نهاية المحتاج إلى شرح المنهاجصفحات 76-115

فَيَمْتَنِعُ لِاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ، وَكَذَا بَعْدَ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ (وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ) أَيْ الْإِعْرَاضِ لِمَنْ ذُكِرَ (بَعْدَ فَرْزِ الْخُمُسِ) وَقَبْلَ قِسْمَةِ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ إفْرَازَهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ حَقُّ كُلٍّ مِنْهُمْ، وَالثَّانِي مَنْعُهُ لِتَمَيُّزِ حَقِّ الْغَانِمِينَ (وَ) الْأَصَحُّ (جَوَازُهُ لِجَمِيعِهِمْ) أَيْ الْغَانِمِينَ، وَيُصْرَفُ حَقُّهُمْ مَصْرِفَ الْخُمُسِ، وَالثَّانِي مَنْعُ ذَلِكَ (وَ) الْأَصَحُّ (بُطْلَانُهُ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى) وَإِنْ انْحَصَرُوا فِي وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَهُ بِعَمَلٍ فَكَانَ كَالْإِرْثِ، وَالثَّانِي صِحَّتُهُ مِنْهَا كَالْغَانِمِينَ وَأَحَدِهِمْ، وَخَصَّهُمْ لِأَنَّ بَقِيَّةَ مُسْتَحِقِّي الْخُمُسِ جِهَاتٌ عَامَّةٌ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا إعْرَاضٌ (وَ) مِنْ (سَالِبِ مَالٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ السَّلْبَ قَهْرًا (وَالْمُعْرِضِ) عَنْ حَقِّهِ (كَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ) فَيُضَمُّ نَصِيبُهُ لِلْغَنِيمَةِ، وَيُقَسَّمُ بَيْنَ الْبَاقِينَ وَأَهْلِ الْخُمُسِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّشْبِيهِ أَنَّهُ لَا يَعُودُ حَقُّهُ لَوْ رَجَعَ عَنْ الْإِعْرَاضِ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمُوصًى لَهُ لَهُ رَدُّ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا كَمَا مَرَّ.
وَأَمَّا مَا بَحَثَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عَوْدِ حَقِّهِ بِرُجُوعِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَا بَعْدَهَا تَنْزِيلًا لِإِعْرَاضِهِ مَنْزِلَةَ الْهِبَةِ وَلِلْقِسْمَةِ مَنْزِلَةَ قَبْضِهَا، كَمَا لَوْ أَعْرَضَ مَالِكُ كِسْرَةٍ عَنْهَا لَهُ الْعَوْدُ لِأَخْذِهَا فَبَعِيدٌ، وَقِيَاسُهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
إذْ الْإِعْرَاضُ عَنْهَا لَيْسَ هِبَةً وَلَا مُنَزَّلًا مَنْزِلَتَهَا؛ لِأَنَّ الْمُعْرَضَ عَنْهُ هُنَا حَقُّ تَمَلُّكٍ لَا غَيْرُ، وَمِنْ ثَمَّ جَازَ مِنْ نَحْوِ مُفْلِسٍ كَمَا مَرَّ، وَلِأَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنْ الْكِسْرَةِ يُصَيِّرُهَا مُبَاحَةً لَا مَمْلُوكَةً وَلَا مُسْتَحَقَّةً لِلْغَيْرِ فَجَازَ لِلْمُعْرِضِ أَخْذُهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا يَنْقُلُ الْحَقَّ لِلْغَيْرِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ

(وَمَنْ) (مَاتَ) مِنْ الْغَانِمِينَ وَلَمْ يَعْرِضْ (فَحَقُّهُ لِوَارِثِهِ) كَبَقِيَّةِ الْحُقُوقِ، فَإِنْ شَاءَ طَلَبَهُ أَوْ أَعْرَضَ عَنْهُ (وَلَا تُمَلَّكُ) الْغَنِيمَةُ (إلَّا بِقِسْمَةٍ) مَعَ الرِّضَا بِهَا بِاللَّفْظِ لَا بِالِاسْتِيلَاءِ، وَإِلَّا لَامْتَنَعَ الْإِعْرَاضُ وَتَخْصِيصُ كُلِّ طَائِفَةٍ بِنَوْعٍ مِنْهَا (وَلَهُمْ) أَيْ الْغَانِمِينَ (التَّمَلُّكُ قَبْلَهَا) لَفْظًا بِأَنْ يَقُولَ كُلٌّ بَعْدَ الْحِيَازَةِ وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ اخْتَرْتُ مِلْكَ نَصِيبِي فَتَمَلَّكَ بِذَلِكَ أَيْضًا (وَقِيلَ يَمْلِكُونَ بِمُجَرَّدِ الْحِيَازَةِ) لِزَوَالِ مِلْكِ الْكُفَّارِ بِالِاسْتِيلَاءِ (وَقِيلَ) الْمِلْكُ مَوْقُوفٌ فَيُنْظَرُ (إنْ سُلِّمَتْ) الْغَنِيمَةُ (إلَى الْقِسْمَةِ بِأَنَّ مِلْكَهُمْ) عَلَى الْإِشَاعَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَلِفَتْ أَوْ أَعْرَضُوا عَنْهَا (فَلَا) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْقِسْمَةِ

(وَيُمْلَكُ الْعَقَارُ بِالِاسْتِيلَاءِ) مَعَ الْقِسْمَةِ أَوْ بِاخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (كَالْمَنْقُولِ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَدَّمَهُ فِيهِ هُوَ مَا ذُكِرَ، وَيَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ يُمْلَكُ يَخْتَصُّ: أَيْ يَخْتَصُّونَ بِهِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ كَمَا يَخْتَصُّونَ بِالْمَنْقُولِ، وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ فِي أَحَدِ أَوْجُهِهِ إلَى ضَعْفِهِ، وَيَكُونُ الْحَامِلُ لِلْمُصَنِّفِ عَلَى تَعَرُّضِهِ لِلْعَقَارِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، وَتَشْبِيهُهُ بِالْمَنْقُولِ الْإِشَارَةُ إلَى خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ الْإِعْرَاضُ (قَوْلُهُ: لَوْ رَجَعَ عَنْ الْإِعْرَاضِ مُطْلَقًا) أَيْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوْ بَعْدَهَا (قَوْلُهُ: وَقَبْلَ الْقَبُولِ) تَفْسِيرِي: يَعْنِي فَالرَّدُّ لِلْقَبُولِ كَأَنْ يَقُولَ رَدَدْتهَا أَوْ لَا أَقْبَلُهَا، وَلَوْ حُذِفَ قَوْلُهُ وَقَبْلَ الْقَبُولِ كَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا) أَيْ الْغَنِيمَةِ

(قَوْلُهُ مَعَ الرِّضَا بِهَا) أَيْ الْقِسْمَةِ (قَوْلُهُ: وَتَخْصِيصُ كُلِّ طَائِفَةٍ) أَيْ وَإِنْ رَغِبَ غَيْرُ تِلْكَ الطَّائِفَةِ فِيمَا خُصَّ بِهِ تِلْكَ الطَّائِفَةُ بِتَفْوِيضِ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ لَهُ، وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلَهُ وَتَخْصِيصُ كُلِّ طَائِفَةٍ أَيْ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جَائِزٌ (قَوْلُهُ: فَيَمْلِكُ بِذَلِكَ) أَيْ وَيَمْلِكُ كُلٌّ نَصِيبَهُ شَائِعًا فَيُورَثُ عَنْهُ، وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ عَنْهُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ) كَأَنَّ الْأَظْهَرَ الْفَاءُ بَدَلَ الْوَاوِ وَلَعَلَّهَا لِلْحَالِ

(قَوْلُهُ: فَتُمْلَكُ بِذَلِكَ أَيْضًا) بَلْ لَا تُمْلَكُ إلَّا بِهِ وَلَا أَثَرَ لِلْقِسْمَةِ فِي الْمِلْكِ كَمَا عُلِمَ

(قَوْلُهُ: مَعَ الْقِسْمَةِ) أَيْ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْمَتْنِ وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ أَوْ الْمُرَادُ مَعَ الْقِسْمَةِ بِشَرْطِهَا عَلَى مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: إلَى ضَعْفِهِ) أَيْ ضَعْفِ مَا فِي الْمَتْنِ فَهُوَ مَسْلَكٌ ثَالِثٌ فِي الْمَتْنِ، وَكَانَ الْأَوْلَى خِلَافُ هَذَا الصَّنِيعِ (قَوْلُهُ: وَيَكُونُ الْحَامِلُ إلَخْ) لَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ الْجَلَالُ وَإِنْ أَوْهَمَهُ السِّيَاقُ بَلْ الَّذِي فِي كَلَامِ غَيْرِهِ خِلَافُهُ

حَيْثُ خَيَّرَ الْإِمَامَ فِيهِ بَيْنَ قِسْمَتِهِ وَتَرْكِهِ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ وَوَقْفِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَحُجَّتُنَا الْقِيَاسُ عَلَى الْمَنْقُولِ

(وَلَوْ كَانَ) (فِيهَا كَلْبٌ أَوْ كِلَابٌ تَنْفَعُ) لِصَيْدٍ أَوْ حِرَاسَةٍ (وَأَرَادَ بَعْضُهُمْ) أَيْ الْغَانِمِينَ أَوْ أَهْلِ الْخُمُسِ (وَلَمْ يُنَازَعْ) فِيهِ (أُعْطِيَهُ) إذْ لَا ضَرَر فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ نُوزِعَ فِيهِ (قُسِّمَتْ) عَدَدًا (إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْ قِسْمَتُهَا عَدَدًا (أَقُرِعَ) بَيْنَهُمْ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ.
أَمَّا مَا لَا نَفْعَ فِيهِ فَلَا يَحِلُّ اقْتِنَاؤُهُ، وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ إنَّ قَوْلَهُمْ هُنَا عَدَدًا مُشْكِلٌ بِمَا مَرَّ فِي الْوَصِيَّةِ مِنْ اعْتِبَارِ قِيمَتِهَا عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهَا قِيمَةً وَيُنْظَرُ إلَى مَنَافِعِهَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِمِثْلِهِ هُنَا.
أُجِيبُ عَنْهُ بِإِمْكَانِ الْفَرْقِ بِأَنَّ حَقَّ الْمُشَارِكِينَ ثَمَّ مِنْ الْوَرَثَةِ أَوْ بَقِيَّةِ الْمُوصَى لَهُمْ آكَدُ مِنْ حَقِّ بَقِيَّةِ الْغَانِمِينَ هُنَا فَسُومِحَ هُنَا بِمَا لَمْ يُسَامَحْ بِهِ ثَمَّ.

(وَالصَّحِيحُ أَنَّ سَوَادَ الْعِرَاقِ) مِنْ إضَافَةِ الْجِنْسِ إلَى بَعْضِهِ، إذْ السَّوَادُ أَزْيَدُ مِنْ الْعِرَاقِ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ فَرْسَخًا؛ لِأَنَّ مِسَاحَةَ الْعِرَاقِ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَرْسَخًا فِي عَرْضِ مِائَتَيْنِ، وَالسَّوَادُ مِائَةٌ وَسِتُّونَ فِي ذَلِكَ الْعَرْضِ، وَجُمْلَةُ سَوَادِ الْعِرَاقِ بِالتَّكْسِيرِ عَشَرَةُ آلَافِ فَرْسَخٍ، سُمِّيَ سَوَادًا لِكَثْرَةِ زَرْعِهِ وَشَجَرِهِ، وَالْخُضْرَةُ تُرَى مِنْ بُعْدٍ سَوْدَاءَ، وَعِرَاقًا لِاسْتِوَاءِ أَرْضِهِ وَخُلُوِّهَا عَنْ الْجِبَالِ وَالْأَوْدِيَةِ، إذْ أَصْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِوَاءُ (فُتِحَ) فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (عَنْوَةً) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ: أَيْ قَهْرًا لِمَا صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَسَّمَهُ فِي جُمْلَةِ الْغَنَائِمِ، وَلَوْ كَانَ صُلْحًا لَمْ؛ يُقَسِّمْهُ (وَقَسَّمَ) بَيْنَهُمْ كَمَا تَقَرَّرَ (ثَمَّ) بَعْدَ مِلْكِهِمْ لَهُ بِالْقِسْمَةِ وَاسْتِمَالَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قُلُوبَهُمْ (بَذَلُوهُ) لَهُ: أَيْ الْغَانِمُونَ وَذَوُو الْقُرْبَى، وَأَمَّا أَهْلُ أَخْمَاسِ الْخُمُسِ الْأَرْبَعَةِ فَالْإِمَامُ لَا يَحْتَاجُ فِي وَقْفِ حَقِّهِمْ إلَى بَذْلِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِي ذَلِكَ بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ لِأَهْلِهِ (وَوَقَفَ) مَا سِوَى مَسَاكِنِهِ وَأَبْنِيَتِهِ: أَيْ وَقَفَهُ عُمَرُ (عَلَى الْمُسْلِمِينَ) وَآجَرَهُ لِأَهْلِهِ إجَارَةً مُؤَبَّدَةً لِلْمَصْلَحَةِ الْكُلِّيَّةِ بِخَرَاجٍ مَعْلُومٍ يُؤَدُّونَهُ كُلَّ سَنَةٍ، فَجَرِيبُ الشَّعِيرِ دِرْهَمَانِ وَالْبُرِّ أَرْبَعَةٌ وَالشَّجَرُ وَقَصَبُ السُّكَّرِ سِتَّةٌ وَالنَّخْلُ ثَمَانِيَةٌ وَالْعِنَبُ عَشَرَةٌ وَالزَّيْتُونُ اثْنَا عَشَرَ، وَجُمْلَةُ مَسَّاحَةِ الْجَرِيبِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَسِتُّمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَالْبَاعِثُ لَهُ عَلَى وَقْفِهِ خَوْفُ اشْتِغَالِ الْغَانِمِينَ بِفِلَاحَتِهِ عَنْ الْجِهَادِ (وَخَرَاجُهُ) زَرْعًا أَوْ غَرْسًا (أُجْرَةٌ) مُنَجَّمَةٌ (تُؤَدَّى كُلَّ سَنَةٍ) مَثَلًا (لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ) يُقَدَّمُ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ، فَعَلَى هَذَا يَمْتَنِعُ بَيْعُ شَيْءٍ مِمَّا عَدَا أَبْنِيَتَهُ وَمَسَاكِنَهُ، (وَهُوَ) أَيْ السَّوَادُ (مِنْ) أَوَّلِ (عَبَّادَانِ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ (إلَى) آخِرِ (حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ) بِفَتْحِ أَوَّلَيْهِمَا (طُولًا وَمِنْ) أَوَّلِ (الْقَادِسِيَّةِ إلَى) آخِرِ (حُلْوَانَ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ (عَرْضًا) بِإِجْمَاعِ الْمُؤَرِّخِينَ (قُلْتُ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْبَصْرَةَ) بِتَثْلِيثِ أَوَّلِهِ

[حاشية الشبراملسي]

(قَوْلُهُ وَتَرَكَهُ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ) أَيْ بِخَرَاجٍ يَضْرِبُهُ عَلَيْهِمْ

(قَوْلُهُ: أُعْطِيَهُ) ظَاهِرُهُ وُجُوبًا

(قَوْلُهُ: مِنْ إضَافَةِ الْجِنْسِ) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ السَّوَادَ لَا يَصْدُقُ عَلَى جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ فَلَا يَكُونُ جِنْسًا؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْجِنْسِ صِدْقُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ مِنْ إضَافَةِ الْكُلِّ إلَى بَعْضِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى بَعْضِهِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ (قَوْلُهُ: فِي عَرْضِ مِائَتَيْنِ) وَفِي نُسْخَةٍ ثَمَانِينَ، وَبِهَا عَبَّرَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ وَلَعَلَّهَا الْأَنْسَبُ بِقَوْلِهِمْ الْعَرْضُ أَقْصَرُ الِامْتِدَادَيْنِ (قَوْلُهُ: إذْ أَصْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِوَاءُ) أَيْ لُغَةً (قَوْلُهُ: وَأَبْنِيَتُهُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَمَحَلُّهُ فِي الْبِنَاءِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَجَرِيبٌ) أَيْ فَدَّانٌ (قَوْلُهُ: وَالشَّجَرُ) أَيْ مَا عَدَا النَّخْلَ وَالْعِنَبَ وَالزَّيْتُونَ، وَانْظُرْ حِكْمَةَ

[حاشية الرشيدي]

فَكَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيرُ قَوْلِهِ وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَخْ عَنْ هَذَا

(قَوْلُهُ: مِنْ إضَافَةِ الْجِنْسِ) الْأَصْوَبُ مِنْ إضَافَةِ الْكُلِّ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ قَاسِمٍ (قَوْلُهُ: وَجُمْلَةُ سَوَادِ الْعِرَاقِ) الصَّوَابُ حَذْفُ لَفْظِ سَوَادٍ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ آلَافٍ هِيَ جُمْلَةُ الْعِرَاقِ بِالضَّرْبِ.
أَمَّا جُمْلَةُ سَوَادِ الْعِرَاقِ فَهِيَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا وَثَمَانُمِائَةٍ، نَبَّهَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: فَجَرِيبُ الشَّعِيرِ إلَخْ) الْجَرِيبُ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي قُرَى مِصْرَ بِالْفَدَّانِ وَهُوَ عَشْرُ قَصَبَاتٍ كُلُّ قَصَبَةٍ سِتَّةُ أَذْرُعٍ بِالْهَاشِمِيَّةِ كُلُّ ذِرَاعٍ سِتُّ قَبَضَاتٍ كُلُّ قَبْضَةٍ أَرْبَعُ أَصَابِعَ فَالْجَرِيبُ مِسَاحَةٌ مُرَبَّعَةٌ مِنْ الْأَرْضِ بَيْنَ كُلِّ جَانِبَيْنِ مِنْهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا بِالْهَاشِمِيَّةِ

وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، وَتُسَمَّى قُبَّةَ الْإِسْلَامِ وَخِزَانَةَ الْعَرَبِ (وَإِنْ كَانَ دَاخِلُهُ فِي حَدِّ السَّوَادِ فَلَيْسَ لَهَا حُكْمُهُ) لِأَنَّهَا كَانَتْ سَبِخَةً أَحْيَاهَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ الْعِرَاقِ (إلَّا مَوْضِعًا غَرْبِيَّ دِجْلَتِهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِهِ، وَيُسَمَّى نَهْرُ الْفُرَاةِ (وَمَوْضِعَ شَرْقِيِّهَا) أَيْ الدِّجْلَةِ وَيُسَمَّى الْفُرَاتُ، وَهَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ وَعَكَسَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ ذَلِكَ (وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّ مَا فِي السَّوَادِ مِنْ الدُّورِ وَالْمَسَاكِنِ يَجُوزُ بَيْعُهُ) لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي وَقْفِهِ كَمَا مَرَّ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَمَحَلُّهُ فِي الْبِنَاءِ دُونَ الْأَرْضِ لِشُمُولِ الْوَقْفِ لَهَا، وَلَيْسَ لِمَنْ بِيَدِهِ أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ فِي أَرْضِ السَّوَادِ أَخْذُ ثِمَارِهَا بَلْ يَبِيعُهَا الْإِمَامُ، وَيَصْرِفُ أَثْمَانَهَا لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُ صَرْفُ نَفْسِهَا بِلَا بَيْعٍ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا بِأَيْدِيهِمْ بِالْإِجَارَةِ (وَفُتِحَتْ مَكَّةُ صُلْحًا) كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح: 22] أَيْ أَهْلُ مَكَّةَ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: 24] بِاَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ: أَيْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ فَأَضَافَ الدِّيَارَ إلَيْهِمْ وَهِيَ مُقْتَضِيَةٌ لِلْمِلْكِ وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» وَاسْتَثْنَى أَفْرَادًا أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الْأَمَانِ لِلْبَاقِي وَلَمْ يَسْلُبْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا وَلَا قَسَّمَ عَقَارًا وَلَا مَنْقُولًا، وَلَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً لَكَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا دَخَلَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَأَهِّبًا لِلْقِتَالِ خَوْفًا مِنْ غَدْرِهِمْ وَنَقْضِهِمْ لِلصُّلْحِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي سُفْيَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَبْلَ دُخُولِهَا.
وَفِي الْبُوَيْطِيِّ أَنَّ أَسْفَلَهَا فَتَحَهُ خَالِدٌ عَنْوَةً وَأَعْلَاهَا فَتَحَهُ الزُّبَيْرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صُلْحًا، وَدَخَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ الْحُكْمُ لَهُ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ (فَدُورُهَا وَأَرْضُهَا الْمُحْيَاةُ مِلْكٌ تُبَاعُ) كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ، وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَهَا، نَعَمْ الْأَوْلَى عَدَمُ بَيْعِهَا وَإِجَارَتِهَا خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهُمَا فِي الْأَرْضِ.
أَمَّا الْبِنَاءُ فَلَا خِلَافَ فِي حِلِّ بَيْعِهِ وَإِجَارَتِهِ، وَأَمَّا خَبَرُ «مَكَّةُ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلَا تُؤَجَّرُ دُورُهَا» فَضَعِيفٌ خِلَافًا لِلْحَاكِمِ، وَفُتِحَتْ مِصْرُ عَنْوَةً وَدِمَشْقُ عَنْوَةً عِنْدَ السُّبْكِيّ، وَمَنْقُولُ الرَّافِعِيِّ عَنْ الرُّويَانِيِّ أَنَّ مُدُنَ الشَّامِ صُلْحٌ وَأَرْضَهَا عَنْوَةٌ.

[حاشية الشبراملسي]

عَدَمِ تَعَرُّضِهِ لِبَقِيَّةِ الْحُبُوبِ، وَلَعَلَّهَا لَمْ تَكُنْ تُقْصَدُ لِلزِّرَاعَةِ عَلَى حِدَةٍ (قَوْلُهُ: وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ) أَيْ إلَّا فِي النِّسْبَةِ فَإِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا كَانَتْ سَبِخَةً) السَّبِخَةُ بِكَسْرِ الْبَاءِ أَرْضٌ ذَاتُ سِبَاخٍ.
قُلْتُ: أَرْضٌ سَبِخَةٌ أَيْ ذَاتُ مِلْحٍ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَعَكَسَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ) مِنْهُمْ الْمَحَلِّيُّ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِمَنْ بِيَدِهِ أَشْجَارٌ) أَيْ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ إجَارَةِ الْأَرْضِ، إذْ الْحَادِثُ بَعْدَ ذَلِكَ مِلْكٌ لِمُحْدِثِهِ، وَالْإِجَارَةُ شَامِلَةٌ لِذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ آجَرَ جَرِيبَ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ وَالزَّيْتُونِ (قَوْلُهُ: الَّذِينَ أُخْرِجُوا) قَدْ يَتَوَقَّفُ فِي دَلَالَةِ هَذِهِ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَهُمْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الْفَتْحِ بَلْ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَالدُّورُ مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ إذْ ذَاكَ بَلْ مُعَارَضٌ (قَوْلُهُ: وَأَرْضُهَا الْمُحْيَاةُ) أَيْ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَكَذَا بَعْدَهُ إنْ كَانَ ثَمَّ مَوَاتٌ أَحْيَوْهُ.
(قَوْلُهُ: رِبَاعُهَا) أَيْ مَنَازِلُهَا (قَوْلُهُ: وَفُتِحَتْ مِصْرُ عَنْوَةً) أَيْ وَقُرَاهَا وَنَحْوُهَا مِمَّا فِي إقْلِيمِهَا صُلْحًا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ نَقْلًا عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي فَتَاوِيهِ (قَوْلُهُ: أَنَّ مُدُنَ الشَّامِ) أَيْ أَنَّ فَتْحَ مُدُنِ إلَخْ.

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُ الْمَتْنِ فَلَيْسَ لَهَا حُكْمُهُ) أَيْ فِي الْوَقْفِيَّةِ وَالْإِجَارَةِ وَالْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَدْخُلْهَا فِي ذَلِكَ وَإِنْ شَمَلَهَا الْفَتْحُ هَذَا مَا يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْمُصَنِّفِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا لِابْنِ قَاسِمٍ هُنَا (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ أَنَّهَا) أَيْ أَرْضَ السَّوَادِ، وَهَذَا فِي الْأَشْجَارِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَ الْإِجَارَةِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَتُصَرِّحُ بِهِ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ.
(قَوْلُهُ: فَأَضَافَ الدِّيَارَ إلَيْهِمْ) فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُنَا نَظَرٌ لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَفُتِحَتْ مِصْرُ عَنْوَةً) أَيْ وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّهَا وُقِفَتْ كَمَا فِي فَتَاوَى وَالِدِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَا خَرَاجَ فِي أَرَاضِيِهَا لِأَنَّهَا مِلْكُ الْغَانِمِينَ وَمَوْرُوثَةٌ عَنْهُمْ، لَكِنْ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْ

(فَصْلٌ) فِي أَمَانِ الْكُفَّارِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ، وَقَسَمَ مِنْ مُطْلَقِ الْأَمْنِ لَهُمْ الْمُنْحَصِرُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَعَلَّقَ بِمَحْصُورٍ فَالْأَوَّلُ أَوْ بِغَيْرِهِ لَا إلَى غَايَةٍ فَالثَّانِي أَوْ إلَيْهَا فَالثَّالِثُ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: 6] الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا» أَيْ نَقَضَ عَهْدَهُ «فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالذِّمَّةُ الْعَهْدُ وَالْأَمَانُ وَالْحُرْمَةُ وَالْحَقُّ، وَكُلٌّ صَحِيحٌ هُنَا، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الذَّاتِ وَالنَّفْسِ اللَّتَيْنِ هُمَا مَحَلُّهَا فِي نَحْوِ فِي ذِمَّتِهِ كَذَا وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهُ وَعَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ

[حاشية الشبراملسي]

(فَصْلٌ) فِي أَمَانِ الْكُفَّارِ (قَوْلُهُ: فِي أَمَانِ الْكُفَّارِ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: الْمُنْحَصِرُ) أَيْ مُطْلَقُ الْأَمَانِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ إنْ تَعَلَّقَ بِمَحْصُورٍ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ تَأْمِينَ الْإِمَامِ غَيْرُ مَحْصُورِينَ لَا يُسَمَّى أَمَانًا، وَأَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَصِحُّ فِي مَحْصُورِينَ وَلَيْسَ مُرَادًا اهـ شَيْخُنَا زِيَادِيٌّ: أَيْ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْأَمَانَ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِنْ الْإِمَامِ، وَأَنَّ الْجِزْيَةَ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا لِمَحْصُورِينَ (قَوْلُهُ: فَالْأَوَّلُ) أَيْ أَمَانُ الْكُفَّارِ، وَقَوْلُهُ فَالثَّانِي: أَيْ الْجِزْيَةُ، وَقَوْلُهُ فَالثَّالِثُ: أَيْ الْهُدْنَةُ (قَوْلُهُ: يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ) أَيْ كَالْأُنْثَى الرَّقِيقَةِ لِكَافِرٍ (قَوْلُهُ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا) هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ.
قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الْخَفِيرُ الْمُجِيرُ، ثُمَّ قَالَ: وَأَخْفَرَهُ نَقَضَ عَهْدَهُ وَغَدَرَ وَمِثْلُهُ فِي الْمِصْبَاحِ (قَوْلُهُ: وَكُلُّ صَحِيحٍ هُنَا) هُوَ وَاضِحٌ فِي غَيْرِ الْجِزْيَةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بَدَلَ الْجِزْيَةِ الْحُرْمَةَ: أَيْ الِاحْتِرَامَ (قَوْلُهُ: وَقَدْ تُطْلَقُ) أَيْ الذِّمَّةُ شَرْعًا، وَقَوْلُهُ مَحَلُّهَا: أَيْ الذِّمَّةِ

[حاشية الرشيدي]

ابْنِ الرِّفْعَةِ نَقْلًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَنَّ عُمَرَ وَضَعَ عَلَى أَرَاضِيهِمْ الْخَرَاجَ فَلْيُحَرَّرْ، وَلْيُنْظَرْ وَضْعُ الْخَرَاجِ فِيهَا عَلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِنَا، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَوَاشِي ابْنِ قَاسِمٍ فِي الْبَابِ الْآتِي مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِمِصْرَ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً خُصُوصُ الْبَلَدِ لَا جَمِيعُ أَرَاضِيِهَا وَبِهِ يَنْتَفِي الْإِشْكَالُ، وَفِي الْقُوتِ مَا نَصُّهُ: وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْحَاصِلُ فِيهَا قَوْلًا لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا وَقْفٌ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَالثَّانِي أَنَّهَا مِلْكٌ لِلْمُسْلِمِينَ عُمُومًا وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوَاعِدِ الشَّافِعِيِّ، وَلَمْ أَجِدْهُ مَنْصُوصًا عَنْهُ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ بَيْعُهَا حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُ أَرْضِ الْمَغْنَمِ وَذَلِكَ لِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ، وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْهَا جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَسَائِرِ مَا فِي يَدِهِ اهـ، وَانْظُرْ مَا وَجْهُ كَوْنِ الْمُنَاسِبِ لِقَوَاعِدِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا مِلْكٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُنَاسِبَ لِقَوَاعِدِهِ أَنَّهَا مِلْكٌ لِخُصُوصِ الْغَانِمِينَ كَمَا مَرَّ فِي الْمَتْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَالِكًا إنَّمَا قَالَ بِوَقْفِيَّتِهَا لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الْأَرْضَ إذَا فُتِحَتْ عَنْوَةً تَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الْحِيَازِ وَلَا تَحْتَاجُ إلَى وَقْفِ الْإِمَامِ كَمَا نُقِلَ لِي عَنْ مَذْهَبِهِ فَلْيُرَاجَعْ وَلْيُحَرَّرْ.

[فَصْلٌ فِي أَمَانِ الْكُفَّارِ]

(قَوْلُهُ: فَمَنْ أَخْفَرَ) هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ وَالْهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإِزَالَةِ: أَيْ مِنْ أَزَالَ خِفَارَتَهُ: أَيْ بِأَنْ قَطَعَ ذِمَّتَهُ (قَوْلُهُ: اللَّتَيْنِ هُمَا مَحَلُّهَا) أَيْ فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْحَالِّ عَلَى الْمَحَلِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزِّيَادِيُّ، وَانْظُرْ إطْلَاقَ الذِّمَّةِ عَلَى الذَّاتِ وَالنَّفْسِ بِأَيِّ مَعْنَى مِنْ الْمَعَانِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا بُعْدٌ لَا يَخْفَى فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: نَحْوُ فِي ذِمَّتِهِ كَذَا إلَخْ) فِي جَعْلِ هَذَا مِثَالًا لِلذِّمَّةِ بِمَعْنَى الذَّاتِ وَالنَّفْسِ وَقْفَةٌ وَالْأَظْهَرُ التَّمْثِيلُ بِهِ لِلْمَعْنَى الْآتِي بَعْدُ فَتَأَمَّلْ

وَلِلِالْتِزَامِ كَمَا مَرَّ (يَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ) وَسَكْرَانَ (مُخْتَارٍ) وَلَوْ أَمَةً لِكَافِرٍ وَسَفِيهًا وَفَاسِقًا وَهَرِمًا لِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ «يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» وَلِأَنَّ عُمَرَ أَجَازَ أَمَانَ عَبْدٍ عَلَى جَمِيعِ الْجَيْشِ فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ لِاتِّهَامِهِ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُكْرَهٍ كَبَقِيَّةِ الْعُقُودِ، نَعَمْ لَوْ جَهِلَ كَافِرٌ فَسَادَ أَمَانِ مَنْ ذُكِرَ عُرِّفَ بِهِ لِيَبْلُغَ مَأْمَنَهُ (أَمَانُ حَرْبِيٍّ) وَلَوْ امْرَأَةً وَقِنًّا كَمَا اعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ لَا أَسِيرًا كَمَا قَالَاهُ، وَقَيَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِغَيْرِ آسِرِهِ، أَمَّا هُوَ فَيَجُوزُ لَهُ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ (وَعَدَدٍ مَحْصُورٍ) مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ كَمِائَةٍ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ غَيْرِ الْمَحْصُورِ كَأَهْلِ بَلَدٍ كَبِيرٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ هُدْنَةٌ، وَهِيَ مُمْتَنِعَةٌ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ، وَلَوْ آمَنَ مِائَةُ أَلْفٍ مِنَّا مِائَةَ أَلْفٍ مِنْهُمْ، وَظَهَرَ بِذَلِكَ سَدُّ بَابِ الْجِهَادِ أَوْ بَعْضِهِ بَطَلَ الْجَمِيعُ حَيْثُ وَقَعَ مَعًا، وَإِلَّا فَمَا ظَهَرَ الْخَلَلُ بِهِ فَقَطْ

(وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ أَسِيرٍ لِمَنْ هُوَ مَعَهُمْ) وَلَا لِغَيْرِهِمْ (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ مَعَهُمْ فَهُوَ كَالْمُكْرَهِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ آمِنٍ مِنْهُمْ، وَالثَّانِي يَصِحُّ لِدُخُولِهِ مَعَهُمْ فِي الضَّابِطِ، وَالْأَوَّلُ نَظَرَ لِمَا مَرَّ فِي التَّعْلِيلِ، وَالْمُرَادُ بِمَنْ هُوَ مَعَهُمْ كَمَا فِي التَّنْبِيهِ وَغَيْرِهِ الْمُقَيَّدُ أَوْ الْمَحْبُوسُ، فَلَوْ أُطْلِقَ وَأَمَّنُوهُ عَلَى عَدَمِ الْخُرُوجِ مِنْ دَارِهِمْ صَحَّ كَالتَّاجِرِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ، وَعَلَيْهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّمَا يَكُونُ مُؤَمِّنُهُ آمِنًا بِدَارِهِمْ غَيْرَ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْأَمَانِ فِي غَيْرِهَا

(وَيَصِحُّ) الْأَمَانُ (بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ مَقْصُودَهُ) صَرِيحٌ كَآجَرْتُكِ أَوْ أَمَّنْتُكَ أَوْ لَا يَأْسَ أَوْ لَا فَزَعَ أَوْ لَا خَوْفَ عَلَيْكَ أَوْ كِنَايَةً بِنِيَّةٍ كَكُنْ كَيْفَ شِئْتَ، أَوْ أَنْتَ عَلَى مَا تُحِبُّ (وَبِكِتَابَةٍ) مَعَ النِّيَّةِ لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ (وَرِسَالَةٍ) بِلَفْظٍ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ مَعَ النِّيَّةِ وَلَوْ مَعَ كَافِرٍ وَصَبِيٍّ مَوْثُوقٍ بِخَبَرِهِ فِيمَا يَظْهَرُ تَوْسِعَةً فِي حَقْنِ الدَّمِ

(وَيُشْتَرَطُ) لِصِحَّةِ الْأَمَانِ (عِلْمُ الْكَافِرِ بِالْإِمَامِ) كَبَقِيَّةِ الْعُقُودِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ جَازَتْ الْمُبَادَرَةُ بِقَتْلِهِ وَلَوْ مِنْ مُؤْمِنَةٍ (فَإِنْ رَدَّهُ) كَقَوْلِهِ مَا قَبِلْتُ أَمْنَكَ أَوْ لَا آمَنُكَ (بَطَلَ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَقْبَلْ) بِأَنْ سَكَتَ (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ كَالْهِبَةِ.
وَالثَّانِي يَبْطُلَ بِالسُّكُوتِ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمَةً لِكَافِرٍ) أَيْ مُسْلِمَةٍ (قَوْلُهُ عَلَى جَمِيعِ الْجَيْشِ) أَيْ وَكَانُوا مَحْصُورِينَ فَلَا يُنَافِي مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ شَرْطَ الْأَمَانِ أَنْ يَكُونَ فِي عَدَدٍ مَحْصُورٍ (قَوْلُهُ: عُرِفَ بِهِ) أَيْ وُجُوبًا (قَوْلُهُ: وَلَوْ امْرَأَةً) أَوْ وَلَوْ كَانَ الْحَرْبِيُّ امْرَأَةً إلَخْ (قَوْلُهُ: لَا أَسِيرًا) أَيْ فَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ (قَوْلُهُ: أَمَّا هُوَ) أَيْ آسِرُهُ وَمِثْلُهُ الْإِمَامُ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ: كَمِائَةٍ) أَيْ أَوْ أَكْثَرَ مَا لَمْ يَنْسَدَّ بِهِ بَابُ الْجِهَادِ، وَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ مَحْصُورٌ وَمَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ حَيْثُ لَمْ يَنْسَدَّ بِهِ بَابُ الْجِهَادِ وَلَيْسَ بِمَحْصُورٍ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذِهِ) أَيْ تَأْمِينَ غَيْرِ الْمَحْصُورِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ آمَنَ مِائَةً) هُوَ بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيفِ أَصْلُهُ أَأْمَنَ بِهَمْزَتَيْنِ أُبْدِلَتْ الثَّانِيَةُ أَلِفًا كَذَا فِي الْمُخْتَارِ (قَوْلُهُ: مِائَةُ أَلْفٍ مِنْهُمْ) قَضِيَّةُ هَذَا أَنَّ ضَابِطَ الْجَوَازِ أَنْ لَا يَنْسَدَّ بَابُ الْجِهَادِ وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ قَدْ يُخَالِفُ قَوْلَ الْمَتْنِ وَعَدَدٌ مَحْصُورٌ فَقَطْ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْمَحْصُورِ هُنَا مَا لَا يَنْسَدُّ بِتَأْمِينِهِ بَابُ الْجِهَادِ اهـ سم عَلَى حَجّ

(قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ فِي التَّعْلِيلِ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ (قَوْلُهُ: عَلَى عَدَمِ الْخُرُوجِ مِنْ دَارِهِمْ صَحَّ) وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ فَيَخْرُجُ مِنْ دَارِهِمْ حَيْثُ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَلَوْ شَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ إلَخْ

(قَوْلُهُ: أَوْ لَا آمَنُكَ) أَيْ لَا أَقْبَلُ أَمَانَك فَأَصِيرُ آمِنًا مِنْكَ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمَةً لِكَافِرٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ لِسَيِّدِهَا، وَانْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَسِيرِ بَلْ قَدْ يُقَالُ: إنَّهَا مِنْ أَفْرَادِهِ

(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِمَنْ هُوَ مَعَهُمْ إلَخْ) أَيْ الْمُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ هَذَا الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ ظَاهِرَهُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ صَنِيعُ الشَّارِحِ حَيْثُ قَالَ: وَالْمُرَادُ بِمَنْ هُوَ مَعَهُمْ وَلَمْ يَقُلْ وَالْمُرَادُ الْمُقَيَّدُ أَوْ الْمَحْبُوسُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ ظَاهِرَ الْمَتْنِ وَيَكُونُ هَذَا قَيْدًا زَائِدًا عَلَيْهِ وَمِنْ ثُمَّ حَذَفَهُ مِنْ الْمَنْهَجِ، فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ: وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ أَسِيرٍ مُقَيَّدٍ أَوْ مَحْبُوسٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتَأَتَّى قَوْلُ الشَّارِحِ فِيهَا وَلَا لِغَيْرِهِمْ إلَّا إنْ أَبْقَيْنَا الْمَتْنَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ فَاللَّائِقُ حَذْفُهُ فِيمَا مَرَّ فَتَأَمَّلْ

(قَوْلُهُ: أَوْ لَا آمَنُك) عِبَارَةُ الرَّوْضِ: فَإِنْ قَبِلَ وَقَالَ لَا آمَنُك فَهُوَ رَدٌّ انْتَهَتْ: أَيْ لِأَنَّ الْأَمَانَ

(وَتَكْفِي) كِتَابَةٌ وَ (إشَارَةٌ) أَوْ أَمَارَةٌ كَتَرْكِهِ الْقِتَالَ (مُفْهِمَةٌ لِلْقَبُولِ) أَوْ الْإِيجَابِ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ مِنْ نَاطِقٍ فَكِنَايَةٌ مُطْلَقًا لِبِنَاءِ الْبَابِ عَلَى التَّوْسِعَةِ، وَمِنْ ثَمَّ جَازَ تَعْلِيقُهُ بِالْغَرَرِ كَإِنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَقَدْ أَمَّنْتُكَ أَوْ مِنْ أَخْرَسَ وَاخْتَصَّ بِفَهْمِهَا فَطِنُونَ، فَكَذَلِكَ تَكُونُ كِنَايَةً، وَإِلَّا فَصَرِيحَةً أَمَّا غَيْرُ الْمُفْهِمَةِ فَلَاغِيَةٌ (وَيَجِبُ أَنْ لَا تَزِيدَ مُدَّتُهُ) فِي حَقِّ مَنْ تَحَقَّقْنَا ذُكُورَتَهُ (عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) سَوَاءً أَكَانَ الْمُؤَمِّنُ الْإِمَامَ أَمْ غَيْرَهُ لِلْآيَةِ (وَفِي قَوْلٍ يَجُوزُ مَا لَمْ تَبْلُغْ) الْمُدَّةُ (سَنَةً) فَإِنْ بَلَغَتْهَا امْتَنَعَ قَطْعًا لِئَلَّا يَتْرُكَ الْجِزْيَةَ وَمِنْ ثَمَّ جَازَ فِي الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ فَإِنْ زَادَ عَلَى الْجَائِزِ بَطَلَ فِي الزَّائِدِ فَقَطْ عَمَلًا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَمَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ حَيْثُ لَا ضَعْفَ بِنَا، فَإِنْ كَانَ رَجَعَ فِي الزَّائِدِ إلَى نَظَرِ الْإِمَامِ كَالْهُدْنَةِ وَلَوْ أَطْلَقَ الْأَمَانَ حُمِلَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَبَلَغَ الْمَأْمَنَ بَعْدَهَا بِخِلَافِ الْهُدْنَةِ لِكَوْنِ بَابِهَا أَضْيَقَ

(وَلَا يَجُوزُ) وَلَا يَنْفُذُ وَلَوْ مِنْ إمَامٍ (أَمَانٌ يَضُرُّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ الْمُسْلِمِينَ (كَجَاسُوسٍ) وَطَلِيعَةِ كُفَّارٍ لِخَبَرِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» وَلَا يُسْتَحَقُّ تَبْلِيغُ الْمَأْمَنِ إذْ دُخُولُ مِثْلِهِ خِيَانَةٌ، أَمَّا مَا لَا يَضُرُّ فَجَائِزٌ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، نَعَمْ قَيَّدَ ذَلِكَ الْبُلْقِينِيُّ بِغَيْرِ الْإِمَامِ أَمَّا هُوَ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ

(وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ) وَلَا لِغَيْرِهِ بِالْأَوْلَى (نَبْذُ الْأَمَانِ) الصَّادِرِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (إنْ لَمْ يَخَفْ خِيَانَةً) لِلُزُومِهِ مِنْ جِهَتِنَا فَإِنْ خَافَهَا نَبَذَهُ الْإِمَامُ وَالْمُؤَمِّنُ بِكَسْرِ الْمِيمِ، أَمَّا الْمُؤَمَّنُ بِفَتْحِهَا فَلَهُ نَبْذُهُ مَتَى شَاءَ لَكِنَّهُ مَتَى بَطَلَ أَمَانُهُ وَجَبَ تَبْلِيغُهُ مَأْمَنَهُ

(وَلَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ مَالُهُ وَأَهْلُهُ) أَيْ فَرْعُهُ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ وَزَوْجَتُهُ الْمَوْجُودَانِ (بِدَارِ الْحَرْبِ) إذْ الْقَصْدُ تَأْمِينُ ذَاتِهِ مِنْ قَتْلٍ وَرِقٍّ دُونَ غَيْرِهِ فَيُغْنَمُ مَالُهُ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُ ثَمَّ، نَعَمْ إنْ شَرَطَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ أَوْ دُخُولُهُ دَخَلَ وَإِلَّا فَلَا (وَكَذَا مَا مَعَهُ) بِدَارِ الْإِسْلَامِ (مِنْهُمَا) وَمِثْلُهُمَا مَا مَعَهُ لِغَيْرِهِ

[حاشية الشبراملسي]

(قَوْلُهُ: وَتَكْفِي كِتَابَةٌ) اُنْظُرْ فَائِدَتَهُ مَعَ قَوْلِهِ وَبِكِتَابَةٍ، وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا فِي الْقَبُولِ وَذَاكَ فِي الْإِيجَابِ اهـ سم حَجّ.
وَإِشَارَةُ النَّاطِقِ لَغْوٌ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ إلَّا هُنَا، وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِجَوَابِ السَّائِلِ مِنْ الْمُفْتِي وَبِالْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَلِلضُّيُوفِ فِي الْأَكْلِ بِمَا قُدِّمَ لَهُمْ (قَوْلُهُ: فَكِنَايَةٌ مُطْلَقًا) فَهِمَهَا كُلُّ أَحَدٍ أَمْ الْفَطِنُ فَقَطْ (قَوْلُهُ: لِلْآيَةِ) هِيَ قَوْلُهُ ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: 2] (قَوْلُهُ سِرُّ الْحُرِّيَّةِ) أَيْ فَائِدَتُهُ (قَوْلُهُ: كَالْهُدْنَةِ) قَضِيَّةُ التَّشْبِيهِ بِالْهُدْنَةِ جَوَازُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ إلَى عَشْرِ سِنِينَ حَيْثُ رَأَى الْمَصْلَحَةَ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَشْرِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْهُدْنَةِ) أَيْ فَإِنَّهُ يَبْطُلَ عَقْدُهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ اهـ سم عَلَى حَجّ

(قَوْلُهُ: لِخَبَرِ لَا ضَرَرَ) أَيْ لَا يَضُرُّ نَفْسَهُ وَلَا يَضُرُّ غَيْرَهُ، فَالْمَعْنَى لَا ضَرَرَ تُدْخِلُونَهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلَا ضِرَارَ لِغَيْرِكُمْ

(قَوْلُهُ: فَإِنْ خَافَهَا نَبَذَهُ) وُجُوبًا فَلَوْ لَمْ يَنْبِذْ هَلْ يَبْطُلُ بِنَفْسِهِ حَيْثُ مَضَتْ مُدَّةٌ بَعْدَ عِلْمِهِ يُمْكِنُ فِيهَا النَّبْذُ، وَلَمْ يَفْعَلْ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِوُجُودِ الْخَلَلِ الْمُنَافِي لِابْتِدَائِهِ، وَكُلُّ مَا مَنَعَ مِنْ الصِّحَّةِ إذَا قَارَنَ لَوْ طَرَأَ أَفْسَدَ إلَّا مَا نَصُّوا عَلَى خِلَافِهِ، (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ مَتَى بَطَلَ أَمَانُهُ) مِنَّا أَوْ مِنْهُ

(قَوْلُهُ: وَزَوْجَتُهُ) قَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهَا، وَمِثْلُهُ فِي سم عَلَى مَنْهَجٍ نَقْلًا عَنْ الشَّارِحِ

[حاشية الرشيدي]

لَا يَخْتَصُّ بِطَرَفٍ

(قَوْلُهُ: أَوْ الْإِيجَابِ) لَعَلَّ الْأَوْلَى حَذْفُهُ هُنَا وَإِنْ أَفَادَ فَائِدَةً زَائِدَةً عَلَى مَا مَرَّ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَا زَادَهْ هُنَا بِقَوْلِهِ كِتَابَةً مُكَرَّرًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَأَنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ تَرْكِ الْقِتَالِ تَأْمِينًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ اخْتَصَّ بِفَهْمِهَا فَطِنُونَ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: لِبِنَاءِ الْبَابِ عَلَى التَّوْسِعَةِ) هُوَ عِلَّةٌ لِلِاكْتِفَاءِ بِإِشَارَةِ النَّاطِقِ هُنَا دُونَ سَائِرِ الْأَبْوَابِ كَمَا لَا يَخْفَى، لَا لِكَوْنِ الْإِشَارَةِ مِنْ النَّاطِقِ كِنَايَةً مُطْلَقًا وَإِنْ أَوْهَمَهُ السِّيَاقُ

فَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ كُلُّهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِمَا ذُكِرَ (إلَّا بِشَرْطٍ) حَيْثُ كَانَ الْمُؤَمِّنُ غَيْرَ الْإِمَامِ، نَعَمْ ثِيَابُهُ وَمَرْكُوبُهُ وَآلَةُ اسْتِعْمَالِهِ وَنَفَقَةُ مُدَّةِ أَمَانِهِ الضَّرُورِيَّاتُ تَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ دُخُولُ مَا مَعَهُ فِي الْأَمَانِ مِمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ غَالِبًا كَثِيَابِهِ وَنَفَقَةِ مُدَّتِهِ مُطْلَقًا، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَدْخُلُ أَيْضًا إنْ كَانَ الْمُؤَمِّنُ الْإِمَامَ، وَإِلَّا لَمْ يَدْخُلْ إلَّا بِشَرْطٍ وَمَا خَلَّفَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَدْخُلُ إنْ أَمَّنَهُ الْإِمَامُ وَشَرَطَ دُخُولَهُ وَإِلَّا فَلَا

(وَالْمُسْلِمُ بِدَارِ كُفْرٍ) أَيْ حَرْبٍ وَالْأَوْجَهُ أَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ الَّتِي اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا كَذَلِكَ (إنْ أَمْكَنَهُ إظْهَارُ دِينِهِ) لِشَرَفِهِ أَوْ شَرَفِ قَوْمِهِ وَأَمِنَ فِتْنَةً فِي دِينِهِ، وَلَمْ يَرْجُ ظُهُورَ الْإِسْلَامِ ثَمَّ بِمَقَامِهِ (اُسْتُحِبَّ لَهُ الْهِجْرَةُ) إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِئَلَّا يَكْثُرَ سَوَادُهُمْ، وَرُبَّمَا كَادُوهُ، وَلَمْ تَجِبْ لِقُدْرَتِهِ عَلَى إظْهَارِ دِينِهِ وَلَمْ تَحْرُمْ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُسْلِمِ بَيْنَهُمْ الْقَهْرَ وَالْعَجْزَ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ رَجَا ظُهُورَ الْإِسْلَامِ بِمَقَامِهِ، ثَمَّ كَانَ مَقَامُهُ أَفْضَلَ أَوْ قَدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَالِاعْتِزَالِ ثَمَّ، وَلَمْ يَرْجُ نُصْرَةَ الْمُسْلِمِينَ بِالْهِجْرَةِ كَانَ مَقَامُهُ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ دَارُ الْإِسْلَامِ، فَلَوْ هَاجَرَ لَصَارَ دَارَ حَرْبٍ، ثُمَّ إنْ قَدَرَ عَلَى قِتَالِهِمْ وَدُعَائِهِمْ لِلْإِسْلَامِ لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ دَارُ الْإِسْلَامِ أَنَّ كُلَّ مَحِلٍّ قَدَرَ أَهْلُهُ فِيهِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ صَارَ دَارَ إسْلَامٍ، وَحِينَئِذٍ فَيَتَّجِهُ تَعَذُّرُ عَوْدِهِ دَارَ كُفْرٍ وَإِنْ اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي خَبَرِ «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ» فَقَوْلُهُمْ لَصَارَ دَارَ حَرْبٍ الْمُرَادُ بِهِ صَيْرُورَتُهُ كَذَلِكَ صُورَةً لَا حُكْمًا، وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّ مَا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ يَصِيرُ دَارَ حَرْبٍ وَهُوَ بَعِيدٌ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إظْهَارُ دِينِهِ وَخَافَ فِتْنَةً فِيهِ (وَجَبَتْ) الْهِجْرَةُ (إنْ أَطَاقَهَا) وَعَصَى بِإِقَامَتِهِ وَلَوْ أُنْثَى لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا مَعَ أَمْنِهَا عَلَى نَفْسِهَا، أَوْ كَانَ خَوْفُ الطَّرِيقِ أَقَلَّ مِنْ خَوْفِ الْإِقَامَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَإِنْ لَمْ يُطِقْهَا فَمَعْذُورٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] وَلِخَبَرِ «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ» وَخَبَرِ «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» أَيْ مِنْ مَكَّةَ لِكَوْنِهَا صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

(وَلَوْ قَدَرَ أَسِيرٌ عَلَى هَرَبٍ لَزِمَهُ) وَإِنْ أَمْكَنَهُ إظْهَارُ دِينِهِ كَمَا صَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَتَبِعَهُ الْقَمُولِيُّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الْأَسِيرَ فِي يَدِ الْكُفَّارِ مَقْهُورٌ مُهَانٌ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَخْلِيصًا لِنَفْسِهِ مِنْ رِقِّ الْأَسْرِ (وَلَوْ) (أَطْلَقُوهُ بِلَا شَرْطٍ فَلَهُ اغْتِيَالُهُمْ) قَتْلًا وَسَبْيًا وَأَخْذًا لِلْمَالِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَأْمِنُوهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا حَقِيقَةَ الْغِيلَةِ، وَهِيَ أَنْ يَخْدَعَهُ فَيَذْهَبَ بِهِ لِمَكَانٍ خَالٍ، ثُمَّ يَقْتُلَهُ (أَوْ) أَطْلَقُوهُ (عَلَى أَنَّهُمْ فِي أَمَانِهِ) أَوْ عَكْسُهُ (حُرِّمَ) عَلَيْهِ اغْتِيَالُهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مُتَعَذِّرٌ، نَعَمْ إنْ قَالُوا أَمَّنَّاكَ وَلَا أَمَانَ لَنَا عَلَيْكَ جَازَ لَهُ اغْتِيَالُهُمْ (فَإِنْ تَبِعَهُ قَوْمٌ) أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بَعْدَ خُرُوجِهِ (فَلْيَدْفَعْهُمْ) حَتْمًا إنْ حَارَبُوهُ وَكَانُوا مِثْلَيْهِ فَأَقَلَّ، وَإِلَّا فَنَدْبًا عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا مَرَّ أَنَّ الثَّبَاتَ لِلضَّعْفِ إنَّمَا يَجِبُ فِي الصَّفِّ (وَلَوْ بِقَتْلِهِمْ) ابْتِدَاءً، وَلَا يَلْزَمُهُ رِعَايَةُ التَّدْرِيجِ كَالصَّائِلِ لِانْتِقَاضِ أَمَانِهِمْ: أَيْ حَيْثُ قَصَدُوا نَحْوَ قَتْلِهِمْ، وَإِلَّا لَمْ يُنْتَقَضْ فَيَدْفَعُهُمْ كَالصَّائِلِ إذْ الذِّمِّيُّ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ بِقِتَالِنَا فَالْمُؤْمِنُ أَوْلَى

(وَلَوْ) (شَرَطُوا) عَلَيْهِ (أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ) (لَمْ يَجُزْ) لَهُ (الْوَفَاءُ) بِهَذَا

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: حَيْثُ كَانَ الْمُؤَمِّنُ غَيْرَ الْإِمَامِ) أَيْ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ دَخَلَ بِلَا شَرْطٍ

(قَوْلُهُ: لَهُ الْهِجْرَةُ) أَيْ مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَالِاعْتِزَالِ، وَلَمْ يَرْجُ نُصْرَةَ الْإِسْلَامِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَلَمْ تَجِبْ) أَيْ الْهِجْرَةُ (قَوْلُهُ: أَوْ قَدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ) أَيْ قَدْ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمَقَامِ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ مَعَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ، وَقَدَرُوا عَلَى الِامْتِنَاعِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ أَمْرُ دَارِ الْإِسْلَامِ بِمَقَامِهِمْ هُنَاكَ وَلَا يَخْلُو عَنْ الْبُعْدِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَرْجُ نُصْرَةَ) أَيْ بِمَجِيئِهِ إلَيْهِمْ

(قَوْلُهُ: أَوْ عَكْسُهُ) أَيْ أَوْ وُجِدَ عَكْسُهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَرْدُودٌ) أَيْ فَيَكُونُ الْمُعْتَمَدُ النَّدْبُ مُطْلَقًا

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ لَوْ رَجَا إلَخْ) اُنْظُرْ لَوْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ هَلْ يَجِبُ

(قَوْلُهُ: جَازَ لَهُ اغْتِيَالُهُمْ) أَيْ لِفَسَادِ الْأَمَانِ لِمَا مَرَّ مِنْ تَعَذُّرِهِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ

الشَّرْطِ بَلْ يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ حَيْثُ أَمْكَنَهُ فِرَارًا بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ وَبِنَفْسِهِ مِنْ الذُّلِّ مَا لَمْ يُمْكِنْهُ إظْهَارُ دِينِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ كَمَا مَرَّ لَكِنْ يُنْدَبُ، وَلَوْ حَلَّفُوهُ عَلَى ذَلِكَ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ مُكْرَهًا عَلَى الْحَلِفِ لَمْ يَنْعَقِدْ حَلِفُهُ، وَإِلَّا حَنِثَ وَإِنْ كَانَ حِينَ حَلَّفَهُ مَحْبُوسًا وَمِنْ الْإِكْرَاهِ قَوْلُهُ لَا نُطَلِّقُك إلَّا إنْ حَلَفْتَ لَنَا أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ هُنَا

(وَلَوْ) (عَاقَدَ الْإِمَامُ عِلْجًا) هُوَ الْكَافِرُ الْغَلِيظُ الشَّدِيدُ سُمِّيَ بِهِ لِدَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَمِنْهُ الْعِلَاجُ لِدَفْعِهِ الدَّاءَ (يَدُلُّ عَلَى) نَحْوِ بَلَدٍ أَوْ (قَلْعَةٍ) بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُعَيَّنَةً أَمْ مُبْهَمَةً مِنْ قِلَاعٍ مَحْصُورَةٍ فِيمَا يَظْهَرُ أَوْ عَلَى أَصْلِ طَرِيقِهَا أَوْ أَسْهَلَ أَوْ أَرْفَقَ طَرِيقِهَا (وَلَهُ مِنْهَا جَارِيَةٌ) مَثَلًا وَلَوْ حُرَّةً مُبْهَمَةً وَيُعَيِّنُهَا الْإِمَامُ (جَازَ) وَإِنْ كَانَ الْجَعْلُ مَجْهُولًا غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِلْحَاجَةِ مَعَ أَنَّ الْحُرَّةَ تُرَقُّ بِالْأَسْرِ، وَتُسْتَحَقُّ بِالدَّلَالَةِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ كَأَنْ يَكُونَ تَحْتَهَا فَيَقُولَ هِيَ هَذِهِ لِلْحَاجَةِ أَيْضًا، وَبِهِ فَارَقَ مَا مَرَّ فِي الْإِجَارَةِ وَالْجَعَالَةِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَالْأَوْجَهُ حَمْلُ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا كَانَ فِيهِ كُلْفَةٌ لِيُوَافِقَ مَا مَرَّ ثُمَّ، أَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا تَجُورُ مَعَهُ هَذِهِ الْمُعَاقَدَةُ عَلَى مَا قَالَهُ جَمْعٌ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَنْوَاعًا مِنْ الْغَرَرِ وَاحْتَمَلَتْ مَعَ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِقِلَاعِهِمْ وَطُرُقِهِمْ، وَالْمُعْتَمَدُ صِحَّتُهَا مَعَهُ أَيْضًا كَمَا رَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَاقْتَضَى كَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَالرَّافِعِيِّ فِي الْغَنِيمَةِ اعْتِمَادَهُ فَيُعْطَاهَا إنْ وَجَدْنَاهَا حَيَّةً وَإِنْ أَسْلَمَتْ.
فَلَوْ مَاتَتْ بَعْدَ الظَّفَرِ فَلَهُ قِيمَتُهَا، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مِنْهَا قَوْلُهُ مِمَّا عِنْدِي فَلَا يَصِحُّ لِلْجَهْلِ بِالْجَعْلِ بِلَا حَاجَةٍ (فَإِنْ فُتِحَتْ) عَنْوَةً (بِدَلَالَتِهِ) وَفَاتِحُهَا مَنْ عَاقَدَهُ وَلَوْ فِي مَرَّةٍ أُخْرَى، وَفِيهَا تِلْكَ الْأَمَةُ الْمُعَيَّنَةُ أَوْ الْمُبْهَمَةُ حَيَّةً وَلَمْ تُسْلِمْ أَصْلًا أَوْ أَسْلَمَتْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ لَا عَكْسَهُ كَمَا يَأْتِي (أُعْطِيَهَا) وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سِوَاهَا، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ لَازِمٌ مِنْ مُعَامَلَتِهِمْ مَعَ بَعْضِهِمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، إذْ لَا اعْتِدَادَ بِمُعَامَلَتِهِمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهَا بِالشَّرْطِ قَبْلَ الظَّفَرِ (أَوْ) فَتَحَهَا مُعَاقَدُهُ (بِغَيْرِهَا) أَيْ دَلَالَتِهِ أَوْ غَيْرُ مُعَاقِدِهِ وَلَوْ بِدَلَالَتِهِ (فَلَا) شَيْءَ لَهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ وَهُوَ دَلَالَتُهُ، وَالثَّانِي يَسْتَحِقُّهَا بِالدَّلَالَةِ (فَإِنْ لَمْ تُفْتَحْ فَلَا شَيْءَ لَهُ) لِتَعَلُّقِ جَعَالَتِهِ بِدَلَالَتِهِ مَعَ فَتْحِهَا فَالْجَعْلُ مُقَيَّدٌ بِهِ حَقِيقَةً وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَفْظُهُ.
(وَقِيلَ إنْ لَمْ يُعَلِّقْ الْجَعْلَ بِالْفَتْحِ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلٍ) لِوُجُودِ الدَّلَالَةِ وَيَرُدُّهُ مَا تَقَرَّرَ هَذَا إنْ كَانَ الْجَعْلُ فِيهَا، وَإِلَّا لَمْ يُشْتَرَطْ فِي اسْتِحْقَاقِهِ فَتْحُهَا اتِّفَاقًا عَلَى مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ

[حاشية الشبراملسي]

(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) الْكَافُ بِمَعْنَى عَلَى (قَوْلُهُ وَإِلَّا حَنِثَ) هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْخُرُوجَ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ تَرْكِهِ يُوجِبُ الْحِنْثَ، وَإِنْ كَانَ الْخُرُوجُ وَاجِبًا اهـ سم حَجّ: أَيْ وَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْحِنْثِ (قَوْلُهُ: بَلْ هُنَا إكْرَاهٌ ثَانٍ) قَدْ يُقَالُ: إنَّ أَثَرَ هَذَا الْإِكْرَاهِ الثَّانِي مَنْعُ الْحِنْثِ عَارَضَ قَوْلَهُ السَّابِقَ وَإِلَّا حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا أَثَرَ لِذِكْرِهِ هُنَا اهـ سم عَلَى حَجّ قَدْ يُقَالُ: يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ السَّابِقِ، وَإِلَّا حَنِثَ عَلَى مَا لَوْ لَمْ يُكْرِهُوهُ عَلَى الْحَلِفِ بِخُصُوصِهِ لَكِنْ تَوَعَّدُوهُ بِالْحَبْسِ وَنَحْوِهِ، فَحَلَفَ اخْتِيَارًا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ بِلَادِهِمْ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي إطْلَاقِهِ

(قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ صِحَّتُهَا مَعَهُ) أَيْ الْمُسْلِمِ، وَقَوْلُهُ فَيُعْطَاهَا: أَيْ الْمُسْلِمُ، وَقَوْلُهُ وَإِنْ أَسْلَمَتْ غَايَةً، وَقَوْلُهُ فَلَهُ: أَيْ مَنْ ذَكَرَ (قَوْلُهُ لَا عَكْسَهُ) أَيْ بِأَنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ (قَوْلُهُ أُعْطِيَهَا) أَيْ أُعْطِيَ الَّتِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً أَوْ مَنْ يُعَيِّنُهَا الْإِمَامُ إنْ كَانَتْ مُبْهَمَةً (قَوْلُهُ: وَيَرُدُّهُ مَا تَقَرَّرَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ فَالْجُعْلُ مُقَيَّدٌ (قَوْلُهُ: اتِّفَاقًا عَلَى مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ) لَعَلَّ صُورَتَهُ أَنَّهُ عُوقِدَ بِجُعْلٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ أَوْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِلَّا فَقَدْ مَرَّ

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ بِأَنْ حَلَفَ لَهُمْ تَرْغِيبًا لَهُمْ لِيَثِقُوا بِهِ وَلَا يَتَّهِمُوهُ بِالْخُرُوجِ بِلَا شَرْطٍ مِنْهُمْ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ

(قَوْلُهُ: هُوَ الْكَافِرُ الْغَلِيظُ إلَخْ) وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُتَّصِفِ بِذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَسْلَمَتْ) أَيْ بَعْدَ الظَّفَرِ: أَيْ أَوْ كَانَتْ أَمَةً (قَوْلُهُ: أَوْ أَسْلَمَتْ مَعَهُ) أَيْ الْعِلْجِ (قَوْلُهُ: لَا عَكْسُهُ) أَيْ بِأَنْ أَسْلَمَ هُوَ بَعْدَهَا لِانْتِقَالِ الْحَقِّ مِنْهَا إلَى قِيمَتِهَا قَالَهُ ابْنُ قَاسِمٍ (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ وَهُوَ دَلَالَتُهُ) أَيْ الْمُوَصِّلَةُ لِلْفَتْحِ فَلَا

وَغَيْرُهُ (فَإِنْ) فَتَحَهَا مَعَاقِدُهُ بِدَلَالَتِهِ (وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَارِيَةٌ) أَصْلًا أَوْ بِالْوَصْفِ الْمَشْرُوطِ (أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ) (فَلَا شَيْءَ لَهُ) لِانْتِفَاءِ الْمَشْرُوطِ (أَوْ) مَاتَتْ (بَعْدَ الظَّفَرِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ) إلَيْهِ (وَجَبَ بَدَلٌ) لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي قَبْضَتِهِ فَالتَّلَفُ مِنْ ضَمَانِهِ (أَوْ) مَاتَتْ (قَبْلَ الظَّفَرِ فَلَا) شَيْءَ لَهُ (فِي الْأَظْهَرِ) كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَةَ مَعْدُومَةٌ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَالثَّانِي تَجِبُ لِأَنَّهَا حَاصِلَةٌ وَتَعَذَّرَ تَسْلِيمُهَا (وَإِنْ أَسْلَمَتْ) الْمُعَيَّنَةُ الْحُرَّةُ عَلَى مَا قَيَّدَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْفَرْقِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْحُرَّةَ إذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ الظَّفَرِ لَا يُعْطَى قِيمَتَهَا مَرْدُودٌ.
(فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ بَدَلٍ) إذْ إسْلَامُهَا مَنَعَ رِقَّهَا وَالِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهَا فَيُعْطَى بَدَلَهَا مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ كَمَا هُوَ أَوْجَهُ احْتِمَالَيْنِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَنِيمَةً اتَّجَهَ وُجُوبُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ (وَهُوَ) أَيْ الْبَدَلُ (أُجْرَةُ مِثْلٍ وَقِيلَ قِيمَتُهَا) وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا عَنْ الْجُمْهُورِ، نَعَمْ لَوْ كَانَتْ مُبْهَمَةً فَمَاتَ كُلُّ مَنْ فِيهَا وَجَبَتْ قِيمَةُ مَنْ تُسْلِمُ إلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ فِي أَصَحِّ احْتِمَالَيْنِ فَيُعَيِّنُ لَهُ وَاحِدَةً وَيُعْطِيهِ قِيمَتَهَا كَمَا يُعَيِّنُهَا لَهُ لَوْ كُنَّ أَحْيَاءً، وَخَرَجَ بِعَنْوَةٍ مَا لَوْ فُتِحَتْ صُلْحًا بِدَلَالَتِهِ وَدَخَلَتْ فِي الْأَمَانِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ بَدَلٍ وَهَمَّ مِنْ تَسْلِيمِهَا نَبَذْنَا الصُّلْحَ وَبَلَّغْنَاهُمْ الْمَأْمَنَ، وَإِنْ رَضُوا بِتَسْلِيمِهَا بِبَدَلِهَا أَعْطَوْهُ مِنْ مَحَلِّ الرَّضْخِ.

[حاشية الشبراملسي]

أَنَّهُ لَوْ عَاقَدَهُ بِجَارِيَةٍ مِنْ غَيْرِ الْقَلْعَةِ لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهْلِ بِالْجُعْلِ بِلَا حَاجَةٍ (قَوْلُهُ: وَالْأَقْرَبُ عَدُّ الْفَرْقِ) هَذَا قَدْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ بَعْدُ إذْ إسْلَامُهَا مَنَعَ رِقَّهَا إلَخْ إلَّا أَنْ يُقَالَ بِالتَّوْزِيعِ الْآتِي فِي كَلَامِ سم (قَوْلُهُ: وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهَا) كَأَنَّهُ عَلَى التَّوْزِيعِ: أَيْ يَمْنَعُ رِقَّهَا إذَا كَانَتْ حُرَّةً، وَأَسْلَمَتْ قَبْلَ الْأَسْرِ أَوْ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا إذَا أَسْلَمَتْ الْحُرَّةُ بَعْدَ الْأَسْرِ أَوْ أَسْلَمَتْ الرَّقِيقَةُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم حَجّ (قَوْلُهُ: فَيُعَيِّنُ) أَيْ الْإِمَامُ، وَإِنَّمَا سَاغَ التَّعْيِينُ لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّ رِضَا الْعِلْجِ بِالْمُبْهَمَةِ مِنْ الْإِمَامِ وَالْعَقْدَ عَلَيْهَا رِضًا بِمَا يُعَيِّنُهُ الْإِمَامُ.

[حاشية الرشيدي]

يُنَافِي مَا عُلِّلَ بِهِ الثَّانِي (قَوْلُهُ: مَنَعَ رِقَّهَا وَالِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهَا) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ كَأَنَّهُ عَلَى التَّوْزِيعِ: أَيْ مَنَعَ رِقَّهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً فَأَسْلَمَتْ قَبْلَ الْأَسْرِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا إذَا أَسْلَمَتْ الرَّقِيقَةُ (قَوْلُهُ وَإِنْ رَضُوا) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ لَعَلَّهُ فِيمَا إذَا كَانَتْ رَقِيقَةً وَإِلَّا فَدُخُولُهَا فِي الْأَمَانِ يَمْنَعُ اسْتِرْقَاقَهَا اهـ بِالْمَعْنَى.

كِتَابُ الْجِزْيَةِ تُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْعَقْدِ وَالْمَالِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ وَعَقِبُهَا لِلْقِتَالِ؛ لِأَنَّهُ مُغَيَّا بِهَا فِي الْآيَةِ الَّتِي هِيَ كَأَخْذِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهَا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَغَيْرِهِمْ.
الْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] إذْ هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُجَازَاةِ؛ لِأَنَّهَا جَزَاءُ عِصْمَتِهِمْ مِنَّا وَسُكْنَاهُمْ فِي دَارِنَا فَهِيَ إذْلَالٌ لَهُمْ لِتَحَمُّلِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ لَا سِيَّمَا إنْ خَالَطُوا أَهْلَهُ وَعَرَفُوا مَحَاسِنَهُ لَا فِي مُقَابَلَةِ تَقْرِيرِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَمَشْرُوعِيَّتُهَا مُغَيَّاةٌ بِنُزُولِ عِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا تُقْبَلُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لِأَحَدٍ مِنْهُمْ شُبْهَةٌ بِحَالٍ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ وَهَذَا مِنْ شَرْعِنَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْزِلُ حَاكِمًا بِهِ مُتَلَقِّيًا لَهُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَوْ عَنْ اجْتِهَادٍ مُسْتَمَدٍّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَذَاهِبَ فِي زَمَنِهِ لَا يُعْمَلُ مِنْهَا إلَّا بِمَا يُوَافِقُ مَا يَرَاهُ، إذْ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ وَاجْتِهَادُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُخْطِئُ.
وَلَهَا أَرْكَانٌ عَاقِدٌ وَمَعْقُودٌ لَهُ وَعَلَيْهِ وَمَكَانٌ وَصِيغَةٌ وَبَدَأَ بِهَا اهْتِمَامًا بِهَا فَقَالَ (صُورَةُ عَقْدِهَا) مَعَ الذُّكُورِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (أُقِرُّكُمْ) أَوْ أَقْرَرْتُكُمْ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَاسْتُحْسِنَ عَلَى الْأَوَّلِ لِاحْتِمَالِهِ الْوَعْدَ غَيْرَ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْحَالُ مَعَ الِاسْتِقْبَالِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِعَ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ يَكُونُ لِلْحَالِ، وَبِأَنَّهُ يَأْتِي لِلْإِنْشَاءِ كَأَشْهَدْ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا مَرَّ فِي الضَّمَانِ أَنْ أُؤَدِّيَ الْمَالَ أَوْ أُحْضِرَ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ ضَمَانًا وَلَا كَفَالَةً، وَفِي الْإِقْرَارِ أَنْ أُقِرَّ بِكَذَا لَغْوٌ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ؛ لِأَنَّ شِدَّةَ نَظَرِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ لِحَقْنِ الدَّمِ اقْتَضَى عَدَمَ النَّظَرِ لِاحْتِمَالِهِ لِلْوَعْدِ (بِدَارِ الْإِسْلَامِ) غَيْرِ الْحِجَازِ لَكِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّنْصِيصُ عَلَى إخْرَاجِهِ حَالَ الْعَقْدِ اكْتِفَاءً بِاسْتِثْنَائِهِ شَرْعًا وَإِنْ جَهِلَهُ الْعَاقِدَانِ فِيمَا يَظْهَرُ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ أَصْلِهِ قَدْ لَا يُشْتَرَطُ فَقَدْ نُقِرُّهُمْ بِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ (أَوْ أَذِنْت فِي إقَامَتِكُمْ بِهَا) أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ (عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا) أَيْ تُعْطُوا (جِزْيَةً) فِي كُلِّ حَوْلٍ، نَعَمْ يَتَّجِهُ

[حاشية الشبراملسي]

كِتَابُ الْجِزْيَةِ (قَوْلُهُ: تُطْلَقُ) أَيْ شَرْعًا (قَوْلُهُ: الْأَصْلُ) خَبَرُ هِيَ (قَوْلُهُ: قَوْله تَعَالَى) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ وَهِيَ قَوْلُهُ إلَخْ أَوْ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ الْأَصْلُ الْوَاقِعُ خَبَرًا عَنْ قَوْلِهِ هِيَ، وَقَوْلُهُ كَأَخْذِهِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ هِيَ (قَوْلُهُ: وَهَذَا مِنْ شَرْعِنَا إلَخْ) أَيْ كَوْنُهَا مُغَيَّاةً بِنُزُولِ عِيسَى (قَوْلُهُ مَعَ الذُّكُورِ) وَسَيَأْتِي مَعَ غَيْرِهِمْ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَاسْتُحْسِنَ عَلَى الْأَوَّلِ) قَدْ يُرَجَّحُ صَنِيعُ الْمُصَنِّفِ بِاشْتِمَالِهِ عَلَى إفَادَةِ صِحَّةِ الْعَقْدِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ الَّتِي يُتَوَهَّمُ عَدَمُ صِحَّةِ الْعَقْدِ بِهَا مَعَ فَهْمِ مَا بِالْمُحَرَّرِ بِالْأَوْلَى، بِخِلَافِ مَا فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ هَذَا مُطْلَقًا فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَبِأَنَّهُ) أَيْ الْمُضَارِعُ (قَوْلُهُ: وَفِي الْإِقْرَارِ) أَيْ وَلَا مَا فِي الْإِقْرَارِ (قَوْلُهُ: عَلَى إخْرَاجِهِ) أَيْ الْحِجَازِ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ هَذَا) أَيْ قَوْلُهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا) بَابُهُ نَصَرَ (قَوْلُهُ: فِي كُلِّ حَوْلٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ شَرْطٌ،

[حاشية الرشيدي]

[كِتَابُ الْجِزْيَةِ]

(قَوْلُهُ: وَاجْتِهَادُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُخْطِئُ) أَيْ فَهُوَ كَالنَّصِّ لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ مَعَهُ (قَوْلُهُ: اهْتِمَامًا بِهَا) قَدْ يُقَالُ وَلِمَ اهْتَمَّ بِهَا.
وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ وَلِأَهَمِّيَّتِهَا بَدَأَ بِهَا (قَوْلُهُ: غَيْرَ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ إلَخْ) أَيْ فَالْمُصَنِّفُ أَرَادَ إفَادَةَ ذَلِكَ، وَيُعْلَمُ مِنْهُ مَا فِي الْمُحَرَّرِ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ: لِلْحَالِ) أَيْ كَالِاسْتِقْبَالِ (قَوْلُهُ: وَبِأَنَّهُ) الْبَاءُ فِيهِ سَبَبِيَّةٌ فَهُوَ عَطْفٌ

عَدَمُ اعْتِبَارِ ذِكْرِ كَوْنِهَا أَوَّلَ الْحَوْلِ أَوْ آخِرَهُ، فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْجُرْجَانِيِّ بِذِكْرِ ذَلِكَ عَلَى الْأَكْمَلِ (وَتَنْقَادُوا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ) أَيْ لِكُلِّ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ غَيْرَ نَحْوِ الْعِبَادَاتِ مِمَّا لَا يَرَوْنَهُ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ لَا كَشُرْبِ الْمُسْكِرِ وَنِكَاحِ الْمَجُوسِ لِلْمَحَارِمِ، وَمِنْ عَدَمِ تَظَاهُرِهِمْ مِمَّا يَعْتَقِدُونَ إبَاحَتَهُ، وَفَسَّرَ الصَّغَارَ فِي الْآيَةِ بِالْتِزَامِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا وَجَبَ التَّعَرُّضُ لِهَذَا مَعَ أَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ عَقْدِهَا؛ لِأَنَّهُ مَعَ الْجِزْيَةِ عِوَضٌ عَنْ تَقْرِيرِهِمْ فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ وَالْأُجْرَةَ فِي الْإِجَارَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِنَفْيِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى قِتَالِنَا كَمَا أُمِّنُوا مِنَّا خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِ لِدُخُولِهِ فِي الِانْقِيَادِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ صِحَّةُ قَوْلِ الْكَافِرِ، أَقِرُّونِي بِكَذَا إلَى آخِرِهِ فَيَقُولُ لَهُ الْإِمَامُ أَقْرَرْتُكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ صُورَةَ عَقْدِهَا الْأَصْلِيِّ مِنْ الْمُوجِبِ، أَمَّا النِّسَاءُ فَيَكْفِي فِيهِنَّ الِانْقِيَادُ لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ لِانْتِفَاءِ الْجِزْيَةِ عَنْهُنَّ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ صَرَاحَةً هَذِهِ الْأَشْيَاءُ، وَأَنَّهُ لَا كِنَايَةَ هُنَا لَفْظًا، وَلَوْ قِيلَ إنَّ كِنَايَاتِ الْأَمَانِ لَوْ ذُكِرَ مَعَهَا عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا إلَى آخِرِهِ تَكُونُ كِنَايَةً هُنَا لَمْ يَبْعُدْ (وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ ذِكْرِ قَدْرِهَا) أَيْ الْجِزْيَةِ كَالثَّمَنِ وَالْأُجْرَةِ وَسَيَأْتِي أَقَلُّهَا.
وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ وَيَنْزِلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْأَقَلِّ (لَا كَفُّ اللِّسَانِ) مِنْهُمْ (عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدِينِهِ) بِسُوءٍ فَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ لِدُخُولِهِ فِي الِانْقِيَادِ

(وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ) لِلْجِزْيَةِ مُعَلَّقًا وَلَا (مُؤَقَّتًا) (عَلَى الْمَذْهَبِ) ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي الْعِصْمَةِ وَهُوَ لَا يُؤَقَّتُ فَلَا يَكْفِي أُقِرُّكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ» فَلِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالْوَحْيِ، وَكَذَا مَا شِئْتُ أَوْ شَاءَ فُلَانٌ، بِخِلَافِ مَا شِئْتُمْ لِلُزُومِهَا مِنْ جِهَتِنَا وَجَوَازِهَا مِنْ جِهَتِهِمْ بِخِلَافِ الْهُدْنَةِ، وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ يَصِحُّ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي الْقَطْعُ بِالْأَوَّلِ

(وَيُشْتَرَطُ لَفْظُ قَبُولٍ) مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ لِمَا أَوْجَبَهُ الْعَاقِدُ وَلَوْ بِنَحْوِ رَضِيتُ وَبِإِشَارَةِ أَخْرَسَ مُفْهِمَةٍ وَبِكِنَايَةٍ بَيِّنَةٍ، وَمِنْهَا الْكِتَابَةُ، وَيُشْتَرَطُ هُنَا أَيْضًا سَائِرُ مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ مِنْ نَحْوِ اتِّصَالِ قَبُولٍ بِإِيجَابٍ وَتَوَافُقٍ فِيهِمَا فِيمَا يَظْهَرُ، وَأُفْهِمَ اشْتِرَاطُ الْقَبُولِ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَنَا، ثُمَّ عَلِمْنَاهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، بِخِلَافِ مَنْ سَكَنَ دَارًا مُدَّةً غَصْبًا؛ لِأَنَّ عِمَادَ الْجِزْيَةِ الْقَبُولُ، وَلَوْ فَسَدَ عَقْدُهَا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لَزِمَ لِكُلِّ سَنَةٍ دِينَارٌ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَطَلَ كَأَنْ صَدَرَ مِنْ الْآحَادِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ، وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ لَنَا مَا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الْبَاطِلِ وَالْفَاسِدِ سِوَى الْأَرْبَعَةِ الْمَشْهُورَةِ

(وَلَوْ وُجِدَ كَافِرٌ بِدَارِنَا فَقَالَ دَخَلْتُ لِسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ)

[حاشية الشبراملسي]

وَأَنَّ الْأَكْمَلَ أَنْ يَقُولَ أَوَّلَ الْحَوْلِ أَوْ آخِرَهُ (قَوْلُهُ لَا كَشُرْبِ الْمُسْكِرِ) أَيْ بِالْفِعْلِ (قَوْلُهُ: وَمِنْ عَدَمِ تَظَاهُرِهِمْ) لَعَلَّهُ عَطَفَ عَلَى مِنْ أَحْكَامٍ بِجَعْلِ مِنْ فِيهِ بَيَانِيَّةً لَا تَبْعِيضِيَّةً لِتَعَذُّرِهَا هُنَا أَوْ تَبْعِيضِيَّةً بِجَعْلِ الْمُبَعَّضِ مِنْهُ مَجْمُوعَ أَحْكَامِهِ وَعَدَمَ التَّظَاهُرِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُصَنِّفَ (قَوْلُهُ: إنَّمَا أَرَادَ صُورَةَ عَقْدِهَا) قَدْ يُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّ مِنْ صُوَرِ الْأَصْلِيِّ عَلَى الْإِطْلَاقِ تَقَدُّمَ الْإِيجَابِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
يُتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ هَذَا جَوَابٌ عَنْ الْإِيرَادِ بَلْ هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى الْجَوَابِ، نَعَمْ يُمْكِنُ دَفْعُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الشَّارِحِ بِأَنَّهُ إنْ جَعَلَهُ صُورَةَ عَقْدِهِ الْأَصْلِيِّ مِنْ الْمُوجِبِ وَهَذَا لَيْسَ هَذَا أَصْلِيًّا بِالنِّسْبَةِ لَهُ (قَوْلُهُ: لَفْظًا) أَيْ بِخِلَافِهِ فِعْلًا فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ كَالْكِتَابَةِ وَإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ إذَا فَهِمَهَا الْفَطِنُ دُونَ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَقَلِّ) وَهُوَ دِينَارٌ

(قَوْلُهُ: كَانَ يَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالْوَحْيِ) أَيْ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ إقْرَارَهُمْ لَا إلَى غَايَةٍ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْهُدْنَةِ) يَنْبَغِي أَوْ مِنْ وَكِيلِهِمْ اهـ سم عَلَى حَجّ

(قَوْلُهُ: سِوَى الْأَرْبَعَةِ) وَهِيَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ

[حاشية الرشيدي]

عَلَى لِأَنَّ إلَخْ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ اللَّامَ (قَوْلُهُ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ) أَيْ تَرْكِهِمَا (قَوْلُهُ: وَمِنْ عَدَمِ تَظَاهُرِهِمْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مِمَّا يَرَوْنَهُ إذْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ كَمَا لَا يَخْفَى فَهُوَ أَوْلَى مِنْ جَعْلِ الشِّهَابِ ابْنِ قَاسِمٍ لَهُ مَعْطُوفًا عَلَى مِنْ أَحْكَامِهِ (قَوْلُهُ: أَمَّا النِّسَاءُ) أَيْ الْمُسْتَقِلَّاتُ (قَوْلُهُ: هُنَا) أَيْ فِي الْإِيجَابِ بِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي فِي الْقَبُولِ (قَوْلُهُ: بِسُوءٍ)

تَعَالَى أَوْ لِأُسْلِمَ أَوْ لِأَبْذُلَ جِزْيَةً (أَوْ) دَخَلْتُ (رَسُولًا) وَلَوْ بِمَا فِيهِ مَضَرَّةٌ لَنَا (أَوْ) دَخَلَتْ (بِأَمَانِ مُسْلِمٍ) يَصِحُّ أَمَانُهُ (صُدِّقَ) وَحَلَفَ نَدْبًا إنْ اُتُّهِمَ تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ، نَعَمْ إنْ أُسِرَ لَمْ يُصَدَّقْ فِي ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَفِي الْأُولَى يُمَكَّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ وَحُضُورِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ قَدْرًا تَقْضِي الْعَادَةُ بِإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ فِيهِ، وَلَا يُزَادُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (وَفِي دَعْوَى الْأَمَانِ وَجْهٌ) أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لِسُهُولَتِهَا، وَرُدَّ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْحَرْبِيِّ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِهِ أَوْ بِنَحْوِهِ

(وَيُشْتَرَطُ لِعَقْدِهَا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ) الْعَامُّ، أَوْ فِي عَقْدِهَا لِكَوْنِهَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْعِظَامِ فَاخْتَصَّتْ بِذِي النَّظَرِ الْعَامِّ (وَعَلَيْهِ) أَيْ أَحَدِهِمَا (الْإِجَابَةُ إذَا طَلَبُوهَا) لِلْأَمْرِ بِهِ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُشْتَرَطْ هُنَا مَصْلَحَةٌ بِخِلَافِ الْهُدْنَةِ (إلَّا) أَسِيرًا أَوْ (جَاسُوسًا) مِنْهُمْ، وَهُوَ صَاحِبُ سِرِّ الشَّرِّ، بِخِلَافِ النَّامُوسِ فَإِنَّهُ صَاحِبُ سِرِّ الْخَيْرِ (نَخَافُهُ) فَلَا تَجِبُ إجَابَتُهَا بَلْ لَا تُقْبَلُ مِنْ الثَّانِي لِلضَّرُورَةِ، وَلِهَذَا لَوْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ طَلَبَهُمْ لَهَا مَكِيدَةٌ مِنْهُمْ لَمْ يُجِبْهُمْ

(وَلَا تُعْقَدُ إلَّا لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) وَصَابِئَةٍ وَسَامِرَةٍ لَمْ تُعْلَمْ مُخَالَفَتُهُمْ لَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ فِي آيَتِهَا (وَالْمَجُوس) «لِأَخْذِهِ لَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ وَقَالَ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ كِتَابٍ (وَأَوْلَادِ مَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ قَبْلَ النَّسْخِ) أَوْ مَعَهُ وَلَوْ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَنِبُوا الْمُبَدَّلَ تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ، وَبِهِ فَارَقَ عَدَمَ حِلِّ نِكَاحِهِمْ وَذَبِيحَتِهِمْ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَبْضَاعِ وَالْمَيْتَاتِ التَّحْرِيمُ، بِخِلَافِ وَلَدِ مَنْ تَهَوَّدَ بَعْدَ بَعْثَةِ عِيسَى بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا نَاسِخَةٌ، أَوْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ بَعْدَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاكْتِفَاؤُهُمْ بِالْبَعْثَةِ وَإِنْ كَانَ النَّسْخُ قَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْهَا لِكَوْنِهَا مَظِنَّتَهُ وَسَبَبَهُ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمُضِرَّ دُخُولُ كُلٍّ مِنْ أَبَوَيْهِ بَعْدَ النَّسْخِ لَا أَحَدِهِمَا.
وَهُوَ الْأَوْجَهُ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ بِدَلِيلِ عَقْدِهَا لِمَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ وَثَنِيٌّ كَمَا يَأْتِي (أَوْ شَكَكْنَا فِي وَقْتِهِ) أَيْ التَّهَوُّدِ أَوْ التَّنَصُّرِ أَكَانَ قَبْلَ النَّسْخِ أَمْ بَعْدَهُ تَغْلِيبًا لِلْحَقْنِ أَيْضًا، وَلَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِكَذِبِهِمْ، فَإِنْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ قِتَالَهُمْ إنْ بَانَ كَذِبُهُمْ اغْتَالَهُمْ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ: أَوْجُهُهُمَا أَنَّهُ كَذَلِكَ لِتَلْبِيسِهِمْ عَلَيْنَا وَإِطْلَاقِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَتَقْيِيدِهِ أَوْلَادَهُمْ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى الْأَصْلِيِّينَ الَّذِينَ لَا انْتِقَالَ لَهُمْ هُمْ الْأَصْلُ، ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ الِانْتِقَالَ عَبَّرَ فِيهِ بِالْأَوْلَادِ، وَمُرَادُهُ بِهِمْ الْفُرُوعُ وَإِنْ سَفَلُوا

[حاشية الشبراملسي]

وَالْخُلْعُ وَالْكِتَابَةُ وَبِضَمِّ مَا هُنَا إلَيْهَا تَصِيرُ خَمْسَةً

(قَوْلُهُ: يَصِحُّ أَمَانُهُ) هَلْ يَجِبُ التَّصْرِيحُ بِهَذَا (قَوْلُهُ: أَيْضًا يَصِحُّ أَمَانُهُ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَلَا عِبْرَةَ بِأَمَانِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ اهـ. وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُوجِبُ تَبْلِيغَ الْمَأْمَنِ فِي الْجُمْلَةِ، فَفِي الرَّوْضِ فِي بَابِ الْأَمَانِ إنْ أَمَّنَهُ صَبِيٌّ وَنَحْوُهُ فَظَنَّ صِحَّتَهُ بَلَّغْنَاهُ مَأْمَنَهُ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُهُ هَلْ يَجِبُ إلَخْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَبْذُهُ (قَوْلُهُ: وَفِي الْأَوْلَى) أَيْ سَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ: أَوْ بِنَحْوِهِ) كَالْتِزَامِ الْجِزْيَةِ أَوْ كَوْنِهِ رَسُولًا

(قَوْلُهُ: إلَّا أَسِيرًا) عِبَارَةُ الْعُبَابِ: وَإِنْ بَذَلَهَا: أَيْ الْجِزْيَةَ أَسِيرٌ كِتَابِيٌّ حُرِّمَ قَتْلُهُ لَا إرْقَاقُهُ وَغُنِمَ مَالُهُ اهـ سم عَلَى حَجّ

(قَوْلُهُ: وَسَامِرَةٍ لَمْ تُعْلَمْ مُخَالَفَتُهُمْ) أَيْ بِأَنْ عَلِمْنَا مُوَافَقَتَهُمْ أَوْ شَكَكْنَا فِيهَا (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهَا نَاسِخَةٌ) أَيْ وَهُوَ الرَّاجِحُ (قَوْلُهُ: وَسَبَبُهُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ) يُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ وَوَجْهُ التَّأَمُّلِ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ مَنْ تَهَوَّدَ كَمَا يَصْدُقُ بِكُلٍّ يَصْدُقُ بِالْأَحَدِ، فَمِنْ أَيْنَ الِاقْتِضَاءُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَتْ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ كَانَ الْمُتَبَادِرُ مِنْهَا ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِكَذِبِهِمْ) أَيْ وَقَدْ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ مِمَّنْ تُعْقَدُ لَهُمْ الْجِزْيَةُ؛ لِأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَتَقْيِيدُهُ) أَيْ بِكَوْنِ أُصُولِهِمْ تَهَوَّدَتْ أَوْ تَنَصَّرَتْ قَبْلَ النَّسْخِ

[حاشية الرشيدي]

لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُتَعَلَّقٍ إذْ لَا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِكَفٍّ كَأَنْ يُقَدَّرَ لَفْظُ ذُكِرَ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ عَنْ

(قَوْلُهُ: يَصِحُّ أَمَانُهُ) لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ قَاسِمٍ، وَإِلَّا فَقَدْ مَرَّ أَنَّ مَنْ أَمَّنَهُ صَبِيٌّ وَنَحْوُهُ وَظَنَّ صِحَّتَهُ يُبَلَّغُ الْمَأْمَنَ

(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ لَا انْتِقَالَ لَهُمْ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الِاعْتِرَاضَيْنِ الْآتِيَيْنِ نَصُّهَا: وَيَرِدُ

لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الِانْتِقَالَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ طُرُوُّ الْبَعْثَةِ، وَذَلِكَ قَدْ انْقَطَعَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَوْلَادُ الْمُنْتَقِلِينَ فَذَكَرَهُمْ ثَانِيًا، فَانْدَفَعَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَوْ عَكَسَ لَكَانَ أَوْلَى، وَدَعْوَى أَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ مَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ قَبْلَ الْفَسْخِ يُعْقَدُ لِأَوْلَادِهِ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا يُعْقَدُ لَهُمْ إنْ لَمْ يَنْتَقِلُوا عَنْ دِينِ آبَائِهِمْ بَعْدَ الْبَعْثَةِ مَرْدُودَةٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَوْلَادٍ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ انْتِقَالٌ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلنَّظَرِ إلَى آبَائِهِمْ وَجْهٌ (وَكَذَا زَاعِمُ التَّمَسُّكِ بِصُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَزَبُورِ دَاوُد صَلَّى اللَّهُ) عَلَى نَبِيّنَا وَ (عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ) وَصُحُفِ شِيثٍ وَهُوَ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ؛ لِأَنَّهَا تُسَمَّى كُتُبًا فَانْدَرَجَتْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: 29] (وَمَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيٌّ) وَلَوْ الْأُمَّ اخْتَارَ الْكِتَابِيَّ أَمْ لَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا، وَفَارَقَ كَوْنَ شَرْطِ حِلِّ نِكَاحِهَا اخْتِيَارَهَا الْكِتَابِيَّ بِأَنَّ مَا هُنَا أَوْسَعُ، وَمَا أَوْهَمَهُ شَرْحُ الْمَنْهَجِ مِنْ أَنَّ اخْتِيَارَ ذَلِكَ قَيْدٌ هُنَا أَيْضًا غَيْرُ مُرَادٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ قَيْدٌ لِتَسْمِيَتِهِ كِتَابِيًّا لَا لِتَقْرِيرِهِ (وَالْآخَرُ وَثَنِيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ) فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ تَغْلِيبًا لِذَلِكَ أَيْضًا، وَهُوَ فِي الْأَوْلَى أَصَحُّ وَجْهَيْنِ وَقَطَعَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَفِي الثَّانِيَةِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَصَحُّ الطُّرُقِ وَقَوْلٌ مِنْ طَرِيقٍ ثَانٍ قَطَعَ بَعْضُهُمْ بِمُقَابِلِهِ، نَعَمْ لَوْ بَلَغَ ابْنُ وَثَنِيٍّ مِنْ كِتَابِيَّةٍ وَتَدَيَّنَ بِدِينِ أَبِيهِ لَمْ يُقَرَّ جَزْمًا، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي كَوْنِهِمْ مِمَّنْ يُعْقَدُ لَهُمْ الْجِزْيَةُ، إذْ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ غَالِبًا إلَّا مِنْهُمْ، وَالْأَوْجَهُ اسْتِحْبَابُ تَحْلِيفِهِمْ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ عَدَمَ عَقْدِهَا لِغَيْرِ الْمَذْكُورِينَ كَعَابِدِ شَمْسٍ أَوْ مَلِكٍ أَوْ وَثَنٍ وَأَصْحَابِ الطَّبَائِعِ وَالْمُعَطِّلِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ وَالدَّهْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ كَمَا مَرَّ فِي النِّكَاحِ

(وَلَا جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَةٍ) بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ ابْنِ حَزْمٍ فِيهِ (وَخُنْثَى) لِاحْتِمَالِ أُنُوثَتِهِ، فَلَوْ بَذَلَاهَا أَعْلَمْنَاهُمَا بِعَدَمِ لُزُومِهَا لَهُمَا، فَإِنْ رَغِبَا بِهَا فَهِبَةٌ،

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ لَوْ عَكَسَ) كَأَنْ يَقُولَ وَلَا تُعْقَدُ إلَّا لِمَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ قَبْلَ النَّسْخِ وَأَوْلَادِهِمْ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلنَّظَرِ إلَى آبَائِهِمْ وَجْهٌ) هَذَا مَمْنُوعٌ بَلْ لَهُ وَجْهٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ لَهُمْ احْتِرَامٌ بِكَوْنِ انْتِقَالِهِمْ قَبْلَ النَّسْخِ سَرَى الِاحْتِرَامُ لِأَوْلَادِهِمْ، وَإِنْ انْتَقَلُوا تَبَعًا لَهُمْ فَتَأَمَّلْهُ اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَفَارَقَ كَوْنُ شَرْطِ حِلِّ نِكَاحِهَا) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا إذَا اخْتَارَتْ دِينَ الْكِتَابِيِّ مِنْهُمَا حَلَّتْ، وَذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي فَصْلِ يَحْرُمُ نِكَاحُ مَنْ لَا كِتَابَ لَهَا عَنْ الشَّيْخَيْنِ عَنْ النَّصِّ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِتَحْرِيمِهَا وَهُوَ أَوْجَهُ اهـ (قَوْلُهُ: اخْتِيَارَهَا الْكِتَابِيَّ) أَيْ دِينَهُ (قَوْلُهُ: لَا لِتَقْرِيرِهِ) أَيْ وَإِلَّا فَالشَّرْطُ أَنْ لَا يُخْتَارَ دِينُ الْوَثَنِيِّ مَثَلًا (قَوْلُهُ نَعَمْ لَوْ بَلَغَ) هَذَا يُفْهَمُ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِاخْتِيَارِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ السَّابِقُ اخْتَارَ الْكِتَابِيَّ إلَخْ مَحَلُّهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الصَّغِيرَ لَا اعْتِبَارَ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ وَهُوَ يَتْبَعُ أَشْرَفَ أَبَوَيْهِ فِي الدِّينِ، وَقَوْلُهُ وَيَدِينُ بِدِينِ أَبِيهِ اُنْظُرْ إذَا بَلَغَ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَدَيُّنٌ بِوَاحِدٍ مِنْ الدِّينَيْنِ، وَمَفْهُومُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَرُّ وَهُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ السَّابِقِ أَوْ لَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ فِي الْبَالِغِ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّغِيرَ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَتْبَعُ أَشْرَفَ أَبَوَيْهِ فِي الدِّينِ، وَأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِاخْتِيَارِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَتَدَيَّنَ بِدِينِ أَبِيهِ) وَمِثْلُهُ عَكْسُهُ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ اسْتِحْبَابُ تَحْلِيفِهِمْ) أَيْ بِاَللَّهِ وَإِذَا أُرِيدَ التَّغْلِيظُ عَلَيْهِمْ غُلِّظَ عَلَيْهِمْ بِمَا هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى كَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَأَخْرَجَ النَّبَاتِ (قَوْلُهُ: وَالدَّهْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ) أَيْ وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِدِينِ مَنْ تُعْقَدُ لَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ مَنْ انْتَقَلَ مِنْ دِينٍ إلَى آخَرَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ

(قَوْلُهُ فَهِبَةٌ) أَيْ لِجِهَةِ الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ بَانَ)

[حاشية الرشيدي]

بِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا الْأَصْلَ وَهْم الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى الْأَصْلِيُّونَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ الِانْتِقَالُ ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ الِانْتِقَالَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَفَارَقَ كَوْنَ شَرْطِ حِلِّ نِكَاحِهَا اخْتِيَارُهَا الْكِتَابِيَّ) الَّذِي قَدَّمَهُ فِي بَابِ النِّكَاحِ إنَّمَا هُوَ اعْتِمَادُ حُرْمَةِ نِكَاحِهَا مُطْلَقًا اخْتَارَتْ أَمْ لَمْ تَخْتَرْ، وَهُوَ تَابِعٌ هُنَا لِابْنِ حَجَرٍ وَهُوَ جَارٍ عَلَى اخْتِيَارِهِ ثُمَّ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ بَلَغَ ابْنُ وَثَنِيٍّ مِنْ كِتَابِيَّةٍ) هَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ الْمَارِّ اخْتَارَ الْكِتَابِيُّ أَوْ لَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ عَكْسِ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ كَذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ

ذَكَرًا أُخِذَ مِنْهُ عَمَّا مَضَى، وَفَارَقَ مَا مَرَّ فِي حَرْبِيٍّ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ بِأَنَّ صُورَةَ مَا هُنَا فِي عَقْدِ الْجِزْيَةِ لَهُ حَالَ خُنُوثَتِهِ بِخِلَافِ الْأُولَى (وَمَنْ فِيهِ رِقٌّ) وَهُوَ مُبَعَّضٌ لِنَقْصِهِ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ بِسَبَبِهِ وَخَبَرُ «لَا جِزْيَةَ عَلَى الْعَبْدِ» لَا أَصْلَ لَهُ (وَصَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ) لِعَدَمِ الْتِزَامِهِمَا (فَإِنْ تَقَطَّعَ جُنُونُهُ قَلِيلًا كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ) وَنَحْوِ يَوْمٍ مِنْ سَنَةٍ (لَزِمَتْهُ) وَالْأَوْجَهُ ضَبْطُهُ بِأَنْ تَكُونَ أَوْقَاتُ الْجُنُونِ فِي السَّنَةِ لَوْ لُفِّقَتْ لَمْ تُقَابَلْ بِأُجْرَةٍ غَالِبًا، وَقَدْ يُؤْخَذُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ (أَوْ) تَقَطَّعَ (كَثِيرًا كَيَوْمٍ وَيَوْمٍ فَالْأَصَحُّ تَلْفِيقُ الْإِفَاقَةِ) إنْ أَمْكَنَ (فَإِنْ) (بَلَغَتْ) أَيَّامُ الْإِفَاقَةِ (سَنَةً وَجَبَتْ) الْجِزْيَةُ لِسُكْنَاهُ سَنَةً بِدَارِنَا وَهُوَ كَامِلٌ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْجُنُونِ فِي الْجَمِيعِ كَمَا هُوَ الْمُتَّجِهُ، وَكَذَا لَوْ قَلَّتْ بِحَيْثُ لَا يُقَابَلُ مَجْمُوعُهَا بِأُجْرَةٍ، وَطُرُوُّ جُنُونٍ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ كَطُرُوِّ مَوْتٍ أَثْنَاءَهُ.
وَالثَّانِي لَا يَجِبُ.
وَالثَّالِثُ يَجِبُ كَالْعَاقِلِ.
وَالرَّابِعُ يُحْكَمُ بِمُوجَبِ الْأَغْلَبِ، فَإِنْ اسْتَوَى الزَّمَانَانِ وَجَبَتْ

(وَلَوْ) (بَلَغَ ابْنُ ذِمِّيٍّ) أَوْ أَفَاقَ أَوْ عَتَقَ قِنٌّ ذِمِّيٌّ أَوْ مُسْلِمٌ (وَلَمْ يَبْذُلْ) بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ يُعْطِ (جِزْيَةً) (أُلْحِقَ بِمَأْمَنِهِ) وَلَا يُغْتَالُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَمَانِ أَبِيهِ أَوْ سَيِّدِهِ تَبَعًا (فَإِنْ بَذَلَهَا) وَلَوْ سَفِيهًا (عُقِدَ لَهُ) عَقْدُ جِزْيَةٍ لِاسْتِغْلَالِهِ حِينَئِذٍ (وَقِيلَ عَلَيْهِ كَجِزْيَةِ أَبِيهِ) وَيُكْتَفَى بِعَقْدِ مَتْبُوعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَبِعَهُ فِي أَصْلِ الْأَمَان تَبِعَهُ فِي أَصْلِ الذِّمَّةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْمُتَّجِهُ أَنَّهُ لَوْ مَضَتْ عَلَيْهِمْ مُدَّةٌ بِلَا عَقْدٍ لَزِمَتْهُمْ أُجْرَةُ مِثْلِ سُكْنَاهُمْ بِدَارِنَا، إذْ الْمُغَلَّبُ فِيهَا مَعْنَى الْأُجْرَةِ، وَيَظْهَرُ أَنَّهَا هُنَا أَقَلُّ الْجِزْيَةِ

(وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهَا عَلَى) (زَمِنٍ وَشَيْخٍ وَهَرِمٍ) لَا أَرَى لَهُمَا (وَأَعْمَى وَرَاهِبٍ وَأَجِيرٍ) لِأَنَّهَا أُجْرَةٌ فَلَمْ يُفَارِقْ الْمَعْذُورُ فِيهَا غَيْرَهُ.
أَمَّا مَنْ لَهُ رَأْيٌ فَتَلْزَمُهُ جَزْمًا (وَفَقِيرٍ عَجَزَ عَنْ كَسْبٍ) أَصْلًا أَوْ يَفْضُلُ بِهِ عَنْ مُؤْنَتِهِ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ آخِرَ الْحَوْلِ مَا يَدْفَعُهُ فِيهَا، وَذَلِكَ لِمَا مَرَّ

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ الْخُنْثَى (قَوْلُهُ: أُخِذَ مِنْهُ عَمَّا مَضَى) هَلْ يُطَالَبُ بِهِ وَإِنْ كَانَ يَدْفَعُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَا عُقِدَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ أَوْ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَدْفَعْ؟ الَّذِي يَظْهَرُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ الْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ وَمَا يَدْفَعُهُ يَقَعُ جِزْيَةً.
هَكَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ الْأَوَّلَ، وَالْأَقْرَبُ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ قَالَ: لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يُعْطِي هِبَةً لَا عَنْ الدَّيْنِ (قَوْلُهُ: حَالَ خُنُوثَتِهِ) أَفْهَمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تُعْقَدْ لَهُ، وَمَضَى عَلَيْهِ مُدَّةٌ مِنْ غَيْرِ دَفْعِ شَيْءٍ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ كَالْحَرْبِيِّ إذَا أَقَامَ بِدَارِنَا بِلَا عَقْدٍ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ (قَوْلُهُ لَا أَصْلَ لَهُ) أَيْ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَى الْعَبْدِ، وَيُسْتَدَلُّ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ لِنَقْصِهِ (قَوْلُهُ: فَإِذَا بَلَغَتْ أَيَّامُ الْإِفَاقَةِ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا مِنْ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، وَهُوَ صَادِقٌ بِسِنِينَ مُتَعَدِّدَةٍ (قَوْلُهُ: أُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْجُنُونِ) أَيْ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَطُرُوُّ جُنُونٍ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ) أَيْ مُتَّصِلٌ فِيمَا يَظْهَرُ، فَإِنْ كَانَ مُتَقَطِّعًا فَيَنْبَغِي أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ أَنْ تُلَفَّقَ الْإِفَاقَةُ وَيُكَمَّلُ مِنْهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ سَنَةً اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: مَوْتٍ أَثْنَاءَهُ) أَيْ فَيَجِبُ اللَّقْطُ كَمَا يَأْتِي

(قَوْلُهُ: أَوْ عَتَقَ قِنٌّ ذِمِّيٌّ) وَفِي نُسْخَةٍ قِنُّهُ بِالضَّمِيرِ الرَّاجِعِ لِلذِّمِّيِّ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمِ، وَمَا فِي الْأَصْلِ هُوَ الْأَوْلَى لِإِفَادَتِهِ أَنَّ عَتِيقَ الْمُسْلِمِ إنْ بَذَلَ الْجِزْيَةَ أُقِرَّ، وَإِلَّا بَلَغَ الْمَأْمَنَ، وَلَا يُنَافِي تَبْلِيغُهُ الْمَأْمَنَ مِنْ أَنَّ عَتِيقَ الْمُسْلِمِ لَا يُرَقُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَبْلِيغِ الْمَأْمَنِ الْإِرْقَاقُ (قَوْلُهُ: عَقْدَ جِزْيَةٍ) نُسْخَةُ عَقْدٍ جَدِيدٍ، وَالْمُرَادُ غَيْرُ عَقْدِ أَبِيهِ، وَمَا فِي الْأَصْلِ أَوْلَى لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ لِلتَّأْوِيلِ (قَوْلُهُ: لَوْ مَضَتْ عَلَيْهِمْ مُدَّةٌ بِلَا عَقْدٍ) قَدْ يُشْكِلُ هَذَا بِمَا مَرَّ فِي حَرْبِيٍّ دَخَلَ دَارَنَا وَلَمْ نَعْلَمْ بِهِ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ حَيْثُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَخَبَرُ «لَا جِزْيَةَ عَلَى الْعَبْدِ» لَا أَصْلَ لَهُ) أَيْ فَلَمْ يُسْتَدَلَّ بِهِ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ الْتِزَامِهِمَا) أَيْ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: لَمْ تُقَابَلْ بِأُجْرَةٍ) لَعَلَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَجْمُوعِ الْمُدَّةِ لَوْ اُسْتُؤْجِرَ لَهَا إذْ يُتَسَامَحُ فِي نَحْوِ الْيَوْمِ بِالنَّظَرِ لِمَجْمُوعِ الْمُدَّةِ، وَإِلَّا فَالْيَوْمُ وَنَحْوُهُ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ فِي حَدِّ ذَاتِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ) لَعَلَّهُ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ أَوْقَاتُهُ مُنْضَبِطَةً

(قَوْلُهُ أَيْ يُعْطَ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِمَعْنَى الْبَذْلِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ لُغَةً، وَإِلَّا فَالْمُرَادُ بِالْبَذْلِ هُنَا الِانْقِيَادُ كَمَا لَا يَخْفَى

(قَوْلُهُ أَوْ يُفَضَّلُ بِهِ) أَيْ بِسَبَبِهِ وَكَانَ

(فَإِذَا تَمَّتْ سَنَةٌ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَفِي ذِمَّتِهِ) تَبْقَى حَوْلًا فَأَكْثَرَ (حَتَّى يُوسِرَ) كَسَائِرِ الدُّيُونِ

(وَيُمْنَعُ كُلُّ كَافِرٍ مِنْ اسْتِيطَانِ الْحِجَازِ) يَعْنِي الْإِقَامَةَ بِهِ، وَلَوْ بِلَا اسْتِيطَانٍ كَمَا أَفْهَمَهُ قَوْلُهُ الْآتِي، وَقِيلَ لَهُ الْإِقَامَةُ إلَى آخِرِهِ.
وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ جَوَازَ شِرَاءِ أَرْضٍ فِيهِ لَمْ يَقُمْ بِهَا، وَهُوَ الْأَوْجَهُ لَكِنَّ الصَّوَابَ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ حَرُمَ اتِّخَاذُهُ كَالْأَوَانِي وَآلَاتِ اللَّهْوِ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَتَّخِذُ الذِّمِّيُّ شَيْئًا مِنْ الْحِجَازِ دَارًا وَإِنْ رُدَّ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ ذَاكَ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ الْحِجَازِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ مَوْتِهِ «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» وَفِي رِوَايَةٍ «آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنْ الْحِجَازِ» وَفِي أُخْرَى «أَخْرِجُوا يَهُودَ الْحِجَازِ وَأَهْلَ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» وَلَيْسَ الْمُرَادُ جَمِيعَهَا بَلْ الْحِجَازُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَجَلَاهُمْ مِنْهُ وَأَقَرَّهُمْ بِالْيَمَنِ مَعَ أَنَّهُ مِنْهَا، إذْ هِيَ طُولًا مِنْ عَدَنَ إلَى رِيفِ الْعِرَاقِ، وَعَرْضًا مِنْ جُدَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ إلَى الشَّامِ.
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِحَاطَتِهِ بَحْرِ الْحَبَشَةِ وَبَحْرِ فَارِسَ وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ بِهَا (وَهُوَ) أَيْ الْحِجَازُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَجَزَ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ (مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ) مَدِينَةٌ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ وَمَرْحَلَتَيْنِ مِنْ الطَّائِفِ، وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الطَّائِفِ مَرْحَلَةٌ وَاحِدَةٌ.
سُمِّيَتْ بِاسْمِ الزَّرْقَاءِ الَّتِي كَانَتْ تُبْصِرُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (وَقُرَاهَا) أَيْ الثَّلَاثَةُ كَالطَّائِفِ وَجُدَّةَ وَخَيْبَرَ وَالْيَنْبُعِ (وَقِيلَ لَهُ الْإِقَامَةُ فِي طُرُقِهِ الْمُمْتَدَّةِ) بَيْنَ هَذِهِ الْبِلَادِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُعْتَدَّ فِيهَا، نَعَمْ الَّتِي بِحَرَمِ مَكَّةَ يُمْنَعُونَ مِنْهَا قَطْعًا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ الْآتِي، وَلَا يُمْنَعُونَ رُكُوبَ بَحْرٍ خَارِجَ الْحَرَمِ، بِخِلَافِ جَزَائِرِهِ الْمَسْكُونَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا قَيَّدُوا بِهَا لِلْغَالِبِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الْمَقَامِ فِي الْمَرْكَبِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَالْبَرِّ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ إذَا أَذِنَ الْإِمَامُ وَأَقَامَ بِمَوْضِعٍ وَاحِدٍ

(وَلَوْ) (دَخَلَ) كَافِرٌ أَيْ الْحِجَازَ (بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ) أَوْ نَائِبِهِ (أَخْرَجَهُ وَعَزَّرَهُ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ) مِنْهُ لِتَعَدِّيهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ جَهِلَ ذَلِكَ فَيُخْرِجُهُ وَلَا يُعَزِّرُهُ (فَإِنْ اسْتَأْذَنَ) فِي دُخُولِهِ (أَذِنَ لَهُ) حَتْمًا كَمَا اقْتَضَاهُ صَنِيعُهُ لَكِنْ صَرَّحَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ جَائِزٌ فَقَطْ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ (إنْ كَانَ دُخُولُهُ مَصْلَحَةً

[حاشية الشبراملسي]

قِيلَ بِعَدَمِ وُجُوبِ شَيْءٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهَا الْقَوْلُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا لَمَّا كَانَ فِي الْأَصْلِ تَابِعًا لِأَمَانِ أَبِيهِ نَزَلَ بَعْدَ بُلُوغِهِ مَنْزِلَةَ مَنْ مَكَثَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ مِنْ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: أَقَلُّ الْجِزْيَةِ) أَيْ دِينَارٌ

. (قَوْلُهُ: لَمْ يَقُمْ بِهَا وَهُوَ الْأَوْجَهُ) نُسْخَةٌ فِيهَا: قِيلَ وَهُوَ الْأَوْجَهُ لَكِنَّ الصَّوَابَ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّ مَا حُرِّمَ اسْتِعْمَالُهُ حُرِّمَ اتِّخَاذُهُ كَالْأَوَانِي وَآلَاتِ اللَّهْوِ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَتَّخِذُ الذِّمِّيُّ شَيْئًا مِنْ الْحِجَازِ دَارًا وَإِنْ رُدَّ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ ذَاكَ، وَإِنَّمَا مُنِعَ إلَخْ، وَهَذِهِ النُّسْخَةُ هِيَ الْأَقْرَبُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى) أَيْ فِي شَأْنِهِمْ (قَوْلُهُ: أَجَلَاهُمْ) أَيْ أَخْرَجَهُمْ (قَوْلُهُ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ) أَيْ بِالْجَزِيرَةِ (قَوْلُهُ سُمِّيَتْ) أَيْ الْمَدِينَةُ (قَوْلُهُ: كَالطَّائِفِ) هُوَ تَمْثِيلٌ لِقُرَى الثَّلَاثِ، لَكِنْ أُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْيَمَامَةَ لَيْسَ لَهَا قُرًى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ قُرَى الْمَجْمُوعِ وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ قُرًى (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ جَزَائِرِهِ) أَيْ الَّتِي بِالْحِجَازِ

(قَوْلُهُ: وَلَا يُعَزِّرُهُ) وَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الْجَهْلَ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِالْأَمَانِ (قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ) أَيْ قَوْلُهُ أَذِنَ لَهُ حَتْمًا

[حاشية الرشيدي]

الظَّاهِرُ يُفَضَّلُ مِنْهُ

(قَوْلُهُ: لَيْسَ مِنْ ذَاكَ) أَيْ مِنْ الِاتِّخَاذِ الْمَمْنُوعِ أَيْ لِأَنَّ اتِّخَاذَ ذَاكَ يَجُرُّ إلَى اسْتِعْمَالِهِ، بِخِلَافِ هَذَا كَمَا أَفْصَحَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ وَهُوَ الرَّادُّ (قَوْلُهُ: مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ) لَعَلَّهُ بَيَانٌ لِمَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَنْ فِيهِ ابْتِدَائِيَّةً كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَلَا يُمْنَعُونَ رُكُوبَ بَحْرٍ إلَخْ) عِبَارَةُ الدَّمِيرِيِّ: فَرْعٌ: لَا يُمْنَعُونَ مِنْ رُكُوبِ بَحْرِ الْحِجَازِ وَيُمْنَعُونَ مِنْ الْإِقَامَةِ فِي سَوَاحِلِهِ الْمُمْتَدَّةِ وَجَزَائِرِهِ الْمَسْكُونَة (قَوْلُهُ: إذَا أَذِنَ الْإِمَامُ) أَيْ أَمَّا إذَا لَمْ يَأْذَنْ فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ رُكُوبِ

لِلْمُسْلِمِينَ كَرِسَالَةٍ وَحَمْلِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ) كَثِيرًا مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ وَكَإِرَادَةِ عَقْدِ جِزْيَةٍ أَوْ هُدْنَةٍ لِمَصْلَحَةٍ، وَهُنَا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي مُقَابَلَةِ دُخُولِهِ.
أَمَّا مَعَ عَدَمِ الْمَصْلَحَةِ فَيَمْتَنِعُ الْإِذْنُ كَمَا لَا يَخْفَى (فَإِنْ كَانَ) دُخُولُهُ وَلَوْ امْرَأَةً (لِتِجَارَةٍ لَيْسَ فِيهَا كَبِيرُ حَاجَةٍ) كَعِطْرٍ (لَمْ يَأْذَنْ) أَيْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِذْنُ فِي دُخُولِهِ (إلَّا) إنْ كَانَ ذِمِّيًّا كَمَا نَقَلَهُ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ (بِشَرْطِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ مَتَاعِهَا: أَيْ أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ فَيُمْهِلُهُمْ لِلْبَيْعِ نَظِيرَ قَوْلِهِمْ فِي دَاخِلِ دَارِنَا لِتِجَارَةٍ لَمْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا، وَشُرِطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا جَازَ، فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ عُشْرَ الثَّمَنِ أُمْهِلُوا إلَى الْبَيْعِ اهـ. وَظَاهِرٌ أَنَّهُمْ لَا يُكَلِّفُونَهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَحِينَئِذٍ فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ بَدَلُهُ إنْ رَضُوا، وَإِلَّا فَبَعْضُ أَمْتِعَتِهِمْ عِوَضًا عَنْهُ، وَيُجْتَهَدُ فِي قَدْرِهِ، وَلَا يُؤْخَذُ فِي السَّنَةِ سِوَى مَرَّةً كَالْجِزْيَةِ (وَلَا يُقِيمُ) بِالْحِجَازِ حَيْثُ دَخَلَهُ وَلَوْ بِتِجَارَتِهِ وَلَوْ الْمُضْطَرَّ إلَيْهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بَعْدَ الْإِذْنِ فِي دُخُولِهِ (إلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَقَلَّ) غَيْرَ يَوْمَيْ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ اقْتِدَاءً بِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنْ أَقَامَ بِمَحَلٍّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ بِآخَرَ مِثْلِهَا وَهَكَذَا لَمْ يُمْنَعْ إنْ كَانَ بَيْنَ كُلِّ مَحَلَّيْنِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ

(وَيُمْنَعُ) كُلُّ كَافِرٍ (دُخُولَ حَرَمِ مَكَّةَ) وَلَوْ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: 28] أَيْ الْحَرَمَ بِالْإِجْمَاعِ (فَإِنْ كَانَ رَسُولًا) لِمَنْ بِالْحُرُمِ مِنْ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ (خَرَجَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ لِيَسْمَعَهُ) وَيُخْبِرَ الْإِمَامَ، فَإِنْ قَالَ لَا أُؤَدِّيهَا إلَّا مُشَافَهَةً تَعَيَّنَ خُرُوجُ الْإِمَامِ إلَيْهِ لِذَلِكَ، أَوْ مُنَاظِرٌ خَرَجَ إلَيْهِ مَنْ يُنَاظِرُهُ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَخْرَجُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكُفْرِهِمْ عُوقِبَ جَمِيعُ الْكُفَّارِ بِمَنْعِهِمْ مِنْهُ مُطْلَقًا وَإِنْ دَعَتْ لِذَلِكَ ضَرُورَةٌ كَمَا فِي الْأُمِّ، وَبِهِ يَرِدُ قَوْلُ ابْنِ كَجٍّ: يَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ كَطَبِيبٍ اُحْتِيجَ إلَيْهِ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ لَهُ عَلَى مَا إذَا مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُ الْمَرِيضِ لَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ (فَإِنْ) (مَرِضَ فِيهِ) أَيْ الْحَرَمِ (نُقِلَ وَإِنْ خِيفَ مَوْتُهُ) بِالنَّقْلِ لِظُلْمِهِ بِدُخُولِهِ وَلَوْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ (فَإِنْ) (مَاتَ) وَهُوَ ذِمِّيٌّ (لَمْ يُدْفَنْ فِيهِ) تَطْهِيرًا لِلْحَرَمِ عَنْهُ (فَإِنْ دُفِنَ نُبِشَ وَأُخْرِجَ) ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ جِيفَتِهِ فِيهِ أَشَدُّ مِنْ دُخُولِهِ حَيًّا، نَعَمْ لَوْ تَقَطَّعَ تُرِكَ وَلَا يَلْحَقُ حَرَمُ الْمَدِينَةِ بِحَرَمِ مَكَّةَ فِي ذَلِكَ وُجُوبًا بَلْ نَدْبًا لِأَفْضَلِيَّتِهِ وَتَمَيُّزِهِ بِمَا لَمْ يُشَارَكْ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ فَيَمْتَنِعُ الْإِذْنُ) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ أَذِنَ لَهُ وَدَخَلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَيْضًا لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ مَالًا (قَوْلُهُ: لَا يُكَلِّفُونَهُ) أَيْ الْبَيْعَ (قَوْلُهُ: وَلَا يُؤْخَذُ فِي السَّنَةِ سِوَى مَرَّةٍ) ظَاهِرَةٌ وَإِنْ تَكَرَّرَ الدُّخُولُ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ تَعَدَّدَ الْأَصْنَافُ الَّتِي يَدْخُلُونَ بِهَا، وَكَانَتْ مُخْتَلِفَةً بِاخْتِلَافِ عَدَدِ مَرَّاتِ الدُّخُولِ فَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى دُونَ مَا عَدَاهَا أَوْ مِنْ الصِّنْفِ الَّذِي يَخْتَارُهُ الْإِمَامُ، أَوْ كَيْفَ الْحَالُ فَلْيُرَاجَعْ، وَلَوْ قِيلَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ جَاءُوا بِهِ، وَإِنْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُمْ بِهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ بَيْعِهِمْ عَلَيْنَا وَدُخُولِهِمْ بِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مَرَّةٍ (قَوْلُهُ وَلَوْ الْمُضْطَرَّ) أَيْ وَلَوْ كَانَتْ الْمُضْطَرَّ أَوْ هِيَ الْمُضْطَرَّ إلَخْ

(قَوْلُهُ: وَلَوْ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ) أَيْ أَمَّا لَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إلَى دُخُولِهِ كَمَا لَوْ انْهَدَمَتْ الْكَعْبَةُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ بِنَاؤُهَا إلَّا كَافِرٌ فَيَنْبَغِي جَوَازُهُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ دَعَتْ لِذَلِكَ ضَرُورَةٌ إلَخْ لِإِمْكَانِ حَمْلِ مَا يَأْتِي عَلَى حَاجَةٍ شَدِيدَةٍ يُمْكِنُ قِيَامُ غَيْرِ الْكَافِرِ بِهَا أَوْ لَا يَحْصُلُ مِنْ عَدَمِ فِعْلِهَا خَلَلٌ قَوِيٌّ كَهَذِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَالَ لَا أُؤَدِّيهَا) أَيْ الرِّسَالَةَ

[حاشية الرشيدي]

الْبَحْرِ فَضْلًا عَنْ الْإِقَامَةِ فَهُوَ قَيْدٌ لِلْمَفْهُومِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُ

(قَوْلُهُ: وَيُخْبَرُ الْإِمَامُ) فِيهِ إخْرَاجُ الْمَتْنِ عَنْ ظَاهِرِهِ إذْ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْخَارِجِ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَهَذَا يُعَيِّنُ كَوْنَهُ لِلنَّائِبِ، ثُمَّ إنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِنَائِبِهِ نَائِبُهُ فِي خُصُوصِ الْخُرُوجِ وَالسَّمَاعِ وَهَلَّا كَانَ الْمُرَادُ نَائِبَهُ الْعَامَّ، وَالْمَعْنَى خَرَجَ الْإِمَامُ إنْ حَضَرَ وَإِلَّا فَنَائِبُهُ (قَوْلُهُ: وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ إلَخْ) لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ هَذَا الْحَمْلُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ ابْنِ كَجٍّ عَلَيْهِ وَإِنْ أَوْهَمَتْهُ الْعِبَارَةُ (قَوْلُهُ: لِأَفْضَلِيَّتِهِ) عِلَّةٌ لِانْتِفَاءِ الْإِلْحَاقِ فَالضَّمِيرُ فِيهِ لِحَرَمِ مَكَّةَ.

فِيهِ، وَصَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْزَلَهُمْ مَسْجِدَهُ سَنَةَ عَشْرٍ بَعْدَ نُزُولِ بَرَاءَةٍ سَنَةَ تِسْعٍ، وَنَاظَرَ فِيهِ أَهْلَ نَجْرَانَ مِنْهُمْ فِي أَمْرِ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ (وَإِنْ) (مَرِضَ فِي غَيْرِهِ) أَيْ الْحَرَمِ (مِنْ الْحِجَازِ وَعَظُمَتْ الْمَشَقَّةُ فِي نَقْلِهِ) أَوْ خِيفَ نَحْوَ زِيَادَةِ مَرَضِهِ (تُرِكَ) تَقْدِيمًا لِأَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَعْظُمْ (نُقِلَ) حَتْمًا لِحُرْمَةِ الْمَحَلِّ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ ذُكِرَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يُنْقَلُ مُطْلَقًا، وَعَنْ الْجُمْهُورِ عَدَمُ ذَلِكَ مُطْلَقًا (فَإِنْ) (مَاتَ) فِيهِ (وَتَعَذَّرَ نَقْلُهُ) مِنْهُ لِنَحْوِ خَوْفِ تَغَيُّرٍ (دُفِنَ هُنَاكَ) لِلضَّرُورَةِ فَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ نُقِلَ.
أَمَّا الْحَرْبِيُّ أَوْ الْمُرْتَدُّ فَلَا يَجْرِي ذَلِكَ فِيهِ لِجَوَازِ إغْرَاءِ الْكِلَابِ عَلَى جِيفَتِهِ، فَإِنْ آذَى رِيحُهُ غُيِّبَتْ جِيفَتُهُ.

(فَصْلٌ) (أَقَلُّ الْجِزْيَةِ) مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ عِنْدَ قُوَّتِنَا (دِينَارٌ) خَالِصٌ مَضْرُوبٌ فَلَا يَجُوزُ الْعَقْدُ إلَّا بِهِ، وَإِنْ أَخَذَ قِيمَتَهُ وَقْتَ الْأَخْذِ (لِكُلِّ سَنَةٍ) لِخَبَرِ «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ» أَيْ مُحْتَلِمٍ «دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ» : أَيْ مُسَاوِيَ قِيمَتِهِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَتَقْوِيمُ عُمَرَ لِلدِّينَارِ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ قِيمَتَهُ إذْ ذَاكَ وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا.
أَمَّا عِنْدَ ضَعْفِنَا فَتَجُوزُ بِأَقَلَّ مِنْهُ إنْ اقْتَضَتْهُ مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَتَجِبُ بِالْعَقْدِ وَتَسْتَقِرُّ بِانْقِضَاءِ الزَّمَنِ بِشَرْطِ ذَبِّنَا عَنْهُمْ فِي جَمِيعِهِ حَيْثُ وَجَبَ، فَلَوْ مَاتَ أَوْ لَمْ يَذُبَّ عَنْهُمْ إلَّا أَثْنَاءَ السَّنَةِ وَجَبَ بِالْقِسْطِ كَمَا يَأْتِي.
أَمَّا الْحَيُّ فَلَا نُطَالِبُهُ بِالْقِسْطِ أَثْنَاءَ السَّنَةِ، وَكَانَ قِيَاسُ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا أُجْرَةُ مُطَالَبَتِهِ بِهِ لَوْلَا مَا طُلِبَ هُنَا مِنْ مَزِيدِ الرِّفْقِ بِهِمْ تَأَلُّفًا لَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ

(وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ) عِنْدَ قُوَّتِنَا أَخْذًا مِمَّا مَرَّ (مُمَاكَسَةٌ) أَيْ طَلَبُ زِيَادَةٍ عَلَى دِينَارٍ (حَتَّى) يَعْقِدَ بِأَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ كَدِينَارَيْنِ لِمُتَوَسِّطٍ وَأَرْبَعَةٍ لِغَنِيٍّ لِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ لَا يُجِيزُهَا إلَّا بِذَلِكَ بَلْ حَيْثُ أَمْكَنَتْهُ الزِّيَادَةُ،

[حاشية الشبراملسي]

(فَصْلٌ) أَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ (قَوْلُهُ دِينَارٌ خَالِصٌ) وَالْمُرَادُ بِهِ الْمِثْقَالُ الشَّرْعِيُّ، وَيُسَاوِي الْآنَ نَحْوَ تِسْعِينَ نِصْفًا فِضَّةً وَأَكْثَرَ، وَالدِّينَارُ الْمُتَعَامَلُ بِهِ الْآنَ تَنْقُصُ زِنَتُهُ عَنْ الْمِثْقَالِ الشَّرْعِيِّ الرُّبْعَ، وَالْعِبْرَةُ بِالْمِثْقَالِ الشَّرْعِيِّ زَادَتْ قِيمَتُهُ أَوْ نَقَصَتْ (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَخَذَ قِيمَتَهُ) أَيْ جَازَ أَخْذُ قِيمَتِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ) مَا ذَكَرَهُ مِنْ جَوَازِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ نَقْلٌ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ، وَصَوَّبَ بَعْضُهُمْ فِي مِثْلِهِ الْفَتْحَ، وَفِي الْمُخْتَارِ بَعْدَ كَلَامٍ ذَكَرَهُ فِيهِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ الْعَدْلُ بِالْفَتْحِ: مَا عَادَلَ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَالْعِدْلُ بِالْكَسْرِ: الْمِثْلُ، تَقُولُ عِنْدِي عِدْلُ غُلَامِكَ وَعِدْلُ شَاتِكَ إذَا كَانَ غُلَامًا يَعْدِلُ غُلَامًا أَوْ شَاةً تَعْدِلُ شَاةً، فَإِذَا أَرَدْتَ قِيمَتَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَتَحْتَ الْعَيْنَ، وَرُبَّمَا كَسَرَهَا بَعْضُ الْعَرَبِ فَكَأَنَّهُ غَلَطٌ مِنْهُمْ اهـ وَعَلَيْهِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ وَجَبَ) أَيْ بِأَنْ كَانُوا بِبِلَادِنَا (قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يَذُبَّ) مِنْ بَابِ قَتَلَ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْحَيُّ فَلَا نُطَالِبُهُ) أَيْ فَلَا يَجُوزُ لَنَا ذَلِكَ (قَوْلُهُ: تَأَلُّفًا لَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ) أَيْ وَلِأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ الْأُجْرَةِ الْمُعْتَبَرَةِ بِآخِرِ السَّنَةِ

(قَوْلُهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا أَمَّا عِنْدَ ضَعْفِنَا إلَخْ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي الْأَخْذِ بِأَنَّ مَحِلَّ الْجَوَازِ بِالْأَقَلِّ حَيْثُ لَمْ يَرْضَوْا بِأَكْثَرَ، وَهَذَا لَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَ الْمُمَاكَسَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُجِيبُوا لِلْعَقْدِ بِأَكْثَرَ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يُجِيزُهَا إلَّا بِذَلِكَ) أَيْ بِالْأَرْبَعَةِ فِي الْغَنِيِّ وَبِدِينَارَيْنِ فِي الْمُتَوَسِّطِ

[حاشية الرشيدي]

[فَصْلٌ فِي أَقَلُّ الْجِزْيَةِ]

فَصْلٌ) أَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ (قَوْلُهُ: فَلَوْ مَاتَ) أَيْ أَثْنَاءَ السَّنَةِ (قَوْلُهُ: وَكَانَ قِيَاسُ الْقَوْلِ إلَخْ) وَلَا يُقَالُ: إنَّ قِيَاسَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْعَقْدِ لِأَنَّ ذَاكَ فِي الْأُجْرَةِ الْحَالَّةِ وَالْجِزْيَةُ لَا تَكُونُ إلَّا مُقَسَّطَةً

(قَوْلُهُ: لِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ) هَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّ

وَإِنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ إجَابَتَهُمْ إلَيْهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ، وَحَيْثُ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُمْ لَا يُجِيبُونَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ فَلَا مَعْنَى لِلْمُمَاسَكَةِ لِوُجُوبِ قَبُولِ الدِّينَارِ، وَعَدَمِ جَوَازِ إجْبَارِهِمْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ حِينَئِذٍ، وَالْمُمَاكَسَةُ تَكُونُ عِنْدَ الْعَقْدِ إنْ عَقَدَ عَلَى الْأَشْخَاصِ فَحَيْثُ عَقَدَ عَلَى شَيْءٍ امْتَنَعَ أَخْذُ زَائِدٍ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ عِنْدَ الْأَخْذِ إنْ عَقَدَ عَلَى الْأَوْصَافِ كَصِفَةِ الْغَنِيِّ أَوْ التَّوَسُّطِ، وَحِينَئِذٍ فَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ مُمَاكَسَتُهُمْ حَتَّى (يَأْخُذَ مِنْ) كُلِّ (مُتَوَسِّطٍ) آخِرَ الْحَوْلِ، وَلَوْ بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ خِلَافُهُ (دِينَارَيْنِ فَأَكْثَرَ وَ) مِنْ كُلِّ (غَنِيٍّ) كَذَلِكَ (أَرْبَعَةً) مِنْ الدَّنَانِيرِ فَأَكْثَرَ، وَالْأَوْجَهُ ضَبْطُ الْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ هُنَا وَفِي الضِّيَافَةِ بِالنَّفَقَةِ بِجَامِعِ أَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَنْفَعَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ لَا بِالْعَاقِلَةِ، إذْ لَا مُوَاسَاةَ هُنَا وَلَا بِالْعُرْفِ لِاخْتِلَافِهِ بِاخْتِلَافِ الْأَبْوَابِ، أَمَّا السَّفِيهُ فَيَمْتَنِعُ عَقْدُهُ أَوْ عَقْدُ وَلِيِّهِ بِأَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ، فَإِنْ عَقَدَ رَشِيدٌ بِأَكْثَرَ، ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ اتَّجَهَ لُزُومُهُ مَا عَقَدَ بِهِ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، ثُمَّ سَفِهَ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْأَكْثَرُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (وَلَوْ) (عُقِدَتْ بِأَكْثَرَ) مِنْ دِينَارٍ (ثُمَّ عَلِمُوا جَوَازَ دِينَارٍ) (لَزِمَهُمْ مَا الْتَزَمُوهُ) كَمَنْ غُبِنَ فِي الشِّرَاءِ (فَإِنْ أَبَوْا) مِنْ بَذْلِ الزِّيَادَةِ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُمْ نَاقِضُونَ) لِلْعَهْدِ بِذَلِكَ فَيَخْتَارُ الْإِمَامُ فِيهِمْ مَا يَأْتِي، وَالثَّانِي لَا وَيُقْنَعُ مِنْهُمْ بِالدِّيَارِ

(وَلَوْ) (أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ) أَوْ جُنَّ (أَوْ مَاتَ) أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ كَبَقِيَّةِ الدُّيُونِ فَتُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ فِي غَيْرِ حَجْرِ الْفَلَسِ، وَيُضَارَبُ بِهَا مَعَ الْغُرَمَاءِ فِيهِ، وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ (بَعْدَ) سَنَةٍ أَوْ (سِنِينَ أُخِذَتْ جِزْيَتُهُنَّ مِنْ تَرِكَتِهِ مُقَدَّمَةً عَلَى الْوَصَايَا) وَالْإِرْثِ إنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ، وَإِلَّا فَتَرِكَتُهُ فَيْءٌ فَلَا مَعْنَى لَأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهَا

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَجَبَتْ عَلَيْهِ) أَيْ فَلَوْ عَقَدَ بِأَقَلَّ أَثِمَ وَيَنْبَغِي صِحَّةُ الْعَقْدِ بِمَا عَقَدَ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ الرِّفْقُ بِهِمْ تَأَلُّفًا لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَمُحَافَظَةً لَهُمْ عَلَى حَقْنِ الدِّمَاءِ مَا أَمْكَنَ (قَوْلُهُ: وَلَا تَجُوزُ) أَيْ الْمُمَاكَسَةُ (قَوْلُهُ فَذَلِكَ) أَيْ آخِرَ الْحَوْلِ وَلَوْ بِقَوْلِهِ (قَوْلُهُ: كَالنَّفَقَةِ) نَقَلَ سم عَدَمَ اعْتِمَادِ أَنَّهُ كَالْعَاقِلَةِ، وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ فَوْقَ عِشْرِينَ دِينَارًا بَعْدَ الْجِزْيَةِ، وَكَتَبَ قَوْلَهُ كَنَفَقَةٍ: أَيْ بِأَنْ يَزِيدَ دَخْلُهُ عَلَى خَرْجِهِ (قَوْلُهُ: لَا بِالْعَاقِلَةِ) أَيْ وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ بَعْدَ كِفَايَةِ الْعُمُرِ الْغَالِبِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا وَالْمُتَوَسِّطُ بَعْدَ كِفَايَةِ الْعُمُرِ الْغَالِبِ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا (قَوْلُهُ: فَيَمْتَنِعُ عَقْدُهُ) أَيْ يَمْتَنِعُ عَلَيْنَا وَعَلَى وَلِيِّهِ الْعَقْدُ مَعَهُ، وَإِنْ رَغِبَ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُمْ مَا الْتَزَمُوهُ) أَيْ فِي كُلِّ سَنَةٍ مُدَّةَ بَقَائِهِمْ

(قَوْلُهُ: أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ إلَخْ) قَدْ يُخَالِفُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ إذَا عَقَدَ رَشِيدًا ثُمَّ سَفِهَ يَجِبُ مَا عَقَدَ بِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: ذَاكَ فِيمَا لَوْ اسْتَمَرَّ رُشْدُهُ إلَى آخِرِ الْحَوْلِ، وَمَا هُنَا فِيمَا لَوْ حُجِرَ فِي الْأَثْنَاءِ، وَفِي نُسَخٍ إسْقَاطُ أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ بَعْدُ وَقَوْلِ الشَّيْخِ إلَخْ، وَكَتَبَ أَيْضًا لَطَفَ اللَّهُ بِهِ: قَوْلَهُ أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ كَذَا فِي شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَكَتَبَ سم بِهَامِشِهِ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ أَوْ سَفَهٍ خَالَفَهُ م ر فِي هَذَا وَالْمُخَالَفَةُ مُتَعَيِّنَةٌ، وَسَيَأْتِي مَا يُوَافِقُ هَذَا النَّقْلَ فِي قَوْلِهِ وَقَوْلِ الشَّيْخِ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَوْ فَلَسٍ)

[حاشية الرشيدي]

الِاسْتِحْبَابَ مُغَيَّا بِأَحَدِ دِينَارَيْنِ مِنْ الْمُتَوَسِّطِ وَأَرْبَعَةٍ مِنْ الْغَنِيِّ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الْمَتْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلَّةٍ أُخْرَى لِاسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ) أَيْ الْوَكِيلُ: أَيْ وَلَا يُقَالُ إنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ لِلْمُوَكِّلِ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ عِنْدَ الْأَخْذِ إنْ عَقَدَ عَلَى الْأَوْصَافِ إلَخْ) كَعَقَدْت لَكُمْ عَلَى أَنَّ عَلَى الْغَنِيِّ أَرْبَعَةً وَالْمُتَوَسِّطِ دِينَارَانِ وَالْفَقِيرِ دِينَارٌ مَثَلًا، ثُمَّ عِنْدَ الِاسْتِيفَاءِ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ فَقِيرٌ أَوْ مُتَوَسِّطٌ يَقُولُ بَلْ أَنْتَ غَنِيٌّ مَثَلًا فَعَلَيْك أَرْبَعَةٌ، هَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ قَاسِمٍ عَنْ الشَّارِحِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُمَاكَسَةِ هُنَا مُنَازَعَتُهُ فِي الْغِنَى وَضِدَّيْهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمُمَاكَسَةَ الْمَارَّةَ.
ثُمَّ إطْلَاقُهُ، يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ مُنَازَعَتِهِ فِي نَحْوِ الْغَنِيِّ وَإِنْ عُلِمَ فَقْرُهُ وَفِيهِ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: لِاخْتِلَافِهِ) لَعَلَّ الضَّمِيرَ لِلْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ.
فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَيَمْتَنِعُ عَقْدُهُ أَوْ عَقْدُ وَلِيِّهِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ عَقْدُ السَّفِيهِ بِدِينَارٍ فَلْيُرَاجَعْ

(قَوْلُهُ: اسْتَقَرَّتْ) يَعْنِي لَمْ تَسْقُطْ وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَقِرَّةٌ بِمُضِيِّ الزَّمَنِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ) أَيْ فِي صُورَةِ الْمَوْتِ وَمِنْ مَالِهِ فِي غَيْرِهَا

لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْفَيْءِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَغْرَقٍ أَخَذَ الْإِمَامُ مِنْ نَصِيبِهِ قِسْطَهُ، وَسَقَطَ الْبَاقِي (وَيُسَوَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ دَيْنِ الْآدَمِيِّ عَلَى الْمَذْهَبِ) لِأَنَّهَا أُجْرَةٌ فَإِنْ لَمْ تَفِ التَّرِكَةُ بِالْكُلِّ ضَارَبَهُمْ الْإِمَامُ بِقِسْطِ الْجِزْيَةِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي تَقَدَّمَ هِيَ فِي قَوْلِهِ وَدَيْنُ الْآدَمِيِّ فِي قَوْلٍ وَيُسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي قَوْلٍ (أَوْ) أَسْلَمَ أَوْ جُنَّ أَوْ مَاتَ (فِي خِلَالِ سَنَةٍ فَقِسْطٌ) لِمَا مَضَى وَاجِبٌ فِي مَالِهِ أَوْ تَرِكَتِهِ كَالْأُجْرَةِ، وَالْقَوْلُ فِي وَقْتِ إسْلَامِهِ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ إذَا حَضَرَ وَادَّعَاهُ، وَلَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ فِي خِلَالِهَا ضَارَبَ الْإِمَامُ مَعَ الْغُرَمَاءِ حَالًا إنْ قُسِّمَ مَالُهُ، وَإِلَّا فَآخِرُ الْحَوْلِ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ أَوْ سَفَهٍ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَفِي قَوْلٍ لَا شَيْءَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ بِالْحَوْلِ كَالزَّكَاةِ

(وَتُؤْخَذُ) الْجِزْيَةُ مَا لَمْ تُؤَدَّ بِاسْمِ زَكَاةٍ (بِإِهَانَةٍ) (فَيَجْلِسُ الْآخِذُ، وَيَقُومُ الذِّمِّيُّ وَيُطَأْطِئُ رَأْسَهُ وَيَحْنِي ظَهْرَهُ وَيَضَعُهَا فِي الْمِيزَانِ وَيَقْبِضُ الْآخِذُ لِحْيَتَهُ وَيَضْرِبُ) بِكَفِّهِ مَفْتُوحَةً (لِهْزِمَتَيْهِ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَالزَّاي وَهُمَا مُجْتَمَعُ اللَّحْمِ بَيْنَ الْمَاضِغِ وَالْأُذُنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ: أَيْ كُلًّا مِنْهُمَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، وَبَحَثَ الرَّافِعِيُّ الِاكْتِفَاءَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَحَدِهِمَا، وَيَقُولُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَدِّ حَقَّ اللَّهِ (وَكُلُّهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ (مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ وَاجِبٌ) إذْ فَسَّرَ بَعْضُهُمْ الصَّغَارَ فِي الْآيَةِ بِذَلِكَ (فَعَلَى الْأَوَّلِ لَهُ) (تَوْكِيلُ مُسْلِمٍ) أَوْ ذِمِّيٍّ (بِالْأَدَاءِ) لَهَا (وَحَوَالَةٍ) بِهَا (عَلَيْهِ) أَيْ الْمُسْلِمِ (وَ) لِلْمُسْلِمِ (أَنْ يَضْمَنَهَا) عَنْ الذِّمِّيِّ، وَيَمْتَنِعُ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى الثَّانِي لِفَوَاتِ الْإِهَانَةِ الْوَاجِبَةِ حَتَّى فِي تَوْكِيلِ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مَقْصُودٌ بِالصَّغَارِ (قُلْتُ: هَذِهِ الْهَيْئَةُ بَاطِلَةٌ) لِعَدَمِ ثُبُوتِ أَصْلٍ لَهَا مِنْ السُّنَّةِ، وَلَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَلْ تُؤْخَذُ بِرِفْقٍ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَفِيهِ تَحَمُّلٌ عَلَى الذَّاكِرِينَ لَهَا، وَالْخِلَافُ فِيهَا الْمُسْتَنِدُ إلَى تَفْسِيرِ الصَّغَارِ فِي الْآيَةِ بِهَا الْمَبْنِيِّ عَلَيْهَا الْمَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ، وَيَكْفِي فِي الصَّغَارِ الْتِزَامُ أَحْكَامِهَا (وَدَعْوَى اسْتِحْبَابِهَا) فَضْلًا عَنْ وُجُوبِهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ (أَشَدُّ خَطَأً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) فَيَحْرُمُ فِعْلُهَا إنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ تَأَذِّيهِ بِهَا وَإِلَّا فَتُكْرَهُ

(وَيُسْتَحَبُّ) وَقِيلَ يَجِبُ (لِلْإِمَامِ) أَوْ نَائِبِهِ (إذَا أَمْكَنَهُ) شَرْطُ الضِّيَافَةِ عَلَيْهِمْ لِقُوَّتِنَا مَثَلًا (أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِمْ إذَا صُولِحُوا فِي بَلَدِهِمْ) أَوْ بِلَادِنَا كَمَا اعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ (ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا غَيْرَ مُجَاهِدٍ لِلِاتِّبَاعِ، وَيَتَّجِهُ عَدَمُ دُخُولِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ بَعْدَ فَرَاغِ السَّنَةِ عَلَى مَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ) أَيْ الْوَارِثُ (قَوْلُهُ: فَقِسْطٌ إلَخْ) مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ بِنْتٌ فَلَهَا نِصْفُ التَّرِكَةِ، وَيُؤْخَذُ قِسْطُ الْجِزْيَةِ مِنْ ذَلِكَ، وَالنِّصْفُ الْبَاقِي يَكُونُ فَيْئًا (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ) أَيْ لِأَنَّ الشَّارِحَ نَفْسَهُ قَدَّمَ أَنَّهُ يُعْقَدُ لَهُ فِي الِابْتِدَاءِ فَلَأَنْ لَا يَبْطُلَ إذَا طَرَأَ السَّفَهُ بِالْأَوْلَى، وَكَذَا لَا يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ فَلَا يُقَالُ إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ نِصْفَ السَّنَةِ يُؤْخَذُ مِنْهُ دِينَارَانِ لِلْمَاضِي وَنِصْفُ دِينَارٍ لِلْبَاقِي

(قَوْلُهُ: بِذَلِكَ) أَيْ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ (قَوْلُهُ: كَسَائِرِ الدُّيُونِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ تَحَمُّلٌ إلَخْ) أَيْ مُبَالَغَةٌ فِي الِاعْتِرَاضِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ أَوْ سَفَهٍ) يَعْنِي ذِكْرَهُ لَهُ فِي جُمْلَةِ مَنْ مَاتَ أَوْ جُنَّ أَوْ أَسْلَمَ فِي خِلَالِ سَنَةٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِسْطُ وَذَلِكَ لِمَا مَرَّ آنِفًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ وَهُوَ رَشِيدٌ وَيَتَرَتَّبُ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَا مَعْنَى لِأَخْذِ الْقِسْطِ مِنْهُ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ كَمَا أَوْضَحَهُ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ

(قَوْلُهُ: وَيَكْفِي فِي الصِّغَارِ الْتِزَامُ أَحْكَامِنَا) هَذَا مَحَلُّ ذِكْرِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ وَفِيهِ تَحَمُّلٌ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ تَحَمُّلٌ) أَيْ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْبُطْلَانِ وَكَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيرُهُ حَتَّى تَتِمَّ زِيَادَةُ الْمُصَنِّفِ كَمَا صَنَعَ الْجَلَالُ وَالْعِبَارَةُ الْمَذْكُورَةُ لَهُ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا طَائِفَةٌ إلَخْ) مَحَلُّ ذِكْرِهِ أَيْضًا قَبْلَ قَوْلِهِ وَفِيهِ تَحَمُّلٌ إلَخْ (قَوْلُ الْمَتْنِ أَشَدُّ خَطَأً) أَيْ مِنْ دَعْوَى أَصْلِ جَوَازِهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لَا مِنْ دَعْوَى وُجُوبِهَا كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ، فَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ قَاسِمٍ، وَسَبَقَهُ إلَى التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ الْأَذْرَعِيُّ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ فَضْلًا عَنْ وُجُوبِهَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ دَعْوَى الْوُجُوبِ أَشَدُّ خَطَأً بِالْأَوْلَى مِنْ دَعْوَى الْجَوَازِ كَذَا ذَكَرَهُ أَيْضًا ابْنُ قَاسِمٍ

لِانْتِفَاءِ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الرُّخَصِ بَلْ وَلَا مَنْ كَانَ سَفَرُهُ دُونَ مِيلٍ لِانْتِفَاءِ تَسْمِيَتِهِ ضَيْفًا، وَأَنَّ ذِكْرَ الْمُسْلِمِينَ قَيْدٌ فِي النَّدْبِ لَا الْجَوَازِ، وَلَوْ صُولِحُوا عَنْ الضِّيَافَةِ بِمَالٍ فَهُوَ لِأَهْلِ الْفَيْءِ لَا لِلطَّارِقِينَ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ حَالَةَ كَوْنِهِ (زَائِدًا عَلَى أَقَلِّ جِزْيَةٍ) فَلَا يَجُوزُ جَعْلُهُ مِنْ الْأَقَلِّ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْجِزْيَةِ التَّمْلِيكُ وَمِنْ الضِّيَافَةِ الْإِبَاحَةُ (وَقِيلَ يَجُوزُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْجِزْيَةِ الَّتِي هِيَ أَقَلُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِوَاهَا، وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا كَالْمُمَاكَسَةِ (وَتُجْعَلُ) الضِّيَافَةُ (عَلَى غَنِيٍّ وَمُتَوَسِّطٍ) أَيْ عِنْدَ نُزُولِ الضَّيْفِ بِهِمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (لَا فَقِيرٍ) فَلَا يَجُوزُ جَعْلُهَا عَلَيْهِ (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي عَلَيْهِ أَيْضًا كَالْجِزْيَةِ (وَيَذْكُرُ) الْعَاقِدُ عِنْدَ اشْتِرَاطِ الضِّيَافَةِ (عَدَدَ الضِّيفَانِ رِجَالًا وَفُرْسَانًا) أَيْ رُكْبَانًا وَآثَرَ الْخَيْلَ لِشَرَفِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ وَأَنْفَى لِلْغَرَرِ فَيَقُولُ عَلَى كُلِّ غَنِيٍّ أَوْ مُتَوَسِّطٍ جِزْيَةٌ كَذَا، وَضِيَافَةُ عَشَرَةٍ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ سَنَةٍ خَمْسُ رَجَّالَةٍ وَخَمْسُ فُرْسَانٍ، أَوْ عَلَيْكُمْ ضِيَافَةُ أَلْفِ مُسْلِمٍ رَجَّالَةٍ وَكَذَا فُرْسَانٍ كَذَا كُلَّ سَنَةٍ مَثَلًا يَتَوَزَّعُونَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِحَسَبِ تَفَاوُتِهِمْ فِي الْجِزْيَةِ، وَمَا اُعْتُرِضَ بِهِ ذِكْرُ الْعَدَدِ مِنْ أَنَّهُ بَنَاهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَلَى ضَعِيفٍ أَنَّهَا مِنْ الْجِزْيَةِ.
أَمَّا عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَيْهَا فَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ وَذِكْرُ الرَّجَّالَةِ وَالْفُرْسَانِ مِنْ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ إذْ لَا يَتَفَاوَتُونَ إلَّا بِعَلَفِ الدَّابَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْدُ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصَحِّ أَيْضًا كَمَا جَرَى عَلَيْهِ مُخْتَصِرُوهَا، وَبِأَنَّ الْآتِيَ ذِكْرُ مُجَرَّدِ الْعَلَفِ، وَاَلَّذِي هُنَا ذِكْرُ عَدَدِ الدَّوَابِّ اللَّازِمِ لِذِكْرِ الْفُرْسَانِ، وَأَحَدُ هَذَيْنِ لَا يُغْنِي عَنْ الْآخَرِ، وَلَا بُدَّ فِيمَا لَوْ قَالَ عَلَى كُلِّ غَنِيٍّ أَوْ مُتَوَسِّطٍ عَدَدُ كَذَا، أَوْ عَلَيْكُمْ عَدَدُ كَذَا وَلَمْ يَقُلْ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ بَيَانِ عَدَدِ أَيَّامِ الضِّيَافَةِ فِي الْحَوْلِ مَعَ ذِكْرِ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ (وَ) يُذْكَرُ (جِنْسُ الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ) مِنْ بُرٍّ وَسَمْنٍ وَغَيْرِهِمَا بِحَسَبِ الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ فِي قُوتِهِمْ، وَيَتَّجِهُ دُخُولُ الْفَاكِهَةِ وَالْحَلْوَى عِنْدَ غَلَبَتِهِمَا، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ أُجْرَةَ الطَّبِيبِ وَالْخَادِمِ كَذَلِكَ، وَمَنْ نَفَى لُزُومَهَا لَهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى السُّكُوتِ عَنْهُمْ، أَوْ لَمْ يُعْتَدْ فِي مَحَلِّهِمْ (وَقَدْرُهُمَا وَ) يُذْكَرُ أَنَّ (لِكُلِّ وَاحِدٍ) مِنْ الْأَضْيَافِ (كَذَا) مِنْهُمَا بِحَسَبِ الْعُرْفِ، وَيُفَاوَتُ بَيْنَهُمْ فِي قَدْرِ ذَلِكَ لَا صِفَتِهِ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ جِزْيَتِهِمْ، وَيَمْتَنِعُ عَلَى الضَّيْفِ أَنْ يُكَلِّفَهُمْ ذَبْحَ نَحْوِ دَجَاجِهِمْ أَوْ مَا لَا يَغْلِبُ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ فِي كَلَامِهِ صِحَّةُ الْوَاوِ الدَّاخِلَةِ عَلَى كُلِّ، وَسُقُوطُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهَا (وَ) يُذْكَرُ (عَلَفُ الدَّوَابِّ) وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ فَيَكْفِي الْإِطْلَاقُ، وَيُحْمَلُ عَلَى تِبْنٍ وَحَشِيشٍ بِحَسَبِ الْعَادَةِ لَا عَلَى نَحْوِ شَعِيرٍ، نَعَمْ إنْ ذُكِرَ الشَّعِيرُ فِي وَقْتِ اشْتِرَاطِ بَيَانِ قَدْرِهِ، وَلَا يَجِبُ عِنْدَ

[حاشية الشبراملسي]

(قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الرُّخَصِ) وَعَلَيْهِ فَمَا أَخَذَهُ الْمُسَافِرُ الْمَذْكُورُ لَا يُحْسَبُ مِمَّا شُرِطَ عَلَيْهِمْ، بَلْ الْحَقُّ بَاقٍ فِي جِهَتِهِمْ يُطَالَبُونَ بِهِ، وَيَرْجِعُونَ عَلَيْهِ بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُمْ (قَوْلُهُ: وَأَنَّ ذِكْرَ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ وَيَتَّجِهُ أَنَّ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا) أَيْ الْمَشْرُوطَ (قَوْلُهُ عِنْدَ نُزُولِ الضَّيْفِ بِهِمْ) أَيْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا (قَوْلُهُ وَيُذْكَرُ) وُجُوبًا (قَوْلُهُ: وَأَنْفَى لِلْغَرَرِ) عَطْفُ سَبَبٍ عَلَى مُسَبَّبٍ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يُعْتَدَّ فِي مَحَلِّهِمْ) الْمُرَادُ بِمَحَلِّهِمْ قَرْيَتُهُمْ مَثَلًا الَّتِي هُمْ بِهَا، وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ اعْتِيَادِهِ فِي مَحَلِّهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُمْ بِإِحْضَارِهِ لِلْمَرِيضِ مِنْهُمْ، فَإِنْ جَرَتْ بِإِحْضَارِهِ عَادَتُهُمْ لِكَوْنِهِ فِي الْبَلَدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا عُرْفًا وَجَبَ إحْضَارُهُ (قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ ذَكَرَ الشَّعِيرَ) أَيْ أَوْ نَحْوَهُ مِنْ فُولٍ

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الرُّخَصِ) اُنْظُرْ مَا تَعَلُّقَ هَذَا بِالرُّخَصِ (قَوْلُهُ: خَمْسٌ رَجَّالَةٌ) هُوَ بِتَنْوِينِ خَمْسٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَإِنَّمَا حَذَفَ مِنْهُ التَّاءَ لِأَنَّ الْمَعْدُودَ مَحْذُوفٌ: أَيْ خَمْسَةُ أَضْيَافٍ رَجَّالَةٌ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَذِكْرُ الرَّجَّالَةِ) هُوَ بِرَفْعِ ذِكْرٌ عَطْفًا عَلَى ذِكْرِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: بِحَسَبِ تَفَاوُتِهِمْ فِي الْجِزْيَةِ) أَيْ بِالنَّظَرِ لِلْغِنَى وَالتَّوَسُّطِ وَإِنْ اتَّحَدُوا فِي الْمَدْفُوعِ كَمَا تُصَرِّحُ بِهِ عِبَارَةُ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: وَيُتَّجَهُ دُخُولُ الْفَاكِهَةِ وَالْحَلْوَى إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَقَدْ تَدْخُلُ فِي الطَّعَامِ الْفَاكِهَةِ وَالْحَلْوَى لَكِنَّ مَحَلَّ جَوَازِ ذِكْرِهِمَا إنْ غَلَبَا انْتَهَتْ.
فَمَعْنَى قَوْلِهِ وَقَدْ تَدْخُلُ إلَخْ: أَيْ تَدْخُلُ فِي قَوْلِهِمْ وَيَذْكُرُ جِنْسَ الطَّعَامِ: أَيْ فَيَذْكُرُهُمَا بِالشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ (قَوْلُهُ: وَمَنْ نَفَى لُزُومَهَا إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَمَنْ صَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُمْ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا إذَا سَكَتَا عَنْهُ أَوْ لَمْ يُعْتَدَّ فِي مَحَلِّهِمْ (قَوْلُ الْمَتْنِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَذَا) صَرِيحَةٌ بِالنَّظَرِ لِمَا

عَدَمِ تَعْيِينِ عَدَدِ دَوَابِّ كُلِّ عَلَفٍ أَكْثَرَ مِنْ دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ (وَ) يُذْكَرُ (مَنْزِلُ الضِّيفَانِ) وَكَوْنُهُ لَائِقًا بِالْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ (مِنْ كَنِيسَةٍ وَفَاضِلِ مَسْكَنٍ) وَبَيْتِ فَقِيرٍ وَلَا يُخْرِجُونَ أَهْلَ مَنْزِلٍ مِنْهُ، وَيُشْتَرَطُ عَلَيْهِمْ إعْلَاءُ أَبْوَابِهِمْ لِيَدْخُلَهَا الْمُسْلِمُونَ رُكْبَانًا (وَ) يُذْكَرُ (مُقَامُهُمْ) أَيْ مُدَّةُ إقَامَتِهِمْ (وَلَا يُجَاوِزُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) فَإِنْ شُرِطَ فَوْقَهَا مَعَ رِضَاهُمْ بِذَلِكَ جَازَ، وَيُشْتَرَطُ تَزْوِيدُ الضَّيْفِ كِفَايَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَوْ امْتَنَعَ قَلِيلٌ مِنْهُمْ أُجْبِرُوا أَوْ كُلُّهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ فَنَاقِضُونَ، وَلَهُ حَمْلُ مَا أَتَوْا بِهِ، وَلَا يُطَالِبُهُمْ بِعِوَضٍ إنْ لَمْ يَمُرَّ بِهِمْ ضَيْفٌ وَلَا بِطَعَامِ مَا بَعْدَ الْيَوْمِ الْحَاضِرِ، وَلَوْ لَمْ يَأْتُوا بِطَعَامِ الْيَوْمِ لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِهِ فِي الْغَدِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ سُقُوطُهُ مُطْلَقًا وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ مَتَى شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَيَّامًا مَعْلُومَةً لَمْ يُحْسَبْ هَذَا مِنْهَا.
أَمَّا لَوْ شَرَطَ عَلَى كُلِّهِمْ وَبَعْضِهِمْ ضِيَافَةَ عَشَرَةٍ مَثَلًا كُلَّ يَوْمٍ فَفَوَّتَتْ ضِيَافَةَ الْقَادِمِينَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ اتَّجَهَ أَخْذُ بَدَلِهَا لِأَهْلِ الْفَيْءِ لَا سُقُوطُهَا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ الضِّيَافَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَبِيرُ أَمْرٍ

(وَلَوْ) (قَالَ قَوْمٌ) عَرَبٌ أَوْ عَجَمٌ (نُؤَدِّي الْجِزْيَةَ بِاسْمِ صَدَقَةٍ لَا جِزْيَةٍ) (فَلِلْإِمَامِ إجَابَتُهُمْ إذَا رَأَى) ذَلِكَ (وَيُضَعِّفُ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةَ) اقْتِدَاءً بِفِعْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعَ مَنْ تَنَصَّرَ مِنْ الْعَرَبِ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ بَنُو تَغْلِبَ وَتَنُوخَ وَبَهْرَاءَ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَلَا يُخْرَجُونَ) أَيْ فَلَوْ خَالَفُوا أَثِمُوا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ عَلَيْهِمْ لِمُدَّةِ سَكَنِهِمْ فِيهِ حَيْثُ كَانَتْ بِقَدْرِ الْمُدَّةِ الْمَشْرُوطَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُجَاوِزُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) أَيْ غَيْرِ يَوْمَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ (قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ) نَدْبًا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: فَنَاقِضُونَ) نَقَلَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ فِي الْفَصْلِ الْآتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ أَبَوْا جِزْيَةً فَنَاقِضُونَ إلَخْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الِانْتِقَاضِ بِمَنْعِ الْجِزْيَةِ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْكُلِّ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا اهـ. فَمَا هُنَا مِنْ التَّفْرِقَةِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ وَأَنَّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الضِّيَافَةِ لِكَوْنِهَا تَابِعَةً فَسُومِحَ فِيهَا بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ، وَكَتَبَ أَيْضًا لَطَفَ اللَّهُ بِهِ قَوْلَهُ فَنَاقِضُونَ: أَيْ فَلَا يَجِبُ تَبْلِيغُهُمْ الْمَأْمَنَ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ انْتَقَضَ عَهْدَهُ بَلْ يَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِمْ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالرِّقِّ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ عَلَى مَا يَرَاهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ حَمْلُ مَا أَتَوْا بِهِ) أَيْ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ حَمْلُ مَا أَتَوْا بِهِ مِنْ الذِّمِّيِّينَ (قَوْلُهُ: مَا بَعْدَ الْيَوْمِ) أَيْ لَا يُطْلَبُ تَعْجِيلُهُ مِنْهُمْ

(قَوْلُهُ: وَيَضْعُفُ) وُجُوبًا (قَوْلُهُ مَنْ تَنَصَّرَ مِنْ الْعَرَبِ) أَيْ دَخَلَ فِي دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَهُمْ بَنُو تَغْلِبَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَبِكَسْرِ اللَّامِ مُضَارِعُ غَلَبَهُ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: غَلَبَهُ غَلْبًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَالِاسْمُ الْغَلَبَةُ بِفَتْحَتَيْنِ وَالْغَلَبَةُ وَبِمُضَارِعِ الْخِطَابِ سُمِّيَ، وَمِنْهُ بَنُو تَغْلِبَ وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ طَلَبَهُمْ عُمَرُ بِالْجِزْيَةِ فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهَا بِاسْمِ الْجِزْيَةِ، وَصَالَحُوا عَلَى اسْمِ الصَّدَقَةِ مُضَاعَفَةً، وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: هَاتُوهَا وَسَمُّوهَا مَا شِئْتُمْ، وَالنِّسْبَةُ إلَيْهَا تَغْلِبِيٌّ بِالْكَسْرِ عَلَى الْأَصْلِ.
قَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُ لِلتَّخْفِيفِ اسْتِثْقَالًا لِتَوَالِي كَسْرَتَيْنِ مَعَ يَاءِ النَّسَبِ اهـ (قَوْلُهُ: وَتَنُوخُ) هُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَبِالنُّونِ الْمُخَفَّفَةِ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: تَنَخَ بِالْمَكَانِ تُنُوخًا أَقَامَ كَتَنِخٍ، وَمِنْهُ تَنُوخُ قَبِيلَةٌ لِأَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا فَأَقَامُوا فِي مَوْضِعِهِمْ (قَوْلُهُ: وَبَهْرَاءُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَبَهْرَاءُ قَبِيلَةٌ وَقَدْ يُقْصَرُ وَالنِّسْبَةُ بَهْرَانِيٌّ وَبِهَرَاوِيٌّ، وَفِي الْمِصْبَاحِ وَبَهْرَاءُ مِثْلُ حَمْرَاءَ قَبِيلَةٌ مِنْ قُضَاعَةَ وَالنِّسْبَةُ إلَيْهَا بَهْرَانِيٌّ مِثْلُ نَجْرَانِيٌّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَقِيَاسُهُ بَهْرَاوِيٌّ

[حاشية الرشيدي]

قَدَّمَهُ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْإِجْمَالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ غَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّ ابْنَ قَاسِمٍ نَازَعَ فِي سُقُوطِ الْقَوْلِ الْآتِي بِهَذَا التَّقْدِيرِ (قَوْلُهُ: وَبَيْتٍ فَقِيرٍ) وَإِنْ كَانَ لَا ضِيَافَةَ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ كَأَنْ يَقُولَ وَتَجْعَلُوا الْمَنَازِلَ بُيُوتَ الْفُقَرَاءِ (قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَى ذَلِكَ سُقُوطُهُ مُطْلَقًا، وَالْأَوْجَهُ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَقَضِيَّتُهُ سُقُوطُهُ مُطْلَقًا وَفِيهِ نَظَرٌ،

وَقَالُوا لَا تُؤَدَّى إلَّا كَالْمُسْلِمِينَ فَأَبَى، فَأَرَادُوا اللُّحُوقَ بِالرُّومِ فَصَالَحَهُمْ عَلَى تَضْعِيفِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: هَؤُلَاءِ حَمْقَى أَبَوْا الِاسْمَ وَرَضُوا بِالْمَعْنَى (فَمِنْ خَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ شَاتَانِ، وَ) مِنْ (خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ) بَعِيرًا (بِنْتَا مَخَاضٍ) وَمِنْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتَا لَبُونٍ وَهَكَذَا (عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارٌ، وَ) مِنْ (مِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَشَرَةٌ وَخُمُسُ الْمُعَشَّرَاتِ) الْمَسْقِيَّةِ بِلَا مُؤْنَةٍ وَإِلَّا فَعُشْرُهَا، وَيَجُوزُ تَرْبِيعُهَا وَتَخْمِيسُهَا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ، بَلْ لَوْ لَمْ يَفِ التَّضْعِيفُ بِقَدْرِ دِينَارٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَجَبَتْ الزِّيَادَةُ إلَى بُلُوغِ ذَلِكَ يَقِينًا، كَمَا أَنَّهُ لَوْ زَادَ جَازَ النَّقْصُ عَنْهُ إلَى بُلُوغِ ذَلِكَ يَقِينًا أَيْضًا، وَقَوْلُ الْبُلْقِينِيِّ إنَّهُ إنْ أَرَادَ تَضْعِيفَ الزَّكَاةِ مُطْلَقًا وَرُدَّتْ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهَا أَوْ فِيمَا ذَكَرَهُ وَرُدَّتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ وَالْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ، فَفِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ تَضْعِيفُهَا أَوْ مُطْلَقُ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ اقْتَضَى عَدَمَ الْأَخْذِ مِنْ الْمَعْلُوفَةِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَلَمْ أَرَهُ.
يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُتَّجِهَ تَضْعِيفُهَا إلَّا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ إذْ لَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ ابْتِدَاءً، وَإِلَّا فِي الْمَعْلُوفَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَكَوِيَّةً الْآنَ وَلَا عِبْرَةَ بِالْجِنْسِ، وَإِلَّا وَجَبَتْ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ الْآتِي (وَلَوْ وَجَبَتْ بِنْتَا مَخَاضٍ مَعَ جُبْرَانٍ) كَمَا فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ عِنْدَ فَقْدِ بِنْتَيْ اللَّبُونِ (لَمْ يُضَعَّفْ الْجُبْرَانُ فِي الْأَصَحِّ) فَيَأْخُذُ مَعَ كُلِّ بِنْتِ مَخَاضٍ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا إذَا الشَّيْءُ إذَا بَلَغَ غَايَتَهُ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَوْ قَبِلَ التَّضْعِيفَ لَضُعِّفَ عَلَيْنَا، وَالْخِيَرَةُ فِيهِ هُنَا لِلْإِمَامِ لَا لِلْمَالِكِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي يُضَعَّفُ فَيَأْخُذُ مَعَ كُلِّ بِنْتِ مَخَاضٍ أَرْبَعَ شِيَاهٍ أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا (وَلَوْ كَانَ) الْمَالُ الزَّكَوِيُّ (بَعْضَ نِصَابٍ) كَعِشْرِينَ شَاةً (لَمْ يَجِبْ قَسْطُهُ فِي الْأَظْهَرِ) إذْ لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَمِنْ ثَمَّ يَجِبُ الْقَسْطُ فِي الْخُلْطَةِ الْمُوجِبَةِ لِلزَّكَاةِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلُ بِبَقَاءِ مُوسِرٍ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ جِزْيَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ هُنَا لِلْأَشْخَاصِ بَلْ لِمَجْمُوعِ الْحَاصِلِ هَلْ يَفِي بِرُءُوسِهِمْ أَوْ لَا كَمَا تَقَرَّرَ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ النِّصَابُ كُلَّ الْحَوْلِ أَوْ آخِرَهُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَوَّلُهُمَا إلَّا فِي مَالِ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهِ.
وَالثَّانِي يَجِبُ، فَفِي عِشْرِينَ شَاةً شَاةٌ، وَفِي مِائَةِ دِرْهَمٍ خَمْسَةٌ (ثُمَّ الْمَأْخُوذُ جِزْيَةٌ) حَقِيقَةً فَيُصْرَفُ مَصْرِفَهَا (فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ مَالِ مَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ) وَلَوْ زَادَ الْمَجْمُوعُ عَلَى أَقَلِّهَا فَطَلَبُوا إسْقَاطَ الزِّيَادَةِ وَإِعَادَةَ اسْمِ الْجِزْيَةِ أَجَبْنَاهُمْ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: فَأَبَى) أَيْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الْبُلْقِينِيِّ) أَيْ اعْتِرَاضًا عَلَى التَّعْبِيرِ بِمَا ذُكِرَ مِنْ تَضْعِيفِ الزَّكَاةِ بِلَا قَيْدٍ وَمِنْ التَّصْوِيرِ بِقَوْلِهِ مِنْ خَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فِي الْمَعْلُوفَةِ) أَيْ فَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْهَا لَا بِمُضَاعَفَةٍ وَلَا عَدِمَهَا أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ وَإِلَّا وَجَبَتْ فِيمَا دُونَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالْخِيرَةُ فِيهِ) أَيْ الْجُبْرَانِ، وَقَوْلُهُ هُنَا: أَيْ بِخِلَافِ زَكَاتِنَا فَإِنَّ الْخِيرَةَ لِلدَّافِعِ مَالِكًا كَانَ أَوْ سَاعِيًا (قَوْلُهُ أَجَبْنَاهُمْ) أَيْ وُجُوبًا.

[حاشية الرشيدي]

وَإِنَّمَا يُتَّجَهُ إنْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَيَّامًا مَعْلُومَةً فَلَا يُحْسَبُ هَذَا مِنْهَا.
أَمَّا لَوْ شَرَطَ عَلَى كُلِّهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ إلَخْ

(قَوْلُهُ: يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُتَّجَهَ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ جَوَابًا عَنْ كَلَامِ الْبُلْقِينِيِّ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إنْ أَرَادَ إلَى أَنْ قَالَا اهـ. وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ التَّضْعِيفُ إلَّا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ إلَخْ، فَمُرَادُهُ بِذَلِكَ بَيَانُ الْأَصَحِّ عِنْدَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ (قَوْلُهُ: إذْ الشَّيْءُ إذَا بَلَغَ غَايَتَهُ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ) يُتَأَمَّلُ (قَوْلُهُ: وَالْخِيَرَةُ فِيهِ) أَيْ الْجُبْرَانِ: أَيْ فِي دَفْعِهِ وَأَخْذِهِ الْمَفْهُومِ مِنْ التَّعْلِيلِ، وَقَوْلُهُ هُنَا: أَيْ فِي الْجِزْيَةِ: أَيْ بِخِلَافِهِ فِي الزَّكَاةِ فَإِنَّ الْخِيَرَةَ فِيهِ لِلدَّافِعِ كَمَا مَرَّ ثَمَّ.

(فَصْلٌ) فِي جُمْلَةٍ مِنْ أَحْكَامِ عَقْدِ الذِّمَّةِ.
(يَلْزَمُنَا) عِنْدَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ فَعِنْدَ الشَّرْطِ أَوْلَى (الْكَفُّ عَنْهُمْ) نَفْسًا وَمَالًا وَعِرْضًا وَاخْتِصَاصًا وَعَمَّا مَعَهُمْ مِنْ نَحْوِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (وَضَمَانُ مَا نُتْلِفُهُ عَلَيْهِمْ نَفْسًا وَمَالًا) وَرَدُّ مَا نَأْخُذُهُ مِنْ اخْتِصَاصَاتِهِمْ كَالْمُسْلِمِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ فَائِدَةُ الْجِزْيَةِ كَمَا أَفَادَتْهُ آيَتُهَا (وَدَفْعُ أَهْلِ الْحَرْبِ) وَالذِّمَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَآثَرَ الْأَوَّلِينَ لِأَنَّهُمْ الْمُتَعَرِّضُونَ لَهُمْ غَالِبًا (عَنْهُمْ) حَيْثُ كَانُوا بِدَارِنَا لِأَنَّهُ يَلْزَمُنَا الذَّبُّ عَنْهُمْ، فَإِنْ كَانُوا بِدَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَلْزَمْنَا ذَلِكَ مَا لَمْ يُشْرَطْ عَلَيْنَا أَوْ يَكُونُوا بِجِوَارِنَا وَيَلْحَقُ بِدَارِنَا دَارُ حَرْبٍ فِيهَا مُسْلِمٌ، فَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَلْزَمُنَا دَفْعُ الْمُسْلِمِ عَنْهُمْ أَوْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الدَّفْعُ عَنْ الْمُسْلِمِ إلَّا بِالدَّفْعِ عَنْهُمْ فَقَرِيبٌ، أَوْ دَفْعُ الْحَرْبِيِّينَ عَنْهُمْ بِخُصُوصِهِمْ فَبَعِيدٌ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ (وَقِيلَ إنْ انْفَرَدُوا بِبَلَدٍ لَمْ يَلْزَمْنَا الدَّفْعُ عَنْهُمْ) كَمَا يَلْزَمُهُمْ الذَّبُّ عَنَّا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُنَا الدَّفْعُ عَنْهُمْ مُطْلَقًا مَعَ الْإِمْكَانِ لِكَوْنِهِمْ فِي قَبْضَتِنَا كَأَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَمَّا عِنْدَ شَرْطِ عَدَمِ ذَبِّنَا عَنْهُمْ فَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ إنْ كَانُوا مَعَنَا، أَوْ بِمَحَلٍّ لَوْ قَصَدُوهُمْ مَرُّوا عَلَيْنَا لِتَضَمُّنِهِ تَمْكِينَ الْكُفَّارِ مِنَّا وَإِلَّا فَلَا

(وَنَمْنَعُهُمْ) حَتْمًا (إحْدَاثَ كَنِيسَةٍ) وَبِيعَةٍ وَصَوْمَعَةٍ لِلتَّعَبُّدِ وَلَوْ مَعَ

[حاشية الشبراملسي]

فَصْلٌ) فِي جُمْلَةٍ مِنْ أَحْكَامِ عَقْدِ الذِّمَّةِ (قَوْلُهُ: مِنْ نَحْوِ خَمْرٍ) يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إفْرَادُ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِ فِي الِاخْتِصَاصِ لِأَنَّ لَهَا قِيمَةً عِنْدَهُمْ وَتُعَدُّ مَالًا، أَوْ يُقَالُ لَمَّا كَانُوا يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِهَا قَدْ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ الْكَفِّ عَمَّنْ يَتَعَرَّضُ لَهُمْ فِيهَا (قَوْلُهُ: أَوْ انْتَقَصَهُ) هُوَ وَمَا بَعْدَهُ تَفْصِيلٌ لِبَعْضِ الظُّلْمِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ: أَيْ احْتَقَرَهُ لَا مِنْ حَيْثُ كُفْرُهُ بَلْ مِنْ حَيْثُ صِفَاتٌ انْتَقَصَتْهُ بِنِسْبَتِهِ لَهَا وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ، كَمَا يَحْرُمُ انْتِقَاصُ الْمُسْلِمِ بِغَيْبَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ بِصِفَاتٍ قَائِمَةٍ بِهِ (قَوْلُهُ: فَأَنَا حَجِيجُهُ) أَيْ خَصْمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ التَّشْدِيدُ عَلَى الْمُسْلِمِ حَتَّى لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِشَرِيعَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِذَا فَعَلَ مَعَهُ مَا يَقْتَضِي أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِ الْمُسْلِمِ أُخِذَ مِنْهَا مَا يُكَافِئُ جِنَايَتَهُ عَلَى الذِّمِّيِّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلذِّمِّيِّ وَلَا عَفْوًا عَنْ ذُنُوبِهِ بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ دَيْنٍ لَهُ عَلَى مُسْلِمٍ أُخِذَ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُخَفَّفُ عَنْهُ بِذَلِكَ عَذَابُ غَيْرِ الْكُفْرِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَبْقَ لِلْمُسْلِمِ حَسَنَاتٌ فَيُؤْخَذُ مِنْ سَيِّئَاتِ الْكَافِرِ مَا يُخَفَّفُ بِهِ عَذَابُهُ، وَيَسْتَحِقُّ الْمُسْلِمُ الْعِقَابَ عَلَى جِنَايَتِهِ عَلَى الْكَافِرِ بِمَا يُقَابِلُهَا فِي الْعُقُوبَةِ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَمْرِهِ بِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِلذِّمِّيِّ لَا لِتَعْظِيمِهِ (قَوْلُهُ: وَآثَرَ الْأَوَّلِينَ) أَيْ أَهْلِ الْحَرْبِ (قَوْلُهُ: أَوْ يَكُونُوا بِجِوَارِنَا) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: فِيهَا مُسْلِمٌ) أَيْ فَنَمْنَعُهُ عَنْهُمْ وَمَنْ يَتَعَرَّضُ لَهُمْ بِأَذًى يَصِلُ إلَى الْمُسْلِمِ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ اتَّسَعَتْ أَطْرَافُهَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ أُرِيدَ) أَيْ مِنْ الْإِلْحَاقِ (قَوْلُهُ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ) أَيْ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَا تَقَدَّمَ بِالْهَامِشِ مِنْ مَنْعِهِ عَنْهُمْ وَمَنْعِ مَنْ يَتَعَرَّضُ لَهُمْ إلَخْ

إلَخْ (قَوْلُهُ: وَبِيعَةٍ)

[حاشية الرشيدي]

[فَصْلٌ فِي جُمْلَةٍ مِنْ أَحْكَامِ عَقْدِ الذِّمَّةِ]

فَصْلٌ) فِي جُمْلَةٍ مِنْ أَحْكَامِ الْجِزْيَةِ (قَوْلُ الْمَتْنِ يَلْزَمُنَا الْكَفُّ) أَيْ الِانْكِفَافُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَدَفَعَ أَهْلُ الْحَرْبِ عَنْهُمْ (قَوْلُهُ: كَمَا أَفَادَتْهُ آيَتُهَا) اُنْظُرْ وَجْهَ الْإِفَادَةِ فِيهَا (قَوْلُهُ: أَوْ يَكُونُوا بِجِوَارِنَا) أَيْ وَهُمْ بِدَارِ الْحَرْبِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ السِّيَاقِ: أَيْ وَالصُّورَةُ أَنَّهُمْ مُنْفَرِدُونَ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ التُّحْفَةِ وَنَصُّهَا: أَوْ انْفَرَدُوا بِجِوَارِنَا انْتَهَتْ.
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ انْفَرَدُوا فِي غَيْرِ دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ يَلْزَمُنَا الدَّفْعُ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا بِجِوَارِنَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَضِيَّةُ الْقِيلِ الْآتِي فِي الْمَتْنِ

غَيْرِهِ كَنُزُولِ الْمَارَّةِ (فِي بَلَدٍ أَحْدَثْنَاهُ) كَالْقَاهِرَةِ وَالْبَصْرَةِ (أَوْ أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ) كَالْيَمَنِ، وَقَوْلُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ كَالْمَدِينَةِ مَحَلُّ وَقْفَةٍ لِأَنَّهَا مِنْ الْحِجَازِ وَهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ سُكْنَاهُ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ، وَيُهْدَمُ وُجُوبًا مَا أَحْدَثُوهُ، وَلَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِمْ هَدْمُهُ وَالصُّلْحُ عَلَى تَمْكِينِهِمْ مِنْهُ بَاطِلٌ، وَمَا وُجِدَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُعْلَمْ إحْدَاثُهُ بَعْدَ الْإِحْدَاثِ أَوْ الْإِسْلَامِ أَوْ الْفَتْحِ يَبْقَى لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ بِبَرِّيَّةٍ أَوْ قَرْيَةٍ وَاتَّصَلَ بِهَا الْعُمْرَانُ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا يَأْتِي فِي الصُّلْحِ، أَمَّا مَا بُنِيَ مِنْ ذَلِكَ لِنُزُولِ الْمَارَّةِ وَلَوْ مِنْهُمْ فَيَجُوزُ كَمَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ (وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً) كَمِصْرِ عَلَى مَا مَرَّ وَبِلَادِ الْمَغْرِبِ (لَا يُحْدِثُونَهَا فِيهِ) أَيْ لَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَيَجِبُ هَدْمُ مَا أَحْدَثُوهُ فِيهِ لِمِلْكِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا بِالِاسْتِيلَاءِ (وَلَا يُقَرُّونَ عَلَى كَنِيسَةٍ كَانَتْ فِيهِ) حَالَ الْفَتْحِ يَقِينًا (فِي الْأَصَحِّ) لِذَلِكَ.
وَالثَّانِي يُقَرُّونَ بِالْمَصْلَحَةِ (أَوْ) فُتِحَ (صُلْحًا بِشَرْطِ الْأَرْضِ لَنَا وَشَرْطِ إسْكَانِهِمْ) بِخَرَاجٍ (وَإِبْقَاءِ الْكَنَائِسِ) وَنَحْوِهَا (لَهُمْ جَازَ) لِأَنَّ الصُّلْحَ إذَا جَازَ بِشَرْطِ كَوْنِ جَمِيعِ الْبَلَدِ لَهُمْ فَبَعْضُهَا بِالْأَوْلَى، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ وَإِبْقَاءُ مَنْعِ الْإِحْدَاثِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ مِنْهُ إعَادَتُهَا وَتَرْمِيمُهَا بِآلَتِهَا أَوْ بِآلَةٍ جَدِيدَةٍ مَعَ تَعَذُّرِ فِعْلِ ذَلِكَ بِالْقَدِيمَةِ وَحْدَهَا وَنَحْوِ تَطْيِينِهَا وَتَنْوِيرِهَا مِنْ دَاخِلٍ وَخَارِجٍ أَيْضًا، وَقَضِيَّتُهُ أَيْضًا مَنْعُ شَرْطِ الْإِحْدَاثِ وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ لَمْ تَدْعُ لَهُ ضَرُورَةٌ وَإِلَّا جَازَ.

(وَإِنْ) (أَطْلَقَ) شَرْطَ الْأَرْضِ لَنَا وَسَكَتَ عَنْ نَحْوِ الْكَنَائِسِ (فَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ) مِنْ إبْقَائِهَا وَإِحْدَاثِهَا فَتُهْدَمُ كُلُّهَا لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي صَيْرُورَةَ جَمِيعِ الْأَرْضِ لَنَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ بَقَائِهِمْ بَقَاءُ مَحَلِّ عِبَادَتِهِمْ فَقَدْ يُسْلِمُونَ وَقَدْ يُخْفُونَ عِبَادَتَهُمْ.
وَالثَّانِي لَا، وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ بِقَرِينَةِ الْحَالِ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهَا فِي عِبَادَتِهِمْ (أَوْ) بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لَهُمْ وَيُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا (قُرِّرَتْ) كَنَائِسُهُمْ أَوْ نَحْوُهَا (وَلَهُمْ الْإِحْدَاثُ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ.
وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِأَنَّ الْبَلَدَ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَمَا فُتِحَ فِي دِيَارِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِشَرْطٍ مِمَّا ذُكِرَ لَوْ اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ بَعْدُ كَبَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ فُتِحَ بِشَرْطٍ يُخَالِفُ ذَلِكَ فَهَلْ الْعِبْرَةُ بِالشَّرْطِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالْفَتْحِ صَارَ دَارَ إسْلَامٍ فَلَا يَعُودُ دَارَ كُفْرٍ، أَوْ بِالشَّرْطِ الثَّانِي لِأَنَّ الْأَوَّلَ نُسِخَ بِهِ وَإِنْ لَمْ تَصِرْ دَارَ كُفْرٍ، الْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ، وَمَعْنَى لَهُمْ هُنَا وَفِي نَظَائِرِهِ الْمُوهِمَةِ حِلَّ ذَلِكَ لَهُمْ أَوْ اسْتِحْقَاقَهُمْ لَهُ عَدَمُ تَعَرُّضِنَا لَهُمْ لَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ وَنُفْتِيهِمْ بِهِ بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِي الَّتِي يُقَرُّونَ عَلَيْهَا.

(وَيُمْنَعُونَ وُجُوبًا) وَإِنْ لَمْ يُشْرَطْ مَنْعُهُمْ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ (وَقِيلَ نَدْبًا مِنْ رَفْعِ

[حاشية الشبراملسي]

وَالْبِيعَةُ بِالْكَسْرِ لِلنَّصَارَى مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: مَحَلُّ وَقْفَةٍ) قَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ التَّمْثِيلُ بِهِ لَمَّا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ فَقَطْ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمَدِينَةَ مِنْ الْحِجَازِ وَهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الْإِقَامَةِ فِيهِ (قَوْلُهُ: كَمِصْرِ) أَيْ الْقَدِيمَةِ، وَمِثْلُهَا فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ مِصْرُنَا الْآنَ لِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً حَالَةَ الْفَتْحِ فَأَرْضُهَا الْمَنْسُوبَةُ إلَيْهَا لِلْغَانِمِينَ فَيَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ مَا كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْفَتْحِ، وَبِهِ تَعْلَمُ وُجُوبَ هَدْمِ مَا فِي مِصْرِنَا وَمِصْرِ الْقَدِيمَةِ مِنْ الْكَنَائِسِ الْمَوْجُودَةِ الْآنَ.
وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ: فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ لَنَا دُخُولُهَا إلَّا بِإِذْنِهِمْ وَإِنْ كَانَ فِيهَا تَصْوِيرٌ حَرُمَ قَطْعًا وَكَذَا كُلُّ بَيْتٍ فِيهِ صُورَةٌ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ مِنْهُ) أَيْ الْإِحْدَاثِ (قَوْلُهُ: وَتَنْوِيرُهَا) عَطْفٌ مُغَايِرٌ (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ أَيْضًا مَنْعُ شَرْطِ الْإِحْدَاثِ) أَيْ مِنْهُمْ عَلَيْنَا سَوَاءٌ كَانَ الِابْتِدَاءُ مِنْ جَانِبِهِمْ وَوَافَقَهُمْ الْإِمَامُ أَوْ عَكْسُهُ (قَوْلُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ) وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَالصُّلْحُ عَلَى تَمْكِينِهِمْ مِنْهُ بَاطِلٌ فَسَادُ الْعَقْدِ بِهَذَا الشَّرْطِ

(قَوْلُهُ: وَلَهُمْ الْإِحْدَاثُ) هَلْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصُّلْحِ مَعَ شَرْطِ الْإِحْدَاثِ تَعْيِينُ مَا يُحْدِثُونَهُ مِنْ كَنِيسَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَمِقْدَارُ الْكَنِيسَةِ أَوْ يَكْفِي الْإِطْلَاقُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي الصِّحَّةُ مَعَ الْإِطْلَاقِ وَيُحْمَلُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِثْلُهُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَيَخْتَلِفُ بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ (قَوْلُهُ الْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ) هُوَ قَوْلُهُ

[حاشية الرشيدي]

مَعَ مَا أَعْقَبَهُ بِهِ الشَّارِحُ كَالتُّحْفَةِ

(قَوْلُهُ: مَحَلَّ وَقْفَةٍ) قَدْ يُقَالُ: إنَّ الْمُرَادَ التَّمْثِيلُ لِأَصْلِ مَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْإِحْدَاثِ وَعَدَمِهِ (قَوْلُهُ يَقِينًا) تَقْيِيدٌ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ

بِنَاءٍ) لَهُمْ وَإِنْ خَافُوا نَحْوَ سُرَّاقٍ يَقْصِدُونَهُمْ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ (عَلَى بِنَاءِ جَارٍ مُسْلِمٍ) وَإِنْ كَانَ قَصِيرًا وَقَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ بِلَا مَشَقَّةٍ، نَعَمْ يُتَّجَهُ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا اُعْتِيدَ مِثْلُهُ لِلسُّكْنَى، وَإِلَّا لَمْ يُكَلَّفْ الذِّمِّيُّ النَّقْصَ عَنْ أَقَلِّ الْمُعْتَادِ وَإِنْ عَجَزَ الْمُسْلِمُ عَنْ تَتْمِيمِ بِنَائِهِ وَذَلِكَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمًا لِدِينِهِ فَلَا يُبَاحُ بِرِضَا الْجَارِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ تَعَالَى، أَمَّا جَارٌ ذِمِّيٌّ فَلَا مَنْعَ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا فِيمَا يَظْهَرُ، وَخَرَجَ بِرَفْعٍ شِرَاؤُهُ لِدَارٍ عَالِيَةٍ لَمْ تَسْتَحِقَّ الْهَدْمَ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
نَعَمْ لَيْسَ لَهُ الْإِشْرَافُ مِنْهَا كَمَا تُمْنَعُ صِبْيَانُهُمْ مِنْ طُلُوعِ سَطْحِهَا إلَّا بَعْدَ تَحْجِيرِهِ، وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ كَوْنُهُ زِيَادَةَ تَعْلِيَةٍ إنْ كَانَ بِنَحْوِ بِنَاءٍ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِمَصْلَحَتِنَا لَمْ يُنْظَرْ فِيهِ لِذَلِكَ وَلَهُ اسْتِئْجَارُهَا أَيْضًا وَسُكْنَاهُمْ، وَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ قَبْلَهُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَيَبْقَى رَوْشَنُهَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَإِنْ كَانَ حَقَّ الْإِسْلَامِ وَقَدْ زَالَ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَلَا نُسَلِّمُ دَعْوَى أَنَّ التَّعْلِيَةَ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ خَاصَّةً بَلْ مِنْ حُقُوقِ الْإِسْلَامِ أَيْضًا كَمَا مَرَّ فِي رِضَا الْجَارِ بِهَا عَلَى أَنَّهَا أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ الرَّوْشَنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ أَذِنَ فِي إخْرَاجِ رَوْشَنٍ فِي هَوَاءِ مِلْكِهِ جَازَ وَلَا كَذَلِكَ التَّعْلِيَةُ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْجَارَ هُنَا أَهْلُ مَحَلَّتِهِ كَمَا قَالَ الْجُرْجَانِيُّ وَاسْتَظْهَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِمَا مَرَّ فِي الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَعْلُو عَلَى أَهْلِ مَحَلَّتِهِ وَيَعْلُو عَلَى مُلَاصِقِهِ مِنْ مَحَلَّةٍ أُخْرَى، نَعَمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ مُلَاصِقِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَحَلَّتِهِ (وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ مِنْ الْمُسَاوَاةِ) أَيْضًا تَمْيِيزًا بَيْنَهُمَا (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا بِمَحَلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ) عَنْ الْمُسْلِمِينَ كَطَرَفٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ الْعِمَارَةِ بِأَنْ كَانَ دَاخِلَ السُّوَرِ مَثَلًا وَلَيْسَ بِجِوَارِهِمْ مُسْلِمٌ يُشْرِفُونَ عَلَيْهِ لِبُعْدِ مَا بَيْنَ الْبِنَاءَيْنِ (لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ رَفْعِ الْبِنَاءِ) لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ هُنَا بِوَجْهٍ.
وَالثَّانِي يُمْنَعُونَ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّجَمُّلِ وَالشَّرَفِ، وَلَوْ لَاصَقَتْ أَبْنِيَتُهُمْ دُورَ الْبَلَدِ مِنْ جَانِبٍ جَازَ الرَّفْعُ مِنْ بَقِيَّةِ الْجَوَانِبِ أَيْ حَيْثُ لَا إشْرَافَ مِنْهُ، وَأَفْتَى الْعِرَاقِيُّ بِمَنْعِ بُرُوزِهِمْ فِي نَحْوِ الْخُلْجَانِ عَلَى بِنَاءِ جَارٍ مُسْلِمٍ لِإِضْرَارِهِمْ لَهُ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى عَوْرَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ

[حاشية الشبراملسي]

بِالشَّرْطِ الْأَوَّلِ

(قَوْلُهُ: وَقَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ) أَيْ الْمُسْلِمُ (قَوْلُهُ: وَذَاكَ لِحَقِّ اللَّهِ) تَوْجِيهٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْكَافِرِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً (قَوْلُهُ: إلَّا بَعْدَ تَحْجِيرِهِ) أَيْ بِنَاءُ مَا يَمْنَعُ مِنْ الرُّؤْيَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ كَوْنُهُ) أَيْ التَّحْجِيرِ (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ فِي رِضَا الْجَارِ بِهَا) أَيْ مِنْ أَنَّ رِضَاهُ لَا يُجَوِّزُ تَمْكِينَ الْكَافِرِ مِنْ رَفْعِ بِنَائِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ لَوْ أَذِنَ) لِلذِّمِّيِّ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْجَارَ هُنَا أَهْلُ مَحَلَّتِهِ) أَيْ فَمَا زَادَ عَلَى أَهْلِ مَحَلَّتِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ مُسَاوَاةِ بِنَائِهِ لَهُ أَوْ رَفْعِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَصِلْ لِلْأَرْبَعِينَ دَارًا (قَوْلُهُ: لَوْ كَانُوا بِمَحَلَّةٍ) عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: وَالْمَحَلُّ بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالْكَسْرُ لُغَةٌ حَكَاهَا ابْنُ الْقَطَّاعِ مَوْضِعُ الْحُلُولِ، وَالْمَحِلُّ بِالْكَسْرِ الْأَجَلُ، وَالْمَحَلَّةُ بِالْفَتْحِ الْمَكَانُ يَنْزِلُهُ الْقَوْمُ (قَوْلُهُ: عَلَى بِنَاءِ جَارٍ مُسْلِمٍ) ظَاهِرُ التَّقْيِيدِ بِهِ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ الْبُرُوزِ عَلَى الْخُلْجَانِ بِغَيْرِ هَذَا الْقَيْدِ، وَحَيْثُ قَيَّدَ بِالْجَارِ فَانْظُرْ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَيَبْقَى رَوْشَنُهَا) أَيْ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ (قَوْلُهُ: وَلَا نُسَلِّمُ دَعْوَى أَنَّ التَّعْلِيَةَ إلَخْ) يُشِيرُ بِهَذَا إلَى رَدِّ قَوْلِ الزَّرْكَشِيّ فِي تَرَدُّدِهِ فِي بَقَاءِ الرَّوْشَنِ: إنَّ التَّعْلِيَةَ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ وَالرَّوْشَنُ لِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَقَدْ زَالَ (قَوْلُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ أَذِنَ فِي إخْرَاجِ رَوْشَنٍ فِي هَوَاءِ مِلْكِهِ) أَيْ أَذِنَ لِلذِّمِّيِّ فِي إخْرَاجِ الرَّوْشَنِ فِي هَوَاءِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْكَلَامِ وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ اسْتَشْكَلَهُ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ إنَّمَا مُنِعَ مِنْ الْإِشْرَاعِ فِي الطُّرُقِ السَّابِلَةِ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْإِحْيَاءِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَلَا كَذَلِكَ الْإِشْرَاعُ فِي مِلْكِ الْمُسْلِمِ بِإِذْنِهِ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا كَانَ لِخُصُوصِ حَقِّ الْمِلْكِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ نَعَمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ) يَعْنِي مَا اسْتَوْجَهَهُ.
فَالْحَاصِلُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ لَا يَعْلُو عَلَى أَهْلِ مَحَلَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يُلَاصِقُوهُ، وَلَا عَلَى مُلَاصِقِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ مَحَلَّتِهِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَ دَاخِلَ السُّوَرِ) مُرَادُهُ بِذَلِكَ تَصْوِيرُ الِانْفِصَالِ مَعَ عِدَّةٍ مِنْ الْبَلَدِ (قَوْلُهُ وَأَفْتَى الْعِرَاقِيُّ بِمَنْعِ بُرُوزِهِمْ فِي نَحْوِ الْخُلْجَانِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: فِي نَحْوِ النِّيلِ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَ إفْتَاءِ الْعِرَاقِيِّ مَا نَصُّهُ:

كَالْإِعْلَاءِ بَلْ قِيَاسُ مَنْعِ الْمُسَاوَاةِ ثَمَّ مَنْعُهَا هُنَا، وَلَوْ رَفَعَ عَلَى بِنَاءِ مُسْلِمٍ اتَّجَهَ عَدَمُ سُقُوطِ هَدْمِهِ بِتَعْلِيَةِ الْمُسْلِمِ بِنَاءَهُ أَوْ شِرَائِهِ لَهُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الصُّلْحِ وَالْعَارِيَّةِ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي مَا كَانَ لِبَائِعِهِ، نَعَمْ قِيلَ الْأَوْجَهُ إبْقَاؤُهُ لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ هَدْمِهِ تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ، وَأَفْتَى الْوَالِدُ بِخِلَافِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ.

(وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ) الذَّكَرُ الْمُكَلَّفُ وَمِثْلُهُ مُعَاهَدٌ وَمُؤَمَّنٌ (رُكُوبَ خَيْلٍ) لِمَا فِيهَا مِنْ الْعِزِّ وَالْفَخْرِ، نَعَمْ لَوْ انْفَرَدُوا فِي مَحَلٍّ غَيْرِ دَارِنَا لَمْ يُمْنَعُوا، وَاسْتَثْنَى الْجُوَيْنِيُّ الْبَرَاذِينَ الْخَسِيسَةَ وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ رُكُوبُ نَفِيسَةٍ زَمَنَ قِتَالٍ اسْتَعَنَّا بِهِمْ فِيهِ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ (لَا حَمِيرٍ) وَلَوْ نَفِيسَةً (وَبِغَالٍ نَفِيسَةٍ) لِخِسَّتِهِمَا، وَلَا اعْتِبَارَ بِطُرُوِّ عِزَّةِ الْبِغَالِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ عَلَى أَنَّهُمْ يُفَارِقُونَ مَنْ اعْتَادَ رُكُوبَهَا مِنْ الْأَعْيَانِ بِهَيْئَةِ رُكُوبِهِمْ الَّتِي فِيهَا غَايَةُ تَحْقِيرِهِمْ وَإِذْلَالِهِمْ كَمَا قَالَ (وَيَرْكَبُهَا) عَرْضًا بِأَنْ يَجْعَلَ رِجْلَيْهِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَخَصَّصَاهُ بَحْثًا بِسَفَرٍ قَرِيبٍ فِي الْبَلَدِ (بِإِكَافٍ) أَوْ بَرْذَعَةٍ (وَرِكَابِ خَشَبٍ لَا حَدِيدٍ) أَوْ رَصَاصٍ (وَلَا سَرْجَ) لِكِتَابِ عُمَرَ بِذَلِكَ وَلِيَتَمَيَّزُوا عَنَّا بِمَا يُحَقِّرُهُمْ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ مَنْعُهُ مِنْ الرُّكُوبِ مُطْلَقًا فِي مَوَاطِنِ زَحْمَتِنَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِهَانَةِ، وَيُمْنَعُونَ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ وَتَخَتُّمِهِ وَلَوْ بِفِضَّةٍ وَاسْتِخْدَامِ مَمْلُوكٍ فَارِهٍ كَتُرْكِيٍّ وَمِنْ خِدْمَةِ الْأُمَرَاءِ كَمَا ذَكَرَهُمَا ابْنُ الصَّلَاحِ، وَاسْتَحْسَنَهُ فِي الْأُولَى الزَّرْكَشِيُّ وَمِثْلُهَا الثَّانِيَةُ بَلْ أَوْلَى

[حاشية الشبراملسي]

فِي أَيِّ صُورَةٍ يُخَالِفُ الْخُلْجَانُ فِيهَا غَيْرَهَا مِنْ الدُّورِ حَتَّى تَكُونَ مَقْصُودَةً بِالْحُكْمِ، وَعِبَارَةُ حَجّ بَعْدَ حِكَايَةِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ إلَى قَوْلِهِ هُنَا نَصُّهَا: وَإِنَّمَا يُتَّجَهُ إنْ جَازَ ذَلِكَ فِي أَصْلِهِ، أَمَّا إذَا مُنِعَ مِنْ هَذَا حَقُّ الْمُسْلِمِ كَمَا مَرَّ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ فَلَا وَجْهَ لِذِكْرِهِ هُنَا.
نَعَمْ يُتَصَوَّرُ فِي نَهْرٍ حَادِثٍ مَمْلُوكَةٌ حَافَّتَاهُ (قَوْلُهُ: كَالْإِعْلَاءِ فِيهِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الذِّمِّيِّ (قَوْلُهُ اتَّجَهَ عَدَمُ سُقُوطِ هَدْمِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الرَّافِعُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا فِيمَا يَظْهَرُ، ثُمَّ رَأَيْته فِي سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: أَوْ شِرَائِهِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِالْهَدْمِ حَاكِمٌ قَبْلَ الشِّرَاءِ، وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ: وَلَوْ بَنَى دَارًا عَالِيَةً أَوْ مُسَاوِيَةً ثُمَّ بَاعَهَا لِمُسْلِمٍ لَمْ يَسْقُطْ الْهَدْمُ إذَا كَانَ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَإِلَّا سَقَطَ (قَوْلُهُ: نَعَمْ قِيلَ الْأَوْجَهُ) اسْتَظْهَرَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ

(قَوْلُهُ: وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ الذَّكَرُ) ع: فَخَرَجَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالْمَجَانِينُ إذْ لَا صَغَارَ عَلَيْهِمْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَالْفَخْرُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: وَاسْتَثْنَى الْجُوَيْنِيُّ) ضَعِيفٌ وَلَا يَخْلُو مِنْ نَظَرٍ اعْتِبَارًا بِالْجِنْسِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ) أَيْ بِمَا اسْتَثْنَاهُ الْجُوَيْنِيُّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَضْعِيفِ الْمُلْحَقِ بِهِ تَضْعِيفُ الْمُلْحِقِ (قَوْلُهُ: اسْتَعَنَّا بِهِمْ فِيهِ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ طَرِيقًا لِنَصْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مُرَادًا وَأَنَّ ذَلِكَ يُغْتَفَرُ لِلضَّرُورَةِ (قَوْلُهُ: وَخَصَّصَاهُ بَحْثًا إلَخْ) ضَعِيفٌ (قَوْله مُطْلَقًا) أَيْ عَرْضًا أَوْ مُسْتَوِيًا وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ الْخَيْلِ (قَوْلُهُ: وَاسْتِخْدَامُ مَمْلُوكٍ فَارِهٍ) أَيْ شَاطِرٍ لِأَنَّ فِيهِ عِزًّا لَهُمْ.
قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الْفَارِهُ: الْحَاذِقُ، إلَى أَنْ قَالَ: وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْفَارِهُ مِنْ النَّاسِ: الْمَلِيحُ الْحَسَنُ، فَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَرِينَةِ التَّمْثِيلِ لَهُ بِالتُّرْكِيِّ (قَوْلُهُ: وَمِنْ خِدْمَةِ الْأُمَرَاءِ) أَيْ خِدْمَةٍ تُؤَدِّي إلَى تَعْظِيمِهِمْ كَاسْتِخْدَامِهِمْ فِي الْمَنَاصِبِ الْمُحْوِجَةِ إلَى تَرَدُّدِ النَّاسِ عَلَيْهِمْ، وَيَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُمَرَاءِ كُلُّ مَنْ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي أَمْرٍ عَامٍّ يَقْتَضِي تَرَدُّدَ النَّاسِ عَلَيْهِ كَنُظَّارِ الْأَوْقَافِ الْكَبِيرَةِ وَكَمَشَايِخِ الْأَسْوَاقِ وَنَحْوِهِمَا،

[حاشية الرشيدي]

وَإِنَّمَا يُتَّجَهُ إنْ جَازَ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِهِ، أَمَّا إذَا مُنِعَ مِنْ هَذَا حَتَّى الْمُسْلِمُ كَمَا مَرَّ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ فَلَا وَجْهَ لِذِكْرِهِ هُنَا، نَعَمْ يُتَصَوَّرُ فِي نَهْرٍ حَادِثٍ مَمْلُوكٍ حَافَّاتُهُ اهـ

(قَوْلُهُ: وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ رُكُوبُ نَفِيسَةٍ) اُنْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ مِنْ الْبَرَاذِينِ أَوْ مِنْ الْعِنَاقِ (قَوْلُهُ: لِخِسَّتِهِمَا) أَيْ بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ (قَوْلُهُ: بِسَفَرٍ قَرِيبٍ) عِبَارَةُ الشَّيْخَيْنِ: مَسَافَةٌ قَرِيبَةٌ فِي الْبَلَدِ (قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِهَانَةِ) أَيْ لِمَا فِي رُكُوبِهِمْ حِينَئِذٍ مِنْ الْإِهَانَةِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَعِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ: لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَذَى وَالتَّأَذِّي (قَوْلُهُ: وَمِنْ خِدْمَةِ الْأُمَرَاءِ) الْمَصْدَرُ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ وَالْمُرَادُ بِخِدْمَتِهِمْ إيَّاهُمْ الْخِدْمَةُ بِالْمُبَاشَرَةِ وَالْكِتَابَةِ وَتَوْلِيَةِ الْمَنَاصِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ

كَمَا قَالَ ابْنُ كَجٍّ وَغَيْرُ الذَّكَرِ الْبَالِغِ: أَيْ الْعَاقِلِ لَا يَلْزَمُ بِصَغَارٍ: أَيْ مِمَّا مَرَّ (وَيُلْجَأُ) وُجُوبًا عِنْدَ ازْدِحَامِ الْمُسْلِمِينَ بِطَرِيقٍ (إلَى أَضْيَقِ الطَّرِيقِ) لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يَتَأَذَّى بِنَحْوِ وُقُوعٍ فِي وَهْدَةٍ أَوْ صَدْمَةِ جِدَارٍ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَا يَمْشُونَ (وُجُوبًا) إلَّا أَفْرَادًا مُتَفَرِّقِينَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى تَعْبِيرِهِمْ بِالْوُجُوبِ أَخْذًا مِنْ الْخَبَرِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا فِي طَرِيقٍ إيثَارُهُ بِوَاسِعَةٍ، لَكِنْ يَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ قَصَدَ بِذَلِكَ تَعْظِيمَهُ أَوْ عَدَّهُ الْعُرْفُ تَعْظِيمًا لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَحْرُمْ، وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ هَذَا مِنْ حُقُوقِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَتَأَثَّرُ بِرِضَا الْمُسْلِمِ كَالتَّعْلِيَةِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ لِدَوَامِ ضَرَرِ ذَلِكَ دُونَ هَذَا فَلَا ضَرَرَ فِيهِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَاهُ فَهُوَ يَنْقَضِي عَجِلًا (وَلَا يُوَقَّرُ وَلَا يُصَدَّرُ فِي مَجْلِسٍ) بِهِ مُسْلِمٌ: أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْنَا ذَلِكَ إهَانَةً لَهُ، وَتَحْرُمُ مُوَادَّتُهُ وَهُوَ الْمَيْلُ إلَيْهِ بِالْقَلْبِ لَا مِنْ حَيْثُ وَصْفُ الْكُفْرِ وَإِلَّا كَانَتْ كُفْرًا، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كَانَتْ لِأَصْلٍ أَمْ فَرْعٍ أَمْ غَيْرِهِمَا، وَتُكْرَهُ مُخَالَطَتُهُ ظَاهِرًا وَلَوْ بِمُهَادَاةٍ فِيمَا يَظْهَرُ مَا لَمْ يَرْجُ إسْلَامَهُ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَحْوُ رَحِمٍ أَوْ جِوَارٍ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي أَمَاكِنَ كَعِبَادَتِهِ وَتَعْلِيمِهِ الْقُرْآنَ وَأُلْحِقَ بِالْكَافِرِ فِي ذَلِكَ كُلُّ فَاسِقٍ إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِينَاسِ لَهُمْ.

(وَيُؤْمَرُ) وُجُوبًا عِنْدَ اخْتِلَاطِهِمْ بِنَا، وَإِنْ دَخَلَ دَارَنَا لِرِسَالَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ وَإِنْ قَصُرَتْ مُدَّةُ اخْتِلَاطِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ (بِالْغِيَارِ)

[حاشية الشبراملسي]

وَأَنَّ مَحَلَّ الِامْتِنَاعِ مَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَى اسْتِخْدَامِهِ بِأَنْ لَا يَقُومَ غَيْرُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَقَامَهُ فِي حِفْظِ الْمَالِ (قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ كَجٍّ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ الذَّكَرُ الْمُكَلَّفُ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَمَّا غَيْرُ الذَّكَرِ الْبَالِغِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَا يَمْشُونَ) أَيْ يُمْنَعُونَ وُجُوبًا (قَوْلُهُ: وَلَا يُوَقَّرُ) أَيْ لَا يُفْعَلُ مَعَهُ أَسْبَابُ التَّعْظِيمِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَيْلُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَيْلَ إلَيْهِ بِالْقَلْبِ حَرَامٌ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ مَا يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ الْإِحْسَانِ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ عَنْهُ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِمَا إذَا طَلَبَ حُصُولَ الْمَيْلِ بِالِاسْتِرْسَالِ فِي أَسْبَابِ الْمَحَبَّةِ إلَى حُصُولِهَا بِقَلْبِهِ، وَإِلَّا فَالْأُمُورُ الضَّرُورِيَّةُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ حَدِّ التَّكْلِيفِ، وَبِتَقْدِيرِ حُصُولِهَا يَسْعَى فِي دَفْعِهَا مَا أَمْكَنَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَفَعَهَا بِحَالٍ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهَا، وَعِبَارَةُ حَجّ: وَاضْطِرَارُ مَحَبَّتِهِمَا: أَيْ الْأَبِ وَالِابْنِ لِلتَّكَسُّبِ فِي الْخُرُوجِ عَنْهَا مَدْخَلٌ.
[فَرْعٌ] رَأَى شَخْصٌ يَهُودِيًّا جَالِسًا عِنْدَ بَعْضِ مُلُوكِ الْعَرَبِ فَقَالَ لَهُ: يَا ذَا الَّذِي طَاعَتُهُ وَاجِبَهْ ... وَحُبُّهُ مُفْتَرَضٌ وَاجِبُ إنَّ الَّذِي شَرُفْتَ مِنْ أَجْلِهِ ... يَزْعُمُ هَذَا أَنَّهُ كَاذِبُ فَغَضِبَ عَلَى الْيَهُودِيِّ وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ وَصَفْعِهِ لِاسْتِحْضَارِهِ تَكْذِيبَ الْمَعْصُومِ الَّذِي شَرُفَتْ بِهِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِمَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَرْجُ إسْلَامَهُ) أَيْ أَوْ يَرْجُو مِنْهُ نَفْعًا دُنْيَوِيًّا لَا يَقُومُ غَيْرُهُ فِيهِ مَقَامَهُ كَأَنْ فَوَّضَ لَهُ عَمَلًا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْصَحُهُ فِيهِ وَيُخْلِصُ أَوْ قَصَدَ بِذَلِكَ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْهُ (قَوْلُهُ وَأُلْحِقَ بِالْكَافِرِ فِي ذَلِكَ) أَيْ مَا مَرَّ مِنْ الْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ، وَعِبَارَةُ حَجّ بَعْدَ قَوْلِ الشَّارِحِ فَاسِقٌ وَفِي عُمُومِهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ حَمْلُ الْحُرْمَةِ عَلَى مَيْلٍ مَعَ إينَاسٍ لَهُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ يَحْرُمُ الْجُلُوسُ مَعَ الْفُسَّاقِ إينَاسًا لَهُمْ، أَمَّا مُعَاشَرَتُهُمْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ يَحْصُلُ

[حاشية الرشيدي]

كَمَا هُوَ وَاقِعٌ، وَلِلسُّيُوطِيِّ فِي ذَلِكَ تَصْنِيفٌ حَافِلٌ (قَوْلُهُ: فَلَا ضَرَرَ فِيهِ) أَيْ فَضْلًا عَنْ دَوَامِهِ، وَقَوْلُهُ وَلَئِنْ سَلَّمْنَاهُ: أَيْ الضَّرَرَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّعْلِيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَمْرَيْنِ: الضَّرَرِ، وَدَوَامِهِ، وَهُمَا مُنْتَفِيَانِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَقَدْ عُلِمَ بِهَذَا الْفَرْقِ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ حُقُوقِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ أَوْهَمَ قَوْلُهُ وَلَا يُتَوَهَّمُ إلَخْ خِلَافُهُ، فَمَحَطُّ التَّوَهُّمِ التَّأَثُّرُ

بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَهُوَ تَغْيِيرُ اللِّبَاسِ كَأَنْ يَخِيطَ فَوْقَ أَعْلَى ثِيَابِهِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُهُ الْآتِي بِمَوْضِعٍ لَا يَعْتَادُ الْخِيَاطَةَ عَلَيْهِ كَالْكَتِفِ بِمَا يُخَالِفُ لَوْنُهُ لَوْنَهَا وَيَكْفِي عَنْهُ نَحْوُ مِنْدِيلٍ مَعَهُ كَمَا قَالَاهُ وَالْعِمَامَةُ الْمُعْتَادَةُ لَهُمْ الْآنَ وَالْأَوْلَى بِالْيَهُودِ الْأَصْفَرُ وَبِالنَّصَارَى الْأَزْرَقُ وَبِالْمَجُوسِ الْأَسْوَدُ وَبِالسَّامِرِيِّ الْأَحْمَرُ هَذَا هُوَ الْمُعْتَادُ فِي كُلٍّ بَعْدَ الْأَزْمِنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلَا يَرِدُ كَوْنُ الْأَصْفَرِ كَانَ زِيَّ الْأَنْصَارِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَمَا حُكِيَ وَالْمَلَائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَأَنَّهُمْ إنَّمَا آثَرُوهُمْ بِهِ لِغَلَبَةِ الصُّفْرَةِ فِي أَلْوَانِهِمْ النَّاشِئَةِ عَنْ زِيَادَةِ فَسَادِ قُلُوبِهِمْ، وَلَوْ أَرَادُوا التَّمَيُّزَ بِغَيْرِ الْمُعْتَادِ مُنِعُوا خَشْيَةَ الِالْتِبَاسِ، وَقَدْ اُعْتِيدَ فِي هَذَا الزَّمَنِ بَدَلُ الْعَمَائِمِ الْقَلَانِسُ لِلنَّصَارَى وَالطَّرَاطِيرُ الْحُمْرُ لِلْيَهُودِ، وَتُؤْمَرُ ذِمِّيَّةٌ خَرَجَتْ بِتَخَالُفِ لَوْنِ خُفَّيْهَا وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى (وَالزُّنَّارُ) بِضَمِّ الزَّايِ (فَوْقَ الثِّيَابِ) وَهُوَ خَيْطٌ غَلِيظٌ فِيهِ أَلْوَانٌ يُشَدُّ بِالْوَسَطِ، نَعَمْ تَشُدُّهُ الْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى تَحْتَ إزَارٍ بِحَيْثُ يَظْهَرُ بَعْضُهُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ تَجْعَلُهُ فَوْقَهُ مُبَالَغَةً فِي التَّمَيُّزِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ فِيهِ تَشْبِيهًا بِمَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ فِي الْعَادَةِ وَهُوَ حَرَامٌ، وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْحُرْمَةِ فِيهِ زِيَادَةُ إزْرَائِهَا فَلَا تُؤْمَرُ بِهِ، وَيُمْتَنَعُ إبْدَالُهُ بِنَحْوِ مِنْدِيلٍ أَوْ مِنْطَقَةٍ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدٌ وَمُبَالَغَةٌ فِي الشُّهْرَةِ فَلِلْإِمَامِ الْأَمْرُ بِأَحَدِهِمَا فَقَطْ وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ دِيبَاجٍ وَطَيْلَسَانَ (وَإِذَا) (دَخَلَ حَمَّامًا فِيهِ مُسْلِمُونَ) أَوْ مُسْلِمٌ (أَوْ تَجَرَّدَ عَنْ ثِيَابِهِ) وَثَمَّ مُسْلِمٌ (جُعِلَ فِي عُنُقِهِ) أَوْ نَحْوِهِ (خَاتَمُ) أَيْ طَوْقُ (حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرُهَا مِنْ لَحْنِ الْعَامَّةِ (وَنَحْوُهُ) بِالرَّفْعِ: أَيْ الْخَاتَمِ كَجُلْجُلٍ، وَبِالْكَسْرِ: أَيْ الْحَدِيدِ أَوْ الرَّصَاصِ كَنُحَاسٍ وُجُوبًا لِيَتَمَيَّزَ، وَتُمْنَعُ الذِّمِّيَّةُ مِنْ حَمَّامٍ بِهِ مُسْلِمَةٌ تَرَى مِنْهَا مَا لَا يَبْدُو فِي الْمِهْنَةِ.

(وَيُمْنَعُ) وُجُوبًا وَلَوْ لَمْ يُشْرَطْ عَلَيْهِ (مِنْ إسْمَاعِهِ لِلْمُسْلِمِينَ شِرْكًا) كَثَالِثِ ثَلَاثَةٍ (وَ) يُمْنَعُ مِنْ (قَوْلِهِمْ) الْقَبِيحَ وَيَصِحُّ نَصْبُهُ

[حاشية الشبراملسي]

مِنْهُمْ أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ فَلَا حُرْمَةَ فِيهِ

(قَوْلُهُ: بِمَا يُخَالِفُ لَوْنَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِتَغْيِيرٍ، وَعِبَارَةُ حَجّ مَا يُخَالِفُ (قَوْلُهُ: وَالْعِمَامَةُ الْمُعْتَادَةُ لَهُمْ الْآنَ) هَلْ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لُبْسُ الْعِمَامَةِ الْمُعْتَادَةِ لَهُمْ وَإِنْ جَعَلَ عَلَيْهَا عَلَامَةً تُمَيِّزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَغَيْرِهِ كَوَرَقَةٍ بَيْضَاءَ مَثَلًا أَمْ لَا، لِأَنَّ فِعْلَ مَا ذُكِرَ يَخْرُجُ بِهِ الْفَاعِلُ عَنْ زِيِّ الْكُفَّارِ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ هَذِهِ الْعَلَامَةَ لَا يَهْتَدِي بِهَا لِتَمْيِيزِ الْمُسْلِمِ عَنْ غَيْرِهِ حَيْثُ كَانَتْ الْعِمَامَةُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ زِيِّ الْكُفَّارِ خَاصَّةً، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْحُرْمَةِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ لُبْسِ طُرْطُورِ الْيَهُودِيِّ مَثَلًا عَلَى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ فَيُعَزَّرُ فَاعِلُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَبِالْمَجُوسِ الْأَسْوَدُ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَبِالْمَجُوسِ الْأَحْمَرُ أَوْ الْأَسْوَدُ وَلَمْ يَذْكُرْ السَّامِرِيَّ (قَوْلُهُ وَبِالسَّامِرِيِّ) مُرَادُهُ مَنْ يَعْبُدُ الْكَوَاكِبَ (قَوْلُهُ: تُخَالِفُ لَوْنَ خُفَّيْهَا) أَيْ أَوْ بِزُنَّارٍ تَجْعَلُهُ تَحْتَ ثِيَابِهَا وَتُظْهِرُ بَعْضَهُ كَمَا صَرَّحَ بِالِاكْتِفَاءِ بِهِ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَلَعَلَّ اقْتِصَارَ الشَّارِحِ عَلَى تَخَالُفِ الْخُفَّيْنِ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي التَّمْيِيزِ (قَوْلُهُ: بِمَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ فِي الْعَادَةِ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ حَيْثُ غَلَبَتْ هَيْئَتُهُ لِلرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ حَرُمَ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهَا التَّلَبُّسُ بِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْبِيهِ وَفِي فَصْلِ اللِّبَاسِ مَا قَدْ يُخَالِفُهُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَيُمْتَنَعُ إبْدَالُهُ) أَيْ إبْدَالُ الزُّنَّارِ حَيْثُ أَمَرَ بِهِ الْإِمَامُ فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَيَكْفِي عَنْهُ: أَيْ الْغِيَارِ نَحْوُ مِنْدِيلٍ مَعَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَتُمْنَعُ الذِّمِّيَّةُ) أَيْ فَلَوْ لَمْ تُمْنَعْ حَرُمَ عَلَى الْمُسْلِمَةِ الدُّخُولُ مَعَهَا حَيْثُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ نَظَرُ الذِّمِّيَّةِ لِمَا لَا يَبْدُو مِنْهَا عِنْدَ الْمِهْنَةِ وَحَرُمَ عَلَى زَوْجِهَا أَيْضًا تَمْكِينُهَا

(قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ نَصْبُهُ)

[حاشية الرشيدي]

بِرِضَا الْإِسْلَامِ وَعَدَمِهِ لَا كَوْنُهُ مِنْ حُقُوقِ الْإِسْلَامِ أَوْ عَدَمُهُ فَتَأَمَّلْ

(قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْغَيْنِ) أَيْ كَمَا نَقَلَ عَنْ خَطِّ الْمُصَنِّفِ، وَحَكَى الْأَذْرَعِيُّ عَنْ غَيْرِهِ الْفَتْحَ أَيْضًا (قَوْلُهُ بِتَخَالُفِ لَوْنِ خُفَّيْهَا) أَيْ بِأَنْ يَكُونَا بِلَوْنَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا بِلَوْنٍ (قَوْلُهُ: وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْغِيَارِ وَالزُّنَّارِ (قَوْلُهُ: وَثَمَّ مُسْلِمٌ) أَيْ وَلَوْ غَيْرَ مُتَجَرِّدٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِحُصُولِ الْإِلْبَاسِ (قَوْلُهُ بِالرَّفْعِ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: لَعَلَّ وَجْهَهُ كَوْنُهُ عَطْفًا عَلَى خَاتَمٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ نَائِبُ فَاعِلٍ جُعِلَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ لَكِنْ يَجُوزُ بِنَاؤُهُ لِلْفَاعِلِ فَيَجُوزُ نَصْبُ خَاتَمٍ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ أَوَّلٌ لَهُ وَلِهَذَا

عَطْفًا عَلَى شِرْكًا (فِي عُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُمَا أَبْنَاءُ اللَّهِ وَالْقُرْآنُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ اللَّهِ (وَمِنْ إظْهَارِ) مُنْكَرٍ بَيْنَنَا نَحْوِ (خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَنَاقُوسٍ) وَهُوَ مَا تَضْرِبُ بِهِ النَّصَارَى إعْلَامًا بِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ (وَعِيدٍ) وَنَحْوِ لَطْمٍ وَنَوْحٍ وَقِرَاءَةِ نَحْوِ تَوْرَاةٍ وَإِنْجِيلٍ وَلَوْ بِكَنَائِسِهِمْ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَفَاسِدَ لِإِظْهَارِ شِعَارِ الْكُفْرِ، فَإِنْ انْتَفَى الْإِظْهَارُ فَلَا مَنْعَ، وَمَتَى أَظْهَرُوا خَمْرًا أُرِيقَتْ وَيُتْلَفُ نَاقُوسٌ أُظْهِرَ، وَمَرَّ ضَابِطُ الْإِظْهَارِ فِي الْغَصْبِ وَيُحَدُّونَ لِنَحْوِ زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ لَا خَمْرٍ (وَلَوْ شُرِطَتْ) عَلَيْهِمْ (هَذِهِ الْأُمُورُ) الَّتِي يُمْنَعُونَ مِنْهَا: أَيْ شُرِطَ عَلَيْهِمْ الِامْتِنَاعُ مِنْهَا وَإِنْ فَعَلُوا كَانُوا نَاقِضِينَ (فَخَالَفُوا) مَعَ تَدَيُّنِهِمْ بِهَا (لَمْ يُنْقَضْ الْعَهْدُ) إذْ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ ضَرَرٍ عَلَيْنَا لَكِنْ يُبَالِغُ فِي تَعْزِيرِهِمْ حَتَّى يَمْتَنِعُوا مِنْهَا (وَلَوْ) (قَاتَلُونَا) مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ (أَوْ امْتَنَعُوا) تَغَلُّبًا أَوْ (مِنْ) بَذْلِ (الْجِزْيَةِ) الَّتِي عُقِدَ بِهَا لِغَيْرِ عَجْزٍ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ (أَوْ مِنْ إجْرَاءِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ) عَلَيْهِمْ (انْتَقَضَ) عَهْدُ الْمُمْتَنِعِ وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِإِتْيَانِهِ بِنَقِيضِ عَهْدِ الذِّمَّةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَمَّا الْمُوسِرُ الْمُمْتَنِعُ بِغَيْرِ نَحْوِ قِتَالٍ فَتُؤْخَذُ مِنْهُ قَهْرًا وَلَوْ قَاتَلَ بِشُبْهَةٍ مِمَّا مَرَّ فِي الْبُغَاةِ أَوْ دَفْعًا لِلصَّائِلِينَ أَوْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ هُنَا لَمْ يُنْتَقَضْ (وَلَوْ) (زَنَى) ذِمِّيٌّ (بِمُسْلِمَةٍ) أَوْ لَاطَ بِمُسْلِمٍ (أَوْ أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ) أَيْ بِصُورَتِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِإِسْلَامِهَا فِيهِمَا وَمِثْلُ الزِّنَى مُقَدِّمَاتُهُ كَمَا قَالَهُ النَّاشِرِيُّ أَوْ

(دَلَّ أَهْلَ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ) أَيْ خَلَلٍ (لِلْمُسْلِمِينَ) كَضَعْفٍ (أَوْ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ) أَوْ دَعَاهُ لِكُفْرٍ (أَوْ طَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ الْقُرْآنِ أَوْ ذَكَرَ) جَهْرًا اللَّهَ تَعَالَى أَوْ (رَسُولَ اللَّهِ) أَوْ الْقُرْآنَ أَوْ نَبِيًّا (بِسُوءٍ) مِمَّا لَا يَتَدَيَّنُونَ بِهِ أَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا عَمْدًا (أَوْ قَذَفَهُ) (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ شُرِطَ انْتِقَاضُ الْعَهْدِ بِهَا انْتَقَضَ) بِمُخَالَفَتِهِ الشَّرْطَ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ شَكَّ هَلْ شَرَطَ أَوْ لَا فِي الْأَوْجَهِ (فَلَا) يُنْتَقَضُ لِانْتِفَاءِ إخْلَالِهَا بِمَقْصُودِ الْعَقْدِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ صَحَّحَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَدَمَ النَّقْضِ مُطْلَقًا وَسَوَاءٌ انْتَقَضَ أَمْ لَا نُقِيمُ عَلَيْهِ مُوجِبَ فِعْلِهِ مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ، فَلَوْ رَجَمَ وَقُلْنَا بِانْتِقَاضِهِ صَارَ

[حاشية الشبراملسي]

وَهُوَ أَوْلَى إذْ لَا طَرِيقَ إلَى مَنْعِهِمْ مِنْ مُطْلَقِ الْقَوْلِ: أَيْ لِكُلٍّ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى (قَوْلُهُ: وَنَحْوَ لَطْمٍ) أَيْ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْأُمُورِ الْمُنْكَرَةِ (قَوْلُهُ: وَمَرَّ ضَابِطُ الْإِظْهَارِ فِي الْغَصْبِ) أَيْ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ بِلَا تَجَسُّسٍ (قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ) الْأَوْلَى حَذْفُ أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ امْتَنَعُوا مِمَّا يُخَالِفُ بَذْلَ الْجِزْيَةِ وَإِجْرَاءُ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَعِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ: قَوْلُهُ أَبَوْا جِزْيَةً أَطْلَقَهُ تَبَعًا لِأَصْلِهِ، وَقَدْ حَمَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا تَبَعًا لِلْإِمَامِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهَا عِنَادًا (قَوْلُهُ: لِغَيْرِ عَجْزٍ) لَمْ يُبَيِّنْ مُحْتَرَزَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِيهِ بِالِانْتِقَاضِ حَيْثُ لَمْ تَقْتَضِ الْمَصْلَحَةُ عَدَمَهُ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ الْآتِي أَمَّا الْمُوسِرُ الْمُمْتَنِعُ بِغَيْرِ نَحْوِ قِتَالٍ فَتُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى مُوسِرٍ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ امْتِنَاعِهِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي نَقْضِ عَهْدِهِ كَمَا لَوْ كَانَ امْتِنَاعُهُ مِنْ الْأَدَاءِ يُؤَدِّي إلَى خُرُوجِ غَيْرِهِ عَنْ الِانْقِيَادِ لِبَذْلِهَا أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يُطْلَبُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: فَتُؤْخَذُ مِنْهُ قَهْرًا) أَيْ وَلَا انْتِقَاضَ

(قَوْلُهُ: فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إلَخْ) لَا يُقَالُ: هَذَا مُنَافٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمْ لَوْ أَسْمَعُوا الْمُسْلِمِينَ شِرْكًا أَوْ أَظْهَرُوا الْخَمْرَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُمْ وَإِنْ شُرِطَ عَلَيْهِمْ الِانْتِقَاضُ.
لِأَنَّا نَقُولُ: مَا تَقَدَّمَ فِيمَا يَتَدَيَّنُونَ بِهِ أَوْ يُقَرُّونَ عَلَى أَصْلِهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَمَا هُنَا فِيمَا لَا يَتَدَيَّنُونَ بِهِ وَيَحْصُلُ مِنْهُ أَذًى لَنَا كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي: أَمَّا مَا يَتَدَيَّنُ بِهِ كَزَعْمِهِمْ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوْ أَنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ فَلَا نَقْضَ بِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: إنَّ شَرَطَ انْتِقَاضَ الْعَهْدِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ هَذَا التَّفْصِيلُ فِيمَا لَوْ ضَرَبَ الْمُسْلِمُ (قَوْلُهُ: انْتَقَضَ) أَيْ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْحَرْبِيِّينَ حَتَّى لَوْ عَفَتْ وَرَثَةُ الْمُسْلِمِ الَّذِي قَتَلَهُ عَمْدًا عَنْهُ قُتِلَ لِلْحِرَابَةِ وَيَجُوزُ إغْرَاءُ الْكِلَابِ عَلَى جِيفَتِهِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ) أَيْ التَّفْصِيلُ (قَوْلُهُ: مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ) وَمِنْهُ قَتْلُهُ بِالْمُسْلِمِ إذَا قَتَلَهُ عَمْدًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَقُلْنَا بِانْتِقَاضِهِ) مَرْجُوحٌ

[حاشية الرشيدي]

نُقِلَ عَنْ ضَبْطِ الْمُتَقَدِّمِينَ تَثْلِيثُ نَحْوِ اهـ

(قَوْلُهُ: وَأَنَّهُمَا أَبْنَاءُ اللَّهِ) الصَّوَابُ حَذْفُ الْوَاوِ كَمَا فِي التُّحْفَةِ، إذْ هَذَا بَدَلٌ

مَالُهُ فَيْئًا، أَمَّا مَا يَتَدَيَّنُ بِهِ كَزَعْمِهِمْ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوْ أَنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ فَلَا نَقْضَ بِهِ مُطْلَقًا قَطْعًا (وَمَنْ انْتَقَضَ عَهْدُهُ بِقِتَالٍ جَازَ) بَلْ وَجَبَ (دَفْعُهُ بِهِ وَقِتَالُهُ) وَلَا يُبَلَّغُ الْمَأْمَنَ لِعِظَمِ خِيَانَتِهِ وَمِنْ ثَمَّ جَازَ قَتْلُهُ وَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِغَيْرِهِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَيُتَّجَهُ أَيْضًا أَنَّ مَحَلَّهُ فِي كَامِلٍ فَفِي غَيْرِهِ يُدْفَعُ بِالْأَخَفِّ لِأَنَّهُ إذَا انْدَفَعَ بِهِ كَانَ مَالًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَفِي عَدَمِ الْمُبَادَرَةِ إلَى قَتْلِهِ مَصْلَحَةٌ لَهُمْ فَلَا يَفُوتُ عَلَيْهِمْ (أَوْ بِغَيْرِهِ) أَيْ الْقِتَالِ (لَمْ يَجِبْ إبْلَاغُهُ مَأْمَنَهُ فِي الْأَظْهَرِ بَلْ يَخْتَارُ الْإِمَامُ فِيهِ) إنْ لَمْ يَطْلُبْ تَجْدِيدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَإِلَّا وَجَبَتْ إجَابَتُهُ (قَتْلًا وَرِقًّا) الْوَاوُ هُنَا وَبَعْدُ بِمَعْنَى أَوْ وَآثَرَهَا لِأَنَّهَا أَجْوَدُ فِي التَّقْسِيمِ عِنْدَ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ (وَمَنًّا وَفِدَاءً) لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ أُبْطِلَ أَمَانُهُ، وَبِهِ فَارَقَ مَنْ دَخَلَ بِأَمَانٍ نَحْوِ الصَّبِيِّ ظَنَّهُ أَمَانًا، وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَهُمَا فِي الْهُدْنَةِ مَنْ دَخَلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ أَوْ هُدْنَةٍ لَا يُقَاتَلُ وَإِنْ انْتَقَضَ عَهْدُهُ بَلْ يُبَلَّغُ الْمَأْمَنَ مَعَ أَنَّ حَقَّ الذِّمِّيِّ آكَدُ لِأَنَّ جِنَايَةَ الذِّمِّيِّ أَفْحَشُ لِمُخَالَطَتِهِ لَنَا خُلْطَةً أَلْحَقَتْهُ بِأَهْلِ الدَّارِ فَغُلِّظَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ (فَإِنْ) (أَسْلَمَ) مَنْ انْتَقَضَ عَهْدُهُ (قَبْلَ الِاخْتِيَارِ) (امْتَنَعَ الرِّقُّ) وَالْقَتْلُ وَالْفِدَاءُ، بِخِلَافِ الْأَسِيرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي يَدِ الْإِمَامِ بِالْقَهْرِ وَلَهُ أَمَانٌ مُتَقَدِّمٌ فَخَفَّ أَمْرُهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْمَنُّ (وَإِذَا بَطَلَ أَمَانُ رِجَالٍ) حَصَلَ بِجِزْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُ) ذَرَارِيِّهِمْ مِنْ نَحْوِ (نِسَائِهِمْ وَالصِّبْيَانُ فِي الْأَصَحِّ) لِانْتِفَاءِ جِنَايَةٍ مِنْهُمْ نَاقِضَةٍ أَمَانَهُمْ، وَإِنَّمَا تَبِعُوا فِي الْعَقْدِ دُونَ النَّقْضِ تَغْلِيبًا لِلْعِصْمَةِ فِيهِمَا، وَالثَّانِي يَبْطُلُ تَبَعًا لَهُمْ كَمَا تَبِعُوهُمْ فِي الْأَمَانِ وَرُدَّ بِمَا مَرَّ، وَلَوْ طَلَبُوا دَارَ الْحَرْبِ أُجِيبَ النِّسَاءُ دُونَ الصِّبْيَانِ إذْ لَا اخْتِيَارَ لَهُمْ (وَإِذَا اخْتَارَ ذِمِّيٌّ نَبْذَ الْعَهْدِ وَاللُّحُوقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بُلِّغَ الْمَأْمَنَ) وَهُوَ الْمَحَلُّ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَقْرَبِ بِلَادِهِمْ لِعَدَمِ ظُهُورِ جِنَايَةٍ مِنْهُ.

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ فَلَا يَفُوتُ عَلَيْهِمْ) أَيْ فَلَوْ خَالَفَ وَقَتَلَهُ ابْتِدَاءً لَمْ يَضْمَنْهُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا وَجَبَتْ إجَابَتُهُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ سُؤَالَهُ نَفْيُهُ فَقَطْ.

[حاشية الرشيدي]

مِنْ الْقَبِيحِ وَهُوَ الْمُرَادُ

كِتَابُ الْهُدْنَةِ (قَوْلُهُ: لِمُخَالَطَتِهِ لَنَا) جَرَى عَلَى الْغَالِبِ (قَوْلُهُ: بَلَغَ الْمَأْمَنَ) قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ: وَالْمُرَادُ بِهِ أَقْرَبُ بِلَادِ الْحَرْبِ مِنْ دَارِنَا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: هَذَا فِي النَّصْرَانِيِّ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْيَهُودِيُّ فَلَا مَأْمَنَ لَهُ نَعْلَمُهُ بِالْقُرْبِ مِنْ دِيَارِ الْإِسْلَامِ بَلْ دِيَارُ الْحَرْبِ كُلُّهُمْ نَصَارَى فِيمَا أَحْسِبُ وَهْم أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَّا، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْيَهُودِيِّ اخْتَرْ لِنَفْسِك مَأْمَنًا وَاللُّحُوقَ بِأَيِّ دِيَارِ الْحَرْبِ شِئْت.

كِتَابُ الْهُدْنَةِ مِنْ الْهُدُونِ وَهُوَ السُّكُونُ لِسُكُونِ الْفِتْنَةِ بِهَا، إذْ هِيَ لُغَةً الْمُصَالَحَةُ، وَشَرْعًا: مُصَالَحَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ الْمُدَّةَ الْآتِيَةَ بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتُسَمَّى مُوَادَعَةً وَمُسَالَمَةً وَمُعَاهَدَةً وَمُهَادَنَةً.
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ أَوَّلُ سُورَةِ بَرَاءَةَ «وَمُهَادَنَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ» ، وَكَانَتْ سَبَبًا لِفَتْحِ مَكَّةَ لِأَنَّ أَهْلَهَا لَمَّا خَالَطُوا الْمُسْلِمِينَ وَسَمِعُوا الْقُرْآنَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ أَكْثَرُ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَبْلُ، وَهِيَ جَائِزَةٌ لَا وَاجِبَةٌ أَصَالَةً، وَإِلَّا فَالْأَوْجَهُ وُجُوبُهَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهَا لُحُوقُ ضَرَرٍ لَنَا لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (عَقْدُهَا) لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ أَوْ (لِكُفَّارِ إقْلِيمٍ) كَالْهِنْدِ (يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ) وَمِثْلُهُ مُطَاعٌ بِإِقْلِيمٍ لَا يَصِلُهُ حُكْمُ الْإِمَامِ كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي نَظَائِرِهِ (وَنَائِبُهُ فِيهَا) وَحْدَهَا أَوْ مَعَ غَيْرِهَا وَلَوْ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْخَطَرِ وَوُجُوبُ رِعَايَةِ مَصْلَحَتِنَا (وَ) عَقْدُهَا (لِبَلْدَةٍ) أَوْ أَكْثَرَ وَلَوْ لِجَمِيعِ أَهْلِ إقْلِيمِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعُمْرَانِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَشَمَلَ ذَلِكَ مَا لَوْ فَعَلَهُ الْوَالِي بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ (يَجُوزُ لِوَالِي الْإِقْلِيمِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى مَصَالِحِهِ، وَبَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ جَوَازَهَا مَعَ بَلْدَةٍ مُجَاوِرَةٍ لِإِقْلِيمِهِ حَيْثُ رَآهُ مَصْلَحَةً فِيهَا لِأَهْلِ إقْلِيمِهِ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مِنْ تَعَلُّقَاتِ إقْلِيمِهِ، نَعَمْ قَوْلُهُ إنَّهُ يَتَعَيَّنُ اسْتِئْذَانُ الْإِمَامِ عِنْدَ إمْكَانِهِ يَظْهَرُ حَمْلُهُ حَيْثُ تَرَدَّدَ فِي وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ (وَإِنَّمَا تُعْقَدُ لِمَصْلَحَةٍ كَضَعْفِنَا بِقِلَّةِ عَدَدٍ وَأُهْبَةٍ) إذْ هُوَ الْحَامِلُ عَلَى الْمُهَادَنَةِ عَامَ

[حاشية الشبراملسي]

كِتَابُ الْهُدْنَةِ (قَوْلُهُ: عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ) الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: وَشَرْعًا عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ مُصَالَحَةَ أَهْلِ الْحَرْبِ إلَخْ، وَكَأَنَّهُ عَبَّرَ بِمَا ذُكِرَ قَصْدًا لِلْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَاللُّغَوِيِّ مَعَ كَوْنِ الْمَقْصُودِ مَعْلُومًا مِنْ اشْتِرَاطِ الصِّيغَةِ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمُؤَثِّرِ بِاسْمِ الْأَثَرِ أَوْ السَّبَبِ بِاسْمِ الْمُسَبَّبِ (قَوْلُهُ: بِإِقْلِيمٍ لَا يَصِلُهُ) أَيْ لِبُعْدِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ لِجَمِيعِ أَهْلِ إقْلِيمِهِ) عَلَى هَذَا فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ عَقَدَهَا لِكُفَّارِ إقْلِيمٍ يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ وَنَائِبِهِ فِيهَا فَإِنَّ الْحَاصِلَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْوَالِي كَمَا يَعْقِدُ لِكُفَّارِ بَلَدِهِ يَعْقِدُ لِجَمِيعِ الْإِقْلِيمِ وَبِهِ سَاوَى الْإِمَامَ وَنَائِبَهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَشَارَ بِمَا ذَكَرَهُ إلَى أَنَّ فِي عَقْدِهَا مِنْ وَالِي الْإِقْلِيمِ لِجَمِيعِ أَهْلِهِ خِلَافًا فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: وَشَمَلَ ذَلِكَ) أَيْ قَوْلُهُ وَلَوْ لِجَمِيعِ أَهْلِ إقْلِيمِهِ (قَوْلُهُ: حَيْثُ رَآهُ مَصْلَحَةً) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: لِأَهْلِ إقْلِيمِهِ) قَضِيَّةُ التَّقْيِيدِ بِأَهْلِ إقْلِيمِهِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي جَوَازِ عَقْدِهَا لَهُمْ ظُهُورُ مَصْلَحَةٍ لِغَيْرِ إقْلِيمِهِ كَالْأَمْنِ لِمَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ تَوْلِيَتَهُ تَقْتَضِي فِعْلَ الْمَصْلَحَةِ الْأَصْلِ لِلْإِمَامِ الْوَالِي الْمَذْكُورِ لَمْ تَشْمَلْهُ (قَوْلُهُ: حَيْثُ تَرَدَّدَ) أَيْ أَمَّا حَيْثُ ظَهَرَتْ لَهُ الْمَصْلَحَةُ بِلَا تَرَدُّدٍ فَلَا يَجِبُ الِاسْتِئْذَانُ وَيَصْدُقُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ تَوْلِيَةَ الْإِمَامِ اسْتِئْمَانٌ لَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا وَلَّاهُ فِيهِ، ثُمَّ

[حاشية الرشيدي]

[كِتَابُ الْهُدْنَةِ]

بَابُ الْهُدْنَةِ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ مُطَاعٌ) أَيْ فِي أَنَّهُ يَعْقِدُ لِأَهْلِ إقْلِيمِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ لِجَمِيعِ أَهْلِ إقْلِيمِهِ) فِيهِ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ وَكَذَا الْإِشَارَةُ الْآتِيَةُ (قَوْلُهُ: وَتَعَيَّنَ) اسْتِئْذَانُ الْإِمَامِ هُوَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى جَوَازِهَا

الْحُدَيْبِيَةِ (أَوْ) عُطِفَ عَلَى ضَعْفٍ (رَجَاءَ إسْلَامِهِمْ أَوْ بَذْلَ جِزْيَةٍ) أَوْ إعَانَتَهُمْ لَنَا أَوْ كَفَّهُمْ عَنْ الْإِعَانَةِ عَلَيْنَا أَوْ بُعْدَ دَارِهِمْ وَلَوْ مَعَ قُوَّتِنَا فِي الْجَمِيعِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) بِنَا ضَعْفٌ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهَا (جَازَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) وَلَوْ بِدُونِ غَرَضٍ لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ (لَا سَنَةً) لِأَنَّهَا مُدَّةُ الْجِزْيَةِ فَامْتَنَعَ تَقْرِيرُهُمْ فِيهَا بِدُونِ جِزْيَةٍ (وَكَذَا دُونَهَا) وَفَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (فِي الْأَظْهَرِ) لِلْآيَةِ أَيْضًا، نَعَمْ عَقْدُهَا لِنَحْوِ نِسَاءٍ وَمَالٍ لَا يَتَقَيَّدُ بِمُدَّةٍ، وَالثَّانِي يَجُوزُ لِنَقْصِهَا عَنْ مُدَّةِ الْجِزْيَةِ (وَلِضَعْفٍ) بِنَا (تَجُوزُ عَشْرَ سِنِينَ) فَمَا دُونَهَا بِحَسَبِ الْحَاجَةِ (فَقَطْ) لِأَنَّهَا مُدَّةُ مُهَادَنَةِ قُرَيْشٍ وَيُمْتَنَعُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ مَعَ الضَّعْفِ، وَقَوْلُ جَمْعٍ بِجَوَازِهَا عَلَى الْعَشْرِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي عُقُودٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَزِيدَ كُلُّ عَقْدٍ عَلَى عَشَرَةٍ، وَهُوَ قِيَاسُ كَلَامِهِمْ فِي الْوَقْفِ وَغَيْرِهِ صَحِيحٌ وَإِنْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ غَرِيبٌ، وَقَالَ: إنَّ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِيَ الْمَنْعَ مَا زَادَ عَلَى الْعَشْرِ مِنْ كَوْنِهَا الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا مَعَ عَدَمِ عِلْمِنَا بِمَا يَقَعُ بَعْدَهَا مَوْجُودٌ مَعَ التَّعَدُّدِ فَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلنَّصِّ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، وَبِهِ فَارَقَ نَظَائِرَهُ.
نَعَمْ إنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ مَعَ بَقَاءِ الْحَاجَةِ اسْتَأْنَفْنَا عَقْدًا آخَرَ وَهَكَذَا، وَلَوْ زَالَ نَحْوُ خَوْفٍ أَثْنَاءَهَا وَجَبَ إبْقَاؤُهَا وَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ عِنْدَ طَلَبِهِمْ لَهَا وَلَا ضَرَرَ وَيَفْعَلُ الْأَصْلَحَ وُجُوبًا

وَلَوْ دَخَلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ لِسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ فَتَكَرَّرَ سَمَاعُهُ لَهُ بِحَيْثُ ظُنَّ عِنَادُهُ أُخْرِجَ وَلَا يُمْهَلُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ (وَمَتَى زَادَ) الْعَقْدُ (عَلَى الْجَائِزِ) مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ عَشْرِ سِنِينَ (فَقَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ) فَيَصِحُّ فِي الْجَائِزِ وَيَبْطُلُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا مَرَّ مِنْ كَوْنِ نَحْوِ نَاظِرِ الْوَقْفِ لَوْ زَادَ عَلَى الْمُدَّةِ الْجَائِزَةِ بِلَا عُذْرٍ بَطَلَ فِي الْكُلِّ لِظُهُورِ الْفَرْقِ وَهُوَ أَنَّ الْغَرَضَ هُنَا النَّظَرُ لِحَقْنِ الدِّمَاءِ وَلِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ جَوَازَ الْهُدْنَةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فُرُوعِي ذَلِكَ مَا أَمْكَنَ (وَإِطْلَاقُ الْعَقْدِ) عَنْ ذِكْرِ الْمُدَّةِ فِي غَيْرِ نَحْوِ النِّسَاءِ لِمَا مَرَّ (يُفْسِدُهُ) لِاقْتِضَائِهِ التَّأْبِيدَ الْمُمْتَنِعَ، وَلَا يُنَافِيهِ تَنْزِيلُ الْأَمَانِ الْمُطْلَقِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ هُنَا أَخْطَرُ لِتَشَبُّثِهِمْ بِعَقْدٍ يُشْبِهُ عَقْدَ الْجِزْيَةِ (وَكَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ) اقْتَرَنَ بِالْعَقْدِ فَيُفْسِدُهُ أَيْضًا (عَلَى الصَّحِيحِ بِأَنْ) أَيْ كَأَنْ (شَرَطَ) فِيهِ (مَنْعَ فَكِّ

[حاشية الشبراملسي]

إنْ أَخْطَأَ بِأَنْ ظَنَّ مَصْلَحَةً ثُمَّ عَلِمَ الْإِمَامُ بِعَدَمِهَا نَقَضَهَا بَلْ يُحْتَمَلُ تَبَيُّنُ فَسَادِ الْمُهَادَنَةِ لِوُقُوعِهَا عَلَى غَيْرِ مَا يَجُوزُ فِعْلُهُ (قَوْلُهُ: أَوْ بُعْدِ دَارِهِمْ) يُتَأَمَّلُ وَجْهُ الْمَصْلَحَةِ فِي الْهُدْنَةِ لِمُجَرَّدِ بُعْدِ دَارِهِمْ، وَقَدْ يُقَالُ هِيَ أَنَّ مُحَارَبَةَ الْكُفَّارِ مَا دَامُوا عَلَى الْحِرَابَةِ وَاجِبَةٌ، وَهِيَ مَعَ بُعْدِ الدَّارِ تُوجِبُ مَشَقَّةً عَظِيمَةً فِي تَجْهِيزِ الْجُيُوشِ إلَيْهِمْ وَبِالْمُهَادَنَةِ يَكْفِي ذَلِكَ حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا) أَيْ الْعَشْرُ (قَوْلُهُ: مُدَّةُ مُهَادَنَةِ قُرَيْشٍ) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِنَقْضِ ذَلِكَ وَفَتْحِ مَكَّةَ بَعْدَ مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ جَمْعٍ بِجَوَازِهَا) أَيْ الزِّيَادَةِ (قَوْلُهُ: صَحِيحٌ) وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا اعْتَمَدَهُ فِي الْإِجَارَةِ وَالْوَقْفِ مِنْ الْبُطْلَانِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْعَقْدِ الْأَوَّلِ حَيْثُ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ مَثَلًا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى حَقْنِ الدِّمَاءِ مَا أَمْكَنَ أَخْذًا مِمَّا سَيَأْتِي فِيمَا لَوْ آجَرَ النَّاظِرُ أَكْثَرَ مِنْ الْمُدَّةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: عِنْدَ طَلَبِهِمْ لَهَا) أَيْ الْهُدْنَةِ

(قَوْلُهُ: فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ) وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الْأَوَّلُ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ نَحْوِ النِّسَاءِ) أَيْ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَالْخَنَاثَى وَالْمَالِ (قَوْلُهُ: لِتَشَبُّثِهِمْ) أَيْ تَعَلُّقِهِمْ (قَوْلُهُ: بِعَقْدٍ يُشْبِهُ عَقْدَ الْجِزْيَةِ) لَعَلَّ وَجْهَ الشَّبَهِ أَنَّ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: بِنَا ضَعْفٌ) إنَّمَا قَصَرَ الْمَتْنَ عَلَى هَذَا مَعَ خُرُوجِهِ عَنْ الظَّاهِرِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إلَّا عِنْدَ الضَّعْفِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْقُوَّةِ أَصْلًا وَإِنْ اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَانْدَفَعَ مَا لِلشِّهَابِ ابْنِ قَاسِمٍ هُنَا، وَكَأَنَّهُ نَظَرَ فِيهِ إلَى مُجَرَّدِ الْمَنْطُوقِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ غَرِيبٌ) الزَّاعِمُ هُوَ الْأَذْرَعِيُّ وَالْمُوَجِّهُ لَهُ بِمَا يَأْتِي هُوَ ابْنُ حَجَرٍ، فَصَوَابُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ وَإِنْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ غَرِيبٌ وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمَعْنَى إلَخْ (قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ إلَخْ)

أَسْرَانَا) مِنْهُمْ (أَوْ تَرْكَ مَا) اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ (لَنَا) الصَّادِقُ بِأَحَدِنَا بَلْ الْمُتَّجَهُ أَنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ كَذَلِكَ (لَهُمْ) الصَّادِقُ بِأَحَدِهِمْ بَلْ الْأَوْجَهُ أَيْضًا أَنَّ شَرْطَ تَرْكِهِ لِذِمِّيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ كَذَلِكَ أَوْ رَدِّ مُسْلِمٍ أَسِيرٍ أَفْلَتَ مِنْهُمْ أَوْ سُكْنَاهُمْ الْحِجَازَ أَوْ إظْهَارِهِمْ الْخَمْرَ بِدَارِنَا أَوْ أَنْ نَبْعَثَ لَهُمْ مَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ لَا التَّخْلِيَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَيَأْتِي شَرْطُ رَدِّ مُسْلِمَةٍ تَأْتِينَا مِنْهُمْ (أَوْ) فَعَلَتْ (لَتَعْقِدَ لَهُمْ ذِمَّةً بِدُونِ دِينَارٍ) لِكُلِّ وَاحِدٍ (أَوْ) لِأَجْلِ أَنَّ (بِدَفْعِ مَالٍ) مِنَّا (إلَيْهِمْ) لِمُنَافَاةِ جَمِيعِ ذَلِكَ عِزَّةَ الْإِسْلَامِ، نَعَمْ لَوْ اُضْطُرِرْنَا لِبَذْلِ مَالٍ لِفِدَاءِ أَسْرَى يُعَذِّبُونَهُمْ أَوْ لِإِحَاطَتِهِمْ بِنَا وَخِفْنَا اسْتِئْصَالَهُمْ لَنَا وَجَبَ بَذْلُهُ وَلَا يَمْلِكُونَ ذَلِكَ لِفَسَادِ الْعَقْدِ حِينَئِذٍ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلُهُمْ يُنْدَبُ فَكُّ الْأَسْرَى لِأَنَّ مَحَلَّهُ فِي غَيْرِ الْمُعَذَّبِينَ إذَا أَمِنَ مِنْ قَتْلِهِمْ، وَمَا ادَّعَاهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ النَّدْبَ لِلْآحَادِ وَالْوُجُوبَ عَلَى الْإِمَامِ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَيُتَّجَهُ أَنَّ مَحَلَّ جَمِيعِ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْأَسْرَى بِبِلَادِهِمْ لِأَنَّ فَكَّهُمْ قَهْرًا حِينَئِذٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمْ مَا لَا يُطَاقُ.

أَمَّا إذَا أَسَرَتْ طَائِفَةٌ مُسْلِمًا وَمَرُّوا بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْمُكَافِئِينَ فَتَجِبُ مُبَادَرَتُهُمْ إلَى فَكِّهِ بِكُلِّ وَجْهٍ مُمْكِنٍ، إذْ لَا عُذْرَ لَهُمْ فِي تَرْكِهِ حِينَئِذٍ (وَتَصِحُّ الْهُدْنَةُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا الْإِمَامُ) أَوْ مُسْلِمٌ ذَكَرٌ مُعَيَّنٌ عَدْلٌ ذُو رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ يَعْرِفُ مَصْلَحَتَنَا فِي فِعْلِهَا وَتَرْكِهَا (مَتَى شَاءَ) وَلَا تَجُوزُ مَشِيئَةُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ قُوَّتِنَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ عِنْدَ ضَعْفِنَا وَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَإِنَّمَا قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعِلْمِهِ بِهِ بِالْوَحْيِ، وَلِإِمَامٍ تَوَلَّى بَعْدَ عَقْدِهَا نَقْضُهَا إنْ كَانَتْ فَاسِدَةً بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ (وَمَتَى صَحَّتْ وَجَبَ) عَلَيْنَا (الْكَفُّ عَنْهُمْ) لِأَذَانَا أَوْ أَذَى أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ بِبِلَادِنَا فِيمَا يَظْهَرُ بِخِلَافِ أَذَى أَهْلِ الْحَرْبِ وَبَعْضِ أَهْلِ الْهُدْنَةِ (حَتَّى تَنْقَضِيَ) مُدَّتُهَا أَوْ يَنْقُضَهَا مَنْ عُلِّقَتْ بِمَشِيئَتِهِ أَوْ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ بِطَرِيقِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (أَوْ يَنْقُضُوهَا) هُمْ وَنَقْضُهَا مِنْهُمْ يَحْصُلُ (بِتَصْرِيحٍ) مِنْهُمْ (أَوْ) بِنَحْوِ (قِتَالِنَا أَوْ مُكَاتَبَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِعَوْرَةٍ لَنَا أَوْ قَتْلِ مُسْلِمٍ) أَوْ ذِمِّيٍّ بِدَارِنَا أَوْ فِعْلِ شَيْءٍ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِي نَقْضِ عَقْدِ الذِّمَّةِ بِهِ مِمَّا مَرَّ وَغَيْرِهِ لِعَدَمِ تَأَكُّدِهَا بِبَذْلِ جِزْيَةٍ أَوْ إيوَاءِ عَيْنٍ لِلْكُفَّارِ أَوْ

[حاشية الشبراملسي]

عَقْدَ الْهُدْنَةِ لَا يَكُونُ مِنْ الْآحَادِ.
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ لِمَصْلَحَةٍ (قَوْلُهُ: اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ) أَفَادَ هَذَا أَنَّ مَا لَنَا بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَالِ لِيَشْمَلَ نَحْوَ الِاخْتِصَاصَاتِ وَالْوَقْفِ وَيَجُوزُ جَرُّهُ أَيْضًا (قَوْلُهُ: أَنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ) الْأَنْسَبُ بِحِلِّهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ مَا لَنَا أَنْ تُجْعَلَ اللَّامُ فِي مَالِ الذِّمِّيِّ جَارَّةً فَتُحْذَفَ الْأَلْفُ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ جَرُّهُ) وَيُرْسَمُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ دُونَ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ (قَوْلُهُ: وَجَبَ بَدَلُهُ) أَيْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ وُجِدَ فِيهِ شَيْءٌ وَإِلَّا فَمِنْ مَيَاسِيرِ الْمُسْلِمِينَ وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَأْسُورِ مَالٌ وَإِلَّا قُدِّمَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ) أَيْ وُجُوبُ الْبَذْلِ لِفَكِّ الْأَسْرَى

(قَوْلُهُ: إذْ لَا عُذْرَ لَهُمْ فِي تَرْكِهِ) أَيْ وَإِنْ تَوَقَّفَ الْفَكُّ عَلَى بَذْلِ مَالٍ وَجَبَ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ: تَوَلَّى بَعْدَ عَقْدِهَا) أَيْ الْجَائِزُ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ فَاسِدَةً) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى النَّقْضِ مَعَ فَرْضِ فَسَادِهَا، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ إعْلَامُهُمْ بِفَسَادِ الْهُدْنَةِ وَتَبْلِيغُهُمْ الْمَأْمَنَ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ أَذَى أَهْلِ الْحَرْبِ) أَيْ وَإِنْ قَدَرْنَا عَلَى دَفْعِهِمْ (قَوْلُهُ أَوْ قَتْلِ مُسْلِمٍ) أَيْ ثُمَّ إنْ لَمْ يُنْكِرْ غَيْرُ الْقَاتِلِ مَثَلًا عَلَيْهِ بَعْدَ عِلْمِهِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ أَيْضًا كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: أَوْ إيوَاءِ عَيْنٍ لِلْكُفَّارِ)

[حاشية الرشيدي]

هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ مِنْ تَتِمَّةِ التَّوْجِيهِ

(قَوْلُ الْمَتْنِ وَتَصِحُّ الْهُدْنَةُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا الْإِمَامُ مَتَى شَاءَ) عِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ: وَيَجُوزُ أَنْ لَا تُؤَقَّتَ الْهُدْنَةُ وَيَشْتَرِطَ الْإِمَامُ نَقْضَهَا مَتَى شَاءَ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ أَوْ قَتْلِ مُسْلِمٍ) أَيْ عَمْدًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ فِيهِ وَفِي الذِّمِّيِّ (قَوْلُهُ: بِدَارِنَا) الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ فِي الذِّمِّيِّ فَقَطْ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَإِذَا نُقِضَتْ جَازَتْ الْإِغَارَةُ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ هُوَ شَامِلٌ لِمَا إذَا نَقَضَهَا مَنْ فُوِّضَ إلَيْهِ نَقْضُهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ

أَخْذِ مَالِنَا وَإِنْ جَهِلُوا أَنَّ ذَلِكَ نَاقِضٌ ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ [التوبة: 12] أَمَّا إذَا فَسَدَتْ وَجَبَ تَبْلِيغُهُمْ مَأْمَنَهُمْ وَأُنْذِرُوا قَبْلَ مُقَاتَلَتِهِمْ إنْ لَمْ يَكُونُوا بِدَارِهِمْ وَإِلَّا فَلَنَا قِتَالُهُمْ بِدُونِ إنْذَارٍ (وَإِذَا انْقَضَتْ جَازَتْ الْإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ) نَهَارًا (وَبَيَاتُهُمْ) أَيْ الْإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ لَيْلًا إنْ كَانُوا بِبِلَادِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا بِبِلَادِنَا وَجَبَ تَبْلِيغُهُمْ الْمَأْمَنَ: أَيْ مَحَلًّا يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنَّا وَمِنْ أَهْلِ عَهْدِنَا وَلَوْ بِطَرَفِ بِلَادِنَا فِيمَا يَظْهَرُ، وَمَنْ جَعَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ أَرَادَ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، وَمَنْ لَهُ مَأْمَنَانِ يَسْكُنُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا يَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ سَكَنَ بِأَحَدِهِمَا لَزِمَهُ إبْلَاغُ مَسْكَنِهِ مِنْهُمَا عَلَى الْأَوْجَهِ (وَلَوْ نَقَضَ بَعْضُهُمْ) الْهُدْنَةَ (وَلَمْ يُنْكِرْ الْبَاقُونَ) عَلَيْهِ (بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ) بَلْ اسْتَمَرُّوا عَلَى مُسَاكَنَتِهِمْ وَسَكَتُوا (انْتَقَضَ فِيهِمْ أَيْضًا) لِإِشْعَارِ سُكُوتِهِمْ بِرِضَاهُمْ بِالنَّقْضِ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْجِزْيَةِ لِقُوَّتِهِ (وَإِنْ أَنْكَرُوا) عَلَيْهِمْ (بِاعْتِزَالِهِمْ أَوْ إعْلَامِ الْإِمَامِ) أَوْ نَائِبِهِ (بِبَقَائِهِمْ عَلَى الْعَهْدِ) بِحَالِهِمْ (فَلَا) نَقْضَ فِي حَقِّهِمْ ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: 165] ثُمَّ يُنْذِرُ الْمُعَلَّمِينَ بِالتَّمَيُّزِ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَنَاقِضُونَ أَيْضًا

(وَلَوْ) (خَافَ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (خِيَانَتَهُمْ) بِشَيْءٍ مِمَّا يَنْقُضُ إظْهَارُهُ بِأَنْ ظَهَرَتْ أَمَارَةٌ بِذَلِكَ (فَلَهُ نَبْذُ عَهْدِهِمْ إلَيْهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: 58] الْآيَةَ، فَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ أَمَارَةٌ حَرُمَ النَّقْضُ لِأَنَّ عَقْدَهَا لَازِمٌ، وَبَعْدَ النَّبْذِ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ لَا بِنَفْسِ الْخَوْفِ وَهَذَا مُرَادُ مَنْ اشْتَرَطَ فِي النَّقْضِ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِهِ (وَ) بَعْدَ النَّقْضِ وَاسْتِيفَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ (يُبَلِّغُهُمْ الْمَأْمَنَ) حَتْمًا وَفَاءً بِعَهْدِهِمْ (وَلَا يَنْبِذُ عَقْدَ الذِّمَّةِ بِتُهَمَةٍ) بِفَتْحِ الْهَاءِ لِأَنَّهُ آكَدُ لِتَأْيِيدِهِ وَمُقَابَلَتِهِ بِمَالٍ وَلِأَنَّهُمْ فِي قَبْضَتِنَا غَالِبًا.

(وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ رَدِّ مُسْلِمَةٍ تَأْتِينَا مِنْهُمْ) مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً ثُمَّ تُسْلِمُ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهَا زَوْجُهَا الْكَافِرُ أَوْ تُزَوَّجَ بِكَافِرٍ وَلِأَنَّهَا عَاجِزَةٌ عَنْ الْهَرَبِ مِنْهُمْ وَأَقْرَبُ إلَى الِافْتِتَانِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ [الممتحنة: 10] الْآيَةَ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ، وَيَجُوزُ شَرْطُ رَدِّ كَافِرَةٍ وَمُسْلِمٍ، فَإِنْ شَرَطَ رَدَّ مَنْ جَاءَنَا مُسْلِمًا مِنْهُمْ صَحَّ وَلَمْ يَجُزْ بِهِ رَدُّ مُسْلِمَةٍ احْتِيَاطًا لِأَمْرِهَا لِخَطَرِهِ (فَإِنْ شُرِطَ فَسَدَ الشَّرْطُ، وَكَذَا الْعَقْدُ فِي الْأَصَحِّ) لِفَسَادِ الشَّرْطِ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى فِيمَا يَظْهَرُ، وَقَدْ أَشَارَ بِهِ إلَى قُوَّةِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَعَبَّرَ فِي صُورَةٍ تَقَدَّمَتْ بِالصَّحِيحِ إشَارَةً إلَى ضَعْفِ الْخِلَافِ فِيهَا فَلَا تَكْرَارَ وَلَا مُخَالَفَةَ

(وَإِنْ) (شَرَطَ) الْإِمَامُ لَهُمْ (رَدَّ مَنْ جَاءَ) مِنْهُمْ (مُسْلِمًا) إلَيْنَا (أَوْ لَمْ يَذْكُرْ رَدًّا فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ) مُسْلِمَةٌ (لَمْ يَجِبْ) بِارْتِفَاعِ نِكَاحِهَا بِإِسْلَامِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ (دَفْعُ مَهْرٍ إلَى زَوْجِهَا فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّ الْبُضْعَ لَيْسَ بِمَالٍ حَتَّى يَشْمَلَهُ الْأَمَانُ كَمَا لَا يَشْمَلُ الْأَمَانُ زَوْجَتَهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ رَدُّ بَدَلِهَا لَكَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى لِأَنَّهُ لِلْحَيْلُولَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ مَهْرُ الْمِثْلِ لَمْ يَجِبْ الْمُسَمَّى، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى وَآتُوهُمْ أَيْ: الْأَزْوَاجَ مَا أَنْفَقُوا أَيْ: مِنْ الْمَهْرِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي وُجُوبِ الْغُرْمِ مُحْتَمَلٌ لِنَدْبِهِ الصَّادِقِ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ الْمُوَافِقِ

[حاشية الشبراملسي]

أَيِّ إيوَاءِ شَخْصٍ يَتَجَسَّسُ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ لِيَنْقُلَ الْأَخْبَارَ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُنْكِرْ الْبَاقُونَ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلُّوا جِدًّا

(قَوْلُهُ: حَرُمَ النَّقْضُ) أَيْ فَلَوْ فَعَلَهُ هَلْ يُنْتَقَضُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي وَيُحْتَمَلُ الْأَوَّلُ أَيْضًا صِيَانَةً لِمَنْصِبِ الْإِمَامِ عَنْ الرَّدِّ وَإِنْ حَرُمَ فِعْلُهُ

(قَوْلُهُ صَحَّ وَلَمْ يُجْزِيهِ) أَيْ فِيمَا لَوْ شَرَطَ رَدَّ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا لَا يَكْفِيهِ رَدُّ الْمَرْأَةِ بَلْ لَا يَجُوزُ رَدُّهَا لِمَا عَلَّلَ بِهِ، وَلَوْ قَالَ وَلَمْ يَشْمَلْ الْمَرْأَةَ كَانَ أَوْلَى، ثُمَّ قَوْلُهُ فَإِنْ شَرَطَ رَدَّ مَنْ جَاءَنَا مُخَالِفٌ لحج حَيْثُ قَالَ لَا مَنْ جَاءَنَا مُسْلِمًا لِشُمُولِهِ النِّسَاءَ (قَوْلُهُ: وَلَا مُخَالَفَةَ) حَيْثُ قَيَّدَ مَا مَرَّ بِغَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَإِلَّا فَعِبَارَتُهُ السَّابِقَةُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَمَنْ جَعَلَهُ) أَيْ الْمَأْمَنَ

(قَوْلُهُ: فَإِنْ شَرَطَ رَدَّ مَنْ جَاءَنَا) أَيْ تَخْلِيَتَهُ لِيُوَافِقَ مَا مَرَّ وَيَأْتِيَ

(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ رَدُّ بَدَلِهَا لَكَانَ مَهْرُ الْمَثَلِ إلَخْ) غَرَضُهُ مِنْ هَذَا الرَّدِّ عَلَى الثَّانِي الْقَائِلِ بِوُجُوبِ الْمُسَمَّى كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: الصَّادِقُ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ) عِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ: الصَّادِقُ بِهِ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَهِيَ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ ابْنُ قَاسِمٍ

لِلْأَصْلِ، وَرَجَّحُوهُ عَلَى الْوُجُوبِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا غُرْمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ الْمَهْرَ فَلِأَنَّهُ كَانَ قَدْ شَرَطَ لَهُمْ رَدَّ مَنْ جَاءَتْنَا مُسْلِمَةً.
ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] فَغَرِمَ حِينَئِذٍ لِامْتِنَاعِ رَدِّهَا بَعْدَ شَرْطِهِ.
وَالثَّانِي يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إذَا طَلَبَ الزَّوْجُ الْمَرْأَةَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا بَذَلَهُ مِنْ كُلِّ الصَّدَاقِ أَوْ بَعْضِهِ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، فَإِنْ لَمْ يَبْذُلْ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ الْمَرْأَةَ لَا يُعْطَى شَيْئًا، وَلَوْ وَصَفَتْ الْإِسْلَامَ مَنْ لَمْ تَزَلْ مَجْنُونَةً، فَإِنْ أَفَاقَتْ رَدَدْنَاهَا لَهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ إسْلَامِهَا وَزَوَالِ ضَعْفِهَا، فَإِنْ لَمْ تُفِقْ لَمْ تُرَدَّ، وَكَذَا إنْ جَاءَتْ عَاقِلَةً وَهِيَ كَافِرَةٌ لَا إنْ أَسْلَمَتْ ثُمَّ جُنَّتْ أَوْ شَكَكْنَا فَلَا رَدَّ (وَلَا يُرَدُّ) مَنْ جَاءَنَا آتِيًا بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَطَلَبَ رَدَّهُ (صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ) وَأُنْثَاهُمَا (وَكَذَا عَبْدٌ) بَالِغٌ عَاقِلٌ أَوْ أَمَةٌ وَلَوْ مُسْتَوْلَدَةٌ جَاءَ إلَيْنَا مُسْلِمًا، ثُمَّ إنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَوْ قَبْلَ الْهُدْنَةِ عَتَقَ أَوْ بَعْدَهَا وَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ فَوَاضِحٌ وَإِلَّا بَاعَهُ الْإِمَامُ لِمُسْلِمٍ أَوْ دَفَعَ لِسَيِّدِهِ قِيمَتَهُ مِنْ الْمَصَالِحِ وَأَعْتَقَهُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْوَلَاءُ لَهُمْ (وَحُرٌّ) كَذَلِكَ (لَا عَشِيرَةَ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ) لِضَعْفِهِمْ، وَقِيلَ يُرَدُّ الْأَخِيرَانِ لِقُوَّتِهِمَا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِمَا وَقَطْعِ الْبَعْضِ بِالرَّدِّ فِي الْحُرِّ وَالْجُمْهُورُ بِعَدَمِهِ فِي الْعَبْدِ (وَيُرَدُّ) عِنْدَ شَرْطِ الرَّدِّ لَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إذْ لَا يَجِبُ فِيهِ رَدٌّ مُطْلَقًا (مَنْ لَهُ عَشِيرَةٌ طَلَبَتْهُ إلَيْهَا) لِأَنَّهَا تَذُبُّ عَنْهُ وَتَحْمِيهِ مَعَ قُوَّتِهِ فِي نَفْسِهِ (لَا إلَى غَيْرِهَا) أَيْ لَا يُرَدُّ إلَى غَيْرِ عَشِيرَتِهِ الطَّالِبِ لَهُ (إلَّا أَنْ يَقْدِرَ الْمَطْلُوبُ عَلَى قَهْرِ الطَّالِبِ أَوْ الْهَرَبِ مِنْهُ) فَيُرَدُّ إلَيْهِ.
(وَمَعْنَى الرَّدِّ) هُنَا (أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَالِبِهِ) كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهَا (وَلَا يُجْبَرُ) الْمَطْلُوبُ (عَلَى الرُّجُوعِ) إلَى طَالِبِهِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إجْبَارُ الْمُسْلِمِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَيْفَ يُجْبَرُ عَلَى دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ (وَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ) إلَيْهِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ لَكِنْ فِي الْبَيَانِ أَنَّ عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ أَنْ يَهْرُبَ مِنْ الْبَلَدِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ مَنْ يَطْلُبُهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ، لَا سِيَّمَا إذَا خَشَى عَلَى نَفْسِهِ الْفِتْنَةَ بِالرُّجُوعِ (وَلَهُ قَتْلُ الطَّالِبِ) دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ وَدِينِهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَبِي بَصِيرٍ امْتِنَاعَهُ وَقَتْلَهُ طَالِبَهُ (وَلَنَا التَّعْرِيصُ لَهُ بِهِ) أَيْ بِقَتْلِهِ وَلَوْ بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ «أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِأَبِي جَنْدَلٍ حِينَ رَدَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَبِيهِ سُهَيْلٍ اصْبِرْ أَبَا جَنْدَلٍ فَإِنَّمَا هُمْ مُشْرِكُونَ، وَإِنَّمَا دَمُ أَحَدِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ كَدَمِ الْكَلْبِ يُعَرِّضُ لَهُ بِقَتْلِ أَبِيهِ» (لَا التَّصْرِيحُ) فَيَمْتَنِعُ، نَعَمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْهُدْنَةِ لَهُ أَنْ يُصَرِّحَ بِذَلِكَ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرِطْ عَلَى نَفْسِهِ أَمَانًا لَهُمْ وَلَا يَتَنَاوَلُهُ شَرْطُ الْإِمَامِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ

(وَلَوْ) (شَرَطَ) عَلَيْهِمْ فِي الْهُدْنَةِ (أَنْ يَرُدُّوا مَنْ جَاءَهُمْ مُرْتَدًّا مِنَّا) (لَزِمَهُمْ الْوَفَاءُ) بِذَلِكَ عَمَلًا بِالشَّرْطِ سَوَاءٌ أَكَانَ رَجُلًا أَمْ امْرَأَةً حُرًّا أَمْ رَقِيقًا (فَإِنْ أَبَوْا فَقَدْ نَقَضُوا) الْعَهْدَ لِمُخَالَفَتِهِمْ الشَّرْطَ (وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ

[حاشية الشبراملسي]

فِي قَوْلِهِ وَكَذَا شَرْطُهُ فَاسِدٌ عَلَى الصَّحِيحِ شَامِلَةٌ لِهَذِهِ

(قَوْلُهُ: وَرَجَّحُوهُ) أَيْ النَّدْبَ (قَوْلُهُ: قَدْ شَرَطَ لَهُمْ) أَيْ أَوْ أَنَّهُ فَعَلَهُ لِكَوْنِهِ مَنْدُوبًا كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: مَنْ لَمْ تَزَلْ مَجْنُونَةً) أَيْ فِي حَالِ جُنُونِهَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَفَاقَتْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَصِفْ الْكُفْرَ كَمَا اقْتَضَاهُ تَعْلِيلُهُ (قَوْلُهُ: وَلَا يُرَدُّ صَبِيٌّ) أَيْ وَهُوَ إلَخْ فَصَبِيٌّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ (قَوْلُهُ: أَوْ قَبْلَ الْهُدْنَةِ عَتَقَ) أَيْ بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَهَا) أَيْ الْهُدْنَةِ أَوْ الْهِجْرَةِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُرَدُّ الْأَخِيرَانِ) هُمَا الْعَبْدُ وَالْحُرُّ (قَوْلُهُ: إلَى بَلَدٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) عُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ مَا يَقَعُ مِنْ الْمُلْتَزِمِينَ فِي زَمَنِنَا مِنْ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ فَلَّاحٌ مِنْ قَرْيَةٍ وَأَرَادَ اسْتِيطَانَ غَيْرِهَا أَجْبَرُوهُ عَلَى الْعَوْدِ غَيْرُ جَائِزٍ وَإِنْ كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِزَرْعِهِ وَأُصُولِهِ فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ (قَوْلُهُ: بِقَتْلِ أَبِيهِ) أَيْ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ لِامْتِنَاعِ رَدِّهَا بَعْدَ شَرْطِهِ) أَيْ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ رَدُّهَا بِالْآيَةِ النَّاسِخَةِ وَكَانَ قَدْ شَرَطَهُ لَهُمْ: أَيْ فَتَعَارَضَ عَلَيْهِ وُجُوبُ رَدِّهَا بِالشَّرْطِ وَامْتِنَاعُهُ بِالنَّسْخِ فَرَجَعَ إلَى بَدَلِهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) أَيْ بَالِغٌ عَاقِلٌ.

شَرْطِ أَنْ لَا يَرُدُّوا) مَنْ جَاءَهُمْ مُرْتَدًّا مِنَّا وَلَوْ امْرَأَةً وَرَقِيقًا فَلَا يَلْزَمُهُمْ رَدُّهُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرَطَ ذَلِكَ فِي مُهَادَنَةِ قُرَيْشٍ وَيَغْرَمُونَ مَهْرَ الْمَرْأَةِ وَقِيمَةَ الرَّقِيقِ، فَإِنْ عَادَ إلَيْنَا رَدَدْنَا لَهُمْ قِيمَةَ الرَّقِيقِ دُونَ مَهْرِ الْمَرْأَةِ لِأَنَّ الرَّقِيقَ بِدَفْعِ قِيمَتِهِ يَصِيرُ مِلْكًا لَهُمْ إنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ بَيْعِ الْمُرْتَدِّ لِلْكَافِرِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ وَالْمَرْأَةُ لَا تَصِيرُ زَوْجَةً، وَالثَّانِي الْمَنْعُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِرْدَادِهِ لِإِقَامَةِ حُكْمِ الْمُرْتَدِّينَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِمْ التَّمْكِينُ مِنْهُ وَالتَّخْلِيَةُ دُونَ التَّسْلِيمِ.

[كِتَابُ الصَّيْدِ]

ِ أَفْرَدَهُ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ (وَالذَّبَائِحُ) جَمْعُ ذَبِيحَةٍ وَجَمَعَهَا لِأَنَّهَا تَكُونُ بِالسِّكِّينِ وَبِالسَّهْمِ وَبِالْجَوَارِحِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96] وَقَوْلُهُ ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] وَقَوْلُهُ ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] وَمِنْ السُّنَّةِ مَا سَنَذْكُرُهُ، وَالرَّافِعِيُّ ذَكَرَ هُنَا الصَّيْدَ وَالذَّبَائِحَ وَالْأَطْعِمَةَ وَالنَّذْرَ فَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وِفَاقًا لِلْمُزَنِيِّ وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَخَالَفَهُ فِي الرَّوْضَةِ فَذَكَرَهَا فِي آخِرِ رُبْعِ الْعِبَادَاتِ لِأَنَّ طَلَبَ الْحَلَالِ فَرْضُ عَيْنٍ.
وَأَرْكَانُ الذَّبْحِ بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ أَرْبَعَةٌ ذَبْحٌ وَذَابِحٌ وَذَبِيحٌ وَآلَةٌ (ذَكَاةُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ) الْبَرِّيِّ الْمَطْلُوبَةُ شَرْعًا لِحِلِّ أَكْلِهِ تَحْصُلُ (بِذَبْحِهِ فِي حَلْقٍ) وَهُوَ أَعْلَى الْعُنُقِ (أَوْ لَبَّةٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ أَسْفَلُهُ (إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ) بِالْإِجْمَاعِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ

[حاشية الشبراملسي]

كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ (قَوْلُهُ: مَصْدَرٌ) أَيْ فِي الْأَصْلِ، وَإِلَّا فَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى الْمَصِيدِ فَيُجْمَعُ عَلَى صَيُودٍ (قَوْلُهُ: وَأَرْكَانُ الذَّبْحِ بِالْمَعْنَى إلَخْ) أَيْ وَهُوَ الِانْذِبَاحُ الَّذِي هُوَ أَثَرُ الْفِعْلِ الْحَاصِلِ فِي الْمَذْبُوحِ، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهَا أَرْكَانًا لَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِتَحَقُّقِهِ مِنْهَا وَإِلَّا فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهَا جُزْءًا مِنْهُ (قَوْلُهُ: أَوْ لَبَّةٍ) لَوْ شَكَّ بَعْدَ وُقُوعِ الْفِعْلِ مِنْهُ هَلْ هُوَ مُحَلَّلٌ أَوْ مُحَرَّمٌ فَهَلْ يَحِلُّ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُقُوعُهُ عَلَى الصِّفَةِ الْمُجْزِئَةِ، وَفِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ قَوْلُهُ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ إلَخْ، وَفِي اشْتِرَاطِ بَقَاءِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ إلَى تَمَامِ الذَّبْحِ خِلَافٌ، وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخَانِ عَنْ الْإِمَامِ وَأَقَرَّهُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِيهِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ قَطْعِ الْمَرِيءِ وَلَمَّا قَطَعَهُ مَعَ بَعْضِ الْحُلْقُومِ انْتَهَى إلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ لِمَا نَالَهُ بِقَطْعِ الْقَفَا حَلَّ، لِأَنَّ أَقْصَى مَا وَقَعَ التَّقْيِيدُ بِهِ وُجُودُهَا فِي الِابْتِدَاءِ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى هَذَا بِقَوْلِهِ أَوَّلُهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُسْرِعَ الذَّابِحُ فِي الذَّبْحِ، فَلَوْ تَأَنَّى بِحَيْثُ ظَهَرَ انْتِهَاءُ الشَّاةِ قَبْلَ تَمَامِ قَطْعِ الْمَذْبَحِ إلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ لَمْ يَحِلَّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ وُجُودُهَا فِي الِابْتِدَاءِ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ هُنَا إذَا تَبَيَّنَ مَصِيرُهُ

[حاشية الرشيدي]

كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ (قَوْلُهُ: أَفْرَدَهُ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ) أَيْ إمَّا عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِمَّا بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلذَّبَائِحِ، فَإِفْرَادُهُ حِينَئِذٍ نَظَرًا لِلَفْظِهِ، لَكِنْ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ الْأَوَّلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِأَنَّهَا تَكُونُ بِالسِّكِّينِ وَبِالسَّهْمِ وَبِالْجَوَارِحِ فَقَدْ اسْتَعْمَلَ الذَّبَائِحَ فِيمَا يَعُمُّ الْمِصْيَدَاتِ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ يَنْبَغِي فِي التَّرْجَمَةِ بَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبْحِ وَالذَّبَائِحِ، أَوْ بَابُ الذَّبْحِ: أَيْ الشَّامِلُ لِلصَّيْدِ نَظِيرُ مَا صَنَعَ الشَّارِحُ فِي الذَّبَائِحِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا) أَيْ الذَّبِيحَةَ: أَيْ ذَبَحَهَا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ طَلَبَ الْحَلَالِ فَرْضُ عَيْنٍ) هَذَا كَمَا يَحْسُنُ مُنَاسَبَةً لِذِكْرِهَا هُنَاكَ يَحْسُنُ أَيْضًا مُنَاسَبَةً لِذِكْرِهَا عَقِبَ الْجِهَادِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ صَاحِبَ الرَّوْضَةِ إنَّمَا ذَكَرَهَا هُنَاكَ لِمُنَاسَبَةِ الْأُضْحِيَّةِ لِلْهَدْيِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، وَمِنْ ثَمَّ ذَكَرَهَا عَقِبَهُ قَبْلَ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ (قَوْلُهُ: بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ) أَيْ الِانْذِبَاحِ، وَإِنَّمَا فَسَّرَهُ بِهَذَا لِيُفَارِقَ الذَّبْحَ الْآتِي الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْأَرْكَانِ لِئَلَّا يَلْزَمَ اتِّحَادُ الْكُلِّ وَالْجُزْءِ (قَوْلُهُ: وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ) أَيْ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ

أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ بَدِيلًا يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنًى: أَلَا إنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ» فَلَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ (فَبِعَقْرٍ مُزْهِقٍ حَيْثُ كَانَ) وَالْكَلَامُ فِي الذَّبْحِ اسْتِقْلَالًا، فَلَا يَرِدُ الْجَنِينُ لِأَنَّ ذَبْحَهُ بِذَبْحِ أُمِّهِ تَبَعًا لِخَبَرِ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ»

(وَشَرْطُ ذَابِحٍ وَصَائِدٍ حِلُّ مُنَاكَحَتِهِ) بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فَتَحْرُمُ ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ وَمُرْتَدٍّ وَعَابِدِ وَثَنٍ، وَلَوْ أَكْرَهَ مَجُوسِيٌّ مُسْلِمًا عَلَى الذَّبْحِ أَوْ مُحْرِمٌ حَلَالًا حَلَّ، وَشَمَلَ كَلَامُهُ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَحِلُّ ذَبِيحَتُهُنَّ لِحِلِّهِنَّ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ رَأْسُ الْمُسْلِمِينَ (وَتَحِلُّ ذَكَاةُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ) وَإِنْ حَرُمَتْ مُنَاكَحَتُهَا لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ الرِّقَّ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الذَّبِيحَةِ بِخِلَافِ الْمُنَاكَحَةِ (وَلَوْ شَارَكَ مَجُوسِيٌّ) أَوْ وَثَنِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ (مُسْلِمًا فِي ذَبْحٍ أَوْ اصْطِيَادٍ حَرُمَ) بِلَا خِلَافٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى شَارَكَ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَكَاتُهُ مَنْ تَحِلُّ حَرُمَ لِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ الْمُبِيحُ وَالْمُحَرِّمُ غُلِّبَ الثَّانِي (وَلَوْ) (أَرْسَلَا كَلْبَيْنِ أَوْ سَهْمَيْنِ، فَإِنْ سَبَقَ آلَةُ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَ) الصَّيْدَ (أَوْ أَنْهَاهُ إلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ) (حَلَّ) كَمَا لَوْ ذَبَحَ الْمُسْلِمُ شَاةً فَقَدَهَا الْمَجُوسِيُّ (وَلَوْ انْعَكَسَ) الْحَالُ (أَوْ جَرَحَاهُ مَعًا أَوْ جَهِلَ) ذَلِكَ (أَوْ مُرَتَّبًا وَلَمْ يَذْفِفْ أَحَدُهُمَا) بِإِعْجَامٍ وَإِهْمَالٍ: أَيْ لَمْ يُقْتَلْ سَرِيعًا فَهَلَكَ بِهِمَا (حَرُمَ) تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ وَقَوْلُهُ أَوْ جَهِلَ مِنْ زِيَادَتِهِ.
أَمَّا مَا اصْطَادَهُ الْمُسْلِمُ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ فَحَلَالٌ قَطْعًا، وَلَوْ أَرْسَلَ نَحْوَ مَجُوسِيٍّ سَهْمًا عَلَى صَيْدٍ ثُمَّ أَسْلَمَ وَوَقَعَ

[حاشية الشبراملسي]

إلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ وَهُنَاكَ إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا خِلَافُ مَا سَبَقَ تَصْرِيحُ الْإِمَامِ بِهِ، بَلْ الْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مُقَصِّرٌ بِالتَّأَنِّي بِخِلَافِ الْأَوَّلِ اهـ (قَوْلُهُ: بَعَثَ بَدِيلًا) هُوَ بَدِيلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ كَمَا فِي الْمُنْتَقَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدِيلَ بْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنًى: أَلَا وَإِنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَلَا تُعَجِّلُوا الْأَنْفُسَ أَنْ تَذْهَبَ، وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ اهـ. وَقَدْ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْإِصَابَةِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الَّذِينَ لَهُمْ صُحْبَةٌ، وَذَكَرَ بَعْضَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى (قَوْلُهُ: فِي فِجَاجِ مِنًى) أَيْ نَوَاحِيهَا (قَوْلُهُ: أَلَا إنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَلْقِ) أَيْ لَمَّا قَصُرَ عُنُقُهُ، وَاللَّبَّةُ: أَيْ لَمَّا طَالَ عُنُقُهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَوْلَى (قَوْلُهُ: فَلَا يَرِدُ الْجَنِينُ) وَمِثْلُ الْجَنِينِ جَنِينٌ فِي بَطْنِهِ إنْ تُصُوِّرَ (قَوْلُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ) هُوَ بِالرَّفْعِ: يَعْنِي أَنَّ الذَّكَاةَ الَّتِي أَحَلَّتْ أُمَّهُ أَحَلَّتْهُ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَهُوَ الْبَاءُ لَا الْكَافُ كَمَا تَقُولُهُ الْحَنَفِيَّةُ

(قَوْلُهُ: كِتَابِيًّا بِشَرْطِهِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ حِلَّهُ حَجّ، زَادَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ كَالْإِبِلِ، وَعِبَارَتُهُ: وَسَوَاءٌ اعْتَقَدُوا إبَاحَتَهُ: أَيْ الْمَذْبُوحِ كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ أَوْ تَحْرِيمَهُ كَالْإِبِلِ (قَوْلُهُ: غُلِّبَ الثَّانِي) أَيْ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ سَبَقَ آلَةُ الْمُسْلِمِ) أَيْ يَقِينًا أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي أَوْ جَهِلَ (قَوْلُهُ أَمَّا مَا اصْطَادَهُ) أَيْ وَمَا صَادَهُ الْمَجُوسِيُّ بِكَلْبِ الْمُسْلِمِ فَحَرَامٌ قَطْعًا (قَوْلُهُ: فَحَلَالٌ قَطْعًا) وَبَقِيَ مَا لَوْ أَرْسَلَ الْمَجُوسِيُّ كَلْبًا وَالْمُسْلِمُ آخَرَ فَسَبَقَ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ وَمَسَكَ الصَّيْدَ فَجَاءَ كَلْبُ الْمُسْلِمِ وَقَتَلَهُ فَهَلْ يَحِلُّ أَوْ لَا؟ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْأَقْرَبُ عَدَمُ الْحِلِّ لِأَنَّهُ بِإِمْسَاكِ كَلْبِ الْمَجُوسِيِّ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ اهـ بِالْمَعْنَى.
أَقُولُ: فَإِنْ لَمْ يَصِرْ مَقْدُورًا عَلَيْهِ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ حَلَّ بِكَلْبِ

[حاشية الرشيدي]

الْأَذْرَعِيُّ، لَكِنْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَا نَعْلَمُ لَهُمَا مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ (قَوْلُهُ: وَالْكَلَامُ فِي الذَّبْحِ اسْتِقْلَالًا) الْأَصْوَبُ وَالْكَلَامُ فِي الزَّكَاةِ إلَخْ (قَوْلُهُ لِأَنَّ ذَبْحَهُ بِذَبْحِ أُمِّهِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ ذَبْحَ أُمِّهِ زَكَاتَهُ

(قَوْلُ الْمَتْنِ فَقَتَلَ) أَيْ الْكَلْبُ أَوْ السَّهْمُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْآلَةِ

بِالصَّيْدِ لَمْ يَحِلَّ نَظَرًا لِأَغْلَظِ الْحَالَيْنِ، وَلَوْ كَانَ مُسْلِمًا فِي حَالَتَيْ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ وَتَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ بَيْنَهُمَا لَمْ يَحِلَّ أَيْضًا

(وَيَحِلُّ ذَبْحُ صَبِيٍّ مُمَيَّزٍ) سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا لِأَنَّ قَصْدَهُ صَحِيحٌ (وَكَذَا غَيْرُ مُمَيَّزٍ) يُطِيقُ الذَّبْحَ (وَمَجْنُونٌ وَسَكْرَانُ) لَا تَمْيِيزَ لَهُمَا أَصْلًا فَيَحِلُّ ذَبْحُهُمْ (فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّ لَهُمْ قَصْدًا وَإِرَادَةً فِي الْجُمْلَةِ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ عَدَمُ حِلِّ ذَبْحِ النَّائِمِ، نَعَمْ يُكْرَهُ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُخْطِئُونَ الْمَذْبَحَ.
وَالثَّانِي الْمَنْعُ إذْ الشَّارِعُ لَمْ يَعْتَبِرْ قَصْدَهُمْ وَمِثْلُ ذَبْحِهِمْ صَيْدُهُمْ بِسَهْمٍ أَوْ كَلْبٍ فَيَحِلُّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.

(وَتُكْرَهُ ذَكَاةُ أَعْمَى) لِأَنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ الْمَذْبَحَ وَشَمَلَ كَلَامُهُ الْحَائِضَ وَالْأَقْلَفَ وَالْخُنْثَى وَالْأَخْرَسَ فَتَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ (وَيَحْرُمُ صَيْدُهُ بِرَمْيِ) سَهْمٍ (وَ) إرْسَالِ (كَلْبٍ) وَغَيْرِهِ مِنْ الْجَوَارِحِ (فِي الْأَصَحِّ) لِعَدَمِ صِحَّةِ قَصْدِهِ فَأَشْبَهَ اسْتِرْسَالَ الْكَلْبِ بِنَفْسِهِ.
وَالثَّانِي يَحِلُّ كَذَبْحِهِ.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا إذَا دَلَّهُ بَصِيرٌ عَلَى الصَّيْدِ فَأَرْسَلَ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَدُلَّهُ أَحَدٌ فَلَا يَحِلُّ قَطْعًا، نَعَمْ لَوْ أَحَسَّ الْبَصِيرُ بِصَيْدٍ فِي ظُلْمَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءَ شَجَرَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَرَمَاهُ حَلَّ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّ هَذَا مُبْصِرٌ بِالْقُوَّةِ فَلَا يُعَدُّ عُرْفًا رَمْيُهُ عَبَثًا بِخِلَافِ الْأَعْمَى وَإِنْ أَخْبَرَ، وَلَوْ أَخْبَرَ فَاسِقٌ أَوْ كِتَابِيٌّ أَنَّهُ ذَكَّى هَذِهِ الشَّاةَ قَبِلْنَاهُ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ وَلَوْ وَجَدْنَا شَاةً مَذْبُوحَةً وَلَمْ نَدْرِ أَذَبَحَهَا مُسْلِمٌ أَوْ مَجُوسِيٌّ فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَجُوسِيٌّ لَمْ تَحِلَّ

(وَتَحِلُّ مَيْتَةُ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ) بِالْإِجْمَاعِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا صِيدَ حَيًّا وَمَاتَ وَمَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، وَاسْمُ السَّمَكِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ حَيَوَانِ الْبَحْرِ حَيْثُ كَانَ لَا يَعِيشُ إلَّا فِيهِ أَوْ إذَا خَرَجَ مِنْهُ صَارَ عَيْشُهُ عَيْشَ مَذْبُوحٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى صُورَتِهِ الْمَشْهُورَةِ (وَلَوْ صَادَهُمَا) أَيْ السَّمَكَ وَالْجَرَادَ (مَجُوسِيٌّ) وَنَحْوُهُ فَيَحِلُّ

[حاشية الشبراملسي]

الْمُسْلِمِ، وَفِي مَتْنِ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: وَيَحْرُمُ لَوْ أَمْسَكَ وَاحِدٌ مِنْ الْكَلْبَيْنِ صَيْدًا ثُمَّ عَقَرَهُ آخَرُ أَوْ شَكَّ فِيهِ: أَيْ عَاقِرُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَتَعْبِيرُهُ بِثُمَّ بَدَلَ الْوَاوِ الْمُعَبَّرِ بِهَا فِي الْأَصْلِ يُفِيدُ الْحِلَّ فِيمَا إذَا تَقَدَّمَ الْعَقْرَ الْإِمْسَاكُ أَوْ قَارَنَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ

(قَوْلُهُ: يُطِيقُ الذَّبْحَ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَذْبَحُهُ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يُكْرَهُ) أَيْ أَكْلُ مَا ذَبَحُوهُ

(قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ ذَكَاةُ أَعْمَى) ظَاهِرُهُ وَلَوْ دَلَّهُ بَصِيرٌ عَلَى الْمَذْبَحِ لَكِنْ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ خِلَافُهُ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْكَرَاهَةِ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ فِي الْجُمْلَةِ، وَقِيَاسُ كَرَاهَةِ أَكْلِ مَا ذَبَحَهُ غَيْرُ الْمُمَيَّزِ كَرَاهَةُ أَكْلِ مَذْبُوحِ الْأَعْمَى، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ عِلَّةَ الْكَرَاهَةِ فِي أُولَئِكَ مَا ذُكِرَ مَعَ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي مَذْبُوحِهِمْ، بِخِلَافِ الْأَعْمَى فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا فِي حِلِّ مَذْبُوحِهِ (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ صَيْدُهُ) وَقَتْلُهُ لِغَيْرِ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ اهـ حَجّ.
وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ بَصِيرٌ لَا غَيْرُهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَخْبَرَ فَاسِقٌ) خَرَجَ بِهِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَلَوْ مَعَ نَوْعِ تَمْيِيزٍ فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُمَا فَيَحْرُمُ مَا أَخْبَرَا بِذَبْحِهِ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْمُخْبَرُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَجُوسِيٌّ لَمْ تَحِلَّ) وَحَمَلَ الْمُؤَلِّفُ إطْلَاقَ التَّحْرِيمِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَغْلِبْ الْمُسْلِمُونَ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْجِهَادِ، وَعِبَارَتُهُ ثَمَّ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ كُلِّ إنَاءٍ طَاهِرٍ، وَلَوْ وَجَدَ قِطْعَةَ لَحْمٍ فِي إنَاءٍ أَوْ خِرْقَةٍ بِبَلَدٍ لَا مَجُوسَ فِيهِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ أَوْ مَرْمِيَّةٌ مَكْشُوفَةٌ فَنَجِسَةٌ أَوْ فِي إنَاءٍ أَوْ خِرْقَةٍ وَالْمَجُوسُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ الْمُسْلِمُونَ أَغْلَبَ فَكَذَلِكَ فَإِنْ غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ فَطَاهِرَةٌ: فَقَوْلُهُ هُنَا فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَجُوسِيٌّ: أَيْ جِنْسُهُ وَلَمْ تَغْلِبْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِأَنْ كَانَ الْمَجُوسُ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِينَ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ شُمُولَ الْوَاحِدِ

(قَوْلُهُ: حَتْفَ أَنْفِهِ) أَيْ بِلَا سَبَبٍ (قَوْلُهُ: عَلَى صُورَتِهِ الْمَشْهُورَةِ) أَيْ بَلْ وَإِنْ كَانَ عَلَى صُورَةِ مَا لَا يُؤْكَلُ فِي الْبَرِّ كَكَلْبٍ وَآدَمِيٍّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ صَادَهُمَا) غَايَةُ (قَوْلِهِ مَجُوسِيٌّ)

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَيَحِلُّ ذَبْحُ صَبِيٍّ) أَيْ مَذْبُوحِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ لَا يُخَاطَبُ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ، وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ الْآتِي نَعَمْ يُكْرَهُ، لَكِنَّ التَّعْلِيلَ قَدْ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ كَرَاهَةُ الْفِعْلِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ يُكْرَهُ مَذْبُوحُ الْمَذْكُورِينَ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَئُوا الْمَذْبَحَ فَتَأَمَّلْ

(قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَجُوسِيٌّ) أَيْ وَلَمْ يَغْلِبْ الْمُسْلِمُونَ كَمَا نُقِلَ عَنْ الشَّارِحِ

وَلَا اعْتِبَارَ بِفِعْلِهِ وَكَذَا لَوْ ذَبَحَ سَمَكَةً وَيُكْرَهُ ذَبْحُ السَّمَكِ مَا لَمْ يَكُنْ كَبِيرًا يَطُولُ بَقَاؤُهُ فَيُنْدَبُ ذَبْحُهُ إرَاحَةً لَهُ وَلَوْ تَضَرَّرَ بِجَرَادٍ أَوْ قَمْلٍ دُفِعَ كَالصَّائِلِ، فَإِنْ تَعَيَّنَ إحْرَاقُهُ طَرِيقًا لِدَفْعِهِ جَازَ (وَكَذَا الدُّودُ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ طَعَامٍ كَخَلٍّ وَفَاكِهَةٍ إذَا أَكَلَ مَعَهُ) حَيًّا أَوْ مَيِّتًا يَحِلُّ (فِي الْأَصَحِّ) لِعُسْرِ تَمْيِيزِهِ غَالِبًا لِأَنَّهُ كَجُزْئِهِ طَبْعًا وَطَعْمًا فَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا حَرُمَ.
وَمَحَلُّ مَا ذَكَرَهُ حَيْثُ لَمْ يَنْقُلْهُ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ وَإِلَّا حَرُمَ، وَيُقَاسُ بِالدُّودِ التَّمْرُ وَالْبَاقِلَاءُ الْمُسَوَّسَانِ إذَا طُبِخَا، وَكَذَا الْعَسَلُ إذَا وَقَعَ بِهِ نَمْلٌ وَطُبِخَ، وَلَوْ وَقَعَ فِي قِدْرٍ جُزْءُ آدَمِيٍّ لَمْ يَحْرُمْ لِاسْتِهْلَاكِهِ.
وَالثَّانِي يَحِلُّ مُطْلَقًا.
وَالثَّالِثُ يَحْرُمُ مُطْلَقًا لِاسْتِقْذَارِهِ وَإِنْ قِيلَ بِطَهَارَتِهِ (وَلَا يَقْطَعُ بَعْضَ سَمَكَةٍ) حَيَّةٍ (فَإِنْ فَعَلَ) ذَلِكَ (أَوْ بَلَعَ) بِكَسْرِ اللَّامِ (سَمَكَةً حَيَّةً حَلَّ) الْفِعْلُ (فِي الْأَصَحِّ) إذْ لَيْسَ فِي ابْتِلَاعِهَا أَكْثَرُ مِنْ قَتْلِهَا.
وَالثَّانِي لَا يَحِلُّ الْمَقْطُوعُ كَمَا فِي غَيْرِ السَّمَكِ وَلَا الْمَبْلُوعُ لِمَا فِي جَوْفِهِ

(وَإِذَا) (رَمَى) بَصِيرٌ لَا غَيْرُهُ (صَيْدًا مُتَوَحِّشًا أَوْ بَعِيرًا نَدَّ) أَيْ هَرَبَ (أَوْ شَاةً شَرَدَتْ بِسَهْمٍ) أَوْ غَيْرِهِ مِنْ كُلِّ مُحَدَّدٍ يَجْرَحُ وَلَوْ غَيْرَ حَدِيدٍ (أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ جَارِحَةً فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ وَمَاتَ فِي الْحَالِ) قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَبْحِهِ (حَلَّ) وَلَا يَخْتَصُّ بِالْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ.
أَمَّا الْمُتَوَحِّشُ فَبِالْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا الْإِنْسِيُّ إذَا هَرَبَ فَلِخَبَرِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ «أَنَّ بَعِيرًا نَدَّ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ: أَيْ قَتَلَهُ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقِيسَ الشَّاةُ بِهِ، وَالِاعْتِبَارُ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ حَالَ الْإِصَابَةِ، فَلَوْ رَمَى نَادًّا فَصَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ قَبْلَهَا لَمْ يَحِلَّ إلَّا إنْ أَصَابَ مَذْبَحَهُ أَوْ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَصَارَ نَادًّا عِنْدَهَا حَلَّ وَإِنْ لَمْ يُصِبْ مَذْبَحَهُ.
أَمَّا صَيْدٌ تَأَنَّسَ فَكَمَقْدُورٍ

[حاشية الشبراملسي]

أَوْ مُحْرِمٌ اهـ حَجّ.
ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ (قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ ذَبَحَ سَمَكَةً) وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ مِنْ ذَيْلِهَا، وَلَعَلَّ ذَلِكَ فِيمَا هُوَ عَلَى صُورَةِ السَّمَكِ الْمَعْرُوفِ، أَمَّا مَا هُوَ عَلَى صُورَةِ حِمَارٍ أَوْ آدَمِيٍّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ فِي حَلْقِهِ أَوْ لَبَّتِهِ كَالْحَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ.
[فَرْعٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ صَالَ عَلَيْهِ حَيَوَانٌ مَأْكُولٌ فَضَرَبَهُ بِسَيْفٍ فَقَطَعَ رَأْسَهُ هَلْ يَحِلُّ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ قَصْدَ الذَّبْحِ لَا يُشْتَرَطُ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ قَصْدُ الْفِعْلِ وَقَدْ وُجِدَ، بَلْ وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ قَطْعِ الرَّأْسِ مَا لَوْ أَصَابَ غَيْرَ عُنُقِهِ كَيَدِهِ مَثَلًا فَجَرَحَهُ وَمَاتَ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَعَيَّنَ إحْرَاقُهُ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ دَفْعُهُ بِنَفْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَا يَقْطَعُ بَعْضَ سَمَكَةٍ) أَيْ يُسَنُّ أَنْ لَا يَقْطَعَ إلَخْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ حَلَّ الْفِعْلُ

(قَوْلُهُ: أَمَّا الْمُتَوَحِّشُ) أَيْ وَهُوَ الَّذِي يَنْفِرُ مِنْ النَّاسِ وَلَا يَسْكُنُ إلَيْهِمْ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْوَحْشُ مَا لَا يُسْتَأْنَسُ مِنْ دَوَابِّ الْبَرِّ وَجَمْعُهُ وُحُوشٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَسْتَوْحِشُ مِنْ النَّاسِ فَهُوَ وَحْشِيٌّ (قَوْلُهُ: أَوَابِدُ) أَيْ نَوَافِرُ (قَوْلُهُ: أَمَّا صَيْدٌ تَأَنَّسَ) أَيْ بِأَنْ صَارَ لَا يَنْفِرُ مِنْ النَّاسِ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: اسْتَأْنَسْت بِهِ وَتَأَنَّسْت بِهِ: إذَا

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ فَيُنْدَبُ ذَبْحُهُ) اُنْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ خُصُوصُ الذَّبْحِ الشَّرْعِيِّ وَإِنْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: كَالصَّائِلِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَطْعُهُ إذَا انْدَفَعَ بِغَيْرِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ كَجُزْئِهِ) أَيْ الطَّعَامِ وَمَا أَفَادَهُ التَّشْبِيهُ مِنْ حِلِّ أَكْلِهِ مُنْفَرِدًا غَيْرُ مُرَادٍ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُغَيِّرْهُ) أَمَّا إذَا غَيَّرَهُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مَا فِيهِ الدُّودُ لِنَجَاسَتِهِ حِينَئِذٍ كَمَا مَرَّ فِي الطَّهَارَةِ، لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَائِعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُ الْمَتْنِ وَلَا يُقْطَعُ بَعْضُ سَمَكَةٍ) أَيْ يُكْرَهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ الْحُرْمَةَ (قَوْلُهُ: الْفِعْلُ) فِيهِ أَنَّهُ لَا يُلَاقِي مَوْضُوعَ الْمُقَابِلِ الْآتِي، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ شِبْهُ تَنَاقُضٍ فِي الْمَتْنِ إذْ يَنْحَلُّ إلَى قَوْلِهِ وَلَا يُقْطَعُ: أَيْ يُكْرَهُ أَوْ يَحْرُمُ عَلَى مَا مَرَّ، فَإِنْ فَعَلَ حَلَّ، وَعِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ: أَيْ حَلَّ أَكْلُ مَا قُطِعَ وَبَلَعَ السَّمَكَةَ الْحَيَّةِ

(قَوْلُهُ: وَقِيسَ الشَّاةُ بِهِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَقِيسَ بِمَا فِيهِ غَيْرُهُ

عَلَيْهِ لَا يَحِلُّ إلَّا بِذَبْحِهِ وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ نَدَّ فِي الْبَعِيرِ وَشَرَدَ بِالشَّاةِ لِاسْتِعْمَالِ الْأَوَّلِ فِيهِ دُونَ الثَّانِي، نَعَمْ الشِّرَادُ يُسْتَعْمَلُ فِي سَائِرِ الدَّوَابِّ (وَلَوْ) (تَرَدَّى بَعِيرٌ وَنَحْوُهُ فِي بِئْرٍ وَلَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ حُلْقُومِهِ) وَمَرِيئِهِ (فَكَنَادٍّ) فِي حِلِّهِ بِالرَّمْيِ لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَيْهِ.
فَفِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْعُشَرَاءِ الدَّارِمِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ؟ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لَأَجْزَأَكَ» قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمُتَرَدِّيَةِ وَالْمُتَوَحِّشِ (قُلْت: الْأَصَحُّ لَا يَحِلُّ) الْمُتَرَدِّي (بِإِرْسَالِ الْكَلْبِ) الْجَارِحِ (وَنَحْوِهِ وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَدِيدَ يُسْتَبَاحُ بِهِ الذَّبْحُ فِي الْقُدْرَةِ بِخِلَافِ فِعْلِ الْجَارِحَةِ (وَمَتَى تَيَسَّرَ) يَعْنِي أَمْكَنَ وَلَوْ بِعُسْرٍ (لُحُوقُهُ) أَيْ النَّادُّ أَوْ الصَّيْدُ (بِعَدْوٍ أَوْ اسْتِغَاثَةٍ) بِغَيْنٍ وَثَاءٍ مُعْجَمَتَيْنِ أَوْ مُهْمَلَةٍ وَنُونٍ (بِمَنْ يَسْتَقْبِلُهُ فَمَقْدُورٌ عَلَيْهِ) لَا يَحِلُّ إلَّا بِذَبْحِهِ فِي مَذْبَحِهِ.
أَمَّا إذَا تَعَذَّرَ لُحُوقُهُ حَالًا فَيَحِلُّ بِأَيِّ جُرْحٍ كَانَ كَمَا مَرَّ (وَيَكْفِي فِي) الصَّيْدِ الْمُتَوَحِّشِ (النَّادِّ وَالْمُتَرَدِّي جُرْحٌ يُفْضِي إلَى الزَّهُوقِ) كَيْفَ كَانَ إذْ الْقَصْدُ حِينَئِذٍ جِرَاحَةٌ تُفْضِي إلَى الْمَوْتِ غَالِبًا (وَقِيلَ يُشْتَرَطُ مُذَفِّفٌ) لِيَنْزِلَ مَنْزِلَةَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَرَدَّى بَعِيرٌ فَوْقَ بَعِيرٍ فَغَرَزَ رُمْحًا فِي الْأَوَّلِ فَنَفَذَ إلَى الثَّانِي حَلَّ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا كَمَا لَوْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَهُ وَنَفَذَ مِنْهُ إلَى آخَرَ.

(وَإِذَا) (أَرْسَلَ سَهْمًا أَوْ كَلْبًا) وَنَحْوَهُ (أَوْ طَائِرًا عَلَى صَيْدٍ) أَوْ بَعِيرٍ أَوْ نَحْوِهِ تَعَذَّرَ لُحُوقُهُ وَلَوْ بِالِاسْتِعَانَةِ (فَأَصَابَهُ) وَجَرَحَهُ (وَمَاتَ) (فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً) كَأَنْ رَمَاهُ فَقَدَّهُ نِصْفَيْنِ (أَوْ أَدْرَكَهَا وَتَعَذَّرَ ذَبْحُهُ بِلَا تَقْصِيرٍ بِأَنْ سَلَّ السِّكِّينَ فَمَاتَ قَبْلَ إمْكَانٍ) لِذَبْحِهِ (أَوْ امْتَنَعَ) بِقُوَّتِهِ (وَمَاتَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ حَلَّ) إجْمَاعًا فِي الصَّيْدِ، وَلِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ فِي الْبَعِيرِ بِالسَّهْمِ، وَقِيسَ بِمَا فِيهِ غَيْرُهُ، وَيُنْدَبُ فِيمَا إذَا لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً إمْرَارُ السِّكِّينِ عَلَى مَذْبَحِهِ لِيَذْبَحَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ حَلَّ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فِي حَالَةٍ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا لِتَذْكِيَةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ عَدْوٌ بَعْدَ إصَابَةِ سَهْمٍ أَوْ كَلْبٍ وَلَوْ اشْتَغَلَ بِطَلَبِ الْمَذْبَحِ أَوْ وَقَعَ مُنَكَّسًا فَاحْتَاجَ إلَى قَلْبِهِ أَوْ أُشْغِلَ بِتَوْجِيهِهِ إلَى الْقِبْلَةِ فَمَاتَ حَلَّ (وَإِنْ مَاتَ لِتَقْصِيرِهِ

[حاشية الشبراملسي]

سَكَنَ الْقَلْبُ وَلَمْ يَنْفِرْ (قَوْلُهُ: دُونَ الثَّانِي) أَيْ فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ نِدٌّ، بِخِلَافِ الشِّرَادِ فَيُسْتَعْمَلُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ حُلْقُومِهِ) أَيْ لَمْ يَتَيَسَّرْ وَلَوْ بِعُسْرٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي يَعْنِي أَمْكَنَ وَلَوْ بِعُسْرٍ (قَوْلُهُ أَبِي الْعُشَرَاءِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْكُنَى: أَبُو الْعُشَرَاءِ بِالضَّمِّ الدَّارِمِيُّ أُسَامَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قَحْطَمٍ، وَيُقَالُ عُطَارِدُ بْنُ بَدْرٍ، وَيُقَالُ ابْنُ بِلَزٍّ، وَضَبَطَهُ فِي الْقَامُوسِ بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ أَيْضًا: أَيْ بِالْقَلَمِ (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا تَعَذَّرَ لُحُوقُهُ حَالًا) أَيْ بِحَسَبِ الْعُرْفِ كَأَنْ لَا يُدْرِكَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَوْ بِشِدَّةِ الْعَدْوِ وَرَاءَهُ، وَإِذَا تُرِكَ رُبَّمَا اسْتَقَرَّ فِي مَحَلٍّ آخَرَ فَيُدْرِكُهُ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي نَدَّ فِيهِ فَلَا يُكَلَّفُ الصَّبْرُ إلَى صَيْرُورَتِهِ كَذَلِكَ، وَمِنْهُ مَا لَوْ أَرَادَ ذَبْحَ دَجَاجَةٍ فَفَرَّتْ مِنْهُ وَلَمْ يُمْكِنْ قُدْرَتُهُ عَلَيْهَا لَا بِنَفْسِهِ وَلَا بِمُعِينٍ (قَوْلُهُ: فَلَوْ رَمَى غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ) هَذَا إلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيَكْفِي مُكَرَّرٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ رَأَيْتُهَا سَاقِطَةً فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (قَوْلُهُ: جَرْحٌ) الْجَرْحُ بِفَتْحِ الْجِيمِ مَصْدَرُ جَرَحَهُ، وَأَمَّا الْجُرْحُ بِالضَّمِّ فَهُوَ اسْمٌ اهـ عِصَامٌ عَلَى الْجَامِيِّ.
وَقَوْلُهُ فَهُوَ اسْمٌ: أَيْ لِلْأَثَرِ الْحَاصِلِ مِنْ فِعْلِ الْجَارِحِ (قَوْلُهُ: عَالِمًا كَانَ) أَيْ بِالثَّانِي

(قَوْلُهُ: لِيَذْبَحَهُ) أَيْ إنَّ اسْتَمَرَّتْ حَيَاتُهُ إلَى تَمَامِ الذَّبْحِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ عَدْوٌ) أَيْ سُرْعَةُ سَيْرٍ مِنْ الرَّامِي وَالْمُرْسِلِ بَعْدَ الرَّمْيِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: لِاسْتِعْمَالِ الْأَوَّلِ فِيهِ) أَيْ فِي الْبَعِيرِ دُونَ الثَّانِي: أَيْ الشَّاةِ، فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ النُّدُودُ وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الشِّرَادُ

(قَوْلُهُ: وَجُرْحُهُ) لَيْسَ بِقَيْدٍ فِي الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ هُنَا (قَوْلُهُ لِيَذْبَحَهُ) كَذَا فِي النُّسَخِ وَهُوَ مُحَرَّفٌ عَنْ قَوْلِهِ لِيُرِيحَهُ مِنْ الْإِرَاحَةِ كَمَا هُوَ فِي الدَّمِيرِيِّ (قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ عَدْوٌ) أَيْ مِنْ الْمُرْسِلِ بِكَسْرِ

جارٍ التحميل