازِ الظُّهْرِ حِينَئِذٍ إذَا صَارَ عَدَمُ إعَادَةِ الْجُمُعَةِ أَمْرًا عَادِيًا لَا يَتَخَلَّفُ كَمَا هُوَ الْوَاقِعِ.
الْحَاجَةِ إلَى التَّعَدُّدِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَيَجِبُ عَلَى مُصَلِّيهَا ظُهْرُ يَوْمِهَا، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ جُمُعَتُهُ مِنْ الصَّحِيحَاتِ أَوْ غَيْرِهَا وَجَبَ عَلَيْهِ ظُهْرُ يَوْمِهَا.
(الرَّابِعُ) مِنْ الشُّرُوطِ (الْجَمَاعَةُ) إجْمَاعًا مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ فَلَا تَصِحُّ فُرَادَى إذْ لَمْ يُنْقَلْ فِعْلُهَا كَذَلِكَ، وَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَقَطْ.
أَمَّا الْعَدَدُ فَشَرْطٌ فِي جَمِيعِهَا كَمَا سَيَأْتِي، فَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ بِأَرْبَعِينَ رَكْعَةً ثُمَّ أَحْدَثَ فَأَتَمَّ كُلٌّ لِنَفْسِهِ أَجْزَأَتْهُمْ الْجُمُعَةِ (وَشَرْطُهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ فِيهَا (كَغَيْرِهَا) مِنْ الْجَمَاعَاتِ كَنِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ وَالْعِلْمِ بِأَفْعَالِ الْإِمَامِ مِمَّا مَرَّ فِي الْجَمَاعَةِ إلَّا فِي نِيَّةِ الْإِمَامَةِ فَتَجِبُ هُنَا عَلَى الْأَصَحِّ لِتَحْصُلَ لَهُ الْجَمَاعَةُ (وَ) اُخْتُصَّتْ بِاشْتِرَاطِ أُمُورٍ أُخَرَ: مِنْهَا (أَنْ) (تُقَامَ بِأَرْبَعِينَ) مِنْهُمْ الْإِمَامُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ صَلَّاهَا فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى كَمَا بَحَثَهُ
[حاشية الشبراملسي]
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَدَخَلَ فِي الْمَكْتُوبَةِ الْجُمُعَةُ فَتُسَنُّ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ إعَادَتُهَا عِنْدَ جَوَازِ التَّعَدُّدِ أَوْ سَفَرِهِ لِبَلَدٍ آخَرَ رَآهُمْ يُصَلُّونَهَا، وَلَوْ صَلَّى مَعْذُورًا الظُّهْرَ ثُمَّ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ أَوْ مَعْذُورِينَ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ سُنَّتْ الْإِعَادَةُ فِيهِمَا، وَلَا يَجُوزُ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ ظُهْرًا، وَكَذَا عَكْسُهُ لِغَيْرِ الْمَذْكُورِ انْتَهَى (قَوْلُهُ: غَيْرُ صَحِيحَةٍ) . [فَرْعٌ] حَيْثُ لَمْ تَبْرَأْ الذِّمَّةُ مِنْ الْجُمُعَةِ وَوَجَبَتْ الظُّهْرُ هَلْ تَكُونُ الْجَمَاعَةُ فَرْضَ كِفَايَةٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؟ أَفْتَى م ر بِأَنَّهَا تَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ كَذَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ جُمُعَتُهُ مِنْ الصَّحِيحَاتِ أَوْ غَيْرِهَا) وَهَذَا مَوْجُودٌ الْآنَ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ هَلْ جُمُعَتُهُ سَابِقَةٌ أَوْ لَا (قَوْلُهُ: وَجَبَ عَلَيْهِ ظُهْرُ يَوْمِهَا) وَلَا يُقَالُ إنَّا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ صَلَاتَيْنِ الْجُمُعَةَ وَالظُّهْرَ بَلْ الْوَاجِبُ وَاحِدَةٌ فَقَطْ، إلَّا أَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ مَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ أَوْجَبْنَا كِلَيْهِمَا لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ بِيَقِينٍ، وَهَذَا كَمَا لَوْ نَسِيَ إحْدَى الْخَمْسِ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهَا، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ فَقَطْ وَتَلْزَمُهُ الْخَمْسُ لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بِيَقِينٍ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخ عَبْدِ الْبَرِّ الَأُجْهُورِيُّ عَلَى الْمَنْهَجِ مَا نَصُّهُ: فَائِدَةٌ: سَأَلَ الشَّيْخُ الرَّمْلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ رَجُلٍ قَالَ: أَنْتُمْ يَا شَافِعِيَّةُ خَالَفْتُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَأَنْتُمْ تُصَلُّونَ سِتًّا بِإِعَادَتِكُمْ الْجُمُعَةَ ظُهْرًا، فَمَاذَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَاذِبٌ فَاجِرٌ جَاهِلٌ، فَإِنْ اعْتَقَدَ فِي الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُمْ يُوجِبُونَ سِتَّ صَلَوَاتٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَفَرَ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ، وَإِلَّا اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ اللَّائِقَ بِحَالِهِ الرَّادِعَ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَنْ ارْتِكَابِ مِثْلِ قَبِيحِ أَفْعَالِهِ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِوُجُوبِ سِتِّ صَلَوَاتٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ إعَادَةُ الظُّهْرِ إذَا لَمْ نَعْلَمْ تَقَدُّمَ جُمُعَةٍ صَحِيحَةٍ، إذْ الشَّرْطُ عِنْدَنَا أَنْ لَا تَتَعَدَّدَ فِي الْبَلَدِ إلَّا بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، وَمَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّ هُنَاكَ فَوْقَ الْحَاجَةِ، وَحِينَئِذٍ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ وُقُوعَ جُمُعَتِهِ مِنْ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الظُّهْرُ وَكَانَ كَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ جُمُعَةً، وَمَا انْتَقَدَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ إلَّا مَقَتَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - اهـ. وَقَالَ حَجَرٌ بَعْدَ مِثْلِ مَا ذَكَرَ الشَّارِحُ: فَإِنْ قُلْت: فَكَيْفَ مَعَ هَذَا الشَّكِّ يَحْرُمُ أَوَّلًا وَهُوَ مُتَرَدِّدٌ فِي فِي الْبُطْلَانِ؟ قُلْت: لَا نَظَرَ لِهَذَا التَّرَدُّدِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَظْهَرَ مِنْ السَّابِقَاتِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِنَّ فَصَحَّتْ لِذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مُقَارَنَةِ الْمُبْطِلِ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ تَلْزَمُ الْإِعَادَةُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ صَلَّاهَا فِي قَرْيَةٍ) أَيْ وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهَا تَقَعُ لَهُ نَافِلَةً، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّهَا حَيْثُ كَانَتْ نَافِلَةً نَزَلَتْ مَنْزِلَةَ غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَيَنْقُصُ عَدَدُهُمْ عَنْ الْأَرْبَعِينَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا لَمْ تَكُنْ الثَّانِيَةُ نَفْلًا مَحْضًا بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْقِيَامِ فِيهَا نَزَلَتْ مَنْزِلَةَ الْأَصْلِيَّةِ، وَقَضِيَّةُ مَا يَأْتِي لَهُ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَتَصِحُّ خَلْفَ الْعَبْدِ إلَخْ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِمَامُ مُتَنَفِّلًا فَفِيهِ الْقَوْلَانِ، وَأَوْلَى بِالْجَوَازِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِتَحْصُلَ لَهُ الْجَمَاعَةُ) أَيْ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ لِانْعِقَادِهَا كَمَا مَرَّ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ الْآتِيَةُ الِاقْتِدَاءُ وَالْإِمَامَةُ فَإِنَّهُمَا شَرْطَانِ هُنَا لِلِانْعِقَادِ كَمَا مَرَّ، إذْ لَا يُمْكِنُ انْعِقَادُ الْجُمُعَةِ مَعَ الِانْفِرَادِ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ: فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى) أَيْ أَوْ فِي قَرْيَتِهِ حَيْثُ جَازَ فِيهَا التَّعَدُّدُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَلْيُرَاجَعْ