فَإِذَا هُوَ فِي الثَّالِثَةِ فَكَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَظَنَّهُ لِقِيَامِهَا فَقَامَ فَوَجَدَهُ رَاكِعًا بِأَنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُ الْفَاتِحَةَ لِعُذْرِهِ: أَيْ مَعَ عَدَمِ إدْرَاكِهِ شَيْئًا مِنْ الْقِيَامِ.
وَيُعَارِضُهُ إفْتَاءُ آخَرِينَ بِأَنَّهُ كَالنَّاسِي لِلْقِرَاءَةِ، وَلِهَذَا لَوْ نَسِيَ كَوْنَهُ مُقْتَدِيًا وَهُوَ فِي سُجُودِهِ مَثَلًا ثُمَّ ذَكَرَ فَلَمْ يَقُمْ عَنْ سَجْدَتَيْهِ إلَّا وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ رَكَعَ مَعَهُ كَالْمَسْبُوقِ، فَفَرْقُهُمْ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ يُصَرِّحُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَنْ يُدْرِكُ قِيَامَ الْإِمَامِ وَمَنْ لَا يُدْرِكُهُ، هَذَا وَالْأَوْجُهُ الثَّانِي وَهُوَ كَوْنُهُ كَالنَّاسِي فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي التَّعْلِيلِ: وَلِهَذَا لَوْ نَسِيَ كَوْنَهُ مُقْتَدِيًا إلَخْ فَلَعَلَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ سُقُوطِ الْفَاتِحَةِ عَنْ النَّاسِي، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْأَرْجَحَ خِلَافُهُ (وَرَكَعَ قَبْلَ إتْمَامِ الْمَأْمُومِ الْفَاتِحَةَ) وَلَوْ اشْتَغَلَ بِإِتْمَامِهَا لِاعْتِدَالِ الْإِمَامِ وَسَجَدَ قَبْلَهُ (فَقِيلَ يَتْبَعُهُ) لِتَعَذُّرِ الْمُوَافَقَةِ (وَتَسْقُطُ الْبَقِيَّةُ) لِعُذْرِهِ كَالْمَسْبُوقِ (وَالصَّحِيحُ) أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ بَلْ (يُتِمُّهَا) حَتْمًا (وَيَسْعَى خَلْفَهُ) عَلَى تَرْتِيبِ صَلَاةِ نَفْسِهِ (مَا لَمْ يَسْبِقْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ مَقْصُودَةٍ) فِي نَفْسِهَا (وَهِيَ الطَّوِيلَةُ) فَلَا يَحْسِبُ الِاعْتِدَالَ وَلَا الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا قَصِيرَانِ، وَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ الْقَصِيرَ غَيْرُ مَقْصُودٍ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ إذْ هُوَ تَابِعٌ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ غَيْرُهُ عَنْهُ مَقَامَهُ.
وَالْمُرَادُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ أَنْ يَكُونَ السَّبْقُ بِثَلَاثَةٍ وَالْإِمَامُ فِي الرَّابِعِ كَأَنْ تَخَلَّفَ بِالرُّكُوعِ وَالسَّجْدَتَيْنِ وَالْإِمَامُ
[حاشية الشبراملسي]
نَظَرًا لِكَوْنِهِ مَسْبُوقًا أَوَّلًا، بَلْ يَتَخَلَّفُ وَيَقْرَأُ مِنْ الْفَاتِحَةِ بِقَدْرِ مَا فَوَّتَهُ فِي رُكُوعِهِ لِتَقْصِيرِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي أَيْضًا لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُذْرِ بِمَا فِي الْوَاقِعِ لَا بِمَا فِي ظَنِّهِ كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: فَكَبَّرَ) أَيْ الْإِمَامُ.
(قَوْلُهُ: فَظَنَّهُ) أَيْ الْمَأْمُومُ.
(قَوْلُهُ: رَكَعَ مَعَهُ) ضَعِيفٌ (قَوْله فَفَرَّقَهُمْ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ) هُمَا قَوْلُهُ وَقَدْ أَفْتَى جَمْعٌ إلَخْ، وَقَوْلُهُ وَيُعَارِضُهُ إلَخْ هَذَا، وَأَصْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ تَوْجِيهًا لِمَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ نَامَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَامَ فَوَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا أَنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ وَهُوَ وَاضِحٌ.
أَمَّا عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ يَتَخَلَّفُ وَيَقْرَأُ فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ وَجْهٌ لِقَوْلِهِ فَفَرَّقَهُمْ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ كَوْنُهُ كَالنَّاسِي) أَيْ مَنْ جَلَسَ ظَانًّا جُلُوسَ الْإِمَامِ لِلتَّشَهُّدِ (قَوْلُهُ: وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْأَرْجَحَ خِلَافُهُ) أَيْ فَيَتَخَلَّفُ لِلْقِرَاءَةِ وَيُغْتَفَرُ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِمَامُ فِي الرَّابِعِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالْإِمَامُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ لَمْ يُوَافِقْهُ بَلْ يَسْعَى عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ نَفْسِهِ،
[حاشية الرشيدي]
وَيَجْعَلُهُ رَدًّا لِإِفْتَاءِ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِينَ عَكْسَ مَا صَنَعَ الشِّهَابُ الْمَذْكُورُ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا لَوْ نَسِيَ كَوْنَهُ مُقْتَدِيًا إلَخْ) صَرِيحُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّهُ تَأْيِيدٌ لِإِفْتَاءِ الْآخَرِينَ بِأَنَّهُ كَالنَّاسِي، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لَا وَجْهَ لَهُ، وَعِبَارَةُ الشِّهَابِ حَجّ: وَبِهِ: أَيْ بِإِفْتَاءِ الْجَمْعِ الْمُتَقَدِّمِ يُرَدُّ إفْتَاءُ آخَرِينَ بِأَنَّهُ كَالنَّاسِي لِلْقِرَاءَةِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ نَسِيَ الِاقْتِدَاءَ إلَخْ، فَقَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَلِهَذَا تَأْيِيدٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْآخَرِينَ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ الْإِشَارَةُ لِمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي التَّعْلِيلِ إلَخْ وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَتُهُ هُنَا قَلِقَةً كَمَا عَرَفْت (قَوْلُهُ: فَفَرَّقَهُمْ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ) أَيْ صُورَتَيْ نِسْيَانِ الْقِرَاءَةِ وَنِسْيَانِ كَوْنِهِ مُقْتَدِيًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُمَا مَحَلُّ وِفَاقٍ، فَالضَّمِيرُ فِي فَفَرَّقَهُمْ لِلْأَصْحَابِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الشِّهَابِ سم فِي حَوَاشِي التُّحْفَةِ كَانَ مُرَادُهُ صُورَةَ مَنْ سَمِعَ تَكْبِيرَ الرَّفْعِ وَصُورَةُ النَّاسِي لِلْقِرَاءَةِ فَعَجِيبٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الضَّمِيرُ فِي فَفَرَّقَهُمْ لِلْأَصْحَابِ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ مَنْ سَمِعَ تَكْبِيرَ الرَّفْعِ لَيْسَتْ مَحَلَّ وِفَاقٍ حَتَّى تُسْنَدَ لِلْأَصْحَابِ وَيُنْسَبَ إلَيْهِمْ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ النَّاسِي لِلْقِرَاءَةِ وَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعًا لِلْجَمْعِ الْمُفْتِينَ بِمَا مَرَّ، فَلَا يَصِحُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا فِي إفْتَائِهِمْ لِفَرْقٍ كَمَا تَرَى بَلْ وَلَا لِمَسْأَلَةِ النِّسْيَانِ، وَإِنَّمَا أَيَّدَ بِهَا الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ إفْتَاءَهُمْ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ مَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مِنْ أَنَّ مُرَادَهُ بِالصُّورَتَيْنِ قَوْلُهُ: وَقَدْ أَفْتَى جَمْعٌ إلَخْ، وَقَوْلُهُ: وَيُعَارِضُهُ إلَخْ إذْ لَيْسَ هَاتَانِ صُورَتَيْنِ وَإِنَّمَا هِيَ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا إفْتَاءَانِ وَبِتَسْلِيمِهِ فَمَا يَكُونُ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ فِي فَفَرَّقَهُمْ وَمِنْ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي التَّعْلِيلِ) فِيهِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْقَائِلَ لِهَذَا هُوَ
فِي الْقِيَامِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ.
فَلَوْ كَانَ السَّبْقُ بِأَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ وَالْإِمَامُ فِي الْخَامِسِ كَأَنْ تَخَلَّفَ بِالرُّكُوعِ وَالسَّجْدَتَيْنِ وَالْقِيَامِ وَالْإِمَامُ حِينَئِذٍ فِي الرُّكُوعِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ (فَإِنْ سَبَقَ بِأَكْثَرَ) مِمَّا ذَكَرَ بِأَنْ انْتَهَى إلَى الرَّابِعِ كَأَنْ رَكَعَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِي الِاعْتِدَالِ أَوْ قَامَ أَوْ قَعَدَ وَهُوَ فِي الْقِيَامِ (فَقِيلَ يُفَارِقُهُ) بِالنِّيَّةِ حَتْمًا لِتَعَذُّرِ الْمُوَافَقَةِ (وَالْأَصَحُّ) أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ مُفَارَقَتُهُ بَلْ (يَتْبَعُهُ) حَتْمًا إنْ لَمْ يَنْوِ مُفَارَقَتَهُ (فِيمَا هُوَ فِيهِ) إذْ لَوْ سَعَى عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ لَكَانَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ فَاحِشَةٌ وَلِهَذَا تَبْطُلُ بِهِ مِنْ عَالِمٍ عَامِدٍ، وَإِذَا تَبِعَهُ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الْفَاتِحَةَ تَخَلَّفَ لِإِتْمَامِهَا مَا لَمْ يَسْبِقْ بِأَكْثَرَ أَيْضًا (ثُمَّ يَتَدَارَكُ) مَا فَاتَهُ (بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ) كَالْمَسْبُوقِ (وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ) الْمَأْمُومُ (الْفَاتِحَةَ لِشَغْلِهِ بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ) مَثَلًا وَقَدْ رَكَعَ إمَامُهُ (فَمَعْذُورٌ) فِي تَخَلُّفِهِ لِإِتْمَامِهَا كَبَطِيءِ الْقِرَاءَةِ فَيَأْتِي فِيمَا مَرَّ.
وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِفَرَاغِهِ مِنْ الرُّكْنِ انْتِقَالُهُ عَنْهُ لَا الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ مِنْهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا عُذْرُهُ وَإِنْ لَمْ يُنْدَبْ فِي حَقِّهِ دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ بِأَنْ ظَنَّ عَدَمَ إدْرَاكِ الْفَاتِحَةِ لَوْ اشْتَغَلَ بِهِ، لَكِنْ يُشْكِلُ حِينَئِذٍ بِمَا تَقَدَّمَ فِي تَارِكِ الْفَاتِحَةِ مُتَعَمِّدًا، إلَّا أَنْ
[حاشية الشبراملسي]
لَكِنَّ عِبَارَةَ ابْنِ حَجَرٍ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: أَوْ مَا هُوَ عَلَى صُورَتِهِ انْتَهَى.
وَهِيَ مُخْرِجَةٌ لِذَلِكَ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي أَوْ قَامَ أَوْ قَعَدَ
(قَوْلُهُ: وَالْإِمَامُ حِينَئِذٍ فِي الرُّكُوعِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) أَيْ بِأَنْ تَخَلَّفَ لِلْقِرَاءَةِ فَلَمْ يُكْمِلْهَا حَتَّى قَامَ الْإِمَامُ عَنْ السُّجُودِ وَلَمْ يَقْصِدْ مُوَافَقَتَهُ فِي الْقِيَامِ حَتَّى رَكَعَ فَقَدْ تَحَقَّقَ سَبْقُهُ بِأَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ، وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْصِدْ مُتَابَعَتَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ عَقِبَ الْقِيَامِ لَا يَضُرُّ.
وَقَالَ عَمِيرَةُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يَتْبَعُهُ: أَيْ فَلَوْ تَخَلَّفَ أَدْنَى تَخَلُّفٍ بَطَلَتْ نَظَرًا لِمَا مَضَى مِنْ التَّخَلُّفِ وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي مِنْ كَلَامِهِمْ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
وَهُوَ مُخَالِفٌ كَمَا تَرَى لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّارِحِ، لَكِنَّهُ قَدْ يُوَافِقُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ بَعْدُ: بِأَنْ انْتَهَى إلَى الرَّابِعِ كَأَنْ رَكَعَ وَالْمَأْمُومُ فِي الِاعْتِدَالِ إلَخْ (قَوْلُهُ: كَأَنْ رَكَعَ) أَيْ رُكُوعَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَكَتَبَ سم عَلَى حَجّ قَوْلَهُ كَأَنْ رَكَعَ إلَخْ.
أَقُولُ: إذَا قَعَدَ وَهُوَ فِي الْقِيَامِ فَقَعَدَ مَعَهُ كَمَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَامَ إلَى الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى فَهَلْ يَبْنِي عَلَى مَا قَرَأَهُ مِنْ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ السَّابِقَةِ؟ الْوَجْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ لِانْقِطَاعِ قِرَاءَتِهِ بِمُفَارَقَةِ ذَلِكَ الْقِيَامِ إلَى قِيَامٍ آخَرَ مِنْ رَكْعَةٍ أُخْرَى، بِخِلَافِ مَا لَوْ سَجَدَ لِتِلَاوَةٍ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ كَأَنْ تَابَعَ إمَامَهُ فِيهَا بِرُجُوعِهِ بَعْدَ السُّجُودِ إلَى قِيَامِ تِلْكَ الرَّكْعَةِ بِعَيْنِهِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَا لَوْ قَامَ: أَيْ الْإِمَامُ، وَهُوَ: أَيْ الْمَأْمُومُ فِي الْقِيَامِ فَلَا يَبْعُدُ حِينَئِذٍ بِنَاؤُهُ عَلَى قِرَاءَتِهِ لِعَدَمِ مُفَارَقَتِهِ حِينَئِذٍ قِيَامَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
وَخَالَفَهُ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَاعْتَمَدَ الْبِنَاءَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْعِمَادِ فِي الْقَوْلِ التَّامِّ فِي أَحْكَامِ الْمَأْمُومِ وَالْإِمَامِ.
أَقُولُ: وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ وَالْقَلْبُ إلَيْهِ أَمْيَلُ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَأْمُومُ فِي الِاعْتِدَالِ) أَيْ اعْتِدَالِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَثَلًا (قَوْلُهُ: أَوْ قَعَدَ) أَيْ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ: فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ) أَيْ مِنْ اعْتِبَارِ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُنْدَبْ فِي حَقِّهِ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ يُشْكِلُ حِينَئِذٍ بِمَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ أَوْ سَهَا عَنْهَا حَتَّى إلَخْ كَمَا تَقَدَّمَ.
[حاشية الرشيدي]
الشِّهَابُ حَجّ تَأْيِيدًا لِإِفْتَاءِ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِينَ كَمَا عَرَفْت فَلَا مَعْنَى لِضَمِيرِ الْجَمْعِ.
الثَّانِي قَوْلُهُ: فِي التَّعْلِيلِ فِيهِ مُسَاهَلَةٌ إذْ لَمْ يُذْكَرْ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيلِ بَلْ عَلَى وَجْهِ التَّأْيِيدِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَفَرْقٌ مَا بَيْنَهُمَا.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ كَانَ السَّبْقُ بِأَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ وَالْإِمَامُ فِي الْخَامِسِ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ مُوَافَقَةَ الْإِمَامِ فِي الْقِيَامِ الَّذِي صَارَ إلَيْهِ فِيهِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ الْمُتَابَعَةِ، وَهُوَ أَحَدُ احْتِمَالَاتٍ ثَلَاثٍ أَبَدَاهَا الشِّهَابُ سم فِي حَاشِيَةِ الْمَنْهَجِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَقْصِدَ الْبَقَاءَ عَلَى نَظْمِ نَفْسِهِ.
وَالثَّالِثُ وَهُوَ الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَلْ يَكْفِي وُجُوبُ التَّبَعِيَّةِ بِالْفِعْلِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي قَرِيبًا: وَإِذَا تَبِعَهُ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الْفَاتِحَةَ تَخَلَّفَ لِإِتْمَامِهَا يُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَصْدِ، وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ إذَا قَصَدَ كَانَ حُكْمُهُ مَا ذُكِرَ، وَمَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ قَاسِمٍ يَلْزَمُ مِنْهُ ضَعْفُ حُكْمِ الْبُلْقِينِيِّ بِالْبُطْلَانِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَإِذَا تَبِعَهُ) أَيْ بِالْقَصْدِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِفَرَاغِهِ) اُنْظُرْ مَا الدَّاعِي لِذِكْرِ هَذَا هُنَا
يُفَرَّقَ بِأَنَّ هَذَا شَائِبَةَ شُبْهَةٍ لِاشْتِغَالِهِ بِصُورَةِ سُنَّةٍ، بِخِلَافِ مَا مَرَّ وَبِمَا يَأْتِي فِي الْمَسْبُوقِ أَنَّ سَبَبَ عَدَمِ عُذْرِهِ اشْتِغَالُهُ بِسُنَّةٍ عَنْ فَرْضٍ.
وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَتَحَمَّلُ عَنْ الْمَسْبُوقِ، فَاحْتِيطَ لَهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ صَرَفَ شَيْئًا لِغَيْرِ الْفَرْضِ.
وَأَمَّا الْمُوَافِقُ فَلَا يَتَحَمَّلُ عَنْهُ فَعُذِرَ لِلتَّخَلُّفِ لِإِتْمَامِ الْفَاتِحَةِ وَإِنْ عُدَّ مُقَصِّرًا بِصَرْفِهِ بَعْضَ الزَّمَنِ لِغَيْرِهَا إذْ تَقْصِيرُهُ بِاعْتِبَارِ ظَنِّهِ دُونَ الْوَاقِعِ.
وَالْحَاصِلُ مِمَّا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ إدَارَتُنَا الْأَمْرَ عَلَى الْوَاقِعِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعُذْرِ وَعَدَمِهِ وَعَلَى ظَنِّهِ بِالنِّسْبَةِ لِنَدْبِ الْإِتْيَانِ بِنَحْوِ التَّعَوُّذِ (هَذَا كُلُّهُ فِي) الْمَأْمُومِ (الْمُوَافِقِ) وَهُوَ مَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مَحَلَّ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ الْمُعْتَدِلَةِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِنَفْسِهِ وَلَا لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَإِنْ رَجَّحَ الزَّرْكَشِيُّ اعْتِبَارَ قِرَاءَةِ نَفْسِهِ، وَقَوْلُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ: هُوَ مَنْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ مَرْدُودٌ، إذْ أَحْكَامُ الْمُوَافِقِ وَالْمَسْبُوقِ جَارِيَةٌ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ، بِدَلِيلِ أَنَّ السَّاعِيَ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ وَنَحْوِهِ كَبَطِيءِ النَّهْضَةِ إذَا فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ، فَإِنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ كَانَ مُوَافِقًا وَإِلَّا فَمَسْبُوقٌ، وَهَلْ يَلْحَقُ بِهِ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ مَنْ شَكَّ هَلْ أَدْرَكَ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَتَحَقَّقَ مُسْقِطُهَا وَعَدَمُ تَحَمُّلِ الْإِمَامِ لِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلِأَنَّ إدْرَاكَ الْمَسْبُوقِ الرَّكْعَةَ رُخْصَةٌ فَلَا تَحْصُلُ مَعَ الشَّكِّ فِي السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لَهُ، وَلِأَنَّ التَّخَلُّفَ لِقِرَاءَتِهَا أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ مِنْ تَرْكِ كَمَالِهَا، وَحِينَئِذٍ فَيَتَأَخَّرُ وَيُتِمُّ الْفَاتِحَةَ وَيُدْرِكُ الرَّكْعَةَ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ، فَإِنْ سُبِقَ بِهِ تَابَعَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِهِ، فِي ذَلِكَ تَرَدُّدٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، نَعَمْ لِمَا مَرَّ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَكَانَ إحْرَامُهُ عَقِبَ إحْرَامِ إمَامِهِ أَمْ عَقِبَ قِيَامِهِ مِنْ رَكْعَتِهِ أَمْ لَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
أَمَّا الْمَسْبُوقُ وَهُوَ بِخِلَافِهِ وَهُوَ مَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (فَأَمَّا مَسْبُوقٌ رَكَعَ الْإِمَامُ فِي) أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ (فَاتِحَتِهِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ) بِأَنْ قَرَأَ عَقِبَ تَحَرُّمِهِ (تَرَكَ قِرَاءَتَهُ وَرَكَعَ) مَعَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ سِوَى مَا قَرَأَهُ (وَهُوَ) بِرُكُوعِهِ مَعَهُ وَإِنْ أَدْرَكَهُ قَبْلَ قِيَامِهِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ (مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ) فَيَتَحَمَّلُ الْإِمَامُ عَنْهُ مَا بَقِيَ مِنْهَا كَمَا يَتَحَمَّلُ عَنْهُ جَمِيعَهَا لَوْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا أَوْ رَكَعَ عَقِبَ تَحَرُّمِهِ، فَإِنْ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَقَوْلُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ هُوَ) أَيْ الْمُوَافِقُ.
(قَوْلُهُ: إذْ أَحْكَامُ الْمُوَافِقِ إلَخْ) يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مَنْ عَبَّرَ بِذَلِكَ أَرَادَ الْمُوَافِقَ الْحَقِيقِيَّ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ بَطِيءِ النَّهْضَةِ وَنَحْوِهِ مَسْبُوقٌ حُكْمًا.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمَسْبُوقٌ) أَيْ فَيَرْكَعُ مَعَهُ وَتُحْسَبُ لَهُ الرَّكْعَةُ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُمْ يُسْرِعُونَ الْقِرَاءَةَ فَلَا يُمْكِنُ الْمَأْمُومَ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنْ السُّجُودِ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بِتَمَامِهَا قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ فَيَرْكَعُ مَعَهُ وَتُحْسَبُ لَهُ الرَّكْعَةُ وَلَوْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ، فَلَوْ تَخَلَّفَ لِإِتْمَامِ الْفَاتِحَةِ حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ أَوْ رَكَعَ مَعَهُ وَلَمْ يَطْمَئِنَّ قَبْلَ ارْتِفَاعِهِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ فَيَتْبَعُ الْإِمَامَ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ.
(قَوْلُهُ: وَهَلْ يَلْحَقُ بِهِ) أَيْ الْمُوَافِقِ.
(قَوْلُهُ نَعَمْ) أَيْ فَيَكُونُ كَالْمُوَافِقِ فَيُغْتَفَرُ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ وَقَوْلُهُ لِمَا مَرَّ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ فَيَتَأَخَّرُ إلَخْ
(قَوْلُهُ تَرَكَ قِرَاءَتَهُ أَوْ رَكَعَ) أَيْ نَدْبًا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَبِمَا يَأْتِي) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ ظَنِّهِ دُونَ الْوَاقِعِ) قَالَ الشِّهَابُ سم فِي حَوَاشِي التُّحْفَةِ: فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ لَا مَعْنَى لِلتَّقْصِيرِ فِي الْوَاقِعِ إلَّا كَوْنُ مُقْتَضَى الْوَاقِعِ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِغَيْرِ الْفَاتِحَةِ، وَهُنَا كَذَلِكَ لِكَوْنِ مَا أَدْرَكَهُ لَا يَسَعُ فِي الْوَاقِعِ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: إذْ أَحْكَامُ الْمُوَافِقِ وَالْمَسْبُوقِ جَارِيَةٌ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ) فِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَرَيَانِ أَحْكَامِهِمَا فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ أَنَّهُمَا يُسَمَّيَانِ كَذَلِكَ حَقِيقَةً فِي غَيْرِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَدْرَكَهُ قَبْلَ قِيَامِهِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ) أَيْ وَأَتَمَّ الرُّكُوعَ قَبْلَ انْفِصَالِ الْإِمَامِ عَنْ أَقَلِّهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَلَوْ حَذَفَ الْوَاوَ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ لَكَانَ أَوْضَحَ
تَخَلَّفَ بَعْدَ قِرَاءَةِ مَا أَدْرَكَهُ مِنْ الْفَاتِحَةِ لِإِتْمَامِهَا وَفَاتَهُ الرُّكُوعُ مَعَهُ وَأَدْرَكَهُ فِي الِاعْتِدَالِ بَطَلَتْ رَكْعَتُهُ لِعَدَمِ مُتَابَعَتِهِ فِي مُعْظَمِهَا وَكَانَ تَخَلُّفُهُ بِلَا عُذْرٍ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا، وَلَوْ رَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ فَاتِحَةِ الْمَسْبُوقِ فَحُكْمُهُ كَمَا لَوْ رَكَعَ فِيهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ اشْتَغَلَ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا أَوْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِشَيْءٍ بِأَنْ سَكَتَ بَعْدَ تَحَرُّمِهِ زَمَنًا قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الْفَاتِحَةَ وَاجِبَةٌ (لَزِمَهُ قِرَاءَةٌ) مِنْهَا (بِقَدْرِهِ) أَيْ بِقَدْرِ حُرُوفِهِ فِي ظَنِّهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، أَوْ بِقَدْرِ زَمَنِ سُكُوتِهِ لِأَنَّهُ بِالْعُدُولِ مِنْ الْفَرْضِ إلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ إلَى تَقْصِيرٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَالثَّانِي يُوَافِقُهُ مُطْلَقًا وَيَسْقُطُ بَاقِيهَا لِخَبَرِ «إذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» وَاخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيُّ تَبَعًا لِتَرْجِيحِ جَمَاعَةٍ، وَالثَّالِثُ يُتِمُّ الْفَاتِحَةَ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ أَدْرَكَ الْقِيَامَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّهَا فَلَزِمَتْهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ مَتَى رَكَعَ قَبْلَ وَفَاءِ مَا لَزِمَهُ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا لَمْ يُعْتَدَّ بِمَا فَعَلَهُ، وَمَتَى رَكَعَ إمَامُهُ وَهُوَ مُتَخَلِّفٌ لِمَا لَزِمَهُ وَقَامَ مِنْ رُكُوعِهِ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُتَخَلِّفٌ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمَنْ عَبَّرَ بِعُذْرِهِ نُظِرَ إلَى أَنَّهُ مَلْزُومٌ بِالْقِرَاءَةِ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ، ثُمَّ إذَا فَرَغَ قَبْلَ هُوِيِّ إمَامِهِ لِسُجُودِهِ وَافَقَهُ وَلَا يَرْكَعُ وَإِلَّا بَطَلَتْ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا، وَإِنْ فَاتَهُ لِلرُّكُوعِ وَلَمْ يَفْرُغْ وَقَدْ أَرَادَ الْإِمَامُ الْهُوِيَّ لِلسُّجُودِ فَقَدْ تَعَارَضَ فِي حَقِّهِ وُجُوبُ وَفَاءِ مَا لَزِمَهُ وَبُطْلَانُ صَلَاتِهِ بِهُوِيِّ الْإِمَامِ لِلسُّجُودِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ كَوْنِهِ مُتَخَلِّفًا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَلَا مُخَلِّصَ لَهُ عَنْ هَذَيْنِ إلَّا نِيَّةَ الْمُفَارَقَةِ فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ حَذَرًا مِنْ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ عِنْدَ عَدَمِهَا بِكُلِّ تَقْدِيرٍ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا مَرَّ فِي مُتَعَمِّدِ تَرْكِ الْفَاتِحَةِ وَبَطِيءٍ لِوَسْوَسَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَنْ التَّحْقِيقِ وَاعْتَمَدَهُ مِنْ لُزُومِ مُتَابَعَتِهِ فِي الْهُوِيِّ حِينَئِذٍ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَتْهُ مُتَابَعَتُهُ حِينَئِذٍ سَقَطَ مُوجِبُ تَقْصِيرِهِ مِنْ التَّخَلُّفِ لِقِرَاءَةِ قَدْرِ مَا لَحِقَهُ فَغَلَبَ وَاجِبُ الْمُتَابَعَةِ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُهُ مُفَارَقَتُهُ بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ مِنْ كَلَامِهِ، وَإِلَّا فَعِبَارَتُهُ صَرِيحَةٌ فِي تَفْرِيعِهِ عَلَى الْمَرْجُوحِ، أَمَّا إذَا جَهِلَ أَنَّ وَاجِبَهُ ذَلِكَ فَهُوَ بِتَخَلُّفِهِ لِمَا لَزِمَهُ مُتَخَلِّفٌ بِعُذْرٍ قَالَهُ الْقَاضِي.
قَالَ الْفَارِقِيُّ: وَصُورَةُ تَخَلُّفِهِ لِلْقِرَاءَةِ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْإِمَامَ قَبْلَ
[حاشية الشبراملسي]
لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ التَّخَلُّفَ مَكْرُوهٌ.
(قَوْلُهُ: بَطَلَتْ رَكْعَتُهُ) أَيْ فَيُوَافِقُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ بَعْدُ فَلَوْ رَكَعَ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
(قَوْلُهُ: وَكَانَ تَخَلُّفُهُ بِلَا عُذْرٍ) أَيْ بِأَنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ رَكَعَ الْإِمَامُ) هَذَا مُسَاوٍ لِقَوْلِهِ قَبْلُ أَوْ رَكَعَ عَقِبَ تَحَرُّمِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالثَّالِثُ يُتِمُّ الْفَاتِحَةَ مُطْلَقًا) أَيْ اشْتَغَلَ بِسُنَّةٍ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَامِدًا عَالِمًا، وَقَوْلُهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِمَا فَعَلَهُ: أَيْ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ.
(قَوْلُهُ: مُتَخَلِّفٌ بِغَيْرِ عُذْرٍ) مُعْتَمَدٌ.
(قَوْلُهُ الْهُوِيَّ لِلسُّجُودِ) أَيْ الْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا جَهِلَ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا.
(قَوْلُهُ: فَهُوَ بِتَخَلُّفِهِ لِمَا لَزِمَهُ مُتَخَلِّفٌ بِعُذْرٍ)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَحُكْمُهُ كَمَا لَوْ رَكَعَ فِيهَا) أَيْ فِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ بِتَرْكِ قِرَاءَتِهِ وَيَرْكَعُ فَهُوَ تَتْمِيمٌ لِمَا فِي الْمَتْنِ، وَلَيْسَ مُسَاوِيًا لِقَوْلِهِ أَوْ رَكَعَ عَقِبَ تَحَرُّمِهِ كَمَا لَا يَخْفَى خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: أَوْ بِقَدْرِ زَمَنِ سُكُوتِهِ) أَيْ مِنْ الْقِرَاءَةِ الْمُعْتَدِلَةِ عَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ لَهُ فِي ضَابِطِ الْمُوَافِقِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَمْ يَعْتَدَّ بِمَا فَعَلَهُ) وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِتَتْمِيمِ الْفَائِدَةِ مَعَ نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ إذَا هَوَى الْإِمَامُ لِلسُّجُودِ إذَا عَلِمَ بِالْحَالِ إذْ حَرَكَتُهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا حِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِمُضِيِّهِ لِمَا هُوَ فِيهِ أَوْ لَا يَجِبُ؟ الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: بِكُلِّ تَقْدِيرٍ) أَيْ مِنْ تَقْدِيرَيْ التَّخَلُّفِ وَالسُّجُودِ مَعَ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ التَّحْقِيقِ وَاعْتَمَدَهُ لُزُومَ مُتَابَعَتِهِ فِي الْهَوِيِّ) أَيْ مُخَالِفًا لِمَا مَرَّ مِنْ وُجُوبِ الْمُفَارَقَةِ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ نَبَّهَ الشِّهَابُ سم عَلَى أَنَّ مَا نُسِبَ لِلتَّحْقِيقِ لَمْ يَذْكُرْهُ فِيهِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ (قَوْلُهُ: وَيُوَجَّهُ أَنَّهُ لَمَّا لَزِمَتْهُ مُتَابَعَتُهُ حِينَئِذٍ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَتْهُ الْمُتَابَعَةُ قَبْلَ الْمُعَارَضَةِ اُسْتُصْحِبَ وُجُوبُهَا وَسَقَطَ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا جَهِلَ أَنَّ وَاجِبَهُ ذَلِكَ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ فِي حَلِّ الْمَتْنِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الْفَاتِحَةَ وَاجِبَةٌ (قَوْلُهُ: فَهُوَ بِتَخَلُّفِهِ لِمَا لَزِمَهُ مُتَخَلِّفٌ بِعُذْرٍ) قَالَ الشِّهَابُ سم: قَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ كَبَطِيءِ الْقِرَاءَةِ مَعَ أَنَّهُ فَرْضُهُ
سُجُودِهِ وَإِلَّا فَلْيُتَابِعْهُ قَطْعًا وَلَا يَقْرَأُ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ الرُّويَانِيُّ فِي حِلْيَتِهِ وَالْغَزَالِيُّ فِي إحْيَائِهِ، لَكِنَّ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ أَنَّ صُورَتَهَا أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُهُ فِي رُكُوعِهِ، وَإِلَّا فَيُفَارِقُهُ وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، لَكِنْ يُتَّجَهُ لُزُومُ الْمُفَارَقَةِ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ ظَنِّهِ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَثِمَ وَلَكِنْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ حِينَ يَصِيرُ مُتَخَلِّفًا بِرُكْنَيْنِ.
وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرَ أَنَّهُ إذَا ظَنَّ إدْرَاكَهُ فِي رُكُوعِهِ فَأَتَى بِالِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ فَرَكَعَ إمَامُهُ عَلَى خِلَافِ عَادَتِهِ بِأَنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَاتِحَةِ وَأَعْرَضَ عَنْ السُّنَّةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَاَلَّتِي بَعْدَهَا يَرْكَعُ مَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَرَأَ مِنْ الْفَاتِحَةِ شَيْئًا، وَمُقْتَضَى إطْلَاقِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَدَمُ الْفَرْقِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ لِبَقَاءِ مَحَلِّ الْقِرَاءَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَقْصِيرَهُ بِمَا ذَكَرَ مُنْتَفٍ فِي ذَلِكَ، إذْ لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ.
(وَلَا يَشْتَغِلُ الْمَسْبُوقُ) اسْتِحْبَابًا (بِسُنَّةٍ بَعْدَ التَّحَرُّمِ) كَدُعَاءِ افْتِتَاحٍ أَوْ تَعَوُّذٍ (بَلْ) يَشْتَغِلُ (بِالْفَاتِحَةِ) فَقَطْ إذْ الِاهْتِمَامُ بِشَأْنِ الْفَرْضِ أَوْلَى وَيُخَفِّفُهَا حَذَرًا مِنْ فَوَاتِهَا (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ) أَيْ يَظُنَّ (إدْرَاكَهَا) مَعَ اشْتِغَالِهِ بِالسُّنَّةِ فَيَأْتِي بِهِ اسْتِحْبَابًا، بِخِلَافِ مَا إذَا جَهِلَ أَوْ ظَنَّ مِنْهُ الْإِسْرَاعَ وَأَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا مَعَهُ فَيَبْدَأُ بِالْفَاتِحَةِ (وَلَوْ) (عَلِمَ الْمَأْمُومُ فِي رُكُوعِهِ) أَيْ بَعْدَ وُجُودِ أَقَلِّهِ (أَنَّهُ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ أَوْ شَكَّ) فِي فِعْلِهَا
[حاشية الشبراملسي]
قَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ كَبَطِيءِ الْقِرَاءَةِ مَعَ أَنَّهُ فَرَضَهُ فِي الْمَسْبُوقِ وَالْمَسْبُوقُ لَا يُدْرِكُ رَكْعَةً إلَّا بِالرُّكُوعِ مَعَ الْإِمَامِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَهَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ قَبْلُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الْفَاتِحَةَ وَاجِبَةٌ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ اعْتِرَاضِ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِ مَعْذُورًا فِي التَّخَلُّفِ عَدَمُ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ بِمَا فَعَلَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ حُسْبَانُ الرَّكْعَةِ لَهُ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى يَصِيرَ مُتَخَلِّفًا بِرُكْنَيْنِ) أَيْ بِأَنْ هَوَى الْإِمَامُ لِلسُّجُودِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ بِالْعُدُولِ مِنْ الْفَرْضِ إلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ إلَى تَقْصِيرٍ فِي الْجُمْلَةِ (قَوْلُهُ وَمُقْتَضَى إطْلَاقِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَدَمُ الْفَرْقِ) أَيْ بَيْنَ ظَنِّهِ إدْرَاكَ الْفَاتِحَةِ وَعَدَمَ إدْرَاكِهَا، وَعَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ أَدْرَكَ مَعَ إمَامِهِ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ فَهُوَ كَبَطِيءِ الْقِرَاءَةِ وَإِلَّا فَيَقْرَأُ بِقَدْرِ مَا فَوَّتَهُ
(قَوْلُهُ: فَيَبْدَأُ) أَيْ نَدْبًا (قَوْلُهُ: أَيْ بَعْدَ وُجُودِ أَقَلِّهِ) أَيْ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلِمَ ذَلِكَ أَوْ شَكَّ فِيهِ
[حاشية الرشيدي]
فِي الْمَسْبُوقِ وَالْمَسْبُوقُ لَا يُدْرِكُ رَكْعَةً إلَّا بِالرُّكُوعِ مَعَ الْإِمَامِ.
أَقُولُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَادَ الْقَاضِي فَيَكُونُ مُخَصِّصًا لِقَوْلِهِمْ إنَّ الْمَسْبُوقَ لَا يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ إلَّا بِالرُّكُوعِ مَعَ الْإِمَامِ، فَيَكُونُ مَحَلُّهُ فِي الْعَالِمِ بِأَنَّ وَاجِبَهُ الْقِرَاءَةُ، وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا فِي الْحَاشِيَةِ أَنَّ مُرَادَ الْقَاضِي أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَبْطُلُ بِتَخَلُّفِهِ إلَى مَا ذُكِرَ، فَيَكُونُ مَحَلُّ بُطْلَانِهَا بِهَوِيِّ الْإِمَامِ لِلسُّجُودِ إذَا لَمْ يُفَارِقْهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ لَكِنْ تَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ، وَلَيْسَ مَعْنَى كَوْنِهِ مُتَخَلِّفًا بِعُذْرٍ أَنَّهُ يُعْطَى حُكْمَ الْمَعْذُورِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ أَشَارَ الشِّهَابُ الْمَذْكُورُ إلَى إشْكَالِهِ بِمَا ذَكَرَهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّا إذَا لَمْ نَجْعَلْهُ مَعْذُورًا يَلْزَمُهُ التَّخَلُّفُ لِقِرَاءَةِ قَدْرِ مَا صَرَفَهُ لِلسُّنَّةِ مَعَ فَوَاتِ الرَّكْعَةِ وَلَا يُفِيدُهُ ذَلِكَ إدْرَاكَ الرَّكْعَةِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يَتَّجِهُ لُزُومُ الْمُفَارَقَةِ لَهُ إلَخْ) مُرَادُهُ بِهِ بَيَانُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الْأُمِّ وَإِلَّا فَيُفَارِقُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَثِمَ وَلَكِنْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ حَتَّى يَصِيرَ مُتَخَلِّفًا بِرُكْنَيْنِ فَمَا تَقَدَّمَ عَلَى إطْلَاقِهِ (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ) أَيْ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَمُرَادُهُ تَعْلِيلُ الْمَتْنِ الَّذِي مَرَّ عَقِبَهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ) قَالَ الشِّهَابُ سم: وَأَقُولُ يَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقْتَضَى الْمَذْكُورِ: أَيْ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الزَّمَنُ الَّذِي أَدْرَكَهُ يَسَعُ جَمِيعَ الْفَاتِحَةِ تَخَلَّفَ لَهَا كَبَطِيءِ الْقِرَاءَةِ، أَوْ بَعْضَهَا لَزِمَهُ التَّخَلُّفُ لِقِرَاءَةِ قَدْرِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُ الْمَتْنِ وَلَا يَشْتَغِلُ الْمَسْبُوقُ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالْمَسْبُوقِ هُنَا مَنْ لَمْ يُدْرِكْ تَحَرُّمَ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ الْفَاتِحَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ إدْرَاكَهَا، نَبَّهَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ سم
(لَمْ يَعُدْ إلَيْهَا) أَيْ لِمَحَلِّهَا فَلَوْ عَادَ لَهُ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا (بَلْ يُصَلِّي رَكْعَةً بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ) تَدَارُكًا لِمَا فَاتَهُ كَالْمَسْبُوقِ (فَلَوْ عَلِمَ) تَرْكَهَا (أَوْ شَكَّ) فِيهِ (وَقَدْ رَكَعَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَرْكَعْ هُوَ قَرَأَهَا) لِبَقَاءِ مَحَلِّهَا (وَهُوَ مُتَخَلِّفٌ بِعُذْرٍ) فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ (وَقِيلَ يَرْكَعُ وَيَتَدَارَكُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ) مَا فَاتَهُ لِأَجْلِ الْمُتَابَعَةِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كُلِّ رُكْنٍ عَلِمَ الْمَأْمُومُ تَرْكَهُ أَوْ شَكَّ فِيهِ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ بِرُكْنٍ بَعْدَهُ يَقِينًا فَيُوَافِقُ إمَامَهُ وَيَأْتِي بَدَلَهُ بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي جُلُوسِهِ لِلِاسْتِرَاحَةِ أَوْ فِي نُهُوضِهِ لِلْقِيَامِ فِي أَنَّهُ سَجَدَ عَادَ لَهُ وَإِنْ كَانَ إمَامُهُ قَائِمًا، وَيَظْهَرُ أَنَّ جُلُوسَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ كَجُلُوسِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ لِكَوْنِهِ عَلَى صُورَتِهِ نَظِيرَ مَا مَرَّ آنِفًا.
(وَلَوْ سَبَقَ إمَامَهُ بِالتَّحَرُّمِ لَمْ
[حاشية الشبراملسي]
فِي الْهُوِيِّ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى أَقَلِّ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ كَمَا لَوْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَعُدْ إلَيْهَا) فَلَوْ عَلِمَ الْإِمَامُ أَوْ الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْعَوْدُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رُكْنِ التَّرْتِيبِ، لَكِنْ إذَا عَادَ الْإِمَامُ فَهَلْ يَعُودُ الْمَأْمُومُونَ مَعَهُ أَوْ يَنْتَظِرُونَهُ أَوْ يُفَارِقُونَهُ بِالنِّيَّةِ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ.
ثُمَّ رَأَيْت بِهَامِشٍ نَقْلًا عَنْ الرَّمْلِيِّ بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ مَا نَصُّهُ: أَمَّا إمَامٌ اعْتَدَلَ مِنْ الرُّكُوعِ فَشَكَّ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الْقِيَامِ فَيَلْزَمُهُ الرُّكُوعُ إلَى الْقِيَامِ بِقَصْدِهِ لِأَجْلِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ.
لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ قِرَاءَتِهَا، وَأَمَّا حُكْمُ الْمَأْمُومِينَ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِالِاعْتِدَالِ مَعَ الْإِمَامِ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَهُ فِي الِاعْتِدَالِ وَيُغْتَفَرُ تَطْوِيلُهُ لِلضَّرُورَةِ وَلَا يَرْكَعُونَ مَعَهُ إذَا رَكَعَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، أَمْ يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامِ مَعَهُ حَتَّى يَلْزَمَهُمْ أَنْ يَرْكَعُوا مَعَهُ إذَا رَكَعَهَا ثَانِيًا لِأَجْلِ الْمُتَابَعَةِ، أَمْ يَسْجُدُوا قَبْلَهُ وَيَنْتَظِرُونَهُ فِيهِ وَلَا يَضُرُّ سَبْقُهُمْ لَهُ بِرُكْنَيْنِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِالْأَوَّلِ، وَيُغْتَفَرُ التَّطْوِيلُ فِي الِاعْتِدَالِ لِلضَّرُورَةِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَاعْتَمَدَ أَنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ فِي السُّجُودِ وَيُغْتَفَرُ سَبْقُهُمْ بِرُكْنَيْنِ لِلضَّرُورَةِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ رُكْنٌ طَوِيلٌ اهـ.
أَقُولُ: وَهَذَا مَفْرُوضٌ كَمَا تَرَى فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا مِنْ حَالِ الْإِمَامِ شَيْئًا لِبُعْدِهِمْ عَنْهُ أَوْ لِكَوْنِهَا سِرِّيَّةً، أَمَّا لَوْ عَلِمُوا مِنْهُ تَرْكَ الْفَاتِحَةِ فَيَنْتَظِرُونَهُ فِي السُّجُودِ، ثُمَّ رَأَيْت مَا نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ الرَّمْلِيِّ فِي حَجّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَتَصِحُّ قُدْوَةُ الْمُؤَدِّي بِالْقَاضِي إلَخْ.
(قَوْلُهُ: لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا) أَيْ فَلَوْ اسْتَمَرَّ مُتَابِعًا لِلْإِمَامِ ثُمَّ تَذَكَّرَ بَعْدَ قِيَامِهِ لِلثَّانِيَةِ أَنَّهُ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُولَى حُسِبَ سُجُودُهُ وَتَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ وَإِنْ كَانَ فَعَلَهُ عَلَى قَصْدِ الْمُتَابَعَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ الْإِمَامُ أَوْ الْمُنْفَرِدُ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَلَمْ يَعُودَا لِلْقِيَامِ بَلْ سَعَيَا عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ أَنْفُسِهِمَا فَإِنَّ صَلَاتَهُمَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ إنْ كَانَا عَالِمَيْنِ بِالْحُكْمِ، فَإِذَا تَذَكَّرَا الْقِرَاءَةَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمَا التَّذَكُّرُ لِبُطْلَانِ صَلَاتِهِمَا بِفِعْلِهِمَا السَّابِقِ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا حُسِبَ وَتَمَّتْ صَلَاتُهُمَا بِذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْته مُصَرِّحًا بِهِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَرْكَعْ هُوَ) أَيْ أَوْ رَكَعَ وَكَانَ لِلْقِيَامِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى الرُّكُوعِ أَوْ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبَ كَمَا أَفْهَمَهُ قَوْلُ الشَّارِحِ: أَيْ بَعْدَ وُجُودِ أَقَلِّهِ.
(قَوْلُهُ: وَيَأْتِي بَدَلَهُ بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ) شَمِلَ ذَلِكَ مَا لَوْ شَكَّ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ طُمَأْنِينَتِهَا، وَقَدْ جَلَسَ مَعَ الْإِمَامِ لِلتَّشَهُّدِ أَوْ شَكَّ فِي طُمَأْنِينَةِ السَّجْدَةِ الْأُولَى بَعْدَ جُلُوسِهِ مَعَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَيُوَافِقُ الْإِمَامَ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَأَظُنُّ أَنَّهُ مَرَّ لِلشَّارِحِ فِي رُكْنِ التَّرْتِيبِ مَا يُخَالِفُهُ فَلْيُرَاجَعْ.
وَعِبَارَةُ حَجّ هُنَا بَعْدَ قَوْلِهِ يَقِينًا: أَيْ وَكَانَ فِي التَّخَلُّفِ لَهُ فُحْشُ مُخَالَفَةٍ، ثُمَّ مَثَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَمْثِلَةٍ إلَى أَنْ قَالَ: وَلَوْ كَانَ شَكُّهُ فِي السُّجُودِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَهَلْ جُلُوسُهُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ كَقِيَامِهِ فِيمَا ذَكَرَ أَوْ بِفَرْقٍ بِأَنَّهُ فِي صُورَةِ الْقِيَامِ قَدْ تَلَبَّسَ بِرُكْنٍ يَقِينًا، إلَى أَنْ قَالَ: وَهَذَا أَيْ الْفَرْقُ أَقْرَبُ اهـ بِاخْتِصَارٍ.
(قَوْلُهُ: فِي أَنَّهُ سَجَدَ) أَيْ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ إمَامُهُ قَائِمًا) أَيْ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَمَّا لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى رُكْنٍ آخَرَ عُدَّ كَأَنَّهُ فِي
[حاشية الرشيدي]
وَيَظْهَرُ أَنَّ جُلُوسَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ كَجُلُوسِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ لِكَوْنِهِ عَلَى صُورَتِهِ نَظِيرَ مَا مَرَّ آنِفًا) اُنْظُرْ مَا مَوْقِعُ هَذَا هُنَا وَمَا الْمُرَادُ بِمَا مَرَّ آنِفًا، وَهُوَ سَاقِطٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي حَوَاشِي التُّحْفَةِ لِلشِّهَابِ حَجّ
تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ بِالْأَوْلَى مِمَّا مَرَّ فِي مُقَارَنَتِهِ لَهُ فِيهَا وَذَكَرَهُ هُنَا تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ (أَوْ بِالْفَاتِحَةِ أَوْ التَّشَهُّدِ) بِأَنْ فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ إمَامُهُ فِيهِ (لَمْ يَضُرَّ وَيُجْزِيهِ) لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ فِي مَحَلِّهِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ فَاحِشَةٍ (وَقِيلَ) لَا يُجْزِيهِ وَ (تَجِبُ إعَادَتُهُ) مَعَ فِعْلِ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ وَهُوَ الْأَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يُعِدْهُ بَطَلَتْ لِأَنَّ فِعْلَهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى فِعْلِهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِمَا سَبَقَهُ، وَيُسْتَحَبُّ مُرَاعَاةُ هَذَا الْخِلَافِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ وَلَوْ فِي سَرِيَّةٍ أَنْ يُؤَخِّرَ جَمِيعَ فَاتِحَتِهِ عَنْ فَاتِحَةِ إمَامِهِ إنْ ظَنَّ أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَهَا، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا رِعَايَةَ هَذَا الْخِلَافِ عَلَى خِلَافِ الْبُطْلَانِ بِتَكْرِيرِ الرُّكْنِ الْقَوْلِيِّ لِقُوَّةِ هَذَا وَعَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ تَعَارَضَ خِلَافَانِ قُدِّمَ أَقْوَاهُمَا وَهَذَا مِنْ ذَلِكَ، وَحَدِيثُ «فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» يُؤَيِّدُهُ، وَهَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ أَوْجَهُ مِمَّا فِي الْأَنْوَارِ فِي التَّقَدُّمِ بِقَوْلِي: إنَّهُ لَا تُسَنُّ إعَادَتُهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ لِوُقُوعِهِ فِي هَذَا الْخِلَافِ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّ إمَامَهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْفَاتِحَةِ أَوْ سُورَةٍ قَصِيرَةٍ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ مَعَ قِرَاءَتِهِ، لَكِنَّ الَّذِي أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَدَمُ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَى الْمَأْمُومِ الْمُوَافِقِ فِيهَا فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ كَالشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: وَالزِّحَامُ وَالنِّسْيَانُ وَالْبُطْءُ فِي الْقِرَاءَةِ وَاشْتِغَالُ الْمُوَافِقِ بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ أَعْذَارٌ، فَلَوْ رَكَعَ الْإِمَامُ وَلَمْ تَتِمَّ فَاتِحَةُ الْمَأْمُومِ لِلْبُطْءِ أَوْ الِاشْتِغَالِ، أَوْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ نَسِيَ أَوْ شَكَّ فِي فَوَاتِهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ وَجَبَتْ الْقِرَاءَةُ وَالسَّعْيُ خَلْفَ الْإِمَامِ مَا لَمْ يَزِدْ التَّخَلُّفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ اهـ. فَقَوْلُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ مَعَهُ مُرَادُهُ بِهِ الِاسْتِحْبَابُ، فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَحَلَّ اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ فَاتِحَتِهِ إنْ رَجَا أَنَّ إمَامَهُ يَسْكُتُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ
[حاشية الشبراملسي]
السُّجُودِ
(قَوْلُهُ بِأَنْ فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ إمَامُهُ فِيهِ) أَفْهَمَ أَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ شُرُوعُهُ عَنْ شُرُوعِ الْإِمَامِ وَلَكِنْ فَرَغَ الْإِمَامُ قَبْلَهُ لَا يَأْتِي هَذَا الْخِلَافُ، وَكَذَا لَوْ سَبَقَهُ وَلَكِنْ لَمْ يَفْرُغْ قَبْلَ شُرُوعِهِ اهـ عَمِيرَةُ.
(قَوْلُهُ: أَنْ يُؤَخِّرَ جَمِيعَ فَاتِحَتِهِ) أَيْ وَجَمِيعَ تَشَهُّدِهِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: عَنْ فَاتِحَةِ إمَامِهِ) أَيْ فَلَوْ قَارَنَهُ فَقَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ إنَّ تَرْكَ الْمُسْتَحَبَّ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةُ هَذَا، وَأَنَّهُ مُفَوِّتٌ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ فِيمَا قَارَنَ فِيهِ، لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْمُقَارَنَةَ فِي الْأَفْعَالِ مَكْرُوهَةٌ تُفَوِّتُ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ لِفُحْشِ الْمُخَالَفَةِ، بِخِلَافِ الْمُقَارَنَةِ فِي الْأَقْوَالِ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُونَا طَوِيلَيْنِ) أَيْ بِأَنْ
[حاشية الرشيدي]
مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ: وَيَتَّجِهُ فِي جُلُوسِ التَّشَهُّدِ، كَذَا فِي شَرْحِ م ر، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي جُلُوسِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ أَوْ الْأَخِيرِ فِي السُّجُودِ لَمْ يَعُدْ لَهُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْحَاشِيَةِ عَنْ الرَّوْضِ انْتَهَى.
وَمُرَادُهُ بِمَا مَرَّ فِي الْحَاشِيَةِ مَا ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ قَبْلَ هَذِهِ عَنْ الرَّوْضِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ مُدْرِكُ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ السَّلَامِ هَلْ سَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ سَجَدَ وَأَتَمَّهَا جُمُعَةً.
انْتَهَى.
لَكِنَّ الَّذِي كَتَبَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ الْمَذْكُورُ مِنْ قَوْلِ التُّحْفَةِ: وَيَتَّجِهُ إلَخْ لَمْ أَرَهُ فِيهَا فَلَعَلَّهُ فِي بَعْضِ نُسَخِهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَكُّهُ فِي السُّجُودِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَهَلْ جُلُوسُهُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ كَقِيَامِهِ: أَيْ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِلسُّجُودِ وَاسْتَقْرَبَ أَنَّهُ لَيْسَ كَقِيَامِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَلَعَلَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَوْلَهُ وَيَتَّجِهُ إلَخْ، لَكِنَّ الشَّارِحَ لَمْ يُقَدِّمْ ذَلِكَ فَلْتُرَاجِعْ نُسْخَةً صَحِيحَةً.
(قَوْلُهُ: فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ) إنَّمَا لَمْ يُضْمِرْ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَى الْوَالِدِ، وَانْظُرْ مَا وَجْهُ دَفْعِ هَذَا لِمَا اقْتَضَتْهُ عِبَارَةُ الْأَنْوَارِ مِنْ الْوُجُوبِ.
وَفِي حَوَاشِي الْمَنْهَجِ لِلشِّهَابِ سم بَعْدَ أَنْ سَاقَ عِبَارَةَ الشَّارِحِ هَذِهِ بِرُمَّتِهَا مَا نَصُّهُ: وَسِيَاقُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ فِي صُورَةِ الْأَنْوَارِ: أَيْ الْأُولَى يَصِيرُ كَبَطِيءِ الْقِرَاءَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ مَعَ فَرْضِ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ إمَامَهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْفَاتِحَةِ،
قَدْرًا يَسَعُهَا أَوْ يَقْرَأُ سُورَةً تَسَعُهَا وَأَنَّ مَحَلَّ نَدْبِ سُكُوتِ الْإِمَامِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمَأْمُومَ قَرَأَهَا مَعَهُ أَوْ لَا يَرَى قِرَاءَتَهَا (وَلَوْ تَقَدَّمَ) عَلَى إمَامِهِ (بِفِعْلٍ كَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ) ، (فَإِنْ كَانَ) ذَلِكَ (بِرُكْنَيْنِ) فِعْلِيَّيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ سَوَاءٌ أَكَانَا طَوِيلَيْنِ أَمْ قَصِيرَيْنِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ لِلْمُخَالَفَةِ الْفَاحِشَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ لِلْإِتْيَانِ بِهِمَا مَعَ إمَامِهِ لِسَهْوِهِ أَوْ جَهْلِهِ أَتَى بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ بِرَكْعَةٍ وَإِلَّا أَعَادَهَا.
قَالَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ: وَلَا يَخْفَى بَيَانُ السَّبْقِ بِرُكْنَيْنِ مِنْ قِيَاسِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّخَلُّفِ، وَلَكِنْ مَثَّلَهُ الْعِرَاقِيُّونَ بِأَنْ رَكَعَ قَبْلَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ سَجَدَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ فِي التَّخَلُّفِ فَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَوِيَا بِأَنْ يُقَدِّرَ مِثْلَ ذَلِكَ هُنَا أَوْ بِالْعَكْسِ وَأَنْ يَخْتَصَّ هَذَا بِالتَّقَدُّمِ لِفُحْشِهِ اهـ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ التَّقَدُّمَ كَالتَّأَخُّرِ، وَذَكَرَ النَّسَائِيّ أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ بِرُكْنَيْنِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا فِعْلِيًّا وَالْآخَرُ قَوْلِيًّا أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَثَّلَهُ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ بِالْفَاتِحَةِ وَالرُّكُوعِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ التَّقَدُّمُ بِأَقَلَّ مِنْ رُكْنَيْنِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِرُكْنٍ أَمْ بِأَقَلَّ أَمْ بِأَكْثَرَ (فَلَا) تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا لِقِلَّةِ الْمُخَالَفَةِ، وَلَهُ انْتِظَارُهُ فِيمَا سَبَقَهُ بِهِ كَأَنْ رَكَعَ قَبْلَهُ، وَيُسَنُّ الرُّجُوعُ إلَيْهِ لِيَرْكَعَ مَعَهُ إنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا لِلسَّبْقِ جَبْرًا لِمَا فَاتَهُ، فَإِنْ كَانَ سَاهِيًا بِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ انْتِظَارِهِ وَالْعَوْدِ وَالسَّبْقِ بِرُكْنٍ عَمْدًا كَأَنْ رَكَعَ وَرَفَعَ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ حَرَامٌ لِخَبَرِ «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ
[حاشية الشبراملسي]
كَانَ أَحَدُهُمَا طَوِيلًا دُونَ الْآخَرِ كَأَنْ تَخَلَّفَ فِي الِاعْتِدَالِ حَتَّى هَوَى الْإِمَامُ بِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَ التَّقَدُّمُ بِأَقَلَّ مِنْ رُكْنَيْنِ) أَيْ أَوْ بِرُكْنَيْنِ غَيْرِ مُتَوَالِيَيْنِ كَأَنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ وَاسْتَمَرَّ فِي اعْتِدَالِهِ حَتَّى لَحِقَهُ الْإِمَامُ فَسَجَدَ مَعَهُ ثُمَّ رَفَعَ قَبْلَهُ وَجَلَسَ ثُمَّ هَوَى لِلسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَوَالِيهِمَا.
(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ الرُّجُوعُ إلَيْهِ لِيَرْكَعَ مَعَهُ إلَخْ) وَإِذَا عَادَ فَهَلْ يُحْسَبُ لَهُ رُكُوعُهُ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يُحْسَبُ لَهُ رُكُوعُهُ الْأَوَّلُ إنْ اطْمَأَنَّ فِيهِ وَإِلَّا فَالثَّانِي، وَيَنْبَنِي عَلَى كَوْنِ الْمَحْسُوبِ الْأَوَّلَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الثَّانِي لَمْ يَضُرَّ لِأَنَّهُ لِمَحْضِ الْمُتَابَعَةِ، ثُمَّ عَلَى حُسْبَانِ الْأَوَّلِ لَوْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ بَعْدَ عَوْدِهِ رُكُوعٌ حَتَّى اعْتَدَلَ الْإِمَامُ فَهَلْ يَرْكَعُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الِاعْتِدَالِ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ بِفِعْلِ الْإِمَامِ أَوْ لَا، لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ لِمَحْضِ الْمُتَابَعَةِ وَقَدْ فَاتَتْ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ سُجُودُ التِّلَاوَةِ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى قَامَ؟ فِيهِ نَظَرٌ يُحْتَمَلُ الْأَوَّلُ، لَا لِاسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ بِفِعْلِ الْإِمَامِ بَلْ لِأَنَّ رَفْعَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَكُنْ بِقَصْدِ الِاعْتِدَالِ بَلْ لِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَفَعَ فَزِعًا مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ، وَيُحْتَمَلُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَقْرَبُ فَيَسْجُدُ مَعَ الْإِمَامِ.
[فَائِدَةٌ] قَالَ حَجّ فِي الزَّوَاجِرِ: تَنْبِيهٌ: عَدُّنَا هَذَا: أَيْ مُسَابَقَةَ الْإِمَامِ مِنْ الْكَبَائِرِ هُوَ صَرِيحُ مَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَبِهِ جَزَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَإِنَّمَا يَتَّضِحُ بِنَاءً عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَا صَلَاةَ لَهُ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ أَسَاءَ وَصَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ، غَيْرَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَأْمُرُونَهُ أَنْ يَعُودَ إلَى السُّجُودِ وَيَمْكُثَ فِي سُجُودِهَا بَعْدَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ بِقَدْرِ مَا كَانَ نَزَلَ اهـ.
وَمَذْهَبُنَا أَنَّ مُجَرَّدَ رَفْعِ الرَّأْسِ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ الْقِيَامَ أَوْ الْهُوِيَّ قَبْلَهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَأَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ الْعَوْدُ إلَى الْإِمَامِ إنْ كَانَ بَاقِيًا فِي ذَلِكَ الرُّكْنِ، فَإِنْ سَبَقَهُ
[حاشية الرشيدي]
؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ عَمْدًا حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ بَلْ هُوَ مِنْ أَفْرَادِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: وَأَنَّ مَحَلَّ نَدْبِ سُكُوتِ الْإِمَامِ إلَخْ) اُنْظُرْ مِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ هَذَا (قَوْلُهُ: أَمْ قَصِيرَيْنِ) لَيْسَ لَنَا فِعْلَانِ قَصِيرَانِ مُتَوَالِيَانِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ سَاهِيًا بِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ) تَقَدَّمَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا لَوْ انْتَصَبَ وَحْدَهُ سَاهِيًا لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ بِفُحْشِ الْمُخَالَفَةِ فِي تِلْكَ دُونَ هَذِهِ
قَبْلَ رَأْسِ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ» وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ السَّبْقَ بِبَعْضِ رُكْنٍ كَأَنْ رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ وَلَحِقَهُ الْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ أَنَّهُ كَالسَّبْقِ بِرُكْنٍ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ (وَقِيلَ تَبْطُلُ بِرُكْنٍ) تَامٍّ فِي الْعَمْدِ وَالْعِلْمِ لِمُنَاقَضَتِهِ الِاقْتِدَاءَ، بِخِلَافِ التَّخَلُّفِ إذْ لَا يَظْهَرُ فِيهِ فُحْشُ مُخَالَفَةٍ.
فَصْلٌ فِي زَوَالِ الْقُدْوَةِ وَإِيجَادِهَا وَإِدْرَاكِ الْمَسْبُوقِ الرَّكْعَةَ وَأَوَّلِ صَلَاتِهِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ إذَا (خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ) بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ (انْقَطَعَتْ الْقُدْوَةُ) بِهِ لِزَوَالِ الرَّابِطَةِ فَيَسْجُدُ لِسَهْوِ نَفْسِهِ وَيَقْتَدِي بِغَيْرِهِ وَغَيْرُهُ بِهِ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ الْإِمَامُ عَنْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ تَأَخُّرًا غَيْرَ مُغْتَفَرٍ مَعَ الْقُدْوَةِ كَانَ قَاطِعًا لَهَا لِقِصَّةِ
[حاشية الشبراملسي]
بِرُكْنٍ كَأَنْ رَكَعَ وَاعْتَدَلَ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ لَمْ يَرْكَعْ حُرِّمَ عَلَيْهِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَتَكُونَ هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ كَبِيرَةً أَوْ بِرُكْنَيْنِ، كَأَنْ هَوَى إلَى السُّجُودِ وَالْإِمَامُ لَمْ يَرْكَعْ وَكَأَنْ رَكَعَ وَاعْتَدَلَ وَالْإِمَامُ لَمْ يَرْكَعْ، فَلَمَّا أَرَادَ الْإِمَامُ الِاعْتِدَالَ هَوَى الْمَأْمُومُ لِلسُّجُودِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَيَكُونُ فِعْلُ ذَلِكَ وَتَسْمِيَتُهُ كَبِيرَةً ظَاهِرًا اهـ بِحُرُوفِهِ.
أَقُولُ: وَقَوْلُهُ وَمَذْهَبُنَا أَنَّ مُجَرَّدَ رَفْعِ الرَّأْسِ إلَخْ لَا يُنَافَى كَوْنَ السَّبْقِ بِبَعْضِ الرُّكْنِ حَرَامًا، لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ السَّبْقُ بِبَعْضِ الرُّكْنِ إلَّا بِانْتِقَالِهِ مِنْ الْقِيَامِ مَثَلًا إلَى مُسَمَّى الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ، وَالْهُوِيُّ مِنْ الْقِيَامِ وَسِيلَةٌ إلَى الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ وَالرَّفْعُ مِنْ السُّجُودِ وَسِيلَةٌ إلَى الْقِيَامِ أَوْ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَلَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَبَقَ بِرُكْنٍ وَلَا بِبَعْضِهِ.
فَصْلٌ فِي زَوَالِ الْقُدْوَةِ
(قَوْلُهُ: وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ) أَيْ كَقِيَامِ الْمَسْبُوقِ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ مُكَبِّرًا أَوْ غَيْرَ مُكَبِّرٍ.
(قَوْلُهُ: بِحَدَثٍ) وَمِنْهُ الْمَوْتُ.
(قَوْلُهُ: انْقَطَعَتْ الْقُدْوَةُ) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ تَجِبُ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ إزَالَةً لِلْقُدْوَةِ الصُّورِيَّةِ، وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ قَوْلُهُ إلَّا لِعُذْرٍ وَمِنْ الْعُذْرِ مَا يُوجِبُ الْمُفَارَقَةَ: أَيْ بِالنِّيَّةِ لِوُجُودِ الْمُتَابَعَةِ الصُّورِيَّةِ كَمَنْ وَقَعَ عَلَى ثَوْبِ إمَامِهِ نَجَسٌ لَا يُعْفَى عَنْهُ أَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْخُفِّ وَالْمُقْتَدَى يَعْلَمُ ذَلِكَ اهـ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ لِوُجُودِ الْمُتَابَعَةِ الصُّورِيَّةِ أَنَّ مَحَلَّ وُجُوبِ النِّيَّةِ حَيْثُ بَقِيَ الْإِمَامُ عَلَى صُورَةِ الْمُصَلِّينَ أَمَّا لَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَانْصَرَفَ أَوْ جَلَسَ مَثَلًا عَلَى غَيْرِ هَيْئَةِ الْمُصَلِّينَ لَمْ يَحْتَجْ لِنِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَبِهِ صَرَّحَ حَجّ حَيْثُ قَالَ: وَقَدْ تَجِبُ الْمُفَارَقَةُ إنْ عَرَضَ مُبْطِلٌ لِصَلَاةِ إمَامِهِ وَقَدْ عَلِمَهُ فَيَلْزَمُهُ نِيَّتُهَا فَوْرًا وَإِلَّا بَطَلَتْ وَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ الصُّورِيَّةَ مَوْجُودَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِهَا وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى نِيَّتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَوْ اسْتَدْبَرَ الْإِمَامُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْ الْمَأْمُومِ اتَّجَهَ عَدَمُ وُجُوبِهَا لِزَوَالِ الصُّورَةِ اهـ.
وَيُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي: وَقَدْ تَجِبُ الْمُفَارَقَةُ كَأَنْ رَأَى إمَامَهُ مُتَلَبِّسًا بِمَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ.
وَكَتَبَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ عَلَى قَوْلِ الْمَتْنِ انْقَطَعَتْ الْقُدْوَةُ: أَيْ وَلَا يُقَالُ إنَّ الْمَأْمُومَ بَاقٍ فِيهَا حُكْمًا فَلَهُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِغَيْرِهِ وَيَقْتَدِيَ غَيْرُهُ بِهِ وَيَسْجُدَ لِسَهْوِهِ أَيْضًا كَذَا فِي الْإِسْنَوِيِّ، وَهَلْ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ الْحَاصِلِ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ؟ الظَّاهِرُ خِلَافُهُ اهـ: أَيْ لِأَنَّ الْإِمَامَ تَحَمَّلَهُ عَنْهُ.
وَأَمَّا لَوْ سَهَا الْإِمَامُ قَبْلَ اقْتِدَاءِ الْمَأْمُومِ بِهِ فَلَا يَسْقُطُ السُّجُودُ عَنْ الْمَأْمُومِ إذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ لِمَا لَحِقَ الْمَأْمُومَ مِنْ الْخَلَلِ بِمُجَرَّدِ اقْتِدَائِهِ بِالْإِمَامِ (قَوْلُهُ: تَأَخُّرًا غَيْرُ مُغْتَفِرٍ) أَيْ بِأَنْ تَأَخَّرَ عَقِبَ الْإِمَامِ عَنْ عَقِبِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: (وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الْحَدِيثِ.
[فَصْلٌ فِي زَوَالِ الْقُدْوَةِ وَإِيجَادِهَا وَإِدْرَاكِ الْمَسْبُوقِ الرَّكْعَةَ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ]
فَصْلٌ فِي زَوَالِ الْقُدْوَةِ وَإِيجَادِهَا (قَوْلُهُ: غَيْرُ مُغْتَفَرٍ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَأَخُّرَ الْإِمَامِ عَنْ الْمَأْمُومِ لَا يَكُونُ إلَّا غَيْرَ مُغْتَفَرٍ، وَقَدْ يُقَالُ احْتَرَزَ بِهِ
أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ لَا لِمَنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْهُ (فَإِنْ) (لَمْ يَخْرُجْ) أَيْ الْإِمَامُ (وَقَطَعَهَا الْمَأْمُومُ) بِنِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ (جَازَ) مَعَ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ لَا عُذْرَ لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُفَارَقَةِ الْجَمَاعَةِ الْمَطْلُوبَةِ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا مُؤَكَّدًا، بِخِلَافِ مُفَارَقَتِهِ بِعُذْرٍ فَلَا تُكْرَهُ، وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّهَا إمَّا سُنَّةٌ عَلَى قَوْلٍ وَالسُّنَنُ لَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهَا إلَّا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الرَّاجِحِ، فَكَذَلِكَ إلَّا فِي الْجِهَادِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلِأَنَّ الْفِرْقَةَ الْأُولَى فَارَقَتْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ كَمَا سَيَأْتِي وَلِخَبَرِ مُعَاذٍ «أَنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَانْصَرَفَ رَجُلٌ فَصَلَّى ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ بِالْقِصَّةِ، فَغَضِبَ وَأَنْكَرَ عَلَى مُعَاذٍ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى الرَّجُلِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ» . قَالَ الْمُصَنِّفُ: كَذَا اسْتَدَلُّوا بِهِ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ ضَعِيفٌ، إذْ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ فَارَقَهُ وَبَنَى بَلْ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ سَلَّمَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَهَا، فَهُوَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْإِبْطَالِ لِعُذْرٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبَيْهَقِيَّ قَالَ: إنَّ هَذِهِ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ انْفَرَدَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ عَنْ سُفْيَانَ وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَكْثَرُ أَصْحَابِ سُفْيَانَ، وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِ الشُّذُوذِ أُجِيبَ بِأَنَّ الْخَبَرَ يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعَى أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إذَا دَلَّ عَلَى جَوَازِ إبْطَالِ أَصْلِ الْعِبَادَةِ فَعَلَى إبْطَالِ صِفَتِهَا أَوْلَى.
وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّ الصَّلَاةِ كَانَتْ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ، فَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ وَأَبِي دَاوُد أَنَّهَا فِي الْمَغْرِبِ، وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا " أَنَّ
[حاشية الشبراملسي]
الْمَأْمُومِ مَثَلًا.
(قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) أَيْ حَجِّ الصَّبِيِّ وَالرَّقِيقِ فَإِنَّهُمَا مِنْهُمَا سُنَّةٌ لَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ يَحْرُمُ قَطْعُهُمَا، بِمَعْنَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَمْكِينُ الصَّبِيِّ مِنْ الْقَطْعِ.
أَمَّا الرَّقِيقُ فَالْحُرْمَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ نَفْسِهِ لِتَكْلِيفِهِ، وَظَاهِرُ اقْتِصَارِهِ عَلَى اسْتِثْنَاءِ هَذَيْنِ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ أَوْ حَضَرَ الصَّفَّ كَانَ لَهُ قَطْعُهُمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ.
وَلَوْ قِيلَ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الصَّبِيِّ مَنْعُهُ مِنْ إبْطَالِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ كَالْبَالِغِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْإِزْرَاءِ بِالْمَيِّتِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا.
(قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْجِهَادِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ) أَيْ وَإِنْ تَأَدَّى الْفَرْضُ بِغَيْرِهِ كَأَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَنْ يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُهَا لِأَنَّهَا تَقَعُ فَرْضًا وَإِنْ تَعَدَّدَ الْفَاعِلُونَ وَتَرَتَّبُوا.
وَأَمَّا لَوْ أَعَادَهَا شَخْصٌ بَعْدَ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ أَوَّلًا فَيَقَعُ لَهُ نَفْلًا، وَعَلَيْهِ فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُهَا قِيَاسًا عَلَى الْمَكْتُوبَةِ الْمُعَادَةِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمَكْتُوبَةَ الْمُعَادَةَ قِيلَ إنَّهَا الْفَرْضُ، وَقِيلَ الْفَرْضُ وَاحِدَةٌ يَحْتَسِبُ اللَّهُ مَا شَاءَ مِنْهُمَا، وَقِيلَ الْفَرْضُ أَكْمَلُ الصَّلَاتَيْنِ بِخِلَافِ هَذِهِ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي كَوْنِهَا نَفْلًا، عَلَى أَنَّ إعَادَةَ الْجِنَازَةِ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ فَكَانَ الْقِيَاسُ عَدَمَ انْعِقَادِهَا، إلَّا أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الدُّعَاءُ، ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي حُرْمَةِ قَطْعِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بَيْنَ كَوْنِهَا عَلَى حَاضِرٍ أَوْ غَائِبٍ أَوْ قَبْرٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَا فِي الْقَطْعِ مِنْ الْإِزْرَاءِ بِالْمَيِّتِ فِي الْجُمْلَةِ.
[فَائِدَةٌ اسْتِطْرَادِيَّةٌ] قَالَ سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ فِي الْجَنَائِزِ: قَوْلُهُ وَلَا عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ أَحْمَدَ إلَخْ، لَا يَبْعُدُ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا دُفِنَ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ بَلْ يَجِبُ عَلَى الْقَبْرِ م ر اهـ. وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُصَلِّي مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ إذْ ذَاكَ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِفِعْلِهَا الْآنَ تَنْزِيلًا لِهَذِهِ الْحَالَةِ مَنْزِلَةَ مَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا لَمْ يُدْفَنْ.
(قَوْلُهُ: وَلِخَبَرِ مُعَاذٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهَا إمَّا سُنَّةٌ إلَخْ، وَقَوْلُهُ إنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ هَذِهِ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ الْآتِيَةِ.
(قَوْلُهُ: فَانْصَرَفَ) أَيْ فَارَقَ وَأَتَمَّ لِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ.
(قَوْلُهُ: بَلْ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ سَلَّمَ) هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تُوَافِقُ مَا هُوَ الْمُقَرَّرُ عِنْدَنَا مِنْ أَنَّ السَّلَامَ قَبْلَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ مُمْتَنِعٌ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ عَلَى قَصْدِ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، بَلْ بَعْدَ أَنْ نَوَى الْخُرُوجَ سَلَّمَ عَلَى الْقَوْمِ لِانْصِرَافِهِ عَنْهُمْ.
(قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّ الصَّلَاةِ كَانَتْ) أَيُّ الِاسْتِفْهَامِيَّة إذَا
[حاشية الرشيدي]
عَمَّا لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ أَصَابِعِ الْمَأْمُومِ دُونَ عَقِبِهِ بِأَنْ كَانَتْ قَدَمُهُ صَغِيرَةً دُونَ قَدَمِ الْمَأْمُومِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مُفَارَقَتِهِ بِعُذْرٍ) أَيْ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُشَارِ إلَيْهَا فِيمَا يَأْتِي فِي الْمَتْنِ وَإِنْ كَانَتْ مَذْكُورَةً فِيهِ فِي حَيِّزِ الْقَدِيمِ (قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا) الْمُنَاسِبُ تَأْخِيرُ هَذِهِ عَنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ بَيَانِ الصَّلَاةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا مَا ذَكَرَ، وَرِوَايَةُ
مُعَاذًا افْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ " وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ أَنَّهَا فِي الْعِشَاءِ فَقَرَأَ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: 1] قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِحَمْلِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّ مُعَاذًا لَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ النَّهْيِ وَيَبْعُدُ أَنَّهُ نَسِيَهُ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ رِوَايَتَيْ الْبَقَرَةِ وَاقْتَرَبَتْ بِأَنَّهُ قَرَأَ بِهَذِهِ فِي رَكْعَةٍ وَبِهَذِهِ فِي أُخْرَى.
(وَفِي قَوْلٍ) قَدِيمٍ (لَا يَجُوزُ) إخْرَاجُ نَفْسِهِ مِنْ الْجَمَاعَةِ لِالْتِزَامِهِ الْقُدْوَةَ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ وَفِيهِ إبْطَالٌ لِلْعَمَلِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] (إلَّا بِعُذْرٍ) فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِدُونِهِ، وَضَابِطُ الْعُذْرِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ مَا (يُرَخِّصُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ) ابْتِدَاءً وَيَلْحَقُ بِهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَمِنْ الْعُذْرِ تَطْوِيلُ الْإِمَامِ) الْقِرَاءَةَ أَوْ غَيْرَهَا كَمَا لَا يَخْفَى، وَتَعْبِيرُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَصْبِرْ الْمَأْمُومُ عَلَيْهِ لِضَعْفٍ أَوْ شُغْلٍ وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا بِأَنْ يَذْهَبَ خُشُوعُهُ فِيمَا يَظْهَرُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ مَحْصُورِينَ رَضُوا بِالتَّطْوِيلِ وَلَوْ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ مَطْرُوقٍ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قَطَعَ الْقُدْوَةَ فِي خَبَرِ مُعَاذٍ الْمَارِّ كَانَ شَكَا الْعَمَلَ فِي حَرْثِهِ الْمُوجِبَ لِضَعْفِهِ عَنْ احْتِمَالِ التَّطْوِيلِ، فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ لَيْسَ فِيهَا غَيْرُ مُجَرَّدِ التَّطْوِيلِ وَهُوَ غَيْرُ عُذْرٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُمَا شَخْصَانِ وَأَنَّ فِي رِوَايَةٍ شِكَايَةُ مُجَرَّدِ التَّطْوِيلِ فَيَتَّضِحُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ (أَوْ تَرْكُهُ سُنَّةً مَقْصُودَةً كَتَشَهُّدٍ) أَوَّلٍ أَوْ قُنُوتٍ
[حاشية الشبراملسي]
دَخَلَتْ عَلَى مُعَرَّفٍ بِاللَّامِ أَوْ غَيْرِهَا، كَالْعَلَمِيَّةِ كَانَتْ اسْتِفْهَامًا عَنْ الْأَجْزَاءِ، وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى مُنْكَرٍ كَانَتْ اسْتِفْهَامًا عَنْ الْأَفْرَادِ، فَإِذَا قِيلَ: أَيٌّ زَيْدٍ أَوْ الرَّجُلِ أَحْسَنُ كَانَ الْجَوَابُ وَجْهُهُ مَثَلًا، وَإِذَا قِيلَ: أَيُّ رَجُلٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَحْسَنُ؟ قِيلَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو، فَقَوْلُهُ هُنَا فِي أَيِّ الصَّلَاةِ مَعْنَاهُ: فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ أَهُوَ الرُّكُوعُ أَوْ غَيْرُهُ؟ وَإِذَا قِيلَ فِي أَيِّ صَلَاةٍ كَانَ مَعْنَاهُ فِي الْمَغْرِبِ أَوْ غَيْرِهَا.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ فِي الْكَلَامِ مُضَافًا مَحْذُوفًا: أَيْ أَيُّ أَفْرَادِ الصَّلَاةِ، أَوْ أَنَّ أَلْ لِلْجِنْسِ وَهُوَ يُسَاوِقُ النَّكِرَةَ وَإِنْ اخْتَلَفَ مَفْهُومُهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ رِوَايَتَيْ الْبَقَرَةِ) أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ
(قَوْلُهُ: يُرَخَّصُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ ابْتِدَاءً) وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ مَا أُلْحِقَ هُنَا بِالْعُذْرِ كَالتَّطْوِيلِ وَتَرْكِ السُّنَّةِ الْمَقْصُودَةِ لَا يُرَخَّصُ فِي التَّرْكِ ابْتِدَاءً.
قَالَ م ر: وَهُوَ الظَّاهِرُ فَيَدْخُلُ فِي الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ إذَا حَصَلَ ذَلِكَ فَارَقَ إنْ أَرَادَ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَفِي حَاشِيَةِ شَيْخِ شَيْخِنَا الْحَلَبِيِّ بَعْدَ مِثْلِ مَا ذُكِرَ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ التَّطْوِيلُ مِنْ الْمُرَخَّصِ ابْتِدَاءً حَيْثُ عُلِمَ مِنْهُ ذَلِكَ اهـ. وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ مِنْ عَادَةِ الْإِمَامِ التَّطْوِيلُ الْمُؤَدِّي لِذَلِكَ مَنَعَهُ الْإِمَامُ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إضْرَارِ الْمُقْتَدِينَ بِهِ وَتَفْوِيتِ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الْمُرَخِّصَ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ ابْتِدَاءً يُرَخِّصُ فِي الْخُرُوجِ مِنْهَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ أَكَلَ ذَا رِيحٍ كَرِيهٍ ثُمَّ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ قَطْعُ الْقُدْوَةِ وَلَا تَفُوتُهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ هَذَا وَنَحْوَهُ إنْ حَصَلَ بِخُرُوجِهِمْ عَنْ الْجَمَاعَةِ دَفْعُ ضَرَرٍ عَنْ الْحَاضِرِينَ أَوْ عَنْ الْمُصَلِّي نَفْسِهِ كَأَنْ حَصَلَ لَهُ ضَرَرٌ بِشِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ وَكَانَ يَزُولُ بِخُرُوجِهِ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَتَتْمِيمِهِ لِنَفْسِهِ قَبْلَ فَرَاغِ الْجَمَاعَةِ كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي حَقِّهِ وَإِلَّا فَلَا، إذْ لَا فَائِدَةَ لِخُرُوجِهِ عَنْ الْجَمَاعَةِ إلَّا مُجَرَّدُ تَرْكِهَا.
وَقَوْلُهُ وَيَلْحَقُ بِهِ: أَيْ فِي جَوَازِ الْقَطْعِ بِلَا كَرَاهَةٍ.
(قَوْلُهُ: كَتَشَهُّدٍ أَوَّلٍ أَوْ قُنُوتٍ) قَالَ حَجّ: وَكَذَا سُورَةٌ، إذْ الَّذِي يَظْهَرُ فِي ضَبْطِ الْمَقْصُودِ أَنَّهَا مَا جُبِرَ بِسُجُودِ السَّهْوِ أَوْ قَوِيَ الْخِلَافُ فِي وُجُوبِهَا أَوْ وَرَدَتْ الْأَدِلَّةُ بِعَظِيمِ فَضْلِهَا اهـ. وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ تَرْكِ السُّورَةِ
[حاشية الرشيدي]
الصَّحِيحَيْنِ لَا تَعَرُّضَ فِيهَا لِذَلِكَ، ثُمَّ يَذْكُرُ رِوَايَةَ الصَّحِيحَيْنِ بَعْدُ لِمُخَالَفَتِهَا لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ فِي الْمُقِرِّ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ.
(قَوْلُهُ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّجُلَ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ لِلْمُفَارَقَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ عَجِيبٌ، مَعَ مَا فِي الْخَبَرِ أَنَّ الرَّجُلَ شَكَا الْعَمَلَ فِي حَرْثِهِ الْمُوجِبَ لِضَعْفِهِ عَنْ احْتِمَالِ التَّطْوِيلِ فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ لَيْسَ فِيهَا غَيْرُ مُجَرَّدِ التَّطْوِيلِ وَهُوَ غَيْرُ عُذْرٍ.
نَعَمْ إنْ قُلْنَا بِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ وَثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ شِكَايَةُ مُجَرَّدِ التَّطْوِيلِ اتَّضَحَ مَا قَالُوا
فَلَهُ مُفَارَقَتُهُ لِيَأْتِيَ بِتِلْكَ السُّنَّةِ.
وَمَحَلُّ جَوَازِ الْقَطْعِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ.
أَمَّا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْهَا فَمُمْتَنِعٌ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى شَرْطٌ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ فَيَجُوزُ الْخُرُوجُ فِيهَا، وَلَوْ تَرَتَّبَ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ الْجَمَاعَةِ تَعْطِيلُهَا وَقُلْنَا إنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ اتَّجَهَ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَدَمُ الْخُرُوجِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا انْحَصَرَ فِي شَخْصٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَقَدْ تَجِبُ الْمُفَارَقَةُ كَأَنْ رَأَى إمَامَهُ مُتَلَبِّسًا بِمَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ بِهِ كَأَنْ رَأَى عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةً غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا: أَيْ وَهِيَ خَفِيَّةٌ تَحْتَ ثَوْبِهِ وَكَشَفَهَا الرِّيحُ مَثَلًا أَوْ رَأَى خُفَّهُ تُخْرَقُ.
(وَلَوْ) (أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الْقُدْوَةَ فِي خِلَالِ) أَيْ أَثْنَاءِ (صَلَاتِهِ) قَبْلَ رُكُوعِهِ أَوْ بَعْدَهُ (جَازَ فِي الْأَظْهَرِ) وَلَمْ تَبْطُلْ بِهِ صَلَاتُهُ، لَكِنَّ كُلَّ مَنْ قَطَعَهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَإِدْخَالَهُ نَفْسَهُ فِيهَا فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ مَكْرُوهٌ مُفَوِّتٌ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ حَتَّى فِيمَا أَدْرَكَهُ مَعَ الْإِمَامِ خِلَافًا
[حاشية الشبراملسي]
تَرْكُ التَّسْبِيحَاتِ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهَا تَكْبِيرَ الِانْتِقَالَاتِ وَجِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ وَرَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ لِعَدَمِ التَّفْوِيتِ فِيهِ عَلَى الْمَأْمُومِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ وَإِنْ تَرَكَهُ إمَامُهُ، بِخِلَافِ التَّسْبِيحَاتِ فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا يُؤَدَّى لِتَأَخُّرِ الْمَأْمُومِ عَنْ إمَامِهِ.
(قَوْلُهُ: فَلَهُ مُفَارَقَتُهُ) يُشْعِرُ بِأَنَّ الِاسْتِمْرَارَ مَعَهُ أَفْضَلُ.
(قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ) أَيْ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ مِنْ الْمُعَادَةِ وَالْمَنْذُورِ فِعْلُهَا جَمَاعَةً وَأَوْلَى الثَّانِيَةُ مِنْ الْمَجْمُوعَةِ تَقْدِيمًا بِالْمَطَرِ بِنَاءً عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ الشَّارِحِ مِنْ اشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى كُلِّهَا مِنْهَا، أَمَّا عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ سم عَلَى حَجّ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ مِنْ أَنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ الثَّانِيَةِ عَقْدُهَا مَعَ الْإِمَامِ وَإِنْ فَارَقَهُ حَالًا فَلَا تَحْرُمُ الْمُفَارَقَةُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالنِّيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَقُلْنَا إنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ) أَيْ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
(قَوْلُهُ: اتَّجَهَ كَمَا قَالَهُ إلَخْ) قَدْ يُشْكِلُ امْتِنَاعُ الْمُفَارَقَةِ بِمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَلَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا مِنْ أَنَّ الْعُذْرَ يُجَوِّزُ التَّرْكَ وَإِنْ تَوَقَّفَ ظُهُورُ الشِّعَارِ عَلَى مَنْ قَامَ بِهِ، إلَّا أَنْ يَخُصَّ مَا هُنَا بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ.
(قَوْلُهُ: عَدَمُ الْخُرُوجِ) أَيْ عَدَمُ جَوَازِهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ وَهِيَ خَفِيَّةٌ) أَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالْوَاجِبُ فِيهَا الِاسْتِئْنَافُ لِعَدَمِ انْعِقَادِ الصَّلَاةِ كَمَا مَرَّ، لَكِنْ يَبْقَى الْكَلَامُ فِي كَوْنِ هَذِهِ خَفِيَّةً بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ فَرْضِ مَا فِي بَاطِنِ الثَّوْبِ فِي ظَاهِرِهِ وَفَرْضِ الْبَعِيدِ قَرِيبًا (قَوْلُهُ: وَكَشَفَهَا الرِّيحُ مَثَلًا) أَيْ فَأَدْرَكَهَا لِكَشْفِ الرِّيحِ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ الظَّاهِرَةَ هِيَ الَّتِي لَوْ تَأَمَّلَهَا أَبْصَرَهَا بِأَنْ كَانَتْ بِظَهْرِ الْإِمَامِ مَثَلًا.
أَمَّا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مُقْتَضَى الضَّبْطِ بِمَا فِي الْأَنْوَارِ أَنْ يُفْرَضَ بَاطِنُ الثَّوْبِ ظَاهِرًا، وَمَا فِي الثَّوْبِ السَّافِلِ أَعْلَى وَأَنَّ الظَّاهِرَةَ هِيَ الْعَيْنِيَّةُ وَأَنَّ الْخَفِيَّةَ هِيَ الْحُكْمِيَّةُ فَقَطْ فَهَذِهِ مِنْ الظَّاهِرَةِ، وَعَلَيْهِ فَيَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ لَا الْمُفَارَقَةُ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا) خَرَجَ بِهَذَا مَا لَوْ افْتَتَحَهَا فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ نَقَلَ نَفْسَهُ لِأُخْرَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَطْعًا كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ اهـ عَمِيرَةُ.
وَقَوْلُهُ قَطْعًا: أَيْ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ إنْ كَانَ عُذْرٌ: أَيْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ كُرِهَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ سم الْآتِي (قَوْلُهُ: جَازَ فِي الْأَظْهَرِ) وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُتِمَّهَا رَكْعَتَيْنِ: أَيْ بَعْدَ قَلْبِهَا نَفْلًا وَيُسَلِّمُ مِنْهَا فَتَكُونُ نَافِلَةً ثُمَّ يَدْخُلُ فِي الْجَمَاعَةِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقْطَعَهَا وَيَفْعَلَهَا جَمَاعَةً اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُمْ قَطْعُ الْفَرْضِ حَرَامٌ مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ التَّوَصُّلُ بِالْقَطْعِ إلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِمَّا كَانَ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِدْخَالُهُ نَفْسَهُ فِيهَا فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ مَكْرُوهٌ) وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الْإِمَامَةَ فِي الْأَثْنَاءِ فَإِنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَلَا فَوَاتَ فَضِيلَةٍ فِيهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالْغَيْرِ مَظِنَّةُ مُخَالَفَةِ نَظْمِ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهِ يَتَّبِعُ الْإِمَامَ فِي نَظْمِ صَلَاتِهِ وَإِنْ خَالَفَ نَظْمَ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ، وَلَا كَذَلِكَ الْإِمَامُ لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ لَا يَكُونُ تَابِعًا لِغَيْرِهِ، قَالَهُ م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا وَمَا قَدَّمَهُ فِي الْمُتَابَعَةِ مِنْ فَوَاتِ الْفَضِيلَةِ فِيمَا قَارَنَ فِيهِ فَقَطْ أَنَّ الْمُتَابَعَةَ بَعْدَ الْمُقَارَنَةِ ثَمَّ مَطْلُوبَةٌ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّ الِاقْتِدَاءَ الْمُؤَدَّى لِلْمُتَابَعَةِ بَعْدَ الِانْفِرَادِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَذَلِكَ يُؤَدَّى إلَى النَّهْيِ عَنْ الْمُتَابَعَةِ بَعْدَ الِانْفِرَادِ، فَكَانَتْ الْكَرَاهَةُ فِيهِ مَانِعَةً مِنْ الْفَضِيلَةِ فِي جَمِيعِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِلزَّرْكَشِيِّ هُنَا وَظَاهِرٌ أَنَّهَا لَا تَفُوتُ حَيْثُ حَصَلَتْ ابْتِدَاءً فِي الْمُفَارَقَةِ الْمُخَيِّرَةِ كَمَا مَرَّ وَيَدُلُّ لِمَا تَقَرَّرَ فِعْلُ الصِّدِّيقِ لَمَّا جَاءَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ إمَامٌ فَتَأَخَّرَ وَاقْتَدَى بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ فِي حُكْمِ الْمُنْفَرِدِ، وَصَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ بِهِمْ ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ جُنُبٌ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ وَأَحْرَمَ بِهِمْ» ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ أَنْشَئُوا نِيَّةَ اقْتِدَائِهِمْ بِهِ وَهَلْ الْعُذْرُ هُنَا كَمَا فِي صُورَةِ الْخَبَرِ وَكَانَ اقْتَدَى لِيَتَحَمَّلَ عَنْهُ الْفَاتِحَةَ فَيُدْرِكَ الصَّلَاةَ كَامِلَةً فِي الْوَقْتِ مَانِعٌ لِلْكَرَاهَةِ
[حاشية الشبراملسي]
مَا أَدْرَكَهُ بَعْدَ الِانْفِرَادِ.
(قَوْلُهُ: وَصَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ بِهِمْ) لَا يُقَالُ: كَيْفَ وَقَعَ السَّهْوُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَحْرَمَ بِهِمْ مَعَ الْجِنَايَةِ مَعَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَنْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ فَلَا تَقَعُ مِنْهُمْ لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا.
لِأَنَّا نَقُولُ: صَرَّحُوا بِجَوَازِ وُقُوعِ ذَلِكَ السَّهْوِ مِنْهُمْ حَيْثُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَشْرِيعٌ وَكَانَ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ كَمَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ: وَأَحْرَمَ بِهِمْ) الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَعِبَارَتُهُ فِي بَابِ هَلْ يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ لِعِلَّةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتْ الصُّفُوفُ، حَتَّى إذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ انْصَرَفَ» قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَنْصَارِيُّ: أَيْ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْبُخَارِيِّ قَبْلَ إحْرَامِهِ: «وَقَالَ عَلَى مَكَانِكُمْ فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا حَتَّى خَرَجَ إلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً وَقَدْ اغْتَسَلَ» : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ اغْتَسَلَ اهـ. وَعَلَى هَذَا فَالْإِشْكَالُ فِي قَوْلِنَا لَا يُقَالُ: كَيْفَ وَقَعَ السَّهْوُ عَلَيْهِ غَيْرُ وَارِدٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ هَذَا.
وَفِي الْفَتْحِ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ حَتَّى إذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ: قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ فَانْصَرَفَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابٍ إذَا ذَكَر فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ مِنْ أَبْوَابِ الْغُسْلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يُونُسَ بِلَفْظٍ: فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ انْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُعَارِضٌ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَكَبَّرَ ثُمَّ أَوْمَأَ إلَيْهِمْ» . وَلِمَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ فِي مُصَلَّاهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ اُمْكُثُوا» ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ قَوْلِهِ كَبَّرَ عَلَى إرَادَةِ أَنْ يُكَبِّرَ أَوْ بِأَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ.
أَبْدَاهُ عِيَاضُ وَالْقُرْطُبِيُّ احْتِمَالًا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ حِبَّانَ كَعَادَتِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي صُورَةِ الْخَبَرِ) هُوَ قَوْلُهُ أَحْرَمَ بِهِمْ ثُمَّ تَذَكَّرَ.
(قَوْلُهُ: وَكَأَنْ اقْتَدَى إلَخْ) فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْتَدِ خَرَجَ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا مَعَ وُقُوعِ بَاقِيهَا فِي الْوَقْتِ، وَحِينَئِذٍ فَيُخَالِفُ مَا يَأْتِي لَهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَأَمْكَنَهُ إدْرَاكُ رَكْعَةٍ بِإِدْرَاكِ رُكُوعِهَا لَزِمَهُ الِاقْتِدَاءُ إلَخْ، وَقُوَّةُ كَلَامِهِ هُنَا تُعْطِي أَنَّهُ حَيْثُ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ وَكَانَ اسْتِمْرَارُهُ مَعَهُ يُؤَدِّي إلَى خُرُوجِ بَعْضِهَا لَا يَلْزَمُهُ الِاقْتِدَاءُ بِغَيْرِهِ لِيَتَحَمَّلَ عَنْهُ وَيُوقِعَهَا كُلَّهَا فِي الْوَقْتِ وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءُ إحْرَامِهِ فِي وَقْتٍ لَا يَسَعُهَا كَامِلَةً، وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ الِاقْتِدَاءِ فِي هَذِهِ لَمْ يَبْعُدْ، وَتُخَصُّ مَسْأَلَةُ الْجَوَازِ بِمَا إذَا أَحْرَمَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُهَا كَامِلَةً، لَكِنْ اتَّفَقَ عُرُوضُ مَانِعٍ كَالتَّطْوِيلِ الْمُؤَدِّي لِخُرُوجِ بَعْضِهَا، أَوْ يُخَصُّ مَا يَأْتِي مِنْ الْوُجُوبِ بِمَا إذَا لَمْ يُدْرِكْ مِنْهَا رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ وَمَا هُنَا بِمَا لَوْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ أَوْ أَكْثَرَ.
(قَوْلُهُ: لِيَتَحَمَّلَ عَنْهُ) يُفِيدُ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا جَازَ لَهُ قَبْلَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ: أَيْ فِي أَيِّ رَكْعَةٍ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ فِي الرُّكُوعِ فَتَسْقُطُ عَنْهُ، لَكِنَّ هَذَا ظَاهِرٌ إذَا اقْتَدَى عَقِبَ إحْرَامِهِ، أَمَّا لَوْ مَضَى بَعْدَهُ مَا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ أَوْ بَعْضَهَا مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ فَهَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا فِي الْأَوَّلِ وَبَعْضِهَا فِي الثَّانِي، وَعَلَى هَذَا هَلْ هُوَ فِي الْأَوَّلِ كَالْمُوَافِقِ وَفِي الثَّانِي كَالْمَسْبُوقِ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ سم عَلَى
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَظَاهِرٌ أَنَّهَا لَا تَفُوتُ حَيْثُ حَصَلَتْ ابْتِدَاءً إلَخْ) أَيْ فَتَحْصُلُ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ نَظِيرَ مَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْضَ الصَّلَاةِ وَأَتَمَّهَا لِنَفْسِهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: ابْتِدَاءً) أَيْ فِي ابْتِدَاءِ صَلَاتِهِ (قَوْلُهُ: لِمَا تَقَرَّرَ) أَيْ مِنْ جَوَازِ
نَظِيرُ مَا مَرَّ أَمْ يُفَرَّقُ بِأَنَّهُ مَعَ الْعُذْرِ، ثُمَّ لَا خِلَافَ فِيهِ بِخِلَافِهِ هُنَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ مَحَلُّ نَظَرٍ وَاحْتِمَالٍ وَهُوَ إلَى الثَّانِي أَقْرَبُ.
قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ:
لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْإِمَامِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِآخَرَ وَيُعْرِضَ عَنْ الْإِمَامَةِ، وَهَذِهِ وَقَعَتْ لِلصِّدِّيقِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ذَهَبَ لِلصُّلْحِ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَفِي مَرَضِ مَوْتِهِ ثُمَّ جَاءَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَأَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ الْإِمَامَةِ وَاقْتَدَى بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالصَّحَابَةُ أَخْرَجُوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَاقْتَدَوْا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَضِيَّةُ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْأَوَّلِ لِلْأَظْهَرِ كَمَا مَرَّ جَوَازُ ذَلِكَ بَلْ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي ظَاهِرٌ اهـ مُلَخَّصًا.
وَنُظِرَ فِيهِ لِمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَخْلَفَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ تَحْتَجْ الصَّحَابَةُ لِنِيَّةٍ، لَكِنْ بِفَرْضِ ذَلِكَ يَحْصُلُ مَا قَالَهُ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الِاسْتِخْلَافِ فَيَنْتِجُ أَنَّهُ أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ الْإِمَامَةِ ثُمَّ نَوَى الِاقْتِدَاءَ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ كَلَامَ الْجَلَالِ مَا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِخْلَافِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِ الْقَفَّالِ: لَوْ اقْتَدَى الْإِمَامُ بِآخَرَ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ قَوْلَانِ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا
[حاشية الشبراملسي]
حَجّ.
أَقُولُ: الْأَقْرَبُ أَنَّهُ كَالْمَسْبُوقِ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ بَعْدَ اقْتِدَائِهِ مَا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ وَلَا نَظَرَ لِمَا مَضَى قَبْلَ الِاقْتِدَاءِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ كَانَ مُنْفَرِدًا فِيهِ حَقِيقَةً، وَقَدْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ السَّابِقِ، وَالْحَاصِلُ مِمَّا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ إدَارَتُنَا الْأَمْرَ عَلَى الْوَاقِعِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعُذْرِ وَعَدَمِهِ، وَعَلَى ظَنِّهِ بِالنِّسْبَةِ لِنَدْبِ الْإِتْيَانِ بِنَحْوِ التَّعَوُّذِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي صُورَةِ الْخَبَرِ.
(قَوْلُهُ: أَمْ يُفَرَّقُ إلَخْ) أَيْ فَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مَعَهُ وَلَا تَبْطُلُ قَطْعًا، وَأَمَّا هَهُنَا فَالْعُذْرُ وَإِنْ اعْتَبَرْنَاهُ هُنَا فَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ لَا يُكْتَفَى بِذَلِكَ، بَلْ يَقُولُ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ لِتَقَدُّمِ إحْرَامِ الْمَأْمُومِ عَلَى إحْرَامِ الْإِمَامِ فَاقْتَضَتْ مُرَاعَاةُ ذَلِكَ بَقَاءَ الْكَرَاهَةِ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِهِ هُنَا) يُخَالِفُهُ مَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ بِإِحْرَامِهِ مُنْفَرِدًا إلَخْ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا مُخَالَفَةَ، لِأَنَّهُ بِتَبَيُّنِ حَالِ الْإِمَامِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ فِي صُورَةِ الْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ إلَى الثَّانِي أَقْرَبُ) هُوَ قَوْلُهُ أَمْ يُفَرَّقُ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ
(قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْأَوَّلِ) وَهُوَ اقْتِدَاءُ الصِّدِّيقِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَيَدُلُّ لِمَا تَقَرَّرَ فِعْلُ الصِّدِّيقِ، وَقَوْلُهُ جَوَازُ ذَلِكَ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي ظَاهِرٌ) هُوَ اقْتِدَاءُ الصَّحَابَةِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْأَوَّلُ هُوَ قَوْلُهُ فَأَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ الْإِمَامَةِ، وَقَوْلُهُ ظَاهِرٌ: أَيْ فِي نَفْسِهِ لِوُضُوحِ أَنَّهُمَا لَا يُتَابِعُونَ غَيْرَ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ بِدُونِ نِيَّةِ اقْتِدَاءٍ، وَقَوْلُهُ بِفَرْضِ ذَلِكَ: أَيْ بِفَرْضِ عَدَمِ احْتِيَاجِهِمْ لِنِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ.
(قَوْلُهُ: مَا قَالَهُ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ مِنْ جَوَازِ اقْتِدَاءِ الْإِمَامِ بِغَيْرِهِ
[حاشية الرشيدي]
نِيَّةِ الْقُدْوَةِ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْأَوَّلِ) أَيْ إخْرَاجُ الصِّدِّيقِ نَفْسِهِ مِنْ الْإِمَامَةِ، وَقَوْلُهُ: وَالثَّانِي ظَاهِرٌ: أَيْ إخْرَاجُ الْمَأْمُومِينَ أَنْفُسَهُمْ مِنْ الِاقْتِدَاءِ وَالِاقْتِدَاءُ بِآخَرَ (قَوْلُهُ: وَنَظَرَ فِيهِ) يَعْنِي فِي الثَّانِي بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ الصَّحَابَةُ إلَى نِيَّةٍ، وَالْمُنَظِّرُ فِيهِ هُوَ الشِّهَابُ حَجّ، لَكِنَّهُ إنَّمَا عَزَا كَوْنَ الصِّدِّيقِ اسْتَخْلَفَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الصَّحِيحَيْنِ لَا إلَى الْمَجْمُوعِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ بِفَرْضِ ذَلِكَ يَحْصُلُ مَا قَالَهُ الْجَلَالُ إلَخْ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَا نِزَاعَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَمِمَّا يُؤَيِّدُ كَلَامَ الْجَلَالِ) يَعْنِي مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ الْقِصَّةَ لَا اسْتِخْلَافَ فِيهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَاقِي كَلَامِهِ: أَيْ خِلَافًا لِلْمُنَظِّرِ الْمُدَّعِي لِذَلِكَ.
وَوَجْهُ تَأْيِيدِ ذَلِكَ لِكَلَامِ الْجَلَالِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ مِنْ بَابِ الِاسْتِخْلَافِ لَكَانَ أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ تَأَخُّرِهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ شَرْطُ الِاسْتِخْلَافِ: أَيْ وَالْوَاقِعُ فِي الْقِصَّةِ خِلَافُ ذَلِكَ، لَكِنْ لَك أَنْ تَقُولَ: إذَا كَانَ الِاسْتِخْلَافُ فِيهَا ثَابِتًا فِي الصَّحِيحَيْنِ لَا يَسُوغُ إنْكَارُهُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ مِنْ جَوَابٍ عَنْ فِعْلِ الصِّدِّيقِ لِيُوَافِقَ مَا قَالَهُ.
وَأَجَابَ عَنْهُ الشِّهَابُ سم بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِخْلَافِ فِي الْقِصَّةِ الِاسْتِخْلَافَ الشَّرْعِيَّ، وَبِأَنَّ الْوَجْهَ اسْتِثْنَاءُ فِعْلِ الصِّدِّيقِ فِيهَا بِكُلِّ حَالٍ، إذْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْحُرْمَةِ
ثُمَّ نَوَى جَمَاعَةً مُوَافَقَةُ مَا قَالَهُ الْجَلَالُ مِنْ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الرَّاجِحُ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَبَنَى الْقَفَّالُ عَلَى الْجَوَازِ تَصْيِيرَ الْمُقْتَدِينَ بِهِ مُنْفَرِدِينَ وَأَنَّ لَهُمْ الِاقْتِدَاءَ بِمَنْ اقْتَدَى بِهِ مُسْتَدِلًّا بِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ، وَفِي ذَلِكَ تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِمَا مَرَّ عَنْ الْجَلَالِ مِنْ أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ إنْشَاءِ الْقُدْوَةِ لَا الِاسْتِخْلَافِ، وَفِي الْخَادِمِ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ.
وَمَعْنَى رِوَايَةٍ: وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِأَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ كَانَ يُسْمِعُهُمْ تَبْلِيغَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إذْ الْقُدْوَةُ بِالْمَأْمُومِ مُمْتَنِعَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَبِمَا مَرَّ فِي تَأَخُّرِ الْإِمَامِ يُعْلَمُ أَنَّ مَحَلَّ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ إنَّمَا يَجِيءُ حَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَخَلَّفَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ اقْتِدَائِهِ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ بِتَأَخُّرِهِ تَنْقَطِعُ إمَامَتُهُ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَخْلَفًا وَلَا قَاطِعًا لِلْإِمَامَةِ بِنِيَّةِ اقْتِدَاءٍ بِالْغَيْرِ، وَإِنَّمَا قَاطِعُهَا حِينَئِذٍ تَأَخُّرُهُ، ثُمَّ لَمَّا تَقَدَّمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَوَى أَبُو بَكْرٍ الِاقْتِدَاءَ بِهِ لِصَيْرُورَتِهِ مُنْفَرِدًا بِتَأَخُّرِهِ، وَحِينَئِذٍ بَطَلَتْ إمَامَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّحَابَةِ لِنِيَّةِ الِائْتِمَامِ بِغَيْرِهِ فَنَوَوْا الِاقْتِدَاءَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَنْ تَأَمَّلَ ذَلِكَ عَلِمَ مَا فِي كَلَامِ الْجَلَالِ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَرَّرَ، كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ تَأَخَّرَ عَنْ جَمِيعِ الْقَوْمِ، فَالْأَوْجَهُ مَا قَالَهُ الْجَلَالُ مِنْ أَنَّهُ أَخْرَجَ نَفْسَهُ
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: تَصْيِيرُ الْمُقْتَدِينَ بِهِ مُنْفَرِدِينَ) وَعَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُقْتَدُونَ بِاقْتِدَاءِ الْإِمَامِ بِغَيْرِهِ وَتَابَعُوهُ فَهَلْ يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ صَلَاتِهِمْ لِاقْتِدَائِهِمْ بِمُقْتَدٍ أَوْ لَا لِعُذْرِهِمْ كَمَا لَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ لِلْإِحْرَامِ فَاقْتَدَوْا بِهِ ثُمَّ كَبَّرَ ثَانِيًا وَلَمْ يَعْلَمُوا بِتَكْبِيرِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِعُذْرِهِمْ، وَلَا تَفُوتُهُمْ الْفَضِيلَةُ لِوُجُودِ الْجَمَاعَةِ صُورَةً اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: تَكْبِيرُ الْإِمَامِ ثَانِيًا مِمَّا يَخْفَى عَلَى الْمُقْتَدِينَ، بِخِلَافِ اقْتِدَائِهِ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ لَهُمْ بِقَرِينَةِ تَأَخُّرِهِ عَنْ الْإِمَامِ فِي الْمَوْقِفِ وَالْأَفْعَالِ.
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ كَانَ يُسْمِعُهُمْ تَبْلِيغَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) عِبَارَةُ حَجّ تَكْبِيرَهُ وَهِيَ أَوْلَى، فَإِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ يُحْوِجُ إلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ بِتَبْلِيغِ رَسُولِ اللَّهِ بِمُبَلِّغِهِمْ: أَيْ مَا يُبَلِّغُهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَخَلَّفَ عَنْهُ) الْمُنَاسِبُ لِمَا مَرَّ حَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ تَأَخَّرَ عَنْ الْمُقْتَدِينَ بِهِ قَبْلَ اقْتِدَائِهِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(قَوْلُهُ: لِصَيْرُورَتِهِ مُنْفَرِدًا بِتَأَخُّرِهِ) أَيْ عَنْ الْمُقْتَدِينَ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ) أَيْ الصَّدِيقُ، وَقَوْلُهُ تَأَخَّرَ عَنْ جَمِيعِ الْقَوْمِ: أَيْ بَلْ وَلَا عَنْ بَعْضِهِمْ.
وَعِبَارَةُ حَجّ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ فِي بَابِ وَفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَأَوْمَأَ إلَيْهِ: أَيْ إلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ نَصُّهَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْتَدَى بِهِ، وَاَلَّذِي رَوَاهُ الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِهِ فَكَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ» . وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: مَا يَقْتَضِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ اهـ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَجَمَعَ بَيْنه
[حاشية الرشيدي]
وَالْإِجْلَالِ وَلِلصَّلَاةِ خَلْفَهُ مِنْ الْفَضْلِ وَالْكَمَالِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ: مُوَافَقَةَ مَا قَالَهُ الْجَلَالُ) أَيْ فِي الْأَوَّلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ كَمَا مَرَّ، وَوَجْهُ مُوَافَقَتِهِ لِكَلَامِ الْجَلَالِ أَنَّهُ بَنَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا لَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى جَمَاعَةً، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْأَظْهَرَ فِيهِ الصِّحَّةُ فَيَكُونُ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَالْمَسْأَلَةُ مَنْقُولَةٌ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ، فَقَوْلُ الْجَلَالِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا، إمَّا لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى هَذَا النَّقْلِ، أَوْ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِ إيَّاهُ (قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ إنْشَاءِ الْقُدْوَةِ لَا الِاسْتِخْلَافِ) أَيْ وَلَا يُعَارِضُهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ: بَعْدَ اقْتِدَائِهِ بِهِ) أَيْ بَعْدَ «اقْتِدَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -» (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَهُوَ بِتَأَخُّرِهِ تَنْقَطِعُ إمَامَتُهُ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً دُونَ الْقَوْمِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ثُمَّ لَمَّا تَقَدَّمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَوَى أَبُو بَكْرٍ الِاقْتِدَاءَ لِصَيْرُورَتِهِ مُنْفَرِدًا بِتَأَخُّرِهِ، وَحِينَئِذٍ بَطَلَتْ إمَامَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّحَابَةِ إلَخْ.
وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ تَنْظِيرَ الشَّارِحِ الْآتِي لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ: وَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ قَوْلَ هَذَا الْقَائِلِ تَنْقَطِعُ إمَامَتُهُ: أَيْ مُطْلَقًا حَتَّى بِالنِّسْبَةِ لِلْقَوْمِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَيْسَ
بِالنِّيَّةِ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ لَا يَجُوزُ وَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ بِإِحْرَامِهِ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّهُ إذَا افْتَتَحَهَا فِي جَمَاعَةٍ جَازَ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
وَلَوْ قَامَ الْمَسْبُوقُونَ أَوْ الْمُقِيمُونَ خَلْفَ مُسَافِرٍ امْتَنَعَ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ اسْتِخْلَافِ الْمَأْمُومِينَ فِي الْجُمُعَةِ إذَا تَمَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ دُونَهُمْ، وَكَذَا غَيْرُهَا فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ حَصَلَتْ، فَإِذَا أَتَمُّوهَا فُرَادَى نَالُوا فَضْلَهَا، لَكِنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ أَصْلِهَا هُنَا الْجَوَازُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا سَيَأْتِي مَبْسُوطًا فِي بَابِ الْجُمُعَةِ (وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى) غَيْرِ رَكْعَةِ الْإِمَامِ سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ فِي أَفْعَالِهِ أَمْ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ لِعَدَمِ تَرْتِيبٍ مَحْذُورٍ عَلَيْهِ، إذْ اللَّازِمُ لَهُ أَنْ يَتَّبِعَ إمَامَهُ وَيُلْغِي نَظْمَ صَلَاةِ نَفْسِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (ثُمَّ) بَعْدَ اقْتِدَائِهِ بِهِ (يَتْبَعُهُ) فِيمَا هُوَ فِيهِ حَتْمًا (قَائِمًا كَانَ أَوْ قَاعِدًا) أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا رِعَايَةً لِلْمُتَابَعَةِ (فَإِنْ فَرَغَ الْإِمَامُ أَوَّلًا فَهُوَ كَمَسْبُوقٍ،) فَيُتِمُّ صَلَاتَهُ (أَوْ) فَرَغَ (هُوَ) أَيْ الْمَأْمُومُ أَوَّلًا
[حاشية الشبراملسي]
وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى «بِأَنَّهُ أَوَّلًا اقْتَدَى بِأَبِي بَكْرٍ ثُمَّ تَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَاقْتَدَى بِهِ» اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ لَا يَجُوزُ وَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ) قَالَ الْمَحَلِّيُّ: لِأَنَّ الْجَوَازَ يُؤَدِّي إلَى تَحَرُّمِ الْمَأْمُومِ قَبْلَ الْإِمَامِ اهـ. وَمُرَادُهُ أَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ الْمَأْمُومُ بَعْدَ إحْرَامِ الْإِمَامِ ثُمَّ يَقْتَدِي بِهِ فَلَا يَكُونُ إحْرَامُ الْمَأْمُومِ مُتَقَدِّمًا عَلَى إحْرَامِ الْإِمَامِ.
(قَوْلُهُ: جَازَ بِلَا خِلَافٍ) فَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ حِكَايَةُ الْخِلَافِ فِي اقْتِدَاءِ بَعْضِ الْمَسْبُوقِينَ بِبَعْضٍ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُحْرِمُوا أَوَّلًا مُنْفَرِدِينَ بَلْ فِي جَمَاعَةٍ، وَمُقْتَضَى مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ مَتَى أَحْرَمَ بِالْأُولَى فِي جَمَاعَةٍ لَمْ يُكْرَهْ الِاقْتِدَاءُ الثَّانِي.
نَعَمْ عَلَى مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ حَجّ مِنْ تَخْصِيصِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا تَبَيَّنَ خَلَلٌ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ لَا إشْكَالَ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ) لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ صُورَتُهُ أَنْ يُحْرِمَ خَلْفَ جُنُبٍ أَوْ مُحْدِثٍ ثُمَّ يَبِينُ الْحَالُ لَهُمَا فَيَذْهَبُ الْإِمَامُ فَيَتَطَهَّرُ وَيَأْتِي لِإِكْمَالِ صَلَاتِهِ فَيُكْمِلُهَا الْمَأْمُومُ مَعَهُ أَوْ يَرْبِطُ الْمَأْمُومُ صَلَاتَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْإِمَامِ اهـ. قَالَ حَجّ: فَعُلِمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ نَقْصٌ فِي صَلَاةِ إمَامِهِ بَلْ نَقَلَ نَفْسَهُ لِجَمَاعَةٍ أُخْرَى بِلَا سَبَبٍ كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا وَفَاتَتْ بِهِ الْفَضِيلَةُ، بَلْ لَوْ أَخْرَجَ نَفْسَهُ بِعُذْرٍ أَتَمَّ صَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا وَكُرِهَ لَهُ الِاقْتِدَاءُ اهـ سم بِتَصَرُّفٍ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةٍ) هُوَ غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: يَتْبَعُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ) الْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَتَبِعَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ نَظْمِ صَلَاتِهِ شَامِلٌ لِمَا إذَا اقْتَدَى مَنْ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى بِمَنْ فِي الْقِيَامِ فَيَقُومُ إلَيْهِ وَيَتْرُكُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ، وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ وِفَاقًا لِشَيْخِنَا طب رَحِمَهُ اللَّهُ، وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يُعْتَدُّ لَهُ بِمَا فَعَلَهُ حَتَّى إذَا قَامَ مَعَ الْإِمَامِ لَا تَلْزَمُهُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، وَإِذَا وَصَلَ مَعَهُ إلَى مَا بَعْدَ السَّجْدَةِ الْأُولَى كَمُلَتْ بِهِ رَكْعَتُهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَظْهَرُ الْآنَ الْأَوَّلُ: أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَوْ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ فِي الْقِيَامِ أَوْ الرُّكُوعِ وَجَبَ عَلَى الْمَأْمُومِ الْجُلُوسُ فَوْرًا بِقَصْدِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَأْتِي بِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ قِيَامَهُ كَانَ لِمَحْضِ الْمُتَابَعَةِ وَقَدْ زَالَتْ، وَكَمَا إذَا اقْتَدَى مَنْ فِي الِاعْتِدَالِ بِمَنْ فِي الْقِيَامِ، وَلَا مَانِعَ أَيْضًا.
وَلَا يُقَالُ: يَلْزَمُ تَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: اقْتِدَاؤُهُ بِهِ فِي هَذِهِ إعْرَاضٌ عَنْ الِاعْتِدَالِ إلَى الْقِيَامِ، فَهُوَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ قَائِمًا لَا مُعْتَدِلًا، ثُمَّ التَّبَعِيَّةُ فِيمَا هُوَ فِيهِ يَنْبَغِي مَا لَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ، فَلَوْ اقْتَدَى مَنْ فِي تَشَهُّدِهِ الْآخِرِ بِمَنْ فِي تَشَهُّدِهِ الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ إذَا قَامَ الْإِمَامُ لِبَقِيَّةِ صَلَاتِهِ عَدَمُ جَوَازِ تَبَعِيَّةِ الْمَأْمُومِ لَهُ، بَلْ إنْ شَاءَ فَارَقَهُ وَسَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ اقْتَدَى مَنْ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِمَنْ فِي التَّشَهُّدِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ لِعَدَمِ فُحْشِ الْمُخَالَفَةِ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيمَا لَوْ شَكَّ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ جُلُوسِهِ مَعَ الْإِمَامِ لِلتَّشَهُّدِ مِنْ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا لِعَدَمِ فُحْشِ الْمُخَالَفَةِ أَمْ لَا، فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ بَلْ الْمُتَعَيَّنُ الثَّانِي؛ لِأَنَّا إنَّمَا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ السُّجُودَ ثَمَّ لِلشَّكِّ فِي الرُّكْنِ
[حاشية الرشيدي]
كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَامَ الْمَسْبُوقُونَ أَوْ الْمُقِيمُونَ) أَيْ لِتَتْمِيمِ صَلَاتِهِمْ
(فَإِنْ شَاءَ فَارَقَهُ) بِالنِّيَّةِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ؛ لِأَنَّهُ فِرَاقٌ بِعُذْرٍ كَمَا مَرَّ (وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ) بِالْقَيْدِ الْمَارِّ فِي فَصْلِ نِيَّةِ الْقُدْوَةِ (لِيُسَلِّمَ مَعَهُ) وَهُوَ الْأَفْضَلُ عَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ (وَمَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ) مَعَ إمَامِهِ مِمَّا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ لَا كَاعْتِدَالٍ وَمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لِمَحْضِ الْمُتَابَعَةِ فَلَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ فِي شَيْءٍ (فَأَوَّلُ صَلَاتِهِ) ، وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ سَلَامِهِ آخِرُهَا لِخَبَرِ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِتْمَامُ الشَّيْءِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ أَوَّلِهِ، وَأَمَّا خَبَرُ مُسْلِمٍ «وَاقْضِ مَا سَبَقَك» فَمَحْمُولٌ عَنْ الْقَضَاءِ اللُّغَوِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَجَازٌ مَشْهُورٌ مَعَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ لِاسْتِحَالَةِ حَقِيقَةِ الْقَضَاءِ شَرْعًا هُنَا (فَيُعِيدُ فِي الْبَاقِي) مِنْ الصُّبْحِ (الْقُنُوتَ) فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ أَوَّلًا لِمَحْضِ الْمُتَابَعَةِ لِإِمَامِهِ.
(وَلَوْ) (أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْمَغْرِبِ) مَعَ الْإِمَامِ (تَشَهَّدَ فِي ثَانِيَتِهِ) اسْتِحْبَابًا؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ تَشَهُّدِهِ الْأَوَّلِ، وَمَا فَعَلَهُ مَعَ الْإِمَامِ كَانَ لِلْمُتَابَعَةِ، وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنَّا وَمِنْ الْمُخَالِفِ وَحَجَّةٌ لَنَا عَلَى أَنَّ مَا يُدْرِكُهُ مَعَهُ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، وَمَرَّ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَهُ فِي أَخِيرَتَيْ رُبَاعِيَّتِهِ مَثَلًا فَإِنْ أَمْكَنَهُ فِيهِمَا قِرَاءَةُ السُّورَةِ مَعَهُ قَرَأَهَا وَإِلَّا أَتَى بِهَا فِي أَخِيرَتَيْ نَفْسِهِ تَدَارُكًا لَهَا لِعُذْرِهِ (وَإِنْ أَدْرَكَهُ) أَيْ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ (رَاكِعًا) (أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) أَيْ مَا فَاتَهُ
[حاشية الشبراملسي]
الَّذِي كَانَ فِيهِ مَعَ الْإِمَامِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَسَبْقُ الْإِمَامِ بِرُكْنٍ لَا يَضُرُّ، فَكَانَ السُّجُودُ وَاجِبًا بِمُقْتَضَى الْقُدْوَةِ لِعَدَمِ السَّبْقِ بِرُكْنَيْنِ، وَمَا هُنَا لَيْسَ فِيهِ اقْتِدَاءٌ قَبْلُ حَتَّى يَعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ، فَرُوعِيَ حَالُ مَنْ اقْتَضَى فِي الْأَثْنَاءِ وَهُوَ وُجُوبُ تَبَعِيَّةِ الْإِمَامِ فِيمَا هُوَ فِيهِ، ثُمَّ إنْ كَانَ الِاقْتِدَاءُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَافَقَ الْإِمَامَ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَأَتَى بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَخِيرِ وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ، ثُمَّ أَتَى بِسَجْدَةٍ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ وَإِنْ طَالَ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بِالِاقْتِدَاءِ أَعْرَضَ عَنْ الْجُلُوسِ وَصَارَ مَا هُوَ فِيهِ لِلْمُتَابَعَةِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ الِاقْتِدَاءِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ مَا لَوْ اقْتَدَى بِهِ فِي السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاتِهِ بَعْدَ الطُّمَأْنِينَةِ فَيَنْتَظِرُهُ فِي السُّجُودِ وَلَا يَتْبَعُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ، وَأَمَّا قَبْلَ الطُّمَأْنِينَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَذَلِكَ لِتَمَامِ صَلَاتِهِ ظَاهِرًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَتْبَعُهُ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّ صَلَاتَهُ لَمْ تَتِمَّ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ شَاءَ فَارَقَهُ بِالنِّيَّةِ) . [فَرْعٌ] لَوْ تَلَفَّظَ بِنِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وِفَاقًا لِمَا جَزَمَ بِهِ م ر وَخِلَافًا لِمَنْ خَالَفَ عَلَى مَا نَسَبَ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ: أَيْ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَهَلْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِأَنَّ الْقُدْوَةَ اخْتَلَتْ بِالتَّلَفُّظِ بِنِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
(قَوْلُهُ: بِالْقَيْدِ الْمَارِّ) أَيْ بِأَنْ لَا يُحْدِثَ جُلُوسَ تَشَهُّدٍ لَمْ يُحْدِثْهُ إمَامُهُ.
(قَوْلُهُ: لِيُسَلِّمَ مَعَهُ وَهُوَ الْأَفْضَلُ) قَدْ يُقَالُ كَيْفَ يَكُونُ أَفْضَلَ مَعَ حُكْمِهِ بِكَرَاهَةِ الِاقْتِدَاءِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ مَا فِي الْمُفَارَقَةِ مِنْ قَطْعِ الْعَمَلِ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ وَفَوَاتَ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى آخَرَ اهـ عَمِيرَةُ.
(قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ) أَيْ حَمْلُهُ عَلَى الْقَضَاءِ اللُّغَوِيِّ.
(قَوْلُهُ: لِاسْتِحَالَةِ حَقِيقَةِ الْقَضَاءِ إلَخْ) قَدْ تُمْنَعُ دَلَالَةُ هَذِهِ الِاسْتِحَالَةِ عَلَى التَّعَيُّنِ لِجَوَازِ أَنَّ لِلْقَضَاءِ شَرْعًا مَعْنًى آخَرَ كَوُقُوعِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ.
(قَوْلُهُ: فِي أَخِيرَتَيْ نَفْسِهِ) قَالَ عَمِيرَةُ: لَا يُقَالُ فَهَلَّا قَضَى الْجَهْرَ أَيْضًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ صِفَةٌ تَابِعَةٌ وَالسُّورَةُ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَمِثْلُهُ فِي حَجّ.
(قَوْلُهُ: أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) أَيْ مَا فَاتَهُ مِنْ قِيَامِهَا: أَيْ وَلَا ثَوَابَ لَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَغَايَةُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ تَحَمَّلَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَفْضَلُ عَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ) اُنْظُرْ مَا فَائِدَةُ هَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةِ مَعَ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ فِي الْأَثْنَاءِ مَكْرُوهٌ مُفَوِّتٌ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ.
ثُمَّ رَأَيْت الشِّهَابَ سم نَقَلَ فِي حَوَاشِي الْمَنْهَجِ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ عَنْ شَيْخِهِ الْبُرُلُّسِيِّ بِأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ مَا فِي الْمُفَارَقَةِ مِنْ قَطْعِ الْعَمَلِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ وَفَوَاتُ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى آخَرَ (قَوْلُهُ: فَمَحْمُولٌ عَلَى الْقَضَاءِ اللُّغَوِيِّ) أَيْ إذْ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ هُوَ وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَلَفْظُ مَا سَبَقَك يُشْعِرُ بِمَا فَرَّ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: تَدَارُكًا لَهَا) أَيْ مِنْ الْقِرَاءَةِ لِعُذْرِهِ لِئَلَّا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ حَيْثُ لَمْ يَفْعَلْهَا وَلَمْ يُدْرِكْهَا مَعَ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ التَّدَارُكَ بِمَعْنَى
مِنْ قِيَامِهَا وَقِرَاءَتِهَا وَلَوْ قَصَّرَ بِتَأْخِيرِ تَحَرُّمِهِ إلَى رُكُوعِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِخَبَرِ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي إدْرَاكِهَا بِذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُتِمَّ الْإِمَامُ الرَّكْعَةَ وَيُتِمَّهَا مَعَهُ أَوَّلًا، كَأَنْ أَحْدَثَ فِي اعْتِدَالِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَأَمْكَنَهُ إدْرَاكُ رَكْعَةٍ بِإِدْرَاكِ رُكُوعِهَا مَعَ مَنْ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ الْفَاتِحَةَ لَزِمَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قُلْت) إنَّمَا يُدْرِكُهَا (بِشَرْطِ أَنْ) يَكُونَ ذَلِكَ الرُّكُوعُ مَحْسُوبًا لِلْإِمَامِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْجُمُعَةِ بِأَنْ لَا يَكُونَ مُحْدَثًا عِنْدَهُ فَلَا يَضُرُّ طُرُوُّ حُدُوثِهِ بَعْدَ إدْرَاكِ الْمَأْمُومِ لَهُ مَعَهُ وَلَا فِي رُكُوعٍ زَائِدٍ سَهَا بِهِ، وَسَيَأْتِي فِي الْكُسُوفِ أَنَّ رُكُوعَ صَلَاتِهِ الثَّانِي لَا تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَحْسُوبًا لَهُ بِمَنْزِلَةِ الِاعْتِدَالِ.
نَعَمْ لَوْ اقْتَدَى بِهِ فِيهِ غَيْرُ مُصَلِّيهَا أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَعَهُ رُكُوعًا مَحْسُوبًا وَأَنْ (يَطْمَئِنَّ) بِالْفِعْلِ لَا بِالْإِمْكَانِ يَقِينًا (قَبْلَ ارْتِفَاعِ الْإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) .
وَلَوْ أَتَى الْمَأْمُومُ مَعَ الْإِمَامِ
[حاشية الشبراملسي]
عَنْهُ لِعُذْرِهِ هَذَا، وَفِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ عَلَى الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَثَوَابَهَا كَمَا فِي الْمَحَلِّيِّ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ حَتَّى ثَوَابَ جَمِيعِهَا كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَإِنْ قَصَرَ فَلَا يُحْرِمُ حَتَّى رَكَعَ إمَامُهُ اهـ إيعَابٌ.
(قَوْلُهُ: كَأَنْ أَحْدَثَ فِي اعْتِدَالِهِ) أَيْ أَوْ فِي رُكُوعِهِ بَعْدَ طُمَأْنِينَةِ الْمَسْبُوقِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ) أَيْ عَمَّا يَسَعُ رَكْعَةً كَامِلَةً.
(قَوْلُهُ: أَنَّ رُكُوعَ صَلَاتِهِ الثَّانِي) أَيْ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الْأُولَى إذَا كَانَ الْمَأْمُومُ مُوَافِقًا لِلْإِمَامِ فِي صَلَاتِهِ لِمَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ نَحْوِ الْمَكْتُوبَةِ بِمُصَلَّى الْكُسُوفِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مُطْلَقًا (قَوْلُهُ لَا بِالْإِمْكَانِ) وَصُورَةُ الْإِمْكَانِ كَأَنْ زَادَ فِي انْحِنَائِهِ عَلَى أَقَلِّ الرُّكُوعِ قَدْرًا لَوْ تَرَكَهُ لَاطْمَأَنَّ، وَقَوْلُهُ يَقِينًا مُتَعَلِّقٌ بِيَطْمَئِنُّ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ ارْتِفَاعِ الْإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ) دَخَلَ فِيهِ، مَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ أَتَى بِأَكْمَلِ الرُّكُوعِ أَوْ زَادَ فِي الِانْحِنَاءِ ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ الْمَأْمُومُ فَشَرَعَ الْإِمَامُ فِي الرَّفْعِ وَالْمَأْمُومُ فِي الْهُوِيِّ وَاطْمَأَنَّ يَقِينًا قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ فِي ارْتِفَاعِهِ لِأَقَلِّ الرُّكُوعِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ، وَبَقِيَ مَا لَوْ لَمْ يَطْمَئِنَّ مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ ارْتِفَاعِهِ لَكِنْ لَمَّا قَامَ الْإِمَامُ شَكَّ فِي رُكُوعِهِ فَأَعَادَهُ فَهَلْ يَعُودُ الْمَأْمُومُ مَعَهُ لِلرُّكُوعِ وَيُدْرِكُ بِهِ الرَّكْعَةَ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ أَنَّ عَوْدَهُ لِلشَّكِّ كَأَنْ كَتَبَ لَهُ بِذَلِكَ وَجَبَ الْعَوْدُ مَعَهُ لِتَبَيُّنِ وُجُوبِ الرُّكُوعِ عَلَى الْإِمَامِ وَإِلَّا فَلَا يَعُودُ بَلْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَاطْمَأَنَّ مَعَهُ يَقِينًا ثُمَّ لَمَّا رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَشَكَّ الْمَأْمُومُ فِي حَالِ إمَامِهِ هَلْ هُوَ سَاهٍ أَوْ عَامِدٌ أَوْ جَاهِلٌ هَلْ يُحْسَبُ لَهُ رُكُوعُهُ الْأَوَّلُ مَعَهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ حُسْبَانِهِ؛ لِأَنَّ التَّحَمُّلَ عَنْهُ رُخْصَةٌ وَهِيَ لَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا بِيَقِينٍ، فَبِتَقْدِيرِ أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَقْرَأْ الْفَاتِحَةَ قَبْلَ رُكُوعِهِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ رُكُوعُهُ الْأَوَّلُ مُعْتَدًّا بِهِ فَلَا يَصْلُحُ لِلتَّحَمُّلِ عَنْ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ رُكُوعَهُ هَذَا كَالرُّكُوعِ الزَّائِدِ، وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ إلَى مَحَلِّ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي حَالِ إمَامِهِ يُؤَدَّى إلَى الشَّكِّ فِي انْتِقَالِهِ عَنْ الْقِيَامِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْتَظِرَ فِي السُّجُودِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وَالْغَالِبَ فِي رُكُوعِ الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ الْمُعْتَدِّ بِهَا، وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَإِنْ عَادَ مَعَ الْإِمَامِ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَرَكَعَ مَعَهُ فَيَنْبَغِي الِاعْتِدَادُ بِرَكْعَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ قَبْلَ رُكُوعِهِ الْأَوَّلِ اعْتَدَّ بِرُكُوعِ الْمَأْمُومِ الْأَوَّلِ وَحُسِبَتْ لَهُ الرَّكْعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَعَادَ مَعَهُ الْمَأْمُومُ
[حاشية الرشيدي]
الْقَضَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي أَخِيرَتَيْ الْإِمَامِ فَعَلَهَا وَلَا تَدَارُكَ (قَوْلُهُ: كَأَنْ أَحْدَثَ فِي اعْتِدَالِهِ) أَيْ أَوْ فِي رُكُوعِهِ بَعْدَ مَا اطْمَأَنَّ مَعَهُ، وَيَشْمَلُ هَذَا قَوْلَهُ الْآتِيَ قَرِيبًا فَلَا يَضُرُّ طُرُوُّ حَدَثِهِ بَعْدَ إدْرَاكِ الْمَأْمُومِ لَهُ مَعَهُ وَصَرَّحَ بِهِ الشِّهَابُ حَجّ نَقْلًا عَنْ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ) قَالَ الشِّهَابُ سم: ظَاهِرُهُ وَإِنْ عُذِرَ بِالتَّأْخِيرِ وَفِيهِ وَقْفَةٌ (قَوْلُهُ: غَيْرُ مُصَلِّيهَا) أَيْ أَوْ مُصَلِّيهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَهَذَا الِاسْتِدْرَاكُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ.
الَّذِي لَمْ يُحْسَبْ رُكُوعُهُ بِالرَّكْعَةِ كَامِلَةً بِأَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ حُسِبَتْ لَهُ الرَّكْعَةُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَتَحَمَّلْ عَنْهُ شَيْئًا.
نَعَمْ إنْ عَلِمَ سَهْوَهُ أَوْ حَدَثَهُ ثُمَّ نَسِيَ لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ لِتَقْصِيرِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (وَلَوْ) (شَكَّ فِي إدْرَاكِ حَدِّ الْإِجْزَاءِ) بِأَنْ تَرَدَّدَ فِي طُمَأْنِينَتِهِ قَبْلَ ارْتِفَاعِ إمَامِهِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ (لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَتُهُ فِي الْأَظْهَرِ) وَمِثْلُهُ إذَا ظَنَّ إدْرَاكَ ذَلِكَ بَلْ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ لِمُجَامَعَتِهِ لِلشَّكِّ بِالْفِعْلِ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الزَّرْكَشِيُّ؛ لِأَنَّ هَذَا رُخْصَةٌ وَهِيَ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ سَبَبِهَا فَلَمْ يُنْظَرْ لِأَصْلِ بَقَاءِ الْإِمَامِ فِيهِ، وَيَسْجُدُ الشَّاكُّ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ شَاكٌّ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِهِ فَلَمْ يَتَحَمَّلْهُ عَنْهُ.
وَالثَّانِي يُحْسَبُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْإِمَامِ فِيهِ.
(وَيُكَبِّرُ) الْمَسْبُوقُ (لِلْإِحْرَامِ) وُجُوبًا كَغَيْرِهِ فِي الْقِيَامِ أَوْ بَدَلِهِ، فَإِنْ وَقَعَ بَعْضُهُ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا (ثُمَّ لِلرُّكُوعِ) نَدْبًا؛ لِأَنَّهُ مَحْسُوبٌ لَهُ فَنُدِبَ لَهُ التَّكْبِيرُ (فَإِنْ نَوَاهُمَا) أَيْ الْإِحْرَامَ وَالرُّكُوعَ (بِتَكْبِيرَةٍ) وَاحِدَةٍ مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِتَشْرِيكِهِ بَيْنَ فَرْضٍ وَسُنَّةٍ مَقْصُودَةٍ فَأَشْبَهَ نِيَّةَ الظُّهْرِ وَسُنَّتَهُ لَا الظُّهْرَ وَالتَّحِيَّةَ، وَادَّعَى الْإِمَامُ الْإِجْمَاعَ فِيهِ (وَقِيلَ تَنْعَقِدُ) لَهُ (نَفْلًا) كَمَا لَوْ أَخْرَجَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ مَثَلًا وَنَوَى بِهَا الْفَرْضَ وَالتَّطَوُّعَ فَإِنَّهَا تَقَعُ لَهُ تَطَوُّعًا، وَيُفَرَّقُ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ النِّيَّةَ لَمْ يُغْتَفَرْ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ هُنَا، وَلِهَذَا قَالَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّ الْقِيَاسَ مَدْفُوعٌ وَلَيْسَ فِيهِ جَامِعٌ مُعْتَبَرٌ؛ لِأَنَّ صَدَقَةَ الْفَرْضِ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ صَدَقَةِ النَّفْلِ، فَإِذَا بَطَل الْفَرْضُ صَحَّ النَّفَلُ، بِخِلَافِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ تَكْبِيرَةِ الِانْتِقَالِ فَلَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا، وَأَيْضًا فَالنَّقْلُ ثَمَّ لَمْ يَحْتَجْ لِنِيَّةٍ أَصْلًا فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ فَسَادُ النِّيَّةِ بِالتَّشْرِيكِ، وَهُنَا انْعِقَادُهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى النِّيَّةِ فَأَثَّرَ فِيهِ اقْتِرَانُهَا بِمُفْسِدٍ وَهُوَ التَّشْرِيكُ الْمَذْكُورُ.
فَإِنْ نَوَى بِهَا التَّحَرُّمَ فَقَطْ وَأَتَمَّهَا وَهُوَ إلَى الْقِيَامِ مَثَلًا أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى أَقَلِّ الرُّكُوعِ
[حاشية الشبراملسي]
فَعَوْدُهُ فِي مَحَلِّهِ وَيُعْتَدُّ بِقِرَاءَتِهِ وَرُكُوعِهِ فَيُحْكَمُ لَهُ بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ إمَّا بِرُكُوعِهِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي
(قَوْلُهُ: الَّذِي لَمْ يُحْسَبْ رُكُوعُهُ) أَيْ كَأَنْ كَانَ مُحْدِثًا.
(قَوْلُهُ: حُسِبَتْ لَهُ) أَيْ الْمَأْمُومِ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ وَقَعَ بَعْضُهُ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ) أَيْ بِأَنْ كَانَ فِي مَحَلٍّ لَا تُجْزِئُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ كَمَا يَأْتِي لَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(قَوْلُهُ: لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا) كَذَا فِي نُسْخَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، لَكِنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ قُبَيْلَ الرُّكْنِ الثَّانِي مَا نَصُّهُ: أَوْ رَكَعَ مَسْبُوقٌ قَبْلَ تَمَامِ التَّكْبِيرَةِ جَاهِلًا انْقَلَبَتْ نَفْلًا لِعُذْرِهِ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ الْخُصُوصِ بُطْلَانُ الْعُمُومِ.
اهـ وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ عَمِيرَةَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَيُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ إلَخْ لَوْ وَقَعَ بَعْضُ التَّكْبِيرَةِ رَاكِعًا لَمْ تَنْعَقِدْ فَرْضًا قَطْعًا وَلَا نَفْلًا عَلَى الْأَصَحِّ اهـ. أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ انْعِقَادُهَا نَفْلًا مِنْ الْجَاهِلِ كَمَا عَلَّلَ بِهِ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ الْخُصُوصِ إلَخْ، وَأَيْضًا فَالْمُتَنَفِّلُ يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ جُلُوسٍ وَمَا هُنَا أَبْلَغُ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ نَوَاهُمَا بِتَكْبِيرَةٍ لَمْ تَنْعَقِدْ) أَفْهَمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ الْإِطْلَاقُ فِيمَا لَوْ أَتَى بِتَكْبِيرَتَيْنِ لِصَرْفِ الْأُولَى لِلتَّحَرُّمِ مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ وَالثَّانِيَةِ لِلرُّكُوعِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِي فَتَاوَى الشَّارِحِ مَا يُوَافِقُهُ، وَبِهَذَا يَسْقُطُ مَا نَظَرَ بِهِ سم عَلَى حَجّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَنَصُّ الْفَتَاوَى: سُئِلَ عَمَّا لَوْ وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَكَبَّرَ وَأَطْلَقَ ثُمَّ كَبَّرَ أُخْرَى بِقَصْدِ الِانْتِقَالِ فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ فَأَجَابَ: تَصِحُّ صَلَاتُهُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.
(قَوْلُهُ: وَلِهَذَا قَالَ الْوَالِدُ) فِي نُسْخَةٍ إسْقَاطُ وَلِهَذَا قَالَ الْوَالِدُ وَبَدَّلَهَا بَعْدَ قَوْلِهِ هُنَا عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ إلَخْ، وَهِيَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ فِي كَلَامِ غَيْرِ وَالِدِهِ.
(قَوْلُهُ: أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى أَقَلِّ الرُّكُوعِ) أَخْرَجَ مَا لَوْ كَانَ إلَيْهِمَا عَلَى السَّوَاءِ فَيَضُرُّ،
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: لِمُجَامَعَتِهِ لِلشَّكِّ) فِيهِ أَنَّ الظَّنَّ لَا يُمْكِنُ مُجَامَعَتُهُ لِلشَّكِّ؛ لِأَنَّهُمَا حَقِيقَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ إذَا وُجِدَتْ إحْدَاهُمَا انْتَفَتْ الْأُخْرَى إذْ الظَّنُّ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا مَعَ الرُّجْحَانِ وَالشَّكُّ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا مَعَ التَّسَاوِي وَهُمَا ضِدَّانِ.
(قَوْلُهُ: لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ) فَرْضًا وَلَا نَفْلًا ظَاهِرُهُ وَلَوْ جَاهِلًا، وَيُوَافِقُهُ مَا نُقِلَ عَنْهُ فِي شَرْحِ هَدِيَّةِ النَّاصِحِ، لَكِنْ يُخَالِفُهُ مَا قَدَّمَهُ فِي هَذَا الشَّرْحِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ قُبَيْلَ الرُّكْنِ الثَّانِي (قَوْلُهُ: وَهُنَا انْعِقَادُهَا) أَيْ نَفْلًا الَّذِي قَالَ بِهِ الْمُقَابِلُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ إلَى الْقِيَامِ مَثَلًا) أَيْ إنْ كَانَ فَرْضُهُ الْقِيَامَ.
انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهَا شَيْئًا لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ (عَلَى الصَّحِيحِ) إذْ قَرِينَةُ الِافْتِتَاحِ تَصْرِفُهَا إلَيْهِ، وَقَرِينَةُ الْهَوَى تَصْرِفُهَا إلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدٍ صَارِفٍ عَنْهُمَا وَهُوَ نِيَّةُ التَّحَرُّمِ فَقَطْ لِتَعَارُضِهِمَا، وَمَا اسْتَشْكَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ أَنَّ قَصْدَ الرُّكْنِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ عِنْدَ عَدَمِ الصَّارِفِ وَهُنَا صَارِفٌ كَمَا عَلِمْت، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ مَا بِأَصْلِهِ أَنَّ نِيَّةَ الرُّكُوعِ فَقَطْ كَذَلِكَ لِعَدَمِ التَّحَرُّمِ وَمِثْلُهُ نِيَّةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْإِبْهَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَارُضِ هُنَا أَيْضًا، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ تَنْعَقِدُ فَرْضًا؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الِافْتِتَاحِ تَصْرِفُهَا إلَيْهِ.
(وَلَوْ أَدْرَكَهُ) أَيْ الْإِمَامَ (فِي اعْتِدَالِهِ فَمَا بَعْدَهُ انْتَقَلَ مَعَهُ مُكَبِّرًا) اسْتِحْبَابًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْسُوبًا لَهُ مُوَافَقَةً لِإِمَامِهِ فِي تَكْبِيرِهِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُوَافِقُهُ) اسْتِحْبَابًا أَيْضًا فِي أَذْكَارِ مَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ وَإِنْ لَمْ يُحْسَبْ لَهُ كَالتَّحْمِيدِ وَالدُّعَاءِ (فِي التَّشَهُّدِ وَالتَّسْبِيحَاتِ) وَيُوَافِقُهُ فِي إكْمَالِ التَّشَهُّدِ أَيْضًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُوَافِقُهُ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ تَشَهُّدِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَالثَّانِي لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ لَهُ، وَقِيلَ تَجِبُ مُوَافَقَتُهُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِحْرَامِ لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ (وَ) الْأَصَحُّ
(أَنَّ) (مَنْ أَدْرَكَهُ) أَيْ الْإِمَامَ (فِي سَجْدَةٍ) أُولَى أَوْ ثَانِيَةٍ وَمِثْلُهَا كُلُّ مَا لَا يُحْسَبُ لَهُ (لَمْ يُكَبِّرْ لِلِانْتِقَالِ إلَيْهَا) لِعَدَمِ مُتَابَعَتِهِ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ مَحْسُوبًا لَهُ، بِخِلَافِ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ مَحْسُوبٌ لَهُ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا انْتَقَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ السُّجُودِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مُوَافَقَةً لِإِمَامِهِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يُكَبِّرُ كَالرُّكُوعِ وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ، وَخَرَجَ بِأُولَى أَوْ ثَانِيَةٍ مَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ:
[حاشية الشبراملسي]
وَتَقَدَّمَ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ الضَّرَرِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدٍ صَارِفٍ) عِبَارَةُ الْإِيعَابِ: وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ أَنَّهُ لَوْ عَجَزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ فَأَتَى بِالِافْتِتَاحِ أَوْ التَّعَوُّذِ لَا بِقَصْدِ بَدَلِيَّةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا بَلْ أَطْلَقَ حَيْثُ اعْتَدَّ بِهِ مَعَ وُجُودِ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ، وَيُجَابُ بِمَنْعِ أَنَّ وُجُودَهَا صَارِفٌ، ثُمَّ إنَّ عَجْزَهُ اقْتَضَى أَنْ لَا افْتِتَاحَ وَلَا تَعَوُّذَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا مُقَدِّمَتَانِ لِلْقِرَاءَةِ وَهِيَ مَقْصُودَةٌ، فَإِذَا أَتَى أَحَدٌ بِهَا لَا بِقَصْدٍ انْصَرَفَ لِلْوَاجِبِ اهـ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: انْتَقَلَ مَعَهُ) أَيْ وُجُوبًا اهـ حَجّ.
(قَوْلُهُ: فِي أَذْكَارِ مَا أَدْرَكَهُ) هَذَا قَدْ يُخْرِجُ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ قِيَامِ الْإِمَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَوَّلًا لِلْمَأْمُومِ، وَيَظْهَرُ الْآنَ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ مُتَابَعَةً لِإِمَامِهِ، وَنُقِلَ مِثْلُهُ فِي الدَّرْسِ عَنْ حَجّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فَلْيُرَاجَعْ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ وَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ إمَامُهُ.
(قَوْلُهُ: كَالتَّحْمِيدِ وَالدُّعَاءِ) حَتَّى عَقِبَ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا اعْتَمَدَ ذَلِكَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا سُكُوتَ فِيهَا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَحَلِّ تَشَهُّدِهِ) عِبَارَةُ حَجّ: وَلَوْ فِي تَشَهُّدِ الْمَأْمُومِ الْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ بِمَحْسُوبٍ لَهُ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَضْعُ الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ وَلَا الطُّمَأْنِينَةُ فِي هَذَا السُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ لِمَحْضِ الْمُتَابَعَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ) أَيْ فَيُكَبِّرُ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: انْتَقَلَ مَعَهُ مُكَبِّرًا) أَيْ بِخِلَافِ انْتِقَالِهِ إلَيْهِ فَلَا يُكَبِّرُ لَهُ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَحَلِّ تَشَهُّدِهِ) خَرَجَ مَا إذَا كَانَ مَحَلُّ تَشَهُّدِهِ بِأَنْ كَانَ تَشَهُّدًا أَوَّلَ لَهُ فَلَا يَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ وَلَا يُكْمِلُ التَّشَهُّدَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِإِخْرَاجِهِ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ عَمَّا طُلِبَ فِيهِ، وَلَيْسَ هُوَ حِينَئِذٍ لِمُجَرَّدِ الْمُتَابَعَةِ، وَأَظُنُّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ فِي الشَّرْحِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا ذَكَرْته، لَكِنَّ الشِّهَابَ حَجّ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ وَكَأَنَّ الشَّارِحَ أَشَارَ بِمَا ذُكِرَ إلَى مُخَالَفَتِهِ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ بِمَحْسُوبٍ لَهُ) قَالَ شَيْخُنَا فِي الْحَاشِيَةِ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَضْعُ الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ فِي هَذَا السُّجُودِ، وَفِي هَذَا الْأَخْذِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ لَمْ تُوجَدْ حَقِيقَةُ السُّجُودِ حِينَئِذٍ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَابَعَهُ فِي السُّجُودِ، عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَخْذَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي لَيْسَ لِلسُّجُودِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ كَالْإِشَارَةِ الَّتِي قَبْلَهُ لِلِانْتِقَالِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
وَحَاصِلُ التَّعْلِيلِ الَّذِي فِي الشَّارِحِ أَنَّ التَّكْبِيرَ إنَّمَا يَكُونُ إمَّا لِلْمُتَابَعَةِ أَوْ لِلْمَحْسُوبِ، وَالِانْتِقَالُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا
وَاَلَّذِي يَنْقَدِحُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ لِلْمُتَابَعَةِ فَإِنَّهَا مَحْسُوبَةٌ لَهُ، قَالَ: وَأَمَّا سَجْدَتَا السَّهْوِ فَيَنْقَدِحُ فِي التَّكْبِيرِ لَهُمَا خِلَافٌ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ يُعِيدُهُمَا آخِرَ صَلَاتِهِ أَوَّلًا إنْ قُلْنَا الْأَكْبَرُ وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى.
وَفِي كَوْنِ الثَّلَاثَةِ مَحْسُوبَةً لَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ فِعْلَهُ كَذَلِكَ إنَّمَا كَانَ لِلْمُتَابَعَةِ، وَحِينَئِذٍ فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ تَكْبِيرِهِ لِلِانْتِقَالِ إلَيْهَا (وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ) يَعْنِي انْتَقَلَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا كَمُصَلٍّ مِنْ نَحْوِ جُلُوسٍ (الْمَسْبُوقُ مُكَبِّرًا إنْ كَانَ جُلُوسُهُ) مَعَ الْإِمَامِ (مَوْضِعَ جُلُوسِهِ) لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا كَأَنْ أَدْرَكَهُ فِي ثَانِيَةِ الْمَغْرِبِ أَوْ ثَالِثَةِ الرُّبَاعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُكَبِّرُ لَهُ الْمُنْفَرِدُ وَغَيْرُهُ بِلَا خِلَافٍ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يَقُومُ قَبْلَ سَلَامِ إمَامِهِ، فَإِنْ تَعَمَّدَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ مُفَارَقَةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ يُعْتَدَّ بِجَمِيعِ مَا أَتَى بِهِ حَتَّى يَجْلِسَ ثُمَّ يَقُومَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَمَتَى عَلِمَ وَلَمْ يَجْلِسْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَيُفَارِقُ مَنْ قَامَ عَنْ إمَامِهِ عَامِدًا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ حَيْثُ اعْتَدَّ بِقِرَاءَتِهِ قَبْلَ قِيَامِ إمَامِهِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ لَهُ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا كَأَنْ أَدْرَكَهُ فِي ثَانِيَةٍ أَوْ رَابِعَةِ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ ثَالِثَةِ ثُلَاثِيَّةٍ (فَلَا) يُكَبِّرُ عِنْدَ قِيَامِهِ أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحَلِّ تَكْبِيرِهِ وَلَيْسَ فِيهِ مُوَافَقَةٌ لِإِمَامِهِ وَالثَّانِي يُكَبِّرُ لِئَلَّا يَخْلُوَ الِانْتِقَالُ عَنْ ذِكْرٍ.
وَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يَقُومَ الْمَسْبُوقُ إلَّا بَعْدَ تَسْلِيمَتَيْ إمَامِهِ وَيَجُوزُ بَعْدَ الْأُولَى، فَإِنْ مَكَثَ فِي مَحَلِّ جُلُوسِهِ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا جَازَ وَإِنْ طَالَ، أَوْ فِي غَيْرِهِ عَامِدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَمَحَلُّهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ إذَا زَادَ عَلَى جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، وَيَلْحَقُ بِهَا الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، أَمَّا قَدْرُهَا فَمُغْتَفَرٌ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يَنْقَدِحُ) أَيْ يَظْهَرُ ظُهُورًا وَاضِحًا.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا) أَيْ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
(قَوْلُهُ: وَفِي كَوْنِ الثَّلَاثَةِ مَحْسُوبَةً) أَيْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَسَجْدَتَيْ السَّهْوِ، وَفِي نُسْخَةٍ التِّلَاوَةُ وَهِيَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِمَا عَنْ أَحَدٍ أَنَّهَا مَحْسُوبَتَانِ لَهُ، وَإِنَّمَا هُمَا لِمَحْضِ الْمُتَابَعَةِ بِخِلَافِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ.
(قَوْلُهُ: إلَيْهَا) أَيْ إلَى السَّجَدَاتِ الثَّلَاثِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَعَمَّدَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ مُفَارَقَةٍ بَطَلَتْ) وَلَا يُقَالُ غَايَتُهُ أَنَّهُ سَبَقَ بِرُكْنٍ، وَهُوَ لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ قَدْ تَمَّتْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ أَيْ السَّبَقُ بِرُكْنٍ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى يَجْلِسَ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ سَلَّمَ.
(قَوْلُهُ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) أَيْ لِعَدَمِ الْإِتْيَانِ بِالْجُلُوسِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ بَعْدَ الْأُولَى) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَهَا، وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ حَيْثُ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَقُومَ عَقِبَ الْأُولَى، فَإِنْ قَامَ قَبْلَ تَمَامِهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَامِّيًّا، وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ حَيْثُ جَهِلَ التَّحْرِيمَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَامَ قَبْلَ سَلَامِ إمَامِهِ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، لَكِنْ لَا يُعْتَدُّ بِمَا فَعَلَهُ فَيَجْلِسُ وُجُوبًا ثُمَّ يَقُومُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ فِي غَيْرِهِ عَامِدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) قَدْ يُشْكِلُ الْبُطْلَانُ بِمَا مَرَّ لَهُ مِنْ عَدَمِهِ بِتَطْوِيلِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذِهِ لَمَّا لَمْ تَكُنْ مَطْلُوبَةً مِنْهُ فَهِيَ زَائِدَةٌ فَيُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ) أَيْ عَلَى قَدْرِهَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَفِي كَوْنِ الثَّلَاثَةِ مَحْسُوبَةً لَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى) كَانَ الْمُنَاسِبُ وَفِي كَوْنِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ مَحْسُوبًا، وَإِلَّا فَالْأَذْرَعِيُّ لَمْ يَدَّعِ حُسْبَانَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ لَهُ وَإِنَّمَا بَنَى التَّكْبِيرَ وَعَدَمَهُ فِيهِمَا عَلَى الْخِلَافِ الْمُقَرَّرِ فِيهِمَا، عَلَى أَنَّ مَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ كَوْنِ سَجْدَتَيْ التِّلَاوَةِ وَسَجْدَتَيْ السَّهْوِ إنْ قُلْنَا بِعَدَمِ إعَادَتِهِمَا مِنْ الْمَحْسُوبِ لَا مَحِيصَ عَنْهُ وَمَا ادَّعَاهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ فِعْلَهُمَا لِمُجَرَّدِ الْمُتَابَعَةِ مَمْنُوعٌ كَمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ تَأَمَّلَ مَعْنَى كَلَامِهِمْ فِي الْمَحْسُوبِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: حَتَّى يَجْلِسَ ثُمَّ يَقُومَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ) أَيْ إنْ حَصَلَ جُلُوسُهُ قَبْلَ سَلَامِهِ، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ جُلُوسُهُ ثُمَّ قِيَامُهُ فَوْرًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ تَصْدُقُ بِهِ عِبَارَتُهُ (قَوْلُهُ: أَوْ فِي غَيْرِهِ عَامِدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لَا يُشْكِلُ بِمَا مَرَّ لَهُ مِنْ عَدَمِ الْبُطْلَانِ بِتَطْوِيلِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ إذْ لَا جَامِعَ وَفَرْقٌ بَيْنَ جُلُوسٍ مَطْلُوبٍ فِي أَصْلِهِ وَجُلُوسٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْمُتَابَعَةِ (قَوْلُهُ: وَيُلْحَقُ بِهَا) أَيْ فِي الْعِبَارَةِ وَكَانَ الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ: وَيُرَادِفُ ذَلِكَ قَوْلَنَا عَلَى
لِأَقَلِّ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ فَهُوَ مُسَاوٍ لِعِبَارَةِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ قَدْرُ طُمَأْنِينَةِ الصَّلَاةِ دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهَا، وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ الْمُقْرِي بِمَا يُوَافِقُ كَلَامَ الْأَذْرَعِيِّ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ فِي الشَّرْطِ السَّادِسِ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِزِيَادَةِ جِلْسَةٍ يَسِيرَةٍ كَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، فَإِنْ كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
(بَابُ) كَيْفِيَّةِ (صَلَاةِ الْمُسَافِرِ) مِنْ حَيْثُ الْقَصْرُ وَيَتْبَعُهُ الْكَلَامُ فِي قَصْرِ فَوَائِتِ الْحَضَرِ، وَالْجَمْعُ وَيَتْبَعُهُ الْجَمْعُ بِالْمَطَرِ فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ التَّرْجَمَةَ نَاقِصَةٌ، عَلَى أَنَّ الْمَعِيبَ أَنْ يُتَرْجِمَ لِشَيْءٍ وَيَذْكُرَ أَنْقَصَ مِنْهُ، أَمَّا ذِكْرُ زَائِدٍ عَلَى الْبَابِ عَنْ التَّرْجَمَةِ فَلَا، وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ لِلْبُخَارِيِّ كَثِيرًا.
وَالْأَصْلُ فِي الْقَصْرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: 101] الْآيَةَ وَهِيَ مُقَيَّدَةٌ بِالْخَوْفِ لَكِنْ صَحَّ جَوَازُهُ فِي الْأَمْنِ لِخَبَرِ «لَمَّا سَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ صَدَقَةٌ
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ) أَيْ لَا ضَرَرَ.
بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ (قَوْلُهُ: صَلَاةُ الْمُسَافِرِ) اُنْظُرْ مَشْرُوعِيَّةَ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ فِي أَيِّ سَنَةٍ كَانَتْ.
وَفِي حَاشِيَةِ الْعَلَّامَةِ الْقَلْيُوبِيِّ: وَشُرِعَتْ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ، وَقِيلَ فِي رَبِيعِ الْآخَرِ مِنْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، قَالَهُ الدُّولَابِيُّ وَقِيلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَوَّلُ الْجَمْعِ كَانَ فِي سَفَرِ غَزْوَةِ تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ الْقَصْرُ) أَيْ لَا مِنْ حَيْثُ الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ.
(قَوْلُهُ: وَيَتْبَعُهُ الْكَلَامُ فِي قَصْرِ فَوَائِتِ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ هَذِهِ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ الْقَصْرِ إذْ هُوَ شَامِلٌ لِمَا يُفْعَلُ فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ فِي الْحَضَرِ أَوْلَى، وَقَوْلُهُ وَالْجَمْعُ عَطْفٌ عَلَى الْقَصْرِ.
[فَائِدَةٌ] قَالَ ع: رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ «خِيَارُ أُمَّتِي مَنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَاَلَّذِينَ إذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا وَإِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا وَإِذَا سَافَرُوا قَصَرُوا وَأَفْطَرُوا» اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: لَمَّا سَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ حَيْثُ قَالَ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
«قُلْت: لِعُمَرَ إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: 101]
[حاشية الرشيدي]
الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِلَّا فَأَصْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ الطُّمَأْنِينَةِ فَهُمَا مُسْتَوِيَتَانِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَرْجِعَ الْعِبَارَاتِ الثَّلَاثِ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ: لِأَقَلِّ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ) لَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ الْقَصِيرِ إلَّا أَنَّهُ نَظَرَ فِيهِ لِمَا مَثَّلَ بِهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ الْمُقْرِي) إنْ أَرَادَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فَلَعَلَّهُ سَبْقُ نَظَرٍ مِمَّا فِي الشَّرْحِ إلَى مَا فِي الْمَتْنِ.
وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ: وَيَحْرُمُ مُكْثُهُ، قَالَ الشَّارِحُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْتَفَرَ قَدْرُ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ أَشَارَ إلَيْهِ.
انْتَهَى.
وَإِنْ أَرَادَ فِي الشَّرْطِ السَّادِسِ فَسَتَعْلَمُ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ) يُوهِمُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْهَا عِبَارَةٌ عَمَّا تَقَدَّمَ كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ مِثْلِ هَذَا التَّعْبِيرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ عِبَارَتَهَا قَدْ تَشْمَلُ مَا نَحْنُ فِيهِ، عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ عِبَارَةَ الرَّوْضَةِ بِالْحَرْفِ وَإِنَّمَا عِبَارَتُهَا: وَإِنْ تَرَكَ سُنَّةً وَكَانَ فِي الِاشْتِغَالِ بِهَا تَخَلُّفٌ فَاحِشٌ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ لَمْ يَأْتِ بِهَا الْمَأْمُومُ فَإِنْ فَعَلَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا إذَا كَانَ التَّخَلُّفُ لَهَا يَسِيرًا كَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ فَلَا بَأْسَ كَمَا لَا بَأْسَ بِزِيَادَتِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا انْتَهَتْ.
[بَابُ كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ]
بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» وَيَجُوزُ فِيهِ الْإِتْمَامُ كَمَا صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ " يَا رَسُولَ اللَّهِ قَصَرْتَ وَأَتْمَمْتُ وَأَفْطَرْتَ وَصُمْتُ ": أَيْ بِفَتْحِ التَّاءِ الْأُولَى وَضَمَّ الثَّانِيَةِ فِيهِمَا وَيَجُوزُ عَكْسُهُ، فَقَالَ: " أَحْسَنْت يَا عَائِشَةَ " وَأَمَّا خَبَرُ «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ» أَيْ فِي السَّفَرِ فَمَعْنَاهُ لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَسَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ.
.
وَلَمَّا كَانَ الْقَصْرُ أَهَمَّ هَذِهِ الْأُمُورِ بَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِهِ فَقَالَ (إنَّمَا) (تُقْصَرُ رُبَاعِيَّةٌ) لَا صُبْحٌ وَمَغْرِبٌ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا خَبَرُ مُسْلِمٍ «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ فِي الْخَوْفِ رَكْعَةً» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يُصَلِّيهَا فِيهِ مَعَ الْإِمَامِ وَيَنْفَرِدُ بِالْأُخْرَى، إذْ الصُّبْحُ لَوْ قَصُرَتْ لَمْ تَكُنْ شَفْعًا وَخَرَجَتْ عَنْ مَوْضُوعِهَا، وَالْمَغْرِبُ لَا يُمْكِنُ قَصْرُهَا إلَى رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا وِتْرًا وَلَا إلَى رَكْعَةٍ لِخُرُوجِهَا بِذَلِكَ عَنْ بَاقِي الصَّلَوَاتِ.
وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الرُّبَاعِيَّةُ مَكْتُوبَةً مِنْ الْخَمْسِ فَلَا تُقْصَرُ مَنْذُورَةٌ وَلَا نَافِلَةٌ لِعَدَمِ وُرُودِهِ (مُؤَدَّاةٌ) وَفَائِتَةُ السَّفَرِ الْآتِيَةِ مُلْحَقَةٌ بِهَا فَلَا يُنَافِي الْحَضَرَ، أَوْ أَنَّهُ إضَافِيٌّ لَا سِيَّمَا وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا تُقْصَرُ فَائِتَةُ الْحَضَرِ فِي السَّفَرِ كَمَا سَيَأْتِي (فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ) اتِّفَاقًا فِي الْأَمْنِ وَعَلَى الْأَظْهَرِ فِي الْخَوْفِ
[حاشية الشبراملسي]
وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ: عَجِبْت مِمَّا عَجِبْت مِنْهُ، فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: صَدَقَةٌ» إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ عَكْسُهُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ، وَإِلَّا فَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ قَضِيَّةٍ وَقَعَتْ وَلَيْسَتْ هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْأَمْرَيْنِ حَتَّى يَجُوزَ كُلٌّ، فَإِنْ كَانَ الْقَاصِرُ وَالْمُفْطِرُ هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعَيَّنَ فَتْحُ التَّاءِ فِي الْأَوَّلَيْنِ مِنْهُمَا أَوْ عَائِشَةُ تَعَيَّنَ الْعَكْسُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْقَصْرَ وَالْإِتْمَامَ وَقَعَا فِي يَوْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
وَعِبَارَةُ الْبَيْضَاوِيِّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَيُؤَيِّدُهُ: أَيْ جَوَازُ الْقَصْرِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَتَمَّ فِي السَّفَرِ» ، «وَأَنَّ عَائِشَةَ اعْتَمَرَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَصَرْتَ وَأَتْمَمْتُ وَصُمْتَ وَأَفْطَرْتُ، فَقَالَ: أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ» .
(قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ الْقَصْرُ أَهَمَّ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ تَرْكَ بَعْضِ الصَّلَاةِ وَلِكَوْنِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ (قَوْلُهُ: لَا صُبْحَ وَمَغْرِبَ بِالْإِجْمَاعِ) نَعَمْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا جَوَازُ قَصْرِ الصُّبْحِ فِي الْخَوْفِ إلَى رَكْعَةٍ اهـ حَجّ.
وَكَأَنَّهُ لِشُذُوذِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ فِي مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، وَفِي حَجَرٍ أَيْضًا: وَعَمَّمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَنْ تَبِعَهُ الْقَصْرَ إلَى رَكْعَةٍ فِي الْخَوْفِ فِي الصُّبْحِ وَغَيْرِهَا لِعُمُومِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الرَّبَاعِيَةُ مَكْتُوبَةً) الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَصْرُ الْمُعَادَةِ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ شَرْطُ الْقَصْرِ الْمَكْتُوبَةُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَكْتُوبَةُ وَلَوْ أَصَالَةً، وَلِهَذَا يَجُوزُ لِلصَّبِيِّ الْقَصْرُ مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مَكْتُوبَةٍ فِي حَقِّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قِيلَ إنَّ الْفَرْضَ إحْدَاهُمَا، وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَتْ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فَلَيْسَتْ نَفْلًا مَحْضًا مُبْتَدَأً حَتَّى يَمْتَنِعَ الْقَصْرُ، وَلَهُ إعَادَتُهَا تَامَّةً: أَيْ إنْ صَلَّاهَا مَقْصُورَةً، وَلَوْ صَلَّاهَا تَامَّةً يَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ إعَادَتُهَا مَقْصُورَةً م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ: أَيْ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِتْمَامَ هُوَ الْأَصْلُ، وَالْإِعَادَةَ فِعْلُ الشَّيْءِ ثَانِيًا بِصِفَتِهِ الْأُولَى، وَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا قَصَرَ الْأُولَى لَا يُعِيدُهَا إلَّا مَقْصُورَةً، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْإِتْمَامُ هُوَ الْأَصْلُ جَازَ إعَادَتُهَا تَامَّةً، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُعِدْهَا لِخَلَلٍ فِي الْأُولَى
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ عَكْسُهُ) يُتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِهَذَا التَّجْوِيزِ مَعَ أَنَّ الضَّبْطَ تَابِعٌ لِلْوَاقِعِ، فَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصَرَ وَأَتَمَّتْ وَأَفْطَرَ وَصَامَتْ تَعَيَّنَ فَتْحُ الْأَوَّلَيْنِ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ تَعَيَّنَ ضَمُّهُمَا.
وَأَجَابَ عَنْهُ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ بِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِمُجَرَّدِ الْإِعْرَابِ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ التَّاءَ قَابِلَةٌ فِي حَدِّ ذَاتِهَا لِلْفَتْحِ وَالضَّمِّ، وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: السَّفَرُ الَّذِي سَأَلَتْ فِيهِ عَائِشَةُ وَقَعَ فِيهِ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا، فَتَارَةً صَامَتْ وَأَفْطَرَ وَأَتَمَّتْ وَقَصَرَ وَتَارَةً بِالْعَكْسِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا سَأَلَتْ مَرَّتَيْنِ فِي كُلِّ مُرَّةٍ عَنْ حَالَةٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا سَأَلَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً عَنْ إحْدَاهُمَا فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِيمَا سَأَلَتْ عَنْهُ مِنْ الْحَالَتَيْنِ لِوُقُوعِهِمَا إنْ كَانَ هُنَاكَ رِوَايَاتٌ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَنَّهُ إضَافِيٌّ) أَيْ لَا فَائِتَةُ الْحَضَرِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى الْأَظْهَرِ فِي الْخَوْفِ) لَعَلَّ مُقَابِلَ الْأَظْهَرِ
(الْمُبَاحِ) أَيْ الْجَائِزِ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَمْ مَنْدُوبًا مُبَاحًا أَمْ مَكْرُوهًا، وَمِنْهُ أَنْ يُسَافِرَ وَحْدَهُ مُنْفَرِدًا لَا سِيَّمَا فِي اللَّيْلِ لِخَبَرِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ «كَرِهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَحْدَةَ فِي السَّفَرِ وَلَعَنَ رَاكِبَ الْفَلَاةِ وَحْدَهُ» أَيْ إنْ ظَنَّ لُحُوقَ ضَرَرٍ بِهِ وَقَالَ «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» فَيُكْرَهُ أَيْضًا اثْنَانِ فَقَطْ لَكِنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهِمَا أَخَفُّ، وَصَحَّ خَبَرُ «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا أَعْلَمُ فِي الْوَحْدَةِ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ» نَعَمْ مَنْ كَانَ أُنْسُهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى بِحَيْثُ صَارَ أُنْسُهُ مَعَ الْوَحْدَةِ كَأُنْسِ غَيْرِهِ مَعَ الرُّفْقَةِ لَمْ يُكْرَهْ فِي حَقِّهِ مَا ذُكِرَ فِيمَا يَظْهَرُ، كَمَا لَوْ دَعَتْ حَاجَةٌ إلَى الِانْفِرَادِ وَالْبَعْدِ عَنْ الرُّفْقَةِ إلَى حَدٍّ لَا يَلْحَقُهُ غَوْثُهُمْ فَلَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْدَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَلَا قَصْرَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَوْ خَرَجَ لِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ تَبَعًا لِشَخْصٍ لَا يَعْلَمُ سَبَبَ سَفَرِهِ أَوْ لِتَنْفِيذِ كِتَابٍ لَا يَعْلَمُ مَا فِيهِ " فَالْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ إلْحَاقُهُ بِالْمُبَاحِ.
(لَا فَائِتَةُ الْحَضَرِ) وَلَوْ عَلَى احْتِمَالٍ، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَا يَأْتِي سَفَرٌ يَمْتَنِعُ الْقَصْرُ فِيهِ فَلَا يَقْصُرُهَا وَإِنْ قَضَاهَا فِي السَّفَرِ بِالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّهَا ثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ تَامَّةً فَلَا يَبْرَأُ مِنْهَا إلَّا بِفِعْلِهَا كَذَلِكَ، وَلَوْ سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا لَا يَسَعُهَا فَإِنْ كَانَتْ قَضَاءً لَمْ تُقْصَرْ وَإِلَّا قَصَرَهَا.
قِيلَ وَعُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ إنْ فَعَلَ فِي السَّفَرِ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ قَصْرَهَا وَإِلَّا فَلَا وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ.
(وَلَوْ قَضَى) (فَائِتَةَ السَّفَرِ) الْمُبِيحِ لِلْقَصْرِ (فَالْأَظْهَرُ قَصْرُهُ فِي السَّفَرِ) الَّذِي هُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ
[حاشية الشبراملسي]
أَوْ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ وَإِلَّا جَازَ لَهُ قَصْرُ الثَّانِيَةِ وَإِتْمَامُهَا حَيْثُ كَانَ يَقُولُ بِهِ الْمُخَالِفُ، وَسَيَأْتِي لِلشَّارِحِ أَنَّ الْأَوْجَهَ إعَادَتُهَا مَقْصُورَةً بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَوْ اقْتَدَى بِمُتِمٍّ لَحْظَةً لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَكْرُوهِ، وَقَوْلُهُ أَنْ يُسَافِرَ وَحْدَهُ وَلَوْ قَصُرَ السَّفَرُ، وَقَوْلُهُ مُنْفَرِدًا فِي حَجّ إسْقَاطُ مُنْفَرِدًا وَهُوَ أَوْلَى لِلْعِلْمِ بِالِانْفِرَادِ عَنْ قَوْلِهِ وَحْدَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدٌ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ» ) أَيْ كَالشَّيْطَانِ فِي أَنَّهُ يَبْعُدُ عَنْ النَّاسِ لِئَلَّا يُطَّلَعَ عَلَى أَفْعَالِهِ الْقَبِيحَةِ، وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهِمَا أَخَفُّ) أَيْ مِنْ الْوَاحِدِ.
(قَوْلُهُ: مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ) خَصَّ الرَّاكِبَ وَاللَّيْلَ؛ لِأَنَّهُمَا مَظِنَّةُ الْخَوْفِ أَكْثَرُ، وَإِلَّا فَمِثْلُ الرَّاكِبِ الْمَاشِي وَمِثْلُ اللَّيْلِ النَّهَارُ.
(قَوْلُهُ: تَبَعًا لِشَخْصٍ لَا يَعْلَمُ سَبَبَ سَفَرِهِ) دَخَلَ فِيهِ مَا لَوْ لَمْ يَظُنَّ مِنْ حَالِ مَتْبُوعِهِ شَيْئًا، وَقَوْلُهُ سَبَبُ سَفَرِهِ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّ مَتْبُوعَهُ مُسَافِرٌ لِمَعْصِيَةٍ لَا يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ مَعَهُ وَلَا التَّرَخُّصُ بِتَقْدِيرِ سَفَرِهِ لِعِصْيَانِهِ بِهِ، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ إذَا كَانَ التَّابِعُ لَا يُشَارِكُهُ فِي الْمَعْصِيَةِ الَّتِي سَافَرَ لِأَجْلِهَا، ثُمَّ رَأَيْت مَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الْآتِي فِي قَوْلِ الشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ وَإِنْ امْتَنَعَ عَلَى الْمَتْبُوعِ الْقَصْرُ فِيمَا يَظْهَرُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَالْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ إلَخْ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إيصَالِهِ وَعَلِمَ أَنَّ فِيهِ مَعْصِيَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إيصَالِهِ وُقُوعُ الْمَعْصِيَةِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلَى احْتِمَالٍ) بِأَنْ شَكَّ.
(قَوْلُهُ: إلَّا بِفِعْلِهَا كَذَلِكَ) أَيْ تَامَّةً.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَتْ قَضَاءً) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِهَا مَا يَسَعُ رَكْعَةً كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَمُقْتَضَى إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ) أَيْ قَوْلِهِ فَإِنْ كَانَتْ قَضَاءً إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ) وَوُجِدَ بِبَعْضِ
[حاشية الرشيدي]
لَا يُشْتَرَطُ الطُّولُ فِي الْخَوْفِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: أَيْ إنْ ظَنَّ لُحُوقَ ضَرَرٍ بِهِ) هَذَا إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَدِيثِ الثَّانِي،؛ لِأَنَّ اللَّعْنَ فِيهِ يُؤْذِنُ بِالْحُرْمَةِ فَهُوَ قَاصِرٌ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: تَبَعًا لِشَخْصٍ لَا يَعْلَمُ سَبَبَ سَفَرِهِ) أَفْهَمَ أَنَّهُ إذَا عَلِمَهُ وَأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ لَا يَقْصُرُ، وَأَشَارَ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ إلَى أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ غَيْرُ مُرَادٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ فِي الْفَصْلِ الْآتِي عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ، وَإِنْ امْتَنَعَ عَلَى الْمَتْبُوعِ الْقَصْرُ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَقَدْ يَمْنَعُ هَذَا الْأَخْذَ بِعُمُومِهِ؛ لِأَنَّ مَا يَأْتِي مَفْرُوضٌ فِي الْأَسِيرِ فَهُوَ مَقْهُورٌ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبٌ فِي مَعْصِيَةٍ أَصْلًا فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُ عُمُومِ التَّابِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْهُورًا فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَتْ قَضَاءً) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَقَعْ جَمِيعُهَا فِي الْوَقْتِ عَلَى الْمَرْجُوحِ، أَوْ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ قَدْرُ رَكْعَةٍ مِنْ الْوَقْتِ عَلَى الرَّاجِحِ (قَوْلُهُ: قِيلَ وَعُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ إنْ فَعَلَ إلَخْ) لَفْظُ قِيلَ أَلْحَقَهُ الشَّارِحُ فِي النُّسَخِ
كَانَ سَفَرًا آخَرَ وَتَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا إقَامَةٌ طَوِيلَةٌ لِوُجُودِ سَبَبِ الْقَصْرِ فِي قَضَائِهَا كَأَدَائِهَا، وَبِهِ فَارَقَ عَدَمَ قَضَاءِ الْجُمُعَةِ جُمُعَةً وَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي السَّفَرِ الْآخَرِ غَيْرُ وَارِدٍ عَلَى الْمُصَنَّفِ، وَلَوْ قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إذَا أُعِيدَتْ تَكُونُ عَيْنَ الْأَوْلَى، إذْ قَوْلُهُ دُونَ الْحَضَرِ يُبَيِّنُ عَدَمَ الْفَرْقِ، وَمَحَلُّ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ نِزَاعٍ عِنْدَ عَدَمِ قَرِينَةٍ تَصْرِفُ الثَّانِيَةَ لِغَيْرِ الْأُولَى أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهَا، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرُ يَقْصُرُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي الْقَضَاءِ مَا كَانَ يَلْزَمُهُ فِي الْأَدَاءِ، وَفِي قَوْلِ يُتِمُّ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ رُدَّتْ إلَى رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا فَاتَتْ أَتَى بِالْأَرْبَعِ كَالْجُمُعَةِ، وَفِي قَوْلٍ أَيْضًا: إنْ قَضَاهَا فِي ذَلِكَ السَّفَرِ قَصَرَ وَإِلَّا فَلَا (دُونَ الْحَضَرِ) وَمَا أُلْحِقَ بِهِ لِفَقْدِ سَبَبِ الْقَصْرِ حَالَ فِعْلِهَا.
(وَمَنْ) (سَافَرَ مِنْ بَلْدَةٍ) لَهَا سُورٌ (فَأَوَّلُ سَفَرِهِ مُجَاوَزَةُ سُورِهَا) الْمُخْتَصِّ بِهَا وَلَوْ مُتَعَدِّدًا كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَوْ كَانَ دَاخِلَهُ مَزَارِعُ وَخَرَابٌ، إذْ مَا فِي دَاخِلِ
[حاشية الشبراملسي]
النُّسَخِ بِإِصْلَاحِ الْمُؤَلِّفِ بَدَلَ قَوْلِهِ وَمُقْتَضَى إلَخْ، وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجَرٍ قَوْلُهُ: وَلَوْ سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ إلَخْ، هَلْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ شَرَعَ فِيهَا وَأَدْرَكَ فِي الْوَقْتِ رَكْعَةً حَتَّى لَوْ لَمْ يَشْرَعْ بَلْ أَخَّرَهَا عَنْ الْوَقْتِ امْتَنَعَ قَصْرُهَا إذْ مُجَرَّدُ بَقَاءِ قَدْرِ رَكْعَةٍ مِنْ الْوَقْتِ بَعْدَ السَّفَرِ مُجَوِّزٌ لِقَصْرِهَا وَإِنْ أَخْرَجَهَا عَنْ الْوَقْتِ، وَكَلَامُ الشَّارِحِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ الصَّغِيرِ كَالصَّرِيحِ فِي الثَّانِي وَكَأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّهَا حِينَئِذٍ فَائِتَةُ سَفَرٍ، وَقَوْلُ الْبَهْجَةِ: وَلَوْ أَخَّرَ وَقْتَ فَرْضِهِ وَقَدْ بَقِيَ قَدْرُ رَكْعَةٍ إلَخْ دَالٌّ عَلَى الثَّانِي دَلَالَةً لَا خَفَاءَ مَعَهَا بَلْ لَا تَكَادُ تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، لَكِنْ نُقِلَ عَنْ فَتَاوَى شَيْخِنَا الشِّهَابِ أَحْمَدَ الرَّمْلِيِّ الْأَوَّلُ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَقَوْلُهُ خِلَافُهُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ: أَيْ فَيَقْصِرُهَا إذَا سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً سَوَاءٌ شَرَعَ فِيهِ فِي الْوَقْتِ أَمْ لَا، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزِّيَادِيُّ اهـ. وَسَيَأْتِي لِلشَّارِحِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيَجِبُ كَوْنُ التَّأْخِيرِ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ مَا يُوَافِقُهُ، حَيْثُ قَالَ ثَمَّ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَوَازِ الْقَصْرِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَبِهِ فَارَقَ عَدَمِ قَضَاءِ الْجُمُعَةِ جُمُعَةً) أَيْ لِانْتِفَاءِ سَبَبِ كَوْنِهَا جُمُعَةً وَهُوَ الْوَقْتُ.
(قَوْلُهُ: وَمَا قَرَّرْنَاهُ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي هُوَ كَذَلِكَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: بِالْمَشْهُورِ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بَدَلٌ مِنْ الْمَشْهُورِ، وَالْبَدَلُ عَلَى نِيَّةِ تَكْرَارِ الْعَامِلِ فَالْبَاءُ مُقَدَّرَةٌ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: يُبَيِّنُ عَدَمَ الْفَرْقِ) أَيْ بَيْنَ قَضَائِهَا فِي السَّفَرِ الَّذِي فَاتَتْ فِيهِ أَوْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: عِنْدَ عَدَمِ قَرِينَةٍ) أَيْ وَقَدْ وُجِدَتْ هُنَا، وَهِيَ قَوْلُهُ دُونَ الْحَضَرِ.
(قَوْلُهُ: وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ يَقْصِرُ فِيهِمَا) أَيْ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَلَوْ أَخَّرَ هَذَا عَنْ قَوْلِهِ الْآتِي دُونَ الْحَضَرِ كَانَ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَمَا أُلْحِقَ بِهِ) أَيْ كَسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ.
(قَوْلُهُ: مُجَاوَزَةُ سُورِهَا) هُوَ بِالْهَمْزِ الْبَقِيَّةُ وَبِعَدَمِهِ الْمُحِيطُ بِالْبَلَدِ اهـ عَمِيرَةَ.
وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ: اعْلَمْ أَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ بَابَ السُّورِ لَهُ كَتِفَانِ خَارِجَانِ عَنْ مُحَاذَاةِ عَتَبَتِهِ بِحَيْثُ إنَّ الْخَارِجَ يُجَاوِزُ الْعَتَبَةَ، وَهُوَ فِي الْمُحَاذَاةِ الْكَتِفَيْنِ، فَهَلْ يَتَوَقَّفُ جَوَازُ الْقَصْرِ عَلَى مُجَاوَزَةِ مُحَاذَاتِهِ الْكَتِفَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ الْقَصْرُ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ ذَلِكَ وَإِنْ انْفَصَلَ عَنْ الْعَتَبَةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَمَالَ م ر لِلتَّوَقُّفِ فَلْيُحَرَّرْ اهـ. أَقُولُ: وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ لِلتَّوَقُّفِ التَّوَقُّفُ عَلَى مُجَاوَزَةِ السُّورِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُجَاوِزًا لِلسُّورِ إلَّا بِمُجَاوَزَةِ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَمِنْهَا الْكَتِفَانِ.
ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي الْقَرْيَةِ أَيْضًا مُجَاوَزَةُ مَطْرَحِ الرَّمَادِ وَمَلْعَبِ الصِّبْيَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَوَافَقَ عَلَيْهِ م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَبِبَعْضِ الْهَوَامِشِ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ بَعْدَ مَا ذَكَرَهُ سم هَذِهِ طَرِيقَةٌ.
وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَهُوَ أَظْهَرُ.
وَوَجْهُهُ أَنَّا إذَا لَمْ نَعْتَبِرْ الْبَسَاتِينَ وَإِنْ كَانَتْ تُسْكَنُ فِي بَعْضِ فُصُولِ السَّنَةِ فَلَا يُعْتَبَرُ مَا ذَكَرَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى اهـ. أَقُولُ: وَقَدْ تُمْنَعُ الْأَوْلَوِيَّةُ
[حاشية الرشيدي]
وَكَذَا قَوْلُهُ: آخِرَ السِّوَادَةِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ، وَكَأَنَّهُ مَشَى أَوَّلًا عَلَى مَا نَقَلَ عَنْ فَتَاوَى وَالِدِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ بِالْفِعْلِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فَالْحَقُّ مَا ذَكَرَ، فَالشَّرْطُ حِينَئِذٍ أَنْ يُسَافِرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ رَكْعَةٍ سَوَاءٌ أَشَرَعَ فِيهَا أَمْ لَا إذْ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا فَائِتَةُ سَفَرٍ وَمَا نَقَلَ عَنْ فَتَاوَى وَالِدِهِ لَيْسَ مَوْجُودًا فِيهَا
السُّورِ مَعْدُودٌ مِنْ نَفْسِ الْبَلَدِ مَحْسُوبٌ مِنْ مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا بَعْضُ سُورٍ وَهُوَ صَوْبُ مَقْصِدِهِ اُشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهُ، وَلَوْ كَانَ السُّورُ مُتَهَدِّمًا وَبَقِيَتْ لَهُ بَقَايَا اُشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَيُحْمَلُ الْكَلَامَانِ عَلَى هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ وَالْخَنْدَقُ فِيمَا لَا سُورَ لَهَا كَالسُّورِ، وَبَعْضُهُ كَبَعْضِهِ وَإِنْ خَلَا عَنْ الْمَاءِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ مَعَ وُجُودِ السُّورِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَوْ أُنْشِئَتْ إلَى جَانِبِ جَبَلٍ لِيَكُونَ كَالسُّورِ لَهَا اُشْتُرِطَ فِي حَقِّ مَنْ يُسَافِرُ إلَى جِهَتِهِ أَنْ يَقْطَعَهُ إذَا كَانَ أَرْتِفَاعُهُ مُقْتَصَدًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَصَدًا اُشْتُرِطَ مُجَاوَزَةُ مَا يُنْسَبُ إلَيْهِ عُرْفًا كَمَا قَالُوا فِي النَّازِلِ إلَى وَهْدَةٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَصْعَدَ عِنْدَ الِاعْتِدَالِ وَلَا نَقْلَ عِنْدِي، وَيَلْحَقُ بِالسُّورِ تَحْوِيطُ أَهْلِ الْقُرَى عَلَيْهَا بِتُرَابٍ أَوْ نَحْوِهِ (فَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ عِمَارَةٌ) كَدُورٍ مُلَاصِقَةٍ لَهُ عُرْفًا (اُشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهَا) أَيْضًا (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِدَاخِلِهِ فَيَثْبُتُ لَهَا حُكْمُهُ (قُلْت: الْأَصَحُّ لَا يُشْتَرَطُ) مُجَاوَزَتُهَا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِعَدَمِ عَدِّهَا مِنْ الْبَلَدِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ سَكَنَ فُلَانٌ خَارِجَ الْبَلَدِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: لَا يَجُوزُ لِمَنْ فِي الْبَلَدِ أَنْ يَدْفَعَ زَكَاتَهُ لِمَنْ هُوَ خَارِجُ السُّورِ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلزَّكَاةِ، وَلَا يُنَافِيهِ
[حاشية الشبراملسي]
بَلْ وَالْمُسَاوَاةُ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْبَسَاتِينِ وَمَرَافِقِ الْقَرْيَةِ بِأَنَّ الْبَسَاتِينَ لَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهَا إلَّا نَادِرًا، بِخِلَافِ مَرَافِقِ الْقَرْيَةِ مِنْ نَحْوِ مَطْرَحِ الرَّمَادِ وَمَلْعَبِ الصِّبْيَانِ فَإِنَّ الْحَاجَةَ الْمُؤَكَّدَةَ بَلْ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهَا فَاشْتُرِطَتْ مُجَاوَزَتُهَا.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ اشْتِرَاطَ مُجَاوَزَةِ الْمَقَابِرِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْقَرْيَةِ الَّتِي لَا سُوَرَ لَهَا اهـ. وَبَقِيَ مَا لَوْ هُجِرَتْ الْمَقْبَرَةُ الْمَذْكُورَةُ وَاُتُّخِذَ غَيْرُهَا، هَلْ يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِنِسْبَتِهَا لَهُمْ وَاحْتِرَامِهَا.
نَعَمْ لَوْ انْدَرَسَتْ وَانْقَطَعَتْ نِسْبَتُهَا لَهُمْ فَلَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا نُقِلَ عَنْ م ر مِنْ اشْتِرَاطِ مُجَاوَزَتِهَا.
(قَوْلُهُ: اشْتَرَطَ مُجَاوَزَتَهُ) أَيْ السُّورِ الَّذِي بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ.
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ) أَيْ الْخَنْدَقِ (قَوْلُهُ: مَعَ وُجُودِ السُّورِ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَوْ كَانَ عَلَى بَابِ الْبَلَدِ قَنْطَرَةٌ اُشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهَا قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ اهـ. عِبَارَةُ الْعُبَابِ وَالْخَنْدَقِ كَالسُّورِ، وَكَذَا قَنْطَرَةُ الْبَابِ اهـ. وَلَوْ كَانَتْ الْقَنْطَرَةُ عَلَى بَابِ السُّورِ فَيَتَّجِهُ اشْتِرَاطُ مُجَاوَزَتِهَا، وَلَا يَكْفِي مُجَاوَزَةُ السُّورِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُوَرٌ اُشْتُرِطَ.
ثُمَّ رَأَيْت م ر قَالَ: لَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ الْخَنْدَقِ أَوْ الْقَنْطَرَةِ سَوَاءٌ السُّورُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُوَرٌ اُشْتُرِطَ اهـ. وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَ خَنْدَقٌ وَقَنْطَرَةٌ وَلَا سُوَرَ هُنَاكَ فَهَلْ يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُمَا مَعًا أَوْ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِاَلَّذِي يَمُرُّ عَلَيْهِ أَوَّلًا مِنْهُمَا.
وَنُقِلَ عَنْ سم بِهَامِشِ الْعُبَابِ مَا يُوَافِقُهُ، وَانْظُرْ مَا سُورَةُ الْقَنْطَرَةِ الَّتِي يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا مَعَ أَنَّ الَّذِي نَعْرِفُهُ فِي الْقَنَاطِرِ إنَّمَا هُوَ جَعْلُهَا لِلْمُرُورِ عَلَيْهَا لَا لِحِفْظِ الْبَلَدِ.
(قَوْلُهُ: لَوْ أُنْشِئَتْ) أَيْ قَرْيَةٌ، وَقَوْلُهُ إلَى جَانِبِ جَبَلٍ لِيَكُونَ كَالسُّورِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَقْصِدُوا كَوْنَهُ كَالسُّورِ بَلْ حَصَلَ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا اُتُّفِقَ عِنْدَ إرَادَةِ الْبِنَاءِ لِعَدَمِ صَلَاحِيَةِ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَثَلًا لَمْ يُشْتَرَطْ مُجَاوَزَتُهُ، وَأَسْقَطَ هَذَا التَّعْلِيلَ حَجَرٌ فَاقْتَضَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ حَصَلَ بِهِ مَنْفَعَةٌ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ.
(قَوْلُهُ: مُقْتَصِدًا) أَيْ مُتَوَسِّطًا.
(قَوْلُهُ: اُشْتُرِطَ مُجَاوَزَةُ مَا يُنْسَبُ إلَيْهِ) أَيْ الْمَنْشَأُ بِجَانِبِ الْبَلَدِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا قَالُوا فِي النَّازِلِ) أَيْ الْمُقِيمِ فِي وَهْدَةٍ فَإِلَى فِيهِ بِمَعْنَى فِي.
(قَوْلُهُ: وَيَلْحَقُ بِالسُّورِ تَحْوِيطُ أَهْلِ الْقُرَى عَلَيْهَا) أَيْ لِإِرَادَةِ حِفْظِهَا مِنْ الْمَاءِ مَثَلًا.
أَمَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ إلْقَاءِ الرَّمَادِ وَنَحْوِهِ حَوْلَ الْبَلَدِ فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَلَا يَكُونُ كَالسُّورِ لَكِنَّهُ يُعَدُّ مِنْ مَرَافِقِهَا عَلَى مَا مَرَّ فِي كَلَامِ سم نَقْلًا عَنْ م ر.
(قَوْلُهُ: مَنْ هُوَ خَارِجَ السُّورِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْآخِرُ مِنْ الَّذِينَ بُيُوتُهُمْ دَاخِلَ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: الْكَلَامَانِ) أَيْ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ اشْتِرَاطَ مُجَاوَزَةِ السُّورِ الْمَهْدُومِ وَكَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ عَدَمَ اشْتِرَاطِهِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَقْطَعَهُ) أَيْ يَصْعَدَهُ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ.
وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَأَلْحَقَ الْأَذْرَعِيُّ بِهِ قَرْيَةً أُنْشِئَتْ بِجَانِبِ جَبَلٍ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ سَافَرَ
مَا يَأْتِي أَنَّهُ لَوْ اتَّصَلَ بِنَاءُ قَرْيَةٍ بِأُخْرَى اُشْتُرِطَتْ مُجَاوَزَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا السُّورَ فَاصِلًا بَيْنَهُمَا، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ مَنْ بِالْعُمْرَانِ الَّذِي إذَا أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ مِنْ جِهَةِ السُّورِ لَمْ يُشْتَرَطْ مُجَاوَزَةُ السُّورِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ خَارِجِهِ كَبَلْدَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنْ أُخْرَى، وَلَا مَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَنْ سَافَرَ قَبْلَ فَجْرِ رَمَضَانَ مِنْ اعْتِبَارِ الْعُمْرَانِ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى سَفَرِهِ مِنْ بَلْدَةٍ لَا سُورَ لَهَا لِيُوَافِقَ مَا هُنَا (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا سُورٌ) أَصْلًا أَوْ فِي جِهَةِ مَقْصِدِهِ أَوْ كَانَ لَهَا سُورٌ غَيْرُ خَاصٍّ بِهَا كَقُرًى مُتَفَاصِلَةٍ جَمَعَهَا سُورٌ وَلَوْ مَعَ التَّقَارُبِ (فَأَوَّلُهُ) أَيْ سَفَرِهِ (مُجَاوَزَةُ الْعُمْرَانِ) وَإِنْ تَخَلَّلَهُ خَرَابٌ لَا أُصُولُ أَبْنِيَةٍ بِهِ أَوْ نَهْرٌ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا أَوْ مَيْدَانًا لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الْإِقَامَةِ (لَا) مُجَاوَزَةُ (الْخَرَابِ) الَّذِي لَمْ يَبْقَ أُصُولُهُ أَوْ هَجَرُوهُ بِالتَّحْوِيطِ عَلَيْهِ أَوْ اتَّخَذُوهُ مَزَارِعَ فَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ اشْتِرَاطِ مُجَاوَزَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ مَا قُلْنَاهُ (وَ) لَا (الْبَسَاتِينِ) وَالْمَزَارِعِ كَمَا عَلِمْت بِالْأَوْلَى، وَلِهَذَا أَسْقَطَهَا مِنْ الْمُحَرَّرِ وَإِنْ اتَّصَلَتَا بِمَا سَافَرَ مِنْهُ أَوْ كَانَتَا مُحَوَّطَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُتَّخَذَانِ لِلْإِقَامَةِ، وَلَا فَرْقَ كَمَا شَمَلَهُ كَلَامُهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِهَا قُصُورٌ أَوْ دُورٌ تُسْكَنُ فِي بَعْضِ فُصُولِ السَّنَةِ أَوْ لَا، وَقَدْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّهُ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْبَلَدِ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ: إنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ اشْتَرَطَ فِي الرَّوْضَةِ مُجَاوَزَتَهَا (وَالْقَرْيَةُ) كَبَلْدَةٍ فِيمَا تَقَرَّرَ وَالْقَرْيَتَانِ الْمُتَّصِلَتَانِ عُرْفًا (كَبَلْدَةٍ) وَاحِدَةٍ وَإِنْ اخْتَلَفَ اسْمُهُمَا وَإِلَّا اُكْتُفِيَ بِمُجَاوَزَةِ قَرْيَةِ الْمُسَافِرِ، وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ: يَكْفِي فِي الِانْفِصَالِ ذِرَاعٌ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْعُرْفُ.
(وَأَوَّلُ) (سَفَرِ سَاكِنِ الْخِيَامِ) كَالْأَعْرَابِ (مُجَاوَزَةُ الْحِلَّةِ) فَقَطْ وَهِيَ بِكَسْرِ الْحَاءِ بُيُوتٌ مُجْتَمِعَةٌ
[حاشية الشبراملسي]
السُّورِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِمِصْرِنَا كَثِيرًا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا السُّورَ فَاصِلًا) أَيْ فَارِقًا بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ بَيْنَ الْمُتَّصِلَتَيْنِ سُوَرًا.
(قَوْلُهُ: مُجَاوَزَةُ الْعُمْرَانِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَمِنْهُ الْمَقَابِرُ الْمُتَّصِلَةُ وَمَطْرَحُ الرَّمَادِ وَمَلْعَبُ الصِّبْيَانِ وَنَحْوُ ذَلِكَ عَلَى مَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَبَيَّنْت مَا فِيهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَأَنَّ كَلَامَ صَاحِبِ الْمُعْتَمَدِ وَالسُّبْكِيِّ مُصَرِّحٌ بِخِلَافِهِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ الْحَالَةِ الْآتِيَةِ وَاضِحٌ اهـ حَجَرٌ.
وَقَوْلُهُ مُصَرِّحٌ بِخِلَافِهِ تَقَدَّمَ عَنْ الشَّارِحِ مَا فِيهِ.
(قَوْلُهُ: لَا أُصُولَ أَبْنِيَةٍ) صِفَةٌ لِخَرَابٍ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْخَرَابَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ الْعُمْرَانِ إذَا صَارَ أَرْضًا مَحْضَةً لَا أَثَرَ لِلْبِنَاءِ فِيهِ يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُ.
(قَوْلُهُ: لَا مُجَاوَزَةُ الْخَرَابِ) قَالَ وَالِدُ الشَّارِحِ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ: قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: لَوْ سَوَّرُوا عَلَى الْعَامِرِ سُوَرًا وَعَلَى الْخَرَابِ سُوَرًا فَلَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَةِ السُّورَيْنِ اهـ. أَقُولُ: وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ، وَيُقَالُ الْأَقْرَبُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ مُجَاوَزَةِ السُّورِ الثَّانِي إذْ لَا عِبْرَةَ بِهِ مَعَ وُجُودِ التَّحْوِيطِ عَلَى الْعَامِرِ (قَوْلُهُ: كَمَا عَلِمْت) أَيْ الْمُزَارِعُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اتَّصَلَتَا) أَيْ الْبَسَاتِينُ وَالْمَزَارِعُ وَهُوَ غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا اكْتَفَى) أَيْ إلَّا يَتَّصِلَا
(قَوْلُهُ: سَاكِنُ الْخِيَامِ) [فَائِدَةٌ] الْخَيْمَةُ أَرْبَعَةُ أَعْوَادٍ، وَتُنْصَبُ وَتُسْقَفُ بِشَيْءٍ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، وَجَمْعُهَا خَيْمٌ بِحَذْفِ الْهَاءِ كَتَمْرَةٍ وَتَمْرٍ ثُمَّ تُجْمَعُ عَلَى خِيَامٍ كَكَلْبٍ وَكِلَابٍ فَالْخِيَامُ جَمْعُ الْجَمْعِ.
وَأَمَّا الْمُتَّخَذُ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ وَبَرٍ فَلَا يُقَالُ لَهُ خَيْمَةٌ بَلْ خِبَاءٌ وَقَدْ يَتَجَوَّزُونَ فَيُطْلِقُونَهُ عَلَيْهِ انْتَهَى أَسَنَوِيٌّ.
وَقَوْلُهُ وَتُسْقَفُ بِتَخْفِيفِ الْقَافِ الْمَفْتُوحَةِ وَقَدْ تُشَدَّدُ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: سَقَفْت الْبَيْتَ سَقْفًا مِنْ بَابِ قَتَلَ عَمِلْت لَهُ سَقْفًا، وَأَسْقَفْتُهُ بِالْأَلِفِ كَذَلِكَ، وَسَقَّفْتُهُ
[حاشية الرشيدي]
فِي صَوْبِهِ قَطْعُ ارْتِفَاعِهِ إنْ اعْتَدَلَ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَا أُصُولُ أَبْنِيَةٍ بِهِ) أَيْ فَمَا بِهِ ذَلِكَ أَوْ لَا (قَوْلُهُ: لَا مُجَاوَزَةُ الْخَرَابِ) أَيْ خَارِجَ الْعُمْرَانِ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: بِالتَّحْوِيطِ عَلَيْهِ) يَعْنِي عَلَى الْعُمْرَانِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ اتَّخَذُوهُ أَيْ الْخَرَابَ فَفِيهِ تَشْتِيتُ الضَّمَائِرِ (قَوْلُهُ: جَرَى عَلَى الْغَالِبِ) يُتَأَمَّلُ.
أَوْ مُتَفَرِّقَةٌ بِحَيْثُ يَجْتَمِعُ أَهْلُهَا لِلسَّمَرِ فِي نَادٍ وَاحِدٍ وَيَسْتَعِيرُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَةِ مَرَافِقِهَا أَيْضًا كَمَلْعَبِ صِبْيَانٍ وَنَادٍ وَمَطْرَحِ رَمَادٍ وَمَعْطِنِ إبِلٍ، وَكَذَا مَاءٌ وَحَطَبٌ اخْتَصَّا بِهَا، وَقَدْ تَشْمَلُ الْحِلَّةُ جَمِيعَ ذَلِكَ فَلَا تُرَدُّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا مَعْدُودَةٌ مِنْ مَحَلِّ إقَامَتِهِمْ.
وَمَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ حَيْثُ كَانَتْ بِمُسْتَوٍ، فَإِنْ كَانَتْ بِوَادٍ وَسَافَرَ فِي عَرْضِهِ أَوْ بِرَبْوَةٍ أَوْ وَهْدَةٍ اُشْتُرِطَ مُجَاوَزَةُ الْعَرْضِ وَمَحَلِّ الصُّعُودِ وَالْهُبُوطِ إنْ كَانَتْ الثَّلَاثَةُ مُعْتَدِلَةً، وَإِلَّا بِأَنْ أَفْرَطَتْ سَعَتُهَا أَوْ كَانَتْ بِبَعْضِ الْعَرْضِ اُكْتُفِيَ بِمُجَاوَزَةِ الْحِلَّةِ وَمَرَافِقِهَا عُرْفًا، وَلَوْ نَزَلَ بِمَحَلٍّ مِنْ بَادِيَةٍ وَحْدَهُ اُشْتُرِطَ مُفَارَقَتُهُ وَمَا يُنْسَبُ إلَيْهِ عُرْفًا فِيمَا يَظْهَرُ، وَهُوَ مَحْمَلُ مَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ رَحْلَهُ كَالْحِلَّةِ فِيمَا ذُكِرَ.
وَيُعْتَبَرُ فِي سَفَرِ الْبَحْرِ الْمُتَّصِلِ سَاحِلُهُ بِالْبَلَدِ جَرْيُ السَّفِينَةِ أَوْ الزَّوْرَقِ إلَيْهَا، قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَأَقَرَّهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ، وَظَاهِرُهُ مَعَ
[حاشية الشبراملسي]
بِالتَّشْدِيدِ مُبَالَغَةٌ.
(قَوْلُهُ: بِحَيْثُ يَجْتَمِعُ أَهْلُهَا لِلسَّمَرِ) وَهُوَ الْحَدِيثُ لَيْلًا، وَقَوْلُهُ فِي نَادٍ.
النَّادِي مُجْتَمَعُ الْقَوْمِ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: نَدَا الْقَوْمُ نَدْوًا مِنْ بَابِ قَتَلَ: اجْتَمَعُوا، وَمِنْهُ النَّادِي وَهُوَ مَجْلِسُ الْقَوْمِ وَمُتَحَدَّثَهُمْ اهـ. وَقَوْلُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَةِ مَرَافِقِهَا قَضِيَّةُ اعْتِبَارِ مَا ذُكِرَ فِي الْحِلَّةِ وَعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ فِي الْقَرْيَةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُ فِيهَا وَعَلَيْهِ جَرَى حَجَرٌ وَتَقَدَّمَ عَنْ سم عَنْ الشَّارِحِ مَا يُخَالِفُهُ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا مَاءٌ وَحَطَبٌ اخْتَصَّا بِهَا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ بَعِدَا وَلَوْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِ نِسْبَتِهِمَا إلَيْهَا عُرْفًا لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا.
(قَوْلُهُ: اُشْتُرِطَ مُجَاوَزَةُ الْعَرْضِ) كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَةِ الْعَرْضِ وَالْمَهْبِطِ وَالْمِصْعَدِ فِيمَا ذَكَرَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْحِلَّةُ عَامَّةً لَهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا يُفِيدُ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، فَإِذَا كَانَتْ الْحِلَّةُ بِمَرَافِقِهَا فِي أَثْنَاءِ الْوَادِي وَأَرَادَ السَّفَرَ إلَى جِهَةِ الْعَرْضِ لَا تَكْفِي مُجَاوَزَةُ الْحِلَّةِ بِمَرَافِقِهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَةِ الْعَرْضِ أَيْضًا فَتَأَمَّلْهُ، ثُمَّ جَزَمَ م ر بِخِلَافِهِ فَقَالَ: بَلْ يَكْفِي كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ الصُّعُودِ وَالْهُبُوطِ) أَيْ إنْ اسْتَوْعَبَتْهُ الْبُيُوتُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي أَوْ كَانَتْ بِبَعْضِ الْعَرْضِ إلَخْ.
هَذَا وَيُقَالُ عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةً بِمَا ذُكِرَ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ عَرْضِ الْوَادِي إذْ الْبُيُوتُ الْمُسْتَوْعِبَةُ الْعَرْضَ دَاخِلَةٌ فِي الْحِلَّةِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ اشْتَرَطَ مُجَاوَزَةَ الْعَرْضِ لَا يَشْتَرِطُ اسْتِيعَابَ الْبُيُوتِ لَهُ، وَمَنْ اشْتَرَطَ اسْتِيعَابَ الْبُيُوتِ لِلْعَرْضِ لَمْ يَذْكُرْهُ بَعْدَ الْحِلَّةِ، وَلَعَلَّهُمَا طَرِيقَتَانِ: إحْدَاهُمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مَعَ مُجَاوَزَةِ الْحِلَّةِ عَرْضُ الْوَادِي حَيْثُ كَانَتْ الْحِلَّةُ بِبَعْضِ عَرْضِ الْوَادِي لَا جَمِيعِهِ.
وَالثَّانِيَةُ مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ مِنْ أَنَّ الْحِلَّةَ بِجَمِيعِ الْوَادِي فَيُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا وَإِنْ كَانَتْ بِبَعْضِهِ اُشْتُرِطَ مُجَاوَزَةُ الْحِلَّةِ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ نَزَلَ بِمَحَلٍّ) أَيْ سَكَنٍ.
(قَوْلُهُ: أَوْ الزَّوْرَقِ إلَيْهَا) أَيْ آخِرًا (قَوْلُهُ: قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَأَقَرَّهُ) قَالَ فِي ابْنِ حَجَرٍ: وَإِنْ كَانَ فِي هَوَاءِ الْعُمْرَانِ كَمَا اقْتَضَاهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَتْ بِوَادٍ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى كَوْنِ الْوَادِي الْمَذْكُورِ مِنْ جُمْلَةِ مَفْهُومِ الْمُسْتَوِي.
لَا يُقَالُ: مُرَادُهُ بِالْمُسْتَوِي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ الْمُعْتَدِلُ فَقَدْ اسْتَعْمَلَ لَفْظَ الْمُسْتَوِي فِي حَقِيقَتِهِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ صُعُودٌ وَلَا هُبُوطٌ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّبْوَةِ وَالْوَهْدَةِ وَفِي مَجَازِهِ بِمَعْنَى الْمُعْتَدِلِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَادِي.
لِأَنَّا نَقُولُ: يُنَافَى هَذَا قَوْلُهُ بَعْدُ: إنْ كَانَتْ الثَّلَاثَةُ مُعْتَدِلَةً فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَسَافَرَ فِي عَرْضِهِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِجَمِيعِ الْعَرْضِ، لَكِنْ يُنَافِيهِ أَخْذُهُ مَفْهُومَ هَذَا بِقَوْلِهِ بَعْدُ أَوْ كَانَتْ بِبَعْضِ الْعَرْضِ، وَهُوَ فِي الْإِطْلَاقِ هُنَا مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَهُ الشِّهَابُ سم عَنْ اعْتِمَادِ وَالِدِهِ، وَمُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ عَنْهُ نَفْسُهُ وَفِي أَخْذِهِ الْمَفْهُومَ الْآتِيَ بِالْعَكْسِ فَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُ لِمُوَافَقَتِهِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ الشِّهَابُ الْمَذْكُورُ خُصُوصًا وَهُوَ مَنْطُوقٌ فِي كَلَامِهِ هُنَا، بِخِلَافِ عَدَمِ التَّقْيِيدِ فَهُوَ مَفْهُومٌ وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا بِأَنْ أَفْرَطَتْ سِعَتُهَا إلَيْهِ قَوْلُهُ: اُكْتُفِيَ بِمُجَاوَزَةِ الْحِلَّةِ) مُرَادُهُ بِالْحِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا إذَا أَفْرَطَتْ السَّعَةُ مَا بَعُدَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ مِنْ حِلَّةٍ هُوَ فِيهَا، كَمَا لَوْ سَافَرَ فِي طُولِ الْوَادِي كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ مِنْ شَرْحِ الرَّوْضِ.
(قَوْلُهُ: جَرَى السَّفِينَةُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ فِي عَرْضِ الْبَلَدِ " لَكِنْ نَقَلَ عَنْ الشِّهَابِ ابْنِ قَاسِمٍ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي عَرْضِ الْبَلَدِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي حَاشِيَةِ الزِّيَادِيِّ
مَا نَقَلَهُ عَنْ الْبَغَوِيّ نَفْسِهِ فِي الْخَرَابِ أَنَّ سَيْرَ الْبَحْرِ يُخَالِفُ سَيْرَ الْبَرِّ، وَكَأَنَّهُ لِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يَعُدُّ الْمُسَافِرَ فِيهِ مُسَافِرًا إلَّا بَعْدَ رُكُوبِ السَّفِينَةِ أَوْ الزَّوْرَقِ، بِخِلَافِهِ فِي الْبَرِّ فَإِنَّهُ بِمُجَرَّدِ مُجَاوَزَةِ الْعُمْرَانِ وَإِنْ أَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِهِ يُعَدُّ مُسَافِرًا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ كَلَامَ الْبَغَوِيّ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا سُورَ لَهُ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِمُجَرَّدِ نِيَّةِ السَّفَرِ لِتَعَلُّقِ الْقَصْرِ فِي الْآيَةِ بِالضَّرْبِ وَيُخَالِفُ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ كَمَا سَيَأْتِي؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ كَالْقُنْيَةِ فِي مَالِ التِّجَارَةِ، كَذَا فَرَّقَ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِبَعْضِ الْمَرَاوِزَةِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ: وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي نِيَّةِ الْإِقَامَةِ الْمُكْثُ، وَلَيْسَ مُرَادًا كَمَا سَيَأْتِي فَالْمَسْأَلَتَانِ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ مُسْتَوِيَتَانِ فِي أَنَّ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ لَا يَكْفِي فَلَا حَاجَةَ لِفَارِقٍ، وَيَنْتَهِي السَّفَرُ بِبُلُوغِ مَا شُرِطَ مُجَاوَزَتُهُ ابْتِدَاءً مِمَّا مَرَّ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ دُخُولِهِ إلَيْهِ أَمْ لَا بِأَنْ رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ كَمَا قَالَ.
(وَإِذَا رَجَعَ) إلَى مَا شُرِطَ مُجَاوَزَتُهُ مِنْ دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لِحَاجَةٍ كَتَطَهُّرٍ وَأَخْذِ مَتَاعٍ، أَوْ نَوَى الرُّجُوعَ لَهُ وَهُوَ مُسْتَقِلٌّ مَاكِثٌ وَإِنْ كَانَ بِمَكَانٍ غَيْرِ صَالِحٍ لِلْإِقَامَةِ، فَإِنْ كَانَ وَطَنُهُ صَارَ مُقِيمًا بِابْتِدَاءِ رُجُوعِهِ أَوْ بِنِيَّتِهِ وَلَا يَتَرَخَّصُ فِي إقَامَتِهِ وَلَا رُجُوعِهِ إلَى مُفَارَقَةِ وَطَنِهِ تَغْلِيبًا لِلْوَطَنِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَطَنَهُ تَرَخَّصَ، وَإِنْ دَخَلَهَا وَلَوْ كَانَ دَارَ إقَامَتِهِ لِانْتِفَاءِ الْوَطَنِ فَكَانَتْ كَسَائِرِ الْمَنَازِلِ، فَإِنْ رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ الطَّوِيلِ (انْتَهَى سَفَرُهُ بِبُلُوغِهِ مَا شُرِطَ مُجَاوَزَتُهُ ابْتِدَاءً) مِنْ
[حاشية الشبراملسي]
إطْلَاقُهُمْ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: إلَّا بَعْدَ رُكُوبِ السَّفِينَةِ) هَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ نُزُولِ السَّفِينَةِ وَإِنْ لَمْ تَسِرْ أَوْ الزَّوْرَقِ يَقْصُرُ وَمُدَّعَاهُ خِلَافُهُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ بِرُكُوبِ السَّفِينَةِ نُزُولُهُ فِيهَا مَعَ سَيْرِهَا بِقَرِينَةِ مَا قَدَّمَهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا فِي حَقِّ أَهْلِ الْبَلَدِ الْمُجَاوِرَةِ لِلنَّهْرِ.
أَمَّا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَأْتِي إلَيْهِمْ بِقَصْدِ نُزُولِ السَّفِينَةِ فَلَا يَتَوَقَّفُ قَصْرُهُمْ عَلَى سَيْرِ السَّفِينَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقْصُرُونَ بِمُجَاوَزَةِ عُمْرَانِ بَلَدِهِمْ أَوْ سُوَرِهَا.
قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: بَقِيَ أَنَّ م ر قَالَ: إذَا جَرَتْ السَّفِينَةُ فِي طُولِ الْبَلَدِ لَا يُعَدُّ مُسَافِرًا حَتَّى يُجَاوِزَهَا، وَهَذَا قَالَهُ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا سَارَتْ عَلَى مُحَاذَاةِ الْمِقْدَارِ الَّذِي كَانَتْ وَاقِفَةً فِيهِ بِحَيْثُ لَوْ كَانَتْ ابْتِدَاءً فِي مَحَلِّ السَّيْرِ وَاحْتِيجَ فِي السَّفَرِ إلَى جَرْيِهَا عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَعُدَتْ عَنْ الشَّطِّ وَصَارَتْ فِي جِهَةِ طُولِ الْبُعْدِ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ) أَيْ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا حَاجَةَ لِفَارِقٍ) أَيْ بَيْنَ نِيَّةِ السَّفَرِ وَنِيَّةِ الْإِقَامَةِ.
(قَوْلُهُ: سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ دُخُولِهِ إلَيْهِ) عِبَارَةُ حَجَرٍ: سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ دُخُولِهِ إلَخْ وَهِيَ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَلَا رُجُوعِهِ إلَى مُفَارَقَةِ) أَيْ لَا يَتَرَخَّصُ حَتَّى يُفَارِقَهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ جَمْعٌ) مُرَادُهُ حَجَرٌ تَبَعًا لِغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: انْتَهَى سَفَرُهُ بِبُلُوغِهِ مَا شَرَطَ مُجَاوَزَتَهُ ابْتِدَاءً) أَيْ وَلَوْ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا فِيمَا يَظْهَرُ.
وَعِبَارَةُ وَالِدِ الشَّارِحِ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ نَصُّهَا: قَوْلُهُ وَيَنْتَهِي سَفَرُهُ بِبُلُوغِهِ مَبْدَأَ سَفَرِهِ هَذِهِ عِبَارَةٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ؛ لِأَنَّ مَبْدَأَ سَفَرِهِ يَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ فِي الِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلَ سَفَرِهِ، فَهُوَ بِبُلُوغِهِ فِي الرُّجُوعِ مُسَافِرٌ لَا مُقِيمٌ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا لَهُ سُوَرٌ خَارِجَ السُّورِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ فَلَا يَكْفِي الِانْتِهَاءُ بِبُلُوغِهِ بَلْ بِبُلُوغِ نَفْسِ السُّورِ بِأَنْ لَا يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَالْعِبَارَةُ الصَّحِيحَةُ أَنْ يُقَالَ: يَنْتَهِي سَفَرُهُ بِمُجَاوَزَتِهِ مَبْدَأِ سَفَرِهِ إلَخْ انْتَهَى.
وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي سَفَرِ الْبَحْرِ أَنَّ مَنْ بِالسَّفِينَةِ يَتَرَخَّصُ إلَى إرْسَائِهَا بِالسَّاحِلِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْرَقٌ، وَإِلَى مُفَارَقَةِ الزَّوْرَقِ لَهَا آخِرًا إنْ كَانَ لَهَا زَوْرَقٌ حَيْثُ أَتَى مَحَلَّ إقَامَتِهِ فِي عَرْضِ الْبَحْرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتَى فِي طُولِهِ فَيَنْقَطِعُ تَرَخُّصُهُ بِمُحَاذَاتِهِ أَوَّلَ عُمْرَانِ بَلَدِهِ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ سم نَقْلًا عَنْ الشَّارِحِ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: قَالَ شَيْخُنَا بِرّ: أَقُولُ لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ الرُّجُوعِ مِنْ السَّفَرِ الطَّوِيلِ، وَيَنْبَغِي أَنْ
[حاشية الرشيدي]
وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ الشِّهَابُ حَجّ (قَوْلُهُ: مَا نَقَلَ عَنْ الْبَغَوِيّ نَفْسِهِ فِي الْخَرَابِ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ إنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ انْدَرَسَ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ بَقِيَ فِيهِ بَقَايَا حِيطَانٍ وَاِتَّخَذُوهُ مَزَارِعَ أَوْ هَجَرُوهُ بِالتَّحْوِيطِ عَلَى الْعَامِرِ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: إلَّا بَعْدَ رُكُوبِ السَّفِينَةِ) أَيْ مَعَ الْجَرْيِ بِقَرِينَةِ مَا مَرَّ
سُورٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهُ فَيَتَرَخَّصُ إلَى وُصُولِهِ.
لِذَلِكَ لَا يُقَالُ: الْقِيَاسُ عَدَمُ انْتِهَاءِ سَفَرِهِ إلَّا بِدُخُولِهِ الْعُمْرَانَ أَوْ السُّورَ كَمَا لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا إلَّا بِخُرُوجِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَنْقُولُ الْأَوَّلُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِقَامَةُ فَلَا تَنْقَطِعُ إلَّا بِتَحَقُّقِ السَّفَرِ وَتَحَقُّقُهُ بِخُرُوجِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا السَّفَرُ فَعَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَانْقَطَعَ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ، فَعُلِمَ أَنَّهُ يَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ بُلُوغِهِ مَبْدَأَ سَفَرِهِ مِنْ وَطَنِهِ وَلَوْ مَارًّا بِهِ فِي سَفَرٍ كَأَنْ خَرَجَ مِنْهُ ثُمَّ رَجَعَ مِنْ بَعِيدٍ قَاصِدًا مُرُورَهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ إقَامَةٍ لَا مِنْ بَلَدِ مَقْصِدِهِ وَلَا بَلَدَ لَهُ فِيهَا أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ وَلَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فَلَا يَنْتَهِي سَفَرُهُ بِوُصُولِهِ إلَيْهِمَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِهِمَا فَإِنَّهُ يَنْتَهِي سَفَرُهُ بِذَلِكَ كَمَا يَنْتَهِي فِيمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ
(وَلَوْ نَوَى) الْمُسَافِرُ الْمُسْتَقِلُّ وَإِنْ كَانَ مُحَارِبًا (إقَامَةَ) مُدَّةٍ مُطْلَقَةٍ أَوْ (أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) مَعَ لَيَالِيِهَا (بِمَوْضِعٍ) عَيَّنَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ (انْقَطَعَ سَفَرُهُ بِوُصُولِهِ) أَيْ بِوُصُولِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَالِحًا لِلْإِقَامَةِ، فَإِنْ نَوَاهَا وَقَدْ وَصَلَ لَهُ أَوْ بَعْدَهُ انْقَطَعَ سَفَرُهُ بِمُجَرَّدِ نِيَّتِهِ وَخَرَجَ مَا دُونَ الْأَرْبَعَةِ فَلَا يُؤَثِّرُ، وَلَوْ أَقَامَهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ انْقَطَعَ سَفَرُهُ بِتَمَامِهَا أَوْ نَوَى إقَامَةً وَهُوَ سَائِرٌ فَلَا يُؤَثِّرُ أَيْضًا، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْقَصْرَ بِشَرْطِ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ: أَيْ السَّفَرِ، وَبَيَّنَتْ السُّنَّةُ أَنَّ إقَامَةَ مَا دُونَ الْأَرْبَعِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَ لِلْمُهَاجِرِ إقَامَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِمَكَّةَ مَعَ حُرْمَةِ الْمُقَامِ بِهَا عَلَيْهِ وَأَلْحَقَ بِإِقَامَتِهَا نِيَّةَ إقَامَتِهَا» ، وَشَمِلَ قَوْلُهُ بِوُصُولِهِ مَنْ خَرَجَ نَاوِيًا سَفَرًا طَوِيلًا ثُمَّ عَنَّ لَهُ الْإِقَامَةُ بِبَلَدٍ قَرِيبٍ مِنْهُ فَلَهُ الْقَصْرُ مَا لَمْ يَصِلْهُ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ فِي حَقِّهِ فَلَا يَنْقَطِعُ إلَّا بِوُصُولِ مَا غَيَّرَ النِّيَّةَ إلَيْهِ، وَمَا يَقَعُ كَثِيرًا فِي زَمَنِنَا مِنْ دُخُولِ بَعْضِ الْحُجَّاجِ مَكَّةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِنَحْوِ يَوْمٍ مَعَ عَزْمِهِمْ عَلَى الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ مِنًى أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ، هَلْ يَنْقَطِعُ سَفَرُهُمْ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِمْ لِمَكَّةَ نَظَرًا لِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ بِهَا وَلَوْ فِي الْأَثْنَاءِ، أَوْ يَسْتَمِرُّ سَفَرُهُمْ إلَى رُجُوعِهِمْ
[حاشية الشبراملسي]
يُقَالَ: إنْ كَانَ لِحَاجَةٍ فِي غَيْرِ وَطَنِهِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى الْقَصْرِ وَلَا تُؤَثِّرُ النِّيَّةُ، وَإِنْ كَانَ لِوَطَنِهِ فَيَنْقَطِعُ التَّرَخُّصُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الرُّجُوعِ وَبَعْدَهُ سَفَرٌ جَدِيدٌ فَيَقْصُرُ حِينَئِذٍ.
وَأَقُولُ: مَا بَحَثَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ خِلَافُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ طب وم ر بَعْدَ الْمُبَاحَثَةِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إنْ نَوَى الرُّجُوعَ لِوَطَنِهِ لَمْ يَتَرَخَّصْ قَبْلَ ارْتِحَالِهِ انْتَهَى.
ثُمَّ رَأَيْت قَوْلَ الْمُصَنِّفِ الْآتِي: وَمَنْ قَصَدَ سَفَرًا طَوِيلًا إلَخْ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرَ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ مَارًّا بِهِ) يَصْدُقُ بِمَا لَوْ حَاذَاهُ لَكِنْ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ بُولَاقَ وَكَانَ فِي رُجُوعِهِ مُتَّصِلًا بِبِرِّ أنبابة أَوْ مُتَّصِلًا بِبُولَاقَ وَسَكَنُهُ بِالْقَاهِرَةِ، وَفِيهِ بُعْدٌ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي انْقِطَاعِ التَّرَخُّصِ بِالْمُحَاذَاةِ مِنْ قُرْبِهِ مِنْهَا عُرْفًا، ثُمَّ يَكُونُ مَا بَعْدَ وَطَنِهِ سَفَرًا مُبْتَدَأً، فَإِنْ وُجِدَتْ الشُّرُوطُ تَرَخَّصَ وَإِلَّا فَلَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: كَأَنْ خَرَجَ مِنْهُ ثُمَّ رَجَعَ) أَيْ يَكُونُ مَا بَعْدَهُ سَفَرًا مُبْتَدَأً، فَإِنْ وُجِدَتْ الشُّرُوطُ تَرَخَّصَ وَإِلَّا فَلَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَالِحًا) أَيْ عَمَلًا بِنِيَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّخَلُّفُ مِنْ الْقَافِلَةِ عَادَةً، ثُمَّ إنْ اتَّفَقَتْ لَهُ الْإِقَامَةُ فَذَاكَ وَإِلَّا فَيَكُونُ مُسَافِرًا جَدِيدًا بِمُجَاوَزَةِ مَا نَوَى الْإِقَامَةَ بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ مَا دُونَ الْأَرْبَعَةِ) أَيْ وَيُتَصَوَّرُ بِالنِّيَّةِ لِوُضُوحِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ بِالْإِقَامَةِ بِالْفِعْلِ (قَوْلُهُ: مَعَ حُرْمَةِ الْمُقَامِ بِهَا لَا عَلَيْهِ) زَادَ الْإِسْنَوِيُّ قَبْلَ الْفَتْحِ انْتَهَى.
عَمِيرَةُ.
(قَوْلُهُ: فَلَهُ الْقَصْرُ) أَيْ وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ الرُّخَصِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَيُتَرَخَّصُ إلَى وُصُولِهِ لِذَلِكَ) أَيْ إنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ لِلرُّجُوعِ وَهُوَ غَيْرُ مَاكِثٍ، فَإِنْ كَانَ مَاكِثًا انْقَطَعَ تَرَخُّصُهُ بِمُجَرَّدِ نِيَّةِ الْعَوْدِ فَلَيْسَ لَهُ التَّرَخُّصُ مَا دَامَ مَاكِثًا حَتَّى يَشْرَعَ فِي الْعَوْدِ فَهُوَ حِينَئِذٍ سَفَرٌ جَدِيدٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الْفَصْلِ الْآتِي: وَمَنْ قَصْد سَفَرًا طَوِيلًا فَصَارَ ثُمَّ نَوَى رُجُوعًا انْقَطَعَ، فَإِنْ سَافَرَ فَسَفَرٌ جَدِيدٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَارًّا بِهِ) أَيْ وَالصُّورَةُ أَنَّهُ وَصَلَ لِمَبْدَإِ سَفَرِهِ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ، فَمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مِنْ صِدْقِ ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ الْمُرُورُ مِنْ بَعِيدٍ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ
إلَيْهَا مِنْ مِنًى؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَقْصِدِهِمْ؟ فَلَا تَأْثِيرَ لِنِيَّتِهِمْ الْإِقَامَةَ الْقَصِيرَةَ قَبْلَهَا وَلَا الطَّوِيلَةَ إلَّا عِنْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَهِيَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ مِنًى وَدُخُولِهِمْ مَكَّةَ.
لِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ مَجَالٌ وَكَلَامُهُمْ مُحْتَمَلٌ، وَالثَّانِي كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ أَقْرَبُ (وَلَا يُحْسَبُ مِنْهَا) أَيْ الْأَرْبَعَةِ (يَوْمَا) أَوْ لَيْلَتَا (دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ عَلَى الصَّحِيحِ) إذْ فِي الْأَوَّلِ الْحَطُّ وَفِي الثَّانِي الرَّحِيلُ، وَهُمَا مِنْ مُهِمَّاتِ أَشْغَالِ السَّفَرِ الْمُقْتَضِي لِتَرَخُّصِهِ، وَبِهِ فَارَقَ حُسْبَانُهُمَا مِنْ مُدَّةِ مَسْحِ الْخُفِّ، وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ: لَوْ دَخَلَ لَيْلًا لَمْ يُحْسَبْ الْيَوْمُ الَّذِي يَلِيهَا مَرْدُودٌ، وَالثَّانِي يُحْسَبَانِ كَمَا يُحْسَبُ فِي مُدَّةِ الْخُفِّ يَوْمَ الْحَدَثِ وَيَوْمَ النَّزْعِ، وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَسْتَوْعِبُ النَّهَارَ بِسَيْرِهِ وَإِنَّمَا يَسِيرُ فِي بَعْضِهِ وَهُوَ فِي يَوْمَيْ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ سَائِرٌ فِي بَعْضِ النَّهَارِ، بِخِلَافِ اللَّبْسِ فَإِنَّهُ مُسْتَوْعِبٌ لِلْمُدَّةِ، وَخَرَجَ غَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ كَقِنٍّ وَزَوْجَةٍ فَلَا أَثَرَ لِنِيَّتِهِ الْمُخَالِفَةِ لِنِيَّةِ مَتْبُوعِهِ.
(وَلَوْ) (أَقَامَ بِبَلَدٍ) مَثَلًا (بِنِيَّةِ أَنْ يَرْحَلَ إذَا حَصَلَتْ حَاجَةٌ يَتَوَقَّعُهَا كُلَّ وَقْتٍ) أَوْ بَعْدَ زَمَنٍ لَا يَبْلُغُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ صِحَاحٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ: وَلَوْ عَلِمَ بَقَاءَهَا إلَى آخِرِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ انْتِظَارُ الرِّيحِ لِمُسَافِرٍ بِالْبَحْرِ وَخُرُوجُ الرُّفْقَةِ لِمَنْ يُرِيدُ السَّفَرَ مَعَهُمْ إنْ خَرَجُوا وَإِلَّا فَوَحْدَهُ (قَصَرَ) يَعْنِي تَرَخَّصَ إذْ لَهُ سَائِرُ رُخَصِ السَّفَرِ، وَمَا اسْتَثْنَاهُ بَعْضُهُمْ مِنْ سُقُوطِ الْفَرْضِ بِالتَّيَمُّمِ وَصَلَاةِ النَّافِلَةِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ يُرَدُّ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ، إذْ الْمَدَارُ فِي الْأُولَى عَلَى غَلَبَةِ الْمَاءِ وَفَقْدِهِ، وَالْأَمْرُ فِي الثَّانِيَةِ مَنُوطٌ بِالسَّيْرِ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا (ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا) كَامِلَةً لَا يُحْسَبُ مِنْهَا يَوْمَا دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ لِخَبَرٍ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَهَا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ لِحَرْبِ هُوَازِنَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» وَلَا نَظَرَ لِابْنِ جُدْعَانَ أَحَدِ رُوَاتِهِ وَإِنْ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ لِاعْتِضَادِهِ بِشَوَاهِدَ جَبَرَتْهُ وَصَحَّتْ رِوَايَةُ عِشْرِينَ وَتِسْعَةَ عَشَرَ
[حاشية الشبراملسي]
وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الْكَلَامِ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ) مُرَادُهُ حَجَرٌ.
(قَوْلُهُ: الدَّارَكِيُّ) قَالَ فِي الْأَنْسَابِ بِفَتْحِ الرَّاءِ: دَارَكُ قَرْيَةٌ بِأَصْبَهَانَ انْتَهَى سُيُوطِيّ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُحْسَبُ مِنْهَا يَوْمَا دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ) أَيْ وَتُحْسَبُ اللَّيْلَةُ الَّتِي تَلِي يَوْمَ الدُّخُولِ، وَكَذَا الْيَوْمُ الَّذِي يَلِي لَيْلَةَ الدُّخُولِ، وَبِهِ يَظْهَرُ رَدُّ مَا قَالَهُ الدَّارَكِيُّ.
(قَوْلُهُ: مِنْ مُدَّةِ مَسْحِ الْخُفِّ) أَيْ حَيْثُ اُعْتُبِرَتْ الْمُدَّةُ مِنْ آخِرِ الْحَدَثِ وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ (قَوْلُهُ: فَلَا أَثَرَ لِنِيَّتِهِ) قَالَ سم عَلَى حَجَرٍ: قَوْلُهُ فَلَا أَثَرَ لِنِيَّتِهِ إلَخْ: أَيْ كَمَا قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَكَذَا لَا أَثَرَ لِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ لَوْ نَوَاهَا غَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ كَالْعَبْدِ وَلَوْ مَاكِثًا كَمَا سَيَأْتِي: أَيْ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ انْتَهَى.
لَكِنْ لَا يَبْعُدُ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ مَاكِثًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْمُخَالَفَةِ وَصَمَّمَ عَلَى قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ أَثَّرَتْ نِيَّتُهُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ وَلَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ: أَيْ كُلٌّ مِنْ الْقِنِّ وَالزَّوْجَةِ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ قَادِرٌ: أَيْ كَنِسَاءِ أَهْلِ مِصْرَ.
.
(قَوْلُهُ: كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ) فِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَا دَلَالَةَ فِي هَذَا عَلَى مَا ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّ هَذَا يُخْرِجُ مَا لَوْ شَكَّ هَلْ تَنْقَضِي حَاجَتُهُ قَبْلَ الْأَرْبَعِ أَوْ بَعْدَهَا فَيَشْمَلُهُ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ اهـ سم عَلَى حَجَرٍ (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَوَحْدَهُ) أَيْ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَزَمَ عَلَى أَنَّهُ إلَخْ إذَا لَمْ يَخْرُجْ الرُّفْقَةُ رَجَعَ فَلَا يَقْصُرُ انْتَهَى سم عَلَى حَجَرٍ، وَسَيَأْتِي لَهُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا نَظَرَ لِابْنِ جُدْعَانَ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يُجِزْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ، وَجُدْعَانُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَعِبَارَتُهُ: هُوَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ الْقُرَشِيُّ الْبَصْرِيُّ التَّيْمِيُّ، يُعَدُّ فِي تَابِعِي الْبَصْرِيِّينَ، وَهُوَ مَكِّيٌّ نَزَلَ الْبَصْرَةَ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَأَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.
جُدْعَانُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا، وَالنَّهْدِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ انْتَهَى بِحُرُوفِهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ ضَعَّفَهُ) أَيْ ابْنُ جُدْعَانُ.
(قَوْلُهُ: وَصَحَّتْ رِوَايَةُ عِشْرِينَ)
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَلَا نَظَرَ لِابْنِ جُدْعَانَ إلَخْ) فِي الْعِبَارَةِ قَلَاقَةٌ، وَمِنْ ثَمَّ فَهِمَ مِنْهَا الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ خِلَافَ الْمُرَادِ، وَحَقُّ الْعِبَارَةِ: وَلَا يَقْدَحُ فِي حُسْنِهِ أَنَّ ابْنَ جُدْعَانَ أَحَدُ رُوَاتِهِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، وَقَوْلُهُ: لِاعْتِضَادِهِ بِشَوَاهِدَ إلَخْ: أَيْ فَهُوَ حَسَنٌ بِالْغَيْرِ لَا بِالذَّاتِ (قَوْلُهُ: وَصَحَّتْ) بِالتَّاءِ الْمَجْرُورَةِ كَمَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي النُّسَخِ فَهُوَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ، وَجَعَلَهُ
وَسَبْعَةَ عَشَرَ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهَا بِحَمْلِ عِشْرِينَ عَلَى عَدِّهِ يَوْمَيْ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ وَتِسْعَةَ عَشَرَ عَلَى عَدِّهِ أَحَدَهُمَا وَسَبْعَةَ عَشَرَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ الْوَارِدَةِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ حَسَبَ بَعْضَ الْمُدَّةِ بِحَسَبِ مَا وَصَلَ لِعِلْمِهِ، وَذِكْرُ الْأَقَلِّ لَا يَنْفِي الْأَكْثَرَ لَا سِيَّمَا وَغَيْرُهُ زَادَ عَلَيْهِ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ إذْ لَا مُعَارَضَةَ فِيهَا (وَقِيلَ) يَقْصُرُ (أَرْبَعَةً) غَيْرَ كَامِلَةٍ لِمَا مَرَّ أَنَّ نِيَّةَ إقَامَتِهَا تَمْنَعُ التَّرَخُّصَ فَإِقَامَتُهَا أَوْلَى إذْ الْفِعْلُ أَبْلَغُ مِنْ النِّيَّةِ (وَفِي قَوْلِ) يَقْصُرُ (أَبَدًا) إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ دَامَتْ الْحَاجَةُ لَدَامَ الْقَصْرُ (وَقِيلَ الْخِلَافُ) فِيمَا فَوْقَ الْأَرْبَعَةِ (فِي خَائِفِ الْقِتَالِ إلَّا التَّاجِرَ وَنَحْوَهُ) كَالْمُتَفَقِّهَةِ فَلَا يَقْصُرَانِ فِيمَا فَوْقَهَا؛ لِأَنَّ الْوَارِدَ إنَّمَا كَانَ فِي الْقِتَالِ وَالْمُقَاتِلُ أَحْوَجُ لِلتَّرَخُّصِ، وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْمُرَخِّصَ إنَّمَا هُوَ وَصْفُ السَّفَرِ وَالْمُقَاتِلُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ فَارَقَ مَكَانَهُ ثُمَّ رَدَّتْهُ الرِّيحُ إلَيْهِ فَأَقَامَ فِيهِ اسْتَأْنَفَ الْمُدَّةَ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهُ فِيهِ إقَامَةٌ جَدِيدَةٌ فَلَا تُضَمُّ إلَى الْأُولَى بَلْ تُعْتَبَرُ مُدَّتُهَا وَحْدَهَا، ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَفِيهِ أَيْضًا: لَوْ خَرَجُوا وَأَقَامُوا بِمَكَانٍ يَنْتَظِرُونَ رُفْقَتَهُمْ فَإِنْ نَوَوْا أَنَّهُمْ إنْ أَتَوْا سَافَرُوا أَجْمَعِينَ وَإِلَّا رَجَعُوا لَمْ يَقْصُرُوا لِعَدَمِ جَزْمِهِمْ بِالسَّفَرِ وَإِنْ نَوَوْا أَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَأْتُوا سَافَرُوا قَصَرُوا لِجَزْمِهِمْ بِالسَّفَرِ وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ.
(وَلَوْ عَلِمَ بَقَاءَهَا) أَيْ حَاجَتِهِ (مُدَّةً طَوِيلَةً) وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ فَمَا فَوْقَهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ مَا لَوْ أُكْرِهَ وَعَلِمَ بَقَاءَ إكْرَاهِهِ تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَمَنْ بَحَثَ جَوَازَ التَّرَخُّصِ لَهُ مُطْلَقًا فَقَدْ أَبْعَدَ أَوْ سَهَا (فَلَا قَصْرَ لَهُ) أَيْ لَا تَرَخُّصَ (عَلَى الْمَذْهَبِ) ؛ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ هَيْئَةِ الْمُسَافِرِينَ، وَضَمِيرُ عَلِمَ رَاجِعٌ لِخَائِفِ الْقِتَالِ لَا لَهُ وَلِغَيْرِهِ، كَمَا ذُكِرَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ رُجُوعَهُ لِغَيْرِهِ غَلَطٌ، بَلْ
[حاشية الشبراملسي]
هُوَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي وَتَاؤُهُ عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِابْنِ جُدْعَانَ إلَخْ، وَقَوْلُهُ وَيُجْمَعُ عَطْفُ عِلَّةٍ عَلَى مَعْلُولٍ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ أَرْبَعَةٌ غَيْرُ كَامِلَةٍ) وَفِي نُسْخَةٍ فَقَطْ أَيْ غَيْرُ كَامِلَةٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْرَ يَمْتَنِعُ بِنِيَّةِ إقَامَةِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَبِفِعْلِهَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ النِّيَّةِ وَالنُّسْخَتَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ.
(قَوْلُهُ: كَالْمُتَفَقِّهَةِ) أَيْ مَرِيدِ الْفِقْهِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِقَصْدِ السُّؤَالِ عَنْ حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ أَوْ مَسَائِلَ مُعَيَّنَةٍ مَثَلًا وَأَنَّهُ إذَا تَعَلَّمَهَا رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ (قَوْلُهُ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ) مُعْتَمَدٌ.
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ) أَيْ الْمَجْمُوعِ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَقْصُرُوا) أَيْ ثُمَّ إذَا جَاءَتْ الرُّفْقَةُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ يَقْصُرُونَ بِمُجَرَّدِ مَجِيئِهِمْ وَإِنْ لَمْ يُفَارِقُوا مَوْضِعَهُمْ؛ لِأَنَّ أَصْلَ سَفَرِهِمْ حَصَلَ بِمُجَاوَزَةِ الْبِلَادِ لَكِنَّهُمْ مُتَرَدِّدُونَ فِيهِ، وَبِمَجِيءِ الرُّفْقَةِ انْتَفَى التَّرَدُّدُ، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ الْقَصْرِ إلَّا بَعْدَ مُفَارَقَةِ مَحَلِّهِمْ، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُمْ مَحْكُومٌ بِإِقَامَتِهِمْ مَا دَامُوا بِمَحَلَّتِهِمْ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَخُرُوجُ الرُّفْقَةِ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ بَحَثَ جَوَازَ التَّرَخُّصِ لَهُ مُطْلَقًا) أَيْ عَلِمَ بَقَاءَ الْإِكْرَاهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
(قَوْلُهُ: كَمَا ذَكَرَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ رُجُوعَهُ لِغَيْرِهِ) قَالَ سم عَلَى حَجَرٍ: قَوْلُهُ فَيَتَعَيَّنُ رُجُوعُ ضَمِيرِ عَلِمَ إلَخْ قَدْ يُمْنَعُ التَّعَيُّنُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ التَّعْبِيرِ بِالْمَذْهَبِ حِكَايَةُ طَرِيقَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ وَإِنْ غَلِطَتْ حِكَايَةُ إحْدَاهُمَا، وَلِهَذَا عَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ فِي غَيْرِ الْمُحَارِبِ بِالْمَذْهَبِ مَعَ تَغْلِيظِهِ حِكَايَةَ الْقَوْلَيْنِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحَارِبٍ كَالْمُتَفَقِّهِ وَالتَّاجِرِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَتَرَخَّصُ أَبَدًا، وَقِيلَ هُوَ كَالْمُحَارِبِ وَهُوَ غَلَطٌ انْتَهَى.
فَلَوْلَا أَنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ التَّعْبِيرِ بِالْمَذْهَبِ مَا ذَكَرَ مَا عَبَّرَ بِهِ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِالتَّغْلِيظِ الْمَذْكُورِ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ هُنَا فِي الْمَذْهَبِ مَا نَصُّهُ: وَقَدْ عُلِمَ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْمَذْهَبِ الْإِشَارَةُ إلَى طَرِيقَيْنِ، فَأَمَّا الْمُحَارِبُ فَحَكَاهُمَا فِيهِ الرَّافِعِيُّ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحِ إحْدَاهُمَا قَاطِعَةٌ بِالْمَنْعِ، وَالثَّانِيَةِ بِالتَّخْرِيجِ عَلَى الْكَلَامِ فِي الْمُتَوَقَّعِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُحَارِبِ فَالْمَعْرُوفُ فِيهِ الْجَزْمُ بِالْمَنْعِ وَالتَّخْرِيجُ عَلَى التَّوَقُّعِ شَاذٌّ وَغَلَطٌ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ انْتَهَى.
وَلَوْ سُلِّمَ فَيَجُوزُ تَعْمِيمُ الضَّمِيرِ؛ لِأَنَّهُ الْأَفْيَدُ، وَلَا يُنَافِيهِ التَّعْبِيرُ بِالْمَذْهَبِ بِنَاءً عَلَى
[حاشية الرشيدي]
الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ بِصِيغَةِ الِاسْمِ مَعْطُوفًا عَلَى ابْنِ جُدْعَانَ: أَيْ وَلَا نَظَرَ لِصِحَّةِ إلَخْ بِنَاءً عَلَى مَا فَهِمَهُ فِي قَوْلِهِ، وَلَا نَظَرَ لِابْنِ جُدْعَانَ إلَخْ، وَهُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ كَمَا عَلِمْت وَهُوَ يُوجِبُ أَنْ لَا تَكُونَ التَّاءُ مَجْرُورَةً (قَوْلُهُ: وَيُجْمَعُ بَيْنَهَا) جَعَلَهُ الشَّيْخُ مَعْطُوفًا عَلَى وَصِحَّةِ مِنْ عَطْفِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ بِنَاءً عَلَى مَا فَهِمَهُ.
.
الْمَعْرُوفُ الْجَزْمُ بِالْمَنْعِ فِي غَيْرِهِ.
فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْقَصْرِ وَتَوَابِعِهَا وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ: أَحَدُهَا سَفَرٌ طَوِيلٌ وَ (طَوِيلُ السَّفَرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا) ذَهَابًا فَقَطْ تَحْدِيدًا لَا تَقْرِيبًا، وَيَكْفِي الظَّنُّ عَمَلًا بِقَوْلِهِمْ لَوْ شَكَّ فِي الْمَسَافَةِ اجْتَهَدَ، وَفَارَقَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ بِأَنَّ الْقَصْرَ وَقَعَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَأَشْبَهَ الِاحْتِيَاطَ وَالْقُلَّتَيْنِ بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بَيَانٌ لِلْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِيهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِ مَا هُنَا (هَاشِمِيَّةً) ؛ لِأَنَّ ابْنَيْ عُمَرَ وَعَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانَا يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرْدٍ وَلَا يُعْرَفُ مُخَالِفٌ لَهُمَا، وَمِثْلُهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ، وَالْبَرِيدُ: أَرْبَعُ فَرَاسِخَ، وَالْفَرْسَخُ: ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، وَالْمِيلُ: أَرْبَعَةُ آلَافِ خُطْوَةٍ، وَالْخُطْوَةُ: ثَلَاثَةُ أَقْدَامٍ، فَهُوَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ قَدَمٍ، وَبِالذِّرَاعِ سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ، وَالذِّرَاعُ: أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا مُعْتَرِضَاتٍ، وَالْأُصْبُعُ: سِتُّ شُعَيْرَاتٍ مُعْتَدِلَاتٍ مُعْتَرِضَاتٍ، وَالشُّعَيْرَةُ: سِتُّ شَعَرَاتٍ مِنْ شَعْرِ الْبِرْذَوْنِ، فَمَسَافَةُ الْقَصْرِ بِالْأَقْدَامِ خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ وَسِتَّةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا، وَبِالْأَذْرُعِ مِائَتَا أَلْفٍ وَثَمَانِيَةٌ وَثَمَانُونَ أَلْفًا، وَبِالْأَصَابِعِ سِتَّةُ آلَافِ أَلْفٍ وَتِسْعُمِائَةِ أَلْفٍ وَاثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَبِالشُّعَيْرَاتِ أَحَدٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَأَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ أَلْفًا، وَبِالشَّعَرَاتِ مِائَتَا
[حاشية الشبراملسي]
التَّغْلِيبِ وَكَوْنُهُ فِي مَجْمُوعِ الْأَمْرِ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: الْجَزْمُ بِالْمَنْعِ فِي غَيْرِهِ) أَيْ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ أَقَامَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ صِحَاحٍ انْقَطَعَ تَرَخُّصُهُ بِإِقَامَتِهِ أَوْ الْعِلْمِ بِعَدَمِ انْقِضَاءِ حَاجَتِهِ قَبْلَهَا.
فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْقَصْرِ وَتَوَابِعِهَا.
(قَوْلُهُ: سَفَرٌ طَوِيلٌ) أَيْ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ الْمَتْنُ لِتَقَدُّمِ التَّصْرِيحِ بِهِ فِي قَوْلِهِ السَّفَرُ الطَّوِيلُ الْمُبَاحُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَيَكْفِي الظَّنُّ عَمَلًا) أَيْ النَّاشِئُ عَنْ قَرِينَةٍ قَوِيَّةٍ كَمَا أَشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِمْ لَوْ شَكَّ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَفَارَقَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ) أَيْ حَيْثُ قَالُوا فِيهَا تَقْرِيبًا.
(قَوْلُهُ: بَيَانٌ لِلْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِيهِمَا) أَيْ الْقُلَّتَيْنِ، وَكَذَا لَمْ يَرِدْ بَيَانُ الْمَسَافَةِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَإِنْ أَوْهَمَتْ عِبَارَتُهُ خِلَافَهُ.
نَعَمْ وَرَدَ التَّقْدِيرُ بِالْقُلَّتَيْنِ عَنْ الشَّارِعِ وَلَمْ يَرِدْ فِي مِقْدَارِ الْقُلَّةِ شَيْءٌ عَنْهُ وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ، بِخِلَافِ الْمَسَافَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهَا شَيْءٌ عَنْ الشَّارِعِ صَرِيحًا، وَإِنْ وَرَدَ مَا يَقْتَضِيهِ لِكَوْنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ كَانَا يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ إلَى آخِرِ مَا يَأْتِي، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي التَّفْرِقَةِ فِي كَلَامِهِ بَيْنَ الْمَسَافَةِ وَالْقُلَّتَيْنِ وَبِإِفْرَادِ الْأُولَى بِفَرْقٍ، إلَّا أَنَّهُ يُعَارِضُهُ مَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ خُزَيْمَةَ.
(قَوْلُهُ: هَاشِمِيَّةٌ) هُوَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ.
(قَوْلُهُ: فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ) عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، وَأَسْنَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَمِثْلُهُ إنَّمَا يُفْعَلُ عَنْ تَوْقِيفٍ اهـ شَرْحُ الرَّوْضِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: زَادَ غَيْرُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ نَقَلَ أَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ رَوَاهُ فِي صَحِيحِهِ مَرْفُوعًا اهـ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْبَرِيدُ أَرْبَعُ فَرَاسِخَ) الْأَوْلَى أَرْبَعَةٌ؛ لِأَنَّ الْفَرْسَخَ مُذَكَّرٌ.
(قَوْلُهُ: أَرْبَعَةُ آلَافِ خُطْوَةٍ) بِضَمِّ الْخَاءِ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ.
وَنَقَلَ عَنْ مِرْآةِ الزَّمَانِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ مَا نَصُّهُ: وَالْخُطْوَةُ ثَلَاثَةُ أَقْدَامٍ: أَيْ بِقَدَمِ الْبَعِيرِ اهـ. أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْبَعِيرَ لَا قَدَمَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ خُفُّهُ يُسَمَّى قَدَمًا فَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ صَرِيحِ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّ الْمُرَادَ قَدَمُ الْآدَمِيِّ حَيْثُ قَدَّرُوهُ بِالْأَصَابِعِ ثُمَّ الشُّعَيْرَاتِ ثُمَّ الشَّعَرَاتِ ثُمَّ رَأَيْت عَنْ مِرْآةِ الزَّمَانِ مَا نَصُّهُ: فَائِدَةٌ عَرْضُ الدُّنْيَا ثَلَثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ دَرَجَةً، وَالدَّرَجَةُ خَمْسَةُ وَعِشْرُونَ فَرْسَخًا، وَالْفَرْسَخُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ ذِرَاعٍ
[حاشية الرشيدي]
[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْقَصْرِ وَتَوَابِعِهَا] فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْقَصْرِ
أَلْفِ أَلْفٍ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ أَلْفٍ وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا.
وَالْهَاشِمِيَّةُ نِسْبَةٌ لِبَنِي هَاشِمٍ لِتَقْدِيرِهِمْ لَهَا وَقْتَ خِلَافَتِهِمْ بَعْدَ تَقْدِيرِ بَنِي أُمَيَّةَ لَهَا لَا إلَى هَاشِمٍ جَدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَخَرَجَ بِالْهَاشِمِيَّةِ الْأُمَوِيَّةُ، وَهِيَ الْمَنْسُوبَةُ لِبَنِي أُمَيَّةَ، فَالْمَسَافَةُ عِنْدَهُمْ أَرْبَعُونَ مِيلًا، إذْ كُلُّ خَمْسَةٍ مِنْهَا قَدْرُ سِتَّةٍ هَاشِمِيَّةٍ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِهَا ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَالْمَنْصُوصُ وَمَا نُصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ كَوْنِهَا سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ، وَمِنْ كَوْنِهَا أَرْبَعِينَ غَيْرُ مُنَافٍ لِذَلِكَ لِإِرَادَتِهِ بِالْأَوَّلِ الْجَمِيعَ وَبِالثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ وَبِالْآخِرِ وَبِالثَّالِثِ الْأُمَوِيَّةَ.
قُلْت: كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ وَمُرَادُ الشَّارِحِ حَيْثُ قَالَ ذَلِكَ إفَادَةُ الْوَاقِفِ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ النَّوَوِيُّ، وَأَنَّ الرَّافِعِيَّ مُوَافِقٌ لَهُ عَلَيْهِ أَيْضًا (وَهُوَ) أَيْ السَّفَرُ الطَّوِيلُ (مَرْحَلَتَانِ) وَهُمَا سَيْرُ يَوْمَيْنِ مِنْ غَيْرِ لَيْلَةٍ عَلَى الِاعْتِدَالِ أَوْ لَيْلَتَيْنِ بِلَا يَوْمٍ كَذَلِكَ أَوْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَعَ النُّزُولِ الْمُعْتَادِ لِنَحْوِ اسْتِرَاحَةٍ وَأَكْلٍ وَصَلَاةٍ (بِسَيْرِ الْأَثْقَالِ) أَيْ الْحَيَوَانَاتِ الْمُثْقَلَةِ بِالْأَحْمَالِ وَدَبِيبُ الْأَقْدَامِ عَلَى الْحُكْمِ الْمَارِّ (وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ) فِي اشْتِرَاطِ الْمَسَافَةِ الْمَذْكُورَةِ (فَلَوْ قَطَعَ الْأَمْيَالَ فِيهِ فِي سَاعَةٍ مَثَلًا) لِشِدَّةِ
[حاشية الشبراملسي]
وَهُوَ أَرْبَعَةُ آلَافِ خُطْوَةٍ بِخُطْوَةِ الْبَعِيرِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْدَامٍ؛ إلَى أَنْ قَالَ: وَهَذَا الذِّرَاعُ قَدْرُهُ الْمَأْمُونُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْمُهَنْدِسِينَ، وَهُوَ بَيْنَ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ دُونَ ذِرَاعِ النَّجَّارِ وَالذِّرَاعِ الْهَاشِمِيِّ اهـ. وَلَيْسَ فِيهَا تَقْدِيرُ الْقَدَمِ بِكَوْنِهِ قَدَمَ الْبَعِيرِ.
(قَوْلُهُ: لِبَنِي هَاشِمٍ) وَهُمْ الْعَبَّاسِيُّونَ اهـ حَجّ.
(قَوْلُهُ: لَا إلَى هَاشِمٍ جَدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ كَمَا وَقَعَ لِلرَّافِعِيِّ اهـ حَجّ.
(قَوْلُهُ: الْأُمَوِيَّةُ) هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ.
قَالَ السُّيُوطِيّ فِي الْأَنْسَابِ: الْأُمَوِيُّ بِالْفَتْحِ إلَى أَمَةَ بْنِ بَجَالَةَ ابْنِ زَمَانِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَالْأُمَوِيُّ بِالضَّمِّ إلَى بَنِي أُمَيَّةَ انْتَهَى.
قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ بَعْدَ ذِكْرِ الْفَتْحِ وَالضَّمِّ: وَالْفَتْحُ قَلِيلٌ انْتَهَى.
وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْمَنْسُوبِينَ إلَى أَمَةَ قَلِيلٌ وَالْكَثِيرُ هُمْ الْمَنْسُوبُونَ إلَى بَنِي أُمَيَّةَ، لَا أَنَّ فِي هَذِهِ النِّسْبَةِ لُغَتَيْنِ مُطْلَقًا فَمَا هُنَا بِالضَّمِّ لَا غَيْرُ.
(قَوْلُهُ: وَبِالثَّانِي) أَيْ كَوْنِهَا سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ، وَقَوْلُهُ غَيْرَ الْأَوَّلِ: أَيْ الْمِيلِ الْأَوَّلِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: قَالَ ذَلِكَ) أَيْ قَالَ كَمَا قَالَ إلَخْ، وَقَوْلُهُ بِالثَّالِثِ هُوَ كَوْنُهَا ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ.
(قَوْلُهُ: مَعَ النُّزُولِ الْمُعْتَادِ) وَوَصَفَ الْيَوْمَيْنِ وَاللَّيْلَتَيْنِ بِالِاعْتِدَالِ، وَأَطْلَقَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ يَوْمًا وَلَيْلَةً مُتَّصِلَتَيْنِ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَهُمَا قَدْرُ الْيَوْمَيْنِ أَوْ اللَّيْلَتَيْنِ الْمُعْتَدِلَتَيْنِ وَقَدْرُ ذَلِكَ ثَلَثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ دَرَجَةً انْتَهَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْحَيَوَانَاتُ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ الْجِمَالُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ، وَلَكِنْ بِبَعْضِ الْهَوَامِشِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَثْقَالِ الْجِمَالُ وَيَلْحَقُ بِهَا الْبِغَالُ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: وَدَبِيبِ الْأَقْدَامِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِسَيْرِ الْأَثْقَالِ، وَقَوْلُهُ عَلَى الْحُكْمِ الْمَارِّ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ مَعَ النُّزُولِ الْمُعْتَادِ، لَكِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ بِهِ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ.
وَفِي كَلَامِ حَجّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي السَّيْرِ كَوْنُهُ عَلَى الْعَادَةِ: يَعْنِي فِي صِفَتِهِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بِالتَّأَنِّي وَلَا الْإِسْرَاعِ وَهُوَ غَيْرُ وَقْتِ النُّزُولِ لِلِاسْتِرَاحَةِ فَهُمَا قَيْدَانِ مُخْتَلِفَانِ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ قَطَعَ الْأَمْيَالَ فِيهِ فِي سَاعَةٍ إلَخْ) فَإِنْ قُلْت: إذَا قَطَعَ الْمَسَافَةَ فِي لَحْظَةٍ صَارَ مُقِيمًا، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَرَخُّصُهُ فِيهَا، قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ مِنْ وُصُولِ الْمَقْصِدِ انْتِهَاءُ الرُّخْصَةِ لِكَوْنِهِ نَوَى فِيهِ إقَامَةً لَا تَقْطَعُ السَّفَرَ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّحْظَةِ الْقِطْعَةُ مِنْ الزَّمَنِ الَّتِي تَسَعُ التَّرَخُّصَ اهـ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ.
أَقُولُ: وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَصْرَ بَعْدَ قَطْعِ الْمَسَافَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ بَعْدَ قَطْعِهَا لَا يَتَأَتَّى تَرَخُّصٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ أَنَّهُ يُحْرِمُ فِي ابْتِدَاءِ سَيْرِ السَّفِينَةِ وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ ثُمَّ يَصِلُ إلَى مَقْصِدِهِ فِي زَمَنٍ قَلِيلٍ، فَلَوْ اعْتَبَرْنَا قَطْعَ الْمَسَافَةِ بِالْفِعْلِ فِي يَوْمَيْنِ لَزِمَ أَنَّهُ بِهَذِهِ الْإِقَامَةِ يَتَبَيَّنُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَأَنَّ الرَّافِعِيَّ مُوَافِقٌ لَهُ عَلَيْهِ) أَيْ فَيَكُونُ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ، فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمَا عِنْدَ التَّعَارُضِ (قَوْلُهُ: عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى الِاعْتِدَالِ (قَوْلُهُ: وَدَبِيبِ الْأَقْدَامِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِسَيْرٍ
جَرْيِ السَّفِينَةِ بِالْهَوَاءِ وَنَحْوِهِ (قَصَرَ) فِيهَا لِوُجُودِ الْمَسَافَةِ الصَّالِحَةِ لَهُ، وَلَا يَضُرُّ قَطْعُهَا فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) كَمَا لَوْ قَطَعَهَا فِي الْبَرِّ فِي بَعْضِ يَوْمٍ عَلَى مَرْكُوبٍ جَوَادٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَ هَذَا التَّفْرِيعِ بَيَانُ أَنَّ اعْتِبَارَ قَطْعِ هَذِهِ الْمَسَافَةِ فِي الْبَحْرِ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي لُحُوقِهِ بِالْبَرِّ فِي اعْتِبَارِهَا مُطْلَقًا، فَانْدَفَعَ مَا قَدْ يُقَالُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ حَتَّى يُحْتَاجَ لِذَكَرِ ذَلِكَ بَلْ الْعِبْرَةُ بِقَصْدِ مَوْضِعٍ عَلَيْهَا بِدَلِيلِ قَصْرِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ قَبْلَ قَطْعِ شَيْءٍ مِنْهَا.
(وَ) ثَانِيهَا عِلْمُ مَقْصِدِهِ فَحِينَئِذٍ (يُشْتَرَطُ قَصْدُ مَوْضِعٍ) مَعْلُومٍ وَلَوْ غَيْرَ (مُعَيَّنٍ) وَقَدْ يُرَادُ بِالْمُعَيَّنِ الْمَعْلُومُ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ (أَوَّلًا) أَيْ أَوَّلَ سَفَرِهِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ طَوِيلٌ فَيَتَرَخَّصَ فِيهِ، أَوْ لَا فَلَا.
نَعَمْ لَوْ سَافَرَ مُتَبَرِّعٌ وَمَعَهُ تَابِعُهُ كَأَسِيرٍ وَقِنٍّ وَزَوْجَةٍ وَجَيْشٍ وَلَمْ يَعْرِفْ مَقْصِدَهُ قَصَرَ بَعْدَ الْمَرْحَلَتَيْنِ لِتَحَقُّقِ كَوْنِ السَّفَرِ طَوِيلًا، وَقَدْ تَشْمَلُ عِبَارَتُهُ مَا لَوْ قَصَدَ كَافِرٌ مَرْحَلَتَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي أَثْنَائِهِمَا فَإِنَّهُ يَقْصُرُ فِيمَا بَقِيَ لِقَصْدِهِ أَوَّلًا مَا يَجُوزُ لَهُ فِيهِ الْقَصْرُ لَوْ كَانَ مُتَأَهِّلًا لَهُ كَمَا سَيَأْتِي (فَلَا قَصْرَ لِلْهَائِمِ) وَهُوَ مَنْ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ سَوَاءٌ أَسَلَكَ طَرِيقًا أَمْ لَا، وَيُسَمَّى أَيْضًا رَاكِبَ التَّعَاسِيفِ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْفُتُوحِ الْعِجْلِيّ: هُمَا عِبَارَةٌ عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ.
وَخَالَفَهُ الدَّمِيرِيِّ، فَقَالَ: الْهَائِمُ هُوَ خَارِجٌ عَلَى وَجْهِهِ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ وَإِنْ سَلَكَ طَرِيقًا مَسْلُوكًا وَرَاكِبُ التَّعَاسِيفِ لَا يَسْلُكُ طَرِيقًا وَهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي أَنَّهُمَا لَا يَقْصِدَانِ مَوْضِعًا مَعْلُومًا وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ انْتَهَى.
وَيَدُلُّ لَهُ جَمْعُ الْغَزَالِيِّ بَيْنَهُمَا (وَإِنْ طَالَ تَرَدُّدُهُ) وَبَلَغَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ لِانْتِفَاءِ عِلْمِهِ بِطُولِهِ أَوَّلَهُ
[حاشية الشبراملسي]
قَصْرُ سَفَرِهِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، لَكِنَّا لَا نَقُولُ بِذَلِكَ لِحُكْمِنَا بِأَنَّ السَّفَرَ طَوِيلٌ وَلَا نَظَرَ لِقَطْعِهِ فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ (قَوْلُهُ: لِشِدَّةِ جَرْيِ السَّفِينَةِ بِالْهَوَاءِ وَنَحْوِهِ) وَمِنْ النَّحْوِ مَا لَوْ كَانَ وَلْيًا
(قَوْلُهُ: يُشْتَرَطُ قَصْدُ مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ) أَيْ بِالْمَسَافَةِ فَلَا يُنَافِي كَوْنَهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
(قَوْلُهُ: قَصَرَ بَعْدَ الْمَرْحَلَتَيْنِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَقْصِدَ مَتْبُوعِهِ أَوْ عَلِمَهُ وَكَانَ الْبَاقِي دُونَهُمَا.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَقْصُرُ فِيمَا بَقِيَ) أَيْ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا سَيَأْتِي) أَيْ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ أَنْشَأَهُ عَاصِيًا إلَخْ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ نَوَى الْكَافِرُ أَوْ الصَّبِيُّ سَفَرَ قَصْرٍ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَلَا قَصْرَ لِلْهَائِمِ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ هَامَ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ بَابِ بَاعَ وَهَيَمَانًا أَيْضًا بِفَتْحَتَيْنِ ذَهَبَ مِنْ الْعِشْقِ أَوْ غَيْرِهِ اهـ مُخْتَارٌ.
(قَوْلُهُ: وَيُسَمَّى أَيْضًا) أَيْ الْهَائِمُ فَهُمَا عَلَى هَذَا مُتَسَاوِيَانِ.
(قَوْلُهُ: فِي أَنَّهُمَا لَا يَقْصِدَانِ مَوْضِعًا) أَيْ وَعَلَى هَذَا فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ يَجْتَمِعَانِ فِيمَنْ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقًا وَلَمْ يَقْصِدْ مَحَلًّا مَعْلُومًا، وَيَنْفَرِدُ الْهَائِمُ فِيمَنْ لَمْ يَقْصِدْ مَحَلًّا وَسَلَكَ طَرِيقًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ مُقْتَضَى اللُّغَةِ، فَيُفَسَّرُ رَاكِبُ التَّعَاسِيفِ بِمَنْ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقًا وَإِنْ قَصَدَ مَحَلًّا مَعْلُومًا، وَالْهَائِمُ بِمَنْ لَمْ يَدْرِ أَيْنَ يَتَوَجَّهُ سَلَكَ طَرِيقًا أَوْ لَا فَيَجْتَمِعَانِ فِيمَنْ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقًا وَلَمْ يَقْصِدْ مَحَلًّا، وَيَنْفَرِدُ الْهَائِمُ فِيمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا وَلَمْ يَقْصِدْ مَحَلًّا مَعْلُومًا، وَرَاكِبُ التَّعَاسِيفِ فِيمَنْ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقًا وَقَصَدَ مَحَلًّا مَعْلُومًا.
(قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ لَهُ) أَيْ لِمَا قَالَهُ الدَّمِيرِيِّ، وَقَوْلُهُ جَمَعَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَانْدَفَعَ مَا قَدْ يُقَالُ إلَخْ) فِي انْدِفَاعِهِ بِمَا ذَكَرَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، إذْ حَاصِلُهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ عِبَارَتَهُ فِي هَذَا التَّفْرِيعِ تُوهِمُ أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ فِي الْبَحْرِ إلَّا إذَا قَطَعَ الْمَسَافَةَ بِالْفِعْلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ لِمَا ذَكَرَهُ، وَهُوَ لَا يَنْدَفِعُ بِمَا ذَكَرَ وَإِنَّمَا يَنْدَفِعُ بِهِ مَا قَدْ يُقَالُ: لَا وَجْهَ لِإِلْحَاقِ الْبَحْرِ بِالْبَرِّ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ قَطْعُ الْمَسَافَةِ فِيهِ فِي سَاعَةٍ، فَيَنْبَغِي فِي تَقْدِيرِهِ بِمَسَافَةٍ أَوْسَعَ مِنْ مَسَافَةِ الْبَرِّ، فَفَرَّعَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مَا ذَكَرَهُ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِذَلِكَ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: مَعْلُومٌ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمَسَافَةُ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ صَمَّمَ الْهَائِمُ عَلَى سَيْرِ مَرْحَلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ أَوَّلِ سَفَرِهِ لَكِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا فِي جِهَةٍ كَأَنْ قَالَ إنْ سَافَرْت لِجِهَةِ الشَّرْقِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ مَرْحَلَتَيْنِ أَوْ لِجِهَةِ الْغَرْبِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَقْصُرُ، وَهُوَ وَاضِحٌ بِقَيْدِهِ الْآتِي فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: لِتَحَقُّقِ كَوْنِ السَّفَرِ طَوِيلًا) أَيْ مَعَ الْعُذْرِ الْقَائِمِ لِيُفَارِقَ الْهَائِمَ الْآتِيَ (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ عِلْمِهِ بِطُولِهِ أَوَّلَهُ) يَأْتِي مِثْلُهُ فِي نَحْوِ الْأَسِيرِ وَكَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا عُذْرُ هَذَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ فَيَكُونُ
فَيَكُونُ عَابِثًا لَا يَلِيقُ بِهِ التَّرَخُّصُ، وَسَيُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي حُرْمَةُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَهُوَ مَحْمَلٌ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ حُرْمَتَهُ، وَمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ بَعْضِهِمْ مِنْ حُرْمَتِهِ مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ الْآتِي لَوْ قَصَدَ مَرْحَلَتَيْنِ أَوَّلًا قَصَرَ فِيهِمَا (وَلَا طَالِبِ غَرِيمٍ وَ) لَا طَالِبِ (آبِقٍ) عِنْدَ سَفَرٍ بِنِيَّةِ أَنَّهُ (يَرْجِعُ مَتَى وَجَدَهُ) أَيْ مَطْلُوبَهُ مِنْهُمَا (وَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ) وَلَوْ طَالَ سَفَرُهُ لِعَدَمِ عَزْمِهِ عَلَى سَفَرٍ طَوِيلٍ.
نَعَمْ لَوْ قَصَدَ مَرْحَلَتَيْنِ أَوَّلًا كَأَنْ عَلِمَ عَدَمَ وُجُودِ مَطْلُوبِهِ قَبْلَهُمَا قَصَرَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَمِثْلُهُ الْهَائِمُ فِي ذَلِكَ كَمَا شَمَلَتْهُ عِبَارَةُ الْمُحَرِّرُ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الرَّوْضَةِ اسْتِمْرَارُ التَّرَخُّصِ وَلَوْ فِيمَا زَادَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ، وَلَوْ عَلِمَ الْأَسِيرُ طُولَ سَفَرِهِ وَنَوَى الْهَرَبَ إنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ لَمْ يَقْصُرْ قَبْلَ مَرْحَلَتَيْنِ، وَلَهُ الْقَصْرُ بَعْدَهُمَا، وَإِنْ امْتَنَعَ عَلَى الْمَتْبُوعِ الْقَصْرُ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَلَا أَثَرَ لِلنِّيَّةِ لِقَطْعِهِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يَأْتِي فِي الزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ إذَا نَوَتْ أَنَّهَا تَرْجِعُ مَتَى تَخَلَّصَتْ، وَأَنَّهُ مَتَى عَتَقَ رَجَعَ فَلَا تَرَخُّصَ لَهُمَا قَبْلَ مَرْحَلَتَيْنِ، وَأُلْحِقَ بِالزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ الْجُنْدِيُّ، وَبِالْفِرَاقِ النُّشُوزُ، وَبِالْعِتْقِ الْإِبَاقُ بِأَنْ نَوَى أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَهُ الْإِبَاقُ أَبَقَ، وَلَوْ جَاوَزَ مَرْحَلَتَيْنِ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْقَصْرُ قَبْلَهُمَا قَضَى مَا فَاتَهُ قَبْلَهُمَا مَقْصُورًا فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّهَا فَائِتَةُ سَفَرٍ طَوِيلٍ كَمَا شَمَلَ ذَلِكَ كَلَامُهُمْ أَوَّلَ الْبَابِ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ الْمَارِّ أَوَّلًا عَمَّا لَوْ نَوَى مَسَافَةَ قَصْرٍ ثُمَّ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْمَحَلِّ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ مُسَافِرًا نَوَى أَنَّهُ يَرْجِعُ إنْ وَجَدَ غَرَضَهُ أَوْ يُقِيمُ فِي طَرِيقِهِ وَلَوْ بِمَحَلٍّ قَرِيبٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يَتَرَخَّصُ إلَى وُجُودِ غَرَضِهِ، أَوْ دُخُولِهِ ذَلِكَ الْمَحَلَّ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ فِي حَقِّهِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ مُسْتَمِرًّا إلَى وُجُودِ مَا غَيَّرَ النِّيَّةَ إلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَرَضَ ذَلِكَ لَهُ قَبْلَ مُفَارَقَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
لَا يُقَالُ: قِيَاسُ مَنْعِهِمْ تَرَخُّصَ مَنْ نَقَلَ سَفَرَهُ الْمُبَاحَ إلَى مَعْصِيَةٍ مَنْعُهُ فِيمَا لَوْ
[حاشية الشبراملسي]
الْغَزَالِيُّ بَيْنَهُمَا: أَيْ وَالْأَصْلُ فِي الْعَطْفِ الْمُغَايِرَةُ.
(قَوْلُهُ: وَسَيُعْلَمُ بِمَا يَأْتِي حُرْمَةُ ذَلِكَ) أَيْ سَفَرِ الْهَائِمِ، وَقَوْلُهُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ: أَيْ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ غَرَضٌ فِي إتْعَابِ نَفْسِهِ وَدَابَّتِهِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ حُرْمَتِهِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ خُرُوجُهُ لِغَرَضٍ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: وَيُؤَيِّدُهُ) أَيْ الْمَنْعَ.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ قَصَدَ إلَخْ) يُمْكِنُ جَعْلُ هَذَا مُحْتَرَزَ قَوْلِهِ عِنْدَ سَفَرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ ابْتِدَاؤُهُ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَمَّا لَوْ قَصَدَ مَرْحَلَتَيْنِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ الْهَائِمُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي أَنَّهُ إذَا قَصَدَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ قَبْلَ مَرْحَلَتَيْنِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنَّمَا يَقْصُرُ إذَا كَانَ سَفَرُهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَمِنْ الْغَرَضِ مَا لَوْ خَرَجَ خَوْفًا مِنْ ظَالِمٍ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ) تَبِعَهُ حَجّ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَقْصُرْ قَبْلَ مَرْحَلَتَيْنِ) أَيْ وَيَقْصُرُ بَعْدَهُمَا وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ وَهُوَ كَذَلِكَ وِفَاقًا لِلرَّمْلِيِّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ امْتَنَعَ عَلَى الْمَتْبُوعِ) أَيْ وَهُوَ الْآسِرُ لِكَوْنِهِ عَاصِيًا بِالسَّفَرِ أَوْ كَافِرًا.
(قَوْلُهُ: فَلَا تَرَخُّصَ لَهُمَا قَبْلَ مَرْحَلَتَيْنِ) أَيْ وَلَهُمَا التَّرَخُّصُ بَعْدَهُمَا وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي دُونَهُمَا.
(قَوْلُهُ: مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْقَصْرُ) أَيْ كَالْأَسِيرِ وَالزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ مُفَارَقَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ) أَيْ الْمَحَلِّ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ إلَخْ، قَالَهُ سم
[حاشية الرشيدي]
عَابِثًا (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ الْهَائِمُ فِي ذَلِكَ) حَتَّى لَوْ قَصَدَ مَرْحَلَتَيْنِ تَرَخَّصَ: أَيْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ حَتَّى لَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ فِيهِ.
قَالَهُ الزِّيَادِيُّ، وَمِنْ صُوَرِ الْغَرَضِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ فَارًّا مِنْ نَحْوِ ظَالِمٍ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ (قَوْلُهُ: بَعْدَ مَرْحَلَتَيْنِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْقَصْرِ (قَوْلُهُ: وَبِالْفِرَاقِ النُّشُوزُ وَبِالْعِتْقِ الْإِبَاقُ) أَيْ وَلَا أَثَرَ لِهَذِهِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ إلَى الْآنَ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ حَتَّى يَحْصُلَ النُّشُوزُ أَوْ الْإِبَاقُ بِالْفِعْلِ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ (قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ الْمَارُّ أَوَّلًا إلَخْ) فِي هَذَا السِّيَاقِ نَوْعُ خَفَاءٍ، وَكَانَ الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ: وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِاشْتِرَاطِ مَا ذَكَرَ أَوَّلًا عَنْ الدَّوَامِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ حَتَّى لَوْ نَوَى مَسَافَةَ قَصْرٍ إلَخْ.
نَوَى إقَامَةً بِمَحَلٍّ قَرِيبٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: النَّقْلُ لِمَعْصِيَةٍ يُنَافِي التَّرَخُّصَ بِالْكُلِّيَّةِ، بِخِلَافِ هَذَا، وَلَوْ سَافَرَ سَفَرًا قَصِيرًا ثُمَّ نَوَى زِيَادَةَ الْمَسَافَةِ فِيهِ إلَى صَيْرُورَتِهِ طَوِيلًا فَلَا تَرَخُّصَ لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مَحَلِّ نِيَّتِهِ إلَى مَقْصِدِهِ مَسَافَةَ قَصْرٍ وَيُفَارِقُ مَحَلَّهُ لِانْقِطَاعِ سَفَرِهِ بِالنِّيَّةِ وَيَصِيرُ بِالْمُفَارَقَةِ مُنْشِئَ سَفَرٍ جَدِيدٍ، وَلَوْ نَوَى قَبْلَ خُرُوجِهِ إلَى سَفَرِ قَصْرٍ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ فَلَا قَصْرَ لَهُ لِانْقِطَاعِ كُلِّ سَفْرَةٍ عَنْ الْأُخْرَى.
(وَلَوْ) (كَانَ لِمَقْصِدِهِ) بِكَسْرِ الصَّادِ بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ (طَرِيقَانِ) طَرِيقٌ (طَوِيلٌ) أَيْ مَرْحَلَتَانِ (وَ) طَرِيقٌ (قَصِيرٌ) لَا يَبْلُغُهُمَا (فَسَلَكَ الطَّوِيلَ لِغَرَضٍ) دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ وَلَوْ مَعَ قَصْدِ إبَاحَةِ الْقَصْرِ (كَسُهُولَةٍ) لِلطَّرِيقِ، أَوْ رُخْصِ سِعْرِ بِضَاعَةٍ، أَوْ زِيَارَةٍ، أَوْ عِيَادَةٍ (أَوْ أَمْنٍ) كَفِرَارٍ مِنْ الْمَكَّاسِينَ (قَصَرَ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ السَّفَرُ الطَّوِيلُ الْمُبَاحُ، وَشَمَلَ كَلَامُهُ مَا لَوْ كَانَ الْغَرَضُ تَنَزُّهًا؛ لِأَنَّهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ انْضَمَّ لَهُ مَا ذُكِرَ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ: إنَّ الْوَجْهَ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ التَّنَزُّهَ هُنَا لَيْسَ هُوَ الْحَامِلُ عَلَى السَّفَرِ بَلْ الْحَامِلُ عَلَيْهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَسَفَرِ التِّجَارَةِ، وَلَكِنَّهُ سَلَكَ أَبْعَدَ الطَّرِيقَيْنِ لِلتَّنَزُّهِ فِيهِ، بِخِلَافِ مُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْبِلَادِ فِيمَا يَأْتِي فَإِنَّهُ الْحَامِلُ عَلَى السَّفَرِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْحَامِلُ عَلَيْهِ كَانَ كَالتَّنَزُّهِ هُنَا، أَوْ كَانَ التَّنَزُّهُ هُوَ الْحَامِلُ عَلَيْهِ كَانَ كَمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْبِلَادِ فِي تِلْكَ انْتَهَى.
وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ التَّنَزُّهَ لِإِزَالَةِ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ كَانَ غَرَضًا صَحِيحًا دَاخِلًا فِيمَا قَدَّمَهُ فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ سَلَكَهُ لِمُجَرَّدِ الْقَصْرِ أَوْ بِلَا قَصْدِ شَيْءٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ (فَلَا) يَقْصُرُ (فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّهُ طَوَّلَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ فَكَانَ شَبِيهًا بِمَنْ سَلَكَ قَصِيرًا وَطَوَّلَهُ عَلَى نَفْسِهِ لِتَرَدُّدِهِ فِيهِ حَتَّى بَلَغَ مَرْحَلَتَيْنِ.
وَالثَّانِي يَقْصُرُ؛ لِأَنَّهُ طَوِيلٌ مُبَاحٌ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ مَا لَوْ كَانَا طَوِيلَيْنِ فَسَلَكَ أَطْوَلَهُمَا وَلَوْ لِغَرَضِ الْقَصْرِ فَقَطْ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ فِيهِ جَزْمًا، وَمَا اُعْتُرِضَ بِهِ فِيمَا إذَا سَلَكَ الْأَطْوَلَ لِغَيْرِ الْقَصْرِ فَقَطْ بِأَنَّ إتْعَابَ النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ حَرَامٌ يُمْكِنُ رَدُّهُ بِأَنَّ الْحُرْمَةَ هُنَا عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْقَصْرِ لِبَقَاءِ أَصْلِ السَّفَرِ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ هَذَا) أَيْ فَإِنَّهُ وَإِنْ غَيَّرَ النِّيَّةَ فِيهِ إلَى مَسَافَةٍ يَمْتَنِعُ مَعَهَا الْقَصْرُ لَوْ كَانَتْ مَقْصُودَةً ابْتِدَاءً لَكِنَّهَا لَا تُنَافِي التَّرَخُّصَ مُطْلَقًا بِدَلِيلِ سُقُوطِ الْجُمُعَةِ عَنْ قَاصِدِهَا، وَكَذَا سُقُوطُ الْقَضَاءِ مَعَ التَّيَمُّمِ فِيهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ) عَوَّلَ عَلَى خَطِّهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ الْفَتْحُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ فِيهِ لُغَةً أُخْرَى (قَوْلُهُ مَا لَوْ كَانَ الْغَرَضُ تَنَزُّهًا) وَهُوَ إزَالَةُ الْكُدُورَةِ النَّفْسِيَّةِ بِرُؤْيَةِ مُسْتَحْسَنٍ يَشْغَلُهَا عَنْهَا اهـ حَجّ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ) أَيْ التَّنَزُّهُ.
(قَوْلُهُ: انْضَمَّ لَهُ مَا ذَكَرَ) أَيْ وُجُودُ الشَّرْطِ.
(قَوْلُهُ: وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ) أَيْ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
(قَوْلُهُ: إنَّ الْوَجْهَ أَنْ يُفَرَّقَ) أَيْ بَيْنَ التَّنَزُّهِ هُنَا وَبَيْنَ التَّنَقُّلِ الْآتِي.
(قَوْلُهُ: كَالتَّنَزُّهِ هُنَا) أَيْ فَيَقْصُرُ.
(قَوْلُهُ: لِإِزَالَةِ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ) أَيْ وَلَوْ لَمْ يُخْبِرْهُ بِذَلِكَ طَبِيبٌ.
(قَوْلُهُ: لِغَيْرِ الْقَصْرِ فَقَطْ) وَفِي نُسْخَةٍ لِغَرَضِ الْقَصْرِ، وَمَا فِي الْأَصْلِ هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَوْفَقُ بِقَوْلِهِ بِأَنَّ إتْعَابَ النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: لِبَقَاءِ أَصْلِ السَّفَرِ) هَذَا قَدْ يُشْكِلُ بِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّنَزُّهَ بِذَاتِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِمَقْصُودٍ آخَرَ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ التَّنَزُّهَ لِإِزَالَةِ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ خِلَافُهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِي مَا ذَكَرَ مِنْ فَرْقِ الشَّيْخِ، ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ قَاسِمٍ نَقَلَ عَنْ الشَّيْخِ اعْتِمَادَ الْأَوَّلِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ سَفَرٌ مُبَاحٌ وَقَدْ أَنَاطُوا التَّرَخُّصَ بِالسَّفَرِ الْمُبَاحِ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ إنَّ الْوَجْهَ أَنْ يُفَرَّقَ) أَيْ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا لَوْ سَافَرَ لِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْبِلَادِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ بَاقِي كَلَامِهِ، وَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يَذْكُرَ قَبْلَ هَذَا مَا هُوَ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ فِي عِبَارَةِ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ: سَلَكَ أَبْعَدَ الطَّرِيقَيْنِ لِيُبِيحَ لَهُ الْقَصْرَ فَقَطْ لَمْ يَقْصُرْ، وَيَقْصُرُ إنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ وَلَوْ تَنَزُّهًا.
قَالَ الشَّارِحُ: بِخِلَافِ سَفَرِهِ لِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْبِلَادِ كَمَا سَيَأْتِي، وَفُرِّقَ بِأَنَّ الْقَاصِدَ فِي هَذَا غَيْرُ جَازِمٍ بِمَقْصِدٍ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّ الْقَاصِدَ فِيهِ كَالْهَائِمِ بِخِلَافِهِ فِي التَّنَزُّهِ وَالْوَجْهُ أَنْ يُفَرَّقَ إلَخْ.
عَلَى إبَاحَتِهِ، وَيُؤْخَذُ مِمَّا عَلَّلَ بِهِ الْأَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِي الْمُتَعَمِّدِ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْغَالِطِ وَالْجَاهِلِ بِالْأَقْرَبِ فَإِنَّ الْأَوْجَهَ قَصْرُهُمَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا غَرَضٌ فِي سُلُوكِهِ.
(وَلَوْ) (تَبِعَ الْعَبْدُ أَوْ الزَّوْجَةُ أَوْ الْجُنْدِيُّ) أَوْ الْأَسِيرُ (مَالِكَ أَمْرِهِ) وَهُوَ السَّيِّدُ وَالزَّوْجُ وَالْأَمِيرُ وَالْآسِرُ (فِي السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُ كُلٌّ) مِنْهُمْ (مَقْصِدَهُ فَلَا قَصْرَ) لَهُمْ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِهِ، وَهَذَا قَبْلَ بُلُوغِهِمْ مَرْحَلَتَيْنِ كَمَا مَرَّ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ رُؤْيَةَ قَصْرِ مَتْبُوعِهِ الْعَالِمِ بِشُرُوطِ الْقَصْرِ بِمُجَرَّدِ مُفَارَقَتِهِ لِمَحَلِّهِ كَعِلْمِ مَقْصِدِهِ، بِخِلَافِ إعْدَادِهِ عُدَّةً كَثِيرَةً لَا تَكُونُ إلَّا لِلسَّفَرِ الطَّوِيلِ عَادَةً فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ تَيَقُّنَ سَفَرٍ طَوِيلٍ لِاحْتِمَالِهِ مَعَ ذَلِكَ لِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ بِمَفَازَةٍ قَرِيبَةٍ زَمَنًا طَوِيلًا (فَلَوْ نَوَوْا مَسَافَةَ الْقَصْرِ) وَحْدَهُمْ دُونَ مَتْبُوعِهِمْ أَوْ جَهِلُوا (قَصَرَ الْجُنْدِيُّ دُونَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَحْتَ قَهْرِ الْأَمِيرِ بِخِلَافِهِمَا فَنِيَّتُهُمَا كَالْعَدَمِ وَالْجَيْشُ تَحْتَ قَهْرِ الْأَمِيرِ فَنِيَّتُهُ كَالْعَدَمِ أَيْضًا، وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ هَذَا وَمَا تَقَرَّرَ فِي الْجُنْدِيِّ، إذْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ هُنَا فِيمَا إذَا كَانَ الْجَيْشُ تَحْتَ أَمْرِ الْأَمِيرِ وَطَاعَتِهِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْجَيْشَ إذَا بَعَثَهُ الْإِمَامُ وَأَمَّرَ أَمِيرًا عَلَيْهِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ شَرْعًا كَانَ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ طَاعَةُ سَيِّدِهِ.
وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْجُنْدِيِّ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَأْجَرًا وَلَا مُؤَمَّرًا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَأْجَرًا فَلَهُ حُكْمُ الْعَبْدِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ حَمْلُهُ عَلَى مُسْتَأْجَرٍ أَوْ مُؤَمَّرٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَالَفَ أَمْرَ الْأَمِيرِ وَسَافَرَ يَكُونُ سَفَرُهُ مَعْصِيَةً فَلَا يَقْصُرُ أَصْلًا، أَوْ يُقَالُ الْكَلَامُ فِي مَسْأَلَتِنَا فِيمَا إذَا نَوَى جَمِيعُ الْجَيْشِ فَنِيَّتُهُمْ كَالْعَدَمِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ التَّخَلُّفُ عَنْ الْأَمِيرِ، وَالْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فِي الْجُنْدِيِّ الْوَاحِدِ مِنْ الْجَيْشِ؛ لِأَنَّ مُفَارَقَتَهُ الْجَيْشَ مُمْكِنَةٌ فَاعْتُبِرَتْ نِيَّتُهُ وَلِذَلِكَ عَبَّرَ هُنَا بِالْجَيْشِ، وَقَدْ أَشَارَ لِهَذَا الْأَخِيرِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَقَوْلُهُ مَالِكَ أَمْرِهِ لَا يُنَافِيهِ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْجُنْدِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَمِيرَ الْمَالِكَ لِأَمْرِهِ لَا يُبَالِي بِانْفِرَادِهِ عَنْهُ وَمُخَالَفَتِهِ لَهُ، بِخِلَافِ مُخَالَفَةِ الْجَيْشِ إذْ يَخْتَلُّ بِهَا نِظَامُهُ وَهَذَا أَوْجَهُ.
[حاشية الشبراملسي]
أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ وَدَابَّتَهُ بِالرَّكْضِ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ، وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ أَنَّ السَّفَرَ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَلْيُتَأَمَّلْ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقْتَصِرَ هُنَا عَلَى مَنْعِ تَسْلِيمِ الْحُرْمَةِ، فَإِنَّ الْعُدُولَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ إتْعَابَ النَّفْسِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْمَشَقَّةُ الْحَاصِلَةُ فِي الطَّرِيقِ الْأَطْوَلِ قَرِيبَةً مِنْ الْمَشَقَّةِ الْحَاصِلَةِ فِي الطَّرِيقِ الْآخَرِ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْوُصُولِ إلَى الْمَقْصِدِ، وَلَا كَذَلِكَ الرَّكْضُ الْآتِي فَإِنَّهُ مَحْضُ عَبَثٍ، وَالتَّعَبُ مَعَهُ مُحَقَّقٌ أَوْ غَالِبٌ، أَوْ تُسَلَّمُ الْحُرْمَةُ وَيُحْمَلُ مَا يَأْتِي عَلَى مَا إذَا كَانَ الرَّكْضُ هُوَ الْحَامِلُ عَلَى السَّفَرِ وَمُقَارِنًا لِأَوَّلِ الْمُدَّةِ، لَكِنَّ هَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ فَالْأَوْلَى الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ تَبِعَ الْعَبْدُ أَوْ الزَّوْجَةُ) أَيْ وَالْمُبَعَّضُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ كَالْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ فَفِي نَوْبَتِهِ كَالْحُرِّ وَفِي نَوْبَةِ سَيِّدِهِ كَالْعَبْدِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ فِي نَوْبَتِهِ ثُمَّ دَخَلَتْ نَوْبَةُ السَّيِّدِ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ أَمْكَنَهُ الرُّجُوعُ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَقَامَ فِي مَحَلِّهِ إنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا سَافَرَ وَتُرُخِّصَ لِعَدَمِ عِصْيَانِهِ بِالسَّفَرِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ سَافَرَتْ الْمَرْأَةُ بِإِذْنِ زَوْجِهَا ثُمَّ لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّهَا يَلْزَمُهَا الْعَوْدُ إلَى الْمَحَلِّ الَّذِي سَافَرَتْ مِنْهُ أَوْ الْإِقَامَةُ بِمَحَلِّهَا إنْ لَمْ يَتَّفِقْ عَوْدُهَا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَتَمَّتْ السَّفَرَ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فِيهِ.
(قَوْلُهُ: لِاحْتِمَالِهِ مَعَ ذَلِكَ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: وَقَدْ يُقَالُ جَوَّزُوا الِاجْتِهَادَ فِي الطَّوِيلِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ قَصْدُ الْمَتْبُوعِ مَرْحَلَتَيْنِ بِقَرِينَةِ كَثْرَةِ الزَّادِ فَيَنْبَغِي جَوَازُ اعْتِمَادِ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْقَرَائِنِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقِلَّتَيْنِ لَمْ يُعْتَبَرْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ تَأَمَّلْ.
وَقَدْ يُقَالُ: مَا وُجِّهَ بِهِ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِقْلَالِ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْعِلْمِ بِالْمَسَافَةِ وَقَدْ أُطْلِقَ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي مَعْرِفَةِ طُولِ السَّفَرِ فِي الِابْتِدَاءِ فَشَمِلَ الْمُسْتَقِلَّ وَغَيْرَهُ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِهِمَا فَنِيَّتُهُمَا كَالْعَدَمِ) لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ مَا لَوْ نَوَى الْأَسِيرُ مَسَافَةً غَيْرَ مَسَافَةِ آسِرِهِ لَعَلَّهُ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِانْفِرَادِ لَغْوٌ.
نَعَمْ إنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْهَرَبِ هَرَبَ فَهَذِهِ تَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ عَلِمَ الْأَسِيرُ طُولَ سَفَرِهِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَجَبَتْ طَاعَتُهُ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُمْ لَوْ أَمَّرُوا أَمِيرًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ لَكِنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي السِّيَرِ خِلَافُهُ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا أَوْجَهٌ) لَكِنْ يُحْتَاجُ عَلَيْهِ لِلْجَوَابِ عَمَّا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مُسْتَأْجَرًا) أَيْ أَوْ مُؤَجَّرًا عَلَيْهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَاحِدَ وَالْجَيْشَ مِثَالٌ، وَإِلَّا فَالْمَدَارُ عَلَى مَا يَخْتَلُّ بِهِ نِظَامُهُ لَوْ خَالَفَ وَمَا لَا يَخْتَلُّ بِذَلِكَ.
(وَمَنْ) (قَصَدَ سَفَرًا طَوِيلًا فَسَارَ ثُمَّ نَوَى) وَهُوَ مُسْتَقِلٌّ مَاكِثٌ (رُجُوعًا) عَنْ مَقْصِدِهِ إلَى وَطَنِهِ مُطْلَقًا أَوْ غَيْرِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ (انْقَطَعَ) سَفَرُهُ بِمُجَرَّدِ نِيَّتِهِ حَيْثُ كَانَ نَازِلًا لَا سَائِرًا لِجِهَةِ مَقْصِدِهِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ مَعَ السَّيْرِ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فَنِيَّةُ الرُّجُوعِ مَعَهُ كَذَلِكَ، وَمَتَى قِيلَ بِانْتِهَاءِ سَفَرِهِ امْتَنَعَ قَصْرُهُ مَا دَامَ فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ كَمَا جَزَمُوا بِهِ وَمَا أَفْهَمُهُ كَلَامُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَنَّهُ يَقْصُرُ فَغَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْمَنْقُولَ (فَإِنْ سَارَ) لِمَقْصِدِهِ الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ لِمَا خَرَجَ مِنْهُ (فَسَفَرٌ جَدِيدٍ) فَإِنْ كَانَ مَا أَمَامَهُ سَفَرُ قَصْرٍ تَرَخَّصَ بِمُفَارَقَةِ مَا تُشْتَرَطُ مُفَارَقَتُهُ وَإِلَّا فَلَا.
أَمَّا إذَا نَوَاهُ إلَى غَيْرِ وَطَنِهِ لِحَاجَةٍ فَلَا يَنْتَهِي سَفَرُهُ بِذَلِكَ، وَكُنْيَةُ الرُّجُوعِ فِيمَا ذُكِرَ التَّرَدُّدُ فِيهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْبَغَوِيّ.
(وَ) ثَالِثُهَا جَوَازُ سَفَرِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَصْرِ وَجَمِيعِ الرُّخَصِ إلَّا التَّيَمُّمَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ، لَكِنْ مَعَ إعَادَةِ الصَّلَاةِ بِهِ كَمَا مَرَّ فَحِينَئِذٍ (لَا يَتَرَخَّصُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ كَآبِقٍ وَنَاشِزَةٍ) وَقَاطِعِ طَرِيقٍ وَمُسَافِرٍ بِلَا إذْنٍ أَصْلًا يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُ فِيهِ وَمُسَافِرٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ قَادِرٌ عَلَى وَفَائِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ غَرِيمِهِ، إذْ مَشْرُوعِيَّةُ التَّرَخُّصِ فِي السَّفَرِ لِلْإِعَانَةِ وَالْعَاصِي لَا يُعَانُ؛ لِأَنَّ الرُّخَصَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي، وَيَلْحَقُ بِمَنْ ذُكِرَ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ وَدَابَّتَهُ بِالرَّكْضِ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ أَوْ يُسَافِرَ لِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْبِلَادِ وَالنَّظَرِ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ صَحِيحٍ
[حاشية الشبراملسي]
مُسْتَأْجَرًا أَوْ مُؤَمَّرًا عَلَيْهِ وَخَالَفَ الْأَمِيرَ يَكُونُ سَفَرُهُ مَعْصِيَةً وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَا هُنَا فِيمَا إذَا نَوَى السَّفَرَ وَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ ذَلِكَ بِأَنْ بَقِيَ مَعَ الْأَمِيرِ وَمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا سَافَرَ فَلَا تَنَافِيَ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ هَذَا فِي مُقَابَلَةِ مَا حَكَاهُ قَبْلُ بِقِيلَ وَمِنْ ثَمَّ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: أَوْ يُقَالُ الْكَلَامُ فِي مَسْأَلَتِنَا إلَخْ
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ لِحَاجَةٍ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: لَا سَائِرًا لِجِهَةِ مَقْصِدِهِ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا نَوَى الرُّجُوعَ وَهُوَ سَائِرٌ لِغَيْرِ مَقْصِدِهِ الْأَوَّلِ لَا يَنْقَطِعُ تَرَخُّصُهُ، وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ سَارَ فَسَفَرٌ جَدِيدٌ.
(قَوْلُهُ: التَّرَدُّدُ فِيهِ) أَيْ وَإِنْ قَلَّ التَّرَدُّدُ
(قَوْلُهُ: يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ بِأَنْ أَرَادَ السَّفَرَ لِلْجِهَادِ وَأَصْلُهُ مُسَلَّمٌ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْذَانِهِ.
(قَوْلُهُ: وَمُسَافِرٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ) أَيْ وَإِنْ قَلَّ.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ إذْنِ غَرِيمِهِ) أَيْ أَوْ ظَنِّ رِضَاهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي الْجِهَادِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الرُّخَصَ لَا تُنَاطُ بِالْمُعَاصَى) ظَاهِرُهُ وَإِنْ بَعُدَ عَنْ مَحَلِّ رَبِّ الدَّيْنِ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ أَوْ التَّوْكِيلُ فِي الْوَفَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى تَوْفِيَتِهِ إذَا قَدَرَ بِالتَّوْكِيلِ أَوْ نَحْوِهِ وَنَدِمَ عَلَى خُرُوجِهِ بِلَا إذْنٍ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ عَجَزَ عَنْ رَدِّ الْمَظَالِمِ وَعَزَمَ عَلَى رَدِّهَا إذَا قَدَرَ كَمَا اقْتَضَى كَلَامُ الشَّارِحِ فِي أَوَّلِ الْجَنَائِزِ فِيهِ قَبُولُ تَوْبَتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَيَلْحَقُ بِمَنْ ذُكِرَ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ إلَخْ) هَذَا سَفَرُ مَعْصِيَةٍ فَمَا وَجْهُ الْإِلْحَاقِ، انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ، إلَّا أَنْ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: حَيْثُ كَانَ نَازِلًا) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ مَاكِثٌ وَخَرَجَ بِهِمَا مَا إذَا كَانَ سَائِرًا إلَى مَقْصِدِهِ أَوْ غَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: لَا سَائِرًا لِجِهَةِ مَقْصِدِهِ فِيهِ قُصُورٌ مَعَ أَنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا يَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ سَارَ، وَلَفْظُ مَاكِثٍ سَاقِطٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ.
(قَوْلُهُ: وَيُلْحَقُ بِمَنْ ذَكَرَ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ وَدَابَّتَهُ بِالرَّكْضِ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي سَفَرِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَإِنَّ سَفَرَهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ فِيهِ إلَّا إتْعَابُ نَفْسِهِ وَدَابَّتِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ خِلَافًا لِمَنْ ادَّعَاهُ أَنَّ الْبَاعِثَ لَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ أَتْعَبَ نَفْسَهُ وَدَابَّتَهُ، فَالْحُرْمَةُ إنَّمَا جَاءَتْ مِنْ إتْعَابِ النَّفْسِ وَالدَّابَّةِ بِأَنْ أَسْرَعَ فِي الْمَشْيِ وَرَكْضِ الدَّابَّةِ فَوْقَ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ لَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ هَذَا ظَاهِرَ تَعْبِيرِ الشَّارِحِ بِيُلْحَقُ وَبِالرَّكْضِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْته أَنَّ الثَّانِيَ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: فِيمَا مَرَّ قَرِيبًا وَمَا اُعْتُرِضَ بِهِ فِيمَا إذَا سَلَكَ الْأَطْوَلَ لِغَرَضِ الْقَصْرِ فَقَطْ بِأَنَّ إتْعَابَ النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ حَرَامٌ يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَخْ، فَقَوْلُهُ: فِي الرَّدِّ لِبَقَاءِ أَصْلِ السَّفَرِ عَلَى إبَاحَتِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ السَّفَرَ إذَا كَانَ الْبَاعِثُ عَلَيْهِ غَرَضًا صَحِيحًا لَا يَضُرُّ فِي إبَاحَتِهِ إتْعَابُ النَّفْسِ وَالدَّابَّةِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ هُنَا مَا ذَكَرَتْهُ.
نَعَمْ قَوْلُهُ: ثُمَّ بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِهَا يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ حُرْمَةُ إتْعَابِ النَّفْسِ وَالدَّابَّةِ لِغَيْرِ غَرَضٍ،
كَمَا نَقَلَاهُ وَأَقَرَّاهُ، وَإِنْ قَالَ مُحَلَّيْ فِي الْأَكْلِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ الْحِلُّ وَفِي الثَّانِي أَنَّهُ مُبَاحٌ، وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ الرُّخَصُ
[حاشية الشبراملسي]
يُقَالَ: الْمُرَادُ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ أَنْ يَكُونَ الْحَامِلُ عَلَى السَّفَرِ نَفْسَ الْمَعْصِيَةِ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَمَا هُنَا الْحَامِلُ عَلَيْهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَالتِّجَارَةِ، لَكِنَّهُ أَتْعَبَ نَفْسَهُ بِالرَّكْضِ فِي سَيْرِهِ لِذَلِكَ الْغَرَضِ فَكَانَ فِعْلُهُ هَذَا كَفِعْلِ الْعَاصِي فِي السَّفَرِ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ عَاصِيًا بِنَفْسِ الرَّكْضِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ قَطْعُ الْمَسَافَةِ أُلْحِقَ بِالْعَاصِي بِالسَّفَرِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ مُجَلَّيْ فِي الْأَوَّلِ)
[حاشية الرشيدي]
وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِمَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ: الْآتِي وَإِنْ قَالَ مُجَلِّي إلَخْ، الصَّرِيحُ فِي أَنَّهُ قَائِلٌ بِالْحُرْمَةِ فِيمَا ذُكِرَ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا تَنَاقُضَ إذَا مَا مَرَّ ثُمَّ أَصْلُ السَّفَرِ فِيهِ لِبَاعِثٍ صَحِيحٍ وَمَا ذَكَرَ وَقَعَ بَعْدَ عَقْدِ السَّفَرِ الْمُبَاحِ فَلَمْ يَكُنْ حَرَامًا لِوُقُوعِهِ تَابِعًا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْته أَوَّلًا مِنْ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ هُنَا أَنَّهُ لَا بَاعِثَ لَهُ عَلَى السَّفَرِ سَوْقُ عِبَارَةِ مُجَلِّي الْمُخَالِفِ فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، وَنَصُّهَا حَسَبَ مَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ: فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ فِي سَفَرِهِ قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: يَكُونُ عَاصِيًا، وَكَذَا كُلُّ مَنْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِغَيْرِ غَرَضٍ كَرَكْضِ دَابَّتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ، وَكَذَلِكَ السَّفَرُ لِرُؤْيَةِ الْبِلَادِ وَالتَّنَزُّهِ فِيهَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مُبَاحٌ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مِنْ الْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ السَّفَرُ لِيَرَى الْبِلَادَ وَلَا أَرَبَ لَهُ سِوَاهُ.
اهـ كَلَامُ مُجَلِّي.
فَقَوْلُهُ: وَكَذَا كُلُّ مَنْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ فِي سَفَرِهِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ فِي سَفَرِهِ، يَكُونُ عَاصِيًا؛ لِأَنَّهُ مُتْعِبٌ نَفْسَهُ وَدَابَّتَهُ لِغَيْرِ غَرَضٍ، وَكَذَا حُكْمُ كُلِّ مَنْ أَتْعَبَهُمَا لِغَيْرِ غَرَضٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَفَرِهِ وَتَعْبِيرُهُ بِهَذِهِ الْكُلِّيَّةِ ظَاهِرٌ فِيمَا قُلْنَاهُ فَإِنَّهَا الْمَعْرُوفَةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَيُصَرِّحُ بِهِ أَنَّ الشَّارِحَ اقْتَصَرَ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَعْنَى هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا عُطِفَتْ عَلَيْهِ اكْتِفَاءً بِهَا لِعُمُومِهَا، ثُمَّ صَرَّحَ بِأَنَّ مُجَلِّيًا خَالَفَ فِي حُكْمِهَا مَعَ أَنَّ خِلَافَ مُجَلِّي مَعَ غَيْرِهِ إنَّمَا وَقَعَ أَصَالَةً فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي سَفَرِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَمَا عَرَفْت مِنْ عِبَارَتِهِ، فَهَذَا التَّصَرُّفُ مِنْ الشَّارِحِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ السَّفَرَ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الشَّارِحِ كَمُجَلِّي أَوْ يُسَافِرُ لِرُؤْيَةِ الْبِلَادِ بَعْدَ قَوْلِهِ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، بَلْ بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُمَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ، لَكِنْ يَتَعَيَّنُ أَنَّ مُرَادَهُ مَا ذَكَرْته لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ أَعَمُّ مِنْ الثَّانِي، وَعِبَارَتُهُ أَعَنَى الْأَذْرَعِيَّ بَعْدَ قَوْلِ الرَّوْضَةِ وَمِمَّا أُلْحِقَ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ إتْعَابُ نَفْسِهِ وَتَعْذِيبُهُ دَابَّتَهُ بِالرَّكْضِ لَا لِغَرَضٍ ذَكَرَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ يَنْتَقِلُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ لَمْ يَتَرَخَّصْ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: السَّفَرُ لِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْبِلَادِ وَالنَّظَرِ إلَيْهَا لَيْسَ مِنْ الْأَغْرَاضِ الصَّحِيحَةِ.
اهـ.
نَصُّهَا: أَعَنَى عِبَارَةَ الْأَذْرَعِيِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَيْ النَّوَوِيِّ نَقَلَ ثَلَاثَ صُوَرٍ وَالْمُوَافَقَةُ عَلَيْهَا، وَعَزَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْأُولَةَ: أَيْ إتْعَابَ النَّفْسِ وَالدَّابَّةِ إلَى الْأَصْحَابِ مُطْلَقًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا وَاَلَّتِي بَعْدَهَا: أَيْ مَسْأَلَةَ الِانْتِقَالِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ وَالسَّفَرِ لِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْبِلَادِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ انْتَهَتْ، فَجَعَلَ مُؤَدَّى الصُّوَرِ الثَّلَاثِ وَاحِدًا وَفِيهِ مَا قَدَّمْته، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ الْأَذْرَعِيُّ عَلَى مَا بَحَثَهُ بِكَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَإِمَامِهِ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ عِنْدَ الشَّارِحِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَإِنْ قَالَ مُجَلِّي إلَخْ وَمِنْ ثَمَّ عَبَّرَ عَنْهُ الشِّهَابُ حَجّ بِقَوْلِهِ وَمِنْ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ إلَخْ، فَمَا وَجْهُ تَعْبِيرِ الشَّارِحِ فِيهِ كَالرَّوْضَةِ بِقَوْلِهِمَا وَيُلْحَقُ؟ قُلْت: وَجْهُهُ أَنَّ صُورَةَ السَّفَرِ فِيهِ لَيْسَتْ مَعْصِيَةً؛ لِأَنَّ الْبَاعِثَ عَلَيْهِ لَيْسَ إتْعَابَ نَفْسِهِ وَدَابَّتِهِ، وَإِنَّمَا نَشَأَ مِنْ انْتِفَاءِ الْغَرَضِ فِي السَّفَرِ فَكَانَ السَّفَرُ حَيْثُ لَا غَرَضَ فِيهِ صَحِيحًا مَقْصُودُهُ إتْعَابُ النَّفْسِ وَالدَّابَّةِ وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْ الْمُسَافِرُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ السَّفَرِ لِنَحْوِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهَا الْبَاعِثَةُ عَلَيْهِ، فَكَانَ السَّفَرُ لَهَا سَفَرَ مَعْصِيَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالصُّورَةُ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الْبَاعِثَ فِيهَا إتْعَابُ النَّفْسِ وَالدَّابَّةِ بِأَنْ لَاحَظَ الْمُسَافِرُ ذَلِكَ عِنْدَ سَفَرِهِ كَانَ السَّفَرُ كَسَفَرِ نَحْوِ السَّرِقَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَكَانَ أَوْلَى بِالْحُكْمِ، وَبِمَا قَرَّرْته فِي هَذَا الْجَوَابِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ الشِّهَابِ سم هَذَا سَفَرُ مَعْصِيَةٍ، فَمَا وَجْهُ الْإِلْحَاقِ.
اهـ.
وَقَدْ اتَّضَحَ وَجْهُهُ بِمَا ذَكَرْته وَلِلَّهِ الْحَمْدُ لَا بِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ مِمَّا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى السَّفَرِ فِي مَسْأَلَتِنَا غَرَضٌ صَحِيحٌ وَلَكِنَّهُ أَتْعَبَ فِيهِ نَفْسَهُ وَدَابَّتَهُ فَتَأَمَّلْهُ.