الزَّيْتِ النَّجِسِ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ يُطَهِّرُهُمَا، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْأَدْوِيَةِ النَّجِسَةِ فِي الدَّبْغِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا مِنْ الطَّاهِرَاتِ وَيُبَاشِرُهَا الدَّابِغُ بِيَدِهِ.
قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَكَذَلِكَ الثُّقْبَةُ الْمُنْفَتِحَةُ تَحْتَ الْمَعِدَةِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَلِيلِ الْإِيلَاجُ فِيهَا، وَيَجُوزُ إطْعَامُ الطَّعَامِ الْمُتَنَجِّسِ لِلدَّوَابِّ.
بَابٌ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ.
الْفِطْرُ وَالْأَضْحَى، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَوْدِ لِتَكَرُّرِهِ كُلَّ عَامٍ، وَقِيلَ لِعَوْدِ السُّرُورِ بِعَوْدِهِ، وَقِيلَ لِكَثْرَةِ عَوَائِدِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِيهِ، وَجَمْعُهُ أَعْيَادٌ، وَإِنَّمَا جُمِعَ بِالْيَاءِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الْوَاوَ لِلُزُومِهَا فِي الْوَاحِدِ، وَقِيلَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْوَادِ الْخَشَبِ.
وَالْأَصْلُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ مَعَ الْأَخْبَارِ الْآتِيَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] ذُكِرَ أَنَّهُ صَلَاةُ الْأَضْحَى وَأَنَّ أَوَّلَ عِيدٍ صَلَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِيدُ الْفِطْرِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَلَمْ يَتْرُكْهَا، وَالْأَصَحُّ تَفْضِيلُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ (هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) لِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهَا ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ لَا أَذَانَ لَهَا كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَالصَّارِفُ لَهَا عَنْ الْوُجُوبِ خَبَرُ «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ لَا، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» وَحَمَلُوا نَقْلَ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ حُضُورُ الْعِيدَيْنِ عَلَى التَّأْكِيدِ فَلَا إثْمَ وَلَا قِتَالَ بِتَرْكِهَا (وَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) نَظَرًا إلَى أَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ؛ وَلِأَنَّهُ يَتَوَالَى فِيهَا التَّكْبِيرُ فَأَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ
[حاشية الشبراملسي]
وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ مَا نَصُّهُ: وَوَافَقَ م ر عَلَى أَنَّ شَرْطَ جَوَازِ الِاسْتِصْبَاحِ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَاجَةُ وَأَمْنُ التَّنْجِيسِ لِلْمَسْجِدِ بِنَفْسِهِ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْأَدْوِيَةِ النَّجِسَةِ) أَمَّا دَبْغُ الْجُلُودِ بِرَوْثِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ فَلَا يَجُوزُ، وَكَذَا تَسْمِيدُ الْأَرْضِ بِهِ أَيْضًا اهـ زِيَادِيٌّ: أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ دُبِغَ بِهِ طَهُرَ الْجِلْدُ وَيُغْسَلُ سَبْعًا إحْدَاهَا بِتُرَابٍ.
[بَابٌ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ]
ِ. (قَوْلُهُ: صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ كَالتَّكْبِيرِ الْمُرْسَلِ (قَوْلُهُ لِتَكَرُّرِهِ كُلَّ عَامٍ) عِلَّةٌ لِلتَّسْمِيَةِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لِكَثْرَةِ عَوَائِدِ اللَّهِ تَعَالَى) قَالَ حَجّ: أَيْ أَفْضَالُهُ اهـ.
وَفِي الْمُخْتَارِ: الْعَائِدَةُ الْعَطْفُ وَالْمَنْفَعَةُ، يُقَالُ هَذَا الشَّيْءُ أَعْوَدُ عَلَيْك مِنْ كَذَا: أَيْ أَنْفَعُ وَفُلَانٌ ذُو صَفْحٍ، وَعَائِدَةٍ: أَيْ ذُو عَفْوٍ وَتَعَطُّفٍ انْتَهَى.
وَمِنْهُ يُعْلَمُ وَجْهُ تَفْسِيرِ الْعَوَائِدِ بِالْإِفْضَالِ (قَوْلُهُ: لِلُزُومِهَا) أَيْ الْيَاءِ فِي الْوَاحِدِ: يَعْنِي أَنَّ لُزُومَهَا فِي الْوَاحِدِ حِكْمَةُ ذَلِكَ لَا أَنَّهُ مُوجِبٌ لَهُ، فَلَا يَرِدُ نَحْوُ مَوَازِينَ وَمَوَاقِيتَ جَمْعُ مِيزَانٍ وَمِيقَاتٍ (قَوْلُهُ: ذَكَرَ أَنَّهُ) أَيْ مَا أُمِرَ بِهِ صَلَاةُ الْأَضْحَى إلَخْ (قَوْلُهُ: وَأَنَّ أَوَّلَ عِيدٍ.
. إلَخْ) أَيْ وَذَكَرَ أَنَّ أَوَّلَ إلَخْ (قَوْلُهُ: فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ) ، وَوُجُوبُ رَمَضَانَ كَانَ فِي شَعْبَانِهَا اهـ حَجّ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْيَوْمَ الَّذِي فُرِضَ فِيهِ مِنْ شَعْبَانَ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَتْرُكْهَا) أَيْ إلَّا فِي عِيدِ الْأَضْحَى بِمِنًى عَلَى مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ إلَخْ) فَائِدَةٌ مُجَرَّدَةٌ (قَوْلُهُ: مُؤَكَّدَةٌ) أَيْ وَيُكْرَهُ تَرْكُهَا (قَوْلُهُ: لِذَلِكَ) أَيْ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا مَعَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: لَا أَذَانَ لَهَا) وَكُلُّ صَلَاةٍ بِلَا أَذَانٍ سُنَّةٌ (قَوْلُهُ: وَالصَّارِفُ عَنْ الْوُجُوبِ) أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ [الكوثر: 2] إلَخْ (قَوْلُهُ: عَلَى التَّأْكِيدِ) أَيْ مِنْ الشَّارِعِ (قَوْلُهُ: فَأَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ أَيْ مِنْ حَيْثُ
[حاشية الرشيدي]
بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِأَصْلِ سُنِّيَّتِهَا لَا بِقَيْدِ التَّأَكُّدِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: لِذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَالصَّارِفُ لَهَا عَنْ الْوُجُوبِ إلَخْ) فِيمَا قَبْلَهُ كِفَايَةٌ فِي الصَّرْفِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ، فَكَانَ الْأَوْلَى خِلَافَ هَذَا السِّيَاقِ الْمُوهِمِ
فَإِنْ تَرَكَهَا أَهْلُ بَلَدٍ أَثِمُوا وَقُوتِلُوا عَلَى هَذَا، وَقَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى نَفْيِ كَوْنِهَا فَرْضَ عَيْنٍ (وَتُشْرَعُ جَمَاعَةً) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْحَاجِّ بِمِنًى مِنْ تَرْكِهَا بِالْإِجْمَاعِ، أَمَّا هُوَ فَتُسْتَحَبُّ لَهُ مُنْفَرِدًا لِقِصَرِ زَمَنِهَا لَا جَمَاعَةً لِاشْتِغَالِهِ بِأَعْمَالِ التَّحَلُّلِ وَالتَّوَجُّهِ إلَى مَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ عَنْ إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ وَالْخُطْبَةِ، وَمَا رَوَى مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهَا مَحْمُولٌ إنْ صَحَّ عَلَى ذَلِكَ، إذْ لَوْ فَعَلَهَا جَمَاعَةً فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ لَاشْتَهَرَ (وَ) تُشْرَعُ أَيْضًا (لِلْمُنْفَرِدِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ) وَالْخُنَثِي وَالصَّبِيِّ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا شُرُوطُ الْجُمُعَةِ مِنْ جَمَاعَةٍ وَعَدَدٍ وَغَيْرِهِمَا، وَيُسَنُّ لِإِمَامِ الْمُسَافِرِينَ أَنْ يَخْطُبَهُمْ وَيَأْتِيَ فِي خُرُوجِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ لَهَا جَمِيعُ مَا مَرَّ أَوَائِلَ الْجَمَاعَةِ فِي خُرُوجِهِمَا لَهَا.
وَيُسْتَحَبُّ الِاجْتِمَاعُ لَهَا فِي مَكَان وَاحِدٍ، وَيُكْرَهُ تَعَدُّدُهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَلِلْإِمَامِ الْمَنْعُ مِنْهُ وَلَهُ الْأَمْرُ بِهَا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ: أَيْ؛ لِأَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ وَقِيلَ عَلَى وَجْهِ
[حاشية الشبراملسي]
تُوَالِي التَّكْبِيرِ (قَوْلُهُ: وَقُوتِلُوا عَلَى هَذَا) أَيْ دُونَ الْأَوَّلِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ عَدَمَ قِتَالِهِمْ عَلَى الْأَوَّلِ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ مَرَّ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ خِلَافٌ فِي الْقِتَالِ عَلَى تَرْكِهَا بِنَاءً عَلَى السُّنِّيَّةِ، فَلْيُنْظَرْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا حَيْثُ قَطَعَ بِعَدَمِ الْقِتَالِ هُنَا عَلَى السُّنِّيَّةِ دُونَهُ ثُمَّ، وَقَدْ يُقَالُ: الْفَرْقُ آكَدِيَّةُ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ قِيلَ بِكَوْنِهَا فَرْضَ عَيْنٍ وَلَمْ يُقَلْ بِمِثْلِهِ هُنَا هَذَا.
وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ فِي الدَّرْسِ عَنْ بَعْضٍ فِي شُرُوحِ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ قِيلَ بِالْقِتَالِ عَلَى تَرْكِ جَمِيعِ السُّنَنِ، وَعَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ فَلْيُرَاجَعْ اهـ وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا أَنْ يَكْتَفِي بِفِعْلِهَا فِي مَوْضِعٍ حَيْثُ وَسِعَ مَنْ يَحْضُرُهَا وَإِنْ كَبُرَ الْبَلَدُ كَالْجُمُعَةِ وَإِلَّا وَجَبَ التَّعَدُّدُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَيُسَنُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ إنْ وَسِعَ، وَيُكْرَهُ تَعَدُّدُ جَمَاعَتِهَا بِلَا حَاجَةٍ وَلِلْإِمَامِ الْمَنْعُ مِنْهُ اهـ حَجّ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: كَسَائِرِ الْمَكْرُوهَاتِ اهـ: أَيْ فَإِنَّ لَهُ الْمَنْعَ مِنْهَا اهـ سم.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُطْلَبُ مِنْ الْإِمَامِ وَالْقِيَاسُ طَلَبُهُ فِي حَقِّهِ، ثُمَّ رَأَيْت مَا سَيَأْتِي لَهُ (قَوْلُهُ: عَلَى نَفْيِ كَوْنِهَا فَرْضَ عَيْنٍ) أَيْ بِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ حَيْثُ قِيلَ فِيهَا بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَتُشْرَعُ جَمَاعَةً) عَبَّرَ بِهِ دُونَ تُسَنُّ لِيَتَمَشَّى عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْجَمَاعَةُ فِيهَا، وَأَنَّهَا لَا تَجِبُ اتِّفَاقًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ هَلْ يَسْقُطُ الطَّلَبُ بِفِعْلِ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ السُّقُوطِ بِفِعْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الشِّعَارُ بِفِعْلِهِمْ، بَلْ لَوْ اكْتَفَى بِفِعْلِ النِّسَاءِ عُدَّ تَهَاوُنًا بِالدِّينِ (قَوْلُهُ: لِفِعْلِهِ) أَيْ لَهَا جَمَاعَةً (قَوْلُهُ: هِيَ أَفْضَلُ) أَيْ الْجَمَاعَةُ (قَوْلُهُ: فِي حَقِّ غَيْرِ الْحَاجِّ) دَخَلَ فِي الْغَيْرِ الْمُعْتَمِرُ فَيَأْتِي بِهَا جَمَاعَةً (قَوْلُهُ: بِمِنًى) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِمِنًى جَرَى عَلَى الْغَالِبِ فَيُسَنُّ فِعْلُهَا لِلْحَاجِّ فُرَادَى وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ مِنًى لِلْحَاجَةِ أَوْ غَيْرِهَا حَجّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: عَنْ إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ) صِلَةُ قَوْلِهِ لِاشْتِغَالِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: عَلَى ذَلِكَ) يَعْنِي أَنَّهُ فَعَلَهَا مُنْفَرِدًا (قَوْلُهُ: لِإِمَامِ الْمُسَافِرِينَ) وَمِثْلُهُمْ إمَامُ الْعَبِيدِ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَلَعَلَّهُ خَصَّ الْمُسَافِرِينَ لِانْفِرَادِهِمْ مِنْ الْمُقِيمِينَ، بِخِلَافِ الْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ فَإِنَّهُمْ لَا يَنْفَرِدُونَ عَنْ الْأَحْرَارِ الذُّكُورِ غَالِبًا (قَوْلُهُ: وَلِلْإِمَامِ الْمَنْعُ مِنْهُ) ظَاهِرُهُ عَدَمُ طَلَبِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَوْ قِيلَ بِطَلَبِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لَمْ يَبْعُدْ (قَوْلُهُ: الْمَنْعُ مِنْهُ) أَيْ التَّعَدُّدِ.
قَالَ سم عَلَى حَجّ: قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: كَسَائِرِ الْمَكْرُوهَاتِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الْأَمْرُ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، وَمَعَ ذَلِكَ مِثْلُهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ مِنْ كُلِّ مَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ فِعْلُهُ لِلْمَصْلَحَةِ لَا يُعَدُّ مِنْ الْوَاجِبَاتِ اهـ.
وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الظَّاهِرَةِ التَّنَاقُضِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنْ الْوَاجِبَاتِ عَلَى الْإِمَامِ مِنْ حَيْثُ خُصُوصِهِ، إذْ لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا خُوطِبَ بِفِعْلِ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَحَيْثُ اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ شَيْئًا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ
[حاشية الرشيدي]
أَنَّ مَا سَبَقَ لَيْسَ بِصَارِفٍ، وَهُوَ تَابِعٌ فِيهِ لِشَرْحِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ أَفْضَلُ) الضَّمِيرُ هُنَا رَاجِعٌ لِلْجَمَاعَةِ بِخِلَافِهِ فِي قَوْلِهِ فَيُسْتَحَبُّ فَهُوَ رَاجِعٌ لِلْعِيدِ
الِاسْتِحْبَابِ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مَتَى أَمَرَهُمْ بِهَا وَجَبَ الِامْتِثَالُ.
(وَوَقْتُهَا مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي يُعِيدُ فِيهِ النَّاسُ وَإِنْ كَانَ ثَانِيَ شَوَّالٍ كَمَا سَيَأْتِي (وَزَوَالُهَا) ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْمَوَاقِيتِ عَلَى أَنَّهُ مَتَى خَرَجَ وَقْتُ صَلَاةِ دَخَلَ وَقْتُ أُخْرَى وَبِالْعَكْسِ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِأَوَّلِ طُلُوعِهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ تَمَامُ الطُّلُوعِ خِلَافًا لِمَا فِي الْعُبَابِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَوْقَاتَ الْكَرَاهَةِ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ فَلَا يُكْرَهُ فِعْلُهَا عَقِبَ الطُّلُوعِ، وَمَا وَقَعَ لِلرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ كَرَاهَةِ فِعْلِهَا عَقِبَهُ مُفَرَّعٌ عَلَى مَرْجُوحٍ، وَأَمَّا كَوْنُ آخِرِ وَقْتِهَا الزَّوَالَ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَوْ وَقَعَتْ بَعْدَهُ حُسِبَتْ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَعَدَلُوا بَعْدَ الْغُرُوبِ أَنَّهَا تُصَلَّى مِنْ الْغَدِ أَدَاءً (وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا لِتَرْتَفِعَ) الشَّمْسُ (كَرُمْحٍ) أَيْ كَقَدْرِهِ لِلِاتِّبَاعِ وَلِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ فَإِنَّ لَنَا وَجْهًا أَنَّ وَقْتَهَا لَا يَدْخُلُ إلَّا بِالِارْتِفَاعِ.
(وَهِيَ رَكْعَتَانِ) إجْمَاعًا وَحُكْمُهَا فِي الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ (فَيُحْرِمُ بِهَا) بِنِيَّةِ صَلَاةِ عِيدِ الْفِطْرِ أَوْ الْأَضْحَى كَمَا مَرَّ (ثُمَّ) بَعْدَ تَكْبِيرَةِ التَّحَرُّمِ (يَأْتِي) نَدْبًا (بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ) كَغَيْرِهَا (ثُمَّ بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ) لِخَبَرٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا قَبْلَهَا» وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ غَيْرُ مَحْسُوبَةٍ مِنْ السَّبْعَةِ (يَقِفُ) نَدْبًا (بَيْنَ كُلِّ ثِنْتَيْنِ) مِنْهَا (كَآيَةٍ مُعْتَدِلَةٍ) أَيْ لَا طَوِيلَةٍ وَلَا قَصِيرَةٍ، وَضَبَطَهُ أَبُو عَلِيٍّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ: بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ؛ وَلِأَنَّ سَائِرَ التَّكْبِيرَاتِ
[حاشية الشبراملسي]
إنَّهُ مَصْلَحَةٌ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ خِصَالُ الْكَفَّارَةِ إذَا فَعَلَ الْمُكَلَّفُ وَاحِدَةً مِنْهَا تَأَدَّى بِهَا الْوَاجِبُ لَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهَا بَلْ مِنْ حَيْثُ وُجُودُ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فِي ضِمْنِهَا فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مَتَى أَمَرَهُمْ بِهَا) أَيْ بِصَلَاةِ الْعِيدِ جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى
(قَوْلُهُ: مُفَرَّعٌ عَلَى مَرْجُوحٍ) نَقْلُ الْكَرَاهَةِ عَنْ الرَّافِعِيِّ قَدْ يُخَالِفُ مَا نَقَلَهُ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ وَالِدِ الشَّارِحِ فَلْيُرَاجَعْ، وَعِبَارَتُهُ ثُمَّ فِي مَرَّةٍ أُخْرَى بَعْدَ الْكَشْفِ قَالَ: صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الِاسْتِسْقَاءِ بِأَنَّهُ لَا وَقْتَ كَرَاهَةٍ لِصَلَاةِ الْعِيدِ فَهُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ اهـ. قَالَ سم عَلَى حَجّ بَعْدَمَا ذَكَرَ: فَلْيُتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ الْكَرَاهَةُ لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ لَا تُنَافِي الصِّحَّةَ وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ اهـ (قَوْلُهُ: لَكِنْ لَوْ وَقَعَتْ بَعْدَهُ حُسِبَتْ) أَيْ اُعْتُدَّ بِهَا وَكَانَتْ قَضَاءً
[حُكْمُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَكَيْفِيَّتَهَا]
(قَوْلُهُ: بِنِيَّةِ صَلَاةِ عِيدِ الْفِطْرِ أَوْ الْأَضْحَى) قَالَ حَجّ مُطْلَقًا، وَمَعْنَى الْإِطْلَاقِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُؤَدَّاةً أَوْ مَقْضِيَّةً (قَوْلُهُ ثُمَّ بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ) عِبَارَةُ الْمَنَاوِيِّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ لِلْجَامِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعٌ فِي الْأُولَى وَخَمْسٌ فِي الْآخِرَةِ نَصُّهَا: قَالَ بَعْضُ الْأَعَاظِمِ: حِكْمَةُ هَذَا الْعَدَدِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْوِتْرِيَّةِ أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي التَّذْكِيرِ بِالْوِتْرِ الصَّمَدِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ، وَكَانَ لِلسَّبْعَةِ مِنْهَا مَدْخَلٌ عَظِيمٌ فِي الشَّرْعِ جُعِلَ تَكْبِيرُ صَلَاتِهِ وِتْرًا وَجُعِلَ سَبْعًا فِي الْأُولَى كَذَلِكَ، وَتَذْكِيرًا بِأَعْمَالِ الْحَجِّ السَّبْعَةِ مِنْ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْجِمَارِ تَشْوِيقًا، إلَيْهَا؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى الْعَدَدِ الْأَكْبَرِ أَكْثَرُ، وَتَذْكِيرًا يُخَالِفُ هَذَا الْوُجُودَ بِالتَّفَكُّرِ فِي أَفْعَالِهِ الْمَعْرُوفَةِ مِنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْأَيَّامِ السَّبْعِ؛ لِأَنَّهُ خَلَقَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَخَلَقَ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي السَّابِعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَمَّا جَرَتْ عَادَةُ الشَّارِعِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرِّفْقِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَمِنْهُ تَخْفِيفُ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى وَكَانَتْ الْخَمْسَةُ أَقْرَبَ وِتْرًا إلَى السَّبْعَةِ مِنْ دُونِهَا جُعِلَ تَكْبِيرُ الثَّانِيَةِ خَمْسًا لِذَلِكَ اهـ (قَوْلُهُ يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ ثِنْتَيْنِ) قَالَ عَمِيرَةُ: يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَقُولُهُ عَقِبَ السَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ وَلَا بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ وَالْأُولَى وَلَا عَقِبَ قِيَامِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ أُولَى الْخَمْسِ اهـ.
وَصَرَّحَ بِكُلِّ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: مِنْهَا) أَيْ السَّبْعِ وَالْخَمْسِ (قَوْلُهُ: بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ) هَذَا قَدْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا حَقِيقَةَ الْآيَةِ الْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ آيَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَدْ يُقَالُ: تَعَدُّدُهَا
[حاشية الرشيدي]
[وَقْتُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]
قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ سَائِرَ التَّكْبِيرَاتِ) لَا مَحَلَّ لَهُ هُنَا وَإِنَّمَا مَحَلُّهُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ فِيهِ لَا مَعْنَى لَهَا، وَعِبَارَةُ
الْمَشْرُوعَةِ فِي الصَّلَاةِ يَعْقُبُهَا ذِكْرٌ مَسْبُوقٌ فَكَذَلِكَ هَذِهِ التَّكْبِيرَاتُ (يُهَلِّلُ) أَيْ يَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ (وَيُكَبِّرُ) أَيْ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ (وَيُمَجِّدُ) أَيْ يُعَظِّمُ اللَّهَ رَوَى ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَوْلًا وَفِعْلًا (وَيَحْسُنُ) فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ أَنْ يَقُولَ (سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) ؛ لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْحَالِ وَهِيَ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ فِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٍ، وَلَوْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ جَازَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ، وَلَوْ قَالَ مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ وَهُوَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ تَسْلِيمًا كَثِيرًا لَكَانَ حَسَنًا، قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ (ثُمَّ) بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأَخِيرَةِ (يَتَعَوَّذُ) ؛ لِأَنَّهُ لِافْتِتَاحِ الْقِرَاءَةِ (وَيَقْرَأُ) الْفَاتِحَةَ كَغَيْرِهَا، وَسَيَأْتِي مَا يَقْرَؤُهُ بَعْدَهَا (وَيُكَبِّرُ فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ) بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ (خَمْسًا) بِالصِّفَةِ السَّابِقَةِ (قَبْلَ) التَّعَوُّذِ، وَ (الْقِرَاءَةِ) لِلْخَبَرِ الْمَارِّ، وَلَوْ اقْتَدَى بِحَنَفِيٍّ كَبَّرَ ثَلَاثًا، أَوْ مَالِكِيٍّ كَبَّرَ سِتًّا تَابَعَهُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهَا سُنَّةٌ لَيْسَ فِي الْإِتْيَانِ بِهَا مُخَالَفَةٌ فَاحِشَةٌ، بِخِلَافِ تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ وَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ، وَعَلَّلُوهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ الْمُخَالَفَةِ
[حاشية الشبراملسي]
لَا يُنَافِي مَا قَالُوهُ فَإِنَّ آيَاتِهَا قِصَارٌ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ مَجْمُوعَهَا لَا يَزِيدُ عَلَى آيَةٍ مُعْتَدِلَةٍ (قَوْلُهُ: يَعْقُبُهَا ذِكْرٌ مَسْنُونٌ) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِلَّا فَالْقِيَامُ مِنْ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ يَعْقُبُهُ التَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ وَهُوَ وَاجِبٌ.
وَمِنْ الذِّكْرِ الْمَسْنُونِ أَيْضًا التَّعَوُّذُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ مِنْ قِيَامِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ (قَوْلُهُ: أَيْ يُعَظِّمُ اللَّهَ) زَادَ حَجّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ (قَوْلُهُ: قَوْلًا) أَيْ بِأَنَّهُ قَوْلٌ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ جَازَ) أَيْ مِنْ ذِكْرٍ آخَرَ بِحَيْثُ لَا يَطُولُ بِهِ الْفَصْلُ عُرْفًا بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْجَائِزُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ مَا اعْتَادَهُ) أَيْ بَدَلَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَلَعَلَّهُ فِي زَمَنِهِ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: وَيَذْكُرُ اللَّهَ بَيْنَهُمَا بِالْمَأْثُورِ: أَيْ الْمَنْقُولِ.
وَذَكَرَ مِنْ الْمَنْقُولِ عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَعَنْ الْمَسْعُودِيِّ أَنَّهُ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّكَ وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْمَنْقُولِ مَا وَرَدَ مِنْ الْأَذْكَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي خُصُوصِ مَا الْكَلَامُ فِيهِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ هُنَا، وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْمَتْنِ حَيْثُ قَالَ: يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ إلَخْ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِذِكْرٍ مَخْصُوصٍ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ فَصَلَ بَيْنَهَا بِذِكْرٍ وَتَرْجَمَ عَنْهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ عِنْدَ الْعَجْزِ جَازَ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي الْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ عَقِبَ التَّشَهُّدِ (قَوْلُهُ: وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا) لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الثَّانِيَةِ: أَيْ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَعَلَ مَعَهُ الْخَمْسَ وَفِي ثَانِيَتِهِ يَفْعَلُ الْخَمْسَ أَيْضًا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: أَوْ مَالِكِيٌّ كَبَّرَ سِتًّا تَابَعَهُ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: أَيْ نَدْبًا اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُتَابِعُ الْحَنَفِيَّ وَلَوْ أَتَى بِهِ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَوَالَاهُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِاعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّ هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ لَيْسَتْ مَطْلُوبَةً وَأَنَّ الرَّفْعَ فِيهَا عِنْدَ الْمُوَالَاةِ مُبْطِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَحْصُلُ بِهِ أَفْعَالٌ كَثِيرَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ تَكْبِيرٌ وَأَنَّ الْإِمَامَ إذَا وَالَى بَيْنَ الرَّفْعِ وَجَبَتْ مُفَارَقَتُهُ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِالْمُبْطِلِ عِنْدَنَا، وَمِنْهُ مَا لَوْ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَةً فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ بِذَلِكَ وَلَوْ سَهْوًا؛ لِأَنَّ سَهْوَ الْفِعْلِ كَعَمْدِهِ فِي الْبُطْلَانِ بِالْكَثِيرِ مِنْهُ.
وَقَالَ حَجّ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يُتَابِعُهُ إلَّا إنْ أَتَى بِمَا يَعْتَقِدُهُ أَحَدُهُمَا، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِمُتَابَعَتِهِ حِينَئِذٍ اهـ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم كَلَامُهُمْ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ يُتَابِعُهُ فِي النَّقْصِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا اهـ.
وَتَصْوِيرُ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ اقْتَدَى بِحَنَفِيٍّ إلَخْ يُشْعِرُ بِمُوَافَقَةِ حَجّ، وَبَقِيَ مَا لَوْ زَادَ إمَامُهُ عَلَى السَّبْعِ أَوْ الْخَمْسِ هَلْ يُتَابِعُهُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَيَنْبَغِي لَهُ عَدَمُ مُتَابَعَتِهِ
[حاشية الرشيدي]
شَرْحِ الرَّوْضِ عَمَلًا بِمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ: وَلِأَنَّ سَائِرَ التَّكْبِيرَاتِ إلَخْ (قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّهَا) أَيْ التَّكْبِيرَاتِ، وَقَوْلُهُ: لَيْسَ فِي الْإِتْيَانِ بِهَا: أَيْ لَوْ أَتَى بِهَا بِأَنْ زَادَ عَلَى مَا أَتَى الْإِمَامُ وَمَعَ ذَلِكَ أَمَرْنَاهُ بِالْمُتَابَعَةِ وَعَدَمِ الزِّيَادَةِ
الْفَاحِشَةِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا فَكَانَتْ آكَدُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ بِالتَّكْبِيرَاتِ هُنَا قَدْ يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ سَمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ فِي حَالِ الِانْتِقَالِ.
وَأَمَّا جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ فَلِثُبُوتِ حَدِيثِهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَتَّى لَوْ تَرَكَ إمَامُهُ هُنَا جَمِيعَ التَّكْبِيرَاتِ لَمْ يَأْتِ بِهَا (وَيَجْهَرُ) لِلِاتِّبَاعِ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) اسْتِحْبَابًا (فِي الْجَمِيعِ) مِنْ السَّبْعِ وَالْخَمْسِ كَغَيْرِهَا مِنْ مُعْظَمِ تَكْبِيرَاتِ الصَّلَاةِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ وَضْعُ يُمْنَاهُ عَلَى يُسْرَاهُ تَحْتَ صَدْرِهِ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ كَمَا فِي تَكْبِيرَةِ التَّحَرُّمِ وَيَأْتِي فِي إرْسَالِهِمَا مَا مَرَّ، وَلَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ التَّكْبِيرَاتِ أَخَذَ بِالْأَقَلِّ كَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ،
[حاشية الشبراملسي]
لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى السَّبْعِ وَالْخَمْسِ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ تَابَعَهُ فِيهَا بِلَا رَفْعٍ لَمْ يَضُرَّ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ ذِكْرٍ، وَعَدَمُ طَلَبِ الزِّيَادَةِ فِيمَا ذُكِرَ يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ حَجّ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يُتَابِعُهُ إلَّا إنْ أَتَى بِمَا يَعْتَقِدُهُ أَحَدُهُمَا (قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ تَرَكَ إمَامُهُ هُنَا جَمِيعَ التَّكْبِيرَاتِ) وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَنَّهُ لَوْ اقْتَدَى مُصَلِّي الْعِيدِ بِمُصَلِّي الصُّبْحِ مَثَلًا أَتَى بِالتَّكْبِيرَاتِ بِاتِّحَادِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ هُنَا وَاخْتِلَافِهَا هُنَاكَ فَكَانَ لِكُلٍّ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ مَعَ اتِّحَادِ الصَّلَاةِ تَفَحُّشٌ وَتَعَدٍّ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ بِخِلَافِهَا مَعَ اخْتِلَافِهِمَا اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: لَمْ يَأْتِ بِهَا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ تَرْكُهُ لَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا لِمَحَلِّهِ، ثُمَّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهِ إذَا تَرَكَهُ إمَامُهُ يُشْكِلُ بِمَا لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَأْتِي بِهِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ سُنَّةٌ مِنْ الصَّلَاةِ لَا فِيهَا وَهُوَ آكَدُ مِنْ التَّكْبِيرِ فَطُلِبَ مُطْلَقًا.
ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ مَا نَصُّهُ: وَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَعَدَمِ فَوَاتِ نَحْوِ الِافْتِتَاحِ بِشُرُوعِ الْإِمَامِ فِي الْفَاتِحَةِ بِأَنَّهُ شِعَارٌ خَفِيٌّ لَا يَظْهَرُ بِهِ مُخَالَفَةٌ بِخِلَافِهَا فَإِنَّهُ شِعَارٌ ظَاهِرٌ لِنَدْبِ الْجَهْرِ بِهَا وَالرَّفْعِ فِيهَا كَمَا مَرَّ، فَفِي الْإِتْيَانِ بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا بَعْدَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِي الْفَاتِحَةِ مُخَالَفَةٌ لَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ اقْتَدَى بِمُخَالِفٍ فَتَرَكَهَا تَبِعَهُ أَوْ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ لَمْ يَتْبَعْهُ اهـ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا، وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْضَحُ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ قَدْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الرَّفْعَ وَالْجَهْرَ سُنَّتَانِ زَائِدَتَانِ عَلَى التَّكْبِيرِ وَحَيْثُ عَرَضَ مَا يَقْتَضِي تَرْكَهُمَا تُرِكَا وَجِيءَ بِالْأَصْلِ وَهُوَ التَّكْبِيرُ سِرًّا (قَوْلُهُ: وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ اسْتِحْبَابَ هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ مَعَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ شَامِلٌ لِمَا إذَا فَرَّقَهَا بِذَلِكَ وَمَا إذَا وَالَاهَا، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ مُوَالَاةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ مَعَهَا لَا يَضُرُّ مَعَ أَنَّهُ أَعْمَالٌ كَثِيرَةٌ مُتَوَالِيَةٌ وَوَجْهُهُ كَمَا وَافَقَ عَلَيْهِ م ر أَنَّ هَذَا الرَّفْعَ وَالتَّحْرِيكَ مَطْلُوبٌ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَلِذَا لَمْ يَكُنْ مُضِرًّا، لَكِنْ لَعَلَّ الْأَوْجَهَ مَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ مِمَّا يُفِيدُ الْبُطْلَانَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُهُ مِمَّا يُفِيدُ الْبُطْلَانَ ضَعِيفٌ، وَعِبَارَةُ حَجّ: وَلَوْ اقْتَدَى بِحَنَفِيٍّ وَالَى التَّكْبِيرَ وَالرَّفْعُ لَزِمَهُ مُفَارَقَتُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِاعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ وَلَيْسَ كَمَا مَرَّ فِي سَجْدَةِ الشُّكْرِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ يَرَى مُطْلَقَ السُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَرَى التَّوَالِيَ الْمُبْطِلَ فِيهَا اخْتِيَارًا أَصْلًا.
نَعَمْ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ لِلْمُوَالَاةِ لِانْضِبَاطِهَا بِالْعُرْفِ وَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَيَظْهَرُ ضَبْطُهُ بِأَنْ لَا يَسْتَقِرَّ الْعُضْوُ بِحَيْثُ يَنْفَصِلُ رَفْعُهُ عَنْ هَوِيِّهِ حَتَّى لَا يُسَمَّيَانِ حَرَكَةً وَاحِدَةً انْتَهَى.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلَهُ لَزِمَهُ: أَيْ مُفَارَقَتُهُ.
أَقُولُ: هُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ وَإِنْ خَالَفَ م ر مُحْتَجًّا بِالْقِيَاسِ عَلَى التَّصْفِيقِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ إذَا كَثُرَ وَتَوَالَى إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ فَلْيُرَاجَعْ اهـ.
وَالْأَقْرَبُ مَا قَالَهُ م ر، إذْ غَايَتُهُ أَنَّهُ تَرَكَ سُنَّةً وَهِيَ الْفَصْلُ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ وَأَتَى بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ حَجّ عَلَى مَا لَوْ وَالَى بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالرَّفْعِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ فَإِنَّ الْبُطْلَانَ فِيهِ قَرِيبٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَيْضًا (قَوْلُهُ: مِنْ مُعْظَمِ تَكْبِيرَاتِ الصَّلَاةِ) فِي تَعْبِيرِهِ بِالْمُعْظَمِ نَظَرٌ، إذْ الرَّفْعُ إنَّمَا هُوَ فِي التَّحَرُّمِ وَالْهَوِيِّ لِلرُّكُوعِ وَالْقِيَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَالتَّكْبِيرُ فِيهَا لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ بَاقِي التَّكْبِيرَاتِ وَلَا مُسَاوِيًا.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: جُعِلَ مَا عَدَا مَا ذُكِرَ كَأَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لِتَعَلُّقِهِ بِالسُّجُودِ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي تَكْبِيرَةِ التَّحَرُّمِ) أَيْ كَمَا يُفْعَلُ بَعْدَ الرَّفْعِ فِي تَكْبِيرَةِ التَّحَرُّمِ (قَوْلُهُ: وَيَأْتِي فِي إرْسَالِهِمَا مَا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، إذْ الْمَقْصُودُ عَدَمُ الْعَبَثِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَلَوْ كَبَّرَ ثَمَانِيًا وَشَكَّ هَلْ نَوَى الْإِحْرَامَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ أَوْ شَكَّ فِي أَيُّهَا أَحْرَمَ جَعَلَهَا الْأَخِيرَةَ وَأَعَادَهُنَّ احْتِيَاطًا.
(وَلَسْنَ) أَيْ التَّكْبِيرَاتُ الْمَذْكُورَاتُ (فَرْضًا وَلَا بَعْضًا) وَإِنَّمَا هِيَ هَيْئَاتٌ كَالتَّعَوُّذِ وَدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ فَلَا يَسْجُدُ لِتَرْكِهِنَّ عَمْدًا كَانَ، أَوْ سَهْوًا وَإِنْ كَانَ التَّرْكُ لِكُلِّهِنَّ، أَوْ بَعْضِهِنَّ مَكْرُوهًا، وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ وَقَضَاهَا كَبَّرَ فِيهَا سَوَاءٌ أَقَضَاهَا فِي يَوْمِ الْعِيدِ أَمْ فِي غَيْرِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ هَيْئَاتِهَا، وَجَزَمَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ فِي تَدْرِيبِهِ، فَقَالَ: وَتُقْضَى إذَا فَاتَتْ عَلَى صُورَتِهَا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْعِجْلِيّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمُقْرِي.
وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ مَا أَفْتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي قَضَاءِ الصُّبْحِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ الْفَقِيهِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ عُجَيْلٍ مِنْ أَنَّهُ يُثَوِّبُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ الْمَقْضِيَّةِ إذَا قُلْنَا يُؤَذِّنُ لَهَا (وَلَوْ) (نَسِيَهَا) فَتَذَكَّرَهَا قَبْلَ رُكُوعِهِ، أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا بِالْأَوْلَى (وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ) وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ فَاتِحَتَهُ (فَاتَتْ) فِي الْجَدِيدِ فَلَا يَتَدَارَكُهَا، فَإِنْ عَادَ لَمْ تَبْطُلْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَذَكَّرَهَا فِي رُكُوعِهِ، أَوْ بَعْدَهُ وَعَادَ لِلْقِيَامِ لِيُكَبِّرَ وَهُوَ عَامِدٌ عَالَمٌ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ، وَلَوْ تَرَكَهَا وَتَعَوَّذَ وَلَمْ يَقْرَأْ كَبَّرَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَعَوَّذَ قَبْلَ الِافْتِتَاحِ حَيْثُ لَا يَأْتِي بِهِ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ التَّعَوُّذِ لَا يَكُونُ مُفْتَتِحًا (وَفِي الْقَدِيمِ يُكَبِّرُ مَا لَمْ يَرْكَعْ) لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ وَهُوَ الْقِيَامُ، وَعَلَيْهِ لَوْ تَذَكَّرَهُ فِي أَثْنَاءِ فَاتِحَتِهِ قَطَعَهَا وَعَادَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقِرَاءَةَ، أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهَا كَبَّرَ وَسُنَّ لَهُ إعَادَةُ الْفَاتِحَةِ، وَلَوْ أَدْرَكَ إمَامَهُ فِي رُكُوعِهِ لَمْ يُكَبِّرْ جَزْمًا.
(وَيَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي)
[حاشية الشبراملسي]
بِهِمَا، وَهُوَ حَاصِلٌ مَعَ الْإِرْسَالِ وَإِنْ كَانَتْ السُّنَّةُ وَضْعُهُمَا تَحْتَ صَدْرِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ شَكَّ فِي أَيُّهَا) أَيْ فِي أَيُّهَا نَوَى بِهِ الْإِحْرَامَ (قَوْلُهُ: وَأَعَادَهُنَّ احْتِيَاطًا) أَيْ التَّكْبِيرَاتِ السَّبْعَ
(قَوْلُهُ: فَرْضًا وَلَا بَعْضًا) أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَوْ نَذَرَهَا وَصَلَّاهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَخَرَجَ مِنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ لِمَا عَلَّلَ بِهِ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهَا هَيْئَاتٌ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَلَا يَسْجُدُ) أَيْ فَإِنْ فَعَلَهُ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَوْ جَاهِلًا فَلَا (قَوْلُهُ: وَتُقْضَى إذَا فَاتَتْ عَلَى صُورَتِهَا) أَيْ مِنْ الْجَهْرِ وَغَيْرِهِ، وَهَلْ تُسَنُّ الْخُطْبَةُ لَهَا أَيْضًا إذَا قَضَاهَا جَمَاعَةً (لَا يَبْعُدُ) نَعَمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ وِفَاقًا لَمْ ر، وَعَلَى هَذَا فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِأَحْكَامِ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ مُحَاكَاةً لِلْأَدَاءِ وَلِأَنَّهَا تَنْفَعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: وَلَا يَبْعُدُ نَدْبُ التَّعَرُّضِ سِيَّمَا وَالْفَرْضُ مِنْ فِعْلِهَا مُحَاكَاةُ الْأَدَاءِ (قَوْلُهُ: إذَا قُلْنَا يُؤَذَّنُ لَهَا) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: فَلَا يَتَدَارَكُهَا) قَالَ م ر أَيْ فِي هَذِهِ الرَّكْعَةِ لَا مُطْلَقًا فَإِنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَتَدَارَكَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ تَكْبِيرِهَا كَمَا فِي قِرَاءَةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ إذَا تَرَكَهَا فِيهَا سُنَّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا مَعَ الْمُنَافِقِينَ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنْ كَانَ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الثَّانِيَةِ كَبَّرَ مَعَهُ خَمْسًا وَأَتَى فِي ثَانِيَتِهِ بِخَمْسٍ؛ لِأَنَّ فِي قَضَاءِ ذَلِكَ تَرْكَ سُنَّةٍ أُخْرَى، وَبِهَذَا فَارَقَ نَدْبَ قِرَاءَةِ الْجُمُعَةِ مَعَ الْمُنَافِقِينَ فِي الثَّانِيَةِ إذَا تَرَكَهَا فِي الْأُولَى كَمَا مَرَّ فِي بَابِهَا اهـ حَاصِلُ مَا قَرَّرَهُ وَمَشَى عَلَيْهِ.
ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ تَرْكِ الْبَعْضِ مِنْ الْأُولَى حَيْثُ لَا يَتَدَارَكُهُ فِي الثَّانِيَةِ وَبَيْنَ تَرْكِ الْجَمِيعِ فِيهَا حَيْثُ يَتَدَارَكُهُ فِي الثَّانِيَةِ بِمَا لَمْ يَتَّضِحْ، بَلْ عَبَّرَ بِكَلَامٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ حَيْثُ تَرَكَ بَعْضَ التَّكْبِيرِ فِي الْأُولَى، سَوَاءٌ أَكَانَ لِأَجْلِ مُوَافَقَةِ الْإِمَامِ كَمَا فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ لَا يَتَدَارَكُهُ فِي الثَّانِيَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَ الْجَمِيعَ بِتَدَارُكِهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ وَقَالَ: قَضِيَّةُ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ بَعْضَ الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فِي الثَّانِيَةِ، وَمَال إلَى عَدَمِ الْأَخْذِ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ فَلْيُحَرَّرْ وَلْيُرَاجَعْ، وَمَادَّتُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَلَامُ شَيْخِنَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَمَالَ حَجّ لِلْأَخْذِ بِهَا حَيْثُ قَالَ: وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَقَوْلُ سم فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْقَوْلَةِ: وَيُسَنُّ أَنْ يَتَدَارَكَهُ، قَالَ حَجّ: أَيْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُومًا (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا لَوْ تَذَكَّرَهَا فِي رُكُوعِهِ) أَيْ أَوْ فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهُ بِأَنْ وَصَلَ إلَى حَدٍّ لَا تُجْزِئُهُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ (قَوْلُهُ: وَسُنَّ لَهُ إعَادَةُ الْفَاتِحَةِ) أَيْ وَلَا يُشْكِلُ بِأَنَّ فِيهِ تَكْرِيرَ رُكْنٍ قَوْلِيٍّ وَهُوَ مُبْطِلٌ عَلَى قَوْلٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَعَلَّ ذَاكَ مُقَيَّدٌ بِمَا لَوْ كَرَّرَهُ بِلَا عُذْرٍ، وَهُوَ إنَّمَا كَرَّرَهُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرَّكْعَةِ (الْأُولَى) سُورَةَ ﴿ق﴾ [ق: 1] ، وَفِي الثَّانِيَةِ) سُورَةَ (اقْتَرَبَتْ بِكَمَالِهِمَا) لِلِاتِّبَاعِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ يَقْرَؤُهُمَا وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْمَأْمُومُونَ بِالتَّطْوِيلِ (جَهْرًا) وَلَوْ قُضِيَتْ نَهَارًا وَهُوَ مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَى بِسَبِّحْ وَفِي الثَّانِيَةِ بِهَلْ أَتَاكَ كَانَ سُنَّةً أَيْضًا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ.
(وَيُسَنُّ بَعْدَهُمَا) أَيْ رَكْعَتَيْ الْعِيدِ (خُطْبَتَانِ) اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدُ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُسَافِرُونَ وَغَيْرُهُمْ وَيَأْتِي بِهِمَا وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى خُطْبَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَكْفِ، وَلَوْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا كَمَا صَوَّبَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الْأُمِّ كَمَا لَوْ قَدَّمَ الْبَعْدِيَّةَ عَلَى الْفَرِيضَةِ (وَأَرْكَانُهُمَا) وَسُنَنُهُمَا (كَهِيَ) أَيْ كَمَا (فِي الْجُمُعَةِ) وَفُهِمَ مِنْ عِبَارَتِهِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الشُّرُوطِ فِيهِمَا كَالْقِيَامِ وَالسِّتْرِ وَالطَّهَارَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْطُبَ قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ.
نَعَمْ يُعْتَبَرُ لِأَدَاءِ السُّنَّةِ الْإِسْمَاعُ وَالسَّمَاعُ وَكَوْنُ الْخُطْبَةِ عَرَبِيَّةً، عَلَى أَنَّ الْإِسْمَاعَ هُنَا يَسْتَلْزِمُ السَّمَاعَ وَعَكْسَهُ.
قَالَ فِي التَّوَسُّطِ: لَا خَفَاءَ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا لَمْ يَنْذِرْ الصَّلَاةَ وَالْخُطْبَةَ.
[حاشية الشبراملسي]
هُنَا لِطَلَبِهِ مِنْهُ لِتَقَعَ الْقِرَاءَةُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ اهـ حَجّ بِالْمَعْنَى
(قَوْلُهُ: وَفِي الثَّانِيَةِ اقْتَرَبَتْ) قَالَ عَمِيرَةُ: قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ شَبِيهٌ بِيَوْمِ الْحَشْرِ، وَالسُّورَتَانِ فِيهِمَا أَحْوَالُ الْمَحْشَرِ وَقِ.
قَالَ الْوَاحِدِيُّ: جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالدُّنْيَا مِنْ زَبَرْجَدٍ وَهُوَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ تَغِيبُ الشَّمْسُ مِنْ وَرَائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ وَمَا بَيْنَهُمَا ظُلْمَةٌ، كَذَا نَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ عَلَى أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ فَاتِحَةُ السُّورَةِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: إنَّهُ يَقْرَؤُهُمَا) أَيْ حَيْثُ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَبِبَعْضِهِمَا.
قَالَ سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ مَا نَصُّهُ بَعْدَ كَلَامٍ ذَكَرَهُ: فَإِنْ قُلْت: لَكِنْ يُخَالِفُ مَسْأَلَةَ الْأَنْوَارِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَتَى بِالصَّلَاةِ بِسُنَنِهَا خَرَجَ الْوَقْتُ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بِسُنَنِهَا، مَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ نَقْلًا عَنْ الفَارِقِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ ضَاقَ وَقْتُ صُبْحِ الْجُمُعَةِ عَنْ قِرَاءَةِ جَمِيعِ ﴿الم - تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: 1 - 2] فِي الْأُولَى وَهَلْ أَتَى فِي الثَّانِيَةِ اقْتَصَرَ عَلَى قِرَاءَةِ مَا يُمْكِنُ مِنْهُمَا.
قُلْت: لَا مُخَالَفَةَ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ بِقِرَاءَةِ بَعْضِهِمَا، وَكَلَامُ الْأَنْوَارِ فِيمَا إذَا لَزِمَ فَوَاتُ السُّنَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: جَهْرًا) أَيْ وَلَوْ مُنْفَرِدًا شَوْبَرِيٌّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: كَانَ سُنَّةً أَيْضًا) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْقِرَاءَةُ بِالْأُولَيَيْنِ أَفْضَلُ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: فَلَوْ قَصَدَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْخُطْبَةِ عِبَادَةٌ وَتَعَمَّدَ ذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ التَّحْرِيمُ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ م ر عَلَيْهِ مَعَ تَرَدُّدٍ، ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَنَا فِي شَرْحِ الْعُبَابِ اخْتَارَ الْحُرْمَةَ فَرَاجِعْهُ اهـ.
وَيَدُلُّ عَلَى الْحُرْمَةِ قَوْلُ مَتْنِ الرَّوْضِ: وَلَوْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا وَأَسَاءَ.
قَالَ شَارِحُهُ: كَالسُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ إذَا قَدَّمَهَا عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: وَكَوْنُ الْخُطْبَةِ عَرَبِيَّةً) اُنْظُرْ وَلَوْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الشَّارِحِ ذَلِكَ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْغَرَضُ مِنْهَا مُجَرَّدُ الْوَعْظِ بَلْ الْغَالِبُ عَلَيْهَا الِاتِّبَاعُ نَظَرًا لِكَوْنِهَا عِبَادَةً، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ مَا نَصُّهُ: وَلَا بُدَّ فِي أَدَاءِ سُنَّتِهَا مِنْ كَوْنِهَا عَرَبِيَّةً، لَكِنَّ الْمُتَّجَهُ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لِكَمَالِهَا لَا لِأَصْلِهَا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَفْهَمُهَا اهـ.
قَالَ سم عَلَى حَجّ: فَلَوْ قَرَأَ الْجُنُبُ الْآيَةَ لَا بِقَصْدِ قُرْآنٍ فَهَلْ تُجْزِئُ لِقِرَاءَتِهِ ذَاتَ الْآيَةِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ قُرْآنًا إلَّا بِالْقَصْدِ؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ.
أَقُولُ: الْأَقْرَبُ الثَّانِي، بَلْ لَا وَجْهَ لِلتَّرَدُّدِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَصَدَ الذِّكْرَ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا، وَبَقِيَ مَا لَوْ قَرَأَ الْآيَةَ وَالْحَالَةُ مَا ذُكِرَ بِقَصْدِ الْقُرْآنِ فَقَطْ فَهَلْ تُجْزِئُهُ مَعَ الْحُرْمَةِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا، وَصَرِيحُ كَلَامِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ حَيْثُ قَالَ: وَحُرْمَةُ قِرَاءَةِ الْجُنُبِ آيَةً إلَخْ الْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَقَدْ وُجِدَ مُسَمَّى الْآيَةِ ذَاتًا وَوَصْفًا (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ الْإِسْمَاعَ هُنَا يَسْتَلْزِمُ السَّمَاعَ) لَعَلَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا قِيلَ إنَّهُ يُقَالُ:
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ الْإِسْمَاعَ هُنَا) أَيْ بِخِلَافِهِ فِي الْجُمُعَةِ إذْ الْمُعْتَبَرُ ثَمَّ الْإِسْمَاعُ وَالسَّمَاعُ بِالْقُوَّةِ، بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالْفِعْلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشِّهَابُ حَجّ فِي الْإِسْمَاعِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلسَّمَاعِ.
أَمَّا لَوْ نَذَرَ وَجَبَ أَنْ يَخْطُبَهَا قَائِمًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، وَيُسْتَحَبُّ الْجُلُوسُ قَبْلَهُمَا لِلِاسْتِرَاحَةِ.
قَالَ الْخُوَارِزْمِيَّ: قَدْرَ الْأَذَانِ: أَيْ فِي الْجُمُعَةِ وَعَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الشُّرُوطِ يُسْتَحَبُّ الْإِتْيَانُ بِهَا (وَيُعَلِّمُهُمْ) اسْتِحْبَابًا (فِي) كُلِّ عِيدٍ أَحْكَامَهُ فَفِي عِيدِ (الْفِطْرِ) أَحْكَامُ (الْفِطْرَةِ) وَهِيَ بِكَسْرِ الْفَاءِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَبِضَمِّهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ (وَ) فِي (الْأَضْحَى) أَحْكَامُ (الْأُضْحِيَّةَ) ؛ لِلِاتِّبَاعِ؛ وَلِكَوْنِهِ لَائِقًا بِالْحَالِ (يَفْتَتِحُ) الْخُطْبَةَ (الْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ وَلَاءً) إفْرَادًا (وَ) الْخُطْبَةَ (الثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ) وَلَاءً كَذَلِكَ لِقَوْلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ إلَى ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ: الْخُطْبَةُ شُبِّهَتْ بِالصَّلَاةِ هُنَا، فَإِنَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى يَفْتَتِحُهَا بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ مَعَ تَكْبِيرَةِ التَّحْرِيمِ وَالرُّكُوعِ.
فَجُمْلَتُهَا تِسْعٌ، وَالثَّانِيَةَ بِخَمْسٍ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ، وَالْوَلَاءُ سُنَّةٌ فِي التَّكْبِيرَاتِ، وَكَذَا الْإِفْرَادُ، فَلَوْ تَخَلَّلَ ذِكْرٌ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا جَازَ، وَالتَّكْبِيرَاتُ مُقَدِّمَةٌ لِلْخُطْبَةِ وَلَيْسَتْ مِنْهَا وَافْتِتَاحُ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ بِبَعْضِ مُقَدِّمَاتِهِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ نَفْسِهِ، وَيُسَنُّ لِلنِّسَاءِ اسْتِمَاعُ الْخُطْبَتَيْنِ، وَمَنْ يُصَلِّي وَحْدَهُ لَا يَخْطُبُ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ، وَمَنْ دَخَلَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ بَدَأَ بِالتَّحِيَّةِ إنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَةِ يُصَلِّي فِيهِ صَلَاةَ الْعِيدِ، فَلَوْ صَلَّى فِيهِ الْعِيدَ بَدَلَ التَّحِيَّةِ وَهُوَ الْأَوْلَى حَصَلَا، فَإِنْ دَخَلَ وَعَلَيْهِ مَكْتُوبَةٌ فَعَلَهَا وَحَصَلَتْ التَّحِيَّةُ بِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ سُنَّ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ لِلِاسْتِمَاعِ لِعَدَمِ طَلَبِ تَحِيَّةٍ وَيُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَهَا فَيُقَدِّمُهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا أَخَّرَهَا تَخَيَّرَ بَيْنَ صَلَاتِهَا فِي مَحَلِّهِ وَبَيْنَ فِعْلِهَا فِي غَيْرِهِ إنْ أَمِنَ فَوْتَهَا، وَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْخُطْبَةِ إعَادَةُ ذَلِكَ لِمَنْ فَاتَهُ سَمَاعُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذِكْرًا، وَالْخُطَبُ الْمَشْرُوعَةُ عَشْرٌ: خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَأَرْبَعٍ فِي الْحَجِّ، وَكُلُّهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ إلَّا خُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ وَعَرَفَةَ فَقَبْلَهَا، وَكُلُّهَا ثِنْتَانِ إلَّا الثَّلَاثَةَ الْبَاقِيَةَ فِي الْحَجِّ فَفُرَادَى.
(وَيُنْدَبُ) لَهُ (الْغُسْلُ) لِكُلٍّ مِنْ عِيدِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى قِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ، وَفُهِمَ مِنْ إطْلَاقِهِ اسْتِحْبَابُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ
[حاشية الشبراملسي]
أَسْمَعْته فَلَمْ يَسْمَعْ فَإِنَّ ذَاكَ مَجَازٌ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ رَفَعْت صَوْتِي بِالْكَلَامِ فَلَمْ يَسْمَعْ لِبُعْدِهِ مَثَلًا (قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ نَذَرَ وَجَبَ أَنْ يَخْطُبَهَا قَائِمًا) وَكَذَا لَوْ نَذَرَ الْخُطْبَةَ وَحْدَهَا وَكَالْقِيَامِ غَيْرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ شُرُوطِ الْجُمُعَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّذْرَ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ خَالَفَ صَحَّ مَعَ الْإِثْمِ (قَوْلُهُ: أَحْكَامُ الْفِطْرَةِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ الْفِطْرَةِ: أَيْ أَحْكَامُهَا، مِثْلُهُ يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ لِأَنَّ فِيمَا ذَكَرَهُ تَغْيِيرًا لِإِعْرَابِ الْمَتْنِ ثُمَّ رَأَيْته كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (قَوْلُهُ: بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ) هَلْ تَفُوتُ هَذِهِ التَّكْبِيرَاتُ بِالشُّرُوعِ فِي أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ لَا يَبْعُدُ الْفَوَاتُ كَمَا يَفُوتُ التَّكْبِيرُ فِي الصَّلَاةِ بِالشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِعَدَمِ الْفَوَاتِ، وَيُوَجَّهُ بِمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْ السُّبْكِيّ مِنْ طَلَبِ الْإِكْثَارِ مِنْهُ فِي فُصُولِ الْخُطْبَةِ: أَيْ بَيْنَ سَجَعَاتِهَا (قَوْلُهُ: وَلَاءً إفْرَادًا) أَيْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَقَوْلُهُ وَلَاءً: أَيْ فَيَضُرُّ الْفَصْلُ الطَّوِيلُ، فَعُلِمَ أَنَّ ذِكْرَ الْوَلَاءِ لَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْإِفْرَادِ، وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ فِي الْقُوتِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِيَةُ بِسَبْعٍ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِالتَّكْبِيرِ وَيُكْثِرَ مِنْهُ فِي فُصُولِ الْخُطْبَةِ قَالَهُ السُّبْكِيُّ اهـ شَرْحُ رَوْضٍ (قَوْلُهُ: وَلَاءً كَذَلِكَ) أَيْ إفْرَادًا (قَوْلُهُ: أَوْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا) أَيْ أَوْ بَيْنَ الْجَمِيعِ (قَوْلُهُ: جَازَ) يُؤْخَذُ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالْجَوَازِ كَالْمَحَلِّيِّ عَدَمُ سَنِّ الْفَصْلِ الْمَذْكُورِ، وَعَلَيْهِ فَهَلْ يَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ فِي الْإِتْيَانِ بِهِ تَرَفَ الْوَلَاءِ الْمَطْلُوبِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَتْ مِنْهَا) وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ أَخَلَّ فِيهَا بِالشُّرُوطِ لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا لِصِحَّةِ الْخُطْبَةِ (قَوْلُهُ: بَدَأَ بِالتَّحِيَّةِ) أَيْ حَيْثُ أَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الْعِيدِ لِمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ فَلَوْ صَلَّى إلَخْ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَهَا) أَيْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَمِثْلُهُ مَا لَوْ عَرَضَ لَهُ مَانِعٌ مِنْ فِعْلِهَا لَوْ أَخَّرَهَا إلَى فَرَاغِ الْخُطْبَةِ (قَوْلُهُ: فَيُقَدِّمُهَا عَلَيْهِ) أَيْ السَّمَاعِ (قَوْلُهُ: إعَادَةُ ذَلِكَ) أَيْ الْخُطْبَةِ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إلَى تَطْوِيلٍ كَأَنْ كَثُرَ الدَّاخِلُونَ وَتَرَتَّبُوا فِي الْمَجِيءِ (قَوْلُهُ: إلَّا الثَّلَاثَةَ الْبَاقِيَةَ) أَيْ بَعْدَ عَرَفَةَ
(قَوْلُهُ: وَيُنْدَبُ لَهُ الْغُسْلُ) أَيْ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ الْغُسْلُ تَيَمَّمَ (قَوْلُهُ: اسْتِحْبَابُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: وَهَلْ يُسْتَحَبُّ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى النَّظَافَةِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ صَلَاتَهُ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ زِينَةٍ فَالْغُسْلُ لَهُ، بِخِلَافِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْجُمُعَةِ لَكِنَّهُ ذَكَرَهُ هُنَا تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ (وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ) ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْقُرَى الَّذِينَ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ يُبَكِّرُونَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ مِنْ قُرَاهُمْ، فَلَوْ لَمْ يَجُزْ الْغُسْلُ لَيْلًا لَشَقَّ عَلَيْهِمْ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ تَأْخِيرُ صَلَاتِهَا وَتَقْدِيمُ صَلَاتِهِ فَعُلِّقَ غُسْلُهُ بِاللَّيْلِ وَلَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِعْلُهُ بَعْدَ الْفَجْرِ (وَفِي قَوْلٍ) يَدْخُلُ وَقْتُهُ (بِالْفَجْرِ) كَالْجُمُعَةِ وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ (وَ) يُنْدَبُ (الطِّيبُ) أَيْ التَّطَيُّبُ لِلذِّكْرِ بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُهُ عِنْدَهُ مِنْ الطِّيبِ (وَالتَّزَيُّنُ كَالْجُمُعَةِ) بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَأَفْضَلُهَا الْبِيضُ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرُهَا أَحْسَنَ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا هُنَا لَا فِي الْجُمُعَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَصْدَ هُنَا إظْهَارُ النِّعَمِ وَثَمَّ إظْهَارُ التَّوَاضُعِ، وَسَوَاءٌ أَرَادَ حُضُورَ الصَّلَاةِ أَمْ لَا وَلَوْ صَبِيًّا كَمَا مَرَّ فِي الْغُسْلِ، أَمَّا الْإِنَاثُ فَيُكْرَهُ حُضُورُ ذَاتِ الْجَمَالِ وَالْهَيْئَةِ مِنْهُنَّ، وَيُسْتَحَبُّ لِغَيْرِهَا بِإِذْنِ الزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ، وَتَتَنَظَّفُ بِالْمَاءِ وَلَا تَتَطَيَّبُ وَتَخْرُجُ فِي ثِيَابِ بِذْلَتِهَا، وَالْخُنْثَى كَالْأُنْثَى فِيمَا تَقَرَّرَ، فَإِنْ كَانَتْ الْأُنْثَى مُقِيمَةً بِبَيْتِهَا اُسْتُحِبَّ لَهَا ذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ إزَالَةُ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ وَالرِّيحِ الْكَرِيهِ، وَالْمُسْتَسْقِي
[حاشية الشبراملسي]
وَالزِّينَةُ وَكَمَا فِي غُسْلِ الْإِحْرَامِ؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ.
أَقُولُ: هُوَ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ (قَوْلُهُ: وَلَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِعْلُهُ بَعْدَ الْفَجْرِ) قَالَ سم عَلَى حَجّ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: وَهَلْ غَيْرُ الْغُسْلِ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ كَالتَّبْكِيرِ وَالطِّيبِ كَذَلِكَ أَوْ لَا يَدْخُلُ وَقْتُهَا إلَّا بِالْفَجْرِ؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لحج مَا يَقْتَضِي دُخُولَهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ فِي التَّطَيُّبِ وَالتَّزْيِينِ اهـ.
وَقَضِيَّةُ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذَيْنِ أَنَّ التَّبْكِيرَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَسَيَأْتِي مَا يُوَافِقُهُ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ: وَيُبَكِّرُ النَّاسُ نَدْبًا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَعِبَارَةُ مُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ تَبَعًا لِلْإِرْشَادِ: وَالْغُسْلُ لِلْعِيدَيْنِ وَالتَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُّنُ لِقَاعِدٍ وَخَارِجٍ وَإِنْ غَيْرَ مُصَلٍّ مِنْ نِصْفِ لَيْلٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَيْ التَّطَيُّبُ) هَلْ التَّطَيُّبُ وَمَا ذَكَرَ مَعَهُ مِنْ التَّزَيُّنِ.
. إلَخْ هُنَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْجُمُعَةِ أَوْ هُوَ فِيهَا أَفْضَلُ أَوْ يَسْتَوِيَانِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ تَفْضِيلُ مَا هُنَا عَلَى الْجُمُعَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ طَلَبَ هُنَا أَعْلَى الثِّيَابِ قِيمَةً وَأَحْسَنَهَا مَنْظَرًا، وَلَمْ يَخْتَصَّ التَّزَيُّنُ فِيهِ بِمُرِيدِ الْحُضُورِ بَلْ طُلِبَ حَتَّى مِنْ النِّسَاءِ فِي بُيُوتِهِنَّ (قَوْلُهُ: وَالتَّزَيُّنُ) أَيْ تَزْيِينُهُ نَفْسَهُ (قَوْلُهُ: لَا فِي الْجُمُعَةِ) وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يَكُونُ غَيْرُ الْبِيضِ أَفْضَلَ إذَا وَافَقَ يَوْمُ الْعِيدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ إذَا خَرَجُوا لِلِاسْتِسْقَاءِ يَوْمَ الْعِيدِ خَرَجُوا بِثِيَابِ الْبِذْلَةِ، فَنَصُّوا عَلَى اسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الصُّورَةِ فَبَقِيَ مَا عَدَاهَا عَلَى عُمُومِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ وَهَذَا اسْتِثْنَاءُ مَعْنًى اهـ.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى بَهْجَةٍ: لَوْ وَافَقَ الْعِيدُ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْأَفْضَلُ لُبْسَ أَحْسَنِ الثِّيَابِ إلَّا عِنْدَ حُضُورِ الْجُمُعَةِ فَالْأَبْيَضُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. لَكِنْ تَقَدَّمَ لَهُ عَلَى حَجّ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ مَا نَصُّهُ: وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عِيدٍ فَهَلْ يُرَاعِي الْجُمُعَةَ فَيُقَدِّمُ الْأَبْيَضَ أَوْ الْعِيدَ فَالْأَعْلَى، أَوْ يُرَاعِي الْجُمُعَةَ وَقْتَ إقَامَتِهَا فَيُقَدِّمُ الْأَبْيَضَ حِينَئِذٍ وَالْعِيدَ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ فَيُقَدِّمُ الْأَعْلَى فِيهَا؟ لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ أَنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِ فِي كُلِّ زَمَنٍ أَنَّهُ لَوْ رُوعِيَتْ الْجُمُعَةُ رُوعِيَتْ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ، وَقَدْ يَرْجَحُ مُرَاعَاةُ الْعِيدِ مُطْلَقًا، إذْ الزِّينَةُ فِيهِ آكَدُ مِنْهَا فِي الْجُمُعَةِ، وَلِهَذَا سُنَّ الْغُسْلُ وَغَيْرُهُ فِيهِ لِكُلِّ أَحَدٍ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ (قَوْلُهُ أَمَّا الْإِنَاثُ فَيُكْرَهُ إلَخْ) هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا وَيَأْتِي فِي خُرُوجِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ ذَاتُ الْجَمَالِ قَضِيَّتُهُ أَنَّ غَيْرَ الْجَمِيلَةِ تَحْضُرُ غَيْرَ مُتَزَيِّنَةٍ وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً، وَقَضِيَّةُ تَعْبِيرِ غَيْرِهِ بِشَابَّةٍ يُخْرِجُهُ (قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ إزَالَةُ الشَّعْرِ) أَيْ الَّذِي تُطْلَبُ إزَالَتُهُ كَالْعَانَةِ وَالْإِبِطِ: أَيْ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِبَدَنِهِ شَعْرٌ فَهَلْ يُسَنُّ لَهُ إمْرَارُ الْمُوسَى
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ تَأْخِيرُ صَلَاتِهَا إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ مَا قَبْلَهُ كَافٍ فِي الْفَرْقِ، فَلَوْ أَسْقَطَ لَفْظَ الْفَرْقِ وَجَعَلَ مَا بَعْدَهُ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ لَكَانَ أَوْضَحَ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْإِنَاثُ فَيُكْرَهُ حُضُورُ ذَاتِ الْجَمَالِ إلَخْ) هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ الْمَارِّ آنِفًا، وَيَأْتِي فِي خُرُوجِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ لَهَا جَمِيعُ مَا مَرَّ أَوَائِلَ الْجَمَاعَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ وَتُنَظِّفُ بِالْمَاءِ إلَخْ، وَكَانَ الْأَوْلَى الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ هُنَا بِالذَّاتِ.
يَوْمَ الْعِيدِ يَتْرُكُ الزِّينَةَ وَالطِّيبَ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَذُو الثَّوْبِ الْوَاحِدِ يَغْسِلُهُ نَدْبًا لِكُلِّ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ.
(وَفِعْلُهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ (بِالْمَسْجِدِ) (أَفْضَلُ) مِنْ الْفِعْلِ بِالصَّحْرَاءِ إنْ اتَّسَعَ، أَوْ حَصَلَ مَطَرٌ وَنَحْوُهُ لِشَرَفِهِ وَلِسُهُولَةِ الْحُضُورِ إلَيْهِ مَعَ الْوُسْعِ فِي الْأَوَّلِ وَمَعَ الْعُذْرِ فِي الثَّانِي، فَلَوْ صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ كَانَ تَارِكًا لِلْأَوْلَى مَعَ الْكَرَاهَةِ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، وَفِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ أَفْضَلُ مُطْلَقًا لِشَرَفِهِمَا مَعَ سُهُولَةِ الْحُضُورِ لَهُمَا وَاتِّسَاعِهِمَا، وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْأُسْتَاذِ إلْحَاقُ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ بِمَسْجِدِ مَكَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُلْحِقْهُ بِهِ فَذَاكَ قَبْلَ اتِّسَاعِهِ الْآنَ، وَالْحُيَّضُ، وَنَحْوُهُنَّ يَقِفْنَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ لِحُرْمَةِ دُخُولِهِنَّ لَهُ وَلَوْ ضَاقَتْ الْمَسَاجِدُ، وَلَا عُذْرَ كُرِهَ فِعْلُهَا فِيهَا لِلتَّشْوِيشِ بِالزِّحَامِ وَخَرَجَ إلَى الصَّحْرَاءِ؛ لِأَنَّهَا أَرْفَقُ بِالرَّاكِبِ وَغَيْرِهِ (وَقِيلَ) فِعْلُهَا (بِالصَّحْرَاءِ) أَفْضَلُ لِمَا مَرَّ (إلَّا لِعُذْرٍ) كَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ فَالْمَسْجِدُ أَفْضَلُ.
(وَيَسْتَخْلِفُ) الْإِمَامُ نَدْبًا عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى الصَّحْرَاءِ (مَنْ يُصَلِّي) فِي الْمَسْجِدِ (بِالضَّعَفَةِ) كَالشُّيُوخِ وَالْمَرْضَى وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ الْأَقْوِيَاءِ لِمَا صَحَّ: أَنَّ عَلِيًّا اسْتَخْلَفَ أَبَا مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيَّ فِي ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ حَثًّا وَإِعَانَةً عَلَى صَلَاتِهِمْ جَمَاعَةً.
وَيُكْرَهُ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يَخْطُبَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَالِي كَمَا فِي الْأُمِّ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْخُطْبَةِ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُتَّجَهُ اسْتِحْبَابُ الِاسْتِخْلَافِ فِي الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ جَمِيعًا، وَلَيْسَ لِمَنْ وَلِيَ إمَامَةَ.
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى بَدَنِهِ تَشْبِيهًا بِالْحَالِقِينَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيِّنُ عَدَمُهُ لِأَنَّ إزَالَةَ الشَّعْرِ لَيْسَ مَطْلُوبًا لِذَاتِهِ بَلْ لِلتَّنَظُّفِ، وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا ذُكِرَ وَبَيْنَ الْمُحْرِمِ إذَا دَخَلَ وَقْتُ تَحَلُّلِهِ وَلَيْسَ بِرَأْسِهِ شَعْرٌ حَيْثُ يُسَنُّ لَهُ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ، فَإِنَّ إزَالَةَ الشَّعْرِ ثَمَّ مَطْلُوبَةٌ لِذَاتِهَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ) أَيْ لِشِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ إلَى مَا خَرَجُوا لِأَجْلِهِ فَيُطْلَبُ مِنْهُمْ الْخُرُوجُ بِصُورَةِ الذُّلِّ وَالِانْكِسَارِ
(قَوْلُهُ: إنْ اتَّسَعَ أَوْ حَصَلَ مَطَرٌ) أَيْ فَلَوْ لَمْ يَتَّسِعْ وَفَعَلَهَا بِالصَّحْرَاءِ فَهَلْ الْأَفْضَلُ جَعْلُهُمْ صُفُوفًا أَوْ صَفًّا وَاحِدًا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِمَا فِي الثَّانِي مِنْ التَّشْوِيشِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ بِالْبُعْدِ عَنْ الْإِمَامِ وَعَدَمِ سَمَاعِهِمْ قِرَاءَتَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَتُعْتَبَرُ الْمَسَافَةُ فِي عَرْضِ الصُّفُوفِ بِمَا يُهَيِّئُونَهُ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ مَا يَسَعُهُمْ عَادَةً مُصْطَفِّينَ مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ فِي السَّعَةِ وَلَا ضِيقٍ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ حَصَلَ مَطَرٌ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: بِمَسْجِدِ مَكَّةَ) لَمْ يَقُلْ بِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ مَسْجِدُ مَكَّةَ، وَأَمَّا بَيْتُ الْمَقْدِسِ فَأَلْحَقهُ بِهِ الصَّيْدَلَانِيُّ كَمَا فِي الْمَحَلِّيِّ (قَوْلُهُ: يَقِفْنَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْنَ الْخُطْبَةَ إظْهَارًا لِشَعَائِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِكَثْرَةِ الْجَمْعِ فِيهِ، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّهُنَّ إذَا حَضَرْنَ يَقِفْنَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ طَلَبَ الْحُضُورِ مِنْهُنَّ (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ إلَى الصَّحْرَاءِ) أَيْ نَدْبًا
(قَوْلُهُ: أَنْ يَخْطُبَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَالِي) بَلْ مِثْلُ الْوَالِي الْإِمَامُ الرَّاتِبُ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ لِلصَّحْرَاءِ فَاسْتَخْلَفَ غَيْرَهُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ مِثْلُهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَفْضَلُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ أَحَصَلَ نَحْوُ مَطَرٍ أَمْ لَا، فَلَيْسَ هَذَا الْإِطْلَاقُ مُقَابِلًا لِلتَّقَيُّدَيْنِ السَّابِقَيْنِ بَلْ لِأَحَدِهِمَا كَمَا تَقَرَّرَ إذْ الْوَاقِعُ أَنَّهُمَا فِي غَايَةِ الِاتِّسَاعِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْدُ بِقَوْلِهِ وَاتِّسَاعُهُمَا، وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ قَطْعًا بَدَلُ مُطْلَقًا، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَطْ: أَيْ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَتْنِ وَكَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيرُ هَذَا عَنْ الْقِيلِ الْآتِي، وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ: صَلَاةُ الْعِيدِ تَجُوزُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَفِي الْجَامِعِ: وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ إذَا كَانَ بِمَكَّةَ فَالْمَسْجِدُ أَفْضَلُ قَطْعًا، وَأَلْحَقَ بِهِ الصَّيْدَلَانِيُّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِمَا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالْحُيَّضُ وَنَحْوُهُنَّ يَقِفْنَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ) أَيْ لِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ وَذَوَاتَ الْخُدُورِ» ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ
(قَوْلُهُ: بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَالِي) أَيْ إذَا كَانَ هُوَ الْإِمَامَ كَمَا كَانَ فِي الْأَعْصُرِ الْخَالِيَةِ، فَالْمُرَادُ الْإِمَامُ الْخَارِجُ إلَى الصَّحْرَاءِ إذَا اسْتَخْلَفَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَعِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ:
الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَقٌّ فِي إمَامَةِ عِيدٍ وَخُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ، إلَّا إنْ نَصَّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ قُلِّدَ إمَامَةَ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَمَنْ قُلِّدَ صَلَاةَ عِيدٍ فِي عَامٍ صَلَّاهَا فِي كُلِّ عَامٍ؛ لِأَنَّ لَهَا وَقْتًا مُعَيَّنًا تَتَكَرَّرُ فِيهِ، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْخُسُوفِ، أَوْ الِاسْتِسْقَاءِ فَلَا يَفْعَلُهَا كُلَّ عَامٍ، بَلْ فِي الْعَامِ الَّذِي قُلِّدَهَا فِيهِ، وَإِمَامَةُ التَّرَاوِيحِ وَالْوِتْرِ تَابِعَةٌ لِلْإِمَامَةِ فِي الْعِشَاءِ فَيَسْتَحِقُّهَا إمَامُهَا.
(وَيَذْهَبُ) نَدْبًا قَاصِدُ صَلَاةِ الْعِيدِ إنْ كَانَ قَادِرًا إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا (فِي طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ فِي) طَرِيقٍ (آخَرَ) غَيْرِ الَّذِي ذَهَبَ فِيهِ، وَيَخُصُّ بِالذَّهَابِ أَطْوَلَهُمَا لِلِاتِّبَاعِ فِي ذَلِكَ، وَالْأَرْجَحُ فِي سَبَبِهِ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ فِي أَطْوَلِهِمَا تَكْثِيرًا لِلْأَجْرِ وَيَرْجِعُ فِي أَقْصَرِهِمَا، وَوَرَاءَهُ أَقْوَالٌ أُخَرُ: شَهَادَةُ الطَّرِيقِينَ تَبَرُّكُ أَهْلِهِمَا بِهِ اسْتِفْتَاؤُهُ فِيهِمَا تَصَدُّقُهُ عَلَى فُقَرَائِهِمَا نَفَاذُ مَا يُتَصَدَّقُ بِهِ زِيَارَةُ قُبُورِ أَقَارِبِهِ فِيهِمَا ازْدِيَادُ غَيْظِ الْمُنَافِقِينَ الْحَذَرُ مِنْهُمْ التَّفَاؤُلُ بِتَغْيِيرِ الْحَالِ إلَى الْمَغْفِرَةِ وَالرِّضَا خَشْيَةَ الزَّحْمَةِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا أَوْ أَكْثَرِهَا، وَفِي الْأُمِّ: وَاسْتُحِبَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ فِي طَرِيقِ رُجُوعِهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَيَدْعُوَ لِحَدِيثٍ فِيهِ، وَلَا يَتَقَيَّدُ مَا ذُكِرَ بِالْعِيدِ بَلْ يَجْرِي فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ كَالْحَجِّ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي رِيَاضِهِ.
(وَيُبَكِّرُ النَّاسُ) لِلْحُضُورِ لِلْعِيدِ نَدْبًا بَعْدَ صَلَاتِهِمْ الصُّبْحَ لِيَحْصُلَ لَهُمْ الْقُرْبُ مِنْ الْإِمَامِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ، هَذَا إنْ خَرَجُوا إلَى الصَّحْرَاءِ، فَإِنْ صَلَّوْا فِي الْمَسْجِدِ مَكَثُوا فِيهِ إذَا صَلَّوْا الْفَجْرَ فِيمَا يَظْهَرُ، قَالَهُ
[حاشية الشبراملسي]
لِأَنَّهُ بِتَقْرِيرِهِ فِي الْوَظِيفَةِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مُوَلِّيهِ (قَوْلُهُ: فِي إمَامَةِ عِيدٍ وَخُسُوفٍ) قَضِيَّةُ اقْتِصَارِهِ عَلَى مَا ذَكَرَ شُمُولُهُ وِلَايَةَ الصَّلَوَاتِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ مُرَادًا لِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ إفْرَادِ الْجُمُعَةِ بِإِمَامٍ (قَوْلُهُ: فَيَسْتَحِقُّهُ إمَامُهَا) أَيْ يُقَدَّمُ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ كَالْإِمَامِ الرَّاتِبِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ
(قَوْلُهُ: وَيَخُصُّ بِالذَّهَابِ أَطْوَلَهُمَا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ لَكِنْ قَالَ حَجّ: قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: يُسْتَحَبُّ الذَّهَابُ فِي أَطْوَلِ الطَّرِيقَيْنِ، إلَّا لِلصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ نُدِبَتْ الْمُبَادَرَةُ إلَيْهَا وَالْمَشْيُ إلَيْهَا مِنْ الطَّرِيقِ الْأَقْصَرِ، وَكَذَا إذَا خَشِيَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ اهـ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ بِالْأَوْلَى نَدْبُ الذَّهَابِ فِي أَقْصَرِ الطَّرِيقِينَ وَالْإِسْرَاعُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، بَلْ يَجِبُ مَا ذُكِرَ إذَا خَافَ فَوْتَ الْفَرْضِ (قَوْلُهُ: أَوْ أَكْثَرُهَا) قَالَ حَجّ: وَعَلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي يُسَنُّ ذَلِكَ وَلَوْ لِمَنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ كَالرَّمْلِيِّ وَالْأَطْبَاعِيِّ (قَوْلُهُ: وَأَسْتَحِبُّ لِلْإِمَامِ) أَيْ أَقُولُ بِاسْتِحْبَابِهِ فَهُوَ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَقِفَ فِي طَرِيقِ رُجُوعِهِ) أَيْ فِي أَيِّ مَحَلٍّ اتَّفَقَ مِنْهُ، وَهَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْعِيدِ أَوْ يَعُمُّ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي: وَلَا يَتَقَيَّدُ مَا ذُكِرَ بِالْعِيدِ الثَّانِي فَلْيُرَاجَعْ.
[فَائِدَةٌ] ذَكَرَ الشَّامِيُّ فِي سِيرَتِهِ جِمَاعَ أَبْوَابِ سِيرَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ مِنْ آدَابِهِ فِي رُجُوعِهِ مِنْ الْمُصَلَّى مَا نَصُّهُ: وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: الْخُرُوجُ فِي الْعِيدَيْنِ إلَى الْجَبَّانَةِ مِنْ السُّنَّةِ اهـ (قَوْلُهُ: وَيَدْعُو) وَيُعَمِّمُ فِيهِ لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ أَنَّ الدُّعَاءَ الْعَامَّ أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ الْخَاصِّ (قَوْلُهُ: وَلَا يَتَقَيَّدُ مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ الذَّهَابِ فِي طَرِيقٍ.
إلَخْ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّوْا فِي الْمَسْجِدِ مَكَثُوا فِيهِ) أَيْ فَلَوْ خَرَجُوا مِنْهُ ثُمَّ
[حاشية الرشيدي]
وَيَأْمُرهُ الْإِمَامُ بِالْخُطْبَةِ، فَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ لَمْ يَخْطُبْ نَصَّ عَلَيْهِ انْتَهَتْ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: تَكْثِيرًا لِلْأَجْرِ) أَيْ وَإِنَّمَا خُصَّ الذَّهَابُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ قَاصِدُ مَحْضِ الْعِبَادَةِ (قَوْلُهُ: وَوَرَاءَهُ أَقْوَالٌ) أَيْ بِالنَّظَرِ إلَى مُطْلَقِ مُخَالَفَةِ الطَّرِيقِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لَا بِالنَّظَرِ لِتَخْصِيصِ الذَّهَابِ بِالْأَطْوَلِ وَالرُّجُوعِ بِالْأَقْصَرِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ.
(قَوْلُهُ: مَكَثُوا فِيهِ إلَخْ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي الْغُسْلِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَقَدْ تَعَارَضَ اسْتِحْبَابُ كَوْنِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَاسْتِحْبَابُ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ فَأَيُّهُمَا يُرَاعَى وَكَلَامُنَا فِي الِابْتِدَاءِ، وَإِلَّا فَإِذَا اتَّفَقَ أَنَّهُ حَضَرَ بِلَا غُسْلٍ فَلْيَذْهَبْ لَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ ثُمَّ يَحْضُرْ لِلْعِيدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التُّحْفَةِ.
وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَعَارُضَ لِانْدِفَاعِهِ بِأَنْ يَغْتَسِلَ عَقِبَ الْفَجْرِ بِمَحَلِّهِ مَثَلًا
الْبَدْرُ بْنُ قَاضِي شُهْبَةَ.
قَالَ الْغَزِّيِّ: إنَّهُ الظَّاهِرُ (وَيَحْضُرُ الْإِمَامُ) مُتَأَخِّرًا عَنْهُمْ (وَقْت صَلَاته) نَدْبًا، وَلْيَكُنْ فِي الْفِطْرِ كَرُبْعِ النَّهَارِ، وَفِي الْأَضْحَى كَسُدُسِهِ؛ لِأَنَّ انْتِظَارَهُمْ إيَّاهُ أَلْيَقُ وَقَدْ نَظَرَ فِي ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ غَايَةَ التَّأْخِيرِ الْمَطْلُوبِ ذَلِكَ (وَيُعَجِّلُ) حُضُورَهُ (فِي الْأَضْحَى) نَدْبًا وَيُؤَخِّرُهُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَلِيلًا لِلِاتِّبَاعِ وَلِيَتَّسِعَ الْوَقْتُ قَبْلَ صَلَاةِ الْفِطْرِ لِتَفْرِيقِ الْفِطْرَةِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْأَضْحَى لِلتَّضْحِيَةِ.
(قُلْت) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ (وَيَأْكُلُ) ، أَوْ يَشْرَبُ (فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ) وَالْأَحَبُّ أَنْ يَكُونَ تَمْرًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا ذُكِرَ فِي بَيْتِهِ فَفِي طَرِيقِهِ، أَوْ الْمُصَلَّى عِنْدَ تَيَسُّرِهِ (وَيُمْسِكُ) عَنْ الْأَكْلِ (فِي) عِيدِ (الْأَضْحَى) حَتَّى يُصَلِّيَ لِلِاتِّبَاعِ وَلِيَتَمَيَّزَ عِيدُ الْفِطْرِ عَمَّا قَبْلَهُ الَّذِي كَانَ فِيهِ حَرَامًا، وَلِيَعْلَمَ نَسْخَ تَحْرِيمِ الْفِطْرِ قَبْلَ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ كَانَ مُحَرَّمًا قَبْلَهَا أَوَّلَ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الْأَضْحَى، وَالشُّرْبُ كَالْأَكْلِ، وَيُكْرَهُ لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ النَّصِّ.
(وَيَذْهَبُ) لِلْعِيدِ (مَاشِيًا) كَالْجُمُعَةِ (بِسَكِينَةٍ) لِمَا مَرَّ، فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا فَلَا بَأْسَ بِرُكُوبِهِ لِعُذْرِهِ كَالرَّاجِعِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا حَيْثُ لَمْ يَتَأَذَّ بِهِ أَحَدٌ لِانْقِضَاءِ الْعِبَادَةِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ.
نَعَمْ قَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ: لَوْ كَانَ الْبَلَدُ ثَغْرًا لِأَهْلِ الْجِهَادِ بِقُرْبِ عَدُوِّهِمْ فَرُكُوبُهُمْ لِصَلَاةِ الْعِيدِ ذَهَابًا وَإِيَابًا وَإِظْهَارُ السِّلَاحِ أَوْلَى.
(وَلَا يُكْرَهُ) (النَّفَلُ قَبْلَهَا) بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ (لِغَيْرِ الْإِمَامِ) ، (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِانْتِفَاءِ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْكَرَاهَةِ فَخَرَجَ بِقَبْلِهَا بَعْدَهَا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ كُرِهَ لَهُ كَمَا مَرَّ وَإِلَّا فَلَا وَبِغَيْرِ الْإِمَامِ الْإِمَامُ فَيُكْرَهُ لَهُ النَّفَلُ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا لِاشْتِغَالِهِ بِغَيْرِ الْأَهَمِّ وَلِمُخَالَفَتِهِ فِعْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[حاشية الشبراملسي]
عَادُوا إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ حُضُورُهُمْ فِي الْأَصْلِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ عَلَى نِيَّةِ الْمُكْثِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ ثُمَّ خَرَجُوا لِعَارِضٍ لَمْ تَفُتْ سُنَّةُ التَّبْكِيرِ، وَإِنْ كَانَ الْحُضُورُ لِمُجَرَّدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِدُونِ قَصْدِ الْمُكْثِ لَمْ تَحْصُلْ تِلْكَ السُّنَّةُ (قَوْلُهُ: نَدْبًا) أَيْ وَيَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مِنْ الثَّوَابِ مَا يُسَاوِي فَضِيلَةَ التَّبْكِيرِ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهَا حَيْثُ كَانَ تَأَخُّرُهُ امْتِثَالًا لِأَمْرِ الشَّارِعِ (قَوْلُهُ: كَرُبْعِ النَّهَارِ) وَابْتِدَاؤُهُ مِنْ الْفَجْرِ، وَفِي الْأَضْحَى كَسُدُسِهِ، نَقَلَهُ حَجّ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ، وَعِبَارَتُهُ: وَحَدَّدَ الْمَاوَرْدِيُّ ذَلِكَ فِي الْأَضْحَى بِمُضِيِّ سُدُسِ النَّهَارِ، وَفِي الْفِطْرِ بِمُضِيِّ رُبْعِهِ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ) أَيْ قَوْلُهُ وَلْيَكُنْ فِي الْفِطْرِ.
إلَخْ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَإِنَّمَا الْوَجْهُ أَنَّهُ فِي الْأَضْحَى يَخْرُجُ عَقِبَ الِارْتِفَاعِ كَرُمْحٍ، وَفِي الْفِطْرِ يُؤَخِّرُ عَنْ ذَلِكَ قَلِيلًا
(قَوْلُهُ: وَالْأَحَبُّ أَنْ يَكُونَ تَمْرًا) وَأَنْ يَكُونَ وِتْرًا وَأُلْحِقَ بِهِ الزَّبِيبُ حَجّ (قَوْلُهُ: وَيُمْسِكُ فِي الْأَضْحَى) وَعَلَيْهِ فَلَا تَنْخَرِمُ الْمُرُوءَةُ بِهِ لِعُذْرِهِ اهـ حَجّ: أَيْ بِفِعْلِ مَا طُلِبَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: أَوَّلُ الْإِسْلَامِ) الْمُرَادُ بِهِ مَا لَيْسَ بِآخِرِهِ وَإِلَّا فَصَلَاةُ الْعِيدِ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ: وَالشُّرْبُ كَالْأَكْلِ) أَيْ فَيُمْسِكُ عَنْهُ كَالْأَكْلِ، وَلَيْسَ هَذَا عَيْنَ قَوْلِهِ قَبْلُ أَوْ يَشْرَبُ لِأَنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِعِيدِ الْفِطْرِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِعِيدِ الْأَضْحَى
(قَوْلُهُ: كَالرَّاجِعِ مِنْهَا) أَيْ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِرُكُوبِهِ (قَوْلُهُ: فَرُكُوبُهُمْ لِصَلَاةِ الْعِيدِ ذَهَابًا وَإِيَابًا) لَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ وَلَوْ قِيلَ بِهِ لَمْ يَبْعُدْ، وَلَعَلَّ حِكْمَةَ ذِكْرِهِمْ لَهُ فِي الْعِيدِ دُونَ الْجُمُعَةِ كَوْنُهُ يَوْمًا طُلِبَ فِيهِ إظْهَارُ الزِّينَةِ لِذَاتِهِ لَا لِلصَّلَاةِ
(قَوْلُهُ: فَيُكْرَهُ لَهُ النَّفَلُ قَبْلَهَا) أَيْ وَيَنْعَقِدُ (قَوْلُهُ: بِغَيْرِ الْأَهَمِّ) قَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ خَطَبَ غَيْرُهُ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ التَّنَفُّلُ، وَصَرَّحَ حَجّ بِخِلَافِهِ
[حاشية الرشيدي]
ثُمَّ يَحْضُرُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَيَسْتَمِرُّ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ، لَكِنْ قَدْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ فَوَاتُ سُنَّةِ الْمُبَادَرَةِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ سُنَّةِ إيقَاعِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ سُنَّةِ الْجَمَاعَةِ إذَا كَانَ إمَامُهَا يُبَادِرُ بِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلِيَكُنْ فِي الْفِطْرِ كَرُبُعِ النَّهَارِ) الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُعَجِّلُ فِي الْأَضْحَى كَمَا صَنَعَ فِي التُّحْفَةِ
(قَوْلُهُ: وَبِغَيْرِ الْإِمَامُ الْإِمَامِ فَيُكْرَهُ لَهُ النَّفَلُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْقُوتِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ: وَلَا يُصَلِّ الْإِمَامُ بِالْمُصَلَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَلَا بَعْدَهَا.
قَالَ أَصْحَابُنَا:؛ لِأَنَّ وَظِيفَتَهُ بَعْدَ حُضُورِهِ الصَّلَاةَ وَبَعْدَهَا الْخُطْبَةُ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْكَرَاهَةِ بِمَنْ يَخْطُبُ.
أَمَّا حَيْثُ لَا يَخْطُبُ فَالْإِمَامُ كَغَيْرِهِ وَلَا كَرَاهَةَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ لِأَحَدٍ انْتَهَتْ.
وَيُسْتَحَبُّ إحْيَاءُ لَيْلَتَيْ الْعِيدِ بِالْعِبَادَةِ وَلَوْ كَانَتْ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ لِخَبَرِ «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» وَالْمُرَادُ بِمَوْتِ الْقُلُوبِ شَغَفُهَا بِحُبِّ الدُّنْيَا أَخْذًا مِنْ خَبَرِ «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَوْتَى؟ قِيلَ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْأَغْنِيَاءُ» وَقِيلَ الْكَفَرَةُ أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: 122] أَيْ كَافِرًا فَهَدَيْنَاهُ.
وَقِيلَ الْفَزَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَخْذًا مِنْ خَبَرِ «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ:، أَوْ غَيْرُهَا وَاسَوْأَتَاهُ، أَتَنْظُرُ الرِّجَالُ إلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَالنِّسَاءُ إلَى عَوْرَاتِ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ شُغْلًا لَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ أَنَّهُ رَجُلٌ وَلَا الْمَرْأَةُ أَنَّهَا امْرَأَةٌ» وَيَحْصُلُ الْإِحْيَاءُ بِمُعْظَمِ اللَّيْلِ وَإِنْ كَانَ الْأَرْجَحُ فِي حُصُولِ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ الِاكْتِفَاءُ فِيهِ بِلَحْظَةٍ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ اللَّيْلِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يَحْصُلُ إحْيَاؤُهُمَا بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ جَمَاعَةً وَالْعَزْمُ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ جَمَاعَةً، وَالدُّعَاءُ فِيهِمَا وَفِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتَيْ أَوَّلِ رَجَبٍ وَنِصْفِ شَعْبَانَ مُسْتَجَابٌ فَيُسْتَحَبُّ.
فَصْلٌ فِي االتَّكْبِيرِ الْمُرْسَلِ وَالْمُقَيَّدِ وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ وَيُسَمَّى بِالْمُطْلَقِ أَيْضًا، وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ عَقِبَ صَلَاةٍ فَقَالَ (يُنْدَبُ) (التَّكْبِيرُ) لِمُسَافِرٍ وَحَاضِرٍ وَذَكَرٍ وَغَيْرِهِ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ (بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ) اللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ الصَّادِقِ بَعِيدِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى (فِي الْمَنَازِلِ وَالطُّرُقِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ) لَيْلًا وَنَهَارًا، أَمَّا فِي الْفِطْرِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 185] قَالَ الشَّافِعِيُّ: سَمِعْت مَنْ أَرْضَاهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالْقُرْآنِ يَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْعِدَّةِ عِدَّةُ الصَّوْمِ، وَبِالتَّكْبِيرِ عِنْدَ الْإِكْمَالِ، وَأَمَّا عِيدُ الْأَضْحَى فَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ: أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْسَلِ، أَمَّا الْمُقَيَّدُ فَثَبَتَ بِالسُّنَّةِ (بِرَفْعِ الصَّوْتِ) إظْهَارًا لِشِعَارِ الْعِيدِ، وَاسْتَثْنَى الرَّافِعِيُّ مِنْ طَلَبِ رَفْعِ الصَّوْتِ الْمَرْأَةَ وَمَحَلُّهُ كَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ إذَا حَضَرَتْ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَلَمْ يَكُونُوا مَحَارِمَ
[حاشية الشبراملسي]
فِي شَرْحِ الْعُبَابِ كَمَا نَقَلَهُ سم عَنْهُ، وَقَضِيَّتُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا تَتَوَقَّفُ كَرَاهَةُ التَّنَفُّلِ لَهُ عَلَى كَوْنِهِ جَاءَ لِلْمَسْجِدِ وَقْتَ صَلَاةِ الْعِيدِ، بِلَوْ كَانَ جَالِسًا فِيهِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ كُرِهَ وَإِنْ كَانَ لِصَلَاتِهِ سَبَبٌ، ثُمَّ قَوْلُهُ لِاشْتِغَالِهِ إلَخْ هُوَ وَاضِحٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا بَعْدَهَا لِطَلَبِ الْخُطْبَةِ مِنْهُ.
وَأَمَّا لِمَا قَبْلَهَا فَإِنْ كَانَ دَخَلَ وَقْتُ إرَادَةِ الصَّلَاةِ فَوَاضِحٌ أَيْضًا، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا أَوْ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِالتَّأْخِيرِ فَمَا وَجْهُ الْكَرَاهَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْخُطْبَةُ مَطْلُوبَةً مِنْهُ كَانَ الْأَهَمُّ فِي حَقِّهِ اشْتِغَالَهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَمُرَاقَبَتَهُ لِوَقْتِ الصَّلَاةِ لِانْتِظَارِهِ إيَّاهَا
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَتْ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ) أَيْ فَإِنَّ إحْيَاءَهَا مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا عِيدًا وَكَرَاهَةَ تَخْصِيصِهَا بِقِيَامٍ إذَا لَمْ تُصَادِفْ لَيْلَةَ عِيدٍ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْفَزَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ (قَوْلُهُ: لَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ أَنَّهُ رَجُلٌ إلَخْ) أَيْ لِشِدَّةِ الْهَوْلِ وَانْتِظَارِهِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْفَرَجِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى تَصِيرَ عَيْنَاهُ لِكَثْرَةِ تَطَلُّعِهِ لِمَا يَحْصُلُ كَأَنَّهُمَا فِي رَأْسِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْأَرْجَحُ إلَخْ) أَخَذَهُ غَايَةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا، إذْ الْمَقْصِدُ مِنْ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ إحْيَاؤُهَا (قَوْلُهُ: بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ جَمَاعَةً) أَيْ وَلَوْ فِي الْوَقْتِ الْمَفْضُولِ (قَوْلُهُ: وَالْعَزْمُ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ صَلَاتُهُ فِي جَمَاعَةٍ.
[فَصْلٌ فِي التَّكْبِيرِ الْمُرْسَلِ وَالْمُقَيَّدِ]
[وَقْتُ تَكْبِير الْعِيد]
فَصْلٌ فِي التَّكْبِيرِ الْمُرْسَلِ وَالْمُقَيَّدِ.
أَيْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الشَّهَادَةِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ عَقِبَ صَلَاةٍ) أَيْ وَلَا غَيْرِهَا، وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهُ عَنْ أَذْكَارِهَا بِخِلَافِ الْمُقَيَّدِ الْآتِي اهـ حَجّ: أَيْ فَيُقَدَّمُ عَلَى أَذْكَارِهَا وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ شِعَارُ الْوَقْتِ وَلَا يَتَكَرَّرُ فَكَانَ الِاعْتِنَاءُ بِهِ أَشَدَّ مِنْ الْأَذْكَارِ (قَوْلُهُ: وَبِالتَّكْبِيرِ عِنْدَ الْإِكْمَالِ) أَيْ التَّكْبِيرِ عِنْدَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ كَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ إلَخْ)
[حاشية الرشيدي]
فَصْل
وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى (وَالْأَظْهَرُ إدَامَتُهُ حَتَّى يُحْرِمَ الْإِمَامُ بِصَلَاةِ الْعِيدِ) إذْ الْكَلَامُ مُبَاحٌ إلَيْهِ، فَالتَّكْبِيرُ أَوْلَى مَا يَشْتَغِلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ وَشِعَارَ الْيَوْمِ، فَإِنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا فَالْعِبْرَةُ بِإِحْرَامِهِ، وَالثَّانِي يَمْتَدُّ إلَى حُضُورِ الْإِمَامِ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَضَرَ احْتَاجَ النَّاسُ إلَى التَّهَيُّؤِ لِلصَّلَاةِ وَاشْتِغَالِهِمْ بِالْقِيَامِ لَهَا، وَتَكْبِيرُ لَيْلَةِ عِيدِ الْفِطْرِ آكَدُ مِنْ تَكْبِيرِ لَيْلَةِ الْأَضْحَى لِلنَّصِّ عَلَيْهِ.
(وَلَا يُكَبِّرُ الْحَاجُّ لَيْلَةَ الْأَضْحَى) خِلَافًا لِلْقَفَّالِ (بَلْ يُلَبِّي) ؛ لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ شِعَارُهُ وَالْمُعْتَمِرُ يُلَبِّي إلَى أَنْ يَشْرَعَ فِي الطَّوَافِ (وَلَا يُسَنُّ لَيْلَةَ الْفِطْرِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ تَكَرَّرَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ كَبَّرَ فِيهِ عَقِبِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ خَالَفَ الْمُصَنِّفُ فِي أَذْكَارِهِ فَسَوَّى فِي التَّكْبِيرِ بَيْنَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، وَهَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّانِي الْمُسَمَّى بِالتَّكْبِيرِ الْمُقَيَّدِ بِإِدْبَارِ الصَّلَاةِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ الِاسْتِحْبَابُ تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ بِجَامِعِ الِاسْتِحْبَابِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ فَيُكَبَّرُ خَلْفَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ (وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ مِنْ ظُهْرِ) يَوْمِ (النَّحْرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 200] وَالْمَنَاسِكُ تَنْقَضِي يَوْمَ النَّحْرِ ضَحْوَةً بِالرَّمْيِ، فَالظُّهْرُ أَوَّلُ صَلَاةٍ تَأْتِي عَلَيْهِ بَعْدَ انْتِهَاءِ وَقْتِ التَّلْبِيَةِ (وَيَخْتِمُ بِصُبْحِ آخِرِ) أَيَّامِ (التَّشْرِيقِ) ؛ لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاةٍ يُصَلِّيهَا بِمِنًى (وَغَيْرُهُ كَهُوَ) أَيْ غَيْرُ الْحَاجِّ (فِي الْأَظْهَرِ) تَبَعًا لَهُ (وَفِي قَوْلٍ) يُكَبِّرُ غَيْرُ الْحَاجِّ (مِنْ مَغْرِبِ لَيْلَةِ النَّحْرِ) قِيَاسًا عَلَى التَّكْبِيرِ وَيَخْتِمُ أَيْضًا بِصُبْحِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (وَفِي قَوْلٍ) يُكَبِّرُ (مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَخْتِمُ بِعَصْرِ آخِرِ) أَيَّامِ (التَّشْرِيقِ) لِلِاتِّبَاعِ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْقَيْدِ مَا لَوْ كَانَتْ فِي بَيْتِهَا أَوْ نَحْوِهِ وَلَيْسَ عِنْدَهَا رِجَالٌ أَجَانِبُ فَتَرْفَعُ صَوْتَهَا بِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: حَتَّى يُحْرِمَ الْإِمَامُ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: أَيْ إلَى انْتِهَائِهِ، ثُمَّ ظَاهِرُهُ اسْتِمْرَارُ التَّكْبِيرِ وَلَوْ فَحُشَ تَأْخِيرُ الْإِمَامِ لِلصَّلَاةِ اهـ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ وَغَيْرِهِ إلَى تَمَامِ إحْرَامِ الْإِمَامِ، وَقَضِيَّتُهَا أَنَّهُ عِنْدَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِي التَّكْبِيرِ يَطْلُبُ التَّكْبِيرَ مِنْ غَيْرِ مَا لَمْ يُتِمَّهُ وَلَا يَخْلُو عَنْ وَقْفَةٍ فِي حَقِّ مَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ مَعَهُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ تَأَمَّلْ.
وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: إلَى نُطْقِ الْإِمَامِ بِالرَّاءِ مِنْ تَكْبِيرِ التَّحَرُّمِ اهـ.
وَانْظُرْ لَوْ أَخَّرَ الْإِمَامُ التَّحَرُّمَ إلَى الزَّوَالِ أَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ.
وَفِي حَجّ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ تَرْكَ الصَّلَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ اُعْتُبِرَ فِي حَقِّهِ تَحَرُّمُ الْإِمَامِ إنْ كَانَ، وَإِلَّا اُعْتُبِرَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَيُحْتَمَلُ الِاعْتِبَارُ بِهِ مُطْلَقًا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُ حَجّ: إنَّهُ لَوْ قُصِدَ تُرِكَ: أَيْ مَنْ طُلِبَ مِنْهُ التَّكْبِيرُ وَقَوْلُهُ وَيَحْتَمِلُ الِاعْتِبَارَ بِهِ: أَيْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ (قَوْلُهُ: فَالتَّكْبِيرُ أَوْلَى مَا يَشْتَغِلُ بِهِ) فَلَوْ اتَّفَقَ أَنَّ لَيْلَةَ الْعِيدِ لَيْلَةُ جُمُعَةٍ جَمَعَ فِيهَا بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَقِرَاءَةِ الْكَهْفِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَشْغَلُ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِنَوْعٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَيَتَخَيَّرُ فِيمَا يُقَدِّمُهُ، وَلَكِنْ لَعَلَّ تَقْدِيمَ التَّكْبِيرِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ شِعَارُ الْوَقْتِ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي يَمْتَدُّ إلَى حُضُورِ الْإِمَامِ إلَخْ) قَالَ الْمَحَلِّيُّ: وَالثَّالِثُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا قِيلَ وَمِنْ الْخُطْبَتَيْنِ وَهُوَ فِيمَنْ لَا يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ اهـ.
(قَوْلُهُ: آكَدُ مِنْ تَكْبِيرِ لَيْلَةِ عِيدِ الْأَضْحَى) أَيْ الْمُرْسَلِ
(قَوْلُهُ: وَلَا يُسَنُّ لَيْلَةَ الْفِطْرِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الصَّلَاةُ لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا لَيْلَةَ الْعِيدِ وَعَلَيْهِ فَيُقَدِّمُ أَذْكَارَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ حَجّ (قَوْلُهُ: الْمُسَمَّى بِالتَّكْبِيرِ الْمُقَيَّدِ) أَيْ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُرْسَلِ مُطْلَقًا لِشَرَفِهِ بِتَبَعِيَّتِهِ لِلصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَيَخْتِمُ بِصُبْحٍ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: كَهُوَ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: قِيَاسًا عَلَى التَّكْبِيرِ) أَيْ الْمُرْسَلِ (قَوْلُهُ: يُكَبِّرُ مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ) سَكَتُوا عَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي مِيقَاتِهِ الزَّمَانِيِّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَإِنْ خَالَفَ الْمُصَنِّفُ فِي أَذْكَارِهِ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَهُ عَنْ حِكَايَةِ مُقَابِلِ الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: وَاخْتَارَهُ فِي الْأَذْكَارِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِجَامِعِ الِاسْتِحْبَابِ) أَيْ أَصْلِ الطَّلَبِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِمُطْلَقِ التَّكْبِيرِ، فَالِاسْتِحْبَابُ هُنَا غَيْرُ الِاسْتِحْبَابِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ إذْ الْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِحْبَابُ الْخَاصُّ بِأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ فَانْدَفَعَ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ لُزُومِ الدَّوْرِ (قَوْلُهُ: وَيَخْتِمُ بِصُبْحٍ آخَرَ التَّشْرِيقِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ حَاجًّا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ، وَإِلَّا فَمِنْ
(وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا) فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ لِتَرْجِيحِهِ لَا سِيَّمَا أَنَّهُ صَحَّحَهُ فِي مَجْمُوعِهِ وَاخْتَارَهُ فِي تَصْحِيحِهِ.
وَقَالَ فِي الْأَذْكَارِ إنَّهُ الْأَصَحُّ وَفِي الرَّوْضَةِ إنَّهُ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ انْقِطَاعِ التَّكْبِيرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لَيْسَ بِمُرَادٍ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ بِهِ انْقِضَاءُ وَقْتِ الْعَصْرِ، فَقَدْ قَالَ الْجُوَيْنِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَالْغَزَالِيُّ فِي خُلَاصَتِهِ إنَّهُ يُكَبِّرُ عَقِبَ فَرْضِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى آخِرِ نَهَارِ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي أَكْمَلِ الْأَقْوَالِ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تُفْهِمُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ إلَى الْغُرُوبِ كَمَا قُلْنَاهُ، وَيَظْهَرُ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ فِي الْقَضَاءِ بَعْدَ فِعْلِ الْعَصْرِ وَمَا يُفْعَلُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ (وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ) أَيْ الشَّخْصَ ذَكَرًا كَانَ أَمْ غَيْرَهُ حَاضِرًا كَانَ أَمْ مُسَافِرًا مُنْفَرِدًا أَمْ غَيْرَهُ (يُكَبِّرُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ لِلْفَائِتَةِ وَالرَّاتِبَةِ) وَالْمَنْذُورَةِ (وَالنَّافِلَةِ) تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ الْمُطْلَقَةُ وَالْمُقَيَّدَةُ وَذَاتُ السَّبَبِ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَالْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّهُ شِعَارُ الْوَقْتِ، وَلَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ كَمَا اسْتَثْنَاهُمَا الْمَحَامِلِيُّ وَجَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ فِي تَحْرِيرِهِ وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ يُكَبِّرُ عَقِبَ الْفَرَائِضِ خَاصَّةً مُؤَدَّاةً كَانَتْ أَمْ مَقْضِيَّةً مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ مَحْصُورَةٌ فَلَا يَشُقُّ طَلَبُ ذَلِكَ فِيهَا كَالْأَذَانِ فِي أَوَّلِ الْفَرَائِضِ وَالْأَذْكَارِ فِي آخِرِهَا، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ عَمَّا لَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ مِنْهَا فَقَضَاهَا فِي غَيْرِهَا فَلَا يُكَبِّرُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، بَلْ قَالَ: إنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ شِعَارُ الْوَقْتِ كَمَا مَرَّ، وَلَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ عَمْدًا، أَوْ سَهْوًا عَقِبَ الصَّلَاةِ تَدَارَكَهُ وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ لِأَنَّهُ شِعَارُ الْأَيَّامِ لَا تَتِمَّةٌ لِلصَّلَاةِ، بِخِلَافِ سُجُودِ السَّهْوِ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي التَّكْبِيرِ الَّذِي يَرْفَعُ بِهِ صَوْتَهُ وَيَجْعَلُهُ شِعَارًا لِلْيَوْمِ، أَمَّا لَوْ اسْتَغْرَقَ عُمُرَهُ بِالتَّكْبِيرِ فِي نَفْسِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْإِمَامِ، وَأَقَرَّهُ وَلَوْ اخْتَلَفَ رَأْيُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي وَقْتِ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ تَبِعَ اعْتِقَادَ نَفْسِهِ.
(وَصِيغَتُهُ الْمَحْبُوبَةُ) أَيْ الْمَسْنُونَةُ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ) ثَلَاثًا فِي الْجَدِيدِ لِوُرُودِهِ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي الْقَدِيمِ يُكَبِّرُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ) مَرَّتَيْنِ (وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ) بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ اللَّهُ أَكْبَرُ (كَبِيرًا) كَمَا فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ: أَيْ بِزِيَادَةِ اللَّهُ أَكْبَرُ قَبْلَ كَبِيرًا (وَالْحَمْدُ
[حاشية الشبراملسي]
وَهُوَ أَوَّلُ شَوَّالٍ فَهَلْ يُلَبِّي؛ لِأَنَّهَا شِعَارُ الْحَاجِّ أَوْ يُكَبِّرُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِمَا ذُكِرَ مِنْ التَّعْلِيلِ (قَوْلُهُ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: كَمَا قُلْنَاهُ) لَكِنَّهَا تُفْهِمُ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ بَعْدَ فَجْرِ عَرَفَةَ وَقَبْلَ فَرْضِ الصُّبْحِ، وَقَدْ نَقَلَ سم عَلَى مَنْهَجٍ خِلَافَهُ وَعِبَارَتُهُ الْوَجْهُ وِفَاقًا لِ م ر أَنَّهُ يَدْخُلُ وَقْتُ التَّكْبِيرِ بِفَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ حَتَّى لَوْ صَلَّى فَائِتَةً مَثَلًا قَبْلَ الصُّبْحِ كَبَّرَ عَقِبَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِالْغُرُوبِ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَالذَّبْحِ اهـ. (قَوْلُهُ: تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ) أَيْ ذِكْرُ النَّافِلَةِ بَعْدَ الرَّاتِبَةِ تَعْمِيمٌ بَعْدَ إلَخْ، وَقَوْلُهُ الْمُطْلَقَةُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ النَّافِلَةَ (قَوْلُهُ تَدَارَكَهُ) أَيْ فِيمَا بَقِيَ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ اسْتَغْرَقَ عُمُرَهُ بِالتَّكْبِيرِ) أَيْ وَلَوْ بِالْهَيْئَةِ الْآتِيَةِ.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ) أَيْ مَعَ مَا يَتَّصِلُ بِهَا حَجّ.
يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ إلَخْ.
قَالَ سم عَلَيْهِ: عِبَارَةُ الْعُبَابِ فَرْعُ صِفَةِ التَّكْبِيرَيْنِ: أَيْ الْمُرْسَلِ وَالْمُقَيَّدِ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا نَسَقًا، وَيَحْسُنُ أَنْ يَزِيدَ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ اهـ.
ثُمَّ قَالَ: وَيَتَحَصَّلُ حِينَئِذٍ أَنَّ صُورَةَ تَرْتِيبِ هَذَا التَّكْبِيرِ هَكَذَا: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ
[حاشية الرشيدي]
الْمَعْلُومِ أَنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ فَيُطْلَبُ مِنْهُ التَّكْبِيرُ الْمَطْلُوبُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ إلَى آخِرِ مَا يَأْتِي فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ: وَالْجِنَازَةُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِ الْمَتْنِ لِلْفَائِتَةِ.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ) قَالَ فِي التُّحْفَةِ: أَيْ وَمَا بَعْدَهَا مِمَّا ذُكِرَ إنْ أَتَى بِهِ (قَوْلُهُ: بِزِيَادَةِ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا) هَذَا تَفْسِيرٌ لِأَصْلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَزِيدَ كَبِيرًا وَلَيْسَ مُرَادُهُ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَإِلَّا لَمْ يَتَأَتَّ
لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) كَمَا قَالَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى الصَّفَا، وَمَعْنَى بُكْرَةً وَأَصِيلًا: أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ، وَقِيلَ الْأَصِيلُ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ أَيْضًا بَعْدَ هَذَا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ.
وَإِذَا رَأَى شَيْئًا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ سُنَّ لَهُ التَّكْبِيرُ، قَالَهُ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ وَغَيْرُهُ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَنْ عَلِمَ كَمَنْ رَأَى، فَالتَّعْبِيرُ بِهَا جَرَى عَلَى الْغَالِبِ.
(وَلَوْ) شَهِدَ، أَوْ (شَهِدُوا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ) مِنْ رَمَضَانَ (قَبْلَ الزَّوَالِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ) أَيْ هِلَالِ شَوَّالٍ (اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ) (أَفْطَرْنَا) وُجُوبًا (وَصَلَّيْنَا الْعِيدَ) نَدْبًا حَيْثُ كَانَ ثَمَّ زَمَنٌ يَسَعُ الِاجْتِمَاعَ وَالصَّلَاةَ بَلْ أَوْ رَكْعَةٌ وَتَكُونُ أَدَاءً (وَإِنْ شَهِدُوا) أَيْ أَوْ شَهِدَا (بَعْدَ الْغُرُوبِ) أَيْ غُرُوبِ
[حاشية الشبراملسي]
إلَخْ اهـ.
لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الشَّارِحِ كَالْمَحَلِّيِّ أَنْ يَخْتِمَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ (قَوْلُهُ: وَنَصَرَ عَبْدَهُ) زَادَ سم الْغَزِّيِّ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ: وَأَعَزَّ جُنْدَهُ وَهَزَمَ.
. إلَخْ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ حَجّ وَسَمِّ وَغَيْرُهُمَا فِيمَا عَلِمْت فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) صَرِيحُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا تُنْدَبُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ التَّكْبِيرِ لَكِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بَيْنَ النَّاسِ بِإِتْيَانِهِمْ بِهَا بَعْدَ تَمَامِ التَّكْبِيرِ، وَلَوْ قِيلَ بِاسْتِحْبَابِهَا عَمَلًا بِظَاهِرٍ ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] وَعَمَلًا بِقَوْلِهِمْ إنَّ مَعْنَاهُ لَا أَذْكُرُ إلَّا وَتَذْكُرُ مَعِي لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، ثُمَّ رَأَيْت فِي الْقُوتِ لِلْأَذْرَعِيِّ مَا نَصَّهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ.
. إلَخْ: رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ خَرَجَ يَوْمًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَحُذَيْفَةَ وَالْأَشْعَرِيِّ فَقَالَ: إنَّ هَذَا الْعِيدَ غَدًا فَكَيْفَ التَّكْبِيرُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: تُكَبِّرُ وَتَحْمَدُ رَبَّك وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ وَتَدْعُو وَتُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ اهـ.
وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ الَّذِي لَيْسَ فِي صَلَاةٍ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا فَصَلَ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ فَصَلَ بِالثَّنَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ، وَلَوْ قَالَ مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ وَهُوَ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ تَسْلِيمًا كَثِيرًا لَكَانَ حَسَنًا (قَوْلُهُ: مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) وَالْأَنْعَامُ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ (قَوْلُهُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ لِرُؤْيَتِهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فِي الْأُضْحِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ التَّذْكِيرُ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي طَلَبِ التَّكْبِيرِ هُنَا دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَذْكَارِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَقَرَّبُونَ لِآلَتِهِمْ بِالذَّبْحِ عِنْدَهَا فَأُشِيرَ لِفَسَادِ ذَلِكَ بِالتَّكْبِيرِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَا يَلِيقُ أَنْ يَتَقَرَّبَ لِغَيْرِهِ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ بِدُخُولِ يَوْمِ النَّحْرِ دَخَلَ وَقْتُ التَّضْحِيَةِ فَيَتَهَيَّأُ مُرِيدُهَا لِفِعْلِهَا.
وَالْحِكْمَةُ فِي طَلَبِ التَّكْبِيرِ عِنْدَ رُؤْيَةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ اسْتِحْضَارُ طَلَبِهَا فِيهِ ثُمَّ الِاشْتِغَالُ بِهِ حَثًّا لِفِعْلِ التَّضْحِيَةِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا، وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ رُؤْيَةَ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَلَوْ سَخْلَةً مُنَبِّهٌ عَلَى أَنَّ ذَبْحَ مَا هُوَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ شِعَارٌ لِهَذِهِ الْأَيَّامِ وَتَعْظِيمٌ لَهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ: سُنَّ لَهُ التَّكْبِيرُ) أَيْ كَأَنْ يَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَطْ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عُجَيْلٍ وَالرِّيمِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَالَ الْأَزْرَقِيُّ: يُكَبِّرُ ثَلَاثًا (قَوْلُهُ فَالتَّعْبِيرُ بِهَا) أَيْ الرُّؤْيَةِ.
(قَوْلُهُ: يَوْمَ الثَّلَاثِينَ) أَيْ وَقُبِلُوا اهـ حَجّ وَسَيَأْتِي (قَوْلُهُ: حَيْثُ كَانَ ثُمَّ زَمَنٌ يَسَعُ الِاجْتِمَاعَ) قَالَ عَمِيرَةُ: أَيْ إذَا أَرَادُوا الصَّلَاةَ جَمَاعَةً وَإِلَّا فَلِكُلٍّ أَنْ يُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُ سم هُنَا: فَلِكُلٍّ أَنْ يُصَلِّيَ: أَيْ يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ وَيَنْبَغِي فِيمَا لَوْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِهَا مَا يَسَعُهَا أَوْ رَكْعَةٌ مِنْهَا دُونَ الِاجْتِمَاعِ أَنْ يُصَلِّيَهَا وَحْدَهُ أَوْ بِمَنْ تَيَسَّرَ حُضُورُهُ لِتَقَعَ أَدَاءً
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَمْسِ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ (لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ) فِي صَلَاةِ الْعِيدِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ شَوَّالًا قَدْ دَخَلَ يَقِينًا وَصَوْمُ ثَلَاثِينَ قَدْ تَمَّ فَلَا فَائِدَةَ فِي شَهَادَتِهِمْ إلَّا الْمَنْعُ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ فَلَا نَقْبَلُهَا وَنُصَلِّيهَا مِنْ الْغَدِ أَدَاءً، وَلَيْسَ يَوْمُ الْفِطْرِ أَوَّلَ شَوَّالٍ مُطْلَقًا بَلْ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَكَذَا يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمَ يُضَحُّونَ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِي يَظْهَرُ لَهُمْ أَنَّهُ هُوَ وَإِنْ كَانَ الْعَاشِرَ، وَاحْتَجُّوا لَهُ بِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ» وَرَوَى الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «وَعَرَفَةُ يَوْمَ يَعْرِفُونَ» . قَالَ الشَّيْخُ: وَيَنْبَغِي فِيمَا لَوْ بَقِيَ مَا يَسَعُهَا، أَوْ رَكْعَةٌ مِنْهَا دُونَ الِاجْتِمَاعِ أَنْ يُصَلِّيَهَا وَحْدَهُ، أَوْ بِمَنْ تَيَسَّرَ حُضُورُهُ لِتَقَعَ أَدَاءً، ثُمَّ يُصَلِّيهَا مَعَ النَّاسِ، ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ اهـ. وَلَعَلَّهُ مُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِمْ مَحَلُّ إعَادَةِ الصَّلَاةِ حَيْثُ بَقِيَ وَقْتُهَا، إذْ الْعِيدُ غَيْرُ مُتَكَرِّرٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَسُومِحَ فِيهِ بِذَلِكَ، أَمَّا الْحُقُوقُ وَالْأَحْكَامُ الْمُعَلَّقَةُ بِالْهِلَالِ كَالتَّعْلِيقِ وَالْعِدَّةِ وَالْإِجَارَةِ وَالْعِتْقِ فَتَثْبُتُ قَطْعًا (أَوْ) شَهِدُوا (بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ) ، أَوْ قَبْلَهُ بِزَمَنٍ لَا يَسَعُ صَلَاةَ الْعِيدِ، أَوْ رَكْعَةً مِنْهَا كَمَا مَرَّ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ (وَأَفْطَرْنَا) وُجُوبًا (وَفَاتَتْ الصَّلَاةُ) أَدَاءً (وَيُشْرَعُ قَضَاؤُهَا مَتَى شَاءَ) مُرِيدُهُ فِي بَاقِي الْيَوْمِ وَفِي الْغَدِ وَمَا بَعْدَهُ وَمَتَى اتَّفَقَ (فِي الْأَظْهَرِ) كَبَقِيَّةِ الرَّوَاتِبِ، وَالْأَكْمَلُ قَضَاؤُهَا فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِمْ إنْ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمْ فِيهِ، وَإِلَّا فَقَضَاؤُهَا فِي الْغَدِ أَكْمَلُ لِئَلَّا يَفُوتَ عَلَى النَّاسِ الْحُضُورُ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَالْكَلَامُ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ بِالنَّاسِ لَا فِي صَلَاةِ الْآحَادِ، فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي فِعْلُهَا عَاجِلًا مَعَ تَيَسُّرٍ وَمُنْفَرِدًا إنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا، ثُمَّ يَفْعَلُهَا غَدًا مَعَ الْإِمَامِ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ شَهْرِ الْعِيدِ، وَنُصَّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَا وَإِنْ دَخَلَتْ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ فِي بَابِ صَلَاةِ النَّفْلِ، وَلَوْ فَاتَ النَّفَلُ الْمُؤَقَّتُ نُدِبَ قَضَاؤُهُ لِتَأَكُّدِ أَمْرِ ذَلِكَ هُنَا بِدَلِيلٍ مُقَابِلِ الْأَصَحِّ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ (وَقِيلَ فِي قَوْلٍ) لَا تَفُوتُ بَلْ (تُصَلَّى مِنْ الْغَدِ أَدَاءً) ؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ الْغَلَطُ فِي الْهِلَالِ فَلَا يَفُوتُ بِهِ هَذَا الشِّعَارُ الْعَظِيمُ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ التَّعْدِيلُ لَا الشَّهَادَةُ، فَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَعُدِّلَا بَعْدَهُ فَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ التَّعْدِيلِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ جَوَازِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا فَتُصَلَّى مِنْ الْغَدِ أَدَاءً، وَلَا يُنَافِيهِ مَا لَوْ شَهِدَا بِحَقٍّ وَعُدِّلَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا حَيْثُ يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمَا، إذْ الْحُكْمُ إنَّمَا هُوَ بِشَهَادَتِهِمَا بِشَرْطِ تَعْدِيلِهِمَا، وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي أَثَرِ الْحُكْمِ مِنْ الصَّلَاةِ خَاصَّةً، وَأَيْضًا فَالصَّلَاةُ تُفْعَلُ بِكُلِّ تَقْدِيرٍ مَعَ قَوْلِنَا إنَّ الْعِبْرَةَ بِوَقْتِ التَّعْدِيلِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ لَوْ لَمْ تُنْظَرْ لِلشَّهَادَةِ لَلَزِمَ فَوَاتُ الْحَقِّ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ التَّهْنِئَةُ بِالْعِيدِ، وَقَدْ قَالَ الْقَمُولِيُّ: لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا كَلَامًا فِي التَّهْنِئَةِ بِالْعِيدِ وَالْأَعْوَامِ وَالْأَشْهُرِ كَمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ، لَكِنْ نَقَلَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ عَنْ الْحَافِظِ الْمَقْدِسِيَّ أَنَّهُ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَالُوا مُخْتَلِفِينَ فِيهِ، وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ لَا سُنَّةَ فِيهِ وَلَا بِدْعَةَ اهـ. وَأَجَابَ عَنْهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَافِظُ عَصْرِهِ ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ الْبَيْهَقِيَّ عَقَدَ لِذَلِكَ بَابًا فَقَالَ: بَابُ مَا رُوِيَ فِي قَوْلِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي يَوْمِ الْعِيدِ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك، وَسَاقَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَخْبَارٍ وَآثَارٍ ضَعِيفَةٍ لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ:
[حاشية الشبراملسي]
ثُمَّ يُصَلِّيهَا مَعَ النَّاسِ اهـ. وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ أَيْضًا (قَوْلُهُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ خَاصَّةً) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا لَيْلًا لَا مُنْفَرِدًا وَلَا فِي جَمَاعَةٍ، وَلَوْ قِيلَ بِجَوَازِ فِعْلِهَا لَيْلًا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُرِدْ فِعْلَهَا مَعَ النَّاسِ لَمْ يَبْعُدْ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ، ثُمَّ رَأَيْت سم عَلَى مَنْهَجٍ اسْتَشْكَلَ تَأْخِيرَهَا مِنْ أَصْلِهِ قَالَ: ثُمَّ رَأَيْت الْإِسْنَوِيَّ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ وَنَقَلَ كَلَامَهُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ كَالتَّعْلِيقِ وَالْعِدَّةِ) قَالَ عَمِيرَةُ: زَادَ الْإِسْنَوِيُّ وَكَجَوَازِ التَّضْحِيَةِ وَوُجُوبِ إخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغَدِ اهـ. أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ جَوَازُ صَوْمِهِ فِي عِيدِ الْفِطْرِ اهـ. سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ يَنْبَغِي فِعْلُهَا) لَا يُقَالُ: هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ قَبْلُ قَالَ الشَّيْخُ: وَيَنْبَغِي فِيمَا لَوْ إلَخْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْغَرَضُ مِمَّا ذُكِرَ هُنَا دَفْعُ الِاعْتِرَاضِ وَمِمَّا ذَكَرَهُ ثُمَّ بَيَانُ اسْتِحْبَابِهَا بَعْدَ الشَّهَادَةِ (قَوْلُهُ ثُمَّ يَفْعَلُهَا غَدًا مَعَ الْإِمَامِ) فَرْضُ الْكَلَامِ فِيمَا لَوْ أَدْرَكَ فِي وَقْتِهَا رَكْعَةً وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْهَا ذَلِكَ لَا يَكُونُ الْأَوْلَى فِي حَقِّهِ فِعْلَهَا مُنْفَرِدًا ثُمَّ مَعَ الْجَمَاعَةِ، بَلْ الْأَكْمَلُ تَأْخِيرُهَا لِيَفْعَلَهَا جَمَاعَةً.
(قَوْلُهُ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: كَبِيرًا
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي فِيمَا لَوْ بَقِيَ مَا يَسَعُهَا) أَيْ فِيمَا لَوْ شَهِدَ قَبْلَ الزَّوَالِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُصَلِّيهَا مَعَ النَّاسِ) أَيْ بَعْدَ الزَّوَالِ قَضَاءً كَمَا يَأْتِي.
وَيُحْتَجُّ لِعُمُومِ التَّهْنِئَةِ لِمَا يَحْدُثُ مِنْ نِعْمَةٍ، أَوْ يَنْدَفِعُ مِنْ نِقْمَةِ بِمَشْرُوعِيَّةِ سُجُودِ الشُّكْرِ وَالتَّعْزِيَةِ، وَبِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنَّهُ لَمَّا بُشِّرَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ وَمَضَى إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ إلَيْهِ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَهَنَّأَهُ» .
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ.
كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْكُسُوفِ بِالْإِفْرَادِ وَمُرَادُهُ بِهِ الْجِنْسُ، وَيُقَالُ فِيهِمَا خَسُوفَانِ، وَقِيلَ الْكُسُوفُ لِلشَّمْسِ وَالْخُسُوفُ لِلْقَمَرِ وَهُوَ أَشْهَرُ، وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَقِيلَ الْكُسُوفُ أَوَّلُهُ وَالْخُسُوفُ آخِرُهُ، وَكُسُوفُ الشَّمْسِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْهَيْئَةِ فَإِنَّهَا لَا تَتَغَيَّرُ فِي نَفْسِهَا وَإِنَّمَا الْقَمَرُ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا، وَخُسُوفُهُ لَهُ حَقِيقَةٌ فَإِنَّ ضَوْأَهُ مِنْ ضَوْئِهَا وَسَبَبَهُ حَيْلُولَةُ ظِلِّ الْأَرْضِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بِنُقْطَةِ التَّقَاطُعِ فَلَا يَبْقَى فِيهِ ضَوْءٌ أَلْبَتَّةَ، وَكَانَ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي إيثَارِهِ فِي التَّرْجَمَةِ بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ مِنْ مُقَابِلِ الْأَشْهَرِ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: 37] أَيْ عِنْدَ كُسُوفِهِمَا، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» (هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِذَلِكَ) فِي حَقِّ مَنْ يُخَاطَبُ بِالْمَكْتُوبَاتِ الْخَمْسِ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً، أَوْ مُسَافِرًا؛ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي التَّهْنِئَةِ وَمِنْهُ الْمُصَافَحَةُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ أَنَّهَا لَا تُطْلَبُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَمَا بَعْدَ يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ، لَكِنْ جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِالتَّهْنِئَةِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّوَدُّدُ وَإِظْهَارُ السُّرُورِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ أَيْضًا فِي يَوْمِ الْعِيدِ أَنَّ وَقْتَ التَّهْنِئَةِ يَدْخُلُ بِالْفَجْرِ لَا بِلَيْلَةِ الْعِيدِ خِلَافًا لِمَا بِبَعْضِ الْهَوَامِشِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: فَهَنَّأَهُ) أَيْ وَأَقَرَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ]
ِ. (قَوْلُهُ: صَلَاةُ الْكُسُوفَيْنِ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ عِيدٌ وَجِنَازَةٌ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ عَكْسُهُ) وَقِيلَ الْخُسُوفُ لِلْكُلِّ وَالْكُسُوفُ لِلْبَعْضِ سم عَلَى مَنْهَجٍ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي كُلٍّ مِنْ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ (قَوْلُهُ: وَكَانَ هَذَا هُوَ السَّبَبُ) أَيْ وَهُوَ إنْكَارُهُمْ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ (قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ إلَخْ) يُتَأَمَّلُ وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْآيَةِ، فَإِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ: أَيْ عِنْدَ كُسُوفِهِمَا لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ مِنْهَا أَنَّهَا سِيقَتْ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ يَعْبُدُ الْكَوَاكِبَ.
نَعَمْ إنْ كَانَ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ ذَلِكَ فَقَرِيبٌ (قَوْلُهُ: لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ) عِبَارَةُ الْفَتْحِ: قَوْلُهُ وَلَا لِحَيَاتِهِ اسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ إنَّمَا وَرَدَ فِي حَقِّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لِمَوْتِ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْحَيَاةَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ فَائِدَةَ ذِكْرِ الْحَيَاةِ دَفَعَ تَوَهُّمَ مَنْ يَقُولُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْفَقْدِ أَنْ لَا يَكُونَ سَبَبًا لِلْإِيجَادِ، فَعَمَّمَ الشَّارِعُ النَّفْيَ لِدَفْعِ هَذَا التَّوَهُّمِ انْتَهَى (قَوْلُهُ: مُؤَكِّدَةٌ لِذَلِكَ) أَيْ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ وَالْآيَةِ.
وَلَعَلَّ وَجْهُ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّأْكِيدِ مِنْ الْخَبَرِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ تَكْرِيرِ
[حاشية الرشيدي]
[التَّهْنِئَةُ بِالْعِيدِ]
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ (قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ مِنْ مُقَابِلِ الْأَشْهَرِ) يَعْنِي الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ عَكْسُهُ إذْ هُوَ الْمُقَابِلُ الْحَقِيقِيُّ (قَوْلُهُ: وَلَا لِحَيَاتِهِ) إنَّمَا ذَكَرَهُ وَإِنْ كَانَ الْمُنَاسِبُ الِاقْتِصَارَ عَلَى ذِكْرِ الْمَوْتِ، إذْ الْقَصْدُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ خَشْيَةُ اعْتِقَادِ أَنَّ الْكُسُوفَ وَقَعَ لِمَوْتِ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ بْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذِكْرِهِ مُقَابِلَهُ كَمَا يَقُولُ الْإِنْسَانُ إذَا قِيلَ لَهُ كُلْ لَا آكُلُ
فَعَلَهَا لِكُسُوفِ الشَّمْسِ كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلِخُسُوفِ الْقَمَرِ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ؛ وَلِأَنَّهَا ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ لَا أَذَانَ لَهَا كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَصَرَفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ مَا مَرَّ فِي الْعِيدِ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ، إذْ الْمَكْرُوهُ غَيْرُ جَائِزٍ جَوَازًا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ.
(فَيَحْرُمُ بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ) مَعَ تَعْيِينِ أَنَّهُ كُسُوفُ شَمْسٍ، أَوْ قَمَرٍ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ صَلَاةِ عِيدِ الْفِطْرِ أَوْ النَّحْرِ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ هُنَا لِنُدْرَةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَقَدْ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَيَقْرَأُ) بَعْدَ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ (الْفَاتِحَةَ وَيَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ) رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ (ثُمَّ يَعْتَدِلُ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ) ثَانِيًا (ثُمَّ يَرْكَعُ) ثَانِيًا أَقْصَرَ مِنْ الْأَوَّلِ (ثُمَّ يَعْتَدِلُ) ثَانِيًا قَائِلًا فِيهِمَا سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ فِي أَنَّهُ لَا يَقُولُ ذَلِكَ فِي الرَّفْعِ الْأَوَّلِ بَلْ يَرْفَعُ مُكَبِّرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ اعْتِدَالًا، (ثُمَّ يَسْجُدُ) السَّجْدَتَيْنِ وَيَأْتِي بِالطُّمَأْنِينَةِ فِي مَحَالِّهَا (فَهَذِهِ رَكْعَةٌ، ثُمَّ يُصَلِّي) رَكْعَةً (ثَانِيَةً كَذَلِكَ) لِلِاتِّبَاعِ (وَلَا يَجُوزُ زِيَادَةُ رُكُوعٍ ثَالِثٍ) فَأَكْثَرَ (لِتَمَادِي) أَيْ طُولِ مُكْثِ (الْكُسُوفِ وَلَا نَقْصِهِ) أَيْ نَقْصِ رُكُوعٍ مِنْ الرُّكُوعَيْنِ الْمَنْوِيَّيْنِ (لِلِانْجِلَاءِ فِي الْأَصَحِّ) كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ لَا يُزَادُ عَلَى أَرْكَانِهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ
[حاشية الشبراملسي]
ذَلِكَ حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِهِمْ إلَّا أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ التَّكْرَارِ مُنَافٍ لِمَا يَأْتِي أَنَّهَا لَا تُعَادُ إلَّا فِي جَمَاعَةٍ كَمَا فِي الْمَكْتُوبَةِ (قَوْلُهُ: وَصَرْفُهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ (قَوْلُهُ: مَا مَرَّ فِي الْعِيدِ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَالصَّارِفُ عَنْ الْوُجُوبِ خَبَرُ «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الْإِمَامِ) أَيْ الشَّافِعِيِّ اهـ حَجّ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَقَوْلُ إمَامِنَا لَا يَجُوزُ إلَخْ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَحَمَلُوا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا عَلَى كَرَاهَتِهِ لِتَأَكُّدِهَا لِيُوَافِقَ كَلَامَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَقَدْ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ) فِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ الشَّيْخِ عَمِيرَةَ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُكَرَّرَةٌ فِي الْكِتَابِ (قَوْلُهُ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ) أَيْ إلَى آخِرِ ذِكْرِ الِاعْتِدَالِ اهـ مَحَلِّيٌّ وحج.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْمُنْفَرِدِ وَإِمَامٍ غَيْرِ مَحْصُورَيْنِ إلَخْ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُرَدْ بِخُصُوصِهِ، بِخِلَافِ تَكْرِيرِ الرُّكُوعِ وَتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَا الْمَأْمُومِينَ لِوُرُودِهِ (قَوْلُهُ: لَا يَقُولُ ذَلِكَ فِي الرَّفْعِ الْأَوَّلِ) أَيْ فِي كُلٍّ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَمَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ اعْتِدَالًا وَقَوْلُهُ بَلْ يَرْفَعُ مُكَبِّرًا.
قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ النَّصِّ.
[فَرْعٌ] لَوْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ لَا يَعْرِفُ الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي نَوَاهَا أَهِيَ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ أَمْ بِقِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ فَيَحْتَمِلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ عَدَمَ انْعِقَادِ صَلَاتِهِ لِتَرَدُّدِهِ فِي النِّيَّةِ حَالَةَ الْإِحْرَامِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيَحْتَمِلُ انْعِقَادَهَا مُطْلَقَةً ثُمَّ يَنْظُرُ مَاذَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ فَيَتْبَعُهُ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ بَطَلَتْ صَلَاةُ إمَامِهِ أَوْ اقْتَدَى بِهِ فِي التَّشَهُّدِ فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِتَعَذُّرِ الْعِلْمِ بِمَا يَفْعَلُهُ أَوْ تَبْقَى عَلَى الصِّحَّةِ وَيَتَخَيَّرُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الثَّانِي هَذَا وَسَيَأْتِي عَنْ سم أَنَّ الْأَقْرَبَ صِحَّةُ النِّيَّةِ وَبُطْلَانُ صَلَاتِهِ إذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ إمَامِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا نَوَاهُ.
[فَرْعٌ آخَرُ] لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ تَعَيَّنَ فِعْلُهَا كَذَلِكَ.
[فَرْعٌ آخَرُ] لَوْ نَذَرَ صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَأَطْلَقَ فَهَلْ تُحْمَلُ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْكَامِلَةِ أَوْ الْأَقَلِّ أَوْ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ مُطْلَقًا وَيَخْرُجُ مِنْ الْعُهْدَةِ بِكُلٍّ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ الثَّلَاثِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الثَّالِثُ كَمَا لَوْ نَذَرَ صَدَقَةً أَوْ صَوْمًا أَوْ نَحْوَهُمَا فَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِي كُلٍّ عَنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ بِأَقَلَّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَبِمَا زَادَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى بَهْجَةٍ مَا نَصَّهُ: قَوْلُهُ إذَا شَرَعَ فِيهَا بِنِيَّةِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، لَكِنْ أَفْتَى شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ بِأَنَّهُ إذَا أُطْلِقَ انْعَقَدَتْ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ
[حاشية الرشيدي]
وَلَا أَشْرَبُ، أَوْ قِيلَ لَهُ أَنْتَ فَعَلْت كَذَا لَا فَعَلْت وَلَا تَرَكْت وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: وَصَرْفُهُ عَنْ الْوُجُوبِ مَا مَرَّ فِي الْعِيدِ) وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
يُزَادُ وَيُنْقَصُ، أَمَّا الزِّيَادَةُ «فَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثُ رُكُوعَاتٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ أَرْبَعُ رُكُوعَاتٍ أَيْضًا، وَفِي رِوَايَةٍ: خَمْسُ رُكُوعَاتٍ، وَلَا مَحَلَّ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ إلَّا الْحَمْلُ عَلَى الزِّيَادَةِ لِتَمَادِي الْكُسُوفِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ أَحَادِيثَ الرُّكُوعَيْنِ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ فَقُدِّمَتْ عَلَى بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ، وَبِأَنَّ أَحَادِيثَنَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالْحَدِيثَيْنِ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، قَالَ: فَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ لَوْ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ
[حاشية الشبراملسي]
يُصَلِّيَهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَأَنْ يُصَلِّيَهَا بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ، وَأَفْتَى بِأَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ نِيَّةَ الْوِتْرِ انْحَطَّتْ عَلَى ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْكَمَالِ فِيهِ اهـ. وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ: أَيْ وَهُوَ حَجّ بِأَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ فِعْلَهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَإِنَّمَا يَزِيدُ إنْ نَوَاهَا بِصِفَةِ الْكَمَالِ، وَيُؤْخَذُ مِمَّا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا صِحَّةُ إطْلَاقِ الْمَأْمُومِ نِيَّةَ الْكُسُوفِ خَلْفَ مَنْ جَهِلَ هَلْ نَوَاهُ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ أَوْ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ الْمَعْرُوفَةِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ النِّيَّةِ صَالِحٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَيَنْحَطُّ عَلَى مَا قَصَدَهُ الْإِمَامُ أَوْ اخْتَارَهُ بَعْدَ إطْلَاقِهِ مِنْهُمَا لِوُجُوبِ تَبَعِيَّتِهِ لَهُ، وَإِنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ أَوْ فَارَقَهُ عَقِبَ الْإِحْرَامِ وَجَهِلَ مَا قَصَدَهُ وَاخْتَارَهُ فَيُتَّجَهُ الْبُطْلَانُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَا أَفْتَى بِهِ فِي الْكُسُوفِ وَفِي الْوِتْرِ بِاسْتِوَاءِ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْأَوَّلِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فِي الصِّفَةِ بِخِلَافِ الثَّانِي، وَإِذَا أَطْلَقَ الْمَأْمُومُ نِيَّتَهُ خَلْفَ مَنْ قَصَدَ الْكَيْفِيَّةَ الْمَعْرُوفَةَ وَقُلْنَا بِصِحَّةِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ فَتْوَى شَيْخِنَا وَأَرَادَ الْمَأْمُومُ مُفَارَقَةَ الْإِمَامِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَأَنْ يُصَلِّيَهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ فَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالصِّحَّةُ مُحْتَمَلَةٌ وَإِنْ امْتَنَعَ عَلَيْهِ فَعَلَهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ مَا دَامَ فِي الْقُدْوَةِ، وَيَحْتَمِلُ الْمَنْعَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَنَّ نِيَّتَهُ خَلْفَ مَنْ نَوَى الْكَيْفِيَّةَ الْمَعْرُوفَةَ تَنْحَطُّ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ فَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ عَنْهَا وَإِنْ فَارَقَ اهـ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ) أَيْ مُسْلِمٌ (قَوْلُهُ: وَبِأَنَّ أَحَادِيثَنَا) أَيْ الَّتِي اسْتَدْلَلْنَا بِهَا (قَوْلُهُ: وَالْحَدِيثَيْنِ إلَخْ) هُمَا قَوْلُهُ ثَلَاثُ رُكُوعَاتٍ وَقَوْلُهُ وَفِيهِ أَرْبَعٌ إلَخْ، هَذَا وَلْيُتَأَمَّلْ قَوْلُهُ وَالْحَدِيثَيْنِ إلَخْ مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَجُوزُ زِيَادَةُ رُكُوعٍ إلَخْ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَرْجُوحِ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ نَصُّهَا: قَوْلُهُ وَيَحْمِلُهَا عَلَى الْجَوَازِ.
قَالَ عَمِيرَةُ: هَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ وَغَيْرُهُ إلَّا فِي حَدِيثِ الرَّكْعَتَيْنِ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ اهـ.
قَالَ م ر: هَذَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ اهـ. وَفِي حَجّ نَقَلَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَنْوَاعِ الثَّابِتَةِ؛ لِأَنَّهَا جَرَّتْ فِي أَوْقَاتٍ وَالِاخْتِلَافُ مَحْمُولٌ عَلَى جَوَازِ الْجَمِيعِ، قَالَ: وَهَذَا أَقْوَى اهـ. وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَعَلَى مَا مَرَّ مِنْ تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ الْأُولَى أَنْ يُجَابَ بِحَمْلِهَا عَلَى مَا إذَا أَنْشَأَ الصَّلَاةَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ إلَخْ) هُنَا سَقْطٌ قَبْلَ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ فِي نُسَخِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْمَجْمُوعِ إنَّمَا هُوَ جَوَابٌ عَنْ أَحَادِيثِ النَّقْصِ لَا عَنْ أَحَادِيثِ الزِّيَادَةِ وَإِنْ حَسُنَ أَوَّلُ الْجَوَابَيْنِ لِأَحَادِيثِ الزِّيَادَةِ أَيْضًا، وَيَدُلُّ عَلَى السَّقْطِ ذِكْرُهُ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى الزِّيَادَةِ مَقْرُونًا بِإِمَّا الْمُؤْذِنَةِ بِمُقَابِلٍ لَهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ سَقْطٌ مِنْ نُسَخِ الشَّارِحِ الْجَوَابُ عَنْ أَحَادِيثِ الزِّيَادَةِ وَالِاسْتِدْلَالُ لِجَوَازِ النَّقْصِ الَّذِي قَالَ بِهِ مُقَابِلُ الْأَصَحِّ، وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ: وَالثَّانِي يُزَادُ وَيَنْقُصُ، ثُمَّ قَالَ: وَمَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثُ رُكُوعَاتٍ» ، وَفِي أُخْرَى لَهُ «أَرْبَعُ رُكُوعَاتٍ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «خَمْسُ رُكُوعَاتٍ» ، أَجَابَ الْأَئِمَّةُ عَنْهَا بِأَنَّ رِوَايَاتِ الرُّكُوعَيْنِ أَشْهَرُ وَأَصَحُّ فَقُدِّمَتْ، وَمَا فِي حَدِيثَيْ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ» : أَيْ مِنْ غَيْرِ تَكْرِيرِ رُكُوعٍ كَمَا قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: أَجَابَ عَنْهُمَا أَصْحَابُنَا بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ أَحَادِيثَنَا أَشْهَرُ وَأَصَحُّ وَأَكْثَرُ رُوَاةً.
وَالثَّانِي أَنَّا نَحْمِلُ أَحَادِيثَنَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَالْحَدِيثَيْنِ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ إلَى آخِرِ مَا فِي الشَّارِحِ.
فَمُرَادُهُ كَالشَّارِحِ بِالْحَدِيثَيْنِ حَدِيثَا أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ فِي النَّقْصِ،
كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَنَحْوِهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَكَانَ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْشِيحِ: وَيَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ الرَّكْعَتَانِ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ أَدْنَى الْكَمَالِ الْمَأْتِيِّ بِهِ بِخَاصِّيَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَبِدُونِهَا يُؤَدِّي أَصْلَ سُنَّةِ الْكُسُوفِ فَقَطْ، وَتَبِعَهُ الْعِرَاقِيُّ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: صَلَاةُ الْكُسُوفِ لَهَا كَيْفِيَّتَانِ مَشْرُوعَتَانِ: الْأُولَى وَهِيَ الْكَامِلَةُ هِيَ ذَاتُ الرُّكُوعَيْنِ، فَإِذَا أَحْرَمَ بِالْكَيْفِيَّةِ الْكَامِلَةِ لَمْ تَجُزْ الزِّيَادَةُ عَلَى الرُّكُوعَيْنِ وَلَا النَّقْصُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ إنَّمَا تَكُونُ فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ وَهَذَا نَفْلٌ مُقَيَّدٌ فَأَشْبَهَ مَا إذَا نَوَى الْوِتْرَ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، أَوْ تِسْعًا، أَوْ سَبْعًا فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ وَلَا النَّقْصُ.
الثَّانِيَةُ أَنْ يُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ كَرَكْعَتَيْ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَيَنْوِيَهَا كَذَلِكَ، فَيَتَأَدَّى بِهَا أَصْلُ السُّنَّةِ كَمَا يَتَأَدَّى أَصْلُ الْوِتْرِ بِرَكْعَةٍ، وَحِينَئِذٍ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمِنْهَاجِ وَالرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ وَكَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمَنْعِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ نَوَى الْأَكْمَلَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَقَلِّ، وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الثَّانِي مِنْ الْجَوَازِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا نَوَاهَا رَكْعَتَيْنِ اهـ.
وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ، وَأَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِجَوَازِ الْأَمْرَيْنِ لِمَنْ نَوَى صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَأَطْلَقَ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ امْتِنَاعُ تَكْرِيرِهَا لِبُطْءِ الِانْجِلَاءِ وَمَا خَبَرُ النُّعْمَانِ الدَّالُ عَلَى جَوَازِهِ وَهُوَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَيَسْأَلُ عَنْهَا هَلْ انْجَلَتْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
[حاشية الشبراملسي]
بِنِيَّةِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ اهـ. وَعَلَيْهِ فَلَا يُرِدْ أَنَّ قَوْلَهُ وَالْحَدِيثَيْنِ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا تَجُوزُ زِيَادَةُ إلَخْ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْمَتْنِ مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا نَوَاهَا بِرُكُوعَيْنِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا نَوَاهَا ابْتِدَاءً بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ فَلَا تُخَالِفُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ: قَالَ فِي التَّوْشِيحِ) أَيْ التَّاجُ بْنُ السُّبْكِيّ (قَوْلُهُ: كَرَكْعَتَيْ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ) أَيْ فِي أَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ بِرُكُوعٍ (قَوْلُهُ: وَكَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْأَوَّلِ) هُوَ قَوْلُهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَأَجَابَ إلَخْ، وَالثَّانِي قَوْلُهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ (قَوْلُهُ وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ) أَيْ مِمَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي كَلَامِهِ، أَوْ الْمُرَادُ مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ قَوْلِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ إلَخْ، وَفِي نُسْخَةٍ وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ وَأَفْتَى الْوَالِدُ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِمَنْ نَوَى صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَأَطْلَقَ) وَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ نَوَى وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ لِتَرَدُّدِهِ فِي النِّيَّةِ.
وَقَالَ سم عَلَى حَجّ: وَإِذَا أَطْلَقَ وَقُلْنَا بِمَا أَفْتَى لَهُ شَيْخُنَا فَهَلْ يَتَعَيَّنُ لِإِحْدَى الْكَيْفِيَّتَيْنِ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ إلَيْهَا بَعْدَ إطْلَاقِ النِّيَّةِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الشُّرُوعِ فِيهَا فِي تَعْيِينِهَا بِأَنْ يُكَرِّرَ الرُّكُوعَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، بَلْ بِأَنْ يَشْرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ مِنْ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِقَصْدِ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيُتَّجَهُ الثَّانِي اهـ. أَقُولُ: وَلَوْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ وَيَنْصَرِفُ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ لِمَا عَيَّنَهُ لَمْ يَبْعُدْ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَأَطْلَقَ فَيَصِحُّ وَيَنْصَرِفُ لِمَا صَرَفَهُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْقَضَاءِ وَالْإِرَادَةِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الْأَعْمَالِ وَعَلَى مَا لَوْ نَوَى نَفْلًا فَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ وَعِبَارَتُهُ عَلَى مَنْهَجٍ: فَرْعٌ مَشَى م ر عَلَى أَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ نِيَّةَ الْكُسُوفِ وَلَمْ يَقْصِدْ فِي نِيَّتِهِ أَنْ يَكُونَ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَلَا عَلَى الْهَيْئَةِ الْكَامِلَةِ انْعَقَدَتْ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَهُ فِعْلُهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَبِالْهَيْئَةِ الْكَامِلَةِ، وَفُرِّقَ بَيْنَ التَّخْيِيرِ هُنَا وَبَيْنَ مَا مَشَى عَلَيْهِ فِيمَا إذَا أَطْلَقَ نِيَّةَ الْوِتْرِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ عَلَى الثَّلَاثِ بِأَنَّ الْكَيْفِيَّتَيْنِ هُنَا سَوَاءٌ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ وَلَا كَذَلِكَ هُنَاكَ.
وَأَقُولُ: قَدْ يُتَّجَهُ انْعِقَادُهَا بِالْهَيْئَةِ الْكَامِلَةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَالْفَاضِلَةُ اهـ (قَوْلُهُ:
[حاشية الرشيدي]
وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا تَمَحَّلَهُ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ بِنَاءً عَلَى أَنْ لَا سَقْطَ (قَوْلُهُ: وَهِيَ الْكَامِلَةُ) أَيْ بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِأَدْنَى الْكَمَالِ وَلِغَايَتِهِ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ بِالرَّكْعَتَيْنِ كَرَكْعَتَيْ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فَقَطْ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ عَنْ التَّوْشِيحِ (قَوْلُهُ: وَكَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْأَوَّلُ) أَيْ مَا نَقَلَهُ مِنْ جَوَابِ الْجُمْهُورِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ أَحَادِيثَ الرُّكُوعَيْنِ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ.
وَقَوْلُهُ: وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الثَّانِي: أَيْ مَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ مِنْ الْجَوَابِ الثَّانِي بِحَمْلِ أَحَادِيثِنَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالْحَدِيثَيْنِ
فَأَجَابَ عَنْهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ مَا صَلَّاهُ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ لَمْ يَنْوِ بِهِ الْكُسُوفَ، فَإِنَّ وَقَائِعَ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبُ الْإِجْمَالِ وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال.
نَعَمْ لَوْ صَلَّاهَا وَحْدَهُ ثُمَّ أَدْرَكَهَا مَعَ الْإِمَامِ صَلَّاهَا كَمَا فِي الْمَكْتُوبَةِ، نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ، قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ إدْرَاكِهِ قَبْلَ الِانْجِلَاءِ وَإِدْرَاكِهِ بَعْدَهُ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْأَوَّلَ وَإِلَّا فَهُوَ افْتِتَاحُ صَلَاةِ كُسُوفٍ بَعْدَ الِانْجِلَاءِ.
قَالَ: وَهَلْ يُعِيدُ الْمُصَلِّي جَمَاعَةً مَعَ جَمَاعَةٍ يُدْرِكُهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ.
وَقَضِيَّةُ التَّشْبِيهِ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ يُعِيدُهَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْمُنْفَرِدِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ وَجَرْيًا عَلَى الْغَالِبِ، ثُمَّ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ تَجْوِيزَ الزِّيَادَةِ لِأَجْلِ تَمَادِي الْكُسُوفِ إنَّمَا يَأْتِي فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، أَمَّا الْأُولَى فَكَيْفَ يُعْلَمُ فِيهَا التَّمَادِي بَعْدَ فَرَاغِ الرُّكُوعَيْنِ، رُدَّ بِأَنَّهُ قَدْ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَذَا الْفَنِّ وَاقْتَضَى حِسَابَهُ ذَلِكَ (وَالْأَكْمَلُ) فِي فِعْلِهَا (أَنْ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ) كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَغَيْرِهَا (بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) وَمَا قَبْلَهَا مِنْ افْتِتَاحٍ وَتَعَوُّذٍ (الْبَقَرَةَ) بِكَمَالِهَا إنْ أَحْسَنَهَا وَإِلَّا فَقَدْرُهَا، وَفِي كَلَامِهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ أَنْ يُقَالَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُقَالَ السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ (وَ) أَنْ يَقْرَأَ (فِي) الْقِيَامِ (الثَّانِي كَمِائَتَيْ آيَةٍ مِنْهَا) مُعْتَدِلَةٍ (وَ) فِي الْقِيَامِ (الثَّالِثِ) مِثْلِ (مِائَةٍ وَخَمْسِينَ) مِنْهَا (وَ) فِي الْقِيَامِ (الرَّابِعِ) مِثْلِ (مِائَةٍ) مِنْهَا (تَقْرِيبًا) وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، فَقَدْ نَصَّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَالْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ آلَ عِمْرَانَ، أَوْ قَدْرَهَا إنْ لَمْ يُحْسِنْهَا، وَفِي الثَّالِثِ النِّسَاءَ أَوْ قَدْرَهَا إنْ لَمْ يُحْسِنْهَا، وَفِي الرَّابِعِ الْمَائِدَةَ، أَوْ قَدْرَهَا إنْ لَمْ يُحْسِنْهَا.
وَمَا نَظَرَ بِهِ فِيمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ النَّصَّ الْأَوَّلَ فِيهِ تَطْوِيلُ الثَّانِي عَلَى الثَّالِثِ وَهُوَ الْأَصْلُ، إذْ الثَّانِي فِيهِ مِائَتَانِ وَفِي الثَّالِثِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، وَالنَّصُّ الثَّانِي فِيهِ تَطْوِيلُ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي، إذْ النِّسَاءُ أَطْوَلُ مِنْ آلِ عِمْرَانَ، وَبَيْنَ النَّصَّيْنِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ تَفَاوُتٌ كَبِيرٌ يُرَدُّ بِأَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ مَجْمُوعِ النَّصَّيْنِ تَخْيِيرُهُ بَيْنَ تَطْوِيلِ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي وَنَقْصِهِ عَنْهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ السُّبْكِيّ ثَبَتَ بِالْأَخْبَارِ
[حاشية الشبراملسي]
كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ) أَيْ صَيَّرَهَا مُجْمَلَةً وَهُوَ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ (قَوْلُهُ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْأَوَّلَ) هُوَ قَوْلُهُ إدْرَاكُهُ قَبْلَ الِانْجِلَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ التَّشْبِيهِ) هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ كَمَا فِي الْمَكْتُوبَةِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ يُعِيدُهَا) وَيَظْهَرُ مَجِيءُ شُرُوطِ الْمُعَادَةِ هُنَا، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ انْجَلَتْ وَهُمْ فِي الْمُعَادَةِ أَتَمُّوهَا مُعَادَةً كَمَا لَوْ انْجَلَتْ وَهُمْ فِي الْأَصْلِيَّةِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمْ فِي إعَادَةِ الْمَكْتُوبَةِ حَيْثُ قِيلَ بِالْبُطْلَانِ بِأَنَّهُ فِي الْمَكْتُوبَةِ يُنْسَبُ لِتَقْصِيرٍ حَيْثُ شَرَعَ فِيهَا فِي وَقْتٍ لَا يَسَعُهَا أَوْ يَسَعُهَا وَطَوَّلَ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ، بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّ الِانْجِلَاءَ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى مَعْرِفَتِهِ وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ عُلَمَاءِ الْهَيْئَةِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَا يُعَوِّلُونَ عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ: إنَّمَا يَأْتِي فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) أَيْ بَلْ قَدْ يُقَالُ بِعَدَمِ تَأَتِّيه فِي الثَّانِيَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ تَحَقُّقَ التَّمَادِي إنَّمَا يَكُونُ بِالسَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ تَنْجَلِ بَعْدَ الرُّكُوعِ الثَّانِي جَازَ أَنْ تَنْجَلِيَ فِي السُّجُودِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُخَصِّصْ حَجّ الْإِشْكَالَ بِوَاحِدَةٍ مِنْ الرُّكُوعَيْنِ، لَكِنَّهُ عَبَّرَ بِمَا يَقْتَضِي تَأَتِّيه فِي النُّقْصَانِ حَيْثُ قَالَ: وَصُورَةُ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ عَلَى الْمُقَابِلِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْحِسَابِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ اهـ. وَلَا حَاجَةَ لِلتَّصْوِيرِ بِذَلِكَ فِي النَّقْصِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ الِانْجِلَاءِ وَهُوَ مُشَاهَدٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْحِسَابِ (قَوْلُهُ: إنْ أَحْسَنَهَا) أَيْ فَإِنْ قَرَأَ قَدْرَهَا مَعَ إحْسَانِهَا كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى (قَوْلُهُ: أَنْ يُقَالَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) يُتَأَمَّلُ مِنْ وَجْهِ الدَّلَالَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ سُورَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ فِي نَحْوِ مَا ذَكَرَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ يُقَالَ الْبَقَرَةُ مَثَلًا بِلَا ذِكْرِ السُّورَةِ أَصْلًا خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ
[حاشية الرشيدي]
عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّ تَجْوِيزَ الزِّيَادَةِ لِأَجْلِ تَمَادِي الْكُسُوفِ) أَيْ بِنَاءً عَلَى مُقَابِلِ الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ: وَفِي كَلَامِهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ أَنْ يُقَالَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يُقَالَ الْبَقَرَةُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ السُّورَةِ مَعَ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يُوجِبُ إضَافَةَ سُورَةٍ إلَيْهَا كَمَا مَرَّ فِي الشَّارِحِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ فَجَوَازُهُ مَعَ ذِكْرِ السُّورَةِ أَوْلَى، وَالْقَصْدُ إنَّمَا هُوَ الرَّدُّ عَلَى الْبَعْضِ الْمَذْكُورِ فِي اخْتِيَارِهِ مَا ذَكَرَهُ بَعْدُ، فَلَا فَرْقَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ بَيْنَ إضَافَةِ سُورَةٍ إلَيْهَا
تَقْدِيرُ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ بِنَحْوِ الْبَقَرَةِ وَتَطْوِيلُهُ عَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ ثُمَّ الثَّالِثِ عَلَى الرَّابِعِ، وَأَمَّا نَقْصُ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي، أَوْ زِيَادَتُهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ فِيمَا أَعْلَمُ، فَلِأَجْلِهِ لَا بُعْدَ فِي ذِكْرِ سُورَةِ النِّسَاءِ فِيهِ وَآلِ عِمْرَانَ فِي الثَّانِي، وَيُسَنُّ لَهُ التَّعَوُّذُ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ (وَيُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ) مِنْ الرُّكُوعَاتِ الْأَرْبَعِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ (قَدْرَ مِائَةٍ مِنْ الْبَقَرَةِ، وَفِي) الرُّكُوعِ (الثَّانِي) قَدْرَ (ثَمَانِينَ) مِنْهَا (وَ) فِي الرُّكُوعِ (الثَّالِثِ) قَدْرَ (سَبْعِينَ) مِنْهَا بِالسِّينِ أَوَّلَهُ (وَ) فِي الرُّكُوعِ (الرَّابِعِ) قَدْرَ (خَمْسِينَ) مِنْهَا (تَقْرِيبًا) فِي الْجَمِيعِ لِثُبُوتِ التَّطْوِيلِ مِنْ الشَّارِعِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ، وَالْأَوْجَهُ اعْتِبَارُ الْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ فِي الْآيَاتِ دُونَ طِوَالِهَا وَقِصَارِهَا، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ: وَتَكُونُ الْآيَاتُ مُقْتَصِدَةً.
وَجَزَمَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ (وَلَا يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ فِي الْأَصَحِّ) كَالْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا وَالِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ الثَّانِي (قُلْت: الْأَصَحُّ تَطْوِيلُهَا) كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ (وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ) فِي صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكُسُوفِ الشَّمْسِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى (وَنَصَّ فِي) كِتَابِ (الْبُوَيْطِيِّ) وَهُوَ يُوسُفُ أَبُو يَعْقُوبَ بْنُ يَحْيَى الْقُرَشِيُّ مِنْ بُوَيْطٍ قَرْيَةٍ مِنْ صَعِيدِ مِصْرَ الْأَدْنَى.
كَانَ خَلِيفَةَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي حَلَقَتِهِ بَعْدَهُ.
مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ (أَنَّهُ يُطَوِّلُهَا نَحْوَ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) قَالَ الْبَغَوِيّ: وَالسُّجُودُ الْأَوَّلُ كَالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، وَالسُّجُودُ الثَّانِي كَالرُّكُوعِ الثَّانِي، وَاخْتَارَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ اسْتِحْبَابُ هَذِهِ الْإِطَالَةِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْمَأْمُومُونَ بِهَا، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَكْتُوبَةِ بِالنُّدْرَةِ، أَوْ بِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْهَا، أَوْ تَرْكَهَا إلَى خِيرَةِ الْمُقْتَدِي بِخِلَافِ الْمَكْتُوبَةِ، وَنَظَرُهُ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْقِيَاسَ مَا مَرَّ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى رِضَاهُمْ كَكُلِّ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِخُصُوصِ شَيْءٍ فِيهِ.
(وَتُسَنُّ جَمَاعَةً) بِنَصْبِهِ عَلَى التَّمْيِيزِ الْمُحَوَّلِ عَنْ نَائِبِ الْفَاعِلِ: أَيْ تُسَنُّ الْجَمَاعَةَ فِيهَا لِلِاتِّبَاعِ، وَلَا يُقَالُ إنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ لِاقْتِضَائِهِ
[حاشية الشبراملسي]
يُقَالَ الْبَقَرَةُ بِدُونِ سُورَةٍ (قَوْلُهُ: فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يُطَوِّلْ الْقِيَامَ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ تَطْوِيلَ السُّجُودِ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا ضَرَرَ فِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُطِيلَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الِاقْتِدَاءِ بِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (قَوْلُهُ: قَدْر سَبْعِينَ مِنْهَا) قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ: هَلَّا قَالَ كَسِتِّينَ، وَمَا وَجْهُ هَذَا النَّقْصِ اهـ. أَقُولُ: وَجْهُهُ أَنَّهُ جَعَلَ نِسْبَةَ الرَّابِعِ لِلثَّالِثِ كَنِسْبَةِ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِي نَقْصٌ عَنْ الْأَوَّلِ عِشْرِينَ، فَكَذَا الرَّابِعُ نَقْصٌ عَنْ الثَّالِثِ عِشْرِينَ (قَوْلُهُ: مُقْتَصِدَةٌ) أَيْ مُتَوَسِّطَةٌ (قَوْلُهُ: أَوْ بِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْقُدْوَةِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِهِ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمَكْتُوبَةِ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهَا بَيْنَ نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ وَعَدَمِهَا سِيَّمَا إذَا طَوَّلَ الْإِمَامُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْخُرُوجِ مِنْ نَفْسِ الصَّلَاةِ وَعَدَمِهِ لِكَوْنِهَا نَفْلًا، بِخِلَافِ الْمَكْتُوبَةِ، وَعَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ، أَوْ بِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ هُنَا مُطْلَقًا بِخِلَافِهِ فِي الْمَكْتُوبَةِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُخَيَّرُ إذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ ظُهُورُ الشِّعَارِ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَتَمْتَنِعُ الْمُفَارَقَةُ حَيْثُ لَا عُذْرَ (قَوْلُهُ وَنَظَرَهُ)
[حاشية الرشيدي]
وَعَدَمِهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا فِي الْحَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَكْتُوبَةِ بِالنُّدْرَةِ) مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ (قَوْلُهُ: وَنَظَرُهُ) أَيْ الْأَذْرَعِيِّ: أَيْ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَرْقِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ اسْتِحْبَابُ هَذِهِ الْإِطَالَةِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا الْمَأْمُومُونَ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَكْتُوبَةِ بِالنُّدْرَةِ أَوْ بِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْهَا أَوْ تَرْكَهَا إلَى خِيَرَةِ الْمُقْتَدِي بِخِلَافِهِ فِي الْمَكْتُوبَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُطِيلُ بِغَيْرِ رِضَا الْمَحْصُورِينَ لِعُمُومِ خَبَرِ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ» وَتُحْمَلُ إطَالَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ رِضَا أَصْحَابِهِ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ مُغْتَفَرٌ لِبَيَانِ تَعْلِيمِ الْأَكْمَلِ بِالْفِعْلِ إلَخْ، فَقَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ بِدَلِيلِ قَوْلِ شَرْحِ الرَّوْضِ بَعْدَهُ اهـ. وَهُوَ كَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي قُوتِ الْأَذْرَعِيِّ لَكِنْ بِالْمَعْنَى
تَقْيِيدَ الِاسْتِحْبَابِ بِحَالَةِ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ.
قِيلَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِصِحَّتِهِ أَيْضًا، وَذَلِكَ الْإِيهَامُ مُنْتَفٍ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا هِيَ سُنَّةٌ الظَّاهِرُ فِي سَنِّهَا لِلْمُنْفَرِدِ أَيْضًا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، بَلْ الْإِيهَامُ يَقِلُّ فَقَطْ وَلَا يَنْدَفِعُ، وَيَصِحُّ رَفْعُهُ بِتَقْدِيرِ: أَيْ تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهَا وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ غَيْرِ ذَوَاتِ الْهَيْئَةِ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ وَذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ يُصَلِّينَ فِي بُيُوتِهِنَّ مُنْفَرِدَاتٍ، فَإِذَا اجْتَمَعْنَ فَلَا بَأْسَ.
وَتُسَنُّ صَلَاتُهَا فِي الْجَامِعِ كَنَظِيرِهِ فِي الْعِيدِ (وَيَجْهَرُ) الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ اسْتِحْبَابًا (بِقِرَاءَةِ) صَلَاةِ (كُسُوفِ الْقَمَرِ) لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَيْلِيَّةٌ، أَوْ مُلْحَقَةٌ بِهَا (لَا الشَّمْسِ) بَلْ يُسِرُّ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا نَهَارِيَّةٌ، وَجَمَعَ فِي الْمَجْمُوعِ بَيْنَ مَا صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ جَهْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، وَمَا صَحَّ مِنْ إسْرَارِهِ فِي الْكُسُوفِ بِأَنَّ الْإِسْرَارَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْجَهْرَ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ (ثُمَّ) (يَخْطُبُ الْإِمَامُ) نَدْبًا بَعْدَ صَلَاتِهَا لِلِاتِّبَاعِ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرٍ كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الْأُسْتَاذِ (خُطْبَتَيْنِ بِأَرْكَانِهِمَا) وَسُنَنِهِمَا (فِي الْجُمُعَةِ) قِيَاسًا عَلَيْهَا، فَلَا تُجْزِئُ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا تُعْتَبَرُ فِيهَا الشُّرُوطُ كَمَا فِي الْعِيدِ.
نَعَمْ يُعْتَبَرُ لِأَدَاءِ السُّنَّةِ الْإِسْمَاعُ وَالسَّمَاعُ وَكَوْنُ الْخُطْبَةِ عَرَبِيَّةً عَلَى مَا مَرَّ (وَيَحُثُّ) فِيهِمَا السَّامِعِينَ (عَلَى التَّوْبَةِ) مِنْ الذُّنُوبِ مَعَ تَحْذِيرِهِمْ مِنْ الْغَفْلَةِ وَالتَّمَادِي فِي الْغُرُورِ (وَ) عَلَى فِعْلِ (الْخَيْرِ) كَعِتْقٍ وَصَدَقَةٍ وَدُعَاءٍ وَاسْتِغْفَارٍ.
وَيُسَنُّ الْغُسْلُ كَمَا عُلِمَ بِمَا مَرَّ فِي الْجُمُعَةِ لَا التَّنَظُّفُ بِحَلْقٍ وَقَلْمٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْيَمَنِ لِضِيقِ الْوَقْتِ؛ وَلِأَنَّهُ حَالَةُ سُؤَالٍ وَذِلَّةٍ، وَعَلَى قِيَاسِهِ أَنْ يَكُونَ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ وَمِهْنَةٍ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ فِيمَا عَلِمْت كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الْآتِي مَا يُؤَيِّدُهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ اسْتِحْبَابِ الْخُطْبَةِ مَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ تَبَعًا لِلنَّصِّ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى بِبَلَدٍ وَبِهِ وَالٍ فَلَا يَخْطُبُ الْإِمَامُ إلَّا بِأَمْرِهِ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ، وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ يُفَوِّضْ السُّلْطَانُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بِخُصُوصِهِ وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ لِإِذْنِ أَحَدٍ، وَذِكْرُهُ فِعْلَ الْخَيْرِ بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنْ بَابِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ لِمَزِيدِ الِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ.
. (وَمَنْ) (أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعٍ أَوَّلَ) مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ (أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ؛ وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَصْلُ وَمَا بَعْدَهُ فِي حُكْمِ التَّابِعِ لَهُ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ الْأَذْرَعِيُّ: أَيْ الَّذِي أَشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: قِيلَ وَيُمْكِنُ) قَائِلُهُ حَجّ (قَوْلُهُ: أَيْ تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهَا) بَيَانٌ لِلتَّقْدِيرِ (قَوْلُهُ: كَنَظِيرِهِ فِي الْعِيدِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ ضَاقَ بِهِمْ الْمَسْجِدُ خَرَجُوا إلَى الصَّحْرَاءِ، وَقَالَ سم عَلَى حَجّ: قَوْلُهُ بِالْمَسْجِدِ إلَّا لِعُذْرٍ إلَخْ.
قَالَ فِي الْعُبَابِ: وَبِالْمَسْجِدِ وَإِنْ ضَاقَ اهـ. وَسَكَتَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِهِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْإِرْشَادِ: دُونَ الصَّحْرَاءِ وَإِنْ كَثُرَ الْجَمْعُ اهـ. وَقَوْلُهُ هُنَا إلَّا لِعُذْرٍ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَلَا فِي الْعُبَابِ وَلَا فِي شَرْحِهِ وَلَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ اهـ. وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ قَوْلِهِ وَإِنْ ضَاقَ بِأَنَّ الْخُرُوجَ إلَى الصَّحْرَاءِ قَدْ يُؤَدِّي إلَى فَوَاتِهَا بِالِانْجِلَاءِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يَخْطُبُ الْإِمَامُ نَدْبًا بَعْدَ صَلَاتِهَا) أَيْ فَلَوْ قَدَّمَهَا عَلَى الصَّلَاةِ هَلْ يُعْتَدُّ بِهَا أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، ثُمَّ رَأَيْت فِيمَا يَأْتِي آخِرَ الِاسْتِسْقَاءِ عَنْ شَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا كَالْعِيدِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي الْعُبَابِ هُنَا أَيْضًا مَا نَصُّهُ: وَلَا يُجْزِيَانِ: أَيْ الْخُطْبَتَانِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا خُطْبَةٌ فَرْدَةٌ اهـ (قَوْلُهُ وَسُنَنُهُمَا) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا تَكْبِيرَ هُنَا، وَهَلْ يَحْسُنُ أَنْ يَأْتِيَ بَدَلُهُ بِالِاسْتِغْفَارِ قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِسْقَاءِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّضَرُّعِ وَالْحَثِّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالِاسْتِغْفَارُ مِنْ أَسْبَابِ الْحَمْلِ عَلَى ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ النَّاشِرِيِّ يَحْسُنُ أَنْ يَأْتِيَ بِالِاسْتِغْفَارِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ اهـ (قَوْلُهُ: وَكَوْنُ الْخُطْبَةِ عَرَبِيَّةٌ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ لِأَدَاءِ السُّنَّةِ وَقَدَّمْنَا فِيهِ كَلَامًا يَأْتِي نَظِيرُهُ هُنَا، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا عَنْ الْجُرْجَانِيِّ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ شُرُوطَ الْجُمُعَةِ فَهَلْ قَالَ بِذَلِكَ هُنَا أَوْ لَا؟ فَلْيُرَاجَعْ، وَقِيَاسُ مَا قَالَ بِهِ فِي الْعِيدِ أَنْ يَقُولَ بِمِثْلِهِ هُنَا، وَيُوَجَّهُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ التَّعْظِيمِ، وَإِظْهَارِ الشِّعَارِ، وَكَوْنِ الْخُطْبَةِ فِيهِمَا عِبَادَةً مَطْلُوبَةً (قَوْلُهُ: فَلَا يَخْطُبُ) أَيْ لَا يُسَنُّ.
(قَوْلُهُ: فِي رُكُوعٍ أَوَّلٍ) هُوَ بِتَنْوِينِهِ مَصْرُوفًا.
وَيَجُوزُ تَرْكُ صَرْفِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ إنْ اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى مُتَقَدِّمٍ كَانَ مَصْرُوفًا، أَوْ بِمَعْنَى
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(أَوْ) أَدْرَكَهُ (فِي) رُكُوعٍ (ثَانٍ، أَوْ) فِي (قِيَامٍ ثَانٍ) مِنْ أَيِّ رَكْعَةٍ (فَلَا يُدْرِكُهَا) (فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي يُدْرِكُ مَا لَحِقَ بِهِ الْإِمَامُ وَيُدْرِكُ بِالرُّكُوعِ الْقَوْمَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَامَ عِنْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَقَرَأَ وَرَكَعَ وَاعْتَدَلَ وَجَلَسَ وَتَشَهَّدَ وَتَحَلَّلَ وَلَا يَسْجُدُ؛ لِأَنَّ إدْرَاكَ الرُّكُوعِ إذَا أَثَّرَ فِي إدْرَاكِ الْقِيَامِ الَّذِي قَبْلَهُ كَانَ السُّجُودُ الَّذِي بَعْدَهُ مَحْسُوبًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (وَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ فَيَأْتِي مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ بِالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ كَامِلَةً) ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ بِجُمْلَتِهَا (وَتَفُوتُ صَلَاةُ) كُسُوفِ (الشَّمْسِ) إذَا لَمْ يَشْرَعْ فِيهَا (بِالِانْجِلَاءِ) التَّامِّ يَقِينًا لِخَبَرِ «إذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ أَيْ الْكُسُوفَ فَادْعُوَا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ الصَّلَاةِ بَعْدَ ذَلِكَ، لَا سِيَّمَا وَالْمَقْصُودُ مِنْ الصَّلَاةِ قَدْ حَصَلَ، بِخِلَافِ الْخُطْبَةِ فَإِنَّهَا لَا تَفُوتُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهَا الْوَعْظُ، وَهُوَ لَا يَفُوتُ بِذَلِكَ.
فَلَوْ انْجَلَى بَعْضُ مَا كَسَفَ فَلَهُ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْكَسِفْ مِنْهَا إلَّا ذَلِكَ الْقَدْرُ، وَلَوْ انْجَلَى جَمِيعُهَا وَهُوَ فِي أَثْنَائِهَا أَتَمَّهَا وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً مِنْهَا إلَّا أَنَّهَا لَا تُوصَفُ بِأَدَاءٍ وَلَا قَضَاءٍ، بَلْ قَدْ يُقَالُ بِصِحَّةِ وَصْفِهَا بِالْأَدَاءِ وَإِنْ تَعَذَّرَ الْقَضَاءُ كَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَلَوْ حَالَ سَحَابٌ وَشَكَّ فِي الِانْجِلَاءِ، أَوْ الْكُسُوفِ لَمْ يُؤَثِّرْ فَيَفْعَلُهَا فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِيهِمَا، وَلَوْ شَرَعَ فِيهَا ظَانًّا بَقَاءَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ انْجِلَاءً قَبْلَ تَحَرُّمِهِ بِهَا بَطَلَتْ وَلَا تَنْعَقِدُ نَفْلًا عَلَى قَوْلٍ، إذْ لَيْسَ لَنَا نَفْلٌ عَلَى هَيْئَةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَيُدْرَجُ فِي نِيَّتِهِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحْرَمَ بِهَا بِنِيَّةِ رَكْعَتَيْنِ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ انْقَلَبَتْ نَفْلًا مُطْلَقًا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَوْ قَالَ الْمُنَجِّمُونَ انْجَلَتْ، أَوْ انْكَسَفَتْ
[حاشية الشبراملسي]
أَسْبَقَ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ الصَّرْفِ (قَوْلُهُ: فَلَا يُدْرِكُهَا) زَادَ الْمَحَلِّيُّ: أَيْ شَيْئًا مِنْهَا اهـ أَيْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُدْرِكُ ذَلِكَ الرُّكُوعَ فَقَطْ وَيُتَمِّمُ عَلَيْهِ بَعْدَ السَّلَامِ (قَوْلُهُ: فِي الْأَظْهَرِ) وَمَحَلُّهُ فِيمَنْ فَعَلَهَا بِالْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ.
أَمَّا مَنْ أَحْرَمَ بِهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ فَيُدْرِكُ الرَّكْعَةَ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ سَوَاءٌ اقْتَدَى فِي الْقِيَامِ قَبْلَهُ أَوْ فِيهِ وَاطْمَأَنَّ يَقِينًا قَبْلَ ارْتِفَاعِ الْإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ لِتَوَافُقِ نَظْمِ صَلَاتَيْهِمَا حِينَئِذٍ.
[فَرْعٌ] لَوْ اقْتَدَى بِإِمَامِ الْكُسُوفِ فِي ثَانِي رُكُوعَيْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَمَا بَعْدَهُ وَأَطْلَقَ نِيَّتَهُ وَقُلْنَا إنَّ مَنْ أَطْلَقَ نِيَّةَ الْكُسُوفِ انْعَقَدَتْ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَهَلْ تَنْعَقِدُ لَهُ هَهُنَا عَلَى الْإِطْلَاقِ لِزَوَالِ الْمُخَالَفَةِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ إنَّمَا تَنْعَقِدُ عَلَى مَا نَوَاهُ الْإِمَامُ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْمُخَالَفَةُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَأَظُنُّ م ر اخْتَارَ الْأَوَّلَ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْإِطْلَاقِ هُنَا حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهَا تَنْعَقِدُ كَسُنَّةِ الصُّبْحِ لَا أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ فِعْلِهَا بِالْهَيْئَةِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهَا كَذَلِكَ يُؤَدِّي لِتَخَالُفِ نَظْمِ الصَّلَاتَيْنِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: مَا يَأْتِي بِهِ مَعَ الْإِمَامِ لِمَحْضِ الْمُتَابَعَةِ وَلَا يُحْسَبُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الرَّكْعَةِ كَالْمَسْبُوقِ الَّذِي اقْتَدَى بِهِ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَنَوَى الْهَيْئَةَ الْكَامِلَةَ (قَوْلُهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ) هُوَ قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَصْلُ (قَوْلُهُ: فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى) أَيْ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: بَلْ قَدْ يُقَالُ بِصِحَّةِ وَصْفِهَا بِالْأَدَاءِ) أَيْ بِتَنْزِيلِ زَمَنِ الْكُسُوفِ الَّذِي تُفْعَلُ فِيهِ مَنْزِلَةَ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ مِنْ الشَّارِعِ فَيَكُونُ الْوَصْفُ بِذَلِكَ مَجَازًا (قَوْلُهُ: فَيَفْعَلُهَا فِي الْأَوَّلِ) أَيْ إذَا شَكَّ فِي الِانْجِلَاءِ (قَوْلُهُ: انْقَلَبَتْ نَفْلًا مُطْلَقًا) هَذَا كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ إذَا عَلِمَ بِذَلِكَ فِي أَثْنَائِهَا انْقَلَبَتْ نَفْلًا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا جَاهِلًا بِالْحَالِ وَقَعَتْ نَفْلًا مُطْلَقًا بِشَرْطِ اسْتِمْرَارِ الْجَهْلِ إلَى الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ فَيُحْمَلُ مَا هُنَا عَلَى مَا هُنَاكَ فَتَصَوَّرْ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِانْجِلَائِهَا إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الرَّكْعَتَيْنِ وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ الْآنَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ الْمُنَجِّمُونَ إلَخْ)
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: فَيَأْتِي مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ) عِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ: أَوْ فِي الثَّانِيَةِ وَسَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ ثُمَّ أَتَى بِالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَرُكُوعَيْهَا (قَوْلُهُ: وَلَا تَنْعَقِدُ نَفْلًا عَلَى قَوْلٍ) هَلْ الْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ نَفْلًا عَلَى قَوْلٍ مِنْ الْأَقْوَالِ بِمَعْنَى أَنَّ عَدَمَ انْعِقَادِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
لَمْ نَعْمَلْ بِقَوْلِهِمْ، فَتُصَلَّى فِي الْأَوَّلِ إذْ الْأَصْلُ بَقَاءُ الْكُسُوفِ دُونَ الثَّانِي إذْ الْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَقَوْلُ الْمُنَجِّمِينَ تَخْمِينٌ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ جَوَازُ الْعَمَلِ بِقَوْلِهِمْ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ وَالصَّوْمِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ خَارِجَةٌ عَنْ الْقِيَاسِ فَاحْتِيطَ لَهَا، وَبِأَنَّ دَلَالَةَ عِلْمِهِ عَلَى ذَيْنَك أَقْوَى مِنْهَا هُنَا وَذَلِكَ لِفَوَاتِ سَبَبِهَا (وَ) تَفُوتُ أَيْضًا (بِغُرُوبِهَا كَاسِفَةً) ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَا يَبْطُلُ بِغُرُوبِهَا نَيِّرَةً كَانَتْ، أَوْ مُنْكَسِفَةً لِزَوَالِ سُلْطَانِهَا.
(وَ) تَفُوتُ أَيْضًا صَلَاةُ خُسُوفِ (الْقَمَرِ) قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا (بِالِانْجِلَاءِ) التَّامِّ أَيْضًا كَمَا مَرَّ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (وَطُلُوعِ الشَّمْسِ) وَهُوَ مُنْخَسِفٌ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِضَوْئِهِ (لَا) بِطُلُوعِ (الْفَجْرِ) فَلَا تَفُوتُ صَلَاةُ خُسُوفِهِ (فِي الْجَدِيدِ) لِبَقَاءِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ وَعَلَى هَذَا لَا يَضُرُّ طُلُوعُ الشَّمْسِ فِي صَلَاتِهِ كَالِانْجِلَاءِ وَالْقَدِيمُ تَفُوتُ لِذَهَابِ اللَّيْلِ وَهُوَ سُلْطَانُهُ (وَلَا) تَفُوتُ صَلَاتُهُ أَيْضًا (بِغُرُوبِهِ خَاسِفًا) لِبَقَاءِ مَحَلِّ سَلْطَنَتِهِ وَهُوَ اللَّيْلُ فَغُرُوبُهُ كَغَيْبُوبَتِهِ تَحْتَ السَّحَابِ فَعُلِمَ أَنَّا لَا نَنْظُرُ إلَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِخُصُوصِهَا وَاسْتِحَالَةِ طُلُوعِهِ بَعْدَ غُرُوبِهِ فِيهَا وَإِنَّمَا نَنْظُرُ لِوُجُودِ اللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّهُ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا نَنْظُرُ إلَى سُلْطَانِ الشَّمْسِ وَهُوَ النَّهَارُ وَلَا نَنْظُرُ فِيهِ إلَى غَيْمٍ، أَوْ نَحْوِهِ.
(وَلَوْ اجْتَمَعَ) عَلَيْهِ صَلَاتَانِ فَأَكْثَرَ وَلَمْ يَأْمَنْ الْفَوَاتَ قَدَّمَ الْأَخْوَفَ فَوْتًا، ثُمَّ الْآكَدَ، فَعَلَى هَذَا لَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ (كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ، أَوْ فَرْضٌ آخَرُ) وَلَوْ نَذْرًا (قَدَّمَ الْفَرْضَ) جُمُعَةً أَوْ غَيْرَهَا (إنْ خِيفَ فَوْتُهُ) لِتَعَيُّنِهِ بِضِيقِ وَقْتِهِ مَعَ تَحَتُّمِ فِعْلِهِ فَكَانَ أَهَمَّ، وَعَلَى هَذَا يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ، ثُمَّ يُصَلِّيهَا، ثُمَّ يُصَلِّي الْكُسُوفَ، ثُمَّ يَخْطُبُ لَهَا، وَفِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ يَفْعَلُ بِالْكُسُوفِ مَا مَرَّ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَرْضِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْفَرْضِ (فَالْأَظْهَرُ تَقْدِيمُ) صَلَاةِ (الْكُسُوفِ) لِخَوْفِ الْفَوَاتِ بِالِانْجِلَاءِ وَيُخَفِّفُهَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ فَيَقْرَأُ فِي كُلِّ قِيَامٍ بِالْفَاتِحَةِ وَنَحْوِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ كَمَا فِي الْأُمِّ (ثُمَّ يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ) فِي صُورَتِهَا (مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ) وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَهُمَا بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ تَشْرِيكٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ، وَمَا نَظَرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ مَا يَحْصُلُ ضِمْنًا لَا يَضُرُّ ذِكْرُهُ رُدَّ بِأَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ لَا تَتَضَمَّنُ خُطْبَةَ الْخُسُوفِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْكُسُوفِ لَمْ تَكْفِ الْخُطْبَةُ عَنْهُ وَيَحْتَرِزُ عَنْ التَّطْوِيلِ الْمُوجِبِ
[حاشية الشبراملسي]
ظَاهِرُهُ وَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُمْ وَيُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ جَوَازُ الْعَمَلِ إلَخْ (قَوْلُهُ وَذَلِكَ لِفَوَاتِ سَبَبِهَا) الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ أَقْوَى مِنْهَا إلَخْ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْقَضَاءِ (قَوْلُهُ: لَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهَا لَا تَفُوتُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي لَيَالٍ يَقْطَعُ بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَاسِفًا لَا يُوجَدُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي عَاشِرِ الشَّهْرِ مَثَلًا، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي قَوْلِهِ فَعُلِمَ أَنَّا لَا نَنْظُرُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: إنْ خِيفَ فَوْتُهُ) وَهُوَ فِي الْجُمُعَةِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا وَفِي غَيْرِهَا بِعَدَمِ إدْرَاكِ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ، وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ عِيدٌ وَفَرِيضَةُ نَذْرٍ فَعَلَهَا فِي وَقْتِ الْعِيدِ قَدَّمَ الْمَنْذُورَةَ إنْ خِيفَ فَوْتُهَا اهـ (قَوْلُهُ وَيُخَفِّفُهَا) أَيْ نَدْبًا (قَوْلُهُ: مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْخُطْبَةِ أَوْ فِي آخِرِهَا أَوْ خِلَالَهَا (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ تَشْرِيكٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ) قَدْ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا نَوَى رَفْعَ الْجَنَابَةِ وَغُسْلَ الْجُمُعَةِ حَصَلَا مَعَ التَّشْرِيكِ الْمَذْكُورِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْغُسْلَ لَمَّا كَانَ وَسِيلَةً لِغَيْرِهِ لَا مَقْصُودًا لِذَاتِهِ اُغْتُفِرَ التَّشْرِيكُ فِيهِ، أَوْ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ تَعْمِيمُ الْبَدَنِ بِالْمَاءِ مَعَ كَوْنِ أَظْهَرْ مَقَاصِدِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ التَّنْظِيفَ وَهُوَ حَاصِلٌ مَعَ ضَمِّ غَيْرِهِ إلَيْهِ فَاغْتُفِرَ ذَلِكَ فِيهِ، عَلَى أَنَّهُ لَمَّا طَلَبَ فِي الْكُسُوفِ مَا لَمْ يَطْلُبْ فِي الْجُمُعَةِ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ صَارَا كَأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي الْحَقِيقَةِ (قَوْلُهُ: وَيَحْتَرِزُ عَنْ التَّطْوِيلِ) أَيْ وُجُوبًا أَيْ فِيمَا يَتَعَرَّضُ بِهِ لِلْكُسُوفِ
[حاشية الرشيدي]
أَوْ الْمُرَادُ أَنَّ عَدَمَ انْعِقَادِهَا قَوْلٌ مِنْ جُمْلَةِ الْأَقْوَالِ فَيَكُونُ هُنَاكَ مَنْ يَقُولُ بِانْعِقَادِهَا؟ يُرَاجَعُ (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ لِفَوَاتِ سَبَبِهَا) تَعْلِيلٌ لِأَصْلِ الْمَتْنِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَيُخَفِّفُهَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ اتَّسَعَ وَقْتُ الْفَرْضِ
لِلْفَصْلِ، وَمَا أَفْهَمُهُ كَلَامُهُ مِنْ وُجُوبِ قَصْدِهَا حَتَّى لَا يَكْفِي الْإِطْلَاقُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ تَقْدِيمَ غَيْرِهَا عَلَيْهَا يَقْتَضِي صَرْفَهَا لَهُ (ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ) وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَرْبَعِ خُطَبٍ؛ لِأَنَّ خُطْبَةَ الْكُسُوفِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ صَلَاتِهَا وَالْجُمُعَةُ بِالْعَكْسِ، وَالْعِيدُ مَعَ الْكُسُوفِ كَالْفَرْضِ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْعِيدَ أَفْضَلُ مِنْهُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ.
نَعَمْ لَوْ قَصَدَهُمَا مَعًا بِالْخُطْبَتَيْنِ جَازَ؛ لِأَنَّهُمَا سُنَّتَانِ وَالْقَصْدُ مِنْهُمَا وَاحِدٌ.
لَا يُقَالُ: السُّنَّةُ حَيْثُ لَمْ تَتَدَاخَلْ لَا يَصِحُّ نِيَّتُهَا مَعَ سُنَّةٍ مِثْلِهَا وَلِهَذَا لَوْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ الضُّحَى وَقَضَاءَ سُنَّةِ الصُّبْحِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْخُطْبَتَانِ تَابِعَتَانِ لِلْمَقْصُودِ فَلَا تَضُرُّ نِيَّتُهُمَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ (وَلَوْ) (اجْتَمَعَ عِيدٌ) وَجِنَازَةٌ (أَوْ كُسُوفٌ وَجِنَازَةٌ) (قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ) فِيهِمَا لِمَا يُخْشَى مِنْ تَغَيُّرِ الْمَيِّتِ بِتَأْخِيرِهَا؛ وَلِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ وَلِأَنَّ فِيهَا حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْآدَمِيِّ وَشَرْطُ تَقْدِيمِهَا حُضُورُهَا وَالْوَلِيُّ فَإِنْ لَمْ تَحْضُرْ أَوْ حَضَرَتْ دُونَهُ أَفْرَدَ الْإِمَامُ لَهَا مَنْ يَنْتَظِرُهَا وَاشْتَغَلَ هُوَ بِغَيْرِهَا مِمَّا بَقِيَ، وَلَوْ اجْتَمَعَ فَرْضٌ مَعَهَا قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ أَيْضًا وَلَوْ جُمُعَةً بِشَرْطِ أَنْ يَتَّسِعَ وَقْتُهُ، فَإِنْ ضَاقَ قَدَّمَ عَلَيْهَا وَمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ فِي اجْتِمَاعِ الْفَرْضِ وَالْجِنَازَةِ، عَلَى خِلَافِ مَا ذُكِرَ مِنْ تَقْدِيمِ الْفَرْضِ مَعَ اتِّسَاعِ وَقْتِهِ خَطَأٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ وَلَوْ فِي الْجُمُعَةِ، وَلِهَذَا قَالَ السُّبْكِيُّ: قَدْ أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ تَقْدِيمَ الْجِنَازَةِ عَلَى الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَلَمْ يُبَيِّنُوا هَلْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ وَتَعْلِيلُهُمْ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ اهـ.
وَهُوَ كَمَا قَالَ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَوْ خِيفَ تَغَيُّرُ الْمَيِّتِ قُدِّمَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ عَلَى الْمَكْتُوبَةِ وَإِنْ خِيفَ فَوْتُهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا وُلِّيَ الْخَطَابَةَ بِجَامِعِ مِصْرَ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ، وَيُفْتِي الْحَمَّالِينَ وَأَهْلَ الْمَيِّتِ: أَيْ الَّذِينَ يَلْزَمُهُمْ تَجْهِيزُهُ فِيمَا يَظْهَرُ بِسُقُوطِ الْجُمُعَةِ عَنْهُمْ لِيَذْهَبُوا بِهَا اهـ.
وَيُتَّجَهُ أَنَّ مَحَلَّ حُرْمَةِ التَّأْخِيرِ إنْ خُشِيَ تَغَيُّرُهَا، أَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ لَا لِكَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ،
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: مِنْ وُجُوبِ قَصْدِهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ نَعَمْ لَوْ قَصَدَهُمَا) أَيْ الْعِيدَ وَالْكُسُوفَ، وَبَقِيَ مَا لَوْ أَطْلَقَ هَلْ يَنْصَرِفُ لَهُمَا أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: يَنْصَرِفُ لِلصَّلَاةِ الَّتِي فَعَلَهَا عَقِبَهُ وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ قَرِينَةُ إرَادَةِ أَحَدِهِمَا بِأَنْ افْتَتَحَ الْخُطْبَةَ لِلتَّكْبِيرِ فَيَنْصَرِفُ لِلْعِيدِ، وَإِنْ أَخَّرَ صَلَاةَ الْكُسُوفِ أَوْ افْتَتَحَهَا بِالِاسْتِغْفَارِ فَيَنْصَرِفُ لِلْكُسُوفِ وَإِنْ أَخَّرَ صَلَاةَ الْعِيدِ، وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ شَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ أَنَّهَا تَنْصَرِفُ إلَيْهِمَا، وَفِي مَتْنِ الرَّوْضِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى الْكُسُوفَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ سَقَطَتْ خُطْبَتُهُ وَقَصَدَ بِالْخُطْبَةِ الْجُمُعَةَ فَقَطْ، قَالَ شَارِحُهُ: وَكَلَامُهُ كَأَصْلِهِ يُفْهِمُ أَنَّهُ يَجِبُ قَصْدُهَا حَتَّى لَا يَكْفِي الْإِطْلَاقَ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ عَلَيْهَا يَقْتَضِي صَرْفَهَا لَهَا وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ خُطْبَةَ الْكُسُوفِ سَقَطَتْ وَهُوَ الْأَقْرَبُ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ اهـ وَقَوْلُهُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْخُطْبَتَانِ إلَخْ) أَيْ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِمَا الْوَعْظُ، إذْ لَيْسَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا شَرْطًا لِلصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: قَدَّمَ عَلَيْهَا) أَيْ مَا لَمْ يَخَفْ تَغَيُّرَهُ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ وَتَعْلِيلُهُمْ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: قَوْلُهُ تَعْلِيلُهُمْ إلَخْ يَنْبَغِي جَوَازُ تَأْخِيرِهَا عَنْ الْجُمُعَةِ لِغَرَضِ كَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدْ أَوْصَى شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ عِنْدَ مَوْتِهِ بِأَنْ تُؤَخَّرَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إلَى مَا بَعْدَ صَلَاةِ الْفَرْضِ الَّذِي يَتَّفِقُ تَجْهِيزُهُ عِنْدَهُ جُمُعَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِأَجْلِ كَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ الْمُصَلِّينَ، وَحِينَئِذٍ يُشْكِلُ إفْتَاؤُهُ بِوُجُوبِ التَّقْدِيمِ تَبَعًا لِلسُّبْكِيِّ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. أَقُولُ: وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْوُجُوبَ مَحْمُولٌ بِقَرِينَةِ كَلَامِهِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَرْجُ كَثْرَةَ الْمُصَلِّينَ كَأَنْ حَضَرَ مَنْ عَادَتُهُمْ الصَّلَاةُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ ثُمَّ حَضَرَتْ الْجِنَازَةُ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَيُفْتَى الْحَمَّالِينَ إلَخْ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: أَيْ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِمْ فِي حَمْلِهَا وَلَوْ عَلَى التَّنَاوُبِ.
وَقَوْلُهُ أَيْ الَّذِينَ إلَخْ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِهِمْ كُلُّ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ التَّخَلُّفُ عَنْ تَشْيِيعِهِ مِنْهُمْ م ر اهـ. وَلَا نَظَرَ لِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ أَنَّهُ يَحْصُلُ مِنْ كَثْرَةِ الْمُشَيِّعِينَ جُمَالَةٌ لِلْجِنَازَةِ وَجَبْرٌ
[حاشية الرشيدي]
فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: يُوَجَّهُ بِأَنَّ تَقْدِيمَ غَيْرِهَا) أَيْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ
وَإِلَّا فَالتَّأْخِيرُ إذَا كَانَ يَسِيرًا وَفِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمَيِّتِ لَا يَنْبَغِي مَنْعُهُ، وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ خُسُوفٌ وَوِتْرٌ، أَوْ تَرَاوِيحُ قَدَّمَ الْخُسُوفَ، وَإِنْ خِيفَ فَوْتُ الْوِتْرِ أَوْ التَّرَاوِيحِ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ، وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ لَوْ اجْتَمَعَ عِيدٌ وَكُسُوفٌ بِأَنَّ الْعِيدَ إمَّا أَوَّلُ الشَّهْرِ، أَوْ الْعَاشِرُ، وَالْكُسُوفُ لَا يَقَعُ إلَّا فِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ أَوْ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ، رُدَّ بِأَنَّ قَوْلَ الْمُنَجِّمِينَ لَا عِبْرَةَ بِهِ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ يَوْمَ مَوْتِ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِي أَنْسَابِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارَ وَأَنَّهُ مَاتَ عَاشِرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِثْلَهُ عَنْ الْوَاقِدِيِّ، وَكَذَا اشْتَهَرَ أَنَّهَا كَسَفَتْ يَوْمَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ وَأَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ الْعَاشِرِ، وَبِأَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا لَا تَنْكَسِفُ إلَّا فِي ذَلِكَ فَقَدْ يُتَصَوَّرُ انْكِسَافُهَا فِيهِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ بِنَقْصِ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ تَامَّةٌ فَتَنْكَسِفُ فِي يَوْمِ عِيدِنَا وَهُوَ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَبِأَنَّ الْفَقِيهَ قَدْ يَتَصَوَّرُ مَا لَا يَقَعُ لِيَتَدَرَّبَ بِاسْتِخْرَاجِ الْفُرُوعِ الدَّقِيقَةِ، وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ أَحَدٍ عِنْدَ حُضُورِ الزَّلَازِلِ وَالصَّوَاعِقِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ وَالْخَسْفِ وَنَحْوِهَا التَّضَرُّعُ بِالدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ وَالصَّلَاةُ فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي تَبَعًا لِلنَّصِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّيَاحَ أَرْبَعٌ: الصَّبَا وَهِيَ مِنْ تُجَاهِ الْكَعْبَةِ، وَالدَّبُورُ مِنْ وَرَائِهَا، وَالْجَنُوبُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهَا، وَالشَّمَالُ مِنْ جِهَةِ شِمَالِهَا، وَلِكُلٍّ مِنْهَا طَبْعٌ فَالصَّبَا حَارَّةٌ يَابِسَةٌ، وَالدَّبُورُ بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ، وَالْجَنُوبُ حَارَّةٌ رَطْبَةٌ، وَالشَّمَالُ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ وَهِيَ رِيحُ الْجَنَّةِ الَّتِي تَهُبُّ عَلَيْهِمْ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، جَعَلَنَا اللَّهُ وَوَالِدِينَا وَأَصْحَابَنَا مِنْهُمْ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ إنَّهُ جَوَّادٌ رَحِيمٌ.
[حاشية الشبراملسي]
لِأَهْلِ الْمَيِّتِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْجُمُعَةِ لَهُمَا وَنَحْوُهُ.
وَسُئِلَ بَعْضُهُمْ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ الْأَطْفَالِ فِي النَّارِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَطْفَالَ فِي الْجَنَّةِ وَلَوْ أَطْفَالَ كُفَّارٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
نَعَمْ يَخْلُقُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَلْقًا فَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ وَخَلْقًا يُدْخِلُهُمْ النَّارَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ اهـ. وَالْعَشَرَةُ أَقْوَالٍ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الشَّيْخُ سَرَدَهَا فِي فَتْحِ الْبَارِي فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ الْعَاشِرِ) أَيْ مِنْ الْمُحَرَّمِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَالْخَسْفُ وَنَحْوُهَا) هَلْ مِنْ نَحْوِهَا الطَّاعُونُ الْمُتَبَادَرُ لَا م ر اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَالصَّلَاةُ فِي بَيْتِهِ) وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِرَكْعَتَيْنِ كَسَنَةِ الظُّهْرِ وَيَنْوِي سَبَبَهَا، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: قَالَ الْحَلِيمِيُّ: وَصِفَتُهَا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَتَغَيَّرَ عَنْ الْمَعْهُودِ إلَّا بِتَوْقِيفٍ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَبِهَذَا الِاحْتِمَالِ جَزَمَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فَقَالَ: تَكُونُ كَكَيْفِيَّةِ الصَّلَوَاتِ وَلَا تُصَلَّى عَلَى هَيْئَةِ الْخُسُوفِ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَيُسَنُّ الْخُرُوجُ إلَى الصَّحْرَاءِ وَقْتَ الزَّلْزَلَةِ، قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ، وَيُقَاسُ بِهَا نَحْوُهَا، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي بَيْتِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ لَكِنَّهُ قِيَاسُ النَّافِلَةِ الَّتِي لَا تُشْرَعُ لَهَا الْجَمَاعَةُ (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقِرِّي تَبَعًا لِلنَّصِّ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا عَصَفَتْ الرِّيحُ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ خَبَرَ «مَا هَبَّتْ رِيحٌ إلَّا جَثَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا» اهـ. أَقُولُ: وَظَاهِرُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الرِّيحِ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكُ (قَوْلُهُ: وَالشَّمَالُ مِنْ جِهَةِ شَمَالِهَا) عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: وَالشَّمَالُ الرِّيحُ تُقَابِلُ الْجَنُوبَ فِيهَا خَمْسُ لُغَاتٍ الْأَكْثَرُ بِوَزْنِ سَلَامٍ، وَشَمَالٌ مَهْمُوزٌ وِزَانُ جَعْفَرٍ، وَشَامِلٌ عَلَى الْقَلْبِ وَشَمَلَ مِثْلُ سَبَبَ وَشَمِلَ مِثْلُ فَلِسَ، وَالْيَدُ الشِّمَالُ بِالْكَسْرِ خِلَافُ الْيَمِينِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَجَمْعُهَا أَشْمُلُ مِثْلُ ذِرَاعٍ وَأَذْرُعَ وَشَمَائِلُ أَيْضًا، وَالشِّمَالُ أَيْضًا الْجِهَةُ، وَالْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا: أَيْ جِهَةَ الْيَمِينِ وَجِهَةَ الشِّمَالِ وَجَمْعُهَا أَشْمُلُ وَشَمَائِلُ أَيْضًا اهـ. وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ الْأُولَى فِي كَلَامِ الشَّارِحِ بِفَتْحِ الشِّينِ وَالثَّانِيَةُ بِكَسْرِهَا.
.
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
هُوَ لُغَةٌ: طَلَبُ السُّقْيَا، وَشَرْعًا: طَلَبُ سُقْيَا الْعِبَادِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، يُقَالُ سَقَاهُ وَأَسْقَاهُ بِمَعْنًى غَالِبًا.
وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ الِاتِّبَاعُ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا وَاسْتَأْنَسُوا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: 60] الْآيَةُ (هِيَ سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ لِمُقِيمٍ وَلَوْ بِقَرْيَةٍ، أَوْ بَادِيَةٍ وَمُسَافِرٍ وَلَوْ سَفَرَ قَصْرٍ لِاسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ فِي الْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ لِمَا مَرَّ فِي الْعِيدِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ ثَابِتَةٌ بِالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ أَدْنَاهَا يَكُونُ بِالدُّعَاءِ مُطْلَقًا فُرَادَى، أَوْ مُجْتَمِعِينَ، وَأَوْسَطُهَا يَكُونُ بِالدُّعَاءِ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَلَوْ نَافِلَةً كَمَا فِي الْبَيَانِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَفِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ وَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ تَقْيِيدُهُ بِالْفَرَائِضِ، وَأَفْضَلُهَا أَنْ يَكُونَ بِالصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُمَا وَإِنَّمَا تُطْلَبُ، (عِنْدَ الْحَاجَةِ) كَانْقِطَاعِ الْمَاءِ أَوْ مُلُوحَتِهِ، أَوْ قِلَّتِهِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ كَافِيًا، وَعُلِمَ مِنْهُ عَدَمُ سَنِّهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ، وَالْحَاجَةُ غَيْرُ دَاعِيَةٍ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَبِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ وَشَمَلَ إطْلَاقُهُ الْحَاجَةَ
[حاشية الشبراملسي]
بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
(قَوْلُهُ: صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ كَكَرَاهَةِ سَبِّ الرِّيحِ (قَوْلُهُ: هُوَ لُغَةً طَلَبُ السُّقْيَا) وَهِيَ اسْمٌ مِنْ سَقَاهُ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: سَقَيْت الزَّرْعَ سَقْيًا وَأَسْقَى بِالْأَلِفِ لُغَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ سَقَيْته وَأَسْقَيْته: دَعَوْت لَهُ فَقُلْت سُقْيًا لَك، وَفِي الدُّعَاءِ " سُقْيَا رَحْمَةٍ وَلَا سُقْيَا عَذَابٍ " عَلَى فُعْلَى بِالضَّمِّ: أَيْ اسْقِنَا غَيْثًا فِيهِ نَفْعٌ بِلَا ضَرَرٍ وَلَا تَخْرِيبٍ اهـ (قَوْلُهُ: وَشَرْعًا طَلَبُ سُقْيَا الْعِبَادِ) أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى غَالِبًا) أَيْ فِي أَكْثَرِ اللُّغَاتِ، وَقِيلَ يُقَالُ سَقَاهُ لِشَفَتِهِ وَأَسْقَاهُ لِمَاشِيَتِهِ وَأَرْضِهِ اهـ مُخْتَارٌ.
وَقِيلَ سَقَاهُ لِشَفَتِهِ وَأَسْقَاهُ إذَا دَلَّهُ عَلَى الْمَاءِ.
وَقِيلَ سَقَاهُ إذَا نَاوَلَهُ الْمَاءَ لِيَشْرَبَ وَأَسْقَاهُ إذَا جَعَلَ لَهُ سَقْيًا اهـ شَرْحُ رَوْضِ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَاسْتَأْنَسُوا لَهُ إلَخْ) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا وَإِنْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ (قَوْلُهُ: لِمُقِيمٍ) أَيْ وَلَوْ عَاصِيًا بِإِقَامَتِهِ (قَوْلُهُ وَلَوْ سَفَرَ قَصْرٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الدُّعَاءُ وَهُوَ كَمَا يَكُونُ مِنْ الْمُطِيعِ يَكُونُ مِنْ الْعَاصِي (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَالصَّارِفُ عَنْ الْوُجُوبِ خَبَرُ هَلْ عَلَى غَيْرِهَا.
. إلَخْ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ خَلْقُ الصَّلَوَاتِ أَوْ لَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ نَافِلَةً) أَيْ وَصَلَاةُ جِنَازَةٍ لَا سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ (قَوْلُهُ بِالصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ) اُنْظُرْ لَوْ نَذَرَ الِاسْتِسْقَاءَ فَهَلْ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ بِإِحْدَى الْكَيْفِيَّاتِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ يُحْمَلُ نَذْرُهُ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْكَامِلَةِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى الدُّعَاءِ بِنَوْعَيْهِ صَارَ كَالِاسْتِعْمَالِ الْمَهْجُورِ فَحُمِلَ اللَّفْظُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْهَا وَهُوَ الْأَكْمَلُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي فَلَا يُبَرَّرُ بِمُطْلَقِ الدُّعَاءِ وَلَا بِهِ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ (قَوْلُهُ: عِنْدَ الْحَاجَةِ) أَيْ نَاجِزَةٌ أَوْ غَيْرُهَا، كَأَنْ طَلَبَ عِنْدَ عُدْمِ الْمَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ حَالًا حُصُولَهُ بَعْدَ مُدَّةٍ يَحْتَاجُونَ فِيهَا إلَيْهِ كَأَنْ طَلَبَ فِي زَمَنِ الصَّيْفِ حُصُولَهُ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ (قَوْلُهُ: أَوْ مُلُوحَتِهِ) أَلْحَقَ بِهِ بَعْضُهُمْ بَحْثًا عَدَمَ طُلُوعِ الشَّمْسِ الْمُعْتَادِ؛ لِأَنَّ عَدَمَهَا يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ نُمُوِّ الزَّرْعِ،
[حاشية الرشيدي]
[بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ] ِ (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ فِي الْعِيدِ) وَمَرَّ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ) الصَّوَابُ وَهُوَ أَيْ الِاسْتِسْقَاءُ إذْ الصَّلَاةُ لَا تَنْقَسِمُ إلَى صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا.
مَا لَوْ احْتَاجَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمَاءِ فَيُسْتَحَبُّ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يُصَلُّوا وَيَسْتَسْقُوا لَهُمْ وَيَسْأَلُوا الزِّيَادَةَ لِأَنْفُسِهِمْ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ إذَا اشْتَكَى بَعْضُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَصَحَّ «دَعْوَةُ الْمَرْءِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَك بِمِثْلٍ» وَهُوَ مُقَيَّدٌ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ ذَا بِدْعَةٍ وَضَلَالَةٍ وَبَغْيٍ وَإِلَّا لَمْ يُنْدَبْ زَجْرًا لَهُ وَتَأْدِيبًا؛ وَلِأَنَّ الْعَامَّةَ تَظُنُّ بِالِاسْتِسْقَاءِ لَهُمْ حُسْنَ طَرِيقَتِهِمْ وَالرِّضَا بِهَا وَفِيهَا مَفَاسِدُ.
وَيُسَنُّ أَيْضًا الِاسْتِسْقَاءُ لِطَلَبِ زِيَادَةٍ فِيهَا نَفْعٌ لَهُمْ (وَتُعَادُ) الصَّلَاةُ مَعَ الْخُطْبَتَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ (ثَانِيًا وَثَالِثًا) وَأَكْثَرَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ وَالْمَرَّةُ الْأُولَى آكَدُ فِي الِاسْتِحْبَابِ، ثُمَّ إذَا عَادُوا مِنْ الْغَدِ، أَوْ بَعْدَهُ يُنْدَبُ أَنْ يَكُونُوا صَائِمِينَ فِيهِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ مَرَّةً عَلَى تَوَقُّفِ كُلِّ خُرُوجٍ عَلَى صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامَ قَبْلَهُ وَمَرَّةً أُخْرَى عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ، وَلَا خِلَافَ؛ لِأَنَّهُمَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْجُمْهُورِ مُنَزَّلَانِ عَلَى حَالَيْنِ: الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا اقْتَضَى الْحَالُ التَّأْخِيرَ كَانْقِطَاعِ مَصَالِحِهِمْ فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ.
وَالثَّانِي عَلَى خِلَافِهِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَإِنْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ (إنْ لَمْ يَسْقُوا) حَتَّى يَسْقِيَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنْ تَأَهَّبُوا لِلصَّلَاةِ فَسُقُوا قَبْلَهَا، اجْتَمَعُوا لِلشُّكْرِ) لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى تَعْجِيلِ مَا عَزَمُوا عَلَى طَلَبِهِ، قَالَ تَعَالَى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7] (وَالدُّعَاءُ) بِالزِّيَادَةِ إنْ لَمْ يَتَضَرَّرُوا بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ (وَيُصَلُّونَ) صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ الْمُقَرَّرَةِ شُكْرًا لِلَّهِ
[حاشية الشبراملسي]
وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْإِلْحَاقِ بَلْ هُوَ مِنْ قِسْمِ الزَّلَازِلِ وَالصَّوَاعِقِ الْآتِي فَتُسَنُّ لَهُ الصَّلَاةُ فُرَادَى عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي (قَوْلُهُ: فَيُسْتَحَبُّ لِغَيْرِهِمْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُصَلُّوهُمْ (قَوْلُهُ: بِظَهْرِ الْغَيْبِ) لَفْظُ ظَهْرٍ مُقْحَمَةٌ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى فِي، قِيلَ وَالْمُرَادُ بِظَهْرِ الْغَيْبِ: أَنْ يَدْعُوَ لَا عَنْ وَجْهٍ يَرْجُو مَعَهُ بُلُوغَ الدُّعَاءِ لِلْمَدْعُوِّ لَهُ (قَوْلُهُ: مَلَكٌ مُوَكَّلٌ) أَيْ بِهِ (قَوْلُهُ وَلَك بِمِثْلٍ) أَيْ بِمِثْلِهِ ثُمَّ رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِمِثْلِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُقَيَّدٌ) أَيْ قَوْلُهُ وَشَمِلَ إطْلَاقَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: ذَا بِدْعَةٍ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ بِهَا بَلْ وَإِنْ لَمْ يَفْسُقْ بِهَا وَبَقِيَ مَا لَوْ احْتَاجَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَسَأَلُوا الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ، فَهَلْ يَنْبَغِي إجَابَتُهُمْ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ وَفَاءً بِذِمَّتِهِمْ، وَلَا يُتَوَهَّمُ مَعَ ذَلِكَ إنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ لِحُسْنِ حَالِهِمْ؛ لِأَنَّ كُفْرَهُمْ مُحَقَّقٌ مَعْلُومٌ، وَتُحْمَلُ إجَابَتُنَا لَهُمْ عَلَى الرَّحْمَةِ بِهِمْ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِمْ مِنْ ذَوِي الرُّوحِ، بِخِلَافِ الْفَسَقَةِ وَالْمُبْتَدِعَةِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ) عِبَارَةُ حَجّ لِخَبَرِ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» وَإِنْ ضَعُفَ.
[فَرْعٌ] أَخْبَرَ مَعْصُومٌ بِالْقَطْعِ بِاسْتِجَابَةِ دُعَاءِ شَخْصٍ فِي الْحَالِ وَاضْطَرَّ النَّاسُ لِلسُّقْيَا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدُّعَاءُ أَمْ لَا؟ اهـ سم عَلَى حَجّ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ مَا كَانَ خَارِقًا لِلْعَادَةِ لَا تُرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ، سِيَّمَا وَمَنْ وَصَلَ إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ حَالُهُمْ التَّسْلِيمُ إلَى اللَّهِ فِي أَفْعَالِهِ وَعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَفْعَلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ: أَقُولُ: قَدْ يُتَّجَهُ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ جَوَّزَ إجَابَةَ غَيْرِهِ مَعَ عَدَمِ حُصُولِ ضَرَرٍ لَمْ يَجِبْ وَإِنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَلَا يَبْعُدُ الْوُجُوبُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ (قَوْلُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْغَيْرِ اشْتِدَادُ الْحَاجَةِ (قَوْلُهُ اجْتَمَعُوا لِلشُّكْرِ) لَك أَنْ تَقُولَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِسْقَاءِ حَيْثُ طَلَبَ فِيهِ هَذِهِ الْأُمُورَ بَعْدَ السُّقْيَا قَبْلَ الصَّلَاةِ شُكْرًا وَبَيْنَ الْكُسُوفِ حَيْثُ لَا يَطْلُبُ فِيهِ هَذِهِ الْأُمُورَ بَعْدَ زَوَالِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَعَ جَرَيَانِ التَّوْجِيهِ الْأَوَّلِ فِيهِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ التَّوْجِيهَ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ الشُّكْرُ وَطَلَبُ الْمَزِيدِ، أَوْ بِأَنَّ الْحَاجَةَ لِلسُّقْيَا أَشَدُّ فَلْيُتَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت الْفَرْقَ بِنَحْوِ الثَّانِي
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: اجْتَمَعُوا لِلشُّكْرِ) لَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُسُوفِ حَيْثُ لَا يُصَلَّى لَهُ بَعْدَ الِانْجِلَاءِ أَنَّ مَا هُنَا حُصُولُ نِعْمَةٍ وَمَا هُنَاكَ انْدِفَاعُ نِقْمَةٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا هُنَا بَقِيَ أَثَرُهُ إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ مَا هُنَاكَ، وَلَعَلَّ هَذَا أَوْجَهُ مِمَّا فَرَّقَ بِهِ الشِّهَابُ سم مِمَّا يُعْلَمُ بِمُرَاجَعَتِهِ.
تَعَالَى أَيْضًا، وَيَخْطُبُ بِهِمْ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُمْ يَنْوُونَ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ شُكْرًا (عَلَى الصَّحِيحِ) كَاجْتِمَاعِهِمْ لِلدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ لَا يُصَلُّونَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُفْعَلْ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ قَبْلَهَا عَمَّا إذَا سُقُوا بَعْدَهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ لِذَلِكَ وَلَوْ سُقُوا فِي أَثْنَائِهَا أَتَمُّوهَا جَزْمًا كَمَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُهُمْ.
(وَيَأْمُرُهُمْ الْإِمَامُ) اسْتِحْبَابًا أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ (بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) (أَوَّلًا) مُتَتَابِعَةٍ مَعَ يَوْمِ الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مَعِينٌ عَلَى الرِّيَاضَةِ وَالْخُشُوعِ وَصَحَّ «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالْمَظْلُومُ» وَالتَّقْدِيرُ بِالثَّلَاثَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا وَرَدَ فِي الْكَفَّارَةِ، وَبِأَمْرِهِ يَصِيرُ الصَّوْمُ وَاجِبًا امْتِثَالًا لَهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ وَسَبَقَهُ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوَاعِدِهِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ جَمْعٌ كَالسُّبْكِيِّ وَالْقَمُولِيِّ وَالْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَأَفْتَى بِهِ
[حاشية الشبراملسي]
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ شُكْرًا) أَيْ؛ لِأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى فِعْلِهَا هُوَ الشُّكْرُ وَهُوَ يَحْصُلُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ نِيَّتَهُمْ بِهَا الِاسْتِسْقَاءَ.
(قَوْلُهُ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) قَالَ سم عَلَى حَجّ يُتَّجَهُ لُزُومُ الصَّوْمِ أَيْضًا إذَا أَمَرَهُمْ بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ اهـ.
[فَائِدَةٌ] الْوَلِيُّ لَا يَلْزَمُهُ أَمْرُ مُوَلِّيهِ الصَّغِيرِ بِالصَّوْمِ وَإِنْ أَطَاقَهُ اهـ حَجّ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم: يُتَّجَهُ الْوُجُوبُ إنْ شَمِلَهُ أَمْرُ الْإِمَامِ: أَيْ بِأَنْ أَمَرَ بِصِيَامِ الصِّبْيَانِ، وَفِيهِ أَيْضًا: وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ بِامْتِثَالِ أَمْرِ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ مَنْ هُوَ خَارِجٌ عَنْ وِلَايَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ، فَلَوْ أَمَرَ مَنْ فِي وِلَايَتِهِ وَشَرَعَ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ وِلَايَتِهِ فَهَلْ يَسْتَمِرُّ الْوُجُوبُ اعْتِبَارًا بِالِابْتِدَاءِ؟ لَا يَبْعُدُ الِاسْتِمْرَارُ (قَوْلُهُ: مَعَ يَوْمِ الْخُرُوجِ) صَرَّحَ بِهِ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ الْآتِي: وَيَخْرُجُونَ إلَى الصَّحْرَاءِ فِي الرَّابِعِ قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ مِنْ الْإِمَامِ أَمْرُهُمْ بِهِ وَلَكِنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُمْ الصَّوْمَ لِأَنْفُسِهِمْ (قَوْلُهُ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ) التَّعْبِيرُ بِمَا ذُكِرَ يُشْعِرُ بِأَنَّ النَّهَارَ كُلَّهُ ظَرْفٌ لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَأَنَّهُ بِالْفِطْرِ يَنْتَهِي وَقْتُ الْإِجَابَةِ (قَوْلُهُ: وَبِأَمْرِهِ يَصِيرُ الصَّوْمُ وَاجِبًا) قَالَ حَجّ: ظَاهِرًا وَبَاطِنًا اهـ. وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ: وَلَوْ أَمَرَ بِالصَّوْمِ لِنَحْوِ طَاعُونٍ ظَهَرَ فِي الْبَلَدِ وَاجِبٌ أَيْضًا كَمَا وَافَقَ عَلَيْهِ م ر وَطِبّ أَخْذًا مِمَّا قَرَّرُوهُ الْمَذْكُورُ اهـ. وَقَوْلُهُ وَاجِبًا: أَيْ عَلَيْهِمْ لَا عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْمُتَكَلِّمَ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ، لِأَنَّا إنَّمَا أَوْجَبْنَا الصَّوْمَ عَلَى غَيْرِهِ بَذْلًا لِطَاعَتِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ بَذْلُ الطَّاعَةِ لِنَفْسِهِ اهـ سم أَيْضًا.
وَسَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ.
[فَرْعٌ] أَمَرَهُمْ الْإِمَامُ بِالصَّوْمِ فَسَقَوْا قَبْلَ اسْتِكْمَالِ الصَّوْمِ، قَالَ م ر: لَزِمَهُمْ صَوْمُ بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ اهـ. أَقُولُ: يُوَجَّهُ بِأَنَّ هَذَا الصَّوْمَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَفَائِدَتُهُ لَمْ تَنْقَطِعْ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ سَبَبًا فِي الْمَزِيدِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ أَمَرَهُمْ بِالصَّوْمِ فَسَقَوْا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ هَلْ يَجِبُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ أَخْذًا مِمَّا عَلَّلَ بِهِ سم، وَيُحْتَمَلُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِأَمْرٍ وَقَدْ فَاتَ وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَبَقِيَ مَا لَوْ أَمَرَهُمْ بِالصِّيَامِ ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ بَعْدَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إتْمَامُ بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي.
[فَائِدَةٌ] لَوْ رَجَعَ الْإِمَامُ عَنْ الْأَمْرِ وَأَمَرَهُمْ بِالْفِطْرِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّهُ وَاجِبٌ لِذَاتِهِ لَا لَشَقَّ الْعَصَا.
وَنُقِلَ فِي الدَّرْسِ عَنْ شَيْخِنَا الْحَلَبِيِّ وَشَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ.
[فَائِدَةٌ أُخْرَى] لَوْ حَضَرَ بَعْدَ أَمْرِ الْإِمَامِ مَنْ كَانَ مُسَافِرًا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ مَا بَقِيَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ بَعْدَ أَمْرِ الْإِمَامِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا الصَّوْمُ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا حَالَ النِّدَاءِ.
وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ أَمَرَهُمْ بِالصَّوْمِ بَعْدَ انْتِصَافِ شَعْبَانَ هَلْ يَجِبُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَمْتَنِعُ صَوْمُهُ بَعْدَ النِّصْفِ هُوَ الَّذِي لَا سَبَبَ لَهُ وَهَذَا سَبَبُهُ الِاحْتِيَاجُ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ بِهِ أَمْرًا بِمَعْصِيَةٍ بَلْ بِطَاعَةٍ.
وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ وَقْتَ أَمْرِ الْإِمَامِ ثُمَّ طَهُرَتْ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ الْبُلْقِينِيُّ فِي مَوْضِعٍ، وَقَوْلُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إنَّهُ مَرْدُودٌ لِنَصِّ الْأُمِّ هُوَ الْمَرْدُودُ بِأَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا فِي مُدَّعَاهُ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَهُوَ مَحْمُولٌ بِقَرِينَةِ كَلَامِهِ فِي بَابِ الْبُغَاةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَأْمُرْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ فِي هَذَا الصَّوْمِ التَّبْيِيتُ وَالتَّعْيِينُ، فَلَوْ لَمْ يُبَيِّتْهُ لَمْ يَصِحَّ، وَيَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْ النَّذْرِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وُجُودُ الصَّوْمِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ وَلَا يَجِبُ هَذَا الصَّوْمُ عَلَى الْإِمَامِ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ بَذْلًا لِطَاعَتِهِ، لَكِنْ لَوْ فَاتَ لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهُ، إذْ وُجُوبُهُ لَيْسَ لِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا هُوَ لِعَارِضٍ وَهُوَ أَمْرُ الْإِمَامِ وَالْقَصْدُ مِنْهُ الْفِعْلُ فِي الْوَقْتِ لَا مُطْلَقًا، وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْقَضَاءَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ وَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ لَا تَفُوتُ بِالسُّقْيَا بَلْ تُفْعَلُ شُكْرًا كَمَا مَرَّ، أَفْتَى بِجَمِيعِ ذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيَدُلُّ لِوُجُوبِ مَا مَرَّ قَوْلُهُمْ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى: تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ مَا لَمْ يُخَالِفْ حُكْمَ الشَّرْعِ.
وَلَعَلَّ هَذَا مُسْتَنَدُ الْإِسْنَوِيِّ فِي قَوْلِهِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ
[حاشية الشبراملسي]
الصَّوْمُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَهْلًا لِلْخِطَابِ وَقْتَ الْأَمْرِ.
وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ بَعْدَ الْأَمْرِ هَلْ يَجِبُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَهُوَ) أَيْ نَصُّ الْأُمِّ مَحْمُولٌ إلَخْ وَقَوْلُهُ بِقَرِينَةِ كَلَامِهِ: أَيْ الشَّافِعِيُّ (قَوْلُهُ وَالتَّعْيِينُ) كَأَنْ يَقُولَ عَنْ الِاسْتِسْقَاءِ (قَوْلُهُ فَلَوْ لَمْ يُبَيِّتْهُ لَمْ يَصِحَّ) أَيْ عَنْ الصَّوْمِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ وَالْإِمَامُ فَهُوَ نَفْلٌ مُطْلَقٌ، وَلَا وَجْهَ لِفَسَادِهِ وَلَكِنَّهُ يَأْثَمُ لِعَدَمِ امْتِثَالِ أَمْرِ الْإِمَامِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ حَنَفِيًّا وَلَمْ يُبَيِّتْ الْمَأْمُورُ النِّيَّةَ ثُمَّ نَوَى نَهَارًا فَهَلْ يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِصَوْمٍ مُجْزِئٍ عِنْدَ الْإِمَامِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَلَا يَجِبُ الْإِمْسَاكُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ رَمَضَانَ (قَوْلُهُ وَيَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْ النَّذْرِ وَالْقَضَاءِ) قَالَ الزِّيَادِيُّ: وَمِثْلُهُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وُجُودُ صَوْمٍ فِيهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ اهـ سم عَلَى حَجّ بَعْدَ مَا ذَكَرَ، وَقِيَاسُ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ بِصَوْمِ رَمَضَانَ أَيْضًا.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا ظَاهِرٌ إذَا أُمِرَ قَبْلَ رَمَضَانَ فَلَمْ يَفْعَلُوا حَتَّى دَخَلَ فَصَامُوا عَنْ رَمَضَانَ ثُمَّ خَرَجُوا فِي الرَّابِعِ.
أَمَّا لَوْ وَقَعَ الْأَمْرُ فِي رَمَضَانَ فَلَا فَائِدَةَ لَهُ إذْ الصَّوْمُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، قُلْنَا: بَلْ لَهُ فَائِدَةٌ وَهِيَ أَنَّهُمْ لَوْ أَخَّرُوا لِشَوَّالٍ بِأَنْ قَصَدُوا تَأْخِيرَ الِاسْتِسْقَاءِ وَمُقَدَّمَاتِهِ إلَيْهِ لَزِمَهُمْ الصَّوْمُ حِينَئِذٍ، وَكَذَا لَوْ كَانُوا مُسَافِرِينَ وَقُلْنَا الْمُسَافِرُ كَغَيْرِهِ فَيَلْزَمُهُمْ الصَّوْمُ عَنْ رَمَضَانَ لِيُجْزِيَ عَنْ الِاسْتِسْقَاءِ وَلَيْسَ لَهُمْ الْفِطْرُ وَإِنْ جَازَ لِلْمُسَافِرِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا عَنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ غَيْرُ صَوْمِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وُجُودُ الصَّوْمِ) قَضِيَّةُ كَوْنِ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ فِي نِيَّتِهِ، وَيُخَالِفُهُ قَوْلُهُ وَالتَّعْيِينُ، إلَّا أَنْ يَحْمِلَ وُجُوبَ التَّعْيِينِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ صَوْمُ غَيْرِهِ وَاجِبًا وَعَدَمُ التَّعْيِينِ عَلَى خِلَافِهِ، أَوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ هُنَا عَلَى مَا إذَا نَوَى النَّذْرَ مَثَلًا وَالِاسْتِسْقَاءَ.
وَعِبَارَةُ حَجّ: وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا لِفَوَاتِ الْمَعْنَى الَّذِي طَلَبَ لَهُ الْأَدَاءَ وَأَنَّهُ لَوْ نَوَى بِهِ نَحْوَ قَضَاءٍ أَثِمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ امْتِثَالُهُ بَاطِنًا كَمَا تَقَرَّرَ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ نَوَى هُنَا الْأَمْرَيْنِ اُتُّجِهَ أَنْ لَا إثْمَ لِوُجُودِ الِامْتِثَالِ وَوُقُوعُ غَيْرِهِ مَعَهُ لَا يَمْنَعُهُ (قَوْلُهُ بَذْلًا لِطَاعَتِهِ) أَيْ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ بَذْلُ الطَّاعَةِ لِنَفْسِهِ انْتَهَى سم (قَوْلُهُ: لَكِنْ لَوْ فَاتَ لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهُ) وَفِي فَتَاوَى حَجّ وُجُوبُ الْقَضَاءِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَفِي شَرْحِهِ الْجَزْمُ بِمَا يُوَافِقُ كَلَامَ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْقَضَاءَ) أَيْ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، وَقَوْلُهُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ: أَيْ وَلَمْ يُوجَدْ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُخَالِفْ الشَّرْعَ) هَذَا يُفِيدُ وُجُوبَ الْمُبَاحِ إذَا أَمَرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ حُكْمَ الشَّرْعِ.
وَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ سم عَلَى مَنْهَجٍ أَنَّهُ يُنَاقِضُ كَلَامَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَعِبَارَتُهُ: وَقَضِيَّةُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْ النَّذْرِ وَالْقَضَاءِ) فِي حَوَاشِي الشَّيْخِ نَقْلًا عَنْ الزِّيَادِيِّ نَقْلًا عَنْ إفْتَاءِ شَيْخِهِ الرَّمْلِيِّ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ صَوْمُهُ عَنْ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ وَفِيهِ وَقْفَةٌ لَا تَخْفَى، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ عَنْ إفْتَاءِ الرَّمْلِيِّ لَمْ أَرَهُ فِي فَتَاوِيهِ
يَقْتَضِي التَّعَدِّيَ إلَى كُلِّ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ مِنْ صَدَقَةٍ وَغَيْرِهَا، قَالَ فِي شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ: وَهُوَ الْقِيَاسُ اهـ. وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَقَدْ صَرَّحَ بِالتَّعَدِّي الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ قِتَالِ الْبُغَاةِ، وَعَلَى هَذَا فَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْمُتَوَجَّهَ عَلَيْهِ وُجُوبُ الصَّدَقَةِ بِالْأَمْرِ الْمَذْكُورِ مَنْ يُخَاطَبُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، فَمَنْ فَضَلَ عَنْهُ شَيْءٌ مِمَّا يُعْتَبَرُ، ثُمَّ لَزِمَهُ التَّصَدُّقُ بِأَقَلَّ مُتَمَوِّلٍ، هَذَا إنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْإِمَامُ قَدْرًا، فَإِنْ عَيَّنَ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ فَالْأَنْسَبُ بِعُمُومِ كَلَامِهِمْ لُزُومُ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ الْمُعَيَّنِ لَكِنْ يَظْهَرُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا فَضَلَ ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ عَنْ كِفَايَةِ الْعُمُرِ الْغَالِبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الْمُعَيَّنُ يُقَارِبُ الْوَاجِبَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ قُدِّرَ بِهَا، أَوْ فِي أَحَدِ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ قُدِّرَ بِهِ وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ، وَأَمَّا الْعِتْقُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِالْحَجِّ وَالْكَفَّارَةِ فَحَيْثُ لَزِمَهُ بَيْعُهُ فِي أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ عِتْقُهُ إذَا أَمَرَ بِهِ الْإِمَامُ (وَالتَّوْبَةُ) بِالْإِقْلَاعِ عَنْ الْمَعَاصِي وَالنَّدَمِ عَلَيْهَا وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إلَيْهَا (وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِوُجُوبِ الْبِرِّ) مِنْ عِتْقٍ وَصَدَقَةٍ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَرْجَى لِلْإِجَابَةِ، قَالَ تَعَالَى
[حاشية الشبراملسي]
مَا قَرَّرَهُ السَّابِقَ أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ بِمُبَاحٍ وَجَبَ، وَارْتَضَاهُ م ر وَفِي وَقْتٍ آخَرَ قَالَ: لَا يَجِبُ فِي الْمُبَاحِ، فَقُلْت لَهُ: إلَّا أَنْ تَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ، فَوَافَقَ وَمَشَى عَلَى أَنَّهُ إذَا أَمَرَ بِالْخُرُوجِ إلَى الصَّحْرَاءِ لِلِاسْتِسْقَاءِ وَجَبَ اهـ. وَفِي حَجّ أَنَّهُ إنْ أَمَرَ بِمُبَاحٍ وَجَبَ ظَاهِرًا أَوْ بِمَنْدُوبٍ أَوْ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ وَجَبَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا اهـ. وَخَرَجَ بِالْمُبَاحِ الْمَكْرُوهِ كَأَنْ أَمَرَ بِتَرْكِ رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ فَلَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا مَا لَمْ يَخْشَ الْفِتْنَةَ.
وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ فَتَاوَى الشَّارِحِ مَا يُوَافِقُهُ (قَوْلُهُ: قَالَ فِي شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ) أَيْ الْإِسْنَوِيُّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ التَّعَدِّي (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا) هُوَ قَوْلُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: مَنْ يُخَاطَبُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ الْآتِي لَهُ (قَوْلُهُ: لُزُومُ ذَلِكَ) أَيْ الصَّدَقَةِ أَوْ غَيْرِهَا (قَوْلُهُ لَكِنْ يَظْهَرُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إلَخْ) نُقِلَ عَنْ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ الشَّارِحِ مَا نَصُّهُ: وَقَالَ م ر: يَنْبَغِي فِي نَحْوِ الصِّدْقِ وَالْعِتْقِ أَنَّهُ يَجِبُ أَقَلُّ مَا يَنْطِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ بِشَرْطِ فَضْلِهِ عَمَّا يَحْتَاجُهُ فِي الْفِطْرِ، وَأَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ الْإِمَامُ زَائِدًا لَغَا التَّعْيِينُ وَوَجَبَ الْأَقَلُّ الْمَذْكُورُ اهـ. وَبَقِيَ مَا لَوْ أَمَرَ الْإِمَامُ بِالصَّدَقَةِ وَكَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَأَخْرَجَهَا بِقَصْدِ الْكَفَّارَةِ هَلْ يُجْزِيهِ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّوْمِ بِأَنَّ الصَّوْمَ عَنْ الْكَفَّارَةِ أَوْ النَّذْرِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَافَقَ خُصُوصَ مَا أَمَرَ بِهِ الْإِمَامُ فَسُومِحَ فِيهِ، بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ بِالْمَنْذُورِ فَإِنَّهُ وَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مُسَمَّى الصَّدَقَةِ لَكِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِخُصُوصِهِ أَمْرُ الْإِمَامِ، عَلَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ لَفْظِ الصَّدَقَةِ الصَّدَقَةُ الْمَنْدُوبَةُ، وَأَنَّ إطْلَاقَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْوَاجِبَةِ تَجُوزُ، فَأَمْرُ الْإِمَامِ مَصْرُوفٌ لِغَيْرِ الْمَنْذُورَةِ وَنَحْوِهَا، وَبَقِيَ مَا لَوْ أَمَرَهُ بِالتَّصَدُّقِ بِدِينَارٍ مَثَلًا وَكَانَ لَا يَمْلِكُ إلَّا نِصْفَهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الدِّينَارِ بِخُصُوصِهِ مَطْلُوبٌ فِي ضِمْنِ كُلِّهِ (قَوْلُهُ: أَوْ فِي أَحَدِ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ) يَشْمَلُ الْإِطْعَامَ وَالْكِسْوَةَ، وَعِبَارَةُ حَجّ إنَّمَا يُخَاطَبُ بِهِ: أَيْ مَا أَمَرَ بِهِ الْمُوسِرُونَ بِمَا يُوجِبُ الْعِتْقَ فِي الْكَفَّارَةِ وَبِمَا يَفْضُلُ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الصَّدَقَةِ اهـ. وَهَذَا يَقْرُبُ مِنْ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلَهُ أَوْ فِي أَحَدِ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ: أَيْ غَيْرِ الْعِتْقِ لِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَأَمَّا الْعِتْقُ إلَخْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبْقَى قَوْلُهُ أَحَدَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ عَلَى عُمُومِهِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ أَمَّا الْعِتْقُ عَلَى مَا لَوْ أَمَرَ الْإِمَامُ بِإِعْتَاقِ مُعَيَّنٍ مِنْ أَرِقَّائِهِ فَيُقَالُ: إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ بِخُصُوصِهِ لِزَمَانَةٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا لَا يَجِبُ إعْتَاقُهُ وَإِلَّا وَجَبَ (قَوْلُهُ: قُدِّرَ بِهِ) أَيْ الْعُمُرُ الْغَالِبُ، وَقَوْلُهُ لَمْ تَجِبْ: أَيْ مُوَافَقَتُهُ، وَقَوْلُهُ وَأَمَّا الْعِتْقُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْتَبَرَ إلَخْ الْمُتَبَادَرُ مِنْ جَعْلِ هَذَا احْتِمَالًا لَا مُجَرَّدًا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَهُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ لَكِنْ يَظْهَرُ تَقْيِيدُهُ إلَخْ.
[فَرْعٌ] هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ إجْزَاؤُهُ فِي الْكَفَّارَةِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمَّى الْمَأْمُورِ بِهِ (قَوْلُهُ: بِالْإِقْلَاعِ عَنْ الْمَعَاصِي) وَمِنْهُ رَدُّ الْمَظَالِمِ إلَى أَهْلِهَا، وَقَوْلُهُ إلَيْهَا: أَيْ إلَى مِثْلِهَا
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: 52] وَقَالَ ﴿إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ [يونس: 98] الْآيَةُ (وَالْخُرُوجُ مِنْ الْمَظَالِمِ) نَصَّ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهَا مِنْ شُرُوطِ التَّوْبَةِ إتْمَامًا بِذِكْرِهَا لِعِظَمِ أَمْرِهَا فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ وَسَوَاءٌ فِي الْمَظَالِمِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعِبَادِ كَانَتْ دَمًا أَمْ عِرْضًا أَمْ لَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ.
وَقَدْ يَكُونُ الْجَدْبُ بِتَرْكِ ذَلِكَ، فَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ «وَلَا مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ إلَّا حُبِسَ عَنْهُمْ الْمَطَرُ» . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إذَا بَخَسَ النَّاسُ الْمِكْيَالَ مُنِعُوا قَطْرَ السَّمَاءِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] تَلْعَنُهُمْ دَوَابُّ الْأَرْضِ تَقُولُ: نُمْنَعُ الْمَطَرَ بِخَطَايَاهُمْ وَالتَّوْبَةُ مِنْ الذَّنْبِ وَاجِبَةٌ فَوْرًا أَمَرَ بِهَذَا الْإِمَامُ، أَوْ لَا (وَيَخْرُجُونَ) أَيْ النَّاسُ مَعَ الْإِمَامِ (إلَى الصَّحْرَاءِ) بِلَا عُذْرٍ تَأَسِّيًا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلِأَنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ فَلَا يَسَعُهُمْ الْمَسْجِدُ غَالِبًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا وَإِنْ اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مَكَّةَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ لِفَضْلِ الْبُقْعَةِ وَسَعَتِهَا؛ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِإِحْضَارِ الصِّبْيَانِ وَمَأْمُورُونَ بِأَنَّا نُجَنِّبُهُمْ الْمَسَاجِدَ (فِي الرَّابِعِ) مِنْ ابْتِدَاءِ صَوْمِهِمْ (صِيَامًا) لِخَبَرِ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ وَعَدَّ مِنْهُمْ الصَّائِمَ» ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ مَعِينٌ عَلَى الرِّيَاضَةِ وَالْخُشُوعِ، وَيَنْبَغِي لَهُ تَخْفِيفُ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَا أَمْكَنَ، وَفَارَقَ مَا هُنَا صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ حَيْثُ لَا يُسَنُّ لِلْحَاجِّ بِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ مَشَقَّةُ الصَّوْمِ وَالسَّفَرِ، وَبِأَنَّ مَحَلَّ الدُّعَاءِ ثَمَّ آخِرُ النَّهَارِ، وَالْمَشَقَّةُ الْمَذْكُورَةُ مُضَعَّفَةٌ حِينَئِذٍ بِخِلَافِهِ هُنَا، وَقَضِيَّةُ الْفَرْقَيْنِ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا هُنَا مُسَافِرِينَ وَصَلَّوْا آخِرَ النَّهَارِ لَا صَوْمَ عَلَيْهِمْ، بَلْ قَضِيَّةُ الْأَوَّلِ ذَلِكَ أَيْضًا وَإِنْ صَلَّوْا أَوَّلَ النَّهَارِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا أَمَرَ هُنَا صَارَ وَاجِبًا، قَالَ الشَّيْخُ: وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ وُجُوبُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ الْمُسَافِرُ، فَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ فَلَا وُجُوبَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ حِينَئِذٍ غَيْرُ مَطْلُوبٍ لِكَوْنِ الْفِطْرِ أَفْضَلَ، وَرَدَّهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ: إنَّ الْمُعْتَمَدَ طَلَبُ الصَّوْمِ مُطْلَقًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ لِمَا مَرَّ «إنَّ دَعْوَةَ الصَّائِمِ لَا تُرَدُّ» وَيَخْرُجُونَ غَيْرَ مُتَطَيِّبِينَ وَلَا مُتَزَيِّنِينَ بَلْ (فِي ثِيَابِ بِذْلَةٍ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ: أَيْ مِهْنَةٍ مِنْ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إلَى صِفَتِهِ: أَيْ مَا يُلْبَسُ مِنْ الثِّيَابِ فِي وَقْتِ الشُّغْلِ وَمُبَاشَرَةِ الْخِدْمَةِ وَتَصَرُّفِ الْإِنْسَانِ فِي بَيْتِهِ لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِحَالِهِمْ وَهُوَ يَوْمُ مَسْأَلَةٍ وَاسْتِكَانَةٍ وَبِهِ فَارَقَ الْعِيدُ.
قَالَ الْقَمُولِيُّ: وَلَا يُلْبَسُ الْجَدِيدُ مِنْ ثِيَابِ الْبِذْلَةِ أَيْضًا وَيَتَنَظَّفُونَ بِالْمَاءِ وَالسِّوَاكِ وَقَطْعِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: تَقُولُ نَمْنَعُ إلَخْ) لَعَلَّهَا تَذْكُرُ هَذَا لِسَبَبِ اللَّعْنِ وَإِلَّا فَهَذَا بِمُجَرَّدِهِ لَيْسَ لَعْنًا (قَوْلُهُ وَإِنْ اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ) مُرَادُهُ حَجّ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَلِأَنَّا إلَخْ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِفَضْلِ الْبُقْعَةِ (قَوْلُهُ وَعَدَّ مِنْهُمْ الصَّائِمَ) وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَرِيبًا فِي قَوْلِهِ ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ (قَوْلُهُ: عَلَى الرِّيَاضَةِ) هِيَ طَهَارَةُ الْبَاطِنِ (قَوْلُهُ: بَلْ قَضِيَّةُ الْأَوَّلِ) هُوَ قَوْلُهُ بِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: طَلَبُ الصَّوْمِ مُطْلَقًا) أَيْ وَلَوْ مَعَ ضَرَرٍ يُحْتَمَلُ عَادَةً (قَوْلُهُ وَيَخْرُجُونَ غَيْرَ مُتَطَيِّبِينَ) شَمِلَ قَوْلَهُ مَا لَوْ كَانَ بِبَدَنِهِ رَائِحَةٌ لَا يُزِيلُهَا إلَّا الطِّيبُ الَّذِي تَظْهَرُ رَائِحَتُهُ فِي الْبَدَنِ، وَقَدْ يُلْتَزَمُ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي نَفْسِهِ يُنَافِي مَا هُوَ مَقْصُودٌ لِلْمُسْتَسْقِينَ مِنْ إظْهَارِ التَّبَذُّلِ وَعَدَمِ التَّرَفُّهِ، وَأَمَّا مَا يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَذَى بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْهُ بِتَرْكِ التَّطَيُّبِ قَدْ يُقَالُ مِثْلُهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ اللَّائِقَ فِيهِ احْتِمَالُ الْأَذَى فِي جَنْبِ طَلَبِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ (قَوْلُهُ: مِنْ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إلَى صِفَتِهِ) وَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ فِي ثِيَابٍ مُبْتَذَلَةٍ، وَيُمْكِنُ كَوْنُ الْإِضَافَةِ حَقِيقِيَّةً؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِي الْإِضَافَةِ أَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدُ: أَيْ مَا يُلْبَسُ مِنْ الثِّيَابِ فِي وَقْتِ الشُّغْلِ إلَخْ (قَوْلُهُ: قَالَ الْقَمُولِيُّ وَلَا يَلْبَسُ الْجَدِيدَ) أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ لَا يَلْبَسَ، فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ كَانَ مَكْرُوهًا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا أَمَرَ بِهِ هُنَا صَارَ وَاجِبًا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ الْإِمَامُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ صَوْمُهُ (قَوْلُهُ: مِنْ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إلَى صِفَتِهِ) فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِهِ لَا يُنَاسِبُ
الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ (وَ) فِي (تَخَشُّعٍ) أَيْ تَذَلُّلٍ مَعَ سُكُونِ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ فِي مَشْيِهِمْ وَجُلُوسِهِمْ وَكَلَامِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ تَخَشُّعٍ مَعْطُوفٌ عَلَى ثِيَابٍ لَا عَلَى بِذْلَةٍ كَمَا قِيلَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِصِفَتِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَالْمَقْصُودَةُ الَّتِي ثِيَابُ الْبِذْلَةِ وَصْلَةٌ لَهَا، وَقَدْ يُقَالُ بِصِحَّةِ عَطْفِهِ عَلَى بِذْلَةٍ أَيْضًا إذْ ثِيَابُ التَّخَشُّعِ غَيْرُ ثِيَابِ الْكِبْرِ وَالْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ لِنَحْوِ طُولِ أَكْمَامِهَا وَأَذْيَالِهَا وَإِنْ كَانَتْ ثِيَابَ عَمَلٍ وَحِينَئِذٍ فَإِذَا أُمِرُوا بِإِظْهَارِ التَّخَشُّعِ فِي مَلْبُوسِهِمْ فَفِي ذَوَاتِهِمْ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
وَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ الْخُرُوجُ مِنْ طَرِيقِ الرُّجُوعِ فِي أُخْرَى مُشَاةً فِي ذَهَابِهِمْ إنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ لَا حُفَاةً مَكْشُوفِي الرَّأْسِ، وَقَوْلُ الْمُتَوَلِّي: لَوْ خَرَجَ أَيْ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ حَافِيًا مَكْشُوفَ الرَّأْسِ لَمْ يُكْرَهْ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ التَّوَاضُعِ بَعِيدٌ كَمَا قَالَهُ الشَّاشِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ.
(وَيُخْرِجُونَ) مَعَهُمْ اسْتِحْبَابًا (الصِّبْيَانَ وَالشُّيُوخَ) وَالْعَجَائِزَ وَالْخُنْثَى الْقَبِيحَ الْمَنْظَرِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ أَرْجَى لِلْإِجَابَةِ، إذْ الشَّيْخُ أَرَقُّ قَلْبًا وَالصَّبِيُّ لَا ذَنْبَ عَلَيْهِ، وَصَحَّ «هَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ أَنَّ الْمُؤْنَةَ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي حَمْلِ الصِّبْيَانِ تُحْسَبُ مِنْ مَالِهِمْ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَيُنْدَبُ إخْرَاجُ الْأَرِقَّاءِ بِإِذْنِ سَادَاتِهِمْ (وَكَذَا الْبَهَائِمُ) يُسَنُّ إخْرَاجُهَا (فِي الْأَصَحِّ) كَمَا قَالَاهُ، وَإِنْ نَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ كَرَاهَتَهُ عَنْ النَّصِّ وَالْأَصْحَابِ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَرَجَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يَسْتَسْقِي بِقَوْمِهِ، فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهَا إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ اُسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجْلِ شَأْنِ هَذِهِ النَّمْلَةِ» وَفِي الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ هُوَ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَتَأَذَّى) أَيْ وَمَعَ حُصُولِ التَّأَذِّي لَا يَحْرُمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ يَحْتَمِلُ سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (قَوْلُهُ: لَا حُفَاةً) أَيْ لَا يُسَنُّ بَلْ يُكْرَهُ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ بَعِيدٌ إلَخْ، وَحَيْثُ كَانَ مَكْرُوهًا أَسْقَطَ الْمُرُوءَةَ حَيْثُ لَمْ يَلْقَ بِمِثْلِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ الشَّاشِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ) عِبَارَةُ حَجّ اسْتَبْعَدَهُ الشَّاشِيُّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَخْرُجُونَ الصِّبْيَانُ وَالشُّيُوخُ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى صِبْيَانِ الْكُفَّارِ (قَوْلُهُ: وَالْعَجَائِزُ وَالْخُنْثَى) نَصَّ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ خُرُوجِهِمَا لِلْأُنُوثَةِ الْمُحَقَّقَةِ فِي الْعَجَائِزِ وَالْمُحْتَمَلَةِ فِي الْخَنَاثَى (قَوْلُهُ: هَلْ تُرْزَقُونَ) هُوَ فِي مَعْنَى النَّفْيِ: أَيْ لَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إلَخْ (قَوْلُهُ: تُحْسَبُ مِنْ مَالِهِمْ) أَيْ؛ لِأَنَّ لَهُمْ مَصْلَحَةً فِي ذَلِكَ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَمَا فِي الْحَجِّ أَنَّ هَذِهِ حَاجَةٌ نَاجِزَةٌ، بِخِلَافِ تِلْكَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ هَلْ يُخْرِجُونَ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَخْرُجُ مِنْهُ الْأُمُورُ الضَّرُورِيَّةُ وَالِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُمْ بِغَيْرِهِمْ قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: وَلَوْ خَرَجَتْ الزَّوْجَةُ لِلِاسْتِسْقَاءِ فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الزَّوْجِ وَهِيَ مَعَهُ فَلَا إشْكَالَ فِي وُجُوبِ نَفَقَتِهَا.
أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ، أَوْ بِإِذْنِهِ وَهِيَ وَحْدَهَا فَهَلْ يُعَدُّ ذَلِكَ خُرُوجًا لِحَاجَتِهِمَا كَمَا قَدْ يُفْهِمُهُ كَلَامٌ الْإِسْنَوِيِّ الْمَذْكُورِ حَتَّى تَجِبُ نَفَقَتُهَا أَوْ لَا؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الِاسْتِسْقَاءِ لَا تَخُصُّ الزَّوْجَ وَلَمْ نَنْدُبْهَا لَهَا وَلَا احْتِيَاجَ إلَيْهَا فِي تَحْصِيلِهَا وَغَيْرُهَا يَقُومُ بِذَلِكَ وَلَا تُعَدُّ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا فِي حَاجَةِ الزَّوْجِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْقَلْبُ إلَى الثَّانِي أَمْيَلُ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا خَرَجَتْ لِغَرَضِهَا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ قَدْ يَعُودُ عَلَى الزَّوْجِ نَفْعٌ بِوَاسِطَةِ زَوْجِهَا لَكِنَّهُ لَمْ يَبْعَثْهَا إلَيْهِ وَلَا طَلَبَهُ مِنْهَا وَأَمَّا مُؤْنَةُ خُرُوجِهَا الزَّاهِدَةُ عَلَى نَفَقَةِ التَّخَلُّفِ، فَأَوْلَى بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ (قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْبَهَائِمُ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: لَوْ تَرَكُوا الْخُرُوجَ فَهَلْ يُسَنُّ إخْرَاجُ الْبَهَائِمِ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَطْلُبُ وَيُسْتَجَابُ لَهَا أَخْذًا مِنْ قَضِيَّةِ النَّمْلَةِ؟ قَدْ يُتَّجَهُ عَدَمُ سَنِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَهَا إنَّمَا هُوَ بِالتَّبَعِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي قَضِيَّةِ النَّمْلَةِ إذْ لَيْسَ فِيهَا أَنَّهُ أَخْرَجَهَا، وَإِنَّمَا فِيهَا الْإِخْبَارُ عَنْ أَمْرٍ وَقَعَ اتِّفَاقًا، وَهَلْ الْمُرَادُ بِالْبَهَائِمِ مَا يَشْمَلُ نَحْوَ الْكِلَابِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الشُّمُولُ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَرْزِقَةٌ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ فَهَلْ الْعَقُورُ مِنْهَا كَذَلِكَ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ كَذَلِكَ حَيْثُ تَأَخَّرَ قَتْلُهُ لِأَمْرٍ اقْتَضَاهُ كَأَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِهِ وَتَزَوُّدِهِ لِيَأْكُلَهُ طَرِيًّا فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ (قَوْلُهُ: فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهَا) قَالَ الدَّمِيرِيِّ: اسْمُهَا عَيْجَلُونُ اهـ. وَبِبَعْضِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سُلَيْمَانُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَتُوقَفُ الْبَهَائِمُ مَعْزُولَةً عَنْ النَّاسِ، فَقَدْ وَرَدَ «لَوْلَا بَهَائِمُ رُتَّعٌ وَشُيُوخٌ رُكَّعٌ وَأَطْفَالٌ رُضَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ صَبًّا» وَالْمُرَادُ بِالرُّكَّعِ مَنْ انْحَنَتْ ظُهُورُهُمْ مِنْ الْكِبَرِ، وَقِيلَ مِنْ الْعِبَادَةِ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَوْلَادِهَا لِيَكْثُرَ الصِّيَاحُ وَالضَّجَّةُ فَيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى الْإِجَابَةِ، نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ جَمْعٍ مِنْ الْمَرَاوِزَةِ وَأَقَرَّهُ وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا يُسَنُّ إخْرَاجُهَا وَلَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ.
(وَلَا يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ) ، أَوْ الْعَهْدِ (الْحُضُورَ) أَيْ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْتَرْزِقُونَ وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ، وَقَدْ يُجِيبُهُمْ اسْتِدْرَاجًا.
قَالَ تَعَالَى ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: 44] (وَلَا يَخْتَلِطُونَ) أَيْ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَلَا غَيْرُهُمْ مِنْ سَائِرِ الْكُفَّارِ (بِنَا) ؛ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا كَانُوا سَبَبَ الْقَحْطِ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25] وَفِي الْأُمِّ وَغَيْرِهَا: لَا أَكْرَهُ مِنْ إخْرَاجِ صِبْيَانِهِمْ مَا أَكْرَهُ مِنْ خُرُوجِ كِبَارِهِمْ لِأَنَّ ذُنُوبَهُمْ أَقَلُّ وَلَكِنْ يُكْرَهُ لِكُفْرِهِمْ، نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ حِكَايَةِ الْبَغَوِيّ لَهُ، لَكِنْ عَبَّرَ بِخُرُوجِ صِبْيَانِهِمْ بَدَلَ إخْرَاجِهِمْ، وَهُوَ مُؤَوَّلٌ بِإِخْرَاجِهِمْ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهُمْ لَا تُكْرَهُ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ.
قَالَ: أَعْنِي الْمُصَنِّفَ وَهَذَا كُلُّهُ يَقْتَضِي كُفْرَ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ إذَا مَاتُوا، فَقَالَ الْأَكْثَرُ إنَّهُمْ فِي النَّارِ، وَطَائِفَةٌ لَا نَعْلَمُ حُكْمَهُمْ، وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ وَوُلِدُوا عَلَى الْفِطْرَةِ، وَتَحْرِيرُ
[حاشية الشبراملسي]
الْحَوَاشِي قِيلَ اسْمُهَا حَرَمًا، وَقِيلَ طَافِيَةٌ، وَقِيلَ شَاهِدَةٌ، وَكَانَتْ عَرْجَاءَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ) لَكِنْ لَا يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ إلَّا بِإِذْنٍ كَمَا فِي غَيْرِ الِاسْتِسْقَاءِ (قَوْلُهُ: أَوْ الْعَهْدِ) أَيْ أَوْ الْمُؤْمِنِينَ (قَوْلُهُ: أَيْ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ) أَيْ لَا يُطْلَبُ وَالظَّاهِرُ مِنْهُ وَكَذَا مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَخْتَطِلُونَ بِنَا أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ مَنْعُهُمْ مِنْ الْخُرُوجِ فِي يَوْمِنَا، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ إلَخْ، الْغَرَضُ مِنْهُ حِكَايَةُ قَوْلٍ مُقَابِلٍ، لِمَا فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ وَقَدْ يُجِيبُهُمْ اسْتِدْرَاجًا) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: قَالَ الرُّويَانِيُّ: لَا يَجُوزُ التَّأْمِينُ عَلَى دُعَاءِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ: أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: 14] اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَنُوزِعَ فِيهِ بِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَجَابُ لَهُ اسْتِدْرَاجًا كَمَا اُسْتُجِيبَ لِإِبْلِيسَ فَيُؤَمَّنُ عَلَى دُعَائِهِ هَذَا، وَلَوْ قِيلَ: وَجْهُ الْحُرْمَةِ أَنَّ فِي التَّأْمِينِ عَلَى دُعَائِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَغْرِيرًا لِلْعَامَّةِ بِحُسْنِ طَرِيقَتِهِ لَكَانَ حَسَنًا، وَفِي حَجّ مَا نَصُّهُ: وَبِهِ أَيْ بِكَوْنِهِمْ قَدْ تُعَجَّلُ لَهُمْ الْإِجَابَةُ اسْتِدْرَاجًا يَرُدُّ قَوْلَ الْبَحْرِ يَحْرُمُ التَّأْمِينُ عَلَى دُعَاءِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ اهـ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَخْتِمُ لَهُ بِالْحُسْنَى فَلَا عِلْمَ بِعَدَمِ قَبُولِهِ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ مَوْتِهِ عَلَى كُفْرِهِ، ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ قَالَ: إطْلَاقُهُ بَعِيدٌ، وَالْوَجْهُ جَوَازُ التَّأْمِينِ بَلْ نَدْبُهُ إذَا دَعَا لِنَفْسِهِ بِالْهِدَايَةِ وَلَنَا بِالنَّصْرِ مَثَلًا وَمُنِعَهُ إذَا جَهِلَ مَا يَدْعُو بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدْعُو بِإِثْمٍ: أَيْ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ.
[فَرْعٌ] فِي اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ لِلْكَافِرِ خِلَافٌ اهـ. وَاعْتَمَدَ م ر الْجَوَازَ، وَأَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَحْرُمُ الدُّعَاءُ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ إلَّا إذَا أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ لَهُ مَعَ مَوْتِهِ عَلَى الْكُفْرِ، وَسَيَأْتِي فِي الْجَنَائِزِ التَّصْرِيحُ بِتَحْرِيمِ الدُّعَاءِ لِلْكَافِرِ بِالْمَغْفِرَةِ.
نَعَمْ إنْ أَرَادَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ إنْ أَسْلَمَ أَوْ أَرَادَ بِالدُّعَاءِ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ سَبَبُهُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ ثُمَّ هِيَ فَلَا يُتَّجَهُ إلَّا بِالْجَوَازِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَيَنْبَغِي أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهٍ يُشْعِرُ بِالتَّعْظِيمِ وَإِلَّا امْتَنَعَ خُصُوصًا إذَا قَوِيَتْ الْقَرِينَةُ عَلَى تَعْظِيمِهِ وَتَحْقِيرِ غَيْرِهِ كَأَنْ فَعَلَ فِعْلًا دَعَا لَهُ بِسَبَبِهِ وَلَمْ يَقُمْ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَشْعَرَ بِتَحْقِيرِ ذَلِكَ الْغَيْرِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ ذُنُوبَهُمْ أَقَلُّ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالذُّنُوبِ مَا يُعَدُّ ذَنْبًا فِي الشَّرْعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ خِطَابٌ لِلصَّبِيِّ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، بَلْ وَبِالْكُفْرِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ، وَعَدَمُ تَكْلِيفِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ اتِّصَافِهِ بِفِعْلِ الْقَبِيحِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا كُلُّهُ يَقْتَضِي) مُعْتَمَدَ (قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ وَوُلِدُوا عَلَى الْفِطْرَةِ) عِبَارَةُ حَجّ فِي الْفَتَاوَى: سُئِلَ نَفْعُ اللَّهِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ حِكَايَةِ الْبَغَوِيّ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ حِكَايَةِ الْبَغَوِيّ لَهُ، وَنَقَلَهُ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ أَيْضًا، لَكِنْ عَبَّرَ بِخُرُوجِ صِبْيَانِهِمْ بَدَلَ إخْرَاجِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي رَأَيْته فِي تَهْذِيبِ الْبَغَوِيّ أَيْضًا وَهُوَ مُؤَوَّلٌ إلَخْ.
هَذَا أَنَّهُمْ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا كُفَّارٌ، وَفِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مُسْلِمُونَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُمْ فِي غَيْرِ يَوْمِ خُرُوجِنَا لِئَلَّا تَقَعَ الْمُسَاوَاةُ وَالْمُضَاهَاةُ فِي ذَلِكَ اهـ.
لَا يُقَالُ: فِي خُرُوجِهِمْ وَحْدَهُمْ مَظِنَّةُ مَفْسَدَةٍ وَهُوَ مُصَادَفَةُ يَوْمِ الْإِجَابَةِ فَيَظُنُّ ضُعَفَاءُ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ خَيْرًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: فِي خُرُوجِهِمْ مَعَنَا مَفْسَدَةٌ مُحَقَّقَةٌ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
.
(وَهِيَ رَكْعَتَانِ) لِلِاتِّبَاعِ (كَالْعِيدِ) أَيْ كَصَلَاتِهِ فِي الْأَرْكَانِ وَغَيْرِهَا إلَّا فِيمَا يَأْتِي فَيُكَبِّرُ بَعْدَ افْتِتَاحِهِ قَبْلَ التَّعَوُّذِ وَالْقِرَاءَةِ سَبْعًا فِي الْأُولَى وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقِفُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ كَآيَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَى جَهْرًا بِسُورَةِ ق وَفِي الثَّانِيَةِ اقْتَرَبَتْ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ بِسَبِّحْ وَالْغَاشِيَةِ قِيَاسًا وَلِوُرُودِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (لَكِنْ) تَجُوزُ زِيَادَتُهَا عَلَى رَكْعَتَيْنِ،
[حاشية الشبراملسي]
بِهِ بِمَا لَفْظُهُ مَا مُحَصِّلُ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْأَطْفَالِ هَلْ هُمْ فِي الْجَنَّةِ خُدَّامٌ لِأَهْلِهَا ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَهَلْ تَتَفَاضَلُ دَرَجَاتُهُمْ فِي الْجَنَّةِ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: أَمَّا أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ فَفِي الْجَنَّةِ قَطْعًا بَلْ إجْمَاعًا، وَالْخِلَافُ فِيهِ شَاذٌّ بَلْ غَلَطٌ.
وَأَمَّا أَطْفَالُ الْكُفَّارِ فَفِيهِمْ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَعَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: 15] وَقَوْلُهُ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] إلَخْ.
الثَّانِي أَنَّهُمْ فِي النَّارِ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ، وَنَسَبَهُ النَّوَوِيُّ لِلْأَكْثَرِينَ لَكِنَّهُ نُوزِعَ إلَخْ.
الثَّالِثُ الْوُقُوفُ، وَيُعَبِّرُ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ إلَخْ.
الرَّابِعُ أَنَّهُمْ يُجْمَعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتُؤَجَّجُ لَهُمْ نَارٌ يُقَالُ اُدْخُلُوهَا، فَيَدْخُلَهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ سَعِيدًا وَيُمْسِكُ عَنْهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ شَقِيًّا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ إلَخْ اهـ. مُلَخَّصًا.
وَسُئِلَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ عَنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ هَلْ يُعَذَّبُونَ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ، وَهَلْ وَرَدَ أَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ فِي قُبُورِهِمْ وَأَنَّ الْقَبْرَ يَضُمُّهُمْ، وَإِذَا قُلْتُمْ بِذَلِكَ فَهَلْ يَتَأَلَّمُونَ بِهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ يُعَذَّبُونَ مُصِيبٌ فِيهِ أَمْ مُخْطِئٌ، وَمَا الْحُكْمُ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ هَلْ هُمْ خَدَمٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ أَمْ هُمْ فِي النَّارِ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ أَمْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ لَا يُعَذَّبُونَ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَعَاصِي، إذْ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ، وَالْعَذَابُ عَلَى ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْمُكَلَّفِينَ، وَلَا يُسْأَلُونَ فِي قُبُورِهِمْ كَمَا عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَأَفْتَى بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْحَافِظُ حَجّ وَلِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ قَوْلُ إنَّ الطِّفْلَ يُسْأَلُ، وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا لَا يَصِحُّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَّنَ ابْنَهُ إبْرَاهِيمَ، وَلَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ عَلَى الطِّفْلِ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ مَا فِيهِ عُقُوبَةٌ وَلَا السُّؤَالُ، بَلْ مُجَرَّدُ أَلَمِ الْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالْوَحْشَةِ وَالضَّغْطَةِ الَّتِي تَعُمُّ الْأَطْفَالَ وَغَيْرَهُمْ.
وَأَخْرَجَ عَلِيُّ بْنُ مَعِينٍ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: كُنْت عِنْدَ عَائِشَةَ فَمَرَّتْ جِنَازَةُ صَبِيٍّ صَغِيرٍ فَبَكَتْ، فَقُلْت لَهَا: مَا يُبْكِيك؟ قَالَتْ: هَذَا الصَّبِيُّ بَكَيْت شَفَقَةً عَلَيْهِ مِنْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ.
وَالْقَائِلُ الْمَذْكُورُ إنْ أَرَادَ بِيُعَذَّبُونَ بِالنَّارِ أَوْ عَلَى الْمَعَاصِي فَغَيْرُ مُصِيبٍ بَلْ هُوَ مُخْطِئٌ أَشَدَّ الْخَطَأِ لِمَا تَقَرَّرَ، وَأَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمْ عَلَى نَحْوِ عَشَرَةِ أَقْوَالٍ، الرَّاجِحُ مِنْهَا أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ خَدَمٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ.
وَسُئِلَ بَعْضُهُمْ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ الْأَطْفَالِ فِي النَّارِ، فَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَطْفَالَ فِي الْجَنَّةِ وَلَوْ أَطْفَالَ كُفَّارٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
نَعَمْ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَلْقًا وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ وَخَلْقًا يُدْخِلُهُمْ النَّارَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ اهـ بِحُرُوفِهِ، وَالْعَشَرَةُ أَقْوَالٍ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا سَرَدَهَا فِي فَتْحِ الْبَارِّي فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يَنْبَغِي) أَيْ يَجِبُ أَخْذًا مِنْ التَّعْلِيلِ الْآتِي فِي قَوْلِهِ لِئَلَّا إلَخْ (قَوْلُهُ: لِئَلَّا تَقَعَ الْمُسَاوَاةُ) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَيَقِفُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ إلَخْ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ بَيْنَهُمَا مَا يَقُولُهُ فِي الْعِيدِ، وَقَدْ يَشْمَلُهُ قَوْلُهُ فِي الْأَرْكَانِ وَغَيْرِهَا.
. إلَخْ (قَوْلُهُ: لَكِنْ تَجُوزُ زِيَادَتُهَا) وَهَلْ إذَا زَادَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِي الْجَمِيعِ أَوْ يَفْصِلُ بَيْنَ أَنْ يَتَشَهَّدَ تَشَهُّدًا أَوَّلَ فَيُسِرُّ بَعْدَهُ أَمْ لَا فَيَجْهَرُ مُطْلَقًا.
وَهَلْ الزِّيَادَةُ تَشْمَلُ الرَّكْعَةَ، وَهَلْ إذَا أَمَرَ الْإِمَامُ بِهَا ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ تَجِبُ كَذَلِكَ وَيَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ الْوَاجِبِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِخِلَافِ الْعِيدِ، وَأَيْضًا (قِيلَ) هُنَا إنَّهُ (يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ) بَدَلَ اقْتَرَبَتْ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: 1] لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الِاسْتِغْفَارِ وَنُزُولِ الْمَطَرِ اللَّائِقَيْنِ بِالْحَالِ وَرَدَّهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا مَا يَقْرَأُ فِي الْعِيدِ وَيُنَادِي لَهَا الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّهَا كَالْعِيدِ رُبَّمَا تُوُهِّمَ إعْطَاؤُهَا حُكْمَهُ فِي وَقْتِهِ لَا سِيَّمَا وَهُوَ وَجَّهَ دَفْعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (وَلَا تَخْتَصُّ) صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ (بِوَقْتِ) (الْعِيدِ فِي الْأَصَحِّ) بَلْ وَلَا بِوَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ، بَلْ يَجُوزُ فِعْلُهَا مَتَى شَاءَ وَلَوْ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ فَدَارَتْ مَعَهُ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ تَخْتَصُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ كَمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ فِي وَقْتٍ خَاصٍّ (وَيَخْطُبُ كَالْعِيدِ) فِي الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ وَالسُّنَنِ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَجْلِسَ أَوَّلَ مَا يَصْعَدُ الْمِنْبَرَ، ثُمَّ يَقُومَ فَيَخْطُبَ (لَكِنْ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى بَدَلَ التَّكْبِيرِ) فَيَقُولُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ الْأُولَى تِسْعًا وَقَبْلَ الثَّانِيَةِ سَبْعًا، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِالْحَالِ وَلِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «مَنْ قَالَهُ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ» وَيُكْثِرُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ أَكْثَرَ دُعَائِهِ وَمِنْ قَوْلِهِ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10] إلَى ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 12] (وَيَدْعُو فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى) جَهْرًا وَيَقُولُ (اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (أَسْقِنَا) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَسْقَى (غَيْثًا) بِمُثَلَّثَةٍ أَيْ مَطَرٌ (مُغِيثًا) بِضَمِّ الْمِيمِ: أَيْ مُنْقِذًا مِنْ الشِّدَّةِ بِإِرْوَائِهِ (هَنِيئًا) بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ أَيْ طَيِّبًا لَا يُنَغِّصُهُ شَيْءٌ (مَرِيئًا) أَيْ مَحْمُودَ الْعَاقِبَةِ (مَرِيعًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِيَاءٍ تَحْتِيَّةٍ وَيُرْوَى بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَمَرْتَعًا بِالْمُثَنَّاةِ فَوْقَ: أَيْ ذَا رِيعٍ: أَيْ بِمَاءٍ مَأْخُوذٍ مِنْ الْمَرَاعَةِ (غَدَقًا) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ: أَيْ كَثِيرَ الْمَاءِ وَالْخَيْرِ، وَقِيلَ الَّذِي قَطْرُهُ كِبَارٌ (مُجَلِّلًا) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ يُجَلِّلُ الْأَرْضَ: أَيْ يَعُمُّهَا كَجُلِّ الْفَرَسِ، وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يُجَلِّلُ الْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ (سَحًّا) بِفَتْحِ السِّينِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ شَدِيدَ الْوَقْعِ عَلَى الْأَرْضِ (طَبَقًا) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ مُطْبِقًا عَلَى الْأَرْضِ: أَيْ مُسْتَوْعِبًا لَهَا فَيَصِيرُ كَالطَّبَقِ
[حاشية الشبراملسي]
مِنْ الْإِحْرَامِ فِي الْأُولَيَيْنِ فَقَطْ، وَهَلْ يُكَبِّرُ فِي الزَّائِدِ أَوْ يَخْتَصُّ بِالْأُولَيَيْنِ، وَإِذَا كَبَّرَ فَهَلْ يُكَبِّرُ فِي الثَّالِثَةِ سَبْعًا وَالرَّابِعَةِ خَمْسًا مَثَلًا، وَهَلْ يَقْرَأُ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ مَثَلًا سُورَةً أَوْ لَا؟ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَكُلٌّ مُحْتَمَلٌ انْتَهَى.
كَذَا بِهَامِشٍ عَنْ شَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ.
أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ فِي غَيْرِ الْأُولَيَيْنِ، وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَشَهَّدْ بَعْدَ الْأُولَيَيْنِ جَهَرَ وَقَرَأَ وَإِلَّا فَلَا أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّكْعَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَنَّ الْإِمَامَ إذَا أَمَرَ بِشَيْءٍ وَجَبَ فِعْلُهُ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْعِيدِ) مِثْلُهُ فِي حَجّ وَبِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ أَنَّ هَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَأَنَّ الشَّارِحَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ضَرَبَ عَلَيْهِ فِي نُسْخَتِهِ، وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ كَالْعِيدِ اهـ وَهُوَ قَرِيبٌ (قَوْلُهُ: وَيُنْدَبُ أَنْ يَجْلِسَ) أَيْ بِقَدْرِ أَذَانِ الْجُمُعَةِ قِيَاسًا عَلَى الْعِيدِ (قَوْلُهُ: مَنْ قَالَهُ غُفِرَ لَهُ) أَيْ وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ فِي الْخُطْبَةِ وَلَا بِكَوْنِهِ تِسْعًا.
(قَوْلُهُ: وَيَدْعُو فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى جَهْرًا) زَادَ حَجّ بِأَدْعِيَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَارِدَةِ عَنْهُ وَهِيَ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا إلَخْ (قَوْلُهُ: بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَسْقَى) وَبِوَصْلِهَا مِنْ سَقَى كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ (قَوْلُهُ: لَا يُنَغِّصُهُ شَيْءٌ) أَيْ وَيُنَمِّي الْحَيَوَانَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: مَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ) زَادَ حَجّ: فَالْهَنِيءُ النَّافِعُ ظَاهِرًا وَالْمَرِيءُ النَّافِعُ بَاطِنًا (قَوْلُهُ: يُجَلِّلُ الْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ) أَيْ يُصَيِّرُهَا عَظِيمَةً مَسْتُورَةً بِالنَّبَاتِ (قَوْلُهُ: مُطْبَقًا عَلَى الْأَرْضِ)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ) أَيْ مُتَقَدِّمٍ وَهُوَ الْمَحَلُّ (قَوْلُهُ: فَيَقُولُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ الْأُولَى تِسْعًا إلَخْ) لَمْ يُذْكَرْ مَقُولُ هَذَا الْقَوْلِ فِي النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْتهَا، وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ الْكَتَبَةِ فَلْتُرَاجَعْ لَهُ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ.
لَا يُقَالُ: قَوْلُهُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلَخْ تُنَازِعُهُ يَقُولُ هَذَا وَيَقُولُ الْآتِي بَعْدَهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَقُولَ الْأَوَّلِ مُطْلَقُ الِاسْتِغْفَارِ الشَّامِلُ لِمَا ذُكِرَ وَغَيْرِهِ فَهُوَ غَيْرُ خُصُوصِ الْأُولَى (قَوْلُهُ: بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ) وَبِوَصْلِهَا أَيْضًا كَمَا فِي الدَّمِيرِيِّ
عَلَيْهَا (دَائِمًا) إلَى انْتِهَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ دَوَامَهُ عَذَابٌ (اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ (وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ الْقَانِطِينَ) أَيْ الْآيِسِينَ بِتَأْخِيرِ الْمَطَرِ.
اللَّهُمَّ إنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ مِنْ اللَّأْوَاءِ وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لَا نَشْكُو إلَّا إلَيْك.
اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ وَأَدِرْ لَنَا الضَّرْعَ وَأَسْكِنَّا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ.
اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْيَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُك (اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُك إنَّك كُنْت غَفَّارًا، فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ) أَيْ الْمَطَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَطَرُ مَعَ السَّحَابِ (عَلَيْنَا مِدْرَارًا) أَيْ دُرًّا كَثِيرًا: أَيْ مَطَرًا كَثِيرًا (وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ) اسْتِحْبَابًا (بَعْدَ صَدْرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ) وَهُوَ نَحْوُ ثُلُثِهَا كَمَا فِي الدَّقَائِقِ، فَإِنْ اسْتَقْبَلَ لَهُ فِي الْأُولَى لَمْ يَعُدَّهُ فِي الثَّانِيَةِ، نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الدُّعَاءِ اسْتَدْبَرَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ يَحُثُّهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى فَرَاغِهِ كَمَا فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ (وَيُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ) حِينَئِذٍ (سِرًّا وَجَهْرًا) فَيُسِرُّ الْقَوْمُ أَيْضًا حَالَةَ إسْرَارِهِ وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ حَالَةَ جَهْرِهِ بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55] وَيَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الدُّعَاءِ جَاعِلِينَ ظُهُورَ أَكُفِّهِمْ إلَى السَّمَاءِ كَدَاعٍ لِكُلِّ رَفْعِ بَلَاءٍ وَمَنْ دَعَا بِحُصُولِ شَيْءٍ عَكْسِ ذَلِكَ، وَيُكْرَهُ لَهُ رَفْعُ يَدٍ مُتَنَجِّسَةٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِلٌ احْتَمَلَ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ قَالَ إمَامُنَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ دُعَائِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ: اللَّهُمَّ إنَّكَ أَمَرْتنَا بِدُعَائِك وَوَعَدْتنَا إجَابَتَك وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتنَا فَأَجِبْنَا كَمَا وَعَدَتْنَا اللَّهُمَّ فَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةِ مَا قَارَفْنَا وَإِجَابَتِك فِي سُقْيَانَا وَسَعَةٍ فِي رِزْقِنَا
[حاشية الشبراملسي]
بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مُخَفَّفَةً، وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ: وَأَطْبَقَ الشَّيْءُ غَطَّاهُ اهـ. أَوْ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَطَبَّقَ الشَّيْءَ تَطْبِيقًا عَمَّ، وَالسَّحَابُ الْجَوُّ غَشَّاهُ وَالْمَاءُ وَجْهُ الْأَرْضِ غِطَاءً (قَوْلُهُ: إنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ) زَادَ حَجّ وَالْخَلْقَ (قَوْلُهُ: مِنْ اللَّأْوَاءِ) هُوَ بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ شِدَّةُ الْمَجَاعَةِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ اسْتَقْبَلَ لَهُ فِي الْأُولَى) أَيْ لَا تُطْلَبُ إعَادَتُهُ بَلْ يَنْبَغِي كَرَاهَتُهَا، وَكَذَا يَنْبَغِي كَرَاهَةُ الِاسْتِقْبَالِ فِي الْأُولَى وَإِنْ أَجْزَأَ فِيهَا عَنْ الِاسْتِقْبَالِ فِي الثَّانِيَةِ.
(قَوْلُهُ: ظُهُورَ أَكُفَّهُمْ إلَى السَّمَاءِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حَتَّى فِي قَوْلِهِمْ اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَنَحْوِهِ لِكَوْنِ الْمَقْصُودِ بِهِ رَفْعُ الْبَلَاءِ، وَيُخَالِفُهُ مَا مَرَّ لَهُ فِي الْقُنُوتِ وَعِبَارَتُهُ وَيُجْعَلُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ ظَهْرَ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ إنْ دَعَا لِرَفْعِ بَلَاءٍ وَنَحْوِهِ عَكْسُهُ إنْ دَعَا لِتَحْصِيلِ شَيْءٍ أَخْذًا مِمَّا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَيُمْكِنُ رَدُّ مَا فِي الْقُنُوتِ إلَى مَا هُنَا بِأَنْ يُقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِمْ إنْ طَلَبَ رَفْعَ شَيْءٍ: أَيْ إنْ طَلَب مَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ رَفْعُ شَيْءٍ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ إنْ دَعَا لِتَحْصِيلِ شَيْءٍ أَيْ إنْ دَعَا بِطَلَبِ تَحْصِيلِ شَيْءٍ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِلٌ احْتَمَلَ إلَخْ) عِبَارَةُ الشَّارِحِ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي الْقُنُوتِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ وَيُكْرَهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ رَفْعُ الْيَدِ الْمُتَنَجِّسَةِ وَلَوْ بِحَائِلٍ فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: مَا قَارَفْنَا) أَيْ ارْتَكَبْنَا مِنْ الذُّنُوبِ (قَوْلُهُ: وَسَعَةٍ فِي أَرْزَاقِنَا) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى الْأَفْصَحِ وَبِهَا جَاءَ التَّنْزِيلُ، وَالْكَسْرُ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الدَّنَوْشَرِيُّ فَقَالَ:
وَسَعَةٌ بِالْفَتْحِ فِي الْأَوْزَانِ ... وَالْكَسْرُ مَحْكِيٌّ عَنْ الصَّغَانِي
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ اسْتِقْبَالِهِ الْقِبْلَةَ وَإِنْ أَوْهَمَ سِيَاقُهُ خِلَافَهُ وَلَوْ أَخَّرَ قَوْلَهُ، فَإِنْ اسْتَقْبَلَ لَهُ فِي الْأُولَى إلَخْ عَنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ سِرًّا وَجَهْرًا لَكَانَ أَوْضَحَ (قَوْلُهُ: جَاعِلِينَ ظُهُورَ أَكُفِّهِمْ إلَى السَّمَاءِ) ظَاهِرُهُ فِي جَمِيعِ الدُّعَاءِ وَهُوَ مُشْكِلٌ، إذْ هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى طَلَبِ الْحُصُولِ كَقَوْلِهِ اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ، وَقَدْ يُقَالُ: الْمَطْلُوبُ رَفْعُ مَا هُوَ وَاقِعٌ مِنْ الْجَدْبِ وَإِنْ طُلِبَ فِيهِ مَا ذُكِرَ
ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَحَذَفَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْمُحَرَّرِ اخْتِصَارًا (وَيُحَوِّلُ) الْخَطِيبُ (رِدَاءَهُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ) الْقِبْلَةَ تَفَاؤُلًا بِتَغَيُّرِ الْحَالِ مِنْ الشِّدَّةِ إلَى الرَّخَاءِ لِلِاتِّبَاعِ وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ (فَيَجْعَلُ يَمِينَهُ) أَيْ يَمِينِ رِدَائِهِ (يَسَارَهُ وَعَكْسُهُ لِلِاتِّبَاعِ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَكَانَ طُولُ رِدَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَعَرْضُهُ ذِرَاعَيْنِ وَشِبْرًا (وَيُنَكِّسُهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مُخَفَّفًا وَبِضَمِّهِ مُثَقَّلًا عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ (فِي الْجَدِيدِ فَيَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَعَكْسُهُ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ، فَهْمُهُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَتَرْكِهِ لِلسَّبَبِ الْمَذْكُورِ، وَالْقَدِيمُ لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلُهُ، وَمَتَى جَعَلَ الطَّرَفَ الْأَسْفَلَ الَّذِي عَلَى الْأَيْسَرِ عَلَى الْأَيْمَنِ وَالْآخَرَ عَلَى الْأَيْسَرِ حَصَلَ التَّنْكِيسُ وَالتَّحْوِيلُ جَمِيعًا، وَالْخِلَافُ فِي الرِّدَاءِ الْمُرَبَّعِ أَمَّا الْمُدَوَّرُ وَالْمُثَلَّثُ فَلَيْسَ فِيهِمَا إلَّا التَّحْوِيلُ قَطْعًا وَكَذَا الطَّوِيلُ، وَمُرَادُ مَنْ عَبَّرَ بِعَدَمِ تَأَتِّي ذَلِكَ تَعَسُّرُهُ لَا تَعَذُّرُهُ (وَيُحَوِّلُ النَّاسُ) وَيُنَكِّسُونَ وَهُمْ جُلُوسٌ كَمَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مِثْلُهُ فَهُوَ مُسَاوٍ لِقَوْلِ أَصْلِهِ وَيُجْعَلُ عَلَى أَنَّهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَبَّرَ بِعِبَارَةِ أَصْلِهِ (مِثْلَهُ) تَبَعًا لَهُ لِلِاتِّبَاعِ (قُلْت وَيُتْرَكُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ رِدَاءُ الْخَطِيبِ وَالنَّاسِ (مُحَوَّلًا حَتَّى يَنْزِعَ الثِّيَابَ) عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إلَى مَنَازِلِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ غَيَّرَ رِدَاءَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَاسْتِحْبَابُ التَّحْوِيلِ خَاصٌّ بِالرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى جَزَمَ بِهِ ابْنُ كَبْنٍ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَإِنْ لَمْ أَقِفْ عَلَى مَأْخَذِهِ (وَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ الِاسْتِسْقَاءَ فَعَلَهُ النَّاسُ) كَسَائِرِ السُّنَنِ؛ لِأَنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ بَلْ أَشَدُّ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ إلَى الصَّحْرَاءِ مَعَ وُجُودِ الْوَالِي فِي الْبَلَدِ إلَّا بِإِذْنِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ (وَلَوْ خَطَبَ) لَهُ (قَبْلَ الصَّلَاةِ) (جَازَ) لِمَا صَحَّ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ، ثُمَّ صَلَّى، لَكِنَّهُ فِي حَقِّنَا خِلَافُ الْأَفْضَلِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْخُطْبَتَيْنِ بَعْدَ الصَّلَاةِ هُوَ الْأَكْثَرُ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ يَفْعَلُ التَّحْوِيلَ عِنْدَ إرَادَةِ الِاسْتِقْبَالِ أَوْ مَعَهُ أَوْ عَقِبَهُ اهـ عَمِيرَةُ.
أَقُولُ: الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْعِنْدِيَّةِ الْأَوَّلُ وَالْأَقْرَبُ الثَّالِثُ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا قَبْلَ الِاسْتِقْبَالِ مَشْغُولٌ بِالْوَعْظِ وَمَعَهُ يُورِثُ مَشَقَّةً فِي الْجَمْعِ بَيْنَ التَّحْوِيلِ وَالِالْتِفَاتِ.
(قَوْلُهُ: وَكَانَ طُولُ رِدَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قَالَ حَجّ فِي آخِرِ اللِّبَاسِ: فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَرَّرْ كَمَا قَالَهُ الْحُفَّاظُ فِي طُولِ عِمَامَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَرْضِهَا شَيْءٌ، وَمَا وَقَعَ لِلطَّبَرِيِّ فِي طُولِهَا أَنَّهُ نَحْوُ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ وَلِغَيْرِهِ أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَبْعَةٌ فِي عَرْضِ ذِرَاعٍ، وَأَنَّهَا كَانَتْ فِي السَّفَرِ بَيْضَاءَ وَفِي الْحَضَرِ سَوْدَاءَ مِنْ صُوفٍ وَأَنَّ عَذْبَتَهَا كَانَتْ فِي السَّفَرِ مِنْ غَيْرِهَا وَفِي الْحَضَرِ مِنْهَا، فَهُوَ شَيْءٌ اسْتَرْوَحَا فِيهِ وَلَا أَصْلَ لَهُ.
نَعَمْ وَقَعَ خِلَافٌ فِي الرِّدَاءِ فَقِيلَ سِتَّةُ أَذْرُعٍ فِي عَرْضِ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَقِيلَ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَنِصْفٌ أَوْ شِبْرَانِ فِي عَرْضِ ذِرَاعَيْنِ وَشِبْرٍ، وَقِيلَ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ فِي عَرْضِ ذِرَاعَيْنِ وَنِصْفٍ، وَلَيْسَ فِي الْإِزَارِ إلَّا الْقَوْلُ الثَّانِي اهـ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ) أَيْ كِسَاءٌ (قَوْلُهُ: جَزَمَ بِهِ ابْنُ كَبٍّ) وَفِي نُسْخَةٍ كَبْنٍ (قَوْلُهُ: فَعَلَهُ النَّاسُ) أَيْ الْبَالِغُونَ الْكَامِلُونَ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةُ عَيْنٍ فَلَا يَسْقُطُ طَلَبُهَا بِفِعْلِ بَعْضِهِمْ وَإِنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا؛ لِأَنَّ ذَاكَ إنَّمَا يُقَالُ فِي سُنَنِ الْكِفَايَةِ وَهَذِهِ سُنَّةُ عَيْنٍ (قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ إلَى الصَّحْرَاءِ) وَيَحْرُمُ ذَلِكَ إنْ ظَنُّوا فِتْنَةً اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُمْ حَيْثُ فَعَلُوهَا فِي الْبَلَدِ خَطَبُوا وَلَوْ بِلَا إذْنٍ وَلَعَلَّهُ غَيْرَ مُرَادٍ، بَلْ مَتَى خَافُوا الْفِتْنَةَ لَمْ يَخْطُبُوا إلَّا بِإِذْنٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ جَازَ) أَيْ بِخِلَافِ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ خَطَبَ قَبْلَهُمَا.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ: اُنْظُرْ مَانِعَ الصِّحَّةِ فِي الْعِيدِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قَوْلِهِ وَيُنَكِّسُونَ وَلَوْ ذَكَرَهُ عَقِبَهُ كَانَ أَوْضَحَ (قَوْلُهُ: فَهُوَ مُسَاوٍ لِقَوْلِ أَصْلِهِ إلَخْ) عِبَارَةُ أَصْلِهِ وَالنَّاسُ يَفْعَلُونَ بِأَرْدِيَتِهِمْ كَمَا يَفْعَلُ الْإِمَامُ