نهاية المحتاج إلى شرح المنهاجصفحات 497-536

كِتَابُ الطَّهَارَةِ

صفحات 497-536

وَالْعَاجِزُ يَنْحَنِي قَدْرَ إمْكَانِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الِانْحِنَاءِ أَصْلًا أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ بِطَرَفِهِ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ انْحَنَى قَدْرًا تَصِلُ بِهِ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ لَزِمَهُ إعَادَةُ الرُّكُوعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
وَالرَّاحَةُ بَطْنُ الْكَفِّ وَتَعْبِيرُهُ بِهَا يُشْعِرُ بِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِالْأَصَابِعِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: إنَّهُ الصَّوَابُ وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ التَّنْبِيهِ الِاكْتِفَاءَ بِهَا،

وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الرُّكُوعِ كَوْنُهُ (بِطُمَأْنِينَةٍ) لِخَبَرِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ الْمَارِّ، وَأَقَلُّهَا أَنْ تَسْتَقِرَّ أَعْضَاؤُهُ رَاكِعًا (بِحَيْثُ يَنْفَصِلُ رَفْعُهُ) مِنْ رُكُوعِهِ (عَنْ هَوْيِهِ) بِفَتْحِ الْهَاءِ أَفْصَحُ مِنْ ضَمِّهَا: أَيْ سُقُوطِهِ، فَزِيَادَةُ الْهَوْيِ لَا تَقُومُ مَقَامَ الطُّمَأْنِينَةِ (وَلَا يُقْصَدُ بِهِ) أَيْ بِالْهُوِيِّ (غَيْرُهُ) أَيْ الرُّكُوعِ سَوَاءٌ أَقَصَدَهُ أَمْ لَا كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ لِانْسِحَابِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى ذَلِكَ (فَلَوْ هَوَى لِتِلَاوَةٍ فَجَعَلَهُ رُكُوعًا لَمْ يَكْفِ) لِوُجُودِ الصَّارِفِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْتَصِبَ لِيَرْكَعَ، فَلَوْ قَرَأَ إمَامُهُ آيَةَ سَجْدَةٍ ثُمَّ رَكَعَ عَقِبَهَا فَظَنَّ الْمَأْمُومُ أَنَّهُ هَوَى لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَهَوَى لِذَلِكَ مَعَهُ فَرَآهُ لَمْ يَسْجُدْ فَوَقَفَ عَنْ السُّجُودِ هَلْ

[حاشية الشبراملسي]

فِي الْقِيَامِ إذَا عَجَزَ عَنْهُ إلَّا بِمُعِينٍ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْقِيَامِ إلَّا مُتَّكِئًا عَلَى شَيْءٍ أَوْ إلَّا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، أَوْ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّهُوضِ إلَّا بِمُعِينٍ وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ وَجَدَهَا فَاضِلَةً عَمَّا يُعْتَبَرُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ فِيمَا يَظْهَرُ فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَقْدُورُهُ انْتَهَى.
وَمُخَالِفًا لِمَا نَقَلَهُ سم عَنْهُ.
ثُمَّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ.
فَيَلْزَمُهُ أَوْ فِي الدَّوَامِ فَلَا يَلْزَمُهُ، وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ زَمَنُ الرُّكُوعِ أَقْصَرَ مِنْ زَمَنِ الْقِيَامِ لَزِمَهُ حَيْثُ قَدَرَ عَلَيْهِ بِالْمُعِينِ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الْقِيَامِ فَإِنَّ زَمَنَهُ أَطْوَلُ فَلَمْ يَلْزَمْهُ حَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَوَامِهِ إلَّا بِمُعِينٍ (قَوْلُهُ: وَالرَّاحَةُ بَطْنُ الْكَفِّ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَالرَّاحَتَانِ مَا عَدَا الْأَصَابِعَ مِنْ الْكَفَّيْنِ انْتَهَى، وَهِيَ أَوْلَى لِإِخْرَاجِهَا الْأَصَابِعَ صَرِيحًا وَبِخِلَافِ مَا عَبَّرَ بِهِ الشَّارِحُ فَإِنَّ إخْرَاجَهَا إنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَتَعْبِيرُهُ إلَخْ.

(قَوْلُهُ: أَفْصَحُ مِنْ ضَمِّهَا) هَذَا مَذْهَبُ الْخَلِيلِ، وَفِي الْمِصْبَاحِ هَوِيَ يَهْوِي مِنْ بَابِ ضَرَبَ هَوِيًّا بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا، وَزَادَ ابْنُ الْقُوطِيَّةِ هَوَاءً بِالْمَدِّ سَقَطَ مِنْ أَعْلَى إلَى أَسْفَلَ، قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ وَغَيْرُهُ، وَهَوَى يَهْوِي أَيْضًا هُوِيًّا بِالضَّمِّ لَا غَيْرُ إذَا ارْتَفَعَ، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ الْهُوِيَّ بِالضَّمِّ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى السُّقُوطِ وَالرَّفْعِ، وَبِالْفَتْحِ بِمَعْنَى السُّقُوطِ لَا غَيْرُ، وَفِي الْقَامُوسِ مَا يُصَرِّحُ بِأَنَّ ثَمَّ لُغَةً هِيَ أَنَّ الْهَوِيَّ بِالْفَتْحِ السُّقُوطُ وَبِالضَّمِّ الِارْتِفَاعُ (قَوْلُهُ: أَمْ لَا) أَيْ بِأَنْ أَطْلَقَ أَوْ قَصَدَهُ وَغَيْرَهُ فَلَوْ هَوِيَ بِقَصْدِ الرُّكُوعِ وَقَتَلَ الْعَقْرَبَ مَثَلًا لَمْ يَضُرَّ، هَلْ يُغْتَفَرُ لَهُ الْأَفْعَالُ الْكَثِيرَةُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مَطْلُوبٌ مِنْهُ، لَكِنْ نَقَلَ عَنْ فَتَاوَى الشِّهَابِ الرَّمْلِيِّ أَنَّهُ يَضُرُّ كَمَا لَوْ تَكَرَّرَ دَفْعُ الْمَارِّ بِأَفْعَالٍ مُتَوَالِيَةٍ فَإِنَّهُ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الدَّفْعِ مَطْلُوبًا انْتَهَى.
أَقُولُ: وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَفْعِ الْمَارِّ بِأَنَّ الدَّفْعَ شُرِعَ لِدَفْعِ النَّقْصِ الْحَاصِلِ بِالْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ، فَرُبَّمَا فَاتَ بِهِ مَا شُرِعَ لِأَجْلِهِ مِنْ كَمَالِ صَلَاتِهِ، بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّ قَتْلَ الْحَيَّةِ مَطْلُوبٌ لِدَفْعِ ضَرَرِهَا فَأَشْبَهَ دَفْعَ الْعَدُوِّ وَالْأَفْعَالُ الْكَثِيرَةُ فِي دَفْعِهِ لَا تَضُرُّ (قَوْلُهُ: فَلَوْ هَوَى لِتِلَاوَةٍ) قَالَ حَجّ: أَوْ قَتَلَ نَحْوَ حَيَّةٍ (قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْتَصِبَ لِيَرْكَعَ قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ أَيْضًا انْتَهَى، أَقُولُ: بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ) لِأَنَّ هَوِيَّهُ لِلتِّلَاوَةِ كَانَ مَشْرُوعًا وَعَوْدَهُ لِيَرْكَعَ وَاجِبٌ فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا يَبْطُلُ عَمْدُهُ، وَمُجَرَّدُ جَعْلِهِ رُكُوعًا بَعْدَ هَوِيِّهِ بِقَصْدِ التِّلَاوَةِ لَيْسَ فِعْلًا لِمَا يَبْطُلُ عَمْدُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: قَطْعُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ جَائِزٌ حَيْثُ قَطَعَهُ لِيَعُودَ إلَى الْقِيَامِ، وَإِرَادَةُ جَعْلِهِ لِلرُّكُوعِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ فِعْلٍ يَبْطُلُ عَمْدُهُ وَفِيهِ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ فَرَآهُ لَمْ يَسْجُدْ فَوَقَفَ عَنْ السُّجُودِ) فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِوُقُوفِ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ إلَّا بَعْدَ أَنْ وَصَلَ لِلسُّجُودِ فَهَلْ يَقُومُ مُنْحَنِيًا حَتَّى لَوْ قَامَ مُنْتَصِبًا ثُمَّ رَكَعَ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِزِيَادَتِهِ رُكُوعًا لِلِاعْتِدَادِ بِهَوِيِّهِ الْقِيَاسُ.
نَعَمْ بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ الْمَذْكُورِ وِفَاقًا لَمْ ر

[حاشية الرشيدي]

فِعْلِ الصَّلَاةِ جَمِيعِهَا فِي الْوَقْتِ مَعَ الْإِتْيَانِ بِأَصْلِ السُّنَّةِ فَتَأَمَّلْ

[الْخَامِسُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاة الرُّكُوعُ]

(قَوْلُهُ: وَالرَّاحَةُ بَطْنُ الْكَفِّ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْأَصَابِعِ بِقَرِينَةِ

يُحْسَبُ لَهُ هَذَا عَنْ الرُّكُوعِ؟ الْأَقْرَبُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
نَعَمْ وَيُغْتَفَرُ ذَلِكَ لِلْمُتَابَعَةِ فَقَدْ جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَفِي الرَّوْضَةِ مَا يَشْهَدُ لَهُ فَقَالَ: لَوْ قَامَ الْإِمَامُ إلَى خَامِسَةٍ سَهْوًا وَكَانَ قَدْ أَتَى بِالتَّشَهُّدِ فِي الرَّابِعَةِ عَلَى نِيَّةِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى إعَادَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ انْتَهَى.
وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ إذَا قَامَ الْمُسْتَحَبُّ مَقَامَ الْوَاجِبِ فَلَأَنْ يَقُومَ الْوَاجِبُ عَنْ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَقَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: الْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهُ يَعُودُ لِلْقِيَامِ ثُمَّ يَرْكَعُ لَا وَجْهَ لَهُ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ وَقَصَدَ أَنْ لَا يَسْجُدَ وَيَرْكَعَ فَلَمَّا هَوَى عَنَّ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ لِلتِّلَاوَةِ فَإِنْ كَانَ قَدْ انْتَهَى إلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا جَازَ (وَأَكْمَلُهُ) أَيْ: الرُّكُوعِ (تَسْوِيَةُ ظَهْرِهِ وَعُنُقِهِ) كَالصَّفِيحَةِ لِلْإِتْبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ (وَنَصْبُ سَاقَيْهِ) وَفَخِذَيْهِ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ وَلَا يُثْنِي رُكْبَتَيْهِ وَالسَّاقُ مُؤَنَّثَةٌ (وَأَخْذُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ) أَيْ بِكَفَّيْهِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَتَفْرِيقُ أَصَابِعِهِ) تَفْرِيقًا وَسَطًا لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْوَسَطِ (لِلْقِبْلَةِ) أَيْ لِجِهَتِهَا لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ، وَاحْتُرِزَ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يُوَجِّهَ أَصَابِعَهُ إلَى غَيْرِ جِهَتِهَا مِنْ يَمْنَةٍ أَوْ يَسْرَةٍ، قَالَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ.
وَفِيهِ إشَارَةٌ لِلْجَوَابِ عَنْ قَوْلِ ابْنِ النَّقِيبِ لَمْ أَفْهَمْ مَعْنَاهُ وَلَوْ تَعَذَّرَ وَضْعُ يَدَيْهِ أَوْ إحْدَاهُمَا فَعَلَ الْمُمْكِنَ (وَيُكَبِّرُ فِي ابْتِدَاءِ هَوِيِّهِ) لِلرُّكُوعِ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَإِحْرَامِهِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْإِتْبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ لَكِنْ يُسَنُّ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الرَّفْعِ

[حاشية الشبراملسي]

عَلَى الْفَوْرِ، وَيُحْتَمَلُ جَوَازُ الْقِيَامِ مُنْتَصِبًا لِأَنَّ لَهُمْ تَرَدُّدًا فِي إجْزَاءِ الْهَوِيِّ وَالْحَالَةُ مَا ذُكِرَ، فَفِي الْعَوْدِ التَّخَلُّصُ مِنْ شُبْهَةِ التَّرَدُّدِ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعَامِدِ الْعَامِّ (قَوْلُهُ الْأَقْرَبُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ نَعَمْ) أَيْ خِلَافًا لحج كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَهَذَا أَوْلَى) قَدْ تُمْنَعُ الْأَوْلَوِيَّةُ بِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ ثَمَّ إنَّمَا قَامَ مَقَامَ الْوَاجِبِ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ شَمَلَتْهُ، كَمَا يَأْتِي فِي قِيَامِ جُلُوسِ الِاسْتِرَاحَةِ مَقَامَ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَهَوِيَّهُ لِلتِّلَاوَةِ لَمْ يَشْمَلْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا لِلْمُتَابَعَةِ، فَحَقُّهُ أَنْ لَا يَكْفِيَ كَمَا لَا تَكْفِي السَّجْدَةُ لِلتِّلَاوَةِ عَنْ سُجُودِ الصَّلَاةِ لَوْ نَسِيَهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إذَا قَامَ الْمُسْتَحَبُّ) أَيْ وَهُوَ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ فِي ظَنِّهِ، وَقَوْلُهُ مَقَامَ الْوَاجِبِ: أَيْ وَهُوَ التَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ) مُرَادُهُ حَجّ (قَوْلُهُ: وَقَصَدَ أَنْ لَا يَسْجُدَ وَيَرْكَعَ) مَعْنَاهُ وَقَصَدَ الرُّكُوعَ فَلَيْسَ عَطْفًا عَلَى الْمَنْفِيِّ (قَوْلُهُ وَإِلَّا جَازَ) دَخَلَ فِيهِ مَا لَوْ خَرَجَ بِهَوِيِّهِ عَنْ حَدِّ الْقِيَامِ بِأَنْ صَارَ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى الْقِيَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ (قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ) أَيْ تَرْكُ الْأَكْمَلِ (قَوْلُهُ: وَالسَّاقُ مُؤَنَّثَةٌ) وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقَدَمِ وَالرُّكْبَةِ وَجَمْعُهَا أَسْوُقٌ وَسِيقَانٌ وَسُوقٌ انْتَهَى عَمِيرَةٌ وسم عَلَى مَنْهَجٍ وَمِثْلُهُ فِي الْقَامُوسِ (قَوْلُهُ تَفْرِيقًا وَسَطًا لِلِاتِّبَاعِ) وَاعْتُبِرَ فِي التَّفْرِيقِ كَوْنُهُ وَسَطًا لِئَلَّا يَخْرُجَ بَعْضُ الْأَصَابِعِ عَنْ الْقِبْلَةِ (قَوْلُهُ لَمْ أَفْهَمْ مَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَتَفْرِقَةُ أَصَابِعِهِ لِلْقِبْلَةِ (قَوْلُهُ: فَعَلَ الْمُمْكِنَ) وَلَوْ قَطَعَ مِنْ الزِّنْدِيقِ لَا يَبْلُغُ بِهِمَا الرُّكْبَتَيْنِ إذْ بِهِ يَفُوتُ اسْتِوَاءُ الظَّهْرِ انْتَهَى شَرْحُ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفُتْ اسْتِوَاءُ الظَّهْرِ نُدِبَ أَنْ يَبْلُغَ بِهِمَا الرُّكْبَتَيْنِ، وَقَوْلُهُ الزَّنْدَيْنِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: الزَّنْدُ مَا انْحَسَرَ عَنْهُ اللَّحْمُ مِنْ الذِّرَاعِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ وَالْجَمْعُ زُنُودٌ مِثْلَ فِلْسٍ وَفُلُوسٍ انْتَهَى (قَوْلُهُ: وَيُكَبِّرُ فِي ابْتِدَاءِ هَوِيِّهِ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: قُلْت يَجُوزُ قِرَاءَةُ يُكَبِّرُ بِنَصَبِ الرَّاءِ عَطْفًا عَلَى تَسْوِيَةٍ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أَكْمَلَهُ أَنْ يُسَوِّيَ وَأَنْ يُكَبِّرَ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَيَجُوزُ رَفْعُهُ إذْ هُوَ الْأَصْلُ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ نَاصِبٌ صَرِيحًا (قَوْلُهُ: وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) قَدْ صَنَّفَ الْبُخَارِيُّ فِي ذَلِكَ تَصْنِيفًا رَدَّ فِيهِ عَلَى مُنْكَرِي الرَّفْعِ وَقَالَ: إنَّهُ رَوَاهُ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَأَنَّ عَدَمَ الرَّفْعِ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِرّ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ.
قَالَ حَجّ: وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ: أَيْ غَيْرُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَضْعَافِ ذَلِكَ

[حاشية الرشيدي]

مَا بَعْدَهُ

(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ إذَا قَامَ الْمُسْتَحَبُّ إلَخْ) الْفَرْقُ أَنَّ ذَاكَ شَمِلَتْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ شَرْطُ وُقُوعِ الْفِعْلِ أَوْ الْقَوْلِ مِنْ الصَّلَاةِ عَنْ نَظِيرِهِ بِخِلَافِ هَذَا، عَلَى أَنَّا نَمْنَعُ فِي صُورَةِ الرَّوْضَةِ قِيَامَ مُسْتَحَبٍّ مَقَامَ وَاجِبٍ كَمَا يُعْلَمُ بِالتَّأَمُّلِ

وَهُوَ قَائِمٌ مَعَ ابْتِدَاءِ تَكْبِيرِهِ، فَإِذَا حَاذَى كَفَّاهُ مَنْكِبَيْهِ انْحَنَى قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ، وَفِي الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ نَحْوُهُ وَصَوَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
قَالَ فِي الْإِقْلِيدِ: لِأَنَّ الرَّفْعَ حَالَ الِانْحِنَاءِ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ انْتَهَى.
وَيَكُونُ التَّشْبِيهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالنَّظَرِ لِلرَّفْعِ إذْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُعْطَى الْمُشَبَّهُ حُكْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَسَقَطَ مَا قِيلَ إنَّ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ الْهَوِيَّ يُقَارِنُ الرَّفْعَ ضَعِيفٌ.

(وَيَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ) لِلِاتِّبَاعِ، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74] قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ، وَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] قَالَ: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» وَوَجْهُ التَّخْصِيصِ أَنَّ الْأَعْلَى أَبْلَغُ مِنْ الْعَظِيمِ، فَجُعِلَ الْأَبْلَغُ فِي التَّوَاضُعِ لِلْأَفْضَلِ وَهُوَ السُّجُودُ، وَأَيْضًا فَقَدْ وَرَدَ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ قُرْبُ مَسَافَةٍ فَسُنَّ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى: أَيْ عَنْ قُرْبِ الْمَسَافَاتِ، زَادَ فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ وَبِحَمْدِهِ (ثَلَاثًا) لِلِاتِّبَاعِ وَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِمَرَّةٍ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ، وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثٌ ثُمَّ خَمْسٌ ثُمَّ سَبْعٌ ثُمَّ تِسْعٌ ثُمَّ إحْدَى عَشْرَةَ وَهُوَ الْأَكْمَلُ وَهَذَا لِلْمُنْفَرِدِ وَإِمَامُ مَنْ مَرَّ أَمَّا غَيْرُهُ فَيَقْتَصِرُ عَلَى الثَّلَاثِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَلَا يَزِيدُ الْإِمَامُ) عَلَى الثَّلَاثِ: أَيْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِلتَّخْفِيفِ عَلَى الْمُقْتَدِينَ (وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ) وَإِمَامُ مَنْ مَرَّ عَلَى ذَلِكَ «اللَّهُمَّ لَك رَكَعْت وَبِك آمَنْت وَلَك أَسْلَمْت، خَشَعَ لَك سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، زَادَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ «وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي» بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: مَعَ ابْتِدَاءِ تَكْبِيرِهِ) أَيْ وَيَمُدُّهُ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى حَدِّ الرُّكُوعِ، وَكَذَا فِي سَائِرِ الِانْتِقَالَاتِ حَتَّى فِي جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ فَيَمُدُّهُ عَلَى الْأَلْفِ الَّتِي بَيْنَ اللَّامِ وَالْهَاءِ لَكِنْ بِحَيْثُ لَا تُجَاوِزُ سَبْعَ أَلِفَاتٍ لِأَنَّهَا غَايَةُ هَذَا الْمَدِّ وَمِنْ ابْتِدَاءِ رَفْعِ رَأْسِهِ إلَى تَمَامِ قِيَامِهِ انْتَهَى حَجّ

(قَوْلُهُ: وَيَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ) الْعُمْدَةُ فِي عَدَمِ وُجُوبِ هَذِهِ الْأَذْكَارِ وَنَحْوِهَا مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» عَدَمُ ذِكْرِهَا لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَلَك أَنْ تَقُولَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ تَرْكَهَا لِلْعِلْمِ بِهَا كَمَا اعْتَذَرَ بِهِ أَئِمَّتُنَا عَنْ تَرْكِ التَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَك أَنْ تَقُولَ: عَدَمُ الذِّكْرِ فِي خَبَرِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فَنَأْخُذُ بِهِ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَقَدْ دَلَّ فِي التَّشَهُّدِ وَنَحْوِهِ دُونَ هَذِهِ الْأَذْكَارِ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: لِلْأَفْضَلِ) وَهُوَ السُّجُودُ يُفِيدُ أَنَّ السُّجُودَ أَفْضَلُ مِنْ الرُّكُوعِ وَإِنْ كَانَ الرُّكُوعُ مِنْ خَصَائِصِنَا، ثُمَّ رَأَيْت ع نَقَلَهُ فِيمَا يَأْتِي فِي السُّجُودِ عَنْ الرَّوْضَةِ، وَعِبَارَتُهُ: فَرْعٌ: جَزَمَ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَلُ ثُمَّ السُّجُودَ ثُمَّ الرُّكُوعَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ سَاجِدٌ) عِبَارَةُ حَجّ: إذَا كَانَ سَاجِدًا (قَوْلُهُ: زَادَ فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ وَبِحَمْدِهِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: بِمَرَّةٍ) أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ (قَوْلُهُ: أَمَّا غَيْرُهُ فَيُقْتَصَرُ) أَيْ نَدْبًا (قَوْلُهُ: لِلتَّخْفِيفِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَزِيدُ الْإِمَامُ (قَوْلُهُ: وَلَك أَسْلَمْت) إنَّمَا قَدَّمَ الظَّرْفَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ لِأَنَّ فِيهَا رَدًّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ كَانُوا يَعْبُدُونَ مَعَهُ تَعَالَى غَيْرَهُ فَقَصَدَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ عَلَى طَرِيقَةِ الِاخْتِصَاصِ، وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ لِلرَّدِّ عَلَى مُعْتَقِدِ الشَّرِكَةِ أَوْ الْعَكْسِ: أَيْ أَوْ مُعْتَقِدِ الْعَكْسِ، وَأَخَّرَهُ عَنْ قَوْلِهِ خَشَعَ لِأَنَّ الْخُشُوعَ لَيْسَ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَنْسُبُونَهَا إلَى غَيْرِهِ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِمْ فِيهَا (قَوْلُهُ: خَشَعَ لَك سَمْعِي) يَقُولُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مُتَعَبَّدٌ بِهِ وِفَاقًا لَمْ ر وَخِلَافًا لِبَعْضِ النَّاسِ.
وَقَالَ حَجّ: يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّى الْخُشُوعَ عِنْدَ ذَلِكَ وَإِلَّا يَكُنْ كَاذِبًا مَا لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ بِصُورَةِ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي) قَالَ حَجّ: وَيُسَنُّ فِيهِ: أَيْ كَالسُّجُودِ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي انْتَهَى.

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَيَكُونُ التَّشْبِيهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالنَّظَرِ لِلرَّفْعِ) إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ حَاصِلَ هَذَا أَنَّ التَّشْبِيهَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَإِحْرَامِهِ رَاجِعٌ إلَى مَجْمُوعِ قَوْلِهِ وَيُكَبِّرُ فِي ابْتِدَاءِ هَوِيِّهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ.
إلَّا أَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِقَوْلِهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فَقَطْ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ نَاقِصٌ وَلَك أَنْ تَقُولَ: مَا الدَّاعِي إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ وَمَا الْمَانِعُ مِنْ جَعْلِهِ قَصْرًا وَمِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى قَوْلِهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فَيَكُونُ التَّشْبِيهُ تَامًّا

الْيَاءِ، وَلَفْظَةُ مُخِّي مَزِيدَةٌ عَلَى الْمُحَرَّرِ وَهِيَ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ، وَفِيهِمَا وَفِي الْمُحَرَّرِ: «وَشَعْرِي وَبَشَرِي بَعْدَ عَصَبِي» وَفِي آخِرِهِ «لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَهَذَا مَعَ الثَّلَاثِ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ أَكْمَلِ التَّسْبِيحِ، وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ غَيْرِ الْقِيَامِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.

(السَّادِسُ) مِنْ أَرْكَانِهَا (الِاعْتِدَالُ) وَلَوْ فِي نَفْلٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ لِخَبَرِ الْمُسِيءِ صَلَاتُهُ، إذْ فِيهِ «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ» (قَائِمًا مُطْمَئِنًّا) لِمَا مَرَّ وَيَتَحَقَّقُ بِعَوْدِهِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ مِنْ قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ فَلَوْ رَكَعَ عَنْ قِيَامٍ فَسَقَطَ عَنْهُ قَبْلَ الطُّمَأْنِينَةِ وَجَبَ الْعَوْدُ إلَى مَا سَقَطَ عَنْهُ وَاطْمَأَنَّ ثُمَّ اعْتَدَلَ، أَوْ أُسْقِطَ عَنْهُ بَعْدَهَا نَهَضَ مُعْتَدِلًا ثُمَّ سَجَدَ، وَإِنْ سَجَدَ وَشَكَّ هَلْ أَتَمَّ اعْتِدَالَهُ اعْتَدَلَ وُجُوبًا ثُمَّ سَجَدَ

[حاشية الشبراملسي]

وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّعَاءِ لِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِالتَّسْبِيحِ، وَأَنْ يَقُولَهُ ثَلَاثًا (قَوْلُهُ: وَهَذَا مَعَ الثَّلَاثِ) أَيْ قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ لَك رَكَعْت إلَخْ (قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمَحَلُّ كَرَاهَتِهَا إذَا قَصَدَ بِهَا الْقِرَاءَةَ فَإِنْ قَصَدَ بِهَا الدُّعَاءَ وَالثَّنَاءَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَمَا لَوْ قَنَتَ بِآيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ شَرْحُ رَوْضٍ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ قَصْدِ الْقِرَاءَةِ مَا لَوْ أَطْلَقَ فِيمَا يَظْهَرُ، وَسَيَأْتِي مَا يُوَافِقُهُ فِي الْقُنُوتِ.
وَقَوْلُهُ بِآيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ: أَيْ فَلَا يَكُونُ مَكْرُوهًا.

[السَّادِسُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاة الِاعْتِدَالُ]

(قَوْلُهُ: الِاعْتِدَالُ) أَيْ وَلَوْ فِي نَفْلٍ، وَكَالِاعْتِدَالِ فِيمَا ذُكِرَ فِيهِ الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي أَنَّهُ رُكْنٌ وَلَوْ فِي نَفْلٍ وَأَخْذُ النَّفْلِ غَايَةٌ لِلرَّدِّ عَلَى مَا فَهِمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ، وَقَدْ جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الِاعْتِدَالِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي النَّفْلِ، وَعَلَى مَا قَالَهُ فَهَلْ يَخِرُّ سَاجِدًا مِنْ رُكُوعِهِ بَعْدَ الطُّمَأْنِينَةِ أَوْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَلِيلًا أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ عِنْدَهُ الثَّانِي (قَوْلُهُ: كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ) أَيْ وَغَيْرِهِ فَاقْتِضَاءُ بَعْضِ كُتُبِهِ عَدَمُ وُجُوبِ ذَيْنِك: أَيْ الِاعْتِدَالُ وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَضْلًا عَنْ طُمَأْنِينَتِهِمَا غَيْرُ مُرَادٍ، أَوْ ضَعِيفٌ خِلَافًا لِجَزْمِ الْأَنْوَارِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِذَلِكَ الِاقْتِضَاءِ غَفْلَةٌ عَنْ الصَّرِيحِ الْمَذْكُورِ فِي التَّحْقِيقِ كَمَا تَقَرَّرَ انْتَهَى حَجّ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم: الْجَزْمُ بِالْغَفْلَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ غَفْلَةً، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا اخْتَارُوا الِاقْتِضَاءَ عَلَى الصَّرِيحِ مَعَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ لِنَحْوِ ظُهُورِ الِاقْتِضَاءِ عِنْدَهُمْ، وَقَدْ قُدِّمَ الِاقْتِضَاءُ عَلَى الصَّرِيحِ فِي مَوَاضِعَ فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: «حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا مُطْمَئِنًّا» ) قَالَ حَجّ: وَتَعْبِيرُهُ بِطُمَأْنِينَةٍ: أَيْ فِي الرُّكُوعِ ثُمَّ مُطْمَئِنًّا هُنَا تَفَنُّنٌ كَقَوْلِهِ فِي السُّجُودِ وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ وَفِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مُطْمَئِنًّا.
نَعَمْ لَوْ قِيلَ عَبَّرَ هُنَا كَالِاعْتِدَالِ بِمُطْمَئِنًّا دُونَ الْآخَرَيْنِ إشَارَةً لِمُخَالَفَتِهِمَا لَهُمَا فِي الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَبْعُدْ انْتَهَى (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) أَيْ فِي خَبَرِ الْمُسَيِّئِ صَلَاتَهُ (قَوْلُهُ: مِنْ قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ يُصَلِّي مِنْ اضْطِجَاعٍ لَا يَعُودُ لَهُ وَهُوَ وَاضِحٌ فِي الْفَرْضِ، لِأَنَّهُ مَتَى قَدَرَ فِيهِ عَلَى حَالَةٍ لَا يُجْزِي مَا دُونَهَا، فَمَتَى قَدَرَ عَلَى الْعُقُودِ لَا يُجْزِي مَا دُونَهُ، وَأَمَّا فِي النَّفْلِ فَلَا مَانِعَ مِنْ عَوْدِهِ لِلِاضْطِجَاعِ لِجَوَازِ التَّنَفُّلِ مَعَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ عَوْدِهِ إلَى الْقُعُودِ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ مَا فَوْقَهُ فِي النَّافِلَةِ وَلَا يُمْتَنَعُ قِيَامُهُ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ الْقُعُودِ.
وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ قُبَيْلَ الرَّابِعِ: وَيَقْعُدُ أَيْ الْمُضْطَجِعُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ انْتَهَى.
وَهِيَ تُفِيدُ جَوَازَ الْعَوْدِ إلَيْهِ وَإِنْ صَلَّى مُضْطَجِعًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا (قَوْلُهُ: نَهَضَ مُعْتَدِلًا) وَلَهُ أَنْ يَرْتَفِعَ إلَى حَدِّ الرُّكُوعِ وَيُطِيلُهُ إنْ شَاءَ ثُمَّ يَرْتَفِعَ قَائِمًا (قَوْلُهُ: اعْتَدَلَ وُجُوبًا ثُمَّ سَجَدَ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ مَأْمُومًا، وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ شَكَّ فِي الْفَاتِحَةِ بَعْدَ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: لِخَبَرِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ إذْ فِيهِ ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا لِمَا مَرَّ) اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ قَائِمًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَتِمَّةِ الْحَدِيثِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَحَقُّهَا أَنْ تُكْتَبَ بِالْأَسْوَدِ، وَالْمَوْجُودُ فِي نُسَخِ الشَّارِحِ كَتْبُهَا بِالْأَحْمَرِ، وَسَبَبُهُ أَنَّ فِي نُسَخِهِ الَّتِي رَأَيْتهَا سَقْطًا فِي هَذَا الْمَحَلِّ، إذْ لَفْظُ الْمَتْنِ: السَّادِسُ الِاعْتِدَالُ قَائِمًا مُطْمَئِنًّا، فَلَفْظُ مُطْمَئِنًّا لَا وُجُودَ لَهَا فِي النُّسَخِ كَلَفْظِ قَائِمًا، وَكَأَنَّ الْكَتَبَةَ ظَنُّوا أَنَّ قَائِمًا الَّتِي فِي الْمَتْنِ هِيَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ فَكَتَبُوهَا بِالْأَحْمَرِ فَلْتُرَاجَعْ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ (قَوْلُهُ: اعْتَدَلَ وُجُوبًا ثُمَّ سَجَدَ) أَيْ إذَا كَانَ غَيْرَ مَأْمُومٍ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الزِّيَادِيِّ.

(وَلَا يَقْصِدُ غَيْرَهُ، فَلَوْ رَفَعَ فَزَعًا) بِفَتْحِ الزَّايِ: أَيْ خَوْفًا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ: أَيْ خَائِفًا (مِنْ شَيْءٍ) كَعَقْرَبٍ (لَمْ يَكْفِ) رَفْعُهُ لِذَلِكَ عَنْ رَفْعِ صَلَاتِهِ لِوُجُودِ الصَّارِفِ (وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ) كَمَا مَرَّ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِ رَأْسِهِ) مِنْ رُكُوعِهِ مُبْتَدِئًا رَفْعَهُمَا مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِهِ وَيَسْتَمِرُّ إلَى انْتِهَائِهِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (قَائِلًا) فِي رَفْعِهِ إلَى الِاعْتِدَالِ (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أَيْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ حَمْدَهُ، وَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَ لَهُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ وَخَبَرُ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ أَوْ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» أَيْ مَعَ مَا عَلِمْتُمُوهُ مِنْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ لِأَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَتَتَبَّعَهُ النَّاسُ، وَكَانَ يُسِرُّ بِرَبَّنَا لَك الْحَمْدُ فَلَا يَسْمَعُونَهُ غَالِبًا فَنَبَّهَهُمْ عَلَيْهِ، فَيَجْهَرُ الْإِمَامُ وَالْمُبَلِّغُ بِكَلِمَةِ التَّسْمِيعِ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ بِالْجَهْرِ بِهِ دُونَ الْجَهْرِ بِهِ دُونَ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيعِ، وَقَدْ أَشَارَ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ (فَإِذَا انْتَصَبَ) أَرْسَلَ يَدَيْهِ وَ (قَالَ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ) أَيْ رَبَّنَا اسْتَجِبْ لَنَا وَلَك الْحَمْدُ عَلَى هِدَايَتِك إيَّانَا، زَادَ فِي تَحْقِيقِهِ بَعْدَهُ:

[حاشية الشبراملسي]

الرُّكُوعِ مَعَ الْإِمَامِ حَيْثُ يُوَافِقُ الْإِمَامَ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِهِ أَنَّ مَا هُنَا قَلِيلٌ بِخِلَافِهِ ثُمَّ حَيْثُ يَحْتَاجُ فِيهِ لِلْقِرَاءَةِ، لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ شَكَّ فِي إتْمَامِهِ عَادَ إلَيْهِ غَيْرَ الْمَأْمُومِ فَوْرًا وُجُوبًا وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَالْمَأْمُومُ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ انْتَهَى، وَعَلَيْهِ فَمَا هُنَا مُسَاوٍ لِمَا لَوْ شَكَّ فِي الْفَاتِحَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ اعْتِدَالٌ إلَخْ مُصَوَّرٌ بِغَيْرِ الْمَأْمُومِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ رَفَعَ فَزَعًا) . [تَنْبِيهٌ] ضَبَطَ شَارِحٌ فَزَعًا بِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِهَا: أَيْ لِأَجْلِ الْفَزَعِ أَوْ حَالَتَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْفَتْحُ فَإِنَّ الْمُضِرَّ الرَّفْعُ لِأَجْلِ الْفَزَعِ وَحْدَهُ لَا الرَّفْعُ الْمُقَارِنُ لِلْفَزَعِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الرَّفْعِ لِأَجْلِهِ فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى حَجّ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِعَلِيَّةِ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ فَكَسْرُ الزَّايِ بِهَذَا الْمَعْنَى مُسَاوٍ لِلْفَتْحِ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ: فَلَوْ رَفَعَ حَالَ كَوْنِهِ فَزَعًا لِأَجْلِ الْفَزَعِ (قَوْلُهُ لَمْ يَكْفِ رَفْعُهُ) بَقِيَ مَا لَوْ رَفَعَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ كَانَ رَفْعُهُ لِأَجْلِهِ أَمْ لِغَيْرِهِ هَلْ يُعْتَدُّ بِهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّ تَرَدُّدَهُ فِي ذَلِكَ شَكٌّ فِي الرَّفْعِ وَالشَّكُّ مُؤَثِّرٌ فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ (قَوْلُهُ: أَيْ مَعَ مَا عَلِمْتُمُوهُ) خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ وَخَبَرُ إذَا قَالَ إلَخْ (قَوْلُهُ: إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ) رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمُبَلِّغِ، فَالْجَهْرُ بِهِ حَيْثُ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ مَكْرُوهٌ، وَيُحْتَمَلُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَى الْجَهْرِ (قَوْلُهُ: فَإِذَا انْتَصَبَ أَرْسَلَ يَدَيْهِ) قَالَ حَجّ: وَمَا قِيلَ يَجْعَلُهُمَا تَحْتَ صَدْرِهِ كَالْقِيَامِ يَأْتِي قَرِيبًا رَدُّهُ اهـ. وَأَرَادَ بِهِ مَا ذُكِرَ بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ بِقَوْلِهِ وَفَارَقَ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ وَالتَّشَهُّدَ بِأَنَّ لِيَدَيْهِ وَظِيفَةً ثَمَّ لَا هُنَا، وَمِنْهُ يُعْلَمُ رَدُّ مَا قِيلَ: السُّنَّةُ فِي الِاعْتِدَالِ جَعْلُ يَدَيْهِ تَحْتَ صَدْرِهِ كَالْقِيَامِ (قَوْلُهُ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ) عِبَارَةُ حَجّ: رَبَّنَا أَوْ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك أَوْ وَلَك الْحَمْدُ أَوْ وَلَك الْحَمْدُ رَبَّنَا أَوْ الْحَمْدُ لِرَبِّنَا وَأَفْضَلُهَا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ، أَوْ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ كَمَا فِي الْأُمِّ وَوُجِّهَ بِتَضَمُّنِهِ جُمْلَتَيْنِ اهـ: أَيْ فَإِنَّ لَك الْحَمْدَ مِنْ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، بِخِلَافِ وَلَك الْحَمْدُ فَإِنَّ الْوَاوَ تَدُلُّ عَلَى مَحْذُوفٍ وَالْمُقَدَّرُ كَالْمَلْفُوظِ، فَرَبَّنَا لَك الْحَمْدُ جُمْلَتَانِ وَرَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ ثَلَاثُ جُمَلٍ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَاطِفُ، وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ تَنْظِيرِ سم فِيهِ (قَوْلُهُ أَيْ رَبَّنَا اسْتَجِبْ لَنَا إلَخْ) هَذَا إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى زِيَادَةِ الْوَاوِ قَبْلَ لَك فَيَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ،

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الزَّايِ) ذَكَرَ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ مُتَعَيَّنٌ، فَإِنَّ الْمُضِرَّ الرَّفْعُ لِأَجْلِ الْفَزَعِ وَحْدَهُ لَا الرَّفْعِ الْمُقَارِنِ لِلْفَزَعِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الرَّفْعِ لِأَجْلِهِ (قَوْلُهُ: أَيْ رَبّنَا اسْتَجِبْ لَنَا وَلَك الْحَمْدُ إلَخْ) هَذَا التَّقْدِيرُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى رِوَايَةِ وَلَك الْحَمْدُ بِالْعَطْفِ، وَلَعَلَّ الشَّارِحَ زَادَهَا وَأَسْقَطَهَا الْكَتَبَةَ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ رَبّنَا لَك الْحَمْدُ أَوْ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، إلَى أَنْ قَالَا: وَالْأُولَى أَوْلَى لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ، لَكِنْ قَالَ فِي الْأُمِّ: الثَّانِي أَحَبُّ إلَيَّ، وَوُجِّهَ بِأَنَّهُ يَجْمَعَ مَعْنَيَيْنِ الدُّعَاءَ وَالِاعْتِرَافَ: أَيْ رَبَّنَا اسْتَجِبْ لَنَا إلَخْ

حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْجُمْهُورُ، وَأَغْرَبَ فِي مَجْمُوعِهِ فَقَالَ: لَا يَزِيدُ الْإِمَامُ عَلَى رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ إلَّا بِرِضَا الْمَأْمُومِينَ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ إنَّ الشَّافِعِيَّ خَرَقَ الْإِجْمَاعَ فِي جَمْعِ الْمَأْمُومِ بَيْنَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا لَك الْحَمْدُ مَرْدُودٌ، إذْ قَالَ بِقَوْلِهِ عَطَاءٌ وَابْنُ سِيرِينَ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو بُرْدَةَ وَدَاوُد وَغَيْرُهُمْ (مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) أَيْ بَعْدَهُمَا كَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وَيَجُوزُ فِي مِلْءِ رَفْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ: أَيْ مَالِئًا لَوْ كَانَ جِسْمًا (وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ) وَإِمَامُ قَوْمٍ مَحْصُورِينَ مُتَّصِفِينَ بِمَا مَرَّ سِرًّا (أَهْلُ الثَّنَاءِ) أَيْ الْمَدْحِ (وَالْمَجْدِ) أَيْ الْعَظَمَةِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْكَرَمُ (أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ (وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ) اعْتِرَاضٌ، وَقَوْلُهُ (لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ: أَيْ الْغِنَى (مِنْك) أَيْ عِنْدَك (الْجَدُّ) وَيُرْوَى بِالْكَسْرِ وَهُوَ الِاجْتِهَادُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ: أَيْ لَا يَنْفَعُ ذَا الْحَظِّ فِي الدُّنْيَا حَظُّهُ فِي الْأُخْرَى وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ طَاعَتُك، وَيُحْتَمَلُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ كَوْنُ أَحَقَّ خَبَرًا لِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ: أَيْ هَذَا الْكَلَامُ أَحَقُّ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الِاتِّبَاعُ كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ إلَى لَك الْحَمْدُ وَمُسْلِمٌ إلَى آخِرِهِ، وَإِثْبَاتُ أَلْفِ أَحَقُّ وَاوُ وَكُلُّنَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَإِنْ وَقَعَ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ حَذْفُهُمَا فَالصَّوَابُ إثْبَاتُهُمَا كَمَا مَرَّ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَسَائِرُ الْمُحَدِّثِينَ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ النَّسَائِيّ رَوَى حَذْفَهُمَا.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ رَوَى عَنْهُ إثْبَاتُهُمَا أَيْضًا، وَلَمْ يَقُلْ عَبِيدٌ مَعَ أَنَّهُ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْقَصْدَ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ وَاحِدٍ وَقَلْبِ وَاحِدٍ.

(وَيُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي اعْتِدَالِ ثَانِيَةِ الصُّبْحِ) بَعْدَ إتْيَانِهِ بِالذِّكْرِ الرَّاتِبِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَنَقَلَهُ عَنْ النَّصِّ، وَفِي الْعُدَّةِ نَحْوُهُ خِلَافًا لِمَا فِي الْإِقْلِيدِ.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى الْمُنْفَرِدِ

[حاشية الشبراملسي]

أَمَّا بِدُونِهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَكَرَهُ (قَوْلُهُ: مُبَارَكًا فِيهِ) قَالَ حَجّ: وَصَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى بِضْعًا وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَسْتَبِقُونَ إلَى هَذِهِ أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ» وَعِبَارَةُ حَجّ فِي الْمُشْكَاةِ فِي بَابِ الرُّكُوعِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ: وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكَعَاتِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَنْ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ: رَأَيْت بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلِكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ اهـ. وَقَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي عُقُودِ الزَّبَرْجَدِ: قَالَ السُّهَيْلِيُّ: رُوِيَ أَوَّلُ بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ قُطِعَ عَنْ الْإِضَافَةِ كَقَبْلُ وَبَعْدَ: أَيْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ مِنْ غَيْرِهِ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ.
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يَعْنِي فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: أَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ بِأَنْ حُذِفَ مِنْهُ الْمُضَافُ وَتَقْدِيرُهُ أَوَّلُهُمْ: يَعْنِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسْرِعُ لِيَكْتُبَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ قَبْلَ الْآخَرِ وَيَصْعَدَ بِهَا إلَى حَضْرَةِ اللَّهِ لِعِظَمِ قَدْرِهَا، وَفِي بَعْضِهَا: أَوَّلُ بِالْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ) أَفْهَمَ أَنَّ مَا قَبْلَهُ يَقُولُهُ الْإِمَامُ مُطْلَقًا، وَبِهِ صَرَّحَ حَجّ حَيْثُ قَالَ: وَيُسَنُّ هَذَا حَتَّى لِلْإِمَامِ مُطْلَقًا خِلَافًا لِلْمَجْمُوعِ أَنَّهُ إنَّمَا يُسَنُّ لَهُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ فَقَطْ (قَوْلُهُ وَإِمَامُ قَوْمٍ مَحْصُورِينَ) أَيْ فَيُكْرَهُ تَرْكُهُ عُبَابٌ.
قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ: وَهُوَ كَمَا قَالَ (قَوْلُهُ: سِرًّا) قَضِيَّةُ أَنَّهُ يَقُولُ مَا قَبْلَهُ جَهْرًا وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ قَبْلُ وَكَانَ يُسِرُّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ إلَخْ خِلَافًا (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْكَرَمُ) أَيْ فَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: وَيُرْوَى بِالْكَسْرِ) أَيْ فِيهِمَا (قَوْلُهُ: حَظُّهُ فِي الْأُخْرَى) الضَّمِيرُ لِذَا الْمُتَقَدِّمِ، فَالْمَعْنَى: لَا يَنْفَعُ صَاحِبُ الْجَدِّ فِي الدُّنْيَا ذَلِكَ الْجَدَّ فِي الْآخِرَةِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: الْجَدُّ النَّافِعُ فِي الدُّنْيَا لَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ.

(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَا فِي الْإِقْلِيدِ) هُوَ لِابْنِ الْفِرْكَاحِ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا يَأْتِي بِالذِّكْرِ (قَوْلُهُ: حَمْلُ الْأَوَّلِ) هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ النَّصِّ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: سِرًّا) لَيْسَ بِقَيْدٍ هُنَا، فَكَذَلِكَ مَا مَرَّ يَأْتِي بِهِ سِرًّا إلَّا التَّسْمِيعَ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِمَامِ، وَالْمُبَلِّغِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: فِي الْأُخْرَى) مُتَعَلِّقٌ بِيَنْفَعُ لَا بِحَظِّهِ

(قَوْلُهُ: بَعْدَ إتْيَانِهِ بِالذِّكْرِ الرَّاتِبِ) ، وَهُوَ إلَى قَوْلِهِ وَمَهْمَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ، وَمِنْهُ مَعَ مَا بَعْدَهُ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى عَدَمِ سَنِّ مَا زَادَ عَلَيْهِ لِكُلِّ أَحَدٍ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَا فِي الْإِقْلِيدِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ إنَّهُ

وَإِمَامِ مَنْ مَرَّ وَالثَّانِي عَلَى خِلَافِهِ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» وَلَا يُجْزِي الْقُنُوتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَإِنْ صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ قَبْلَهُ أَيْضًا، لِأَنَّ رُوَاةَ الْقُنُوتِ بَعْدَهُ أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ فَهُوَ أَوْلَى، وَعَلَيْهِ دَرَجَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ وَأَكْثَرِهَا، وَشَمَلَ كَلَامُهُ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ، وَخَالَفَتْ الصُّبْحُ غَيْرَهَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِشَرَفِهَا، وَلِأَنَّهُ يُؤَذَّنُ لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَبِالتَّثْوِيبِ وَهِيَ أَقْصَرُ الْفَرَائِضِ فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ أَلْيَقَ «وَهُوَ اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت إلَى آخِرِهِ» كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَتَتِمَّتِهِ كَمَا فِي الشَّرْحِ «وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْت، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْت، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْت، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْت فَإِنَّك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْك، إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْت، تَبَارَكْت رَبَّنَا وَتَعَالَيْت» قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَزَادَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ: «وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْت قَبْلَ تَبَارَكْت وَتَعَالَيْت» . قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَقَدْ جَاءَتْ فِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ وَبَعْدَهُ: «فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْت أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك» . زَادَ فِي الرَّوْضَةِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا: لَا بَأْسَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَآخَرُونَ مُسْتَحَبَّةٌ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَإِمَامِ مَنْ مَرَّ) أَيْ مِنْ الْمَحْصُورِينَ الرَّاضِينَ بِالتَّطْوِيلِ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي) هُوَ مَا فِي الْإِقْلِيدِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُجْزِي الْقُنُوتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ) أَيْ فَيَقْنُتُ بَعْدَهُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إنْ نَوَى بِالْأَوَّلِ الْقُنُوتَ، وَكَذَا لَوْ قَنَتَ فِي الْأُولَى بِنِيَّتِهِ أَوْ ابْتَدَأَهُ فِيهَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي ثُمَّ تَذَكَّرَ عُبَابٌ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَسَيَأْتِي مَا يُفِيدُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ: وَلَوْ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا إلَخْ (قَوْلُهُ فَهُوَ أَوْلَى) أَيْ فَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى (قَوْلُهُ: فَإِنَّك تَقْضِي) لَيْسَتْ الْفَاءُ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمَحَلِّيُّ عَنْ الشَّرْحِ بَلْ فِيهِ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ ثُبُوتِهَا فِيهِ حَيْثُ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ عَنْ النَّسَائِيّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ: أَيْ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ مَعَ زِيَادَةِ فَاءٍ فِي إنَّك وَوَاوٍ فِي إنَّهُ اهـ. ثُمَّ رَأَيْت فِي نُسَخٍ مُتَعَدِّدَةٍ إنَّك بِحَذْفِ الْفَاءِ وَهِيَ تُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ الْمَحَلِّيُّ (قَوْلُهُ: وَلَا يَعِزُّ) هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَنَظَمَ ذَلِكَ السُّيُوطِيّ مَعَ بَقِيَّةِ مَعَانِي عَزَّ فَقَالَ: عَزَّ الْمُضَاعَفُ يَأْتِي فِي مُضَارِعِهِ ... تَثْلِيثُ عَيْنٍ بِفَرْقٍ جَاءَ مَشْهُورَا فَمَا كَقَلَّ وَضِدُّ الذُّلِّ مَعْ عِظَمٍ ... كَذَا كُرِّمْتَ عَلَيْنَا جَاءَ مَكْسُورَا وَمَا كَعَزَّ عَلَيْنَا الْحَالُ أَيْ صَعُبَتْ ... فَافْتَحْ مُضَارِعَهُ إنْ كُنْتَ نِحْرِيرَا وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ الْأَفْعَالُ لَازِمَةٌ ... وَاضْمُمْ مُضَارِعَ فِعْلٍ لَيْسَ مَقْصُورَا عَزَزْت زَيْدًا بِمَعْنَى قَدْ غَلَبْت كَذَا ... أَعَنْته فَكِلَا ذَا جَاءَ مَأْثُورَا وَقُلْ إذَا كُنْت فِي ذِكْرِ الْقُنُوتِ وَلَا ... يَعِزُّ يَا رَبُّ مَنْ عَادَيْت مَكْسُورَا وَقَوْلُهُ عَزَزْت بَيَّنَ بِهِ الْمُتَعَدِّيَ الَّذِي تُضَمُّ عَيْنُهُ (قَوْلُهُ: وَبَعْدَهُ فَلَكَ الْحَمْدُ) هُوَ شَامِلٌ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَعَلَيْهِ فَقَدْ يُقَالُ: كَيْفَ حَمِدَ عَلَى قَضَاءِ الشَّرِّ وَقَدْ طَلَبَ رَفْعَهُ فِيمَا سَبَقَ بِقَوْلِهِ وَقِنِي إلَخْ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الَّذِي طَلَبَ رَفْعَهُ فِيمَا مَضَى هُوَ الْمَقْضِيُّ مِنْ الْمَرَضِ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَكْرَهُهُ النَّفْسُ، وَالْمَحْمُودُ عَلَيْهِ هُنَا هُوَ الْقَضَاءُ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ تَعَالَى وَكُلُّهَا جَمِيلَةٌ يُطْلَبُ الثَّنَاءُ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ) هِيَ قَوْلُهُ فَلَكَ الْحَمْدُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَآخَرُونَ مُسْتَحَبَّةٌ) قَالَ حَجّ: بَلْ قَالَ جَمْعٌ إنَّهَا

[حاشية الرشيدي]

لَا يَزِيدُ عَلَى رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا بَعْدَهُ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْأَذْرَعِيُّ، وَنُقِلَ عَنْ النَّصِّ أَيْضًا، وَمُخْتَارُ الشَّارِحِ هُوَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ طَلَبُ الرَّاتِبِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ كَمَا هُوَ نَصُّ عِبَارَتِهِ، وَلَا يَقْدَحُ فِي اخْتِيَارِهِ لَهُ قَوْلُهُ: عَقِبَهُ وَيُمْكِنُ إلَخْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: لِشَرَفِهَا) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ، فَلَا يَقْتَضِي أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَنَّهُ جَعَلَ الْحِكْمَةَ مَجْمُوعَ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَبِالتَّثْوِيبِ) مُتَعَلِّقٌ بِيُؤَذِّنُ كَالظَّرْفِ قَبْلَهُ

وَعَبَّرَ عَنْهُ فِي تَحْقِيقِهِ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ (وَالْإِمَامُ) يُسَنُّ لَهُ فِي قُنُوتِهِ أَنْ يَأْتِيَ (بِلَفْظِ الْجَمْعِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ الْبَيْهَقِيّ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ، وَحُمِلَ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَّلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَذْكَارِهِ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ لِخَبَرِ «لَا يَؤُمَّ عَبْدٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ لِخَبَرِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ: يَقُولُ: اللَّهُمَّ نَقِّنِي اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي» الدُّعَاءُ الْمَعْرُوفُ، وَثَبَتَ أَنَّ دُعَاءَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَفِي التَّشَهُّدِ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمْهُورُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ إلَّا فِي الْقُنُوتِ، فَلِيَكُنْ الصَّحِيحُ اخْتِصَاصَ التَّفْرِقَةِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَدْعِيَةِ الصَّلَاةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ: إنَّ أَدْعِيَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّهَا بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ انْتَهَى، فَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَدْعُوَ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَفِي السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ كَمَا يُسْتَحَبُّ فِي الْقُنُوتِ مَرْدُودٌ، وَكَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقُنُوتِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْجَمِيعَ مَأْمُورُونَ بِالدُّعَاءِ، بِخِلَافِ الْقُنُوتِ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُؤَمِّنُ فَقَطْ، وَلَا تَتَعَيَّنُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ لِلْقُنُوتِ، بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ فَرْضٌ أَوْ مِنْ جِنْسِهِ، فَلَوْ قَنَتَ بِالْمَرْوِيِّ عَنْ عُمَرَ كَانَ حَسَنًا لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَحْسَنُ، وَيُسَنُّ لِمُنْفَرِدٍ وَإِمَامِ مَنْ مَرَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَيُؤَخِّرُهُ حِينَئِذٍ عَنْ الْأَوَّلِ، وَلَوْ قُلْت بِآيَةٍ نَوَاهُ بِهَا وَتَضَمَّنَتْ دُعَاءً أَوْ نَحْوَهُ كَآخِرِ الْبَقَرَةِ أَجْزَأَتْهُ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَتَضَمَّنْ ذَلِكَ كَتَبَّتْ يَدَا، أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ بِهَا لَمْ يُجْزِهِ لِمَا مَرَّ مِنْ كَرَاهَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ، وَيُشْتَرَطُ فِي بَدَلِهِ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً وَثَنَاءً كَمَا قَالَهُ الْبُرْهَانُ الْبَيْجُورِيُّ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَتُكْرَهُ إطَالَةُ الْقُنُوتِ كَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْبَغَوِيّ وَقَضِيَّتُهُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ بِتَطْوِيلِهِ بِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ، وَلَا يُقَالُ: قِيَاسُ امْتِنَاعِ تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ عَمْدًا

[حاشية الشبراملسي]

مُسْتَحَبَّةٌ لِوُرُودِهَا فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ انْتَهَى.
فَسَاقَهَا مَسَاقَ الْجَزْمِ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهَا بِرِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ (قَوْلُهُ: «فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ» ) أَيْ بِتَفْوِيتِهِ مَا طَلَبَ لَهُمْ فَكُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْقُنُوتِ فَهَلْ يَطْلُبُ مِنْ الْمَأْمُومِينَ التَّأْمِينَ حِينَئِذٍ أَوْ الْقُنُوتَ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ الْوَارِدُ وَإِنْ قَصَرَ الْإِمَامُ بِتَخْصِيصِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ يُثِيبُ الْمُؤْمِنَ بِمَا يَزِيدُ عَلَى مَا يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ دُعَاءِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: فَلْيَكُنْ الصَّحِيحُ إلَخْ) أَيْ خِلَافًا لحج وَعِبَارَتُهُ: وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ وَيُجْمَعُ بِهِ كَلَامُهُمْ وَالْخَبَرُ أَنَّهُ حَيْثُ اخْتَرَعَ دَعْوَةً كُرِهَ لَهُ الْإِفْرَادُ وَهَذَا هُوَ مَحْمَلُ النَّهْيِ، وَحَيْثُ أَتَى بِمَأْثُورٍ اتَّبَعَ لَفْظَهُ (قَوْلُهُ: اخْتِصَاصُ التَّفْرِقَةِ بِهِ) أَيْ الْقُنُوتِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ قَنَتَ بِالْمَرْوِيِّ عَنْ عُمَرَ) أَيْ وَهُوَ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك إلَخْ (قَوْلُهُ: إمَامُ مَنْ مَرَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ وَالْوِتْرِ (قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ) شَامِلٌ لِحَالَةِ الْإِطْلَاقِ (قَوْله تُكْرَهُ إطَالَةُ الْقُنُوتِ) التَّعْبِيرُ بِالْإِطَالَةِ دُونَ قَوْلِهِ تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْقُنُوتِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِطَالَةِ الزِّيَادَةُ الَّتِي يَظْهَرُ بِهَا طُولٌ فِي الْعُرْفِ لَا مُجَرَّدُ الزِّيَادَةِ وَإِنْ قَلَّتْ.
وَعِبَارَةُ الْخَطِيبِ: كَانَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ يَقُولُ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ: اللَّهُمَّ لَا تَعُقْنَا عَنْ الْعِلْمِ بِعَائِقٍ وَلَا تَمْنَعْنَا عَنْهُ بِمَانِعٍ انْتَهَى.
وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ، وَقَوْلُهُ لَا تَعُقْنَا بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْعَيْنِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: مِنْ أَدْعِيَةِ الصَّلَاةِ) هَلْ الْمُرَادُ بِهَا الْمَطْلُوبَةُ فِي الصَّلَاةِ: أَيْ الْمَأْثُورَةِ أَوْ الْمُرَادِ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَأْثُورَةً ظَاهِرُ السِّيَاقِ وَإِضَافَتُهَا إلَى الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ، وَعَلَيْهِ، فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشِّهَابُ حَجّ مِنْ أَنَّ الْوَارِدَ يَتْبَعُ لَفْظَهُ مِنْ جَمْعٍ أَوْ إفْرَادٍ، وَغَيْرُ الْوَارِدِ يَأْتِي فِيهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: أَوْ نَحْوَهُ) مِثْلُهُ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا، وَانْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِنَحْوِ الدُّعَاءِ فَإِنْ كَانَ الثَّنَاءُ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ دُونَ أَوْ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَمْنَعُ كَوْنَ الثَّنَاءِ نَحْوَ الدُّعَاءِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ بِتَطْوِيلِهِ بِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ الْبُطْلَانِ إذَا أَطَالَهُ بِخُصُوصِ الْقُنُوتِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَطَالَهُ بِغَيْرِهِ، وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ الْآتِي خِلَافُهُ، وَيُوَافِقُ مَا اقْتَضَاهُ التَّعْلِيلُ

بُطْلَانُهَا لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ مَحَلِّ الْقُنُوتِ مِمَّا لَمْ يُرِدْ الشَّرْعُ بِتَطْوِيلِهِ، إذْ الْبَغَوِيّ نَفْسُهُ الْقَائِلُ بِكَرَاهَةِ الْإِطَالَةِ قَائِلٌ بِأَنَّ تَطْوِيلَ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ يُبْطِلُ عَمْدُهُ (وَالصَّحِيحُ سَنُّ الصَّلَاةِ) وَالسَّلَامِ كَمَا فِي الْأَذْكَارِ (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِهِ) لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ، وَتُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ وَالْأَصْحَابِ أَيْضًا قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ خِلَافًا لِمَنْ نَفَى سُنِّيَّةَ ذَلِكَ، وَقَدْ اسْتَشْهَدَ الْإِسْنَوِيُّ لِسَنِّ الصَّلَاةِ بِالْآيَةِ وَالزَّرْكَشِيُّ لِسَنِّ الْآلِ بِخَبَرِ «كَيْفُ نُصَلِّي عَلَيْك» وَلَا يُنَافِي ذِكْرُ الصَّحْبِ هُنَا إطْبَاقُهُمْ عَلَى عَدَمِ ذِكْرِهَا فِي صَلَاةِ التَّشَهُّدِ، لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُمْ ثَمَّ اقْتَصَرُوا عَلَى الْوَارِدِ هُنَا وَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ، بَلْ زَادُوا ذِكْرَ الْآلِ بَحْثًا فَقِسْنَا بِهِمْ الْأَصْحَابَ لِمَا عَلِمْت، وَكَأَنَّ الْفَرْقَ أَنَّ مُقَابَلَةَ الْآلِ بِآلِ إبْرَاهِيمَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ثَمَّ تَقْتَضِي عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِغَيْرِهِمْ وَهُنَا لَا مُقْتَضَى لِذَلِكَ، وَالثَّانِي لَا تُسَنُّ بَلْ لَا تَجُوزُ حَتَّى تَبْطُلَ الصَّلَاةُ بِفِعْلِهَا عَلَى وَجْهٍ لِأَنَّهُ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا إلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِهِ عَنْ عَدَمِ اسْتِحْبَابِهَا فِيمَا عَدَاهُ وَإِنْ قَالَ فِي الْعُدَّةِ لَا بَأْسَ بِهَا أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ لِوُرُودِ أَثَرٍ فِيهِ وَمَا ذَكَرَهُ الْعِجْلِيّ فِي شَرْحِهِ مِنْ اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِمَنْ قَرَأَ فِيهَا آيَةً مُتَضَمِّنَةً اسْمَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْتَى الْمُصَنِّفُ بِخِلَافِهِ.

(وَ) يُسَنُّ (رَفْعُ يَدَيْهِ) فِيهِ وَفِي سَائِرِ الْأَدْعِيَةِ اتِّبَاعًا كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِيهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَفِي سَائِرِ الْأَدْعِيَةِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا.
وَحَاصِلُ مَا تَضَمَّنَهُ كَلَامُ الشَّارِحِ هُنَا أَنَّ لِلْأَوَّلِ دَلِيلَيْنِ: فَإِنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الرَّفْعَ سُنَّةٌ لِلِاتِّبَاعِ، وَأَنَّ الْقَائِلَ بِعَدَمِ سُنِّيَّتِهِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالْقِيَاسِ عَلَى غَيْرِ الْقُنُوتِ مِنْ أَدْعِيَةِ الصَّلَاةِ كَدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَالتَّشَهُّدِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ كَمَا قِيسَ الرَّفْعُ

[حاشية الشبراملسي]

مِنْ عَاقَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بِعَائِقٍ إذْ لَوْ كَانَ مِنْ أَعَاقَ لَقَالَ بِمُعِيقٍ أَوْ مَعُوقٍ (قَوْلُهُ فَقِسْنَا بِهِمْ الْأَصْحَابَ لَمَّا عُلِمَتْ) لَمْ يَتَقَدَّمْ هُنَا مَا يُعْلَمُ مِنْهُ سَبَبُ قِيَاسِ الصَّحْبِ عَلَى الْآلِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ مَا نَصُّهُ: وَيُسَنُّ أَيْضًا السَّلَامُ وَذِكْرُ الْآلِ، وَيَظْهَرُ أَنْ يُقَاسَ بِهِمْ الصَّحْبُ لِقَوْلِهِمْ يُسْتَفَادُ سَنُّ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ مِنْ سَنِّهَا عَلَى الْآلِ، لِأَنَّهَا إذَا سُنَّتْ عَلَيْهِمْ وَفِيهِمْ مَنْ لَيْسُوا أَصْحَابَهُ فَعَلَى الصَّحَابَةِ أَوْلَى ثُمَّ رَأَيْت شَارِحًا صَرَّحَ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَفْتَى الْمُصَنِّفُ) ظَاهِرُهُ اعْتِمَادُ مَا أَفْتَى بِهِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي عَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ بَيْنَ كَوْنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ أَوْ الضَّمِيرِ، لَكِنْ حَمَلَهُ حَجّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ بَعْدَ كَلَامٍ ذَكَرَهُ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ دُونَ مَا لَوْ كَانَتْ بِالضَّمِيرِ، وَقَوْلُهُ بِخِلَافِهِ نَقَلَ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ الشَّارِحِ طَلَبَهَا.

(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ) الْأَوْلَى وَسُنَّ لِيُفِيدَ أَنَّهُ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ: وَالصَّحِيحُ سَنُّ رَفْعِ يَدَيْهِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ ظَاهِرُهُ كَالْمَحَلِّيِّ أَنَّهُ يَرْفَعُ فِي جَمِيعِهِ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ظَاهِرٌ، ثُمَّ رَأَيْته فِي حَجّ وَعِبَارَتُهُ: وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي جَمِيعِ الْقُنُوتِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ بَعْدَهُ لِلِاتِّبَاعِ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ انْتَهَى (قَوْلُهُ: وَفِي سَائِرِ الْأَدْعِيَةِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي: وَأَنَّ الْقَائِلَ بِعَدَمِ سَنِّهِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالْقِيَاسِ عَلَى غَيْرِ الْقُنُوتِ مِنْ أَدْعِيَةِ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ أَنَّ لِلْأَوَّلِ) أَيْ الْقَائِلِ يُسَنُّ الرَّفْعُ (قَوْلُهُ: كَمَا قِيسَ الرَّفْعُ إلَخْ) مِنْ

[حاشية الرشيدي]

مَا سَيَأْتِي فِي سُجُودِ السَّهْوِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ) يَعْنِي: الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ، فَالْمَقِيسُ سَنُّ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَصْحَابِ، وَالْمَقِيسُ عَلَيْهِ سَنُّهَا عَلَى الْآلِ، وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: الْآتِي قَرِيبًا: بَلْ زَادُوا ذِكْرَ الْآلِ بَحْثًا فَقِسْنَا بِهِمْ الْأَصْحَابَ لِمَا عَلِمْت وَإِلَّا، فَهُوَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَوْلَهُ مَا تَقَدَّمَ عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلِ غَيْرِهِ الْآلِ، وَيَكُونُ نَظَرُهُ سَبَقَ إلَى أَنَّهَا الْأَوَّلُ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ مَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: عَنْ عَدَمِ اسْتِحْبَابِهَا) لَا مَحَلَّ لِقَوْلِهِ عَدَمِ فَيَجِبُ حَذْفُهُ

(قَوْلُهُ: وَفِي سَائِرِ الْأَدْعِيَةِ) أَيْ: خَارِجَ الصَّلَاةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: أَنَّ لِلْأَوَّلِ دَلِيلَيْنِ) يَعْنِي: الِاتِّبَاعَ الَّذِي ذَكَرَهُ عَقِبَ هَذَا وَالْقِيَاسَ الْآتِي فِي قَوْلِهِ: وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ كَمَا قِيسَ الرَّفْعُ فِيهِ إلَخْ، لَكِنْ فِي سِيَاقِهِ قَلَاقَةٌ، وَانْظُرْ مَا مَعْنَى الْقِيَاسِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ الْجَلَالِ، فَإِنَّ الَّذِي جَعَلَهُ مُسْتَنَدَ الْقِيَاسِ، وَهُوَ حَدِيثُ الْبَيْهَقِيّ كَافٍ فِي الِاتِّبَاعِ، فَإِنَّهُ

فِيهِ إلَى آخِرِهِ أَنَّ الْقَائِلَ بِالْأَوَّلِ اسْتَدَلَّ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ عَدَمُ رَفْعِهِ فِي الْقُنُوتِ لِأَنَّهُ دُعَاءُ صَلَاةٍ فَلَا يُسْتَحَبُّ الرَّفْعُ فِيهِ قِيَاسًا عَلَى دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَالتَّشَهُّدِ، وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِأَنَّ لِيَدَيْهِ فِيهِ وَظِيفَةً وَلَا وَظِيفَةَ لَهُمَا هُنَا، وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِرَفْعِهِمَا سَوَاءً أَكَانَتَا مُتَفَرِّقَتَيْنِ أَمْ مُلْتَصِقَتَيْنِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ الْأَصَابِعُ وَالرَّاحَةُ مُسْتَوِيَتَيْنِ أَمْ الْأَصَابِعُ أَعْلَى مِنْهَا، وَالضَّابِطُ أَنْ يَجْعَلَ بُطُونَهَا إلَى السَّمَاءِ وَظُهُورَهَا إلَى الْأَرْضِ، كَذَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَخَبَرُ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الدُّعَاءِ إلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ» نَفْيٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعٍ خَاصٍّ وَهُوَ لِلْمُبَالَغَةِ فِيهِ، وَيُجْعَلُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ ظَهْرَ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ إنْ دَعَا لِرَفْعِ بَلَاءٍ وَنَحْوِهِ، وَعَكْسُهُ إنْ دَعَا لِتَحْصِيلِ شَيْءٍ أَخْذًا مِمَّا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَلَا يُعْتَرَضُ بِأَنَّ فِيهِ حَرَكَةً وَهِيَ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ فِي الصَّلَاةِ إذْ مَحَلُّهُ فِيمَا لَمْ يَرِدْ، وَلَا يَرِدُ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ مَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - آنِفًا إذْ كَلَامُهُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي تُقْلَبُ الْيَدُ فِيهَا، وَسَوَاءٌ فِيمَنْ دَعَا لِرَفْعِ بَلَاءٍ فِي سَنِّ مَا ذُكِرَ أَكَانَ ذَلِكَ الْبَلَاءُ وَاقِعًا أَمْ لَا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَاسْتَحَبَّ الْخَطَّابِيُّ كَشْفَهُمَا فِي سَائِرِ الْأَدْعِيَةِ.

وَيُكْرَهُ لِلْخَطِيبِ رَفْعُ يَدَيْهِ حَالَ الْخُطْبَةِ قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ لِحَدِيثٍ فِيهِ فِي مُسْلِمٍ، وَيُكْرَهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ رَفْعُ الْيَدِ الْمُتَنَجِّسَةِ وَلَوْ بِحَائِلٍ فِيمَا يَظْهَرُ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ غَايَةَ الرَّفْعِ إلَى الْمَنْكِبِ إلَّا إنْ اشْتَدَّ الْأَمْرُ وَلَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْأَوْلَى رَفْعُهُ إلَيْهَا: أَيْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْعِمَادِ (وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ) بِهِمَا (وَجْهَهُ) أَيْ لَا يُسَنُّ ذَلِكَ لِعَدَمِ ثُبُوتِ شَيْءٍ فِيهِ، وَالْأَوْلَى عَدَمُ فِعْلِهِ، وَرُوِيَ فِيهِ خَبَرٌ ضَعِيفٌ مُسْتَعْمَلٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَبِاسْتِحْبَابِهِ خَارِجَهَا جَزَمَ فِي التَّحْقِيقِ، وَأَمَّا مَسْحُ غَيْرِ الْوَجْهِ كَالصَّدْرِ فَفِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا عَدَمُ اسْتِحْبَابِهِ قَطْعًا، بَلْ نَصَّ جَمَاعَةٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ، وَالثَّانِي يُسَنُّ لِخَبَرِ «فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ» وَرُدَّ بِكَوْنِ طُرُقِهِ وَاهِيَةً (وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ بِهِ) اسْتِحْبَابًا فِي السِّرِّيَّةِ كَأَنْ قَضَى صُبْحًا

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلِهِ كَمَا قِيسَ الرَّفْعُ فِيهِ عَلَى «رَفْعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ كُلَّمَا صَلَّى الْغَدَاةَ يَدْعُو عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَهُ الْقُرَّاءَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ» ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ انْتَهَى.
وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ قَوْلِهِ قَنَتَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الْخَمْسِ إلَخْ، لِاحْتِمَالِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ، وَعَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يُحْمَلُ مَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ الْأَلْفِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ قَنَتَ عَقِبَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ (قَوْلُهُ: وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ) الَّذِي فِي الْمَتْنِ التَّعْبِيرُ بِالصَّحِيحِ (قَوْلُهُ: نَفْيٌ) أَيْ وَمَا هُنَا إثْبَاتٌ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ (قَوْلُهُ لِرَفْعِ بَلَاءٍ وَنَحْوِهِ) أَيْ مِنْ الْمَشَاقِّ الَّتِي تَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ قِيَامٍ بِالْبَدَنِ، وَسَكَتَ عَنْ الثَّنَاءِ وَهُوَ مِنْ فَإِنَّك تَقْضِي إلَخْ، وَفِي حَوَاشِي الْبَهْجَةِ لِلشَّيْخِ عَمِيرَةَ: قَوْلُهُ وَيُسَنُّ جَعْلُ ظَهْرِهِمَا لِلسَّمَاءِ إلَخْ: أَيْ حَتَّى مِنْ أَوَّلِ الْقُنُوتِ إلَخْ هَذَا مُرَادُهُمْ فِيمَا يَظْهَرُ شَوْبَرِيُّ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ: وَعَكْسُهُ إنْ دَعَا لِتَحْصِيلِ شَيْءٍ) أَيْ فَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ الطَّلَبِ وَالرَّفْعِ بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ دَعَا شَخْصٌ لِتَحْصِيلِ شَيْءٍ وَرَفْعِ آخَرَ، أَوْ دَعَا اثْنَانِ أَحَدُهُمَا بِطَلَبِ خَيْرٍ وَالْآخَرُ بِرَفْعِ شَرٍّ فَقَالَ آخَرُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ لِي ذَلِكَ فَهَلْ يَفْعَلُ قَائِلُ ذَلِكَ بِبُطُونِ الْأَكُفِّ أَمْ بِظُهُورِهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
قِيلَ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مَقْرُونًا بِبُطُونِ الْأَكُفِّ تَغْلِيبًا لِلْمَطْلُوبِ عَلَى غَيْرِهِ لِشَرَفِهِ اهـ. أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِظُهُورِ الْأَكُفِّ لِأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ.

(قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّ غَايَةَ الرَّفْعِ إلَى الْمَنْكِبِ) أَيْ إلَى مُحَاذَاةِ الْمَنْكِبِ مَعَ بَقَاءِ الْكَفَّيْنِ عَلَى بَسْطِهِمَا (قَوْلُهُ: رَفْعُهُ) أَيْ الْبَصَرِ (قَوْلُهُ: أَيْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْعِمَادِ) قَالَ سم عَلَى بَهْجَةٍ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: وَتُسَنُّ الْإِشَارَةُ بِسَبَّابَتِهِ الْيُمْنَى وَتُكْرَهُ بِأُصْبُعَيْنِ حَجّ اهـ (قَوْلُهُ: عَدَمُ اسْتِحْبَابِهِ قَطْعًا) خَارِجُهَا: أَيْ وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ مِنْ تَقْبِيلِ الْيَدِ بَعْدَ الدُّعَاءِ فَلَا أَصْلَ لَهُ (قَوْلُهُ: كَأَنْ قَضَى صُبْحًا) وَإِنَّمَا طَلَبَ مِنْ الْإِمَامِ الْجَهْرَ بِالْقُنُوتِ فِي السِّرِّيَّة مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلَّ الْجَهْرِ، وَمِنْ ثَمَّ طُلِبَ الْإِسْرَارُ بِالْقِرَاءَةِ

[حاشية الرشيدي]

فِي خُصُوصِ الْقُنُوتِ وَالدُّعَاءُ جُزْءٌ مِنْهُ، فَمَا مَعْنَى قِيَاسِ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ، وَغَيْرُ الشَّارِحِ الْجَلَالِ جَعَلَ خَبَرَ الْبَيْهَقِيّ مُسْتَنَدَ الِاتِّبَاعِ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ الشَّارِحِ هُنَا فِيمَا مَرَّ اتِّبَاعًا كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (قَوْلُهُ: وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ) صَوَابُهُ الصَّحِيحُ

أَوْ وِتْرًا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالْجَهْرِ بِهِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلِيَكُنْ جَهْرُهُ بِهِ دُونَ جَهْرِهِ بِالْقِرَاءَةِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَيُمْكِنُ تَنْزِيلُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَسَرَّ بِهِ حَصَلَتْ سُنَّةُ الْقُنُوتِ وَفَاتَتْهُ سُنَّةُ الْجَهْرِ، خِلَافًا لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ مِنْ فَوَاتِهِمَا، وَالثَّانِي لَا كَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الصَّلَاةِ وَخَرَجَ الْمُنْفَرِدُ فَيُسِرُّ بِهِ قَطْعًا.

(وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّهُ) (يُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ لِلدُّعَاءِ) جَهْرًا كَمَا فِي الْكَافِي، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ التَّهْذِيبِ إذَا جَهَرَ إمَامُهُ، وَمِنْهُ الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُؤَمِّنُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، خِلَافًا لِلْغَزِّيِّ وَالْجَوْجَرِيِّ، وَلَا يُعَارِضُهُ خَبَرُ «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» لِأَنَّ طَلَبَ اسْتِجَابَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِآمِينَ فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (وَ) أَنَّهُ (يَقُولُ الثَّنَاءَ) سِرًّا وَهُوَ مِنْ فَإِنَّك تَقْضِي إلَى آخِرِهِ، أَوْ يَسْتَمِعُ لَهُ لِأَنَّهُ ثَنَاءٌ وَذِكْرٌ لَا يَلِيقُ بِهِ التَّأْمِينُ وَالْمُشَارَكَةُ أَوْلَى كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَالثَّانِي يُؤَمِّنُ فِيهِ أَيْضًا، وَإِذَا قُلْنَا بِمُشَارَكَتِهِ فِيهِ فَفِي جَهْرِ الْإِمَامِ بِهِ نَظَرٌ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يُسِرُّ بِهِ كَمَا فِي غَيْرِهِ مِمَّا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ الْجَهْرُ بِهِ كَمَا إذَا سَأَلَ الرَّحْمَةَ أَوْ اسْتَعَاذَ مِنْ النَّارِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ بِهِ وَيُوَافِقُهُ فِيهِ الْمَأْمُومُ وَلَا يُؤَمِّنُ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ وَتَبِعَهُ الْقَمُولِيُّ وَغَيْرُهُ: أَوْ يَقُولُ أَشْهَدُ أَوْ صَدَقْت وَبَرَرْت أَوْ بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الشَّاهِدِينَ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ اهـ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ بُطْلَانِهَا بِصَدَقْتَ وَبَرَرْت فِي إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ وَعَدَمِهِ هُنَا أَنَّ هَذَا مُتَضَمِّنٌ لِلثَّنَاءِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الذَّاتِ بِخِلَافِهِ ثُمَّ فَلَيْسَ مُتَضَمِّنًا لَهُ إذْ هُوَ بِمَعْنَى: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ وَهَذَا مُبْطِلٌ، وَمَا هُنَا بِمَعْنَى فَإِنَّك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْك مَثَلًا وَهُوَ لَيْسَ بِمُبْطِلٍ، وَلَا أَثَرَ لِلْخِطَابِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الثَّنَاءِ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ فَيُفَارِقُ نَحْوَ الْفَتْحِ بِقَصْدِهِ حَيْثُ أُثِرَ بِأَنَّ إعَادَتَهُ بِلَفْظِهِ صَيَّرَتْهُ كَالْكَلَامِ الْأَجْنَبِيِّ، وَالْأَصْلُ فِي مَحَلِّ الْقِرَاءَةِ عَدَمُ تَكْرِيرِهَا وَلَا كَذَلِكَ الثَّنَاءُ وَنَحْوُهُ، وَفَرَّقَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ مَا هُنَا وَالْأَذَانِ أَيْضًا بِأَنَّ إجَابَةَ الْمُصَلِّي لِلْمُؤَذِّنِ مَكْرُوهَةٌ، بِخِلَافِ مُشَارَكَةِ الْمَأْمُومِ فِي الْقُنُوتِ بِإِتْيَانِهِ بِالثَّنَاءِ أَوْ مَا أُلْحِقَ بِهِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ فَحَسُنَ الْبُطْلَانُ بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي هَذَا كُلُّهُ إنْ سَمِعَهُ (فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ) لِصَمَمِهِ أَوْ بُعْدِهِ عَنْهُ أَوْ عَدَمِ جَهْرِهِ بِهِ أَوْ سَمِعَ صَوْتًا لَا يَفْهَمُهُ (قَنَتَ) اسْتِحْبَابًا سِرًّا مُوَافَقَةً لَهُ كَمَا يُشَارِكُهُ فِي الدَّعَوَاتِ وَالْأَذْكَارِ السِّرِّيَّةِ.

(وَيُشْرَعُ)

[حاشية الشبراملسي]

فِيهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقُنُوتِ الدُّعَاءُ وَتَأْمِينُ الْقَوْمِ عَلَيْهِ فَطُلِبَ الْجَهْرُ لِيَسْمَعُوا فَيُؤَمِّنُوا (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ) أَيْ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى عَدَمِ سَمَاعِ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ لِبُعْدِهِمْ أَوْ اشْتِغَالِهِمْ بِالْقُنُوتِ لِأَنْفُسِهِمْ وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ بِهِ، إمَّا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِاسْتِحْبَابِ الْإِنْصَاتِ أَوْ لِغَيْرِهِ.

(قَوْلُهُ: وَلَا يُعَارِضُهُ خَبَرُ رَغِمَ أَنْفُ إلَخْ) وَجْهُ الْمُعَارَضَةِ أَنَّ الْخَبَرَ يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الصَّلَاةِ مِنْ الْمَأْمُومِ عِنْدَ إتْيَانِ الْإِمَامِ بِهَا، وَالتَّأْمِينُ لَيْسَ صَلَاةً.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَلَاةً لَكِنَّهُ فِي مَعْنَاهَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ آمِينَ عِنْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ فِي قُوَّةِ أَنْ يَقُولَ: اسْتَجِبْ يَا رَبِّ صَلَاةَ الْإِمَامِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ طَلَبَ اسْتِجَابَةٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: رَغِمَ أَنْفُ) أَيْ لَصِقَ أَنْفُهُ بِالرَّغَامِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ التُّرَابُ اهـ مُخْتَارٌ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ) يُتَأَمَّلُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلًا سِرًّا فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ الْمَنْقُولُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي نُسَخٍ بَعْدَ قَوْلِهِ وَالثَّانِي يُؤَمِّنُ فِيهِ أَيْضًا: وَإِذَا سَأَلَ الرَّحْمَةَ إلَخْ (قَوْلُهُ وَنَحْوِهَا) أَيْ النَّارِ (قَوْلُهُ: فِي إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ وَعَدَمِهِ هُنَا) اعْتَمَدَ حَجّ هُنَا الْبُطْلَانَ (قَوْلُهُ بِقَصْدِهِ) أَيْ الْفَتْحِ بِأَنَّ إعَادَتَهُ بِلَفْظِهِ يُتَأَمَّلُ هَذَا فَإِنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ هُنَا مَا يَتَضَمَّنُ إعَادَةَ شَيْءٍ بِلَفْظِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ) قَالَ فِي الْعُبَابِ: سَمَاعًا مُحَقَّقًا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: كَمَا يُشَارِكُهُ إلَخْ) أَيْ

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الثَّنَاءِ) أَيْ مَعَ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِالصَّلَاةِ وَإِلَّا، فَلَا قَائِلَ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِمَعْنَى الثَّنَاءِ لَا يَبْطُلُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالصَّلَاةِ كَأَنْ أَجَابَ بِهِ ثَنَاءُ غَيْرِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ إعَادَتَهُ بِلَفْظِهِ صَيَّرَتْهُ كَالْكَلَامِ الْأَجْنَبِيِّ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَاهُ، وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُ الضَّمِيرِ فِيهِ لِلْإِمَامِ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ مَنَاطَ الْبُطْلَانِ إعَادَةُ الْإِمَامِ فَإِذَا لَمْ يُعِدْهُ بِلَفْظِهِ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ وَلَا قَائِلَ بِهِ

أَيْ يُسْتَحَبُّ (الْقُنُوتُ) مَعَ مَا مَرَّ أَيْضًا (فِي سَائِرِ الْمَكْتُوبَاتِ) أَيْ بَاقِيهَا مِنْ الْخَمْسِ فِي اعْتِدَالِ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ (لِلنَّازِلَةِ) إذَا نَزَلَتْ بِأَنْ نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ وَلَوْ وَاحِدًا عَلَى مَا بَحَثَهُ جَمْعٌ، لَكِنْ اشْتَرَطَ فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ تَعَدِّي نَفْعَهُ كَأَسْرِ الْعَالِمِ وَالشُّجَاعِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَذَلِكَ لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الْخَمْسِ فِي اعْتِدَالِ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ يَدْعُو عَلَى قَاتِلِ أَصْحَابِهِ بِبِئْرِ مَعُونَةَ وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ» وَالدُّعَاءُ كَانَ لِدَفْعِ تَمَرُّدِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَا بِالنَّظَرِ لِلْمَقْتُولَيْنِ لِانْقِضَاءِ أَمْرِهِمْ وَعَدَمِ إمْكَانِ تَدَارُكِهِمْ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ تَعَرُّضِهِ فِي هَذَا الْقُنُوتِ بِالدُّعَاءِ لِرَفْعِ تِلْكَ النَّازِلَةِ، وَسَوَاءٌ فِيهَا الْخَوْفُ مِنْ نَحْوِ عَدُوٍّ وَلَوْ مُسْلِمِينَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَالْقَحْطُ وَالْجَرَادُ وَنَحْوُهَا كَالْوَبَاءِ وَكَذَا الطَّاعُونُ كَمَا يَمِيلُ إلَيْهِ كَلَامُ الزَّرْكَشِيّ أَخْذًا مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا بِصَرْفِهِ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ» ، وَبِهِ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَبَعًا لِبَعْضِهِمْ، وَأَشَارَ لِرَدِّ قَوْلِ الْأَذْرَعِيِّ الْمُتَّجَهُ عِنْدِي الْمَنْعُ لِوُقُوعِهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ وَلَمْ يَقْنُتُوا لَهُ حَيْثُ قَالَ: لَا رَيْبَ أَنَّهُ مِنْ النَّوَازِلِ الْعِظَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَوْتِ غَالِبِ الْمُسْلِمِينَ وَتَعَطُّلِ كَثِيرٍ مِنْ مَعَايِشِهِمْ، وَشَهَادَةُ مَنْ مَاتَ بِهِ لَا تَمْنَعُ كَوْنَهُ نَازِلَةً، كَمَا أَنَّا نَقْنُتُ عِنْدَ نَازِلَةِ الْعَدُوِّ وَإِنْ حَصَلَتْ الشَّهَادَةُ لِمَنْ قُتِلَ مِنْهُ، وَعَدَمُ نَقْلِهِ عَنْ السَّلَفِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْوُقُوعِ وَعَلَى تَسْلِيمِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ تَرَكُوهُ إيثَارًا لِطَلَبِ الشَّهَادَةِ، ثُمَّ قَالَ: بَلْ يُسَنُّ لِمَنْ لَمْ يَنْزِلْ بِهِمْ الدُّعَاءُ لِمَنْ نَزَلَ بِهِمْ اهـ. وَيُسْتَحَبُّ مُرَاجَعَةُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَوْ نَائِبُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَوَامِعِ فَإِنْ أَمَرَ بِهِ وَجَبَ، وَيُسَنُّ الْجَهْرُ بِهِ

[حاشية الشبراملسي]

فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَدْعُو بِمَا يُحِبُّ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَا يَأْتِيَانِ بِهِ.

(قَوْلُهُ: مَعَ مَا مَرَّ أَيْضًا) أَيْ مِنْ الذِّكْرِ الْمَطْلُوبِ فِي الِاعْتِدَالِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَهُوَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ إلَخْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ مَتْنُ الْمَنْهَجِ (قَوْلُهُ وَلَوْ وَاحِدًا) خَرَجَ بِهِ الِاثْنَانِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَقْنُتُ لَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا نَفْعٌ مُتَعَدٍّ (قَوْلُهُ عَلَى قَاتِلِي أَصْحَابِهِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ: كَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى الْقُنُوتِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ دَفْعَ تَمَرُّدِ الْقَاتِلِينَ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، ثُمَّ رَأَيْت قَوْلَهُ الْآتِيَ وَالدُّعَاءُ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِرَفْعِ تِلْكَ النَّازِلَةِ) أَيْ فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى قُنُوتِ الصُّبْحِ فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَبَتَ عَنْهُ الدُّعَاءُ عَلَى قَاتِلِي أَصْحَابِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْقُنُوتِ الْوَارِدَةِ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قُنُوتِ الصُّبْحِ فِي النَّازِلَةِ اكْتَفَى بِهِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: لِوُقُوعِهِ) أَيْ الطَّاعُونِ (قَوْلُهُ: فِي زَمَنِ عُمَرَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ أَوَّلَ وُقُوعِهِ فِي زَمَنِهِ فَلْيُرَاجَعْ، وَهُوَ طَاعُونُ عَمَوَاسَ بِالْعَيْنِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: عَمَوَاسُ بِالْفَتْحِ بَلْدَةٌ بِالشَّامِ بِقُرْبِ الْقُدْسِ وَكَانَتْ قَدِيمًا مَدِينَةً عَظِيمَةً وَطَاعُونُ عَمَوَاسَ كَانَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اهـ. وَلَعَلَّ نِسْبَةَ الطَّاعُونِ لَهَا لِابْتِدَاءِ ظُهُورِهِ فِيهَا (وَقَوْلُهُ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ) أَيْ فِي أَنَّهُ (قَوْلُهُ: وَعَلَى تَسْلِيمِهِ فَيُحْتَمَلُ) أَيْ فَلَا يَرِدُ عَدَمُ إجَابَةِ مُعَاذٍ لَهُمْ فِي الدُّعَاءِ بِرَفْعِهِ حِينَ سَأَلُوهُ لِمَا ذُكِرَ عَلَى أَنَّ طَلَبَهُمْ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، إذْ لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا لَمَا سَأَلُوهُ مَعَ أَنَّ فِيهِمْ جَمَاعَةً مِنْ أَكَابِرِهِمْ الْمَعْرُوفِينَ بِالْعِلْمِ الْمَشْهُورِينَ بِهِ، بَلْ عَدَمُ نَهْيِ مُعَاذٍ لَهُمْ عَنْ سُؤَالِهِمْ مَعَ مَا قِيلَ فِي حَقِّهِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى مُنْكَرٍ، فَلَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا عِنْدَهُ لَبَيَّنَ لَهُمْ حُكْمَهُ (قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ مُرَاجَعَةُ الْإِمَامِ) أَيْ مِنْ الْأَئِمَّةِ لِلْمَسَاجِدِ، وَأَمَّا مَا يَطْرَأُ مِنْ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ فَلَا يُسْتَحَبُّ مُرَاجَعَتُهُ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ الْجَهْرُ بِهِ) وَلَعَلَّهُ إنَّمَا طَلَبَ الْجَهْرَ مِنْ الْمُنْفَرِدِ هُنَا، بِخِلَافِ قُنُوتِ الصُّبْحِ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ

[حاشية الرشيدي]

وَعِبَارَةُ الْإِمْدَادِ وَلَا نَظَرَ؛ لِأَنَّ الْمَلْفُوظَ بِهِ نَظْمُ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ صَرَفَتْهُ عَنْهُ وَصَيَّرَتْهُ كَاللَّفْظِ الْأَجْنَبِيِّ انْتَهَتْ

(قَوْلُهُ: وَالدُّعَاءُ كَانَ لِدَفْعِ تَمَرُّدِهِمْ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: إنَّ قُنُوتَ النَّازِلَةِ إنَّمَا شُرِعَ لِدَفْعِ أَمْرٍ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ، فَلَا شَاهِدَ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ فِي أَمْرٍ انْقَضَى، وَعَمَّا يُقَالُ: إنَّ وَسِيلَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقْطُوعٌ بِقَبُولِهَا فَكَيْفَ دَعَا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْمُدَّةَ وَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ

مُطْلَقًا لِلْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ وَلَوْ سِرِّيَّةً كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (لَا مُطْلَقًا عَلَى الْمَشْهُورِ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَقْنُتْ إلَّا عِنْدَ النَّازِلَةِ، وَالثَّانِي يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْقُنُوتِ وَتَرْكِهِ، وَخَرَجَ بِالْمَكْتُوبَةِ النَّفَلُ وَلَوْ عِيدًا أَوْ اسْتِسْقَاءً وَالْمَنْذُورَةِ فَلَا يُسَنُّ فِيهَا، وَيَظْهَرُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ كَرَاهَتَهُ مُطْلَقًا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِبِنَائِهَا عَلَى التَّخْفِيفِ.

(السَّابِعُ) مِنْ أَرْكَانِهَا (السُّجُودُ) مَرَّتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا عُدَّا رُكْنًا وَاحِدًا لِكَوْنِهِمَا مُتَّحِدَيْنِ كَمَا عَدَّ بَعْضُهُمْ الطُّمَأْنِينَةَ فِي مَحَلِّهَا الْأَرْبَعَةِ رُكْنًا وَاحِدًا لِذَلِكَ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ التَّطَامُنُ وَالْمَيْلُ، وَقِيلَ التَّذَلُّلُ وَالْخُضُوعُ (وَ) أَمَّا فِي الشَّرْعِ فَ (أَقَلُّهُ مُبَاشَرَةُ بَعْضِ جَبْهَتِهِ مُصَلَّاهُ) أَيْ مَا يُصَلِّي عَلَيْهِ مِنْ أَرْضٍ أَوْ غَيْرِهَا بِكَشْفٍ إنْ أَمْكَنَ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَجَدْت فَمَكِّنْ جَبْهَتَك وَلَا تَنْقُرْ نَقْرًا» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
وَلِخَبَرِ خَبَّابُ بْنِ الْأَرَتِّ «شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا» أَيْ لَمْ يُزِلْ شَكْوَانَا وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا، فَلَوْ لَمْ تَجِبْ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلِّي بِالْجَبْهَةِ لَأَرْشَدَهُمْ إلَى سِتْرِهَا وَاعْتَبَرَ كَشْفَهَا دُونَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ لِسُهُولَتِهِ فِيهَا وَلِحُصُولِ مَقْصُودِ السُّجُودِ وَهُوَ غَايَةُ التَّوَاضُعِ وَالْخُضُوعِ لِمُبَاشَرَتِهِ أَشْرَفَ مَا فِي الْإِنْسَانِ

[حاشية الشبراملسي]

الْحَاصِلِ فَطَلَبُ الْجَهْرِ إظْهَارًا لِتِلْكَ الشِّدَّةِ (قَوْلُهُ: وَالْمَنْذُورَةُ فَلَا يُسَنُّ فِيهَا) قَالَ حَجّ: أَمَّا غَيْرُ الْمَكْتُوبَاتِ فَالْجِنَازَةُ يُكْرَهُ فِيهَا مُطْلَقًا، وَالْمَنْذُورَةُ وَالنَّافِلَةُ الَّتِي تُسَنُّ فِيهَا الْجَمَاعَةُ وَغَيْرُهَا لَا تُسَنُّ فِيهَا، ثُمَّ إنْ قَنَتَ فِيهَا لِلنَّازِلَةِ لَمْ يُكْرَهْ وَإِلَّا كُرِهَ اهـ. وَهُوَ مُسَاوٍ لِقَوْلِ الشَّارِحِ: فَلَا يُسَنُّ، إذْ نَفْيُ السُّنِّيَّةِ عِبَارَةٌ عَنْ نَفْيِ الطَّلَبِ لَا طَلَبِ الْعَدَمِ (قَوْلُهُ: فَلَا يُسَنُّ فِيهَا) لَمْ يَقُلْ فِيهِمَا نَظَرًا لِلنَّفْلِ وَالْمَنْذُورَةِ بَلْ رَاعَى كَثْرَةَ الْأَفْرَادِ الَّتِي شَمَلَهَا النَّفَلُ.

(قَوْلُهُ: لِكَوْنِهِمَا مُتَّحِدَيْنِ) فَإِنْ قُلْت: يُخَالِفُ هَذَا عَدُّهُمَا فِي شُرُوطِ الْقُدْوَةِ رُكْنَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الزَّحْمَةِ وَمَسْأَلَةِ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ.
قُلْت: لَا مُخَالَفَةَ لِأَنَّ الْمَدَارَ ثَمَّ عَلَى مَا يَظْهَرُ بِهِ فُحْشُ الْمُخَالَفَةِ، وَهِيَ تَظْهَرُ بِنَحْوِ الْجُلُوسِ وَسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَعُدَّا رُكْنَيْنِ ثَمَّ وَالْمَدَارُ هُنَا عَلَى الِاتِّحَادِ فِي الصُّورَةِ فَعُدَّا رُكْنًا وَاحِدًا ثُمَّ مَا ذُكِرَ تَوْجِيهٌ لِلرَّاجِحِ، وَإِلَّا فَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَوْلُ حَجّ، وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ السَّجْدَتَيْنِ رُكْنًا وَاحِدًا هُوَ مَا صَحَّحَهُ فِي الْبَيَانِ وَالْمُوَافِقِ لِمَا يَأْتِي فِي مَبْحَثِ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ أَنَّهُمَا رُكْنَانِ وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ فِي الْبَسِيطِ اهـ (قَوْلُهُ: لِذَلِكَ) أَيْ لِاتِّحَادِهِمَا (قَوْلُهُ: التَّضَامُنُ وَالْمَيْلُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَالرُّكُوعُ لُغَةً قَرِيبٌ مِنْهُ لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوهُ كَمَا ذَكَرَهُ حَجّ بِالِانْحِنَاءِ فَيُشَارِكُ السُّجُودَ فِي حُصُولِ الْمَيْلِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ التَّذَلُّلُ وَالْخُضُوعُ) عَطْفُ الْخُضُوعِ عَلَى التَّذَلُّلِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ سَجَدَ سُجُودًا تَطَامَنَ وَكُلُّ شَيْءٍ ذَلَّ فَقَدْ سَجَدَ اهـ. وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ مَا حَكَاهُ الشَّارِحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ مُرَادًا بَلْ هُمَا قَوْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ السُّجُودَ وَمَعْنَاهُ لُغَةً التَّطَامُنُ حِسِّيًّا كَانَ أَوْ مَعْنَوِيًّا، فَإِنَّ قَوْلَهُ وَكُلُّ شَيْءٍ ذَلَّ يُفْهَمُ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي مَعْنَى مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: مُبَاشَرَةُ بَعْضِ جَبْهَتِهِ) وَيُتَصَوَّرُ السُّجُودُ عَلَى الْبَعْضِ بِأَنْ يَكُونَ السُّجُودُ عَلَى عُودٍ مَثَلًا، أَوْ يَكُونَ بَعْضُهَا مَسْتُورًا فَيَسْجُدَ عَلَيْهِ مَعَ الْمَكْشُوفِ مِنْهَا (قَوْلُهُ: بِكَشْفٍ إنْ أَمْكَنَ) أَيْ سَهُلَ بِحَيْثُ لَا يَنَالُهُ بِهِ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَلَا تُنْقَرُ نَقْرًا) عِبَارَةُ الشَّيْخِ عَمِيرَةَ: «إذَا سَجَدْت فَمَكِّنْ جَبْهَتَك مِنْ الْأَرْضِ وَلَا تَنْقُرْ نَقْرَ الْغُرَابِ» اهـ فَلَعَلَّهُمَا رِوَايَتَانِ.
وَقَوْلُهُ نَقْرًا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِأَنَّ الْمَصَادِرَ ثَلَاثَةٌ: إمَّا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِفِعْلِهِ كَهَذَا، أَوْ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِهِ كَضَرَبْتُهُ ضَرْبَ الْأَمِيرِ، أَوْ مُبَيِّنٌ لِعَدَدِهِ كَضَرَبْتُهُ ضَرْبَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (قَوْلُهُ: حَرَّ الرَّمْضَاءِ) الرَّمَضُ بِفَتْحَتَيْنِ شِدَّةُ وَقْعِ الشَّمْسِ عَلَى الرَّمَلِ وَغَيْرِهِ، وَالْأَرْضُ رَمْضَاءُ بِوَزْنِ حَمْرَاءُ، وَقَدْ رَمِضَ يَوْمُنَا اشْتَدَّ حَرُّهُ وَبَابُهُ طَرِبَ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: أَيْ لَمْ يُزِلْ شَكَوَانَا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ مِنْ

[حاشية الرشيدي]

[السَّابِعُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاة السُّجُودُ مَرَّتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ]

(قَوْلُهُ: مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَجَدْت فَمَكِّنْ جَبْهَتَك» ) هَذَا الدَّلِيلُ أَخَصُّ مِنْ الْمُدَّعِي كَمَا لَا يَخْفَى، فَالْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُ بَعْدَ ذِكْرِ الطُّمَأْنِينَةِ الْآتِي

لِمَوَاطِئِ الْأَقْدَامِ وَالنِّعَالِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَاكْتَفَى بِبَعْضِهَا وَإِنْ كَرِهَ لَصَدَقَ اسْمُ السُّجُودِ بِذَلِكَ وَخَرَجَ بِهَا نَحْوُ الْجَبِينِ وَهُوَ جَانِبُهَا وَالْخَدُّ وَالْأَنْفُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي مَعْنَاهَا.
أَمَّا إذَا اضْطَرَّ لِسِتْرِهَا بِأَنْ يَكُونَ بِهَا نَحْوُ جُرْحٍ بِهِ عِصَابَةٌ تَشُقُّ إزَالَتُهَا عَلَيْهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً وَإِنْ لَمْ تُبِحْ التَّيَمُّمَ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا مَرَّ فِي الْعَجْزِ عَنْ الْقِيَامِ فَيَصِحُّ السُّجُودُ عَلَيْهَا وَلَا تَلْزَمُهُ إعَادَةٌ إلَّا إنْ كَانَ تَحْتَهَا نَجَسٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى شَعْرٍ نَبَتَ بِجَبْهَتِهِ أَوْ بَعْضِهَا جَازَ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ الْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّ مَا نَبَتَ عَلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ بَشَرَتِهِ.

(فَإِنْ سَجَدَ عَلَى مُتَّصِلٍ بِهِ) كَطَرَفِ كُمِّهِ الطَّوِيلِ أَوْ عِمَامَتِهِ (جَازَ إنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ) لِأَنَّهُ كَالْمُنْفَصِلِ وَإِنَّمَا ضَرَّ مُلَاقَاتُهُ لِلنَّجَاسَةِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ ثَمَّ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِمَّا يُنْسَبُ إلَيْهِ مُلَاقِيًا لَهَا وَهَذَا مَنْسُوبٌ إلَيْهِ مُلَاقٍ لَهَا، وَالْمُعْتَبَرُ هُنَا وَضْعُ جَبْهَتِهِ عَلَى قَرَارٍ لِلْأَمْرِ بِتَمْكِينِهَا وَبِالْحَرَكَةِ يَخْرُجُ الْقَرَارُ، فَإِنْ تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ فِي قِيَامِهِ أَوْ قُعُودِهِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْهُ، فَلَوْ سَجَدَ عَلَيْهِ عَامِدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا أَعَادَ السُّجُودَ وَخَرَجَ بِمُتَّصِلٍ بِهِ مَا لَوْ سَجَدَ عَلَى نَحْوِ سَرِيرٍ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ، وَيَصِحُّ السُّجُودُ عَلَى نَحْوِ عُودٍ أَوْ مِنْدِيلٍ بِيَدِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَيُفَارِقُ مَا مَرَّ بِأَنَّ اتِّصَالَ الثِّيَابِ بِهِ نِسْبَتُهَا إلَيْهِ أَكْثَرُ لِاسْتِقْرَارِهَا وَطُولِ مُدَّتِهَا بِخِلَافِ

[حاشية الشبراملسي]

أَشْكَى وَالْهَمْزَةُ فِيهِ لِلسَّلْبِ.
قَالَ فِي الْمُخْتَارِ وَأَشْكَاهُ أَيْضًا أَعْتَبَهُ مِنْ شَكْوَاهُ وَنَزَعَ عَنْ شِكَايَتِهِ وَأَزَالَهُ عَمَّا يَشْكُوهُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كُرِهَ) أَيْ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْبَعْضِ (قَوْلُهُ وَهُوَ جَانِبُهَا) وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَنْحَدِرُ عَنْ سَطْحِ الْجَبْهَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ حَجّ (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا اُضْطُرَّ لِسِتْرِهَا) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ بِكَشْفٍ إنْ أَمْكَنَ (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ تُبَحْ التَّيَمُّمُ فِيمَا يَظْهَرُ) خِلَافًا لحج وَنَقَلَ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ شَرْحِ الْإِرْشَادِ لحج مَا يُوَافِقُ كَلَامَ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: إلَّا إنْ كَانَ تَحْتَهَا نَجَسٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ) فَتَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ السِّتْرِ بَلْ لِلنَّجَاسَةِ فَلَا حَاجَةَ لِلِاسْتِثْنَاءِ (قَوْلُهُ: بِجَبْهَتِهِ أَوْ بَعْضِهَا) أَيْ وَإِنْ طَالَ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: جَازَ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ أَمْكَنَ السُّجُودُ عَلَى الْخَالِي مِنْهُ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ طَالَ أَوْ قَصُرَ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ) وَخَرَجَ بِهِ الشَّعْرُ النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ فَلَا يَكْفِي السُّجُودُ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ شَعْرُ اللِّحْيَةِ وَالْيَدَيْنِ تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ أَمْ لَا مَا عَدَا شَعْرَ الْجَبْهَةِ.

(قَوْلُهُ: فَإِنْ سَجَدَ عَلَى مُتَّصِلٍ بِهِ) تَفْرِيعٌ يُعْلَمُ مِنْهُ تَقْيِيدُ الْمُصَلِّي بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِهِ أَوْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ.
قَالَ سم: وَمِثْلُ هَذَا يَقَعُ لِلْأَمَةِ كَثِيرًا، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَحْذِفُونَ الْقَيْدَ مِنْ الْكَلَامِ ثُمَّ يُفَرِّعُونَ عَلَيْهِ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ تَقْيِيدَ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا ضَرَّ مُلَاقَاتُهُ) أَيْ مُلَاقَاةُ مَا لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ مِنْ الْمُتَّصِلِ بِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْهُ) أَيْ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ ضَرَّ، وَيَدْخُلُ فِيهِ السِّلْعَةُ النَّاتِئَةُ فِي الْبَدَنِ فَلَا يُجْزِئُ السُّجُودُ عَلَيْهَا، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهَا لَوْ نَبَتَتْ فِي الْجَبْهَةِ لَا يُعْتَدُّ بِالسُّجُودِ عَلَيْهَا، وَقِيَاسُ الِاكْتِفَاءِ بِالسُّجُودِ عَلَى الشَّعْرِ النَّابِتِ بِالْجَبْهَةِ وَإِنْ طَالَ الِاكْتِفَاءُ بِهِ هُنَا بِالْأُولَى كَمَا اقْتَضَاهُ تَعْلِيلُهُمْ لِذَلِكَ بِتَبَعِيَّتِهِ لِلْجَبْهَةِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ الِاكْتِفَاءِ بِالسُّجُودِ عَلَيْهَا مَا لَمْ تُجَاوِزْ مَحَلَّهَا، فَإِنْ جَاوَزَتْهُ كَأَنْ وَصَلَتْ إلَى صَدْرِهِ مَثَلًا فَلَا يُجْزِئُ السُّجُودُ عَلَى مَا جَاوَزَ مِنْهَا الْجَبْهَةَ (قَوْلُهُ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لَا يَبْعُدُ أَنْ يَخْتَصَّ الْبُطْلَانُ بِمَا إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ إزَالَةِ مَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ مِنْ تَحْتِ جَبْهَتِهِ حَتَّى لَوْ أَزَالَهُ ثُمَّ رَفَعَ بَعْدَ الطُّمَأْنِينَةِ لَمْ تَبْطُلْ وَحَصَلَ السُّجُودُ فَتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَقْصِدْ ابْتِدَاءً أَنَّهُ يَسْجُدُ عَلَيْهِ وَلَا يَرْفَعُهُ.
فَإِنْ قَصَدَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِمُجَرَّدِ هَوِيِّهِ لِلسُّجُودِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ عَزَمَ أَنْ يَأْتِيَ بِثَلَاثِ خُطُوَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ ثُمَّ شَرَعَ فِيهَا فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ شُرُوعٌ فِي الْمُبْطِلِ، وَنَقَلَ بِالدَّرْسِ عَنْ الشَّيْخِ حَمْدَان مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا أَعَادَ السُّجُودَ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ بَعِيدَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ وَنَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِ الْعُلَمَاءِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَخْفَى عَلَى الْعَامَّةِ فَيُعْذَرُ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَخْفَى، حَتَّى لَوْ نُبِّهَ بَعْدَ الْقِيَامِ عَامِدًا فَأَرَادَ السُّجُودَ لَمْ يَجُزْ لِبُطْلَانِهَا بِمُجَرَّدِ قِيَامِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ مِنْدِيلٍ بِيَدِهِ) الظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّهُ يُمْسِكُهُ بِيَدِهِ فَيَخْرُجُ مَا لَوْ رَبَطَهُ بِهَا فَيَضُرُّ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِ بِأَنَّ اتِّصَالَ الثِّيَابِ إلَخْ خِلَافُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَلَا يَضُرُّ سُجُودُهُ عَلَيْهِ رَبَطَهُ بِيَدِهِ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: وَطُولِ مُدَّتِهَا) أَيْ

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

هَذَا وَلَيْسَ مِثْلُهُ الْمِنْدِيلَ الَّذِي عَلَى عِمَامَتِهِ وَالْمُلْقَى عَلَى عَاتِقِهِ لِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ لَهُ، بِخِلَافِ مَا فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ كَالْمُنْفَصِلِ، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى شَيْءٍ فَالْتَصَقَ بِجَبْهَتِهِ وَارْتَفَعَ مَعَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ ثَانِيًا ضَرَّ، وَإِنْ نَحَّاهُ ثُمَّ سَجَدَ لَمْ يَضُرَّ، وَلَوْ صَلَّى قَاعِدًا وَسَجَدَ عَلَى مُتَّصِلٍ بِهِ لَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ إلَّا إذَا صَلَّى قَائِمًا لَمْ يُجْزِهِ السُّجُودُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.

(وَلَا يَجِبُ) (وَضْعُ يَدَيْهِ) أَيْ بَطْنِهِمَا، (وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ) فِي سُجُودِهِ (فِي الْأَظْهَرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29] وَلِلْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ «إذَا سَجَدْت فَمَكِّنْ جَبْهَتَك» فَإِفْرَادُهَا بِالذِّكْرِ دَلِيلٌ عَلَى مُخَالَفَتِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ وَضْعُهَا لَوَجَبَ الْإِيمَاءُ بِهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ وَضْعِهَا وَالْإِيمَاءُ بِهَا غَيْرُ وَاجِبٍ فَلَمْ يَجِبْ وَضْعُهَا، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ وَضْعُ أَشْرَفِ الْأَعْضَاءِ عَلَى مَوَاطِئِ الْأَقْدَامِ وَهُوَ خِصِّيصٌ بِالْجَبْهَةِ، وَيُتَصَوَّرُ رَفْعُ جَمِيعِهَا كَأَنْ يُصَلِّي عَلَى حَجَرَيْنِ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ قَصِيرٌ يَنْبَطِحُ عَلَيْهِ عِنْدَ سُجُودِهِ وَيَرْفَعُهَا (قُلْت: الْأَظْهَرُ وُجُوبُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَإِنْ كَانَتْ مَسْتُورَةً لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ» وَمَنْ لَازِمِ ذَلِكَ اعْتِمَادُهُ عَلَى بُطُونِهَا، وَمُرَادُهُ بِالْيَدَيْنِ بَطْنُ الْكَفِّ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا

[حاشية الشبراملسي]

فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُشْكِلُ بِمَا لَوْ سَجَدَ عَلَى طَرْفِ رِدَاءٍ عَلَى كَتِفَيْهِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ مِثْلُهُ) أَيْ فِي صِحَّةِ السُّجُودِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَالْتَصَقَ بِجَبْهَتِهِ) وَمِنْهُ التُّرَابُ حَيْثُ مَنَعَ مُبَاشَرَةَ جَمِيعِ الْجَبْهَةِ مَحَلَّ السُّجُودِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ نَحَّاهُ ثُمَّ سَجَدَ لَمْ يَضُرَّ) فَلَوْ رَآهُ مُلْتَصِقًا بِجَبْهَتِهِ وَلَمْ يَدْرِ فِي أَيِّ السَّجَدَاتِ الْتَصَقَ، فَعَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ إنْ رَآهُ بَعْدَ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ وَجَوَّزَ أَنَّ الْتِصَاقَهُ فِيمَا قَبْلَهَا أَخَذَ بِالْأَسْوَإِ، فَإِنْ جُوِّزَ أَنَّهُ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَدْرٌ أَنَّهُ فِيهَا لِيَكُونَ الْحَاصِلُ لَهُ رَكْعَةً إلَّا سَجْدَةً أَوْ فِيمَا قَبْلَهَا قَدْرُهُ فِيهِ لِيَكُونَ الْحَاصِلُ لَهُ رَكْعَةً بِغَيْرِ سُجُودٍ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ احْتَمَلَ طُرُوُّهُ بَعْدَهُ فَالْأَصْلُ مُضِيُّهَا عَلَى الصِّحَّةِ وَإِلَّا فَإِنْ قَرُبَ الْفَصْلُ بَنَى وَأَخَذَ بِالْأَسْوَإِ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِلَّا اسْتَأْنَفَ اهـ سم عَلَى حَجّ: أَيْ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنَّهُ الْتَصَقَ فِي السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ لَمْ يَعُدْ شَيْئًا (قَوْلُهُ وَلَوْ صَلَّى قَاعِدًا) فَرْضًا أَوْ نَفْلًا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: لَمْ يُجْزِهِ السُّجُودُ عَلَيْهِ) خِلَافًا لحج وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي فَتَاوِيهِ.

(قَوْلُهُ: وَرُكْبَتَيْهِ) قَالَ حَجّ: تَنْبِيهٌ: لَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا تَحْدِيدَ الرُّكْبَةِ، وَعَرَّفَهَا فِي الْقَامُوسِ بِأَنَّهَا مِفْصَلُ مَا بَيْنَ أَسَافِلِ أَطْرَافِ الْفَخِذِ وَأَعَالِي السَّاقِ اهـ. وَصَرِيحٌ مَا يَأْتِي فِي الثَّامِنِ وَمَا بَعْدَهُ أَنَّهَا مِنْ أَوَّلِ الْمُنْحَدِرِ عَنْ آخِرِ الْفَخِذِ إلَى أَوَّلِ أَعْلَى السَّاقِ، وَعَلَيْهِ فَكَأَنَّهُمْ اعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ الْعُرْفَ لِبُعْدِ تَقْيِيدِ الْأَحْكَامِ بِحَدِّهَا اللُّغَوِيِّ لِقِلَّتِهِ جِدًّا، إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادُوا بِالْمِفْصَلِ مَا قَرَّرْنَاهُ وَهُوَ قَرِيبٌ، ثُمَّ رَأَيْت الصِّحَاحَ قَالَ: وَالرُّكْبَةُ مَعْرُوفَةٌ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَدَارَ فِيهَا عَلَى الْعُرْفِ وَالْكَلَامُ فِي الشَّرْعِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَامُوسَ إنْ لَمْ تُحْمَلْ عِبَارَتُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ اعْتَمَدَ فِي حَدِّهِ لَهَا بِذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ لَهُ الْخُرُوجُ عَنْ اللُّغَةِ إلَى غَيْرِهَا كَمَا يَأْتِي أَوَّلَ التَّعْزِيرِ اهـ (قَوْلُهُ وَهُوَ خِصِّيصٌ) أَيْ مَخْصُوصٌ (قَوْلُهُ: وَيُتَصَوَّرُ) أَيْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ) فِي الْمَحَلِّيِّ إسْقَاطُ عَلَى مِنْ قَوْلِهِ عَلَى الْجَبْهَةِ إلَخْ، وَلَعَلَّ فِي الْحَدِيثِ رِوَايَتَيْنِ (قَوْلُهُ وَالرُّكْبَتَيْنِ) أَيْ فَلَوْ مَنَعَ مِنْ السُّجُودِ عَلَيْهِمَا مَانِعٌ كَأَنْ جُمِعَتْ ثِيَابُهُ تَحْتَ رُكْبَتَيْهِ فَمَنَعَتْ مِنْ وُصُولِ الرُّكْبَةِ لِمَحَلِّ السُّجُودِ وَصَارَ الِاعْتِمَادُ عَلَى أَعْلَى السَّاقِ لَمْ يَكْفِ (قَوْلُهُ: بَطْنُ الْكَفِّ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا) وَانْظُرْ لَوْ خُلِقَ كَفُّهُ مَقْلُوبًا هَلْ يَجِبُ وَضْعُ ظَهْرِ الْكَفِّ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الظَّهْرَ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْبَطْنِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَبَقِيَ مَا لَوْ عَرَضَ لَهُ الِانْقِلَابُ هَلْ يَجِبُ وَضْعُ الْبَطْنِ وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ وَلَوْ

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ: لَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ إلَّا إذَا صَلَّى قَائِمًا) ظَاهِرُهُ إنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْقِيَامِ فَلْيُرَاجَعْ

وَالرَّاحَةُ وَبُطُونُ الْأَصَابِعِ دُونَ ظَهْرِهِ وَحَرْفِهِ وَرُءُوسِهَا.
وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ ضَبْطُ الْبَاطِنِ بِمَا يَنْقُضُ مِنْهُ الذِّكْرُ، وَاكْتَفَى بِبَعْضِ كُلٍّ وَإِنْ كُرِهَ قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ لِمَا سَبَقَ فِي الْجَبْهَةِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ عَدَمَ وُجُوبِ وَضْعِ الْأَنْفِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْمُرَادُ بِالْقَدَمَيْنِ بُطُونُ أَصَابِعِهِمَا، فَلَوْ تَعَذَّرَ وَضْعُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ سَقَطَ الْفَرْضُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَلَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ الزَّنْدِ لَمْ يَجِبْ وَضْعُهُ وَلَا وَضْعُ رِجْلٍ قُطِعَتْ أَصَابِعُهَا لِفَوَاتِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَلَوْ خُلِقَ لَهُ رَأْسَانِ وَأَرْبَعُ أَيْدٍ وَأَرْبَعُ أَرْجُلٍ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ وَضْعُ بَعْضِ كُلٍّ مِنْ الْجَبْهَتَيْنِ وَمَا بَعْدَهُمَا مُطْلَقًا، أَوْ يَفْصِلُ بَيْنَ كَوْنِ الْبَعْضِ زَائِدًا أَوْ لَا؟ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ إنْ عَرَفَ الزَّائِدَ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَإِلَّا أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الزَّائِدَ بِأَنْ عَلِمَ أَصَالَتَهَا كَفَى فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ سَبْعَةُ أَعْضَاءٍ مِنْهَا: أَيْ إحْدَى الْجَبْهَتَيْنِ وَيَدَيْنِ وَرُكْبَتَيْنِ وَأَصَابِعِ رِجْلَيْنِ لِلْحَدِيثِ.

(وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ) لِخَبَرِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ: أَيْ بِجَمِيعِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي يَجِبُ وَضْعُهَا فِيهِ قِيَاسًا عَلَى الْجَبْهَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَضَعَهَا حَالَةَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ حَتَّى لَوْ وَضَعَهَا ثُمَّ رَفَعَهَا ثُمَّ وَضَعَ الْجَبْهَةَ

[حاشية الشبراملسي]

بِمُعِينٍ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ: وَانْظُرْ لَوْ خُلِقَ بِلَا كَفٍّ وَبِلَا أَصَابِعَ هَلْ يُقَدِّرُ لَهُمَا مِقْدَارَهُمَا وَيَجِبُ وَضْعُ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ أَقُولُ: قِيَاسُ النَّظَائِرِ تَقْدِيرُ مَا ذُكِرَ كَمَا لَوْ خُلِقَتْ يَدُهُ بِلَا مِرْفَقٍ وَذَكَرَهُ بِلَا حَشَفَةٍ مِنْ أَنَّهُ يُقَدِّرُ لَهُمَا مِنْ مُعْتَدِلِهِمَا عَادَةً (قَوْلُهُ: دُونَ ظَهْرِهِ) أَيْ الْكَفِّ، وَالْأَوْلَى ظَهْرُهَا لِأَنَّ الْكَفَّ مُؤَنَّثَةٌ فِي الْأَكْثَرِ (قَوْلُهُ: وَاكْتَفَى بِبَعْضِ كُلٍّ) فَائِدَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ (قَوْلُهُ: قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ) أَيْ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِبَعْضِ الْجَبْهَةِ (قَوْلُهُ: لِمَا سَبَقَ فِي الْجَبْهَةِ) مِنْ قَوْلِهِ لَصَدَقَ اسْمُ السُّجُودِ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ الزَّنْدِ) عِبَارَةُ الْمُخْتَارِ: الزَّنْدُ مَوْصِلُ طَرَفِ الذِّرَاعِ فِي الْكَفِّ، وَهُمَا زَنْدَانِ الْكُوعُ وَالْكُرْسُوعُ.
ثُمَّ قَالَ: وَالْجَمْعُ زِنَادٌ بِالْكَسْرِ وَأَزْنُدُ وَأَزْنَادٌ اهـ (قَوْلُهُ: لَمْ يَجِبْ) وَهَلْ يُسْتَحَبُّ كَمَا يُسْتَحَبُّ غُسْلُ مَا فَوْقَ مَا يَجِبُ غُسْلُهُ فِي الضَّوْءِ إذَا قُطِعَ مِنْ فَوْقِهِ أَوْ لَا؟ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ ذَاكَ يُسْتَحَبُّ غُسْلُهُ لَوْ كَانَ الْعُضْوُ سَلِيمًا فَبَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ بِحَالِهِ بَعْدَ الْقَطْعِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ وَضْعُ مَا فَوْقَ الْكَفَّيْنِ هُنَا وَمَوْضِعُ الْفَرْضِ قَدْ فَاتَ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ حَتَّى لَا يَخْلُوَ عَنْ وَضْعِ الْيَدِ، كَمَا قِيلَ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ إمْرَارُ الْمُوسَى تَشْبِيهًا بِالْحَالِقِ، ثُمَّ رَأَيْت سم عَلَى حَجّ صَرَّحَ بِمَا ذُكِرَ حَيْثُ قَالَ: وَهَلْ يُسَنُّ فِيهِ نَظَرٌ؟ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُسَنَّ (قَوْلُهُ: فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى سَنَنِ الْأَصْلِيِّ.
وَقِيَاسُ مَا مَرَّ مِنْ النَّقْضِ بِمَسِّ الزَّائِدِ إذَا كَانَ عَلَى سَنَنِ الْأَصْلِيِّ أَنْ يُعَامَلَ هُنَا مُعَامَلَةَ الْأَصْلِيِّ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ النَّقْضَ ثَمَّ بِالزَّائِدِ الْمُسَامِتِ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ الشَّهْوَةِ فَاحْتِيطَ فِيهِ، وَالْمَطْلُوبُ هُنَا وَضْعُ جُزْءٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ، وَالزَّائِدُ لَا يُسَمَّى بِوَاحِدٍ مِنْهَا فَلَمْ يَكْتَفِ بِوَضْعِهِ وَلَا يُعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ (قَوْلُهُ: بِأَنْ عَلِمَ) فَإِنْ اشْتَبَهَ الْأَصْلِيُّ بِالزَّائِدِ فَالْقِيَاسُ وُجُوبُ وَضْعِ جُزْءٍ مِنْ كُلٍّ مِنْهَا، وَيُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ لِيَتَحَقَّقَ اجْتِمَاعُ الْأَعْضَاءِ الْأَصْلِيَّةِ.
ثُمَّ رَأَيْت سم عَلَى حَجّ صَرَّحَ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ اشْتَبَهَ الزَّائِدُ بِالْأَصْلِيِّ وَجَبَ السُّجُودُ عَلَى الْجَمِيعِ بِأَنْ يَسْجُدَ عَلَى بَعْضِ كُلٍّ مِنْ الْجَمِيعِ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ الْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ إلَّا بِذَلِكَ م ر اهـ (قَوْلُهُ: وَيَدَيْنِ) أَيْ مِنْ الْجِهَتَيْنِ، وَلَا يَكْفِي وَضْعُهُمَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهَا كَيَدٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ لَا تَكْفِي.

(قَوْلُهُ: حَالَةَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ) أَيْ بِأَنْ تَصِيرَ السَّبْعَةُ مُجْتَمِعَةً فِي الْوَضْعِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
ثُمَّ لَوْ رُفِعَ بَعْضُهَا بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا كَذَلِكَ قَبْلَ رَفْعِ الْبَعْضِ الْآخَرِ لَا يَضُرُّ.
وَفِي فَتَاوَى الرَّمْلِيِّ الْكَبِيرِ مَا نَصُّهُ: سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ مُصَلٍّ حَصَلَ أَصْلُ السُّجُودِ ثُمَّ طَوَّلَهُ تَطْوِيلًا كَثِيرًا مَعَ رَفْعِ بَعْضِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ مُتَعَمِّدًا هَلْ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ لِكَوْنِهِ تَعَمَّدَ

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ: وَالرَّاحَةُ وَبُطُونُ الْأَصَابِعِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ هُمَا مُسَمَّى بَطْنِ الْكَفِّ (قَوْلُهُ: قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ) أَيْ: الْجَبْهَةِ، وَقَوْلُهُ لِمَا سَبَقَ: أَيْ فِيهَا مِنْ صِدْقِ الِاسْمِ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِأَنْ عَلِمَ أَصَالَتَهَا) سَكَتَ عَمَّا لَوْ اشْتَبَهَ الزَّائِدُ بِالْأَصْلِيِّ

أَوْ عَكَسَ لَمْ يَكْفِ لِأَنَّهَا أَعْضَاءٌ تَابِعَةٌ لِلْجَبْهَةِ، أَمَّا خَبَرُ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «إنَّ الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ كَمَا تَسْجُدُ الْجَبْهَةُ، فَإِذَا سَجَدْتُمْ فَضَعُوهُمَا وَإِذَا رَفَعْتُمْ فَارْفَعُوهُمَا» فَبَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ (وَيَنَالُ مَسْجِدُهُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا مَحَلُّ سُجُودِهِ (ثِقَلُ رَأْسِهِ) لِلْخَبَرِ الْمَارِّ وَثِقَلُ فَاعِلٌ، وَمَعْنَى الثِّقَلِ أَنْ يَكُونَ يَتَحَامَلُ بِحَيْثُ لَوْ فَرَضَ أَنَّهُ سَجَدَ عَلَى قُطْنٍ أَوْ نَحْوِهِ لَانْدَكَّ لِمَا مَرَّ مِنْ الْأَمْرِ بِتَمْكِينِ الْجَبْهَةِ وَلَا يَكْتَفِي بِإِرْخَاءِ رَأْسِهِ خِلَافًا لِلْإِمَامِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَوْ كَانَ لَوْ أُعِينَ لَأَمْكَنَهُ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَنَحْوِهَا، هَلْ يَجِيءُ مَا سَبَقَ فِي إعَانَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ؟ لَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا وَالظَّاهِرُ مَجِيئُهُ انْتَهَى.
وَمَحَلُّ وُجُوبِ التَّحَامُلِ فِي الْجَبْهَةِ فَقَطْ فَلَا يَجِبُ بِغَيْرِهَا مِنْ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا وَاعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لِلشَّيْخِ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ تَبَعًا لِابْنِ الْعِمَادِ (وَأَنْ لَا يَهْوِيَ لِغَيْرِهِ) أَيْ السُّجُودِ بِأَنْ يَهْوِيَ بِقَصْدِهِ أَوْ لَا بِقَصْدِ شَيْءٍ (فَلَوْ سَقَطَ لِوَجْهِهِ) أَيْ عَلَيْهِ مِنْ اعْتِدَالِهِ (وَجَبَ الْعَوْدُ إلَى الِاعْتِدَالِ) لِيَهْوِيَ مِنْهُ لِانْتِفَاءِ الْهَوِيِّ فِي السُّقُوطِ، فَإِنْ سَقَطَ مِنْ هَوِيِّهِ لَمْ يُكَلَّفْ الْعَوْدَ بَلْ يُحْسَبُ لَهُ ذَلِكَ سُجُودًا

[حاشية الشبراملسي]

فِعْلَ شَيْءٍ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ غَيْرُ مَحْسُوبٍ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ طَوَّلَهُ عَامِدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَلَا تَبْطُلُ اهـ. وَفِيهِ وَقْفَةٌ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ لِأَنَّ هَذَا اسْتِصْحَابٌ لِمَا طُلِبَ فِعْلُهُ (قَوْلُهُ فَإِذَا سَجَدْتُمْ فَضَعُوهُمَا) لَا يَظْهَرُ إيرَادُ هَذَا الْحَدِيثِ مُعَارِضًا لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ اعْتِبَارِ وَضْعِهِمَا حَالَةَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ، بَلْ الظَّاهِرُ إيرَادُهُ فِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَنْ الْأَرْضِ حَالَةَ جُلُوسِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
وَقَدْ يُقَالُ: أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ الْمُبَادَرَةُ بِوَضْعِ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ عِنْدَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ، فَلَوْ تَرَاخَى وَضْعُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ عَنْ بَعْضٍ اكْتَفَى بِهِ حَيْثُ اجْتَمَعَتْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَاطْمَأَنَّ بِهَا مُجْتَمِعَةً (قَوْلُهُ لِلْخَبَرِ الْمَارِّ) أَيْ قَوْلُهُ إذَا سَجَدْت فَمَكِّنْ، وَقَوْلُهُ فَاعِلٌ: أَيْ قَوْلُهُ ثِقَلٌ فَاعِلٌ، وَفِي نُسْخَةٍ وَثِقَلٌ فَاعِلٌ (قَوْلُهُ: عَلَى قُطْنٍ أَوْ نَحْوِهِ لَانْدَكَّ) وَالْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنْ يَنْدَكَّ مِنْ الْقُطْنِ مَا يَلِي جَبْهَتَهُ عُرْفًا، وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَثَلًا عِدْلٌ مِنْ الْقُطْنِ لَا يُمْكِنُ انْكِبَاسُ جَمِيعِهِ بِمُجَرَّدِ وَضْعِ الرَّأْسِ وَإِنْ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَتَنَبَّهْ لَهُ (قَوْلُهُ: هَلْ يَجِيءُ مَا سَبَقَ) أَيْ مِنْ الْوُجُوبِ (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ مَجِيئُهُ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَفِي مَجِيئِهِ مَا مَرَّ فِي الرُّكُوعِ مِنْ أَنَّ مُقْتَضَاهُ وُجُوبُ الِاسْتِعَانَةِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا حَيْثُ أَمْكَنَ وَأَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيَامِ عَلَى مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ) أَيْ حَيْثُ قَالَ بِوُجُوبِ التَّحَامُلِ فِي الْجَمِيعِ (قَوْلُهُ: أَوْ لَا بِقَصْدِ شَيْءٍ) أَيْ أَوْ بِقَصْدِهِمَا مَعًا، ثُمَّ رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ بَعْدَ قَوْلِهِ بِقَصْدِهِ وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ سَقَطَ لِوَجْهِهِ) أَيْ مَثَلًا (قَوْلُهُ: مِنْ اعْتِدَالِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْهَوِيَّ وَهُوَ فِي الِاعْتِدَالِ فَسَقَطَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِلِاعْتِدَالِ، وَلَكِنْ قَالَ ع: قَوْلُ الشَّارِحِ وَلَوْ هَوَى لِيَسْجُدَ إلَخْ مِثْلَ ذَلِكَ مَا لَوْ قَصَدَ الْهَوِيَّ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ السُّقُوطُ قَبْلَ فِعْلِ الْهَوِيِّ.
كَذَا رَأَيْته فِي ابْنِ شُهْبَةَ وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ مُوَافِقٌ لِلنَّظَرِ لِأَنَّ قَوْلَهُ مِنْ اعْتِدَالِهِ صَادِقٌ بِمَا لَوْ تَقَدَّمَ عَلَى السُّقُوطِ إرَادَةُ السُّجُودِ، وَهُوَ وَاضِحٌ لِأَنَّ الْهَوِيَّ لَمْ يَحْصُلْ بِفِعْلِهِ (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ الْهَوِيِّ) أَشَارَ بِهِ إلَى دَفْعِ مَا قَدْ يُقَالُ إنَّهُ إذَا سَقَطَ مِنْ الِاعْتِدَالِ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِفِعْلِهِ غَيْرَ السُّجُودِ، وَعَلَيْهِ فَمُقْتَضَى مَا قَدَّمَهُ الصِّحَّةُ لَا عَدَمُهَا.
وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّ عِلَّةَ الْبُطْلَانِ انْتِفَاءُ الْفِعْلِ مِنْهُ وَهُوَ لَا بُدَّ مِنْهُ مَعَ عَدَمِ قَصْدِ الْغَيْرِ، وَعِبَارَةُ حَجّ جَوَابًا عَنْ هَذَا الْإِيرَادِ.
قُلْت: يُوَجَّهُ بِأَنَّ الْهَوِيَّ لِلْغَيْرِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْمَتْنِ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ

[حاشية الرشيدي]

وَعَنْ الزِّيَادِيِّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وَضْعِ الْجَمِيعِ، لَكِنَّهُ جَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ مَا إذَا عُلِمَتْ أَصَالَةُ الْجَمِيعِ

(قَوْلُهُ: فَبَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ) سَقَطَ قَبْلَهُ كَلَامٌ مِنْ النُّسَخِ، فَإِنَّهُ جَوَابٌ عَنْ حُكْمٍ جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْعِمَادِ فِي التَّعَقُّبَاتِ الَّتِي مَا مَرَّ فِي الشَّرْحِ عِبَارَتُهَا، وَإِلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ مِنْهَا الَّذِي هَذَا مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ بَعْدَ مَا مَرَّ فِي الشَّرْحِ: وَإِذَا رَفَعَ الْجَبْهَةَ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى وَجَبَ عَلَيْهِ رَفْعُ الْكَفَّيْنِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِنَّ الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ» الْحَدِيثَ الَّذِي أَجَابَ عَنْهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ بَيَانٌ

نَعَمْ إنْ سَقَطَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَقَصَدَ الِاعْتِمَادَ عَلَيْهَا أَوْ لِجَنْبِهِ فَانْقَلَبَ بِنِيَّةِ الِاسْتِقَامَةِ فَقَطْ لَمْ يُجْزِهِ السُّجُودُ فِيهِمَا فَيُعِيدُهُ بَعْدَ الْجُلُوسِ فِي الثَّانِيَةِ وَلَا يَقُومُ، فَإِنْ قَامَ عَالِمًا عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ انْقَلَبَ بِنِيَّةِ السُّجُودِ أَوْ لَا بِنِيَّةِ شَيْءٍ أَوْ بِنِيَّتِهِ وَنِيَّةِ الِاسْتِقَامَةِ أَجْزَأَهُ عَلَى الصَّحِيحِ حَتَّى فِي الْأَخِيرَةِ خِلَافًا لِابْنِ الْعِمَادِ، وَإِنْ نَوَى صَرْفَهُ عَنْ السُّجُودِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَيْضًا لِزِيَادَتِهِ فَضْلًا فِيهَا عَامِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاةُ مَنْ قَصَدَ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ الِافْتِتَاحَ وَالْهَوِيَّ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ وَلِكَوْنِ الْأَصْلِ عَدَمُ دُخُولِهِ فِيهَا ثَمَّ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ فِيهَا هُنَا فَلَا يُخْرِجُهُ عَنْهَا عَدَمُ قَصْدِهِ رُكْنَهَا وَلَا تَشْرِيكُهُ مَعَ غَيْرِهِ.

(وَأَنْ تَرْتَفِعَ أَسَافِلُهُ) أَيْ عَجِيزَتُهُ وَمَا حَوْلَهَا (عَلَى أَعَالِيهِ) مِنْ رَأْسِهِ (فِي الْأَصَحِّ) لِمَا صَحَّ «عَنْ الْبَرَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ» ، فَلَوْ انْعَكَسَ أَوْ تَسَاوَيَا لَمْ يُجْزِهِ، نَعَمْ لَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ارْتِفَاعِ ذَلِكَ لِمَيْلِهَا صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لِنُدْرَتِهِ، وَالثَّانِي وَنُقِلَ عَنْ النَّصِّ أَنَّهُ يَجُوزُ مُسَاوَاتُهُمَا لِحُصُولِ اسْمِ السُّجُودِ، فَلَوْ

[حاشية الشبراملسي]

بِهِ صَادِقٌ بِمَسْأَلَةِ السُّقُوطِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهُ وَقَعَ هَوِيُّهُ لِلْغَيْرِ وَهُوَ الْإِلْجَاءُ (قَوْلُهُ: أَوْ لِجَنْبِهِ) اُنْظُرْ قَوْلَهُمْ لَوْ سَقَطَ لِجَنْبِهِ هَلْ الْجَنْبُ مِثَالٌ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِثَالٌ، فَلَوْ سَقَطَ عَلَى ظَهْرِهِ وَقَفَاهُ جَرَى فِيهِ التَّفَاصِيلُ الْمَذْكُورَةُ فِي مَسْأَلَةِ السُّقُوطِ عَلَى الْجَنْبِ، وَيُغْتَفَرُ عَدَمُ الِاسْتِقْبَالِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ لِلضَّرُورَةِ مَعَ قِصَرِ الزَّمَنِ فَلْيُرَاجَعْ وَلِيُحَرَّرْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ لَمْ يُجْزِهِ السُّجُودُ فِيهِمَا) عَلَّلَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِقَوْلِهِ لِوُجُودِ الصَّارِفِ (قَوْلُهُ: بَعْدَ الْجُلُوسِ فِي الثَّانِيَةِ) قَالَ حَجّ: وَبَعْدَ أَدْنَى رُفِعَ فِي الْأُولَى (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَوَى صَرْفَهُ) أَيْ الِانْقِلَابِ (قَوْلُهُ: لِزِيَادَتِهِ فِعْلًا) نَقَلَ سم عَلَى مَنْهَجِ هَذَا التَّعْلِيلِ عَنْ شَرْحِ الرَّوْضِ مَعَ تَعْلِيلِ أَنَّ نِيَّتَهُ الِاسْتِقَامَةُ فَقَطْ لَا يُجْزِيهِ مَعَهَا السُّجُودُ وَهُوَ قَوْلُهُ لِوُجُودِ الصَّارِفِ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ تُسْتَشْكَلُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي نِيَّةِ الِاسْتِقَامَةِ صَرْفٌ عَنْ السُّجُودِ فَقَدْ زَادَ فِعْلًا لَا يُزَادُ مِثْلُهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ لِلِاسْتِقَامَةِ فَيُعْذَرُ فِي قَصْدِهَا وَبِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى السُّجُودِ فَاغْتُفِرَ قَصْدُهَا، بِخِلَافِ قَصْدِ الصَّرْفِ عَنْ السُّجُودِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. وَقَدْ يُشِيرُ إلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ قَوْلُ الشَّارِحِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاةُ مَنْ قَصَدَ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ الِافْتِتَاحَ إلَخْ) أَيْ وَلَمْ يَضُرَّ هُنَا تَشْرِيكُهُ بَيْنَ الِاسْتِقَامَةِ وَالسُّجُودِ.

(قَوْلُهُ: وَأَنْ تَرْتَفِعَ أَسَافِلُهُ) أَيْ يَقِينًا، فَلَوْ شَكَّ فِي ارْتِفَاعِهَا وَعَدَمِهِ لَمْ يَكْفِ حَتَّى لَوْ كَانَ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ وَجَبَتْ إعَادَتُهُ أَخْذًا مِمَّا قَدَّمَهُ أَنَّ الشَّكَّ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مُؤَثِّرٌ إلَّا بَعْضَ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ وَالتَّشَهُّدُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: أَيْ عَجِيزَتُهُ) فِي التَّعْبِيرِ بِهَا تَغْلِيبٌ.
فَفِي الْمُخْتَارِ الْعَجُزُ بِضَمِّ الْجِيمِ مُؤَخَّرُ الشَّيْءِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ: أَيْ بِاعْتِبَارِ عَوْدِ الضَّمِيرِ فَيُقَالُ عَجُزُهُ كَبِيرٌ أَوْ كَبِيرَةٌ، وَلَا يُقَالُ عَجُزَتُهُ، وَهُوَ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا وَجَمْعُهُ أَعْجَازٌ، وَالْعَجِيزَةُ لِلْمَرْأَةِ خَاصَّةً (قَوْلُهُ: مِنْ رَأْسِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ارْتِفَاعُ الْأَسَافِلِ عَلَى الْيَدَيْنِ، لَكِنْ فِي حَجّ تَنْبِيهٌ: الْيَدَانِ مِنْ الْأَعَالِي كَمَا عُلِمَ مِنْ حَدِّ الْأَسَافِلِ، وَحِينَئِذٍ فَيَجِبُ رَفْعُهَا عَلَى الْيَدَيْنِ أَيْضًا اهـ. قَالَ سم عَلَيْهِ: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِمَا الْكَفَّانِ، وَنَقَلَ هُوَ عَنْهُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمَنْهَجِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعَالِي الرَّأْسُ وَالْمَنْكِبَانِ اهـ. وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ قَوْلُهُ عَلَى أَعَالِيهِ وَمِنْهَا الْيَدَانِ (قَوْلُهُ: أَوْ تَسَاوَيَا لَمْ يُجْزِهِ) أَيْ فِي الِانْعِكَاسِ قَطْعًا وَفِي الْمُسَاوَاةِ عَلَى الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ: لِمَيْلِهَا) أَيْ أَوْ غَيْرِهِ كَزَحْمَةٍ (قَوْلُهُ: صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ أَوْ لَمْ يَضِقْ، وَلَكِنْ لَمْ يُرْجَ التَّمَكُّنُ مِنْ السُّجُودِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُجْزِي قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ كَمَا لَوْ فَقَدَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ، فَإِنْ رَجَا ذَلِكَ وَجَبَ التَّأْخِيرُ إلَى التَّمَكُّنِ أَوْ ضِيقِ الْوَقْتِ (قَوْلُهُ: لِنُدْرَتِهِ) وَبِهِ فَارَقَ مَا لَوْ تَعَذَّرَ وَضْعُ جَبْهَتِهِ أَوْ كَشْفُهَا لِنَحْوِ جِرَاحَةٍ لِأَنَّ الْجِرَاحَةَ يَكْثُرُ وُقُوعُهَا

[حاشية الرشيدي]

لِلْأَفْضَلِ (قَوْلُهُ: بِنِيَّةِ الِاسْتِقَامَةِ فَقَطْ) أَيْ وَلَمْ يَقْصِدْ صَرْفَهُ عَنْ السُّجُودِ وَإِلَّا بَطَلَتْ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ حَجّ (قَوْلُهُ: بَعْدَ الْجُلُوسِ فِي الثَّانِيَةِ) أَيْ وَبَعْدَ أَدْنَى رَفْعٍ فِي الْأُولَى

ارْتَفَعَتْ الْأَعَالِي لَمْ يَجُزْ جَزْمًا كَمَا لَوْ أُكِبَّ عَلَى وَجْهِهِ وَمَدَّ رِجْلَيْهِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ بِهِ عِلَّةٌ لَا يُمْكِنُهُ السُّجُودُ مَعَهَا إلَّا كَذَلِكَ أَجْزَأَهُ وَلَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ إلَّا بِوَضْعِ نَحْوِ وِسَادَةٍ وَجَبَ، أَنْ حَصَلَ مِنْهُ التَّنْكِيسُ وَإِلَّا سُنَّ، وَلَا يَجِبُ لِعَدَمِ حُصُولِ مَقْصُودِ السُّجُودِ حِينَئِذٍ خِلَافًا لِمَا فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ مِنْ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا وَجَبَ الِاعْتِمَادُ الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ لِأَنَّهُ يَأْتِي مَعَهُ بِهَيْئَةِ الْقِيَامِ.
بِخِلَافِ هُنَا فَلَا يَأْتِي بِهَيْئَةِ السُّجُودِ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ.

(وَأَكْمَلُهُ) أَيْ السُّجُودِ (يُكَبِّرُ) الْمُصَلِّي (لِهَوِيِّهِ) لِثُبُوتِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ (بِلَا رَفْعٍ) لِيَدَيْهِ لِوُرُودِ عَدَمِهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ) وَقَدَمَيْهِ (ثُمَّ يَدَيْهِ) أَيْ كَفَّيْهِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (ثُمَّ) يَضَعُ (جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ) مَكْشُوفًا لِلِاتِّبَاعِ أَيْضًا أَبُو دَاوُد، وَيُكْرَهُ مُخَالَفَةُ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ وَعَدَمُ وَضْعِ الْأَنْفِ وَيَضَعُ الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ مَعًا كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَالْمُحَرَّرِ وَالْمَجْمُوعِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُمَا كَعُضْوٍ وَاحِدٍ يُقَدِّمُ أَيَّهمَا شَاءَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ وَضْعُ الْأَنْفِ كَالْجَبْهَةِ مَعَ أَنَّ خَبَرَ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الْمُقْتَصِرَةِ عَلَى الْجَبْهَةِ.
قَالُوا: وَتُحْمَلُ أَخْبَارُ الْأَنْفِ عَلَى النَّدْبِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَفِيهِ ضَعْفٌ لِأَنَّ رِوَايَاتِ الْأَنْفِ زِيَادَةُ ثِقَةٍ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَنْعِ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ إذَا لَوْ وَجَبَ وَضْعُهُ لَكَانَتْ الْأَعْظُمُ ثَمَانِيَةً فَيُنَافِي تَفْصِيلُ الْعَدَدِ مُجْمَلَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ سَبْعَةُ أَعْظُمٍ (وَيَقُولُ) بَعْدَ ذَلِكَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ: (سُبْحَانَ رَبَّى الْأَعْلَى ثَلَاثًا) لِلِاتِّبَاعِ (وَلَا يَزِيدُ الْإِمَامُ) عَلَى ذَلِكَ تَخْفِيفًا عَلَى الْمُقْتَدِينَ (وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ) وَإِمَامُ مَنْ مَرَّ «اللَّهُمَّ لَك سَجَدْت، وَبِك آمَنْت، وَلَك أَسْلَمْت، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، زَادَ فِي الرَّوْضَةِ قَبْلَ تَبَارَكَ: بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، قَالَ فِيهَا: وَيُسْتَحَبُّ فِيهِ سُبُّوحٌ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ كَانَ بِهِ عِلَّةٌ) اسْتِدْرَاكٌ يُفِيدُ تَقْيِيدَ الْمَتْنِ بِالْقَادِرِ (قَوْلُهُ: إلَّا كَذَلِكَ أَجْزَأَهُ) أَيْ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ شَفَى بَعْدَ ذَلِكَ وَيَنْبَغِي أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ وَإِنْ لَمْ تُبِحْ التَّيَمُّمَ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْعِصَابَةِ (قَوْلُهُ: إلَّا بِوَضْعِ نَحْوِ وِسَادَةٍ) الْوِسَادُ وَالْوِسَادَةُ بِكَسْرِ الْوَاوِ فِيهِمَا الْمِخَدَّةُ وَالْجَمْعُ وَسَائِدُ وَوَسَّدَ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: إنْ حَصَلَ مِنْهُ التَّنْكِيسُ) قَالَ حَجّ: وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلُهُمْ لَوْ عَجَزَ إلَّا أَنْ يَسْجُدَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ أَوْ صُدْغِهِ وَكَانَ بِهِ أَقْرَبَ إلَى الْأَرْضِ، وَجَبَ لِأَنَّهُ مَيْسُورُهُ اهـ لِأَنَّهُ هُنَا قَدَرَ عَلَى زِيَادَةِ الْقُرْبِ، وَثُمَّ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ وَضْعُ الْوِسَادَةِ لَا الْقُرْبُ فَلَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا مَعَ حُصُولِ التَّنْكِيسِ لِوُجُودِ حَقِيقَةِ السُّجُودِ حِينَئِذٍ اهـ. [فَرْعٌ] لَوْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ التَّنْكِيسُ وَوَضْعُ الْأَعْضَاءِ فَهَلْ يُرَاعَى الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يُرَاعَى التَّنْكِيسُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، بِخِلَافِ وَضْعِ الْأَعْضَاءِ فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا (قَوْلُهُ: وَإِلَّا سُنَّ) هَذَا كَالصَّرِيحِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ بَعْدُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ مَا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ الْأَرْكَانِ يَأْتِي فِيهِ بِمَا يُمْكِنُهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَوْ قَصُرَ زَمَنُهُ لِأَنَّ الْمَرَضَ مِنْ الْأَعْذَارِ الْعَامَّةِ (قَوْلُهُ مِنْ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا) أَيْ حَصَلَ تَنْكِيسٌ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا وَجَبَ) وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ وَإِلَّا سُنَّ وَلَا يَجِبُ إلَخْ.

(قَوْلُهُ: وَقَدَمَيْهِ) أَيْ أَطْرَافَهُمَا (قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ) أَيْ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ ذَكَرَ الْحَدِيثَ أَشَارَ عِنْدَ ذِكْرِ الْجَبْهَةِ إلَى أَنْفِهِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَوَضْعُهُ الْقَدَمَ إلَخْ نَصُّهَا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ» اهـ وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ مِثْلُهُ فَاسْتِفَادَةُ وُجُوبِ وَضْعِ الْأَنْفِ بِوَاسِطَةِ إشَارَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَيْهِ لَا مِنْ اللَّفْظِ الْمُجَرَّدِ (قَوْلُهُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى) زَادَ حَجّ وَبِحَمْدِهِ (قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ فِيهِ سُبُّوحٌ) أَيْ أَنْتَ مُنَزَّهٌ عَنْ سَائِرِ النَّقَائِصِ

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ خَبَرَ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ) أَيْ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ الْمَذْكُورِ فِيهَا الْأَنْفُ بِدَلِيلِ

قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَكَذَا «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجُلَّهُ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك وَبِعَفْوِك مِنْ عُقُوبَتِك وَأَعُوذُ بِك مِنْك لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك» . وَيَأْتِي الْمَأْمُومُ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ، وَخَصَّ الْوَجْهَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَكْرَمُ جَوَارِحِ الْإِنْسَانِ وَفِيهِ بَهَاؤُهُ وَتَعْظِيمُهُ، فَإِذَا خَضَعَ وَجْهُهُ لِشَيْءٍ خَضَعَ لَهُ سَائِرُ جَوَارِحِهِ، وَلَوْ قَالَ سَجَدْت لِلَّهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَيُكْثِرُ كُلٌّ مِنْ الْمُنْفَرِدِ وَإِمَامِ مَنْ مَرَّ الدُّعَاءَ فِيهِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا فِيهِ الدُّعَاءَ» وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذُكِرَ،

وَيُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ إذَا أَطَالَ إمَامُهُ سُجُودَهُ، وَتَخْصِيصُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ الدُّعَاءَ بِالسُّجُودِ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ فِي الرُّكُوعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ فِي السُّجُودِ آكَدُ (وَيَضَعُ يَدَيْهِ) فِي سُجُودِهِ (حَذْوَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (مَنْكِبَيْهِ) أَيْ مُقَابِلَهُمَا لِلِاتِّبَاعِ فِي ذَلِكَ (وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً) وَمَكْشُوفَةً (لِلْقِبْلَةِ) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ فِي النَّشْرِ الْبُخَارِيُّ، وَانْضَمَّ ابْنُ حِبَّانَ، وَكَوْنُهُمَا إلَى الْقِبْلَةِ الْبَيْهَقِيُّ، وَيُسَنُّ رَفْعُ ذِرَاعَيْهِ عَنْ الْأَرْضِ مُعْتَمِدًا عَلَى رَاحَتَيْهِ لِلْأَمْرِ بِهِ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ، وَيُكْرَهُ بَسْطُهُمَا لِلنَّهْيِ عَنْهُ.
نَعَمْ لَوْ طَالَ سُجُودُهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ عَلَى كَفَّيْهِ وَضَعَ سَاعِدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لِحَدِيثٍ فِيهِ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (وَيُفَرِّقُ) الذَّكَرُ (رُكْبَتَيْهِ) وَيَكُونُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ قَدْرُ شِبْرٍ (وَيَرْفَعُ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ) لِلِاتِّبَاعِ إلَّا فِي رَفْعِ الْبَطْنِ عَنْ الْفَخِذَيْنِ، وَإِلَّا فِي تَفْرِيقِ رُكْبَتَيْهِ فِي الرُّكُوعِ فَبِالْقِيَاسِ، وَقَوْلُهُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ عَائِدٌ لِلْجَمِيعِ (وَتَضُمُّ الْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى) وَلَوْ غَيْرَ بَالِغَيْنِ.

[حاشية الشبراملسي]

أَبْلَغَ تَنْزِيهٍ وَمُتَطَهِّرٌ مِنْهَا أَبْلَغَ تَطْهِيرٍ، وَلَعَلَّهُ يَأْتِي بِهِ قَبْلَ الدُّعَاءِ لِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِالتَّسْبِيحِ بَلْ هُوَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ) وَالْمُرَادُ بِهِ: أَيْ الرُّوحِ جِبْرِيلُ، وَقِيلَ مَلَكٌ لَهُ أَلْفُ رَأْسٍ لِكُلِّ رَأْسٍ مِائَةُ أَلْفِ وَجْهٍ فِي كُلِّ وَجْهٍ مِائَةُ أَلْفِ فَمٍ فِي كُلِّ فَمٍ مِائَةُ أَلْفِ لِسَانٍ تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى بِلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وَقِيلَ خَلْقٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ وَلَا تَرَاهُمْ، فَهُمْ لِلْمَلَائِكَةِ كَالْمَلَائِكَةِ لِبَنِي آدَمَ اهـ دَمِيرِيٌّ (قَوْلُهُ: وَكَذَا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) وَيَقُولُ بَعْدَ قَوْلِهِ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (قَوْلُهُ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) كَالتَّأْكِيدِ لِمَا قَبْلَهُ وَإِلَّا فَقَوْلُهُ كُلُّهُ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْأَجْزَاءِ (قَوْلُهُ: وَأَعُوذُ بِك مِنْك) مَعْنَاهُ أَسْتَعِينُ بِك عَلَى رَفْعِ غَضَبِك (قَوْلُهُ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك) تَقَدَّمَ عَنْ حَجّ فِي أَذْكَارِ الرُّكُوعِ أَنَّهُ يَزِيدُ فِيهِ كَالسُّجُودِ: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ قَبْلَ قَوْلِهِ اللَّهُمَّ لَك سَجَدْت (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ) أَيْ بِقَدْرِ رُكْنٍ فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: وَتَعْظِيمُهُ) تَفْسِيرِي (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ سَجَدْت لِلَّهِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الدُّعَاءَ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا قَصَدَ بِهِ الدُّعَاءَ فَلْيُرَاجَعْ.
وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ بِالدَّرْسِ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ سَجَدَ الْفَانِي لِلْبَاقِي.
أَقُولُ: وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إخْبَارٌ مَحْضٌ، وَلَيْسَ الْفَانِي مَخْصُوصًا بِالْوَجْهِ حَتَّى يَكُونَ لَفْظُهُ مُسَاوِيًا لِلْوَارِدِ وَهُوَ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ إلَخْ كَمَا قِيلَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ سَاجِدٌ) عِبَارَةُ حَجّ: إذَا كَانَ سَاجِدًا فَلَعَلَّهُمَا رِوَايَتَانِ (قَوْلُهُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ الْمُنْفَرِدِ وَإِمَامِ مَنْ مَرَّ.

(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ) أَيْ الدُّعَاءُ (قَوْلُهُ: حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) عَبَّرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ عَنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ بِقَوْلِهِ: وَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى مَوْضِعِهِمَا فِي رَفْعِهِمَا (قَوْلُهُ: قَدْرَ شِبْرٍ) أَيْ فَيُقَاسُ بِهِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الرُّكْبَتَيْنِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَالْمُرَادُ بِالشِّبْرِ الشِّبْرُ الْوَسَطُ الْمُعْتَدِلُ (قَوْلُهُ: فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ) قَالَ فِي الْعُبَابِ وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ وَكَذَا تَطْبِيقُ كَفِّهِ وَجَعْلُهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ أَوْ فَخِذَيْهِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى الرُّكُوعِ (قَوْلُهُ: فِي الرُّكُوعِ) رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا فِي رَفْعِ الْبَطْنِ إلَخْ وَقَوْلُهُ وَإِلَّا فِي تَفْرِيقٍ إلَخْ (قَوْلُهُ وَلَوْ غَيْرَ بَالِغَيْنِ)

[حاشية الرشيدي]

مَا بَعْدَهُ

(قَوْلُهُ: بَيْنَ قَدَمَيْهِ قَدْرُ شِبْرٍ) إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْقَدَمَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مَوْرِدُ النَّصِّ وَغَيْرُهُ قَاسَ عَلَيْهِمَا الرُّكْبَتَيْنِ

فَيَضُمُّ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى بَعْضٍ وَلَوْ فِي خَلْوَةٍ فِيمَا يَظْهَرُ لِمَا فِي تَفْرِيقِهِمَا بَعْضَهُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْأَفْضَلَ لِلْعُرَاةِ الضَّمُّ وَعَدَمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَإِنْ كَانَ خَالِيًا، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي الْقِيَامِ وُجُوبُ الضَّمِّ عَلَى سَلَسِ نَحْوِ الْبَوْلِ إذَا اسْتَمْسَكَ حَدَثُهُ بِالضَّمِّ وَإِنْ بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ.

(الثَّامِنُ) مِنْ أَرْكَانِهَا (الْجُلُوسُ بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ مُطْمَئِنًّا) وَلَوْ فِي نَفْلٍ نَظِيرَ مَا مَرَّ (وَيَجِبُ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِرَفْعِهِ غَيْرَهُ) أَيْ الْجُلُوسِ لِمَا مَرَّ فِي الرُّكُوعِ، فَلَوْ رَفَعَ فَزَعًا مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَكْفِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ عَوْدُهُ إلَى سُجُودِهِ (وَأَنْ لَا يُطَوِّلَهُ وَلَا الِاعْتِدَالُ) لِكَوْنِهِمَا رُكْنَيْنِ قَصِيرَيْنِ غَيْرَ مَقْصُودَيْنِ لِذَاتِهِمَا بَلْ لِلْفَصْلِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ تَطْوِيلِهِمَا فِي سُجُودِ السَّهْوِ (وَأَكْمَلُهُ يُكَبِّرُ) مِنْ غَيْرِ رَفْعِ يَدٍ مَعَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ سُجُودِهِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا) فِيهِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ لِأَنَّهُ جُلُوسٌ يَعْقُبُهُ حَرَكَةٌ فَكَانَ الِافْتِرَاشُ فِيهِ أَوْلَى.
وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَكُونُ صُدُورُ قَدَمَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْإِقْعَاءِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ هُنَا وَالِافْتِرَاشُ أَكْمَلُ مِنْهُ (وَاضِعًا يَدَيْهِ) أَيْ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ (قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ) بِحَيْثُ تَسَامَتْ رُءُوسهمَا الرُّكْبَةَ لِلِاتِّبَاعِ، وَلَا يَضُرُّ: أَيْ فِي أَصْلِ السُّنَّةِ فِيمَا يَظْهَرُ انْعِطَافُ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ مَنْعُ يَدَيْهِ مِنْ الْعَبَثِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ أَقْرَبُ إلَى التَّوَاضُعِ، وَعُلِمَ مِنْ ذِكْرِ الْوَاوِ أَنَّ كُلًّا سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ (وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً لِلْقِبْلَةِ) كَمَا فِي السُّجُودِ أَخْذًا مِنْ الرَّوْضَةِ (قَائِلًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَجْبُرنِي وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي وَعَافَنِي) لِلِاتِّبَاعِ رَوَى بَعْضَهُ أَبُو دَاوُد وَبَاقِيهِ ابْنُ مَاجَهْ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: يُسْتَحَبُّ لِلْمُنْفَرِدِ: أَيْ وَإِمَامِ مَنْ مَرَّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ رَبِّ هَبْ لِي قَلْبًا تَقِيًّا نَقِيًّا مِنْ الشِّرْكِ بَرِّيًّا لَا كَافِرًا وَلَا شَقِيًّا وَارْفَعْنِي وَارْحَمْنِي مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ، وَأَسْقَطَ مِنْ الرَّوْضَةِ ذِكْرَ ارْحَمْنِي وَزَادَ فِي الْإِحْيَاءِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَعَافَنِي وَاعْفُ عَنِّي وَفِي تَحْرِيرِ الْجُرْجَانِيُّ يَقُولُ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ إنَّك أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ (ثُمَّ يَسْجُدُ) السَّجْدَةَ (الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى) فِي أَقَلِّهَا وَأَكْمَلِهَا، وَإِنَّمَا شُرِعَ تَكْرَارُ السُّجُودِ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّوَاضُعِ

[حاشية الشبراملسي]

أَخَذَهُمَا غَايَةً لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْمَرْأَةِ الْبُلُوغُ (قَوْلُهُ لِمَا فِي تَفْرِيقِهِمَا) فِي نُسْخَةِ تَخْوِيتِهِمَا وَهِيَ التَّفْرِيقُ فَهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ (قَوْلُهُ: مِنْ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ) جَمْعُ رَجُلٍ وَهُوَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونُهُ مَعْرُوفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ إذَا احْتَلَمَ وَشَبَّ أَوْ هُوَ رَجُلٌ سَاعَةَ مَوْلِدِهِ اهـ أَيْ مِنْ سَاعَةِ مَوْلِدِهِ وَيَسْتَمِرُّ ذَلِكَ الِاسْمُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ) يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الِاسْتِمْسَاكُ يَقِلُّ مَعَ الضَّمِّ، وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقِيَامِ عَلَى مَا إذَا انْقَطَعَ بِالْكُلِّيَّةِ.

(قَوْلُهُ: نَظِيرِ مَا مَرَّ) أَيْ فِي الِاعْتِدَالِ مِنْ كَوْنِهِ رُكْنًا وَلَوْ فِي النَّافِلَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ: أَيْ فَكَذَا هُنَا (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ فِي الرُّكُوعِ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ غَيْرَهُ: أَيْ يَجِبُ أَنَّهُ إلَخْ (قَوْلُهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ) قَالَ حَجّ هُنَا: فَإِنَّ طُولَ أَحَدِهِمَا فَوْقَ ذَكَرِهِ الْمَشْرُوعِ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ فِي الِاعْتِدَالِ وَأَقَلُّ التَّشَهُّدِ فِي الْجُلُوسِ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (قَوْلُهُ: صُدُورُ قَدَمَيْهِ) الْمُرَادُ بِصُدُورِهِمَا أَطْرَافُ الْأَصَابِعِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّعْبِيرُ بِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُكْرَهُ الْإِقْعَاءُ مِنْ قَوْلِهِ وَقَدْ يُسَنُّ الْإِقْعَاءُ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِأَنْ يَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَأَلْيَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ اهـ (قَوْلُهُ: وَاضِعًا يَدَيْهِ) أَيْ نَدْبًا فَلَا يَضُرُّ إدَامَةُ وَضْعِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ إلَى السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ اتِّفَاقًا خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ فِيهِ اهـ حَجّ: أَيْ فَقَالَ إنَّ إدَامَتَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ (قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِنْ ذِكْرِ الْوَاوِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَيَنْشُرُ وَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَهُ عَنْهُ (قَوْلُهُ وَفِي تَحْرِيرِ الْجُرْجَانِيِّ يَقُولُ رَبِّ اغْفِرْ) أَيْ زِيَادَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَقْدِيمِهِ

[حاشية الرشيدي]

[الثَّامِنُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاة الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ]

قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِنْ ذِكْرِ الْوَاوِ) يَعْنِي: فِي قَوْلِهِ، وَيَنْشُرُ الْآتِي وَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَهُ عَنْهُ

وَأَنَّهُ لَمَّا تَرَقَّى فَقَامَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ وَأَتَى بِنِهَايَةِ الْخِدْمَةِ أَذِنَ لَهُ فِي الْجُلُوسِ فَسَجَدَ ثَانِيًا شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى اسْتِخْلَاصِهِ إيَّاهُ وَلِأَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا أَمَرَ بِالدُّعَاءِ فِيهِ وَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ حَقِيقٌ بِالْإِجَابَةِ سَجَدَ ثَانِيًا شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى إجَابَتِنَا لِمَا طَلَبْنَاهُ، كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ فِيمَنْ سَأَلَ مَلِكًا شَيْئًا فَأَجَابَهُ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا عُرِجَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى السَّمَاءِ فَمَنْ كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ قَائِمًا سَلَّمَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ ثُمَّ سَجَدُوا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى رُؤْيَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَنْ كَانَ رَاكِعًا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ سَلَّمُوا عَلَيْهِ ثُمَّ سَجَدُوا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى رُؤْيَتِهِ، فَلَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَلَائِكَةِ حَالٌ إلَّا وَجَعَلَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ حَالًا هُوَ مِثْلُ حَالِهِمْ، وَلِأَنَّ فِيهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ الْأَرْضِ وَسَيَعُودُ إلَيْهَا (وَالْمَشْهُورُ سَنُّ) (جِلْسَةٍ خَفِيفَةٍ) لِلِاسْتِرَاحَةِ (بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يَقُومُ عَنْهَا) بَعْدَ سُجُودٍ لِغَيْرِ تِلَاوَةٍ وَقَبْلَ قِيَامٍ بِقَدْرِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي عَشَرَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَأَمَّا خَبَرُ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ اسْتَوَى قَائِمًا» فَغَرِيبٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ.
وَالثَّانِي لَا تُسَنُّ لِخَبَرِ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ الْآتِي، وَلَا يَضُرُّ تَخَلُّفُ الْمَأْمُومِ لِأَجْلِهَا وَإِنْ كُرِهَ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ، بَلْ إتْيَانُهُ بِهَا حِينَئِذٍ سُنَّةٌ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ النَّقِيبِ وَغَيْرُهُ، وَبِهِ فَارَقَ مَا لَوْ تَخَلَّفَ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ بَطِيءَ النَّهْضَةِ وَالْإِمَامُ سَرِيعُهَا وَسَرِيعَ الْقِرَاءَةِ بِحَيْثُ يَفُوتُهُ بَعْضُ الْفَاتِحَةِ لَوْ تَأَخَّرَ لَهَا حَرُمَ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ، وَلَا تُسَنُّ لِلْقَاعِدِ كَمَا أَفْهَمَهُ قَوْلُهُ يَقُومُ عَنْهَا وَيَظْهَرُ سَنُّهَا فِي مَحَلِّ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ عِنْدَ تَرْكِهِ، وَفِي غَيْرِ الْعَاشِرَةِ لِمَنْ صَلَّى عَشْرَ رَكَعَاتٍ مَثَلًا بِتَشَهُّدٍ، وَيُكْرَهُ تَطْوِيلُهَا عَلَى الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ كَمَا فِي التَّتِمَّةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ:

[حاشية الشبراملسي]

عَلَى قَوْلِ رَبِّ هَبْ لِي قَلْبًا إلَخْ وَبَيْنَ تَأْخِيرِهِ عَنْهُ: أَيْ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُؤَخَّرٌ عَنْ قَوْلِهِ وَاعْفُ عَنِّي (قَوْلُهُ: شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى اسْتِخْلَاصِهِ) أَيْ إخْرَاجِهِ مِنْ الْخِدْمَةِ الَّتِي طَلَبَهَا مِنْهُ بِأَنْ أَعَانَهُ عَلَى وَفَائِهَا وَالْفَرَاغِ مِنْهَا.
(قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ سَنُّ جِلْسَةٍ) لَمْ يُبَيِّنْ كحج مَاذَا يَفْعَلُهُ فِي يَدَيْهِ حَالَةَ الْإِتْيَانِ بِهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَضَعَهُمَا قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَيَنْشُرَ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً لِلْقِبْلَةِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: بِقَدْرِ الْجُلُوسِ) ضَبْطٌ لِلْجِلْسَةِ الْخَفِيفَةِ، وَالْمُرَادُ أَصْلُ الْجُلُوسِ لَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُطَوِّلَهَا بِقَدْرِ الْجُلُوسِ الْمَطْلُوبِ بِالذِّكْرِ الْوَارِدِ فِيهِ (قَوْلُهُ: فِي عَشَرَةٍ) أَيْ مَعَ عَشَرَةٍ، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْعَشَرَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: 38] أَيْ مَعَ أُمَمٍ (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فِي أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ فِي آخِرِهِ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَمَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الْمُنَاوِيِّ عَلَى الْجَامِعِ أَنَّهُ بِجِيمٍ ثُمَّ حَاءٍ لَعَلَّهُ تَحْرِيفٌ أَوْ سَبْقُ قَلَمٍ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْبَكْرِيَّ ذَكَرَ مَا قُلْتُهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَسِيرٌ) قَدْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ طَوَّلَهَا ضَرَّ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ كَمَا قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي وَالْأَوْجَهُ (قَوْلُهُ: بَلْ إتْيَانُهُ إلَخْ) يُخَالِفُ قَوْلَهُ قَبْلُ وَإِنْ كُرِهَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ تَخَلُّفُ الْمَأْمُومِ وَإِنْ طَوَّلَهُ لِمَا يَأْتِي أَنَّ التَّطْوِيلَ مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ، فَيَكُونُ أَصْلُ التَّخَلُّفِ سُنَّةً وَلَا يَضُرُّ تَطْوِيلُهُ لَهُ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ، أَوْ يُقَالُ الْمَعْنَى وَإِنْ كُرِهَ التَّخَلُّفُ عَنْ الْإِمَامِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، ثُمَّ رَأَيْت فِي بَعْضِ النُّسَخِ إسْقَاطَ قَوْلِهِ وَإِنْ كُرِهَ وَعَلَيْهَا فَلَا إشْكَالَ (قَوْلُهُ وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ إذَا قَامَ لَا يَكُونُ مُتَخَلِّفًا بِعُذْرٍ بَلْ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَيَأْتِي فِيهِ مَا قِيلَ فِي الْمَسْبُوقِ إذَا اشْتَغَلَ بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ.
(قَوْلُهُ: عَدَمُ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِهِ) أَيْ بِالتَّطْوِيلِ وَظَاهِرُهُ إنْ طَالَ جِدًّا (قَوْلُهُ: لَمْ يُكْرَهْ) أَيْ التَّطْوِيلُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ لَمَّا عُرِجَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ) عِبَارَةُ الدَّمِيرِيِّ: وَرَوَى أَنَّهُ لَمَّا عُرِجَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنْ كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ قَائِمًا سَلَّمُوا عَلَيْهِ قِيَامًا ثُمَّ رَكَعُوا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى رُؤْيَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ رَاكِعًا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ مِنْ الرُّكُوعِ وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ ثُمَّ سَجَدُوا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى رُؤْيَتِهِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ سَاجِدًا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ ثُمَّ سَجَدُوا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَنْ رُؤْيَتِهِ، فَلِذَلِكَ صَارَ السُّجُودُ مَثْنَى مَثْنَى فَلَمْ يُرِدْ اللَّهُ إلَخْ، وَنَقَلَهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْقُرْطُبِيِّ

وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا فِي الْبَحْرِ وَالرَّوْنَقِ أَنَّهَا بِقَدْرِ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، إذْ لَوْ اقْتَضَى تَطْوِيلُهَا بُطْلَانَ الصَّلَاةِ لَمْ تَكُنْ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ إلَّا حَرَامًا، وَلِقَوْلِهِمْ تَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ يُبْطِلُ عَمْدُهُ فِي الْأَصَحِّ فَإِنَّهُ مُخَرَّجٌ لِتَطْوِيلِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ وَتَطْوِيلِ جُلُوسِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ: أَيْ فَلَا يُبْطِلُ عَمْدُهُمَا الصَّلَاةَ، وَإِنَّمَا أَبْطَلَهَا تَعَمُّدُ تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِمَوْضُوعِ جُزْئِهَا الْحَقِيقِيِّ الَّذِي تَنْتَفِي مَاهِيَتُهَا بِانْتِفَائِهِ فَأَشْبَهَ نَقْصَ الْأَرْكَانِ الطَّوِيلَةِ بِنُقْصَانِ بَعْضِهَا، وَلِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْمُوَالَاةِ وَلِأَنَّ مَحَلَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ كَوْنُهُ عِبَادَةً عَنْ الْعَادَةِ فَطُلِبَ فِيهِ ذِكْرٌ لِيَتَمَيَّزَ كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اهـ. وَإِفْتَاءُ الْبُلْقِينِيِّ بِبُطْلَانِهَا بِهِ وَدَعْوَى أَنَّ كَلَامَ التَّتِمَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ مَمْنُوعٌ، وَهِيَ فَاصِلَةٌ وَقِيلَ مِنْ الْأُولَى وَقِيلَ مِنْ الثَّانِيَةِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَمُدَّ التَّكْبِيرَ مِنْ رَفْعِهِ مِنْ السُّجُودِ إلَى قِيَامِهِ لَا أَنَّهُ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَتَيْنِ.

(التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ وَالْحَادِي عَشَرَ) مِنْ أَرْكَانِهَا (التَّشَهُّدُ) سُمِّيَ بِهِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ جُزْئِهِ (وَقُعُودُهُ) إذْ كُلُّ مَنْ أَوْجَبَهُ أَوْجَبَ الْقُعُودَ لَهُ (وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فِي آخِرِهِ وَالْقُعُودُ لَهَا (فَالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ إنْ عَقِبَهُمَا سَلَامٌ) فَهُمَا (رُكْنَانِ) فَشَمَلَ نَحْوَ الصُّبْحِ.
وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ التَّشَهُّدِ مَا صَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَقِيلَ مِنْ الْأُولَى) وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِي التَّعَالِيقِ (قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَمُدَّ التَّكْبِيرَ) وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَمُدَّهُ فَوْقَ سَبْعِ أَلِفَاتٍ وَإِلَّا بَطَلَتْ إنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: لَا أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ تَكْبِيرَتَيْنِ) الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْمَدَّ وَيُكَرِّرُ التَّكْبِيرَ، بَلْ أَنَّهُ حَيْثُ أَمْكَنَهُ الْمَدُّ أَتَى بِهِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ بَطِيءَ النَّهْضَةِ أَوْ أَطَالَ الْجُلُوسَ وَكَانَ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْمَدِّ إلَى الِانْتِصَابِ زَادَ فِيهِ عَلَى سَبْعِ أَلِفَاتٍ امْتَنَعَ الْمَدُّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَغِلَ بَعْدَ فَرَاغِ التَّكْبِيرِ الْمَشْرُوعِ بِذِكْرٍ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى الْقِيَامِ، وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ لَا يَشْتَغِلَ فِيهِ بِتَكْرِيرِ التَّكْبِيرِ لِأَنَّهُ رُكْنٌ قَوْلِيٌّ وَهُوَ مُبْطِلٌ عَلَى قَوْلٍ.

(قَوْلُهُ: إذْ كُلُّ مَنْ أَوْجَبَهُ) أَيْ التَّشَهُّدَ (قَوْلُهُ: عَقِبَهُمَا) بَابُهُ قَتَلَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ (قَوْلُهُ: فَهُمَا رُكْنَانِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ

[حاشية الرشيدي]

فِي كِتَابِ الزَّاهِرِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُرَادُ) لَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يَحْسُنُ مَرْجِعًا لِلضَّمِيرِ، وَعِبَارَةُ الْفَتَاوَى: الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ لِقَوْلِ الْمُتَوَلِّي يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ قُعُودُهُ فِيهَا بِقَدْرِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى.
وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا فِي الْبَحْرِ وَالرَّوْنَقِ أَنَّهَا بِقَدْرِ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهَا.
فَمَرْجِعُ الضَّمِيرِ فِيهَا الِاسْتِحْبَابُ: أَيْ فَتَقْدِيرُ الْبَحْرِ وَالرَّوْنَقِ بِمَا ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ لِلِاسْتِحْبَابِ لَا لِلْوُجُوبِ بِدَلِيلِ كَلَامِ الْمُتَوَلِّي (قَوْلُهُ إذْ لَوْ اقْتَضَى تَطْوِيلَهَا إلَخْ) عِلَّةٌ لِأَخْذِ عَدَمِ الْبُطْلَانِ مِنْ كَلَامِ التَّتِمَّةِ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ مَحَلَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ) هَذَا لَا مَوْقِعَ لَهُ هُنَا، وَإِنَّمَا سَاقَهُ وَالِدُهُ فِي الْفَتَاوَى نَقْلًا عَنْ الْبُلْقِينِيِّ الْقَائِلِ بِالْبُطْلَانِ بِتَطْوِيلِ جُلُوسِ الِاسْتِرَاحَةِ فِي مَقَامِ الرَّدِّ عَلَيْهِ، فَهُوَ دَلِيلٌ لِنَقِيضِ الْمَطْلُوبِ، وَعِبَارَةُ الْفَتَاوَى بَعْدَ الِاسْتِدْلَالِ لِعَدَمِ الْبُطْلَانِ بِمَا مَرَّ نَصُّهَا: وَبِمَا ذَكَرْته عُلِمَ رَدُّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ فِي التَّعَقُّبَاتِ إلَى أَنْ قَالَ: وَرَدَ مَا سَيَأْتِي عَنْ الْبُلْقِينِيِّ فَقَدْ سُئِلَ عَمَّا إذَا طَوَّلَ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ تَطْوِيلًا زَائِدًا عَلَى الْقَدْرِ الْمُسْتَحَبِّ، هَلْ نَقُولُ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ جَزْمًا أَوْ يُجْرَى فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ بِتَعَمُّدِ مَا ذُكِرَ مِنْ تَطْوِيلِ جُلُوسِ الِاسْتِرَاحَةِ، وَلَا يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي تَطْوِيلِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّ الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ.
الثَّانِي أَنَّ لَهُ ذِكْرًا يَخُصُّهُ، وَهُوَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ عَلَى الْأَصَحِّ لَا أَنَّهُ شُرِعَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَهُوَ بِخِلَافِ جُلُوسِ الِاسْتِرَاحَةِ، فَإِنَّهُ شُرِعَ لِمَعْنًى يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى مُسَمَّى الِاسْتِرَاحَةِ، فَإِذَا طَوَّلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ كَانَ ذَلِكَ فِعْلًا غَيْرَ مَشْرُوعٍ لَهُ حَصَلَ لَهُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ جَزْمًا انْتَهَى

[التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ وَالْحَادِي عَشَرَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاة التَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ]

(قَوْلُهُ فَهُمَا) لَا يَخْفَى أَنَّ تَقْدِيرَ هَذَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ رُكْنَانِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالْجُمْلَةُ

«كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» إلَى آخِرِهِ فَالتَّعْبِيرُ بِالْفَرْضِ وَالْأَمْرِ ظَاهِرَانِ فِي الْوُجُوبِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْجُلُوسُ لَهَا فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْقُبْهُمَا سَلَامٌ (فَسُنَّتَانِ) لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ، وَالصَّارِفُ عَنْ وُجُوبِهِمَا خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَلَمْ يَجْلِسْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ ثُمَّ سَلَّمَ» فَدَلَّ عَدَمُ تَدَارُكِهِمَا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِمَا (وَكَيْفَ قَعَدَ) فِي جِلْسَاتِ صَلَاتِهِ (جَازَ) وَلَكِنْ (يُسَنُّ فِي) جُلُوسِ تَشَهُّدِهِ (الْأَوَّلِ الِافْتِرَاشُ فَيَجْلِسُ عَلَى كَعْبِ يُسْرَاهُ) بِحَيْثُ يَلِي ظَهْرُهَا الْأَرْضَ (وَيَنْصِبُ يُمْنَاهُ) أَيْ قَدَمَهَا (وَيَضَعُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ) أَيْ بُطُونَهَا عَلَى الْأَرْضِ وَرُءُوسُهَا (لِلْقِبْلَةِ) لِمَا صَحَّ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَرَبُّعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَيَانٌ لِلْجَوَازِ.

(وَ) يُسَنُّ (فِي) التَّشَهُّدِ (الْأَخِيرِ) وَمَا انْضَمَّ إلَيْهِ (التَّوَرُّكُ وَهُوَ

[حاشية الشبراملسي]

حَذْفَ الْفَاءِ مِنْ جَوَابِ الشَّرْطِ الْأَسْمَى وَهُوَ قَلِيلٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأُشْمُونِيُّ عَنْ ابْنِ النَّاظِمِ وَبِأَنَّ الْمُبَرِّدَ أَجَازَهُ فِي الِاخْتِيَارِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا.
وَالْأَصْلُ فَالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ رُكْنَانِ إنْ عَقِبَهُمَا سَلَامٌ وَعَلَى هَذَا لَا تَجُوزُ الْفَاءُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَرُكْنَانِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ (قَوْلُهُ: كُنَّا نَقُولُ) اُنْظُرْ هَلْ كَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ أَوْ الْوُجُوبِ، وَهَلْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ أَوْ بِأَمْرٍ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهَلْ الْجُلُوسُ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْآخِرِ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ (قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا) اُسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ فَرْضَ التَّشَهُّدِ مُتَأَخِّرًا عَنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ، وَحِينَئِذٍ فَصَلَاةُ جِبْرِيلَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ الْجُلُوسُ فِيهَا مُسْتَحَبًّا أَوْ وَاجِبًا بِغَيْرِ ذِكْرٍ رَمْلِيٌّ اهـ زِيَادِيٌّ.
وَانْظُرْ فِي أَيِّ سَنَةٍ فُرِضَ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ شِهَابِ الدِّينِ الْقَلْيُوبِيِّ عَنْ الْمَحَلِّيِّ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ إلَخْ: أَيْ قَبْلَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ فِي الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ أَوْ الْمُتَعَيِّنُ اهـ. أَقُولُ: وَهَذَا بَحْثٌ مِنْهُ وَلَا دَخْلَ لِلْبَحْثِ فِي مِثْلِهِ، وَقَوْلُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ بِغَيْرِ ذِكْرٍ قَدْ يُقَالُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ ذِكْرٍ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ خُصُوصِ التَّشَهُّدِ وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنَّ ثَمَّ ذِكْرًا غَيْرَهُ وَاجِبًا (قَوْلُهُ قَبْلَ عِبَادِهِ) اُنْظُرْ هَلْ كَانَتْ مِنْ جُمُعَةِ صِيغَتِهِمْ الَّتِي يَأْتُونَ بِهَا أَوْ الْمُرَادُ مِنْهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ فَقَطْ ثُمَّ يُسَلِّمُونَ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْأَقْرَبُ هُوَ الثَّانِي (قَوْلُهُ: فَالتَّعْبِيرُ بِالْفَرْضِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ وَلَكِنْ قُولُوا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالْجُلُوسُ لَهَا) لَمْ يَجْعَلْ الْمُصَنِّفُ لِجُلُوسِ الصَّلَاةِ حُكْمًا مُسْتَقِلًّا، فَلَعَلَّهُ أَدْرَجَهُ فِي قُعُودِ التَّشَهُّدِ لِعَدَمِ تَمَيُّزِهِ عَنْهُ خَارِجًا وَلِاتِّصَالِهِ بِهِ (قَوْلُهُ: فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أَيْ فَرَغَ مِمَّا يُطْلَبُ قَبْلَ السَّلَامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ قَبْلَ السَّلَامِ (قَوْلُهُ: وَكَيْفَ قَعَدَ جَازَ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ بِالْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ فَيَجْلِسُ) الْفَاءُ لِلتَّفْسِيرِ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ بِأَنْ يَجْلِسَ عَلَى إلَخْ (قَوْلُهُ: وَيَضَعُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ) هَذِهِ الْمَسْنُونَاتُ هَلْ تُسَنُّ لِمَنْ لَا يُحْسِنُ التَّشَهُّدَ أَيْضًا؟ الْوَجْهُ نَعَمْ، وَهَلْ تُسَنُّ لِلْمُصَلِّي مُضْطَجِعًا إنْ أَمْكَنَ؟ الْوَجْهُ نَعَمْ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَيْسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ وَلِلتَّشَبُّهِ بِالْقَادِرِينَ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَفِيهِ عَلَى حَجّ: هَلْ يَطْلُبُ مَا يُمْكِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي حَقِّ مَنْ صَلَّى مُضْطَجِعًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا أَوْ أَجْرَى الْأَرْكَانَ عَلَى قَلْبِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُتَّجَهُ طَلَبُ ذَلِكَ وَالْمُتَّجَهُ أَيْضًا طَلَبُ وَضْعِ يَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ

[حاشية الرشيدي]

مِنْهُمَا جَوَابُ الشَّرْطِ، وَهُوَ وَجَوَابُهُ خَبَرُ قَوْلِهِ وَالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ بَلْ الْمُتَبَادَرُ أَنَّ قَوْلَهُ رُكْنَانِ هُوَ خَبَرُ قَوْلِهِ وَالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ (قَوْلُهُ: وَالْأَمْرُ) بِالرَّفْعِ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ وَالتَّعْبِيرُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّثْنِيَةُ فِي قَوْلِهِ ظَاهِرَانِ، وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ التَّعْبِيرُ فِي الْخَبَرِ بِمَادَّةِ الْأَمْرِ

كَالِافْتِرَاشِ لَكِنْ يُخْرِجُ يُسْرَاهُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ وَيُلْصِقُ وَرِكَهُ بِالْأَرْضِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْحِكْمَةُ فِي الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ أَنَّهَا أَقْرَبُ لِعَدَمِ اشْتِبَاهِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَلِأَنَّ الْمَسْبُوقَ إذَا رَآهُ عَلِمَ فِي أَيِّ التَّشَهُّدَيْنِ هُوَ، وَفِي التَّخْصِيصِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ مُسْتَوْفِزٌ فِي غَيْرِ الْأَخِيرِ وَالْحَرَكَةُ عَنْ الِافْتِرَاشِ أَهْوَنُ (وَالْأَصَحُّ يَفْتَرِشُ الْمَسْبُوقُ) فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ لِإِمَامِهِ لِاسْتِيفَازِهِ لِلْقِيَامِ (وَالسَّاهِي) فِي تَشَهُّدِهِ الْأَخِيرِ لِاحْتِيَاجِ الْأَوَّلِ لِلْقِيَامِ وَالثَّانِي لِسُجُودِ السَّهْوِ بِأَنْ أَرَادَهُ أَوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا أَوَّلَ جُلُوسِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا، خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ كَالْجَوْجَرِيِّ وَصَاحِبِ الْإِسْعَادِ نَظَرًا لِلْغَالِبِ مِنْ السُّجُودِ مَعَ قِيَامِ سَبَبِهِ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَاسَ عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ وَأَقَرَّهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ مَنْ طَافَ لِلْقُدُومِ لَا يُسَنُّ لَهُ الرَّمَلُ وَالِاضْطِبَاعُ، إلَّا إنْ قَصَدَ بَعْدَهُ بِأَنَّ سَبَبَ السُّجُودِ هُنَا قَائِمٌ وَلَمْ يَقْصِدْ مُخَالَفَتَهُ فُرُوعِي بِخِلَافِهِ ثَمَّ، فَإِنَّ سَبَبَ الرَّمَلِ وَنَحْوِهِ قَصْدُ السَّعْيِ لَا غَيْرُ فَانْتَفَى السَّبَبُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ أَمَّا إذَا قَصَدَ عَدَمَ السُّجُودِ فَيَتَوَرَّكُ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يَتَوَرَّكَانِ: الْأَوَّلُ مُتَابَعَةً لِإِمَامِهِ، وَالثَّانِي لِأَنَّهُ قُعُودٌ لِآخِرِ الصَّلَاةِ (وَيَضَعُ فِيهِمَا) أَيْ فِي التَّشَهُّدَيْنِ وَمَا مَعَهُمَا (يُسْرَاهُ عَلَى طَرَفِ رُكْبَتَيْهِ) الْيُسْرَى بِحَيْثُ تَسَامَتْ رُءُوسُهَا الرُّكْبَةَ (مَنْشُورَةَ الْأَصَابِعِ) فِي صَوْبِ الْقِبْلَةِ لِلِاتِّبَاعِ (بِلَا ضَمٍّ) بَلْ يُفَرِّجُهَا تَفْرِيجًا وَسَطًا، وَلَا يَضُرُّ فِي أَصْلِ السُّنَّةِ فِيمَا يَظْهَرُ انْعِطَافُ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ عَنْ الرُّكْبَتَيْنِ.
وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ مَنْعُ يَدَيْهِ عَنْ الْعَبَثِ مَعَ كَوْنِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ أَقْرَبَ إلَى التَّوَاضُعِ (قُلْت: الْأَصَحُّ الضَّمُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِتَتَوَجَّهَ جَمِيعُهَا إلَى الْقِبْلَةِ إذْ تَفْرِيجُهَا يُزِيلُ الْإِبْهَامَ عَنْ الْقِبْلَةِ، وَمَا تَقَرَّرَ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ حَتَّى لَوْ صَلَّى دَاخِلَ الْبَيْتِ ضَمَّ جَمِيعَهَا مَعَ تَوَجُّهِ الْكُلِّ لِلْقِبْلَةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ لَا يُحْسِنُ التَّشَهُّدَ أَوْ صَلَّى مُضْطَجِعًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا حَيْثُ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ (وَيَقْبِضُ مِنْ يُمْنَاهُ) بَعْدَ وَضْعِهَا عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى (الْخِنْصَرِ وَالْبِنْصِرِ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا

[حاشية الشبراملسي]

تَحْتَ صَدْرِهِ حَالَ قِرَاءَتِهِ فِي حَالَتَيْ الِاضْطِجَاعِ وَالِاسْتِلْقَاءِ أَيْضًا اهـ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ هَذِهِ الْمَسْنُونَاتُ مَا يَشْمَلُ مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَيَقْبِضُ مِنْ يُسْرَاهُ إلَخْ.

(قَوْلُهُ: وَالْحِكْمَةُ فِي الْمُخَالَفَةِ) ع قِيلَ يُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْخَلِيفَةِ الْمَسْبُوقُ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ مُتَوَرِّكًا مُحَاكَاةً لَفِعْلِ أَصْلِهِ اهـ. وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ: وَالسُّنَّةُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ التَّوَرُّكُ إلَّا لِمَسْبُوقٍ تَابَعَ إمَامَهُ أَوْ اسْتَخْلَفَهُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَعِبَارَةُ حَجّ قُبَيْلَ بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ نَصُّهَا: نَعَمْ لَوْ قَامَ الْإِمَامُ مِنْهُ: أَيْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَخَلْفَهُ مَسْبُوقٌ لَيْسَ مَحَلُّ تَشَهُّدِهِ الْأَوَّلِ فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَرْفَعُ تَبَعًا لَهُ، وَقَوْلُهُ يَرْفَعُ: أَيْ يَدَيْهِ عِنْدَ الْقِيَامِ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَرْقِ مُتَابَعَتِهِ فِي التَّوَرُّكِ بِأَنَّ حِكْمَةَ الِافْتِرَاشِ مِنْ سُهُولَةِ الْقِيَامِ عَنْهُ مَوْجُودَةٌ فِيهِ فَقُدِّمَتْ رِعَايَتُهَا عَلَى الْمُتَابَعَةِ بِخِلَافِهِ هُنَا (قَوْلُهُ: وَفِي التَّخْصِيصِ) أَيْ تَخْصِيصِ الْأَوَّلِ بِالِافْتِرَاشِ وَالْأَخِيرِ بِالتَّوَرُّكِ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ يَفْتَرِشُ الْمَسْبُوقُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ خَلِيفَةً وَمَرَّ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ) أَيْ فِيمَا إذَا لَمْ يُرِدْ شَيْئًا (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا قَصَدَ عَدَمَ السُّجُودِ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ لِتَمَكُّنِهِمَا مِنْ تَرْكِ السُّجُودِ، أَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ لِوُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ لِإِمَامِهِ، فَحَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ حَالِ إمَامِهِ شَيْئًا افْتَرَشَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إتْيَانُ الْإِمَامِ بِهِ (قَوْلُهُ فَيَتَوَرَّكُ) أَيْ فَلَوْ عَنَّ لَهُ إرَادَةُ السُّجُودِ افْتَرَشَ اهـ سم عَلَى حَجّ: أَيْ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى انْحِنَاءٍ يَصِلُ بِهِ إلَى رُكُوعِ الْقَاعِدِ لِتَوَلُّدِهِ مِنْ مَأْمُورٍ بِهِ (قَوْلُهُ: وَمَا تَقَرَّرَ) أَيْ مِنْ أَنَّ التَّفْرِيجَ يُزِيلُ الْإِبْهَامَ عَنْ الْقِبْلَةِ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ مَنْ تَشَهَّدَ جَالِسًا فِي وَضْعِ يَدَيْهِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ صَلَّى مُضْطَجِعًا) أَيْ فَيَضَعُهَا مَضْمُومَةً عَلَى فَخِذَيْهِ حَالَ اضْطِجَاعِهِ وَاسْتِلْقَائِهِ (قَوْلُهُ: جَازَ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ بِأَنْ كَانَ فِي النَّفْلِ وَصَلَّى مُضْطَجِعًا وَلَوْ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ، أَوْ فِي الْفَرْضِ أَوْ النَّفْلِ مُسْتَلْقِيًا وَهُوَ عَاجِزٌ فِيهِمَا (قَوْلُهُ: بَعْدَ وَضْعِهَا) أَيْ مَنْشُورَةَ الْأَصَابِعِ (قَوْلُهُ: الْخِنْصَرُ) قَالَ الْفَارِسِيُّ: الْفَصِيحُ فَتْحُ صَادِّ الْخِنْصَرِ اهـ عَمِيرَةُ وَلَعَلَّ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: لِاحْتِيَاجِ الْأَوَّلِ لِلْقِيَامِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ لِاسْتِيفَازِهِ لِلْقِيَامِ

وَثَالِثِهِمَا (وَكَذَا الْوُسْطَى فِي الْأَظْهَرِ) لِلِاتِّبَاعِ، وَالثَّانِي يُحَلِّقُ بَيْنَ الْوُسْطَى وَالْإِبْهَامِ (وَيُرْسِلُ الْمُسَبِّحَةَ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهِيَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا إلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ وَتُسَمَّى أَيْضًا السَّبَّابَةَ لِكَوْنِهِ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ الْمُخَاصَمَةِ وَالسَّبِّ (وَيَرْفَعُهَا) أَيْ مَعَ إمَالَتِهَا قَلِيلًا كَمَا قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ (عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ) بِأَنْ يَبْتَدِئَ بِهِ عِنْدَ الْهَمْزَةِ لِلِاتِّبَاعِ فِي ذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَيَقْصِدُ أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ لِيَجْمَعَ فِي اعْتِقَادِهِ وَقَوْلِهِ فِعْلَهُ، وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ رَفْعُهَا لِلْقِبْلَةِ وَأَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْإِخْلَاصَ فِي التَّوْحِيدِ وَأَنْ يُقِيمَهَا وَلَا يَضَعَهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ صَرِيحٌ فِي بَقَائِهَا مَرْفُوعَةً إلَى الْقِيَامِ أَوْ السَّلَامِ، وَمَا بَحَثَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ مِنْ إعَادَتِهَا مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ وَخُصَّتْ الْمُسَبِّحَةُ بِذَلِكَ لِأَنَّ لَهَا اتِّصَالًا بِنِيَاطِ الْقَلْبِ فَكَأَنَّهَا سَبَبٌ لِحُضُورِهِ (وَلَا يُحَرِّكُهَا) أَيْ لَا يُسْتَحَبُّ بَلْ يُكْرَهُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ حَرَّمَهُ وَأَبْطَلَ بِهِ، وَقِيلَ يُسَنُّ لِلِاتِّبَاعِ فِيهِمَا وَالْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَتَقَدَّمَ الْأَوَّلُ النَّافِي عَلَى الثَّانِي الْمُثْبِتِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ انْتَهَى وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْإِثْبَاتِ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَتَقْدِيمُهُمْ النَّافِي لِمُوَافَقَتِهِ الْأَصْلَ مِنْ

[حاشية الشبراملسي]

اقْتِصَارَ الشَّارِحِ عَلَى مَا ذُكِرَ إشَارَةٌ إلَى ضَعْفِ مَا قَالَهُ الْفَارِسِيُّ.
وَفِي الْقَامُوسِ: الْخِنْصَرُ وَتُفْتَحُ الصَّادُ الْأُصْبُعُ الصُّغْرَى أَوْ الْوُسْطَى مُؤَنَّثٌ اهـ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ إلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُطْلَبُ الْإِشَارَةُ بِهَا عِنْدَ التَّسْبِيحِ وَعِنْدَ التَّوْحِيدِ الْمَأْتِيِّ بِهِ فِي غَيْرِ التَّشَهُّدِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: أَيْ مَعَ إمَالَتِهَا) أَيْ لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ فِي حَالَةِ الرَّفْعِ قَلِيلًا (قَوْلُهُ بِأَنْ يَبْتَدِئَ بِهِ) أَيْ الرَّفْعِ عِنْدَ الْهَمْزَةِ أَيْ هَمْزَةِ إلَّا اللَّهَ اهـ حَجّ.
وَسُئِلَ شَيْخُنَا الْمُؤَلِّفُ عَمَّنْ خُلِقَ لَهُ سَبَّابَتَانِ وَاشْتَبَهَتْ الزَّائِدَةُ بِالْأَصْلِيَّةِ هَلْ يُشِيرُ بِهِمَا؟ فَأَجَابَ الْقِيَاسُ الْإِشَارَةُ بِهِمَا فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ اهـ كَذَا بِهَامِشٍ وَهُوَ قَرِيبٌ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَتَا أَصْلِيَّتَيْنِ فَيُشِيرُ بِهِمَا، وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ خُلِقَ لَهُ رَأْسَانِ أَصْلِيَّانِ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِمَسْحِ بَعْضِ أَحَدِهِمَا بِأَنَّ السَّبَّابَتَيْنِ لَمَّا نَزَلَتَا مَنْزِلَةَ سَبَّابَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يُكْتَفَ بِإِحْدَاهُمَا، بِخِلَافِ الرَّأْسَيْنِ فَإِنَّهُمَا وَإِنْ نَزَلَا مَنْزِلَةَ رَأْسٍ وَاحِدٍ لَكِنَّ الرَّأْسَ يُكْتَفَى بِمَسْحِ بَعْضِهِ (قَوْلُهُ: لِيَجْمَعَ فِي اعْتِقَادِهِ) عِبَارَةُ حَجّ: لِيَجْمَعَ فِي تَوْحِيدِهِ بَيْنَ اعْتِقَادِهِ إلَخْ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ (قَوْلُهُ: مَرْفُوعَةً إلَى الْقِيَامِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: أَوْ السَّلَامُ) هَلْ الْمُرَادُ بِهِ تَمَامُ التَّسْلِيمَتَيْنِ أَوْ تَمَامُ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِهَا مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مِنْ تَوَابِعِ الصَّلَاةِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ الْأُولَى حَرُمَ الْإِتْيَانُ بِالثَّانِيَةِ، لَكِنْ فِي حَجّ مَا نَصُّهُ: وَلَا يَضَعُهَا إلَى آخِرِ التَّشَهُّدِ اهـ. وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّهُ يَضَعُهَا حَيْثُ تَمَّ التَّشَهُّدُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى.
وَيُمْكِنُ رَدُّ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ إلَى مَا قَالَهُ حَجّ يُجْعَلُ السَّلَامُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ خَارِجًا بِنَاءً عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَنَّ الْغَايَةَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْمُغَيَّا (قَوْلُهُ: مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ) أَيْ الْمَذْكُورِ لِقَوْلِهِ وَأَنْ يُقِيمَهَا وَلَا يَضَعَهَا، وَهُوَ إنْ لَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ أَحَدٍ لَكِنَّ سِيَاقَهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْقُولَ الْأَصْحَابِ.
وَعِبَارَةُ حَجّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ نَصُّهَا: وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ نَصْرٍ وَسُنَّ أَنْ يُقِيمَهَا وَلَا يَضَعَهَا وَظَاهِرُهَا بَقَاؤُهَا مَرْفُوعَةً إلَخْ اهـ. فَقَوْلُ الشَّارِحِ مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ دَوَامِ الرَّفْعِ هُوَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخِ نَصْرٍ الْمَقْدِسِيَّ فَكَأَنَّهُ مَنْقُولٌ (قَوْلُهُ: اتِّصَالًا بِنِيَاطِ الْقَلْبِ) أَيْ عِرْقِهِ: وَفِي الْمِصْبَاحِ: وَالنِّيَاطُ بِالْكَسْرِ عِرْقٌ مُتَّصِلٌ بِالْقَلْبِ اهـ (قَوْلُهُ: لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ) مِنْهُ أَنَّ التَّحْرِيكَ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ بِرّ.
وَقَوْلُهُ وَقِيلَ يُحَرِّكُهَا لِلِاتِّبَاعِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالتَّحْرِيكِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هُوَ الرَّفْعُ بِرّ.
أَقُولُ: لَمَّا كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَالْعَمَلُ بِهِمَا أَوْلَى مِنْ تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ حَمَلْنَا التَّحْرِيكَ عَلَى الرَّفْعِ جَمْعًا بَيْنَهُمَا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَمْلَ أَنَّ تَرْكَ التَّحْرِيكِ أَنْسَبُ بِالْخُشُوعِ الْمَطْلُوبِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ أَيْ لَكِنَّهُ يُحِيلُ الْخِلَافَ (قَوْلُهُ: وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ)

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى ذَلِكَ) أَيْ إجْمَالًا فِي قَوْلِهِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ وَإِلَّا، فَهُوَ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ

السُّكُونِ فِي الصَّلَاةِ وَعَدَمِ الْحَرَكَةِ لِكَوْنِهَا تُذْهِبُ الْخُشُوعَ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ عَبَثٍ وَالصَّلَاةُ مَصُونَةٌ عَنْهُ مَا أَمْكَنَ، وَلَوْ قُطِعَتْ يُمْنَاهُ كُرِهَتْ إشَارَتُهُ بِيُسْرَاهُ لِفَوَاتِ سُنَّةِ بَسْطِهَا لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ سُنَّةٍ فِي مَحَلِّهَا لِأَجْلِ سُنَّةٍ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا كَمَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ لَا يَأْتِي بِهِ فِي الْأَخِيرَةِ (وَالْأَظْهَرُ ضَمُّ الْإِبْهَامِ إلَيْهَا) أَيْ الْمُسَبِّحَةِ (كَعَاقِدٍ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ) بِأَنْ يَضَعَهَا تَحْتَهَا عَلَى طَرَفِ رَاحَتِهِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكَوْنُ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِ الْحُسَّابِ، وَأَكْثَرُهُمْ يُسَمُّونَهَا تِسْعَةً وَخَمْسِينَ، وَآثَرَ الْفُقَهَاءُ الْأَوَّلَ تَبَعًا لِلَّفْظِ الْخَبَرِ، وَلَوْ أَرْسَلَ الْإِبْهَامَ وَالسَّبَّابَةَ مَعًا أَوْ قَبَضَهَا فَوْقَ الْوُسْطَى أَوْ حَلَّقَ بَيْنَهُمَا بِرَأْسَيْهِمَا أَوْ بِوَضْعِ أُنْمُلَةِ الْوُسْطَى بَيْنَ عُقْدَتَيْ الْإِبْهَامِ أَتَى بِالسُّنَّةِ وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ، فَعُلِمَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَفْضَلِ فَقَطْ لِوُرُودِ الْجَمِيعِ لَكِنَّ رُوَاةَ الْأَوَّلِ أَفْقَهُ

(وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرْضٌ فِي التَّشَهُّدِ الْآخَرِ) وَهُوَ الَّذِي يَعْقُبُهُ سَلَامٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِصَلَاتِهِ سِوَى وَاحِدٍ كَالصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ فَالتَّعْبِيرُ بِالْآخَرِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 56] وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَتَعَيَّنَ

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ إجْمَالًا لِقَوْلِهِ لَمَّا قَامَ عِنْدَهُمْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قُطِعَتْ يُمْنَاهُ) أَيْ أَوْ سَبَّابَتُهُ اهـ حَجّ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ لِفَوَاتٍ إلَخْ أَنَّهُ لَوْ خُلِقَ لَهُ سَبَّابَتَانِ إحْدَاهُمَا أَصْلِيَّةٌ ثُمَّ قُطِعَتْ وَبَقِيَتْ الزَّائِدَةُ أَنَّهُ لَا يُشِيرُ بِهَا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ سَنُّ قَبْضِهَا مَعَ بَقِيَّةِ الْأَصَابِعِ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِيَّةِ فَتُسَنُّ إدَامَةُ مَا ثَبَتَ لَهَا قَبْلَ قَطْعِ الْأَصْلِيَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشِيرَ بِهَا لِكَوْنِهَا عَلَى صُورَةِ الْأَصْلِيَّةِ فَتَنْزِلُ مَنْزِلَتُهَا وَلِاتِّصَالِهَا بِالْأَصْلِيَّةِ نَزَلَتْ مَنْزِلَةَ الْجُزْءِ مِنْهَا عِنْدَ فَقْدِهَا (قَوْلُهُ: عَلَى طَرَفِ رَاحَتِهِ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْإِرْشَادِ لحج بِأَنْ يَضَعَ رَأْسَ الْإِبْهَامِ عِنْدَ أَسْفَلِهَا عَلَى حَرْفِ الرَّاحَةِ اهـ. فَيُقَدَّرُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مُضَافٌ بِأَنْ يَضَعَ رَأْسَهَا إلَخْ، وَعِبَارَتُهُ هُنَا بِأَنْ يَجْعَلَ رَأْسَ الْإِبْهَامِ عِنْدَ أَسْفَلِهَا عَلَى طَرَفِ رَاحَتِهِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقِيلَ بِأَنْ يَجْعَلَهُ مَقْبُوضَةً تَحْتَ الْمُسْبَحَةِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَكْثَرُهُمْ يُسَمُّونَهَا إلَخْ) عِبَارَةُ الشَّيْخِ عَمِيرَةَ نَقْلًا عَنْ الْإِسْنَوِيِّ عَنْ صَاحِبِ الْإِقْلِيدِ أَنَّهُ أَجَابَ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ وَضْعِ الْخِنْصَرِ عَلَى الْبِنْصِرِ فِي عَقْدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ طَرِيقَةُ أَقْبَاطِ مِصْرَ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَا يَشْتَرِطُونَ فِيهَا ذَلِكَ اهـ. أَقُولُ: وَلَا يُنَافِيهِ كَلَامُ الشَّارِحِ لِجَوَازِ أَنَّهُ أَرَادَ بِبَعْضِ الْحِسَابِ أَقْبَاطَ مِصْرَ، لَكِنَّ قَوْلَهُ فَلَا يَشْتَرِطُونَ فِيهَا ذَلِكَ صَادِقٌ بِمَا إذَا وَضَعَهَا كَذَلِكَ، وَمَا إذَا لَمْ يَضَعْهَا فَيُنَافِي قَوْلَهُ وَأَكْثَرُهُمْ يُسَمُّونَهَا تِسْعَةً وَخَمْسِينَ وَيَشْتَرِطُونَ فِي الثَّلَاثَةِ وَالْخَمْسِينَ أَنْ يَضَعَ الْخِنْصَرَ عَلَى الْبِنْصِرِ.
ثُمَّ أَجَابَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِقَوْلِهِ: وَعَلَيْهِ يَكُونُ لِتِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ هَيْئَةٌ أُخْرَى، أَوْ تَكُونُ الْهَيْئَةُ الْوَاحِدَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ عَدَدَيْنِ فَتَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَرْسَلَ الْإِبْهَامَ) هَذِهِ الْأَحْوَالُ هِيَ مُقَابِلُ الْأَظْهَرِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ فَعُلِمَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَفْضَلِ، وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ فِي بَيَانِ مُقَابِلِ الْأَظْهَرِ وَالثَّانِي يَضَعُ الْإِبْهَامَ عَلَى الْوُسْطَى الْمَقْبُوضَةِ كَعَاقِدٍ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ لِلِاتِّبَاعِ اهـ (قَوْلُهُ: أَتَى بِالسُّنَّةِ) وَلَمْ يُبَيِّنْ أَيَّهَا أَفْضَلَ بَعْدَ الْأُولَى، وَقَدْ اقْتَصَرَ فِي مُقَابِلِ الْأَظْهَرِ السَّابِقِ عَلَى التَّحْلِيقِ فَلَعَلَّهُ أَفْضَلُ (قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ) قَالَ حَجّ فِي شَرْحِ الْحَضْرَمِيَّةِ تَوْجِيهًا لِحُصُولِ السُّنَّةِ بِكُلِّ ذَلِكَ لِوُرُودِ جَمِيعِ ذَلِكَ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ لِأَنَّ رُوَاتَهُ أَفْقَهُ اهـ. وَمِثْلُهُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: طَرِيقَةٌ لِبَعْضِ الْحِسَابِ إلَخْ) نَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْإِقْلِيدِ أَنَّ اشْتِرَاطَ وَضْعِ الْخِنْصَرِ عَلَى الْبِنْصِرِ فِي تَحَقُّقِ كَيْفِيَّةِ عَقْدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ إنَّمَا هُوَ طَرِيقَةُ أَقْبَاطِ مِصْرَ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ، فَلَا يَشْتَرِطُونَ فِيهَا ذَلِكَ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَسْلِيمِ الِاعْتِرَاضِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ التَّشْبِيهَ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ إنَّمَا وَقَعَ فِي مُجَرَّدِ ضَمِّ الْإِبْهَامِ إلَى الْمُسَبِّحَةِ كَأَنَّهُ قَالَ: ضَمُّ الْإِبْهَامِ إلَيْهَا كَمَا يَضُمُّهَا إلَيْهَا عَاقِدُ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ، فَلَيْسَ فِي عِبَارَتِهِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ يَأْتِي بِجَمِيعِ الْهَيْئَةِ فَتَدَبَّرْ

(قَوْلُهُ: جَرَى عَلَى الْغَالِبِ) يُقَالُ: عَلَيْهِ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْآخِرِ مَا ذَكَرَهُ لَا يَكُونُ التَّعْبِيرُ بِهِ جَرْيًا عَلَى الْغَالِبِ، فَكَانَ الْأَوْلَى إبْدَالَ الْفَاءِ

وُجُوبُهَا فِيهَا وَالْقَائِلُ بِوُجُوبِهَا مَرَّةً فِي غَيْرِهَا مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ، وَالْقَائِلُ بِذَلِكَ لَمْ يَنْظُرْ لِقَوْلِ الْحَلِيمِيِّ وَجَمَعَ بِهِ، وَمَعَ تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ فَلَا مَانِعَ مِنْ وُجُوبِهَا فِيهَا لِدَلِيلَيْنِ، وَصَحَّ «أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْك، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْك فِي صَلَاتِنَا؟ فَقَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ» إلَى آخِرِهِ، خَرَجَ الزَّائِدُ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي بِالْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ وُجُوبُهَا، وَصَحَّ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ مِنْ الدُّعَاءِ» وَصَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «يَتَشَهَّدُ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بَعْدُ» فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِهَا وَمَحَلِّهَا.
وَرَوَى أَبُو عَوَانَةَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ فَعَلَهَا فِي تَشَهُّدِهِ الْأَخِيرِ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ تَرَكَهَا فِيهِ، فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ شَذَّ حَيْثُ أَوْجَبَهَا وَلَا سَلَفَ لَهُ فِي سُنَّةٍ فِي ذَلِكَ يَتَّبِعُهَا فَقَدْ غَلِطَ، إذَا إيجَابُهَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا وَلَا مَصْلَحَةً رَاجِحَةً، بَلْ وَافَقَهُ عَلَى قَوْلِهِ عِدَّةٌ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ كَعُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَكَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ وَالشَّعْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ الْأَخِيرُ وَإِسْحَاقَ وَقَوْلٌ لِمَالِكٍ، وَاعْتَمَدَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي سِرَاجِ الْمَرِيدِينَ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يُوجِبُونَهَا فِي التَّشَهُّدِ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ:

[حاشية الشبراملسي]

فِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ.

(قَوْلُهُ: وَالْقَائِلُ بِذَلِكَ) أَيْ بِأَنَّهُ مَحْجُوجٌ (قَوْلُهُ وَجَمَعَ بِهِ) أَيْ أَنَّهُ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّمَا ذَكَرَ (قَوْلُهُ: فَلَا مَانِعَ مِنْ وُجُوبِهَا) وَهَلْ الْقَائِلُ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً أَوْ كُلَّمَا ذَكَرَ يُجْرِيهِ فِي السَّلَامِ أَيْضًا بِدَلِيلِ كَرَاهَةِ إفْرَادِهِ فِيهَا أَوَّلًا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عِنْدَهُ فِي وُجُوبِهَا دُونَ السَّلَامِ (قَوْلُهُ: لِدَلِيلَيْنِ) هُمَا قَوْلُهُ صَلُّوا عَلَيْهِ عَلَى مَا بَيَّنَ بِهِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْحَلِيمِيُّ كَغَيْرِهِ عَلَى وُجُوبِهَا مُطْلَقًا، أَوْ قَوْلُهُ وَصَحَّ أَمَرَنَا اللَّهُ إلَخْ وَلَعَلَّهُ الْأَقْرَبُ (قَوْلُهُ: فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِ رَبِّهِ) أَيْ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْقِرَاءَةِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَمْدِ الثَّنَاءُ الَّذِي هُوَ مَعْنَاهُ لُغَةً، فَقَوْلُهُ بَعْدَهُ وَالثَّنَاءُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ الْعَلْقَمِيُّ قَوْلَهُ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ» : أَيْ فِي تَشَهُّدِهِ إذَا جَلَسَ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا فِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «كُنْت أُصَلِّي وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْت بَدَأْت بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ دَعَوْت لِنَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سَلْ تُعْطَهُ» اهـ. وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ الْعَلْقَمِيُّ قَوْلُهُ وَصَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: يُوجِبُونَهَا فِي التَّشَهُّدِ) قَالَ الزِّيَادِيُّ: بَلْ لَمْ يُحْفَظْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ غَيْرُ النَّخَعِيّ تَصْرِيحٌ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا

[حاشية الرشيدي]

بِأَوْ لِيَكُونَ جَوَابًا ثَانِيًا (قَوْلُهُ: وَالْقَائِلُ بِذَلِكَ) يَعْنِي: بِأَنَّهُ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَالضَّمِيرُ فِي لِوُجُوبِهَا مَرَّةً: أَيْ، وَالْقَائِلُ بِأَنَّ الْقَائِلَ بِوُجُوبِهَا مَرَّةً مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ لَا يَنْظُرُ إلَى قَوْلِ الْحَلِيمِيِّ، وَالْجَمْعُ الْمَذْكُورُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَحْجُوجُونَ بِالْإِجْمَاعِ وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ الرَّدُّ عَلَى الشِّهَابِ حَجّ فِي الْإِمْدَادِ حَيْثُ نَظَرَ فِي كَوْنِ الْقَائِلِ بِذَلِكَ مَحْجُوجًا بِالْإِجْمَاعِ بِأَنَّهُ قَالَ بِهِ الْحَلِيمِيُّ وَجَمْعٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ وَعِبَارَتُهُ، وَالْقَائِلُ بِوُجُوبِهَا مَرَّةً فِي غَيْرِهَا مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ قَالَ بِهِ الْحَلِيمِيُّ وَجَمْعٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ قَالَ عَقِبَهُ: وَعَلَى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ، فَلَا مَانِعَ مِنْ وُجُوبِهَا خَارِجَهَا وَفِيهَا لِدَلِيلَيْنِ انْتَهَى.
وَظَاهِرٌ أَنَّ إيرَادَهُ هَذَا عَقِبَ النَّظَرِ إنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ تَقْوِيَةٌ لَهُ كَمَا هُوَ حَقُّ السِّيَاقِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَعَلَى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ وَأَنَّهُ لَا نَظَرَ فِيهِ، فَلَا مَانِعَ إلَخْ، فَهُوَ بِخِلَافِ مَا يُفْهِمُهُ سِيَاقُ الشَّارِحِ، فَلْيُنْظَرْ مَا مُرَادُهُمَا بِهَذَا وَمَا مُرَادُهُمَا بِالدَّلِيلَيْنِ.
وَفِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ هُنَا مَا لَا يُشْفَى، إذْ حَاصِلُهُ مُحَاوَلَةُ تَحْصِيلِ دَلِيلَيْنِ يَنْزِلُ عَلَيْهِمَا كَلَامُهُمَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ارْتِبَاطِ الْكَلَامِ بِبَعْضِهِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَصَحَّ: إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِ رَبِّهِ إلَخْ) أَعْقَبَ هَذَا فِي الْإِمْدَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي هَذِهِ السِّوَادَةِ عِبَارَتُهُ بِمَا لَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ إلَّا بِهِ، وَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ ذِكْرُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ ذَاتُ الْأَرْكَانِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْبَغَوِيّ فِي الْمَصَابِيحِ «إذَا صَلَّيْت فَقَعَدْت فَاحْمَدْ اللَّهَ

لَوْ سَلَّمَ تَفَرُّدُهُ بِذَلِكَ لَكَانَ حَبَّذَا التَّفَرُّدُ (وَالْأَظْهَرُ سَنُّهَا فِي الْأَوَّلِ) بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِيهِ بَعْدَهُ تَبَعًا لَهُ لِكَوْنِهِ ذِكْرًا يَجِبُ فِي الْآخَرِ فَاسْتُحِبَّ فِي الْأَوَّلِ كَالتَّشَهُّدِ وَالثَّانِي لَا تُسَنُّ فِيهِ لِبِنَائِهِ عَلَى التَّخْفِيفِ (وَلَا تُسَنُّ) الصَّلَاةُ (عَلَى الْآلِ فِي) التَّشَهُّدِ (الْأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ) لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ.
وَالثَّانِي تُسَنُّ فِيهِ كَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ إذْ لَا تَطْوِيلَ فِي ذَلِكَ.
وَسَيَأْتِي تَعْرِيفُ الْآلِ فِي كِتَابِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(وَتُسَنُّ فِي) التَّشَهُّدِ (الْآخَرِ) لِمَا صَحَّ مِنْ الْأَمْرِ بِهَا فِيهِ (وَقِيلَ تَجِبُ) فِيهِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ كَمَا حَكَاهُ فِي الْبَيَانِ عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ (وَأَكْمَلُ التَّشَهُّدِ مَشْهُورٌ) وَرَدَ فِيهِ أَخْبَار صَحِيحَةٌ اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ مِنْهَا خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ فَكَانَ يَقُولُ: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ تَفَرُّدُهُ) أَيْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (قَوْلُهُ: لَكَانَ حَبَّذَا التَّفَرُّدُ) أَيْ لَكَانَ هَذَا التَّفَرُّدُ مَحْمُودًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ) فِي أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْلِسُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كَأَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ» وَالرَّضْفُ: الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ عَمِيرَةُ، وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ فِي فَصْلِ الرَّاءِ مَعَ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ: الرَّضْفُ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ الْوَاحِدَةُ رَضْفَةٌ مِثْلُ تَمْرٍ وَتَمْرَةٍ وَبَابُهُ ضَرَبَ.

(قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَشَهُّدُ ابْنِ عَبَّاسٍ) اُنْظُرْ وَجْهَ الْأَفْضَلِيَّةِ مَعَ كَوْنِ الْأَوَّلِ أَصَحَّ، وَلَعَلَّ وَجْهَهَا اشْتِمَالُهُ عَلَى زِيَادَةِ الْمُبَارَكَاتِ ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى مَنْهَجٍ.
قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: قَالَ النَّوَوِيُّ: وَكُلُّهَا مُجْزِئَةٌ يَتَأَدَّى بِهَا الْكَمَالُ وَأَصَحُّهَا خَبَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَشَهُّدُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِزِيَادَةِ لَفْظِ الْمُبَارَكَاتِ فِيهِ وَلِمُوَافَقَتِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: 61] وَلِتَأَخُّرِهِ عَنْ تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ شَرْحُ الرَّوْضِ اهـ بِحُرُوفِهِ، وَبِهَامِشِهِ عَنْ الدَّمِيرِيِّ عَلَى قَوْلِهِ وَلِتَأَخُّرِهِ عَنْ تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ، لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي الصَّحَابَةِ وَابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ وَالْمُتَأَخِّرُ يَقْضِي عَلَى الْمُتَقَدِّمِ.
[فَرْعٌ] لَوْ عَجَزَ عَنْ التَّشَهُّدِ إلَّا إذَا كَانَ قَائِمًا كَأَنْ كَانَ مَكْتُوبًا بِنَحْوِ جِدَارٍ وَأَمْكَنَهُ قِرَاءَتُهُ، وَإِذَا جَلَسَ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ تُمْكِنْهُ قِرَاءَتُهُ فَهَلْ يَسْقُطُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَيَجْلِسُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ تَشَهُّدٍ، أَوْ يَجِبُ الْقِيَامُ وَقِرَاءَتُهُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ لِلسَّلَامِ وَنَحْوِهِ فَيَسْقُطُ جُلُوسُ التَّشَهُّدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُحَافَظَةً عَلَى الْإِتْيَانِ بِالتَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ آكَدُ مِنْ الْجُلُوسِ لَهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْ مُصَلِّي النَّفْلِ كَمَا قُلْنَا فِيمَا سَبَقَ بَحْثًا أَنَّ مَنْ عَجَزَ فِي الْفَرِيضَةِ عَنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ إلَّا مِنْ جُلُوسٍ لِكَوْنِهَا مَنْقُوشَةً بِمَكَانٍ لَا يَرَاهُ إلَّا جَالِسًا أَنَّهُ يَجْلِسُ لِقِرَاءَتِهَا وَيَسْقُطُ الْقِيَامُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي قِيَاسًا عَلَى مَا ذُكِرَ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُهُ وَلَا يَبْعُدُ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَيْ فَيَأْتِي بِالتَّشَهُّدِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمَطْلُوبَةِ بَعْدَهُ، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْوَاجِبِ فَقَطْ فِيمَا يَظْهَرُ بَلْ لَوْ قَدَرَ عَلَى التَّشَهُّدِ جَالِسًا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَنْدُوبَةِ إلَّا قَائِمًا فَيُقَاسُ مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ بِمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ السُّورَةِ مِنْ أَنَّهُ يَجْلِسُ.
لِقِرَاءَتِهَا ثُمَّ يَقُومُ لِلرُّكُوعِ أَنْ يَقُومَ هُنَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ لِلْأَدْعِيَةِ الْمَطْلُوبَةِ ثُمَّ يَجْلِسَ لِلسَّلَامِ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ عَجَزَ عَنْ الْقُعُودِ وَقَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَالِاضْطِجَاعِ فَهَلْ يُقَدَّمُ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ تَقْدِيمُ الْقِيَامِ لِأَنَّ فِيهِ قُعُودًا وَزِيَادَةً قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ عَجَزَ عَنْ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَقَدَرَ عَلَى مَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: أَيُّهَا النَّبِيُّ) وَلَا يَضُرُّ زِيَادَةُ يَا قَبْلَ أَيُّهَا كَمَا ذَكَرَهُ حَجّ فِي فَصْلٍ: تَبْطُلُ بِالنُّطْقِ بِحَرْفَيْنِ،

[حاشية الرشيدي]

بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَصَلِّ عَلَيَّ ثُمَّ اُدْعُهُ» وَتَقْدِيرُ فَفَرَغْت قَبْلَ فَقَعَدْت لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَمْدِ فِي الْأَحَادِيثِ الثَّنَاءُ، إذْ لَا حَمْدَ حَقِيقِيٌّ فِي الْقُعُودِ لِلصَّلَاةِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الثَّنَاءِ، وَهُوَ لَفْظُ التَّحِيَّاتُ إلَخْ

(قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَشَهُّدُ ابْنِ عَبَّاسٍ) قَالَ الْمُصَنِّفُ: لِزِيَادَةِ لَفْظِ الْمُبَارَكَاتِ فِيهِ وَلِمُوَافَقَتِهِ قَوْله تَعَالَى

اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَكُلُّهَا مُجْزِئَةٌ يَتَأَدَّى بِهَا الْكَمَالُ، وَأَصَحُّهَا خَبَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَشَهُّدُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (وَأَقَلُّهُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَسَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) لِوُرُودِ إسْقَاطِ الْمُبَارَكَاتِ وَمَا يَلِيهَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ إسْقَاطَ الْمُبَارَكَاتِ مُسَلَّمٌ لِثُبُوتِ الْإِسْقَاطِ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ.
وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ فَلَمْ يَرِدْ إسْقَاطُهُمَا فِي شَيْءٍ مِنْ التَّشَهُّدَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَصَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بِعَدَمِ وُرُودِ حَذْفِهِمَا، وَعَلَّلَ الْجَوَازَ بِتَبَعِيَّتِهِمَا لِلتَّحِيَّاتِ وَجَعَلَ ضَابِطَ جَوَازِ الْحَذْفِ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إمَّا الْإِسْقَاطُ فِي رِوَايَةٍ، وَإِمَّا التَّبَعِيَّةُ، يُرَدُّ بِاحْتِمَالِ سُقُوطِهَا فِي غَيْرِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَبِأَنَّ الرَّافِعِيَّ نَافٍ وَالْمُصَنِّفَ مُثْبِتٌ، وَالثَّانِي مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَوَّلِ، وَتَعْرِيفُ السَّلَامِ أَفْضَلُ مِنْ تَنْكِيرِهِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ لِكَثْرَتِهِ فِي الْأَخْبَارِ وَكَلَامِ الشَّافِعِيِّ، وَلِزِيَادَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ التَّحَلُّلَ،

وَلَا تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ أَوَّلَ التَّشَهُّدِ فِي الْأَصَحِّ، وَالْحَدِيثُ فِيهِ ضَعِيفٌ، وَالتَّحِيَّاتُ جَمْعُ تَحِيَّةٍ: مَا يُحَيَّى بِهِ مِنْ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ، وَالْقَصْدُ بِذَلِكَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ مَالِكٌ لِجَمِيعِ التَّحِيَّاتِ مِنْ خَلْقِهِ، وَجُمِعَتْ لِأَنَّ كُلَّ مَلِكٍ كَانَ لَهُ تَحِيَّةً مَعْرُوفَةً يُحَيَّى بِهَا، وَمَعْنَى الْمُبَارَكَاتِ النَّامِيَاتُ، وَالصَّلَوَاتُ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالسَّلَامُ قِيلَ مَعْنَاهُ اسْمُ السَّلَامِ:

[حاشية الشبراملسي]

وَعِبَارَتُهُ: وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِإِبْطَالِ زِيَادَةِ يَا قَبْلَ أَيُّهَا النَّبِيُّ فِي التَّشَهُّدِ أَخْذًا بِظَاهِرِ كَلَامِهِمْ هُنَا، لَكِنَّهُ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَجْنَبِيًّا عَنْ الذِّكْرِ بَلْ يُعَدُّ مِنْهُ، وَمِنْ ثَمَّ أَفْتَى شَيْخُنَا بِأَنَّهُ لَا بُطْلَانَ بِهِ اهـ. وَأَقَرَّهُ سم عَلَيْهِ (وَقَوْلُهُ لَا بُطْلَانَ) : أَيْ وَإِنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا (قَوْلُهُ: وَالْمُصَنِّفُ مُثْبِتٌ) ظَاهِرُهُ فِي الْكُلِّ، وَعِبَارَةُ حَجّ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلِوُرُودِ إسْقَاطِ الصَّلَوَاتِ قَالَ غَيْرُهُ وَالطَّيِّبَاتُ اهـ. وَظَاهِرٌ أَنَّ النَّوَوِيَّ لَمْ يَنْقُلْ إسْقَاطَ الطَّيِّبَاتِ (قَوْلُهُ: أَفْضَلُ مِنْ تَنْكِيرِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ اللَّامَ وَالتَّنْوِينَ مَعًا ضَرَّ، وَفِي حَجّ مَا نَصُّهُ: إذَا تَرَكَ تَشْدِيدَ النَّبِيِّ ضَرَّ، بِخِلَافِ حَذْفِ تَنْوِينِ سَلَامٍ فَإِنَّهُ مُجَرَّدُ لَحْنٍ غَيْرُ مُغَيِّرٍ لِلْمَعْنَى اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ لَيْسَ مِنْ اللَّحْنِ بَلْ هُوَ مِنْ حَذْفِ بَعْضِ الْحُرُوفِ، وَذَلِكَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُغَيِّرِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ التَّنْوِينَ حَرْفٌ فِي الْكَلِمَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْعِبْرَةُ بِاللَّفْظِ بِمِثْلِ ذَلِكَ ثُمَّ الْخَطُّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ التَّنْوِينَ وَيَحْتَاجُ لِتَوْجِيهٍ وَاضِحٍ اهـ سم.
فِي شَرْحِ الْغَايَةِ بِالْمَعْنَى، وَنَقَلَ بِالدَّرْسِ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ الْجَزْمَ بِالْبُطْلَانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَلْيُرَاجَعْ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ عُمُومِ حَاشِيَتِهِ حَيْثُ قَالَ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَنْوَارِ أَنْ يُرَاعِيَ هُنَا التَّشْدِيدَ وَعَدَمَ الْإِبْدَالِ وَغَيْرَهُمَا نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الْفَاتِحَةِ.
أَقُولُ: وَقَدْ يُوَجَّهُ مَا قَالَهُ حَجّ مِنْ جَوَازِ حَذْفِ التَّنْوِينِ بِأَنَّ التَّنْوِينَ وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فِي الْوَصْلِ لَكِنَّهُ يَسْقُطُ وَقْفًا، وَوَصْلُ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ بِبَعْضٍ لَا يَجِبُ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ، فَإِسْقَاطُهُ فِي الْوَصْلِ لَيْسَ بِلَحْنٍ مُغَيِّرٍ لِلْمَعْنَى، وَلَا فِيهِ إسْقَاطُ حَرْفٍ لَازِمٍ فِي الْحَالَيْنِ، وَقِيَاسُ مَا يَأْتِي عَنْ سم عَلَى مَنْهَجٍ فِي الثَّانِي عَشَرَ وَمِنْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ اللَّامِ وَالتَّنْوِينِ وَلَا يَضُرُّ فِي سَلَامِ التَّحَلُّلِ عَدَمُ الضَّرَرِ هُنَا أَيْضًا بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.

(قَوْلُهُ: وَلَا تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ أَوَّلَ التَّشَهُّدِ) عِبَارَةُ حَجّ: وَلَا يُسَنُّ أَوَّلُهُ بِسْمِ اللَّهِ وَبِاَللَّهِ قَبْلُ وَالْخَبَرُ فِيهِ ضَعِيفٌ اهـ (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ مَالِكٌ لِجَمِيعِ التَّحِيَّاتِ مِنْ خَلْقِهِ) أَيْ مِمَّا فِيهِ تَعْظِيمٌ شَرْعًا لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ اعْتَادُوا نَوْعًا مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي الشَّرْعِ كَكَشْفِ الْعَوْرَةِ وَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ عُرْيَانَا (قَوْلُهُ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ) أَيْ هِيَ الصَّلَوَاتُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ) مِنْهُ كُلُّ صَلَاةٍ، وَقِيلَ الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ الدُّعَاءُ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهَا الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ لِلثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ

[حاشية الرشيدي]

﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: 61] وَلِتَأَخُّرِهِ عَنْ تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ (قَوْلُهُ: لِوُرُودِ إسْقَاطِ الْمُبَارَكَاتِ إلَخْ) أَيْ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَهُوَ مَرْجِعٌ لِلضَّمَائِرِ الْآتِيَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ وَإِنْ لَمْ يُقَدِّمْ ذِكْرَهُ

(قَوْلُهُ: وَالْحَدِيثُ فِيهِ ضَعِيفٌ) لَا يَخْفَى أَنَّ ضَعْفَهُ لَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فَلَعَلَّهُ شَدِيدُ الضَّعْفِ (قَوْلُهُ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ) هَذَا التَّفْسِيرُ ظَاهِرٌ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّتِي فِيهَا الْعَطْفُ.
أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَلَا إلَّا أَنْ يَكُونَ

أَيْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْك، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَعَلَيْنَا: أَيْ الْحَاضِرِينَ مِنْ إمَامٍ وَمُقْتَدٍ وَمَلَائِكَةٍ وَغَيْرِهِمْ، وَالْعِبَادُ جَمْعُ عَبْدٍ وَالصَّالِحِينَ جَمْعُ صَالِحٍ وَهُوَ الْقَائِمُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَالرَّسُولُ مُبَلِّغٌ خَبَرَ مُرْسِلِهِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ تَرْتِيبُ التَّشَهُّدِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ لَمْ يُغَيِّرْ مَعْنَاهُ، فَإِنْ غَيَّرَ لَمْ يَصِحَّ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ تَعَمَّدَ.
أَمَّا مُوَالَاتُهُ فَشَرْطٌ كَمَا فِي التَّتِمَّةِ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ قِيَاسُ مَا مَرَّ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَقِيلَ يُحْذَفُ وَبَرَكَاتُهُ) لِلْغِنَى عَنْهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ (وَقِيلَ) يُحْذَفُ (الصَّالِحِينَ) لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِإِضَافَةِ الْعِبَادِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِانْصِرَافِهِ لِلصَّالِحَيْنِ، وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ مَا صَحَّحَهُ هُنَا فِي أَقَلِّ التَّشَهُّدِ مِنْ لَفْظَةِ وَبَرَكَاتُهُ يُخَالِفُ قَوْلَهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَشَهَّدَ بِتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ غَيْرِهِ جَازَ، إذْ لَيْسَ فِي تَشَهُّدِ عُمَرَ وَبَرَكَاتُهُ رُدَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَوْ تَشَهَّدَ بِتَشَهُّدِ عُمَرَ بِكَمَالِهِ أَجْزَأَهُ، فَأَمَّا كَوْنُهُ يُحْذَفُ بَعْضُ تَشَهُّدِ عُمَرَ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي تَشَهُّدِ غَيْرِهِ وَيُحْذَفُ وَبَرَكَاتُهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي تَشَهُّدِ عُمَرَ فَقَدْ لَا يَكْفِي لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالتَّشَهُّدِ عَلَى حَالَةٍ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ الْمَرْوِيَّةِ (وَ) قِيلَ (يَقُولُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ) بَدَلَ وَأَشْهَدُ إلَخْ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ لِرَدِّ مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ بِإِسْقَاطِ أَشْهَدُ الثَّانِيَةُ ضَعِيفٌ لِكَوْنِهَا ثَابِتَةً فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِقَوْلِهِ (قُلْت: الْأَصَحُّ) يَقُولُ (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَقَوْلُ الشَّارِحِ لَكِنْ بِلَفْظِ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَالْمُرَادُ إسْقَاطُ أَشْهَدُ أَشَارَ بِهِ إلَى رَدِّ اعْتِرَاضِ الْإِسْنَوِيِّ مِنْ أَنَّ الثَّابِتَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ كَيْفِيَّاتٍ: إحْدَاهَا وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الثَّانِيَةُ

[حاشية الشبراملسي]

تَعَالَى اهـ عَمِيرَةُ (قَوْله أَيْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْك) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْبَرَكَةُ وَالرَّحْمَةُ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: بَرَكَةُ هَذَا الِاسْمِ مُحِيطَةٌ بِك (قَوْلُهُ: وَحُقُوقُ عِبَادِهِ إلَخْ) أَيْ فَمَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً فَقَدْ ظَلَمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَمِيعَ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ بِمَنْعِ مَا وَجَبَ لَهُمْ مِنْ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ، وَبِبَعْضِ الْهَوَامِشِ: أَنَّ هَذَا مَعْنًى خَاصٌّ لَهُ، وَمَعْنَاهُ الْعَامُّ الْمُسَلَّمُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا اهـ. وَقَدْ يُقَالُ بَلْ الظَّاهِرُ مَا فِي الْأَصْلِ لِأَنَّهُ إذَا أُرِيدَ عُمُومُ الْمُسْلِمِينَ يَقْتَضِي طَلَبُ الدُّعَاءِ لِلْعُصَاةِ وَهُوَ غَيْرُ لَائِقٍ فِي مَقَامِ طَلَبِ الدُّعَاءِ (قَوْلُهُ: وَالرَّسُولُ مُبَلِّغٌ خَبَرَ مُرْسِلِهِ) قَضِيَّتُهُ بَعْدَ الْأَمْرِ وَقَبْلَ التَّبْلِيغِ لَيْسَ رَسُولًا، وَتَعْرِيفُهُمْ الرَّسُولَ بِأَنَّهُ إنْسَانٌ أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ يَقْتَضِي خِلَافَهُ، إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ قَوْلُهُ مُبَلِّغٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ شَأْنِهِ التَّبْلِيغُ أَوْ بِأَنَّ ذَاكَ تَفْسِيرٌ لِلرَّسُولِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَوْ نَحْوِهِ (قَوْلُهُ: الثَّابِتُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي تَشَهُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: ثَلَاثُ كَيْفِيَّاتٍ) أَيْ فِي تَشَهُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَانْظُرْ مَا كَانَ يَقُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ إذَا صَلَّى

[حاشية الرشيدي]

عَلَى حَذْفِ الْعَاطِفِ، إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِلتَّحِيَّاتِ لِكَوْنِهِ أَخَصَّ، وَلَا بَدَلَ بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَى نِيَّةِ طَرْحِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ) لَعَلَّهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ أَوْ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فِيهِ مَعَ اشْتِرَاطِهِ لَهُ فِي الْفَاتِحَةِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَحْذِفُ الصَّالِحِينَ) الْمَوْجُودُ فِي نُسَخِ الشَّارِحِ إثْبَاتُ وَاوِ الصَّالِحِينَ بِالْحُمْرَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ، وَقِيلَ يُحْذَفُ، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقِيلِ يَقُولُ بِحَذْفِ وَبَرَكَاتُهُ أَيْضًا، وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفِيدُهُ حَلُّ الْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ وَالشِّهَابِ حَجّ حَيْثُ أَدْخَلَا وَاوَ الْمَتْنِ عَلَى قَوْلِهِمَا قِيلَ (قَوْلُهُ: رُدَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ) لَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الرَّدِّ لِمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَذْهَبْ إلَى وُجُوبِ الْتِزَامِ رِوَايَةٍ بِخُصُوصِهَا وَكَلَامُهُمْ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ بَعْضُ إسْقَاطِ مَا وَرَدَ إسْقَاطُهُ فِي الرِّوَايَاتِ مُطْلَقًا، ثُمَّ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا تَشَهَّدَ بِالتَّشَهُّدِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ إسْقَاطُ وَبَرَكَاتُهُ يَكْفِيهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، عَلَى أَنَّ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ تَشَهُّدَ عُمَرَ فِيهِ وَبَرَكَاتُهُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَيَقُولُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ) سَيَأْتِي لِلشَّارِحِ اعْتِمَادُهُ قَرِيبًا تَبَعًا لِلْأَذْرَعِيِّ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الشَّارِحِ إلَخْ) يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الشَّارِحَ جَعَلَ اسْتِدْرَاكَ الْمُصَنِّفِ رَاجِعًا لِمَا مَرَّ فِي أَقَلِّ التَّشَهُّدِ تَبَعًا لِلشَّارِحِ الْجَلَالِ، بِخِلَافِ الشِّهَابِ حَجّ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ رَاجِعًا إلَى الْقِيلِ قَبْلَهُ

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الثَّالِثَةُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ بِإِسْقَاطِ أَشْهَدُ أَيْضًا كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى، فَلَيْسَ مَا قَالَهُ وَاحِدًا مِنْ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ إنَّمَا وَرَدَ مَعَ زِيَادَةِ الْعَبْدِ انْتَهَى.
وَأَفَادَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ الصَّوَابَ إجْزَاءُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ لِثُبُوتِهِ فِي تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ حَكَوْا الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ التَّشَهُّدِ بِالرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا اشْتَرَطَ لَفْظَةَ عَبْدِهِ انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِمَا ذُكِرَ، وَاسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْأَفْضَلَ تَعْرِيفُ السَّلَامِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إبْدَالُ لَفْظٍ مِنْ هَذَا الْأَقَلِّ وَلَوْ بِمُرَادِفِهِ كَالنَّبِيِّ بِالرَّسُولِ وَعَكْسِهِ وَمُحَمَّدٍ بِأَحْمَدَ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَا يَأْتِي فِي مُحَمَّدٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِأَنَّ أَلْفَاظَهَا الْوَارِدَةَ كَثُرَ فِيهَا اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّقْيِيدِ بِلَفْظِ مُحَمَّدٍ فِيهَا، بِخِلَافِ لَفْظِ الصَّلَاةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْخُصُوصِيَّةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي مُرَادِفِهَا، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَصَّ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ صَلَّى اللَّه وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ.

(وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلِهِ -) حَيْثُ قِيلَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ فِي التَّشَهُّدِ الْآخَرِ أَوْ بِاسْتِحْبَابِهَا فِي الْأَوَّلِ عَلَى رَأْيٍ مَرْجُوحٍ فِيهِمَا، أَوْ بِاسْتِحْبَابِهَا فِي الْآخَرِ عَلَى الرَّاجِحِ (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ) لَا يُقَالُ: لَمْ يَأْتِ بِمَا فِي آيَةِ ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] إذْ فِيهَا السَّلَامُ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ حَصَلَ بِقَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْك إلَى آخِرِهِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ

[حاشية الشبراملسي]

عَلَى نَفْسِهِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي تَخْرِيجِ الْعَزِيزِ لِلْحَافِظِ الْعَسْقَلَانِيِّ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ يَعْنِي الْعَزِيزَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي تَشَهُّدِهِ: أَشْهَدُ أَنَّى رَسُولُ اللَّهِ» : كَذَا قَالَ، وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ بَلْ أَلْفَاظُ التَّشَهُّدِ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَوْ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» اهـ. وَعِبَارَةُ حَجّ فِي الْأَذَانِ نَصُّهَا: وَنُقِلَ عَنْهُ فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِأَحَدِهِمَا تَارَةً وَبِالْآخَرِ أُخْرَى عَلَى مَا يَأْتِي ثَمَّ اهـ. وَعِبَارَتُهُ هُنَا: وَوَقَعَ فِي الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي تَشَهُّدِهِ: «وَأَشْهَدُ أَنَّى رَسُولُ اللَّهِ» ، وَرَدُّوهُ بِأَنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ اهـ. وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ صَحَّحَ خِلَافَ مَا نُقِلَ فِي الْأَذَانِ، بَلْ أَشَارَ إلَى التَّوَقُّفِ فِيمَا نَقَلَهُ فِي الْأَذَانِ بِقَوْلِهِ عَلَى مَا يَأْتِي ثَمَّ (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ مَا قَالَهُ) أَيْ الْمُصَنِّفُ (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ مَا أَفَادَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ أَنَّ الصَّوَابَ إجْزَاءُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا مَعَ قَوْلِ الْمَتْنِ قُلْت: الْأَصَحُّ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَخْ وَمَعَ مَا نَقَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى مِنْ إجْزَاءِ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَنَّ الصِّيَغَ الْمُجْزِئَةَ بِدُونِ أَشْهَدُ ثَلَاثٌ، وَيُسْتَفَادُ إجْزَاؤُهَا مَعَ أَشْهَدُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى فَتَصِيرُ الصُّوَرُ الْمُجْزِئَةُ سِتًّا.
وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَكْفِي وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ عَلَى مَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، وَذِكْرُ الْوَاوِ بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ لَا بُدَّ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَاسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ) أَيْ حَيْثُ جَعَلَ سَلَامٌ مِنْ الْأَقَلِّ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْأَفْضَلَ تَعْرِيفُ السَّلَامِ) تَقَدَّمَ لَهُ التَّصْرِيحُ بِهِ قَرِيبًا وَذَكَرَهُ هُنَا لِبَيَانِ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَسَلَامِ التَّحَلُّلِ (قَوْلُهُ: فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّقْيِيدِ بِلَفْظِ مُحَمَّدٍ) أَيْ بَلْ يَتَجَاوَزُهُ إلَى غَيْرِهِ مِمَّا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ عَلَى رَسُولِهِ أَوْ عَلَى النَّبِيِّ لَا مُطْلَقًا خِلَافًا لِمَا قَدْ تُوهِمُهُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ.

(قَوْلُهُ: قَدْ حَصَلَ بِقَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْك) عِبَارَةُ الْمُنَاوِيِّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى الْجَامِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا رَجُلٍ كَسَبَ مَالًا مِنْ حَلَالٍ فَأَطْعَمَ نَفْسَهُ وَكَسَاهَا فَمَنْ دُونَهُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فَإِنَّهَا لَهُ زَكَاةٌ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ لَمْ تَكُنْ لَهُ صَدَقَةٌ فَلْيَقُلْ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِك وَرَسُولِك وَصَلِّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ فَإِنَّهَا لَهُ زَكَاةٌ» مَا نَصُّهُ: وَاقْتِصَارُهُ عَلَى الصَّلَاةِ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ لَا يَضُمُّ إلَيْهِ السَّلَامَ فَيُعَكِّرُ عَلَى مَنْ كَرِهَ الْإِفْرَادَ، وَنَعَمْ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ مِنْ تَخْصِيصِ الْكَرَاهَةِ بِغَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ الْإِفْرَادُ بِخُصُوصِهِ كَمَا هُنَا فَلَا نَزِيدُ فِيهِ بَلْ نَقْتَصِرُ عَلَى الْوَارِدِ اهـ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ سَنِّ السَّلَامِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِعَدَمِ وُرُودِهِ اهـ. وَقَوْلُهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ صَدَقَةٌ لَعَلَّ الْمُرَادَ لَمْ تُوجَدْ لَهُ صَدَقَةٌ لِعَدَمِ

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مَا تَقَرَّرَ فَيَكْفِي صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ عَلَى رَسُولِهِ أَوْ عَلَى النَّبِيِّ دُونَ أَحْمَدَ أَوْ عَلَيْهِ، أَمَّا الْخُطْبَةُ فَيُجْزِئُهُ فِيهَا وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى الرَّسُولِ أَوْ الْمَاحِي أَوْ الْحَاشِرِ أَوْ الْعَاقِبِ أَوْ الْبَشِيرِ أَوْ النَّذِيرِ، وَلَا يُجْزِئُ ذَلِكَ هُنَا كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُمْ إنَّهُ لَا يَكْفِي أَحْمَدُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْخُطْبَةِ بِأَنَّهُ يُطْلَبُ فِيهَا مَزِيدُ الِاحْتِيَاطِ فَلَمْ يُغْتَفَرْ هُنَا مَا فِيهِ نَوْعُ إبْهَامٍ، بِخِلَافِ الْخُطْبَةِ فَإِنَّهَا أَوْسَعُ مِنْ الصَّلَاةِ وَشُرُوطُهَا شُرُوطُ التَّشَهُّدِ كَمَا فِي الْأَنْوَارِ، وَقَضِيَّتُهُ وُجُوبُ مُرَاعَاةِ التَّشْدِيدِ هُنَا وَعَدَمُ الْإِبْدَالِ وَغَيْرُهُمَا نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْفَاتِحَةِ.
نَعَمْ فِي النَّبِيِّ لُغَتَانِ الْهَمْزَةُ وَالتَّشْدِيدُ فَيَجُوزُ كُلٌّ مِنْهُمَا لَا تَرَكَهُمَا مَعًا، وَيُؤْخَذُ

[حاشية الشبراملسي]

تَيَسُّرِهَا لَهُ حَتَّى تَكُونَ صَلَاتُهُ زَكَاةً: أَيْ طَهَارَةً وَمَدْحًا لَهُ.
نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَخْلُو فَاعِلُهَا مِنْ الثَّوَابِ (قَوْلُهُ: فَيَكْفِي صلى الله على محمد) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِذَلِكَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيْ لِأَنَّهَا مَصْرُوفَةٌ لَهُ، لَكِنْ فِي شَرْحِ حَجّ عَلَى الْإِرْشَادِ لَوْ قَالَ الصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ يُجْزِئُ إنْ نَوَى بِهِ الدُّعَاءَ اهـ. وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ) صلى الله على محمد) وَرَدَتْ لِلْإِنْشَاءِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ فِي الْقُنُوتِ، وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْإِنْشَاءِ فِي لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ فِي التَّشَهُّدِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ فَهِيَ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا وَلَمْ يَكْثُرْ اسْتِعْمَالُهَا فِي الشَّرْعِ فِي غَيْرِهِ فَاحْتِيجَ فِي الِاكْتِفَاءِ بِهَا إلَى قَصْدِ الدُّعَاءِ، وَقِيَاسُهُ إجْزَاءُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى رَسُولِهِ حَيْثُ قَصَدَ بِهِمَا الدُّعَاءَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي أُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ، وَلَوْ قِيلَ بِالِاكْتِفَاءِ بِهِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ أَوْ عَلَى رَسُولِهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُجْزِئَ هَذَا اللَّفْظُ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَى الرَّسُولِ لَمْ يَكْفِ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى هَذِهِ الْأَحْرُفِ بِأَيِّ صِيغَةٍ اتَّفَقَتْ، لَكِنْ قَدْ يُفْهَمُ قَوْلُ الشَّارِحِ أَمَّا الْخُطْبَةُ فَيُجْزِئُهُ فِيهَا وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى الرَّسُولِ إلَى أَنْ قَالَ: وَلَا يُجْزِئُ ذَلِكَ هُنَا أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالضَّمِيرِ قَيْدٌ هُنَا، بِخِلَافِ الرَّسُولِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ إنْ قَالَ عَلَى الرَّسُولِ كَالْمُرْسِلِ لَا يَكْفِي (قَوْلُهُ: وَشُرُوطُهَا) أَيْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ شُرُوطُ التَّشَهُّدِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ عَكَسَ التَّرْتِيبَ كَأَنْ قَالَ عَلَى مُحَمَّدٍ اللَّهُمَّ صَلِّ لَمْ يَضُرَّ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَعَدَمُ الْإِبْدَالِ وَغَيْرُهُمَا) يُتَأَمَّلُ وَجْهُ كَوْنِ مَا ذُكِرَ قَضِيَّتُهُ، فَإِنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ مَا يُعْتَبَرُ فِي التَّشَهُّدِ، وَلَا يَلْزَمُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ التَّشَهُّدَ كَالْفَاتِحَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى مَنْهَجٍ مَا نَصُّهُ: وَفِي الْأَنْوَارِ وَشُرُوطُ التَّشَهُّدِ رِعَايَةُ الْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ وَالتَّشْدِيدَاتِ وَالْإِعْرَابِ الْمُخِلِّ: أَيْ تَرْكُهُ وَالْمُوَالَاةُ وَالْأَلْفَاظُ الْمَخْصُوصَةُ وَإِسْمَاعُ النَّفْسِ كَالْفَاتِحَةِ اهـ. وَعَلَيْهِ فَكَانَ حَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ شُرُوطُهَا شُرُوطُ التَّشَهُّدِ وَقَدْ قَالَ فِي التَّشَهُّدِ يُشْتَرَطُ مُرَاعَاةُ تَشْدِيدَاتِهِ وَقَضِيَّتُهُ إلَخْ، وَإِسْقَاطُ قَوْلِهِ نَظِيرُ مَا مَرَّ إلَخْ وَيُعْلَمُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ وَعَدَمُ الْإِبْدَالِ أَنَّهُ لَوْ أَبْدَلَ " نَا " مِنْ قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْنَا أَوْ الْكَافَ مِنْ قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْك بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ كَأَنْ قَالَ السَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ أَبْدَلَ الْأَلْفَ مِنْ عَلَيْنَا بِالْهَاءِ كَمَا يَقَعُ مِنْ بَعْضِ الْعَوَامّ بِلَفْظِ السَّلَامُ عَلَيْهِ لَمْ يَكْفِ وَإِنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، ثُمَّ إنْ أَعَادَهَا عَلَى الصَّوَابِ اسْتَمَرَّتْ صَلَاتُهُ عَلَى الصِّحَّةِ وَإِنْ لَمْ يَتَدَارَكْ حَتَّى سَلَّمَ وَطَالَ الْفَصْلُ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ (قَوْلُهُ لَا تَرَكَهُمَا مَعَهَا) وَمِنْهُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ بِسُكُونِ الْيَاءِ مُخَفَّفَةً وَصَلَ أَوْ وَقَفَ فَيَضُرُّ عَامِّيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، ثُمَّ إنْ أَعَادَهُ عَلَى الصَّوَابِ اكْتَفَى بِهِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِالسَّلَامِ إنْ تَعَمَّدَ أَوْ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: نَعَمْ فِي النَّبِيِّ لُغَتَانِ إلَخْ) هَذَا مِنْ مَبَاحِثِ التَّشَهُّدِ لَا مِنْ مَبَاحِثِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ تَابِعٌ فِي هَذِهِ السِّوَادَةِ لِلشِّهَابِ حَجّ فِي التُّحْفَةِ، لَكِنَّ ذَاكَ إنَّمَا ذَكَرَهَا هُنَاكَ فَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يَذْكُرَهَا أَيْضًا هُنَاكَ ثُمَّ يُحِيلَ عَلَيْهَا هُنَا، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْأَنْوَارِ وَعِبَارَتُهُ فِي التَّشَهُّدِ نَصُّهَا: وَشَرْطُ التَّشَهُّدِ رِعَايَةُ الْكَلِمَاتِ، وَالْحُرُوفِ وَالتَّشْدِيدَاتِ، وَالْإِعْرَابِ الْمُخِلِّ، وَالْمُوَالَاةِ، وَالْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ وَإِسْمَاعِ النَّفْسِ كَالْفَاتِحَةِ، ثُمَّ قَالَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ

مِمَّا تَقَرَّرَ فِي التَّشْدِيدِ أَنَّهُ لَوْ أَظْهَرَ النُّونَ الْمُدْغَمَةَ فِي اللَّامِ فِي أَنْ لَا إلَهَ أَبْطَلَ لِتَرْكِهِ شَدَّةً مِنْهُ نَظِيرَ مَا يُقَالُ فِي أَلْ رَحْمَنَ بِإِظْهَارِ أَلْ، فَزَعَمَ عَدَمُ إبْطَالِهِ لِأَنَّهُ لَحْنٌ غَيْرُ مُغَيِّرٍ لِلْمَعْنَى لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ مَحَلُّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَرْكُ حَرْفٍ وَالشَّدَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْحَرْفِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
نَعَمْ لَا يَبْعُدُ عُذْرُ الْجَاهِلِ بِذَلِكَ لِخَفَائِهِ كَثِيرًا، وَقَوْلُ ابْنُ كَبْنٍ: إنَّ فَتْحَةَ لَامَ رَسُول اللَّهِ مِنْ عَارِفٍ مُتَعَمِّدٍ حَرَامٌ مُبْطِلٌ وَمِنْ جَاهِلٍ حَرَامٌ غَيْرُ مُبْطِلٍ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّعَلُّمُ وَإِلَّا أَبْطَلَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ إذْ لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِلْمَعْنَى فَلَا حُرْمَةَ وَلَوْ مَعَ الْعَمْدِ وَالْعِلْمِ نَعَمْ لَوْ نَوَى الْعَالِمُ الْوَصْفِيَّةَ وَلَمْ يُضْمَرْ خَبَرًا أَبْطَلَ لِفَسَادِ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ (وَالزِّيَادَةُ) عَلَى مَا ذُكِرَ (إلَى حَمِيدٍ مَجِيدٍ) كَمَا فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلْوَارِدِ وَهِيَ «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ» .

وَالْأَفْضَلُ الْإِتْيَانُ بِلَفْظِ السِّيَادَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ ظَهِيرَةَ وَصَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ وَبِهِ أَفْتَى الشَّارِحُ لِأَنَّ فِيهِ الْإِتْيَانَ بِمَا أُمِرْنَا بِهِ وَزِيَادَةُ الْأَخْبَارِ بِالْوَاقِعِ الَّذِي هُوَ أَدَبٌ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ وَإِنْ تَرَدَّدَ فِي أَفْضَلِيَّتِهِ الْإِسْنَوِيُّ، وَأَمَّا حَدِيثُ «لَا تُسَيِّدُونِي فِي الصَّلَاةِ» فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحُفَّاظِ، وَقَوْلُ الطُّوسِيِّ: إنَّهَا مُبْطِلَةٌ غَلَطٌ.
وَآلُ إبْرَاهِيمَ إسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَأَوْلَادُهُمَا

[حاشية الشبراملسي]

سَلَّمَ نَاسِيًا وَطَالَ الْفَصْلُ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَوْ أَظْهَرَ النُّونَ إلَخْ) قِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ أَظْهَرَ التَّنْوِينَ الْمُدْغَمَ فِي الرَّاءِ فِي وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَبْطَلَ، فَإِنَّ الْإِدْغَامَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فِي كَلِمَتَيْنِ، هَذَا وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ لِأَنَّ الْإِظْهَارَ لَا يَزِيدُ عَلَى اللَّحْنِ الَّذِي لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى خُصُوصًا، وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ الْإِظْهَارَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ فِي بَابِ أَحْكَامِ النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالتَّنْوِينِ مَا نَصُّهُ: وَخَيَّرَ الْبِزِّيُّ بَيْنَ الْإِدْغَامِ وَالْإِظْهَارِ فِيهَا: أَيْ النُّونِ وَالتَّنْوِينِ عِنْدَهُمَا: أَيْ عِنْدَ اللَّامِ وَالرَّاءِ إلَخْ اهـ. وَأَمَّا قَوْلُهُ لِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إلَخْ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَمْ يُتْرَكْ هُنَا حَرْفٌ.
فَإِنْ قُلْت: فَاتَتْ صِفَةٌ.
قُلْنَا: وَفَاتَتْ فِي اللَّحْنِ الَّذِي لَا يُغَيِّرُ مَعَ أَنَّ هُنَا رُجُوعًا لِلْأَصْلِ وَفِيهِ اسْتِقْلَالُ الْحَرْفَيْنِ فَهُوَ مُقَابِلُ فَوَاتِ تِلْكَ الصِّفَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: لَا يَبْعُدُ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ إذْ لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِلْمَعْنَى) وَلَا يَحْرُمُ إلَّا مَا يُغَيِّرُهُ وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَتَى بِيَاءٍ فِي اللَّهُمَّ صَلِّ بِسَبَبِ الْإِشْبَاعِ لِلْحَرَكَةِ لَمْ يَحْرُمْ وَلَمْ يَبْطُلْ لِعَدَمِ تَغْيِيرِهِ الْمَعْنَى، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ بَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُطْلَقِ الْقُرْآنِ حَيْثُ حَرُمَ فِيهِ اللَّحْنُ مُطْلَقًا بِأَنَّا تَعَبَّدْنَا بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَوَجَبَ التَّعَبُّدُ فِيهِ بِخُصُوصِ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ هَذَا (قَوْلُهُ: إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ) قَالَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ مَا نَصُّهُ: وَفِي الْأَذْكَارِ وَغَيْرِهِ الْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِك وَرَسُولِك النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ اهـ.

(قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِيهِ الْإِتْيَانَ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا سَنُّ الْإِتْيَانِ بِلَفْظِ السِّيَادَةِ فِي الْأَذَانِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْظِيمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَصْفِ السِّيَادَةِ حَيْثُ ذُكِرَ.
لَا يُقَالُ: لَمْ يَرِدْ وَصْفُهُ بِالسِّيَادَةِ فِي الْأَذَانِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: كَذَلِكَ هُنَا وَإِنَّمَا طَلَبَ وَصْفَهُ بِهَا لِلتَّشْرِيفِ وَهُوَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (قَوْلُهُ: إسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَأَوْلَادُهُمَا) لَعَلَّ الْمُرَادَ أَوْلَادُهُمَا بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ ذُرِّيَّتُهُمَا مُطْلَقًا لَكِنْ بِالْحَمْلِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ، ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِإِبْرَاهِيمَ مِنْ الْأَوْلَادِ إلَّا إسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاق، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَهُ أَوْلَادٌ عِدَّةٌ، فَفِي شَرْحِ الْمُنَاوِيِّ عَلَى الْجَامِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ» إلَخْ مَا نَصُّهُ: وَفِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ سِتَّةُ أَوْلَادٍ سِوَى إسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ، ثُمَّ قَالَ: وَكَانُوا أَيْ أَوْلَادُ إبْرَاهِيمَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ اهـ.

[حاشية الرشيدي]

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَشُرُوطُهَا شُرُوطُ التَّشَهُّدِ (قَوْلُهُ: لِتَرْكِهِ شِدَّةً إلَخْ) نَازَعَ فِيهِ الشِّهَابُ سم فِي حَوَاشِي التُّحْفَةِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) لَيْسَ هَذَا مِنْ الزِّيَادَةِ وَإِنَّمَا الزِّيَادَةُ مَا بَعْدَهُ.
    نَعَمْ الْإِتْيَانُ بِهِ بَدَلَ وَآلِهِ أَكْمَلُ

كَمَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيّ، وَخَصَّ إبْرَاهِيمَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّهِ هِيَ الرَّحْمَةُ، وَلَمْ تُجْمَعْ الرَّحْمَةُ وَالْبَرَكَةُ لِنَبِيٍّ غَيْرَهُ، قَالَ تَعَالَى ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: 73] فَسَأَلَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إعْطَاءَ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا سَبَقَ إعْطَاؤُهُ لِإِبْرَاهِيمَ، أَوْ لِيَطْلُبَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآلِهِ وَلَيْسُوا بِأَنْبِيَاءِ مَنَازِلَ إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ التَّشْبِيهُ عَائِدٌ لِقَوْلِهِ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ فَقَطْ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى الْأَخِيرَيْنِ أَنَّ غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُسَاوِيهِمْ مُطْلَقًا لِأَنَّا نَقُولُ: مُرَادُنَا بِالْمُسَاوَاةِ عَلَى الْقَوْلِ بِحُصُولِهَا.
بِالنَّسِيَةِ لِهَذَا الْفَرْدِ بِخُصُوصِهِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ فِي الْأَذْكَارِ تَبَعًا لِلصَّيْدَلَانِيِّ: وَزِيَادَةُ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ كَمَا رَحِمْت عَلَى إبْرَاهِيمَ بِدْعَةٌ، وَاعْتَرَضَ بِوُرُودِهَا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ صَحَّحَ الْحَاكِمُ بَعْضَهَا مِنْهَا وَتَرَحَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَرَدَّهُ بَعْضُ مُحَقِّقِي أَهْلِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ مَا وَقَعَ.
لِلْحَاكِمِ وَهْمٌ وَبِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً لَكِنَّهَا شَدِيدَةُ الضَّعْفِ فَلَا يُعْمَلُ بِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَنِّ بَعْدَ أَنْ سَاقَ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ وَبَيَّنَ ضَعْفَهَا، وَلَعَلَّ الْمَنْعَ أَرْجَحُ لِضَعْفِ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ: أَيْ لِشِدَّةِ ضَعْفِهَا، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ سَبَبَ الْإِنْكَارِ كَوْنُ الدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ لَمْ يُرَدْ هُنَا مِنْ طَرِيقٍ يَعْتَدُّ بِهِ، وَالْبَابُ بَابُ اتِّبَاعٍ، لَا مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُدْعَى لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَفْظِ الرَّحْمَةِ، فَإِنْ أَرَادَ النَّافِي امْتِنَاعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا فَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ صَرِيحَةٌ فِي رَدِّهِ، فَقَدْ صَحَّ فِي سَائِرِ أَوْقَاتِ التَّشَهُّدِ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَصَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّ مَنْ قَالَ: ارْحَمْنِي وَارْحَمْ مُحَمَّدًا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ سِوَى قَوْلِهِ: وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، وَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْ كَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَيَّنَ الرَّحْمَةَ فَكَيْفَ يُدْعَى لَهُ بِهَا، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا

[حاشية الشبراملسي]

وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ ذُكُورٌ السِّتَّةُ الْمَذْكُورُونَ وَإِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَخَمْسُ إنَاثٍ، لَكِنَّ عِبَارَةَ تَارِيخِ ابْنِ كَثِيرٍ ذَكَرَ أَوْلَادَ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ: أَوَّلُ مَنْ وُلِدَ لَهُ إسْمَاعِيلُ مِنْ هَاجَرَ الْقِبْطِيَّةِ الْمِصْرِيَّةِ، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ إِسْحَاقُ مِنْ سَارَةُ بِنْتِ عَمِّهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا قَنْطُورَا بِنْتَ يَقْطُنَ الْكَنْعَانِيَّةَ فَوَلَدَتْ لَهُ سِتَّةَ أَوْلَادٍ وَهُمْ مِدْيَانُ وَزَمَرَانُ وَسَرْجٌ بِالْجِيمِ وَنَقْشَانُ وَنَسَقٌ وَلَمْ يُسَمِّ السَّادِسَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا حَجُونَ بِنْتَ أُهِينَ فَوَلَدَتْ لَهُ خَمْسَةً: كَيْسَانَ وَسَوْرَجَ وَأُمَيْمَ وَلُوطَانَ وَيَافِثَ، هَكَذَا ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ فِي التَّعْرِيفِ وَالْأَعْلَامِ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ: وَفَرُّوخُ كَتَنُّورٍ أَخُو إسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقُ أَبُو الْعَجَمِ الَّذِينَ فِي وَسَطِ الْبِلَادِ اهـ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ نَحْوُهُ اهـ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَوْلَادَهُ كُلَّهُمْ ذُكُورٌ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَلَمْ تَجْمَعْ الرَّحْمَةُ) أَيْ فِي اللَّفْظِ (قَوْلُهُ: عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إلَخْ) وَيَدُلُّ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ عَلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ لِهَذِهِ الْآيَةِ اتِّفَاقُ آخِرِهَا مَعَ آخِرِ التَّشَهُّدِ فِي قَوْلِهِ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَخِيرَيْنِ) هُمَا قَوْلُهُ أَوْ لِيَطْلُبْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ وَقَوْلُهُ أَوْ التَّشْبِيهُ عَائِدٌ لِقَوْلِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: كَمَا رَحِمْت) عِبَارَةُ حَجّ كَمَا تَرَحَّمْت وَمِثْلُهُ فِي الْخَطِيبِ (قَوْلُهُ: أَوْقَاتُ التَّشَهُّدِ) أَيْ أَزْمِنَتُهُ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَهَا فِي جَمِيعِ مَوَاضِعِهَا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا) أَيْ الرَّحْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ: أَوْ لِيَطْلُبَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّهِ هِيَ الرَّحْمَةُ إلَخْ، وَحِينَئِذٍ فَالْأَقْعَدُ بِنَاءً يُطْلَبُ لِلْمَجْهُولِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّا نَقُولُ مُرَادُنَا بِالْمُسَاوَاةِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْإِمْدَادِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ هَذِهِ السِّوَادَةِ: وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى الْأَخِيرَيْنِ أَنَّ غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُسَاوِيهِمْ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي هَذَا الْفَرْدِ بِخُصُوصِهِ إنْ سَلَّمَ أَنَّ التَّشْبِيهَ يُفِيدُهَا إنَّمَا هِيَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْ كَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَخْ) عِبَارَةُ الْإِمْدَادِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ لَا مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الَّذِي مَرَّ فِي الشَّارِحِ نَصُّهَا: وَلَا مَا تَوَهَّمَ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَيْنُ الرَّحْمَةِ، فَلَا يَدَّعِي لَهُ بِهَا،؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّحْمَةِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى غَايَتُهَا الْمَارَّةُ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْزَلُ الْخَلْقِ حَظًّا مِنْهَا وَحُصُولُهَا لَهُ لَا يَمْنَعُ طَلَبَهَا لَهُ إلَخْ.

فِي حَقِّهِ تَعَالَى غَايَتُهَا الْمَارَّةُ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْزَلُ الْخَلْقِ حَظًّا مِنْهَا، وَحُصُولُهُ لَا يَمْنَعُ طَلَبَهَا لَهُ كَالصَّلَاةِ وَالْوَسِيلَةِ وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ نَظَرًا لِمَا فِيهِ مِنْ عَوْدِ الْفَائِدَةِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِزِيَادَةِ تَرِقِّيهِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا وَالدَّاعِي بِزِيَادَةِ ثَوَابِهِ عَلَى ذَلِكَ (سُنَّةٌ فِي) التَّشَهُّدِ (الْآخَرِ) بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَلَا تُسَنُّ فِيهِ كَمَا لَا تُسَنُّ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ لِبِنَائِهِ عَلَى التَّخْفِيفِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُنْفَرِدُ وَالْإِمَامُ وَلَوْ لِمَحْصُورِينَ لَمْ يَرْضَوْا بِالتَّطْوِيلِ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ.

(وَكَذَا) يُسَنُّ (الدُّعَاءُ بَعْدَهُ) أَيْ التَّشَهُّدِ الْآخَرِ بِمَا شَاءَ مِنْ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ كَاَللَّهُمِ اُرْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ لِخَبَرِ «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَى آخِرِهَا، ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ أَوْ مَا أَحَبَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُوَ بِهِ» بَلْ نُقِلَ عَنْ مُقْتَضَى النَّصِّ كَرَاهَةُ تَرْكِهِ، وَلَوْ دَعَا بِدُعَاءٍ مَحْظُورٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا فِي الشَّامِلِ، ثُمَّ مَحَلُّ طَلَبِ مَا زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ مَا لَمْ يَضِقْ وَقْتُ الْجُمُعَةِ فَإِنْ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: الْمَارَّةَ أَوَّلَ الْكِتَابِ) أَيْ وَهِيَ الْإِنْعَامُ أَوْ إرَادَتُهُ (قَوْلُهُ: وَالدَّاعِي) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَهُ.

(قَوْلُهُ: وَكَذَا يُسَنُّ الدُّعَاءُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ لِإِمَامِ غَيْرِ مَحْصُورِينَ: أَوْ مَحْصُورِينَ لَمْ يَرْضَوْا بِالتَّطْوِيلِ، وَيُصَرِّحُ بِهِ مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ أَنْ لَا يَزِيدَ إمَامُ مَنْ مَرَّ عَلَى التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الزِّيَادَةَ عَلَى التَّشَهُّدِ، فَأَفَادَ أَنَّ الدُّعَاءَ بِقَدْرِ التَّشَهُّدِ لِلْإِمَامِ لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بَلْ هُوَ سُنَّةٌ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ عَلَى الْإِرْشَادِ مَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ، وَعِبَارَتُهُ: وَيُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَهَا: أَيْ الْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ هُنَا وَفِي غَيْرِهَا.
نَعَمْ يُسَنُّ لِغَيْرِ الْمُنْفَرِدِ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ هُنَا أَقَلَّ مِنْ أَقَلِّ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ اهـ (قَوْلُهُ كَاَللَّهُمِ اُرْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ) زَادَ حَجّ: وَقَالَ جَمْعٌ إنَّهُ بِالْأَوَّلِ سُنَّةٌ وَبِالثَّانِي مُبَاحٌ اهـ. وَخَصَّ الْجَارِيَةَ الْحَسْنَاءَ بِالذِّكْرِ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ طَلَبَهَا مُبْطِلٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ دَعَا بِدُعَاءٍ مَحْظُورٍ) وَلَيْسَ مِنْ الدُّعَاءِ الْمَحْظُورِ مَا يَقَعُ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي الْقُنُوتِ مِنْ قَوْلِهِمْ أَهْلِكْ اللَّهُمَّ مَنْ بَغَى عَلَيْنَا وَاعْتَدَى وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِعَدَمِ تَعْيِينِ الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ.
فَأَشْبَهَ لَعْنَ الْفَاسِقِينَ وَالظَّالِمِينَ وَقَدْ صَرَّحُوا بِجَوَازِهِ فَهَذَا أَوْلَى مِنْهُ لِأَنَّ الدُّعَاءَ بِهِ دُونَ اللَّعْنَةِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الظَّالِمَ الْمُعْتَدِيَ يَجُوزُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ وَلَوْ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ.
[فَرْعٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ شَخْصٍ خَيَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ الْقَاصِرَةُ انْعِكَاسَ الزَّمَنِ، وَأَنَّ مِنْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى شَخْصٍ يَدْعُو لَهُ لِيَنْعَكِسَ الْحَالُ وَيَحْصُلَ مَقْصُودُهُ مِنْ إيصَالِ الضَّرَرِ لِلْمَدْعُوِّ لَهُ، وَفَعَلَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ مُعْتَقِدًا لَهُ وَقَاصِدًا لَهُ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الظَّاهِرَ الْبُطْلَانُ بِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ دُعَاءٌ بِمُحَرَّمٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ اللَّفْظَ الدَّالَ عَلَى طَلَبِ شَيْءٍ فِي طَلَبِ ضِدِّهِ وَهُوَ مِنْ الْمَجَازِ كَإِطْلَاقِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، فَإِذَا قَالَ هُنَا: اللَّهُمَّ ارْحَمْ فُلَانًا قَاصِدًا مَا تَقَدَّمَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ اللَّهُمَّ لَا تَرْحَمْهُ، فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ قَلَّ أَنْ يُوجَدَ.
وَقَالَ سم عَلَى أَبِي شُجَاعٍ قُبَيْلَ كِتَابِ الطَّهَارَةِ: فَائِدَةٌ: وَقَدْ يَكُونُ أَيْ الدُّعَاءُ حَرَامًا، وَمِنْهُ طَلَبُ مُسْتَحِيلٍ عَقْلًا أَوْ عَادَةً إلَّا لِنَحْوِ وَلِيٍّ، وَطَلَبُ نَفْيِ مَا دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى ثُبُوتِهِ أَوْ ثُبُوتِ مَا دَلَّ عَلَى نَفْيِهِ وَمِنْ ذَلِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعَ ذُنُوبِهِمْ، لِدَلَالَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْذِيبِ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ نَحْوِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ذُنُوبَهُمْ عَلَى الْأَوْجَهِ لِصِدْقِهِ بِغُفْرَانِ بَعْضِ الذُّنُوبِ لِلْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ، فَلَا مُنَافَاةَ فِيهِ لِلنُّصُوصِ وَتَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ فِي جَوَازِ الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ بِالْفِتْنَةِ فِي دِينِهِ وَسُوءِ الْخَاتِمَةِ، وَنَصَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الظَّالِمِ الْمُتَمَرِّدِ، أَمَّا هُوَ فَيَجُوزُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ سُؤَالِ الْعِصْمَةَ وَالْوَجْهُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ إنْ قَصَدَ التَّوَقِّيَ عَنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي وَالرَّذَائِلِ فِي جَمِيعِ الْأَقْوَالِ امْتَنَعَ، لِأَنَّهُ سُؤَالُ مَقَامِ النُّبُوَّةِ أَوْ التَّحَفُّظِ مِنْ الشَّيْطَانِ وَالتَّخَلُّصِ مِنْ أَفْعَالِ السُّوءِ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي حَالِ الْإِطْلَاقِ وَالْمُتَّجَهُ عِنْدِي الْجَوَازُ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ لِلْمَحْذُورِ وَاحْتِمَالِهِ الْوَجْهَ الْجَائِزَ، وَقَدْ يَكُونُ كُفْرًا كَالدُّعَاءِ بِالْمَغْفِرَةِ لِمَنْ مَاتَ كَافِرًا، وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا وَمِنْهُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ الدُّعَاءُ

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ضَاقَ عَنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِهَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ احْتِمَالٌ اهـ. وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا بِدَلِيلِ مِمَّا مَرَّ فِي الْمَدِّ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَيُكْرَهُ الدُّعَاءُ فِيهِ لِبِنَائِهِ عَلَى التَّخْفِيفِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، أَمَّا الْمَسْبُوقُ إذَا أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ فَإِنَّهُ يَتَشَهَّدُ مَعَ الْإِمَامِ تَشَهُّدَهُ الْأَخِيرَ وَهُوَ أَوَّلُ لِلْمَأْمُومِ فَلَا يُكْرَهُ الدُّعَاءُ لَهُ فِيهِ بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَالْأَشْبَهُ فِي الْمُوَافِقِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِمَامُ يُطِيلُ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ إمَّا لِثِقَلِ لِسَانِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَأَتَمَّهُ الْمَأْمُومُ سَرِيعًا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهُ الدُّعَاءُ أَيْضًا بَلْ يُسْتَحَبُّ إلَى أَنْ يَقُومَ إمَامُهُ (وَمَأْثُورُهُ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَفْضَلُ) مِنْ غَيْرِهِ لِتَنْصِيصِ الشَّارِعِ عَلَيْهِ (وَمِنْهُ) أَيْ الْمَأْثُورِ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت» إلَى آخِرِهِ) وَهُوَ «وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْت وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْمُرَادُ بِالتَّأْخِيرِ إنَّمَا هُوَ بِالنَّسِيَةِ إلَى مَا وَقَعَ لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ قَبْلَ الذَّنْبِ

[حاشية الشبراملسي]

فِي كَنِيسَةٍ وَحَمَّامٍ وَمَحَلِّ نَجَاسَةٍ وَقَذَرٍ وَلَعِبٍ وَمَعْصِيَةٍ كَالْأَسْوَاقِ الَّتِي يَغْلِبُ وُقُوعُ الْعُقُودِ وَالْأَيْمَانِ الْفَاسِدَةِ فِيهَا، وَالدُّعَاءِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ خَادِمِهِ، وَفِي إطْلَاقِ عَدَمِ جَوَازِ الدُّعَاءِ عَلَى الْوَلَدِ وَالْخَادِمِ نَظَرٌ، وَيَجُوزُ الدُّعَاءُ لِلْكَافِرِ بِنَحْوِ صِحَّةِ الْبَدَنِ وَالْهِدَايَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّأْمِينِ عَلَى دُعَائِهِ، وَيَحْرُمُ لَعْنُ الْمُسْلِمِ الْمُتَصَوِّلِ، وَيَجُوزُ لَعْنُ أَصْحَابِ الْأَوْصَافِ الْمَذْمُومَةِ كَالْفَاسِقِينَ وَالْمُصَوِّرِينَ، وَأَمَّا لَعْنُ الْمُعِينِ مِنْ كَافِرٍ أَوْ فَاسِقٍ قَضِيَّةُ ظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ الْجَوَازُ.
وَأَشَارَ الْغَزَالِيُّ إلَى تَحْرِيمِهِ إلَّا مَنْ عُلِمَ مَوْتُهُ عَلَى الْكُفْرِ، وَكَالْإِنْسَانِ فِي تَحْرِيمِ لَعْنِهِ بَقِيَّةَ الْحَيَوَانَاتِ وَخَرَجَ بِالدُّعَاءِ الْمَحْظُورِ الْمَكْرُوهُ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ سم.
وَقَوْلُهُ وَقَدْ يَكُونُ يَنْبَغِي أَنْ يُتَأَمَّلَ كَوْنُهُ كُفْرًا بَلْ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ حَرَامًا فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى الْوَرَقَاتِ: يَجُوزُ مَغْفِرَةُ مَا عَدَا الشِّرْكَ لِلْكَافِرِ.
نَعَمْ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ فِي الْجَنَائِزِ حُرْمَةُ الدُّعَاءِ لِلْكَافِرِ بِالْمَغْفِرَةِ.
وَقَوْلُهُ وَحَمَّامٌ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ فِي الْحَمَّامِ كُرِهَ لَهُ أَدْعِيَةُ الْوُضُوءِ.
وَقَوْلُهُ وَمَحَلٌّ قَذَرٌ يُشْكِلُ عَلَيْهِ طَلَبُ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْخُبْثِ إلَخْ عِنْدَ دُخُولِ الْخَلَاءِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا وَنَحْوُهُ مُسْتَثْنًى فَلْيُرَاجَعْ.
وَأَنَّ قَوْلَهُ وَقَدْ يَكُونُ كُفْرًا مَحْمُولٌ عَلَى طَلَبِ مَغْفِرَةِ الشِّرْكِ الْمَمْنُوعَةِ بِنَصِّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] وَمَعَ ذَلِكَ فِي كَوْنِ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ كُفْرًا شَيْءٌ، وَقَوْلُهُ وَفِي إطْلَاقِ عَدَمِ جَوَازِ الدُّعَاءِ عَلَى الْوَلَدِ إلَخْ الْمُرَادُ جَوَازًا مُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ، فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ، وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا قَصَدَ بِذَلِكَ تَأْدِيبَهُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إفَادَتُهُ جَازَ كَضَرْبِهِ بَلْ أَوْلَى وَإِلَّا كُرِهَ.
وَقَوْلُهُ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّأْمِينِ عَلَى دُعَائِهِ، وَيَنْبَغِي حُرْمَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِ وَتَخْيِيلِ أَنَّ دُعَاءَهُ مُسْتَجَابٌ (قَوْلُهُ: فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِهَا) وَقِيَاسُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ضَاقَتْ مُدَّةُ الْخُفِّ عَمَّا يَسَعُ الزِّيَادَةَ لَمْ يَأْتِ بِهَا وَهُوَ وَاضِحٌ فِي الْفَرْضِ، أَمَّا فِي النَّفْلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ قَصَدَ بِالزِّيَادَةِ إبْطَالَهُ وَعَدَمَ الْبَقَاءِ فِيهِ لَمْ يَحْرُمْ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ النَّفْلِ جَائِزٌ، وَإِلَّا حَرُمَ لِاشْتِغَالِهِ فِيهِ بِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ (قَوْلُهُ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا) أَيْ بِالزِّيَادَةِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ: فَلَا يُكْرَهُ الدُّعَاءُ لَهُ فِيهِ) وَالْمُرَادُ بِالدُّعَاءِ الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ وَمَا بَعْدَهَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ مَا يَأْتِي عَنْ سم (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهُ الدُّعَاءُ) وَمِنْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ كَمَا نَقَلَهُ سم عَنْ حَجّ عَنْ إفْتَاءِ الشِّهَابِ الرَّمْلِيِّ، وَعِبَارَةٌ: لَوْ فَرَغَ الْمَأْمُومُ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ سُنَّ لَهُ الْإِتْيَانُ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ وَتَوَابِعِهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ اهـ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ) عِبَارَةُ حَجّ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِهَا) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ:، وَالْأَشْبَهُ فِي الْمُوَافِقِ) صَرِيحُ هَذَا الصَّنِيعِ أَنَّ الْمُوَافِقَ الَّذِي أَطَالَ إمَامُهُ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ لَا يَأْتِي بِبَقِيَّةِ التَّشَهُّدِ الْأَكْمَلِ بَلْ يَسْتَقِلُّ بِالدُّعَاءِ، وَإِلَّا لَمْ يَحْسُنْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ فِي الْعِبَارَةِ، لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ نَقْلًا عَنْ فَتَاوَى وَالِدِ الشَّارِحِ أَنَّهُ مِثْلُهُ، فَلْيُرَاجَعْ وَلْيُحَرَّرْ مَذْهَبُ

مُحَالٌ.
قَالَهُ النَّيْسَابُورِيُّ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُحَالَ إنَّمَا هُوَ طَلَبُ مَغْفِرَتِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ.
أَمَّا الطَّلَبُ قَبْلَ وُقُوعِهِ أَنْ يُغْفَرَ إذَا وَقَعَ فَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ، وَمِنْهُ أَيْضًا: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ: أَيْ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

(وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَزِيدَ) إمَامُ مَنْ مَرَّ (عَلَى قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ عَدَمُ طَلَبِ تَرْكِ الْمُسَاوَاةِ، وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ أَنَّ الْأَفْضَلَ كَوْنُهُ أَقَلَّ مِنْهُمَا، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِمَا لَمْ يَضُرَّ، لَكِنْ يُكْرَهُ التَّطْوِيلُ بِغَيْرِ رِضَا مَنْ مَرَّ وَخَرَجَ بِالْإِمَامِ غَيْرُهُ فَلَهُ أَنْ يُطِيلَ مَا شَاءَ مَا لَمْ يَخَفْ وُقُوعَهُ فِي سَهْوِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ الْمُعْظَمُ بِالْمُرَادِ هُنَا بِقَدْرِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ هُوَ أَقَلُّهُمَا أَوْ أَكْمَلُهُمَا وَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَقَلُّ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَطَالَهُمَا أَطَالَهُ وَإِنْ خَفَّفَهُمَا خَفَّفَهُ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُمَا (وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُمَا) أَيْ الْوَاجِبِ فِي التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيْ عَنْ النُّطْقِ بِهِمَا بِالْعَرَبِيَّةِ (تَرْجَمَ) عَنْهُمَا وُجُوبًا بِأَيِّ لُغَةٍ شَاءَ إذْ لَا إعْجَازَ فِيهِمَا وَعَلَيْهِ التَّعَلُّمُ كَمَا مَرَّ.
لَكِنْ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِ التَّشَهُّدِ وَأَحْسَنَ ذِكْرًا آخَرَ أَتَى بِهِ وَإِلَّا تَرْجَمَهُ أَمَّا الْقَادِرُ فَيُمْتَنَعُ عَلَيْهِ التَّرْجَمَةُ وَتَبْطُلُ بِهَا صَلَاتُهُ (وَيُتَرْجِمُ لِلدُّعَاءِ) الْمَنْدُوبِ (وَالذِّكْرُ الْمَنْدُوبِ) نَدْبًا كَقُنُوتٍ وَتَكْبِيرِ انْتِقَالٍ وَتَسْبِيحِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ (الْعَاجِزُ) لِكَوْنِهِ مَعْذُورًا (لَا الْقَادِرُ)

[حاشية الشبراملسي]

الْمَنْقُولُ مِنْهُ هُنَا عَنْهُ إلَخْ (قَوْلُهُ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: قَالَ فِي الْقُوتِ: هَذَا مُتَأَكِّدٌ فَقَدْ صَحَّ الْأَمْرُ بِهِ وَأَوْجَبَهُ قَوْمٌ، وَأَمَرَ طَاوُسٌ ابْنَهُ بِالْإِعَادَةِ لِتَرْكِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتِمَ بِهِ دُعَاءَهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ» اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: «وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» ) يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِفِتْنَةِ الْمَمَاتِ: الْفِتْنَةُ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، وَأَضَافَهَا لِلْمَمَاتِ لِاتِّصَالِهَا بِهِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَا يَحْصُلُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْفِتْنَةِ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ، وَهَذَا أَظْهَرُ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ عِنْدَ الْمَوْتِ شَمَلَتْهُ فِتْنَةُ الْمَحْيَا اهـ عَلْقَمِيٌّ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ» إلَخْ بِتَصَرُّفٍ قَلِيلٍ (قَوْلُهُ: وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ) وَاسْمُهُ صَافِ بْنِ صَيَّادٍ وَكُنْيَتُهُ أَبُو يُوسُفَ وَهُوَ يَهُودِيٌّ اهـ مُنَاوِيٌّ كَذَا بِهَامِشٍ صَحِيحٍ (قَوْلُهُ: وَالْمَغْرَمِ) أَيْ تَرْكِ الطَّاعَةِ.

(قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَزِيدَ إمَامُ مَنْ مَرَّ) أَيْ أَنْ لَا يَزِيدَ الدُّعَاءُ (قَوْلُهُ: كَوْنُهُ) أَيْ الدُّعَاءِ، وَقَوْلُهُ أَقَلَّ مِنْهُمَا قَالَ حَجّ: فَإِنْ سَاوَاهُمَا كُرِهَ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَخَفْ وُقُوعَهُ فِي سَهْوٍ) وَمِثْلُهُ إمَامُ مَنْ مَرَّ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَنْ لَمْ يُسَنَّ لَهُ انْتِظَارُ نَحْوِ دَاخِلٍ حَجّ (قَوْلُهُ: أَقَلُّ مَا يَأْتِي بِهِ) الْأَوْلَى قَدْرُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ إسْقَاطَ لَفْظِ أَقَلَّ وَهِيَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: وَأَحْسَنَ ذِكْرًا آخَرَ أَتَى بِهِ) أَيْ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّعَلُّمَ قَبْلُ وَإِلَّا قَضَى لِتَقْصِيرِهِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا تَرْجَمَهُ) أَيْ التَّشَهُّدَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ (قَوْلُهُ وَيُتَرْجِمُ لِلدُّعَاءِ) الْمَأْثُورِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَحَلٍّ مِنْ الصَّلَاةِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: الْعَاجِزِ) فَلَوْ عَجَزَ عَنْ

[حاشية الرشيدي]

الشَّارِحِ فِي ذَلِكَ

(قَوْلُهُ: إمَامُ مَنْ مَرَّ) يُعْلَمُ مِنْ صَنِيعِهِ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عِنْدَهُ ثَلَاثَةٌ: فَإِمَامُ مَنْ مَرَّ يُسَنُّ فِي حَقِّهِ أَنْ لَا يَزِيدَ، فَإِنْ زَادَ كَانَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ، وَإِمَامُ غَيْرِ مَنْ مَرَّ تُكْرَهُ فِي حَقِّهِ الزِّيَادَةُ، وَالْمُنْفَرِدُ يُطِيلُ مَا شَاءَ: أَيْ وَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ كَمَا يَقْتَضِيهِ التَّقْسِيمُ.
وَسَكَتَ عَنْ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْإِمَامِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلشِّهَابِ حَجّ وَمُوَافِقٌ لِمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، فَمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مِنْ تَنْزِيلِ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى كَلَامِ الشِّهَابِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِ التَّشَهُّدِ وَأَحْسَنُ ذِكْرٍ آخَرَ أَتَى بِهِ وَإِلَّا تَرْجَمَهُ) صَرِيحٌ فِي تَأَخُّرِ التَّرْجَمَةِ عَنْ الذِّكْرِ الَّذِي أَتَى بِهِ بَدَلًا عَنْ التَّشَهُّدِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ

لِانْتِفَاءِ عُذْرِهِ (فِي الْأَصَحِّ) فِيهِمَا حِرْصًا عَلَى حِيَازَةِ الْفَضِيلَةِ كَمَا فِي الْوَاجِبِ، وَالثَّانِي يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْقَادِرِ أَيْضًا لِقِيَامِ غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَقَامَهَا فِي أَدَاءِ الْمَعْنَى، وَمُرَادُهُ بِالْمَنْدُوبِ الْمَزِيدُ عَلَى الْمُحَرَّرِ الْمَأْثُورِ إذْ الْخِلَافُ فِيهِ، أَمَّا غَيْرُ الْمَأْثُورِ بِأَنْ اخْتَرَعَ دُعَاءً أَوْ ذِكْرًا ثُمَّ تَرْجَمَ عَنْهُمَا بِالْعَجَمِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ وَتَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ.

(الثَّانِيَ عَشَرَ) مِنْ أَرْكَانِهَا (السَّلَامُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (وَأَقَلُّهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) مِنْ قُعُودٍ أَوْ بَدَلِهِ وَصَدْرُهُ لِلْقِبْلَةِ لِلِاتِّبَاعِ مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَكُرِهَ عَكْسُهُ وَيُجْزِئُ لِتَأْدِيَتِهِ مَعْنَاهُ، وَلَا يَقْدَحُ فِي إجْزَائِهِ عَدَمُ وُرُودِهِ هَكَذَا لِمَا عَلَّلْنَا بِهِ وَلِوُجُودِ الصِّيغَةِ وَإِنَّمَا هِيَ مَقْلُوبَةٌ، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ السَّلَامِ وَعَلَيْكُمْ شَرْطٌ كَالِاحْتِرَازِ عَنْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَسَيَأْتِي فِي سُجُودِ السَّهْوِ أَنَّهُ لَوْ قَامَ لِخَامِسَةٍ بَعْدَ تَشَهُّدِهِ فِي الرَّابِعَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ

[حاشية الشبراملسي]

التَّرْجَمَةِ هَلْ يَسْكُتُ بِقَدْرِ الْأَدْعِيَةِ الْمَطْلُوبَةِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَسَيَأْتِي فِي الْأَبْعَاضِ أَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْهَا وَقَفَ بِقَدْرِهَا فِي الْقُنُوتِ وَجَلَسَ بِقَدْرِهَا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَقِيَاسُهُ أَنَّ أَدْعِيَةَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَذَلِكَ، وَأَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْ تَرْجَمَةِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَقَفَ بِقَدْرِهِ إنْ لَمْ يُحْسِنْ ذِكْرًا، وَلَا أَتَى بِهِ: أَيْ الذِّكْرِ بَدَلَهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ، لَكِنْ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِ التَّشَهُّدِ وَأَحْسَنَ ذِكْرًا أَتَى بِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ الْمَزِيدُ عَلَى الْمُحَرَّرِ الْمَأْثُورِ) أَيْ الْمَنْقُولِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْدُوبًا لِخُصُوصِ هَذَا الْمُصَلِّي كَأَدْعِيَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِإِمَامِ غَيْرِ الْمَحْصُورِينَ فَإِنَّهَا مَأْثُورَةٌ فِي الْجُمْلَةِ وَلَيْسَتْ مَنْدُوبَةً.

(قَوْلُهُ: مِنْ أَرْكَانِهَا السَّلَامُ) قَالَ الْقَفَّالُ فِي الْمَحَاسِنِ: فِي السَّلَامِ مَعْنًى وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا عَنْ النَّاسِ وَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ اهـ ثُمَّ رَأَيْت كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يُفْهِمُ أَنَّ الْوَاجِبَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ اهـ عَمِيرَةُ.
وَيُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ بَعْدُ وَأَكْمَلُهُ إلَخْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ لَا شَرْطٌ كَوْنُهُ جُزْءًا مِنْهَا لَا شَرْطًا، إذَا الشَّرْطُ مَا كَانَ خَارِجًا عَنْ الْمَاهِيَّةِ وَقَارَنَ كُلَّ مُعْتَبَرٍ سِوَاهُ كَالِاسْتِقْبَالِ وَالطَّهَارَةِ بِخِلَافِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ (قَوْلُهُ: وَتَحْلِيلُهَا) أَيْ تَحْلِيلُ مَا حَرُمَ بِهَا وَيُبَاحُ فِي غَيْرِهَا (قَوْلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) أَيْ وَلَوْ سَكَّنَ الْمِيمَ (قَوْلُهُ: مِنْ قُعُودٍ) أَيْ فِي قُعُودٍ (قَوْلُهُ: وَصَدْرُهُ لِلْقِبْلَةِ) أَيْ فَلَوْ انْحَرَفَ بِهِ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَهَلْ يَعْتَدُّ بِسَلَامِهِ حِينَئِذٍ لِعُذْرِهِ أَوَّلًا، وَيَجِبُ إعَادَتُهُ لِإِتْيَانِهِ بِهِ بَعْدَ الِانْحِرَافِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّا حَيْثُ اغْتَفَرْنَاهُ لَهُ وَعُذِرَ فِيهِ اُعْتُدَّ بِهِ فِيهِ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِانْتِهَاءِ صَلَاتِهِ، وَعَلَى الثَّانِي يَسْجُدُ ثُمَّ يُعِيدُ سَلَامَهُ (قَوْلُهُ: وَكُرِهَ عَكْسُهُ) أَيْ كَأَنْ يَقُولَ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ (قَوْلُهُ: لِمَا عَلَّلْنَا بِهِ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لِتَأْدِيَتِهِ مَعْنَاهُ (قَوْلُهُ: وَالْمُوَالَاةُ) يَنْبَغِي اعْتِبَارُهَا بِمَا سَبَقَ فِي الْفَاتِحَةِ (قَوْلُهُ: كَالِاحْتِرَازِ) يَعْنِي أَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ زِيَادَةٍ إلَخْ شَرْطٌ كَمَا أَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ (قَوْلُهُ: يُغَيِّرُ الْمَعْنَى) قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أَلْ وَالتَّنْوِينِ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَوْ قَالَ وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِزِيَادَةِ وَاوٍ فِي أَوَّلِهِ لَمْ يَضُرَّ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَا تُغَيِّرُ الْمَعْنَى، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وِفَاقًا لمر، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدَمِ كِفَايَةِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ بِأَنَّ السَّلَامَ أَوْسَعُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ: أَيْ وَلِأَنَّ التَّحَرُّمَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مَا يَصْلُحُ لِعِطْفِهِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ السَّلَامِ.
(قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ) أَيْ فَلَوْ هَمَسَ بِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَسْمَعْهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ فَتَجِبُ إعَادَتُهُ، وَإِنْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ

[حاشية الرشيدي]

كَذَلِكَ، وَلْيُنْظَرْ مَا مَوْقِعُ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ بَعْدَ الْمَتْنِ

[الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ السَّلَامُ]

(قَوْلُهُ: مِنْ قُعُودٍ أَوْ بَدَلِهِ) شَمِلَ الِاسْتِلْقَاءَ، وَقَوْلُهُ وَصَدْرُهُ لِلْقِبْلَةِ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ؛ لِأَنَّ اسْتِقْبَالَهُ إنَّمَا هُوَ بِوَجْهِهِ، وَقَوْلُهُ وَصَدْرُهُ لِلْقِبْلَةِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ، وَهُوَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ مَوْجُودًا إلَى تَمَامِ الصَّلَاةِ كَمَا هُوَ شَأْنُ سَائِرِ الشُّرُوطِ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُسْتَلْقِي يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الِالْتِفَاتُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى الْتَفَتَ لِلْإِتْيَانِ بِسُنَّةِ الِالْتِفَاتِ خَرَجَ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ الْمُشْتَرَطِ حِينَئِذٍ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الِالْتِفَاتُ، وَيَكُونُ مُسْتَثْنًى، هَكَذَا ظَهَرَ وَبِهِ يُلْغَزُ فَيُقَالُ: لَنَا مُصَلٍّ مَتَى الْتَفَتَ لِلسَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (قَوْلُهُ: بِغَيْرِ الْمَعْنَى) رَاجِعٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، وَخَرَجَ بِهِ مَا إذَا

عَادَ وَأَجْزَأَهُ تَشَهُّدُهُ فَيَأْتِي بِالسَّلَامِ مِنْ غَيْرِ إعَادَتِهِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي حَيْثُ اشْتَرَطَ إعَادَتَهُ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ لِيَكُونَ السَّلَامُ عَقِبَ التَّشَهُّدِ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ (وَالْأَصَحُّ جَوَازُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) بِالتَّنْوِينِ كَمَا فِي التَّشَهُّدِ إقَامَةً لِلتَّنْوِينِ مَقَامَ الْأَلْفِ وَاللَّامِ (قُلْت: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ لَا يُجْزِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ هُنَا مَعَ صِحَّةِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَ فِي التَّشَهُّدِ لِوُرُودِهِ فِيهِ، وَالتَّنْوِينُ لَا يَقُومُ مَقَامَ أَلْ فِي الْعُمُومِ وَالتَّعْرِيفِ وَغَيْرِهِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ بِهِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ بَعْضُهُمْ، وَلَكِنْ يَظْهَرُ تَقْيِيدُهُ بِغَيْرِ الْجَاهِلِ الْمَعْذُورِ، وَمِثْلُهُ السِّلْمُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِمَعْنَى الصُّلْحِ كَمَا اسْتَوْجَهَهُ الشَّيْخُ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ، نَعَمْ إنْ نَوَى بِهِ السَّلَامَ اتَّجَهَ إجْزَاؤُهُ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِمَعْنَاهُ وَقَدْ نَوَى ذَلِكَ، وَتَبْطُلُ أَيْضًا بِتَعَمُّدِ سَلَامِي أَوْ سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَوْ عَلَيْك أَوْ عَلَيْكُمَا لَا مَعَ ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ لَا خِطَابَ فِيهِ وَلَا يُجْزِئُهُ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ) مِنْ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، بَلْ تُسْتَحَبُّ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْأُولَى رِعَايَةً لِلْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا، فَإِنْ نَوَى قَبْلَ الْأُولَى بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، أَوْ مَعَ الثَّانِيَةِ أَوْ أَثْنَاءَ الْأُولَى فَاتَتْهُ السُّنَّةُ وَلَا يَضُرُّ تَعْيِينُ غَيْرِ صَلَاتِهِ خَطَأً، بِخِلَافِهِ عَمْدًا خِلَافًا لِمَا

[حاشية الشبراملسي]

بِمَا فَعَلَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ نَوَى الْخُرُوجَ قَبْلَ السَّلَامِ (قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ إعَادَتِهِ) أَيْ التَّشَهُّدِ (قَوْلُهُ: حَيْثُ اشْتَرَطَ إعَادَتَهُ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَتَشَهَّدَ ثُمَّ فَعَلَ سُنَّتَهُ سَهْوًا ثُمَّ تَذَكَّرَ أَعَادَ التَّشَهُّدَ ثُمَّ سَلَّمَ، وَمِنْ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ سَجَدَ أَوَّلًا وَتَشَهَّدَ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَعَادَ التَّشَهُّدَ وَسَلَّمَ، كَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ شَرْحِ الْعُبَابِ: وَعِبَارَتُهُ: قَالَ الْقَاضِي وَأَنْ يَصْدُرَ عَقِبَ التَّشَهُّدِ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ، فَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ شَرَعَ فِي السُّنَّةِ سَهْوًا ثُمَّ تَذَكَّرَ بَعْدَ فَرَاغِهَا تَشَهَّدَ ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ ثُمَّ سَلَّمَ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي سَجْدَتَيْ الْأَخِيرَةِ فَأَتَى بِهِمَا ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ كَانَ فَعَلَهَا فَلْيَسْتَأْنِفْ التَّشَهُّدَ، وَأَنَّهُ لَوْ قَامَ لِخَامِسَةٍ بَعْدَ تَشَهُّدِهِ فِي الرَّابِعَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَعَادَ وَأَجْزَأَهُ تَشَهُّدُهُ اهـ مِنْ نُسْخَةٍ سَقِيمَةٍ.
وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي الرَّوْضَةِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بِمَا يَرُدُّ مَا قَالَهُ الْقَاضِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اهـ سم عَلَى حَجّ.
[فَرْعٌ] ظَنَّ مُصَلِّي فَرْضٍ أَنَّهُ فِي نَفْلٍ فَكَمَّلَ عَلَيْهِ لَمْ يُؤَثِّرْ: أَيْ فِي الِاعْتِدَادِ بِمَا فَعَلَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَفَارَقَ مَا مَرَّ فِي وُضُوءِ الِاحْتِيَاطِ بِأَنَّ النِّيَّةَ هُنَا بُنِيَتْ ابْتِدَاءً عَلَى يَقِينٍ بِخِلَافِهَا ثَمَّ، وَلَيْسَ قِيَامُ النَّفْلِ مَقَامَ الْفَرْضِ مُنْحَصِرًا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ التَّنْقِيحِ ضَابِطٌ مَا يَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ أَنْ تَسْبِقَ نِيَّةٌ تَشْمَلُهُمَا، ثُمَّ يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْعِبَادَةِ يَنْوِي بِهِ النَّفَلَ وَيُصَادِفُ بَقَاءَ الْفَرْضِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ الشُّمُولِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ النَّفَلُ دَاخِلًا كَالْفَرْضِ فِي مُسَمًّى مُطْلَقِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالسَّهْوِ كَمَا يَأْتِي اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَالتَّعْرِيفُ وَغَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ مَا ذُكِرَ، وَعِبَارَةُ حَجّ وَغَيْرُهُمَا: وَقَالَ سم عَلَيْهِ: يُتَأَمَّلُ مِثَالُهُ، وَأَمَّا تَسْوِيغُ نَحْوِ الِابْتِدَاءِ وَمَجِيءِ الْحَالِ فَمِنْ فُرُوعِ التَّعْرِيفِ اهـ: أَيْ وَكَذَا الْعَهْدُ وَالْجِنْسُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ) أَيْ الْبُطْلَانِ (قَوْلُهُ: بِغَيْرِ الْجَاهِلِ الْمَعْذُورِ) وَالْمُرَادُ بِالْمَعْذُورِ هُنَا مَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بَعِيدَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ نَوَى بِهِ السَّلَامَ) أَخْرَجَ الْإِطْلَاقَ اهـ سم حَجّ.
وَكَذَا لَوْ شَرَّكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَلَا يَضُرُّ فِيمَا يَظْهَرُ.
وَقَوْلُهُ اتَّجَهَ إجْزَاؤُهُ وَمِثْلُهُ السَّلَمُ بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ اهـ مُؤَلِّفٌ وحج، وَمِثْلُهُ السَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ اللَّامِ (قَوْلُهُ: لَا مَعَ ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ) أَيْ كَالسَّلَامِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَيْهِمْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ أَيْ أَوْ عَلَيْهِنَّ (قَوْلُهُ بَلْ تُسْتَحَبُّ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْأُولَى) أَيْ وَإِنْ عَزَبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ نَوَى قَبْلَ الْأُولَى) أَيْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ قَصَدَ فِي أَثْنَاءِ التَّشَهُّدِ أَنْ يَنْوِيَ الْخُرُوجَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّلَامِ لِأَنَّهُ نَوَى فِعْلَ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ، وَقِيَاسُ عَدَمِ الْبُطْلَانِ بِنِيَّةِ فِعْلِ مَا يَبْطُلُ قَبْلَ الشُّرُوعِ

[حاشية الرشيدي]

لَمْ يُغَيِّرْ الْمَعْنَى، وَمِثَالُهُ فِي النَّقْصِ.
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ الْآتِي (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ لَا خِطَابَ فِيهِ) يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ

جارٍ التحميل