بِالظُّهْرِ) أَيْ تَأْخِيرُهُ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهِ (فِي شِدَّةِ الْحَرِّ) إلَى أَنْ يَصِيرَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يَمْشِي فِيهِ طَالِبُ الْجَمَاعَةِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» أَيْ هَيَجَانِهَا وَانْتِشَارِ لَهَبِهَا.
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ فِي التَّعْجِيلِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ مَشَقَّةً تَسْلُبُ الْخُشُوعَ أَوْ كَمَالَهُ فَسُنَّ لَهُ التَّأْخِيرُ، كَمَنْ حَضَرَهُ طَعَامٌ وَنَفْسُهُ تَتُوقُ إلَيْهِ أَوْ دَافَعَهُ الْخَبَثُ، وَمَا وَرَدَ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَمَنْسُوخٌ وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ نِصْفَ الْوَقْتِ، وَخَرَجَ بِالصَّلَاةِ الْأَذَانُ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُمْ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمَطْلَبِ وَحُمِلَ أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْإِبْرَادِ بِهِ عَلَى مَا إذَا عُلِمَ مِنْ حَالِ السَّامِعِينَ حُضُورُهُمْ عَقِبَ الْأَذَانِ لِتَنْدَفِعَ عَنْهُمْ الْمَشَقَّةُ، ثُمَّ قَالَ: وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِقَامَةِ وَلَا بُعْدَ فِيهِ وَإِنْ اُدُّعِيَ بُعْدُهُ، فَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ التَّصْرِيحُ بِهِ، وَبِالظُّهْرِ الْجُمُعَةُ فَلَا إبْرَادَ فِيهَا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَلَمَةَ «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ» وَلِشِدَّةِ الْخَطَرِ فِي فَوَاتِهَا الْمُؤَدِّي إلَيْهِ تَأْخِيرُهَا بِالتَّكَاسُلِ وَلِأَنَّ النَّاسَ مَأْمُورُونَ بِالتَّبْكِيرِ إلَيْهَا فَلَا يَتَأَذَّوْنَ بِالْحَرِّ، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُبْرِدُ بِهَا بَيَانٌ لِلْجَوَازِ فِيهَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ (وَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُهُ) أَيْ الْإِبْرَادِ (بِبَلَدٍ حَارٍّ) كَمَكَّةَ وَبَعْضِ الْعِرَاقِ (وَجَمَاعَةِ) نَحْوِ (مَسْجِدٍ) مِنْ رِبَاطٍ وَمَدْرَسَةٍ (يَقْصِدُونَهُ مِنْ بُعْدٍ) فَلَا يُسَنُّ الْإِبْرَادُ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْحَرِّ وَلَوْ بِقُطْرٍ حَارٍّ وَلَا فِي قُطْرٍ بَارِدٍ أَوْ مُعْتَدِلٍ وَإِنْ اتَّفَقَ فِيهِ شِدَّةُ الْحَرِّ، وَلَا لِمَنْ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا أَوْ جَمَاعَةً بِبَيْتِهِ أَوْ بِمَحَلٍّ حَضَرَهُ جَمَاعَةٌ لَا يَأْتِيهِمْ غَيْرُهُمْ أَوْ يَأْتِيهِمْ غَيْرُهُمْ مِنْ قُرْبٍ أَوْ مِنْ بُعْدٍ لَكِنْ يَجِدُ ظِلًّا يَمْشِي فِيهِ، إذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ كَبِيرُ مَشَقَّةٍ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْإِبْرَادُ لِمُنْفَرِدٍ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ.
وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ إشْعَارٌ بِسَنِّهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَوْ حَضَرَ مَوْضِعَ جَمَاعَةٍ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ كَانَ مُقِيمًا بِهِ لَكِنْ يَنْتَظِرُ غَيْرَهُ سُنَّ لَهُ الْإِبْرَادُ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا كَمَا اقْتَضَاهُ
[حاشية الشبراملسي]
يَكُونُ فِيهَا ظِلٌّ يَمْشِي فِيهِ طَالِبُ الْجَمَاعَةِ بِأَنْ يَكُونَ فِيهَا شَاخِصٌ لَهُ ظِلٌّ كَالْأَشْجَارِ (قَوْلُهُ: فِي شِدَّةِ الْحَرِّ) . [فَرْعٌ] سَأَلَ سَائِلٌ هَلْ يُسَنُّ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ إلَى أَنْ يَخِفَّ الْبَرْدُ الشَّاغِلُ السَّالِبُ لِلْخُشُوعِ قِيَاسًا عَلَى.
مَا وَرَدَ فِي الْحَرِّ؟ فَأَجَابَ م ر إنَّهُ لَا يُسَنُّ لِأَنَّ الْإِبْرَادَ فِي الْحَرِّ رُخْصَةٌ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ أَقُولُ: الْأَوْلَى الْجَوَابُ أَنَّ زِيَادَةَ الظِّلِّ مُحَقَّقَةٌ، فَلِزَوَالِ الْحَدِّ أَمَدٌ يُنْتَظَرُ وَلَا كَذَلِكَ الْبَرْدُ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ زِيَادَتُهُ مَعَ التَّأْخِيرِ لِعَدَمِ وُجُودِ عَلَامَةٍ تَدُلُّ عَلَى زَوَالِهِ عَادَةً، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا أَوْلَى لِأَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِي الرُّخَصِ عَلَى مَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ (قَوْلُهُ: ظِلٌّ يَمْشِي فِيهِ إلَخْ) وَلَا يُجَاوِزُ نِصْفَ الْوَقْتِ حَجّ وَسَيَأْتِي (قَوْلُهُ: مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْفَيْحُ سُطُوعُ الْحَرِّ وَفَوَرَانُهُ وَيُقَالُ بِالْوَاوِ وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَفَاحَتْ الْقِدْرُ تَفِيحُ وَتَفُوحُ: إذَا غَلَتْ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ: أَيْ كَأَنَّهُ نَارُ جَهَنَّمَ فِي حَرِّهَا اهـ.
وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ: اسْتَشْكَلَ بِأَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ مَظِنَّةُ وُجُودِ الرَّحْمَةِ فَفِعْلُهَا مَظِنَّةُ طَرْدِ الْعَذَابِ فَكَيْفَ أَمَرَ بِتَرْكِهَا؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ وَقْتَ ظُهُورِ الْغَضَبِ لَا يَنْجَحُ فِيهِ الطَّلَبُ إلَّا مِمَّنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ اهـ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي هَذَا الْإِشْكَالِ مِنْ أَصْلِهِ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ شِدَّةِ الْحَرِّ قَدْ تَكُونُ نِعْمَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ لِإِصْلَاحِ مَعَايِشِهِمْ فَلَا تَكُونُ بِمُجَرَّدِهَا عَلَامَةً عَلَى الْغَضَبِ، وَكَوْنُ الْإِنْسَانِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَشَقَّةٌ مِنْهَا لَا يُنَافِي كَوْنَهَا نِعْمَةً مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ صَحِبَهَا مَشَقَّةٌ (قَوْلُهُ: أَيْ هَيَجَانِهَا) هُوَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ (قَوْلُهُ: وَانْتِشَارِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ التَّصْرِيحُ) أَيْ بِتَأْخِيرِ الْإِقَامَةِ (قَوْلُهُ: كَانَ يُبْرِدُ بِهَا) لَكِنَّهُ يُعَارِضُهُ خَبَرُ سَلَمَةَ السَّابِقُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً (قَوْلُهُ: فَلَا يُسَنُّ الْإِبْرَادُ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْحَرِّ) مُحْتَرَزُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ (قَوْلُهُ: وَلَا فِي قُطْرٍ بَارِدٍ) الَّذِي وَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهِ فِي الْمَتْنِ الْبَلَدُ فَالْمُنَاسِبُ لَهُ أَنْ يَقُولَ: وَلَا فِي بَلَدٍ بَارِدٍ، فَلَعَلَّهُ حَمَلَ الْبَلَدَ عَلَى الْقُطْرِ أَوْ أَشَارَ إلَى أَنَّ فِي الْمَتْنِ حَذْفًا، وَالْأَصْلُ وَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُهُ بِقُطْرٍ حَارٍّ بِبَلَدٍ حَارٍّ.
أَوْ إلَى أَنَّ مَحَلَّ اعْتِبَارِ الْقُطْرِ فِيمَنْ عَبَّرَ بِهِ حَيْثُ لَمْ يُخَالِفْ الْبَلَدَ، فَإِنْ خَالَفَتْهُ فَهِيَ الْمُعْتَبَرَةُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) أَيْ سَنُّ الْإِبْرَادِ (قَوْلُهُ: إمَامًا كَانَ) وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ فِعْلُهَا أَوَّلًا ثُمَّ فِعْلُهَا مَعَهُمْ لِأَنَّ سَنَّ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ.
وَيُؤْخَذُ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبُعْدِ مَا يَذْهَبُ مَعَهُ الْخُشُوعُ أَوْ كَمَالُهُ لِتَأَثُّرِهِ بِالشَّمْسِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ، فَيُسَنُّ فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ.
(وَمَنْ وَقَعَ بَعْضُ صَلَاتِهِ فِي الْوَقْتِ) وَبَعْضُهَا خَارِجَهُ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ) فِي وَقْتِهَا (رَكْعَةٌ) أَوْ أَكْثَرُ كَمَا عُلِمَ بِالْأَوْلَى (فَالْجَمِيعُ أَدَاءٌ) لِخَبَرِ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» أَيْ مُؤَدَّاةً (وَإِلَّا) بِأَنْ وَقَعَ فِيهِ دُونَ رَكْعَةٍ (فَقَضَاءٌ) كُلُّهَا لِمَفْهُومِ الْخَبَرِ الْمَارِّ وَلِاشْتِمَالِ الرَّكْعَةِ عَلَى مُعْظَمِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَغَالِبُ مَا بَعْدَهَا تَكْرِيرٌ لِمَا قَبْلَهَا فَكَانَ تَابِعًا لَهَا، وَالْمُرَادُ بِالرَّكْعَةِ تَحْصِيلُ جَمِيعِهَا بِسَجْدَتَيْهَا، وَالثَّانِي الْجَمِيعُ أَدَاءٌ مُطْلَقًا، وَفِي وَجْهٍ أَنَّ مَا فِي الْوَقْتِ أَدَاءٌ وَمَا وَقَعَ بَعْدَهُ قَضَاءٌ.
قِيلَ
[حاشية الشبراملسي]
الْإِبْرَادِ فِي حَقِّهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ كَمَا تَقَرَّرَ، وَشَمِلَ ذَلِكَ قَوْلَهُمْ: يُسَنُّ لِرَاجِي الْجَمَاعَةِ أَثْنَاءَ الْوَقْتِ فِعْلُهَا أَوَّلَهُ ثُمَّ مَعَهُمْ اهـ حَجّ.
فَإِنْ قُلْت: غَيْرُ الْإِمَامِ لَا مَحْذُورَ يَتَرَتَّبُ عَلَى إعَادَتِهِ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ فَإِنَّ إعَادَتَهُ تُحْمَلُ عَلَى اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَفِيهِ خِلَافٌ.
قُلْت: ذَكَرُوا فِي صَلَاةِ بَطْنِ نَخْلٍ أَنَّ الْخِلَافَ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُعَادَةِ لِأَنَّهُ قِيلَ إنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ الْفَرْضُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ إنْ صَلَّى أَوَّلَ الْوَقْتِ صَلَّى مُنْفَرِدًا وَإِنْ صَلَّى بِالْإِبْرَادِ صَلَّى جَمَاعَةً فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ الْإِبْرَادَ يَحْصُلُ مَعَهُ كَثْرَةُ الْجَمَاعَةِ بِخِلَافِ عَدَمِهِ أَشْكَلَ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ حَجّ مِنْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الْقَلِيلَةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْإِبْرَادُ هُنَا لَيْسَ لِتَحْصِيلِ فَضِيلَةٍ فِي صَلَاتِهِ هُوَ بَلْ رِعَايَةً لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَعَلِمَ حُضُورَهُمْ بَعْدُ وَمَعَ ذَلِكَ فِيهِ شَيْءٌ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِمَّا تَقَرَّرَ) أَيْ مِنْ التَّعْوِيلِ عَلَى مُجَرَّدِ شِدَّةِ الْحَرِّ (قَوْلُهُ: مَا يَذْهَبُ مَعَهُ الْخُشُوعُ) وَهَلْ يُعْتَبَرُ خُصُوصُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى انْفِرَادِهِ مِنْ الْمُصَلِّينَ حَتَّى لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ مَرِيضًا أَوْ شَيْخًا يَزُولُ خُشُوعُهُ بِمَجِيئِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَلَوْ مِنْ قُرْبٍ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِبْرَادُ، أَوْ الْعِبْرَةُ بِغَالِبِ النَّاسِ فَلَا يُلْتَفَتُ لِمَنْ ذُكِرَ فِيهِ نَظَرٌ وَلَا يَبْعُدُ الثَّانِي ثُمَّ رَأَيْت حَجّ صَرَّحَ بِهِ
[وَقَعَ بَعْضُ صَلَاتِهِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْضُهَا خَارِجَهُ]
(قَوْلُهُ: فَالْأَصَحُّ إلَخْ) فَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ إذَا شَرَعَ الْمُسَافِرُ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ فَخُرُوجُ الْوَقْتِ قَبْلَ فَرَاغِهَا، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الصَّلَاةَ كُلَّهَا أَدَاءٌ فَلَهُ الْقَصْرُ وَإِلَّا لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ فِي قَوْلٍ: أَيْ ضَعِيفٍ يَأْتِي اهـ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ.
وَقَوْلُهُ: فَالْجَمِيعُ أَدَاءٌ إلَخْ نَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ كَالْقَمُولِيِّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ حَيْثُ شَرَعَ فِيهَا فِي الْوَقْتِ نَوَى الْأَدَاءَ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً.
وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا وَجْهَ لِنِيَّةِ الْأَدَاءِ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْوَقْتَ لَا يَسَعُهَا بَلْ لَا يَصِحُّ، وَاسْتُوْجِهَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ حَمْلُ كَلَامِ الْإِمَامِ عَلَى مَا إذَا نَوَى الْأَدَاءَ الشَّرْعِيَّ، وَكَلَامِ الْأَصْحَابِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَنْوِهِ: أَيْ بِأَنْ نَوَى الْأَدَاءَ اللُّغَوِيَّ أَوْ أَطْلَقَ.
أَمَّا إذَا أَطْلَقَ فَيَنْبَغِي عَدَمُ الصِّحَّةِ، وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَبِهِ أَفْتَى شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: رَكْعَةٌ) أَيْ بِأَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى حَدٍّ تُجْزِئُهُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ كَمَا يَأْتِي.
وَبَقِيَ مَا لَوْ قَارَنَ رَفْعُ رَأْسِهِ خُرُوجَ الْوَقْتِ هَلْ يَكُونُ قَضَاءً أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ عَلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا قَضَاءً أَوْ أَدَاءً (قَوْلُهُ: أَيْ مُؤَدَّاةً) أَيْ وَإِلَّا فَمُطْلَقُ إدْرَاكِهَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ تَأَمَّلْ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَلِاشْتِمَالِ الرَّكْعَةِ إلَخْ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ، وَقَوْلُهُ تَكْرِيرٌ: أَيْ كَالتَّكْرِيرِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْمَحَلِّيُّ وَإِلَّا فَلَيْسَتْ تَكْرِيرًا حَقِيقَةً لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ مَقْصُودَةٌ بِأَفْعَالِهَا مُسْتَقِلَّةٌ بِالْقَصْدِ، وَإِنَّمَا يُشْبِهُ التَّكْرَارَ صُورَةً (قَوْلُهُ: تَكْرِيرٌ لِمَا قَبْلَهَا) لَيْسَ قَبْلَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى شَيْءٌ حَتَّى تَكُونَ هِيَ تَكْرِيرًا لَهُ، فَالْأَوْلَى كَمَا فِي الْمَحَلِّيِّ وَغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ: إذْ غَالِبُ مَا بَعْدَهَا تَكْرِيرٌ لَهَا.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَبْلَهَا رَاجِعٌ لِمَا، وَالْمَعْنَى: وَغَالِبُ الْأَفْعَالِ الَّتِي بَعْدَهَا
[حاشية الرشيدي]
[الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ]
قَوْلُهُ: فَالْجَمِيعُ أَدَاءً) أَيْ: وَيَنْوِي بِهِ الْأَدَاءَ
وَهُوَ التَّحْقِيقُ، وَمَنْ كَانَ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَرْكَانِ الصَّلَاةِ أَدْرَكَهَا وَلَوْ حَافَظَ عَلَى سُنَنِهَا فَاتَ بَعْضُهَا فَالْإِتْيَانُ بِالسُّنَنِ أَفْضَلُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْبَغَوِيّ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ شُوحِحَ فِيهِ.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِأَنَّ صُورَتَهَا مَا إذَا شَرَعَ فِيهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُ مَا يَسَعُهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا ضَاقَ وَقْتُ مَكْتُوبَةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى فَرَائِضِ الْوُضُوءِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُ سُنَنِهِ الَّتِي يَخْرُجُ الْوَقْتُ لَوْ فَعَلَهَا.
(وَمَنْ جَهِلَ الْوَقْتَ) لِغَيْمٍ أَوْ حَبْسٍ
[حاشية الشبراملسي]
تَكْرِيرٌ لِمَا قَبْلَ تِلْكَ الْأَفْعَالِ وَاَلَّذِي قَبْلَهَا هُوَ الرَّكْعَةُ الْأُولَى فَسَاوَى مَا ذَكَرَهُ تَعْبِيرَ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: فَالْإِتْيَانُ بِالسُّنَنِ) وَمِنْهَا دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ فَيَأْتِي بِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا أَفْتَى بِهِ الْبَغَوِيّ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ، لَكِنْ قَيَّدَهُ م ر بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ سم عَلَى مَنْهَجٍ بِالْمَعْنَى.
أَقُولُ: وَهُوَ خِلَافُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ هُنَا، وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ إلَخْ) يُتَأَمَّلُ هَذَا فَإِنَّ الْكَلَامَ مَفْرُوضٌ فِيمَنْ كَانَ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَرْكَانِ أَدْرَكَهَا فِي الْوَقْتِ وَمَنْ لَازَمَهُ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا فِي وَقْتٍ يَسَعُهَا فَمَا مَعْنَى الْجَوَابِ (قَوْلُهُ: عَلَى فَرَائِضِ الْوُضُوءِ) أَيْ وَفَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُ سُنَنِهِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ قَلَّ مَا خَرَجَ مِنْهَا عَنْ الْوَقْتِ كَرَكْعَةٍ أَوْ أَقَلَّ، وَعَلَيْهِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا مِنْ قَوْلِهِ: وَمَنْ كَانَ إلَخْ حَيْثُ قَيَّدَهُ م ر بِرَكْعَةٍ.
وَلَعَلَّهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْوُضُوءِ مَا يُصَحِّحُ الصَّلَاةَ، وَلَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ فَالْغَرَضُ مِنْهُ حَاصِلٌ بِفِعْلِ الْفَرْضِ، بِخِلَافِ الْفَائِتَةِ إذَا اشْتَغَلَ بِهَا فَإِنَّهَا مَقْصُودَةٌ لِذَاتِهَا وَمُسَاوِيَةٌ لِلْحَاضِرَةِ فِي فَرْضِيَّتِهَا، فَحَيْثُ حَصَلَ مَا تَصِيرُ بِهِ مُؤَدَّاةً فِي وَقْتِهَا اكْتَفَى بِهِ وَلَا كَذَلِكَ مَا هُنَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتٍ لَا يَسَعُهَا، وَعَلَيْهِ فَلَوْ اتَّفَقَ لَهُ ذَلِكَ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَرْكَانِ تَقْلِيلًا لِمَا يَقَعُ خَارِجَ الْوَقْتِ أَوْ يَجُوزُ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِالسُّنَنِ لِأَنَّ حُرْمَةَ التَّأْخِيرِ حَصَلَتْ وَتَدَارُكُهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَنَقَلَ سم عَلَى مَنْهَجٍ الثَّانِيَ وَعِبَارَتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَمَدَّ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ نَصُّهَا خَرَجَ مُجَرَّدُ الْإِتْيَانِ بِالسُّنَنِ بِأَنْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ جَمِيعَ وَاجِبَاتِهَا دُونَ سُنَنِهَا فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِالسُّنَنِ حِينَئِذٍ مَنْدُوبٌ، فَلَيْسَ خِلَافَ الْأَوْلَى كَالْمَدِّ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْأَنْوَارِ بِأَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ آخِرَ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَوْ أَدَّى الْفَرِيضَةَ بِسُنَنِهَا لَفَاتَ الْوَقْتُ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَرْكَانِ تَقَعُ فِي الْوَقْتِ بِأَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُتَمِّمَ بِالسُّنَنِ اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَفْضَلَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْبَغَوِيّ الْمَنْقُولِ عَنْهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَمَا بَيَّنَّاهُ آخِرَ سُجُودِ السَّهْوِ لَكِنْ قَيَّدَهُ م ر بِأَنْ يُدْرِكَ رَكْعَةً اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ جَهِلَ الْوَقْتَ اجْتَهَدَ) . [فَرْعٌ] سُئِلَ م ر عَمَّنْ اجْتَهَدَ فِي الْوَقْتِ لِنَحْوِ غَيْمٍ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الْحَالُ لَكِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَلَاتَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ؟ وَعَمَّنْ فَاتَهُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ مَثَلًا بِعُذْرٍ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّرْتِيبُ أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ مَا فَاتَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ؟ فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فِيهَا وُقُوعُ مَا فَعَلَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَمُقْتَضَى إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ اسْتِحْبَابَ التَّرْتِيبِ تَقْدِيمُ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مُطْلَقًا وَإِنْ خَالَفَ الْأَذْرَعِيُّ فِي ذَلِكَ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيمَا أَجَابَ بِهِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِأَنَّهُ حَيْثُ بَنَى فِعْلَهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ لَا يُنْقَضُ إلَّا بِتَبَيُّنِ خِلَافِهِ، وَمُجَرَّدُ ظَنٍّ أَنَّهَا وَقَعَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ لَا أَثَرَ لَهُ، بَلْ الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَوْ اجْتَهَدَ ثَانِيًا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى خِلَافِ مَا بَنَى عَلَيْهِ فِعْلَهُ الْأَوَّلَ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ) هُوَ فَرْضُ قَوْلِهِ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ: وَمَنْ كَانَ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَرْكَانِ الصَّلَاةِ أَدْرَكَهَا (قَوْلُهُ: وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُ مَا يَسَعُهَا) أَيْ يَسَعُ كُلَّ مُجْزِئٍ مِنْ أَرْكَانِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَدِّ الْوَسَطِ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ كَمَا نَقَلَهُ سم عَنْ بَحْثِ شَيْخِهِ الشِّهَابِ حَجّ
فِي مَكَان مُظْلِمٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (اجْتَهَدَ) بِمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ (بِوِرْدٍ وَنَحْوِهِ) كَصَوْتِ دِيكٍ جُرِّبَتْ إصَابَتُهُ لِلْوَقْتِ، وَصَنْعَةٍ وُجُوبًا إنْ عَجَزَ عَنْ الْيَقِينِ، وَجَوَازًا إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، هَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يُخْبِرْهُ ثِقَةٌ عَنْ مُشَاهَدَةٍ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَنْ عِلْمٍ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ كَوُجُودِ النَّصِّ لِأَنَّهُ خَبَرٌ مِنْ أَخْبَارِ الدِّينِ فَرَجَعَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُ إلَى قَوْلِ الثِّقَةِ كَخَبَرِ الرَّسُولِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ فِي ذَلِكَ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الرَّوْضَةِ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ وَلَوْ أَمْكَنَهُ هُوَ الْعِلْمُ بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ.
وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِتَكَرُّرِ الْأَوْقَاتِ فَيَعْسُرُ الْعِلْمُ كُلَّ وَقْتٍ.
بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ إذَا عَلِمَ عَيْنَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً اكْتَفَى بِهِ بَقِيَّةَ عُمْرِهِ مَا دَامَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ فَلَا عُسْرَ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الِاجْتِهَادِ لَمْ يُقَلِّدْ مُجْتَهِدًا لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا، نَعَمْ لِأَعْمَى الْبَصَرِ وَالْبَصِيرَةِ تَقْلِيدُ بَصِيرٍ ثِقَةٍ عَارِفٍ، وَأَذَانُ الْعَدْلِ الْعَارِفِ بِالْمَوَاقِيتِ فِي الصَّحْوِ كَالْإِخْبَارِ عَنْ عِلْمٍ، وَلَهُ تَقْلِيدُهُ فِي الْغَيْمِ لِأَنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ عَادَةً إلَّا فِي الْوَقْتِ، وَلَوْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ مُطْلَقًا لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، وَيَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ التَّأْخِيرُ إلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ وَتَأْخِيرُهُ إلَى خَوْفِ الْفَوَاتِ أَفْضَلُ، وَيَجُوزُ لِلْمُنَجِّمِ وَالْحَاسِبِ الْعَمَلُ بِمَعْرِفَتِهِمَا وَلَيْسَ لِأَحَدٍ تَقْلِيدُهُمَا فِيهِ.
وَالْحَاسِبُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّوْمِ مَنْ يَعْتَمِدُ مَنَازِلَ الْقَمَرِ وَتَقْدِيرَ سَيْرِهِ.
وَالْمُنَجِّمُ مَنْ يَرَى أَوَّلَ الْوَقْتِ طُلُوعَ النَّجْمِ الْفُلَانِيِّ.
(فَإِنْ)
صَلَّى بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ (تَيَقَّنَ) أَنَّ (صَلَاتَهُ) وَقَعَتْ (قَبْلَ الْوَقْتِ) أَوْ بَعْضُهَا
وَلَوْ تَكْبِيرَةَ التَّحَرُّمِ أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ وَعِلْمٍ بِذَلِكَ فِي وَقْتِهَا أَوْ قَبْلَ دُخُولِهِ أَعَادَهَا قَطْعًا أَوْ عَلِمَ بِهِ بَعْدَهُ (قَضَى) الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ (فِي الْأَظْهَرِ) لِفَوَاتِ شَرْطِهَا وَهُوَ الْوَقْتُ، وَمُقَابِلُ
[حاشية الشبراملسي]
بِالِاجْتِهَادِ (قَوْلُهُ: كَصَوْتِ دِيكٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُصَلِّي بِمُجَرَّدِ سَمَاعِ صَوْتِ الدِّيكِ وَنَحْوِهِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الْحَلَبِيُّ: وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ عَلَامَةً يَجْتَهِدُ بِهَا كَأَنْ يَتَأَمَّلَ فِي الْخِيَاطَةِ الَّتِي فَعَلَهَا هَلْ أَسْرَعَ فِيهَا عَنْ عَادَتِهِ أَوْ لَا، وَهَلْ أَذَّنَ الدِّيكُ قَبْلَ عَادَتِهِ بِأَنْ كَانَ ثَمَّ عَلَامَةً يَعْرِفُ بِهَا وَقْتَ أَذَانِهِ الْمُعْتَادِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ.
قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: اجْتَهَدَ بِوِرْدٍ وَنَحْوِهِ، فَجَعَلَ الْوِرْدَ وَنَحْوَهُ آلَةً لِلِاجْتِهَادِ وَلَمْ يَقُلْ اعْتَمَدَ عَلَى وِرْدٍ وَنَحْوِهِ اهـ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ (قَوْلُهُ: إنْ عَجَزَ عَنْ الْيَقِينِ) أَيْ بِالصَّبْرِ حَتَّى يَدْخُلَ الْوَقْتُ بِحَيْثُ إنَّهُ لَوْ صَبَرَ طَلَبًا لِتَحَقُّقِ الْوَقْتِ لَا يَرْجُو بِهِ مَعْرِفَتَهُ، قَالَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ: أَوْ بِخُرُوجِهِ مِنْ ظُلْمَةِ وَرُؤْيَةِ الشَّمْسِ اهـ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُخْبِرْهُ ثِقَةٌ) وَفِي مَعْنَاهُ مِزْوَلَةٌ وَضَعَهَا عَدْلٌ أَوْ فَاسِقٌ وَمَضَى عَلَيْهَا زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ اطِّلَاعُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالْعَدْلِ عَلَيْهَا وَلَمْ يَطْعَنُوا فِيهَا (قَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ) أَيْ الِاجْتِهَادِ وَالْعَمَلِ بِقَوْلِ الثِّقَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمْكَنَهُ) مُعْتَمَدٌ وَمِنْهُ مَا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ خَرَجَ مِنْ مَحَلِّهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ رَأَى الشَّمْسَ وَأَمْكَنَهُ الْيَقِينُ (قَوْلُهُ: وَالْبَصِيرَةِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ فَالْمُرَادُ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا التَّقْلِيدَ (قَوْلُهُ: ثِقَةٌ عَارِفٌ) أَيْ بِدُخُولِ الْوَقْتِ كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي أَنَّ لَهُ تَقْلِيدَ الثِّقَةِ الْعَارِفِ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ بِالِاجْتِهَادِ (قَوْلُهُ: الْإِعَادَةُ مُطْلَقًا) أَيْ تَبَيَّنَ أَنَّ صَلَاتَهُ فِي الْوَقْتِ أَوْ لَا (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ لِلْمُنَجِّمِ) بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا نَقَلَهُ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ الشَّارِحِ، وَعِبَارَتُهُ فَرْعٌ: قَالُوا لِلْمُنَجِّمِ اعْتِمَادُ حِسَابِهِ وَلَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ.
وَاعْتَمَدَ م ر أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِمَادُ حِسَابِهِ عَلَى طَرِيقِ مَا اعْتَمَدَهُ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَانَ إذَا عَرَفَهُ بِالْحِسَابِ وَيُجْزِيهِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ تَقْلِيدُهُمَا) سَيَأْتِي فِي الصَّوْمِ أَنَّ لِغَيْرِهِ الْعَمَلَ بِهِ فَيَحْتَمِلُ مَجِيئَهُ هُنَا، وَأَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ أَمَارَاتِ دُخُولِ الْوَقْتِ أَكْثَرُ وَأَيْسَرُ مِنْ أَمَارَاتِ دُخُولِ رَمَضَانَ اهـ سم عَلَى حَجّ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْفَرْقِ فَإِنَّ الْمَدَارَ عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ دُخُولُ الْوَقْتِ وَهُوَ حَاصِلٌ حَيْثُ اعْتَقَدَ صِدْقَهُ، ثُمَّ رَأَيْت م ر صَرَّحَ بِهِ فِي فَتَاوِيهِ هَذَا، وَقَضِيَّةُ مَا ذَكَرَ أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى مَنَازِلِ الْقَمَرِ وَعَلَى أَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ يَكُونُ عِنْدَ طُلُوعِ النَّجْمِ الْفُلَانِيِّ لَيْسَ اعْتِمَادًا عَلَى أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ لِأَنَّ أَدِلَّتَهَا غَيْرُ مَا ذُكِرَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ سَمَاعَ
[حاشية الرشيدي]
[جَهِلَ الْوَقْتَ لِغَيْمٍ أَوْ حَبْسٍ]
قَوْلُهُ: امْتَنَعَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ) لَعَلَّ الْمُرَادَ امْتِنَاعُ الْأَخْذِ بِقَضِيَّةِ الِاجْتِهَادِ حِينَئِذٍ
الْأَظْهَرِ قَضَاءٌ اعْتِبَارًا بِمَا فِي ظَنِّهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ وُقُوعَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ بِأَنْ لَمْ يَبِنْ الْحَالُ أَوْ بَانَ وُقُوعُهَا فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ (فَلَا) قَضَاءَ عَلَيْهِ وَالْوَاقِعَةُ بَعْدَهُ قَضَاءٌ لَكِنْ لَا إثْمَ فِيهَا (وَيُبَادِرُ بِالْفَائِتِ) اسْتِحْبَابًا مُسَارَعَةً لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ إنْ فَاتَ بِعُذْرٍ كَنَوْمٍ وَنِسْيَانٍ، وَوُجُوبًا إنْ فَاتَ بِغَيْرِ عُذْرٍ تَعْجِيلًا لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ لِخَبَرِ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» .
(وَيُسَنُّ) (تَرْتِيبُهُ) أَيْ الْفَائِتِ فَيَقْضِي الصُّبْحَ قَبْلَ الظُّهْرِ وَهَكَذَا لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَأَطْلَقَ الْأَصْحَابُ تَرْتِيبَ الْفَوَائِتِ فَاقْتَضَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَفُوتَ كُلُّهَا بِعُذْرٍ أَوْ عَمْدًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ حَيْثُ قَالَ فِيمَا لَوْ فَاتَ بَعْضُهَا عَمْدًا إنَّ قِيَاسَ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ فَوْرًا أَنْ تَجِبَ الْبُدَاءَةُ بِهِ وَإِنْ فَاتَ التَّرْتِيبُ الْمَحْبُوبُ.
قَالَ: وَكَذَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْحَاضِرَةِ الْمُتَّسِعِ وَقْتُهَا، وَقَدْ عَارَضَ بَحْثَهُ الْمَذْكُورَ خُرُوجُنَا مِنْ خِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي التَّرْتِيبِ إذْ هُوَ خِلَافٌ فِي الصِّحَّةِ، فَرِعَايَتُهُ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ التَّكْمِيلَاتِ الَّتِي تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا (وَ) يُسَنُّ (تَقْدِيمُهُ عَلَى الْحَاضِرَةِ الَّتِي لَا يُخَافُ فَوْتُهَا) لِحَدِيثِ الْخَنْدَقِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى يَوْمَهُ الْعَصْرَ بَعْدَ
[حاشية الشبراملسي]
الْمُؤَذِّنِ الثِّقَةِ الْعَارِفِ بِالْأَدِلَّةِ كَالْإِخْبَارِ عَنْ عِلْمٍ.
(قَوْلُهُ: فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) ظَاهِرُهُ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا، وَلَوْ قِيلَ بِالنَّدْبِ لِتَرَدُّدِهِ فِي الْفِعْلِ هَلْ وَقَعَ فِي الْوَقْتِ أَوْ لَا لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا (قَوْلُهُ: وَالْوَاقِعَةُ بَعْدَهُ قَضَاءٌ) قَالَ حَجّ: وَثَوَابُ الْقَضَاءِ دُونَ ثَوَابِ الْأَدَاءِ وَإِنْ فَاتَ بِعُذْرٍ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا فَاتَ بِعُذْرٍ وَكَانَ عَزْمُهُ عَلَى الْفِعْلِ وَإِنَّمَا تَرَكَهُ لِقِيَامِ الْعُذْرِ بِهِ حَصَلَ لَهُ ثَوَابٌ عَلَى الْعَزْمِ يُسَاوِي ثَوَابَ الْأَدَاءِ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَنِسْيَانٍ) يَنْبَغِي إلَّا أَنْ يَنْشَأَ النِّسْيَانُ عَنْ مَنْهِيٍّ عَنْهُ كَلَعِبِ الشِّطْرَنْجِ فَلَا يَكُونُ عُذْرًا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَبِهِ صَرَّحَ حَجّ، وَبِهَذَا يُخَصَّصُ خَبَرُ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» وَبَقِيَ مَا لَوْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَعَزَمَ عَلَى الْفِعْلِ ثُمَّ تَشَاغَلَ فِي مُطَالَعَةٍ أَوْ صَنْعَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ غَافِلٌ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّ هَذَا نِسْيَانٌ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ تَقْصِيرٍ مِنْهُ، كَمَا حُكِيَ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ أَنَّهُ شَرَعَ فِي الْمُطَالَعَةِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فَاسْتَغْرَقَ فِيهَا حَتَّى لَذَعَهُ حَرُّ الشَّمْسِ فِي جَبْهَتِهِ (قَوْلُهُ: وَوُجُوبًا إنْ فَاتَ بِغَيْرِ عُذْرٍ) .
[فَرْعٌ] الْمُعْتَمَدُ فِيمَا لَوْ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ عَمْدًا أَنَّهُ لَا تَجِبُ إعَادَتُهَا فَوْرًا وَأَنَّهُ إنْ فَعَلَهَا فِي الْوَقْتِ فَهِيَ أَدَاءٌ وَإِلَّا فَقَضَاءٌ اهـ عَلَى مَنْهَجٍ.
وَتَقَدَّمَ حُكْمُ هَذَا الْفَرْعِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ عَنْ مَصِيرِ الظِّلِّ مِثْلَيْنِ (قَوْلُهُ: فَلْيُصَلِّهَا) دَلَّ عَلَى طَلَبِ الصَّلَاةِ وَقْتَ تَذَكُّرِهَا وَهُوَ يُفِيدُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَكَوْنَ الْقَضَاءِ عَلَى الْفَوْرِ؛ صَرَفَ عَنْ الْفَوْرِ «أَنَّهُ لَمَّا نَامَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ فِي الْوَادِي حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ ارْتَحَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ثُمَّ سَارَ مُدَّةً ثُمَّ نَزَلَ وَصَلَّى» ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ فَوْرِيَّةِ الْقَضَاءِ وَبَقِيَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ.
(قَوْلُهُ كُلُّهَا) أَيْ أَوْ بَعْضُهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ وَبَعْضُهَا بِهِ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ حَيْثُ قَالَ: فِيمَا لَوْ فَاتَ بَعْضُهَا عَمْدًا إلَخْ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ) مُرَادُهُ حَجّ (قَوْلُهُ: فِي التَّرْتِيبِ) وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يُعَارِضُ وُجُوبَ تَقْدِيمِ مَا فَاتَ بِغَيْرِ عُذْرٍ عَلَى الْحَاضِرَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ: مِنْ خِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي التَّرْتِيبِ شَامِلٌ لَهُ (قَوْلُهُ: صَلَّى يَوْمَهُ الْعَصْرَ) لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْعَصْرِ بَلْ ذِكْرُ الشَّارِحِ لَهُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ عَلَى الْحَاضِرَةِ وَبِتَقْدِيرِ خُصُوصِيَّتِهِ فَيَحْتَمِلُ تَعَدُّدَ الْوَاقِعَةِ، فَإِنَّ أَيَّامَ الْخَنْدَقِ كَانَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَلَفْظُهُ «حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى ذَهَبَ هَوِيٌّ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى
[حاشية الرشيدي]
[صَلَّى بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّ صَلَاتَهُ وَقَعَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ بَعْضُهَا]
قَوْلُهُ: لِخَبَرِ مَنْ نَامَ إلَخْ) هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَصْلِ الْمُبَادَرَةِ فَقَطْ
[تَرْتِيبُ الْفَائِتِ مِنْ الصَّلَاة]
(قَوْلُهُ كُلُّهَا بِعُذْرٍ أَوْ عَمْدًا) أَيْ: وَبَعْضُهَا بِعُذْرٍ وَبَعْضُهَا عَمْدًا لِيَتَأَتَّى قَوْلُهُ: خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ (قَوْلُهُ: وَقَدْ عَارَضَ بَحْثَهُ الْمَذْكُورَ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِبَحْثِهِ الْمَذْكُورِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ حَيْثُ قَالَ: فِيمَا لَوْ فَاتَ بَعْضُهَا عَمْدًا أَنَّ قِيَاسَ قَوْلِهِمْ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ التَّكْمِيلَاتِ) لَا مَحَلَّ لَهُ هُنَا
مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ» ، فَإِنْ خَافَ فَوْتَهَا وَجَبَ تَقْدِيمُ الْحَاضِرَةِ لِأَنَّ الْوَقْتَ تَعَيَّنَ لَهَا وَلِئَلَّا تَصِيرَ الْأُخْرَى قَضَاءً، وَتَعْبِيرُهُ بِالْفَوَاتِ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ التَّرْتِيبِ أَيْضًا إذَا أَمْكَنَهُ إدْرَاكُ رَكْعَةٍ مِنْ الْحَاضِرَةِ لِأَنَّهَا لَمْ تَفُتْ، وَبِهِ جَزَمَ فِي الْكِفَايَةِ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُحَرَّرِ وَالتَّحْقِيقِ وَالرَّوْضِ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ إذْ هُوَ خِلَافٌ فِي الصِّحَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ إنَّ فِيهِ نَظَرًا لِمَا فِيهِ مِنْ إخْرَاجِ بَعْضِ الصَّلَاةِ عَنْ الْوَقْتِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ مَحَلَّ تَحْرِيمِ إخْرَاجِ بَعْضِهَا عَنْ وَقْتِهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَلَوْ شَرَعَ فِي الْحَاضِرَةِ ثُمَّ ذَكَرَ الْفَائِتَةَ وَهُوَ فِيهَا وَجَبَ إتْمَامُ الْحَاضِرَةِ ضَاقَ وَقْتُهَا أَمْ اتَّسَعَ.
ثُمَّ يَقْضِي الْفَائِتَةَ وَيُسَنُّ لَهُ إعَادَةُ الْحَاضِرَةِ؛ وَلَوْ دَخَلَ فِي الْفَائِتَةِ مُعْتَقِدًا سَعَةَ الْوَقْتِ فَبَانَ ضِيقُهُ وَجَبَ قَطْعُهَا وَالشُّرُوعُ فِي الْحَاضِرَةِ.
وَيُسَنُّ إيقَاظُ النَّائِمِينَ لِلصَّلَاةِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهَا، فَإِنْ عَصَى بِنَوْمِهِ وَجَبَ عَلَى مَنْ عَلِمَ بِحَالِهِ إيقَاظُهُ، وَكَذَا يُسْتَحَبُّ إيقَاظُهُ إذَا رَآهُ نَائِمًا أَمَامَ الْمُصَلِّينَ أَوْ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ مِحْرَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى سَطْحٍ لَا إجَارَةَ لَهُ أَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، لِأَنَّ الْأَرْضَ تَعِجُّ إلَى اللَّهِ مِنْ نَوْمَةِ عَالِمٍ حِينَئِذٍ أَوْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَوْ خَالِيًا فِي بَيْتٍ وَحْدَهُ
[حاشية الشبراملسي]
كُفِينَا، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، فَصَلَّاهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ أَقَامَ الْمَغْرِبَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ» اهـ شَرْحُ الْبَهْجَةِ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَهَوِيٌّ كَغَنِيٍّ وَيُضَمُّ وَتَهْوَاءٌ مِنْ اللَّيْلِ: سَاعَةٌ مِنْهُ اهـ.
قُلْت: وَاللَّيْلُ يَدْخُلُ بِالْغُرُوبِ فَيَصْدُقُ قَوْلُ الشَّارِحِ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ إلَخْ.
نَعَمْ نُقِلَ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ تَفْسِيرُ الْهَوِيِّ بِثُلُثِ اللَّيْلِ، وَحِينَئِذٍ فَيُشْكِلُ قَوْلُ الشَّارِحِ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ، وَالِاسْتِدْلَالُ لِأَنَّ الْمَغْرِبَ حِينَئِذٍ لَيْسَتْ حَاضِرَةً فَلَا مُخَلِّصَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِالْحَمْلِ عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ خَافَ فَوْتَهَا) أَيْ عَدَمَ إدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْهَا فِي الْوَقْتِ عَلَى مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ) خَالَفَ فِيهِ حَجّ فَقَالَ: أَمَّا إذَا خَافَ فَوْتَ الْحَاضِرَةِ بِأَنْ يَقَعَ بَعْضُهَا وَإِنْ قَلَّ خَارِجَ الْوَقْتِ فَيَلْزَمُهُ الْبُدَاءَةُ بِهَا لِحُرْمَةِ خُرُوجِ بَعْضِهَا عَنْ الْوَقْتِ مَعَ إمْكَانِ فِعْلِ كُلِّهَا فِيهِ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ لَهُ) أَيْ وَلَوْ مُنْفَرِدًا وَبَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ بِبُطْلَانِهَا إذَا عَلِمَ بِالْفَائِتَةِ قَبْلَ فَرَاغِ الْحَاضِرَةِ (قَوْلُهُ: سَعَةَ الْوَقْتِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا، وَنَظَمَ اللُّغَتَيْنِ شَيْخُنَا الدَّنَوْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ:
وَسَعَةٌ بِالْفَتْحِ فِي الْأَوْزَانِ ... وَالْكَسْرُ مَحْكِيٌّ عَنْ الصَّاغَانِيِّ
(قَوْلُهُ: وَجَبَ قَطْعُهَا) هَلَّا سُنَّ قَلْبُهَا نَفْلًا وَالسَّلَامُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَرَاجِعْ، ثُمَّ رَأَيْت م ر قَالَ: إنَّهُ يُسَنُّ قَلْبُهَا نَفْلًا سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ وَجَبَ قَطْعُهَا عَلَى مَعْنَى امْتَنَعَ إتْمَامُهَا فَرْضًا فَلَا يُنَافِي سَنُّ قَلْبِهَا نَفْلًا.
(قَوْلُهُ: لَا سِيَّمَا عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهَا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إيقَاظُهُمْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَإِنْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنَّهُمْ يَسْتَيْقِظُونَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُهُمْ فِيهِ الْفِعْلُ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ غَرَضٌ يَحْمِلُهُمْ عَلَى النَّوْمِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَمْ لَا، وَلَعَلَّ هَذَا الْأَخِيرَ غَيْرُ مُرَادٍ (قَوْلُهُ أَمَامَ الْمُصَلِّينَ) أَيْ حَيْثُ قَرُبَ مِنْهُمْ بِحَيْثُ يُعَدُّ عُرْفًا سُوءَ أَدَبٍ (قَوْلُهُ: أَوْ مِحْرَابِ الْمَسْجِدِ) أَيْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ فِيهِ حَتَّى لَوْ اعْتَادَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ الْمِحْرَابِ لَا يُسَنُّ إيقَاظُ النَّائِمِ فِيهِ وَقْتَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: لَا إجَّارَ لَهُ) أَيْ لَا حَاجِزَ لَهُ.
وَوُجِدَ بِبَعْضِ الْهَوَامِشِ مَا نَصُّهُ وُجِدَ بِخَطِّ بَعْضِهِمْ مُصَلَّحًا لَا حِجَارَ لَهُ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ رَاءٌ جَمْعُ حِجْرٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَهُوَ الْحَائِطُ الْمُحِيطَةُ بِالسَّاحَةِ وَالْمُرَادُ بِهَا مَا يَحْجِزُ الْإِنْسَانَ النَّائِمَ وَيَمْنَعُهُ مِنْ الْوُقُوعِ وَالسُّقُوطِ مُؤَلِّفٌ.
وَفِي الْمُخْتَارِ: وَالْإِجَّارُ السَّطْحُ، وَعَلَيْهِ فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ هُنَا وَعَلَى سَطْحٍ لَا سَطْحَ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَالْأَوْلَى مَا ذُكِرَ عَنْ الْمُؤَلِّفِ (قَوْلُهُ أَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ صَلَّى الصُّبْحَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَرْضَ تَعِجُّ إلَى اللَّهِ) أَيْ تَرْفَعُ صَوْتَهَا.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: عَجَّ عَجًّا مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَعَجِيجًا أَيْضًا رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ.
وَفِي الْمُخْتَارِ: الْعَجُّ رَفْعُ الصَّوْتِ اهـ فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِتَلْبِيَةٍ وَلَا غَيْرِهَا.
وَفِي الْقَامُوسِ: عَجَّ يَعِجُّ وَيَعَجُّ كَيَمَلُّ (قَوْلُهُ: مِنْ نَوْمَةِ عَالِمٍ)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَبَانَ ضِيقُهُ) أَيْ عَنْ رَكْعَةٍ بِقَرِينَةِ مَا مَرَّ
فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، أَوْ نَامَتْ الْمَرْأَةُ مُسْتَلْقِيَةً وَوَجْهُهَا إلَى السَّمَاءِ قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ، أَوْ نَامَ رَجُلٌ مُنْبَطِحًا عَلَى وَجْهِهِ فَإِنَّهَا ضِجْعَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ، وَيُسَنُّ إيقَاظُ غَيْرِهِ أَيْضًا لِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَلِلتَّسَحُّرِ، وَمَنْ نَامَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ وَالنَّائِمِ بِعَرَفَاتٍ وَوَقْتَ الْوُقُوفِ لِأَنَّهُ وَقْتُ طَلَبٍ وَتَضَرُّعٍ، وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِشَاءِ هَلْ لَهُ صَلَاةُ الْوِتْرِ قَبْلَ قَضَائِهَا؟ وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا عَدَمُ الْجَوَازِ.
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ فَوَائِتُ وَأَرَادَ قَضَاءَهَا هَلْ يَبْدَأُ بِالصُّبْحِ أَوْ الظُّهْرِ؟ حَكَى الطَّبَرِيُّ شَارِحُ التَّنْبِيهِ فِيهِ وَجْهَيْنِ وَأَوْجَهُهُمَا أَنَّهُ يَبْدَأُ بِاَلَّتِي فَاتَتْهُ أَوَّلًا مُحَافَظَةً عَلَى التَّرْتِيبِ.
وَمَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ لَا يَعْرِفُ عَدَدَهَا قَالَ الْقَفَّالُ: يَقْضِي مَا تَحَقَّقَ تَرْكُهُ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: يَقْضِي مَا زَادَ عَلَى مَا تَحَقَّقَ فِعْلُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَلَوْ تَيَقَّظَ مِنْ نَوْمِهِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ مَا لَا يَسَعُ إلَّا الْوُضُوءَ أَوْ بَعْضَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ فَاتَتْهُ بِعُذْرٍ فَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا فَوْرًا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ بِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ) أَيْ أَوْ بَعْدَ صَلَاةِ النَّاسِ الْعَصْرَ: أَيْ وَلَوْ صَلَّاهَا أَيْضًا (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ) اُنْظُرْ وَجْهَ الْكَرَاهَةِ وَلَعَلَّهُ الْوَحْشَةُ.
الَّتِي تَحْصُلُ لِلنَّائِمِ وَحْدَهُ فَإِنَّهَا رُبَّمَا أَدَّتْ إلَى اخْتِلَالِ عَقْلِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ أَبَدًا، وَلَا نَامَ رَجُلٌ فِي بَيْتٍ وَحْدَهُ» طس عَنْ جَابِرٍ خ عَنْ ابْنِ عُمَرَ اهـ دُرَرِ الْبِحَارِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ اشْتَمَلَتْ الدَّارُ عَلَى بُيُوتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَنَامَ وَحْدَهُ فِي بَيْتٍ مِنْهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْوَحْشَةِ (قَوْلُهُ: مُسْتَلْقِيَةً) وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ لَمَّا كَانَتْ تَفْعَلُهَا الْمَرْأَةُ عِنْدَ جِمَاعِهَا نُهِيَ عَنْهَا لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِتَذَكُّرِ تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْهَا أَوْ مِمَّنْ يَرَاهَا نَائِمَةً أَوْ أَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِانْكِشَافِ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا وَالْمَطْلُوبُ مِنْهَا السَّتْرُ، وَلَا يَخْتَصُّ مَا ذُكِرَ بِالْبَالِغَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ فَاحِشَةٌ لِلْأُنْثَى مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَلَكِنَّ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْبَالِغَةِ تَتَعَلَّقُ بِوَلِيِّهَا لِأَنَّ خِطَابَ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ يَتَعَلَّقُ بِوَلِيِّهِ (قَوْلُهُ: أَوْ نَامَ رَجُلٌ مُنْبَطِحًا) أَيْ أَوْ امْرَأَةٌ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا ضِجْعَةٌ) بِالْكَسْرِ اسْمٌ لِلْهَيْئَةِ (قَوْلُهُ: يُبْغِضُهَا اللَّهُ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ مِنْ الْإِبْغَاضِ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: بَغُضَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ بَغَاضَةً فَهُوَ بَغِيضٌ، وَأَبْغَضْته إبْغَاضًا فَهُوَ مُبْغَضٌ وَالِاسْمُ الْبُغْضُ.
قَالُوا: وَلَا يُقَالُ بَغَضْته بِغَيْرِ أَلِفٍ اهـ.
وَفِي الْقَامُوسِ: أَنَّ يَبْغُضُنِي بِضَمِّ الْغَيْنِ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ) أَيْ لِلشَّخْصِ إيقَاظُ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِصَلَاةِ اللَّيْلِ) أَيْ إذَا عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَفْعَلُهَا (قَوْلُهُ: وَمَنْ نَامَ وَفِي يَدِهِ) التَّقْيِيدُ بِهَا لِلْغَالِبِ، وَمِثْلُهَا ثِيَابُهُ وَبَقِيَّةُ بَدَنِهِ.
وَالْحِكْمَةُ فِي طَلَبِ إيقَاظِهِ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي لِلْغَمَرِ وَرُبَّمَا آذَى صَاحِبَهُ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْيَدَ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ نَامَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ فَأَصَابَهُ وَضَحٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» اهـ.
وَالْوَضَحُ هُوَ الْبَرَصُ.
وَقَوْلُهُ: غَمَرٌ هُوَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ رِيحُ اللَّحْمِ، وَعِبَارَتُهُ الْغَمَرُ بِالتَّحْرِيكِ رِيحُ اللَّحْمِ وَمَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ مِنْ دَسَمِهِ (قَوْلُهُ: أَوْجَهُهَا إلَخْ) لَيْسَ هَذَا أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ لِجَوَازِ أَنَّ مَا فَاتَهُ أَوَّلًا هُوَ الْمَغْرِبُ أَوْ الْعِشَاءُ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَالْأَوْجَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِمَا فَاتَهُ أَوَّلًا بِلَا إضَافَةِ الْأَوْجَهِ لِلضَّمِيرِ فَإِنَّهُ رُدِّدَ فِي الْوَجْهَيْنِ بَيْنَ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ، وَيُحْتَمَلُ أَوَّلُ مَا فَاتَهُ غَيْرُ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْوَجْهَانِ فِي كَلَامِ شَارِحِ التَّنْبِيهِ غَيْرُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَقَدْ يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: وَجْهَيْنِ بِدُونِ أَلْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ أَنَّ مَا شَكَّ فِي فِعْلِهِ لَا يَقْضِيهِ عَلَى الْأَوَّلِ وَيَقْضِيهِ عَلَى الثَّانِي (قَوْلُهُ: مَا لَا يَسَعُ إلَّا الْوُضُوءَ أَوْ بَعْضَهُ) أَفْهَمَ
[حاشية الرشيدي]
[إيقَاظُ النَّائِمِينَ لِلصَّلَاةِ]
قَوْلُهُ: غَمَرٌ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ دُهْنٌ وَنَحْوُهُ (قَوْلُهُ: وَقْتَ الْوُقُوفِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ الْوَقْتُ الَّذِي يَجْتَمِعُ النَّاسُ فِيهِ لِلدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ لَا مُطْلَقُ الْوَقْتِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الْوُقُوفُ (قَوْلُهُ: أَوْجَهُهُمَا) لَيْسَ هَذَا أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ حَتَّى يُقَالَ: إنَّهُ أَوْجَهُهُمَا، فَفِي الْعِبَارَةِ مُسَاهَلَةٌ
وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْفَرِيضَةِ هَلْ فَعَلَهَا أَوْ لَا لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا كَمَا لَوْ شَكَّ فِي النِّيَّةِ وَلَوْ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ وَقْتِهَا هَلْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَوْ لَا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَمَا أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ.
(وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ (عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ) لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ» وَالظَّهِيرَةُ شِدَّةُ الْحَرِّ كَمَا مَرَّ، وَقَائِمُهَا هُوَ الْبَعِيرُ يَكُونُ بَارِكًا فَيَقُومُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الْأَرْضِ، وَتَضَيَّفُ بِمُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتُ مُشَدَّدَةٍ: أَيْ تَمِيلُ، وَمِنْهُ الضَّيْفُ تَقُولُ: أَضَفْت فُلَانًا إذَا أَمَلْته إلَيْك وَأَنْزَلْته عِنْدَك، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ مِنْ كَرَاهَةِ الدَّفْنِ مَحَلُّهُ إذَا تَحَرَّاهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ وَقْتَ الِاسْتِوَاءِ لَطِيفٌ لَا يَتَّسِعُ لِصَلَاةٍ وَلَا يَكَادُ يُشْعَرُ بِهِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إلَّا أَنَّ التَّحَرُّمَ قَدْ يُمْكِنُ إيقَاعُهُ فِيهِ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ (إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهَا لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ مُرْسَلًا لِاعْتِضَادِهِ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَحَبَّ التَّبْكِيرَ إلَيْهَا ثُمَّ رَغِبَ فِي الصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ (وَ) تُكْرَهُ أَيْضًا (بَعْدَ) أَدَاءِ (الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ كَرُمْحٍ) فِي رَأْيِ الْعَيْنِ وَإِلَّا فَالْمَسَافَةُ بَعِيدَةٌ جِدًّا وَهُوَ تَقْرِيبٌ (وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ) أَدَاءً وَلَوْ مَجْمُوعَةً فِي وَقْتِ الظُّهْرِ (حَتَّى تَغْرُبَ) لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَرَوَى مُسْلِمٌ «فَإِنَّهَا تَطْلُعُ وَتَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ» وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ وَبَقِيَ لِلْكَرَاهَةِ وَقْتَانِ آخَرَانِ ذَكَرَهُمَا الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَالْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ، وَهُمَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ،
[حاشية الشبراملسي]
أَنَّهُ لَوْ اسْتَيْقَظَ وَقَدْ بَقِيَ مَا يَسَعُ الْوُضُوءَ وَبَعْضَ الصَّلَاةِ كَالتَّحَرُّمِ وَجَبَ فِعْلُهُ حَتَّى لَوْ أَخَّرَ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ عَصَى بِذَلِكَ وَوَجَبَ قَضَاؤُهَا فَوْرًا.
وَمِثْلُ الْوُضُوءِ الْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ، بَلْ كُلُّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ سَتْرِ عَوْرَتِهِ (قَوْلُهُ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ) فَلَوْ فَعَلَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَيْهِ لَا تُجْزِيهِ فَتَجِبُ إعَادَتُهَا اهـ سم عَلَى حَجّ بِالْمَعْنَى.
وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ الشَّكَّ فِي كَوْنِهَا عَلَيْهِ أَوْ لَا شَكٌّ فِي سَبَبِ الْوُجُوبِ، كَمَا لَوْ انْقَطَعَ دَمُ الْحَائِضِ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ وَشَكَّ فِي أَنْ ذَلِكَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا وُجُوبَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، بِخِلَافِ مَنْ شَكَّ هَلْ فَعَلَ أَوْ لَا فَإِنَّهُ عَلِمَ بِاشْتِغَالِ الذِّمَّةِ وَشَكَّ فِي الْمُسْقِطِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَيُؤْخَذُ هَذَا التَّوْجِيهُ مِنْ قَوْلِ حَجّ، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ شَكَّهُ فِي اللُّزُومِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْفِعْلِ شَكٌّ فِي اجْتِمَاعِ شُرُوطِ اللُّزُومِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، بِخِلَافِهِ فِي الْفِعْلِ فَإِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِتَيَقُّنِ اللُّزُومِ وَالشَّكُّ فِي الْمُسْقِطِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
(قَوْلُهُ: عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ) أَيْ يَقِينًا فَلَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (قَوْلُهُ: أَوْ نَقْبُرُ) بَابُهُ ضَرَبَ وَنَصَرَ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ) يَعْنِي تَمِيلُ وَهُوَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ فَالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ وَأَصْلُهُ تَتَضَيَّفُ حُذِفَ مِنْهُ إحْدَى التَّاءَيْنِ اهـ مِنْ الْبَحْرِ شَرْحُ الْكَنْزِ لِزَيْنِ الْحَنَفِيِّ.
وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ وَمِنْهُ الضَّيْفُ أَنَّ التَّاءَ مَضْمُومَةٌ وَالْيَاءَ الْمُشَدَّدَةَ مَكْسُورَةٌ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ فَإِنَّ قَوْلَهُ حَتَّى تَمِيلَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَضَيَّفَنِي فَضَيَّفْته إذَا طَلَبَ الْقِرَى فَقَرَيْته (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهَا) لَا يُقَالُ: الْعِلَّةُ الْآتِيَةُ تُخْرِجُهُ.
لِأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ حُضُورَهَا لَنْ تَلْزَمَهُ وَلِغَيْرِهِ تَوَسَّعُوا فِي جَوَازِ التَّنَفُّلِ لَهُ وَأَلْحَقُوهُ بِمَنْ حَضَرَهَا بِالْفِعْلِ (قَوْلُهُ: «بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ» ) ع وَفِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِهِ أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا،
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ وَقْتِهَا إلَخْ) لَعَلَّ صُورَتَهُ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ مَانِعٌ فِي الْوَقْتِ كَإِغْمَاءٍ وَشَكَّ هَلْ حَصَلَ لَهُ فِيهِ إفَاقَةٌ فَلَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ أَوْ لَا
وَعِنْدَ الِاصْفِرَارِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَيُمْكِنُ انْدِرَاجُهُمَا فِي عِبَارَتِهِ بِتَأْوِيلٍ غَيْرَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ بَعْدَ أَدَاءِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ خَاصَّةً بِمَنْ صَلَّى وَعِنْدَ الطُّلُوعِ وَالِاصْفِرَارِ، لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ وَالْعَصْرَ وَمَنْ لَمْ يُصَلِّهِمَا، وَيَتَّسِعُ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ فِي الْأَوَّلَيْنِ لِمَنْ بَادَرَ بِفِعْلِ الْفَرْضِ أَوَّلَ وَقْتِهِ، وَيَضِيقُ لِمَنْ أَخَّرَهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَيَجْتَمِعُ الْكَرَاهَتَانِ فِيمَنْ فَعَلَ الْفَرْضَ وَدَخَلَ عَلَيْهِ كَرَاهَةُ الْوَقْتِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْمُرَادُ بِحَصْرِ الْكَرَاهَةِ فِي الْأَوْقَاتِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوْقَاتِ الْأَصْلِيَّةِ، فَسَتَأْتِي كَرَاهَةُ التَّنَفُّلِ فِي وَقْتِ إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَوَقْتِ صُعُودِ الْإِمَامِ لِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ اهـ.
وَالْأُولَى إنَّمَا تَرِدُ إذَا قُلْنَا بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلتَّنْزِيهِ وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الطَّهَارَةِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، أَمَّا إذَا قُلْنَا بِأَنَّهَا لِلتَّحْرِيمِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ فَلَا، وَلَا تَرِدُ الثَّانِيَةُ أَيْضًا لِذِكْرِهِمْ لَهَا فِي بَابِهَا، وَزَادَ بَعْضُهُمْ كَرَاهَةَ وَقْتَيْنِ آخَرَيْنِ وَهُوَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى صَلَاتِهِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ إلَى صَلَاتِهِ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهَا لِلتَّنْزِيهِ (إلَّا لِسَبَبٍ) غَيْرِ مُتَأَخِّرٍ مُتَقَدِّمًا كَالْجِنَازَةِ وَالْفَائِتَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، أَوْ مُقَارِنًا كَكُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ وَإِعَادَةِ صَلَاةِ جَمَاعَةٍ وَمُتَيَمِّمٍ، وَأَشَارَ إلَى بَعْضِ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (كَفَائِتَةٍ) وَلَوْ نَافِلَةً تُقْضَى لِخَبَرِ «فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا»
[حاشية الشبراملسي]
فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا.
وَاخْتُلِفَ فِي الْقَرْنِ فَقِيلَ: قَوْمُهُ وَهُمْ عُبَّادُ الشَّمْسِ يَسْجُدُونَ لَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَقِيلَ إنَّهُ يُدْنِي رَأْسَهُ مِنْ الشَّمْسِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِيَكُونَ السَّاجِدُ لَهَا سَاجِدًا لَهُ اهـ.
وَانْظُرْ قَرْنَيْ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
قُلْت: يُمْكِنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا جَانِبَا الرَّأْسِ، وَعِبَارَةُ حَجّ: وَمَعْنَى كَوْنِهَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ أَنَّهُ يُلْصِقُ نَاصِيَتَهُ بِهَا اهـ.
وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِيمَا قُلْنَاهُ.
وَعِبَارَةُ حَجّ: وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا صَحَّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ مَعَ التَّقْيِيدِ بِالرُّمْحِ أَوْ الرُّمْحَيْنِ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى مُسْلِمٍ، لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ بِمَا يَأْتِي فِي الْعَرَايَا أَنَّهُمْ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الْخَمْسَةِ أَوْ الدُّونِ أَخَذُوا بِالْأَكْثَرِ وَهُوَ الْخَمْسَةُ احْتِيَاطًا، فَقِيَاسُهُ هُنَا امْتِدَادُ الْحُرْمَةِ لِلرُّمْحَيْنِ لِذَلِكَ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ الصَّلَاةِ إلَّا مَا تَحَقَّقَ مَنْعُهُ وَحُرْمَةُ الرِّبَا إلَّا مَا تَحَقَّقَ حِلُّهُ، فَأَثَرُ الشَّكِّ هُنَا الْأَخْذُ بِالزَّائِدِ وَثَمَّ الْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ عَمَلًا بِكُلٍّ مِنْ الْأَصْلَيْنِ فَتَأَمَّلْهُ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ الِاصْفِرَارِ حَتَّى تَغْرُبَ) أَيْ فَلَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ لَا سَبَبَ لَهَا قَبْلَ الِاصْفِرَارِ أَوْ الطُّلُوعِ وَعَلِمَ أَنَّهَا لَا تَتِمُّ إلَّا بَعْدَ الِاصْفِرَارِ أَوْ الطُّلُوعِ فَقِيَاسُ مَا لَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ لَا سَبَبَ لَهَا قَبْلَ صُعُودِ الْخَطِيبِ الْمِنْبَرَ وَعَلِمَ أَنَّهَا لَا تَتِمُّ إلَّا بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ (قَوْلُهُ: بِتَأْوِيلٍ غَيْرَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ فِيمَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَاصْفِرَارِهَا بَيْنَ مَنْ صَلَّى وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ وَفِيمَا قَبْلَهُمَا فِي حَقِّ مَنْ صَلَّى، فَصَحَّ إضَافَةُ الْكَرَاهَةِ لِمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ وَالصُّبْحَ إلَى الِارْتِفَاعِ وَالْغُرُوبِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَإِنْ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ بَعْدَ الطُّلُوعِ وَالِاصْفِرَارِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ كَوْنُ الصَّلَاةِ مَكْرُوهَةً (قَوْلُهُ: إلَى صَلَاتِهِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ قَبْلَ سُنَّتِهِمَا بَلْ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا الْكَرَاهَةُ وَإِنْ عَرَضَ مَا يَقْتَضِي التَّنَفُّلَ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ أَوْ الْوُضُوءِ قَبْلَ فِعْلِ السُّنَّةِ أَوْ بَعْدَهَا وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ فِي الْأَخِيرَةِ (قَوْلُهُ: كَفَائِتَةٍ) أَيْ وَكَنَافِلَةٍ اتَّخَذَهَا وِرْدًا، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
[حاشية الرشيدي]
[الصَّلَاةُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ]
قَوْلُهُ: بِتَأْوِيلٍ) اُنْظُرْ مَا وَجْهَهُ.
وَفِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مَا لَا يُشْفَى (قَوْلُهُ: إذْ قُلْنَا بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلتَّنْزِيهِ) أَيْ هُنَا (قَوْلُهُ: كَكُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ) جَعَلَهُمَا الشِّهَابُ حَجّ مِمَّا سَبَبُهُ مُتَقَدِّمٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّقَدُّمَ وَقَسِيمَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ.
وَوَجْهُ مَا صَنَعَهُ الشَّارِحُ أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي هُوَ الْكُسُوفُ أَوْ الْقَحْطُ مَوْجُودٌ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَإِنْ تَقَدَّمَ ابْتِدَاؤُهُ، وَالصَّلَاةُ إنَّمَا هِيَ لِهَذَا الْمَوْجُودِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ زَالَ امْتَنَعَتْ الصَّلَاةُ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ الْمَطْلُوبَةُ بَعْدَ السُّقْيَا، فَإِنَّمَا هِيَ لِلشُّكْرِ لَا لِطَلَبِ الْغَيْثِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَمُتَيَمِّمٍ) عِبَارَةُ حَجّ، وَالْمُعَادَةُ لِتَيَمُّمٍ أَوْ انْفِرَادٍ انْتَهَتْ، وَمُتَيَمِّمٍ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ مَعْطُوفٌ عَلَى صَلَاةِ
وَخَبَرِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ: هُمَا اللَّتَانِ بَعْدَ الظُّهْرِ» وَفِي مُسْلِمٍ «لَمْ يَزَلْ يُصَلِّيهِمَا حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» : أَيْ لِأَنَّ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ أَنَّهُ إذَا عَمِلَ عَمَلًا دَاوَمَ عَلَيْهِ فَفَعَلَهُمَا أَوَّلَ مَرَّةٍ قَضَاءً وَبَعْدَهُ نَفْلًا، فَلَيْسَ لِمَنْ قَضَى فِيهَا فَائِتَةً الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا وَجَعْلُهَا وِرْدًا.
وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْفَائِتَةَ تُفْعَلُ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ نَعَمْ يُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْفَائِتَةِ لِيَقْضِيَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ (وَ) صَلَاةِ (كُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ) وَرَكْعَتَيْ وُضُوءٍ (وَتَحِيَّةٍ) لِمَسْجِدٍ لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِ بِقَصْدِهَا فَقَطْ (وَسَجْدَةِ شُكْرٍ) وَتِلَاوَةٍ لَمْ يَقْرَأْ آيَتَهَا لِيَسْجُدَ وَإِنْ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ لِأَنَّ بَعْضَهَا لَهُ سَبَبٌ مُتَقَدِّمٌ وَبَعْضَهَا سَبَبُهُ مُقَارِنٌ إذْ نَحْوُ التَّحِيَّةِ وَالْكُسُوفِ مُعَرَّضٌ لِلْفَوَاتِ، وَمَنْ فَعَلَ صَلَاةً حُكِمَ بِكَرَاهَتِهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَثِمَ وَلَمْ تَنْعَقِدْ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْكَرَاهَةَ لِلتَّنْزِيهِ، لِأَنَّ النَّهْيَ إذَا رَجَعَ إلَى نَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْ لَازَمَهَا اقْتَضَى الْفَسَادَ سَوَاءٌ أَكَانَ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لِلتَّنْزِيهِ، وَأَيْضًا فَإِبَاحَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَوْلِ بِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا لَا تُنَافِي حُرْمَةَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ، مَعَ أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي إبَاحَةِ الْإِقْدَامِ عَلَى مَا لَا يَنْعَقِدُ إذَا كَانَتْ الْكَرَاهَةُ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ التَّلَاعُبَ، وَفَارَقَ كَرَاهَةُ الزَّمَانِ كَرَاهَةَ الْمَكَانِ حَيْثُ انْعَقَدَتْ فِيهِ مَعَهَا بِأَنَّ الْفِعْلَ فِي الزَّمَانِ يَذْهَبُ جُزْءٌ مِنْهُ فَكَانَ النَّهْيُ مُنْصَرِفًا لِإِذْهَابِ هَذَا الْجُزْءِ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَهُوَ وَصْفٌ لَازِمٌ، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ فِعْلٍ إلَّا بِإِذْهَابِ جُزْءٍ مِنْ الزَّمَانِ، وَأَمَّا الْمَكَانُ فَلَا يَذْهَبُ جُزْءٌ مِنْهُ وَلَا يَتَأَثَّرُ بِالْفِعْلِ، فَالنَّهْيُ فِيهِ لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ مُجَاوِرٍ لَا لَازِمٍ فَحُقِّقَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُفَرَّقُ أَيْضًا بِاللُّزُومِ وَعَدَمِهِ، وَتَحْقِيقُ هَذَا أَنَّ الْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ لِلْعِبَادِ تَقْتَضِي زَمَانًا وَمَكَانًا وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَازِمٌ لِوُجُودِ الْفِعْلِ، لَكِنَّ الزَّمَانَ كَمَا يَلْزَمُ الْمَاهِيَّةَ دُونَ الْمَكَانِ، وَلِهَذَا يَنْقَسِمُ الْفِعْلُ بِحَسَبِ انْقِسَامِ الزَّمَانِ إلَى الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ وَالْحَالِ، فَكَانَ أَشَدَّ ارْتِبَاطًا
[حاشية الشبراملسي]
فَرْعٌ] تَذَكَّرَ وَقْتَ الْخُطْبَةِ تَرْكَ فَائِتَةٍ عَمْدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ هَلْ يَجُوزُ فِعْلُهَا؟ قَالَ شَيْخُنَا طب: يَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: أَيْ لِأَنَّ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ أَنَّهُ إلَخْ) قَالَ حَجّ: وَيَرُدُّهُ مَا يَأْتِي فِي مَعْنَى الرَّاتِبِ الْمُؤَكَّدِ وَغَيْرِهِ وَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَوْمِهِمْ عَنْ الصُّبْحِ قَضَى سُنَّتَهَا وَلَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ (قَوْلُهُ: فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ) أَيْ فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَعِبَارَةُ حَجّ: أَمَّا إذَا تَحَرَّى إيقَاعَ صَلَاةٍ غَيْرِ صَاحِبَةِ الْوَقْتِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَكْرُوهًا أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الزَّرْكَشِيّ الصَّوَابُ الْجَزْمُ بِالْمَنْعِ إذَا عَلِمَ بِالنَّهْيِ وَقَصَدَ تَأْخِيرَهَا لِيَفْعَلَهَا فِيهِ فَيَحْرُمُ مُطْلَقًا وَلَوْ فَائِتَةً يَجِبُ قَضَاؤُهَا فَوْرًا لِأَنَّهُ مُعَانِدٌ لِلشَّرْعِ.
وَعَبَّرَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ بِمُرَاغِمٍ لِلشَّرْعِ بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِتَكْفِيرِهِمْ مَنْ قِيلَ لَهُ قُصَّ أَظْفَارَك فَقَالَ لَا أَفْعَلُهُ رَغْبَةً عَنْ السُّنَّةِ، فَإِذَا اقْتَضَتْ الرَّغْبَةُ عَنْ السُّنَّةِ التَّكْفِيرَ فَأَوْلَى هَذِهِ الْمُعَانَدَةُ وَالْمُرَاغَمَةُ.
وَيُجَابُ بِتَعَيُّنِ حَمْلِ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ شَبَّهَ الْمُرَاغَمَةَ وَالْمُعَانَدَةَ لَا أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِيهِ حَقِيقَتُهَا، وَقَوْلُ جَمْعٍ الْمَكْرُوهُ تَأْخِيرُهَا إلَيْهِ لَا إيقَاعُهَا فِيهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بِالذَّاتِ الْإِيقَاعُ لَا التَّأْخِيرُ (قَوْلُهُ: يَذْهَبُ جُزْءٌ مِنْهُ) أَيْ يَذْهَبُ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ فِيهِ جُزْءٌ هُوَ زَمَنُ الْفِعْلِ لَا أَنَّ الْفِعْلَ أَذْهَبَ بِذَاتِهِ شَيْئًا مِنْ الزَّمَانِ
[حاشية الرشيدي]
جَمَاعَةٍ، وَانْظُرْ مَا وَجْهُ كَوْنِ هَذَا مِنْ السَّبَبِ الْمُقَارِنِ مَعَ أَنَّ السَّبَبَ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ مَثَلًا (قَوْلُهُ: إذْ نَحْوُ التَّحِيَّةِ، وَالْكُسُوفِ مُعَرَّضٌ لِلْفَوَاتِ) يُنْظَرُ مَا مَوْقِعُهُ هُنَا (قَوْلُهُ: وَأَيْضًا فَإِبَاحَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَوْلِ إلَخْ) ظَاهِرُ التَّقْيِيدِ بِأَيْضًا أَنَّهُ تَوْجِيهٌ ثَانٍ لِعَدَمِ الِانْعِقَادِ مَعَ الْقَوْلِ بِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلَوْ أَسْقَطَ لَفْظَ أَيْضًا لِيَكُونَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ نَشَأَ مِنْ إثْبَاتِ الْإِثْمِ مَعَ الْقَوْلِ بِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ تَقْدِيرُهُ كَيْفَ تَتَّصِفُ بِالْإِبَاحَةِ، وَالْحُرْمَةِ لَكَانَ وَاضِحًا، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْجِهَةَ مُنْفَكَّةٌ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا يَنْقَسِمُ الْفِعْلُ إلَخْ) الْفِعْلُ الْمُنْقَسِمُ إلَى هَذِهِ هُوَ الْفِعْلُ الِاصْطِلَاحِيُّ عِنْدَ النُّحَاةِ لَا الْفِعْلُ الْمُرَادُ هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى.
.
بِالْفِعْلِ مِنْ الْمَكَانِ فَافْتَرَقَا، وَالْمُرَادُ بِالتَّقَدُّمِ وَقَسِيمَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِلَى الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ وَعِبَارَتُهَا مُحْتَمِلَةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا.
قَالَ الشَّيْخُ: وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَظْهَرُ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَلَيْسَ مِنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ لِإِيقَاعِهَا فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ حَتَّى لَا تَنْعَقِدَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ تَأْخِيرِ الْجِنَازَةِ لِيُصَلَّى عَلَيْهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ كَثْرَةَ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهَا كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، أَمَّا مَا سَبَبُهُ مُتَأَخِّرٌ كَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ وَالْإِحْرَامِ فَيَمْتَنِعُ فِي وَقْتِهَا مُطْلَقًا، وَقَدْ تَنْتَفِي الْكَرَاهَة لِلْمَكَانِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَإِلَّا) فِي (حَرَمِ مَكَّةَ عَلَى الصَّحِيحِ) لِخَبَرِ «يَا بَنِي عَبْدِ مُنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» وَلِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ فَضْلِ الصَّلَاةِ فَلَا تُكْرَهُ بِحَالٍ.
نَعَمْ هِيَ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا فِي مُقْنِعِ الْمَحَامِلِيِّ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَالثَّانِي أَنَّهَا تُكْرَهُ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَحُمِلَتْ الصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ الطَّوَافَ سَبَبُهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى تَخْصِيصٍ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَخَرَجَ بِحَرَمِ مَكَّةَ حَرَمُ الْمَدِينَةِ فَهُوَ كَغَيْرِهِ.
.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فَقَالَ فَصْلٌ (إنَّمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) وَلَوْ فِيمَا مَضَى كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ أَوْ غَيْرُهُ، فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ أَصْلِيٍّ وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَقَسِيمَيْهِ) وَهُمَا التَّأْخِيرُ وَالْمُقَارَنَةُ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَإِلَى الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ مُحْتَمَلَةٌ إلَخْ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَأَمَّا بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ الْمُفِيدِ لِلْجَزْمِ بِكَوْنِهَا كَذَلِكَ لَا يَحْسُنُ قَوْلُهُ وَعِبَارَتُهَا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَظْهَرُ) هُوَ قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ) زَادَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ: وَعَلَيْهِ فَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ سَبَبُهَا مُتَقَدِّمٌ، وَعَلَى الثَّانِي قَدْ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا وَقَدْ يَكُونُ مُقَارِنًا بِحَسَبِ وُقُوعِهِ فِي الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ اهـ (قَوْلُهُ: فَيَمْتَنِعُ فِي وَقْتِهَا مُطْلَقًا) قَصَدَ التَّأْخِيرَ إلَيْهِ أَوَّلًا (قَوْلُهُ: خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ) لَا يُقَالُ: هُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ كَمَا عُرِفَ.
لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ قَوْلُهُ: وَصَلَّى صَرِيحًا فِي إرَادَةِ مَا يَشْمَلُ سُنَّةَ الطَّوَافِ وَغَيْرَهَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِيهِ.
نَعَمْ فِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا صَلَّى» مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الطَّوَافِ وَبِهَا يُضَعَّفُ الْخِلَافُ اهـ حَجّ.
فَصْلٌ: إنَّمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ (قَوْلُهُ: فَصْلٌ) إنْ قُلْت التَّعْبِيرُ بِالْفَصْلِ لَا وَجْهَ لَهُ لِعَدَمِ انْدِرَاجِهِ تَحْتَ بَابِ الْمَوَاقِيتِ.
قُلْت: يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمَوَاقِيتَ لَمَّا لَمْ تَكُنْ مَعْرِفَتُهَا مَطْلُوبَةً لِذَاتِهَا بَلْ لِيُعْرَفَ بِهَا وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ عِنْدَ دُخُولِهَا نُزِّلَتْ مَعْرِفَةُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ مَنْزِلَةَ الْمَسَائِلِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ الْمَوَاقِيتِ، عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي تَقْدِيرُ بَابِ الْمَوَاقِيتِ عَقِبَ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَبِهِ عَبَّرَ فِي الْمُحَرَّرِ، فَالتَّعْبِيرُ بِالْفَصْلِ فِي مَحَلِّهِ، أَوْ أَنَّهُ عَبَّرَ بِالْفَصْلِ عَنْ الْبَابِ عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ (قَوْلُهُ: إنَّمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ) أَيْ السَّابِقَةُ اهـ حَجّ.
قَالَ سم عَلَيْهِ: أَيْ فَأَلْ لِلْعَهْدِ (قَوْلُهُ عَلَى كُلِّ) أَشَارَ بِلَفْظِ كُلِّ إلَى عُمُومِ مُسْلِمٍ لِأَنَّهُ بِدُونِهَا مُطْلَقٌ مُحْتَمِلٌ لِإِرَادَةِ الْمَاهِيَّةِ فِي ضِمْنِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ فِيمَا مَضَى) هَذَا مَجَازٌ يَحْتَاجُ فِي تَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ إلَى قَرِينَةٍ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
قُلْت: يُمْكِنُ جَعْلُ الْقَرِينَةِ قَوْلَهُ فِيمَا يَأْتِي فَلَا قَضَاءَ عَلَى كَافِرٍ أَصْلِيٍّ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ الْمُرْتَدَّ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ الْمَنْهَجِ لِتَقْيِيدِهِ الْكَافِرَ بِالْأَصْلِيِّ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الشَّارِحِ فَإِنَّ الْقَرِينَةَ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا التَّعْمِيمَ هِيَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَّا الْمُرْتَدَّ (قَوْلُهُ: فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ إلَخْ) يَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ لَا يُطَالَبُ مِنَّا وَإِلَّا
[حاشية الرشيدي]
[فَصْلٌ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ]
قَوْلُهُ: وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ) أَيْ مِنَّا وَإِلَّا، فَهُوَ مُطَالَبٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَلِهَذَا عُوقِبَ
بِهَا فِي الدُّنْيَا لِعَدَمِ صِحَّتِهَا مِنْهُ وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وُجُوبَ عِقَابٍ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِهَا بِالْإِسْلَامِ (بَالِغٍ) فَلَا تَجِبُ عَلَى صَغِيرٍ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ (عَاقِلٍ) فَلَا تَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ لِمَا ذُكِرَ، وَلَوْ خُلِقَ أَعْمَى أَصَمَّ أَخْرَسَ فَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ كَمَنْ لَمْ تَبْلُغُهُ الدَّعْوَةُ (طَاهِرٍ) فَلَا تَجِبُ عَلَى حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ لِعَدَمِ صِحَّتهَا مِنْهُمَا، فَمَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ إجْمَاعًا.
لَا يُقَالُ: إنَّ حَمْلَ عَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَى أَضْدَادِ مَنْ ذَكَرَهُ عَلَى عَدَمِ الْإِثْمِ بِالتَّرْكِ وَعَدَمِ الطَّلَبِ فِي الدُّنْيَا وَرُدَّ الْكَافِرُ أَوْ عَلَى الْأَوَّلِ وَرُدَّ أَيْضًا أَوْ عَلَى الثَّانِي وَرُدَّ الصَّبِيُّ.
[حاشية الشبراملسي]
فَهُوَ مُطَالَبٌ شَرْعًا، إذْ لَوْ لَمْ يُطَالَبْ كَذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِلْعِقَابِ عَلَيْهَا سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وُجُوبُ عِقَابٍ عَلَيْهَا) كَسَائِرِ الْفُرُوعِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْآخِرَةِ إلَخْ حَجّ.
وَقَوْلُهُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا: أَيْ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَحُرْمَةِ الزِّنَا، بِخِلَافِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ كَشُرْبِ مَا لَا يُسْكِرُ مِنْ النَّبِيذِ وَالْبَيْعِ بِالتَّعَاطِي فَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَلَا تَجِبُ عَلَى صَغِيرٍ إلَخْ) لَا يُقَالُ: لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ هَذِهِ الْمُحْتَرَزَاتِ فَإِنَّهَا تَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْكَافِرِ إلَخْ.
لِأَنَّا نَقُولُ: مَا يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ وَعَدَمِهِ وَمَا هُنَا فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ (قَوْلُهُ: لِمَا ذُكِرَ) هُوَ قَوْلُهُ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ خُلِقَ أَعْمَى أَصَمَّ أَخْرَسَ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ خُلِقَ أَعْمَى أَصَمَّ نَاطِقًا كَانَ مُكَلَّفًا، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لِأَنَّ النُّطْقَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَكُونُ طَرِيقًا لِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، بِخِلَافِ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ فَلَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لِلصَّمَمِ الْخِلْقِيِّ فَلْيُرَاجَعْ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ خُلِقَ إلَخْ مَا لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بَعْدَ التَّمْيِيزِ، فَإِنْ كَانَ عَرَفَ الْأَحْكَامَ قَبْلَ طُرُوُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى عَدَمِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَيُحَرِّكُ لِسَانَهُ وَلَهَاتَهُ بِالْقِرَاءَةِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ اجْتَهَدَ فِيهَا، فَإِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى شَيْءٍ فَعَلَ بِهِ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِاسْتِقْرَارِهَا فِي ذِمَّتِهِ بِعَدَمِ أَدَائِهَا فِي الْوَقْتِ وَقَوْلُنَا لَهَاتَهُ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: اللَّهَاةُ اللَّحْمَةُ الْمُشْرِفَةُ عَلَى الْحَلْقِ فِي أَقْصَى الْفَمِ وَالْجَمْعُ لَهَى وَلَهَيَاتٌ مِثْلُ حَصَاةٍ وَحَصَى وَحَصَيَاتٍ وَلَهَوَاتٍ أَيْضًا عَلَى الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ) أَيْ فَلَا يَأْثَمُ بِالتَّرْكِ (قَوْلُهُ: لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ) لَكِنْ لَوْ أَسْلَمَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، بِخِلَافِ مَنْ خُلِقَ أَعْمَى أَصَمَّ فَإِنَّهُ إنْ زَالَ مَانِعُهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى كُفْرِهِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُهْدَرٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ، وَتَكْلِيفُهُ كَتَكْلِيفِ غَيْرِهِ مِنْ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَهُودِيِّ أَوْ النَّصْرَانِيِّ؟ وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا عَلَى بُعْدٍ، فَإِنَّ الْأَعْمَى الْأَصَمَّ إلَخْ لَيْسَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْخِطَابِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ.
وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْكُفَّارِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا أُسْقِطَتْ الصَّلَاةُ عَنْ الْكَافِرِ وَهِيَ النَّفْرَةُ عَنْ الْإِسْلَامِ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْكَافِرَ الْأَصْلِيَّ كَانَ عِنْدَهُ عِنَادٌ زَالَ بِالْإِسْلَامِ، وَرُبَّمَا عَادَ بِالْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ فَيَنْفِرُ عَنْ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ عِنَادٌ يَعُودُ بِالْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ فَيَنْفِرُ عَنْ الْإِسْلَامِ بِسَبَبِهِ، وَالْمَانِعُ لَهُ عَنْ الْإِسْلَامِ لَيْسَ هُوَ الْعِنَادُ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، بَلْ الْمَانِعُ لَهُ هُوَ الْجَهْلُ بِالدَّعْوَةِ فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ مُسْلِمٍ نَشَأَ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ (قَوْلُهُ وَعَدَمِ الطَّلَبِ فِي الدُّنْيَا) أَيْ مَجْمُوعِهِمَا وَهُوَ الطَّلَبُ فِي الدُّنْيَا وَالْإِثْمُ فِي الْآخِرَةِ، وَقَوْلُهُ وَرُدَّ الْكَافِرُ: أَيْ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِيهِ (قَوْلُهُ أَوْ عَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ عَدَمُ الْإِثْمِ إلَخْ وَقَوْلُهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَرَدَ الْكَافِرُ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ أَثِمَ بِالتَّرْكِ فَوُرُودُهُ هُنَا بِالنَّظَرِ لِلشِّقِّ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَرَدَ غَيْرُهُ) قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ سَهْوٌ وَالصَّوَابُ وَرَدَ الصَّبِيّ انْتَهَى: أَيْ؛ لِأَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ مِنْهُ وَلَوْ بِوَاسِطَةِ وَلِيِّهِ، قَالَ سم: بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ، وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، فَإِنَّهَا غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ مِنْهُمْ بَلْ مَمْنُوعَةٌ عَلَى الْأَخِيرَيْنِ.
وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ الشَّرْحِ وَرَدَ الصَّبِيُّ وَهِيَ تَصَرُّفٌ مِنْ عِبَارَةِ الْمُعْتَرِضِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ إنَّمَا قَالَ وَرَدَ غَيْرُهُ وَمِنْ ثَمَّ اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ كَمَا مَرَّ
لِأَنَّا نَقُولُ بِمَنْعِهِ، إذْ الْوُجُوبُ حَيْثُ أَطْلَقَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ لِمَدْلُولِهِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ ثُبُوتًا وَانْتِفَاءُ غَايَةِ مَا فِيهِ أَنَّ فِي الْكَافِرِ تَفْصِيلًا وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمَفْهُومَ إذَا كَانَ فِيهِ تَفْصِيلٌ لَا يُرَدُّ فَبَطَلَ الْإِيرَادُ عَلَى أَنَّ دَعْوَاهُ عَدَمَ إثْمِ الْكَافِرِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى عَدَمِ مُخَاطَبَتِهِ بِالْفُرُوعِ (وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْكَافِرِ) إذَا أَسْلَمَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَلِأَنَّهُ لَوْ طُلِبَ مِنْهُ قَضَاءُ عِبَادَاتِ زَمَنِ كُفْرِهِ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا لَكَانَ سَبَبًا لِتَنْفِيرِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ خُصُوصًا إذَا مَضَى غَالِبُ عُمْرِهِ فِي الْكُفْرِ، فَلَوْ قَضَاهَا لَمْ تَنْعَقِدْ
[حاشية الشبراملسي]
وَعَلَى الثَّانِي: أَيْ عَدَمِ الطَّلَبِ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّا نَقُولُ بِمَنْعِهِ) أَيْ الْوُرُودَ (قَوْلُهُ: لِمَدْلُولِهِ الشَّرْعِيِّ) وَهُوَ الطَّلَبُ فِي الدُّنْيَا وَالْإِثْمُ فِي الْآخِرَةِ (قَوْلُهُ غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ فِي الْكَافِرِ تَفْصِيلًا) أَيْ وَهُوَ أَنَّهُ تَارَةً يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَتَارَةً لَا يَجِبُ، فَبِاعْتِبَارِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَعَدَمِهِ جَعَلَهُ قِسْمَيْنِ: الْأَصْلِيُّ قِسْمٌ، وَالْمُرْتَدُّ قِسْمٌ وَإِنْ كَانَا مُسْتَوِيَيْنِ فِي الْوُجُوبِ عَلَيْهِمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَبِهَذَا يُجَابُ عَمَّا اعْتَرَضَهُ بِهِ سم عَلَى حَجّ حَيْثُ قَالَ: وَقَوْلُهُ تَفْصِيلًا يُتَأَمَّلُ مَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ التَّفْصِيلِ؟ فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ التَّفْصِيلَ بَيْنَ الْمُرْتَدِّ وَغَيْرِهِ فَفِيهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَدْخَلَ الْمُرْتَدَّ فِي الْمُسْلِمِ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ فِيمَا مَضَى إلَخْ فَلَا يَدْخُلُ حِينَئِذٍ فِي أَضْدَادِ مَنْ ذَكَرَ.
وَالثَّانِي أَنَّ الْوُجُوبَ بِمَدْلُولِهِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الطَّلَبُ طَلَبًا جَازِمًا ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْكُفَّارِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْجَمِيعَ مُكَلَّفُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.
وَأَمَّا الْمُطَالَبَةُ مِنَّا لَهُمْ بِذَلِكَ أَوْ عَدَمُهَا فَأَمْرٌ آخَرُ خَارِجٌ عَنْ مَعْنَى الْوُجُوبِ، وَإِنْ أَرَادَ التَّفْصِيلَ بَيْنَ الْعِقَابِ وَالْمُطَالَبَةِ فِي الدُّنْيَا بِمَعْنَى أَنَّ الْأَوَّلَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْكَافِرِ دُونَ الثَّانِي، فَفِيهِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا خَارِجٌ عَنْ مَدْلُولِ الْوُجُوبِ شَرْعًا الثَّابِتِ فِي حَقِّ الْكَافِرِ لِمَا تَقَرَّرَ، وَإِنْ أُرِيدَ التَّفْصِيلُ فِي الْإِثْمِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ إثْمٌ مُطْلَقًا دَائِمًا (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ دَعْوَاهُ عَدَمَ إثْمِ إلَخْ) يُتَأَمَّلُ مَا ذُكِرَ فَإِنَّ الْمُعْتَرِضَ لَمْ يَدَّعِ عَدَمَ إثْمِ الْكَافِرِ بَلْ قَوْلُهُ أَوْ عَلَى الْأَوَّلِ وَرُدَّ أَيْضًا إلَخْ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ قَائِلٌ بِإِثْمِهِ، وَفِي قَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُ إلَخْ إشَارَةٌ إلَى حَاصِلِ مَا قَالَهُ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: فَلَوْ قَضَاهَا إلَخْ) أَيْ عَالِمًا وَعَامِدًا وَإِلَّا وَقَعَتْ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا.
[فَرْعٌ] لَنَا شَخْصٌ مُسْلِمٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ قَادِرٌ لَا يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ إذَا تَرَكَهَا، وَصُورَتُهُ: أَنْ يَشْتَبِهَ صَغِيرَانِ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ ثُمَّ يَبْلُغَا وَيَسْتَمِرَّ الِاشْتِبَاهُ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ مِنْهُمَا بَالِغٌ عَاقِلٌ قَادِرٌ وَلَا يُؤْمَرُ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ عَيْنُهُ م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
قُلْت: فَلَوْ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ الْبُلُوغِ إلَى الْإِسْلَامِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مُسْلِمًا فِي الْأَصْلِ أَوْ لَا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ إسْلَامِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوُجُوبِ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِيمَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ هَلْ هِيَ عَلَيْهِ أَوْ لَا مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ لِلشَّكِّ فِي اسْتِجْمَاعِ شُرُوطِهَا بَلْ هَذَا فَرْدٌ مِنْ ذَاكَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مَحَلُّهُ فِيمَنْ شَكَّ إذَا اسْتَمَرَّ شَكُّهُ، فَإِنْ زَالَ تَبَيَّنَّا الْوُجُوبَ عَلَيْهِ وَهَذَا مِنْهُ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِأَنَّا لَمْ نَتَبَيَّنْ عَيْنَ الْمُسْلِمِ مِنْهُمَا فِي الْأَصْلِ وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِمْ مِنْ وَقْتِ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَغَايَتُهُ أَنَّا نَحْكُمُ الْآنَ بِإِسْلَامِهِمَا مَعَ اعْتِقَادِنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ كَافِرًا قَبْلُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَنَّ لَهُمَا الْقَضَاءُ، وَبَقِيَ مَا لَوْ مَاتَا هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِمَا أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمَا وَيُعَلِّقَ النِّيَّةَ سَوَاءٌ مَاتَا مَعَهُ أَوْ مُرَتَّبًا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ صِغَرِ الْمَمَالِيكِ حَيْثُ قُلْنَا بِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ بِتَحَقُّقِ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا وَذَلِكَ يُوجِبُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَعَيَّنْ أَشْبَهَ مَا لَوْ اخْتَلَطَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ (قَوْلُهُ: لَمْ تَنْعَقِدْ) خِلَافًا لِلْجَلَالِ السُّيُوطِيّ فَإِنَّهُ قَالَ بِانْعِقَادِهَا كَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ سم عَلَى حَجّ.
وَنَقَلَ سم عَنْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِمَنْعِهِ إلَخْ) قَالَ سم فِي حَوَاشِي التُّحْفَةِ: لَعَلَّ الْأَوْجَهَ فِي جَوَابِ هَذَا الْقِيلِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالْوُجُوبِ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيَّ الَّذِي هُوَ الطَّلَبُ الْجَازِمُ مَعَ أَثَرِهِ الَّذِي هُوَ تَوَجُّهُ الْمُطَالَبَةِ فِي الدُّنْيَا وَحِينَئِذٍ يَتَّضِحُ انْتِفَاؤُهُ عَنْ الْأَضْدَادِ بِانْتِفَاءِ جُزْأَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا انْتَهَتْ (قَوْلُهُ: إنَّمَا يَنْصَرِفُ لِمَدْلُولِهِ الشَّرْعِيِّ) أَيْ الطَّلَبِ الْجَازِمِ (قَوْلُهُ: إنَّ فِي الْكَافِرِ تَفْصِيلًا) صَوَابُهُ أَنَّ فِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلًا (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ دَعْوَاهُ عَدَمُ إثْمِ الْكَافِرِ) يُتَأَمَّلُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا ادَّعَى إثْمَهُ حَتَّى أَوْرَدَهُ
وَلَوْ أَسْلَمَ أُثِيبَ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ الْقُرَبِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَصَدَقَةٍ وَصِلَةٍ وَعِتْقٍ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (إلَّا الْمُرْتَدِّ) بِالْجَرِّ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ أَيْ عَلَى الْبَدَلِ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَنَّ الْأَرْجَحَ فِي مِثْلِهِ الِاتِّبَاعُ فَاقْتِصَارُهُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ الْأَرْجَحَ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ أَيْضًا فَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ فِيهَا بَعْدَ إسْلَامِهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ الْتَزَمَهَا بِالْإِسْلَامِ فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِالْجُحُودِ كَحَقِّ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّهُ اعْتَقَدَ وُجُوبَهَا وَقَدَرَ عَلَى التَّسَبُّبِ إلَى أَدَائِهَا فَهُوَ كَالْمُحْدِثِ.
نَعَمْ لَا تَقْضِي الْمُرْتَدَّةُ زَمَنَ الْحَيْضِ وَنَحْوَهُ، بِخِلَافِ زَمَنِ الْجُنُونِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَائِضَ مُخَاطَبَةٌ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ فَهِيَ مُؤَدِّيَةٌ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَالْمَجْنُونُ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ جُنُونِهِ حَتَّى يُقَالَ إنَّهُ أَدَّى مَا أُمِرَ بِهِ، وَمَا وَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ قَضَاءِ الْحَائِضِ الْمُرْتَدَّةِ زَمَنَ الْجُنُونِ سَبْقُ قَلَمٍ (وَ) لَا عَلَى (الصَّبِيِّ) الشَّامِلِ لِلصِّبْيَةِ بَعْدَ بُلُوغِهِ لِمَا مَرَّ
(وَيُؤْمَرُ) الصَّبِيُّ الْمَذْكُورُ (بِهَا) حَيْثُ كَانَ مُمَيِّزًا بِأَنْ يَصِيرَ أَهْلًا لَأَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ وَيَشْرَبَ وَيَسْتَنْجِيَ كَذَلِكَ (لِسَبْعٍ) مِنْ السِّنِينَ: أَيْ بَعْدَ اسْتِكْمَالِهَا، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّمْيِيزِ وَاسْتِكْمَالِهِ السَّبْعَ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ (وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا)
[حاشية الشبراملسي]
الشَّارِحِ أَنَّ قَضَاءَهُ لَا يُطْلَبُ وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا لِأَنَّهُ يَنْفِرُ، وَالْأَصْلُ فِيمَا لَمْ يُطْلَبْ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ اهـ.
لَكِنْ قَدْ يُشْكِلُ ذَلِكَ بِانْعِقَادِهَا مِنْ الْحَائِضِ إذَا قَضَتْ فَإِنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ مِنْهَا لِلْكَرَاهَةِ.
وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْحَائِضَ لَمَّا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ صَحَّ مِنْهَا الْقَضَاءُ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ أَصْلًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَيْضِ هَذَا وَانْظُرْ حُكْمَ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ هَلْ يَصِحُّ قَضَاؤُهُمَا أَوْ لَا، فَإِنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ الَّتِي قَالَ بِهَا السُّيُوطِيّ اُحْتِيجَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ.
وَقَدْ يُقَالُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ إنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الزَّكَاةِ مُوَاسَاةُ الْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ وَتَعَلُّقُ حَقِّهِمْ بِالْمَالِ وَبِحَوَلَانِ الْحَوْلِ فَالْتَحَقَتْ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الَّتِي لَا تَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ فَاعْتُدَّ بِدَفْعِهَا مِنْهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِأَرْبَابِهَا قَوْلُهُ بِالْمَالِ وَبِحَوَلَانِ الْحَوْلِ: أَيْ كِلَيْهِمَا، وَالْمُرَادُ بِالْمَالِ النِّصَابُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِأَسْبَابِهَا وَشُرُوطِهَا وَالنِّصَابُ سَبَبٌ، وَحَوَلَانُ الْحَوْلِ شَرْطٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَسْلَمَ أُثِيبَ إلَخْ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُسْلِمْ لَا يُثَابُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا فِي الْآخِرَةِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ يُعَوِّضُهُ عَنْهَا فِي الدُّنْيَا مَالًا أَوْ وَلَدًا وَغَيْرَهُمَا، وَقَوْلُهُ عَلَى مَا فَعَلَهُ: أَيْ فِي الْكُفْرِ (قَوْلُهُ: إلَّا الْمُرْتَدَّ) . [فَرْعٌ] لَوْ انْتَقَلَ النَّصْرَانِيُّ إلَى التَّهَوُّدِ مَثَلًا ثُمَّ أَسْلَمَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ فِي مُدَّةِ التَّهَوُّدِ أَيْضًا بِرّ بِخَطِّهِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَمَا ذَكَرَهُ يُفِيدُهُ قَصْرُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْمُرْتَدِّ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ، وَأَيْضًا فَتَعْلِيلُهُمْ لِلْقَضَاءِ عَلَى الْمُرْتَدِّ بِأَنَّهُ الْتَزَمَهَا بِالْإِسْلَامِ إلَخْ يُفِيدُ نَفْيَ الْقَضَاءِ عَنْ الْمُتَنَقِّلِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّ الْأَرْجَحَ) وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ خَطِّ الْمُصَنِّفِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ) وَهُوَ النِّفَاسُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ زَمَنِ الْجُنُونِ) أَيْ الْخَالِي مِنْ الْحَيْضِ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ: مَا أُمِرَتْ بِهِ) أَيْ وَهُوَ التَّرْكُ، وَالْمُرَادُ بِالتَّأْدِيَةِ فِعْلُهُ وَبِالتَّرْكِ كَفُّ النَّفَسِ لَا عَدَمُ الْفِعْلِ، إذْ الْعَدَمُ الْمَحْضُ لَا يَكُونُ مَنَاطًا لِلتَّكْلِيفِ أَصْلًا (قَوْلُهُ: سَبْقُ قَلَمٍ) يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَائِضِ الْبَالِغُ كَمَا فِي حَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَائِضِ الْبَالِغُ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَضَاءِ الْحَائِضِ زَمَنُ الْجُنُونِ: أَيْ فِي غَيْرِ زَمَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ اهـ كَذَا بِهَامِشٍ.
أَقُولُ: وَكِلَا الْجَوَابَيْنِ بَعِيدٌ (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ عَدَمِ تَكْلِيفِهِ
(قَوْلُهُ: الْمَذْكُورُ) أَيْ الشَّامِلُ لِلصِّبْيَةِ (قَوْلُهُ لَأَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ) وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي ضَابِطِهِ، وَقِيلَ أَنْ يَعْرِفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ، وَقِيلَ أَنْ يَفْهَمَ الْخِطَابَ وَيَرُدَّ الْجَوَابَ اهـ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ، وَالْمُرَادُ بِمَعْرِفَةِ يَمِينِهِ مِنْ شِمَالِهِ أَنْ يَعْرِفَ مَا يَضُرُّهُ وَمَا يَنْفَعُهُ، وَعِبَارَةُ حَجّ: وَيُوَافِقُهُ أَيْ تَفْسِيرُ التَّمْيِيزِ بِمَا ذَكَرَ خَبَرُ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ مَتَى يُؤْمَرُ الصَّبِيُّ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: إذَا عَرَفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ» أَيْ مَا يَضُرُّهُ مِمَّا يَنْفَعُهُ (قَوْلُهُ: وَعَلِمَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ حَيْثُ كَانَ مُمَيِّزًا (قَوْلُهُ: اسْتِكْمَالُهُ السَّبْعَ) أَيْ فَلَا يَجِبُ أَمْرُهُ بِهَا إذَا مَيَّزَ قَبْلَ السَّبْعِ، لَكِنَّ الْأَوْجَهَ كَمَا قَالَهُ حَجّ فِي قِنٍّ صَغِيرٍ لَمْ يُعْرَفْ إسْلَامُهُ نَدَبَ أَمْرَهُ لِيَأْلَفَهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِهِ فِي ذَلِكَ مَنْ مَيَّزَ دُونَ السَّبْعِ (قَوْلُهُ: وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا) أَيْ وُجُوبًا
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَيْ عَلَى تَرْكِهَا (لِعَشْرٍ) لِأَنَّهُ مُظَنَّةُ الْبُلُوغِ فَيَجُوزُ ضَرْبُهُ فِي أَثْنَاءِ الْعَاشِرَةِ كَمَا صَحَّحَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَ اسْتِكْمَالَهَا.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» وَقِيسَ: بِالصَّلَاةِ الصَّوْمُ، وَالْأَمْرُ بِالضَّرْبِ وَاجِبَانِ عَلَى الْوَلِيِّ أَبًا كَانَ أَوْ جَدًّا أَوْ وَصِيًّا أَوْ قَيِّمًا، وَالْمُلْتَقِطُ وَمَالِكُ الرَّقِيقِ فِي مَعْنَى الْأَبِ كَمَا فِي الْمُهِمَّاتِ، وَكَذَا الْمُودَعُ وَالْمُسْتَعِيرُ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْإِمَامُ، وَكَذَا الْمُسْلِمُونَ فِيمَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ، وَلَا يَقْتَصِرُ كَمَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ عَلَى مُجَرَّدِ صِيغَتِهِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّهْدِيدِ وَالصَّوْمُ كَالصَّلَاةِ فِيمَا تَقَرَّرَ إنْ أَطَاقَهُ بِأَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِهِ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً وَإِنْ لَمْ تُبِحْ التَّيَمُّمَ فِيمَا يَظْهَرُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ أَمْرِهِ بِهَا مِنْ لَا يُعْرَفُ دِينُهُ وَهُوَ مُمَيِّزٌ يَصِفُ الْإِسْلَامَ فَلَا يُؤْمَرُ بِهَا
[حاشية الشبراملسي]
زَادَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَوْ لَمْ يُفِدْ إلَّا بِمُبَرِّحٍ تَرَكَهُ وِفَاقًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ غَيْرَ مُبَرِّحٍ: أَيْ وَإِنْ كَثُرَ خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُضْرَبُ فَوْقَ ثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ «غَطِّ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ» .
وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ بِسَنَدٍ ضَعِيفِ «نَهَى أَنْ يَضْرِبُ الْمُؤَدِّبُ فَوْقَ ثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ» قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْيَنْبُوعِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم: يَتَّجِهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا وَتَوَقَّفَ فِعْلُهَا عَلَى الضَّرْبِ ضَرَبَهُ لِيَفْعَلَهَا لَا أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ تَرْكِهَا مِنْ غَيْرِ سَبْقِ طَلَبِهَا فِيهِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا مَثَلًا يَضْرِبُ لِأَجْلِ التَّرْكِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ (قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ ضَرْبُهُ) لَعَلَّ الْمُرَادَ الْوُجُوبُ لِأَنَّ مَا كَانَ مُمْتَنِعًا وَجَازَ وَجَبَ، وَإِلَّا فَلَا يَظْهَرُ قَوْلُهُ خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَ اسْتِكْمَالَهَا إلَخْ، عَلَى أَنَّ الْإِسْنَوِيَّ لَمْ يُعَبِّرْ بِالْجَوَازِ بَلْ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ قَرَّرَهُ حَتَّى يَضْرِبَ بِاسْتِكْمَالِ تِسْعٍ اهـ.
ثُمَّ مَحَلُّ مَا ذَكَرَ مِنْ وُجُوبِ الضَّرْبِ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ هَرَبُهُ وَضَيَاعُهُ.
فَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ تَرَكَهُ (قَوْلُهُ: فِي أَثْنَاءِ الْعَاشِرَةِ) الْمُرَادُ بِالْأَثْنَاءِ تَمَامُ التِّسْعِ فَلَا يَشْتَرِطُ مُضِيَّ مُدَّةٍ مِنْ الْعَاشِرَةِ لِأَنَّهُمْ عَلَّلُوا وُجُوبَ الضَّرْبِ بِاحْتِمَالِ الْبُلُوغِ بِالِاحْتِلَامِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالتِّسْعِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَعِبَارَتُهُ: فِي أَثْنَاءِ الْعَاشِرَةِ وَلَوْ عَقِبَ اسْتِكْمَالِ التِّسْعِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ) أَيْ وُجُوبًا (قَوْلُهُ: عَلَى الْوَلِيِّ أَيًّا كَانَ إلَخْ) .
[فَرْعٌ] يَجُوزُ لِلْأُمِّ الضَّرْبُ مَعَ وُجُودِ الْأَبِ م ر، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْأَمْرُ وَالضَّرْبُ إلَّا إنْ فُقِدَ الْأَبُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْوِلَايَةَ الْخَاصَّةَ مَعَ وُجُودِهِ لَهُ لَا لَهَا هَكَذَا قَرَّرَهُ م ر عَلَى جِهَةِ الْبَحْثِ وَالْفَهْمِ.
أَقُولُ: لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا يَجِبُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ إلَى آخِرِ مَا حَكَاهُ الشَّارِحُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ مَعَ وُجُودِ الْأَبِ فَلْيُحَرَّرْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، لَكِنَّ وُجُوبَهُ عَلَى الْأُمِّ لَيْسَ لِوِلَايَتِهَا عَلَى الصَّبِيِّ بَلْ لِكَوْنِهِ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالْأُمِّ بَلْ يُشْرِكُهَا فِيهِ الْأَجَانِبُ، وَأَمَّا الْوُجُوبُ عَلَى الْأَبِ فَلِلْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْأَبَ وَالْأُمَّ لِقُرْبِهِمَا مِنْ الْأَوْلَادِ لَا لِاخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِهِمَا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ بِالْمَعْنَى، وَكَالْأُمِّ فِيمَا ذَكَرَ كَبِيرُ الْإِخْوَةِ وَبَقِيَّةُ الْعَصَبَةِ حَيْثُ لَا وِصَايَةَ لَهُمْ (قَوْلُهُ: أَوْ جَدٌّ) أَيْ وَإِنْ عَلَا.
قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: وَلَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ السُّبْكِيُّ اهـ سم عَلَى حَجّ، لَكِنَّ الْوُجُوبَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ لَيْسَ لِلْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ بَلْ لِمُجَرَّدِ الْقَرَابَةِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمُودِعُ وَالْمُسْتَعِيرُ إلَخْ) عِبَارَةُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ الْمُلْتَقِطُ وَالْمُودِعُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَمَالِكُ الرَّقِيقِ اهـ زَادَ حَجّ وَأَقْرَبُ الْأَوْلِيَاءِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمُسْلِمُونَ فِيمَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ) قَضِيَّةُ هَذَا وُجُوبُ الضَّرْبِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ لَا وَلِيَّ لَهُ بَلْ قَضِيَّةُ كَوْنِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وُجُوبَهُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْوَلِيِّ حَيْثُ لَمْ يَقُمْ بِهِ (قَوْلُهُ: بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّهْدِيدِ) أَيْ حَيْثُ اُحْتِيجَ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: إنْ أَطَاقَهُ) وَيَعْرِفُ مِنْ الْإِطَاقَةِ وَعَدَمِهَا: الْقَرَائِنُ، فَحَيْثُ ظَهَرَ لِوَلِيِّهِ عَدَمُ إطَاقَتِهِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَحَيْثُ ظَهَرَتْ وَجَبَ أَمْرُهُ، وَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ مِنْهُ بِأَنْ تَرَدَّدَ فِي حَالِهِ فَيَنْبَغِي امْتِنَاعُ الْأَمْرِ أَيْضًا لِأَنَّ الْأَصْلَ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ كَافِرًا، وَلَا يُنْهَى عَنْهَا لِأَنَّا لَا نَتَحَقَّقُ كُفْرَهُ وَهَذَا كَصِغَارِ الْمَمَالِيكِ، قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ تَفَقُّهًا وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهَلْ يَضْرِبُهُ عَلَى الْقَضَاءِ وَيَأْمُرهُ بِهِ أَوْ تَصِحُّ مِنْهُ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ عَلَى الْمُكَلَّفِ قَاعِدًا؟ وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ يُضْرَبُ وَيُؤْمَرُ بِهِ كَمَا فِي الْأَدَاءِ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْأَمْرِ، وَأَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ قَاعِدًا وَإِنْ كَانَتْ نَفْلًا فِي حَقِّهِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ: أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ جَالِسًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَجَرَيَانُ الْوَجْهَيْنِ فِي الصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ مُحْتَمَلٌ، وَكَلَامُ الْأَكْثَرِينَ مُشْعِرٌ بِالْمَنْعِ، وَعَلَيْهِمْ نَهْيُهُ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَعْلِيمُهُ الْوَاجِبَاتِ وَسَائِرَ الشَّرَائِعِ كَالسِّوَاكِ وَحُضُورِ الْجَمَاعَاتِ، ثُمَّ إنْ بَلَغَ رَشِيدًا انْتَفَى ذَلِكَ عَنْ الْأَوْلِيَاءِ، أَوْ سَفِيهًا فَوِلَايَةُ الْأَبِ مُسْتَمِرَّةٌ، فَيَكُونُ كَالصَّبِيِّ وَأُجْرَةُ تَعْلِيمِهِ الْوَاجِبَاتِ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى الْأَبِ ثُمَّ الْأُمِّ، وَيُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ أُجْرَةَ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْآدَابِ كَزَكَاتِهِ وَنَفَقَةِ مُمَوِّنِهِ وَبَدَلِ مُتْلَفِهِ، فَمَعْنَى وُجُوبِهَا فِي مَالِهِ ثُبُوتُهَا
[حاشية الشبراملسي]
عَدَمُ الْإِطَاقَةِ، وَيَنْبَغِي لِلْوَلِيِّ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ يَضُرُّهُ (قَوْلُهُ: وَهَذَا كَصِغَارِ الْمَمَالِيكِ) قَالَ حَجّ: وَالْأَوْجَهُ نَدْبُ أَمْرِهِ بِهَا لِيَأْلَفَهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ اهـ.
وَقَالَ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ: إنَّهُ يَجِبُ أَمْرُهُ بِهَا نَظَرًا لِظَاهِرِ الْإِسْلَامِ وَمِثْلُهُ فِي الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْهَاجِ: أَيْ ثُمَّ إنْ كَانَ مُسْلِمًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ يَصِحُّ مِنْهُ) أَيْ وَهَلْ يَصِحُّ إلَخْ وَكَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ يُعَبِّرَ بِالْوَاوِ (قَوْلُهُ أَنَّهُ يُضْرَبُ وَيُؤْمَرُ بِهِ) هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا فَاتَهُ بَعْدَ بُلُوغِ الْعَشْرِ، أَمَّا مَا فَاتَهُ بَعْدَ السَّبْعِ وَلَمْ يَقْضِهِ حَتَّى دَخَلَ الْعَشْرَ فَهَلْ يُضْرَبُ عَلَى قَضَائِهِ كَاَلَّذِي فَاتَهُ بَعْدَ بُلُوغِهَا أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ نَعَمْ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُضْرَبُ قَبْلَ الْعَشْرِ لِعَدَمِ احْتِمَالِهِ الضَّرْبَ وَنَقَلَهُ شَيْخُنَا الْعَلَامَةُ الشَّوْبَرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ.
[فَرْعٌ] قَالَ م ر: يَجُوزُ لِمُؤَدِّبِ الْأَطْفَالِ الْأَيْتَامِ بِمَكَاتِبِ الْأَيْتَامِ أَمْرُهُمْ وَضَرْبُهُمْ عَلَى نَحْوِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَوْصِيَاءٌ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَمَّا قَرَّرَهُ لِتَعْلِيمِهِمْ كَانَ مُسَلَّطًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ فَثَبَتَتْ لَهُ بِهَذِهِ الْوِلَايَةِ فِي وَقْتِ التَّعْلِيمِ، وَلِأَنَّهُمْ ضَائِعُونَ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِغَيْبَةِ الْوَصِيِّ عَنْهُمْ وَقَطْعِ نَظَرِهِ عَنْهُمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَكَانَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لَهُمْ ثُبُوتُ هَذِهِ الْوِلَايَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِلْمُؤَدِّبِ.
أَقُولُ: يُؤَيِّدُ الْجَوَازَ تَأْيِيدًا ظَاهِرًا أَنَّ الْمُؤَدِّبَ فِي وَقْتِ التَّعْلِيمِ لَا يَنْقُصُ عَنْ الْمُوَدِّعِ لِلرَّقِيقِ وَالْمُسْتَعِيرِ لَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَأَقُولُ أَيْضًا: يَنْبَغِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِمُؤَدِّبِ مَنْ سَلَّمَهُ إلَيْهِ وَلِيُّهُ لَا الْحَاكِمُ أَمْرُهُ وَضَرْبُهُ لِأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ الْمُودَعِ فِي هَذَا الْوَقْتِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَيُؤْمَرُ بِهِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ أَمْرَهُ بِالْفِعْلِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَلَا ضَرَبَهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَجَرَيَانُ الْوَجْهَيْنِ) أَيْ فِي الصِّحَّةِ قَاعِدًا وَعَدَمِهَا (قَوْلُهُ: وَكَلَامُ الْأَكْثَرِينَ مُشْعِرٌ بِالْمَنْعِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ كَالصَّبِيِّ) وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ غَيْرَ الْأَبِ مِمَّنْ ذَكَرَ لَيْسَ كَالْأَبِ فِي ذَلِكَ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِ حَجّ خِلَافُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: وَلَا يَنْتَهِي وُجُوبُ ذَيْنَك: أَيْ الْأَمْرِ وَالضَّرْبِ عَلَى مَنْ ذَكَرَ إلَّا بِبُلُوغِهِ رَشِيدًا، فَقَوْلُهُ عَلَى مَنْ ذَكَرَ شَامِلٌ لِغَيْرِ الْأَبِ مِنْ الْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا مَرَّ، وَهُوَ وَاضِحٌ فَإِنَّ وِلَايَةَ غَيْرِ الْأَبِ لَا تَنْفَكُّ إلَّا بِبُلُوغِهِ رَشِيدًا وَهُوَ هُنَا مُنْتَفٍ (قَوْلُهُ وَأُجْرَةُ تَعْلِيمِهِ الْوَاجِبَاتِ) أَيْ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ الشَّرَائِعِ كَمَا مَرَّ فِي تَفْسِيرِ الْوَاجِبَاتِ (قَوْلُهُ: فَعَلَى الْأَبِ ثُمَّ الْأُمِّ) أَفْهَمَ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ عَلَى غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ الْأَقَارِبِ وَبَيْتِ الْمَالِ وَمَيَاسِيرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّ مَيَاسِيرَ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الضَّرُورِيُّ كَإِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ (قَوْلُهُ وَيُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ) أَيْ وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ وَلَا الْأُمِّ (قَوْلُهُ: أُجْرَةُ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ) ثُمَّ يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ تَعْلِيمِهِ الْقُرْآنَ وَدَفْعَ أُجْرَتِهِ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، أَوْ بِلَا أُجْرَةٍ حَيْثُ كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلصَّبِيِّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: كَالسِّوَاكِ) لَكِنْ لَا يَضْرِبُ عَلَى السِّوَاكِ وَنَحْوِهِ مِنْ السُّنَنِ نَقَلَهُ سم عَنْ الشَّارِحِ
فِي ذِمَّتِهِ وَوُجُوبِ إخْرَاجِهَا مِنْ مَالِهِ عَلَى وَلِيِّهِ، فَإِنْ بَقِيَتْ إلَى كَمَالِهِ وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ لَزِمَهُ إخْرَاجُهَا، وَبِهَذَا يَجْمَعُ بَيْنَ كَلَامِهِمْ الْمُتَنَاقِضِ فِي ذَلِكَ.
وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ ضَرْبُ زَوْجَتِهِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا إذْ مَحَلُّ جَوَازِ ضَرْبِهِ لَهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الْبَزْرِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَمْرُهَا بِالصَّلَاةِ وَضَرْبُهَا عَلَيْهَا (وَلَا) قَضَاءَ (عَلَى) شَخْصٍ (ذِي حَيْضٍ) أَوْ نِفَاسٍ وَلَوْ فِي رِدَّةٍ إذَا طَهُرَتَا كَمَا مَرَّ وَإِنْ اسْتَجْلَبَ بِدَوَاءٍ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ قَضَائِهَا فِي الْبَابِ الْمَارِّ (أَوْ) ذِي (جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ) أَوْ سُكْرٍ أَوْ عَتَهٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بَعْدَ إفَاقَتِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا لِخَبَرِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَرَدَ النَّصُّ فِي الْمَجْنُونِ وَقِيسَ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ وَسَوَاءٌ أَقَلَّ زَمَنُ ذَلِكَ أَمْ طَالَ، وَإِنَّمَا وَجَبَ قَضَاءُ الصَّوْمِ عَلَى مَنْ اسْتَغْرَقَ إغْمَاؤُهُ جَمِيعَ النَّهَارِ لِمَا فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ مِنْ الْحَرَجِ لِكَثْرَتِهَا بِتَكَرُّرِهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْإِغْمَاءَ يَقْبَلُ طُرُوُّ إغْمَاءٍ آخَرَ عَلَيْهِ دُونَ الْجُنُونِ، وَأَنَّهُ يُمْكِنُ تَمَيُّزُ انْتِهَاءِ الْأَوَّلِ بَعْدَ طُرُوُّ الثَّانِي عَلَيْهِ وَفِي تَصَوُّرِ ذَلِكَ بُعْدٌ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْإِغْمَاءَ مَرَضٌ وَلِلْأَطِبَّاءِ دَخْلٌ فِي تَمَايُزِ أَنْوَاعِهِ وَمُدَدِهَا بِخِلَافِ الْجُنُونِ،
[حاشية الشبراملسي]
أَمَّا لَوْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي تَعْلِيمِهِ صَنْعَةً يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا مَعَ احْتِيَاجِهِ إلَى ذَلِكَ وَعَدَمِ تَيَسُّرِ النَّفَقَةِ لَهُ إذَا اشْتَغَلَ بِالْقُرْآنِ فَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ شَغْلُهُ بِالْقُرْآنِ وَلَا بِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ بَلْ يُشْغِلُهُ بِمَا يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْهُ مَصْلَحَةٌ، وَإِنْ كَانَ ذَكِيًّا وَظَهَرَتْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ النَّجَابَةِ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْقُرْآنِ أَوْ الْعِلْمِ.
نَعَمْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِصِحَّةِ عِبَادَتِهِ يَجِبُ تَعْلِيمُهُ لَهُ وَلَوْ بَلِيدًا، وَيَصْرِفُ أُجْرَةَ التَّعْلِيمِ مِنْ مَالِهِ عَلَى مَا مَرَّ، وَلَا نَظَرَ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ كَوْنِ أَبِيهِ فَقِيهًا أَوْ لَا، بَلْ الْمَدَارُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةِ الصَّبِيِّ، فَقَدْ يَكُونُ الْأَبُ فَقِيهًا وَتَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَى تَعَلُّمِ الِابْنِ صَنْعَةً يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا (قَوْلُهُ: فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ الصَّبِيُّ
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ ضَرْبُ زِوَجَتِهِ) أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَمْرُهَا بِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَخْشَ نُشُوزًا وَلَا أَمَارَتَهُ لِوُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ وَالزَّوْجُ مِنْهُمْ (قَوْلُهُ: ضَرْبُ زَوْجَتِهِ) أَيْ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ، أَمَّا الصَّغِيرَةُ فَلَهُ ضَرْبُهَا إذَا كَانَتْ فَاقِدَةَ الْأَبَوَيْنِ سم عَلَى مَنْهَجٍ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ: ابْنُ الْبَزْرِيِّ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ نِسْبَةً لِبِزْرِ الْكَتَّانِ، كَذَا نُقِلَ عَنْ الْمُؤَلِّفِ
وَاَلَّذِي فِي تَارِيخِ ابْنِ خَلِّكَانَ وَطَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الْوُسْطَى لِلسُّبْكِيِّ إنَّمَا هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: الْبِزْرُ بِزْرُ الْبَقْلِ وَنَحْوِهِ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ لُغَةً.
قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: وَلَا يَقُولُهُ الْفُصَحَاءُ إلَّا بِالْكَسْرِ فَهُوَ أَفْصَحُ (قَوْلُهُ: إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ضَرْبُهَا) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: وَلَا قَضَاءَ عَلَى شَخْصٍ) دَفَعَ بِهِ كَالْمَحَلِّيُّ مَا يَرُدُّ عَلَى الْمَتْنِ مِنْ أَنَّ الْحَيْضَ صِفَةُ الْمَرْأَةِ، فَالْمُنَاسِبُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ ذَاتَ حَيْضٍ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ الْمُحْوِجِ لِلتَّأْوِيلِ لِعَطْفِ الْجُنُونِ الشَّامِلِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى عَلَى الْحَيْضِ (قَوْلُهُ: وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ قَضَائِهَا) وَهُوَ انْعِقَادُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مَعَ الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ ذِي جُنُونٍ) اُنْظُرْ هَلْ مِنْ الْجُنُونِ بِالتَّعَدِّي الْجُنُونُ الْحَاصِلُ لِمَنْ يَتَعَاطَى الْخَلَاوَى وَالْأَوْرَادَ بِغَيْرِ طَرِيقٍ مُوَصِّلٍ لِذَلِكَ أَوْ لَا؟ الْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّ ضَابِطَ التَّعَدِّي أَنْ يَعْلَمَ تَرَتُّبَ الْجُنُونِ عَلَى مَا تَعَاطَاهُ وَيَفْعَلُهُ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَوْ عَتَهٍ) نَوْعٌ مِنْ الْجُنُونِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْجُنُونِ) قَدْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَلَا وَلِيَّ لَهَا خَاصٌّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ إذْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ فِيهِ أَيْضًا مَعَ وُجُودِ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ إذْ لَا يَتَقَاعَدُ عَنْ الْمُودَعِ، وَالْمُسْتَعِيرِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَوْلَى مِنْهُمَا، وَلَعَلَّ كَلَامَ الشَّارِحِ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ هَذَا (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إلَخْ) لَمْ يَظْهَرْ لِهَذَا مَوْقِعٌ هُنَا، وَالشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ إنَّمَا رَتَّبَهُ عَلَى قَوْلِهِ، وَكَذَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ سَكِرَ بِتَعَدٍّ ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ سَكِرَ بِلَا تَعَدٍّ
وَعُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ الْجُنُونَ الطَّارِئَ عَلَى الرِّدَّةِ يَجِبُ مَعَهُ قَضَاءُ أَيَّامِ الْجُنُونِ الْوَاقِعَةِ فِي رِدَّتِهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَنْ كُسِرَ رِجْلَيْهِ تَعَدَّيَا وَصَلَّى قَاعِدًا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِانْتِهَاءِ مَعْصِيَتِهِ بِانْتِهَاءِ كَسْرِهِ وَلِإِتْيَانِهِ بِالْبَدَلِ حَالَةَ الْعَجْزِ، قَالَ فِي الْخَادِمِ: كَذَا أَطْلَقُوهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إذَا أَسْلَمَ أَبُوهُ فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لَهُ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ حِينِ أَسْلَمَ أَبُوهُ إذْ الْمُسْلِمُ لَا يُغَلَّظُ عَلَيْهِ انْتَهَى، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَنَحْوِهِمَا الْقَضَاءُ (بِخِلَافِ) ذِي (السُّكْرِ) أَوْ الْجُنُونِ أَوْ الْإِغْمَاءِ الْمُتَعَدَّى بِهِ فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بَعْدَ إفَاقَتِهِ، فَإِنْ جَهِلَ كَوْنَهُ مُحَرَّمًا أَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَوْ أَكَلَهُ لِيَقْطَعَ غَيْرُهُ بَعْدَ زَوَالِ عَقْلِهِ يَدًا لَهُ مَثَلًا مُتَأَكِّلَةً لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ لِعُذْرِهِ، أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ جِنْسَهُ يُزِيلُ الْعَقْلَ وَظَنَّ أَنَّ مَا تَنَاوَلَهُ مِنْهُ لَا يُزِيلُهُ لِقِلَّتِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِتَقْصِيرِهِ، وَلَوْ طَرَأَ الْجُنُونُ عَلَى السُّكْرِ الْمُتَعَدَّى بِهِ وَجَبَ قَضَاءُ الْمُدَّةِ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا السُّكْرُ غَالِبًا.
ثُمَّ انْتَقَلَ الْمُصَنِّفُ إلَى بَيَانِ وَقْتِ الضَّرُورَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ وَقْتُ زَوَالِ مَوَانِعِ الْوُجُوبِ وَهِيَ الصِّبَا وَالْكُفْرُ وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ فَقَالَ (وَلَوْ زَالَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ) أَيْ الْمَوَانِعُ (وَ) قَدْ (بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ) أَيْ قَدْرُ زَمَنِهَا فَأَكْثَرَ (وَجَبَتْ الصَّلَاةُ) أَيْ صَلَاةُ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِخَبَرِ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً» السَّابِقَ بِجَامِعِ إدْرَاكِ مَا يَسَعُ رُكْنًا وَقِيَاسًا عَلَى اقْتِدَاءِ
[حاشية الشبراملسي]
يُعَارِضُهُ قَوْلُهُمْ فِي زَوَالِ الْعَقْلِ إذَا أَخْبَرَ الْأَطِبَّاءُ بِعَوْدِهِ انْتَظَرَ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ظُهُورِ عَلَامَاتٍ لَهُمْ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى إمْكَانِ الْعَوْدِ جِوَازُ دُخُولِ جُنُونٍ عَلَى جُنُونٍ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ حَصَلَ بِهِ زَوَالُ الْعَقْلِ، وَحَيْثُ زَالَ فَلَا يُمْكِنُ تَكَرُّرُهُ مَا دَامَ الْجُنُونُ قَائِمًا لِأَنَّ الْعَقْلَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَلَا يُمْكِنُ تَكَرُّرُ زَوَالِهِ (قَوْلُهُ: يَجِبُ مَعَهُ قَضَاءُ أَيَّامِ الْجُنُونِ) وَمَحَلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَحْكُمْ بِإِسْلَامِهِ زَمَنَ جُنُونِهِ، فَإِنْ حَكَمَ بِهِ كَأَنْ أَسْلَمَ أَحَدُ أُصُولِهِ فَلَا قَضَاءَ لِمَا فَاتَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَيَسْتَثْنِي إلَخْ (قَوْلُهُ: كَذَا أَطْلَقُوهُ) أَيْ حَيْثُ قَالُوا مَنْ ارْتَدَّ ثُمَّ جُنَّ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَ فِي زَمَنِ الْجُنُونِ، فَإِنْ قَضِيَّتَهُ أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَوْ جُنَّ ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ، لَكِنَّ تَعْبِيرَ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ: أَيَّامِ الْجُنُونِ الْوَاقِعَ فِي رِدَّتِهِ يُخْرِجُ مَا ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ بِإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ لَا يَصِيرُ مُرْتَدًّا، فَلَعَلَّ تَعْبِيرَ الْأَصْحَابِ الَّذِي اسْتَثْنَى مِنْهُ الزَّرْكَشِيُّ لَمْ يَقَعْ فِيهِ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ فِي زَمَنِ رِدَّتِهِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْجُنُونِ الْوَاقِعِ فِي زَمَنِ الرِّدَّةِ (قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِمَا) وَهُوَ السَّكْرَانُ بِلَا تَعَدٍّ، وَالصَّبِيُّ لَكِنْ: بِالنِّسْبَةِ لِمَا أَمَرَ بِهِ وَهُوَ مَا فَاتَهُ بَعْدَ التَّمْيِيزِ وَاسْتِكْمَالِ السَّبْعِ، أَمَّا مَا فَاتَهُ قَبْلَ تَمَيُّزِهِ فَلَا يَنْعَقِدُ مِنْهُ لَوْ قَضَاهُ (قَوْلُهُ: أَوْ أَكَلَهُ) وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أَطْعَمَهُ غَيْرُهُ لِذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَلَا تَعَدِّيَ مِنْهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَا أَكَلَهُ وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْفَاعِلَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لِلْأَكْلِ أَوْ لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي بَدَنِ غَيْرِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الْأَوَّلُ لِقَصْدِ الْإِصْلَاحِ الْمَذْكُورِ حَيْثُ كَانَ عَالِمًا بِأَسْبَابِ الْمَصْلَحَةِ أَوْ أَخْبَرَهُ بِهَا ثِقَةٌ (قَوْلُهُ: يُزِيلُ الْعَقْلَ وَظَنَّ) وَظَاهِرُهُ وَإِنْ اسْتَنَدَ ظَنُّهُ لِخَبَرِ عَدْلٍ أَوْ عُدُولٍ وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ (قَوْلُهُ: الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا السُّكْرُ غَالِبًا) أَيْ حَقِيقَةً، أَمَّا الْمُدَّةُ الْمَشْكُوكُ فِيهَا فَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا حَجّ بِالْمَعْنَى
(قَوْلُهُ: وَالْكُفْرُ) أَيْ الْأَصْلِيُّ (قَوْلُهُ: وَالْإِغْمَاءِ) أَيْ وَالسُّكْرُ بِلَا تَعَدٍّ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: أَيْ الْمَوَانِعُ) بَيَّنَ بِهِ أَنَّ فِي التَّعْبِيرِ بِالْأَسْبَابِ تَجَوُّزًا، وَلَعَلَّ عَلَاقَةَ الْمَجَازِ الضِّدِّيَّةُ فَإِنَّ الْمَانِعَ مُضَادٌّ لِلسَّبَبِ (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ مَنْ أَدْرَكَ) قَدْ يُنَاقَشُ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْخَبَرُ فِي إدْرَاكِ الْوُجُوبِ نَافَى قَوْلَهُ الْآتِي لِأَنَّ مَفْهُومَهُ إلَخْ، أَوْ فِي إدْرَاكِ الْأَدَاءِ لَمْ يَنْهَضْ الِاسْتِدْلَال وَلَا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
[حاشية الرشيدي]
مُدَّةَ مَا تَعَدَّى بِهِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ (قَوْلُهُ: كَذَا أَطْلَقُوهُ) الَّذِي تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ لَيْسَ فِيهِ إطْلَاقٌ بَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ الْوَاقِعَةُ فِي رِدَّتِهِ، فَهُوَ مُخْرِجٌ لِهَذِهِ الصُّورَةِ، فَكَلَامُ الْخَادِمِ إنَّمَا يَتَنَزَّلُ عَلَى عِبَارَةِ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَيْدَ، وَإِتْيَانُ الشَّارِحِ بِلَفْظِ كَذَا فِي قَوْلِهِ كَذَا أَطْلَقُوهُ بَعْدَ إيرَادِهِ الْحُكْمَ مُقَيَّدًا فِيهِ مَا لَا يَخْفَى
[وَقْتُ زَوَالِ مَوَانِعِ وُجُوبِ الصَّلَاة]
(قَوْلُهُ: قَدْرُ) الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي خِلَالِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَغْيِيرُ إعْرَابِ الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: أَيْ صَلَاةِ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَخْ)
الْمُسَافِرِ بِالْمُتِمِّ بِجَامِعِ اللُّزُومِ، وَإِنَّمَا لَمْ تُدْرَكْ الْجُمُعَةُ بِدُونِ رَكْعَةٍ لِأَنَّ ذَاكَ إدْرَاكُ إسْقَاطٍ وَهَذَا إدْرَاكُ إيجَابٍ فَاحْتِيطَ فِيهِمَا، وَمَفْهُومُ الْخَبَرِ لَا يُنَافِي الْقِيَاسَ الْمَذْكُورَ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ أَدَاءً لَا أَنَّهَا لَا تَجِبُ قَضَاءً، أَمَّا إذَا بَقِيَ دُونَ تَكْبِيرَةٍ فَلَا لُزُومَ وَإِنْ تَرَدَّدَ فِيهِ الْجُوَيْنِيُّ (وَفِي قَوْلٍ يَشْتَرِطُ رَكْعَةً) بِأَخَفَّ مَا يُمْكِنُ، كَمَا أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُدْرَكُ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ وَلِمَفْهُومِ خَبَرِ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَشَرْطُ الْوُجُوبِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بَقَاءُ السَّلَامَةِ عَنْ الْمَوَانِعِ بِقَدْرِ فِعْلِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ بِأَخَفَّ مَا يُمْكِنُ، فَلَوْ عَادَ الْعُذْرُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَجِبْ الصَّلَاةُ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَالْقِيَاسُ بِاعْتِبَارِ وَقْتِ السَّتْرِ، وَلَوْ قِيلَ بِاعْتِبَارِ زَمَنِ التَّحَرِّي فِي الْقِبْلَةِ لَكَانَ مُتَّجَهًا انْتَهَى، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ اعْتِبَارِ زَمَنِ الطَّهَارَةِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِ زَمَنِ السَّتْرِ أَنَّ الطَّهَارَةَ تَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ، بِخِلَافِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ الرِّفْعَةَ إلَى
[حاشية الشبراملسي]
أَقُولُ: قَوْلُهُ وَلَا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ بِأَنْ يُقَالَ ثَبَتَ كَوْنُهَا مُؤَدَّاةً بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ فَيُقَاسُ الْوُجُوبُ بِإِدْرَاكِهَا عَلَى عَدَمِ النُّهُوضِ أَنَّهَا إنَّمَا جُعِلَتْ أَدَاءً بِتَبَعِيَّةِ مَا بَعْدَ الْوَقْتِ لِمَا فِيهِ وَهَذَا لَيْسَ مَوْجُودًا فِي الْوُجُوبِ، فَلَا يُقَالُ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ بِتَبَعِيَّةِ مَا بَعْدَ الْوَقْتِ لِمَا فِيهِ لِأَنَّ وُجُوبَ مَا فِي الْوَقْتِ مِنْ الرَّكْعَةِ لَمْ يَثْبُتْ فَهُوَ قِيَاسٌ مَعَ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ (قَوْلُهُ: بِجَامِعِ اللُّزُومِ) قَالَ حَجّ وَكَانَ قِيَاسُهُ الْوُجُوبَ بِدُونِ تَكْبِيرِهِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ غَالِبًا هُنَا أَسْقَطُوا اعْتِبَارَهُ لِعُسْرِ تَصَوُّرِهِ، إذْ الْمَدَارُ عَلَى إدْرَاكِ قَدْرِ جُزْءٍ مَحْسُوسٍ مِنْ الْوَقْتِ، وَبِهِ يُفَرِّقُ بَيْنَ اعْتِبَارِ التَّكْبِيرِ هُنَا دُونَ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِيهِ عَلَى مُجَرَّدِ الرَّبْطِ (قَوْلُهُ: لَا يُنَافِي الْقِيَاسَ الْمَذْكُورَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَقِيَاسًا عَلَى اقْتِدَاءِ الْمُسَافِرِ بِالْمُتِمِّ (قَوْلُهُ: بِأَخَفِّ مَا يُمْكِنُ) أَيْ لِأَيِّ شَخْصٍ، وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ أَخَفُّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ (قَوْلُهُ: بِقَدْرِ فِعْلِ الطَّهَارَةِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ تَقْدِيمَ الطَّهَارَةِ عَلَى زَوَالِ الْمَانِعِ بِأَنْ كَانَ الْمَانِعُ الصِّبَا أَوْ الْكُفْرَ وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مَا يَأْتِي فِيمَا لَوْ طَرَأَ الْمَانِعُ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْخُلُوُّ بِقَدْرِ طُهْرٍ يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ، وَسَيَأْتِي عَنْ حَجّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ وَيُمْكِنُ أَنَّ الْمَتْبُوعَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالصَّلَاةِ بِأَخَفِّ إلَخْ) كَأَرْبَعٍ فِي الْمُقِيمِ وَاثْنَيْنِ فِي الْمُسَافِرِ، وَإِنْ أَرَادَ الْإِتْمَامَ بَلْ وَإِنْ شَرَعَ فِيهَا عَلَى قَصْدِ الْإِتْمَامِ فَعَادَ الْمَانِعُ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ رَكْعَتَيْنِ فَتَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ (قَوْلُهُ: بِأَخَفِّ مَا يُمْكِنُ) أَيْ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مُضِيُّ زَمَنٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْفِعْلِ وَلَا يَتَمَكَّنُ بِدُونِ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرْ فِعْلَ نَفْسِهِ بِأَنَّ الْمَدَارَ ثُمَّ عَلَى وُجُودِ زَمَنٍ يَكُونُ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ، وَالْمَدَارُ هُنَا عَلَى مَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْفِعْلِ ثُمَّ مَا ذَكَرَ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ زَمَنِ الْوُجُوبِ وَزَمَنِ اسْتِقْرَارِ الْفِعْلِ فِي ذِمَّتِهِ، أَخَذَهُ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ مِنْ كَلَامِ الْمَحَلِّيِّ حَيْثُ قَالَ: اسْتِمْرَارُ السَّلَامَةِ أَخَفُّ مَا يُمْكِنُهُ: أَيْ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ، وَفِي آخِرِ الْوَقْتِ بِالنِّسْبَةِ لِزَمَنِ الْوُجُوبِ أَخَفُّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَلَمْ يُقَيِّدُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَلَا بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ.
وَقَوْلُهُ وَلَا يَتَمَكَّنُ بِدُونِ ذَلِكَ: أَيْ وَالتَّحَرِّي يُمْكِنُ فِعْلُهُ قَبْلَ زَوَالِ الْمَانِعِ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيمَا ذَكَرَ بِالنِّسْبَةِ لِنَحْوِ الْمَجْنُونِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاجْتِهَادُ فِي الْقِبْلَةِ زَمَنَ جُنُونِهِ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ) نَقَلَ سم
[حاشية الرشيدي]
عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: أَيْ صَلَاةُ الْوَقْتِ كَمَا يَلْزَمُ وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُ قَدْرُ رَكْعَةٍ لِخَبَرِ إلَخْ، فَجَعَلَ الْخَبَرَ دَلِيلًا عَلَى الْوُجُوبِ بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، ثُمَّ قَاسَ عَلَيْهِ إدْرَاكَ الرُّكْنِ، وَلَعَلَّ فِي الشَّرْحِ سَقْطًا (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ) لَعَلَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّنَزُّلِ مَعَ الْقَوْلِ الثَّانِي الْمُسْتَدِلِّ بِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ كَمَا يَأْتِي، وَإِلَّا فَسَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَدَاءِ لَا لِلْوُجُوبِ، وَهُوَ تَابِعٌ فِيمَا ذَكَرَهُ لِمَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ.
وَاعْتَرَضَهُ سم بِقَوْلِهِ: قَدْ يُنَاقَشُ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْخَبَرُ فِي إدْرَاكِ الْوُجُوبِ نَافَى قَوْلَهُ الْآتِي؛ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ إلَخْ، أَوْ فِي إدْرَاكِ الْأَدَاءِ لَمْ يُنْهِضْ الِاسْتِدْلَالَ وَلَا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ انْتَهَى (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ اعْتِبَارِ زَمَنِ الطَّهَارَةِ إلَخْ) لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الطُّهْرِ وَالتَّحَرِّي (قَوْلُهُ تَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ) فِيهِ وَقْفَةٌ
هَذَا الْفَرْقِ فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِيمَا إذَا طَرَأَ الْعُذْرُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مُضِيُّ قَدْرِ السُّتْرَةِ لِتَقَدُّمِ إيجَابِهَا عَلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَوْجَهَ عَدَمُ اعْتِبَارِ كُلٍّ مِنْ السُّتْرَةِ وَالتَّحَرِّي فِي الْقِبْلَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُدْرِكَ مَعَ التَّكْبِيرَةِ أَوْ الرَّكْعَةِ قَدْرَ الطَّهَارَةِ عَلَى الْأَظْهَرِ، لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ لَا لِلُّزُومِ وَلِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالْوَقْتِ (وَالْأَظْهَرُ) عَلَى الْأَوَّلِ (وُجُوبُ الظُّهْرِ) مَعَ الْعَصْرِ (بِإِدْرَاكِ تَكْبِيرَةِ آخِرِ الْعَصْرِ وَ) وُجُوبُ (الْمَغْرِبِ) مَعَ الْعِشَاءِ بِإِدْرَاكِ ذَلِكَ (آخِرَ) وَقْتِ (الْعِشَاءِ) لِأَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ وَقْتٌ لِلظُّهْرِ، وَوَقْتُ الْعِشَاء وَقْتٌ لِلْمَغْرِبِ فِي حَالَةِ الْعُذْرِ، فَفِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ أَوْلَى لِأَنَّهَا فَوْقَ الْعُذْرِ، وَالثَّانِي لَا بُدَّ مَعَ التَّكْبِيرَةِ الَّتِي فِي آخِرِ الْعَصْرِ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، لِأَنَّ إيجَابَ الصَّلَاتَيْنِ سَبَبُهُ الْحَمْلُ عَلَى الْجَمْعِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَصُورَةُ الْجَمْعِ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ إذَا أَوْقَعَ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فِي الْوَقْتِ وَشَرَعَ فِي الْأُخْرَى، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي لَا تُجْمَعُ مَعَ مَا قَبْلَهَا وَهِيَ الصُّبْحُ وَالظُّهْرُ وَالْمَغْرِبُ إذَا زَالَ الْعُذْرُ فِي آخِرِهَا وَجَبَتْ هِيَ فَقَطْ وَهُوَ كَذَلِكَ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ وَهِيَ جَعْلُ الْوَقْتِ كَالْوَقْتِ الْوَاحِدِ، وَلَا بُدَّ فِي إيجَابِهِمَا مِنْ زَوَالِ الْمَانِعِ مُدَّةً تَسَعُهُمَا مَعًا، فَقَدْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ إذَا زَالَ الْعُذْرُ وَعَادَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَمَسْأَلَتُنَا هَذِهِ أَوْلَى مِنْ تِلْكَ بِالِاشْتِرَاطِ لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ فِي الْوَقْتِ أَوْلَى مِنْهُ خَارِجَ الْوَقْتِ، وَلَوْ أَدْرَكَ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ وَمَضَى بَعْدَ الْمَغْرِبِ مَا يَسَعُ الْعَصْرَ مَعَهَا وَجَبَتَا دُونَ الظُّهْرِ، وَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً آخِرَ الْعَصْرِ مَثَلًا وَخَلَا مِنْ الْمَوَانِعِ مَا يَسَعُهَا وَطُهْرُهَا فَعَادَ الْمَانِعُ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ مِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ مَا يَسَعُهَا فَيَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إلَى الْمَغْرِبِ وَمَا فَضَلَ لَا يَكْفِي لِلْعَصْرِ فَلَا تَجِبُ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْعَصْرِ أَوْ لَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: إنَّ مَا ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْعَصْرِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَإِلَّا فَيَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ لَهَا لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْمَغْرِبِ لِاشْتِغَالِهِ بِالْعَصْرِ الَّتِي شَرَعَ فِيمَا وُجُوبًا قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ أَيْضًا
(وَلَوْ بَلَغَ فِيهَا) أَيْ الصَّلَاةِ بِالسِّنِّ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ بِالِاحْتِلَامِ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَا إذَا نَزَلَ الْمَنِيُّ إلَى ذَكَرِهِ فَأَمْسَكَهُ حَتَّى رَجَعَ الْمَنِيُّ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ وَإِنْ لَمْ يَبْرُزْ مِنْهُ إلَى خَارِجٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (أَتَمَّهَا) وُجُوبًا (وَأَجْزَأَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ) لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا مَضْرُوبٌ عَلَى فِعْلِهَا وَقَدْ شَرَعَ فِيهَا بِشَرَائِطِهَا فَلَزِمَهُ إتْمَامُهَا وَأَجْزَأَتْهُ، وَإِنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ إلَى الْكَمَالِ فِي أَثْنَائِهَا كَالْعَبْدِ إذَا شَرَعَ فِي الظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ عَتَقَ قَبْلَ إتْمَامِ
[حاشية الشبراملسي]
عَنْ الشَّارِحِ الْجَزْمُ بِمُقْتَضَى النَّظَرِ، ثُمَّ رَأَيْت قَوْلَهُ الْآتِي وَحَاصِلُ إلَخْ (قَوْلُهُ: قَدْرَ الطَّهَارَةِ) أَيْ فِي الْوَقْتِ فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ اشْتِرَاطِ بَقَاءِ السَّلَامَةِ مَا يَسَعُ الْفَرْضَ وَالطُّهْرَ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَشَرَعَ فِي الْأُخْرَى) قَدْ يُخَالِفُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ لِلشَّارِحِ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ مِنْ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ لِصِحَّةِ الْجَمْعِ وُقُوعَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الْأُولَى، لَكِنْ مَا هُنَا مُوَافِقٌ لِمَا فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ كَمَا مَرَّ نَقْلًا عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَمَسْأَلَتُنَا هَذِهِ) هِيَ مَا أَفْهَمَهُ الْمَتْنُ (قَوْلُهُ: أَوْلَى مِنْ تِلْكَ) أَيْ مَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ
(قَوْلُهُ: فَأَمْسَكَهُ) أَيْ بِحَائِلٍ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَبْرُزْ مِنْهُ إلَى خَارِجٍ) أَيْ كَمَا يَحْكُمُ بِبُلُوغِ الْحُبْلَى وَإِنْ لَمْ يَبْرُزْ مَنِيُّهَا، وَمَنْ صَوَّرَهَا بِفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَمْ يُصِبْ لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى مَرْدُودٍ، بَلْ الصَّوَابُ وُجُوبُ اسْتِئْنَافِهَا لِأَنَّهُ يَجِبُ التَّحَرُّزُ فِي دَوَامِهَا عَنْ الْمُبْطِلِ، قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَأَجْزَأْته) أَيْ وَإِنْ كَانَ مُتَيَمِّمًا كَمَا اخْتَارَهُ طب وم ر، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِتَقَدُّمِ إيجَابِهَا) بِمَعْنَى أَنَّ وُجُوبَهَا سَابِقٌ عَلَى الصَّلَاةِ لَا لِلصَّلَاةِ بَلْ لِذَاتِهَا وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الصَّلَاةَ، وَفَرَّقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ إيجَابِهَا وَإِيجَابِ تَقَدُّمِهَا فَانْدَفَعَ مَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ هُنَا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: زَالَ الْعُذْرُ وَعَادَ) أَيْ فِي الْوَقْتِ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ
الظُّهْرِ وَفَوَاتِ الْجُمُعَةِ وَوُقُوعُ أَوَّلِهَا نَفْلًا لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ بَاقِيهَا وَاجِبًا كَحَجِّ التَّطَوُّعِ، وَكَمَا لَوْ شَرَعَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ ثُمَّ نَذَرَ إتْمَامَهُ أَوْ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ شُفِيَ، لَكِنْ تُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ لِيُؤَدِّيَهَا فِي حَالِ الْكَمَالِ، وَهَذَا مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ، وَالثَّانِي لَا يَجِبُ إتْمَامُهَا بَلْ يُسْتَحَبُّ وَلَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهَا وَقَعَ فِي حَالِ النُّقْصَانِ (أَوْ) بَلَغَ (بَعْدَهَا فَلَا إعَادَةَ) لَازِمَةً لَهُ (عَلَى الصَّحِيحِ) وَإِنْ كَانَتْ جُمُعَةً لِأَنَّهُ أَدَّى وَظِيفَةَ الْوَقْتِ كَمَا أُمِرَ فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ كَمَا إذَا صَلَّتْ الْأَمَةُ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ ثُمَّ عَتَقَتْ، وَالثَّانِي أَنَّهَا تَجِبُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَاقِي مِنْ الْوَقْتِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لِأَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ نَفْلٌ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ كَمَا لَوْ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ مَانِعٌ مِنْ الْخِطَابِ بِالْفَرْضِ لَا مُسْقِطَ لَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ أَنَّ الصَّبِيَّ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ مَضْرُوبٌ عَلَيْهَا كَمَا مَرَّ، بِخِلَافِ الْحَجِّ، وَأَيْضًا فَلِأَنَّ الْحَجَّ لَمَّا كَانَ وُجُوبُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ اشْتَرَطْنَا وُقُوعَهُ فِي حَالِ الْكَمَالِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَسَوَاءٌ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَى الْأَوَّلِ أَكَانَ نَوَى الْفَرْضِيَّةَ أَمْ لَا بِنَاءً عَلَى مَا سَيَأْتِي أَنَّ الْأَرْجَحَ عَدَمُ وُجُوبِهَا فِي حَقِّهِ.
نَعَمْ لَوْ صَلَّى الْخُنْثَى الظُّهْرَ ثُمَّ بَانَ رَجُلًا وَأَمْكَنَتْهُ الْجُمُعَةُ لَزِمَتْهُ (وَلَوْ حَاضَتْ) أَوْ نَفِسَتْ (أَوْ جُنَّ) أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ (أَوَّلَ الْوَقْتِ) وَاسْتَغْرَقَ الْمَانِعُ بَاقِيَهُ (وَجَبَتْ تِلْكَ) الصَّلَاةُ لَا الثَّانِيَةُ الَّتِي تُجْمَعُ مَعَهَا (إنْ أَدْرَكَ قَدْرَ الْفَرْضِ) مَنْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ عُرُوضِهِ، فَالْأَوَّلُ فِي كَلَامِهِ نِسْبِيٌّ بِدَلِيلِ مَا أَعْقَبَهُ بِهِ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ، وَالْمُعْتَبَرُ أَخَفُّ مَا يُمْكِنُ لِأَنَّهُ
[حاشية الشبراملسي]
الْفَرِيضَةَ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ نِيَّتِهَا فِي حَقِّهِ كَمَا سَيَأْتِي م ر وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
ثُمَّ رَأَيْت مَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَسَوَاءٌ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وُقُوعُ بَاقِيهَا وَاجِبًا) قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يُثَابَ عَلَى مَا قَبْلَ الْبُلُوغِ ثَوَابَ النَّفْلِ وَعَلَى مَا بَعْدَهُ ثَوَابَ الْفَرْضِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ نَذَرَ إتْمَامَهُ) أَيْ فَإِنَّ أَوَّلَهُ يَقَعُ نَفْلًا وَبَاقِيهِ وَاجِبًا، وَعَلَيْهِ فَيُثَابُ عَلَى مَا قَبْلَ النَّذْرِ ثَوَابَ النَّفْلِ وَعَلَى مَا بَعْدَهُ ثَوَابَ الْوَاجِبِ وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: لَكِنْ تُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُحَرِّمُ قَطْعَهَا وَاسْتِئْنَافَهَا لِكَوْنِهِ أَحْرَمَ بِهَا مُسْتَجْمِعَةً لِلشُّرُوطِ لِأَنَّهُ جَعَلَ اسْتِحْبَابَ الْقَطْعِ مُقَابِلًا لِلصَّحِيحِ، وَعَلَيْهِ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا مَرَّ فِيمَا لَوْ وَجَدَ الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ فِي صَلَاةٍ تَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ حَيْثُ قِيلَ إنْ قَطَعَهَا لِيَتَوَضَّأَ أَفْضَلُ بِأَنَّهُ ثُمَّ قِيلَ بِحُرْمَةِ إتْمَامِهَا فَكَانَ الْقَطْعُ أَفْضَلَ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِهِ: أَيْ مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ الْقَطْعَ وَلَا كَذَلِكَ هُنَا وَظَاهِرُهُ أَيْضًا وَلَوْ مُنْفَرِدًا (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ وُجُوبُ الْإِتْمَامِ (قَوْلُهُ: وَأَمْكَنَتْهُ الْجُمُعَةُ لَزِمَتْهُ) لِتَبَيُّنِ كَوْنِهِ أَهْلَهَا مِنْ وَقْتِ عَقْدِهَا اهـ اهـ حَجّ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الشَّارِحِ وَأَمْكَنَتْهُ الْجُمُعَةُ أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ إعَادَةُ الظُّهْرِ إذَا لَمْ تُمْكِنُهُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ، فَإِنَّ مُقْتَضَى تَبَيُّنِ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِهَا وَقْتَ الْفِعْلِ بُطْلَانُ ظُهْرِهِ مُطْلَقًا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِعَادَةِ: أَيْ لِلظُّهْرِ سَوَاءٌ أَمْكَنَتْهُ الْجُمُعَةُ أَمْ لَا وَلَوْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْجُمُعَةِ الَّتِي اتَّضَحَ فِي يَوْمِهَا بَلْ جَمِيعُ مَا فَعَلَهُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ قَبْلَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ الْقِيَاسُ وُجُوبُ إعَادَتِهِ عَلَى مُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الَّتِي وَقَعَتْ بَاطِلَةٌ هِيَ الْأُولَى وَمَا بَعْدَ الْأُولَى مِنْ صَلَوَاتِ الظُّهْرِ كُلِّ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ تَقَعُ قَضَاءً عَمَّا قَبْلَهَا قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْبَارِزِيِّ فِي الصُّبْحِ وَيَأْتِي هُنَا مَا نُقِلَ عَنْ م ر مِنْ نِيَّةِ الْأَدَاءِ وَالْإِطْلَاقِ (قَوْلُهُ وَنَفِسَتْ) أَيْ خَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ.
وَاخْتُلِفَ فِي فِعْلِهِ فَقِيلَ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ أَوْ لِلْمَفْعُولِ، وَتَقَدَّمَ مَا فِي ضَبْطِهِ فِي بَابِ الْحَيْضِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: فَالْأَوَّلُ) أَيْ لَفْظُ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ فِي كَلَامِهِ: أَيْ الْمُصَنَّفِ، وَقَوْلُهُ نِسْبِيٌّ: أَيْ إذْ الْمُرَادُ بِهِ مَا قَابَلَ الْآخَرَ دُونَ حَقِيقَةِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْأَوَّلِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرِكَ مَعَهَا فَرْضًا وَلَا رَكْعَةً (قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَبَرُ أَخَفُّ مَا يُمْكِنُ) أَيْ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ فِيمَا يَظْهَرُ اهـ. وَعِبَارَةُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَوْ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ شُفِيَ) فِيهِ وَقْفَةٌ إذْ أَوَّلُهُ لَيْسَ بِنَفْلٍ وَإِنْ كَانَ جَائِزَ التَّرْكِ لِلْعُذْرِ كَمَا لَا يَخْفَى
أَدْرَكَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ فِعْلُ الْفَرْضِ فَلَا يَسْقُطُ بِمَا يَطْرَأُ بَعْدَهُ، كَمَا لَوْ هَلَكَ النِّصَابُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَأَمْكَنَ الْأَدَاءُ فَإِنَّ الزَّكَاةَ لَا تَسْقُطُ، وَيَجِبُ الْفَرْضُ الَّذِي قَبْلَهَا أَيْضًا إنْ كَانَ يَجْمَعُ مَعَهَا وَأَدْرَكَ قَدْرَهُ كَمَا مَرَّ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي تُجْمَعُ مَعَهَا إذَا خَلَا مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُهَا لِأَنَّ وَقْتَ الْأُولَى لَا يَصْلُحُ لِلثَّانِيَةِ إلَّا إذَا صَلَّاهُمَا جَمْعًا بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَأَيْضًا وَقْتُ الْأُولَى فِي الْجَمْعِ وَقْتٌ لِلثَّانِيَةِ تَبَعًا بِخِلَافِ الْعَكْسِ، بِدَلِيلِ عَدَمِ جَوَازِ تَقْدِيمِ الثَّانِيَةِ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ وَجَوَازِ تَقْدِيمِ الْأُولَى بَلْ وُجُوبِهِ عَلَى وَجْهٍ فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ، وَلَا يُعْتَبَرُ قَدْرُ الطَّهَارَةِ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا إذَا لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا كَالْمُتَيَمِّمِ وَدَائِمِ الْحَدَثِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَلْبَثْ حِينَئِذٍ مَا يَسَعُ ذَلِكَ فَلَا لُزُومَ إلَّا أَنْ يَسَعَ الْفَرْضَ الثَّانِيَ فَيَجِبُ فَقَطْ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَهُ، أَوْ الْأَوَّلُ بِأَنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ وَأَدْرَكَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فَفِي التَّهْذِيبِ يَجُوزُ أَنْ تَجِبَ الْمَغْرِبُ وَكَانَ الْقَاضِي يَتَوَقَّفُ فِيهِ لِسُقُوطِ التَّابِعِ بِسُقُوطِ مَتْبُوعِهِ اهـ. وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عَدَمُ وُجُوبِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ قَدْرَ الْفَرْضِ كَمَا مَرَّ (فَلَا) تَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ هَلَكَ النِّصَابُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ طَرَيَان الصِّبَا لِاسْتِحَالَتِهِ وَلَا الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ (الْأَذَانُ) وَالْأَذِينُ وَالتَّأْذِينُ بِالْمُعْجَمَةِ لُغَةً: الْإِعْلَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 3] وَشَرْعًا:
[حاشية الشبراملسي]
الْمَحَلِّيِّ أَخَفُّ مَا يُمْكِنُهُ اهـ، وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِيمَا قُلْنَاهُ (قَوْلُهُ: وَأَدْرَكَ قَدْرَهُ) لَا يُقَالُ: لَا حَاجَةَ إلَى إدْرَاكِ قَدْرِ الْفَرْضِ الثَّانِي مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِإِدْرَاكِهِ فِي وَقْتِ نَفْسِهِ، إذْ الْفَرْضُ أَنَّ الْمَانِعَ إنَّمَا طَرَأَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَيَلْزَمُ الْخُلُوُّ مِنْهُ فِي وَقْتِ الْأُولَى.
لِأَنَّا نَقُولُ: لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَانِعُ قَائِمًا بِهِ فِي وَقْتِ الْأُولَى كُلِّهِ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ مَثَلًا ثُمَّ جُنَّ أَوْ حَاضَتْ فِيهِ
فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ (قَوْلُهُ: فِي بَيَانِ الْأَذَانِ) قَالَ الْخَطِيبُ وَشُرِعَ الْأَذَانُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ اهـ. أَقُولُ: هَلْ يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُهُمَا كَإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ وَالْمُقِيمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقِبَ الْأَذَانِ (قَوْلُهُ: الْأَذَانُ وَالْأَذِينُ) اسْمَا مَصْدَرٍ وَقَوْلُهُ وَالتَّأْذِينُ مَصْدَرٌ (قَوْلُهُ: وَأَذَانٌ) أَيْ إعْلَامٌ (قَوْلُهُ: وَشَرْعًا إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْغَالِبَ فِي كُلِّ حَقِيقَةٍ عُرْفِيَّةٍ أَنْ تَكُونَ أَخَصَّ مِنْ اللُّغَوِيَّةِ خُصُوصًا مُطْلَقًا بِأَنْ يَكُونَ الْعُرْفِيُّ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ اللُّغَوِيِّ وَمَا هُنَا مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ، لِأَنَّ الْقَوْلَ: أَيْ اللَّفْظَ الْمَخْصُوصَ لَيْسَ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ، بَلْ هُوَ مِنْ اسْتِعْمَالِ الشَّيْءِ فِي سَبَبِهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِلْغَوِيِّ مَجَازًا مُرْسَلًا، وَبَعْضُهُمْ عَرَّفَ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيَّ بِقَوْلِهِ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ مِنْ الْغَالِبِ فَتَأَمَّلْ.
وَعِبَارَةُ حَجّ: وَشَرْعًا ذِكْرُ مَخْصُوصٍ شُرِعَ أَصَالَةً لِلْإِعْلَامِ بِالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ اهـ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ أَصَالَةً إلَى إخْرَاجِ مَا شُرِعَ فِيهِ الْأَذَانُ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ كَالْأَذَانِ لِلْمَهْمُومِ إلَخْ، كَذَا نَقَلَهُ سم عَنْ شَرْحِ الْإِرْشَادِ لحج وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ وَبَيَّنْت بِهَامِشِهِ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِهَذَا الِاحْتِرَازِ لِأَنَّ الْأَذَانَ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ أَذَانٌ حَقِيقَةً وَإِنَّ هَذَا الْقَيْدَ لَا يُخْرِجُهُ لِصِدْقِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ اهـ.
وَلَعَلَّ هَذَا حِكْمَةُ إسْقَاطِ الشَّارِعِ لِهَذَا الْقَيْدِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: مَا يَسَعُ ذَلِكَ) أَيْ مَا قَدْرُ مَا تَجَمَّعَ مَعَهَا أَيْضًا.
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ]
فَصْلٌ
قَوْلٌ مَخْصُوصٌ يُعْلَمُ بِهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِمَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: 9] وَقَوْلُهُ ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 58] وَمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» وَفِي أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ «لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاقُوسِ يَعْمَلُ لِيَضْرِبَ بِهِ النَّاسُ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ فَقُلْت: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ فَقَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ فَقُلْت: نَدْعُو بِهِ إلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَوَلَا أَدُلُّك عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: قَوْلٌ مَخْصُوصٌ) أَيْ الْإِتْيَانُ بِقَوْلٍ إلَخْ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَقْتَ الصَّلَاةِ) أَيْ وَقْتَ دُخُولِهَا (قَوْلُهُ: إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ) أَيْ دَخَلَ وَقْتُهَا (قَوْلُهُ: قَالَ: «لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاقُوسِ» إلَخْ) عِبَارَةُ حَجّ: لَيْلَةٌ تَشَاوَرُوا، وَهِيَ تُفِيدُ عَدَمَ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَيُوَافِقُهُ مَا فِي سِيرَةِ الشَّامِيِّ حَيْثُ قَالَ: «اهْتَمَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لِلصَّلَاةِ، فَاسْتَشَارَ النَّاسَ فَقِيلَ: انْصِبْ رَايَةً وَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ، فَذَكَرَ لَهُ الْقَنَعَ وَهُوَ الْبُوقُ فَقَالَ: هُوَ مِنْ أَمْرِ الْيَهُودِ، فَذَكَرَ لَهُ النَّاقُوسَ فَقَالَ: هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى، فَقَالُوا: لَوْ رَفَعْنَا نَارًا فَقَالَ: ذَاكَ لِلْمَجُوسِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَتَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ» .
قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا النِّدَاءُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ غَيْرُ الْأَذَانِ كَانَ شُرِعَ قَبْلَ الْأَذَانِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَانَ الَّذِي يُنَادِي بِهِ بِلَالٌ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ اهـ.
وَهُوَ كَمَا تَرَى مُشْتَمِلٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ النَّاقُوسِ وَالْأَمْرِ بِالذِّكْرِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي سِيرَةِ شَيْخِنَا الْحَلَبِيِّ بَعْدَ نَحْوِ مَا ذَكَرَ مَا نَصُّهُ: وَقِيلَ «اهْتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالنَّاقُوسِ: أَيْ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَنُحِتَ لِيَضْرِبَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ» اهـ.
وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْهُمْ يُفْهِمُ أَنَّهُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَلْيُرَاجَعْ، ثُمَّ رَأَيْت بِهَامِشِ نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَالْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا قَالَهُ السُّيُوطِيّ فِي الْخَصَائِصِ اهـ، ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَنَا الْحَلَبِيَّ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي سِيرَتِهِ هَذَا.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ مَا نَصُّهُ: وَإِنَّمَا ثَبَتَ حُكْمُ الْأَذَانِ بِرُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ مَعَ أَنَّ رُؤْيَا غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لِاحْتِمَالِ مُقَارَنَةِ الْوَحْيِ لِذَلِكَ.
وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَأَبِي دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ اللَّيْثِيِّ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ «أَنَّ عُمَرَ لَمَّا رَأَى الْأَذَانَ جَاءَ لِيُخْبِرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدَ الْوَحْيَ قَدْ وَرَدَ بِذَلِكَ، فَمَا رَاعَهُ إلَّا أَذَانُ بِلَالٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سَبَقَك بِذَلِكَ الْوَحْيُ» وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا حَكَى الدَّاوُدِيُّ «أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى بِهِ قَبْلَ هَذِهِ الرُّؤْيَا بِثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ» اهـ: وَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ فِي فَتْحِ الْبَارِي حَيْثُ قَالَ: وَقَدْ اسْتَشْكَلَ إثْبَاتُ حُكْمِ الْأَذَانِ بِرُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ لِأَنَّ رُؤْيَا غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ.
وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ مُقَارَنَةِ الْوَحْيِ بِذَلِكَ، أَوْ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْرٌ بِمُقْتَضَاهَا لِيَنْظُرَ أَيُقِرُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْ مِنْ اللَّهِ أَوْ لَا، وَلَا سِيَّمَا لَمَّا رَأَى نَظْمَهَا يُبْعِدُ دُخُولَ الْوَسْوَاسِ فِيهِ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ اجْتِهَادِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَحْكَامِ وَهُوَ الْمَنْصُورُ فِي الْأُصُولِ.
وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ اللَّيْثِيِّ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ «أَنَّ عُمَرَ لَمَّا رَأَى الْأَذَانَ جَاءَ لِيُخْبِرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدَ الْوَحْيَ قَدْ وَرَدَ بِذَلِكَ، فَمَا رَاعَهُ إلَّا أَذَانُ بِلَالٍ وَقَالَ لَهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: يُعْلَمُ بِهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ) قَالَ حَجّ أَصَالَةً انْتَهَى.
وَظَاهِرٌ أَنَّ مُرَادَهُ بِذَلِكَ إدْخَالُ أَذَانِ الْمَهْمُومِ وَنَحْوِهِ.
مِمَّا يَأْتِي: أَيْ، فَهُوَ أَذَانٌ حَقِيقَةً، وَلَيْسَ الْقَصْدُ بِتَقْيِيدٍ يُعْلَمُ بِهِ وَقْتَ الصَّلَاةِ إخْرَاجُهُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَالشِّهَابُ سم فَهِمَ أَنَّ مُرَادَهُ بِهِ إخْرَاجُ مَا ذُكِرَ فَكَتَبَ عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ: أَصَالَةً احْتِرَازًا عَنْ الْأَذَانِ الَّذِي يُسَنُّ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ وَاسْتَدَلَّ عَنْ ذَلِكَ بِكَلَامِهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ بِلَفْظِ الِاحْتِرَازِ فَتَأَمَّلْ.
فَقُلْت بَلَى، قَالَ تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ إلَى آخِرِ الْأَذَانِ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ قَالَ: وَتَقُولُ إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ إلَى آخِرِ الْإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحْت أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْته بِمَا رَأَيْت فَقَالَ: إنَّهَا رُؤْيَا حَقٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ، قُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْت فَإِنَّهُ أَنْدَى مِنْك صَوْتًا، فَقُمْت مَعَ بِلَالٍ فَجَعَلْت أُلْقِيهِ عَلَيْهِ فَيُؤَذِّنُ بِهِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخِطَابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْت مِثْلَ مَا رَأَى، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ» .
وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَثْبُتُ بِالرُّؤْيَا.
لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ مُسْتَنَدُ الْأَذَانِ الرُّؤْيَا وَإِنَّمَا وَافَقَهَا نُزُولُ الْوَحْيِ فَالْحُكْمُ ثَبَتَ بِهِ لَا بِهَا، فَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ «أَنَّ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرِيَ الْأَذَانَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَأُسْمِعَهُ مُشَاهَدَةً فَوْقَ سَبْعِ سَمَوَاتٍ، ثُمَّ قَدَّمَهُ
[حاشية الشبراملسي]
النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سَبَقَك بِذَلِكَ الْوَحْيُ» وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا حَكَى الدَّاوُدِيُّ عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ «أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ بِالْأَذَانِ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَعُمَرُ بِثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ» اهـ.
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مِنْهَا لِلطَّبَرَانِيِّ «أَنَّهُ لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ الْأَذَانَ فَنَزَلَ بِهِ فَعَلَّمَهُ بِلَالًا» وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْأَفْرَادِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَذَانِ حِينَ فُرِضَتْ الصَّلَاةُ» وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَلِلْبَزَّارِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ «لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُعَلِّمَ رَسُولَهُ الْأَذَانَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا الْبُرَاقُ، فَرَكِبَهَا فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ؛ وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ أَخَذَ الْمَلَكُ بِيَدِهِ فَأَقَامَ أَهْلَ السَّمَاءِ» وَفِي إسْنَادِهِ مَتْرُوكٌ أَيْضًا.
وَيُمْكِنُ عَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَعَدُّدِ الْإِسْرَاءِ فَيَكُونُ ذَلِكَ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ اهـ بِاخْتِصَارٍ.
وَذَكَرَ الشَّامِيُّ مِثْلَهُ مَعَ زِيَادَةٍ فَلْيُرَاجَعْ كُلٌّ مِنْهُمَا.
أَقُولُ: وَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ مَجِيءِ الْوَحْيِ قَبْلَهُ بِثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ أَوْحَى إلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَ النَّاسَ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِمَا يُعْلِمُ بِهِ، ثُمَّ بِسَبَبِ هَذَا الْإِجْمَالِ وَقَعَتْ الْمُشَاوَرَةُ فِيمَا يُعْلِمُ بِهِ، ثُمَّ بَعْدَ الْمُشَاوَرَةِ جَاءَ الْوَحْيُ بِخُصُوصِ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ لَيْلَةَ الرُّؤْيَةِ، فَلَمَّا أُخْبِرَ بِالرُّؤْيَةِ قَالَ: سَبَقَكَ الْوَحْيُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَالْمُرَادُ سَبَقَك فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ حَدِيثِ أَنَّ جِبْرِيلَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَهُ الْأَذَانَ أَتَاهُ بِالْبُرَاقِ إلَخْ فَيُمْكِنُ أَنَّهُ عَلَّمَهُ لِيَأْتِيَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّتُهُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ (قَوْلُهُ: فَلَمَّا أَصْبَحْت) فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ جَاءَهُ لَيْلًا، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ لَيْلًا صَبَاحًا لِقُرْبِهِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: فَيُؤَذِّنُ بِهِ) ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي مُنَاسَبَةِ اخْتِصَاصِهِ بِالْأَذَانِ دُونَ غَيْرِهِ كَوْنَهُ لَمَّا عُذِّبَ لِيَرْجِعَ عَنْ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَرْجِعْ وَجَعَلَ يَقُولُ أَحَدٌ أَحَدٌ جُوزِيَ بِوِلَايَةِ الْأَذَانِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى التَّوْحِيدِ فِي ابْتِدَائِهِ وَانْتِهَائِهِ اهـ حَوَاشِي الْمَوَاهِبِ لَشَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ.
(قَوْلُهُ: لَقَدْ رَأَيْت مِثْلَ مَا رَأَى) أَيْ بَعْدَ مَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ: أَيْ بِالرُّؤْيَا الْمُتَقَدِّمَةِ إلَخْ فَلَا يُقَالُ مِنْ أَيْنَ عَرَفَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: «فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ» ) فِي رِوَايَةٍ «سَبَقَكَ بِهِ الْوَحْيُ» وَبِهِ يَنْدَفِعُ السُّؤَالُ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَلَا يُرَدُّ إلَخْ (قَوْلُهُ: إنَّ النَّبِيَّ أُرِيَ الْأَذَانَ إلَخْ) لَيْسَ هَذَا بَيَانًا لِلْوَحْيِ بَلْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ عَلِمَ بِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّهُ إنَّمَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ عَقِبَ الْإِسْرَاءِ لِأَنَّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَخْ) الْمُتَبَادَرُ مِنْ الرِّوَايَةِ أَوَّلًا أَنَّ الْإِشَارَةَ رَاجِعَةٌ إلَى الْأَذَانِ خِلَافُ الْمُتَبَادَرِ مِنْهَا آخِرًا فِي قَوْلِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ إلَخْ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ أَنَّ الْإِشَارَةَ رَاجِعَةٌ لِأَمْرِ الرُّؤْيَا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا فِي رِوَايَةِ " فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ " بِزِيَادَةِ الْبَاءِ فِي اسْمِ الْإِشَارَةِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ تَرْتِيبُ مَا ذُكِرَ عَلَى مُجَرَّدِ الْأَذَانِ وَقَوْلُهُ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَلْيُحَرَّرْ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا وَافَقَهَا نُزُولُ الْوَحْيِ) فَالْحُكْمُ ثَبَتَ بِهِ لَا بِهَا، لَكِنْ لَك أَنْ تَقُولَ: لَوْ كَانَ الْحُكْمُ ثَبَتَ بِمَا ذُكِرَ لَصَلَّى بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَهُ عِنْدَ الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَةِ أَنَّ مَا سَمِعَهُ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ
جِبْرِيلُ فَأَمَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَفِيهِمْ آدَم وَنُوحٌ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ، فَأَكْمَلَ لَهُ الشَّرَفَ عَلَى أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا يُعْلَمُ بِهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ مَا يُسَنُّ لِغَيْرِهَا، وَلَهُ أَنْوَاعٌ يَأْتِي بَعْضُهَا فِي الْعَقِيقَةِ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمَهْمُومِ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يُؤَذِّنُ فِي أُذُنِهِ فَإِنَّهُ يُزِيلُ الْهَمَّ كَمَا رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ يَرْفَعُهُ.
وَرَوَى أَيْضًا «مَنْ سَاءَ خُلُقُهُ مِنْ إنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ فَإِنَّهُ يُؤَذَّنُ فِي أُذُنِهِ» وَيُسَنُّ أَيْضًا إذَا تَغَوَّلَتْ الْغِيلَانُ: أَيْ تَمَرَّدَتْ الْجَانُّ، لِأَنَّ الْأَذَانَ يَدْفَعُ شَرَّهُمْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ إذَا سَمِعَهُ أَدْبَرَ.
وَلَا تَرُدُّ هَذِهِ الصُّوَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي أَذَانٍ مَعَهُ إقَامَةٌ وَهَذِهِ لَا إقَامَةَ فِيهَا سِوَى أَذَانِ الْمَوْلُودِ.
وَأَمَّا هُوَ فَأَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فِي بَابِ الْعَقِيقَةِ.
(وَالْإِقَامَةُ) فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ أَقَامَ وَسُمِّيَ بِهِ الذِّكْرُ الْمَخْصُوصُ لِأَنَّهُ يُقِيمُ إلَى الصَّلَاةِ.
وَمَشْرُوعِيَّةُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَيْفِيَّةِ مَشْرُوعِيَّتِهِمَا وَالْأَصَحُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا (سُنَّةٌ) عَلَى الْكِفَايَةِ وَلَوْ لِجُمُعَةٍ فَيَحْصُلُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ كَابْتِدَاءِ السَّلَامِ، وَلَوْ أَذَّنَ فِي جَانِبٍ مِنْ بَلَدٍ كَبِيرٍ حَصَلَتْ السُّنَّةُ لِأَهْلِ ذَلِكَ الْجَانِبِ فَقَطْ.
أَمَّا فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ فَهُمَا سُنَّةُ عَيْنٍ.
وَالضَّابِطُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ جَمِيعُ
[حاشية الشبراملسي]
الْوَحْيَ بِهِ لَمْ يَكُنْ حَصَلَ إذْ ذَاكَ وَإِنَّمَا حَصَلَ وَقْتَ الرُّؤْيَا (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا يَعْلَمُ بِهِ إلَخْ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: لَا حَاجَةَ لِهَذَا الِاحْتِرَازِ لِأَنَّ الْأَذَانَ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ أَذَانٌ حَقِيقَةً، وَأَنَّ هَذَا الْقَيْدَ لَا يُخْرِجُهُ لِصِدْقِ التَّعْرِيفِ مَعَهُ عَلَيْهِ اهـ.
وَالتَّعْرِيفُ هُوَ قَوْلُهُ قَوْلٌ مَخْصُوصٌ (قَوْلُهُ: فِي أُذُنِهِ) اُنْظُرْ أَيَّ أُذُنٍ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُزِيلُ الْهَمَّ) أَيْ فَلَوْ لَمْ يَزُلْ بِمَرَّةٍ طَلَبَ تَكْرِيرَهُ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بِعِدَّةٍ (قَوْلُهُ: إذَا تَغَوَّلَتْ الْغِيلَانُ) زَادَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْمَصْرُوعُ وَالْغَضْبَانُ وَعِنْدَ مُزْدَحَمِ الْجَيْشِ وَعِنْدَ الْحَرِيقِ، قِيلَ وَعِنْدَ إنْزَالِ الْمَيِّتِ الْقَبْرَ قِيَاسًا عَلَى أَوَّلِ خُرُوجِهِ لِلدُّنْيَا لَكِنْ رَدَدْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ اهـ.
وَقَوْلُهُ سِوَى أَذَانِ الْمَوْلُودِ قَالَ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ: هَلْ وَلَوْ وُلِدَ كَافِرٌ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَلَا بُعْدَ فِي الْأَوَّلِ أَخْذًا بِإِطْلَاقِهِمْ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ اهـ.
أَقُولُ: وَقَدْ يُقَالُ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ وَإِنْ أُطْلِقَتْ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعْنَى وِلَادَتِهِمْ عَلَى الْفِطْرَةِ أَنَّ فِيهِمْ قَابِلِيَّةَ الْخِطَابِ لَوْ وُجِّهَ إلَيْهِمْ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُعْطَوْا فِي الدُّنْيَا شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِنَا حَتَّى إذَا مَاتُوا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَا يُدْفَنُونَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ إذَا سَمِعَهُ أَدْبَرَ) .
[فَائِدَةٌ] قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الشَّيْطَانَ إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ أَحَالَ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ» إلَخْ مَا نَصُّهُ: قَالَ الْمُحَقِّقُ أَبُو زُرْعَةَ: إنَّمَا يَكُونُ، أَيْ إدْبَارُهُ مِنْ أَذَانٍ شَرْعِيٍّ مُجْتَمِعِ الشُّرُوطِ وَاقِعٍ بِمَحَلِّهِ أُرِيدَ بِهِ الْإِعْلَامُ بِالصَّلَاةِ فَلَا أَثَرَ لِمُجَرَّدِ صُورَتِهِ اهـ.
أَقُولُ: وَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ عَلَى مَا فَهِمَ مِنْ الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ يُدِيرُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ، وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنَّهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ يُدْبِرُ فَيَكْفِي شَرُّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إدْبَارُهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا تَرِدُ هَذِهِ الصُّورَةُ) أَيْ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْأَنْوَاعِ فِي قَوْلِهِ وَلَهُ أَنْوَاعٌ يَأْتِي بَعْضُهَا فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَذَانَ الْمَوْلُودِ حَتَّى يَسْتَثْنِيَهُ (قَوْلُهُ: سِوَى أَذَانِ الْمَوْلُودِ) أَيْ وَسِوَى الْأَذَانِ خَلْفَ الْمُسَافِرِ فَإِنَّهُ يُسَنُّ هُوَ وَالْإِقَامَةُ اهـ حَجّ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ سَفَرُ مَعْصِيَةٍ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُسَنَّ (قَوْلُهُ أَمَّا فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ) مُحْتَرِزُ مَا أَشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ مِنْ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ، وَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ (قَوْلُهُ: وَالضَّابِطُ أَنْ يَكُونَ إلَخْ) أَيْ فِي كِفَايَتِهِ لِمَنْ شُرِعَ لَهُمْ أَنْ يَكُونَ إلَخْ
[حاشية الرشيدي]
شُرُوعٌ لِلصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ فَالْوَحْيُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ إخْبَارُ جِبْرِيلَ الْمَذْكُورُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا يُعْلَمُ بِهِ وَقْتَ الصَّلَاةِ مَا يُسَنُّ لِغَيْرِهَا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى أَذَانًا لَكِنَّ الَّذِي يَأْتِي عَقِبَهُ يُخَالِفُهُ (قَوْلُهُ: وَلَا تَرِدُ هَذِهِ الصُّوَرُ) أَيْ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَإِنَّمَا يُشْرَعَانِ لِلْمَكْتُوبَةِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا هُوَ فَأَفْرَدَهُ إلَخْ) هَذَا لَا يَجْرِي مَعَ الْحَصْرِ (قَوْلُهُ: فَيَحْصُلُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ) مَحَلُّ حُصُولِهِ بِذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِظُهُورِ الشِّعَارِ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْ الْمُنْفَرِدِ وَإِنْ سَمِعَ أَذَانَ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَالضَّابِطُ إلَخْ) هَذَا لَا يَنْسَجِمُ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالشِّهَابُ حَجّ إنَّمَا رَتَّبَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَعِبَارَتُهُ
أَهْلِهَا لَوْ أَصْغَوْا إلَيْهِ، لَكِنْ لَا بُدَّ فِي حُصُولِ السُّنَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّ أَهْلِ الْبَلَدِ مِنْ ظُهُورِ الشِّعَارِ كَمَا ذُكِرَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي أَنَّ أَذَانَ الْجَمَاعَةِ يَكْفِي سَمَاعُ وَاحِدٍ لَهُ، لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِأَدَاءِ أَصْلِ سُنَّةِ الْأَذَانِ وَهَذَا بِالنَّظَرِ لِأَدَائِهِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْبَلَدِ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبَا لِأَنَّهُمَا إعْلَامٌ بِالصَّلَاةِ وَدُعَاءٌ إلَيْهَا كَقَوْلِهِ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، وَضَعَّفَهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ شِعَارٌ ظَاهِرٌ بِخِلَافِ الْأَذَانِ.
وَفِي الْمُهِمَّاتِ بِأَنَّ ذَاكَ دُعَاءٌ إلَى مُسْتَحَبٍّ وَهَذَا دُعَاءٌ إلَى وَاجِبٍ.
وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْأَذَانِ أَيْضًا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَهُ فِي ثَانِيَةِ الْجَمْعِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا تَرَكَهُ لِلْجَمْعِ الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلِذِكْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَبْرِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ كَمَا ذَكَرَ الْوُضُوءَ وَالِاسْتِقْبَالَ وَأَرْكَانَ الصَّلَاةِ (وَقِيلَ) كُلٌّ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِأَنَّهُمَا مِنْ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ وَفِي تَرْكِهِمَا تَهَاوُنٌ، فَعَلَيْهِ لَوْ تَرَكَهُمَا أَهْلُ بَلْدَةٍ قُوتِلُوا بِخِلَافِ ذَلِكَ عَلَى الْأَوَّلِ (وَإِنَّمَا يُشْرَعَانِ لِلْمَكْتُوبَةِ) مِنْ الْخَمْسِ خَرَجَ الْمَنْذُورَةُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَسَائِرُ النَّوَافِلِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: كَمَا ذُكِرَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ أَذَّنَ فِي جَانِبٍ إلَخْ، غَيْرُ أَنَّ فِي إفَادَةِ هَذَا اعْتِبَارَ ظُهُورِ الشِّعَارِ زِيَادَةً عَلَى سَمَاعِهِمْ بِالْقُوَّةِ نَظَرًا (قَوْلُهُ: يَكْفِي سَمَاعٌ وَاحِدٌ لَهُ) ظَاهِرُهُ بِالْفِعْلِ لَا بِالْقُوَّةِ.
وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ حُضُورُ الصَّلَاةِ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ، وَعَلَيْهِ فَيُشْتَرَطُ فِي الَّذِي يَسْمَعُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُطْلَبُ مِنْهُ الْحُضُورُ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبَا إلَخْ) أَيْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (قَوْلُهُ: وَضَعَّفَهُ فِي الْمَجْمُوعِ) أَيْ الْقِيَاسَ عَلَى الصَّلَاةِ جَامِعَةً (قَوْلُهُ: وَفِي الْمُهِمَّاتِ بِأَنَّ ذَاكَ) أَيْ الصَّلَاةَ جَامِعَةً (قَوْلُهُ: فِي خَبَرِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ) قَدْ تُمْنَعُ هَذِهِ الْمُلَازَمَةُ بِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ فِي خَبَرِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ وَلَيْسَ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ مِنْهُ وَإِنْ قِيلَ بِالْوُجُوبِ اهـ.
وَقَالَ سم عَلَى بَهْجَةٍ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ إنْ تَرَكَهُ فِي ثَانِيَةِ الْجَمْعِ لِكَوْنِهِ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ كَالْجَمْعِ، وَإِنَّ تَرْكَهُ لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ كَتَرْكِ ذِكْرِ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ لَهُ لِعِلْمِهِ بِهَا اهـ.
وَأَشَارَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ لِلتَّوَقُّفِ فِي كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ قَالُوا حَيْثُ جَعَلَهُ مُسَلَّطًا عَلَيْهَا، وَهُوَ خِلَافُ مَا سَلَكَهُ الشَّارِحُ هُنَا حَيْثُ غَيَّرَ الْأُسْلُوبَ، فَعَبَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ بِقَالُوا وَعَنْ الْأَخِيرَيْنِ بِقَوْلِهِ: وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ إلَخْ، هَذَا وَقَدْ يَمْنَعُ أَنَّ فِي تَرْكِ الْأَذَانِ لِثَانِيَةِ الْجَمْعِ دَلَالَةً عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ إذَا وَالَى بَيْنَ الصَّلَوَاتِ يَكْتَفِي بِأَذَانٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ (قَوْلُهُ: قُوتِلُوا) أَيْ قِتَالُ الْبُغَاةِ لَا قِتَالُ الْمُرْتَدِّينَ، بِخِلَافِ ذَلِكَ: أَيْ التَّرْكِ عَلَى الْأَوَّلِ: أَيْ فَلَا يُقَاتِلُونَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ يُشَكِّلُ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي الْمُقَاتِلَةِ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، ثُمَّ رَأَيْت فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ كُلَّ مَا قِيلَ فِيهِ بِالسُّنِّيَّةِ، وَفِيهِ شِعَارٌ ظَاهِرٌ إذَا تَرَكَهُ أَهْلُ بَلَدٍ قُوتِلُوا عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْخِلَافَ فِي غَيْرِ الْجَمَاعَةِ لَعَلَّهُ شَدِيدُ الضَّعْفِ فَلَمْ يَذْكُرُوهُ (قَوْلُهُ: وَسَائِرُ النَّوَافِلِ) شَمَلَ الْمُعَادَةَ فَلَا يُؤَذِّنُ لَهَا وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنْ لِلْأُولَى لِأَنَّهَا نَفْلٌ، وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ حَيْثُ لَمْ يُؤَذِّنْ لِلْأُولَى سَنَّ الْأَذَانَ لَهَا لَمَّا قِيلَ إنَّ فَرْضَهُ الثَّانِيَةُ، وَفِي كَلَامِ سم عَلَى حَجّ التَّرَدُّدُ فِي ذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ.
وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ إلَى مَحَلٍّ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَوَجَدَ الْوَقْتَ لَمْ يَدْخُلْ مِنْ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ
[حاشية الرشيدي]
بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ سُنَّةٌ وَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَبَعْدَ ذِكْرِهِ دَلِيلَ الْقَوْلِ الثَّانِي نَصَّهَا، وَهُوَ قَوِيٌّ وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَهُ جَمْعٌ فَيُقَاتَلُ أَهْلُ بَلَدٍ تَرَكُوهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا بِحَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ الشِّعَارُ، فَفِي بَلَدٍ صَغِيرَةٍ يَكْتَفِي بِمَحَلٍّ أَوْ كَبِيرَةٍ لَا بُدَّ مِنْ مَحَالٍّ نَظِيرُ مَا يَأْتِي فِي الْجَمَاعَةِ.
وَالضَّابِطُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ كُلُّ أَهْلِهَا لَوْ أَصْغَوْا إلَيْهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا قِتَالَ لَكِنْ لَا بُدَّ فِي حُصُولِ السُّنَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّ أَهْلِ الْبَلَدِ مِنْ ظُهُورِ الشِّعَارِ كَمَا ذَكَرَهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي أَنَّ أَذَانَ الْجَمَاعَةِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَبِهِ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِهِ (قَوْلُهُ يَكْفِي سَمَاعُ وَاحِدٍ لَهُ) أَيْ بِالْقُوَّةِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُ الْآتِي وَلِتَأَتِّي الْمُنَافَاةِ
فَلَا يُؤَذِّنُ لَهَا وَلَا يُقِيمُ لِعَدَمِ وُرُودِهِمَا فِيهَا بَلْ يُكْرَهَانِ لِغَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ، وَعَبَّرَ ب يُشْرَعَانِ دُونَ يُسَنَّانِ إشَارَةً إلَى أَنَّ ذَلِكَ جَارٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ (وَيُقَالُ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهِ) مِنْ كُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ وَتَرَاوِيحَ وَكُلِّ نَفْلٍ شُرِعَتْ لَهُ الْجَمَاعَةُ، وَكَذَا وَتْرٌ سُنَّ جَمَاعَةً وَتَرَاخَى فِعْلُهُ عَنْ التَّرَاوِيحِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا فَعَلَ عَقِبَهَا فَإِنَّ النِّدَاءَ لَهَا نِدَاءٌ لَهُ كَذَا قِيلَ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يَقُولُهُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ وَلِلْوِتْرِ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الْإِقَامَةِ لَوْ كَانَتْ مَطْلُوبَةً هُنَا (الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ) بِنَصْبِ الْأَوَّلِ بِالْإِغْرَاءِ وَالثَّانِي بِالْحَالِيَّةِ وَرَفْعِهِمَا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ وَرَفْعِ أَحَدِهِمَا عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أَوْ عَكْسُهُ، وَنَصْبُ الْآخِرِ عَلَى الْإِغْرَاءِ فِي الْأَوَّلِ وَالْحَالِيَّةُ فِي الثَّانِي لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَقِيسَ بِهِ الْبَاقِي وَكَالصَّلَاةِ جَامِعَةً هَلُمُّوا إلَى الصَّلَاةِ أَوْ الصَّلَاةُ رَحِمَكُمْ اللَّهُ
[حاشية الشبراملسي]
لِلْفَرْضِ فِيهِ إعَادَةُ الْأَذَانِ فِيمَا لَوْ انْتَقَلَ إلَى الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ وَوَجَدَ الْوَقْتَ لَمْ يَدْخُلْ (قَوْلُهُ: بَلْ يُكْرَهَانِ لِغَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ) هَذَا يُشْكِلُ عَلَى مَا يَأْتِي لِلشَّارِحِ مِنْ حُرْمَةِ الْأَذَانِ قَبْلَ الْوَقْتِ بِنِيَّتِهِ مُعَلِّلًا لَهُ بِأَنَّهُ مُتَعَاطٍ عِبَادَةً فَاسِدَةً، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَنْوِ أَوْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَأْتِي بِأَنَّ هَذَا أَذَانٌ لِلصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا وَهُوَ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ ذَاكَ، وَلَعَلَّ هَذَا الْفَرْقَ أَقْرَبُ لِمَا ذَكَرَهُ حَجّ جَوَابًا عَنْ إيرَادِ مَا ذُكِرَ عَلَى أَذَانِ الْمَرْأَةِ لِلنِّسَاءِ حَيْثُ لَمْ تَرْفَعْ بِهِ صَوْتُهَا وَقَصَدَتْ بِهِ الْأَذَانَ مِنْ أَنَّ الْأَذَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ فِيهِ مُنَابَذَةٌ صَرِيحَةٌ لِلشَّرْعِ بِخِلَافِ هَذَا، إذْ الَّذِي اقْتَضَاهُ الدَّلِيلُ فِيهِ عَدَمَ نَدْبِهِ لَا غَيْرُ (قَوْلُهُ: جَارٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ) وَهُمَا السُّنِّيَّةُ وَالْفَرْضِيَّةُ، فَمُرَادُهُ بِالْقَوْلَيْنِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ لَكِنَّهُ عَلَى مَا يُفِيدُهُ اصْطِلَاحَ الْمُصَنِّفِ وَجْهَانِ لَا قَوْلَانِ (قَوْلُهُ: وَيُقَالُ فِي الْعِيدِ) وَيَنْبَغِي نَدْبُهُ عِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَعِنْدَ الصَّلَاةِ لِيَكُونَ نَائِبًا عَنْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ اهـ حَجّ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يُقَالُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً بَدَلًا عَنْ الْإِقَامَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَذْكَارِ لِلنَّوَوِيِّ رَمْلِيٌّ اهـ زِيَادِيٌ.
هَذَا وَقَدْ يُقَالُ فِي جَعْلِهِمْ إيَّاهُ بَدَلًا عَنْ الْإِقَامَةِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ بَدَلًا عَنْهَا لَشُرِعَ لِلْمُنْفَرِدِ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ ذِكْرُ شَرْعٍ لِهَذِهِ الصَّلَاةِ اسْتِنْهَاضًا لِلْحَاضِرِينَ وَلَيْسَ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ (قَوْلُهُ وَنَحْوِهِ) هَلْ يُسَنُّ إجَابَةُ ذَلِكَ لَا يَبْعُدُ سَنُّهَا بِلَا حَوْلٍ وَلَا قُوَّةٍ إلَّا بِاَللَّهِ وَيَنْبَغِي كَرَاهَةُ ذَلِكَ لِنَحْوِ الْجُنُبِ اهـ سم عَلَى حَجّ، وَقَوْلُهُ كَرَاهَةُ ذَلِكَ: أَيْ قَوْلُهُ الصَّلَاةُ جَامِعَةً لَا كَرَاهَةَ قَوْلِهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ لِمَا يَأْتِي مِنْ عَدَمِ كَرَاهَةِ إجَابَةِ نَحْوِ الْحَائِضِ بِذَلِكَ وَنَحْوِهِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُوَجَّهَ اسْتِحْبَابُ إجَابَةِ ذَلِكَ بِلَا حَوْلٍ وَلَا قُوَّةٍ إلَّا بِاَللَّهِ بِالْقِيَاسِ عَلَى إجَابَةِ الْمُقِيمِ بِذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا يَسْتَنْهِضُ الْحَاضِرِينَ لِلْقِيَامِ إلَيْهَا.
وَأَمَّا أَخْذُهُ مِنْ إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ بِذَلِكَ إذَا قَالَ: «أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» ، فَفِيهِ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا قِيلَ لِفَوَاتِ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهِمْ (قَوْلُهُ وَكُلِّ نَفْلٍ شُرِعَتْ لَهُ الْجَمَاعَةُ) أَيْ وَإِنْ نَذَرَ فِعْلَهُ، وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِالْمَنْذُورَةِ الَّتِي لَا تُسَنُّ فِيهَا الْجَمَاعَةُ صَلَاةٌ لَمْ تُطْلَبْ مِنْهُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ بِدُونِ النَّذْرِ وَنَذْرُ فِعْلِهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا فَعَلَهَا عَقِبَهَا) قَالَ سم عَلَى حَجّ: وَقَدْ يُقَالُ هَذَا ظَاهِرٌ إنْ كَانَ قَوْلُهُ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ بِمَنْزِلَةِ الْأَذَانِ، فَإِنْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقَامَةِ فَقَدْ يُتَّجَهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَرَاخِي فِعْلِهِ وَعَدَمِهِ، وَقِيَاسُ كَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِقَامَةِ الْإِتْيَانُ بِهِ لِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ: أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ اهـ.
وَهُوَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يَقُولُهُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ إلَخْ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ) فِيهِ عُسْرٌ وَيُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ لَنَا: أَيْ لَنَا جَامِعَةٌ: أَيْ كَائِنٌ لَنَا عِبَادَةٌ جَامِعَةٌ: أَيْ وَهِيَ الصَّلَاةُ بِدَلِيلِ السِّيَاقِ أَوْ مِنْهَا جَامِعَةٌ، وَفِيهِ شَيْءٌ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَكَالصَّلَاةِ جَامِعَةٍ هَلُمُّوا) أَيْ فِي أَدَاءِ أَصْلِ السُّنَّةِ وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ لِوُرُودِهِ عَنْ الشَّارِعِ (قَوْلُهُ: أَوْ الصَّلَاةُ رَحِمَكُمْ اللَّهُ) أَيْ أَوْ الصَّلَاةُ فَقَطْ عَلَى مَا يُفِيدُهُ كَلَامَ الْمَنْهَجِ، أَوْ الصَّلَاةُ الصَّلَاةُ عَلَى مَا فِي حَجّ، قَالَ:
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ) لَا يَتَأَتَّى فِي جَامِعَةٍ
أَوْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ كَمَا فِي الْعُبَابِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهِ النَّافِلَةُ الَّتِي لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهَا وَاَلَّتِي تُسَنُّ فِيهَا إذَا صُلِّيَتْ فُرَادَى وَالْمَنْذُورَةُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ لِأَنَّ الْمُشَيِّعِينَ لَهَا حَاضِرُونَ فَلَا حَاجَةَ لِإِعْلَامِهِمْ
(وَالْجَدِيدُ نَدْبُهُ) أَيْ الْأَذَانِ (لِلْمُنْفَرِدِ) بِالصَّلَاةِ فِي صَحْرَاءَ أَوْ غَيْرِهَا وَإِنْ سَمِعَ أَذَانَ غَيْرِهِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَالتَّنْقِيحِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنْ أَنَّهُ إنْ سَمِعَ أَذَانَ الْجَمَاعَةِ لَا يَشْرَعُ وَقَوَّاهُ الْأَذْرَعِيُّ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ، فَفِي كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ مَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ، وَيَكْفِي فِي أَذَانِ الْمُنْفَرِدِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ أَذَانِ الْإِعْلَامِ كَمَا يَأْتِي، وَالْقَدِيمُ لَا يُنْدَبُ لَهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَذَانِ الْإِعْلَامُ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْمُنْفَرِدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَدِيدِ كَالْوَجِيزِ وَالْجُمْهُورُ اقْتَصَرُوا عَلَى أَنَّهُ يُؤَذِّنُ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْخِلَافِ، وَأَفْصَحُوا فِي الرَّوْضَةِ بِتَرْجِيحِ طَرِيقِهِمْ وَاكْتَفَى عَنْهَا هُنَا بِذِكْرِ الْجَدِيدِ كَالْمُحَرَّرِ
(وَيَرْفَعُ) الْمُنْفَرِدُ (صَوْتَهُ) نَدْبًا بِالْأَذَانِ فَوْقَ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يُؤَذِّنُ لِجَمَاعَةٍ فَوْقَ مَا يَسْمَعُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَيُبَالِغُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْجَهْرِ مَا لَمْ يُجْهِدْ نَفْسَهُ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ «أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ: إنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْت فِي غَنَمِك أَوْ بَادِيَتِك فَأَذَّنْت لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» : أَيْ سَمِعْت جَمِيعَ مَا قُلْته لَك بِخِطَابٍ إلَيَّ أَيْ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فَهِمَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَأَوْرَدَهُ بِاللَّفْظِ الدَّالِ عَلَى ذَلِكَ: أَيْ لَمْ يُورِدُوهُ بِلَفْظِ الْحَدِيثِ بَلْ بِمَعْنَاهُ فَقَالُوا: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَبِي سَعِيدِ إلَى آخِرِهِ، لِيَظْهَرَ بِهِ الِاسْتِدْلَال عَلَى أَذَانِ الْمُنْفَرِدِ وَرَفْعِ صَوْتِهِ (إلَّا بِمَسْجِدٍ) أَيْ وَنَحْوِهِ مِنْ مَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ مِنْ أَمْكِنَةِ الْجَمَاعَةِ (وَقَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ)
[حاشية الشبراملسي]
وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ (قَوْلُهُ: الَّتِي لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهَا) أَيْ وَإِنْ صُلِّيَتْ جَمَاعَةً (قَوْلُهُ: فَلَا حَاجَةَ لِإِعْلَامِهِمْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُشَيَّعِينَ لَوْ كَثُرُوا وَلَمْ يَعْلَمُوا وَقْتَ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ لِلصَّلَاةِ سُنَّ ذَلِكَ لَهُمْ وَلَا بُعْدَ فِيهِ
(قَوْلُهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ) أَيْ وَصَلَّى مَعَهُمْ: أَيْ لَكِنْ لَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ لَهُ فَإِنْ لَمْ يُتَّفَقْ صَلَاتُهُ مَعَهُمْ أَذَّنَ وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَهُمْ لِعُذْرٍ أَمْ لَا وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِهِ صَلَّى فِي بَيْتِهِ أَوْ الْمَسْجِدِ، لَكِنْ قَيَّدَ بَعْضُهُمْ كَلَامَ الْأَذْرَعِيِّ بِمَا إذَا صَلَّى مَعَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَيْهِ فَيُنْدَبُ لِلْمُنْفَرِدِ مُطْلَقًا سَمِعَ أَذَانَ غَيْرِهِ أَوْ لَا أَرَادَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ أَوْ لَا
(قَوْلُهُ: وَيُبَالِغُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْجَهْرِ مَا لَمْ يُجْهِدْ نَفْسَهُ) أَيْ فَيَحْصُلُ لَهُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الرَّفْعِ فَوْقَ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ أَوْ أَحَدًا مِنْ الْمُصَلِّينَ وَكَمَالُ السُّنَّةِ بِالرَّفْعِ طَاقَتُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ الْبَلَدِ الْأَجَانِبُ لَمْ يَسْقُطُ الطَّلَبُ عَنْ غَيْرِهِمْ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ مَدَى) أَيْ غَايَةُ صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ، فَالْمَدَى بِفَتْحِ الْمِيمِ يُكْتَبُ بِالْيَاءِ وَهُوَ غَايَةُ الشَّيْءِ (قَوْله وَلَا إنْسٌ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا وَلَا مَانِعَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ وَشَهَادَتُهُمْ سَبَبٌ لِقُرْبِهِ مِنْ اللَّهِ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ شَهَادَتَهُمْ لَهُ بِالْقِيَامِ بِشَعَائِرِ الدِّينِ فَيُجَازِيهِ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا الثَّوَابُ الْعَظِيمُ إنَّمَا يَحْصُلُ لِلْمُؤَذِّنِ احْتِسَابًا لِلْمُدَاوِمِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَحْصُلُ لَهُ أَصْلُ الثَّوَابِ (قَوْلُهُ: وَقَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ) زَادَ حَجّ: أَوْ صَلَّوْا فِيهِ فُرَادَى، وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ أَذَّنَ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ فَلَوْ صَلَّوْا بِلَا أَذَانٍ اُسْتُحِبَّ الْأَذَانُ وَالرَّفْعُ مَعَ أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ مَوْجُودَةٌ
[حاشية الرشيدي]
[الْأَذَانِ لِلْمُنْفَرِدِ بِالصَّلَاةِ]
قَوْلُهُ: يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ) لَعَلَّ الْمُرَادَ وَصَلَّى مَعَهُمْ، وَيُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِهِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّتِي لَمْ تُرِدْ الصَّلَاةَ مَعَ جَمَاعَةِ الْأَذَانِ كَالْمُنْفَرِدِ
(قَوْلُهُ: مِنْ أَمْكِنَةِ الْجَمَاعَةِ) لَا مَوْقِعَ لِهَذَا الْبَيَانِ الْمُتَقَدِّمِ.
فَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهِ، وَقَوْلُ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَانْصَرَفُوا مِثَالٌ لَا قَيْدٌ، فَلَوْ لَمْ يَنْصَرِفُوا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنْ طَالَ الزَّمَنُ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ تَوَهَّمَ السَّامِعُونَ دُخُولَ وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى وَإِلَّا تَوَهَّمُوا وُقُوعَ صَلَاتِهِمْ قَبْلَ الْوَقْتِ لَا سِيَّمَا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ
(وَيُقِيمُ لِلْفَائِتَةِ) الْمَفْرُوضَةِ مَنْ يُرِيدُ فِعْلَهَا لِأَنَّهَا لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ (وَلَا يُؤَذِّنُ) لَهَا (فِي الْجَدِيدِ) لِزَوَالِ وَقْتِهَا «وَقَدْ فَاتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَوَاتُ يَوْمِ الْخَنْدَقِ فَقَضَاهَا وَلَمْ يُؤَذِّنْ لَهَا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِيهِمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَجَازَ لَهُمْ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِاشْتِغَالِهِمْ بِالْقِتَالِ وَلَمْ تَكُنْ صَلَاةُ الْخَوْفِ وَالْقَدِيمُ يُؤَذِّنُ لَهَا: أَيْ حَيْثُ تَفْعَلُ جَمَاعَةٌ لِيُجَامِعَ الْقَدِيمُ السَّابِقَ فِي الْمُؤَدَّاةِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُؤَذِّنْ الْمُنْفَرِدُ لَهَا فَالْفَائِتَةُ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ مِنْ اقْتِصَارِ الْجُمْهُورِ فِي الْمُؤَدَّاةِ عَلَى أَنَّهُ يُؤَذِّنُ يَجْرِي الْقَدِيمُ هُنَا عَلَى إطْلَاقِهِ، كَذَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ (قُلْت: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَهُوَ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ لَهَا وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ جَمَاعَةٌ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَنْ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَسَارُوا حَتَّى ارْتَفَعَتْ ثُمَّ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ وَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ» وَالْأَذَانُ حَقٌّ لِلْفَرِيضَةِ عَلَى الْقَدِيمِ الْأَصَحِّ وَعَلَى الْجَدِيدِ لِلْوَقْتِ (فَإِنْ كَانَ فَوَائِتَ لَمْ يُؤَذِّنْ) مَنْ أَرَادَ قَضَاءَهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (لِغَيْرِ الْأُولَى) بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالرَّوْضَةِ.
أَمَّا الْأُولَى فَفِيهَا الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ، وَلَوْ كَانَتْ الْأُولَى فَائِتَةً وَقَدَّمَهَا عَلَى الْحَاضِرَةِ أَوْ كَانَتْ غَيْرَ فَرِيضَةِ الْوَقْتِ وَقَدْ قَدَّمَهَا فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ أَذَّنَ لِلْأُولَى فَقَطْ كَمَا رَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّهُ الثَّابِتُ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَمَّا إذَا لَمْ يُوَالِ فَيُؤَذِّنُ لِلثَّانِيَةِ.
وَلَوْ صَلَّى فَائِتَةً قُبَيْلَ الزَّوَالِ أَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ إذَا دَخَلَ وَقْتُ
[حاشية الشبراملسي]
انْتَهَى سم (قَوْلُهُ: فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ) أَيْ أَنَّهُ لَا يُرْفَعُ
(قَوْلُهُ: «وَقَدْ فَاتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَوَاتٌ» ) قَالَ الْمَحَلِّيُّ: وَهِيَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ انْتَهَى.
وَقَدْ يُعَارِضُ هَذَا مَا مَرَّ لِلشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيُسَنُّ تَقْدِيمُهُ: أَيْ الْفَائِتِ عَلَى الْحَاضِرَةِ الَّتِي لَا يَخَافُ فَوْتَهَا مِنْ قَوْلِهِ اسْتِدْلَالًا عَلَى ذَلِكَ لِحَدِيثِ الْخَنْدَقِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى يَوْمَهُ الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ» انْتَهَى، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمَغْرِبَ لَمْ تَفُتْهُ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ تَعَدَّدَ الْفَوَاتُ فِي أَيَّامِهِ فَلَا تَعَارُضَ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ) اسْتَشْكَلَ هَذَا بِحَدِيثِ «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا وَلَا تَنَامُ قُلُوبُنَا» . وَأَجَابَ عَنْهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ لِلْأَنْبِيَاءِ نَوْمَيْنِ، فَكَانَ هَذَا النَّوْمُ مِنْ النَّوْمِ الثَّانِي وَهُوَ خِلَافُ نَوْمِ الْعَيْنِ.
وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِجَوَابٍ حَسَنٍ وَهُوَ أَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ مِنْ وَظَائِفِ الْأَعْيُنِ وَالْأَعْيُنُ كَانَتْ نَائِمَةً، وَهَذَا لَا يُنَافِي اسْتِيقَاظَ الْقُلُوبِ انْتَهَى.
وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي هَذَا بِأَنَّ يَقَظَةَ الْقَلْبِ يُدْرِكُ بِهَا الشَّمْسَ كَمَا يَقَعُ ذَلِكَ لِبَعْضِ أُمَّتِهِ فَكَيْفَ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَدْ يُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِلتَّشْرِيعِ لِأَنَّ مَنْ نَامَتْ عَيْنَاهُ لَا يُخَاطَبُ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ حَالَ نَوْمِهِ، وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُشَارِكٌ لِأُمَّتِهِ إلَّا فِيمَا اخْتَصَّ بِهِ وَلَمْ يَرِدْ اخْتِصَاصُهُ بِالْخِطَابِ حَالَ نَوْمِ عَيْنَيْهِ دُونَ قَلْبِهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: «ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ» ) أَيْ بِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: «ثُمَّ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ» ) أَيْ الصُّبْحِ (قَوْلُهُ: «كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ» ) أَيْ مِنْ تَقْدِيمِ سُنَّةِ الصُّبْحِ وَالِاشْتِغَالِ بِالتَّسْبِيحِ مَثَلًا بَعْدَ الْفَرْضِ إذْ كَانَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ فَوَائِتُ لَمْ يُؤَذِّنْ) أَيْ لَمْ يُشَرِّعُ لَهَا الْأَذَانَ وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى التَّقْدِيمِ الرَّاجِحِ وَعَلَى مُقَابِلِهِ (قَوْلُهُ: فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ) أَيْ بِأَنْ كَانَ وَالَاهَا (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا لَمْ يُوَالِ) مُحْتَرَزُ الْمُوَالَاةِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَمَا مَرَّ وَهَلْ يَضُرُّ فِي الْمُوَالَاةِ رَوَاتِبُ الْفَرَائِضِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ حَجّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَشَرْطُهُ الْوَقْتُ إلَخْ مَا نَصُّهُ: وَبِهِ يَعْلَمُ أَنَّ الْكَلَامَ لِحَاجَةٍ لَا يُؤَثِّرُ فِي طُولِ الْفَصْلِ، وَأَنَّ الطُّولَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالسُّكُوتِ أَوْ الْكَلَامِ غَيْرِ الْمَنْدُوبِ لَا لِحَاجَةٍ انْتَهَى أَنَّ الْفَصْلَ بِالرَّوَاتِبِ لَا يَضُرُّ فِي الْمُوَالَاةِ لِأَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ إنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَخُطْبَتِهَا يَضُرُّ إذَا كَانَ بِقَدْرِ رَكْعَتَيْنِ بِأَخَفِّ مُمْكِنٍ كَالْفَصْلِ بَيْنَ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ، بِخِلَافِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ، وَبِخِلَافِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِجَابَةِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ أَصْلًا.
قَالَ: وَفَرَّقَ بَيْنَ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الظُّهْرِ عَقِبَ سَلَامِهِ مِنْ الْفَائِتَةِ أَذَّنَ لِلظُّهْرِ أَيْضًا، وَكَذَا لَوْ أَخَّرَ مُؤَدَّاةً لِآخِرِ وَقْتِهَا وَأَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ عَقِبَ سَلَامِهِ دَخَلَ وَقْتُ مُؤَدَّاةٍ أُخْرَى فَيُؤَذِّنُ لَهَا كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَوْ وَالَى بَيْنَ صَلَاتَيْنِ لَمْ يُؤَذِّنْ لِغَيْرِ الْأُولَى مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى حَاضِرَةً وَأَذَّنَ لَهَا وَتَذَكَّرَ فَائِتَةً وَفَعَلَهَا عَقِبَهَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِلْفَائِتَةِ لِأَنَّ تَذَكُّرَهَا لَيْسَ بِوَقْتٍ حَقِيقِيٍّ لَهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَحَيْثُ لَمْ يُؤَذِّنْ لِلثَّانِيَةِ فَمَا بَعْدَهَا أَقَامَ لِكُلٍّ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَرُوِيَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِإِقَامَتَيْنِ» ، وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا حَفِظَ الْإِقَامَةَ وَقَدْ حَفِظَ جَابِرٌ الْأَذَانَ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ لِزِيَادَةِ عِلْمِهِ، وَبِأَنَّ جَابِرَ اسْتَوْفَى حُجَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَتْقَنَهَا فَهُوَ أَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ
(وَيُنْدَبُ لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ الْإِقَامَةُ) بِأَنْ تَفْعَلَهَا إحْدَاهُنَّ، فَلَوْ صَلَّتْ وَحْدَهَا أَقَامَتْ لِنَفْسِهَا أَيْضًا، وَلَوْ أَقَامَتْ لِرَجُلٍ أَوْ خُنْثَى لَمْ يَصِحَّ (لَا الْأَذَانُ عَلَى الْمَشْهُورِ) فِيهِمَا لِأَنَّ الْأَذَانَ يُخْشَى مِنْ رَفْعِ الْمَرْأَةِ صَوْتَهَا بِهِ الْفِتْنَةُ وَالْإِقَامَةُ لِاسْتِنْهَاضِ الْحَاضِرِينَ، وَلَيْسَ فِيهَا رَفْعٌ كَالْأَذَانِ، وَالثَّانِي يُنْدَبَانِ بِأَنْ تَأْتِي بِهِمَا وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لَكِنْ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا فَوْقَ مَا تَسْمَعُ صَوَاحِبُهَا، وَالثَّالِثُ لَا يُنْدَبَانِ الْأَذَانُ لِمَا مَرَّ وَالْإِقَامَةُ تَبَعٌ لَهُ، وَلَوْ أَذَّنَتْ الْمَرْأَةُ لِلرِّجَالِ أَوْ الْخَنَاثَى لَمْ يَصِحَّ أَذَانُهَا وَأَثِمَتْ
[حاشية الشبراملسي]
الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ
(قَوْلُهُ: عَقِبَ سَلَامِهِ مِنْ الْفَائِتَةِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ الْحَاضِرَةَ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الْفَائِتَةِ أَوْ قَبْلَ أَنْ أَحْرَمَ لَكِنْ بَعْدَ الْأَذَانِ لَهَا لَا يُؤَذِّنُ لِلْحَاضِرَةِ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِ الْمَنْهَجِ لَمْ يَدْخُلُ وَقْتُهَا قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْأَذَانِ إلَخْ خِلَافُهُ وَهُوَ الْوَجْهُ فَلْيُتَأَمَّلْ فَقَوْلُهُ عَقِبَ سَلَامِهِ مِثَالٌ لَا قَيْدٌ (قَوْلُهُ: أَذَّنَ لِلظُّهْرِ أَيْضًا) لَعَلَّ وَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْأَذَانُ قَبْلَ دُخُولِ الْحَاضِرَةِ لَمْ يَصْلُحْ لِكَوْنِهِ مِنْ سُنَنِهَا (قَوْلُهُ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِمْ) وَجْهُ أَخْذِهِ أَنَّ الْوَقْتَ حَيْثُ أَطْلَقَ فِي عِبَارَةِ الْفُقَهَاءِ انْصَرَفَ لِلْحَقِيقِيِّ (قَوْلُهُ: وَتَذَكَّرَ فَائِتَةً وَفَعَلَهَا عَقِبَهَا لَمْ يُؤَذِّنْ) بَقِيَ مَا لَوْ أَذَّنَ وَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ مَا يَقْتَضِي التَّأْخِيرَ وَاسْتَمَرَّ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ فَهَلْ يُؤَذِّنُ لَهَا أَخْذًا مِنْ إطْلَاقِهِمْ الْأَذَانَ لِلْفَائِتَةِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ لِأَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ أَذَانٌ لِهَذِهِ الصَّلَاةِ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ، وَالْمَوْلَاةُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ لَا تُشْتَرَطُ (قَوْلُهُ: اسْتَوْفَى حُجَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ تَتَبَّعَهَا وَاسْتَقَرَّاهَا فَضَبْطُ جَمِيعِ مَا وَقَعَ لَهُ فِيهَا مِنْ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ أَقَامَتْ لِرَجُلٍ أَوْ خُنْثَى لَمْ يَصِحَّ) وَقِيَاسُ حُرْمَةِ الْأَذَانِ قَبْلَ الْوَقْتِ لِكَوْنِهِ عِبَادَةً فَاسِدَةً حُرْمَةُ إقَامَتِهَا لِمَنْ ذُكِرَ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ لِمَا مَرَّ عَنْ حَجّ فِي أَذَانِ الْمَرْأَةِ (قَوْلُهُ: لَا الْأَذَانُ) أَيْ فَلَا يُنْدَبُ لَهُنَّ وَإِنْ فُقِدَ الرِّجَالُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَذَانَ يُخْشَى مِنْ رَفْعِ الْمَرْأَةِ صَوْتَهَا بِهِ الْفِتْنَةُ) الْأُولَى التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْأَذَانَ مِنْ وَظَائِفِ الرِّجَالِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَجْنَبِيٌّ اُسْتُحِبَّ، وَهُوَ خِلَافُ مَا اعْتَمَدَهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَذَّنَتْ الْمَرْأَةُ لِلرِّجَالِ إلَخْ) الْمُتَبَادِرُ مِنْ السِّيَاقِ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَوْ أَذَّنَتْ لِلرِّجَالِ الْمَرِيدِينَ لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ يَفْهَمُ أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ أَذَانَهَا خَلْفَ الْمُسَافِرِ وَلَوْ رَجُلًا وَلَا فِيمَا لَوْ تَغَوَّلَتْ الْغِيلَانُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا شُرِعَ فِيهِ الْأَذَانُ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي حُرْمَةِ أَذَانِهَا أَنَّهُ مِنْ وَظَائِفِ الرِّجَالِ، وَفِي فِعْلِهَا لَهُ تَشَبُّهٌ بِهِمْ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي مِنْ وَظَائِفِهِمْ الْأَذَانُ لِلصَّلَاةِ لَا مُطْلَقًا.
أَمَّا عَلَى التَّعْلِيلِ بِحُرْمَةِ نَظَرِهِمْ إلَيْهَا فَمُقْتَضَاهُ حُرْمَةُ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ ثَمَّ أَجْنَبِيٌّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ:؛ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ» ) هَذَا إنَّمَا سَاقَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ دَلِيلًا عَلَى سَنِّ الْأَذَانِ فِي أُولَى الْمَجْمُوعَتَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَا صَنَعَهُ الشَّارِحُ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ ضَيَاعٌ (قَوْلُهُ: وَأَجَابُوا إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ هُنَا سَنَّ الْإِقَامَةَ لِكُلٍّ، وَكُلٌّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ مُتَكَفِّلٌ بِهِ فَلَا حَاجَةَ لِلْجَوَابِ
(قَوْلُهُ: فِيهِمَا) أَيْ بِالنَّظَرِ لِلْمَجْمُوعِ بِدَلِيلِ حِكَايَةِ الْمُقَابِلَيْنِ الْآتِيَيْنِ
لِحُرْمَةِ نَظَرِهِمَا إلَيْهَا وَكَذَا لَوْ أَذَّنَ الْخُنْثَى لِلرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ وَرَفَعَ فِي هَذِهِ صَوْتَهُ فَوْقَ مَا يُسْمِعُهُنَّ أَوْ الْخَنَاثَى كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِحُرْمَةِ نَظَرِ الْكُلِّ إلَيْهِ وَقِيَاسًا عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْإِمَامَةِ وَإِنْ نُوزِعَ فِي الْقِيَاسِ وَلَا فَرْقَ فِي الرِّجَالِ بَيْنَ الْمَحَارِمِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ وَإِنْ قَالَ الشَّيْخُ إنَّهُ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْأَذَانَ مِنْ شِعَارِ الرِّجَالِ فَلَا يَصِحُّ لَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ لَا سِيَّمَا وَفِي رَفْعِهِنَّ الصَّوْتَ بِهِ تَشَبُّهً بِالرِّجَالِ.
أَمَّا إذَا أَذَّنَ كُلٌّ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى لِنَفْسِهِ أَوْ أَذَّنَتْ الْمَرْأَةُ لِلنِّسَاءِ كَانَ جَائِزًا غَيْرَ مُسْتَحَبٍّ كَمَا مَرَّ.
وَلَا يُشْكِلُ حُرْمَةُ أَذَانِهَا بِجَوَازِ غِنَائِهَا مَعَ اسْتِمَاعِ الرَّجُلِ لَهُ لِأَنَّ الْغِنَاءَ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ اسْتِمَاعُهُ وَإِنْ أَمِنَ الْفِتْنَةَ، وَالْأَذَانُ يُسْتَحَبُّ لَهُ اسْتِمَاعُهُ، فَلَوْ جَوَّزْنَاهُ لِلْمَرْأَةِ لَأَدَّى إلَى أَنْ يُؤْمَرَ الرَّجُلُ بِاسْتِمَاعِ مَا يُخْشَى مِنْهُ الْفِتْنَةُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالرِّجَالِ، بِخِلَافِ الْغِنَاءِ فَإِنَّهُ مِنْ شِعَارِ النِّسَاءِ، وَلِأَنَّ الْغِنَاءَ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَالْأَذَانَ عِبَادَةٌ وَالْمَرْأَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهَا فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا تَعَاطِيهَا كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا تَعَاطِي الْعِبَادَةِ الْفَاسِدَةِ، وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ النَّظَرُ إلَى الْمُؤَذِّنِ حَالَةَ أَذَانِهِ، فَلَوْ اسْتَحْبَبْنَاهُ لِلْمَرْأَةِ لَأُمِرَ السَّامِعُ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَقْصُودِ الشَّارِعِ، وَلِأَنَّ الْغِنَاءَ مِنْهَا إنَّمَا يُبَاحُ لِلْأَجَانِبِ الَّذِينَ يُؤْمَنُ افْتِتَانُهُمْ بِصَوْتِهَا، وَالْأَذَانُ مَشْرُوعٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَلَا يُحْكَمُ بِالْأَمْنِ مِنْ الِافْتِتَانِ فَمُنِعَتْ مِنْهُ، وَفَارِقُ الرَّفْعِ هُنَا الرَّفْعُ بِالتَّلْبِيَةِ بِأَنَّ الْإِصْغَاءَ إلَيْهَا غَيْرُ مَطْلُوبٍ.
وَيُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ بَيْنِ غِنَائِهَا وَأَذَانِهَا مِنْ قَوْلِنَا إنَّ الْأَذَانَ عِبَادَةٌ وَلَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهَا، وَمِنْ أَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالرِّجَالِ، وَمِنْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ النَّظَرُ إلَى الْمُؤَذِّنِ عَدَمُ حُرْمَةِ
[حاشية الشبراملسي]
مُطْلَقًا، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا يُسَنُّ النَّظَرُ لِلْمُؤَذِّنِ حَيْثُ أَذَّنَ لِلصَّلَاةِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ بِالدَّرْسِ حُرْمَةُ أَذَانِهَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَإِنَّ م ر سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ بِأَنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهَا لَا تُؤَذِّنُ انْتَهَى.
وَمَا نُقِلَ عَنْ م ر لَا يُفِيدُ حُرْمَةَ أَذَانِهَا وَإِنَّمَا يُفِيدُ عَدَمَ طَلَبِهِ مِنْهَا لِتِلْكَ الْأَحْوَالِ، وَعَدَمُ الطَّلَبِ يَسْتَدْعِي الْحُرْمَةَ (قَوْلُهُ: لِحُرْمَةِ نَظَرِهِمَا) أَيْ الْمُسَبِّبُ عَنْ أَذَانِهَا فَإِنَّهُ يُسَنُّ النَّظَرُ إلَى الْمُؤَذِّنِ كَمَا يَأْتِي، وَهَلْ يُحَرَّمُ عَلَى سَامِعِهَا السَّمَاعُ فَيَجِبُ سَدُّ الْآذَانِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا يُحَرَّمُ سَمَاعُ الْغِنَاءِ مِنْهَا وَنَحْوِهِ إلَّا عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ.
قَالَ فِي الْإِيعَابِ: وَحَيْثُ حُرِّمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَهَلْ تُثَابُ أَمْ لَا كَمَا فِي الْجَهْرِ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ.
وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ كَالصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَقَدْ يُقَالُ: بَلْ الْأَقْرَبُ الثَّانِي.
وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الصَّلَاةَ مَطْلُوبَةٌ مِنْهَا شَرْعًا وَمُعَاقَبَةٌ عَلَى تَرْكِهَا فَأُثِيبَتْ عَلَى فِعْلِهَا فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْعِقَابُ بِغَيْرِ حِرْمَانِ الثَّوَابِ، بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنْهُ فَلَا تُثَابُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: فِي هَذِهِ) هِيَ قَوْلُهُ أَوْ النِّسَاءُ (قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ.
وَيُشْكِلُ بِمَا قَدَّمَهُ فِي أَذَانِهِ لِلنِّسَاءِ حَيْثُ قَدْ قَيَّدَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ مَعَ أَنَّهُنَّ يَحْرُمُ نَظَرُهُنَّ إلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ تَشْبِيهُ أَذَانِ الْخُنْثَى لِلْخَنَاثَى بِأَذَانِهِ لِلنِّسَاءِ فِي جَمِيعِ مَا قَدَّمَهُ، وَقَوْلُهُ لِحُرْمَةِ إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ أَذَانَهُ قَدْ يَجُرُّ إلَى نَظَرِ الرِّجَالِ إلَيْهِ فَلَا تَتَوَقَّفُ الْحُرْمَةُ عَلَى نَظَرِهِمْ إلَيْهِ بِالْفِعْلِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَذَّنَتْ الْمَرْأَةُ) أَيْ أَمَّا إذَا أَذَّنَتْ الْخُنْثَى لِلْخَنَاثَى فَيَحْرُمُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ، وَفِيهِ مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِنَا إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ تَشْبِيهُ أَذَانِ الْخُنْثَى إلَخْ، وَقَوْلُهُ كَانَ جَائِزًا: أَيْ بِلَا كَرَاهَةٍ حَيْثُ أَذَّنَتْ بِقَدْرِ مَا يَسْمَعْنَ وَلَمْ تَقْصِدْ الْأَذَانَ الشَّرْعِيَّ، فَإِنْ رَفَعَتْ فَوْقَ ذَلِكَ أَوْ أَرَادَتْ الْأَذَانَ الشَّرْعِيَّ حُرِّمَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَجْنَبِيٌّ (قَوْلُهُ: وَالْمَرْأَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهَا) أَيْ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ، وَجَعْلُ الْأَذَانِ عِبَادَةً لَا يَأْتِي بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْمُنْفَرِجَةِ مِنْ أَنَّ الْعِبَادَةَ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ فَلَعَلَّ لَهَا إطْلَاقَيْنِ أَوْ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا، فَمِنْهُمْ مِنْ اعْتَبَرَ فِي الْعِبَادَةِ مُجَرَّدَ الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ، وَمِنْهُمْ مِنْ اعْتَبَرَ مَعَ ذَلِكَ التَّوَقُّفَ عَلَى النِّيَّةِ (قَوْلُهُ بِأَنَّ الْإِصْغَاءَ إلَيْهَا) أَيْ التَّلْبِيَةَ (قَوْلُهُ: وَمِنْ أَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالرِّجَالِ) أَخَذَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَرَفَعَ فِي هَذِهِ صَوْتَهُ مَا يُسْمِعُهُنَّ) أَفْهَمَ عَدَمَ الْإِثْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ فَوْقِ الرَّفْعِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ مَعَ التَّعْلِيلِ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ لَهُمْ) قَدْ يُقَالُ: لَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ لَهُمْ (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَمِنَ الْفِتْنَةَ) لَعَلَّ الصَّوَابَ إسْقَاطُ الْوَاوِ (قَوْلُهُ: لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهَا) أَيْ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ
رَفْعِ صَوْتِهَا بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا، وَإِنْ كَانَ الْإِصْغَاءُ لِلْقِرَاءَةِ مَنْدُوبًا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَدْ صَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ جَهْرِهَا بِهَا فِي الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ أَجْنَبِيٍّ وَعَلَّلُوهُ بِخَوْفِ الِافْتِتَانِ
(وَالْأَذَانُ) أَيْ مُعْظَمُهُ (مُثَنَّى) مَعْدُولٌ عَنْ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، لِأَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ فِي آخِرِهِ مُفْرَدَةٌ وَالتَّكْبِيرُ فِي أَوَّلِهِ أَرْبَعٌ لِلِاتِّبَاعِ (وَالْإِقَامَةُ) أَيْ مُعْظَمُهَا (فُرَادَى) لِأَنَّ لَفْظَ الْإِقَامَةِ وَالتَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا مُثَنًّى لِلِاتِّبَاعِ أَيْضًا، وَكَلِمَاتُ الْأَذَانِ مَشْهُورَةٌ وَعِدَّتُهَا بِالتَّرْجِيعِ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً وَعِدَّةُ كَلِمَاتِهَا إحْدَى عَشْرَةَ لِأَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ أَمْرَانِ يَتَقَدَّمَانِ الصَّلَاةَ لِأَجْلِهَا، فَكَانَ الثَّانِي مِنْهُمَا أَنْقَصَ مِنْ الْأَوَّلِ كَخُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ، وَلِأَنَّ الْإِقَامَةَ ثَانٍ لِأَوَّلِ، وَيُفْتَتَحُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِتَكْبِيرَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ فَكَانَ الثَّانِي أَنْقَصَ مِنْ الْأَوَّلِ كَتَكْبِيرَاتِ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَلِأَنَّ الْأَذَانَ أَوْفَى صِفَةً مِنْ الْإِقَامَةِ لِأَنَّهُ يُؤْتَى بِهِ مُرَتَّلًا وَيُرْفَعُ بِهِ الصَّوْتُ فَكَانَ أَوْفَى قَدْرًا مِنْهَا، كَالرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ لَمَّا كَانَتَا أَوْفَى صِفَةً بِالْجَهْرِ كَانَتَا أَوْفَى قَدْرًا بِالسُّورَةِ (إلَّا لَفْظُ الْإِقَامَةِ) لِخَبَرِ أَنَسٍ «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يُشَفِّعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ إلَّا لَفْظَ الْإِقَامَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاسْتِثْنَاءُ لَفْظِ الْإِقَامَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ.
(وَيُسَنُّ إدْرَاجُهَا) أَيْ إدْرَاجُ كَلِمَاتِهَا وَهُوَ الْإِسْرَاعُ بِهَا إذْ الْإِدْرَاجُ الطَّيُّ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِإِدْخَالِ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ فِي بَعْضٍ لِمَا صَحَّ مِنْ الْأَمْرِ بِهِ وَلِأَنَّ الْإِقَامَةَ لِلْحَاضِرِينَ، فَالْإِدْرَاجُ فِيهَا أَشْبَهُ وَالْأَذَانُ لِلْغَائِبِينَ فَالتَّرْتِيلُ فِيهِ أَبْلَغُ، وَمَا قَالَهُ الْهَرَوِيُّ مِنْ أَنَّ عَوَامَّ النَّاسِ يَقُولُونَ أَكْبَرُ بِضَمِّ الرَّاءِ إذَا وَصَلَ هُوَ الْقِيَاسُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ، وَإِنْ ذَهَبَ الْمُبَرِّدُ إلَى فَتْحِ الرَّاءِ مِنْ أَكْبَرَ الْأُولَى وَتَسْكِينِ الثَّانِيَةِ وَقَالَ لِأَنَّ الْأَذَانَ سُمِعَ مَوْقُوفًا فَكَانَ الْأَصْلُ إسْكَانَهَا، لَكِنْ لَمَّا وَقَعَتْ قَبْلَ فَتْحَةِ هَمْزَةِ اللَّهِ الثَّانِيَةِ فُتِحَتْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الم - اللَّهُ﴾ [آل عمران: 1 - 2] وَجَرَى عَلَى كَلَامِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ إذْ مَا عَلَّلَ بِهِ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَيْسَ عَلَى أَكْبَرِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَ الم كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ
[حاشية الشبراملسي]
بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا عَدَمَ حُرْمَةِ الْأَذَانِ عَلَى الْأَمْرَدِ الْجَمِيلِ لِأَنَّهُ مِنْ الرِّجَالِ فَلَيْسَ فِي فِعْلِهِ تَشَبُّهٌ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، وَبَنَاهُ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْأَذَانِ عَلَى الْمَرْأَةِ مُرَكَّبَةٌ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ وَحُرْمَةِ النَّظَرِ إلَيْهَا وَخَوْفِ الْفِتْنَةِ بِسَمَاعِهَا وَالْحُكْمُ إذَا عُلِّلَ بِعِلَّةٍ مُرَكَّبَةٍ مِنْ عِلَّتَيْنِ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ إحْدَاهُمَا، وَالتَّشَبُّهُ مُنْتَفٍ فِي حَقِّ الْأَمْرَدِ فَيَنْتَفِي تَحْرِيمُ الْأَذَانِ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: وَعِدَّتُهَا بِالتَّرْجِيعِ) أَيْ وَهُوَ سُنَّةٌ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَلَوْ تَرَكَهُ صَحَّ أَذَانُهُ (قَوْلُهُ: تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً) أَيْ فَلَوْ تَرَكَ كَلِمَةً مِنْ غَيْرِ التَّرْجِيعِ لَمْ يَصِحَّ أَذَانُهُ.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِ حَجّ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِكَلِمَةٍ مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ يُخِلُّ بِمَعْنَاهَا لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ إذَا خَفَّفَ مُشَدِّدًا بِحَيْثُ يُخِلُّ بِمَعْنَى الْكَلِمَةِ لَمْ يَصِحَّ أَذَانَهُ، وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فَكُّ الْإِدْغَامِ فِي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْأَصْلِ وَلَا إخْلَالَ فِيهِ، وَعَلَيْهِ فَيُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَكِّ الْإِدْغَامِ فِي التَّشَهُّدِ حَيْثُ قِيلَ بِأَنَّهُ يَضُرُّ بِأَنَّ أَمْرَ الصَّلَاةِ أَضْيَقُ مِنْ الْأَذَانِ فَيُحَافَظُ فِيهِ عَلَى كَمَالِ صِفَاتِهِ (قَوْلُهُ: وَعِدَّةُ كَلِمَاتِهَا) أَيْ الْإِقَامَةِ (قَوْلُهُ: كَخُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الثَّانِيَةَ أَقْصَرُ مِنْ الْأُولَى، وَفِيهِ أَنَّ الْأَرْكَانَ فِيهِمَا ثَلَاثَةٌ، وَأَنَّ الْآيَةَ تَكْفِي فِي إحْدَاهُمَا، وَأَنَّهُ يَجِبُ الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الثَّانِيَةِ فَالثَّانِيَةُ أَطْوَلُ مِنْ الْأُولَى، إلَّا أَنْ يُقَالَ: يُسْتَحَبُّ تَطْوِيلُ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ بِأَذْكَارٍ زِيَادَةً عَلَى الْأَرْكَانِ فَلْيُرَاجَعْ مِنْ بَابِهِ، أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهَا نَقْصٌ بِاعْتِبَارِ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْخُطَبَاءِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الْوَعْظِ فِي الْأُولَى وَالِاخْتِصَارِ فِي الثَّانِيَةِ وَتَخْفِيفِهَا مَا أَمْكَنَ (قَوْلُهُ: إذْ مَا عَلَّلَ بِهِ) أَيْ الْمُبَرِّدُ (قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ) أَيْ فَإِنَّ وَضْعَ مِيمٍ عَلَى
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ بِتَكْبِيرَاتٍ) فِيهِ تَسَاهُلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِقَامَةِ (قَوْلُهُ هُوَ الْقِيَاسُ) الضَّمِيرُ فِي الْمَعْنَى رَاجِعٌ إلَى قَوْلِ الْعَوَامّ الَّذِي حَكَاهُ الْهَرَوِيُّ فَفِي الْعِبَارَةِ مُسَامَحَةٌ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ سُمِعَ مَوْقُوفًا) لَعَلَّ مُرَادَهُ بِالْمَوْقُوفِ مَا قَابَلَ الْمُعْرَبَ، وَالْمَبْنِيَّ وَإِلَّا لَمْ يَنْهَضْ مَا قَالَهُ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ الْمَوْقُوفَ وَأَنَّ الْمُعْرَبَ إذَا وُقِفَ عَلَيْهِ حُرِّكَ إنَّمَا يُحَرَّكُ بِحَرَكَةِ إعْرَابِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ رَدُّ الشَّارِحِ الْآتِي.
نَعَمْ فِي جَعْلِهِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوْقُوفِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مَعَ وُجُودِ الْعَامِلِ وَقْفَةٌ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ)
(وَتَرْتِيلُهُ) وَهُوَ التَّأَنِّي (وَالتَّرْجِيعُ فِيهِ) أَيْ الْأَذَانِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَحِكْمَتُهُ تَدَبُّرُ كَلِمَتَيْ الْإِخْلَاصِ لِكَوْنِهِمَا الْمُنْجِيَتَيْنِ مِنْ الْكُفْرِ الْمُدْخِلَتَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَذَكُّرُ خَفَائِهِمَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ ظُهُورُهُمَا وَهُوَ الْإِسْرَارُ بِكَلِمَتَيْ الشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى الرَّفْعِ بَعْدَ أَنْ تَرَكَهُ أَوْ إلَى الشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَ ذَكَرِهِمَا فَهُوَ اسْمٌ لِلْأَوَّلِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّحْقِيقِ وَالدَّقَائِقِ وَالتَّحْرِيرِ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا أَنَّهُ لَهُمَا، وَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنْ أَنَّهُ اسْمٌ لِلثَّانِي نُسِبَ فِيهِ إلَى السَّهْوِ، وَالْأَوْجَهُ مَا فِي الْمَجْمُوعِ.
وَالْمُرَادُ بِالْإِسْرَارِ بِهِمَا أَنْ يُسْمِعَ مَنْ بِقُرْبِهِ أَوْ أَهْلَ الْمَسْجِدِ إنْ كَانَ وَاقِفًا عَلَيْهِمْ، وَالْمَسْجِدُ مُتَوَسِّطُ الْخِطَّةِ كَمَا صَحَّحَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَنَقَلَهُ عَنْ النَّصِّ وَغَيْرِهِ وَمَا ذَكَرَهُ تَفْسِيرٌ مُرَادٌ، وَإِلَّا فَحَقِيقَةُ الْإِسْرَارِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْجَهْرِ
(وَ) يُسَنُّ (التَّثْوِيبُ) وَيُقَالُ التَّثْوِيبُ بِالْمُثَلَّثَةِ فِيهِمَا (فِي) أَذَانَيْ (الصُّبْحِ) وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْحَيْعَلَتَيْنِ «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ» مَرَّتَيْنِ أَيْ الْيَقِظَةُ لِلصَّلَاةِ خَيْرٌ مِنْ الرَّاحَةِ الَّتِي تَحْصُلُ مِنْ النَّوْمِ لِوُرُودِهِ فِي خَبَرِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَهُوَ مِنْ ثَابَ إذَا رَجَعَ لِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ دَعَا إلَى الصَّلَاةِ بِالْحَيْعَلَتَيْنِ ثُمَّ عَادَ فَدَعَا إلَيْهَا بِذَلِكَ، وَخَصَّ بِالصُّبْحِ لِمَا يَعْرِضُ لِلنَّائِمِ مِنْ التَّكَاسُلِ بِسَبَبِ النَّوْمِ، وَيَثُوبُ فِي أَذَانِ الْفَائِتَةِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عُجَيْلٍ الْيَمَنِيُّ نَظَرًا لِأَصْلِهِ، وَيُكْرَهُ تَثْوِيبُهُ لِغَيْرِهَا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» وَيُسَنُّ فِي اللَّيْلَةِ الْمَاطِرَةِ أَوْ الْمُظْلِمَةِ أَوْ ذَاتِ الرِّيحِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْأَذَانِ وَهُوَ الْأَوْلَى أَوْ بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ: «أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» ، لِمَا صَحَّ مِنْ الْأَمْرِ بِهِ.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِرَفْعِهِ: «لَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ» : أَيْ لَا تَقُلْ ذَلِكَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَهُ عِوَضًا لَمْ يَصِحَّ أَذَانُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ خِلَافًا لِمَا فِي الْإِسْعَادِ وَشَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِلْكَمَالِ الدَّمِيرِيِّ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ مَعَ الْحَيْعَلَتَيْنِ: حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ،
[حاشية الشبراملسي]
السُّكُونِ وَلَا كَذَلِكَ التَّكْبِيرُ (قَوْلُهُ: وَتَرْتِيلُهُ) يُسْتَثْنَى التَّكْبِيرُ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ كُلَّ تَكْبِيرَتَيْنِ فِي نَفَسٍ لِخِفَّةِ لَفْظِهِ، كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا بِرّ عَلَى الْمَحَلِّيِّ سم عَلَى حَجّ وَقَوْلُهُ فِي نَفَسٍ قَالَ حَجّ: أَيْ مَعَ وَقْفَةٍ لَطِيفَةٍ عَلَى الْأُولَى، فَإِنْ لَمْ يَقِفْ فَالْأُولَى الضَّمُّ وَقِيلَ الْفَتْحُ (قَوْلُهُ: وَالتَّرْجِيعُ فِيهِ) أَيْ الْأَذَانِ إلَخْ.
سُئِلَ م ر هَلْ يُسَنُّ التَّرْجِيعُ فِي الْأَذَانِ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ وَنَحْوِهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يُسَنُّ فِيهِ وَإِنَّمَا يُسَنُّ فِي الْأَذَانِ لِلصَّلَاةِ، هَكَذَا قَرَأَهُ بَعْضُ الطَّلَبَةِ بِالدَّرْسِ وَقَرَأَ بَعْضٌ أَيْضًا خِلَافَهُ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْإِسْرَارُ) أَيْ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِهِمَا جَهْرًا، وَيَأْتِي بِالْأَرْبَعِ وَلَاءً.
قَالَ فِي الْعُبَابِ: فَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِمَا سِرًّا أَوَّلًا أَتَى بِهِمَا بَعْدَ الْجَهْرِ انْتَهَى (قَوْلُهُ: فَهُوَ اسْمٌ لِلْأَوَّلِ) أَيْ لِلْقَوْلِ سِرًّا، لَكِنَّ التَّعْلِيلَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَخْ لَا يُنَاسِبُهُ (قَوْلُهُ: مُتَوَسِّطُ الْخُطَّةِ) أَيْ غَيْرُ كَبِيرٍ
(قَوْلُهُ وَهُوَ مَنْ ثَابَ إذَا رَجَعَ) وَأَصْلُهُ أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مُسْتَصْرِخًا يَلُوحُ بِثَوْبٍ لِيُرَى فَسُمِّيَ الدُّعَاءُ تَثْوِيبًا لِذَلِكَ، وَلِلْإِمَامِ احْتِمَالٌ بِرُكْنِيَّتِهِ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَيَثُوبُ فِي أَذَانِ الْفَائِتَةِ) أَيْ فِي كُلٍّ مِنْ أَذَانَيْ الصُّبْحِ عَلَى مَا يَأْتِي وَيُوَالِي بَيْنَ أَذَانَيْهِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ رَدٌّ) أَيْ مَرْدُودٌ (قَوْلُهُ: أَوْ الْمُظْلِمَةُ) الْمُرَادُ بِهَا إظْلَامٌ يَنْشَأُ عَنْ نَحْوِ سَحَابٍ، أَمَّا الظُّلْمَةُ الْمُعْتَادَةُ فِي أَوَاخِرِ الشَّهْرِ لِعَدَمِ طُلُوعِ الْقَمَرِ فِيهَا فَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِيهَا (قَوْلُهُ: أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْأَذَانِ) أَيْ بَدَلَ التَّثْوِيبِ (قَوْلُهُ: «أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» ) أَيْ مَرَّتَيْنِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ التَّثْوِيبِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَهُ) أَيْ التَّثْوِيبَ، وَقَوْلُهُ عِوَضًا: أَيْ عَنْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ) أَيْ
[حاشية الرشيدي]
وَجْهُهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي مِيمٍ السُّكُونُ فَحُرِّكَ بِالْفَتْحِ لِالْتِقَائِهِ مَعَ الْهَمْزَةِ الَّتِي الْأَصْلُ فِيهَا السُّكُونُ أَيْضًا إذْ هِيَ هَمْزَةُ وَصْلٍ وَإِنَّمَا لَمْ تُحَرَّكْ بِالْكَسْرِ لِتَوَالِي كَسْرَتَيْنِ، وَهُوَ ثَقِيلٌ بِخِلَافِ الرَّاءِ مِنْ أَكْبَرُ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهَا التَّحْرِيكُ (قَوْلُهُ: فَهُوَ اسْمٌ لِلْأَوَّلِ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ لِهَذَا التَّوْجِيهِ أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِلثَّانِي؛ لِأَنَّهُ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ فَتَسْمِيَةُ الْأَوَّلِ بِهِ مَجَازٌ مِنْ تَسْمِيَةِ السَّبَبِ بِاسْمِ الْمُسَبَّبِ إذْ هُوَ سَبَبُ الرُّجُوعِ
[التَّثْوِيبُ فِي أَذَانَيْ الصُّبْحِ]
(قَوْلُهُ: لِوُرُودِهِ) أَيْ التَّثْوِيبِ (قَوْلُهُ: أَوْ الْمُظْلِمَةِ) قَالَ شَيْخُنَا فِي الْحَاشِيَةِ: أَيْ لِنَحْوِ سَحَابٍ لَا لِغَيْبَةِ الْقَمَرِ فِي آخِرِ الشَّهْرِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَهُ) أَيْ أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ عِوَضًا عَنْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ
فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ كَمَا صَرَّحَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ أَيْضًا خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ فِيهِ
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا) «لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا بِالْقِيَامِ» وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ، فَيُكْرَهُ لِلْقَاعِدِ وَلِلْمُضْطَجِعِ أَشَدُّ وَلِلرَّاكِبِ الْمُقِيمِ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ لَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِحَاجَتِهِ لِلرُّكُوبِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ لَا يُؤَذِّنَ إلَّا بَعْدَ نُزُولِهِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ لِلْفَرِيضَةِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ وَلَوْ غَيْرَ رَاكِبٍ.
وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ السَّفَرِ التَّعَبَ وَالْمَشَقَّةَ فَسُومِحَ لَهُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَا يُكْرَهُ لَهُ أَيْضًا تَرْكُ الِاسْتِقْبَالِ وَلَا الْمَشْيُ لِاحْتِمَالِهِ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ فَفِي الْأَذَانِ أَوْلَى، وَالْإِقَامَةُ كَالْأَذَانِ فِيمَا ذُكِرَ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُجْزِي مِنْ الْمَاشِي وَإِنْ بَعُدَ عَنْ مَحَلِّ ابْتِدَائِهِ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ آخِرَهُ مَنْ سَمِعَ أَوَّلَهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ فَعَلَهُمَا لِغَيْرِهِ كَأَنْ كَانَ ثَمَّ مَعَهُ مَنْ يَمْشِي وَفِي مَحَلِّ ابْتِدَائِهِ غَيْرُهُ اشْتَرَطَ أَنْ لَا يَبْعُدَ عَنْ مَحَلِّ ابْتِدَائِهِ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ آخِرَهُ مَنْ سَمِعَ أَوَّلَهُ وَإِلَّا لَمْ يُجْزِهِ كَمَا فِي الْمُقِيمِ.
وَسُنَّ أَنْ يَتَوَجَّهَ (لِلْقِبْلَةِ) لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ سَلَفًا وَخَلَفًا وَلِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ، فَلَوْ تَرَكَ ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِهِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَلْتَفِتَ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ بِوَجْهِهِ لَا بِصَدْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ مَحَلِّهِ وَلَوْ عَلَى مَنَارَةٍ مُحَافَظَةً عَلَى الِاسْتِقْبَالِ يَمِينًا مَرَّةً فِي قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ وَيَسَارًا أُخْرَى فِي حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ كَذَلِكَ حَتَّى يُتِمَّهُمَا فِي الِالْتِفَاتَتَيْنِ لِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ «رَأَيْت بِلَالًا يُؤَذِّنُ، فَجَعَلْت أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا، يَقُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ لَوَى عُنُقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ يَسْتَدِرْ» وَاخْتُصَّتْ الْحَيْعَلَتَانِ بِالِالْتِفَاتِ لِأَنَّ غَيْرَهُمَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُمَا خِطَابُ الْآدَمِيِّ كَالسَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ يَلْتَفِتُ فِيهِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنْ أَذْكَارِهَا، وَيُفَارِقُ كَرَاهَةَ الْتِفَاتِ الْخَطِيبِ فِي الْخُطْبَةِ بِأَنَّهُ يَعِظُ الْحَاضِرِينَ، فَالْأَدَبُ فِي حَقِّهِ أَنْ لَا يُعْرِضَ عَنْهُمْ، وَإِنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ فِي الْإِقَامَةِ بَلْ يُنْدَبُ كَمَا مَرَّ، لِأَنَّهُ الْقَصْدُ مِنْهَا الْإِعْلَامُ فَلَيْسَ فِيهِ تَرْكُ أَدَبٍ، وَلَا يَلْتَفِتُ فِي قَوْلِهِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ عُجَيْلٍ الْيَمَنِيُّ
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى عَالٍ
[حاشية الشبراملسي]
أَقْبِلُوا عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ) وَالْقِيَاسُ حِينَئِذٍ حُرْمَتُهُ لِأَنَّهُ بِهِ صَارَ مُتَعَاطِيًا لِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ
(قَوْلُهُ: وَلِلرَّاكِبِ الْمُقِيمِ) أَيْ جَالِسًا أَخْذًا مِنْ قَوْلِ ع بَعْدَ رَاكِبًا جَالِسًا (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ) أَيْ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ الْأَذَانُ رَاكِبًا جَالِسًا عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ النُّزُولِ (قَوْلُهُ: تَرْكُ الْقِيَامِ) أَيْ لِلْمُسَافِرِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ وَيُوَجَّهُ إلَخْ، فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ فَيُكْرَهُ لِلْقَاعِدِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُجْزِئُ) قَدْ تُشْعِرُ عِبَارَتُهُ بِاخْتِصَاصِ الْإِجْزَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِالْمُسَافِرِ، وَلَعَلَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يَمْشِي فِي أَذَانِهِ وَلَا إقَامَةٍ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَمْ يُجِزْهُ) أَيْ لَمْ يُجِزْ مَنْ لَمْ يُسْمِعْ الْكُلَّ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الدَّوَرَانِ فِي الْأَذَانِ أَنَّهُ إنْ سَمِعَ آخِرَهُ مَنْ سَمِعَ أَوَّلَهُ كَفَى وَإِلَّا فَلَا، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ عَنْ سم (قَوْلُهُ: مَنَارَةٍ) أَيْ وَتُسَمَّى الْمِئْذَنَةُ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَلَا يَلْتَفِتُ فِي قَوْلِهِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ) أَيْ لَوْ تَرَتَّبَ عَلَى عَدَمِ الِالْتِفَاتِ عَدَمُ سَمَاعِ بَعْضِهِمْ
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى عَالٍ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا ذَلِكَ إلَّا إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ، وَعِبَارَةُ حَجّ: وَأَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ قَائِمًا وَعَلَى عَالٍ اُحْتِيجَ إلَيْهِ اهـ. وَظَاهِرُهُ رُجُوعُ الْقَيْدِ لِكُلٍّ مِنْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى قَوْلِ الشَّارِحِ بِخِلَافِ
[حاشية الرشيدي]
حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ الدَّمِيرِيِّ وَغَيْرُهُ
(قَوْلُهُ: لَمْ يُجْزِهِ) لَعَلَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ فِي مَحَلِّ ابْتِدَائِهِ إذْ لَا تَوَقُّفَ فِي إجْزَائِهِ لِمَنْ يَمْشِي مَعَهُ، وَمِنْ ثَمَّ احْتَرَزَ بِالتَّصْوِيرِ الْمَذْكُورِ عَمَّا إذَا أَذَّنَ لِمَنْ يَمْشِي مَعَهُ فَقَطْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، ثُمَّ رَأَيْت سم تَوَقَّفَ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ وَذَكَرَ أَنَّهُ بَحَثَ مَعَهُ فِيهَا فَحَاوَلَ تَأْوِيلَهَا بِمَا لَا يَخْفَى مَا فِيهِ انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَنْبَغِي حَذْفُ قَوْلِهِ كَأَنْ كَانَ ثَمَّ مَعَهُ مَنْ يَمْشِي إذْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا إذَا كَانَ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ
كَمَنَارَةٍ وَسَطْحٍ لِلِاتِّبَاعِ وَلِزِيَادَةِ الْإِعْلَامِ بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا ذَلِكَ إلَّا إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِكِبَرِ الْمَسْجِدِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
وَفِي الْبَحْرِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَسْجِدِ مَنَارَةٌ سُنَّ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى الْبَابِ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا تَعَذَّرَ فِي سَطْحِهِ وَإِلَّا فَهُوَ أَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ.
وَيُسَنُّ لِلْمُؤَذِّنِ جَعْلُ أُصْبُعَيْهِ فِي صِمَاخَيْهِ لِمَا صَحَّ مِنْ فِعْلِ بِلَالٍ بِحَضْرَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْمُرَادُ أُنْمُلَتَا سَبَّابَتَيْهِ وَلِأَنَّهُ أَجْمَعُ لِلصَّوْتِ، وَبِهِ يَسْتَدِلُّ الْأَصَمُّ أَوْ مَنْ هُوَ عَلَى بُعْدٍ عَلَى كَوْنِهِ أَذَانًا فَيَكُونُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ فَيُجِيبُ إلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ لَا أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ إجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ بِالْقَوْلِ، بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ لَا يُسَنُّ فِيهَا ذَلِكَ، وَلَوْ تَعَذَّرَتْ إحْدَى يَدَيْهِ لِعِلَّةٍ جَعَلَ السَّلِيمَةَ فَقَطْ.
نَعَمْ إنْ كَانَتْ الْعَلِيلَةُ سَبَّابَتَيْهِ فَيَظْهَرُ جَعْلُ غَيْرِهِمَا مِنْ بَقِيَّةِ أَصَابِعِهِ
(وَيُشْتَرَطُ) (تَرْتِيبُهُ) أَيْ الْأَذَانِ وَمِثْلُهُ الْإِقَامَةُ لِلِاتِّبَاعِ وَلِأَنَّ تَرْكَهُ يُوهِمُ اللَّعِبَ وَيُخِلُّ بِالْإِعْلَامِ، فَإِنْ عَكَسَ وَلَوْ نَاسِيًا لَمْ يَصِحَّ وَيَبْنِي عَلَى الْمُنْتَظِمِ مِنْهُ وَالِاسْتِئْنَافُ أَوْلَى، وَلَوْ تَرَكَ بَعْضَ الْكَلِمَاتِ فِي خِلَالِهِ أَتَى بِالْمَتْرُوكِ وَأَعَادَ مَا بَعْدَهُ (وَ) يُشْتَرَطُ (مُوَالَاتُهُ) وَكَذَا الْإِقَامَةُ لِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ يُخِلُّ بِالْإِعْلَامِ فَلَا يَفْصِلُ بَيْنَ كَلِمَاتِهِ بِسُكُوتٍ أَوْ كَلَامٍ طَوِيلٍ نَعَمْ لَا يَضُرُّ يَسِيرُهُمَا وَلَوْ عَمْدًا كَيَسِيرِ نَوْمِ وَإِغْمَاءٍ وَجُنُونٍ لِعَدَمِ إخْلَالِهِ بِالْإِعْلَامِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَسْتَأْنِفَ فِي غَيْرِ الْأَوَّلَيْنِ وَكَذَا فِيهِمَا فِي الْإِقَامَةِ فَكَأَنَّهَا لِقُرْبِهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَتَأَكُّدِهَا لَمْ يُسَامَحْ فِيهَا بِفَاصِلٍ أَلْبَتَّةَ، بِخِلَافِ الْأَذَانِ، وَلَوْ عَطَسَ
[حاشية الشبراملسي]
الْإِقَامَةِ، وَالْأَقْرَبُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّارِحِ لِأَنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ، وَالْغَرَضُ بِهِ إظْهَارُ الشِّعَارِ وَكَوْنُهُ عَلَى عَالٍ أَظْهَرُ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ.
وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ قَالَ م ر: وَلَا يَدُورُ عَلَيْهِ فَإِنْ دَارَ كَفَى إنْ سَمِعَ آخِرَ أَذَانِهِ مَنْ سَمِعَ أَوَّلَهُ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ كَمَنَارَةٍ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَرُبَتْ مَوَاضِعُ الْأَذَانِ وَكَثُرَتْ، وَالْمَنَارَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُهَا مَنَاوِرُ بِالْوَاوِ لِأَنَّهُ مِنْ النُّورِ، وَمَنْ قَالَ مَنَائِرُ وَهَمَزَ فَقَدْ شَبَّهَ الْأَصْلِيَّ بِالزَّائِدِ كَمَا قَالُوا مَصَائِبُ بِالْهَمْزِ، وَأَصْلُهُ مَصَاوِبُ (قَوْلُهُ وَسَطْحٍ) لِلِاتِّبَاعِ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ، وَوَرَدَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّائِيِّ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْت فِي الْمَنَامِ رَجُلًا قَامَ عَلَى جَزْمِ حَائِطٍ فَأَذَّنَ» إلَخْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
وَالْجَزْمُ الْأَصْلُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: مِنْ بَقِيَّةِ أَصَابِعِهِ) قَضِيَّتُهُ اسْتِوَاؤُهَا فِي حُصُولِ السُّنَّةِ بِكُلٍّ مِنْهَا وَأَنَّهُ لَوْ فُقِدَتْ أَصَابِعُهُ الْكُلُّ لَمْ يَضَعْ الْكَفَّ، وَفِي حَاشِيَةِ سم عَلَى حَجّ قَوْلُهُ سَبَّابَتَيْهِ، فَلَوْ تَعَذَّرَا لِنَحْوِ فَقْدِهِمَا اُتُّجِهَ جَعْلُ غَيْرِهِمَا مِنْ أَصَابِعِهِ، بَلْ لَا يَبْعُدُ حُصُولُ أَصْلِ السُّنَّةِ بِجَعْلِ غَيْرِهِمَا وَلَوْ لَمْ يَتَعَذَّرَا، وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَالُوهُ فِي التَّشَهُّدِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قُطِعَتْ سَبَّابَتُهُ لَا يَرْفَعُ غَيْرَهَا أَنَّ غَيْرَ السَّبَّابَةِ طُلِبَ لَهُ صِفَةٌ يَكُونُ عَلَيْهَا فَرَفْعُهَا بَدَلُ السَّبَّابَةِ يُفَوِّتُ صِفَتَهَا بِخِلَافِهِ هُنَا
[تَرْتِيبُ الْأَذَانِ]
(قَوْلُهُ أَتَى بِالْمَتْرُوكِ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ بِمَا أَتَى بِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُنْتَظِمِ بَيْنَ الْمُنْتَظِمِ وَمَا كَمُلَ بِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ كَلَامٍ طَوِيلٍ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ كَإِنْذَارِ أَعْمَى أَوْ إنْذَارِ مَنْ قَصَدَتْهُ حَيَّةٌ.
وَقَضِيَّةُ مَا مَرَّ عَنْ حَجّ مِنْ قَوْلِهِ لَا لِحَاجَةِ خِلَافِهِ، وَكَذَا مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ وَقَدْ يَجِبُ الْإِنْذَارُ لِنَحْوِ حَيَّةٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَا يَضُرُّ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَخَرَجَ بِالطَّوِيلِ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ إخْلَالِهِ بِالْإِعْلَامِ) قَالَ حَجّ: فَإِنْ فَحُشَ بِأَنَّ مَضَى ذَلِكَ: أَيْ الزَّمَنُ الَّذِي يُخِلُّ بِالْإِعْلَامِ أَعَادَهُ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ: أَيْ فِي غَيْرِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَالصَّلَاةُ لِوُجُوبِ الْمُوَالَاةِ فِيهَا وَيُحْتَاطُ لِلْوَاجِبِ مَا لَا يُحْتَاطُ لِغَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَضْبِطَ الطُّولَ الْمُضِرَّ فِيهَا: أَيْ فِي الْجُمُعَةِ بِقَدْرِ رَكْعَتَيْنِ بِأَخَفِّ مُمْكِنٍ أَخْذًا مِنْ نَظِيرِهِ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ، وَلَا يَضُرُّ الطُّولُ هُنَا بِذَلِكَ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الْأَوَّلِينَ) هُمَا يَسِيرُ الْكَلَامِ وَالسُّكُوتِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَيَبْنِي عَلَى الْمُنْتَظِمِ مِنْهُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَصَدَ التَّكْمِيلَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَاتِحَةِ لَائِحٌ (قَوْلُهُ: طَوِيلٍ) وَصْفٌ لِلسُّكُوتِ، وَالْكَلَامِ إذْ الْعَطْفُ بِأَوْ (قَوْلُهُ: لَمْ يُسَامَحْ فِيهَا بِفَاصِلٍ أَلْبَتَّةَ) لَعَلَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلسُّنَّةِ بِقَرِينَةِ مَا قَبْلَهُ: أَيْ: فَالْأَذَانُ سُومِحَ فِيهِ بِالسُّكُوتِ، وَالْكَلَامِ الْقَصِيرَيْنِ فَلَمْ يُسَنَّ الِاسْتِئْنَافُ لِأَجْلِهِمَا، بِخِلَافِ يُسَنُّ الِاسْتِئْنَافُ فِيهَا مُطْلَقًا
سُنَّ لَهُ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ وَأَنْ يُؤَخِّرَ رَدَّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتَ الْعَاطِسِ إلَى الْفَرَاغِ وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَعْذُورًا سُومِحَ لَهُ فِي التَّدَارُكِ مَعَ طُولِهِ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ بِوَجْهِ، فَإِنْ لَمْ يُؤَخِّرْ ذَلِكَ لِلْفَرَاغِ فَخِلَافُ السُّنَّةِ كَالتَّكَلُّمِ وَلَوْ لِمَصْلَحَةٍ، وَقَدْ يَجِبُ الْإِنْذَارُ لِنَحْوِ حَيَّةٍ تَقْصِدُ مُحْتَرَمًا أَوْ رَأَى نَحْوَ أَعْمَى يُرِيدُ أَنْ يَقَعَ فِي نَحْوِ بِئْرٍ
وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْأَذَانِ نِيَّةٌ بَلْ عَدَمُ الصَّارِفِ، فَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ فَكَانَتْ الْعَصْرُ صَحَّ، وَيُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ مِنْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ عَدَمُ بِنَاءِ غَيْرِهِ عَلَى مَا أَتَى بِهِ لِأَنَّ صُدُورَ ذَلِكَ يُورِثُ اللَّبْسَ غَالِبًا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَبِهَا صَوْتًا أَوْ لَا (وَفِي قَوْلٍ: لَا يَضُرُّ كَلَامٌ وَسُكُوتٌ طَوِيلَانِ) بَيْنَ كَلِمَاتِهِمَا كَبَقِيَّةِ الْأَذْكَارِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ حَيْثُ لَمْ يَفْحُشْ الطُّولُ، فَإِنْ فَحُشَ بِحَيْثُ لَا يُسَمَّى مَعَ الْأَوَّلِ أَذَانًا فِي الْأَذَانِ وَإِقَامَةً فِي الْإِقَامَةِ اسْتَأْنَفَ جَزْمًا
(وَشَرْطُ الْمُؤَذِّنِ) وَالْمُقِيمِ (الْإِسْلَامُ) فَلَا يَصِحَّانِ مِنْ كَافِرٍ لِأَنَّ فِي إتْيَانِهِ بِهِمَا نَوْعَ اسْتِهْزَاءٍ إذْ لَا يَعْتَقِدُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ فَلَوْ فَعَلَ الْكَافِرُ ذَلِكَ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ لِنُطْقِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ،
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَأَنْ يُؤَخِّرَ رَدَّ السَّلَامِ) أَيْ وَسُنَّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَمَّا كَانَ مَعْذُورًا سُومِحَ لَهُ) قَضِيَّتُهُ وُجُوبُ الرَّدِّ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَذَانِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْأَبْيَاتِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي أَوَّلُهَا رَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ إلَّا عَلَى إلَخْ، حَيْثُ عُدَّ فِيهَا الْأَذَانُ مِنْ الصُّوَرِ الْمُسْقِطَةِ لِلرَّدِّ لَكِنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ مِنْ وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَى الْخَطِيبِ إذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَجِبُ الْإِنْذَارُ) أَيْ وَإِنْ طَالَ وَلَا يَبْطُلُ بِهِ الْأَذَانُ عَلَى مَا مَرَّ
(قَوْلُهُ: بَلْ عَدَمُ الصَّارِفِ) قَالَ حَجّ: وَشَرْطُهُ عَدَمُ الصَّارِفِ وَكَذَا الْإِقَامَةُ، فَلَوْ قَصَدَ تَعْلِيمَ غَيْرِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ لَا النِّيَّةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمِنْ ثَمَّ يَنْبَغِي نَدْبُهَا، وَفُرِّعَ عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُ لَوْ كَبَّرَ تَكْبِيرَتَيْنِ بِقَصْدِهِ ثُمَّ أَرَادَ صَرْفَهُمَا لِلْإِقَامَةِ لَمْ يَنْصَرِفَا عَنْهُ فَيَبْنِي عَلَيْهِمَا، وَفِي التَّفْرِيعِ نَظَرٌ اهـ. وَلَمْ يُبَيِّنْ وِجْهَةَ النَّظَرِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ عَدَمُ تَأَتِّي النَّظَرِ فِيمَا قَالَهُ لِأَنَّ الصَّارِفَ إنَّمَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ إذَا كَانَ مُقَارِنًا لِلَّفْظِ أَمَّا بَعْدَهُ فَلَا فَحَيْثُ قَصَدَ الْأَذَانَ بِالتَّكْبِيرَتَيْنِ حُسِبَتَا مِنْهُ فَلَا يَأْتِي صَرْفُهُمَا بَعْدُ، فَإِنْ لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِ الْبِنَاءِ، وَبَقِيَ مَا لَوْ أَذَّنَ لِدَفْعِ تَغَوُّلِ الْغِيلَانُ مَثَلًا وَصَادَفَ دُخُولَ الْوَقْتِ فَهَلْ يَكْفِي أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: وَالْإِقَامَةُ عَدَمُ بِنَاءِ غَيْرِهِ) وَمِنْهُ مَا يَقَعُ مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ حَالَ اشْتِرَاكِهِمْ فِي الْأَذَانِ مِنْ تَقْطِيعِ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ بِحَيْثُ يَذْكُرُ وَاحِدٌ بَعْضَ الْكَلِمَةِ وَغَيْرُهُ بَاقِيَهَا، وَيَنْبَغِي حُرْمَةُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَاطٍ لِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ طُرُوُّ ذَلِكَ يُبْطِلُ خُصُوصَ الْأَذَانِ وَيَبْقَى كَوْنُهُ ذِكْرًا فَلَا يَحْرُمُ، لَكِنَّ مُقْتَضَى تَعْلِيلِ حُرْمَةِ الْأَذَانِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِكَوْنِهِ عِبَادَةً فَاسِدَةً خِلَافُهُ
[مِنْ شُرُوطُ الْمُؤَذِّنِ وَالْمُقِيمِ الْإِسْلَامُ]
(قَوْلُهُ لِنُطِقْهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْإِسْلَامِ عَطْفُ إحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى لِأَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ فِي الْأَذَانِ لَا عَطْفَ بَيْنَهُمَا وَقَدْ حُكِمَ بِالْإِسْلَامِ بِالنُّطْقِ بِهِمَا، وَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ فِي بَابِ الرِّدَّةِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: إذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ ارْتَدَّ وَهُوَ مُسْلِمٌ لَمْ أَكْشِفْ عَنْ الْحَالِ وَقُلْت لَهُ: قُلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّك بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ اهـ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي بَابِ الْكُفَّار أَنَّهُ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَخْ، لِظُهُورِ أَنَّ الْوَاوَ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ لِحِكَايَةِ صِيغَةِ الْإِسْلَامِ لَا مِنْ نَفْسِ صِيغَةِ الْإِسْلَامِ الْمَحْكِيَّةِ فَتَدَبَّرْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَمَا ذُكِرَ فِي صَدْرِ الْقَوْلَةِ مِنْ قَوْلِهِ لَا يُشْتَرَطُ إلَخْ هُوَ مَا ذِكْرُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ أَنَّ الشَّيْخَ: يَعْنِي الرَّمْلِيَّ رَجَعَ إلَيْهِ آخِرًا بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَة أَنَّهُ أَتَى بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ وَأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَمْ يَحْكُمْ بِإِسْلَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا مَعَ تَرْكِ أَشْهَدُ فَلَا بُدَّ مِنْ
[حاشية الرشيدي]
وَلَمْ يُسَامِحْ فِيهَا بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَأَنْ يُؤَخِّرَ رَدَّ السَّلَامِ) هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْمُسَلِّمُ يَمْكُثُ إلَى الْفَرَاغِ فَإِنْ كَانَ يَذْهَبُ كَأَنْ سَلَّمَ، وَهُوَ مَارٌّ فَهَلْ يَرُدُّ عَلَيْهِ حَالًا أَوْ يَتْرُكُ الرَّدَّ
مَا لَمْ يَكُنْ عِيسَوِيًّا لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ غَيْرِ الْعِيسَوِيِّ الْأَوَّلِ فَإِنْ أَعَادَهُ اعْتَدَّ بِالثَّانِي، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعِدْهُ وَبِخِلَافِ الْعِيسَوِيِّ وَإِنْ أَعَادَهُ.
وَلَوْ ارْتَدَّ الْمُؤَذِّنُ ثُمَّ أَسْلَمَ قَرِيبًا بَنَى لِأَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُبْطِلُ مَا مَضَى إلَّا إنْ اتَّصَلَتْ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ ارْتَدَّ بَعْدَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ وَلَوْ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ جَازَتْ إقَامَتُهُ.
نَعَمْ يُسَنُّ أَنْ يُعِيدَ ذَلِكَ غَيْرُهُ لِأَنَّ رِدَّتَهُ تُورِثُ شُبْهَةً فِي حَالِهِ (وَ) شَرْطُ مَنْ ذَكَرَ (التَّمْيِيزُ) وَلَوْ صَبِيًّا فَيَتَأَدَّى بِأَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ الشِّعَارُ وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَمَا فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ قَبُولِ خَبَرِهِ فِيمَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ كَرُؤْيَةِ النَّجَاسَةِ ضَعِيفٌ كَمَا ذَكَرَهُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ.
نَعَمْ قَدْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ فِيمَا احْتَفَتْ بِهِ قَرِينَةٌ كَإِذْنٍ فِي دُخُولِ دَارٍ وَإِيصَالِ هَدِيَّةٍ وَإِخْبَارِهِ بِطَلَبِ ذِي وَلِيمَةٍ لَهُ فَتَجِبُ الْإِجَابَةُ إنْ وَقَعَ فِي الْقَلْبِ صِدْقُهُ.
[حاشية الشبراملسي]
الْوَاوِ، وَعِبَارَةُ الْعَلْقَمِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ» نَصُّهَا: وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّلَفُّظِ عِنْدَ الْإِسْلَامِ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ أَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ وَهُوَ الرَّاجِحُ الْمُعْتَمَدُ بَلْ هُوَ الصَّوَابُ، وَلَا يُغْتَرُّ بِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ وَأَفْتَى بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ أَشْهَدُ تَبَعًا لِظَاهِرِ كَلَامِهِمْ فِي مَوَاضِعَ، وَمَوَاضِعُ أُخَرُ لَمْ يُصَرِّحُوا فِيهَا بِذَلِكَ بَلْ اكْتَفَوْا بِقَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ أَشْهَدُ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: ذَكَرَ ابْنُ الرِّفْعَةَ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ: إنَّ قَائِلَهُ يَرَاهُ بَابًا مِنْ التَّعَبُّدِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، حَتَّى لَوْ قَالَ أَعْلَمُ وَأَتَحَقَّقُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا: أَيْ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ عَلَى الْأَرْبَعِينَ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعِلْمِ وَالْإِقْرَارِ يُسَلَّمُ بِهِ، كَمَا أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الشَّاهِدَ لَوْ قَالَ أَعْلَمُ وَأَتَحَقَّقُ لَا يَقُومُ مَقَامَ أَشْهَدُ لِأَجْلِ التَّعَبُّدِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ نَصَّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْأُمِّ هُنَا: يَعْنِي فِي كِتَابِ اللِّعَانِ ظَاهِرُهُ اعْتِبَارُ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَنَصُّهُ فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالشَّهَادَتَيْنِ يَكْفِي فِي حُصُولِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجْرَى كُلَّ نَصٍّ عَلَى ظَاهِرِهِ حَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: قُلْت: وَالْوَجْهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ كَمَا تَضَمَّنَ كَلَامُ الْحَلِيمِيِّ نَقْلَ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ قَضِيَّةُ الْأَحَادِيثِ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي مَوَاضِعَ وَكَلَامُ أَصْحَابِهِ وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
اُنْظُرْ إلَى «قَوْلِهِ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ يَا عَمُّ قُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَلَمْ يَقُلْ لَفْظُ أَشْهَدُ بَلْ مِنْ جِهَة الِاعْتِرَافِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالنُّبُوَّةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِصِدْقِ الرَّسُولِ فِيمَا جَاءَ بِهِ كَمَا بَيَّنَهُ الْإِمَامُ هُنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَحْصُلُ الْإِسْلَامُ إلَّا بِالشَّهَادَتَيْنِ وَرَأَى ذَلِكَ بَابًا مِنْ التَّعَبُّدِ؛ حَتَّى إذَا قَالَ الْمُعَطِّلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِإِسْلَامِهِ مَا لَمْ يَقُلْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ اهـ. وَهَذَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّهَادَتَيْنِ ذَلِكَ لَا أَنْ يَقُولَ لَفْظَ الشَّهَادَةِ فَاعْلَمْهُ، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ، وَنَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ قِيلَ لَهُ قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَجَرَى عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَمَا رُوِيَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ لَفْظِ الشَّهَادَةِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْإِتْيَانَ بِلَفْظِ أَشْهَدُ، وَمَنْ وَقَفَ عَلَى طُرُقِ الْأَحَادِيثِ عَلِمَ ذَلِكَ اهـ كَلَامُ الْأَذْرَعِيُّ بِحُرُوفِهِ.
قُلْت: وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ لَمْ يَذْكُرُ الرِّسَالَةَ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَجْمُوعُ وَصَارَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ عَلَمًا عَلَيْهِ كَمَا تَقُولُ قَرَأْتُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] أَيْ السُّورَةَ كُلَّهَا اهـ. قُلْت: فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِمْ الشَّهَادَتَانِ أَوْ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ أَشْهَدُ كَمَا تَقَدَّمَ اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ عِيسَوِيًّا) قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ فِي شَرْحِهِ: طَائِفَةٌ مِنْ الْيَهُودِ مَنْسُوبُونَ إلَى أَبِي عِيسَى وَإِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ الْأَصْفَهَانِيِّ الْيَهُودِيِّ كَانَ فِي خِلَافَةِ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثَ إلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَلَهُ كِتَابٌ وَضَعَ فِيهِ الذَّبَائِحَ وَخَالَفَ الْيَهُودَ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ (قَوْلُهُ: لَا أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُبْطِلُ مَا مَضَى) أَيْ مِنْ الْأَعْمَالِ.
أَمَّا الثَّوَابُ فَيَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ مُطْلَقًا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ لَا (قَوْلُهُ: ذَلِكَ) أَيْ الْأَذَانُ (قَوْلُهُ: نَعَمْ قَدْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ) أَيْ فَإِنْ قَوِيَتْ الْقَرِينَةُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ كَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ أَذَانُهُ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْعِبَادَةِ.
نَعَمْ يَصِحُّ أَذَانُ سَكْرَانَ فِي أَوَائِلِ نَشْأَتِهِ لِانْتِظَامِ قَصْدِهِ وَفِعْلِهِ حِينَئِذٍ (وَ) شَرْطُهُ أَيْضًا (الذُّكُورَةُ) وَلَوْ عَبْدًا، فَلَا يَصِحُّ أَذَانُ غَيْرِ الذَّكَرِ كَمَا تَقَدَّمَ إيضَاحُهُ.
نَعَمْ لَوْ أَذَّنَ الْخُنْثَى فَبَانَتْ ذُكُورَتُهُ عَقِبَ أَذَانِهِ فَالْوَجْهُ إجْزَاؤُهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي غُنْيَتِهِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ نَصْبِ مُؤَذِّنٍ رَاتِبٍ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ النَّصْبِ شَرْعًا كَوْنُهُ عَارِفًا بِالْمَوَاقِيتِ بِأَمَارَةٍ أَوْ بِخَبَرِ ثِقَةٍ عَنْ عِلْمٍ، وَأَنْ يَكُونَ بَالِغًا أَمِينًا، فَغَيْرُ الْعَارِفِ لَا يَجُوزُ نَصْبُهُ وَإِنْ صَحَّ أَذَانُهُ، وَبِخِلَافِ مَنْ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِجَمَاعَةٍ مِنْ غَيْرِ نَصْبٍ فَلَا تُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهُ بِهَا، بَلْ مَتَى عَلِمَ دُخُولَ الْوَقْتِ صَحَّ أَذَانُهُ كَأَذَانِ الْأَعْمَى، هَذَا حَاصِلُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ خِلَافًا لِمَنْ فَهِمَ مِنْ كَلَامِهِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ كَصَاحِبِ الْإِسْعَادِ، وَلَوْ أَذَّنَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْوَقْتِ فَصَادَفَهُ اُعْتُدَّ بِأَذَانِهِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ وَبِهِ فَارَقَ التَّيَمُّمَ وَالصَّلَاةَ
(وَيُكْرَهُ) الْأَذَانُ (لِلْمُحْدِثِ) حَدَثًا
[حاشية الشبراملسي]
هُنَا عَلَى صِدْقِهِ قَبْلَ خَبَرِهِ وَقِيَاسُ مَا يَأْتِي لَهُ فِي الصَّوْمِ أَنَّ الْكَافِرَ إنْ أَخْبَرَ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَوَقَعَ فِي الْقَلْبِ صِدْقُهُ قَبَلُ وَإِلَّا فَلَا وَأَنَّ الْفَاسِقَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَشَرْطُهُ أَيْضًا الذُّكُورَةُ) ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فِي أَذَانِ الصَّلَاةِ وَأَذَانِ غَيْرِهَا مِنْ الْأَذَانِ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ وَغَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ، وَلَوْ قِيلَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي أَذَانِ غَيْرِ الصَّلَاةِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: عَقِبَ أَذَانِهِ) لَعَلَّهُ إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ تُبْنَ حَالَا طَلَبِ الْأَذَانِ مِنْ غَيْرِهِ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِإِذْنِهِ ظَاهِرًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا تَبَيَّنَتْ ذُكُورَتُهُ بَعْدَ مُدَّةٍ لَمْ يَعْتَدَّ بِأَذَانِهِ (قَوْلُهُ: مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ) عِبَارَةُ حَجّ: وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ نَصْبِ نَحْوِ الْإِمَامِ انْتَهَى وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِتَوْلِيَتِهِ، بِخِلَافِ قَوْلِ الشَّارِحِ، وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ إلَخْ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ الْبُطْلَانُ لَكِنَّهُ الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا يَفْعَلُ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَمَتَى فَعَلَ خِلَافَ ذَلِكَ لَا يَعْتَدُّ بِفِعْلِهِ، وَعَلَى مَا أَفْهَمَهُ إطْلَاقُ الشَّارِحِ مِنْ الِاعْتِدَادِ بِتَوْلِيَتِهِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ عَدَمِ صِحَّةِ تَوْلِيَةِ الْإِمَامِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِذَلِكَ؟ وَلَعَلَّهُ أَنَّ الْخَلَلَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ الَّذِي يَخْشَى مِنْ غَيْرِ الْأَهْلِ يَبْعُدُ عِلْمُ الْمَأْمُومِينَ بِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْمُؤَذِّنُ فَإِنَّ أَذَانَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ لَوْ فُرِضَ يُسَهِّلُ عِلْمَ النَّاسِ بِهِ فَلَا يُقَلِّدُونَهُ فِي أَذَانِهِ، وَنُقِلَ عَنْ م ر مَا يُوَافِقُ إطْلَاقَ شَرْحِهِ مِنْ صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ النَّصْبِ شَرْعًا) كَالنَّاظِرِ الْمُفَوَّضِ لَهُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْوَاقِفِ (قَوْلُهُ: وَبِهِ فَارِقَ التَّيَمُّمَ وَالصَّلَاةَ) وَقَضِيَّةُ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّهُ لَوْ خَطَبَ لِلْجُمُعَةِ جَاهِلًا بِدُخُولِ الْوَقْتِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْخُطْبَةِ، وَيَحْتَمِلُ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ أَشْبَهَتْ الصَّلَاةَ.
وَقِيلَ إنَّهَا بَدَلٌ عَنْ رَكْعَتَيْنِ انْتَهَى حَجّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَوْلُهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ فِي الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ الْأَذَانُ لِلْمُحْدِثِ إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَذْكَارِ لَا يُكْرَهُ لِلْمُحْدِثِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ لَا يُكْرَهُ لَهُ فَبَقِيَّةُ الْأَذْكَارِ بِالْأَوْلَى.
قَالَ فِي التِّبْيَانِ: فَصْلٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ فَإِنْ قَرَأَ مُحْدِثًا جَازَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ قَالَهُ الْإِمَامُ الْحُسَيْنُ.
وَلَا يُقَالُ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا بَلْ هُوَ تَارِكٌ لِلْأَفْضَلِ انْتَهَى.
وَفِي الْعُبَابِ: وَلَا تُكْرَهُ: أَيْ التِّلَاوَةُ لِمُحْدِثٍ، قَالَ فِي شَرْحِهِ: لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ مَعَ الْحَدَثِ كَمَا صَحَّ عَنْهُ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنُهَا فِي حَقِّ الْمُحْدِثِ خِلَافَ الْأَفْضَلِ انْتَهَى.
وَبَيَّنَ قَوْلَ ذَلِكَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْعُبَابُ نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِلَّةُ كَرَاهَةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِلْمُحْدِثِ مُجَرَّدَ كَوْنِهِمَا ذِكْرًا كَمَا تَوَهَّمَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَفِي فَتَاوَى السُّيُوطِيّ فِي بَابِ الْأَذَانِ: وَلَا يُكْرَهُ الذِّكْرُ لِلْمُحْدِثِ بَلْ وَلَا لِلْجُنُبِ انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَشَرْطُهُ) أَيْ الْمُؤَذِّنِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ أَذَانُ غَيْرِ الذَّكَرِ) أَيْ لِلرِّجَالِ، وَالْخَنَاثَى بِخِلَافِهِ لِلنِّسَاءِ بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ عَلَى مَا مَرَّ فَيَجُوزُ وَلَا يُسْتَحَبُّ، وَيَكُونُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا ذَكَرَهُ حَجّ،
أَصْغَرَ لِخَبَرِ «كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إلَّا عَلَى طُهْرٍ» أَوْ قَالَ " عَلَى طَهَارَةٍ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّهُ صَحِيحٌ فَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ مُتَطَهِّرًا لِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى الصَّلَاةِ فَلْيَكُنْ بِصِفَةِ مَنْ يُمْكِنُهُ فِعْلَهَا وَإِلَّا فَهُوَ وَاعِظٌ غَيْرُ مُتَّعِظٍ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ التَّطَهُّرُ مِنْ الْخُبْثِ أَيْضًا وَهُوَ كَذَلِكَ (وَ) الْكَرَاهَةُ (لِلْجُنُبِ أَشَدُّ) مِنْهَا لِلْمُحْدِثِ لِكَوْنِ الْجَنَابَةِ أَغْلَظَ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْجُنُبُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الصَّلَاةِ فَوْقَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُحْدِثُ، وَالْمُرَادُ بِالْمُحْدِثِ مَنْ لَا تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ.
وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ دَالَّةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ حَيْثُ قَالَ: يُكْرَهُ أَذَانُ مُحْدِثٍ غَيْرِ مُتَيَمِّمٍ (وَالْإِقَامَةُ) مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا (أَغْلَظُ) مِنْ الْأَذَانِ لِقُرْبِهَا مِنْ الصَّلَاةِ، فَإِنْ انْتَظَرَهُ الْقَوْمُ لِيَتَطَهَّرَ شُقَّ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا سَاءَتْ بِهِ الظُّنُونُ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّ كَرَاهَةَ إقَامَةِ الْمُحْدِثِ أَشَدُّ مِنْ كَرَاهَةِ أَذَانِ الْجُنُبِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قُرْبِهَا مِنْ الصَّلَاةِ لَكِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ يُتَّجَهُ مُسَاوَاتُهُمَا، وَقِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ أَنْ يَكُونَ أَذَانُ الْمُحْدِثِ الْجُنُبِ أَشَدَّ مِنْ الْجُنُبِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ أَغْلَظُ مِنْ الْجَنَابَةِ فَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ مَعَهُمَا أَشَدَّ مِنْهَا مَعَهَا، وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ صِحَّةُ أَذَانِ الْجُنُبِ وَإِقَامَتِهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَمِثْلُهُ مَكْشُوفِ الْعَوْرَةِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، فَإِنْ أَحْدَثَ وَلَوْ حَدَثًا أَكْبَرَ فِي أَذَانِهِ اُسْتُحِبَّ إتْمَامُهُ، وَلَا يُسَنُّ قَطْعُهُ لِيَتَطَهَّرَ لِئَلَّا يُوهِمَ التَّلَاعُبَ، فَإِنْ تَطَهَّرَ وَلَمْ يَطُلْ زَمَنُهُ بَنَى عَلَى أَذَانِهِ وَالِاسْتِئْنَافُ أَوْلَى
(وَيُسَنُّ) لِلْأَذَانِ مُؤَذِّنٌ (صَيِّتٌ) أَيْ عَالِي الصَّوْتِ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَائِي الْأَذَانِ
[حاشية الشبراملسي]
إجَابَةُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لِلْمُؤَذِّنِ انْتَهَى سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ) أَيْ قَضِيَّةُ قَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْمُحْدِثِ مِنْ لَا تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ) أَيْ فَالْمُتَيَمِّمُ لَيْسَ مُحْدِثًا لِأَنَّهُ تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ.
وَقَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِمَنْ لَا تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ أَنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ كَالْمُتَيَمِّمِ وَبِهِ صَرَّحَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ انْتَظَرَهُ) أَيْ انْتَظَرُوا مَنْ أَقَامَ وَذَهَبَ لِيَتَطَهَّرَ شَقَّ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا سَاءَتْ بِهِ الظُّنُونُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْتَظِرُوهُ بِأَنْ أَقَامَ لَهُمْ وَهُوَ مُحْدِثٌ أَوْ جُنُبٌ وَلَمْ يُصَلِّ سَاءَتْ بِهِ الظُّنُونُ (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ إلَخْ) فِي كَوْنِ مَا ذُكِرَ قَضِيَّةَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ خَفَاءٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَقَدْ يُقَالُ وَجْهُهُ أَنَّ حَذْفَ الْمَعْمُولِ فِي قَوْلِهِ وَالْإِقَامَةُ أَغْلَظُ يُفِيدُ أَنَّهَا أَغْلَظُ مِنْ كُلٍّ مِنْ أَذَانِ الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ يُتَّجَهُ إلَخْ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: أَشَدُّ مِنْ الْجُنُبِ) أَيْ الْمُتَوَضِّئِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ حَدَثًا أَكْبَرَ فِي أَذَانِهِ اُسْتُحِبَّ إتْمَامُهُ) أَيْ فَلَوْ كَانَ الْأَذَانُ فِي مَسْجِدٍ حُرِّمَ الْمُكْثُ وَوَجَبَ قَطْعُ الْأَذَانِ انْتَهَى سم عَلَى حَجّ بِالْمَعْنَى.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ وُجُوبِ الْقَطْعِ حَيْثُ لَمْ يَتَأَتَّ لَهُ فِعْلُهُ بِلَا مُكْثٍ بِأَنْ لَمْ يَتَأَتَّ سَمَاعُ الْجَمَاعَةِ لَهُ إلَّا إذَا أَكْمَلَهُ بِمَحَلِّهِ مَثَلًا وَإِلَّا
[حاشية الرشيدي]
وَعَلَيْهِ فَعَدَمُ الصِّحَّةِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى إطْلَاقِهِ
[كَرَاهَةُ الْأَذَانِ لِلْمُحْدِثِ]
(قَوْلُهُ: لِخَبَرِ «كَرِهْت أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إلَّا عَلَى طُهْرٍ» ) قَضِيَّةُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ مَعَ الْحَدَثِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُ الْأَذَانِ ذِكْرًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ لَا يُكْرَهُ مَعَ الْحَدَثِ كَمَا بَيَّنَهُ الشِّهَابُ سم، وَمِنْ ثَمَّ حَكَمَ الشِّهَابُ الْمَذْكُورُ بِوَهْمِ مَنْ ادَّعَى ذَلِكَ، وَالشِّهَابُ حَجّ اسْتَدَلَّ بِخَبَرِ «لَا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ» (قَوْلُهُ: مَنْ لَا تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ) فَلَا كَرَاهَةَ فِي أَذَانِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ كَمَا بَحَثَهُ الشِّهَابُ سم وَصَرَّحَ بِهِ الدَّمِيرِيِّ وَإِنْ أَخْرَجَتْهُ عِبَارَةُ الْعُبَابِ الْمَذْكُورَةُ، لَكِنْ بَحَثَ الشِّهَابُ الْمَذْكُورُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ الْكَرَاهَةَ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ فَلَا يُكْرَهُ بِدَلِيلِ طَلَبِ نَحْوِ السُّورَةِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ أَذَانُهُ لِتَأْدِيَةِ الشِّعَارِ كُرِهَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِمِثْلِهِ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ) أَيْ بِالنَّظَرِ لِمَا قَرَّرَهُ هُوَ بِهِ حَيْثُ أَطْلَقَ فِي الْأَذَانِ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ الْأَذَانِ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَأَضَافَهُ لِلضَّمِيرِ فَقَالَ مِنْ أَذَانِهِ، لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي الْمَتْنِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ أَيُّ الْمَعْنَيَيْنِ أَظْهَرُ (قَوْلُهُ: فَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ مَعَهُمَا أَشَدَّ إلَخْ) مُرَادُهُ أَذَانُهُمَا بِغَيْرِ رَفْعِ صَوْتٍ وَإِلَّا فَقَدْ مَرَّ أَنَّ أَذَانَ الْمَرْأَةِ، وَالْخُنْثَى بِرَفْعِهِ حَرَامٌ كَذَا حَمَلَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ سم عِبَارَةَ شَرْحِ الرَّوْضِ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يُسَمَّى أَذَانًا وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ ذِكْرٍ، فَالْأَوْلَى الْجَوَابُ بِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِقَامَةِ
أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْأَنْدَى هُوَ الْأَبْعَدُ مَدًى، لِأَنَّ حِكْمَةَ الْأَذَانِ هِيَ إبْلَاغُ دُخُولِ الْوَقْتِ وَهُوَ فِي الصِّيتِ أَكْثَرُ (حَسَنُ الصَّوْتِ) «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اخْتَارَ أَبَا مَحْذُورَةَ لِحُسْنِ صَوْتِهِ» وَلِأَنَّهُ أَرَقَّ لِمَسَامِعِهِ فَيَكُونُ مَيْلُهُمْ إلَى الْإِجَابَةِ أَكْثَرَ (عَدْلٌ) أَيْ عَدْلٌ رِوَايَةً بِالنِّسْبَةِ لِأَصْلِ السُّنَّةِ.
وَأَمَّا كَمَالُهَا فَيُعْتَبَرُ فِيهِ كَوْنُهُ عَدْلَ شَهَادَةٍ، وَبِهِ يَجْمَعُ بَيْنَ كَلَامِ الْوَالِدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِهِ عَلَى الزُّبْدِ وَكَلَامِ شَيْخِهِ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ عَلَى الْوَقْتِ، فَإِنْ أَذَّنَ الْفَاسِقُ كُرِهَ، إذْ لَا يُؤْمَنُ مِنْ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ وَلَا أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْعَوْرَاتِ لَكِنْ يَحْصُلُ بِأَذَانِهِ السُّنَّةُ وَإِنْ لَمْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ
وَيُكْرَهُ تَمْطِيطُ الْأَذَانِ: أَيْ تَمْدِيدُهُ وَالتَّغَنِّي بِهِ: أَيْ التَّطْرِيبُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ وَلَدِ مُؤَذِّنِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَبِي مَحْذُورَةَ وَسَعْدٍ الْقُرَظِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمِنْ أَوْلَادِ مُؤَذِّنِي أَصْحَابِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَمِنْ أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيُسَنُّ أَنْ يَتَحَوَّلَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ مَكَانِ الْأَذَانِ لِلْإِقَامَةِ وَلَا يُقِيمُ وَهُوَ يَمْشِي، وَأَنْ يَفْصِلَ الْمُؤَذِّنُ وَالْإِمَامُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ بِقَدْرِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ فِي مَحَلِّ الصَّلَاةِ وَبِقَدْرِ فِعْلِ السُّنَّةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَيَفْصِلُ فِي الْمَغْرِبِ بَيْنهمَا بِنَحْوِ سَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ كَقُعُودٍ يَسِيرٍ لِضِيقِ وَقْتِهَا وَلِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لَهَا عَادَةً قَبْلَ وَقْتِهَا، وَعَلَى تَصْحِيحِ الْمُصَنِّفِ مِنْ اسْتِحْبَابِ سُنَّةٍ لِلْمَغْرِبِ قَبْلَهَا يَفْصِلُ بِقَدْرِ أَدَائِهَا أَيْضًا، وَيُكْرَهُ أَذَانُ الْأَعْمَى حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَصِيرٌ يَعْرِفُ الْوَقْتَ لِأَنَّهُ رُبَّمَا غَلِطَ فِيهِ أَوْ يُفَوِّتُ عَلَى النَّاسِ أَوَّلَ الْوَقْتِ
(وَالْإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ) أَيْ الْأَذَانِ (فِي الْأَصَحِّ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ وَاظَبُوا عَلَى الْإِمَامَةِ دُونَ الْأَذَانِ وَإِنْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَذَّنَ فِي السَّفَرِ رَاكِبًا، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ بِالشَّيْءِ أَوْلَى مِنْ الدُّعَاءِ إلَيْهِ (قُلْت: الْأَصَحُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) فَقَدْ نَقَلَ عَنْ النَّصِّ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى الْوَقْتِ
[حاشية الشبراملسي]
فَيَجِبُ خُرُوجُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَيُكْمِلُ الْأَذَانَ فِي مُرُورِهِ أَوْ بِبَابِ الْمَسْجِدِ إنْ أَرَادَ إكْمَالَهُ
(قَوْلُهُ: هُوَ الْأَبْعَدُ مَدًى) وَقِيلَ هُوَ الْأَحْسَنُ صَوْتًا (قَوْلُهُ: فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ) أَيْ حَيْثُ اُعْتُبِرَ كَوْنُهُ عَدْلَ شَهَادَةٍ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يَحْصُلُ بِأَذَانِهِ) أَيْ الْفَاسِقِ، وَقَضِيَّةُ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ أَذَانَهُ فِي الْوَقْتِ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى أَذَانِهِ نَظَرٌ إلَى الْعَوْرَاتِ كَأَنْ أَذَّنَ بِأَرْضِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ عِلْمِنَا بِدُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ يُكْرَهْ، وَلَوْ قِيلَ بِالْكَرَاهَةِ لَمْ يَبْعُدْ لِأَنَّ الدَّاعِيَ لِلصَّلَاةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى أَكْمَلِ حَالٍ
(قَوْلُهُ: وَالتَّغَنِّي بِهِ) قَالَ حَجّ: مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ الْمَعْنَى وَإِلَّا حُرِّمَ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُ كُفْرٌ فَلْيُنْتَبَهْ لِذَلِكَ انْتَهَى (قَوْلُهُ فَمِنْ أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ) قَالَ حَجّ: وَيَظْهَرُ تَقْدِيمُ ذُرِّيَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذُرِّيَّةِ مُؤَذِّنِي الصَّحَابَةِ وَعَلَى ذُرِّيَّةِ صَحَابِيٍّ لَيْسَ مِنْهُمْ: أَيْ لَيْسَ مِنْ أَوْلَادِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (قَوْلُهُ: وَيَفْصِلُ فِي الْمَغْرِبِ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ
[الْإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَذَانِ]
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَذَّنَ فِي السَّفَرِ إلَخْ) رَوَى التِّرْمِذِيُّ «أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسِيرٍ فَانْتَهَوْا إلَى مَضِيقٍ وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَمُطِرُوا، فَأَذَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقَامَ فَتَقَدَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَصَلَّى بِهِمْ يُومِئُ إيمَاءً» قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَابْنُ الْقَطَّانِ، وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ «فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، أَوْ أَقَامَ بِغَيْرِ أَذَانٍ» وَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَرَجَّحَ السُّهَيْلِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِأَنَّهَا بَيَّنَتْ مَا أَجْمَلُ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَإِنْ كَانَ الرَّاوِي عِنْدَهُ شَدِيدَ الضَّعْفِ انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ التَّخْرِيجِ أَيْضًا، لَكِنْ قَالَ الشَّمْسُ الشَّامِيُّ: جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّهُ أَذَّنَ مَرَّةً، وَتَبِعَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيُّ قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ: مَنْ قَالَ إنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ هَذِهِ الْعِبَادَةَ بِنَفْسِهِ وَأَلْغَزَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مَا سُنَّةٌ أَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَفْعَلْهَا فَقَدْ غَفَلَ انْتَهَى (قَوْلُهُ: قُلْت الْأَصَحُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَيُؤْخَذُ مِنْ اعْتِذَارِهِمْ عَنْ عَدَمِ أَذَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ لِاشْتِغَالِهِمْ بِمُهِمَّاتِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْأَذَانَ لَوْ وَقَعَ مِنْهُمْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ إمَامَتِهِمْ،
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .