نهاية المحتاج إلى شرح المنهاجصفحات 353-371

إذْ إبَاحَةُ ذَلِكَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى فِعْلٍ بِدَلِيلِ حِلِّ ابْتِلَاعِهِ بِدُونِهِ وَإِنْ قَالَ هُنَا إنَّ الْأَشْهَرَ الْحُرْمَةُ، وَلِلْمُحْرِمِ أَكْلُ صَيْدٍ غَيْرِ حَرَمِيُّ إنْ لَمْ يَدُلَّ أَوْ يُعِنْ عَلَيْهِ، فَإِنْ دَلَّ أَوْ صِيدَ لَهُ وَلَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَعَلِمَهُ حَرُمَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْهُ وَأَثِمَ بِالدَّلَالَةِ وَبِالْأَكْلِ وَإِنَّمَا حَرُمَتْ دَلَالَتُهُ لَلْحَلَال عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهَا دَلَالَةٌ عَلَى مُبَاحٍ لَلْحَلَال؛ لِأَنَّهَا تَعَرُّضٌ مِنْهُ لِلصَّيْدِ وَإِيذَاءٌ لَهُ وَجِنَايَةٌ عَلَيْهِ فَدَخَلَتْ فِي عُمُومِ التَّعَرُّضِ الَّذِي مَرَّ تَحْرِيمُهُ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ، لَكِنْ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ بِدَلَالَتِهِ وَلَا بِإِعَانَتِهِ وَلَا بِأَكْلِهِ مِمَّا صِيدَ لَهُ؛ وَلَوْ أَمْسَكَهُ مُحْرِمٌ حَتَّى قَتَلَهُ حَلَالٌ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِهِ عَلَى الْقَاتِلِ أَوْ مُحْرِمٌ رَجَعَ كَمَا مَرَّ.

، (وَيَحْرُمُ) عَلَى مُحْرِمٍ وَحَلَالٍ (قَطْعُ) أَوْ قَلْعُ (نَبَاتِ الْحَرَمِ) الرَّطْبِ وَكَانَ بَعْضُ أَصْلِهِ فِيهِ: أَيْ فِي الْحَرَمِ مُبَاحًا كَانَ أَوْ مَمْلُوكًا (الَّذِي لَا يُسْتَنْبَتُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ: أَيْ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا يَسْتَنْبِتَهُ الْآدَمِيُّونَ بِأَنْ يَنْبُتَ بِنَفْسِهِ كَالطَّرْفَاءِ شَجَرًا أَوْ غَيْرَهُ لِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ الْمَارِّ «وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ» أَيْ لَا يُقْطَعُ «وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ» وَهُوَ بِالْقَصْرِ الْحَشِيشُ الرَّطْبُ وَقِيسَ بِمَكَّةَ بَاقِي الْحَرَمِ، وَفُهِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ لَوْ غُرِسَتْ شَجَرَةٌ حَرَمِيَّةٌ فِي الْحِلِّ أَوْ عَكْسُهُ لَمْ تَنْتَقِلْ الْحُرْمَةُ عَنْهَا فِي الْأُولَى وَلَا إلَيْهَا فِي الثَّانِيَةِ، بِخِلَافِ صَيْدٍ دَخَلَ الْحَرَمَ، إذْ لِلشَّجَرِ أَصْلٌ ثَابِتٌ فَاعْتُبِرَ مَنْبَتُهُ، بِخِلَافِ الصَّيْدِ فَاعْتُبِرَ مَكَانُهُ وَلَا تُضْمَنُ حَرَمِيَّةٌ نُقِلَتْ مِنْ الْحَرَمِ إلَيْهِ إنْ نَبَتَتْ وَكَذَا إلَى الْحِلِّ، لَكِنْ يَجِبُ رَدُّهَا مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَتِهَا وَإِلَّا ضَمِنَهَا كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ وَاعْتَمَدَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ: أَيْ بِمَا بَيْنَ قِيمَتِهَا مُحْتَرَمَةً وَغَيْرَ مُحْتَرَمَةٍ، وَمَنْ قَلَعَهَا مِنْ الْحِلِّ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا وَفُهِمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ غُصْنًا فِي الْحَرَمِ أَصْلُهُ فِي الْحِلِّ نَظَرًا لِأَصْلِهِ وَإِنْ ضَمِنَ صَيْدًا فَوْقَهُ لِذَلِكَ.
قَالَ الْفُورَانِيُّ: وَلَوْ غَرَسَ فِي الْحِلِّ نَوَاةَ شَجَرَةٍ حَرَمِيَّةٍ ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الْأَصْلِ، وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرَةٍ أَصْلُهَا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ، وَخَرَجَ بِالرَّطْبِ الْيَابِسُ، فَلَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ وَلَا قَلْعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَابِتًا فِي الْحَرَمِ بَلْ مَغْرُوزٌ فِيهِ بِشَرْطِ مَوْتِ أَصْلِهِ

[حاشية الشبراملسي]

عَلَى الْمُحْرِمِ، وَكَذَا مَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ مِنْ الْجَرَادِ وَمِثْلُهُمَا مَا حَلَبَهُ الْمُحْرِمُ مِنْ اللَّبَنِ اهـ حَجّ.
وَقِيَاسُ مَا ذَكَرَ أَنَّ مَا جَزَّهُ الْمُحْرِمُ مِنْ الشَّعْرِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ دُونَ الْحَلَالِ، هَذَا وَقَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِالْحَلَالِ حُرْمَةُ أَكْلِهِ عَلَى مُحْرِمٍ آخَرَ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِ حَجّ الْحِلُّ لِغَيْرٍ كَأَسْرِهِ مِنْ حَلَالٍ أَوْ مُحْرِمٍ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ) أَيْ الْمُحْرِمَ

(قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ قَطْعُ نَبَاتِ الْحَرَمِ) أَيْ مَا نَبَتَ فِيهِ وَإِنْ نُقِلَ إلَى غَيْرِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَلَا يَحْرُمُ وَإِنْ نُقِلَ إلَى الْحَرَمِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَفُهِمَ مِمَّا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ نَبَاتُ الْحَرَمِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ صَيْدٍ دَخَلَ الْحَرَمَ) أَيْ أَوْ أُخْرِجَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: لَا يَضْمَنُ غُصْنًا فِي الْحَرَمِ أَصْلُهُ فِي الْحِلِّ) أَيْ بِخِلَافِ عَكْسِهِ فِيهِمَا فَيَضْمَنُ أَغْصَانَ شَجَرَةٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهَا فِي الْحَرَمِ، وَلَا يَضْمَنُ صَيْدًا عَلَى أَغْصَانِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُحْرِمِ (قَوْلُهُ وَإِنْ ضَمِنَ صَيْدًا فَوْقَهُ لِذَلِكَ) أَيْ لِكَوْنِهِ فِي هَوَاءِ الْحَرَمِ (قَوْلُهُ: ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الْأَصْلِ) وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ

[حاشية الرشيدي]

يَقُولَ دُونَ غَيْرِهِ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ.

[مَا يَحِلّ مِنْ شجر الحرم وَمَا يحرم]

(قَوْلُهُ: وَكَانَ بَعْضُ أَصْلِهِ فِيهِ) لَعَلَّهُ أَوْ كَانَ بَعْضُ أَصْلِهِ فِيهِ بِزِيَادَةِ هَمْزَةٍ قَبْلَ الْوَاوِ وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِتَقْيِيدِهِ الْمَتْنَ بِذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ وَلَا يَضْمَنُ حَرَمِيُّهُ نَقَلْت إلَخْ) أَنْ لَا يَضْمَنَهَا الضَّمَانَ الْآتِيَ بِالْبَقَرَةِ أَوْ الشَّاةِ فَلَا يُنَافِي مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا ضَمِنَهَا كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ بِأَنْ لَمْ يُرِدْهَا.
وَالصُّورَةُ أَنَّهَا نَبَتَتْ فَمَعْنَى ضَمَانِهَا تَعَلُّقُهُ بِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَنْبُتْ أَنَّهُ يَضْمَنُهَا بِالْبَقَرَةِ أَوْ الشَّاةِ (قَوْلُهُ: وَمَنْ قَطَعَهَا مِنْ الْحِلِّ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَلَعَهَا، وَالْمُرَادُ مِنْ قَطْعِهَا أَوْ قَلْعِهَا مِنْ الْحِلِّ بَعْدَ غَرْسِ الْأَوَّلِ لَهَا فِيهِ يَكُونُ فِعْلُهُ قَاطِعًا لِحُكْمِ فِعْلِ الْأَوَّلِ وَيَنْتَقِلُ الضَّمَانُ إلَيْهِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَفُهِمَ أَيْضًا إلَخْ) عِبَارَةُ الْإِمْدَادِ: وَأَفْهَمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ غُصْنًا فِي الْحَرَمِ أَصْلُهُ فِي الْحِلِّ نَظَرًا لِأَصْلِهِ وَإِنْ ضَمِنَ صَيْدًا فَوْقَهُ نَظَرًا لِمَكَانِهِ، وَأَنَّهُ يَضْمَنُ غُصْنًا فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ الصَّيْدَ فَوْقَهُ لِذَلِكَ انْتَهَتْ.
فَلَعَلَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى سَقَطَتْ مِنْ نُسَخِ الشَّارِحِ، إذْ مِنْ جُمْلَتِهَا مَرْجِعُ الضَّمِيرِ (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرَةٍ أَصْلُهَا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ) تَقَدَّمَ هَذَا فِي كَلَامِهِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: بِشَرْطِ مَوْتِ أَصْلِهِ) هُنَا سَقْطٌ فِي

وَلَمْ يُرْجَ نَبَاتُهُ وَإِلَّا لَمْ يَحِلَّ بِخِلَافِ قَطْعِهِ فَيَحِلُّ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا لَمْ يَأْتِ نَظِيرُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي الشَّجَرِ الْيَابِسِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَخْلَفُ مَعَ الْقَطْعِ وَلَا كَذَلِكَ الشَّجَرُ، فَإِنَّ فِي الْمَجْمُوعِ: وَإِطْلَاقُ الْحَشِيشِ عَلَى الرَّطْبِ مَجَازٌ فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْيَابِسِ وَإِنَّمَا يُقَالُ لِلرَّطْبِ كَلَأٌ وَعُشْبٌ، وَلَوْ أَخَذَ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ حَرَمِيَّةٍ فَأَخْلَفَ مِثْلَهُ فِي سَنَتِهِ بِأَنْ كَانَ لَطِيفًا كَالسِّوَاكِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يُخْلِفْ أَوْ أَخْلَفَ لَا مِثْلَهُ أَوْ مِثْلَهُ لَا فِي سَنَتِهِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، فَإِنْ أَخْلَفَ مِثْلَهُ بَعْدَ وُجُوبِ ضَمَانِهِ لَمْ يَسْقُطْ الضَّمَانُ كَمَا لَوْ قَلَعَ سِنَّ مَثْغُورٍ فَنَبَتَتْ، وَيَجُوزُ أَخْذُ أَوْرَاقِ الشَّجَرِ بِلَا خَبْطٍ لِئَلَّا يَضُرَّ بِهَا، إذْ خَبْطُهَا حَرَامٌ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ ثَمَرِهَا وَعُودِ السِّوَاكِ وَنَحْوِهِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْغُصْنَ اللَّطِيفَ وَإِنْ لَمْ يُخْلِفْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ الْأَقْرَبُ.
قَالَ الشَّيْخُ: لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ انْتَهَى، وَالْأَوْجَهُ حَمْلُ مَا هُنَا عَلَى مَا هُنَاكَ (وَالْأَظْهَرُ تَعَلُّقُ الضَّمَانِ بِهِ) أَيْ بِقَطْعِ نَبَاتِ الْحَرَمِ الرَّطْبِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلشَّجَرِ كَمَا مَرَّ فَقَوْلُهُ (وَبِقَطْعِ أَشْجَارِهِ) مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِلِاهْتِمَامِ (فَفِي) أَيْ يَجِبُ فِي قَطْعِ أَوْ قَلْعِ (الشَّجَرَةِ) الْحَرَمِيَّةِ (الْكَبِيرَةِ) بِأَنْ تُسَمَّى كَبِيرَةً عُرْفًا (بَقَرَةٌ) كَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَلَا يُقَالُ مِثْلُهُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَسَوَاءٌ أَخْلَفَتْ الشَّجَرَةُ أَمْ لَا، وَالْبَدَنَةُ فِي مَعْنَى الْبَقَرَةِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْمَحُوا بِهَا عَنْ الْبَقَرَةِ وَلَا عَنْ الشَّاةِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ لِمُرَاعَاتِهِمْ الْمِثْلِيَّةَ فِيهِ بِخِلَافِهِ هُنَا (وَ) فِي (الصَّغِيرَةِ) إنْ قَارَبَتْ سُبُعَ الْكَبِيرَةِ (شَاةٌ) فَإِنْ صَغُرَتْ جِدًّا فَفِيهَا الْقِيمَةُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَسَكَتَ الرَّافِعِيُّ عَمَّا جَاوَزَ سُبُعَ الْكَبِيرَةِ وَلَمْ يَنْتَهِ إلَى حَدِّ الْكِبَرِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ فِيهِ شَاةٌ أَعْظَمُ مِنْ الْوَاجِبَةِ فِي سُبُعِ الْكَبِيرَةِ اهـ. وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْوَاجِبِ فِي غَيْرِ الشَّجَرِ مِنْ النَّبَاتِ، وَالْوَاجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ الْقِيَاسُ وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِدَفْعِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ كَالرَّافِعِيِّ لِسِنِّ الْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ.
وَالْأَوْجَهُ اشْتِرَاطُ إجْزَائِهِمَا فِي الْأُضْحِيَّةِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ وَإِنْ جَرَى الْإِسْنَوِيُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّاةِ وَالْبَقَرَةِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْبَقَرَةِ أَوْ الشَّاةِ بِمُجَرَّدِ الْقَطْعِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَلْعِ الشَّجَرَةِ، وَكَلَامُ التَّنْبِيهِ يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُصَرِّحَا فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ بِالْمَسْأَلَةِ نَعَمْ عَبَّرَ الرَّافِعِيُّ بِالتَّامَّةِ، وَلَعَلَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ قَطْعِ الْغُصْنِ (قُلْت: وَ) كَذَا (الْمُسْتَنْبَتُ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ،

[حاشية الشبراملسي]

لَوْ غَرَسَ فِي الْحَرَمِ نَوَاةً مِنْ شَجَرَةِ حِلْيَةٍ لَمْ تَثْبُتْ الْحُرْمَةُ لَهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ نَقَلَ تُرَابَ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ، لَمْ تَثْبُتْ الْحُرْمَةُ اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِ، وَقَدْ يَشْمَلُ ذَلِكَ قَوْلَ حَجّ.
أَمَّا مَا اسْتُنِبْتَ فِي الْحَرَمِ مِمَّا أَصْلُهُ مِنْ الْحِلِّ فَلَا شَيْءَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَمْ يَحِلَّ) أَيْ وَإِلَّا يَرْجُ نَبَاتَهُ لَمْ تَحِلَّ (قَوْلُهُ: فَيَحِلُّ مُطْلَقًا) مَاتَ أَصْلُهُ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: فَإِنَّ حَقِيقَةَ إلَخْ) وَفِي نُسْخَةٍ فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْيَابِسِ (قَوْلُهُ: أَوْ مِثْلُهُ لَا فِي سَنَتِهِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ) أَيْ بِالْقِيمَةِ عَلَى مَا يَأْتِي، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهَا لَوْ اخْتَلَفَتْ فِي سَنَتِهِ دُونَهُ ضَمِنَهَا ضَمَانَ الْكُلِّ لَا التَّفَاوُتُ بَيْنَ قِيمَةِ الْمَقْطُوعِ وَمَا أَخْلَفَ (قَوْلُهُ: لِئَلَّا يُضِرَّ بِهَا) مِنْ أَضَرَّ فَهُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ أَخْلَفَتْ الشَّجَرَةُ أَمْ لَا) وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الشَّجَرَةِ وَالْغُصْنِ بِأَنَّ الْغُصْنَ اللَّطِيفَ مِنْ شَأْنِهِ الْإِخْلَافُ وَلَا كَذَلِكَ الشَّجَرَةُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ مَا نَصُّهُ: وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ: أَيْ الْحَشِيشِ وَبَيْنَ غُصْنِ الشَّجَرَةِ حَيْثُ فَصَلُوا فِيهِ بَيْنَ الشَّجَرِ إذَا أُخِذَ مِنْ أَصْلِهِ يُضْمَنُ وَإِنْ أَخْلَفَ فِي سَنَتِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ أَيْضًا أَنَّ الشَّجَرَ يُحْتَاطُ لَهُ أَكْثَرُ، إذْ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْتَنْبَتِ وَغَيْرِهِ وَيُضْمَنُ بِالْحَيَوَانِ بِخِلَافِ الْحَشِيشِ فِيهِمَا (قَوْلُهُ: وَالْبَدَنَةُ فِي مَعْنَى الْبَقَرَةِ) أَيْ بَلْ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْبَقَرَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَسْمَحُوا بِهَا عَنْ الْبَقَرَةِ) أَيْ بِأَنْ يَقُولُوا بِإِجْزَائِهَا عَنْهَا (قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَسَكَتَ الرَّافِعِيُّ) لَعَلَّ الْمُرَادَ سَكَتَ عَنْ التَّصْرِيحِ بِهِ، وَإِلَّا فَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْهُ أَنَّ مَا دُونَ الْكَبِيرَةِ يُضْمَنُ بِشَاةٍ صَادِقٌ بِالْقَرِيبَةِ مِنْ الْكَبِيرَةِ.
(قَوْلُهُ: أَعْظَمُ مِنْ الْوَاجِبَةِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى فِي الْعِظَمِ

[حاشية الرشيدي]

النُّسَخِ، وَلَعَلَّ السَّاقِطَ عَقِبَ قَوْلِهِ بَلْ هُوَ مَغْرُوزٌ فِيهِ نَحْوُ قَوْلِهِ كَقَلْعِ حَشِيشِهِ وَقَطْعِهِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَحْرُمُ إنْ كَانَ أَخْضَرَ، بِخِلَافِ الْيَابِسِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ قِطْعَةُ بِشَرْطِ إلَخْ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْإِرْشَادِ وَشَرْحِهِ (قَوْلُهُ وَكَذَا بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ قُلْت)

وَهُوَ مَا اسْتَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّونَ مِنْ الشَّجَرِ (كَغَيْرِهِ) فِي الْحُرْمَةِ وَالضَّمَانِ (عَلَى الْمَذْهَبِ) وَهُوَ الْقَوْلُ الْأَظْهَرُ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ.
وَالثَّانِي الْمَنْعُ تَشْبِيهًا لَهُ بِالزَّرْعِ: أَيْ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْبُقُولِ وَالْخَضْرَاوَاتِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَطْعُهُ وَلَا ضَمَانَ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ.
قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَكَالزَّرْعِ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ (وَيَحِلُّ) مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ (الْإِذْخِرُ) قَلْعًا وَقَطْعًا لِاسْتِثْنَائِهِ فِي الْخَبَرِ الْمَارِّ.
قَالَ الْعَبَّاسُ «يَا رَسُولَ اللَّهِ إلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا الْإِذْخِرَ» وَمَعْنَى كَوْنِهِ لِبُيُوتِهِمْ أَنَّهُمْ يَسْقُفُونَهَا بِضَمِّ الْقَافِ فَوْقَ الْخَشَبِ، وَالْقَيْنُ الْحَدَّادُ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ جَوَازَ تَصَرُّفِ الْآخِذِ لِذَلِكَ بِجَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَا عَبَّرَ بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَتَاوِيهِ بِقَوْلِهِ قَدْ يُقَالُ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِخَبَرِ الْعَبَّاسِ: إلَّا الْإِذْخِرَ، فَيَشْمَلُ مَنْ أَخَذَهُ لِيَنْتَفِعَ بِثَمَنِهِ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّ الْإِذْخِرَ مُبَاحٌ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لِحَاجَةٍ فِي جِهَةٍ خَاصَّةٍ، وَقَدْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَالْبَقِيعِ (وَكَذَا) (الشَّوْكُ) يَحِلُّ شَجَرُهُ (كَالْعَوْسَجِ) جَمْعُ عَوْسَجَةٍ نَوْعٌ مِنْ الشَّوْكِ (وَغَيْرُهُ) مِنْ كُلِّ مُؤْذٍ كَالْمُنْتَشِرِ مِنْ الْأَغْصَانِ الْمُضِرَّةِ فِي طَرِيقِ النَّاسِ (عِنْدَ الْجُمْهُورِ) كَالصَّيْدِ الْمُؤْذِي، وَقَدْ أَجَابَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ» بِأَنَّهُ مُخَصَّصٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ، وَمَا اعْتَرَضَهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ فَكَيْفَ يَجِيءُ التَّخْصِيصُ؟ يُرَدُّ بِأَنَّهُ مُتَنَاوِلٌ لِمَا فِي الطُّرُقَاتِ وَغَيْرِهِ فَيُخَصُّ بِغَيْرِ مَا فِي الطُّرُقَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْذِي، وَقِيلَ يَحْرُمُ وَيَجِبُ الضَّمَانُ بِقَطْعِهِ، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّيُودِ الْمُؤْذِيَةِ بِأَنَّهَا تَقْصِدُ الْأَذَى بِخِلَافِ الشَّجَرِ.

وَيَجُوزُ رَعْيُ حَشِيشِ الْحَرَمِ بَلْ وَشَجَرُهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ بِالْبَهَائِمِ؛ لِأَنَّ الْهَدَايَا كَانَتْ تُسَاقُ فِي عَصْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَمَا كَانَتْ تُسَدُّ أَفْوَاهُهَا فِي الْحَرَمِ (وَالْأَصَحُّ حِلُّ أَخْذِ نَبَاتِهِ) مِنْ حَشِيشٍ أَوْ نَحْوِهِ (لِعَلْفِ الْبَهَائِمِ) بِسُكُونِ اللَّامِ كَمَا يَجُوزُ تَسْرِيحُهَا فِيهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (وَلِلدَّوَاءِ) بِالْمَدِّ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) كَحَنْظَلٍ وَسَنَى وَتَغَذٍّ كَرَجْلَةٍ وَبَقْلَةٍ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الزَّرْعِ وَلَا يُقْطَعُ لِذَلِكَ إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجُزْ قَطْعُهُ لِلْبَيْعِ مِمَّنْ يَعْلِفُ بِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّهُ كَطَعَامٍ أُبِيحَ أَكْلُهُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ

[حاشية الشبراملسي]

النِّسْبَةُ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَنْتَهِ إلَى حَدِّ الْكَبِيرَةِ، فَإِذَا كَانَ قِيمَةُ الْمُجْزِئَةِ فِي الصَّغِيرَةِ دِرْهَمًا وَالزَّائِدَةُ عَلَيْهَا فِي الْمِقْدَارِ بَلَغَتْ نِصْفَ الشَّجَرَةِ اُعْتُبِرَ فِي الشَّاةِ الْمُجْزِئَة فِيهَا أَنْ تُسَاوِيَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَنِصْفَ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ بِسَبْعِ مِنْ الْكَبِيرَةِ تَقْرِيبًا وَهَذِهِ مِقْدَارُ النِّصْفِ، وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا سُبْعَانِ وَنِصْفُ سُبْعٍ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا مَرَّ فِي الزَّكَاةِ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْفَصِيلِ أَوْ ابْنِ اللَّبُونِ زِيَادَةُ قِيمَتِهِ عَلَى الْمَأْخُوذِ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ (قَوْلُهُ وَهُوَ مَا اسْتَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّونَ مِنْ الشَّجَرِ) أَيْ مِنْ الزَّرْعِ (قَوْلُهُ: وَكَالزَّرْعِ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ مِمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَسْتَنْبِتَهُ النَّاسُ كَحِنْطَةٍ حَمَلَهَا سَيْلٌ أَوْ هَوَاءٌ (قَوْلُهُ: الْإِذْخِرَ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ انْتَهَى مَحَلِّيٌّ (قَوْلُهُ: وَقَدْ قَالُوا لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ) أَيْ فَيَحْرُمُ بَيْعُهُ وَلَا يَصِحُّ خِلَافًا لِحَجِّ (قَوْلُهُ مِنْ الْأَغْصَانِ الْمُضِرَّةِ فِي طَرِيقِ النَّاسِ) مَفْهُوهُهُ أَنَّ الْأَغْصَانَ الْمُضِرَّةَ بِالشَّجَرِ نَفْسِهِ كَكَثْرَةِ جَرِيدِ النَّخْلِ مَثَلًا لَا يَجُوزُ قَطْعُهُ، وَيَنْبَغِي الْجَوَازُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِصْلَاحِ (قَوْلُهُ: يُرَدُّ بِأَنَّهُ إلَخْ) لَكِنْ هَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُرْمَةِ قَطْعِ السِّوَاكِ مِنْ غَيْرِ الطَّرِيقِ.
وَقَضِيَّةُ الْمَتْنِ خِلَافُهُ

(قَوْلُهُ: بَلْ وَشَجَرُهُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَطْعُهُ لِلدَّوَابِّ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ الْآتِي مِنْ حَشِيشٍ أَوْ نَحْوِهِ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ: كَرَجْلَةٍ)

[حاشية الرشيدي]

لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَلْ الْأَوْلَى حَذْفُهُ (قَوْلُهُ: يُرَدُّ بِأَنَّهُ مُتَنَاوِلٌ لِمَا فِي الطَّرَقَاتِ وَغَيْرِهِ) هَذَا الرَّدُّ لَا يُلَاقِي اعْتِرَاضَ السُّبْكِيّ، إذْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الشَّوْكَ كُلَّهُ مُؤْذٍ: أَيْ إمَّا بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقُوَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ رَدَّ الشِّهَابُ حَجّ هَذَا الرَّدَّ بِقَوْلِهِمْ: لَا فَرْقَ

وَغَيْرُهُ أَنَّا حَيْثُ جَوَّزْنَا أَخْذَ السِّوَاكِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ جَوَازَ أَخْذِهِ لِلدَّوَاءِ وَالْعَلَفِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ السَّبَبِ حَتَّى يَجُوزَ أَخْذُهُ لِيَسْتَعْمِلَهُ عِنْدَ وُجُودِهِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ وَهُوَ الْمُتَّجَهُ، وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ بَعْضَهُمْ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يَمْنَعُ ذَلِكَ وُقُوفًا مَعَ ظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَاقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ عَلَى النَّبَاتِ يُفْهِمُ عَدَمَ التَّعَدِّي لِغَيْرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَيَحْرُمَ نَقْلُ تُرَابِ الْحَرَمِ وَحَجَرِهِ إلَى الْحِلِّ فَيَجِبَ رَدُّهُ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَامٍ فَأَشْبَهَ الْكَلَأَ الْيَابِسَ، وَنَقْلُ تُرَابِ الْحِلِّ وَأَحْجَارِهِ إلَى الْحَرَمِ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ لِئَلَّا يُحْدِثَ لَهُ حُرْمَةً لَمْ تَكُنْ، وَلَا يُقَالُ مَكْرُوهٌ لِعَدَمِ ثُبُوتِ النَّهْيِ فِيهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةِ بِنَاءٍ وَنَحْوِهِ وَإِنْ ذَهَبَ فِي الرَّوْضَةِ إلَى الْكَرَاهَةِ، وَيَحْرُمُ أَخْذُ طِيبِ الْكَعْبَةِ أَوْ سُتْرَتِهَا، وَيَجِبُ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْهُمَا فَإِنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ بِهَا أَتَى بِطِيبٍ مَسَحَهَا بِهِ ثُمَّ أَخَذَهُ، وَفِي الرَّوْضَةِ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ: الْأَمْرُ فِي سُتْرَتِهَا إلَى الْإِمَامِ يَصْرِفُهَا فِي بَعْضِ مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ بَيْعًا وَعَطَاءً؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَقِسْهُمَا عَلَى الْحَاجِّ وَهُوَ حَسَنٌ مُتَعَيِّنٌ لِئَلَّا تَتْلَفَ بِالْبِلَى.
ثُمَّ نُقِلَ عَنْ جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ جَوَّزُوا ذَلِكَ وَلَهُ لُبْسُهَا وَلَوْ لِنَحْوِ حَائِضٍ وَكَذَا اسْتَحْسَنَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، لَكِنْ نَبَّهَ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَى أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا وَافَقَ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ آخِرَ الْوَقْفِ أَنَّهَا تُبَاعُ إذَا لَمْ يَبْقَ فِيهَا جَمَالٌ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهَا فِي مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ وَحَمَلَهُ عَلَى مَا إذَا وُقِفَتْ لِلْكِسْوَةِ، وَكَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ وَعَلَى مَا إذَا كَسَاهَا الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ وُقِفَتْ تَعَيَّنَ صَرْفُهَا فِي مَصَالِحِ الْكَعْبَةِ جَزْمًا، وَأَمَّا إذَا مَلَّكَهَا مَالِكُهَا لِلْكَعْبَةِ فَلِقَيِّمِهَا مَا يَرَاهُ مِنْ تَعْلِيقِهَا عَلَيْهَا أَوْ بَيْعِهَا وَصَرْفِ ثَمَنِهَا لِمَصَالِحِهَا، فَإِنْ وُقِفَ شَيْءٌ عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ رِيعِهِ وَشَرَطَ الْوَاقِفُ شَيْئًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ إعْطَاءٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ اُتُّبِعَ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَقِفْهَا النَّاظِرُ فَلَهُ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا فِي كِسْوَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ وَقَفَهَا فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ مِنْ الْخِلَافِ فِي الْبَيْعِ.
قَالَ: وَبَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ وَهُوَ الْوَاقِعُ الْيَوْمَ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا وَشَرَطَ تَجْدِيدَهَا كُلَّ سَنَةٍ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ بَنِي شَيْبَةَ كَانُوا يَأْخُذُونَهَا كُلَّ سَنَةٍ لَمَّا كَانَتْ تُكْسَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَرَجَّحَ فِي هَذَا أَنَّ لَهُمْ أَخْذَهَا الْآنَ.

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ وَخُبَّيْزَةٍ (قَوْلُهُ: حَيْثُ جَوَّزَنَا أَخْذَ السِّوَاكِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) مُعْتَمَدٌ وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ عِوَضٍ فِي مُقَابَلَةِ رَفْعِ الْيَدِ عَنْ الِاخْتِصَاصِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: فَيَحْرُمُ نَقْلُ تُرَابِ الْحَرَمِ وَحَجَرِهِ إلَى الْحِلِّ) أَيْ دُونَ مَائِهِ (قَوْلُهُ: فَأَشْبَهَ الْكَلَأَ الْيَابِسَ) أَيْ فِي مُجَرَّدِ عَدَمِ الضَّمَانِ فَلَا يُنَافِي الْكَلَأَ الْيَابِسَ لَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ لَكِنْ هَلْ يَحْرُمُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِ الْحَرَمِ كَتُرَابِهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةِ بِنَاءٍ إلَخْ) أَيْ فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ أَخْذُ طِيبِ الْكَعْبَةِ أَوْ سُتْرَتِهَا) أَيْ يَحْرُمُ عَلَى الْآحَادِ الِاسْتِقْلَالُ بِأَخْذِهَا، وَأَمْرُهَا لِلْإِمَامِ عَلَى مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ لِمَا وَافَقَ عَلَيْهِ) أَيْ النَّوَوِيُّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ وُقِفَتْ تَعَيَّنَ صَرْفُهَا) مُعْتَمَدٌ وَلَيْسَ مِنْ وَقْفِهَا مَا اُعْتِيدَ فِي زَمَانِنَا مِنْ أَخْذِ غَلَّةِ مَا وُقِفَ عَلَيْهَا ثُمَّ يَشْتَرِي بِهِ وَالْأَمْرُ فِيهَا لِلْإِمَامِ (قَوْلُهُ: فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ مِنْ الْخِلَافِ) لَمْ يَتَقَدَّمْ هُنَا حِكَايَةُ خِلَافٍ

[حاشية الرشيدي]

بَيْنَ مَا فِي الطَّرِيقِ وَغَيْرِهَا الصَّرِيحُ فِي أَنَّ الْمُرَادَ الْمُؤْذِي بِالْفِعْلِ أَوْ الْقُوَّةِ

(قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ أَخْذُ طِيبِ الْكَعْبَةِ أَوْ سُتْرَتِهَا) أَيْ اسْتِبْدَادًا وَإِلَّا فَالْأَمْرُ فِي ذَاكَ لِلْإِمَامِ عَلَى مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَهُوَ حَسَنٌ مُتَعَيِّنٌ) مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِ الرَّوْضَةِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ وُقِفَتْ تَعَيَّنَ صَرْفُهَا فِي مَصَالِحِ الْكَعْبَةِ جَزْمًا) سَقَطَ قَبْلَهُ كَلَامٌ مِنْ نُسَخِ الشَّرْحِ، وَعِبَارَةُ الْإِمْدَادِ كَشَرْحِ الرَّوْضِ، وَحَمَلَهُ عَلَى مَا إذَا وُقِفَتْ لِلْكِسْوَةِ، وَكَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ عَلَى مَا إذَا كَسَاهَا الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّهَا إمَّا أَنْ تُوقَفَ عَلَى الْكَعْبَةِ وَحُكْمُهَا مَا مَرَّ وَخَطَّأَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ مَا مَرَّ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كُسِيَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ وُقِفَتْ تَعَيَّنَ

وَقَالَ الْعَلَائِيُّ: لَا تَرَدُّدَ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَحُدُودُ الْحَرَمِ مَعْرُوفَةٌ نَظَمَ بَعْضُهُمْ مَسَافَتَهَا بِالْأَمْيَالِ فِي قَوْلِهِ: وَلِلْحَرَمِ التَّحْدِيدُ مِنْ أَرْضٍ طَيْبَةَ ... ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ إذَا رُمْت إتْقَانَهْ وَسَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِرَاقٌ وَطَائِفٌ ... وَجُدَّةُ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعْرَانَهْ بِتَقْدِيمِ السِّينِ فِي الْأُولَى بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ: وَمِنْ يَمَنٍ سَبْعٌ بِتَقْدِيمِ سِينِهِ ... وَقَدْ كَمُلَتْ فَاشْكُرْ لِرَبِّك إحْسَانَهْ.

(وَصَيْدُ) حَرَمِ (الْمَدِينَةِ) وَأَخْذُ نَبَاتِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ (حَرَامٌ) وَكَذَا وَجُّ وَادٍ بِالطَّائِفِ لِخَبَرِ «إنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَةَ» أَيْ أَحْدَثْت حُرْمَتَهَا «كَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ» أَيْ أَظْهَرَ حُرْمَتَهَا إذْ الْأَصَحُّ أَنَّهَا حُرِّمَتْ مِنْ حِينِ خُلِقَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَعَرْضُ الْحَرَمِ مَا بَيْنَ حَرَّتَيْهَا وَهِيَ الْحِجَارَةُ السُّودُ، وَطُولُهُ مَا بَيْنَ عَيْرٍ وَثَوْرٍ وَهُوَ جَبَلٌ صَغِيرٌ وَرَاءَ أُحُدٍ (وَلَا يُضْمَنُ) الصَّيْدُ وَلَا النَّبَاتُ (فِي الْجَدِيدِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلنُّسُكِ بِخِلَافِ حَرَمِ مَكَّةَ، وَالْقَدِيمُ أَنَّهُ يُضْمَنُ بِسَلْبِ الصَّائِدِ وَالْقَاطِعِ لِشَجَرِهِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَجْمُوعِ وَتَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الشَّجَرِ وَأَبُو دَاوُد فِي الصَّيْدِ وَعَلَى هَذَا فَقِيلَ إنَّهُ كَسَلْبِ الْقَتِيلِ الْكَافِرِ، وَقِيلَ ثِيَابُهُ فَقَطْ، وَقِيلَ وَصَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ يُتْرَكُ لِلْمَسْلُوبِ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ السَّلْبَ لِلسَّالِبِ، وَقِيلَ لِفُقَرَاء الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَالنَّقِيعُ بِالنُّونِ وَقِيلَ بِالْبَاءِ لَيْسَ بِحَرَمٍ، وَلَكِنْ حَمَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَعَمِ الصَّدَقَةِ وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ فَلَا يُمْلَكُ شَيْءٌ مِنْ نَبَاتِهِ وَلَا يَحْرُمُ صَيْدُهُ وَلَا يُضْمَنُ، وَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ نَبَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فَيَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ قَالَ الشَّيْخَانِ: وَمَصْرِفُهَا مَصْرِفُ نَعَمِ الْجِزْيَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَبَحَثَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهَا لِبَيْتِ الْمَالِ

، ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَنْوَاعِ الدِّمَاءِ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّ الدَّمَ إمَّا مُخَيَّرٌ أَوْ مُرَتَّبٌ وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا مُعَدَّلٌ أَوْ مُقَدَّرٌ، وَسَتَأْتِي مَجْمُوعَةٌ آخِرَ هَذَا الْبَابِ.
وَقَدْ بَدَأَ بِالْمُخَيَّرِ الْمُعَدَّلِ فَقَالَ (وَيُتَخَيَّرُ فِي) جَزَاءِ إتْلَافِ (الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ بَيْنَ) ثَلَاثَةِ أُمُورٍ (ذَبْحُ) بِمُعْجَمَةٍ (مِثْلِهِ) بِمُثَلَّثَةٍ (وَ) بَيْنَ (الصَّدَقَةِ بِهِ) بِأَنْ يُفَرِّقَ لَحْمَهُ مَعَ النِّيَّةِ حَتْمًا (عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ) وَعَلَى فُقَرَائِهِ أَوْ يُمَلِّكَهُمْ جُمْلَتَهُ مَذْبُوحًا، وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ حَيًّا وَلَا أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ (وَبَيْنَ أَنْ يُقَوِّمَ الْمِثْلَ) بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ (دَرَاهِمَ) أَوْ غَيْرَهَا (وَيَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا لَهُمْ) مِمَّا يُجْزِي فِي الْفِطْرَةِ أَوْ يُخْرِجَ مِقْدَارَهَا مِنْ طَعَامِهِ إذْ الشِّرَاءُ مِثَالٌ (أَوْ يَصُومَ) فِي أَيِّ مَكَان شَاءَ (عَنْ كُلِّ مُدٍّ) مِنْ الطَّعَامِ (يَوْمًا) وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] الْآيَةَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ ذَبْحُ الْمِثْلِ مَا لَوْ قَتَلَ صَيْدًا مِثْلِيًّا حَامِلًا فَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ مِثْلِهِ كَمَا مَرَّ بَلْ يُقَوِّمُ الْمِثْلَ حَامِلًا وَيَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ عَدَمُ اخْتِصَاصِ التَّقْوِيمِ بِالدَّرَاهِمِ.
وَقَوْلُهُ لَهُمْ: أَيْ لِأَجْلِهِمْ إذْ الشِّرَاءُ لَا يَقَعُ لَهُمْ، وَدَرَاهِمَ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَلَوْ بَقِيَ مِنْ الطَّعَامِ أَقَلُّ مِنْ مُدٍّ صَامَ عَنْهُ يَوْمًا تَكْمِيلًا لِلْمُنْكَسِرِ، وَقَدْ مَرَّ مُسَاوَاةُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فَيُتَخَيَّرُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَقَطْ (وَغَيْرُ الْمِثْلِيِّ) مِمَّا لَا نَقْلَ فِيهِ مِنْ الصَّيْدِ يُتَخَيَّرُ فِي جَزَاءِ إتْلَافِهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَقَالَ الْعَلَائِيُّ لَا تَرَدُّدَ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا) مُعْتَمَدٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ وَهُمْ بَنُو شَيْبَةَ (قَوْلُهُ: وَلِلْحَرَمِ التَّحْدِيدُ) وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ حُدُودَ الْحَرَمِ دُونَ الْمَوَاقِيتِ إذْ أَقَلُّ مَوَاقِيتِهِ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ وَلَا شَيْءَ مِنْ الْحُدُودِ يَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَجُدَّةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ.

(قَوْلُهُ: وَصَيْدُ الْمَدِينَةِ حَرَامٌ) وَيَصِيرُ حَرَامًا كَمَذْبُوحِ الْمُحْرِمِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا) أَيْ الْقَدِيمِ (قَوْلُهُ: قَالَ الشَّيْخَانِ وَمَصْرِفُهَا إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: إنَّهَا لِبَيْتِ الْمَالِ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ أَنَّ نَعَمَ الْجِزْيَةِ تُصْرَفُ لِأَهْلِ الْفَيْءِ خَاصَّةً

[حاشية الرشيدي]

إلَخْ

(قَوْلُهُ: بِنَزْعِ الْخَافِضِ) أَيْ وَيُعْرَبُ فِيمَا صَنَعَهُ الشَّارِحُ بَدَلًا مِنْ النَّقْدِ (قَوْلُهُ وَلَوْ بَقِيَ مِنْ الطَّعَامِ أَقَلُّ مِنْ مُدٍّ) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ (قَوْلُهُ: مِمَّا لَا نَقْلَ فِيهِ) أَخْرَجَ الْحَمَامَ

(يَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ) أَيْ بِقَدْرِهَا (طَعَامًا) عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَفُقَرَائِهِ فَلَا يَتَصَدَّقُ بِالدَّرَاهِمِ.
وَثَانِيهِمَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ يَصُومَ) عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَيُكْمِلَ الْمُنْكَسِرَ كَمَا مَرَّ وَالْعِبْرَةُ فِي قِيمَةِ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ بِمَحِلِّ الْإِتْلَافِ وَزَمَانِهِ قِيَاسًا عَلَى كُلِّ مُتْلَفٍ مُتَقَوِّمٍ، وَفِي قِيمَةِ مِثْلِ الْمِثْلِيِّ بِمَكَّةَ وَقْتَ إرَادَةِ تَقْوِيمِهِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ ذَبْحِهِ لَوْ أُرِيدَ، وَالْمُعْتَبَرُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْفُورَانِيُّ فِي الْعُدُولِ إلَى الطَّعَامِ سِعْرُهُ بِمَكَّةَ.

(وَيُتَخَيَّرُ فِي فِدْيَةِ الْحَلْقِ) لِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ فَأَكْثَرَ وَفِي قَلْمِ أَظْفَارٍ كَذَلِكَ وَفِي التَّطَيُّبِ وَاللُّبْسِ وَالِادِّهَانِ وَمُقَدَّمَاتِ الْجِمَاعِ بِشَهْوَةٍ وَشَاةُ الْجِمَاعِ بَعْدَ الْجِمَاعِ الْأَوَّلِ وَالْجِمَاعُ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ (بَيْنَ) ثَلَاثَةِ أُمُورٍ (ذَبْحُ شَاةٍ) مُجْزِئَةٍ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَيَقُومُ مَقَامَهَا بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ سُبُعٌ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (وَ) بَيْنَ التَّصَدُّقِ: بِ (ثَلَاثَةِ آصُعٍ) بِالْمَدِّ جَمْعُ صَاعٍ وَآصُعٌ أَصْلُهُ أَصُوعُ أُبْدِلَ مِنْ وَاوِهِ هَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ قُدِّمَتْ عَلَى الصَّادِ وَنُقِلَتْ ضَمَّتُهَا إلَيْهَا وَقُلِبَتْ هِيَ أَلْفًا (لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ) لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ (وَ) بَيْنَ (صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: 196] أَيْ فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ، وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَيُؤْذِيك هَوَامُّ رَأْسِك؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: اُنْسُكْ شَاةً أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ فَرَقًا مِنْ الطَّعَامِ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ» وَالْفَرَقُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، وَقِيسَ بِالْحَلْقِ وَبِالْمَعْذُورِ غَيْرُهُمَا وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَفَّارَاتِ مَا يُزَادُ الْمِسْكِينُ فِيهَا عَلَى مُدٍّ سِوَى هَذِهِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّ الدَّمَ فِي تَرْكِ الْمَأْمُورِ) الَّذِي لَا يَفُوتُ بِهِ الْحَجُّ (كَالْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ) أَوْ مِمَّا يَلْزَمُ مِنْهُ الْإِحْرَامُ لَوْ أَحْرَمَ مِنْ غَيْرِهِ وَالرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ بِمِنًى لِيَالِي التَّشْرِيقِ وَطَوَافُ الْوَدَاعِ (دَمُ تَرْتِيبٍ) إلْحَاقًا لَهُ بِدَمِ التَّمَتُّعِ لِمَا فِي التَّمَتُّعِ مِنْ تَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَقِيسَ بِهِ تَرْكُ بَاقِي الْمَأْمُورَاتِ (فَإِذَا عَجَزَ) عَنْ الدَّمِ (اشْتَرَى بِقِيمَةِ الشَّاةِ طَعَامًا) أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَعَامِهِ كَمَا مَرَّ وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَفُقَرَائِهِ (فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ) مِنْ الطَّعَامِ (يَوْمًا) وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ كَالْإِمَامِ وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْ الدَّمِ يَصُومُ كَالْمُتَمَتِّعِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ، فَهُوَ مُرَتَّبٌ مُقَدَّرٌ.

(وَ) دَمُ (الْفَوَاتِ) لِلْحَجِّ بِفَوَاتِ الْوُقُوفِ (كَدَمِ التَّمَتُّعِ) فِي صِفَتِهِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، إذْ دَمُ التَّمَتُّعِ لِتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَالْوُقُوفُ الْمَتْرُوكُ فِي الْفَوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ (وَيَذْبَحُهُ فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ فِي الْأَصَحِّ) حَتْمًا لَا فِي سَنَةِ الْفَوَاتِ لِفَتْوَى عُمَرَ بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي.
وَالثَّانِي يَجُوزُ ذَبْحُهُ فِي سَنَةِ الْفَوَاتِ قِيَاسًا عَلَى دَمِ الْإِفْسَادِ، وَوَقْتُ الْوُجُوبِ عَلَى الْأَوَّلِ مَنُوطٌ بِالتَّحَرُّمِ بِالْقَضَاءِ، كَمَا أَنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ مَنُوطٌ بِالتَّحَرُّمِ بِالْحَجِّ، وَعَلَيْهِ لَوْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ لَا يُقَدِّمُ صَوْمَ الثَّلَاثَةِ فِي الْقَضَاءِ وَيَصُومُ السَّبْعَةَ إذَا رَجَعَ مِنْهُ، وَلَوْ أَخْرَجَ دَمَ الْفَوَاتِ بَيْنَ تَحَلُّلِهِ وَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْإِحْرَامِ بِالْقَضَاءِ أَجْزَأَهُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَكَلَامُ الْعِرَاقِيِّينَ

[حاشية الشبراملسي]

وَأَمْوَالُ بَيْتِ الْمَالِ لَا تَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْفَيْءِ بَلْ يَصْرِفُهَا الْإِمَامُ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصَالِحِ.

[أَنْوَاعِ الدِّمَاءِ فِي الْحَجّ]

(قَوْلُهُ: بِمَحَلِّ الْإِتْلَافِ) هُوَ ظَاهِرٌ إنْ أَتْلَفَ حَالًا، فَلَوْ أَمْسَكَهُ مُدَّةً ثُمَّ أَتْلَفَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ الْمَغْصُوبِ (قَوْلُهُ: سِعْرَهُ بِمَكَّةَ) لَمْ يُبَيِّنْ الْوَقْتَ الَّذِي يُعْتَبَرُ سِعْرُهَا فِيهِ هَلْ هُوَ وَقْتُ التَّقْوِيمِ أَوْ الْوُجُوبِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَقَدْ مَرَّ لَهُ فِي تَقْوِيمِ بَدَنَةِ الْجِمَاعِ اعْتِبَارُ سِعْرِ مَكَّةَ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، وَعَنْ السُّبْكِيّ اعْتِبَارُ وَقْتِ الْوُجُوبِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْرَى مِثْلُهُ هُنَا.

(قَوْلُهُ: أَيْ فَحَلَقَ) قَدْرَهُ أَخْذًا مِنْ صَدْرِ الْآيَةِ، وَلِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ الْمَرَضَ بِمُجَرَّدِهِ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ وَلَيْسَ مُرَادًا (قَوْلُهُ: سِوَى هَذِهِ) أَيْ الْكَفَّارَةِ الَّتِي هِيَ دَمُ تَخْيِيرٍ وَتَعْدِيلٍ فَيَدْخُلَ فِيهِ جَمِيعُ الِاسْتِمْتَاعَاتِ الْآتِيَةِ (قَوْلُهُ: فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الدَّمِ) ضَعِيفٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.

(قَوْلُهُ: مَنُوطٌ بِالتَّحَرُّمِ) أَيْ الْإِحْرَامِ (قَوْلُهُ لَا يُقَدَّمُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ) أَيْ عَلَى الْإِحْرَامِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْ الدَّمِ يَصُومُ) أَيْ بِلَا إطْعَامٍ

وَنَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ

(وَالدَّمُ الْوَاجِبُ) عَلَى مُحْرِمٍ (بِفِعْلِ حَرَامٍ) وَإِنْ لَمْ يَحْرُمْ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَالْحَلْقِ لِعُذْرٍ (أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ) عَلَيْهِ غَيْرِ رُكْنٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَدَمِ الْجُبْرَانَاتِ (لَا يَخْتَصُّ) إجْزَاؤُهُ (بِزَمَانٍ) بَلْ يُفْعَلُ فِي أَيَّامِ التَّضْحِيَةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّخْصِيصِ، وَلَمْ يَرِدْ مَا يُخَالِفُهُ لَكِنْ تُنْدَبُ إرَاقَتُهُ أَيَّامَ التَّضْحِيَةِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ: وَيَنْبَغِي وُجُوبُ الْمُبَادَرَةِ إلَيْهَا إذَا حَرُمَ السَّبَبُ كَمَا فِي الْكَفَّارَةِ فَيُحْمَلُ مَا أَطْلَقُوهُ عَلَى الْإِجْزَاءِ، أَمَّا الْجَوَازُ فَأَحَالُوهُ عَلَى مَا قَرَّرُوهُ فِي الْكَفَّارَةِ (وَيَخْتَصُّ ذَبْحُهُ) بِأَيِّ مَكَان (بِالْحَرَمِ فِي الْأَظْهَرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] وَلِخَبَرِ «نَحَرْت هَهُنَا» وَأَشَارَ إلَى مَوْضِعِ النَّحْرِ مِنْ مِنًى «وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ» ؛ وَلِأَنَّ الذَّبْحَ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْهَدْيِ فَيَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ كَالتَّصَدُّقِ.
وَالثَّانِي يَجُوزُ أَنْ يَذْبَحَ خَارِجَ الْحَرَمِ بِشَرْطِ أَنْ يُنْقَلَ وَيُفَرَّقَ لَحْمُهُ فِيهِ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ اللَّحْمُ فَإِذَا وَقَعَتْ تَفْرِقَتُهُ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ حَصَلَ الْغَرَضُ " وَيَجِبُ صَرْفُ لَحْمِهِ " وَجِلْدِهِ وَبَقِيَّةِ أَجْزَائِهِ مِنْ شَعْرِهِ وَغَيْرِهِ، فَاقْتِصَارُهُ عَلَى اللَّحْمِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِيمَا يُقْصَدُ مِنْهُ فَهُوَ مِثَالٌ لَا قَيْدٌ (إلَى مَسَاكِينِهِ) أَيْ الْحَرَمِ وَفُقَرَائِهِ الْقَاطِنِينَ مِنْهُمْ وَالْغُرَبَاءِ وَالصَّرْفُ إلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى إلَّا أَنْ تَشْتَدَّ حَاجَةُ الثَّانِي فَيَكُونَ أَوْلَى، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ عَدَمُ جَوَازِ أَكْلِهِ شَيْئًا مِنْهُ، وَبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُضْحِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُفَرِّقَ الْمَذْبُوحَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعْطِيَهُ بِجُمْلَتِهِ لَهُمْ وَبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي الْكَلَامِ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّيْدِ، وَيَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ فُقَرَائِهِ أَوْ مَسَاكِينِهِ وَإِنْ انْحَصَرُوا؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ أَقَلُّ الْجَمْعِ، فَلَوْ دَفَعَ إلَى اثْنَيْنِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ثَالِثٍ ضَمِنَ لَهُ أَقَلَّ مُتَمَوِّلٍ كَنَظِيرِهِ مِنْ الزَّكَاةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ اسْتِيعَابُهُمْ عِنْدَ الِانْحِصَارِ كَمَا فِي الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا حُرْمَةُ الْبَلَدِ وَثَمَّ سَدُّ الْخَلَّةِ، وَتَجِبُ النِّيَّةُ عِنْدَ التَّفْرِقَةِ كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّشْبِيهِ بِالزَّكَاةِ الِاكْتِفَاءُ بِالْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهَا وَاقْتِصَارُهُ فِيمَا مَرَّ عَلَى الدَّمِ الْوَاجِبِ بِفِعْلِ حَرَامٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ مِثَالٌ إذْ دَمُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا دَمُ الْإِحْصَارِ فَسَيَأْتِي وَدَفْعُ الطَّعَامِ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ لَا يَتَعَيَّنُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مُدٌّ فِي دَمِ التَّمَتُّعِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَيْسَ دَمُهُ دَمَ تَخْيِيرٍ وَتَقْدِيرٍ، أَمَّا دَمُ الِاسْتِمْتَاعَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا دَمُهُ دَمُ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَحْرُمْ ذَلِكَ) أَيْ الْفِعْلُ (قَوْلُهُ عَلَى مَا قَرَّرَهُ فِي الْكَفَّارَةِ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ إنْ عَصَى بِالسَّبَبِ وَجَبَ الْفَوْرُ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: وَيَخْتَصُّ ذَبْحُهُ بِالْحَرَمِ) أَيْ فَلَوْ ذَبَحَ خَارِجَهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَلَوْ فَرَّقَهُ فِيهِ، وَمَحَلُّ اخْتِصَاصِهِ بِالْحَرَمِ مَا لَمْ يُحْصَرْ وَإِلَّا ذَبَحَ مَوْضِعَ الْحَصْرِ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: إلَى مَسَاكِينِهِ) عِبَارَةُ الْعُبَابِ: وَيَجِبُ تَفْرِيقُ لُحُومِ وَجُلُودِ هَذِهِ الدِّمَاءِ وَبَدَلِهَا مِنْ الطَّعَامِ عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي الْحَرَمِ، قَالَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ: وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إعْطَاؤُهُمْ خَارِجَهُ، وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ كَمَا مَرَّ لَكِنْ يُؤَيِّدُهُ تَعْلِيلُ الْكِفَايَةِ وَغَيْرِهَا، ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الذَّبْحِ هُوَ إعْظَامُ الْحَرَمِ بِتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ فِيهِ لَا تَلْوِيثِهِ بِالدَّمِ وَالْفَرْثِ إذْ هُوَ مَكْرُوهٌ اهـ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَفْرِقَتِهِ فِيهِ صَرْفُهُ لِأَهْلِهِ اهـ. وَخَالَفَهُ مَرَّ فَصَمَّمَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ خَارِجَهُ وَلَا لِمَنْ هُوَ فِيهِ بِأَنْ خَرَجَ هُوَ وَهُمْ عَنْهُ ثُمَّ فَرَّقَهُ عَلَيْهِمْ خَارِجَهُ ثُمَّ دَخَلُوهُ اهـ سَمِّ عَلَى حَجّ.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ صَرْفُ لَحْمِهِ إلَى مَسَاكِينِهِ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى صَرْفِهِ لَهُمْ وَلَوْ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، لَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ الْآتِي قُبَيْلَ الْبَابِ، وَكُلُّ هَذِهِ الدِّمَاءِ وَبَدَلِهَا تَخْتَصُّ تَفْرِقَتُهُ بِالْحَرَمِ عَلَى مَسَاكِينِهِ، يُوَافِقُ مَا نَقَلَهُ سَمِّ عَنْهُ وَصَمَّمَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَثَمَّ سَدُّ الْخَلَّةِ) بِالْفَتْحِ الْخَصْلَةُ وَهِيَ أَيْضًا الْحَاجَةُ وَالْفَقْرُ انْتَهَى مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَتَجِبُ النِّيَّةُ عِنْدَ التَّفْرِقَةِ إلَخْ) قَالَ حَجّ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّ الذَّبْحَ لَا تَجِبُ النِّيَّةُ عِنْدَهُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ بِالْأُضْحِيَّةِ وَنَحْوِهَا، إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ الْقَصْدَ هُنَا إعْظَامُ الْحَرَمِ بِتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ فِيهِ كَمَا مَرَّ فَوَجَبَ اقْتِرَانُهَا بِالْمَقْصُودِ دُونَ وَسِيلَتِهِ.
وَثَمَّ إرَاقَةُ الدَّمِ لِكَوْنِهَا فِدَاءً عَنْ النَّفْسِ، وَلَا تَكُونُ كَذَلِكَ إلَّا إنْ قَارَنَتْ نِيَّةَ الْقُرْبَةِ فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى (قَوْلُهُ: الِاكْتِفَاءَ بِالْمُتَقَدِّمَةِ) أَيْ النِّيَّةِ

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ لَا يَتَعَيَّنُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مُدٌّ فِي دَمِ التَّمَتُّعِ وَنَحْوِهِ) لَعَلَّ الصَّوَابَ فِي غَيْرِ دَمِ التَّمَتُّعِ وَنَحْوِهِ، فَلَفْظُ غَيْرِ

تَخْيِيرٍ وَتَقْدِيرٍ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ سِتَّةِ مَسَاكِينَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ ثَلَاثَةِ آصُعٍ كَمَا مَرَّ وَلَوْ ذَبَحَ الدَّمَ الْوَاجِبَ بِالْحَرَمِ ثُمَّ سُرِقَ أَوْ غُصِبَ مِنْهُ قَبْلَ التَّفْرِقَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ.
نَعَمْ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ ذَبْحِ آخَرَ وَهُوَ أَوْلَى أَوْ شِرَاءِ بَدَلِهِ لَحْمًا وَالتَّصَدُّقِ بِهِ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ قَدْ وُجِدَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَقَيَّدْ ذَلِكَ بِمَا لَوْ قَصَّرَ فِي التَّفْرِقَةِ وَإِلَّا فَلَا يَضْمَنُ كَمَا لَوْ سُرِقَ الْمَالُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ الدَّمَ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ وَالزَّكَاةُ بِعَيْنِ الْمَالِ وَلَوْ عَدِمَ الْمَسَاكِينَ فِي الْحَرَمِ أَخَّرَ الْوَاجِبَ الْمَالِيَّ حَتَّى يَجِدَهُمْ وَامْتَنَعَ النَّقْلُ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ حَيْثُ جَازَ النَّقْلُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ صَرِيحٌ بِتَخْصِيصِ الْبَلَدِ بِهَا بِخِلَافِ هَذَا.

(وَأَفْضَلُ بُقْعَةٍ) مِنْ الْحَرَمِ (لِذَبْحِ الْمُعْتَمِرِ) غَيْرِ الْمُمْتَنِعِ وَالْقَارِنِ (الْمَرْوَةُ) ؛ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ تَحَلُّلِهِ (وَ) لِذَبْحِ (الْحَاجِّ) وَلَوْ قَارِنًا أَوْ مُرِيدًا إفْرَادًا أَوْ مُتَمَتِّعًا وَلَوْ عَنْ دَمِ تَمَتُّعِهِ (مِنْهَا) ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ تَمَتُّعِهِ وَالْأَحْسَنُ فِي بُقَعِهِ فَتْحُ الْقَافِ وَكَسْرُ الْعَيْنِ عَلَى لَفْظِ الْجَمْعِ الْمُضَافِ لِضَمِيرِ الْحَرَمِ، قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ (وَكَذَا حُكْمُ مَا سَاقَا) أَيْ الْمُعْتَمِرُ وَالْحَاجُّ (مِنْ هَدْيِ) نَذْرٍ أَوْ نَفْلٍ (مَكَانًا) فِي الِاخْتِصَاصِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ (وَوَقْتُهُ) أَيْ ذَبْحُ هَذَا الْهَدْيِ (وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ) قِيَاسًا عَلَيْهَا، وَالثَّانِي لَا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ كَدِمَاءِ الْجُبْرَانَاتِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ أَخَّرَ الذَّبْحَ حَتَّى مَضَى وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ نُظِرَ إنْ كَانَ وَاجِبًا ذَبَحَهُ حَتْمًا قَضَاءً أَوْ تَطَوُّعًا فَاتَ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ غَيْرَهَا هَذِهِ الْأَيَّامِ، فَإِنْ عَيَّنَ لِهَدْيِ التَّقَرُّبِ غَيْرَ زَمَنِ الْأُضْحِيَّةِ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ وَقْتٌ إذْ لَيْسَ فِي تَعْيِينِ الْيَوْمِ قُرْبَةٌ، نَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْهَدْيُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى مَا يَسُوقُهُ الْمُحْرِمُ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَا يَلْزَمُهُ مِنْ دَمِ الْجُبْرَانَاتِ، وَهَذَا الثَّانِي غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ كَمَا مَرَّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اخْتِصَاصُ مَا يَسُوقُهُ الْمُعْتَمِرُ بِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ حَيْثُ أَطْلَقَ الدَّمَ فِي الْمَنَاسِكِ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا يُجْزِي فِي الْأُضْحِيَّةِ، فَتُجْزِي الْبَدَنَةُ أَوْ الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةِ دِمَاءٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْبَابُهَا، فَلَوْ ذَبَحَهَا عَنْ دَمٍ وَاجِبٍ فَالْفَرْضُ سُبُعُهَا فَلَهُ إخْرَاجُهُ عَنْهُ وَأَكْلُ الْبَاقِي

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَلَوْ ذَبَحَ الدَّمَ الْوَاجِبَ بِالْحَرَمِ ثُمَّ سُرِقَ أَوْ غُصِبَ) أَيْ وَلَوْ كَانَ السَّارِقُ وَالْغَاصِبُ مِنْ فُقَرَاءِ الْحَرَمِ أَخْذًا مِنْ إطْلَاقِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَعِبَارَتُهُ كَمَا نَقَلَهُ سَمِّ عَلَى مَنْهَجٍ عَنْهُ: وَلَوْ سَرَقَهُ مَسَاكِينُ الْحَرَمِ، فَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ بَحْثًا أَنَّهُ لَا يُجْزِي سَوَاءً وُجِدَتْ نِيَّةُ الدَّفْعِ أَمْ لَا، قَالَ: لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةُ الدَّفْعِ إلَيْهِمْ وَهُمْ إنَّمَا يَمْلِكُونَهُ بِهِ (قَوْلُهُ: جَازَ النَّقْلُ فِيهَا) أَيْ لِلْمَالِكِ حَيْثُ لَمْ يُوجَدُوا ثَمَّ.

(قَوْلُهُ: وَوَقْتُهُ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ) أَيْ فَيَحْرُمُ تَأْخِيرُ ذَبْحِهِ عَنْ أَيَّامِهَا، وَعَلَيْهِ فَلَوْ عَدِمَتْ الْفُقَرَاءُ فِي أَيَّامِ التَّضْحِيَةِ أَوْ امْتَنَعُوا مِنْ الْأَخْذِ لِكَثْرَةِ اللَّحْمِ ثَمَّ فَهَلْ يُعْذَرُ بِذَلِكَ فِي تَأْخِيرِهِ عَنْ أَيَّامِ التَّضْحِيَةِ أَوْ يَجِبُ ذَبْحُهُ فِيهَا وَيَدَّخِرُهُ قَدِيدًا إلَى أَنْ يُوجَدَ مَنْ يَأْخُذُهُ مِنْ الْفُقَرَاءِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَمُقْتَضِي إطْلَاقِهِمْ وُجُوبُ الذَّبْحِ فِي أَيَّامِ التَّضْحِيَةِ الثَّانِي، وَهُوَ ظَاهِرٌ بَقِيَ مَا لَوْ كَانَ ادِّخَارُهُ يُتْلِفُهُ فَهَلْ يَبِيعُهُ وَيَحْفَظُ ثَمَنَهُ إذَا أَشْرَفَ عَلَى التَّلَفِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ هَذَا، وَقَضِيَّةُ تَخْصِيصِ ذَبْحِ الْهَدْيِ بِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَسَاقَ هَدْيًا أَوْ سَاقَ الْهَدْيَ إلَى مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ وُجُوبُ تَأْخِيرِ ذَبْحِهِ إلَى وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ كَأَنْ سَاقَهُ فِي رَجَبٍ مَثَلًا وَهُوَ قَرِيبٌ ظَاهِرٌ، ثُمَّ رَأَيْت قَوْلَهُ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إلَخْ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ التَّأْخِيرِ (قَوْله لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ وَقْتٌ) أَيْ فَيَذْبَحُهُ

[حاشية الرشيدي]

سَاقِطٌ مِنْ النُّسَخِ مِنْ الْكَتَبَةِ.
وَالْحَاصِلُ حِينَئِذٍ أَنَّ دَمَ التَّعْدِيلِ يَجُوزُ النَّقْصُ فِيهِ عَنْ الْمُدِّ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ مُرَتَّبًا أَوْ مُخَيَّرًا، وَأَنَّ دَمَ التَّقْدِيرِ إنْ كَانَ مُخَيَّرًا فَالزِّيَادَةُ عَلَى الْمُدِّ ثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ لِأَنَّهُ يُعْطِي لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ، وَإِنْ كَانَ مُرَتَّبًا فَلَا إطْعَامَ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَارِّ فَلْيُرَاجَعْ.
ثُمَّ إنَّ مُرَادَهُ بِدَمِ التَّمَتُّعِ دَمُ الِاسْتِمْتَاعِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَأَمَّا دَمُ الِاسْتِمْتَاعَاتِ، وَهَذَا الْمَفْهُومُ صَرِيحٌ فِيمَا قَدَّمَتْهُ مِنْ أَنَّ لَفْظَ غَيْرِ سَاقِطٌ مِنْ النُّسَخِ.

(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا مَحَلُّ تَمَتُّعِهِ) أَيْ بِمَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَالْأَحْسَنُ فِي بُقَعِهِ) أَيْ عَلَى خِلَافِهِ مَا سَلَكَهُ هُوَ فِي الْحِلِّ

إلَّا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَالْأُضْحِيَّةِ؛ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الصَّغِيرِ صَغِيرٌ وَالْكَبِيرِ كَبِيرٌ وَالْمَعِيبِ مَعِيبٌ بَلْ لَا تُجْزِي الْبَدَنَةُ عَنْ شَاتِهِ، وَحَاصِلُ الدِّمَاءِ تَرْجِعُ بِاعْتِبَارِ حُكْمِهَا إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: دَمُ تَرْتِيبٍ وَتَقْدِيرٍ، وَدَمُ تَرْتِيبٍ وَتَعْدِيلٍ، وَدَمُ تَخْيِيرٍ وَتَقْدِيرٍ، وَدَمُ تَخْيِيرٍ وَتَعْدِيلٍ.
فَالْأَوَّلُ يَشْتَمِلُ عَلَى دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالْفَوَاتِ، وَالْمَنُوطُ بِتَرْكِ مَأْمُورٍ وَهُوَ تَرْكُ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَطَوَافِ الْوَدَاعِ، فَهَذِهِ الدِّمَاءُ دِمَاءُ تَرْتِيبٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الذَّبْحُ وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهِ مَا لَمْ يَعْجِزْ عَنْهُ، وَتَقْدِيرٍ بِمَعْنَى أَنَّ الشَّرْعَ قَدَّرَ مَا يَعْدِلُ إلَيْهِ تَقْدِيرًا لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ.
وَالثَّانِي يَشْتَمِلُ عَلَى دَمِ الْجِمَاعِ فَهُوَ دَمُ تَرْتِيبٍ وَتَعْدِيلٍ، بِمَعْنَى أَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ فِيهِ بِالتَّقْوِيمِ وَالْعُدُولِ إلَى غَيْرِهِ وَبِحَسَبِ الْقِيمَةِ فَتَجِبُ فِيهِ بَدَنَةٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ ثُمَّ سَبْعُ شِيَاهٍ، فَإِنْ عَجَزَ قَوَّمَ الْبَدَنَةَ بِدَرَاهِمَ وَالدَّرَاهِمَ بِطَعَامٍ وَتَصَدَّقَ بِهِ.
فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَيُكْمِلُ الْمُنْكَسِرَ كَمَا مَرَّ، وَعَلَى دَمِ الْإِحْصَارِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ ثُمَّ طَعَامٌ بِالتَّعْدِيلِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الطَّعَامِ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
وَالثَّالِثُ يَشْتَمِلُ عَلَى دَمِ الْحَلْقِ وَالْقَلْمِ فَهُوَ دَمُ تَخْيِيرٍ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَيُتَخَيَّرُ إذَا حَلَقَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ أَوْ قَلَمَ ثَلَاثَةَ أَظْفَارٍ وَلَاءً بَيْنَ ذَبْحِ دَمٍ وَإِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ وَصَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّام وَعَلَى دَمِ الِاسْتِمْتَاعِ وَهُوَ التَّطَيُّبُ، وَالدَّهْنُ بِفَتْحِ الدَّالِ لِلرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَشَعْرِ الْوَجْهِ عَلَى مَا مَرَّ وَاللُّبْسُ وَمُقَدَّمَاتُ الْجِمَاعِ وَالِاسْتِمْنَاءُ وَالْجِمَاعُ غَيْرُ الْمُفْسِدِ.
وَالرَّابِعُ يَشْتَمِلُ عَلَى دَمِ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالشَّجَرِ، فَجُمْلَةُ هَذِهِ الدِّمَاءِ عِشْرُونَ دَمًا: ثَمَانِيَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ مُقَدَّرَةٌ، وَثَمَانِيَةٌ مُخَيَّرَةٌ مُقَدَّرَةٌ، وَدَمَانِ فِيهِمَا تَرْتِيبٌ وَتَعْدِيلٌ، وَدَمَانِ فِيهِمَا تَخْيِيرٌ وَتَعْدِيلٌ، وَقَدْ أَشَارَ الدَّمِيرِيِّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: خَاتِمَةٌ مِنْ الدِّمَاءِ مَا الْتُزِمْ ... مُرَتَّبًا وَمَا بِتَخْيِيرٍ لَزِمْ وَالصِّفَتَانِ لَا اجْتِمَاعَ لَهُمَا ... كَالْعَدْلِ وَالتَّقْدِيرِ حَيْثُ فُهِمَا وَالدَّمُ بِالتَّرْتِيبِ وَالتَّقْدِيرِ فِي ... تَمَتُّعِ فَوْتِ قِرَانٍ اُقْتُفِيَ وَتَرْكُ مِيقَاتٍ وَرَمْيٍ وَوَدَاعْ ... مَعَ الْمَبِيتَيْنِ بِلَا عُذْرٍ مَشَاع ثُمَّ مُرَتَّبٌ بِتَعْدِيلٍ سَقَطْ ... فِي مُفْسِدِ الْجِمَاعِ وَالْحَصْرِ فَقَطْ

[حاشية الشبراملسي]

فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ كَمَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ قَبْلُ فَاتَ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ هَذِهِ الْأَيَّامَ (قَوْلُهُ: وَقَدْ أَشَارَ الدَّمِيرِيِّ لِذَلِكَ إلَخْ) وَنَظَمَهَا ابْنُ الْمُقْرِي فَقَالَ: أَرْبَعَةٌ دِمَاءٌ حَجٍّ يُحْصَرُ ... الْأَوَّلُ الْمُرَتَّبُ الْمُقَدَّرُ تَمَتُّعٌ فَوْتٌ وَحَجٌّ قُرِنَا ... وَتَرْكُ رَمْيٍ وَالْمَبِيتُ بِمِنَى وَتَرْكُهُ الْمِيقَاتَ وَالْمُزْدَلِفَهْ ... أَوْ لَمْ يُوَدِّعْ أَوْ كَمَشْيٍ أَخْلَفَهْ نَاذِرُهُ بِصَوْمٍ إنْ دَمًا فَقَدْ ... ثَلَاثَةً فِيهِ وَسَبْعًا فِي الْبَلَدْ وَالثَّانِ تَرْتِيبٌ وَتَعْدِيلٌ وَرَدْ ... فِي مُحْصَرٍ وَوَطْءِ حَجٍّ إنْ فَسَدْ إنْ لَمْ يَجِدْ قَوَّمَهُ ثُمَّ اشْتَرَى ... بِهِ طَعَامًا مَا طُعْمَةً لِلْفُقَرَا ثُمَّ لِعَجْزِ عَدْلٍ ذَاكَ صَوْمَا ... أَعَنَى بِهِ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَالثَّالِثُ التَّخْيِيرُ وَالتَّعْدِيلُ فِي ... صَيْدٍ وَأَشْجَارٍ بِلَا تَكَلُّفِ إنْ شِئْت فَاذْبَحْ أَوْ فَعَدْلٌ مِثْلَ مَا ... عَدَلْت فِي قِيمَةِ مَا تَقَدَّمَا وَخَيِّرَنْ وَقَدِّرَنْ فِي الرَّابِعِ ... فَاذْبَحْهُ أَوْ جُدْ بِثَلَاثِ آصُعَ

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مُخَيَّرٌ مُقَدَّرٌ دَهْنُ لِبَاسِ ... وَالْحَلْقُ وَالْقَلْمُ وَطِيبٌ فِيهِ بَاسِ وَالْوَطْءُ حَيْثُ الشَّاةُ وَالْمُقَدَّمَاتُ ... مُخَيَّرٌ مُعَدَّلٌ صَيْدٌ نَبَاتُ وَهَذِهِ الدِّمَاءُ كُلُّهَا لَا تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ كَمَا مَرَّ وَتُرَاقُ فِي النُّسُكِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ، وَدَمُ الْفَوَاتِ يُجْزِئُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْإِحْرَامِ بِالْقَضَاءِ كَالتَّمَتُّعِ إذَا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الذَّبْحُ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ قَالَ ابْنُ الْمُقْرِي: إنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْقَضَاءِ، وَكُلُّ هَذِهِ الدِّمَاءِ وَبَدَلُهَا تَخْتَصُّ تَفْرِقَتُهَا بِالْحَرَمِ عَلَى مَسَاكِينِهِ، وَأَمَّا دَمُ الْإِحْصَارِ فَسَيَأْتِي.
وَيُسْتَحَبُّ لِقَاصِدِ مَكَّةَ بِنُسُكٍ أَنْ يُهْدِيَ لَهَا شَيْئًا مِنْ النَّعَمِ لِلِاتِّبَاعِ، وَلَا يَجِبُ إلَّا بِالنَّذْرِ فَإِنْ كَانَ بَدَنًا سُنَّ إشْعَارُهَا فَيَجْرَحُ صَفْحَةَ سَنَامِهَا إلَى مِنًى أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْ مَحَلِّهِ فِي الْبَقَرِ فِيمَا يَظْهَرُ بِحَدِيدَةٍ وَهِيَ مُسْتَقْبِلَةٌ الْقِبْلَةَ وَيُلَطِّخُهَا بِدَمِهَا عَلَامَةً عَلَى أَنَّهَا هَدْيٌ لِتُجْتَنَبَ، وَأَنْ يُقَلِّدَهَا نَعْلَيْنِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُمَا قِيمَةٌ لِيَتَصَدَّقَ بِهِمَا، وَيُقَلِّدَ الْغَنَمَ عُرَى الْقُرْبِ وَلَا يُشْعِرْهَا لِضَعْفِهَا وَلَا يَلْزَمُ بِذَلِكَ ذَبْحُهَا.
.

بَابُ الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ هُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ: الْمَنْعُ مِنْ إتْمَامِ أَرْكَانِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَالْفَوَاتُ لِلْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَفُوتُ إلَّا فِي حَقِّ الْقَارِنِ خَاصَّةً تَبَعًا لِفَوَاتِ الْحَجِّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ: وَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ.
وَمَوَانِعُ إتْمَامِ النُّسُكِ سِتَّةٌ: الْأَوَّلُ وَالثَّانِي الْحَصْرُ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا بِقَوْلِهِ (مَنْ أُحْصِرَ) عَنْ إتْمَامِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قِرَانٍ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ (تَحَلَّلَ) أَيْ جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ، وَسَيَأْتِي مَا يَحْصُلُ بِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَنْعُ بِقَطْعِ طَرِيقٍ أَمْ بِغَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمَانِعُ كَافِرًا أَمْ مُسْلِمًا وَسَوَاءٌ أَمْكَنَ الْمُضِيُّ بِقِتَالٍ أَوْ بَذْلِ مَالٍ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ، إذْ لَا يَجِبُ احْتِمَالُ الظُّلْمِ فِي أَدَاءِ النُّسُكِ، وَسَوَاءٌ أَحَصَلَ إحْيَاءُ

[حاشية الشبراملسي]

لِلشَّخْصِ نِصْفٌ أَوْ فَصُمْ ثَلَاثَا ... تَجْتَثُّ مَا أَجْتَثَثْته اجْتِثَاثَا فِي الْحَلْقِ وَالْقَلْمِ وَلُبْسِ دُهْنِ ... طِيبٍ وَتَقْبِيلٍ وَوَطْءٍ ثُنِيَ أَوْ بَيْنَ تَحْلِيلَيْ ذَوِي إحْرَامِ ... هَذِي دِمَاءُ الْحَجِّ بِالتَّمَامِ اهـ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَوْلُ النَّظْمِ تَجْتَثُّ أَيْ تُزِيلُ أَثَرَ جِنَايَتِك.

(بَابُ الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ) (قَوْلُهُ: الْمَنْعُ مَعَ إتْمَامِ الْحَجِّ) أَيْ وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ الْمَقْصُودِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: أَوْ بَذْلُ مَالٍ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَدَمُ الْفَوَاتِ يُجْزِئُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْإِحْرَامِ) قَدْ مَرَّ هَذَا آنِفًا، (بَابُ الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ)

[بَابُ الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ]

(قَوْلُهُ: بَابُ الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ) كَذَا فِي النُّسَخِ، وَلَعَلَّ لَفْظَ الْفَوَاتِ هُنَا زَائِدٌ مِنْ الْكَتَبَةِ وَيَكُونُ لَفْظُ الْفَوَاتِ الَّذِي هُوَ مِنْ الْمَتْنِ هُوَ الْآتِي فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَالْفَوَاتُ لِلْحَجِّ إلَخْ فَيُكْتَبُ بِالْأَحْمَرِ كَمَا هُوَ كَذَلِكَ فِي التُّحْفَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشَّارِحِ هُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ إذْ الضَّمِيرُ لِلْإِحْصَارِ، فَلَوْ كَانَ لَفْظُ الْفَوَاتِ هُنَا فِي مَرْكَزِهِ؛ لَكَانَ الْوَاجِبُ الْإِتْيَانَ بِالظَّاهِرِ لَا بِالضَّمِيرِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنَّ الْفَوَاتَ لِلْحَجِّ: أَيْ أَصَالَةً (قَوْلُهُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي الْحَصْرُ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا إلَخْ) وَحِينَئِذٍ فَالرِّقُّ وَنَحْوُهُ لَيْسَ مِنْ الْحَصْرِ فَيَكُونُ زَائِدًا عَلَى مَا فِي التَّرْجَمَةِ

الْكَعْبَةِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ أَمْ لَا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْعَدُوُّ فِرَقًا أَمْ فِرْقَةً وَاحِدَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: 196] أَيْ وَأَرَدْتُمْ التَّحَلُّلَ ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] أَيْ فَعَلَيْكُمْ ذَلِكَ.
وَالْآيَةُ نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ حِينَ «صَدَّ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْبَيْتِ وَكَانَ مُعْتَمِرًا فَنَحَرَ ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ حَلَالٌ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ، قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ فِي مُصَابَرَةِ الْإِحْرَامِ إلَى أَنْ يَأْتُوا بِالْأَعْمَالِ مَشَاقَّ وَحَرَجًا، وَقَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنَّا، وَلَاسْتَفَادَتْهُمْ بِهِ الْأَمْنَ مِنْ الْعَدُوِّ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَلَوْ مُنِعُوا مِنْ الرُّجُوعِ أَيْضًا جَازَ لَهُمْ التَّحَلُّلُ فِي الْأَصَحِّ، أَمَّا إذَا تَمَكَّنُوا بِغَيْرِ قِتَالٍ وَبَذْلِ مَالٍ كَأَنْ كَانَ لَهُمْ طَرِيقٌ آخَرُ يُمْكِنُ سُلُوكُهُ وَوُجِدَتْ شُرُوطُ الِاسْتِطَاعَةِ فِيهِ لَزِمَهُمْ سُلُوكُهُ سَوَاءٌ أَطَالَ الزَّمَانُ أَمْ قَصُرَ وَإِنْ تَيَقَّنُوا الْفَوَاتَ، فَلَوْ فَاتَهُمْ الْوُقُوفُ بِطُولِ الطَّرِيقِ الْمَسْلُوكِ أَوْ نَحْوِهِ تَحَلَّلُوا بِعَمَلِ عُمْرَةٍ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ فِي الْأَظْهَرِ، وَيُكْرَهُ بَذْلُ مَالٍ لِلْكُفَّارِ لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّغَارِ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَلَا يَحْرُمُ كَمَا لَا تَحْرُمُ الْهِبَةُ لَهُمْ، أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَا يُكْرَهُ بَذْلُهُ لَهُمْ، وَالْأَوْلَى قِتَالُ الْكُفَّارِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لِيَجْمَعُوا بَيْنَ الْجِهَادِ وَنُصْرَةِ الْإِسْلَامِ وَإِتْمَامِ النُّسُكِ، فَإِنْ عَجَزُوا عَنْ قِتَالِهِمْ أَوْ كَانَ الْمَانِعُونَ مُسْلِمِينَ فَالْأَوْلَى لَهُمْ أَنْ يَتَحَلَّلُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنْ الْقِتَالِ تَحَرُّزًا عَنْ سَفْكِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجُوزُ لَهُمْ إنْ أَرَادُوا الْقِتَالَ لُبْسَ الدِّرْعِ وَنَحْوِهِ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الْفِدْيَةُ كَمَا لَوْ لَبِسَ الْمُحْرِمُ الْمَخِيطَ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ وَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ التَّحَلُّلِ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِاحْتِمَالِ زَوَالِ الْإِحْصَارِ، وَإِنْ ضَاقَ فَالْأَوْلَى التَّعْجِيلُ مَخَافَةَ أَنْ يَفُوتَهُمْ الْحَجُّ فَيَلْزَمَهُمْ الْقَضَاءُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ.
نَعَمْ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ انْكِشَافُهُ فِي مُدَّةِ الْحَجِّ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُمْ إدْرَاكُهُ أَوْ فِي الْعُمْرَةِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ التَّحَلُّلُ، وَكَذَا لَوْ مُنِعُوا عَنْ غَيْرِ الْأَرْكَانِ كَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَمَكِّنُونَ مِنْ التَّحَلُّلِ بِالطَّوَافِ وَالْحَلْقِ، وَيَقَعُ حَجُّهُمْ مُجْزِئًا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَيُجْبَرُ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ بِالدَّمِ وَإِنْ مُنِعُوا مِنْ عَرَفَةَ دُونَ مَكَّةَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا وَيَتَحَلَّلُوا بِعَمَلِ عُمْرَةٍ وَإِنْ مُنِعُوا مِنْ مَكَّةَ دُونَ عَرَفَةَ وَقَفُوا ثُمَّ تَحَلَّلُوا وَلَا قَضَاءَ فِيهِمَا فِي الْأَظْهَرِ، وَالْحَصْرِ الْخَاصِّ كَأَنْ حُبِسَ ظُلْمًا أَوْ بِدَيْنٍ وَهُوَ مُعْسِرٌ بِهِ وَعَاجِزٌ عَنْ إثْبَاتِ إعْسَارِهِ بِهِ؛ لِأَنَّ مَشَقَّةَ كُلِّ أَحَدٍ لَا تَخْتَلِفُ بَيْنَ أَنْ يَتَحَمَّلَ غَيْرُهُ مِثْلَهَا وَأَنْ لَا يَتَحَمَّلَ، وَالْحَائِضُ إذَا لَمْ تَطُفْ لِلْإِفَاضَةِ وَلَمْ يُمْكِنْهَا الْإِفَاضَةُ حَتَّى تَطْهُرَ وَجَاءَتْ بَلَدَهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ وَعَدِمَتْ

[حاشية الشبراملسي]

وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ امْتَنَعَ مَالِكُ الرَّاحِلَةِ أَوْ الزَّادِ إلَّا بِزِيَادَةٍ تَافِهَةٍ حَيْثُ يَجِبُ شِرَاؤُهَا بِالزِّيَادَةِ لِتَفَاهَتِهَا بِأَنَّ الْمَبْذُولَ هُنَا ظُلْمٌ مَحْضٌ، بِخِلَافِ فِيمَا مَرَّ فَإِنَّهُ يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (قَوْلُهُ: وَأَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى جَوَازِ التَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ (قَوْلُهُ: جَازَ لَهُمْ التَّحَلُّلُ) أَيْ وَفَائِدَتُهُ دَفْعُ مَشَقَّةِ الْإِحْرَامِ كَالْحَلْقِ وَالْقَلْمِ وَنَحْوِهِمَا (قَوْلُهُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ فِي الْأَظْهَرِ) أَيْ لِأَنَّهُ فَوَاتٌ نَشَأَ عَنْ حَصْرٍ فَلَا يُشْكِلُ بِمَا يَأْتِي مِنْ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ؛ لِأَنَّ ذَاكَ فَوَاتٌ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ حَصْرٍ (قَوْلُهُ: وَلَا يَحْرُمُ كَمَا لَا تَحْرُمُ الْهِبَةُ) قَدْ يَمْنَع الْقِيَاسُ بِأَنَّ فِي الْهِبَةِ عُلُوَّ الْوَاهِبِ وَشَرَفَهُ لِإِنْعَامِهِ عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ، بِخِلَافِ بَذْلِ الْمَالِ لِهَذَا الْغَرَضِ فَإِنَّ فِيهِ إظْهَارَ الْعَجْزِ عَنْ رَفْعِ الْكَافِرِ وَهَوْلِ ذُلٍّ، (قَوْلُهُ: فَيَلْزَمُهُمْ الْقَضَاءُ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: وَالْحَائِضُ إذَا لَمْ تَطُفْ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مَتَى وَصَلَتْ إلَى مَحَلٍّ

[حاشية الرشيدي]

وَلَك أَنْ تَقُولَ: مَا الْمَانِعُ مِنْ جَعْلِ ذَلِكَ مِنْ الْحَصْرِ الْخَاصِّ أَيْضًا لِاتِّحَادِ الْحُكْمِ وَلِانْطِبَاقِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَقَفُوا ثُمَّ تَحَلَّلُوا) أَيْ وَلَا حُكْمَ لِهَذَا الْوُقُوفِ فَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ حَتَّى يَقَعَ عَنْ نَحْوِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي وَقْتٍ آخَرَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي قُبَيْلَ الْمَانِعِ الْخَامِسِ.
(قَوْلُهُ: كَأَنَّ حَبَسَ) خَيْر قَوْلِهِ وَالْحَصْرُ الْخَاصُّ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ فِي صَدْرِ الْبَابِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي الْحَصْرُ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَامَّ فِي ضِمْنِ قَوْلِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَنْعُ بِقَطْعِ طَرِيقٍ إلَخْ.
ثُمَّ بَيَّنَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ وَالْحَصْرُ الْخَاصُّ إلَخْ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَنْ أُحْصِرَ وَإِنْ كَانَ فِي سِيَاقِ الشَّارِحِ قَلَاقَةٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَ قَوْلِهِ وَالْحَصْرُ الْخَاصُّ إلَخْ عَنْ الْقِيلِ الْآتِي (قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَشَقَّةَ كُلِّ أَحَدٍ إلَخْ)

النَّفَقَةَ وَلَمْ يُمْكِنْهَا الْوُصُولُ إلَى الْبَيْتِ تَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ كَالْمُحْصَرِ كَمَا مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.

(وَقِيلَ لَا تَتَحَلَّلُ الشِّرْذِمَةُ) بِالْمُعْجَمَةِ لِاخْتِصَاصِهَا بِالْإِحْصَارِ كَمَا لَوْ أَخْطَأَتْ الطَّرِيقَ أَوْ مَرِضَتْ، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ كَمَا فِي الْحَصْرِ الْعَامِّ لِمَا مَرَّ، وَفَارَقَ جَوَازُ التَّحَلُّلِ بِالْحَبْسِ عَدَمَهُ بِالْمَرَضِ بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْإِتْمَامَ بِخِلَافِ الْحَبْسِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّ الْأَشْهَرَ فِي اللُّغَةِ أَحَصَرَهُ الْمَرَضُ وَحَصَرَهُ الْعَدُوُّ، وَقَالَ السُّبْكِيُّ: إنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْإِحْصَارَ: الْمَنْعُ مِنْ الْمَقْصُودِ، سَوَاءٌ أَمَنَعَهُ مَرَضٌ أَمْ عَدُوٌّ أَمْ حَبْسٌ، وَالْحَصْرُ: التَّضْيِيقُ (وَلَا يَتَحَلَّلُ بِالْمَرَضِ) إذَا لَمْ يَشْرِطْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْإِتْمَامَ وَلَا يَزُولُ بِالتَّحَلُّلِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَهُوَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَزُولَ، فَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ أَتَمَّهَا أَوْ بِحَجٍّ وَفَاتَهُ تَحَلُّلٌ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ (فَإِنْ شَرَطَهُ) أَيْ التَّحَلُّلَ بِالْمَرَضِ مُقَارِنًا لِلْإِحْرَامِ (تَحَلَّلَ بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ الْمَرَضِ (عَلَى الْمَشْهُورِ) كَمَا لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الصَّوْمِ فِيمَا لَوْ نَذَرَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ بِعُذْرٍ، وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: أَرَدْت الْحَجَّ، فَقَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا أَجِدُنِي إلَّا وَجِعَةً فَقَالَ لَهَا: حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» وَقِيسَ بِالْحَجِّ الْعُمْرَةُ، وَالِاحْتِيَاطُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَا يَجُوزُ بِالشُّرُوطِ كَالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَقَائِلُهُ أَجَابَ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَبْسِ الْمَوْتُ أَوْ هُوَ خَاصٌّ بِضُبَاعَةَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَغَيْرُ الْمَرَضِ مِنْ سَائِرِ الْأَعْذَارِ كَضَالِّ الطَّرِيقِ وَنَفَاذِ النَّفَقَةِ وَالْخَطَأِ فِي الْعَدَدِ كَالْمَرَضِ فِي ذَلِكَ، وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ الِاكْتِفَاءُ بِوُجُودٍ مُطْلَقِ الْمَرَضِ وَإِنْ خَفَّ فِي تَحَلُّلِ مَنْ شَرَطَ ذَلِكَ بِالْمَرَضِ، وَيُحْتَمَلُ تَقْيِيدُهُ بِمُبِيحِ التَّيَمُّمِ، وَالْأَوْجَهُ ضَبْطُهُ بِمَا يَحْصُلُ مَعَهُ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً فِي إتْمَامِ النُّسُكِ، ثُمَّ إنْ شَرَطَ بِلَا هَدْيٍ لَمْ يَلْزَمْهُ هَدْيٌ عَمَلًا بِشَرْطِهِ، وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَ لِعَدَمِ شَرْطِهِ وَلِظَاهِرِ خَبَرِ ضُبَاعَةَ، فَالتَّحَلُّلُ فِيهِمَا يَكُونُ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ وَإِنْ شَرَطَهُ بِهَدْيٍ لَزِمَهُ عَمَلًا بِشَرْطِهِ، وَلَوْ قَالَ: إنْ مَرِضْت فَأَنَا حَلَالٌ فَمَرِضَ صَارَ حَلَالًا بِالْمَرَضِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَعَلَيْهِ حَمَلُوا خَبَرَ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» وَإِنْ شَرَطَ قَلْبَ حَجِّهِ عُمْرَةً بِالْمَرَضِ أَوْ نَحْوِهِ جَازَ بَلْ كَمَا لَوْ شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِهِ بَلْ أَوْلَى، وَلِقَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي أُمَيَّةَ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ

[حاشية الشبراملسي]

يَشُقُّ عَلَيْهَا الْعَوْدُ مِنْهُ جَازَ لَهَا التَّحَلُّلُ وَإِنْ لَمْ تَصِلْ لِبَلَدِهَا

(قَوْلُهُ: مُقَارِنًا لِلْإِحْرَامِ) عِبَارَةُ ابْنِ عَبْدِ الْحَقّ: فَإِنْ شَرَطَهُ: أَيْ لَفْظًا اهـ. أَيْ وَاللَّفْظُ هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ الشَّرْطِ (قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ مَحَلِّي) بِفَتْحِ الْحَاءِ: أَيْ مَوْضِعَ أَحِلُّ، وَقَوْلُهُ حَبَسَتْنِي بِفَتْحِ السِّينِ: أَيْ الْعِلَّةُ وَالشِّكَايَةُ كَذَا قَالَهُ صَاحِبُ الْوَافِي مِنْ الْخَادِمِ لِلزَّرْكَشِيِّ.
وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ فِي قَوْلِهِ مَحِلِّي بِكَسْرِ الْحَاءِ: كَذَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ اهـ زِيَادِي.
وَفِي الْمُخْتَارِ مَا يُوَافِقُ كَلَامَ الْوَافِي حَيْثُ قَالَ: وَحَلَّ بِالْمَكَانِ مِنْ بَابِ رَدَّ وَحُلُولًا وَمَحَلًّا أَيْضًا بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالْمَحِلُّ: أَيْضًا الْمَكَانُ الَّذِي تَحِلُّهُ (قَوْلُهُ: وَنَفَادُ النَّفَقَةِ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (قَوْلُهُ: يَكُونُ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ) عِبَارَةُ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ تَبَعًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ بِالنِّيَّةِ وَالْحَلْقِ فَقَطْ اهـ. وَمَا قَالَاهُ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِهِ بَلْ أَوْلَى) عِبَارَةُ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ تَنْبِيهٌ كَمَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ التَّحَلُّلِ أَوْ صَيْرُورَتُهُ حَلَالًا بِمَا ذَكَرَ، كَذَلِكَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ قَلْبِهِ، قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: أَوْ انْقِلَابُ حَجِّهِ عُمْرَةً بِمَا ذَكَرَ أَيْضًا فَلَهُ فِي الْأُولَى إذَا وَجَدَ أَنْ يَقْلِبَ حَجَّهُ عُمْرَةً بِالنِّيَّةِ وَيَنْقَلِبَ فِي الثَّانِيَةِ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَتُجْزِيهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ عُمْرَةِ التَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ مَثَلًا لَا تُجْزِيهِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ

[حاشية الرشيدي]

تَعْلِيلٌ لِمَخْذُوفٍ أَيْ إنَّهُ كَالْعَامِّ لِأَنَّ إلَخْ

(قَوْلُهُ: صَارَ حَلَالًا بِالْمَرَضِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعْدَ الْوُقُوفِ وَفِيهِ مَا مَرَّ

حُجَّ وَاشْتَرِطْ وَقُلْ: اللَّهُمَّ الْحَجَّ أَرَدْت وَلَهُ عَمِلْت، فَإِنْ تَيَسَّرَ وَإِلَّا فَعُمْرَةٌ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ لِعُرْوَةِ: هَلْ تَسْتَثْنِ إذَا حَجَجْت؟ فَقَالَ: مَاذَا أَقُولُ؟ قَالَتْ: قُلْ اللَّهُمَّ الْحَجَّ أَرَدْت وَلَهُ عَمَدْت، فَإِنْ يَسَّرْتَهُ فَهُوَ الْحَجُّ وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَهُوَ عُمْرَةٌ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، فَلَهُ فِي ذَلِكَ إذَا وَجَدَ الْعُذْرَ أَنْ يَقْلِبَ حَجَّهُ عُمْرَةً وَتُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْخُرُوجُ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَلَوْ بِيَسِيرٍ، إذْ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَقْلِبَ حَجَّهُ عُمْرَةً عِنْدَ الْعُذْرِ فَوَجَدَ الْعُذْرَ انْقَلَبَ حَجُّهُ عُمْرَةً وَأَجْزَأَتْهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ عُمْرَةِ التَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ لَا تُجْزِئُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ عُمْرَةً وَإِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُ عُمْرَةٍ، وَحُكْمُ التَّحَلُّلِ بِالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ حُكْمُ التَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ.

(وَمَنْ تَحَلَّلَ) أَيْ أَرَادَ التَّحَلُّلَ: أَيْ الْخُرُوجَ مِنْ النُّسُكِ بِالْإِحْصَارِ وَلَوْ مَعَ شَرْطِهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ إذَا أُحْصِرَ وَلَوْ بِلَا هَدْيٍ (ذَبَحَ) لُزُومًا لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ السَّابِقَيْنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَثِّرْ شَرْطُهُ التَّحَلُّلَ بِالْإِحْصَارِ فِي إسْقَاطِ الدَّمِ كَمَا أَثَّرَ فِيهِ شَرْطُهُ التَّحَلُّلَ بِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِالْإِحْصَارِ جَائِزٌ بِلَا شَرْطٍ فَشَرْطُهُ لَاغٍ (شَاةً) مُجْزِئَةً فِي الْأُضْحِيَّةِ (حَيْثُ أُحْصِرَ) مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ، وَفَرَّقَ لَحْمَهَا عَلَى مَسَاكِينِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيُقَاسُ بِهِمْ فُقَرَاؤُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إذَا أُحْصِرَ فِي الْحِلِّ أَنْ يَبْعَثَ بِهَا إلَى الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَبَحَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ، وَيَقُومُ مَقَامَ الشَّاةِ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ سُبُعُ أَحَدِهِمَا، وَكَذَلِكَ يَذْبَحُ هُنَاكَ مَا لَزِمَهُ مِنْ دِمَاءِ الْمَحْظُورَاتِ قَبْلَ الْإِحْصَارِ وَمَا مَعَهُ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ، وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ الذَّبْحِ فِي مَوْضِعِهِ إذَا أُحْصِرَ فِي الْحِلِّ وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ بَعْضِ الْحَرَمِ وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، وَلَيْسَ فِي نَصِّ الشَّافِعِيِّ مَا يُخَالِفُهُ وَإِنْ زَعَمَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ أَنَّهُ لَوْ أُحْصِرَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْحِلِّ وَأَرَادَ أَنْ يَذْبَحَ بِمَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْإِحْصَارِ قَدْ صَارَ فِي حَقِّهِ كَنَفْسِ الْحَرَمِ وَهُوَ نَظِيرُ مَنْعِ الْمُتَنَفِّلِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مِنْ التَّحَوُّلِ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى، وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ إيصَالِهِ إلَى الْحَرَمِ لَكِنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ حَتَّى يَعُمَّ بِنَحْرِهِ، وَأَفْهَمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ أُحْصِرَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ لَمْ يَجُزْ نَقْلُهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْحَرَمِ، وَالْمَنْقُولُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ جَمِيعَ الْحَرَمِ كَالْبُقْعَةِ الْوَاحِدَةِ انْتَهَى.
وَقُوَّةُ الْكَلَامِ تُعْطِي حُصُولَ التَّحَلُّلِ

[حاشية الشبراملسي]

عُمْرَةً بَلْ أَفْعَالَ عُمْرَةٍ (قَوْلُهُ: وَقُلْ اللَّهُمَّ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: انْقَلَبَ حَجُّهُ عُمْرَةً) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَنْقَلِبُ حَيْثُ شَرَطَ الْقَلْبَ وَإِنْ لَمْ يَقْلِبْهُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ، ثُمَّ رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ أَنْ يَنْقَلِبَ وَعَلَيْهَا فَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ عُمْرَةِ التَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ) أَيْ مَثَلًا

(قَوْلُهُ: وَلَوْ بِلَا هَدْيٍ) لَا يُخَالِفُ هَذَا مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ نَعَمْ إنْ شَرَطَهُ بِلَا هَدْيٍ إلَخْ؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِي الْمَرَضِ وَهَذَا فِي الْحَصْرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرَهُ حَجّ حَيْثُ قَالَ: وَفَارَقَ مَا مَرَّ فِي نَحْوِ الْمَرَضِ بِأَنَّ هَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى شَرْطٍ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ الشَّرْطُ بِخِلَافِ ذَاكَ اهـ. ثُمَّ رَأَيْت قَوْلَهُ وَإِنَّمَا لَمْ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَفَرَّقَ لَحْمَهَا) ظَاهِرُهُ فِي امْتِنَاعِ نَقْلِهِ إلَى غَيْرِ مَحَلِّ الْإِحْصَارِ وَلَوْ إلَى الْحَرَمِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ إذَا أُحْصِرَ إلَخْ خِلَافُهُ وَسَيَأْتِي أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ بَعْثِهِ: يَعْنِي حَيًّا إلَى الْحَرَمِ، وَلَوْ فَقَدَ الْفُقَرَاءَ بِمَحَلِّ الْإِحْصَارِ فَهَلْ يُؤَخِّرُ الذَّبْحَ إلَى وُجُودِهِمْ وَلَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ: فَلَوْ فَقَدُوا ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: فَعَلَى مَسَاكِينِ أَقْرَبِ مَحَلٍّ إلَيْهِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَلَا يُخَالِفُهُ مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ عَدِمَتْ الْمَسَاكِينُ فِي الْحَرَمِ أَخَّرَهُ حَتَّى يَجِدَهُمْ كَمَنْ قَدَرَ عَلَى فُقَرَاءِ بَلَدٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَوَّزَ هُنَا الذَّبْحَ وَالتَّفْرِقَةَ فِي الْحِلِّ لِمَشَقَّةِ الْإِحْصَارِ، فَإِنْ وَجَدَ فِي مَحَلِّهِ مَسَاكِينَ فَرَّقَ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا نَقَلَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ فِيهِ إلَى فُقَرَاءِ أَقْرَبِ مَحَلٍّ إلَيْهِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ انْتِقَالَهُ حِينَئِذٍ إلَى الصَّوْمِ وَهُوَ أَسْهَلُ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الْفَرْضِ اهـ (قَوْلُهُ: أَنَّ جَمِيعَ الْحَرَمِ كَالْبُقْعَةِ) مُعْتَمَدٌ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَقُوَّةُ الْكَلَامِ تُعْطِي حُصُولَ التَّحَلُّلِ بِالذَّبْحِ) أَيْ وَحْدَهُ، وَقَوْلُهُ وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: أَيْ اسْتِدْرَاكًا عَلَيْهِ: فَهُوَ بَيَانٌ

بِالذَّبْحِ وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (قُلْت: إنَّمَا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِالذَّبْحِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] وَبُلُوغُهُ مَحِلَّهُ نَحْوُهُ (وَنِيَّةُ التَّحَلُّلِ) عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّحَلُّلِ وَقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدٍ صَارِفٍ (وَكَذَا الْحَلْقُ إنْ جَعَلْنَاهُ نُسُكًا) وَهُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ قَدَرَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ فَلَا يَسْقُطُ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُقَارَنَةِ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ لِلذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَمِنْ تَقْدِيمِ الذَّبْحِ عَلَى الْحَلْقِ لِلْآيَةِ (فَإِنْ فَقَدَ الدَّمَ) حِسًّا أَوْ شَرْعًا كَأَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ أَوْ إلَى ثَمَنِهِ أَوْ وَجَدَهُ غَالِيًا (فَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ بَدَلًا) كَغَيْرِهِ مِنْ الدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَالثَّانِي لَا بَدَلَ لَهُ لِعَدَمِ وُرُودِهِ فَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ (وَ) الْأَظْهَرُ عَلَى الْأَوَّلِ (أَنَّهُ) أَيْ بَدَلَهُ (طَعَامٌ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْحَيَوَانِ مِنْ الصِّيَامِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَالِيَّةِ فَكَانَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ الْفَقْدِ أَوْلَى (بِقِيمَةِ الشَّاةِ) مُرَاعَاةً لِلْقُرْبِ فَتُقَوَّمُ الشَّاةُ بِدَرَاهِمَ وَيُخْرِجُ بِقِيمَتِهَا طَعَامًا (فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا) كَمَا فِي الدَّمِ الْوَاجِبِ بِالْإِفْسَادِ (لَهُ) إذَا انْتَقَلَ إلَى الصَّوْمِ (لِلتَّحَلُّلِ فِي الْحَالِ فِي الْأَظْهَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) بِالْحَلْقِ وَالنِّيَّةِ عِنْدَهُ، وَمُقَابِلُهُ يَتَوَقَّفُ التَّحَلُّلُ عَلَى الصَّوْمِ كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِطْعَامِ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الصَّوْمَ يَطُولُ زَمَانُهُ فَتَعْظُمَ الْمَشَقَّةُ فِي الصَّبْرِ عَلَى الْإِحْرَامِ إلَى فَرَاغِهِ الْمَانِعِ.
.

الثَّالِثُ الرِّقُّ وَقَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَإِذَا) (أَحْرَمَ الْعَبْدُ) وَفِي مَعْنَاهُ الْأَمَةُ (بِلَا إذْنٍ) وَهُوَ حَرَامٌ مَعَ صِحَّتِهِ (فَلِسَيِّدِهِ تَحْلِيلُهُ) وَكَذَا لِمُشْتَرِيهِ وَإِنْ جَهِلَ إحْرَامَهُ ثُمَّ عَلِمَهُ وَأَجَازَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ يُرِيدَانِ مِنْهُ مَا لَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ كَالِاصْطِيَادِ وَإِصْلَاحِ الطِّيبِ وَقُرْبَانِ الْأَمَةِ، وَفِي مَنْعِهِمَا مِنْ ذَلِكَ إضْرَارٌ بِهِمَا، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى لَهُمَا أَنْ يَأْذَنَا لَهُ فِي إتْمَامِ نُسُكِهِ وَحَيْثُ جَازَ لِسَيِّدِهِ تَحْلِيلَهُ جَازَ لِلْعَبْدِ التَّحَلُّلُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إذَا أَمَرَهُ بِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَإِنْ كَانَ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَاجِبًا لِكَوْنِهِ تَلَبَّسَ بِعِبَادَةٍ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ جَوَازِ رِضَا السَّيِّدِ بِدَوَامِهِ، وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُبَعَّضُ وَمُعَلَّقُ الْعِتْقِ بِصِفَةٍ كَالْقِنِّ وَيُصَدَّقُ السَّيِّدُ بِيَمِينِهِ فِي عَدَمِ الْإِذْنِ، وَفِي تَصْدِيقِهِ فِي تَقَدُّمِ رُجُوعِهِ عَلَى الْإِحْرَامِ تَرَدُّدٌ، وَالْأَوْجَهُ مِنْهُ تَصْدِيقُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ، وَيَأْتِي فِيهِ مَا ذُكِرَ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ فِي الرَّجْعَةِ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: أَوْ وَجَدَهُ غَالِبًا) أَيْ بِزِيَادَةٍ لَهَا وَقَعَ فِيمَا يَظْهَرُ قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ مِنْ شِرَاءِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ بِزِيَادَةٍ تَافِهَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ (قَوْلُهُ: بِقِيمَةِ الشَّاةِ) أَيْ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ سُبُعِ الْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ اهـ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ وَهَذَا غَيْرُ قَوْلِ الشَّارِحِ وَيَقُومُ مَقَامَ الشَّاةِ إلَخْ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي بَيَانِ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ اللَّحْمِ وَهَذَا فِي بَيَانُ مَا يُخْرِجُهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ اللَّحْمِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ اللَّحْمِ بَيْنَ تَقْوِيمِ الشَّاةِ وَتَقْوِيمِ سُبُعِ الْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الدَّمِ الْوَاجِبِ) أَيْ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْفَوْرُ بِالصَّوْمِ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ.

(قَوْلُهُ: ثُمَّ عَلِمَهُ وَأَجَازَ الْبَيْعَ) مُقْتَضَاهُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لَهُ وَانْظُرْهُ مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يُقَالَ: مَا هُنَا مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِإِحْرَامِهِ حَالَ الْعَقْدِ ثُمَّ عَلِمَهُ، وَأَجَازَ مِنْ حَيْثُ الشَّرْطُ لَا مِنْ حَيْثُ ظُهُورُ الْعَيْبِ أَوْ يُقَالَ: وَهُوَ أَوْلَى: مَا يَأْتِي مَفْرُوضٌ فِيمَا لَوْ أَحْرَمَ بِلَا إذْنٍ مِنْ السَّيِّدِ وَمَا هُنَا فِيمَا لَوْ أَحْرَمَ بِإِذْنٍ مِنْهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ حَيْثُ أَحْرَمَ بِلَا إذْنٍ قَدَرَ الْمُشْتَرِي عَلَى تَحْلِيلِهِ فَلَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بَعْدَ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَحْرَمَ بِإِذْنٍ فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ حَيْثُ اشْتَرَطَ جَاهِلًا بِإِحْرَامِهِ لِمَنْعِهِ مِنْ تَحْلِيلِهِ فَيَتَضَرَّرُ بَقَاءَ الْإِحْرَامِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ شَيْءٌ فَلْيُحَرَّرْ (قَوْلُهُ: جَازَ لِلْعَبْدِ التَّحَلُّلُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ)

[حاشية الرشيدي]

لِوَجْهِ الِاسْتِدْرَاكِ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِلَا إذْنٍ) أَيْ وَلَوْ بِأَنْ خَالَفَ فِي صِفَةِ الْإِحْرَامِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ الْآتِي (قَوْلُهُ: وَفِي مَنْعِهِمَا) أَيْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَكَانَ الْأَوْلَى إفْرَادُ الضَّمِيرِ لِيَرْجِعَ إلَى مُطْلَقِ السَّيِّدِ الْأَعَمِّ (قَوْلُهُ: وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُبَعَّضُ) أَيْ عَلَى مَا يَأْتِي فِيهِمَا

وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي إحْرَامٍ مُطْلَقٍ فَفَعَلَ وَأَرَادَ صَرْفَهُ لِنُسُكٍ وَالسَّيِّدُ لِغَيْرِهِ فَفِي الْمُجَابِ وَجْهَانِ، أَوْجَهُهُمَا إجَابَةُ السَّيِّدِ حَيْثُ طَلَبَ الْأَقَلَّ، وَشَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ إحْرَامِهِ فَأَحْرَمَ غَيْرَ عَالِمٍ بِرُجُوعِهِ، وَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ فِي وَقْتٍ فَأَحْرَمَ قَبْلَهُ فَإِنَّ لَهُ تَحْلِيلَهُ مَا لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ الْوَقْتُ.
وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ فَأَحْرَمَ مِنْ أَبْعَدَ مِنْهُ، وَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ فَوْقَهَا، وَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّمَتُّعِ وَرَجَعَ بَيْنَهُمَا وَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِإِذْنٍ ثُمَّ أَفْسَدَهُ بِجِمَاعٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ بِلَا إذْنٍ، أَمَّا إذَا أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ وَإِنْ أَفْسَدَ نُسُكَهُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ عُقِدَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَلَمْ يَمْلِكْ إخْرَاجَهُ مِنْهُ كَالنِّكَاحِ وَلَا لِمُشْتَرِيهِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ إنْ جَهِلَ إحْرَامَهُ، وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فِي إتْمَامِهِ أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْحَجِّ فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّمَتُّعِ أَوْ فِي الْحَجِّ أَوْ الْإِفْرَادِ فَقَرَنَ، إذْ لَوْ جَازَ لَهُ تَحْلِيلُهُ لَزِمَ أَنْ يُحَلِّلَهُ فِيمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ تَحْلِيلِهِ مِمَّا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ الْمُبَعَّضُ الْمُهَايَأُ إذَا وَسِعَتْ نَوْبَتُهُ أَدَاءَ النُّسُكِ فَأَحْرَمَ بِهِ فِيهَا، وَالْمُكَاتَبُ كِتَابَةً صَحِيحَةً إذَا لَمْ يَحْتَجْ فِي تَأْدِيَةِ نُسُكِهِ إلَى سَفَرٍ فَأَحْرَمَ بِهِ أَوْ احْتَاجَ وَلَمْ يَحُلَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ النُّجُومِ فَأَحْرَمَ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُقْرِي، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ كَالْقِنِّ مُطْلَقًا وَعَبْدُ الْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ثُمَّ غَنِمْنَاهُ وَالنَّاذِرُ لِنُسُكٍ فِي عَامٍ مُعَيَّنٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى غَيْرِهِ فَأَحْرَمَ بِهِ فِي وَقْتِهِ، وَلَوْ كَانَ الرَّقِيقُ مُؤَجَّرًا أَوْ مُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ فَالْمُعْتَبَرُ إذَنْ مَالِكِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ، وَتَحَلُّلُ الرَّقِيقِ يَكُونُ بِالنِّيَّةِ وَالْحَلْقِ، وَالْمُرَادُ بِتَحْلِيلِ سَيِّدِهِ أَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِهِ لَا أَنَّهُ يَتَعَاطَى الْأَسْبَابَ بِنَفْسِهِ إذْ غَايَتُهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ وَيَمْنَعَهُ الْمُضِيَّ وَيَأْمُرَهُ بِفِعْلِ الْمَحْظُورَاتِ أَوْ يَفْعَلُهَا بِهِ وَلَا يَرْتَفِعُ الْإِحْرَامُ بِذَلِكَ، فَإِنْ امْتَنَعَ ارْتَفَعَ الْمَانِعُ بِالنِّسْبَةِ إلَى السَّيِّدِ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ اسْتِخْدَامُهُ فِي مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ بَقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ.
وَقَوْلُهُمْ مَذْبُوحُ الْمُحْرِمِ مِنْ الصَّيْدِ مَيْتَةٌ أَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ صَيْدًا وَلَوْ بِأَمْرِ سَيِّدِهِ لَمْ يَحِلَّ وَبِهِ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ، وَمَا لَزِمَهُ مِنْ دَمٍ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ كَاللُّبْسِ أَوْ بِالْفَوَاتِ لَا يَلْزَمُ سَيِّدَهُ وَلَوْ أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ، بَلْ لَا يُجْزِئُهُ إذَا ذَبَحَ عَنْهُ إذْ لَا ذَبْحَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَإِنْ مَلَكَهُ سَيِّدُهُ وَوَاجِبُهُ الصَّوْمُ وَلَهُ مَنْعُهُ مِنْهُ إنْ كَانَ يَضْعُفُ بِهِ عَنْ الْخِدْمَةِ أَوْ يَنَالُهُ بِهِ ضَرَرٌ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي مُوجِبِهِ فَإِنْ وَجَبَ بِتَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ أَذِنَ لَهُ

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ السَّيِّدُ (قَوْلُهُ: حَيْثُ طَلَبَ الْأَقَلَّ) بِخِلَافِ مَا إذَا طَلَبَ السَّيِّدُ الْحَجَّ وَالْعَبْدُ الْعُمْرَةَ فَإِنَّ الْعَبْدَ الْمُجَابُ (قَوْلُهُ: فَأَحْرَمَ مِنْ أَبْعَدَ مِنْهُ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ وَصَلَ إلَى الْمَحَلِّ الَّذِي أَذِنَ لَهُ بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ أَخْذًا مِمَّا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ) أَيْ لَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ (قَوْلُهُ: إذَا وَسِعَتْ نَوْبَتُهُ أَدَاءَ النُّسُكِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ احْتَاجَ إلَى سَفَرٍ وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّ السَّفَرَ قَدْ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ مَرَضٌ فَيَضُرَّ بِالسَّيِّدِ (قَوْلُهُ: وَالْمُكَاتَبُ إلَخْ) وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَ هَذَا: وَالْمُكَاتَبُ كَالْقِنِّ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ) أَيْ الْمُكَاتَبُ كَالرَّقِيقِ مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَعَبْدُ الْحَرْبِيِّ إلَخْ) أَيْ وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا (قَوْلُهُ: فَالْمُعْتَبَرُ إذْنُ مَالِكٍ) هَلْ اُعْتُبِرَ إذْنُ مَالِكِ الرَّقَبَةِ أَيْضًا لِمِلْكِهِ الْعَيْنَ مَعَ احْتِمَالِ حُصُولِ ضَرَرٍ لَهُ بِأَعْمَالِ الْحَجِّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ السَّلَامَةَ، وَقَدْ نَقَلَ حَقَّهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ الْمُسْتَأْجِرُ بِمَا أَرَادَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَإِنْ اُحْتُمِلَ مَعَهُ الضَّرَرُ لِلْعَبْدِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى السَّيِّدِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِأَمْرِ سَيِّدِهِ لَمْ يَحِلَّ) أَيْ الصَّيْدُ خِلَافًا لحج، وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ مَيْتَةً لَمْ يَبْقَ لِجَوَازِ أَمْرِ السَّيِّدِ لَهُ بِالذَّبْحِ فَائِدَةٌ بَلْ يَكُونُ أَمْرُهُ وَسِيلَةً إلَى إضَاعَةِ الْمَالِ وَقَتْلِ الْحَيَوَانِ بِلَا سَبَبٍ (قَوْلُهُ: بَلْ لَا يُجْزِئُهُ) أَيْ الْعَبْدَ إذَا ذَبَحَ عَنْهُ: أَيْ السَّيِّدُ (قَوْلُهُ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ) غَايَةُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ أَوْجَهُهُمَا إجَابَةُ السَّيِّدِ حَيْثُ طَلَبَ الْأَقَلَّ) وَمَفْهُومُهُ عَدَمُ إجَابَتِهِ حَيْثُ طَلَبَ الْأَثْقَلَ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْعَبْدَ طَالَبَ الْأَخَفَّ، فَلَوْ قَالَ إجَابَةُ طَالِبِ الْأَخَفِّ لَشَمِلَهُمَا مَنْطُوقًا وَلَكَانَ أَوْضَحَ (قَوْلُهُ إذْ غَايَتُهُ) أَيْ التَّعَاطِي

فِيهِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ لِإِذْنِهِ فِي مُوجِبِهِ، وَإِنْ ذَبَحَ عَنْهُ السَّيِّدُ بَعْدَ مَوْتِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ الْيَأْسُ عَنْ تَكْفِيرِهِ، وَالتَّمْلِيكُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَلِهَذَا لَوْ تَصَدَّقَ عَنْ مَيِّتٍ جَازَ، وَقَدْ «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْدًا أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ أُمِّهِ بَعْدَ مَوْتِهَا» ، فَإِنْ عَتَقَ الرَّقِيقُ وَقَدَرَ عَلَى الدَّمِ لَزِمَهُ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْأَدَاءِ، وَالْمُكَاتَبُ يُكَفِّرُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ كَالْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ يُمْلَكُ، وَعَلَيْهِ فَيُجْزِئُهُ أَنْ يَذْبَحَ عَنْهُ وَلَوْ فِي حَيَاتِهِ، وَلَوْ أَحْرَمَ الْمُبَعَّضُ فِي نَوْبَتِهِ وَارْتَكَبَ الْمَحْظُورَ فِي نَوْبَةِ سَيِّدِهِ أَوْ عَكْسُهُ اُعْتُبِرَ وَقْتُ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ.
.

الْمَانِعُ الرَّابِعُ الزَّوْجِيَّةُ وَقَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَلِلزَّوْجِ تَحْلِيلُهَا) أَيْ زَوْجَتِهِ (مِنْ حَجِّ تَطَوُّعٍ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ) لِئَلَّا يَتَعَطَّلَ حَقُّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَالْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ (وَكَذَا مِنْ الْفَرْضِ) بِلَا إذْنٍ (فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَالنُّسُكَ عَلَى التَّرَاخِي، وَيُخَالِفُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ لِطُولِ مُدَّتِهِ بِخِلَافِهِمَا.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْطَلِقَ إلَى الْحَجِّ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا» وَالثَّانِي لَا لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ الْمُزَوَّجَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ حَقٌّ عَلَى الْفَوْرِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ لَا تَمْنَعُوهُنَّ مَسَاجِدَ الْبَلَدِ لِلصَّلَاةِ وَهَذَا ظَاهِرُ سِيَاقِ الْخَبَرِ وَالْأَمَةُ فِي ذَلِكَ كَالْحُرَّةِ وَإِنْ أَذِنَ لَهَا السَّيِّدُ وَلِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ الِابْتِدَاءِ بِالتَّطَوُّعِ جَزْمًا، وَبِالْفَرْضِ فِي الْأَظْهَرِ وَالرَّجْعِيَّةُ وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً لَيْسَ لَهَا تَحْلِيلُهَا إلَّا إنْ رَاجَعَهَا، لَكِنَّ لَهُ حَبْسَهَا وَحَبْسَ الْبَائِنِ فِي الْعِدَّةِ وَإِنْ خَشِيَتْ الْفَوَاتَ أَوْ أَحْرَمَتْ بِإِذْنِهِ، وَحَيْثُ حَلَّلَهَا فَلْيُحْلِلْهَا كَالرَّقِيقِ بِأَنْ يَأْمُرَهَا بِالتَّحَلُّلِ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَتَحَلَّلَ بِأَمْرِ زَوْجِهَا كَتَحَلُّلِ الْمُحْصَرِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهَا لَمْ يَجُزْ لَهَا التَّحَلُّلُ، فَإِنْ امْتَنَعَتْ مِنْ تَحَلُّلُهَا مَعَ تَمَكُّنِهَا مِنْهُ جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا وَسَائِرُ الِاسْتِمْتَاعَاتِ بِهَا وَالْإِثْمُ عَلَيْهَا لَا عَلَيْهِ، كَمَا فِي الْحَائِضِ إذَا امْتَنَعَتْ مِنْ غُسْلِ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَغْسِيلُهَا، وَوَطْؤُهَا مَعَ بَقَاءِ حَدَثِهَا، وَالْإِثْمُ عَلَيْهَا، فَإِنْ أَحْرَمَتْ بِإِذْنِهِ أَوْ أَذِنَ لَهَا فِي إتْمَامِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهَا، وَلَوْ قَالَ طَبِيبَانِ عَدْلَانِ إنْ لَمْ تَحُجَّ الْآنَ عَضِبَتْ صَارَ الْحَجُّ فَوْرِيًّا فَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ وَلَا التَّحْلِيلُ مِنْهُ، وَلَوْ نَكَحَتْ بَعْدَ تَحَلُّلِهَا مِنْ الْفَائِتِ فَلَا مَنْعَ وَلَا تَحْلِيلَ مِنْهُ لِلتَّضْيِيقِ، وَلَوْ حَجَّتْ خَلِيَّةٌ فَأَفْسَدَتْهُ ثُمَّ نَكَحَتْ أَوْ مُزَوَّجَةٌ بِإِذْنٍ فَأَفْسَدَتْهُ ثُمَّ أَحْرَمَتْ بِالْقَضَاءِ لَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهَا وَلَا تَحْلِيلَهَا مِنْهُ، وَلَوْ نَذَرَتْهُ فِي سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ نَكَحَتْ أَوْ فِي النِّكَاحِ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلِهِ وَعَلَيْهِ فَيُجْزِئُهُ) أَيْ الْمُكَاتَبُ أَنْ يَذْبَحَ أَيْ السَّيِّدُ عَنْهُ ظَاهِرُهُ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ إذْ الذَّبْحُ يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِإِذْنٍ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: اُعْتُبِرَ وَقْتُ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ) أَيْ فَإِنْ كَانَ فِي نَوْبَتِهِ لَزِمَهُ الدَّمُ أَوْ فِي نَوْبَةِ سَيِّدِهِ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَمَا لَزِمَهُ مِنْ دَمٍ إلَخْ.

(قَوْلُهُ: وَبِالْفَرْضِ فِي الْأَظْهَرِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ أَخْبَرَهَا طَبِيبٌ بِالْعَضْبِ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ قَالَ طَبِيبَانِ عَدْلَانِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهَا لَمْ يَجُزْ لَهَا التَّحَلُّلُ) وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالْقِنِّ حَيْثُ جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ قَبْلَ أَمْرِ السَّيِّدِ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَمَّا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ وَهِيَ مُخَاطَبَةٌ بِالْحَجِّ فِي الْجُمْلَةِ كَانَ أَمْرُهَا آكَدَ مِنْ الرَّقِيقِ، فَإِنَّ حَجَّهُ بِتَقْدِيرِ تَمَامِهِ يَقَعُ نَفْلًا، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ حَجَّهَا إذَا تَمَّ وَقَعَ فَرْضًا مُطْلَقًا وَخَرَجَتْ بِهِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ، بَلْ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الزَّوْجِ أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى عَدَمِ طَلَبِ التَّحَلُّلِ بَلْ الْحَيَاءُ قَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى الْإِذْنِ لَهَا فِي بَقَاءِ الْإِحْرَامِ (قَوْلُهُ وَالْإِثْمُ عَلَيْهَا) أَيْ وَيَفْسُدُ بِذَلِكَ حَجُّهَا قَالَ ع: وَعَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ، وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ سَمِّ نَقْلًا عَنْ مَرَّ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ نَذَرَتْهُ فِي سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ) أَيْ نَذَرَتْ حَجًّا غَيْرَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَجُّ وَأَمَّا نَذْرُ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَالْوَاجِبُ بِهِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: اُعْتُبِرَ وَقْتُ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ) أَيْ فَإِنْ كَانَ فِي نَوْبَتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَوْ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ فَلَا وُجُوبَ

(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهَا لَمْ يَجُزْ لَهَا التَّحَلُّلُ) أَيْ لِأَنَّ إحْرَامَهَا بِغَيْرِ الْإِذْنِ لَيْسَ حَرَامًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي وَبِهِ فَارَقَتْ الرَّقِيقَ (قَوْلُهُ: فَلَا مَنْعَ وَلَا تَحْلِيلَ مِنْهُ)

بِإِذْنِ الزَّوْجِ ثُمَّ أَحْرَمَتْ بِهِ فِي وَقْتِهِ لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهَا، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ نَذَرَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا الْعَامِ ثُمَّ نَكَحَتْ فِيهِ وَلَوْ خَرَجَ مَكِّيٌّ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَيْهَا فَأَحْرَمَتْ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهَا، وَلَوْ سَافَرَتْ مَعَهُ أَحْرَمَتْ بِحَيْثُ لَمْ تُفَوِّتْ عَلَيْهِ اسْتِمْتَاعًا بِأَنْ كَانَ مُحْرِمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهَا، وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ صَغِيرَةً لَا تُطِيقُ الْجِمَاعَ فَأَحْرَمَ عَنْهَا وَلِيُّهَا لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ أَوْ أَذِنَ لَهَا فِيهِ لِكَوْنِهَا مُمَيِّزَةً لَمْ يَجُزْ لَهُ تَحْلِيلُهَا.
وَيُسْتَحَبُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَحُجَّ بِامْرَأَتِهِ لِلْأَمْرِ بِهِ فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ.
وَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ لَا تُحْرِمَ بِنُسُكِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا فِي الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ مِنْ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهَا الْإِحْرَامُ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا وَسَيِّدِهَا؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَازِمٌ لِلْحُرَّةِ: أَيْ مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ وَلَوْ فَقِيرَةً فِيمَا يَظْهَرُ، وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ فَتَعَارَضَ فِي حَقِّهَا وَاجِبَانِ الْحَجُّ وَطَاعَةُ الزَّوْجِ، فَجَازَ لَهَا الْإِحْرَامُ وَنُدِبَ لَهَا الِاسْتِئْذَانُ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا يَأْتِي فِي النَّفَقَاتِ مِنْ أَنَّ الزَّوْجَةَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الشُّرُوعُ فِي صَوْمِ النَّفْلِ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ بِخِلَافِ الْفَرْضِ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ إحْرَامُهَا بِالنَّفْلِ بِغَيْرِ إذْنٍ.

(وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْمُحْصَرِ الْمُتَطَوِّعِ) إذَا تَحَلَّلَ لِعَدَمِ وُرُودِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَبُيِّنَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ الْفَوَاتَ نَشَأَ عَنْ الْإِحْصَارِ الَّذِي لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: لَا قَضَاءَ عَلَى الْمُحْصَرِ، وَقَدْ أُحْصِرَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَلَمْ يَعْتَمِرْ مَعَهُ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ إلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ أَكْثَرُ مَا قِيلَ أَنَّهُمْ سَبْعُمِائَةٍ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَمَرَ مَنْ تَخَلَّفَ بِالْقَضَاءِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْحَصْرِ عَامًّا وَبَيْنَ كَوْنِهِ خَاصًّا أَتَى بِنُسُكٍ سِوَى الْإِحْرَامِ أَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ، وَاسْتَثْنَى ابْنُ الرِّفْعَةِ مَا لَوْ أَفْسَدَ النُّسُكَ ثُمَّ أُحْصِرَ، وَرَدَّ بِأَنَّ الْقَضَاءَ هُنَا لِلْإِفْسَادِ لَا لِلْإِحْصَارِ (فَإِنَّ) (كَانَ) نُسُكُهُ (فَرْضًا مُسْتَقِرًّا) عَلَيْهِ كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِيمَا بَعْدَ السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ وَكَالنَّذْرِ وَالْقَضَاءِ (بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ) كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ وَلَمْ يُتِمَّهَا تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ (أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ) كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ (اُعْتُبِرَتْ الِاسْتِطَاعَةُ بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ زَوَالِ الْإِحْصَارِ إنْ وُجِدَتْ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ الْحَجُّ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْرِمَ، وَيَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ بِمُضِيِّهِ، نَعَمْ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ عَجَزَ عَنْهُ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ فِيهِ وَلَهُ التَّحَلُّلُ بِالْإِحْصَارِ قَبْلَ

[حاشية الشبراملسي]

تَعْجِيلُ الْحَجِّ لَا أَصْلُهُ، وَمِنْ ثَمَّ أَفْرَدَهُ بَعْدُ بِالذِّكْرِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ لَهُ تَحْلِيلُهَا) وَظَاهِرُهُ وَإِنْ أَطَاقَتْ الْوَطْءَ وَلَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ مُحْرِمًا وَأَرَادَ تَحْلِيلَهَا، وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ فِي زَمَنٍ لَا تَحْتَمِلُ فِيهِ الْوَطْءُ نَزَلَ إذْنُ الشَّارِعِ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ مَنْزِلَةَ إذْنِ الزَّوْجِ وَهُوَ بَعْدَ إذْنِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحْلِيلُ (قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَحُجَّ بِامْرَأَتِهِ) وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ فِيهِ إعَانَةً لَهَا عَلَى أَدَاءِ النُّسُكِ وَصَوْنًا لَهَا عَنْ الِاحْتِيَاجِ إلَى مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهَا فِي غَيْبَتِهِ وَأَنَّ فِيهِ تَسَبُّبًا فِي عِفَّتِهِ فِي الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَطُولُ سَفَرُهُ وَيَحْتَاجُ لِلْمُوَاقَعَةِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْأَمَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ) أَيْ فَامْتَنَعَ الْإِحْرَامُ بِدُونِ الِاسْتِئْذَانِ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: إحْرَامُهَا بِالنَّفْلِ بِغَيْرِ إذْنٍ) أَمَّا الْفَرْضُ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْإِحْرَامُ بِهِ، وَلَا يُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْلُهُ السَّابِقُ: وَلِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ الِابْتِدَاءِ بِالتَّطَوُّعِ جَزْمًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ مَنْعِهِ مَنْعُهَا بِالْإِحْرَامِ بِلَا إذْنٍ مِنْهُ.

(قَوْلُهُ: إلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ) إطْلَاقُ النَّفَرِ عَلَى مَنْ ذَكَرَ مَجَازٌ، فَفِي الْمُخْتَارِ وَالنَّفَرُ بِفَتْحَتَيْنِ: عِدَّةُ رِجَالٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَى عَشَرَةٍ (قَوْلُهُ: وَكَالنَّذْرِ) أَيْ حَيْثُ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ بِأَنَّ نَذْرَهُ فِي سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَقُوَّتِهِ فِيهَا مَعَ الْإِمْكَانِ أَوْ أَطْلَقَ وَمَضَى مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ النُّسُكُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ نَعَمْ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إلَخْ) قِيَاسُ مَا مَرَّ فِي الزَّوْجَةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا طَبِيبَانِ عَدْلَانِ

[حاشية الرشيدي]

يَعْنِي مِنْ الْقَضَاءِ (قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَيْ لَا تُحْرِمُ بِنُسُكِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ) هَذَا فِي مُطْلَقِ الزَّوْجَةِ وَلَيْسَ خَاصًّا بِالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ فِيمَا يَظْهَرُ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْغَايَةِ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ فَتَعَارَضَ إلَخْ رَاجِعٌ لِأَصْلِ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْحَجَّ لَازِمٌ لِلْحُرَّةِ

(قَوْلُهُ: إلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلَّا فَنَحْوُ هَذَا

الْوُقُوفِ وَبَعْدَهُ، فَإِنْ بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ غَيْرَ مُتَوَقِّعٍ زَوَالَ الْإِحْصَارِ حَتَّى فَاتَهُ الْوُقُوفُ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ لِفَوَاتِ الْحَجِّ، كَمَا لَوْ فَاتَهُ بِخَطَأِ الطَّرِيقِ أَوْ الْعَدَدِ وَتَحَلَّلَ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ إنْ أَمْكَنَهُ التَّحَلُّلُ بِهَا وَلَزِمَهُ دَمٌ لِلْفَوَاتِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ تَحَلَّلَ بِهَدْيٍ وَلَزِمَهُ مَعَ الْقَضَاءِ دَمُ التَّحَلُّلِ وَدَمٌ آخَرُ لِلْفَوَاتِ فَإِنْ أُحْصِرَ بَعْدَ الْوُقُوفِ وَتَحَلَّلَ ثُمَّ أُطْلِقَ مِنْ إحْصَارِهِ فَأَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ وَيَبْنِيَ لَمْ يَجُزْ الْبِنَاءُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.
.

الْمَانِعُ الْخَامِسُ الْأُبُوَّةُ، وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُ أَبَوَيْهِ فِي النُّسُكِ فَرْضًا وَتَطَوُّعًا، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ عَلَا وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْأَبَوَيْنِ فِي الْأَصَحِّ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مَنَعَهُ مِنْ نُسُكِ التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِاعْتِبَارِ الْإِذْنِ مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ الْمُعْتَبَرِ فِيهِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لِرَجُلٍ اسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ أَلِك أَبَوَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَسْتَأْذَنْتَهُمَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ وَلَهُمَا تَحْلِيلُهُ مِنْ نُسُكِ التَّطَوُّعِ إذَا أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا لِلْخَبَرِ السَّابِقِ وَتَحْلِيلُهُمَا لَهُ كَتَحْلِيلِ السَّيِّدِ رَقِيقَهُ، وَيَلْزَمُهُ التَّحَلُّلُ بِأَمْرِهِمَا وَمَحَلُّهُ فِي الْآفَاقِيِّ وَلَمْ يَكُنْ مُصَاحِبًا لَهُ فِي السَّفَرِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الرَّقِيقَ كَالْحُرِّ فِي أَنَّ لَهُ الْمَنْعَ وَلَيْسَ لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْ نُسُكِ الْفَرْضِ لَا ابْتِدَاءً وَلَا إتْمَامًا كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَيُفَارِقُ الْجِهَادَ بِأَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ، وَلَيْسَ الْخَوْفُ فِيهِ كَالْخَوْفِ فِي الْجِهَادِ مَعَ أَنَّ فِي تَأْخِيرِهِ حَظْرَ الْفَوَاتِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ كَانَ لِأَبَوَيْهَا مَنْعُهَا مِنْ نُسُكِ التَّطَوُّعِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ رِضَا الزَّوْجِ لَا يُسْقِطُ حَقَّ الْأَصْلِ إلَّا أَنْ يُسَافِرَ مَعَهَا الزَّوْجُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ مَنَعَهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى مَنْعِهِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ.
.

الْمَانِعُ السَّادِسُ الدَّيْنُ، فَلِصَاحِبِهِ مَنْعُ الْمَدْيُونِ مِنْ السَّفَرِ لِيَسْتَوْفِيَهُ إلَّا إنْ كَانَ مُعْسِرًا أَوْ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا أَوْ يَسْتَنِيبُ مَنْ يَقْضِيهِ مِنْ مَالٍ حَاضِرٍ، وَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ (وَمَنْ) (فَاتَهُ الْوُقُوفُ) وَبِفَوَاتِهِ يَفُوتُ الْحَجُّ (تَحَلَّلَ) وُجُوبًا لِئَلَّا يَصِيرَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ فَتَحْرُمَ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةُ إحْرَامِهِ إلَى قَابِلٍ، فَلَوْ اسْتَدَامَهُ حَتَّى حَجَّ بِهِ مِنْ قَابِلٍ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ: تَحَلَّلَ جَوَازًا مُرَادُهُ بِهِ الْجَوَازُ بَعْدَ الْمَنْعِ فَيَصْدُقَ بِالْوَاجِبِ (بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ) إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ، فَإِنْ سَعَى لَمْ يُعِدْهُ (وَحَلَقَ وَفِيهِمَا) أَيْ السَّعْيِ وَالْحَلْقِ (قَوْلٌ) أَنَّهُمَا لَا يَجِبَانِ فِي التَّحَلُّلِ أَمَّا السَّعْيُ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ وَلِهَذَا صَحَّ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوُقُوفِ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَأَمَّا الْحَلْقُ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنُسُكٍ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّحَلُّلِ بِمَا ذَكَرَهُ أَرَادَ بِهِ التَّحَلُّلَ الثَّانِيَ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِوَاحِدٍ مِنْ الطَّوَافِ وَالْحَلْقِ يَعْنِي مَعَ السَّعْيِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَاتَهُ الْوُقُوفُ سَقَطَ عَنْهُ حُكْمُ الرَّمْيِ وَصَارَ كَمَنْ رَمَى، وَلَا تُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ انْعَقَدَ بِنُسُكٍ فَلَا يَنْصَرِفُ لِآخَرَ كَعَكْسِهِ، وَلَا يَجِبُ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ بِمِنًى وَإِنْ بَقِيَ وَقْتُهُمَا، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الْعُمْرَةِ وَإِنْ احْتَاجَ إلَى نِيَّةِ التَّحَلُّلِ (وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِلْفَوَاتِ (وَالْقَضَاءُ) بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الْأَدَاءُ وَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ.

[حاشية الشبراملسي]

إلَخْ اعْتِبَارُ مِثْلِهِ هُنَا، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا لَوْ عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ طَبِيبًا، وَتَعْبِيرُهُ بِغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ شَامِلٌ لِذَلِكَ بَلْ وَلِمَا لَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ طَبِيبٌ وَاحِدٌ.

(قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ) فِي حَاشِيَةِ الزِّيَادِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ (قَوْلُهُ: كَتَحْلِيلِ السَّيِّدِ رَقِيقَهُ) أَيْ فَيَأْمُرُهُ بِفِعْلِ مَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْحَجِّ، وَهُوَ الذَّبْحُ وَالْحَلْقُ كَالْمُحْصَرِ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ كَتَحْلِيلِ إلَخْ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَمَرَهُ بِفِعْلِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَفِيهِ وَقْفَةٌ (قَوْلُهُ وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الرَّقِيقَ) أَيْ الْأَبَ الرَّقِيقَ.

(قَوْلُهُ: لَمْ يُجْزِئْهُ) قَالَا حَجّ؛ لِأَنَّ إحْرَامَ سَنَةٍ لَا يَصْلُحُ لِإِحْرَامِ أُخْرَى (قَوْلُهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ) بَلْ

[حاشية الرشيدي]

الْعَدَدُ لَيْسَ بِيَسِيرٍ (قَوْلُهُ: وَبَعْدَهُ) أَيْ إذَا كَانَ مُتَوَقَّعًا زَوَالُ الْإِحْصَارِ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ

(قَوْلُهُ: مُرَادُهُ بِهِ الْجَوَازُ بَعْدَ الْمَنْعِ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ، إذْ الْوَاقِعُ أَنَّهُ جَوَازٌ بَعْدَ مَنْعٍ فَلَا حَاجَةَ لِلْإِرَادَةِ، وَكَانَ بِالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَرَادَ بِالْجَوَازِ الْوُجُوبَ إذْ هُوَ بَعْدَ مَنْعٍ فَيَصْدُقُ بِهِ.

وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ " أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَخْطَأْنَا الْعَدَّ وَكُنَّا نَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اذْهَبْ إلَى مَكَّةَ فَطُفْ بِالْبَيْتِ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، وَاسْعَوْا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَانْحَرُوا هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَكُمْ، ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا ثُمَّ ارْجِعُوا، فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا وَأَهْدُوا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ " وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ؛ وَلِأَنَّ الْفَوَاتَ سَبَبٌ يَجِبُ بِهِ الْقَضَاءُ فَيَجِبَ الْهَدْيُ كَالْإِفْسَادِ، وَعُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ لَوْ نَشَأَ الْفَوَاتُ عَنْ الْحَصْرِ بِأَنْ حُصِرَ فَسَلَكَ طَرِيقًا آخَرَ فَفَاتَهُ لِصُعُوبَةِ الطَّرِيقِ مَثَلًا أَوْ صَابَرَ الْإِحْرَامَ مُتَوَقِّعًا زَوَالَ الْحَصْرِ فَلَمْ يَزُلْ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ وَلَمْ يَقْضِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ عُلَقِ السَّفَرِ اسْتِحْبَابَ حَمْلِ الْمُسَافِرِ لِأَهْلِهِ هَدِيَّةً لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ.
وَيُسَنُّ عِنْدَ قُرْبِهِ وَطَنَهُ إرْسَالُ مَنْ يُعْلِمُهُمْ بِقُدُومِهِ وَأَلَّا أَنْ يَكُونَ فِي قَافِلَةٍ اشْتَهَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْبَلَدِ وَقْتَ دُخُولِهَا، وَيُكْرَهُ أَنْ يَطْرُقَهُمْ لَيْلًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُتَلَقَّى الْمُسَافِرُ، وَأَنْ يُقَالَ لَهُ إنْ كَانَ حَاجًّا: قَبِلَ اللَّهُ حَجَّكَ وَغَفَرَ ذَنْبَك وَأَخْلَفَ نَفَقَتَك، فَإِنْ كَانَ غَازِيًا قِيلَ لَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَصَرَك وَأَكْرَمَك وَأَعَزَّك.
وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ عِنْدَ دُخُولِهِ بِأَقْرَبِ مَسْجِدٍ فَيُصَلِّيَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْقُدُومِ، وَتُسَنُّ النَّقِيعَةُ، وَهِيَ طَعَامٌ يُفْعَلُ لِقُدُومِ الْمُسَافِرِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي الْوَلِيمَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
وَقَدْ تَمَّ شَرْحُ الرُّبْعِ الْأَوَّلِ بِحَمْدِ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ وَعَوْنِهِ وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الْمُبَارَكِ، تَاسِعَ عَشَرَ رَجَبِ الْفَرْدِ الْأَصَمِّ الْحَرَامِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَتِسْعِمِائَةٍ، عَلَى يَدِ مُؤَلَّفِهِ فَقِيرِ عَفْوِ رَبِّهِ، وَأَسِيرِ وَصْمَةِ ذَنْبِهِ " مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الرَّمْلِيِّ " الْأَنْصَارِيِّ الشَّافِعِيِّ، غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَلِوَالِدِيهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِمُحِبِّيهِ وَلِذَوِيهِ وَلِمَنْ دَعَا لَهُمْ بِالْحُسْنَى وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَنَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ قَرَأَهُ أَوْ نَقَلَ مِنْهُ أَوْ طَالَعَ فِيهِ وَدَعَا لِمَنْ كَانَ سَبَبًا فِي ذَلِكَ بِالْمَوْتِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَنَتَوَسَّلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِسَائِرِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَأَخِصَّائِهِ أَنْ يُدِيمَ لَنَا رِضَاهُ، وَأَنْ يُصْلِحَ مِنَّا مَا أَفْسَدْنَاهُ، وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِقُرْبِهِ، وَأَنْ يُتْحِفَنَا بِحَقَائِق حُبِّهِ، وَأَنْ لَا يَجْعَلَ أَعْمَالَنَا حَسْرَةً عَلَيْنَا وَنَدَامَةً، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مَعَ سَادَاتِنَا فِي أَعْلَى فَرَادِيسِ الْكَرَامَةِ، وَأَنْ يُعِينَنَا عَلَى إتْمَامِ بَقِيَّةِ شَرْحِ الْكِتَابِ كَمَا أَعَانَنَا عَلَى ابْتِدَائِهِ، فَإِنَّهُ مُجِيبُ الدُّعَاءِ، لَا يَرُدُّ مَنْ قَصَدَهُ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ، وَلَا مَنْ عَوَّلَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ عَلَيْهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

[حاشية الشبراملسي]

وَأَقُولُ] حَرَّرْته مُجْتَهِدًا ... وَلَيْسَ يَخْلُو عَنْ غَلَطٍ قُلْ لِلَّذِي يَلُومُنِي ... مَنْ ذَا الَّذِي مَا سَاءَ قَطُّ

[حاشية الرشيدي]

الْقِيَاسُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ أَعْمَالِهَا لَا تَحْصُلُ بِهِ عُمْرَةٌ وَإِنْ نَوَاهَا (قَوْلُهُ: وَأَهْدَوْا) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ، يُقَالُ: أَهْدَى لَهُ وَإِلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ غَازِيًا قِيلَ لَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ إلَخْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ فَتْحٌ عَلَى يَدِهِ لِإِعْزَازِ الْإِسْلَامِ بِنَفْسِ الْغَزْوِ وَخِذْلَانِ الْكُفَّارِ بِعَوْدِهِ (قَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ عِنْدَ دُخُولِهِ بِأَقْرَبِ مَسْجِدٍ) أَيْ إلَى مَنْزِلِهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ لَهُ مَنْزِلٌ غَيْرُ الْمَسْجِدِ، فَلَوْ كَانَ بَيْتُهُ بِالْمَسْجِدِ أَوْ كَانَ مِنْ مُجَاوِرِيهِ فِعْلُهُمَا فِيهِ عِنْدَ دُخُولِهِ (قَوْلُهُ: وَتُسَنُّ النَّقِيعَةُ) أَيْ يُسَنُّ لِلْمُسَافِرِ بَعْدَ حُضُورِهِ أَنْ يَفْعَلَهَا (قَوْلُهُ: وَأَنْ يُتْحِفَنَا) أَيْ وَيَخُصَّنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ الْمَآبُ.
تَمَّ تَجْرِيدُ رُبُعِ الْعِبَادَاتِ مِنْ هَوَامِشِ شَرْحِ الرَّمْلِيِّ الْعَلَّامَةِ نُورِ الدِّينِ عَلِيٍّ الشبراملسي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.

كِتَابُ الْبَيْعِ هُوَ لُغَةً: مُقَابَلَةُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، قَالَ الشَّاعِرُ: مَا بِعْتُكُمْ مُهْجَتِي إلَّا بِوَصْلِكُمْ ... وَلَا أُسَلِّمُهَا إلَّا يَدًا بِيَدِ وَشَرْعًا: عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ مُقَابَلَةَ مَالٍ بِمَالٍ بِشَرْطِهِ الْآتِي لِاسْتِفَادَةِ مِلْكِ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ مُؤَبَّدَةٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالتَّرْجَمَةِ هُنَا، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى قَسِيمِ الشِّرَاءِ فَيُحَدُّ بِأَنَّهُ نَقْلُ مِلْكٍ بِثَمَنٍ

[حاشية الشبراملسي]

جارٍ التحميل