غَيْرُ مُحْرَزٍ، نَعَمْ إنْ كَانَ السَّارِقُ فِي صُورَةِ غَلْقِ الْبَابَيْنِ أَحَدَ السُّكَّانِ الْمُنْفَرِدِ كُلٌّ مِنْهُمْ بِبَيْتٍ قُطِعَ؛ لِأَنَّ مَا فِي الصَّحْنِ لَيْسَ مُحْرَزًا عَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ وَنَحْوُهُ فَيُقْطَعُ لِإِحْرَازِهِ عَنْهُ (وَقِيلَ إنْ كَانَا مُغْلَقَيْنِ قُطِعَ) ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزٍ وَيُرَدُّ بِمَنْعِ مَا عُلِّلَ بِهِ.
(وَبِبَيْتٍ) نَحْوِ (خَانْ) وَرِبَاطٍ وَمَدْرَسَةٍ مِنْ كُلِّ مَا تَعَدَّدَ سَاكِنُو بُيُوتِهِ (وَصَحْنِهِ كَبَيْتٍ وَ) صَحْنِ (دَارٍ) لِوَاحِدٍ (فِي الْأَصَحِّ) فَيُقْطَعُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ دُونَ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ هَذِهِ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ صَحْنَ الْخَانِ لَيْسَ حِرْزًا لِصَاحِبِ الْبَيْتِ بَلْ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ السُّكَّانِ فَكَانَ كَسِكَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ أَهْلِهَا بِخِلَافِ صَحْنِ الدَّارِ فَيُقْطَعُ بِكُلِّ حَالٍ مَرْدُودٌ بِأَنَّ اعْتِيَادَ سُكَّانِ الْخَانِ وَضْعَ حَقِيرِ الْأَمْتِعَةِ بِصَحْنِهِ مُلْحَقَةٌ بِصَحْنِ الدَّارِ لَا السِّكَّةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، نَعَمْ لَوْ سَرَقَ أَحَدُ السُّكَّانِ مَا فِي الصَّحْنِ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُحْرَزًا عَنْهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ بَوَّابٌ، أَوْ مَا فِي حُجْرَةٍ مُغْلَقَةٍ قُطِعَ لِإِحْرَازِهِ عَنْهُ وَالثَّانِي يُقْطَعُ فِيهِ قَطْعًا؛ لِأَنَّ صَحْنَ الْخَانِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ السُّكَّانِ.
(فَصْلٌ) فِي شُرُوطِ السَّارِقِ الَّذِي يُقْطَعُ وَهِيَ تَكْلِيفٌ وَعِلْمُ تَحْرِيمٍ وَعَدَمُ شُبْهَةٍ وَإِذْنٍ وَالْتِزَامُ أَحْكَامٍ وَاخْتِيَارٌ وَفِيمَا يُثْبِتُ السَّرِقَةَ وَيُقْطَعُ بِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (لَا يُقْطَعُ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ) وَجَاهِلٌ مَعْذُورٌ بِجَهْلِهِ (وَمُكْرَهٌ) لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُمْ وَحَرْبِيٌّ وَمَنْ أَذِنَهُ الْمَالِكُ وَذُو شُبْهَةٍ، وَلَا يُقْطَعُ مُكْرِهٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْضًا لِمَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ قَطْعِ الْمُتَسَبِّبِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ كَانَ الْمُكْرَهُ بِالْفَتْحِ غَيْرَ مُمَيِّزٍ أَوْ أَعْجَمِيًّا يَعْتَقِدُ الطَّاعَةَ كَانَ آلَةً لِلْمُكْرِهِ فَيُقْطَعُ فَقَطْ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِلَا إكْرَاهٍ.
(وَيُقْطَعُ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ بِمَالِ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ) بِالْإِجْمَاعِ فِي مُسْلِمٍ بِمُسْلِمٍ وَبِعِصْمَةِ الذِّمِّيِّ وَالْتِزَامِهِ الْأَحْكَامَ وَلَوْ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِنَا كَمَا فِي الزِّنَى.
(وَفِي) (مُعَاهَدٍ) وَمُؤَمَّنٍ (أَقْوَالٌ أَحْسَنُهَا إنْ شُرِطَ قَطْعُهُ بِسَرِقَةٍ قُطِعَ) لِالْتِزَامِهِ الْأَحْكَامَ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُشْرَطْ ذَلِكَ (فَلَا) يُقْطَعُ لِانْتِفَاءِ الْتِزَامِهِ (قُلْت: الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا قَطْعَ) بِسَرِقَتِهِ مَالَ مُسْلِمٍ أَوْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا كَمَا لَا يُحَدُّ بِالزِّنَى (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) إذْ لَمْ يَلْتَزِمْ أَحْكَامَنَا فَهُوَ كَالْحَرْبِيِّ، نَعَمْ يُطَالَبُ بِرَدِّ مَا سَرَقَهُ أَوْ بَدَلِهِ جَزْمًا، وَلَا يُقْطَعُ أَيْضًا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ بِسَرِقَتِهِمَا مَالَهُ
[حاشية الشبراملسي]
أَحَدِ الْحِرْزَيْنِ فِي الْآخَرِ يَجْعَلُهُمَا كَالْحِرْزِ الْوَاحِدِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا فِي الصَّحْنِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ فَلَا قَطْعَ.
[فَرْعٌ] قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: لَوْ فَتَحَ شَخْصٌ الْحِرْزَ، وَدَخَلَ الدَّارَ فَحَدَثَ فِيهَا مَالٌ، وَهُوَ فِيهَا فَأَخَذَهُ وَخَرَجَ بِهِ فَلَا قَطْعَ لِأَخْذِهِ مِنْ حِرْزٍ مَهْتُوكٍ اهـ.
وَاعْتَمَدَهُ م ر.
أَقُولُ: لَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَهُمْ: إنَّ الْحِرْزَ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْحِرْزِيَّةِ بِفَتْحِ السَّارِقِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِيمَا إذَا وُضِعَ الْمَالُ قَبْلَ الْهَتْكِ، وَوَجْهُهُ اسْتِصْحَابُ الْحِرْزِيَّةِ وَالِاحْتِرَامُ لِلْحِرْزِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: فَيُقْطَعُ لِإِحْرَازِهِ عَنْهُ) وَمِنْهُ صُنْدُوقُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِلْآخَرِ فَيُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْهُ.
[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ السَّارِقِ الَّذِي يُقْطَعُ]
(فَصْلٌ) فِي شُرُوطِ السَّارِقِ (قَوْلُهُ: وَيُقْطَعُ بِهَا) أَيْ مِنْ الْأَعْضَاءِ (قَوْلُهُ: وَجَاهِلٌ مَعْذُورٌ بِجَهْلِهِ) أَيْ بِأَنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَبِعِصْمَةِ الذِّمِّيِّ) أَيْ وَبِسَبَبِ عِصْمَةِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا) شُرِطَ أَوْ لَا؟ (قَوْلُهُ: أَوْ بَدَلِهِ جَزْمًا) فِي هَذَا الصَّنِيعِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يُطَالَبُ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ مَا سَرَقَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا وَأَمْكَنَ
[حاشية الرشيدي]
(فَصْلٌ) فِي شُرُوطِ السَّارِقِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فِي شُرُوطِ السَّارِقِ) أَيْ فِي بَعْضِ، فَقَوْلُهُ: وَهِيَ تَكْلِيفٌ إلَخْ.
بَيَانٌ لِلشُّرُوطِ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا الَّتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْفَصْلِ (قَوْلُهُ: وَيُقْطَعُ بِهَا) أَيْ وَفِيمَا يُقْطَعُ بِهَا وَهُوَ أَطْرَافُهُ عَلَى مَا يَأْتِي
(قَوْلُهُ: لِالْتِزَامِهِ الْأَحْكَامَ)
لِاسْتِحَالَةِ قَطْعِهِمَا بِمَالِهِ دُونَ قَطْعِهِ بِمَالِهِمَا.
(وَتَثْبُتُ السَّرِقَةُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي الْمَرْدُودَةِ) فَيُقْطَعُ (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهَا إقْرَارٌ حُكْمًا وَهَذَا مَا ذَكَرَاهُ هُنَا، لَكِنَّهُمَا جَزَمَا فِي الدَّعَاوَى مِنْ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا بِعَدَمِ الْقَطْعِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ لَا يَثْبُتُ بِهَا، وَاعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِنَصِّ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى ثُبُوتِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِ وَهَمٌ؛ إذْ ثُبُوتُهُ لَا خِلَافَ فِيهِ (وَبِإِقْرَارِ السَّارِقِ) بَعْدَ دَعْوَى إنْ فَصَّلَهُ بِمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَةِ بِهَا، وَلَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ قَبُولِ الْإِطْلَاقِ مِنْ مُقِرٍّ فَقِيهٍ مُوَافِقٍ لِلْقَاضِي فِي مَذْهَبِهِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ إذْ كَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ الشُّبْهَةِ وَالْحِرْزِ وَقَعَ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ فَالْأَوْجَهُ اشْتِرَاطُ التَّفْصِيلِ مُطْلَقًا كَنَظِيرِهِ فِي الزِّنَى أَمَّا إقْرَارُهُ قَبْلَ تَقَدُّمِ دَعْوَى فَلَا يُقْطَعُ بِهِ حَتَّى يَدَّعِيَ الْمَالَ، وَيَثْبُتَ الْمَالُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ شَهِدَا بِسَرِقَةِ مَالِ غَائِبٍ أَوْ حَاضِرٍ حِسْبَةً قُبِلَا، وَلَا قَطْعَ حَتَّى يَدَّعِيَ الْمَالِكُ بِمَالِهِ ثُمَّ تُعَادَ الشَّهَادَةُ لِثُبُوتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْحِسْبَةِ لَا الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهَا وَإِنَّمَا اُنْتُظِرَ لِوُقُوعِ ظُهُورِ مُسْقِطٍ وَلَمْ يَظْهَرْ.
(وَالْمَذْهَبُ قَبُولُ رُجُوعِهِ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالسَّرِقَةِ كَالزِّنَى لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَطْعِ دُونَ الْمَالِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي الْقَطْعُ بِقَبُولِ رُجُوعِهِ) فَلَا يُقْطَعُ، وَفِي الْغُرْمِ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا وُجُوبُهُ، وَفِي طَرِيقٍ ثَالِثٍ الْقَطْعُ بِوُجُوبِ الْغُرْمِ أَيْضًا.
(وَمَنْ) (أَقَرَّ بِعُقُوبَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى) أَيْ بِمُوجِبِهَا كَزِنًى وَسَرِقَةٍ وَشُرْبِ مُسْكِرٍ وَلَوْ بَعْدَ دَعْوَى (فَالصَّحِيحُ أَنَّ لِلْقَاضِي) أَيْ يَجُوزُ لَهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، لَكِنْ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إشَارَةٌ إلَى نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى نَدْبِهِ، وَحَكَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ
[حاشية الشبراملسي]
انْتِزَاعُهُ مِنْهُ نُزِعَ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَتَثْبُتُ السَّرِقَةُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي الْمَرْدُودَةِ) ضَعِيفٌ
(قَوْلُهُ:؛ إذْ ثُبُوتُهُ) أَيْ الْمَالِ بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ) أَيْ الْإِقْرَارُ
(قَوْلُهُ: فَالْأَوْجَهُ اشْتِرَاطُ التَّفْصِيلِ مُطْلَقًا) أَيْ فَقِيهًا أَوْ غَيْرَهُ
(قَوْلُهُ: وَيَثْبُتُ الْمَالُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ إلَخْ) قَدْ يُشْكِلُ هَذَا الْأَخْذُ بِأَنَّ قَضِيَّةَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ لِثُبُوتِ الْمَالِ لَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ فِي الْمَأْخُوذِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْحِسْبَةِ، بِخِلَافِهِ فِي الْمَأْخُوذِ فَإِنَّ فِيهِ إقْرَارًا، وَالْمَالُ يَثْبُتُ بِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهَا) قَدْ يُقَالُ: قَضِيَّةُ هَذَا الصَّنِيعِ أَنَّ السَّرِقَةَ تَثْبُتُ قَبْلَ الدَّعْوَى فَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي قَوْلِهِ الْآتِي ثُمَّ ثُبُوتُ السَّرِقَةِ بِشُرُوطِهَا فَلْيُتَأَمَّلْ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا مُخَصِّصٌ لِلتَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ أَوْ بِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ ثُبُوتَ السَّرِقَةِ أَيْضًا فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
[فَرْعٌ] لَوْ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ رَجَعَ ثُمَّ كَذَّبَ رُجُوعَهُ، قَالَ الدَّمِيرِيِّ: لَا يُقْطَعُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِهَا ثُمَّ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ثُمَّ رَجَعَ، قَالَ الْقَاضِي: سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ كَانَ بِالْإِقْرَارِ وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الزِّنَى عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ، كَذَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ اهـ سم عَلَى حَجّ لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ فِيهِمَا خِلَافُهُ عِنْدَ م ر فِيمَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: وَالطَّرِيقُ الثَّانِي إلَخْ.) أَهْمَلَ ذِكْرَ الْقَوْلِ الثَّانِي مِنْ الطَّرِيقِ الْحَاكِيَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا فِي الْمَتْنِ.
وَعِبَارَةُ الْجَلَالِ عَقِبَ الْمَتْنِ وَفِي قَوْلٍ لَا كَالْمَالِ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي إلَخْ.
(قَوْلُهُ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ)
[حاشية الرشيدي]
الْوَجْهُ إسْقَاطُ الْأَحْكَامِ وَلَيْسَ هُوَ فِي التُّحْفَةِ
(قَوْلُهُ: أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ إلَخْ) اسْتَشْكَلَ ابْنُ قَاسِمٍ هَذَا الْأَخْذَ بِأَنَّ قَضِيَّةَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ لِثُبُوتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ إنَّمَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ فِي الْمَأْخُوذِ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْحِسْبَةِ، بِخِلَافِهِ فِي الْمَأْخُوذِ فَإِنَّهُ إقْرَارٌ وَالْمَالُ يَثْبُتُ بِهِ (قَوْلُهُ: لَا لِلْقَطْعِ) قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ: قَدْ يُقَالُ قَضِيَّةُ هَذَا أَنَّ السَّرِقَةَ تَثْبُتُ قَبْلَ الدَّعْوَى.
وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي قَوْلِهِ: أَيْ ابْنِ حَجَرٍ الْآتِي ثُمَّ ثُبُوتُ السَّرِقَةِ بِشُرُوطِهَا.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا تَخْصِيصٌ لِلتَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ أَوْ بِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ ثُبُوتَ السَّرِقَةِ أَيْضًا فَلْيُتَأَمَّلْ.
اهـ.
لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ الْجَوَابَ الثَّانِي لَا يَتَأَتَّى مَعَ قَوْلِهِ دَعْوَى الْمَالِكِ أَوْ وَلِيِّهِ أَوْ وَكِيلِهِ
وَقَضِيَّةُ تَخْصِيصِهِمْ الْجَوَازَ بِالْقَاضِي حُرْمَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْأَوْجَهُ جَوَازُهُ لِامْتِنَاعِ التَّلْقِينِ عَلَى الْحَاكِمِ دُونَ غَيْرِهِ (أَنْ يَعْرِضَ لَهُ) حَيْثُ كَانَ جَاهِلًا وُجُوبَ الْحَدِّ وَهُوَ مَعْذُورٌ كَمَا فِي التَّعْزِيرِ، وَلَعَلَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ إذْ الْعَالِمُ قَدْ تَطْرَأُ لَهُ دَهْشَةٌ فَلَا فَرْقَ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ (بِالرُّجُوعِ) عَنْ الْإِقْرَارِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِجَوَازِهِ فَيَقُولُ: لَعَلَّك قَبَّلْتَ فَاخَذْتَ أَخَذْتَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ غَصَبْتَ انْتَهَبْتَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ مَا شَرِبْتَهُ مُسْكِرٌ؛ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَّضَ بِهِ لِمَاعِزٍ وَقَالَ لِمَنْ أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالسَّرِقَةِ مَا أَخَالُكَ سَرَقْتَ، قَالَ بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ» .
وَالثَّانِي لَا يَعْرِضُ لَهُ.
وَالثَّالِثُ: يَعْرِضُ لَهُ إنْ جَهِلَ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ، فَإِنْ عَلِمَ فَلَا، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ بِالرُّجُوعِ أَنَّهُ لَا يَعْرِضُ لَهُ بِالْإِنْكَارِ أَيْ مَا لَمْ يَخْشَ أَنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهُ عَلَى إنْكَارِ الْمَالِ أَيْضًا فِيمَا يَظْهَرُ، وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ التَّعْرِيضُ إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، وَقَوْلُهُ لِلَّهِ يُفِيدُ أَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ لَا يَحُلُّ التَّعْرِيضُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يُفِدْ الرُّجُوعُ فِيهِ شَيْئًا، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ فِيهِ حَمْلًا عَلَى مُحَرَّمٍ فَهُوَ كَمُتَعَاطِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ (وَلَا يَقُولُ) لَهُ (ارْجِعْ) عَنْهُ أَوْ اجْحَدْهُ قَطْعًا فَيَأْثَمُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالْكَذِبِ، وَلَهُ أَنْ يَعْرِضَ لِلشُّهُودِ بِالتَّوَقُّفِ فِي حَدِّهِ تَعَالَى إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي السَّتْرِ وَإِلَّا فَلَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّعْرِيضُ، وَلَا لَهُمْ التَّوَقُّفُ عِنْدَ تَرَتُّبِ مَفْسَدَةٍ عَلَى ذَلِكَ مِنْ ضَيَاعِ الْمَسْرُوقِ أَوْ حَدٍّ لِلْغَيْرِ.
(وَلَوْ) (أَقَرَّ بِلَا دَعْوَى) أَوْ بَعْدَ دَعْوَى مِنْ وَكِيلٍ لِلْغَائِبِ شَمِلَتْ وَكَالَتُهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَشْعُرْ الْمَالِكُ بِهَا أَوْ شَهِدَ بِهَا حِسْبَةً (أَنَّهُ سَرَقَ مَالَ زَيْدٍ الْغَائِبِ) أَوْ الصَّبِيِّ أَوْ الْمَجْنُونِ وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ السَّفِيهُ (لَمْ يُقْطَعْ فِي الْحَالِ بَلْ) يُحْبَسُ وَ (يُنْتَظَرُ حُضُورُهُ) وَكَمَالُهُ وَمُطَالَبَتُهُ (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُقِرُّ لَهُ بِهِ بِالْإِبَاحَةِ أَوْ الْمِلْكِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الْقَطْعُ وَإِنْ كَذَّبَهُ كَمَا مَرَّ، أَمَّا بَعْدَ دَعْوَى الْمُوَكِّلِ فَلَا انْتِظَارَ لِعَدَمِ احْتِمَالِ الْإِبَاحَةِ هُنَا، وَنَحْوُ الصَّبِيِّ يُمْكِنُ أَنْ يُمَلِّكَهُ عَقِبَ الْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ وَقَبْلَ الرَّفْعِ إلَى الْحَاكِمِ فَيَسْقُطُ الْقَطْعُ أَيْضًا.
وَلَا يُشْكِلُ حَبْسُهُ هُنَا بِعَدَمِهِ فِيمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالِ غَائِبٍ؛ لِأَنَّ لَهُ الْمُطَالَبَةَ بِالْقَطْعِ فِي الْجُمْلَةِ لَا بِمَالِ الْغَائِبِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ مَاتَ عَنْ نَحْوِ طِفْلٍ حُبِسَ؛ لِأَنَّهُ لَهُ بَلْ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ حِينَئِذٍ.
(أَوْ) أَقَرَّ (أَنَّهُ أَكْرَهَ أَمَةَ غَائِبٍ عَلَى الزِّنَى) أَوْ زَنَى بِهَا (حُدَّ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ الْجَوَازُ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ جَوَازُهُ) أَيْ مِنْ الْغَيْرِ (قَوْلُهُ: فَلَا فَرْقَ) أَيْ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ (قَوْلُهُ مَا لَمْ يَخْشَ) مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِالرُّجُوعِ فَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهَا قَبْلَ قَوْلِهِ وَأَفْهَمَ، وَعِبَارَةُ حَجّ: وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ أَقَرَّ أَنَّ لَهُ قَبْلَ الْإِقْرَارِ وَلَا بَيِّنَةَ حَمْلَهُ بِالتَّعْرِيضِ عَلَى الْإِنْكَارِ: أَيْ مَا لَمْ يَخْشَ أَنَّ ذَلِكَ إلَخْ اهـ (قَوْلُهُ: لَا يَحِلُّ التَّعْرِيضُ) أَيْ وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ لَا يُقْبَلُ (قَوْلُهُ: فَيَأْثَمُ بِهِ) وَمِثْلُ الْقَاضِي غَيْرُهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالْكَذِبِ) إنْ رَجَعَ الْمَتْنُ أَيْضًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ دَلَّ عَلَى تَضَمُّنِ الرُّجُوعِ الْكَذِبَ فَيُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّعْرِيضِ بِالرُّجُوعِ وَالتَّعْرِيضِ بِالْإِنْكَارِ، وَأَنَّ فِي الثَّانِي حَمْلًا عَلَى الْكَذِبِ، وَتَسْلِيمُ ذَلِكَ فِي الْجَوَابِ مَعَ الِاعْتِذَارِ عَنْهُ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْحَمْلِ عَلَى الْكَذِبِ وَالْأَمْرِ بِهِ فَلْيُحَرَّرْ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: أَوْ حَدٍّ لِلْغَيْرِ) وَمِثْلُهُ بِالْأَوْلَى مَا لَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
(قَوْلُهُ: شَمِلَتْ وَكَالَتُهُ ذَلِكَ) أَيْ الدَّعْوَى كَأَنْ وَكَّلَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّعَاوَى (قَوْلُهُ: أَوْ الْمِلْكِ) هَذَا التَّعْلِيلُ لَا يَأْتِي فِي الصَّبِيِّ وَالْمَحْنُونِ وَالسَّفِيهِ لَكِنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّهُ قَدْ يَبْلُغُ الصَّبِيُّ إلَخْ فَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَذَّبَهُ) أَيْ كَذَّبَ الْمُقِرُّ الْمَالِكَ (قَوْلُهُ: أَمَّا بَعْدَ دَعْوَى الْمُوَكِّلِ فَلَا انْتِظَارَ) أَيْ بِأَنْ ادَّعَى مَثَلًا ثُمَّ سَافَرَ وَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ سَفَرِ الْمُدَّعِي (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ لَهُ الْمُطَالَبَةَ) أَيْ الْحَاكِمِ (وَقَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ لَوْ مَاتَ) أَيْ الْمَالِكُ،
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: دُونَ غَيْرِهِ) أَيْ فَهُوَ أَوْلَى بِالْجِوَارِ (قَوْلُهُ: وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ: لِلرُّجُوعِ أَنَّهُ لَا يُعَرَّضُ لَهُ بِالْإِنْكَارِ إلَخْ.) صَوَابُهُ مَا فِي التُّحْفَةِ وَنَصُّهُ: وَقَوْلُهُ: أَيْ وَأَفْهَمَ قَوْلُ الْمَتْنِ أَقَرَّ أَنَّ لَهُ قَبْلَ الْإِقْرَارِ وَلَا بَيِّنَةَ حَمَلَهُ بِالتَّعْوِيضِ عَلَى الْإِنْكَارِ: أَيْ مَا لَمْ يَخْشَ إلَخْ.
وَلَعَلَّ صُورَةَ إنْكَارِ السَّرِقَةِ دُونَ الْمَالِ كَأَنْ يُقِرَّ بِهِ وَيَدَّعِيَ أَنَّهُ أَخَذَهُ بِشُبْهَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ لَوْ مَاتَ)
فِي الْحَالِ فِي الْأَصَحِّ) لِعَدَمِ تَوَقُّفِهِ عَلَى طَلَبٍ وَلِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ، وَمِنْ ثَمَّ تَوَقَّفَ الْمَهْرُ عَلَى حُضُورِهِ لِسُقُوطِهِ بِالْإِسْقَاطِ وَاحْتِمَالِ كَوْنِهَا وُقِفَتْ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ لِضَعْفِ الشُّبْهَةِ فِيهِ، وَلِهَذَا جَرَيَا فِي بَابِ الْوَقْفِ عَلَى حَدِّهِ بِوَطْءِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَيْهِ أَوْ أَنَّهُ نَذَرَ لَهُ بِهَا كَذَلِكَ لِنُدْرَتِهِ، وَالثَّانِي يُنْتَظَرُ حُضُورُهُ لِلِاحْتِمَالِ الْمَارِّ.
(وَيَثْبُتُ) الْقَطْعُ (بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ) كَسَائِرِ الْعُقُوبَاتِ غَيْرِ الزِّنَى (فَلَوْ) (شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) بَعْدَ دَعْوَى الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ أَوْ رَجُلٌ وَحَلَفَ مَعَهُ (ثَبَتَ الْمَالُ وَلَا قَطْعَ) كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِذَلِكَ الْغَصْبُ الْمُعَلَّقُ بِهِ طَلَاقٌ أَوْ عِتْقٌ دُونَهُمَا حَيْثُ تَقَدَّمَ التَّعْلِيقُ عَلَى الثُّبُوتِ وَإِلَّا وَقَعَا كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ فِي الصَّوْمِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدُوا قَبْلَ الدَّعْوَى فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ؛ إذْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ فِي الْمَالِ كَمَا مَرَّ (وَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ الشَّاهِدِ) هُوَ لِلْجِنْسِ أَيْ كُلٌّ مِنْ شَاهِدَيْهِ (لِشُرُوطِ السَّرِقَةِ) الْمَارَّةِ؛ إذْ قَدْ يَظُنَّانِ مَا لَيْسَ بِسَرِقَةٍ سَرِقَةً فَيُبَيِّنَانِ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ وَالْمَسْرُوقَ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا أَنَّهُ نِصَابٌ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ فِيهِ وَفِي قِيمَتِهِ لِلْحَاكِمِ بِهِمَا أَوْ بِغَيْرِهِمَا، وَلَا أَنَّهُ مِلْكٌ لِغَيْرِ السَّارِقِ بَلْ لِلْمَالِكِ إثْبَاتُهُ بِغَيْرِهِمَا وَكَوْنُهَا مِنْ حِرْزٍ بِتَعْيِينِهِ أَوْ وَصْفِهِ وَيَقُولَانِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ شُبْهَةً، وَغَيْرُ ذَلِكَ كَاتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ، وَيُشِيرُ إلَى السَّارِقِ إنْ حَضَرَ، وَإِلَّا ذَكَرَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، وَمَا اُسْتُشْكِلَ بِهِ مِنْ أَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ عَلَى غَائِبٍ فِي حَدٍّ لَهُ تَعَالَى يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِغَائِبٍ مُتَعَزِّزٍ أَوْ مُتَوَارٍ بَعْدَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ.
(وَلَوْ) (اخْتَلَفَ شَاهِدَانِ) فِيمَا بَيْنَهُمَا (كَقَوْلِهِ) أَيْ أَحَدِهِمَا (سَرَقَ) هَذَا الْعَيْنَ أَوْ ثَوْبًا أَبْيَضَ (بُكْرَةً وَ) قَوْلِ (الْآخَرِ) سَرَقَهَا أَوْ ثَوْبًا أَسْوَدَ (عَشِيَّةً) (فَبَاطِلَةٌ) لِلتَّنَافِي فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا قَطْعٌ نَعَمْ لِلْمَالِكِ الْحَلِفُ مَعَ أَحَدِهِمَا وَمَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا إنْ وَافَقَ شَهَادَةَ كُلٍّ دَعْوَاهُ وَأُخِذَ الْمَالَ، وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِكَبْشٍ وَالْآخَرُ بِكَبْشَيْنِ ثَبَتَ وَاحِدٌ وَقُطِعَ إنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَلَهُ الْحَلِفُ مَعَ شَاهِدِ الزِّيَادَةِ وَأَخَذَهَا، أَوْ اثْنَانِ أَنَّهُ سَرَقَ هَذِهِ بُكْرَةً وَآخَرَانِ أَنَّهُ سَرَقَهَا عَشِيَّةً تَعَارَضَتَا وَلَمْ يُحْكَمْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ ثَبَتَا وَقُطِعَا إذْ لَا تَعَارُضَ.
(وَعَلَى السَّارِقِ رَدُّ مَا سَرَقَ) وَإِنْ قُطِعَ لِخَبَرِ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» وَلِأَنَّ الْقَطْعَ حَقُّهُ تَعَالَى وَالْغُرْمُ حَقُّ الْآدَمِيِّ فَلَمْ يُسْقِطُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ
[حاشية الشبراملسي]
وَقَوْلُهُ حُبِسَ) : أَيْ الْمُقِرُّ، (وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ لَهُ) : أَيْ الْحَاكِمِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَنَّهُ نَذَرَ لَهُ بِهَا كَذَلِكَ) أَيْ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ (قَوْلُهُ: لِنُدْرَتِهِ) أَفَادَ أَنَّهُ إذَا وَطِئَ الْأَمَةَ الْمَنْذُورَ لَهُ بِهَا وَهِيَ بِيَدِ النَّاذِرِ لَا يُحَدُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِالنَّذْرِ (قَوْلُهُ: لِلِاحْتِمَالِ الْمَارِّ) أَيْ فِي تَوْجِيهِ الْأَصَحِّ مِنْ قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُقِرُّ لَهُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا أَنَّهُ مِلْكٌ لِغَيْرِ السَّارِقِ) أَيْ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا أَنْ يُبَيِّنَا أَنَّهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَيَقُولَانِ لَا نَعْلَمُ) مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرِ ذِكْرُهَا.
(قَوْلُهُ: وَمَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ يَمِينًا وَاحِدَةً عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ: إنْ وَافَقَ شَهَادَةَ كُلٍّ دَعْوَاهُ) أَيْ كَأَنْ ادَّعَى بِعَيْنٍ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ سَرَقَهَا بُكْرَةً، وَالْآخَرُ عَشِيَّةً فَيَحْلِفُ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ إنْ شَاءَ حَلَفَ أَنَّهُ سَرَقَهَا بُكْرَةً وَإِنْ شَاءَ حَلَفَ أَنَّهُ سَرَقَهَا عَشِيَّةً، فَإِنْ وَافَقَتْ دَعْوَاهُ شَهَادَةَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ حَلَفَ مَعَ مَنْ وَافَقَتْ شَهَادَتُهُ أَحَدَهُمَا وَالْآخَرُ بِأَنَّهُ سَرَقَ ثَوْبًا أَسْوَدَ فَيَحْلِفُ مَعَ الْأَوَّلِ لِمُوَافَقَةِ شَهَادَتِهِ دَعْوَاهُ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُحْكَمْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ لَيْسَتْ مُرَجِّحَةً.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى السَّارِقِ رَدُّ مَا سَرَقَ) أَيْ وَأُجْرَتُهُ مُدَّةَ وَضْعِ يَدِهِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي كَمَنَافِعِهِ اهـ سم
[حاشية الرشيدي]
أَيْ الْغَائِبُ
(قَوْلُهُ: يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ) يَعْنِي: السَّمَاعَ
(قَوْلُهُ: هَذِهِ الْعَيْنُ أَوْ ثَوْبًا أَبْيَضَ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ مَعَ الْمَتْنِ سَرَقَ هَذِهِ الْعَيْنَ أَوْ ثَوْبًا أَبْيَضَ أَوْ بَكَرَةً، وَقَوْلُ الْآخَرِ سَرَقَ هَذَا مُشِيرًا لِأُخْرَى أَوْ ثَوْبًا أَسْوَدَ أَوْ عَشِيَّةً فَبَاطِلَةٌ انْتَهَتْ.
فَمُرَادُهُ تَصْوِيرُ الِاخْتِلَافِ فِي الْعَيْنِ وَفِي الْوَصْفِ وَفِي الزَّمَنِ، وَمَا صَنَعَهُ الشَّارِحُ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا إلَّا أَنَّهُ فَاتَهُ هَذَا الْغَرَضُ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا مَوْقِعَ لِقَوْلِهِ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ بَعْدَ ذِكْرِ الْعَيْنِ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الزَّمَنِ كَافٍ (قَوْلُهُ: وَمَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا) تَوَقَّفَ ابْنُ قَاسِمٍ فِي هَذَا، وَنَقَلَ عَلَيْهِ عِبَارَةَ الرَّوْضِ وَنَصَّهَا: وَإِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِثَوْبٍ أَبْيَضَ وَآخَرُ بِأَسْوَدَ
وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَسْقُطْ الضَّمَانُ، وَالْقَطْعُ عَنْهُ بِرَدِّهِ الْمَالَ لِلْحِرْزِ (فَإِنْ تَلِفَ ضَمِنَهُ) كَمَنَافِعِهِ مِنْ مِثْلٍ فِي الْمِثْلِيِّ وَأَقْصَى قِيمَةٍ فِي الْمُتَقَوِّمِ.
(وَتُقْطَعُ يَمِينُهُ) أَيْ السَّارِقِ الَّذِي لَهُ أَرْبَعٌ إذْ هُوَ الَّذِي يَتَأَتَّى فِيهِ التَّرْتِيبُ الْآتِي بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَتْ شَلَّاءَ حَيْثُ أُمِنَ نَزْفُ الدَّمِ وَلِأَنَّ الْبَطْشَ بِهَا أَقْوَى فَكَانَتْ الْبُدَاءَةُ بِهَا أَرْدَعَ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقْطَعْ ذَكَرُ الزَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِثْلُهُ وَبِهِ يَفُوتُ النَّسْلُ الْمَطْلُوبُ بَقَاؤُهُ، وَقَاطِعُهَا فِي غَيْرِ الْقِنِّ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ، فَلَوْ فَوَّضَهُ لِلسَّارِقِ لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعَ (فَإِنْ سَرَقَ ثَانِيًا بَعْدَ قَطْعِهَا) وَانْدِمَالِ الْقَطْعِ الْأَوَّلِ وَفَارَقَ تَوَالَى الْقَطْعُ فِي الْحِرَابَةِ؛ لِأَنَّهُمَا ثَمَّ حَدٌّ وَاحِدٌ (فَرِجْلُهُ الْيُسْرَى) هِيَ الَّتِي تُقْطَعُ (وَ) إنْ سَرَقَ (ثَالِثًا) قُطِعَتْ (يَدُهُ الْيُسْرَى وَ) إنْ سَرَقَ (رَابِعًا) قُطِعَتْ (رِجْلُهُ الْيُمْنَى) لِخَبَرِ الشَّافِعِيِّ بِذَلِكَ وَلَهُ شَوَاهِدُ، وَصَحَّ مَا ذُكِرَ فِي الثَّالِثَةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ، وَحِكْمَةُ قَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ أَنَّهُمَا آلَةُ السَّرِقَةِ بِالْأَخْذِ وَالنَّقْلِ وَقَطْعِ مَا ذُكِرَ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ أَنَّ السَّرِقَةَ مَرَّتَيْنِ تَعْدِلُ الْحِرَابَةِ شَرْعًا وَهُمَا يُقْطَعَانِ فِي مَرَّةٍ مِنْهَا كَمَا يَأْتِي، أَمَّا قَبْلَ قَطْعِهَا فَسَيَأْتِي وَمَحَلُّهُ فِي الْعُضْوِ الْأَصْلِيِّ، فَلَوْ كَانَ لَهُ يَدَانِ مَثَلًا وَعُلِمَتْ الْأَصْلِيَّةُ قُطِعَتْ دُونَ الزَّائِدَةِ، وَإِلَّا اكْتَفَى بِقَطْعِ إحْدَاهُمَا وَلَا يُقْطَعَانِ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إلَّا
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: بِرَدِّهِ الْمَالَ لِلْحِرْزِ) أَيْ وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ السَّرِقَةُ إلَّا بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَقَدْ يُخْرِجُ قَوْلُهُ بِرَدِّهِ إلَخْ مَا لَوْ أَخَذَهُ الْمَالِكُ قَبْلَ الرَّفْعِ لِلْقَاضِي كَأَنْ رَمَاهُ السَّارِقُ خَارِجَ الْحِرْزِ فَأَخَذَهُ الْمَالِكُ فَلَا قَطْعَ لِتَعَذُّرِ طَلَبِ الْمَالِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِرَدِّهِ لِلْحِرْزِ قَبْلَ وَضْعِ الْمَالِكِ يَدَهُ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ أُمِنَ نَزْفُ الدَّمِ) أَيْ فَإِنْ لَمْ يُؤْمَنْ نَزْفُ الدَّمِ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، بِخِلَافِ مَا سَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ أَنَّهُ لَوْ شُلَّتْ بَعْدَ السَّرِقَةِ وَلَمْ يُؤْمَنْ نَزْفُ الدَّمِ فَإِنَّ الْقَطْعَ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ بِالسَّرِقَةِ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهَا، فَإِذَا تَعَذَّرَ قَطْعُهَا سَقَطَ بِخِلَافِهِ هُنَا، فَإِنَّ الشَّلَلَ مَوْجُودٌ ابْتِدَاءً، فَإِذَا تَعَذَّرَ قَطْعُهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ الْقَطْعُ بِهَا بَلْ بِمَا بَعْدَهَا م ر اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَقَاطِعُهَا فِي غَيْرِ الْقِنِّ) أَيْ مِنْ حُرٍّ وَمُبَعَّضٍ وَمُكَاتَبٍ، أَمَّا الْقِنُّ فَقَاطِعُهَا السَّيِّدُ وَالْإِمَامُ (قَوْلُهُ: فَلَوْ فَوَّضَهُ) أَيْ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ
(قَوْلُهُ: لِلسَّارِقِ) وَخَرَجَ بِالسَّارِقِ مَا لَوْ فَوَّضَهُ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَيَقَعُ الْمَوْقِعَ وَإِنْ امْتَنَعَ التَّفْوِيضُ لَهُ مَخَافَةَ أَنْ يُرَدِّدَ عَلَيْهِ الْآلَةَ فَيُؤَدِّيَ إلَى إهْلَاكِهِ، وَخَرَجَ بِفَوَّضَ إلَيْهِ مَا لَوْ فَعَلَهُ بِلَا إذْنٍ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فَلَا يَقَعُ حَدًّا، وَإِنْ امْتَنَعَ الْقَطْعُ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ (قَوْلُهُ: لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعَ) فِي الرَّوْضِ فِي بَابِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ قُبَيْلَ الطَّرَفِ الثَّانِي مَا نَصُّهُ: وَلَوْ أَذِنَ الْإِمَامُ لِلسَّارِقِ: أَيْ فِي قَطْعِ يَدِهِ فَقَطَعَ يَدَهُ جَازَ وَيُجْزِي اهـ قَالَ فِي شَرْحِهِ وَمَا ذَكَرَهُ كَأَصْلِهِ مِنْ الْجَوَازِ نَاقَضَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الثَّانِي مِنْ أَبْوَابِ الْوَكَالَةِ اهـ سم عَلَى حَجّ: أَيْ فَمَا فِي الْوَكَالَةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَكَتَبَ أَيْضًا حَفِظَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعَ: أَيْ وَيَكُونُ كَالسُّقُوطِ بِآفَةٍ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ وَمِنْهُ سُقُوطُ الْقَطْعِ، وَعَلَيْهِ فَيُشْكِلُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلِ بِوُقُوعِ الْمَوْقِعِ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُسْقِطُ الْقَطْعَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إذَا قُلْنَا بِوُقُوعِ الْمَوْقِعِ كَانَ قَطْعُهَا حَدًّا جَابِرًا لِلسَّرِقَةِ مِنْ حَيْثُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَيْثُ قُلْنَا لَا يَقَعُ الْمَوْقِعَ لَمْ يَكُنْ سُقُوطُهَا حَدًّا لَكِنَّهُ تَعَذَّرَ الْحَدُّ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ فَلَا يَكُونُ سُقُوطُهَا جَابِرًا لِلسَّرِقَةِ، وَإِنْ اشْتَرَكَتْ الصُّورَتَانِ فِي عَدَمِ لُزُومِ شَيْءٍ لِلسَّارِقِ بَعْدُ
(قَوْلُهُ: وَانْدِمَالِ الْقَطْعِ الْأَوَّلِ) أَيْ فَلَوْ وَالَى بَيْنَهُمَا فَمَاتَ الْمَقْطُوعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْحُدُودِ
[حاشية الرشيدي]
فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا، وَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَ الْآخَرُ وَيَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَاسْتَحَقَّهُمَا
(قَوْلُهُ: وَانْدِمَالُ الْقَطْعِ) كَانَ يَنْبَغِي التَّعْبِيرُ بِغَيْرِ هَذَا لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى إلَّا إنْ سَرَقَ بَعْدَ قَطْعِ الْيُمْنَى وَانْدِمَالِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَ بَعْدَ الْقَطْعِ وَقَبْلَ الِانْدِمَالِ (قَوْلُهُ: وَقُطِعَ مَا ذُكِرَ بِالثَّالِثَةِ) لَعَلَّهُ بِالثَّانِيَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ) أَفْهَمَ أَنَّ
زَائِدَةً قُطِعَتْ وَإِنْ فُقِدَتْ أَصَابِعُهَا، وَتُعْرَفُ الزَّائِدَةُ بِنَحْوِ نَقْصِ أُصْبُعٍ وَضَعْفِ بَطْشٍ وَفُحْشِ قِصَرٍ (وَبَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ قَطْعِ الْأَرْبَعِ إذَا سَرَقَ أَوْ سَرَقَ أَوَّلًا، وَلَا أَرْبَعَ لَهُ (يُعَزَّرُ) لِعَدَمِ وُرُودِ شَيْءٍ فِيهِ وَخَبَرُ قَتْلِهِ مُنْكَرٌ وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يَكُونُ مَنْسُوخًا أَوْ مَحْمُولًا عَلَى قَتْلِهِ بِزِنًى أَوْ اسْتِحْلَالٍ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا بَعْضُ الْأَرْبَعِ فَيُقْطَعُ فِي الْأُولَى مَا يُقْطَعُ فِي الثَّانِيَةِ بَلْ الرَّابِعَةُ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا رِجْلٌ يُمْنَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُوجَدْ مَا قَبْلَهَا تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِهَا.
(وَيُغْمَسُ) نَدْبًا (مَحَلُّ قَطْعِهِ) (بِزَيْتٍ) خُصَّ كَأَنَّهُ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ (أَوْ دُهْنٍ) آخَرَ (مُغْلًى) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ لِصِحَّةِ الْأَمْرِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ يَسُدُّ أَفْوَاهَ الْعُرُوقِ فَيَنْحَسِمُ الدَّمُ وَخَصَّهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِالْحَضَرِيِّ، أَمَّا الْبَدَوِيُّ فَيُحْسَمُ بِالنَّارِ؛ لِأَنَّهُ عَادَتُهُمْ فَدَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ عَادَةِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ ثَمَّ (قِيلَ هُوَ) أَيْ الْحَسْمُ (تَتِمَّةٌ لِلْحَدِّ) فَيَلْزَمُ الْإِمَامَ فِعْلُهُ هُنَا لَا فِي الْقَوَدِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَزِيدَ إيلَامٍ يُحْمَلُ الْمَقْطُوعُ عَلَى تَرْكِهِ، (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَقْطُوعِ) ؛ لِأَنَّهُ تَدَاوٍ يُدْفَعُ بِهِ الْهَلَاكُ بِسَبَبِ نَزْفِ الدَّمِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى فِعْلِهِ (فَمُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ) هُنَا وَكَذَا عَلَى الْأَوَّلِ مَا لَمْ يَجْعَلْهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَأُجْرَةِ الْجَلَّادِ (وَلِلْإِمَامِ إهْمَالُهُ) مَا لَمْ يُفْضِ تَرْكُهُ لِتَلَفِهِ لِتَعَذُّرِ فِعْلِهِ مِنْ الْمَقْطُوعِ بِنَحْوِ إغْمَاءٍ كَمَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَعَلَيْهِ لَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ لَزِمَ كُلَّ مَنْ عَلِمَ بِهِ وَلَهُ قُدْرَةٌ عَلَى ذَلِكَ فِعْلُهُ بِهِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(وَتُقْطَعُ الْيَدُ مِنْ كُوعٍ) لِلِاتِّبَاعِ وَلِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْكَفِّ؛ وَلِذَا وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ (وَ) تُقْطَعُ (الرِّجْلُ مِنْ مَفْصِلِ الْقَدَمِ) وَهُوَ الْكَعْبُ كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ.
(وَمَنْ سَرَقَ مِرَارًا بِلَا قَطْعٍ) لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَى حَدٍّ وَاحِدٍ وَإِنَّمَا (كَفَتْ يَمِينُهُ) عَنْ الْكُلِّ لِاتِّحَادِ السَّبَبِ فَتَدَاخَلَتْ لِوُجُودِ الْحِكْمَةِ وَهِيَ الزَّجْرُ، وَكَذَا لَوْ زَنَى بِكْرًا أَوْ شَرِبَ مِرَارًا وَإِنَّمَا تَعَدَّدَتْ فِدْيَةُ نَحْوِ لُبْسِ الْمُحْرِمِ؛ لِأَنَّ فِيهَا حَقًّا لِلْآدَمِيِّ بِاعْتِبَارِ غَالِبِ مَصْرِفِهَا وَلَا كَذَلِكَ هُنَا، وَلَوْ سَرَقَ بَعْدَ قَطْعِ الْيُمْنَى مِرَارًا كَفَى قَطْعُ الرِّجْلِ عَنْ الْكُلِّ، وَهَكَذَا عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَرَّرَ، وَيَكْفِي قَطْعُ الْعُضْوِ الْمُتَوَجَّهِ قَطْعُهُ مِنْ يَدٍ أَوْ غَيْرِهَا.
(وَإِنْ نَقَصَتْ أَرْبَعُ أَصَابِعَ قُلْتُ) أَخْذًا مِمَّا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ (وَكَذَا) تُجْزِئُ (لَوْ) (ذَهَبَتْ الْخَمْسُ) الْأَصَابِعُ مِنْهَا (فِي الْأَصَحِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِإِطْلَاقِ اسْمِ الْيَدِ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ مَعَ وُجُودِ الزَّجْرِ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْإِيلَامِ وَالتَّنْكِيلِ، وَإِنْ سَقَطَ بَعْضُ كَفِّهَا أَيْضًا.
(وَتُقْطَعُ يَدٌ) أَوْ رِجْلٌ (زَائِدَةٌ أُصْبُعًا) فَأَكْثَرَ (فِي الْأَصَحِّ) لِشُمُولِ اسْمِ الْيَدِ لَهَا، وَفَارَقَ الْقَوَدَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْمُسَاوَاةُ، وَالثَّانِي لَا بَلْ يُعْدَلُ إلَى الرِّجْلِ.
(وَلَوْ سَرَقَ فَسَقَطَتْ يَمِينُهُ بِآفَةٍ) أَوْ قَوَدٍ أَوْ ظُلْمًا أَوْ شُلَّتْ وَخُشِيَ مِنْ قَطْعِهَا نَزْفُ الدَّمِ (سَقَطَ الْقَطْعُ) وَلَمْ تُقْطَعْ الرِّجْلُ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِعَيْنِهَا فَسَقَطَ بِفَوَاتِهَا (أَوْ) سَقَطَتْ (يَسَارُهُ) بِذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ يَمِينِهِ (فَلَا)
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: وَبَعْدَ ذَلِكَ يُعَزَّرُ) فِي الْعُبَابِ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَظَاهِرُ الْمَتْنِ أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ.
(قَوْلُهُ: وَخَصَّهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِالْحَضَرِيِّ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: لَزِمَ كُلَّ مَنْ عَلِمَ بِهِ) أَيْ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَثِمَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْإِمَامِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَى حَدٍّ وَاحِدٍ) أَيْ وَإِنْ عُلِمَتْ السَّرِقَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ وَلَمْ يُقْطَعْ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا تَعَدَّدَتْ) أَيْ كَأَنْ لَبِسَ أَوَّلًا ثُمَّ بَعْدَ نَزْعِ الثَّوْبِ أَوْ الْعِمَامَةِ أَعَادَ اللُّبْسَ ثَانِيًا.
(قَوْلُهُ وَلَوْ سَرَقَ فَسَقَطَتْ يَمِينُهُ بِآفَةٍ) أَفْهَمَ أَنَّهَا لَوْ فُقِدَتْ قَبْلَ
[حاشية الرشيدي]
الثَّانِيَةَ تُقْطَعُ بِسَرِقَةٍ ثَانِيَةٍ وَقَدْ شَمَلَهُ مَا بَعْدَهُ وَصَرَّحَ بِهِ الزِّيَادِيُّ (قَوْلُهُ: مُنْكِرٌ) عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مُنْكَرٌ لَا أَصْلَ لَهُ انْتَهَتْ.
وَهِيَ قَدْ تُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُنْكَرِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَهُوَ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ غَيْرُ الثِّقَةِ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ بَعْدُ وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ وَلَمْ يَقُلْ وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ قَدْ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُنْكَرُ بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ
يَسْقُطُ الْقَطْعُ (عَلَى الْمَذْهَبِ) لِبَقَاءِ مَحَلِّ الْقَطْعِ، وَقِيلَ يَسْقُطُ فِي قَوْلٍ، وَلَوْ أَخْرَجَ السَّارِقُ لِلْجَلَّادِ يَسَارَهُ فَقَطَعَهَا فَإِنْ قَالَ الْمُخْرِجُ ظَنَنْتُهَا الْيَمِينَ أَوْ أَنَّهَا تُجْزِئُ أَجْزَأَتْهُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْأَدَاءِ بِقَصْدِ الدَّافِعِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ يُومِئُ إلَى تَرْجِيحِهَا كَلَامُ الرَّوْضَةِ، وَصَحَّحَهَا الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ بَابِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَالْمُصَنِّفُ فِي تَصْحِيحِهِ، وَصَحَّحَهَا الْإِسْنَوِيُّ وَإِنْ حَكَى فِي الرَّوْضَةِ طَرِيقَةً أُخْرَى أَنَّهُ يُسْأَلُ الْجَلَّادُ، فَإِنْ قَالَ ظَنَنْتُهَا الْيَمِينَ أَوْ أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهَا وَحَلَفَ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ وَأَجْزَأَتْهُ، أَوْ عَلِمْتُهَا الْيَسَارَ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْمُخْرِجُ بَدَلَهَا عَنْ الْيَمِينِ أَوْ إبَاحَتَهَا وَلَمْ تُجْزِهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي.
[حاشية الشبراملسي]
السَّرِقَةِ تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِالْيُسْرَى فَتُقْطَعُ وَيَشْمَلُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ السَّابِقُ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا بَعْضُ الْأَرْبَعِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَالَ الْمُخْرِجُ ظَنَنْتُهَا الْيَمِينَ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ: أَيْ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَلَّادِ فِي الْحَالَيْنِ.
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: نَدْبًا) يَعْنِي: بِنَاءً عَلَى خُصُوصِ الْأَصَحِّ الْآتِي دُونَ مُقَابِلِهِ الْآتِي أَيْضًا.
«مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» حَدِيثٌ شَرِيفٌ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابُ قَاطِعِ الطَّرِيقِ أَيْ أَحْكَامِهِمْ، وَقَطْعُهُ هُوَ الْبُرُوزُ لِأَخْذِ مَالٍ أَوْ لِقَتْلٍ أَوْ إرْهَابٍ مُكَابَرَةً اعْتِمَادًا عَلَى الشَّوْكَةِ مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْغَوْثِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الْآيَةَ، قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: إنَّمَا نَزَلَتْ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَا فِي الْكُفَّارِ، وَاحْتَجُّوا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] الْآيَةَ، إذْ الْمُرَادُ التَّوْبَةُ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْكُفَّارَ لَكَانَتْ تَوْبَتُهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ، وَهُوَ دَافِعٌ لِلْعُقُوبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ وَبَعْدَهَا (هُوَ مُسْلِمٌ) لَا حَرْبِيٌّ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ أَحْكَامَنَا وَلَا مُعَاهِدٌ وَمُؤْمِنٌ، أَمَّا الذِّمِّيُّ فَيَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ قَطْعِ الطَّرِيقِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْإِشْرَافِ وَصَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا
[حاشية الشبراملسي]
[بَابُ قَاطِعِ الطَّرِيقِ]
ِ لَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي تَعْقِيبِهِ لِمَا قَبْلَهُ مُشَارَكَتُهُ لِلسَّرِقَةِ فِي أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ وَوُجُوبِ الْقَطْعِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ (قَوْلُهُ: أَيْ أَحْكَامِهِمْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي الْقَاطِعِ لِلْجِنْسِ، فَتَصْدُقُ بِالتَّعَدُّدِ هُوَ الْمُرَادُ (قَوْلُهُ: وَقَطْعُهُ) أَيْ الطَّرِيقِ، وَقَوْلُهُ هُوَ: أَيْ شَرْعًا (قَوْلُهُ: أَوْ إرْهَابٍ) أَيْ خَوْفٍ (قَوْلُهُ: مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْغَوْثِ) أَيْ وَلَوْ حُكْمًا كَمَا لَوْ دَخَلُوا دَارًا وَمَنَعُوا أَهْلَهَا الِاسْتِغَاثَةَ (قَوْلُهُ: وَلَا مُعَاهِدٌ) عَطَفَهُ عَلَى الْحَرْبِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُ وَلَا أَمَانَ، وَعَلَيْهِ فَالذِّمِّيُّ قَسِيمُ الْحَرْبِيِّ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَدْخَلَ الْمُعَاهِدَ وَالْمُؤَمَّنَ فِي الْحَرْبِيِّ أَرَادَ بِهِ مَا عَدَا الذِّمِّيَّ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُعَاهِدِ وَالْمُؤَمَّنِ لَمَّا كَانَ إنَّمَا يَبْقَى مُدَّةً مُعَيَّنَةً كَانَ عَهْدُهُ كَلَا عَهْدٍ (قَوْلُهُ: أَمَّا الذِّمِّيُّ) قَسِيمُ قَوْلِهِ لَا حَرْبِيٌّ إلَخْ
[حاشية الرشيدي]
كِتَابِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ (قَوْلُهُ: أَيْ أَحْكَامُهُ) قَدْ يُقَالُ: الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِأَنَّ الْكِتَابَ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى ذِكْرِ الْأَحْكَامِ بَلْ فِيهِ بَيَانُ حَقِيقَتِهِ وَمُحْتَرِزَاتِهِ بَلْ هُوَ الَّذِي صَدَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَلَيْسَ هَذَا التَّفْسِيرُ فِي التُّحْفَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: أَيْ أَحْكَامُهُمْ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ، وَوَجْهُهَا أَنَّ قَاطِعَ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٍ كَعَبْدِ الْبَلَدِ (قَوْلُهُ: مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْغَوْثِ) اُنْظُرْ هَلْ يَشْمَلُ هَذَا مَا يَأْتِي فِيمَنْ دَخَلَ دَارَ أَحَدٍ وَمَنَعَهُ الِاسْتِغَاثَةَ (قَوْلُهُ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ أَحْكَامَنَا) كَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيرُهُ عَنْ الْمُعَاهَدِ وَالْمُؤَمَّنِ (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إلَخْ) عِبَارَةُ وَالِدِ الشَّارِحِ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْإِشْرَافِ: قَالَ
الْإِسْلَامَ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الذِّمِّيِّ أَوْ أَنَّ جَمِيعَ أَحْكَامِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَا تَتَأَتَّى فِيهِمْ، أَوْ أَنَّهُ خَرَجَ بِقَوْلِهِ مُسْلِمٌ الْكَافِرُ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ ذِمِّيًّا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ قَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ حَرْبِيًّا أَوْ مُعَاهِدًا أَوْ مُؤَمَّنًا فَلَا، وَالْمَفْهُومُ إذَا كَانَ فِيهِ تَفْصِيلٌ لَا يُرَدُّ (مُكَلَّفٌ) أَوْ سَكْرَانُ مُخْتَارٌ وَلَوْ قِنًّا وَامْرَأَةً فَلَا عُقُوبَةَ عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُكْرَهٍ، وَإِنْ ضَمِنُوا النَّفْسَ وَالْمَالَ (لَهُ شَوْكَةٌ) أَيْ قُوَّةٌ وَقُدْرَةٌ وَلَوْ وَاحِدًا يَغْلِبُ جَمْعًا، وَقَدْ تَعْرِضُ لِلنَّفْسِ أَوْ الْبُضْعِ أَوْ الْمَالِ مُجَاهِرًا (لَا مُخْتَلِسُونَ يَتَعَرَّضُونَ لِآخِرِ قَافِلَةٍ يَعْتَمِدُونَ الْهَرَبَ) لِانْتِفَاءِ الشَّوْكَةِ فَحُكْمُهُمْ قَوَدًا أَوْ ضَمَانًا كَغَيْرِهِمْ، وَالْفَرْقُ عُسْرُ دَفْعِ ذِي الشَّوْكَةِ بِغَيْرِ السُّلْطَانِ فَغَلُظَتْ عُقُوبَتُهُ رَدْعًا لَهُ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْمُخْتَلِسِ (وَاَلَّذِينَ يَغْلِبُونَ شِرْذِمَةٌ بِقُوَّتِهِمْ قُطَّاعٌ فِي حَقِّهِمْ) لِاعْتِمَادِهِمْ عَلَى الشَّوْكَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ (لَا لِقَافِلَةٍ عَظِيمَةٍ) إذْ لَا قُوَّةَ لَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ فَالشَّوْكَةُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ، فَلَوْ فُقِدَتْ بِالنِّسْبَةِ لِجَمْعٍ يُقَاوِمُونَهُمْ، لَكِنْ اسْتَسْلَمُوا لَهُمْ حَتَّى أَخَذُوهُمْ لَمْ يَكُونُوا قُطَّاعًا، وَإِنْ كَانُوا ضَامِنَيْنِ لِمَا أَخَذُوهُ؛ لِأَنَّ مَا فَعَلُوهُ لَا يَصْدُرُ عَنْ شَوْكَتِهِمْ بَلْ عَنْ تَفْرِيطِ الْقَافِلَةِ (وَحَيْثُ يَلْحَقُ غَوْثٌ) لَوْ اسْتَغَاثُوا (لَيْسَ بِقُطَّاعٍ) بَلْ مُنْتَهِبُونَ (وَفَقْدُ الْغَوْثِ يَكُونُ لِلْبُعْدِ) عَنْ الْعُمْرَانِ أَوْ السُّلْطَانِ (أَوْ الضَّعْفِ) بِأَهْلِ الْعُمْرَانِ أَوْ بِالسُّلْطَانِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا، كَأَنْ دَخَلَ جَمْعٌ دَارًا وَشَهَرُوا السِّلَاحَ وَمَنَعُوا أَهْلَهَا مِنْ الِاسْتِغَاثَةِ فَهُمْ قُطَّاعٌ فِي حَقِّهِمْ، وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ مَوْجُودًا قَوِيًّا (وَقَدْ يَغْلِبُونَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ) أَيْ وَقَدْ ضَعُفَ السُّلْطَانُ أَوْ بَعُدَ هُوَ وَأَعْوَانُهُ (فِي بَلَدٍ)
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ ثُبُوتُ قَطْعِ الطَّرِيقِ لِلذِّمِّيِّ قَضِيَّةُ إطْلَاقٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الذِّمِّيِّ) أَيْ فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُهُمْ (قَوْلُهُ: أَوْ سَكْرَانُ مُخْتَارٌ) زِيَادَتُهُ عَلَى الْمَتْنِ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا إذَا قُلْنَا الْمُكْرَهُ مُكَلَّفٌ وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ السُّبْكِيّ فِي غَيْرِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَاَلَّذِي فِي مَتْنِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَعِبَارَتُهُ: وَالصَّوَابُ امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ وَكَذَا الْمُكْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
(قَوْلُهُ: وَقُدْرَةٌ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: أَوْ الْبُضْعِ) لَمْ يَجْعَلُوا فِيمَا يَأْتِي لِلْمُتَعَرِّضِ لِلْبُضْعِ حُكْمًا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ قَاطِعَ طَرِيقٍ، وَعَلَيْهِ فَحُكْمُهُ كَغَيْرِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ، (قَوْلُهُ: بَلْ عَنْ تَفْرِيطِ الْقَافِلَةِ) أَيْ وَيُصَدَّقُ الْقَاطِعُ فِي دَعْوَى التَّفْرِيطِ (قَوْلُهُ أَوْ السُّلْطَانِ) لَعَلَّ الْوَجْهَ التَّعْبِيرُ بِالْوَاوِ، وَكَذَا قَوْلُهُ الْآتِي أَوْ السُّلْطَانُ، وَتَصْحِيحُ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمَوْجُودَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فَقَطْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُهُ أَوْ أَنْ: أَيْ هُوَ أَنْ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمَنَعُوا أَهْلَهَا) وَمِنْ ذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْتُونَ لِلسَّرِقَةِ الْمُسَمُّونَ بِالْمِنْسَرِ فِي زَمَنِنَا فَهُمْ قُطَّاعٌ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَالْمِنْسَرُ فِيهِ لُغَتَانِ مِثْلُ مَسْجِدٍ وَمِقْوَدِ خَيْلٍ مِنْ الْمِائَةِ إلَى الْمِائَتَيْنِ.
وَقَالَ الْفَارَابِيُّ: جَمَاعَةٌ مِنْ الْخَيْلِ، وَيُقَالُ الْمِنْسَرُ: الْجَيْشُ
[حاشية الرشيدي]
الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: وَإِذَا قَطَعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حُدُّوا حَدَّ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ إلَخْ (قَوْلُهُ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ) أَيْ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ مُسَلَّمٌ يَعْنِي مَفْهُومَهُ وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى الْجَوَابِ الثَّالِثِ الْآتِي (قَوْلُهُ أَوْ أَنَّ جَمِيعَ أَحْكَامِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَا تَتَأَتَّى فِيهِمْ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا يَأْتِي مِنْ غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ إذَا قُتِلَ (قَوْلُهُ: وَقَدْ تَعَرَّضَ) مُرَادُهُ بِهِ تَتْمِيمَ حَدِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ (قَوْلُهُ: لِلنَّفْسِ أَوْ الْبُضْعِ أَوْ الْمَالِ) هَلَّا قَالَ أَوْ لِلْإِرْهَابِ، وَانْظُرْ الْمُتَعَرِّضَ لِلْبُضْعِ فَقَطْ هَلْ لَهُ حُكْمٌ يَخُصُّهُ أَوْ هُوَ دَاخِلٌ فِي التَّعَرُّضِ لِلنَّفْسِ، فَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فَلِمَ نَصَّ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: عَنْ الْعُمْرَانِ أَوْ السُّلْطَانِ) قَالَ ابْنُ قَاسِمِ: لَعَلَّ الْوَجْهَ التَّعْبِيرُ بِالْوَاوِ، وَكَذَا قَوْلُهُ الْآتِي أَوْ بِالسُّلْطَانِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمَوْجُودَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فَقَطْ اهـ (قَوْلُهُ وَمَنَعُوا أَهْلَهَا مِنْ الِاسْتِغَاثَةِ) هَذَا قَدْ يُخْرِجُ اللُّصُوصَ الْمُسَمَّيْنَ بِالْمَنَاسِرِ إذَا جَاهَرُوا وَلَمْ
لِعَدَمِ مَنْ يُقَاوِمُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا (فَهُمْ قُطَّاعٌ) كَاَلَّذِينَ بِالصَّحْرَاءِ وَأَوْلَى لِعِظَمِ جَرَاءَتِهِمْ
(وَلَوْ) (عَلِمَ الْإِمَامُ قَوْمًا يُخِيفُونَ الطَّرِيقَ) أَوْ وَاحِدًا (وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا) أَيْ نِصَابًا (وَلَا) قَتَلُوا (نَفْسًا) (عَزَّرَهُمْ) وُجُوبًا مَا لَمْ يَرَ فِي تَرْكِهِ مَصْلَحَةً كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ بَابِ التَّعْزِيرِ (بِحَبْسٍ وَغَيْرِهِ) رَدْعًا لَهُمْ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْفَظِيعَةِ، وَقَدْ فُسِّرَ النَّفْيُ فِي الْآيَةِ بِالْحَبْسِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَتَعَيَّنُ، وَلَهُ جَمْعُ غَيْرِهِ مَعَهُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَيُرْجَعُ فِي قَدْرِهِ وَقَدْرِ غَيْرِهِ وَجِنْسِهِ لِرَأْيِ الْإِمَامِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْحَبْسُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا يَتَقَدَّرُ بِمُدَّةٍ، وَالْأَوْلَى اسْتِدَامَتُهُ إلَى ظُهُورِ تَوْبَتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ بَلَدِهِ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ عُلِمَ أَنَّ لَهُ الْحُكْمَ بِعِلْمِهِ هُنَا نَظَرًا لِحَقِّ الْآدَمِيِّ (وَإِذَا أَخَذَ الْقَاطِعُ نِصَابَ السَّرِقَةِ) وَلَوْ الْجَمْعُ اشْتَرَكُوا فِيهِ وَاتَّحَدَ حِرْزُهُ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ مَحَلِّ الْأَخْذِ بِفَرْضِ أَنْ لَا قُطَّاعَ، ثُمَّ إنْ كَانَ مَحَلُّ بَيْعٍ، وَإِلَّا فَأَقْرَبُ مَحَلِّ بَيْعٍ إلَيْهِ مِنْ حِرْزِهِ كَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ بِقُرْبِهِ مُلَاحِظٌ بِشَرْطِهِ الْمَارِّ مِنْ قُوَّتِهِ أَوْ قُدْرَتِهِ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ.
قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، لَا يُقَالُ: الْقُوَّةُ وَالْقُدْرَةُ تَمْنَعُ قَطْعَ الطَّرِيقِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ حَيْثُ لَحِقَ غَوْثٌ لَوْ اُسْتُغِيثَ لَمْ يَكُونُوا قُطَّاعًا.
لِأَنَّا نَمْنَعُ ذَلِكَ، إذْ الْقُوَّةُ وَالْقُدْرَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحِرْزِ غَيْرُهُمَا بِالنِّسْبَةِ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ خُصُوصِ الشَّوْكَةِ وَنَحْوِهَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، بِخِلَافِ الْحِرْزِ يَكْفِي فِيهِ مُبَالَاةُ السَّارِقِ بِهِ عُرْفًا، وَإِنْ لَمْ يُقَاوِمْ السَّارِقُ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ مَعَ بَقِيَّةِ شُرُوطِهَا الْمَارَّةِ، وَيَثْبُتُ ذَلِكَ بِرَجُلَيْنِ لَا بِغَيْرِهِمَا إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِ وَطَلَبِ الْمَالِكِ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي السَّرِقَةِ (قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى) لِلْمَالِ كَالسَّرِقَةِ (وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى) لِلْمُحَارَبَةِ كَمَا قَالَهُ الْعُمْرَانِيُّ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي تَبَعًا لِلرَّوْضَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَعَ
[حاشية الشبراملسي]
لَا يَمُرُّ بِشَيْءٍ إلَّا اقْتَلَعَهُ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلِمَ الْإِمَامُ قَوْمًا) أَيْ وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ مُكَلَّفِينَ (قَوْلُهُ: أَيْ نِصَابًا) أَيْ وَإِنْ أَخَذُوا دُونَهُ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: لَمْ يَرَ فِي تَرْكِهِ مَصْلَحَةً) أَيْ فَيَجُوزُ لَهُ التَّرْكُ بَلْ قَدْ يَجِبُ كَأَنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ عَزَّرَهُ زَادَ فِي الطُّغْيَانِ وَآذَى مَنْ قَدَرَ عَلَى إيذَائِهِ (قَوْلُهُ: بِحَبْسٍ وَغَيْرِهِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ بِرّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: الْفَظِيعَةِ) أَيْ الْقَبِيحَةِ (قَوْلُهُ: وَلَهُ جَمْعُ غَيْرِهِ) أَيْ الْحَبْسُ (قَوْلُهُ: كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ) أَيْ بِأَنْ يُقَالَ بِحَبْسٍ وَغَيْرِهِ مُجْتَمِعِينَ أَوَّلًا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لِجَمْعٍ اشْتَرَكُوا فِيهِ) هَلْ الْمُرَادُ شَرِكَةُ الشُّيُوعِ أَوْ الْأَعَمُّ حَتَّى لَوْ أَخَذَ مِنْ كُلٍّ شَيْئًا، وَكَانَ الْمَجْمُوعُ يَبْلُغُ نِصَابًا قُطِعَ الْآخِذُ، فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الثَّانِي تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ لَكِنَّ قِيَاسَ مَا مَرَّ فِي السَّرِقَةِ الْأَوَّلُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُمْ عَلَّلُوا الْقَطْعَ بِالْمُشْتَرَكِ بِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَدَّعِيَ بِجَمِيعِ الْمَالِ، وَفِي الْمُجَاوَرَةِ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَدَّعِيَ بِغَيْرِ مَا يَخُصُّهُ، وَمَعْلُومٌ مِمَّا مَرَّ فِي السَّرِقَةِ أَنَّ الْقَاطِعِينَ لَوْ اشْتَرَكُوا فِي الْأَخْذِ اُشْتُرِطَ أَنْ يَخُصَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْرُ نِصَابٍ مِنْ الْمَأْخُوذِ لَوْ وُزِّعَ عَلَى عَدَدِهِمْ، وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: تَمْنَعُ قَطْعَ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: وَيَثْبُتُ ذَلِكَ) أَيْ قَطْعُ الطَّرِيقِ (قَوْلُهُ: نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي السَّرِقَةِ) أَيْ فَتَرْكُ الْمُصَنِّفِ لَهُ إحَالَةٌ عَلَى مَا مَرَّ فِي السَّرِقَةِ (قَوْلُهُ: بَعْدَ ذَلِكَ) الْمُتَبَادَرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ رَاجِعَةٌ لِقَطْعِ الْيُسْرَى، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ قَطْعِ الْيُسْرَى عَلَى الْيَدِ الْيُمْنَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لَكِنْ لَا يَبْعُدُ اسْتِحْبَابُهُ هَذَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ جَزَمَ بِمَا ذَكَرَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ قَطْعَ الْيُسْرَى لِلْمَالِ وَالْمُجَاهَرَةِ
[حاشية الرشيدي]
يَمْنَعُوا الِاسْتِغَاثَةَ
(قَوْلُهُ وَأَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ بَلَدِهِ) أَيْ وُقُوفًا مَعَ ظَاهِرِ الْآيَةِ (قَوْلُهُ: أَنَّ لَهُ الْحُكْمَ بِعِلْمِهِ) أَيْ الْحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ قُطَّاعٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ إفْهَامِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَهُ، أَمَّا الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ أَوْ الْقَطْعِ مَثَلًا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إثْبَاتٍ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَاتَّحَدَ حِرْزُهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَخَذَ الْقَاطِعُ (قَوْلُهُ: مَنْ حَرَّرَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَخَذَ وَكَذَا قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ (قَوْلُهُ: وَطَلَبَ الْمَالِكُ) هُوَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَخَذَ (قَوْلُهُ: بَعْدَ ذَلِكَ لَعَلَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَطْعُ الْمُقَدَّرِ) : أَيْ وَقَطَعَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى بَعْدَ ذَلِكَ وَانْظُرْ هَلْ هُوَ شَرْطٌ
ذَلِكَ هُوَ حَدٌّ وَاحِدٌ، وَخُولِفَ بَيْنَهُمَا لِئَلَّا تَفُوتَ الْمَنْفَعَةُ كُلُّهَا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ فُقِدَتْ إحْدَاهُمَا وَلَوْ قَبْلَ أَخْذِ الْمَالِ وَلَوْ لِشَلِّهَا وَعَدَمِ أَمْنِ نَزْفِ الدَّمِ اكْتَفَى بِالْأُخْرَى، وَلَوْ عُكِسَ ذَلِكَ بِأَنْ قَطَعَ الْإِمَامُ يَدَهُ الْيُمْنَى وَرِجْلَهُ الْيُمْنَى فَقَدْ تَعَدَّى، وَلَزِمَهُ الْقَوَدُ فِي رِجْلِهِ إنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا فَدِيَتُهَا وَلَا يَسْقُطُ قَطْعُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى وَرِجْلَهُ الْيُمْنَى، فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا يَضْمَنُ وَأَجْزَأَهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ قَطْعَهُمَا مِنْ خِلَافٍ نَصٌّ يُوجِبُ مُخَالَفَتُهُ الضَّمَانَ، وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى اجْتِهَادٌ يَسْقُطُ بِمُخَالَفَتِهِ الضَّمَانُ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَتَوَقَّفَ الْأَذْرَعِيُّ فِي إيجَابِ الْقَوَدِ وَعَدَمِ الْإِجْزَاءِ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَضِيَّةُ الْفَرْقِ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ فِي السَّرِقَةِ يَدَهُ الْيُسْرَى فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى عَامِدًا أَجْزَأَ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْيُمْنَى عَلَيْهَا بِالِاجْتِهَادِ: أَيْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ وَأُجِيبَ بِعَدَمِ تَسْلِيمِ أَنَّ تَقْدِيمَ الْيُمْنَى ثَمَّ بِالِاجْتِهَادِ بَلْ بِالنَّصِّ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ قُرِئَ شَاذًّا فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا، وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ مَجِيءُ مَا مَرَّ فِي السَّرِقَةِ هُنَا مِنْ تَوَقُّفِ الْقَطْعِ عَلَى طَلَبِ الْمِلْكِ وَعَلَى عَدَمِ دَعْوَى التَّمَلُّكِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُسْقِطَاتِ، فَقَدْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ إنَّهُ الْقِيَاسُ، وَفِي الْأُمِّ مَا يَقْتَضِيهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ انْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ كَمَا فِي التَّنْبِيهِ وَيُحْسَمُ مَوْضِعُ الْقَطْعِ كَمَا فِي السَّارِقِ، وَيَجُوزُ أَنْ تُحْسَمَ الْيَدُ ثُمَّ تُقْطَعُ الرِّجْلُ وَأَنْ يُقْطَعَا جَمِيعًا، ثُمَّ يُحْسَمَا (فَإِنْ) فُقِدَتَا قَبْلَ الْأَخْذِ أَوْ (عَادَ) ثَانِيًا بَعْدَ قَطْعِهِمَا إلَى أَخْذِ الْمَالِ (فَيُسْرَاهُ وَيُمْنَاهُ) يُقْطَعَانِ لِلْآيَةِ (وَإِنْ) (قَتَلَ) قَتْلًا يُوجِبُ الْقَوَدَ وَلَوْ بِسِرَايَةِ جَرْحٍ مَاتَ مِنْهُ بَعْدَ أَيَّامٍ قَبْلَ الظَّفَرِ بِهِ وَالتَّوْبَةِ (قُتِلَ حَتْمًا) ؛ لِأَنَّ الْمُحَارَبَةَ تُفِيدُ زِيَادَةً وَلَا زِيَادَةَ هُنَا إلَّا التَّحَتُّمُ فَلَا يَسْقُطُ بِعَفْوِ مُسْتَحِقِّ الْقَوَدِ وَيَسْتَوْفِيهِ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ تَعَالَى، قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ: وَإِنَّمَا يَتَحَتَّمُ إنْ قَتَلَ لِأَخْذِ الْمَالِ وَاعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَهُوَ الْأَوْجَهُ
(وَإِنْ) (قَتَلَ) قَتْلًا يُوجِبُ الْقَوَدَ (وَأَخَذَ مَالًا) يُقْطَعُ بِهِ فِي السَّرِقَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمَا، وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ الْبُلْقِينِيُّ (قُتِلَ) بِلَا قَطْعٍ (ثُمَّ) غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ (صُلِبَ) مُكَفَّنًا مُعْتَرِضًا عَلَى نَحْوِ خَشَبَةٍ، وَلَا يُقَدَّمُ الصَّلْبُ عَلَى الْقَتْلِ لِكَوْنِهِ زِيَادَةَ تَعْذِيبٍ (ثَلَاثًا) مِنْ الْأَيَّامِ بِلَيَالِيِهَا وُجُوبًا، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا لِيَشْتَهِرَ الْحَالُ وَيَتِمَّ النَّكَالُ، وَحَذْفُ التَّاءِ لِحَذْفِ الْمَعْدُودِ سَائِغٌ (ثُمَّ يَنْزِلُ) إنْ لَمْ يَخَفْ تَغَيُّرَهُ قَبْلَهَا وَإِلَّا أُنْزِلَ حِينَئِذٍ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّغَيُّرِ هُنَا الِانْفِجَارُ وَنَحْوُهُ، وَإِلَّا فَمَتَى حُبِسَتْ جِيفَةُ الْمَيِّتِ ثَلَاثًا حَصَلَ النَّتْنُ وَالتَّغَيُّرُ غَالِبًا (وَقِيلَ يَبْقَى) وُجُوبًا (حَتَّى) يَتَهَرَّى وَ (يَسِيلُ صَدِيدُهُ) تَغْلِيظًا عَلَيْهِ.
وَمَحَلُّ قَتْلِهِ وَصَلْبِهِ مَحَلُّ مُحَارَبَتِهِ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ مَحَلَّ مُرُورِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَرِجْلَهُ الْيُمْنَى) وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الضَّمَانِ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ مَعًا أَوْ رِجْلَيْهِ مَعًا؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُ الْيَدَ الْيُسْرَى وَالرِّجْلَ الْيُمْنَى.
(قَوْلُهُ: فِي الْحَالَةِ الْأُولَى) هِيَ قَوْلُهُ بِأَنْ قَطَعَ الْإِمَامُ يَدَهُ الْيُمْنَى (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ قَبْلَ قَوْلِهِ بَابُ قَاطِعِ إلَخْ (قَوْلُهُ: كَخَبَرِ الْوَاحِدِ) أَيْ فَمَا ثَبَتَ بِهَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي فِي بَيَانِ الْمُرَادِ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ أَوْ رِوَايَةٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ ضَعِيفَةً فَبَعْدَ الْبَيَانِ صَارَتْ الْمُتَوَاتِرَةُ بِمَعْنَى فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا (قَوْلُهُ: وَأَنْ يُقْطَعَا جَمِيعًا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ خِيفَ هَلَاكُهُ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ حَدٌّ وَاحِدٌ فَلَا يَجِبُ تَفْرِيقُهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ فُقِدَتَا قَبْلَ الْأَخْذِ) أَيْ أَمَّا لَوْ فُقِدَتَا بَعْدَهُ فَلَا قَطْعَ لِلْآخَرِ كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِيمَا لَوْ سَرَقَ فَسَقَطَ يَدُهُ، وَفِي سم عَلَى حَجّ قَوْلُهُ بِأَنْ فُقِدَتَا إلَخْ قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ أَوْ بَعْدَهُ: سَقَطَ الْقَطْعُ كَمَا فِي السَّرِقَةِ اهـ.
وَقَدْ يُشْعِرُ بِذَلِكَ قَوْلُ الشَّارِحِ السَّابِقِ، وَلَوْ فُقِدَتْ إحْدَاهُمَا وَلَوْ قَبْلَ إلَخْ (قَوْلُهُ: إنْ قَتَلَ لِأَخْذِ الْمَالِ) أَيْ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَكُتِبَ أَيْضًا لُطْفُ اللَّهِ بِهِ قَوْلُهُ إنْ قَتَلَ لِأَخْذِ الْمَالِ: أَيْ وَلَمْ يَأْخُذْهُ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ وَأَخَذَ مَالًا صُلِبَ مَعَ الْقَتْلِ
(قَوْلُهُ وَأَخَذَ مَالًا) قَالَ فِي الْعُبَابِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ: وَلَوْ دُونَ نِصَابٍ وَغَيْرِ مُحَرَّزٍ اهـ. وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الشَّارِحِ يُقْطَعُ بِهِ إلَخْ، فَلَعَلَّ مَا فِي الْعُبَابِ تَبِعَ فِيهِ مُنَازَعَةَ الْبُلْقِينِيِّ (قَوْلُهُ: وَالِانْفِجَارُ وَنَحْوُهُ) كَسُقُوطِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إلَى قَوْلِهِ وَيُحْسَمُ مَوْضِعُ الْقَطْعِ) مُكَرَّرٌ مَعَ مَا قَدَّمَهُ فِي سِوَادَةِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَإِذَا أَخَذَ الْقَاطِعُ نِصَابَ السَّرِقَةِ وَعُذْرُهُ أَنَّهُ تَبِعَ ابْنَ حَجَرٍ فِيمَا مَرَّ إذْ هُوَ عِبَارَتُهُ، وَتَبِعَ شَرْحَ الرَّوْضِ هُنَا إذْ مَا هُنَا عِبَارَتُهُ
النَّاسِ فَأَقْرَبُ مَحَلٍّ إلَيْهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا مَنْدُوبٌ لَا وَاجِبٌ (وَفِي قَوْلٍ يُصْلَبُ) حَيًّا (قَلِيلًا، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُقْتَلُ) ؛ لِأَنَّ الصَّلْبَ عُقُوبَةٌ فَيُفْعَلُ بِهِ حَيًّا، وَاعْتُرِضَ قَوْلُهُ قَلِيلًا بِأَنَّهُ زِيَادَةٌ لَمْ تُحْكَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ كَانَ أَحَدُ أَوْجُهِ ثَلَاثَةٍ مُفَرَّعَةٍ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا أَنَّهُ مِنْ جُمْلَتِهِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ مَنْ حَفِظَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، فَإِذَا حَفِظَا أَنَّ قَلِيلًا مِنْ جُمْلَةِ هَذَا الْقَوْلِ قُدِّمَا، ثُمَّ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَدْنَى زَمَنٍ يَنْزَجِرُ بِهِ عُرْفًا غَيْرُهُ، وَأَفْهَمَ تَرْتِيبُهُ الصَّلْبَ عَلَى الْقَتْلِ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ حَتْفَ أَنْفِهِ وَبِقَتْلِهِ بِغَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ كَقَوَدٍ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ إذْ التَّابِعُ يَسْقُطُ بِسُقُوطِ مَتْبُوعِهِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - الْآيَةَ، فَإِنَّهُ جَعَلَ أَوْ فِيهَا لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ حَيْثُ قَالَ: الْمَعْنَى أَنْ يُقْتَلُوا إنْ قَتَلُوا أَوْ يُصْلَبُوا مَعَ ذَلِكَ إنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ أَوْ تُقْطَعُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ إنْ أَخَذُوهُ فَقَطْ، أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ إنْ أَرْعَبُوا وَلَمْ يَأْخُذُوهُ، وَهَذَا مِنْهُ إمَّا تَوْقِيفٌ وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَوْ لُغَةٌ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ مِثْلِهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ فِيهِ بِالْأَغْلَظِ فَكَانَ مُرَتَّبًا كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ التَّخْيِيرُ لَبَدَأَ بِالْأَخَفِّ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ
(وَمَنْ أَعَانَهُمْ وَكَثَّرَ جَمْعَهُمْ) مُقْتَصِرًا عَلَى ذَلِكَ (عُزِّرَ بِحَبْسٍ وَتَغْرِيبٍ وَغَيْرِهِمَا) كَبَقِيَّةِ الْمَعَاصِي، وَتَعْبِيرُ أَصْلِهِ بِأَوْ لَا يُنَافِي كَلَامَ الْمُصَنِّفِ إذْ الْمَرْجِعُ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِيمَنْ أَخَافُوا الطَّرِيقَ (وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ التَّغْرِيبُ إلَى حَيْثُ يَرَاهُ) الْإِمَامُ وَمَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ (وَقِيلَ الْقَاطِعُ) الْمُتَحَتِّمُ (يَغْلِبُ فِيهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ) إذْ الْأَصْلُ فِي اجْتِمَاعِ حَقِّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْآدَمِيِّ تَغْلِيبُ الثَّانِي لِكَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلَى التَّضْيِيقِ (وَفِي قَوْلٍ الْحَدِّ) لِعَدَمِ صِحَّةِ الْعَفْوِ عَنْهُ وَيَسْتَقِلُّ الْإِمَامُ بِاسْتِيفَائِهِ (فَعَلَى الْأَوَّلِ) تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَ (لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ) وَإِنْ سَفَلَ (وَذِمِّيٌّ) وَقِنٌّ لِلْأَصَالَةِ أَوْ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ بَلْ تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ أَوْ الْقِيمَةُ (وَ) عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا (لَوْ) (مَاتَ) الْقَاطِعُ بِلَا قَطْعٍ (فَدِيَةٌ) لِلْمَقْتُولِ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ حُرًّا وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ (وَ) عَلَيْهِ أَيْضًا (لَوْ قَتَلَ جَمْعًا) مَعًا (قُتِلَ بِوَاحِدٍ وَلِلْبَاقِينَ دِيَاتٌ) فَإِنْ قَتَلَهُمْ مُرَتِّبًا قُتِلَ بِالْأَوَّلِ (وَ) عَلَيْهِ أَيْضًا (لَوْ عَفَا وَلِيُّهُ بِمَالٍ وَجَبَ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ وَيُقْتَلُ حَدًّا) كَمَا لَوْ وَجَبَ قَتْلٌ عَلَى مُرْتَدٍّ فَعَفَا عَنْهُ وَلِيُّهُ (وَ) عَلَيْهِ أَيْضًا (لَوْ قُتِلَ بِمُثْقَلٍ أَوْ بِقَطْعِ عُضْوٍ فَعَلَ بِهِ مِثْلَهُ) رِعَايَةً لِلْمُمَاثَلَةِ كَمَا مَرَّ فِي فَصْلِ الْقَوَدِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: ثُمَّ الَّذِي يَتَّجِهُ) أَيْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ (قَوْلُهُ: وَكُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ مِثْلِهِ) أَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَوْلُهُ: بَدَأَ فِيهِ بِالْأَغْلَظِ) قَدْ يُشْكِلُ بِأَنَّ الصَّلْبَ مَعَ الْقَتْلِ أَغْلَظُ مِنْ الْقَتْلِ وَحْدَهُ فَلَا يَتِمُّ مَا ذُكِرَ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلِينَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الصَّلْبَ مَعَ الْقَتْلِ، لَكِنَّ الْقَتْلَ مَعَ الصَّلْبِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْآيَةِ فَالْمَنْدُوبَةُ فِيهَا هُوَ الْأَغْلَظُ نَظَرًا لِمَا فُهِمَ
(قَوْلُهُ: الْمُتَحَتِّمُ) خَرَجَ قَتْلُهُ لِقَوَدٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَقَتْلُهُ لِقَوَدٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَعَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ السَّابِقِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ اهـ سم عَلَى حَجّ: أَيْ فَلَيْسَ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ بَلْ قَتْلُهُ لِلْقَوَدِ قَطْعًا (قَوْلُهُ: وَحَقُّ الْآدَمِيِّ تَغْلِيبٌ) قَدْ يُشْكِلُ هَذَا بِمَا مَرَّ مِنْ تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ تَقْدِيمًا لِحَقِّ اللَّهِ عَلَى حَقِّ الْآدَمِيِّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ فِي الزَّكَاةِ حَقَّ آدَمِيٍّ أَيْضًا فَإِنَّهَا تَجِبُ لِلْأَصْنَافِ فَلَعَلَّ تَقْدِيمَهَا لَيْسَ مُتَمَحِّضًا لِحَقِّ اللَّهِ بَلْ لِاجْتِمَاعِ الْحَقَّيْنِ فَقُدِّمَتْ عَلَى مَا فِيهِ حَقٌّ وَاحِدٌ (قَوْلُهُ: وَفِي قَوْلِ الْحَدِّ) أَيْ مَضَى الْحَدُّ مَحَلِّيٌّ (قَوْلُهُ: وَيُقْتَلُ حَدًّا) أَيْ وَظَاهِرُ تَخْصِيصِ الْقَتْلِ حَدًّا بِهَذِهِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ فِيمَا لَوْ قَتَلَ وَلَدَهُ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ قِنًّا حَدًّا، كَمَا لَا يُقْتَلُ قِصَاصًا
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: أَوْ لُغَةٌ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: لَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَ أَوْ تُرَدُّ لِلتَّنْوِيعِ مِمَّا لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى كَوْنِهِ مِنْ مِثْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ حُجَّةً، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي إرَادَتِهِ فِي الْآيَةِ، وَلَا طَرِيقَ لِذَلِكَ إلَّا التَّوْقِيفُ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ كَابْنِ حَجَرٍ أَنَّ هَذَا الْمُرَادَ فَهِمَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ الْآيَةِ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ لِأَنَّهُ يَفْهَمُ مِنْ أَسْرَارِهَا مَا لَا يَفْهَمُهُ غَيْرُهُ
(قَوْلُهُ: الْقَاطِعُ بِلَا قَطْعٍ) صَوَابُهُ الْقَاتِلُ بِلَا قَتْلٍ: أَيْ قِصَاصًا
وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ إنَّ النَّصَّ يَقْتَضِيهِ (وَ) يَخْتَصُّ التَّحَتُّمُ بِالْقَتْلِ وَالصَّلْبِ دُونَ غَيْرِهِمَا فَحِينَئِذٍ (لَوْ) (جَرَحَ) جُرْحًا فِيهِ قَوَدٌ كَقَطْعِ يَدٍ (فَانْدَمَلَ) أَوْ قَتَلَهُ عَقِبَهُ (لَمْ يَتَحَتَّمْ قِصَاصٌ) فِيهِ فِي ذَلِكَ الْجُرْحِ (فِي الْأَظْهَرِ) بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمَجْرُوحُ بَيْنَ الْقَوَدِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ التَّحَتُّمَ تَغْلِيظٌ لِحَقِّهِ تَعَالَى فَاخْتَصَّ بِالنَّفْسِ كَالْكَفَّارَةِ، أَمَّا إذَا سَرَى إلَى النَّفْسِ فَيَتَحَتَّمُ الْقَتْلُ كَمَا مَرَّ، وَالثَّانِي يَتَحَتَّمُ كَالْقَتْلِ، وَالثَّالِثُ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ الْمَشْرُوعِ فِيهَا الْقَطْعُ حَدًّا دُونَ غَيْرِهِمَا كَالْأُذُنِ وَالْأَنْفِ وَالْعَيْنِ
(وَتَسْقُطُ عُقُوبَاتٌ تَخُصُّ الْقَاطِعَ) مِنْ تَحَتُّمٍ وَصَلْبٍ وَقَطْعِ رِجْلٍ وَكَذَا يَدٍ كَمَا شَمَلَ ذَلِكَ كَلَامُهُ؛ لِأَنَّ الْمُخْتَصَّ بِهِ الْقَاطِعُ اجْتِمَاعُ قَطْعِهِمَا فَهُمَا عُقُوبَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا سَقَطَ بَعْضُهَا سَقَطَ كُلُّهَا (بِتَوْبَتِهِ) عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ (قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: 34] الْآيَةَ، وَالْمُرَادُ بِمَا قَبْلَ الْقُدْرَةِ أَنْ لَا تَمْتَدَّ إلَيْهِمْ يَدُ الْإِمَامِ بِهَرَبٍ أَوْ اسْتِخْفَافٍ أَوْ امْتِنَاعٍ، بِخِلَافِ مَا لَا تَخُصُّهُ كَالْقَوَدِ وَضَمَانِ الْمَالِ (لَا بَعْدَهَا) وَإِنْ صَلُحَ عَمَلُهُ (عَلَى الْمَذْهَبِ) لِمَفْهُومِ الْآيَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِقَبْلِ فِيهَا فَائِدَةٌ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ قَبْلَهَا غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهَا بِخِلَافِهَا بَعْدَهَا لِاتِّهَامِهِ بِدَفْعِ الْحَدِّ، وَلَوْ ادَّعَى بَعْدَ الظَّفَرِ سَبْقَ تَوْبَةٍ، وَظَهَرَتْ أَمَارَةُ صِدْقِهِ فَوَجْهَانِ: أَوْجَهُهُمَا عَدَمُ تَصْدِيقِهِ لِاتِّهَامِهِ مَا لَمْ تَقُمْ بِهَا بَيِّنَةٌ، وَقِيلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا قَوْلَانِ (وَلَا تَسْقُطُ سَائِرُ الْحُدُودِ) الْمُخْتَصَّةِ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ زِنًا وَسَرِقَةٍ وَشُرْبِ مُسْكِرٍ (بِهَا) أَيْ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الرَّفْعِ وَبَعْدَهُ وَلَوْ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ (فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَّ مَنْ ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ بَلْ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهَا بِهَا بَعْدَ قَتْلِهَا، وَالثَّانِي تَسْقُطُ بِهَا قِيَاسًا عَلَى حَدِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَانْتَصَرَ لَهُ جَمْعٌ، نَعَمْ تَارِكُ الصَّلَاةِ يَسْقُطُ حَدُّهُ بِهَا عَلَيْهِمَا وَلَا يَسْقُطُ بِهَا عَنْ ذِمِّيٍّ بِإِسْلَامِهِ كَمَا مَرَّ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الظَّاهِرِ أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَحَيْثُ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ سَقَطَ بِهَا سَائِرُ الْحُدُودِ قَطْعًا، وَمَنْ حُدَّ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُعَاقَبْ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ عَلَى ذَلِكَ بَلْ عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَيْهِ أَوْ الْإِقْدَامِ عَلَى مُوجِبِهِ إنْ لَمْ يَتُبْ.
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: فَهُمَا عُقُوبَةٌ) أَيْ الْيَدُ وَالرِّجْلُ (قَوْلُهُ فِيهَا فَائِدَةٌ) أَيْ فِي الْآيَةِ (قَوْلُهُ: بَلْ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهَا) أَيْ التَّوْبَةِ، وَقَوْلُهُ بِهَا مُتَعَلِّقٌ بِحَدٍّ وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي الْعِبَارَةِ بَعْضُ قَلَاقَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَا يَسْقُطُ بِهَا) أَيْ التَّوْبَةِ (قَوْلُهُ: وَمَنْ حُدَّ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُعَاقَبْ عَلَيْهِ) الْأَوْلَى حَذْفُ عَلَيْهِ وَعَلَى ثُبُوتِهَا فَقَوْلُهُ وَعَلَى ذَلِكَ بَدَلٌ مِنْ عَلَيْهِ، (قَوْلُهُ: فِي الْآخِرَةِ) صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إنْ لَمْ يَتُبْ، وَفِي الْمُنَاوِيِّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا عَبْدٍ أَصَابَ شَيْئًا مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّهُ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ الذَّنْبَ» مَا نَصُّهُ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: وَكَذَا الْقَاتِلُ إذَا اُقْتُصَّ مِنْهُ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لِلْقَتْلِ فِي حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْوَلِيِّ لَا الْمَقْتُولِ فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ اهـ.
وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ قُبَيْلَ فَصْلٍ.
لَا يُحْكَمُ بِشَاهِدٍ إلَّا فِي هِلَالِ رَمَضَانَ نَصُّهَا: وَمَنْ لَزِمَهُ حَدٌّ، وَخَفِيَ أَمْرُهُ نُدِبَ لَهُ السَّتْرُ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ أَتَى الْإِمَامُ لِيُقِيمَهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ اسْتِيفَاؤُهُ مُزِيلًا لِلْمَعْصِيَةِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّوْبَةِ إذْ هُوَ مُسْقِطٌ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ، وَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَتَوَقَّفُ عَلَى التَّوْبَةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَوَائِلَ كِتَابِ الْجِرَاحِ اهـ وَعَلَى مَا نَقَلَهُ الْمُنَاوِيُّ فَالْمُرَادُ بِحَقِّ الْآدَمِيِّ طَلَبُ وَلِيِّهِ فِي الدُّنْيَا فَلَا يُنَافِي بَقَاءَ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَا يَسْقُطُ بِهَا عَنْ ذِمِّيٍّ بِإِسْلَامِهِ) لَعَلَّ لَفْظَ بِهَا زَائِدٌ (قَوْلُهُ: وَمَنْ حُدَّ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُعَاقَبْ) اُنْظُرْ هَلْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ جَوَابِرُ لَا زَوَاجِرُ أَوْ عَلَيْهِمَا.
(فَصْلٌ) فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ (مَنْ لَزِمَهُ قِصَاصٌ) فِي النَّفْسِ (وَقَطْعٌ) لِطَرَفٍ قِصَاصًا (وَحَدُّ قَذْفٍ) وَتَعْزِيرٌ لِأَرْبَعَةٍ (وَطَالَبُوهُ) عُزِّرَ وَإِنْ تَأَخَّرَ، ثُمَّ (جُلِدَ) لِلْقَذْفِ (ثُمَّ قُطِعَ ثُمَّ قُتِلَ) تَقْدِيمًا لِلْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى اسْتِيفَاءِ الْكُلِّ (وَيُبَادِرُ بِقَتْلِهِ بَعْدَ قَطْعِهِ) مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ بَيْنَهُمَا فَتَجِبُ الْمُوَالَاةُ، إذْ الْفَرْضُ أَنَّ مُسْتَحِقَّ الْقَتْلِ مُطَالَبٌ وَالنَّفْسَ مُسْتَوْفَاةٌ (لَا قَطْعِهِ بَعْدَ جَلْدِهِ إنْ غَابَ مُسْتَحِقُّ قَتْلِهِ) لِئَلَّا يَهْلَكَ بِالْمُوَالَاةِ فَيَفُوتَ حَقُّ مُسْتَحِقِّ النَّفْسِ (وَكَذَا إنْ حَضَرَ وَقَالَ عَجِّلُوا الْقَطْعَ فِي الْأَصَحِّ) وَأَنَا أُبَادِرُ بِالْقَتْلِ بَعْدَهُ وَخِيفَ مَوْتُهُ بِالْمُوَالَاةِ فَيَفُوتُ قَوَدُ النَّفْسِ مَعَ أَنَّهُ لَهُ مَصْلَحَةٌ هِيَ سُقُوطُ الْعِقَابِ عَنْهُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَيْضًا فَرُبَّمَا عَفَا مُسْتَحِقُّ الْقَتْلِ فَتَكُونُ الْمُوَالَاةُ سَبَبًا لِفَوَاتِ النَّفْسِ فَاتَّجَهَ عَدَمُ نَظَرِهِمْ لِرِضَاهُ بِالتَّقْدِيمِ، أَمَّا لَوْ لَمْ يَخْفَ مَوْتُهُ بِالْمُوَالَاةِ فَيُجْعَلُ جَزْمًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ مَخُوفٌ يُخْشَى مِنْهُ مَوْتُهُ بِالْجَلْدِ إنْ لَمْ يُبَادِرْ بِالْقَطْعِ فَيُبَادِرُ بِهِ وُجُوبًا كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ (وَ) خَرَجَ بِطَالَبُوهُ مَا لَوْ طَالَبَهُ بَعْضُهُمْ فَلَهُ أَحْوَالٌ فَحِينَئِذٍ (إذَا أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ النَّفْسِ حَقَّهُ) وَطَالَبَ الْآخَرَانِ (جُلِدَ فَإِذَا بَرَأَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا (قُطِعَ) وَلَا يُوَالِي بَيْنَهُمَا خَوْفًا مِنْ فَوَات حَقِّ مُسْتَحِقِّ النَّفْسِ (وَلَوْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ طَرَفٍ جُلِدَ وَعَلَى مُسْتَحِقِّ النَّفْسِ الصَّبْرُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الطَّرَفَ) لِئَلَّا يَفُوتَ حَقُّهُ، وَاحْتِمَالُ تَأْخِيرِ مُسْتَحِقِّ الطَّرَفِ لَا إلَى غَايَةٍ فَيَفُوتُ الْقَتْلُ غَيْرَ مَنْظُورٍ لَهُ إذْ مَبْنَى الْقَوَدِ عَلَى الدَّرْءِ وَالْإِسْقَاطِ مَا أَمْكَنَ، فَانْدَفَعَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَحْسَنَ جَبْرُهُ عَلَى الْقَوَدِ أَوْ الْعَفْوِ أَوْ الْإِذْنِ (فَإِنْ بَادَرَ) مُسْتَحِقُّ النَّفْسِ (فَقَتَلَ) فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ غَيْرَ أَنَّهُ يُعَزَّرُ لِتَعَدِّيهِ وَحِينَئِذٍ (فَلِمُسْتَحِقِّ الطَّرَفِ دِيَتُهُ) فِي تَرِكَةِ الْمَقْتُولِ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الِاسْتِيفَاءِ (وَلَوْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ الْجَلْدِ) حَقَّهُ، وَطَالَبَ الْآخَرَانِ (فَالْقِيَاسُ صَبْرُ الْآخَرَيْنِ) وُجُوبًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، وَإِنْ تَقَدَّمَ اسْتِحْقَاقُهُمَا لِئَلَّا يَفُوتَ حَقُّهُ بِاسْتِيفَائِهِمَا أَوْ اسْتِيفَاءِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ أُنْمُلَةٍ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ عَظِيمُ الْخَطَرِ، وَرُبَّمَا أَدَّى إلَى الزُّهُوقِ فَانْدَفَعَ مَا لِلْبُلْقِينِيِّ هُنَا
(وَلَوْ) (اجْتَمَعَ حُدُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى) كَأَنْ زَنَى بِكْرٌ وَسَرَقَ وَشَرِبَ وَارْتَدَّ (قُدِّمَ) وُجُوبًا (الْأَخَفُّ) مِنْهَا (فَالْأَخَفُّ) حِفْظًا لِمَحَلِّ الْقَتْلِ، فَيُحَدُّ لِلشُّرْبِ ثُمَّ بَعْدَ بُرْئِهِ مِنْهُ يُجْلَدُ وَيُغَرَّبُ أَيْضًا عَلَى الْأَوْجَهِ؛ لِأَنَّهُ الْأَخَفُّ وَلَا يُخْشَى مِنْهُ هَلَاكٌ، ثُمَّ يُقْطَعُ ثُمَّ يُقْتَلُ، وَلَوْ اجْتَمَعَ قَطْعُ سَرِقَةٍ وَقَطْعُ مُحَارَبَةٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى لَهُمَا وَرِجْلُهُ لِلْمُحَارَبَةِ، أَوْ قَتْلُ زِنًا وَقَتْلُ رِدَّةٍ رُجِمَ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ نَكَالًا وَيَدْخُلُ فِيهِ قَتْلُ الرِّدَّةِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ
[حاشية الشبراملسي]
فَصْلٌ) فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: مَنْ لَزِمَهُ) لِآدَمِيِّينَ اهـ مَحَلِّيٌّ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ مَخُوفٌ) دَلَّ عَلَى عَدَمِ تَأْخِيرِ الْجَلْدِ لِلْمَرَضِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْأَحْسَنَ جَبْرُهُ) هَذِهِ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَالْكَثِيرَةُ إجْبَارُهُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ (قَوْلُهُ فَانْدَفَعَ مَا لِلْبُلْقِينِيِّ) لَعَلَّ مِنْهُ أَنَّ الْقَطْعَ لَا يُؤَدِّي إلَى الْهَلَاكِ فَلَا يَصِحُّ إطْلَاقٌ لِقَوْلٍ بِتَأْخِيرِهِ
(قَوْلُهُ: قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى لَهُمَا) أَيْ لِلسَّرِقَةِ وَالْمُحَارَبَةِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْيُمْنَى تُقْطَعُ لِلسَّرِقَةِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ وَلِلْمَالِ الَّذِي أُخِذَ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ أَنَّ
[حاشية الرشيدي]
[فَصْلٌ فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ]
(فَصْلٌ) فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَأَخَّرَ) هُوَ غَايَةٌ فِيمَا بَعْدَهُ أَيْضًا (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ لَا قَطْعُهُ بَعْدَ جَلْدِهِ) يَعْنِي تَمْتَنِعُ فِيهِ الْمُوَالَاةُ (قَوْلُهُ: وَأَنَا أُبَادِرُ) كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَهُ عَلَى فِي الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ: لِرِضَاهُ) أَيْ مُسْتَحِقِّ قَتْلِهِ (قَوْلُهُ: بِالتَّقْدِيمِ) أَيْ التَّقْدِيمُ فِي الزَّمَنِ بِمَعْنَى الْمُوَالَاةِ (قَوْلُهُ: فَيُجْعَلُ جَزْمًا) أَيْ يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ جَزْمًا
وَالرُّويَانِيُّ، وَذَهَبَ الْقَاضِي إلَى قَتْلِهِ بِالرِّدَّةِ لِأَنَّ فَسَادَهَا أَشَدُّ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ كُلٍّ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مَصْلَحَةً، وَلَوْ اجْتَمَعَ قَتْلُ قِصَاصٍ فِي غَيْرِ مُحَارَبَةٍ وَقَتْلُ مُحَارَبَةٍ قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا وَيَرْجِعُ الْآخَرُ لِلدِّيَةِ، وَفِي انْدِرَاجِ قَطْعِ السَّرِقَةِ فِي قَتْلِ الْمُحَارَبَةِ وَجْهَانِ: أَوْجَهُهُمَا لَا، فَيُقْطَعُ لِلسَّرِقَةِ، ثُمَّ يُقْتَلُ وَيُصْلَبُ لِلْمُحَارَبَةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي ذَلِكَ أَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ لَا يَفُوتُ بِتَقْدِيمِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى
(أَوْ) اجْتَمَعَ (عُقُوبَاتٌ) لِلَّهِ أَوْ لِلْآدَمِيِّ وَاسْتَوَتْ خِفَّةً أَوْ غِلَظًا قُدِّمَ الْأَسْبَقُ فَالْأَسْبَقُ، وَإِلَّا فَبِالْقُرْعَةِ أَوْ عُقُوبَاتٌ (لِلَّهِ تَعَالَى وَلِآدَمِيِّينَ) كَأَنْ كَانَ مَعَ هَذِهِ حَدُّ قَذْفٍ وَكَأَنْ شَرِبَ وَزَنَى وَقَذَفَ وَقَطَعَ وَقَتَلَ (قُدِّمَ) حَقُّ الْآدَمِيِّ إنْ لَمْ يَفُتْ حَقُّهُ تَعَالَى أَوْ كَانَ قَتْلًا فَيُقَدَّمُ (حَدُّ قَذْفٍ وَ) قَطْعٍ (عَلَى) حَدِّ (زِنًا) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُضَايَقَةِ، وَمِنْ ثَمَّ قُدِّمَ وَلَوْ أَغْلَظَ كَمَا قَالَ (وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُهُ) أَيْ حَدِّ الْقَذْفِ وَكَذَا الْقَطْعُ (عَلَى حَدِّ شُرْبٍ وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْقِصَاصَ قَتْلًا وَقَطْعًا يُقَدَّمُ عَلَى) حَدِّ (الزِّنَا) إنْ كَانَ رَجْمًا بِالنِّسْبَةِ لِلْقَتْلِ لَا لِلْقَطْعِ كَمَا تَقَرَّرَ تَقْدِيمًا لِحَقِّ الْآدَمِيِّ، بِخِلَافِ جَلْدِ الزِّنَا وَتَغْرِيبِهِ وَحَدِّ الشُّرْبِ فَإِنَّهُمَا يُقَدَّمَانِ عَلَى الْقَتْلِ لِئَلَّا يَفُوتَا، وَالثَّانِي الْعَكْسُ تَقْدِيمًا لِلْأَخَفِّ، وَوَقَعَ لِلزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِ تَنَافٍ فِي تَحْرِيرِ مَحَلِّ الْخِلَافِ وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ، وَلَوْ اجْتَمَعَ مَعَ الْحُدُودِ تَعْزِيرٌ قُدِّمَ عَلَيْهَا كُلِّهَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ وَحَقُّ آدَمِيٍّ.
[حاشية الشبراملسي]
الْيُمْنَى لِلْمَالِ وَالْيُسْرَى لِلْمُحَارَبَةِ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مَصْلَحَةً) أَيْ فَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي قَتْلِهِ بِالرِّدَّةِ قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ، أَوْ فِي قَتْلِهِ بِالزِّنَا
(قَوْلُهُ: اجْتَمَعَ عُقُوبَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَلِلْآدَمِيِّ وَاسْتَوَتْ) مَا صُورَةُ الِاسْتِوَاءِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَقَوْلُهُ أَوْ لِلْآدَمِيِّ وَاسْتَوَتْ كَقَذْفِ اثْنَيْنِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَتْلِ لَا الْقَطْعِ) أَيْ بَلْ يُقَدَّمُ الْقَطْعُ عَلَى حَدِّ الزِّنَا مُطْلَقًا اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَرَّرَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَقَطْعٌ عَلَى حَدِّ زِنًا اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَحَقُّ آدَمِيٍّ) اُنْظُرْهُ إذَا كَانَ التَّعْزِيرُ يَكُونُ حَقًّا لِلَّهِ اهـ سم عَلَى حَجّ، إلَّا أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى هُوَ أَحَقُّ فَيُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ.
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي ذَلِكَ أَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ لَا يَفُوتُ إلَخْ) إشَارَةً إلَى رَدِّ مَا تَمَسَّكَ بِهِ الْمُقَابِلُ مِنْ أَنَّهُ إذَا قُدِّمَ حَقُّ اللَّهِ وَهُوَ الْقَطْعُ رُبَّمَا يَفُوتُ حَقُّ الْآدَمِيِّ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمُشَاحَةِ وَهُوَ الْقَتْلُ قِصَاصًا وَحَاصِلُ الرَّدِّ أَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الظَّاهِرِ
(قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ قَتْلًا) كَذَا فِي النُّسَخِ وَصَوَابُهُ فِي التُّحْفَةِ أَوْ كَانَا بِأَلِفِ التَّثْنِيَةِ (قَوْلُهُ: وَحَقُّ آدَمِيٍّ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ اُنْظُرْهُ مَعَ أَنَّ التَّعْزِيرَ قَدْ يَكُونُ لِلَّهِ تَعَالَى.
كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ جَمْعُ شَرَابٍ بِمَعْنَى مَشْرُوبٍ، وَذُكِرَ فِيهِ التَّعَازِيرُ تَبَعًا، وَجُمِعَ الْأَشْرِبَةُ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهَا مُتَّحِدًا، وَلَمْ يُعَبِّرْ بِحَدِّ الْأَشْرِبَةِ كَمَا قَالَ قَطْعُ السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ ثَمَّ لَيْسَ إلَّا بَيَانُ الْقَطْعِ وَمُتَعَلِّقَاتُهُ، وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وَالْغَرَضُ هُنَا بَيَانُ التَّحْرِيمِ لِخَفَائِهِ بِالنِّسْبَةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ.
وَشُرْبُ الْخَمْرِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَإِنْ مَزَجَهَا بِمِثْلِهَا مِنْ الْمَاءِ، وَكَانَ شُرْبُهَا جَائِزًا أَوَّلَ الْإِسْلَامِ بِوَحْيٍ وَلَوْ إلَى حَدٍّ يُزِيلُ الْعَقْلَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ إنَّ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسَ لَمْ تُبَحْ فِي مِلَّةٍ مِنْ الْمِلَلِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَجْمُوعِ، قِيلَ إنَّهُ بِاعْتِبَارِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُ مِلَّتِنَا.
وَحَقِيقَةُ الْخَمْرِ الْمُسْكِرِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَإِنْ لَمْ يُقْذَفُ بِالزَّبَدِ، وَتَحْرِيمُ غَيْرِهَا بِنُصُوصٍ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّ قَدْرٍ لَا يُسْكِرُ مِنْ غَيْرِهِ لِلْخِلَافِ فِيهِ: أَيْ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسِ لِحِلِّ قَلِيلِهِ عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةٍ، أَمَّا الْمُسْكِرُ بِالْفِعْلِ فَهُوَ حَرَامٌ إجْمَاعًا كَمَا حَكَاهُ الْحَنَفِيَّةُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ، بِخِلَافِ مُسْتَحِلِّهِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ الصِّرْفِ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ وَلَوْ قَطْرَةً؛ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ضَرُورِيٌّ، وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة: 90] الْآيَةَ وَخَبَرُ
[حاشية الشبراملسي]
كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ (قَوْله وَذُكِرَ فِيهِ التَّعَازِيرُ تَبَعًا) أَيْ وَحَيْثُ كَانَ ذِكْرُهَا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِيَّةِ لَا يُقَالُ أَخَلَّ بِهَا فِي التَّرْجَمَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ مَزَجَهَا بِمِثْلِهَا مِنْ الْمَاءِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ مُزِجَتْ بِأَكْثَرَ مِنْهَا كَمَا يَأْتِي: أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي تَنَاوُلِهِ فَلَا يَكُونُ كَبِيرَةً (قَوْلُهُ بِوَحْيٍ) أَيْ لِإِبَاحَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: إنَّ الْكُلِّيَّاتِ) أَيْ الْأُمُورَ الْعَامَّةَ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ دُونَ آخَرَ (قَوْلُهُ الْخَمْسَ) وَقَدْ نَظَّمَهَا شَيْخُنَا اللَّقَانِيِّ فِي عَقِيدَتِهِ، وَزَادَ عَلَيْهَا سَادِسًا فِي قَوْلِهِ:
وَحِفْظُ نَفْسٍ ثُمَّ دَيْنِ مَالٍ نُسِبَ ... وَمِثْلُهَا عَقْلٌ وَعَرْضٌ قَدْ وَجَبَ
(قَوْلُهُ: أَوْ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ مَا اسْتَقَرَّ إلَخْ) هَذَا لَا يَدْفَعُ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْمِلَلُ.
(قَوْلُهُ: وَتَحْرِيمُ غَيْرِهَا) أَيْ حَقِيقَةِ الْخَمْرِ الْمُسْكِرِ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْمُسْكِرُ بِالْفِعْلِ) كَانَ مُقْتَضَى مُقَابَلَتِهِ لِقَوْلِهِ قَبْلُ، وَلَكِنْ لَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلٌّ إلَخْ أَنْ يَقُولَ أَمَّا الْمُسْكِرُ بِالْفِعْلِ فَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ فَإِنَّ الْحُرْمَةَ لَا تَتَقَيَّدُ بِالْقَدْرِ الْمُسْكِرِ، هَذَا وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَكْفُرُ مَا اقْتَضَاهُ صَدْرُ عِبَارَتِهِ أَوْ لَا، وَهَلْ هُوَ كَبِيرَةٌ كَالْخَمْرِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يَكْفُرُ، وَأَنَّهُ كَبِيرَةٌ بَلْ كَوْنُهُ كَبِيرَةً هُوَ مَفْهُومُ قَوْلِ الزِّيَادِيِّ وَشُرْبُ مَا لَا يُسْكِرُ مِنْ غَيْرِهَا لِقِلَّتِهِ صَغِيرَةٌ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مُسْتَحِلِّهِ) أَيْ فَيَكْفُرُ بِهِ (قَوْلُهُ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ) أَيْ بِخِلَافِ
[حاشية الرشيدي]
[كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ]
ِ (قَوْلُهُ: وَالْغَرَضُ هُنَا بَيَانُ التَّحْرِيمِ) فِيهِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ يُعْلَمُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ السَّرِقَةِ (قَوْلُهُ وَإِنْ مَزَجَهَا بِمِثْلِهَا مِنْ الْمَاءِ) أَيْ خِلَافًا لِلْحَلِيمِيِّ فِي قَوْلِهِ إنَّهَا حِينَئِذٍ مِنْ الصَّغَائِرِ (قَوْلُهُ: الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسَ) أَيْ النَّفْسَ وَالْعَقْلَ وَالنَّسَبَ وَالْمَالَ وَالْعِرْضَ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ: إنَّهُ بِاعْتِبَارِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُ مِلَّتِنَا) كَانَ الضَّمِيرُ فِي إنَّهُ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ الْمَأْخُوذِ مِنْ وَلَا يُنَافِيهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ عَدَمَ الْمُنَافَاةِ حَاصِلٌ بِاعْتِبَارِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُ مِلَّتِنَا مِنْ التَّحْرِيمِ، وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ إنَّ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسَ لَمْ تُبَحْ فِي مِلَّةٍ: أَيْ لَمْ يَسْتَقِرَّ إبَاحَتُهَا فِي مِلَّةٍ وَإِنْ أُبِيحَتْ فِي بَعْضِهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَكِنْ لَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّ قَدْرٍ لَا يُسْكِرُ) أَيْ بِخِلَافِ مُسْتَحِلِّ الْكَثِيرِ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسُ لِحِلِّ قَلِيلِهِ عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةٍ) هَذَا تَبِعَ فِيهِ ابْنَ حَجَرٍ وَذَاكَ إنَّمَا احْتَاجَ لِهَذَا لِاخْتِيَارِهِ عَدَمَ الْكُفْرِ بِاسْتِحْلَالِ الْقَلِيلِ
«كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» وَخَبَرُ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» وَخَبَرُ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَوَاهِبَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا» (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ) مِنْ خَمْرٍ أَوْ غَيْرِهَا وَمِنْهُ الْمُتَّخَذُ مِنْ لَبَنِ الرَّمَكَةِ فَإِنَّهُ مُسْكِرٌ مَائِعٌ (حَرُمَ قَلِيلُهُ) وَكَثِيرُهُ (وَحُدَّ شَارِبُهُ) وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ: أَيْ مُتَعَاطِيهِ وَلَوْ مِمَّنْ يُعْتَقَدُ إبَاحَتُهُ لِضَعْفِ أَدِلَّتِهِ، إذْ الْعِبْرَةُ فِي الْحُدُودِ بِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ لَا الْمُتَدَاعِيَيْنِ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ فِيمَنْ لَا يَسْكَرُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ إنَّ الْحُرْمَةَ مِنْ حَيْثُ النَّجَاسَةِ لَا الْإِسْكَارِ فَفِي الْحَدِّ عَلَيْهِ نَظَرٌ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الْإِسْكَارُ عَجِيبٌ وَغَفْلَةٌ عَنْ وُجُوبِ الْحَدِّ فِي الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ إسْكَارٌ، فَمَعْنَى كَوْنِهِ عِلَّةً أَنَّهُ مَظِنَّةٌ لَهُ، وَخَرَجَ بِالشَّرَابِ مَا حَرُمَ مِنْ الْجَامِدَاتِ كَالْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ وَكَثِيرِ الزَّعْفَرَانِ وَالْجَوْزَةِ وَالْحَشِيشِ فَلَا حَدَّ بِهِ وَإِنْ أُذِيبَتْ إذْ لَيْسَ فِيهَا شِدَّةُ مُطْرَبَةٍ، بِخِلَافِ جَامِدِ الْخَمْرِ اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِمَا بَلْ التَّعْزِيرُ الزَّاجِرُ لَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ الدَّنِيَّةِ، وَيَحْرُمُ شُرْبُ مَا ذُكِرَ وَيُحَدُّ شَارِبُهُ (إلَّا صَبِيًّا وَمَجْنُونًا) لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا (وَحَرْبِيًّا) أَوْ مُعَاهِدًا لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ (وَذِمِّيًّا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ بِالذِّمَّةِ مِمَّا لَا يَعْتَقِدُهُ إلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآدَمِيِّينَ (وَمُوجَرًا) مُسْكَرًا قَهْرًا إذْ لَا صُنْعَ لَهُ (وَكَذَا مُكْرَهًا عَلَى شُرْبِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ) لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ وَيَلْزَمُهُ كَكُلِّ آكِلِ أَوْ شَارِبِ حَرَامٍ تَقَيُّؤُهُ إنْ أَطَاقَهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ وَلَا نَظَرَ إلَى عُذْرِهِ وَإِنْ لَزِمَهُ التَّنَاوُلُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ فِي الْبَاطِنِ لَا انْتِفَاعَ بِهِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ وَإِنْ حَلَّ ابْتِدَاؤُهُ لِزَوَالِ سَبَبِهِ
[حاشية الشبراملسي]
مَا لَوْ طُبِخَ عَلَى صِفَتِهِ يَقُولُ بِحِلِّهَا بِتِلْكَ الصِّفَةِ بَعْضُ الْمَذَاهِبِ (قَوْلُهُ وَوَاهِبَهَا) أَيْ وَمُتَّهِبَهَا فِي حُكْمِ الْمُبْتَاعِ (قَوْلُهُ وَمِنْهُ الْمُتَّخَذُ مِنْ لَبَنِ الرَّمَكَةِ) أَيْ الْفَرَسِ فِي أَوَّلِ نِتَاجِهَا (قَوْلُهُ: وَهِيَ الْإِسْكَارُ) عَجِيبٌ وَغَفْلَةٌ قَدْ يَقُولُ الزَّرْكَشِيُّ الْإِسْكَارَ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَظِنَّةِ مُنْتَفٍ عَلَى هَذَا، وَقَدْ يُورَدُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ يَكْفِي فِي الْمَظِنَّةِ مُلَاحَظَةُ جِنْسِ الشَّارِبِ أَوْ الْمَشْرُوبِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ كَالْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ) يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْكَثِيرِ، وَلَيْسَ مُرَادًا فَالْكَثْرَةُ قَيْدٌ فِي الْجَمِيعِ (قَوْلُهُ وَكَثِيرِ الزَّعْفَرَانِ) الْمُرَادُ بِالْكَثِيرِ مِنْ ذَلِكَ مَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ بِالنَّظَرِ لِغَالِبِ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْمُتَنَاوِلِ لَهُ لِاعْتِيَادِ تَنَاوُلِهِ (قَوْلُهُ: فَلَا حَدَّ وَإِنْ أُذِيبَتْ) أَيْ الْمَذْكُورَاتُ مَحَلُّهُ مَا لَمْ تَشْتَدَّ بِحَيْثُ تُقْذَفُ بِالزُّبْدِ وَتُطْرَبُ، وَإِلَّا صَارَتْ كَالْخَمْرِ فِي النَّجَاسَةِ وَالْحَدِّ كَالْخُبْزِ إذَا أُذِيبَ وَصَارَ كَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ لِلْحَشِيشِ حَالَةَ إسْكَارٍ وَتَحْرِيمٍ بِخِلَافِ الْخُبْزِ مَثَلًا لَا أَثَر لَهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ سَبَقَ كَذَلِكَ يُؤَكِّدُ مَا قُلْنَا وِفَاقًا فِي ذَلِكَ لِطَلَبَ وَخِلَافًا لِمَرَّ ثُمَّ وَافَقَ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: بَلْ التَّعْزِيرُ) أَيْ بَلْ فِيهَا التَّعْزِيرُ مَا لَمْ يَصِرْ إلَى حَالَةٍ تُلْجِئُهُ إلَى اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَوْ تَرَكَهُ أَصَابَهُ مَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، نَعَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي إزَالَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ إمَّا بِاسْتِعْمَالِ ضِدِّهِ أَوْ تَقْلِيلِهِ إلَى أَنْ يَصِيرَ لَا يَضُرُّهُ تَرْكُهُ (قَوْلُهُ: أَوْ مُعَاهِدًا) أَيْ أَوْ مُؤَمَّنًا كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَيَلْزَمُهُ كَكُلِّ آكِلِ أَوْ شَارِبِ حَرَامٍ تَقَايُؤُهُ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ بَعْدَ مِثْلِ مَا ذُكِرَ: وَاَلَّذِي فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ الِاسْتِحْبَابُ بِرّ اهـ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَزِمَهُ التَّنَاوُلُ) أَيْ كَالْمُضْطَرِّ (قَوْلُهُ: وَإِنْ حَلَّ ابْتِدَاؤُهُ) قَدْ يُنَافِي هَذَا التَّعْمِيمُ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ شَبِعَ فِي حَالَةِ امْتِنَاعِهِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْحَلِّ لَزِمَهُ كَكُلِّ مَنْ تَنَاوَلَ مُحَرَّمًا التَّقَيُّؤُ وَإِنْ أَطَاقَهُ وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ مِنْهُ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَنَافِي لِإِمْكَانِ حَمْلِ مَا فِي الْأَطْعِمَةِ عَلَى مَا لَوْ وَجَدَ الْحَلَالَ عَقِبَ تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ مَثَلًا، وَمَا هُنَا عَلَى مَا لَوْ لَمْ يَجِدْهُ
[حاشية الرشيدي]
وَالْكَثِيرِ فَاضْطُرَّ إلَى هَذَا، وَأَمَّا الشَّارِحُ فَحَيْثُ كَانَ اخْتِيَارُهُ الْكُفْرَ بِاسْتِحْلَالِ الْكَثِيرِ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى هَذَا بَلْ يَجِبُ حَذْفُهُ مِنْ كَلَامِهِ إذْ لَا مَعْنَى لَهُ عَلَى اخْتِيَارِهِ (قَوْلُهُ: وَخَبَرُ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» ) هَذَا قِيَاسٌ مَنْطِقِيٌّ إذَا حُذِفَ مِنْهُ الْحَدُّ الْأَوْسَطُ وَهُوَ الْمُكَرَّرُ الَّذِي هُوَ الْخَمْرُ الْوَاقِعُ مَحْمُولًا لِلصُّغْرَى وَمَوْضُوعًا لِلْكُبْرَى أَنْتَجَ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ.
فَانْدَفَعَ اسْتِبْعَادُ الْأَذْرَعِيِّ لِذَلِكَ، وَعَلَى نَحْوِ السَّكْرَانِ إذَا شَرِبَ مُسْكِرًا حُدَّ وَاحِدٌ مَا لَمْ يُحَدَّ قَبْلَ شُرْبِهِ فَيُحَدُّ ثَانِيًا، وَمُقَابِلُ الْمَذْهَبِ طَرِيقٌ حَاكٍ لِوَجْهَيْنِ
(مَنْ جَهِلَ كَوْنَهُ خَمْرًا) فَشَرِبَهَا ظَانًّا إبَاحَتَهَا (لَمْ يُحَدَّ) لِعُذْرِهِ وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ بَعْدَ صَحْوِهِ إنْ ادَّعَاهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَمِثْلُهُ دَعْوَى الْإِكْرَاهِ حَيْثُ بَيَّنَهُ إنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ أَنَّهُ يَعْرِفُهُ (وَلَوْ قَرُبَ إسْلَامُهُ فَقَالَ جَهِلْت تَحْرِيمَهَا لَمْ يُحَدَّ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ يَقْتَضِي حَالُهُ عَدَمَ خَفَاءِ ذَلِكَ عَلَيْهِ يُحَدُّ كَمَا اعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ (أَوْ) قَالَ عَلِمْت التَّحْرِيمَ وَ (جَهِلْت الْحَدَّ) (حُدَّ) إذْ كَانَ مِنْ حَقِّهِ اجْتِنَابُهَا حَيْثُ عَلِمَ تَحْرِيمَهَا (وَيُحَدُّ بِدُرْدِيِّ خَمْرٍ) وَهُوَ مَا يَبْقَى فِي آخَرِ إنَائِهَا، وَكَذَا بِثَخِينِهَا إذَا أَكَلَهُ (لَا بِخُبْزٍ عُجِنَ دَقِيقُهُ بِهَا) لِاضْمِحْلَالِ عَيْنِهَا بِالنَّارِ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَثَرُهَا وَهُوَ النَّجَاسَةُ (وَمَعْجُونٍ هِيَ فِيهِ) وَمَا فِيهِ بَعْضُهَا وَالْمَاءُ غَالِبٌ لِاسْتِهْلَاكِهَا (وَكَذَا حُقْنَةٌ وَسَعُوطٌ) بِفَتْحِ السِّينِ لَا يُحَدُّ بِهِمَا (فِي الْأَصَحِّ) وَإِنْ سَكِرَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لِلزَّجْرِ وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ لَهُ هُنَا، إذْ لَا تَدْعُو النَّفْسُ لَهُ، وَيُفَارِقُ إفْطَارُ الصَّائِمِ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ ثَمَّ عَلَى وُصُولِ عَيْنٍ لِلْجَوْفِ، وَالثَّانِي يُحَدُّ بِهِمَا كَالشُّرْبِ.
وَالثَّالِثُ يُحَدُّ فِي السَّعُوطِ دُونَ الْحُقْنَةِ
(وَمَنْ غَصَّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ الْمُعْجَمِ كَمَا بِخَطِّهِ وَيَجُوزُ ضَمُّهُ (بِلُقْمَةٍ) وَخَشَى هَلَاكُهُ مِنْهَا إنْ لَمْ تَنْزِلْ جَوْفَهُ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إخْرَاجِهَا (أَسَاغَهَا) حَتْمًا (بِخَمْرٍ) (إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا) إنْقَاذًا لِنَفْسِهِ مِنْ الْهَلَاكِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ خُصُوصَ الْهَلَاكِ شَرْطُ الْوُجُوبِ لَا لِمُجَرَّدِ الْإِبَاحَةِ
[حاشية الشبراملسي]
وَعَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِوُجُوبِ التَّقَيُّؤِ هُنَا بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ فِي الْمَعِدَةِ زَمَنًا تَنْكَسِرُ بِهِ حِدَةُ الْجُوعِ، وَتَصِلُ خَاصَّتُهُ إلَى الْبَدَنِ (قَوْلُهُ: إذَا شَرِبَ مُسْكِرًا) أَيْ وَتَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: لَمْ يُحَدَّ) أَيْ وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّقَايُؤُ (قَوْلُهُ: إنْ ادَّعَاهُ) أَيْ الْجَهْلَ (قَوْلُهُ: حَيْثُ بَيَّنَهُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ وَلَا وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: آخَرِ إنَائِهَا) أَيْ أَسْفَلِهِ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَثَرُهَا) أَيْ وَالْحَالُ لَمْ يَبْقَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمَا فِيهِ بَعْضُهَا) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَاءَ مِثَالٌ فَمِثْلُهُ سَائِرُ الْمَائِعَاتِ
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ ضَمُّهُ) أَيْ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ لَازِمًا لَكِنَّهُ لَمَّا عَدَّى بِحَرْفِ الْجَرِّ جَازَ بِنَاؤُهُ لِلْمَفْعُولِ، وَفِي الْمِصْبَاحِ غَصِصْت بِالطَّعَامِ غَصَصًا مِنْ بَابِ تَعِبَ فَأَنَا غَاصٌّ وَغَصَّانُ وَمِنْ بَابِ قَتَلَ لُغَةً، وَالْغُصَّةُ بِالضَّمِّ: مَا غَصَّ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْظٍ عَلَى التَّشْبِيهِ، وَالْجَمْعُ غُصَصٌ مِثْلُ غَرْفَةٍ وَغُرَفٍ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمَاضِيَ غَصَّ بِالْفَتْحِ لَا غَيْرُ، وَأَنَّ فِي الْمُضَارِعِ لُغَتَيْنِ هُمَا يَغَصُّ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَضَمِّهَا (قَوْلُهُ وَخَشَى هَلَاكَهُ) مَفْهُومُهُ أَنَّ خَشْيَةَ الْمَرَضِ مَثَلًا لَا تَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَسَاغَهَا حَتْمًا بِخَمْرٍ) وَإِذَا سَكِرَ مِمَّا شَرِبَهُ لِتَدَاوٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ إسَاغَةِ لُقْمَةٍ قَضَى مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِرْشَادُ، وَلِأَنَّهُ تَعَمَّدَ الشُّرْبَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْجَاهِلِ كَمَا قَالَ فِي الرَّوْضِ، وَالْمَعْذُورُ مَنْ جَهِلَ التَّحْرِيمَ لِقُرْبِ عَهْدِهِ وَنَحْوِهِ، أَوْ جَهِلَ كَوْنَهُ خَمْرًا لَا يُحَدُّ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ مُدَّةَ السُّكْرِ بِخِلَافِ الْعَالِمِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ، وَفِيهِ أَيْضًا فَائِدَةٌ بَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ جَوَازَ أَكْلِ النَّبَاتِ الْمُحَرَّمِ عِنْدَ الْجُوعِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَمَثَّلَ بِالْحَشِيشَةِ قَالَ: لِأَنَّهَا لَا تُزِيلُ الْجُوعَ، وَفِيهِ نَظَرٌ يُعْرَفُ بِالنَّظَرِ فِي حَالِ أَهْلِهَا عِنْدَ أَكْلِهَا بِرّ اهـ. وَفِي تَعْلِيلِ الْجَوَازِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهَا لَا تُزِيلُ الْجُوعَ إلَخْ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ إزَالَةِ الْجُوعِ إنَّمَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْجَوَازِ، وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ لَفْظَ عَدَمِ قَبْلَ جَوَازِ، وَفِيهِ أَيْضًا فَرْعٌ: شَمَّ صَغِيرٌ رَائِحَتَهُ الْخَمْرِ، وَخِيفَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُسْقَ مِنْهَا هَلْ يَجُوزُ سَقْيُهُ مِنْهَا مَا يَدْفَعُ عَنْهُ الضَّرَرَ؟ قَالَ م ر: إنْ خِيفَ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ أَوْ مَرَضٌ يُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ وَإِنْ خِيفَ مَرَضٌ لَا يُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ اهـ. أَقُولُ: لَوْ قِيلَ يَكْفِي مُجَرَّدُ مَرَضٍ تَحْصُلُ مَعَهُ مَشَقَّةٌ، وَلَا سِيَّمَا إنْ غَلَبَ امْتِدَادُهُ بِالطِّفْلِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا (قَوْلُهُ: إنْقَاذًا لِنَفْسِهِ مِنْ الْهَلَاكِ) أَيْ وَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَ بِشُرْبِهِ مَاتَ شَهِيدًا لِجَوَازِ تَنَاوُلِهِ لَهُ بَلْ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ أَنَّهُ يَعْرِفُهُ) أَيْ الْإِكْرَاهَ: أَيْ فَإِنْ عُلِمَ مِنْهُ مَعْرِفَتُهُ فَلَا حَاجَةَ لِبَيَانِهِ
أَخْذًا مِنْ حُصُولِ الْإِكْرَاهِ الْمُبِيحِ لَهَا بِنَحْوِ ضَرْبٍ شَدِيدٍ (وَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُهَا) صَرْفًا (لِدَوَاءٍ) لِخَبَرِ «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا» وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنْ إثْبَاتِ مَنَافِعَ لَهَا فَهُوَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا أَمَّا مُسْتَهْلَكَةً مَعَ دَوَاءٍ آخَرَ فَيَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا كَصَرْفِ بَقِيَّةِ النَّجَاسَاتِ إنْ عَرَفَ، أَوْ أَخْبَرَهُ طَبِيبٌ عَدْلٌ بِنَفْعِهَا وَتَعْيِينِهَا بِأَنْ لَا يُغْنِي عَنْهَا طَاهِرٌ، وَلَوْ اُحْتِيجَ لِقَطْعٍ نَحْوَ سِلْعَةٍ وَيَدٍ مُتَأَكِّلَةٍ إلَى زَوَالِ عَقْلِ صَاحِبِهَا بِنَحْوِ بَنْجٍ جَازَ لَا بِمُسْكِرٍ مَائِعٍ (وَ) جُوعٍ وَ (عَطَشٍ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تُزِيلُهُ بَلْ تُزِيدُهُ حَرَارَةً لِحَرَارَتِهَا وَيُبْسِهَا، وَلَوْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ مِنْ عَطَشٍ جَازَ لَهُ شُرْبُهَا كَمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ إجْمَاعِ الْأَصْحَابِ، وَمَعَ تَحْرِيمِهَا لِدَوَاءٍ أَوْ عَطَشٍ لَا حَدَّ بِهَا وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهَا لِلشُّبْهَةِ
(وَحَدُّ الْحُرِّ أَرْبَعُونَ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ " أَنَّ عُثْمَانَ أَمَرَ عَلِيًّا بِجَلْدِ الْوَلِيدِ، فَأَمَرَ الْحَسَنَ فَامْتَنَعَ، فَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَجَلَدَهُ وَعَلِيٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ " وَعُمَرُ ثَمَانِينَ بِإِشَارَةِ ابْنِ عَوْفٍ لَمَّا اسْتَشَارَ عُمَرُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ، وَلَا يُشْكِلُ ذِكْرُ الْأَرْبَعِينَ بِمَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ جَلَدَهُ ثَمَانِينَ إذْ السَّوْطُ كَانَ بِرَأْسَيْنِ، وَلَا قَوْلُهُ وَكُلٌّ سُنَّةٌ بِمَا صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية الشبراملسي]
وُجُوبِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرِبَهُ تَعَدِّيًا، وَغَصَّ مِنْهُ وَمَاتَ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا لِتَعَدِّيهِ بِشُرْبِهِ (قَوْلُهُ: إنْ عُرِفَ) أَيْ بِالطِّبِّ، وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا (قَوْلُهُ: بِأَنْ لَا يُغْنِي عَنْهَا طَاهِرٌ) أَيْ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا مَعَ وُجُودِ الطَّاهِرِ، وَإِنْ كَانَتْ أَسْرَعَ لِلشِّفَاءِ مِنْهُ، وَيُوَافِقُهُ مَا مَرَّ لِلشَّارِحِ فِي امْتِنَاعِ الْوَصْلِ بِعَظْمٍ نَجِسٍ هُوَ أَسْرَعُ انْجِبَارًا مِنْ الطَّاهِرِ، لَكِنْ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: وَيَجُوزُ التَّدَاوِي بِنَجِسٍ غَيْرِ مُسْكِرٍ كَلَحْمِ حَيَّةٍ وَبَوْلٍ وَمَعْجُونِ خَمْرٍ كَمَا مَرَّ فِي الْأَطْعِمَةِ، وَلَوْ كَانَ التَّدَاوِي بِهِ لِتَعْجِيلِ شِفَاءٍ كَمَا يَكُونُ لِرَجَائِهِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطِ إخْبَارِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ عَدْلٍ بِذَلِكَ أَوْ مَعْرِفَةِ الْمُتَدَاوِي بِهِ إنْ عَرَفَ، وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ التَّدَاوِي مِنْ الطَّاهِرَاتِ اهـ.
وَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا قَوْلُ الرَّوْضِ وَلَوْ لِتَعْجِيلِ شِفَاءٍ، فَإِنَّ مَا فِي الرَّوْضِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا حَصَلَ الشِّفَاءُ بِالْخَمْرِ الْمَعْجُونِ فِي أُسْبُوعٍ مَثَلًا، وَإِذَا لَمْ يَتَدَاوَ أَصْلًا لَمْ يَحْصُلْ الشِّفَاءُ إلَّا فِي عَشَرَةٍ، وَهُوَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ طَاهِرٌ يَقُومُ مَقَامَهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ اُحْتِيجَ لِقَطْعٍ نَحْوَ سِلْعَةٍ) وَهَلْ مِنْ ذَلِكَ مَا يُقْطَعُ لِمَنْ أَخَذَ بِكْرًا، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ افْتِضَاضُهَا إلَّا بِإِطْعَامِهَا مَا يُغَيِّبُ عَقْلَهَا مِنْ نَحْوِ بَنْجٍ أَوْ حَشِيشٍ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ مِثْلُهُ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى تَمَكُّنِ الزَّوْجِ مِنْ الْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَلَّ جَوَازِ وَطْئِهَا مَا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ لَهَا أَذًى لَا يُحْتَمَلُ مِثْلُهُ فِي إزَالَةِ الْبَكَارَةِ (قَوْلُهُ: لَا بِمُسْكِرٍ مَائِعٍ) اُنْظُرْ لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا الْمُسْكِرَ الْمَائِعَ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: وَيُحْتَمَلُ جَوَازُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلِاضْطِرَارِ لِتَنَاوُلِهِ كَمَا لَوْ غَصَّ بِلُقْمَةٍ، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ تَعَيَّنَتْ الْخَمْرَةُ الصِّرْفَةُ لِلتَّدَاوِي بِهَا (قَوْلُهُ: وَعَطَشٍ) .
[تَنْبِيهٌ] جَزَمَ صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ بِحِلِّ إسْقَائِهَا لِلْبَهَائِمِ، وَلِلزَّرْكَشِيِّ احْتِمَالٌ أَنَّهَا كَالْآدَمِيِّ مَعَ امْتِنَاعِ إسْقَائِهَا إيَّاهَا لِلْعَطَشِ، قَالَ: لِأَنَّهَا مُثِيرَةٌ فَتُهْلِكُهَا فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ إتْلَافِ الْمَالِ اهـ.
وَالْأَوْلَى تَعْلِيلُهُ بِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا لَهَا، وَإِضْرَارُ الْحَيَوَانِ حَرَامٌ وَإِنْ لَمْ يُتْلِفْ، قَالَ: وَالْمُتَّجِهُ مَنْعُ إسْقَائِهَا لَهَا لَا لِعَطَشٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّمْثِيلِ بِالْحَيَوَانِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ اهـ حَجّ
(قَوْلُهُ: فَأَمَرَ) أَيْ عَلِيٌّ (قَوْلُهُ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ) عِبَارَةُ حَجّ كَالدَّمِيرِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ أَرْبَعِينَ فَقَالَ أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ إلَخْ (قَوْلُهُ وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ) أَيْ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: صَرْفًا) أَيْ أَمَّا غَيْرُ الصَّرْفِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ سَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ فَهُوَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا) قَدْ يُقَالُ هَذَا قَدْ يُنَافِيهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ حَيْثُ قُرِنَتْ الْمَنَافِعُ فِيهَا بِالْإِثْمِ الَّذِي هُوَ ثَمَرَةُ التَّحْرِيمِ
(قَوْلُهُ: وَكُلٌّ سُنَّةٌ إلَخْ) بَقِيَّةُ كَلَامِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَوْلُ الشَّارِحِ أَيْ بِإِشَارَةِ ابْنِ عَوْفٍ إلَخْ بَيَانُ فَائِدَةٍ ذَكَرَهَا فِي خِلَالِ كَلَامِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (قَوْلُهُ: وَلَا يُشْكِلُ ذِكْرُ الْأَرْبَعِينَ)
لَمْ يَسُنَّهُ وَلِهَذَا كَانَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الثَّمَانِينَ شَيْءٌ وَقَالَ: لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ، وَكَانَ يَحُدُّ فِي إمَارَتِهِ أَرْبَعِينَ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ أَوَّلًا، وَالْإِثْبَاتُ عَلَى أَنَّهُ بَلَغَهُ ثَانِيًا، وَلَمْ يَسُنَّهُ بِلَفْظٍ عَامٍّ يَشْمَلُ كُلَّ قَضِيَّةٍ بَلْ فَعَلَهُ فِي وَقَائِعَ عَيْنِيَّةٍ، وَهِيَ لَا عُمُومَ لَهَا عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ فِي جَامِعِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَدَ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ (وَرَقِيقٍ) أَيْ مَنْ فِيهِ رِقٌّ وَإِنْ قَلَّ (عِشْرُونَ) لِكَوْنِهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ
وَيَكُونُ جَلْدُ الْقَوِيِّ السَّلِيمِ (بِسَوْطٍ أَوْ أَيْدٍ أَوْ نِعَالٍ أَوْ أَطْرَافِ ثِيَابٍ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ شَدِّ طَرَفِ الثَّوْبِ وَفَتْلِهِ حَتَّى يُؤْلِمَ (وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ سَوْطٌ) إذْ الزَّجْرُ لَا يَحْصُلُ بِغَيْرِهِ.
أَمَّا نِضْوُ الْخِلْقَةِ فَيُجْلَدُ بِنَحْوِ عَثْكَالٍ وَلَا يَجُوزُ بِسَوْطٍ (وَلَوْ رَأَى الْإِمَامُ بُلُوغَهُ) أَيْ حَدَّ الْحُرِّ (ثَمَانِينَ) جَلْدَةً (جَازَ فِي الْأَصَحِّ) لِمَا مَرَّ عَنْ عُمَرَ، نَعَمْ الْأَرْبَعُونَ أَوْلَى كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ، إذْ هُوَ الْأَكْثَرُ مِنْ أَحْوَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَجَاءَ أَنَّ عَلِيًّا أَشَارَ عَلَى عُمَرَ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ إذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هذى وَإِذَا هذى افْتَرَى، وَحَدُّ الِافْتِرَاءِ ثَمَانُونَ.
وَالثَّانِي الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ يَجْلِدُ فِي خِلَافَتِهِ أَرْبَعِينَ (وَالزِّيَادَةُ) عَلَى الْأَرْبَعِينَ (تَعْزِيرَاتٌ) إذْ لَوْ كَانَتْ حَدًّا لَمْ يَجُزْ تَرْكُهَا، وَقَوْلُهُ تَعْزِيرَاتٌ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ تَعْزِيرٌ؛ لِأَنَّهَا اُعْتُرِضَتْ بِأَنَّ وَضْعَ التَّعْزِيرِ النَّقْصُ عَنْ الْحَدِّ فَكَيْفَ يُسَاوِيهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لِجِنَايَةٍ تَوَلَّدَتْ مِنْ الشَّارِبِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَيْسَ شَافِيًا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْجِنَايَةِ فَكَيْفَ يُعَزَّرُ، وَالْجِنَايَاتُ الَّتِي
[حاشية الشبراملسي]
الْأَرْبَعُونَ، صَرَّحَ بِهِ الْكَمَالُ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ: أَيْ لِلْإِرْشَادِ مَعَ حِكَايَةِ الْقِصَّةِ بِأَبْسَطِ مِمَّا هُنَا عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، كَذَا بِهَامِشِ شَرْحِ الْبَهْجَةِ بِخَطِّ شَيْخِنَا ب ر اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِالْقِصَّةِ إلَى مَا فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ أَنَّ عُثْمَانَ إلَى آخَرِ مَا ذَكَرَهُ حَجّ كَالدَّمِيرِيِّ (قَوْلُهُ: وَقَالَ) أَيْ عَلِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَوْ مَاتَ إلَخْ (قَوْلُهُ: جَلَدَ فِي الْخَمْرِ) فَإِنْ قُلْت: إذَا قُلْنَا بِالرَّاجِحِ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ عَدَالَةِ جَمِيعِهِمْ أَشْكَلَ شُرْبُهُمْ الْخَمْرَ، فَإِنَّهُ يُنَافِي الْعَدَالَةَ وَيُوجِبُ الْفِسْقَ: قُلْت: يُمْكِنُ أَنَّ مَنْ شَرِبَ مِنْهُمْ عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ تَصَوَّرَهَا فِي نَفْسِهِ تَقْتَضِي جَوَازُهُ فَشَرِبَ تَعْوِيلًا عَلَيْهَا، وَلَيْسَتْ هِيَ كَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ وَقَعَ لَهُ فَحَدُّهُ عَلَى مُقْتَضَى اعْتِقَادِهِ، وَذَاكَ شَرِبَ عَلَى مُقْتَضَى اعْتِقَادِهِ، وَالْعِبْرَةُ بِعَقِيدَةِ الْحَاكِمِ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَاحْفَظْهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ، عَلَى أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَالَتِهِمْ أَنَّ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ أَوْ رَوَى حَدِيثًا لَا يُبْحَثُ عَنْ عَدَالَتِهِ، فَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَشَهَادَتُهُ، أَوْ رَوَى شَخْصٌ عَنْ مُبْهَمٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَقَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ كَذَا قُبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ ارْتَكَبَ شَيْئًا يُوجِبُ الْحَدَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ، وَمَعَ ذَلِكَ يَفْسُقُ بِارْتِكَابِ مَا يَفْسُقُ بِهِ غَيْرُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَحَلِّيُّ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ
. (قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ مِنْ شَدِّ طَرَفِ الثَّوْبِ) أَيْ وُجُوبًا (قَوْلُهُ: وَلَا يُحَدُّ بِسَوْطٍ) أَيْ فَلَوْ خَالَفَ وَجَلَدَ بِهِ فَمَاتَ الْمَجْلُودُ فَهَلْ يَضْمَنُهُ أَوَّلًا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ عَدَمُ الضَّمَانِ كَمَا لَوْ جَلَدَ فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، وَمَاتَ بِهِ أَوْ جَلَدَ عَلَى الْمُقَاتِلِ.
وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ: فَائِدَةٌ: قَالَ الْقَاضِي لَا بُدَّ فِي الْحَدِّ مِنْ النِّيَّةِ، وَخَالَفَهُ شَيْخُهُ الْقَفَّالُ فَلَمْ يَشْتَرِطْهَا، قَالَ: حَتَّى لَوْ ظَنَّ الْإِمَامُ أَنَّ عَلَيْهِ حَدَّ شُرْبٍ فَجَلَدَهُ فَبَانَ غَيْرُهُ أَجْزَأَ، وَكَذَا لَوْ ضَرَبَهُ ظُلْمًا فَبَانَ أَنَّ عَلَيْهِ حَدًّا اهـ.
وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي قَوْلِهِ وَكَذَا لَوْ ضَرَبَهُ ظُلْمًا إلَخْ؛ لِأَنَّ ضَرْبَهُ ظُلْمًا قُصِدَ بِهِ غَيْرُ الْحَدِّ فَهُوَ صَارِفٌ عَنْ وُقُوعِهِ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ حَدًّا، وَضَرَبَهُ بِلَا قَصْدٍ أَنَّهُ عَلَى الْحَدِّ فَيَنْبَغِي الْإِجْزَاءُ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ وُجُودِ الصَّارِفِ عَنْهُ (قَوْلُهُ: أَشَارَ عَلَى عُمَرَ بِذَلِكَ) أَيْ بِالثَّمَانِينَ (قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لِجِنَايَةٍ تَوَلَّدَتْ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ لِجِنَايَاتٍ تَوَلَّدَتْ إلَخْ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ فِي حَدِّ عَلِيٍّ لِلْوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (قَوْلُهُ: وَقَالَ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ) أَيْ لَوْ حَدَدْتُ أَحَدًا ثَمَانِينَ وَمَاتَ وَدَيْته
(قَوْلُهُ: أَشَارَ عَلَى عُمَرَ بِذَلِكَ) أَيْ بِالثَّمَانِينَ (قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لِجِنَايَاتٍ إلَخْ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ الِاعْتِرَاضِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَعَ
تَتَوَلَّدُ مِنْ الْخَمْرِ لَا تَنْحَصِرُ فَلِتَجُزْ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّمَانِينَ وَقَدْ مَنَعُوهَا اهـ. وَجَوَابُهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَامَ عَلَى مَنْعِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا فَهِيَ تَعْزِيرَاتٌ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ (وَقِيلَ حُدَّ) ؛ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى جِنَايَةٍ مُحَقَّقَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ مَاتَ بِهَا لَمْ يَضْمَنْ
(وَيُحَدُّ بِإِقْرَارِهِ وَشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ) أَوْ عِلْمِ السَّيِّدِ دُونَ غَيْرِهِ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ فِي السَّرِقَةِ (لَا بِرِيحِ خَمْرٍ وَ) هَيْئَةِ (سُكْرٍ وَقَيْءٍ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ احْتَقَنَ أَوْ أَسْعَطَ بِهَا أَوْ شَرِبَهَا لِعُذْرٍ مِنْ غَلَطٍ أَوْ إكْرَاهٍ، وَأَمَّا حَدُّ عُثْمَانَ بِالْقَيْءِ فَاجْتِهَادٌ لَهُ (وَيَكْفِي فِي إقْرَارٍ وَشَهَادَةِ شَرِبَ خَمْرًا) أَوْ شَرِبَ مِمَّا شَرِبَ مِنْهُ غَيْرُهُ فَسَكِرَ، وَسَوَاءٌ أَقَالَ وَهُوَ مُخْتَارٌ عَالِمٌ أَمْ لَا كَمَا فِي نَحْوِ بَيْعٍ وَطَلَاقٍ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ، وَالْغَالِبُ مِنْ حَالِ الشَّارِبِ عِلْمُهُ بِمَا يَشْرَبُهُ (وَقِيلَ يُشْتَرَطُ) فِي كُلٍّ مِنْ الْمُقِرِّ وَالشَّاهِدِ أَنْ يَقُولَ شَرِبَهَا (وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ مُخْتَارٌ) لِاحْتِمَالِ مَا مَرَّ كَالشَّهَادَةِ بِالزِّنَا، إذْ الْعُقُوبَةُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِيَقِينٍ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الزِّنَا قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مُقَدِّمَاتِهِ كَمَا فِي الْخَبَرِ، عَلَى أَنَّهُمْ سَامَحُوا فِي الْخَمْرِ لِسُهُولَةِ حَدِّهَا مَا لَمْ يُسَامِحُوا فِي غَيْرِهَا لَا سِيَّمَا مَعَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِكَثْرَةِ شُرْبِهَا يَقْتَضِي التَّوَسُّعَ فِي سَبَبِ الزَّجْرِ عَنْهَا فَوَسَّعَ فِيهِ مَا لَمْ يُوَسِّعْ فِي غَيْرِهِ، وَيُعْتَبَرُ عَلَى الثَّانِي زِيَادَةً مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ احْتِرَازًا مِنْ الْإِسَاغَةِ وَالشُّرْبِ لِنَحْوِ عَطَشٍ أَوْ تَدَاوٍ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَجَوَابُهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَامَ عَلَى مَنْعِ الزِّيَادَةِ) وَأَوْلَى مِنْ كَوْنِ الزِّيَادَةِ تَعْزِيرًا مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ عَنْ الرَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ حَدَّ الشَّارِبِ مَخْصُوصٌ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْحُدُودِ بِأَنْ يَتَحَتَّمَ بَعْضُهُ، وَيَتَعَلَّقَ بَعْضُهُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ) أَيْ وَهُوَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّمَانِينَ، وَجَوَازُهُ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْجِنَايَةِ (قَوْلُهُ: وَمَعَ ذَلِكَ) أَيْ وَمَعَ كَوْنِ الزِّيَادَةِ تَعْزِيرَاتٍ (قَوْلُهُ: لَوْ مَاتَ بِهَا لَمْ يَضْمَنْ) عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الصِّيَالِ مِنْ قَوْلِهِ وَالزَّائِدُ فِي حَدٍّ يَضْمَنُ بِقِسْطِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ.
هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِ الزَّائِدِ حَدًّا لَا تَعْزِيرًا، وَذَلِكَ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّهُ تَعْزِيرٌ إلَّا أَنَّهُ يُبْعِدُ هَذَا قَوْلَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ الظَّاهِرُ حِينَئِذٍ أَنْ يَقُولَ وَعَلَيْهِ أَوْ نَحْوَهُ، أَوْ يُقَالُ مَا هُنَا مَحَلُّهُ إذَا كَانَ بِفِعْلِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ مَعَ اقْتِضَاءِ الْمَصْلَحَةِ لِلزِّيَادَةِ، وَمَا يَأْتِي مَحَلُّهُ إذَا كَانَ بِفِعْلِ غَيْرِ الْإِمَامِ كَالْجَلَّادِ بِلَا إذْنٍ أَوْ الْإِمَامِ وَلَمْ تَقْتَضِهِ مَصْلَحَةٌ فَلْيَتَأَمَّلْ، لَكِنَّ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ يُنَافِيهِ قَوْلُ الْمَنْهَجِ الْآتِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَا وَجَبَ بِخَطَأِ إمَامٍ مِنْ التَّمْثِيلِ لَهُ بِقَوْلِهِ كَأَنْ ضَرَبَ فِي حَدِّ الشُّرْبِ ثَمَانِينَ فَمَاتَ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ: أَيْ الْإِمَامِ
(قَوْلُهُ: وَيُحَدُّ بِإِقْرَارِهِ) أَيْ الْحَقِيقِيِّ اهـ زِيَادِي، وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ، وَلَعَلَّ صُورَتَهَا أَنْ يَرْمِيَ غَيْرَهُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فَيَدَّعِي عَلَيْهِ بِأَنَّهُ رَمَاهُ بِذَلِكَ، وَيُرِيدُ تَعْزِيرَهُ فَيَطْلُبُ السَّابُّ مِمَّنْ نَسَبَ إلَيْهِ شُرْبَهَا فَيَسْقُطُ عَنْهُ التَّعْزِيرُ، وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الرَّادِّ لِلْيَمِينِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ) قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِمَا التَّفْصِيلُ، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ اشْتِرَاطُهُ، وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَيَكْفِي فِي إقْرَارٍ وَشَهَادَةٍ إلَخْ (قَوْلُهُ وَهَيْئَةُ سُكْرٍ تَقْدِيرُ هَيْئَةِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ اهـ سم عَلَى حَجّ) .
وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَسْقَطَهَا كَانَ التَّقْدِيرُ لَا بِرِيحِ خَمْرٍ وَلَا بِسُكْرٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِهَيْئَةِ السَّكْرَانِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ لَهُ سُكْرٌ بِالْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَشَهَادَةُ شَرِبَ خَمْرًا) أَيْ حَيْثُ عَرَفَ الشَّاهِدُ مُسَمَّى الْخَمْرِ (قَوْلُهُ: وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ) يُتَأَمَّلُ وَجْهُ الْفَرْقِ، فَإِنَّ ذِكْرَ الْعِلْمِ وَالِاخْتِيَارِ لَا يَنْفِي احْتِمَالَ الْمُقَدِّمَاتِ اهـ
[حاشية الرشيدي]
قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ شَرْحِ الرَّوْضِ وَغَيْرِهِ.
أَمَّا الْجَوَابُ بِالنَّظَرِ لِخُصُوصِ الْمُقَابَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهُوَ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّارِحُ نَفْسُهُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْزِيرِ الْجِنْسُ فَيُرْجَعُ إلَى عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ: أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَحْسَنِيَّةُ بَاقِيَةٌ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ إلَخْ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ الشِّقِّ الثَّانِي مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْجِنَايَاتُ الَّتِي تَتَوَلَّدُ مِنْ الْخَمْرِ لَا تَنْحَصِرُ إلَخْ، أَمَّا الشِّقُّ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَوْلُهُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْجِنَايَةِ فَكَيْفَ يُعَزَّرُ فَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ الشَّارِحُ
(قَوْلُهُ: فَسَكِرَ) أَيْ الْغَيْرُ
(وَلَا يُحَدُّ حَالَ سُكْرِهِ) أَيْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِفَوَاتِ مَقْصُودِهِ مِنْ الزَّجْرِ مَعَ فَوَاتِ رُجُوعِهِ إنْ كَانَ أَقَرَّ فَإِنْ حُدَّ وَلَمْ يَصِرْ مُلْقًى لَا حَرَكَةَ فِيهِ اُعْتُدَّ بِهِ كَمَا صَحَّحَهُ جَمْعٌ، وَكَذَا يُجْزِئُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْكَرَاهَة حَيْثُ لَا تَلْوِيثَ
(وَسَوْطُ الْحُدُودِ) وَالتَّعَازِيرِ يَكُونُ (بَيْنَ قَضِيبٍ) أَيْ غُصْنٍ رَقِيقٍ جِدًّا (وَعَصًا) غَيْرِ مُعْتَدِلَةٍ (وَ) بَيْنَ (رَطْبٍ وَيَابِسٍ) بِأَنْ يَعْتَدِلَ جُرْمُهُ وَرُطُوبَتُهُ عُرْفًا لِيَحْصُلَ بِهِ الزَّجْرُ مَعَ أَمْنِ الْهَلَاكِ، فَيَمْتَنِعُ بِخِلَافِ ذَلِكَ لِمَا يُخْشَى مِنْ شِدَّةِ ضَرَرِهِ أَوْ عَدَمِ إيلَامِهِ، وَفِي الْمُوَطَّأِ مُرْسَلًا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَنْ يَجْلِدَ رَجُلًا فَأُتِيَ بِسَوْطٍ خَلَقٍ فَقَالَ فَوْقَ ذَلِكَ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ فَقَالَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا» وَإِنْ وَرَدَ فِي زَانٍ فَهُوَ حُجَّةٌ هُنَا بِتَقْدِيرِ اعْتِضَادِهِ أَوْ صِحَّةِ وَصْلِهِ، إذْ لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا، وَالسَّوْطُ سَيُورٌ تَلِفَ وَتَلَوَّى قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ
(وَيُفَرِّقُهُ) أَيْ السَّوْطُ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ (عَلَى الْأَعْضَاءِ) وُجُوبًا كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ لِئَلَّا يَعْظُمَ الْأَلَمُ بِالْمُوَالَاةِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَمِنْ ثَمَّ لَا يَرْفَعُ عَضُدَهُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطِهِ كَمَا لَا يَضَعُهُ وَضْعًا غَيْرَ مُؤْلِمٍ (إلَّا الْمَقَاتِلَ) كَثَغْرَةِ نَحْرٍ وَفَرْجٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ زَجْرُهُ لَا إهْلَاكُهُ (وَالْوَجْهَ) فَيَحْرُمُ ضَرْبُهُمَا كَمَا بَحْثُهُ أَيْضًا، فَإِنْ ضَرَبَهُ عَلَى مَقْتَلٍ فَمَاتَ فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ جَلَدَهُ فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ مُفْرِطَيْنِ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ، وَمُقْتَضَاهُ نَفْيُ الضَّمَانِ (قِيلَ وَالرَّأْسُ) لِشَرَفِهِ، وَلِأَنَّهُ مَقْتَلٌ وَيَخَافُ مِنْهُ الْعَمَى، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِالشَّعْرِ غَالِبًا فَلَا يُخَافُ تَشْوِيهُهُ بِضَرْبِهِ بِخِلَافِ الْوَجْهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَعْرٌ لِقَرَعٍ أَوْ حَلْقِ رَأْسٍ اجْتَنَبَهُ قَطْعًا، وَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَمْرِهِ الْجَلَّادَ بِضَرْبِهِ وَتَعْلِيلِهِ بِأَنَّ فِيهِ شَيْطَانًا ضَعِيفٌ وَمُعَارَضٌ بِمَا مَرَّ عَنْ عَلِيٍّ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ حَيْثُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَحْذُورٌ تَيَمَّمَ بِقَوْلِ طَبِيبٍ ثِقَةٍ وَإِلَّا حُرِّمَ جَزْمًا لِعَدَمِ تَوَقُّفِ الْحَدِّ عَلَيْهِ
[حاشية الشبراملسي]
سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُمْ شَرِبَ خَمْرًا لَا يُطْلَقُ عَادَةً عَلَى مُقَدِّمَاتِ الشُّرْبِ، بِخِلَافِ الزِّنَا فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مُقَدِّمَاتِهِ، وَمِنْهُ زِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ فَيُقَالُ زَنَى إذَا قَبَّلَ أَوْ نَظَرَ فَاحْتِيجَ لِلتَّفْصِيلِ فِيهِ دُونَ الشُّرْبِ
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَصِرْ مُلْقًى) أَيْ فَإِنْ صَارَ كَذَلِكَ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْحَدِّ الزَّجْرُ، وَمَنْ وَصَلَ لِهَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَتَأَثَّرُ فَكَيْفَ يَنْزَجِرُ (قَوْلُهُ: وَكَذَا يُجْزِئُ فِي الْمَسْجِدِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ حَيْثُ لَا تَلْوِيثَ أَنَّهُ إنْ لَوَّثَ لَا يُجْزِئُ، وَلَيْسَ مُرَادًا
(قَوْلُهُ: وَعَصًا) رَسَمَهُ بِالْأَلِفِ لِأَنَّهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ الْوَاوِ (قَوْلُهُ: فَيَمْتَنِعُ بِخِلَافِ ذَلِكَ) وَعَلَيْهِ فَلَوْ فَعَلَ هَلْ يُعْتَدُّ بِهِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الِاعْتِدَادُ بِهِ فِي الثَّقِيلِ دُونَ الْخَفِيفِ الَّذِي لَا يُؤْلِمُ أَصْلًا (قَوْلُهُ: بِسَوْطٍ خَلَقٍ) هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ: أَيْ بَالٍ (قَوْلُهُ: بِتَقْدِيرِ اعْتِضَادِهِ أَوْ صِحَّةِ وَصْلِهِ إذْ لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا) أَيْ الزَّانِي وَالشَّارِبِ (قَوْلُهُ: وَالسَّوْطُ سُيُورٌ تَلِفَ وَتَلَوَّى) فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَقِيسَ بِالسَّوْطِ غَيْرُهُ، وَفِي هَامِشِهِ بِخَطِّ شَيْخِنَا الشِّهَابِ قَوْلُهُ وَقِيسَ إلَخْ أَرَادَ الْمُتَّخَذَ مِنْ جُلُودِ سُيُورٍ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ سَابِقًا وَسَوْطُ الْعُقُوبَةِ إلَخْ فَإِنَّهُ أَرَادَ بِالسَّوْطِ فِيهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ هَذَا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ
(قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ لَا يَرْفَعُ عَضُدَهُ) أَيْ فَلَوْ رَفَعَهُ أَثِمَ وَأَجْزَأَهُ، وَإِنْ ضَرَبَ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤْلِمُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ (قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَاهُ نَفْيُ الضَّمَانِ) مُعْتَمِدٌ (قَوْلُهُ: وَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّ فِيهِ) أَيْ الرَّأْسِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا حَرُمَ) أَيْ وَأَجْزَأَ وَإِذَا مَاتَ مِنْهُ لَا ضَمَانَ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ حَيْثُ لَا تَلْوِيثَ) قَيْدٌ لِلْكَرَاهَةِ: أَيْ وَإِلَّا حَرُمَ أَمَّا الْإِجْزَاءُ فَهُوَ حَاصِلٌ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا
(قَوْلُهُ: وَالسَّوْطُ سُيُورٌ إلَخْ) كَأَنَّ هَذَا حَقِيقَتُهُ وَإِلَّا فَالْمُرَادُ بِسَوْطِ الْحُدُودِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ هَذَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَأَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ قَاسِمٍ
(قَوْلُهُ: وَمُعَارَضٌ بِمَا مَرَّ عَنْ عَلِيٍّ) تَبِعَ فِي هَذَا ابْنَ حَجَرٍ لَكِنْ ذَاكَ ذَكَرَ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَا نَصُّهُ فَيَحْرُمُ ضَرْبُهُمَا لِأَمْرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ بِالْأَوَّلِ وَنَهْيِهِ عَنْ الْأَخِيرَيْنِ وَالرَّأْسِ اهـ فَصَحَّ لَهُ هَذَا الْكَلَامُ، بِخِلَافِ الشَّارِحِ فَإِنَّهُ لَمْ يُقَدِّمْ مَا ذُكِرَ هُنَاكَ
(وَلَا تُشَدُّ يَدُهُ) بَلْ تُتْرَكُ لِيَتَّقِيَ بِهَا وَمَتَى وَضَعَهَا عَلَى مَحَلِّ ضَرْبٍ ضَرَبَهُ عَلَى غَيْرِهِ، إذْ وَضْعُهَا عَلَيْهِ دَالٌ عَلَى شِدَّةِ تَأَلُّمِهِ بِضَرْبِهِ، وَلَا يُلْطَمُ وَجْهُهُ، وَيَتَّجِهُ حُرْمَتُهُ إنْ تَأَذَّى بِهِ، وَإِلَّا كُرِهَ بَلْ يُحَدُّ الرَّجُلُ قَائِمًا وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةً (وَلَا تُجَرَّدُ ثِيَابُهُ) حَيْثُ لَمْ تَمْنَعْ وُصُولَ أَلَمِ الضَّرْبِ، وَيَظْهَرُ كَرَاهَةُ ذَلِكَ بِخِلَافِ نَحْوِ جُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ بَلْ يَتَّجِهُ وُجُوبُ نَزْعِهَا إنْ مَنَعَتْ وُصُولَ الْأَلَمِ الْمَقْصُودِ، وَتُؤْمَرُ امْرَأَةٌ أَوْ مَحْرَمٌ بِشَدِّ ثِيَابِ الْمَرْأَةِ عَلَيْهَا كَيْ لَا تَنْكَشِفَ وَيَتَّجِهُ وُجُوبُهُ، وَلَا يَتَوَلَّى الْجَلْدَ إلَّا رَجُلٌ، وَاسْتَحْسَنَ الْمَاوَرْدِيُّ مَا أَحْدَثَهُ وُلَاةُ الْعِرَاقِ مِنْ ضَرْبِهَا فِي نَحْوِ غِرَارَةٍ مِنْ شَعْرٍ زِيَادَةً فِي سَتْرِهَا، وَأَنَّ ذَا الْهَيْئَةِ يُضْرَبُ فِي الْخَلَاءِ.
وَالْخُنْثَى كَالْأُنْثَى، نَعَمْ يَتَّجِهُ أَنْ لَا يَتَوَلَّى نَحْوَ شَدِّ ثِيَابِهِ إلَّا نَحْوَ مُحْرِمٍ (وَيُوَالِي الضَّرْبَ) عَلَيْهِ (بِحَيْثُ يَحْصُلُ) لَهُ (زَجْرٌ وَتَنْكِيلٌ) بِأَنْ يَضْرِبَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مَا يَحْصُلُ بِهِ إيلَامٌ لَهُ، وَقَعَ ثُمَّ يُضْرَبُ الثَّانِيَةَ قَبْلَ انْقِطَاعِ أَلَمِ الْأُولَى، فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ حَرُمَ كَمَا لَا يَخْفَى وَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
(فَصْلٌ) فِي التَّعْزِيرِ وَهُوَ لُغَةً مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى التَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ وَعَلَى التَّأْدِيبِ وَعَلَى أَشَدِّ الضَّرْبِ وَعَلَى ضَرْبٍ دُونَ الْحَدِّ كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْأَخِيرَ غَلَطٌ، إذْ هُوَ وَضْعٌ شَرْعِيٌّ لَا لُغَوِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ إلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَكَيْفَ يُنْسَبُ لِأَهْلِ اللُّغَةِ الْجَاهِلِينَ بِذَلِكَ مِنْ أَصْلِهِ، وَاَلَّذِي فِي الصِّحَاحِ بَعْدَ تَفْسِيرِهِ بِالضَّرْبِ، وَمِنْهُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: ضَرَبَهُ عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ وُجُوبًا (قَوْلُهُ وَلَا يَلْطِمُ وَجْهَهُ) عِبَارَةُ حَجّ: وَلَا يُلْقِي عَلَى وَجْهِهِ وَهِيَ الْمُرَادَةُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الضَّرْبِ عَلَى الْوَجْهِ قَدْ مَرَّ (قَوْلُهُ: وَيَظْهَرُ كَرَاهَةُ ذَلِكَ) يَنْبَغِي حُرْمَتُهُ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ مُزْرٍ كَعَظِيمٍ أُرِيدَ الِاقْتِصَارُ مِنْ ثِيَابِهِ عَلَى مَا يُزْرِي كَقَمِيصٍ لَا يَلِيقُ بِهِ أَوْ إزَارٍ فَقَطْ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَتُؤْمَرُ امْرَأَةٌ) أَيْ وُجُوبًا فِيمَا يَظْهَرُ: أَيْ حَيْثُ تَرَتَّبَ نَظَرُ مُحْرِمٍ عَلَى التَّكَشُّفِ فِيمَا يَظْهَرُ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ وَيَتَّجِهُ وُجُوبُهُ) أَيْ وُجُوبُ الشَّدِّ (قَوْلُهُ: وَلَا يَتَوَلَّى الْجَلْدَ) يَنْبَغِي أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ (قَوْلُهُ: إلَّا نَحْوَ مَحْرَمٍ) أَيْ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْمَحْرَمُ تَوَلَّاهُ كُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ كَمَا فِي غُسْلِهِ إذَا مَاتَ وَلَا مَحْرَمَ لَهُ، وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: قَبْلَ انْقِطَاعِ أَلَمِ الْأُولَى) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ رَضِيَ أَوْ لَا.
قَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ: وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ حُرْمَتَهُ مُطْلَقًا بِغَيْرِ رِضَا الْمَحْدُودِ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْفَضِيحَةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْمَأْثُورِ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ تَعْزِيرًا فَهَذَا أَوْلَى اهـ حَجّ.
(فَصْلٌ) فِي التَّعْزِيرِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُطْلَقُ) أَيْ لُغَةً، وَقَوْلُهُ وَالتَّعْظِيمِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: وَعَلَى أَشَدِّ الضَّرْبِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ لُغَةً عَلَى أَصْلِ الضَّرْبِ، لَكِنْ سَيَأْتِي عَنْ الصِّحَاحِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَكَيْفَ يُنْسَبُ لِأَهْلِ اللُّغَةِ) لَا يُقَالُ:
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَا يَلْطِمُ عَلَى وَجْهِهِ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ وَلَا يُمَدُّ عَلَى الْأَرْضِ انْتَهَتْ فَاقْتَضَتْ مَنْعَ مَدِّهِ عَلَى الْأَرْضِ عَلَى ظَهْرِهِ مَثَلًا وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي بَلْ يُجْلَدُ الرَّجُلُ قَائِمًا إلَخْ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَضْرِبَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إلَخْ) أَيْ فَيَكْفِي هَذَا فِي الْمُوَالَاةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا حَقِيقَةُ الْمُوَالَاةِ الْوَاجِبَةِ حَتَّى يَمْتَنِعَ خِلَافُهَا كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الْإِيلَامِ وَمِنْ كَوْنِهِ لَهُ وَقْعٌ وَمِنْ الْمُوَالَاةِ
[فَصْلٌ فِي التَّعْزِيرِ]
(فَصْلٌ فِي التَّعْزِيرِ) (قَوْلُهُ: مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ وَإِلَّا فَالضَّرْبُ الْآتِي لَيْسَ هُوَ تَمَامُ ضِدِّ التَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ وَإِنَّمَا حَقِيقَةٌ
سُمِّيَ ضَرْبُ مَا دُونَ الْحَدِّ تَعْزِيرًا، فَأَشَارَ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ مَنْقُولَةٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ بِزِيَادَةِ قَيْدٍ هُوَ كَوْنُ ذَلِكَ الضَّرْبِ دُونَ الْحَدِّ الشَّرْعِيِّ فَهُوَ كَلَفْظِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِمَا الْمَنْقُولَةِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِيهَا بِزِيَادَةٍ، وَأَصْلُهُ الْعَذْرُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَهُوَ الْمَنْعُ.
وَشَرْعًا مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (يُعَزَّرُ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ) لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ (لَا حَدَّ لَهَا) وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ يَشْمَلُ الْقَوَدَ لِيَدْخُلَ نَحْوَ قَطْعِ الطَّرَفِ (وَلَا كَفَّارَةَ) سَوَاءٌ فِيمَا ذُكِرَ مُقَدَّمَةً مَا فِيهِ حَدٌّ وَغَيْرُهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَلِأَمْرِهِ تَعَالَى الْأَزْوَاجَ بِالضَّرْبِ عِنْدَ النُّشُوزِ، وَلِمَا صَحَّ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِخَبَرِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي سَرِقَةِ تَمْرٍ دُونَ نِصَابٍ غُرْمُ مِثْلِهِ وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ» وَأَفْتَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيمَنْ قَالَ لِآخَرَ يَا فَاسِقُ يَا خَبِيثُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْأَصْلُ، وَقَدْ يَنْتَفِي مَعَ انْتِفَائِهِمَا كَذَوِي الْهَيْئَاتِ لِخَبَرِ «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إلَّا الْحُدُودَ» وَفِي رِوَايَةٍ: زَلَّاتِهِمْ، وَفَسَّرَهُمْ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِمَنْ لَا يُعْرَفُ بِالشَّرِّ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الصَّغَائِرُ الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَكِنَّ كَلَامَهُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ جَوَازِ تَعْزِيرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، وَنَازَعَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَدْبُ الْعَفْوِ عَنْهُمْ، وَبِأَنَّ عُمَرَ عَزَّرَ جَمْعًا مِنْ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ وَهُمْ رُءُوسُ الْأَوْلِيَاءِ وَسَادَاتُ الْأُمَّةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ.
وَقَدْ يُقَالُ إنَّ قَوْلَ الْأُمِّ لَمْ يُعَزَّرْ ظَاهِرٌ فِي الْحُرْمَةِ، وَفِعْلُ عُمَرَ اجْتِهَادٌ مِنْهُ، وَالْمُجْتَهِدُ لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَكَمَنْ رَأَى زَانِيًا بِأَهْلِهِ وَهُوَ مُحْصَنٌ فَقَتَلَهُ
[حاشية الشبراملسي]
هَذَا لَا يَأْتِي عَلَى أَنَّ الْوَاضِعَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى.
لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ تَعَالَى إنَّمَا وَضَعَ اللُّغَةَ بِاعْتِبَارِ مَا يَتَعَارَفهُ النَّاسُ مِنْ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الشَّرْعِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الْإِشْكَالِ بِأَنَّ الْقَامُوسَ كَثِيرًا مَا يَذْكُرُ الْمَجَازَاتِ اللُّغَوِيَّةَ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً بِوَضْعٍ شَرْعِيٍّ، وَالْمَجَازُ لَا يُشْتَرَطُ سَمَاعُ شَخْصِهِ بَلْ يَكْفِي سَمَاعُ نَوْعِهِ (قَوْلُهُ: بِزِيَادَةِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ) أَيْ لُغَةً وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ مَصْدَرٌ مَزِيدٌ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُجَرَّدِ (قَوْلُهُ: لَا حَدَّ لَهَا) ع: الْأَحْسَنُ لَا عُقُوبَةَ لَهَا لِيَشْمَلَ الْجِنَايَةَ عَلَى الْأَطْرَافِ بِقَطْعِهَا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّارِحُ وَمُرَادُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: قَالَ فِي سَرِقَةٍ) أَيْ فِي بَيَانِ حُكْمِ سَرِقَةٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَأَفْتَى بِهِ عَلِيٌّ) أَيْ بِالتَّعْزِيرِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَنْتَفِي مَعَ انْتِقَائِهِمَا) أَيْ بِأَنْ يَفْعَلَ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ وَلَا يُعَزَّرُ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: لِخَبَرِ: أَقِيلُوا) أَيْ وُجُوبًا مَا لَمْ يَرَ الْمَصْلَحَةَ فِي عَدَمِ الْإِقَالَةِ (قَوْلُهُ: عَثَرَاتِهِمْ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ.
ثَانِيهِمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَثْرَةِ أَوَّلُ زَلَّةٍ وَلَوْ مِنْ الْكَبَائِرِ عَلَى مَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ حَجّ: وَفِي عَثَرَاتِهِمْ: أَيْ الْمُرَادِ بِهَا وَجْهَانِ: صَغِيرَةٌ لَا حَدَّ، فِيهَا، وَأَوَّلُ زَلَّةٍ: أَيْ وَلَوْ كَبِيرَةً صَدَرَتْ مِنْ مُطِيعٍ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ) أَيْ الْعَثَرَاتِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ كَلَامَهُ صَرِيحٌ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ تَعْزِيرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ الصَّغَائِرِ (قَوْلُهُ: وَبِأَنَّ عُمَرَ عَزَّرَ جَمْعًا) إيرَادُ هَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ الْمُعَزَّرَ عَلَيْهِ صَغِيرَةٌ، وَأَوَّلُ زَلَّةٍ أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَثْرَةَ هِيَ ذَلِكَ، وَهُوَ وَاقِعَةٌ حَالٌ فِعْلِيَّةٌ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَكَمَنْ رَأَى زَانِيًا بِأَهْلِهِ وَهُوَ مُحْصَنٌ فَقَتَلَهُ) قَضِيَّةُ السِّيَاقِ حُرْمَةُ الْقَتْلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا انْتَفَى فِيهِ التَّعْزِيرُ مَعَ انْتِفَاءِ الْحَدِّ وَالْكَفَّارَةِ عَنْهُ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِ عَقِبَهُ وَإِلَّا حَلَّ قَتْلُهُ إلَخْ عَدَمُ حُرْمَتِهِ فَلْيُرَاجِعْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: قَدْ يَمْنَعُ كَوْنُ الْجَوَازِ قَضِيَّتَهُ لِإِمْكَانِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَنْ ثَبَتَ زِنَاهُ فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ لِإِمْكَانِ رَفْعِهِ
[حاشية الرشيدي]
ضِدُّ ذَلِكَ الْإِهَانَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ بِضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ قَالَ فِي سَرِقَةِ تَمْرٍ دُونَ نِصَابٍ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ مَقُولُ الْقَوْلِ جَمِيعٌ فِي سَرِقَةِ تَمْرٍ إلَخْ أَوْ خُصُوصِ غُرْمِ مِثْلِهِ وَجَلَدَاتٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ فِي سَرِقَةٍ إلَخْ بَيَانًا لِمَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ) أَيْ بِالْعَثَرَاتِ كَمَا هُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ أَوَّلُ زَلَّةٍ: أَيْ وَلَوْ كَبِيرَةً صَدَرَتْ مِنْ مُطِيعٍ (قَوْلُهُ: وَفِعْلُ عُمَرَ اجْتِهَادٌ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: وَأَيْضًا فَإِيرَادُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ الْمُعَزَّرَ عَلَيْهِ صَغِيرَةٌ أَوْ
لِعُذْرِهِ بِالْحَمِيَّةِ وَالْغَيْظِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ وَإِلَّا جَازَ لَهُ قَتْلُهُ بَاطِنًا، وَأُقِيدَ بِهِ ظَاهِرًا كَمَا فِي الْأُمِّ، وَكَقَطْعِ الشَّخْصِ أَطْرَافَ نَفْسِهِ وَكَقَذْفِهِ مَنْ لَاعَنَهَا وَتَكْلِيفِ قِنِّهِ فَوْقَ طَاقَتِهِ وَضَرْبِ حَلِيلَتِهِ تَعَدِّيًا وَوَطِئَهَا فِي دُبُرِهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي الْجَمِيعِ وَلَا يُنَافِي الْأَخِيرَةَ تَعْزِيرُهُ عَلَى وَطْءِ الْحَائِضِ؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَكَفَرَ مُسْتَحِلُّهُ مَعَ أَنَّ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ رَذِيلَةٌ يَنْبَغِي عَدَمُ إذَاعَتِهَا، وَكَالْأَصْلِ لَحِقَ فَرْعُهُ مَا سِوَى قَذْفِهِ كَمَا مَرَّ، وَكَتَأْخِيرِ قَادِرٍ نَفَقَةَ زَوْجَةٍ طَلَبَتْهَا أَوَّلَ النَّهَارِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْبَسُ وَلَا يُوَكِّلُ بِهِ وَإِنْ أَثِمَ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَكَتَعْرِيضِ أَهْلِ الْبَغْيِ بِسَبِّ الْإِمَامِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ انْتِفَاءُ تَعْزِيرِهِمْ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيضَ عِنْدَنَا غَيْرُ مُلْحَقٍ بِالتَّصْرِيحِ فَلَا يَكُونُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِ الْبَحْرِ رُبَّمَا هَيَّجَهُمْ التَّعْزِيرُ لِلْقِتَالِ فَيُتْرَكُ أَنَّ تَرْكَهُ لَيْسَ لِكَوْنِ سَبَبِهِ غَيْرَ مَعْصِيَةٍ، وَكَمَنْ لَا يُفِيدُ فِيهِ إلَّا الضَّرْبُ الْمُبَرِّحُ فَلَا يُضْرَبُ أَصْلًا كَمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَإِنْ بَحَثَ فِيهِ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي ضَرْبُهُ غَيْرَ مُبَرِّحٍ إقَامَةً لِصُورَةِ الْوَاجِبِ وَاعْتَمَدَهُ جَمْعٌ، وَقَدْ يُجَامِعُ التَّعْزِيرُ الْكَفَّارَةَ كَمُجَامِعِ حَلِيلَتِهِ نَهَارَ رَمَضَانَ وَكَالْمُظَاهِرِ وَحَالِفِ يَمِينٍ غَمُوسٍ وَكَقَتْلِ مَنْ لَا يُقَادُ بِهِ، وَمِنْ اجْتِمَاعِهِمَا تَعْلِيقُ يَدِ السَّارِقِ فِي عُنُقِهِ سَاعَةً زِيَادَةً فِي نَكَالِهِ وَكَالزِّيَادَةِ عَلَى
[حاشية الشبراملسي]
لِلْحَاكِمِ، وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَثْبُتْ زِنَاهُ فَيَجُوزُ قَتْلُهُ لِعُذْرِهِ حَيْثُ رَآهُ يَزْنِي بِأَهْلِهِ، وَعَجَزَ عَنْ إثْبَاتِهِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ لِعُذْرِهِ بِالْحَمِيَّةِ) أَيْ إرَادَةِ الْمَنْعِ عَمَّا يُطْلَبُ مِنْهُ حِمَايَتُهُ، وَفِي الْمُخْتَارِ: الْحَمِيَّةُ: الْعَارُ وَالْأَنَفَةُ (قَوْلُهُ وَتَكْلِيفِ قِنِّهِ) أَيْ أَوْ دَابَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَوَطْئِهَا فِي دُبُرِهَا) قِيلَ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لَهُ.
أَمَّا هِيَ فَتُعَزَّرُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ إلَّا بِنَقْلٍ م ر اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: أَوَّلَ مَرَّةٍ) الْمُرَادُ قَبْلَ نَهْيِ الْحَاكِمِ لَهُ، وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ انْتَهَى سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ فِي الْجَمِيعِ) الظَّاهِرُ رُجُوعُهُ لِمَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ كَذَوِي الْهَيْئَاتِ إلَى هُنَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّقْيِيدَ لَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ الزَّانِي، وَيَدْخُلُ فِيهِ حِينَئِذٍ مَنْ قَطَعَ أَطْرَافَ نَفْسِهِ مُرَتِّبًا (قَوْلُهُ: وَكَفَرَ مُسْتَحِلُّهُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ وَطْءَ الْحَلِيلَةِ فِي دُبُرِهَا غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَعَدَمِ كُفْرِ مُسْتَحِلِّهِ (قَوْلُهُ: لَحِقَ فَرْعُهُ) أَيْ فَلَا يُعَزَّرُ لَهُ (قَوْلُهُ: مَا سِوَى قَذْفِهِ) أَيْ فَيُعَذَّرُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: غَيْرُ مُلْحَقٍ بِالتَّصْرِيحِ) لَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْغَيْرِ بِمَا يُكْرَهُ مِنْ أَفْرَادِ الْغَيْبَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ السَّابِقِ فِي مَبْحَثِ خُطْبَةِ النِّكَاحِ فِي حَدِّ الْغَيْبَةِ وَلَوْ بِإِشَارَةٍ أَوْ إيمَاءٍ بَلْ وَبِالْقَلْبِ بِأَنْ أَصَرَّ عَلَى اسْتِحْضَارِهِ اهـ، فَهُوَ مَعْصِيَةٌ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ، فَعَدَمُ التَّعْزِيرِ عَلَيْهِ هُنَا إذَا اعْتَرَفَ بِقَصْدِهِ الْمُعْرِضِ بِهِ يُوجِبُ الِاسْتِثْنَاءَ فَقَوْلُ لَيْسَ كَالتَّصْرِيحِ فِيهِ نَظَرٌ، نَعَمْ لَيْسَ هُوَ كَالتَّصْرِيحِ فِي حُكْمِ الْقَذْفِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ فَلْيَتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: لِكَوْنِ سَبِّهِ غَيْرَ مَعْصِيَةٍ) أَيْ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ التَّعْرِيضَ بِسَبِّ غَيْرِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ الْبُغَاةِ أَيْضًا مَعْصِيَةٌ، وَقَضِيَّةُ تَوْجِيهِ الْبَحْرِ ثُبُوتُ التَّعْزِيرِ لِعَدَمِ الْمَعْنَى الَّذِي انْتَفَى بِسَبَبِهِ تَعْزِيرُهُمْ عَلَى سَبِّ الْإِمَامِ، وَكَذَا ثُبُوتُ تَعْزِيرِ غَيْرِهِمْ بِسَبَبِ الْإِمَامِ لِذَلِكَ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَحَالِفِ يَمِينٍ غَمُوسٍ) أَيْ كَاذِبَةٍ.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا اعْتَرَفَ بِحَلِفِهِ كَاذِبًا، وَأَمَّا إذَا حَلَفَ، وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَلَا تَعْزِيرَ لِاحْتِمَالِ كَذِبِ الْبَيِّنَةِ (قَوْلُهُ: وَكَقَتْلِ مَنْ لَا يُقَادُ بِهِ) يَشْمَلُ قَتْلَ الْوَالِدِ وَلَدَهُ، وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ اهـ سم عَلَى حَجّ: أَيْ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ السَّابِقِ مَا سِوَى قَذْفِهِ فَتُضَمُّ هَذِهِ الصُّورَةُ إلَى الْقَذْفِ (قَوْلُهُ وَمِنْ اجْتِمَاعِهِمَا) أَيْ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ
[حاشية الرشيدي]
أَوَّلُ زَلَّةٍ وَهِيَ وَاقِعَةُ حَالٍ فِعْلِيَّةٍ اهـ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا جَازَ لَهُ قَتْلُهُ بَاطِنًا إلَى آخِرِهِ) أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مِنْ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْإِمَامِ فَقَتْلُهُ حِينَئِذٍ فِيهِ افْتِيَاتٌ عَلَى الْإِمَامِ فَحَرُمَ، فَمَا ذَكَرَهُ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ هُنَا غَيْرُ ظَاهِرٍ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّعْرِيضَ عِنْدَنَا لَيْسَ كَالتَّصْرِيحِ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: لَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْرِيضَ بِمَا يُكْرَهُ مِنْ أَفْرَادِ الْغِيبَةِ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ (قَوْلُهُ: وَمِنْ اجْتِمَاعِهِمَا تَعْلِيقُ يَدِ السَّارِقِ إلَخْ) هَذَا مِنْ اجْتِمَاعِ الْحَدِّ مَعَ التَّعْزِيرِ
الْأَرْبَعِينَ فِي حَدِّ الشُّرْبِ، وَكَمَنْ زَنَى بِأُمِّهِ فِي الْكَعْبَةِ صَائِمًا رَمَضَانَ مُعْتَكِفًا مُحْرِمًا فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَالْعِتْقُ وَالْبَدَنَةُ، وَيُعَزَّرُ لِقَطْعِ رَحِمِهِ وَانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْكَعْبَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ اجْتِمَاعِهِ مَعَ الْحَدِّ مَا لَوْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ عُزِّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَانَ قَتْلُهُ لِإِصْرَارِهِ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ جَدِيدَةٌ، وَإِنْ أَسْلَمَ عُزِّرَ وَلَا حَدَّ فَلَمْ يَجْتَمِعَا، وَقَدْ يُوجَدُ حَيْثُ لَا مَعْصِيَةَ كَفِعْلِ غَيْرِ مُكَلَّفٍ مَا يُعَزَّرُ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ، وَكَمَنْ يَكْتَسِبُ بِاللَّهْوِ الْمُبَاحِ فَلِلْوَالِي تَعْزِيرُ الْآخِذِ وَالدَّافِعِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ لِلْمَصْلَحَةِ، وَكَنَفْيِ الْمُخَنَّثِ لِلْمَصْلَحَةِ وَإِنْ لَمْ يَرْتَكِبْ مَعْصِيَةً
، وَيَحْصُلُ التَّعْزِيرُ (بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ) غَيْرِ مُبَرِّحٍ (أَوْ صَفْعٍ) وَهُوَ الضَّرْبُ بِجَمْعِ الْكَفِّ أَوْ بَسْطِهَا (أَوْ تَوْبِيخٍ) بِاللِّسَانِ أَوْ تَغْرِيبٍ دُونَ سَنَةٍ فِي الْحُرِّ وَدُونَ نِصْفِهَا فِي ضِدِّهِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا، أَوْ قِيَامٌ مِنْ الْمَجْلِسِ أَوْ كَشْفِ رَأْسٍ أَوْ تَسْوِيدِ وَجْهٍ أَوْ حَلْقِ رَأْسٍ لِمَنْ يَكْرَهُهُ فِي زَمَنِنَا لَا لِحْيَةٍ وَإِنْ قُلْنَا بِكَرَاهَتِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَإِرْكَابِهِ الْحِمَارَ مَنْكُوسًا وَالدَّوَرَانِ بِهِ كَذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ وَتَهْدِيدِهِ بِأَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ، وَجَوَّزَ الْمَاوَرْدِيُّ صَلْبَهُ حَيًّا مِنْ غَيْرِ مُجَاوَزَةِ ثَلَاثَةٍ مِنْ الْأَيَّامِ، وَلَا يُمْنَعُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي لَا مُومِيًا خِلَافًا لَهُ، عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ بِكُلِّ مُعَزَّرٍ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ وَبِجِنَايَتِهِ، وَأَنْ يُرَاعِيَ فِي التَّرْتِيبِ وَالتَّدْرِيجِ مَا مَرَّ فِي دَفْعِ الصَّائِلِ فَلَا يَرْقَى
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ وَقَدْ يُوجَدُ) أَيْ التَّعْزِيرُ (قَوْلُهُ: مَا يُعَزَّرُ عَلَيْهِ) أَيْ أَوْ يُحَدُّ عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى (قَوْلُهُ: وَكَمَنْ يَكْتَسِبُ بِاللَّهْوِ الْمُبَاحِ) أَيْ أَمَّا مَنْ يَكْتَسِبُ بِالْحَرَامِ فَالتَّعْزِيرُ عَلَيْهِ دَاخِلٌ فِي الْحَرَامِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ فِي مِصْرِنَا مِنْ اتِّخَاذِ مَنْ يَذْكُرُ حِكَايَاتٍ مُضْحِكَةً، وَأَكْثَرُهَا أَكَاذِيبُ فَيُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ مَا يَأْخُذُهُ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ رَدُّهُ إلَى دَافِعِهِ وَإِنْ وَقَعَتْ صُورَةُ اسْتِئْجَارٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَاسِدٌ، وَكَتَبَ أَيْضًا لَطَفَ اللَّهُ بِهِ قَوْلَهُ وَكَمَنْ يَكْتَسِبُ بِاللَّهْوِ الْمُبَاحِ كَاللَّعِبِ بِالطَّارِّ وَالْغِنَاءِ فِي الْقَهَاوِي مَثَلًا، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْمُسَمَّى بِالْمِزَاحِ (قَوْلُهُ: وَكَنَفْيِ الْمُخَنَّثِ لِلْمَصْلَحَةِ) أَيْ وَهُوَ الْمُتَشَبِّهُ بِالنِّسَاءِ، وَمِنْهَا دَفْعُ مَنْ يُنْظَرُ إلَيْهِ حِينَ التَّشَبُّهِ أَوْ مَنْ يُرِيدُ التَّشَبُّهَ بِالنِّسَاءِ بِأَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ عَلِمَ أَنْ لَا يَزْجُرَهُ إلَّا الْمُبَرِّحِ امْتَنَعَ) نُسْخَة وَالْأَوْلَى إسْقَاطُهَا؛ لِأَنَّهَا تَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ وَكَمَنْ لَا يُفِيدُ فِيهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَ مَنْقُولًا) لَعَلَّ الْكَلَامَ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ مَنْقُولًا فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَإِلَّا فَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ صَرِيحَةٌ فِيهِ حَيْثُ قَالَ فَيَنْقُصُ فِي تَعْزِيرِ الْحُرِّ بِالضَّرْبِ عَنْ أَرْبَعِينَ وَبِالْحَبْسِ أَوْ النَّفْيِ عَنْ سَنَةٍ وَفِي تَعْزِيرِ غَيْرِهِ بِالضَّرْبِ عَنْ عِشْرِينَ وَبِالْحَبْسِ أَوْ النَّفْيِ عَنْ نِصْفِ سَنَةٍ (قَوْلُهُ: لَا لِحْيَةٍ) أَيْ فَلَا يَجُوزُ التَّعْزِيرُ بِحَلْقِهَا، قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ ع: هَذَا الْكَلَامُ ظَاهِرُهُ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّ حَلْقَ اللِّحْيَةِ لَا يُجْزِي فِي التَّعْزِيرِ لَوْ فَعَلَهُ الْإِمَامُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ، وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ التَّعْزِيرَ لَا يَجُوزُ بِحَلْقِ اللِّحْيَةِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْإِجْزَاءِ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اهـ وَفِي حَجّ: وَيَجُوزُ حَلْقُ رَأْسِهِ لَا لِحْيَتِهِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يَجُوزُ تَسْوِيدُ وَجْهِهِ اهـ. قَالَ م ر: وَلَيْسَ عَدَمُ جَوَازِ حَلْقِ اللِّحْيَةِ مَبْنِيًّا عَلَى حُرْمَةِ حَلْقِ اللِّحْيَةِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ؛ لِأَنَّ لِلْإِنْسَانِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ اهـ (قَوْلُهُ: وَإِنْ قُلْنَا بِكَرَاهَتِهِ) أَيْ إذَا فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: وَإِرْكَابِهِ الْحِمَارَ) أَيْ مَثَلًا (قَوْلُهُ: فِي التَّرْتِيبِ وَالتَّدْرِيجِ) وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي زَمَنِنَا مِنْ تَحْمِيلِ بَابٍ لِلْمُعَزَّرِ وَثَقْبِ أَنْفِهِ أَوْ
[حاشية الرشيدي]
لَا مِنْ اجْتِمَاعِ التَّعْزِيرِ مَعَ الْكَفَّارَةِ فَلَعَلَّ هُنَا سَقْطًا فِي النُّسَخِ
(قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا) هَذَا عَجِيبٌ مَعَ أَنَّهُ فِي شَرْحِ الْأَذْرَعِيِّ الَّذِي هُوَ نُصْبَ عَيْنِ الشَّارِحِ لِكَثْرَةِ اسْتِمْدَادِهِ مِنْهُ مَنْقُولٌ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِ بَلْ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَعِبَارَتُهُ أَعْنِي الْأَذْرَعِيَّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لِلْإِمَامِ النَّفْيُ فِي التَّعْزِيرِ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مُدَّتَهُ مُقَدَّرَةٌ بِمَا دُونَ السَّنَةِ وَلَوْ بِيَوْمٍ كَيْ لَا يُسَاوِيَ التَّغْرِيبَ فِي الزِّنَا، وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْهَرَوِيُّ فِي الْإِشْرَاقِ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ نَقَلَ:
لِمَرْتَبَةٍ، وَهُوَ يَرَى مَا دُونَهَا كَافِيًا، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ إذْ لِلْإِمَامِ الْجَمْعُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ فَأَكْثَرَ إنْ رَآهُ
(وَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ) لِانْتِفَاءِ تَقْدِيرِهِ شَرْعًا فَفُوِّضَ لِرَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ لِاخْتِلَافِهِ بِاخْتِلَافِ الْمَعَاصِي وَأَحْوَالِ النَّاسِ وَمَرَاتِبِهِمْ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ عَدَمَ اسْتِيفَاءِ غَيْرِ الْإِمَامِ لَهُ، نَعَمْ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ تَأْدِيبُ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ لِلتَّعَلُّمِ وَسُوءِ الْأَدَبِ، وَمَا قَالَهُ جَمْعٌ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ امْتِنَاعُ ضَرْبِهِمَا بَالِغًا وَلَوْ سَفِيهًا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ طَرَأَ تَبْذِيرُهُ، وَلَمْ يَعُدْ عَلَيْهِ الْحَجْرُ لِنُفُوذِ تَصَرُّفِهِ، وَمِثْلُهُمَا الْأُمُّ وَمِنْ نَحْوِ الصَّبِيِّ فِي كَفَالَتِهِ كَمَا بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ، وَلِلسَّيِّدِ تَأْدِيبُ قِنِّهِ وَلَوْ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلِلْمُعَلِّمِ تَأْدِيبُ الْمُتَعَلِّمِ مِنْهُ لَكِنْ بِإِذْنِ وَلِيِّ الْمَحْجُورِ
وَلِلزَّوْجِ تَعْزِيرُ زَوْجَتِهِ لِحَقِّ نَفْسِهِ كَنُشُوزٍ لَا لِحَقِّهِ تَعَالَى إنْ لَمْ يَبْطُلْ أَوْ يَنْقُصْ شَيْئًا مِنْ حُقُوقِهِ كَمَا لَا يَخْفَى (وَقِيلَ إنْ تَعَلَّقَ بِآدَمِيٍّ لَمْ يَكْفِ تَوْبِيخٌ) لِتَأَكُّدِ حَقِّهِ، وَمَنَعَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ضَرْبَ الْمَسْتُورِ بِالدُّرَّةِ الْآنَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ عَارًا فِي ذُرِّيَّتِهِ وَاسْتُحْسِنَ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَكِنْ لَا يُسَاعِدُهُ النَّقْلُ، وَأَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِإِدَامَةِ حَبْسِ مَنْ يُكْثِرُ الْجِنَايَةَ عَلَى النَّاسِ، وَلَمْ يُفِدْ فِيهِ التَّعْزِيرُ إلَى مَوْتِهِ (فَإِنْ) (جُلِدَ وَجَبَ أَنْ يَنْقُصَ) عَنْ أَقَلِّ حُدُودِ الْمُعَزَّرِ فَيَنْقُصُ (فِي عَبْدٍ عَنْ عِشْرِينَ جَلْدَةً) وَنِصْفِ سَنَةٍ فِي حَبْسِهِ فِيمَا يَظْهَرُ (وَحُرٍّ عَنْ أَرْبَعِينَ) جَلْدَةً وَسَنَةٍ نَظِيرَ مَا مَرَّ.
(وَقِيلَ) يَجِبُ النَّقْصُ فِيهِمَا عَنْ (عِشْرِينَ) لِخَبَرِ؟ «مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنْ الْمُعْتَدِينَ» لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ (وَيَسْتَوِي فِي هَذَا) أَيْ النَّقْصِ عَمَّا ذُكِرَ (جَمِيعُ الْمُعَاصَى فِي الْأَصَحِّ) .
[حاشية الشبراملسي]
أُذُنِهِ وَيُعَلَّقُ فِيهِ رَغِيفٌ أَوْ يُسَمَّرُ فِي حَائِطٍ فَيَجُوزُ.
قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْجَدِيدِ بِأَخْذِ الْمَالِ بِرّ اهـ
(قَوْلُهُ: عَدَمُ اسْتِيفَاءِ غَيْرِ الْإِمَامِ لَهُ) أَيْ فَلَوْ فَعَلَهُ لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعُ وَيُعَزَّرُ عَلَى تَعَدِّيهِ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَعُدْ عَلَيْهِ) أَفْهَمَ أَنَّهُ إذَا أُعِيدَ عَلَيْهِ الْحَجْرُ جَازَ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ ضَرْبُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ مَنْ طَرَأَ تَبْذِيرُهُ وَلِيُّهُ الْحَاكِمُ دُونَ الْأَبِ وَالْجَدِّ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ تَصَرُّفِ غَيْرِ الْحَاكِمِ مِنْ الْأَبِ وَالْجَدِّ فِي أَمْوَالِهِمْ مَنْعُهُمْ مِنْ التَّأْدِيبِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ لَا يَتَفَرَّغُ لِتَأْدِيبِهِمْ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ، لَكِنْ لَوْ أُرِيدَ هَذَا لَمْ يَتَقَيَّدْ بِمَا إذَا أُعِيدَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُمَا الْأُمُّ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَصِيَّةً، وَكَانَ الْأَبُ وَالْجَدُّ مَوْجُودَيْنِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ هَذَا لِكَوْنِهِ لَيْسَ تَصَرُّفًا فِي الْمَالِ بَلْ لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ سُومِحَ فِيهِ مَا لَمْ يُسَامَحْ فِي غَيْرِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي فَصْلٍ إنَّمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّبِيِّ مَا يَدُلُّ لَهُ (قَوْلُهُ: وَلِلْمُعَلِّمِ تَأْدِيبُ الْمُتَعَلِّمِ) شَامِلٌ لِلْبَالِغِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الْأَبِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: قَدْ يُقَال: هُوَ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّمِهِ وَاحْتِيَاجِهِ لِلْمُعَلِّمِ أَشْبَهَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ، وَهُوَ لِوَلِيِّهِ تَأْدِيبُهُ (قَوْلُهُ: لَكِنْ بِإِذْنِ وَلِيِّ الْمَحْجُورِ) هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ مَعَ مَا قَبْلَهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ لَهُ ضَرْبَ الْكَامِلِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الْأَبِ الَّذِي يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ضَرْبُ الْكَامِلِ م ر اهـ عَلَى حَجّ
(قَوْلُهُ: كَنُشُوزٍ) أَيْ وَيُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ مِمَّا فِيهِ نُشُوزٌ بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ تَعْزِيرِهِ لَا لِسُقُوطِ نَفَقَتِهَا (قَوْلُهُ: وَاسْتَحْسَنَ) مُعْتَمَدٌ.
(قَوْلُهُ: وَأَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِإِدَامَةِ حَبْسِ) أَيْ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَفِي بِنَفَقَتِهِ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ فَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَيَاسِيرِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانُوا بِغَيْرِ بَلَدِهِ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إذَا تَأَلَّمَ بَعْضُهُ تَبِعَهُ بَاقِيهِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ (قَوْلُهُ: مَنْ يُكْثِرُ الْجِنَايَةَ عَلَى النَّاسِ) أَيْ بِسَبٍّ أَوْ أَخْذِ شَيْءٍ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَنْ يُصِيبُ بِالْعَيْنِ حَيْثُ عُرِفَ مِنْهُ وَكَثُرَ (قَوْلُهُ وَلَكِنَّهُ مُرْسَلٌ)
[حاشية الرشيدي]
أَعْنِي الْأَذْرَعِيَّ عَنْ الْإِمَامِ إشَارَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ بُلُوغُهُ سَنَةً لِأَنَّ التَّغْرِيبَ بَعْضُ الْحَدِّ لَا كُلُّهُ
(قَوْلُهُ وَلَمْ يُعِدْ عَلَيْهِ الْحَجْرُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أُعِيدَ عَلَيْهِ الْحَجْرُ يَكُونُ لَهُمَا ضَرْبُهُ، وَفِيهِ وَقْفَةٌ لِأَنَّ وَلِيَّهُ حِينَئِذٍ إنَّمَا هُوَ الْحَاكِمُ لَا هُمَا
(قَوْلُهُ وَمَنَعَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ) يَعْنِي مَنَعَ ثَوَابَهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ الْقَضَاءَ (قَوْلُهُ: وَاسْتُحْسِنَ) الْمُسْتَحْسِنُ هُوَ الْأَذْرَعِيُّ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ، وَعِبَارَتُهُ عَقِبَ نَقْلِهِ مَنْعَ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ نَصُّهَا: وَهُوَ حَسَنٌ، وَلَكِنْ لَا يُسَاعِدُهُ عَلَيْهِ النَّقْلُ
وَالثَّانِي تُقَاسُ كُلُّ مَعْصِيَةٍ بِمَا يَلِيقُ بِهَا مِمَّا فِيهِ حَدٌّ فَيَنْقُصُ تَعْزِيرُ مُقَدِّمَةِ الزِّنَا عَنْ حَدِّهِ وَإِنْ زَادَ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ، وَتَعْزِيرُ السَّبِّ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ وَإِنْ زَادَ عَلَى حَدِّ الشُّرْبِ (وَلَوْ عَفَا مُسْتَحِقُّ حَدٍّ فَلَا تَعْزِيرَ) يَجُوزُ (لِلْإِمَامِ فِي الْأَصَحِّ) لِانْتِفَاءِ نَظَرِهِ فِيهِ (أَوْ) مُسْتَحِقُّ (تَعْزِيرٍ) (فَلَهُ) أَيْ الْإِمَامِ التَّعْزِيرُ (فِي الْأَصَحِّ) لِتَعَلُّقِهِ بِنَظَرِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَوْفِيهِ إلَّا بَعْدَ طَلَبِ مُسْتَحِقِّهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ بِالْعَفْوِ يَسْقُطُ فَيَبْقَى حَقُّ الْإِصْلَاحِ لِيَنْزَجِرَ عَنْ عَوْدِهِ لِمِثْلِ ذَلِكَ وَقَبْلَ الطَّلَبِ الْإِصْلَاحُ مُنْتَظَرٌ، فَلَوْ أُقِيمَ لَفَاتَ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ حَقُّ الطَّلَبِ وَحُصُولُ التَّشَفِّي، لَكِنْ لَوْ طَلَبَهُ لَزِمَ الْإِمَامُ إجَابَتَهُ وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الْعَفْوُ كَمَا رَجَّحَهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَتَبِعَهُ فُرُوعُهُ وَغَيْرُهُمْ وَإِنْ رَجَّحَ ابْنُ الْمُقْرِي خِلَافَهُ.
أَمَّا الْعَفْوُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّهِ تَعَالَى فَيَجُوزُ لَهُ حَيْثُ يَرَاهُ مَصْلَحَةً.
كِتَابُ الصِّيَالِ هُوَ الِاسْتِطَالَةُ وَالْوُثُوبُ عَلَى الْغَيْرِ (ضَمَانُ الْوُلَاةِ) وَمِنْ مُتَعَلِّقِهِمْ ذِكْرُ الْخِتَانِ وَضَمَانِ الْبَهَائِمِ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ يَخْتِنُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَمَنْ مَعَ الدَّابَّةِ وَلِيٌّ عَلَيْهَا.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] وَالِاعْتِدَاءُ لِلْمُشَاكَلَةِ، وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّ الِاسْتِسْلَامَ أَفْضَلُ كَمَا يَأْتِي، وَالْمِثْلِيَّةُ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسِ لَا الْإِفْرَادِ لِمَا يَأْتِي وَخَبَرُ «اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» وَنَصْرُ الظَّالِمِ مَنْعُهُ مِنْ ظُلْمِهِ (لَهُ) أَيْ الشَّخْصِ (دَفْعُ كُلِّ صَائِلٍ) وَلَوْ صَبِيًّا وَمَجْنُونًا وَدَابَّةً عِنْدَ غَلَبَةِ صِيَالِهِ (عَلَى) مَعْصُومٍ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ (نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ) أَوْ مَنْفَعَةٍ (أَوْ بُضْعٍ)
[حاشية الشبراملسي]
وَهُوَ يُحْتَجُّ بِهِ إذَا اعْتَضَدَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا سَوَّغَ الِاسْتِدْلَال بِهِ وَمِنْ الْمُسَوِّغَاتِ عَدَمُ وُجُودِ غَيْرِهِ فِي الْبَابِ (قَوْلُهُ: حَيْثُ يَرَاهُ مَصْلَحَةً) وَيَنْبَغِي أَنَّ مِنْ الْمَصْلَحَةِ تَرْكُ التَّعْزِيرِ عَلَى وَجْهٍ يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهِ تَسَلُّطُ أَعْوَانِ الْوُلَاةِ عَلَى الْمُعَزَّرِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُعَزَّرِ اجْتِنَابُ مَا يُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ وَيُعَزَّرُ بِغَيْرِهِ، بَلْ إنْ رَأَى تَرْكَهُ مَصْلَحَةً مُطْلَقًا تَرَكَهُ وُجُوبًا.
كِتَابُ الصِّيَالِ (قَوْلُهُ هُوَ) أَيْ لُغَةً، وَقَوْلُهُ وَالْوُثُوبُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَقَوْلُهُ وَمِنْ مُتَعَلِّقِهِمْ: أَيْ الْوُلَاةِ (قَوْلُهُ: وَالِاعْتِدَاءُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 194] (قَوْلُهُ وَإِشَارَةٍ) وَجْهُ الْإِشَارَةِ أَنَّ فِي تَسْمِيَتِهِ اعْتِدَاءً إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي تَرْكُهُ وَتَرْكُهُ اسْتِسْلَامٌ اهـ عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: لَهُ) أَيْ الشَّخْصِ هَلْ يُشْتَرَطُ لِلْجَوَازِ مَا يُشْتَرَطُ لِلْوُجُوبِ الْآتِي بِقَوْلِهِ إنْ لَمْ يَخَفْ إلَخْ، وَيَنْبَغِي عَدَمُ اشْتِرَاطٍ حَيْثُ جَازَ الِاسْتِسْلَامُ لِلصَّائِلِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: دَفْعُ كُلِّ صَائِلٍ) قَالَ م ر: شَمَلَ قَوْلُهُ صَائِلٍ الْحَامِلَ فَلَهُ دَفْعُهَا وَلَا يَضْمَنُ حَمْلَهَا لَوْ أَدَّى الدَّفْعُ إلَى تَلَفِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: عِنْدَ غَلَبَةِ ظَنِّ صِيَالِهِ) أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الدَّافِعِ تَلَبُّسُ الصَّائِلِ بِصِيَالِهِ حَقِيقَةً، وَلَا يَكْفِي لِجَوَازِ دَفْعِهِ تَوَهُّمُهُ بَلْ وَلَا الشَّكُّ فِيهِ أَوْ ظَنُّهُ ظَنًّا ضَعِيفًا عَلَى مَا أَفْهَمُهُ قَوْلُهُ غَلَبَةِ ظَنِّهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا الظَّنُّ الْقَوِيُّ (قَوْلُهُ: أَوْ مَنْفَعَةٍ) قَدْ يُقَالُ الصَّائِلُ عَلَى الطَّرَفِ شَامِلٌ لِإِتْلَافِهِ نَفْسَهُ وَلِإِتْلَافِ مَنْفَعَتِهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى زِيَادَةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ، وَجَعَلَهُ خَارِجًا عَنْ الْمَتْنِ زَائِدًا عَلَيْهِ فَلْيَتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ
[حاشية الرشيدي]
[كِتَابُ الصِّيَالِ]
ِ (قَوْلُهُ: وَالِاعْتِدَاءُ لِلْمُشَاكَلَةِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 194] (قَوْلُهُ: وَإِشَارَةٌ إلَى أَفْضَلِيَّةِ الِاسْتِسْلَامِ) وَجْهُ الْإِشَارَةِ
أَوْ نَحْوَ قُبْلَةٍ مُحَرَّمَةٍ (أَوْ مَالٍ) وَإِنْ لَمْ يَتَمَوَّلْ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ لِخَبَرِ «مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ لَهُ الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ، فَإِنْ وَقَعَ صِيَالٌ عَلَى الْجَمِيعِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يُمْكِنْ إلَّا دَفْعُ وَاحِدٍ فَوَاحِدٍ قَدَّمَ النَّفْسَ: أَيْ وَمَا يَسْرِي إلَيْهَا كَالْجُرْحِ فَالْبُضْعُ فَالْمَالُ الْخَطِيرُ فَالْحَقِيرُ أَوْ عَلَى صَبِيٍّ يُلَاطُ بِهِ وَامْرَأَةٍ يُزْنَى بِهَا قَدَّمَ الدَّفْعَ عَنْهَا كَمَا هُوَ أَوْجَهُ احْتِمَالَيْنِ، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ؛ لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلِمَا يُخْشَى مِنْ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ الْمَنْظُورِ لَهُ شَرْعًا (فَإِنْ قَتَلَهُ) بِالدَّفْعِ عَلَى التَّدْرِيجِ الْآتِي (فَلَا ضَمَانَ) بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ، وَلَوْ كَانَ صَائِلًا عَلَى نَحْوِ مَالِ الْغَيْرِ خِلَافًا لِلشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِدَفْعِهِ فَلَا يُجَامِعُ ذَلِكَ الضَّمَانَ غَالِبًا، وَقَدْ يُجَامِعُهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْجَرَّةِ، وَلَوْ اضْطَرَّ إنْسَانٌ لِمَاءٍ أَوْ طَعَامٍ حَرُمَ دَفْعُهُ عَنْهُ وَلَزِمَ مَالِكَهُ تَمْكِينُهُ مِنْهُ، أَوْ أُكْرِهَ عَلَى إتْلَافِ مَالِ غَيْرِهِ امْتَنَعَ دَفْعُهُ أَيْضًا وَيَلْزَمُ مَالِكَهُ أَنْ يَقِيَهُ بِمَالِهِ
(وَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ مَالٍ) غَيْرِ ذِي رَوْحٍ لِنَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مَالًا إذْ يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ.
نَعَمْ لَوْ تَعَلَّقَ بِمَالِ نَفْسِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ كَرَهْنٍ وَإِجَارَةٍ وَجَبَ دَفْعُهُ عَنْهُ، أَمَّا ذُو الرَّوْحِ فَالدَّفْعُ وَاجِبٌ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ الصَّائِلُ مَالِكَهُ لِتَأَكُّدِ حَقِّهِ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ لُزُومُ الْإِمَامِ وَنُوَّابِهِ الدَّفْعَ عَنْ أَمْوَالِ رَعَايَاهُمْ
(وَيَجِبُ) مَعَ الْأَمْنِ عَلَى نَحْوِ نَفْسِهِ أَوْ عُضْوِهِ أَوْ مَنْفَعَتِهِ الدَّفْعُ (عَنْ بُضْعٍ) وَلَوْ لِأَجْنَبِيَّةٍ إذْ لَا سَبِيلَ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَتَمَوَّلْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَمَالٌ وَإِنْ قَلَّ وَاخْتِصَاصٌ لِجِلْدِ مَيْتَةٍ اهـ.
أَقُولُ: وَوَظِيفَةٌ بِيَدِهِ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ فَلَهُ دَفْعُ مَنْ يَسْعَى عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ بِغَيْرِ وَجْهٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ أَدَّى إلَى قَتْلِهِ كَمَا هُوَ قِيَاسُ الْبَابِ، ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّ الشِّهَابَ حَجّ أَفْتَى بِذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ «مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ» ) أَيْ فِي الْمَنْعِ عَنْ الْوُصُولِ إلَى دَمِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: قَدَّمَ النَّفْسَ) أَيْ وُجُوبًا (قَوْلُهُ قَدَّمَ الدَّفْعَ) أَيْ وُجُوبًا، وَقَوْلُهُ عَنْهَا أَيْ الْمَرْأَةِ (قَوْلُهُ: وَلِمَا يُخْشَى) أَيْ وَلِذَلِكَ كَانَ الزِّنَا أَشَدَّ حُرْمَةً مِنْ اللِّوَاطِ (قَوْلُهُ: لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا) عِلَّةٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ اُضْطُرَّ إنْسَانٌ) هُوَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، فَفِي الْمُخْتَارِ: وَقَدْ اُضْطُرَّ إلَى الشَّيْءِ: أَيْ أُلْجِئَ (قَوْلُهُ: أَوْ طَعَامٍ حَرُمَ دَفْعُهُ) أَيْ مَا لَمْ يُضْطَرَّ لَهُ مَالِكُهُ أَيْضًا، وَيَكْفِي فِي حُرْمَةِ الدَّفْعِ وُجُودُ عَلَامَةٍ قَوِيَّةٍ تَدُلُّ عَلَى الِاضْطِرَارِ (قَوْلُهُ: وَلَزِمَ مَالِكَهُ تَمْكِينُهُ مِنْهُ) أَيْ بِعِوَضٍ حَيْثُ كَانَ غَنِيًّا.
(قَوْلُهُ: امْتَنَعَ) أَيْ عَلَى الْمَالِكِ (قَوْلُهُ: وَيَلْزَمُ مَالِكَهُ أَنْ يَقِيَهُ) أَيْ وَكُلٌّ مِنْ الْمُكْرَهِ وَالْمُكْرِهِ طَرِيقٌ فِي الضَّمَانِ وَقَرَارُهُ عَلَى الْمُكْرِهِ
(قَوْلُهُ: غَيْرُ ذِي رَوْحٍ لِنَفْسِهِ) وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: كَرَهْنٍ) هُوَ فِي رَهْنِ التَّبَرُّعِ ظَاهِرٌ إذَا كَانَ فِي يَدِ الْمَالِكِ، وَكَانَ قَدْ لَزِمَ بِأَنْ قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ، ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ جَنَى الْمَرْهُونُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ دَفْعُ الْجَانِي، وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ إذْ غَايَتُهُ أَنَّهُ كَمَالِ الْغَيْرِ، وَهُوَ يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ (قَوْلُهُ أَمَّا ذُو الرُّوحِ) يَشْمَلُ الرَّقِيقَ الْمُسْلِمَ وَيُحْتَمَلُ اسْتِثْنَاؤُهُ لِغَرَضِ الشَّهَادَةِ لَهُ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ يَتَصَرَّفُ فِي نَفْسِهِ بِالِاسْتِسْلَامِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: لُزُومُ الْإِمَامِ وَنُوَّابِهِ) وَسَيَأْتِي وُجُوبُ دَفْعِهِمْ عَنْ نَفْسِ رَعَايَاهُمْ آخِرَ الصَّفْحَةِ اهـ سم عَلَى حَجّ
(قَوْلُهُ عَنْ بُضْعٍ)
[حاشية الرشيدي]
أَنَّ فِي تَسْمِيَتِهِ اعْتِدَاءً إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي تَرْكُهُ وَتَرْكُهُ اسْتِسْلَامٌ قَالَهُ سم (قَوْلُهُ: قَدَّمَ النَّفْسَ) أَيْ نَفْسَ غَيْرِهِ أَوْ نَفْسَهُ حَيْثُ لَمْ يُنْدَبْ الِاسْتِسْلَامُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
قَوْلُهُ (لِنَفْسِهِ) تَبِعَ فِيهِ الْأَذْرَعِيَّ، وَقَدْ ذَكَرَ أَعْنِي الْأَذْرَعِيَّ أَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ مَالِ الْمَحْجُورِ بِيَدِ الْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهِمْ، قَالَ: فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ الدَّفْعُ إذَا أَمِنُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَالًا) قَيَّدَ بِهِ تَبَعًا لِابْنِ حَجَرٍ لِمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ رَدٌّ لِمَا تُوُهِّمَ مِنْ مُنَافَاةِ هَذَا لِمَا يَأْتِي أَنَّ إنْكَارَ الْمُنْكِرِ وَاجِبٌ، قَالَ: وَبَيَانُهُ أَنَّ نَفْيَ الْوُجُوبِ هُنَا مِنْ حَيْثُ الْمَالُ وَإِثْبَاتُهُ ثَمَّ مِنْ حَيْثُ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ لَكِنْ نَازَعَهُ فِيهِ ابْنُ سم
(قَوْلُهُ: مَعَ الْأَمْنِ عَلَى نَحْوِ نَفْسِهِ إلَخْ) مَحَلُّهُ فِي الْبُضْعِ فِي الصِّيَالِ عَلَى الْغَيْرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ الْآتِي فَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتَسْلِمَ إلَخْ (قَوْلُهُ أَوْ عُضْوِهِ أَوْ مَنْفَعَتِهِ) الْوَجْهُ التَّعْبِيرُ بِالْوَاوِ بَدَلٌ أَوْ فِيهِمَا كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَلَوْ لِأَجْنَبِيَّةٍ) كَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ هَذِهِ الْغَايَةِ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالدَّفْعُ عَنْ غَيْرِهِ كَهُوَ عَنْ نَفْسِهِ
لِإِبَاحَتِهِ، وَيَتَّجِهُ وُجُوبُهُ أَيْضًا فِي مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ كَقُبْلَةٍ إذْ لَا تُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الزِّنَا لَا يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ، فَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتَسْلِمَ لِمَنْ صَالَ عَلَيْهَا لِيَزْنِيَ بِهَا مَثَلًا وَإِنْ خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا
(وَكَذَا) (نَفْسٌ قَصَدَهَا كَافِرٌ) مُحْتَرَمٌ أَوْ مُهْدَرٌ فَيَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِسْلَامَ لَهُ ذُلٌّ فِي الدِّينِ وَمُقْتَضَاهُ اعْتِبَارُ كَوْنِ الْمَصُولِ عَلَيْهِ مُسْلِمًا، وَوُجُوبُ الدَّفْعِ عَنْ الذِّمِّيِّ إنَّمَا يُخَاطَبُ بِهِ الْإِمَامُ لَا الْآحَادُ لِاحْتِرَامِهِ، وَوَجْهُهُ امْتِنَاعُ تَسَلُّطِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِالْقَتْلِ وَلَوْ مُهْدَرًا (أَوْ بَهِيمَةٌ) لِأَنَّهَا تُذْبَحُ لِاسْتِبْقَاءِ الْمُهْجَةِ فَكَيْفَ يُسْتَسْلَمُ لَهَا (لَا مُسْلِمٌ) مُحْتَرَمٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا فَلَا يَجِبُ دَفْعُهُ (فِي الْأَظْهَرِ) بَلْ يُسَنُّ الِاسْتِسْلَامُ لِخَبَرِ «كُنْ خَيْرَ ابْنَيْ آدَمَ» وَلِذَا اسْتَسْلَمَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ لِعَبِيدِهِ وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ: مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ حُرٌّ.
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] مَفْرُوضٌ فِي غَيْرِ قَتْلٍ يُؤَدِّي إلَى شَهَادَةٍ مِنْ غَيْرِ ذُلٍّ دِينِيٍّ كَمَا هُنَا، وَكَأَنَّهُمْ إنَّمَا لَمْ يَعْتَبِرُوا الِاسْتِسْلَامَ فِي الْقِنِّ بِنَاءً عَلَى شُمُولِ مَا مَرَّ مِنْ وُجُوبِ الدَّفْعِ تَغْلِيبًا لِشَائِبَةِ الْمَالِ الْمُقْتَضِيَةِ لِإِلْغَاءِ النَّظَرِ لِلِاسْتِسْلَامِ إذْ هُوَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ مُسْتَقِلٍّ، أَمَّا غَيْرُ الْمُحْتَرَمِ كَزَانٍ مُحْصَنٍ وَتَارِكِ صَلَاةٍ وَقَاطِعِ طَرِيقٍ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ فَكَالْكَافِرِ.
وَالثَّانِي يَجِبُ دَفْعُهُ، وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ وُجُوبَ الدَّفْعِ عَنْ عُضْوٍ عِنْدَ ظَنَّ السَّلَامَةِ، وَعَنْ نَفْسٍ ظَنَّ بِقَتْلِهَا مَفَاسِدَ فِي الْحَرِيمِ وَالْمَالِ (وَالدَّفْعُ عَنْ غَيْرِهِ) مِمَّا مَرَّ بِأَنْوَاعِهِ سَوَاءً فِي الْآدَمِيِّ الْمُسْلِمِ الْمُحْتَرَمِ وَالذِّمِّيِّ (كَهُوَ عَنْ نَفْسِهِ) جَوَازًا وَوُجُوبًا حَيْثُ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ.
نَعَمْ لَوْ صَالَ حَرْبِيٌّ عَلَى حَرْبِيٍّ لَمْ يَلْزَمْ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ وَلَوْ بُضْعِ بَهِيمَةٍ كَمَا أَفَادَهُ الْمُؤَلِّفُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا) هَذَا غَايَةٌ لِمَا قَبْلَهُ
(قَوْلُهُ: وَكَذَا نَفْسٌ) سَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ فِيمَا إذَا دَخَلَ الْكَافِرُ بِلَادَنَا قَوْلُهُ: فَمَنْ قَصَدَ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْمُمْكِنِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ أَخَذَ قُتِلَ وَإِنْ جَوَّزَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَسْلِمَ اهـ.
فَلَمْ يُوجَبْ دَفْعُ الْكَافِرِ فِي صُورَةِ تَجْوِيزِ الْأَسْرِ فَلَعَلَّ هَذَا مُسْتَثْنًى مِمَّا هُنَا اهـ سم عَلَى حَجّ: أَيْ أَوْ يُصَوَّرُ مَا هُنَا بِمَا إذَا عَلِمَ مِنْ الْكَافِرِ أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ (قَوْلُهُ: ذُلٌّ فِي الدِّينِ) أَيْ وَالْحَالُ مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الصَّائِلَ كَافِرٌ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَاهُ اعْتِبَارُ كَوْنِ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَوَجْهُهُ) أَيْ وَجْهُ التَّخْصِيصِ بِالْمُسْلِمِ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ ذُلٍّ دِينِيٍّ كَمَا هُنَا) إذْ لَا شَهَادَةَ وَقَضِيَّتُهُ وُجُوبُ الْمُسْلِمِ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ (قَوْلُهُ: لَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِشُمُولِ (قَوْلِهِ وَتَارِكِ صَلَاةٍ) أَيْ بَعْدَ أَمْرِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: فَكَالْكَافِرِ) أَيْ فَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ، وَيَجِبُ دَفْعُهُ عَنْ الْمُسْلِمِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وُجُوبَ الدَّفْعِ عَنْ عُضْوٍ) إنْ كَانَ هَذَا مَفْرُوضًا إذَا كَانَ الصَّائِلُ مُسْلِمًا فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْوُجُوبُ إذَا كَانَ كَافِرًا أَوْ بَهِيمَةً بِالْأَوْلَى اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ وَعَنْ نَفْسٍ ظَنَّ بِقَتْلِهَا مَفَاسِدَ فِي الْحَرِيمِ) وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَقَعُ فِي قُرَى مِصْرَ مِنْ تَغَلُّبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ قَصَدَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَحُرَمِهِ حَيْثُ أَمْكَنَ الدَّفْعُ (قَوْلُهُ: كَهُوَ عَنْ نَفْسِهِ) قَدْ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ مَالِ الْغَيْرِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا أَوْ مُؤَجَّرًا كَمَا فِي مَالِ نَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَالِكِهِ مَالُ الْغَيْرِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْتَهِنِ لَا يَزِيدُ عَلَى مِلْكِهِ الَّذِي لَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الدَّفْعُ عَنْ مَالِ نَفْسِهِ الْمَرْهُونِ أَوْ الْمُؤَجَّرِ لِتَوَجُّهِ حَقِّ الْغَيْرِ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَمْ يَتَوَجَّهْ الْحَقُّ عَلَيْهِ بَلْ عَلَى مَالِكِ ذَلِكَ الْمَالِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ فَلْيَتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مَرْهُونٌ عِنْدَ غَيْرِ الدَّفْعِ، أَمَّا إنْ كَانَ مَرْهُونًا تَحْتَ يَدِ الدَّافِعِ فَقَدْ يُقَالُ بِوُجُوبِ الدَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ حِفْظَهُ بِقَبْضِهِ فَأَشْبَهَ الْوَدِيعَةَ الَّتِي فِي يَدِهِ الْآتِيَةِ (قَوْلُهُ نَعَمْ لَوْ صَالَ) عِبَارَةُ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: لِاحْتِرَامِهِ) اُنْظُرْ هُوَ تَعْلِيلٌ لِمَاذَا فَإِنْ كَانَ تَعْلِيلًا لِلدَّفْعِ عَنْ النَّفْسِ فَكَانَ يَنْبَغِي عَطْفُهُ عَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ وُجُوبَ الدَّفْعِ عَنْ عُضْوٍ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ فِيهِ يَجُوزُ لَهَا الِاسْتِسْلَامُ (قَوْلُهُ: حَيْثُ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ) قَيْدٌ فِي الْوُجُوبِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ
الْمُسْلِمَ دَفْعُهُ عَنْهُ وَإِنْ لَزِمَهُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ وَدِيعَةٌ فَصَالَ عَلَيْهَا آخَرُ لَزِمَهُ الدَّفْعُ عَنْهَا لِالْتِزَامِهِ حِفْظَهَا، بَلْ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ بِوُجُوبِهِ عَنْ مَالِ غَيْرِهِ مُطْلَقًا مَعَ إمْكَانِهِ بِلَا مَشَقَّةِ بَدَنٍ أَوْ خُسْرَانِ مَالٍ أَوْ نَقْصِ جَاهٍ.
قَالَ: وَهُوَ أَوْلَى مِنْ وُجُوبِ رَدِّ سَلَامٍ وَوُجُوبِ شَهَادَةٍ يَعْلَمُهَا، وَلَوْ تَرَكَهُمَا ضَاعَ الْمَالُ الْمَشْهُودُ بِهِ، وَقَدْ تُمْنَعُ الْأَوْلَوِيَّةُ بِأَنَّ تَرْكَ الرَّدِّ وَالْأَدَاءِ يُوَرِّثُ عَادَةً ضَغَائِنَ مَعَ انْتِفَاءِ الْمَشَقَّةِ فِيهِمَا بِوَجْهٍ بِخِلَافِ مَا هُنَا (وَقِيلَ يَجِبُ) الدَّفْعُ عَنْ الْغَيْرِ إذَا كَانَ آدَمِيًّا مُحْتَرَمًا، وَلَمْ يَخْشَ عَلَى نَفْسِهِ (قَطْعًا) ؛ لِأَنَّ لَهُ الْإِيثَارَ بِحَقِّ نَفْسِهِ دُونَ حَقِّ غَيْرِهِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ النَّبِيِّ، أَمَّا هُوَ فَيَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ قَطْعًا وَفِي غَيْرِ الْإِمَامِ وَنُوَّابِهِ لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَطْعًا، وَبَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ عَدَمَ سُقُوطِ الْوُجُوبِ بِالْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ فِي قِتَالِ الْحَرْبِيِّينَ وَالْمُرْتَدِّينَ وَلَا يَخْتَصُّ الْخِلَافُ بِالصَّائِلِ، بَلْ كُلُّ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى مُحَرَّمٍ فَلِلْآحَادِ مَنْعُهُ خِلَافًا لِلْأُصُولِيَّيْنِ، حَتَّى لَوْ عَلِمَ شُرْبَ خَمْرٍ أَوْ ضَرْبَ طُنْبُورٍ فِي بَيْتِ شَخْصٍ فَلَهُ الْهَجْمُ عَلَيْهِ وَإِزَالَةُ ذَلِكَ، فَإِنْ أَبَى قَاتَلَهُمْ وَلَوْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى قَتْلِهِمْ لَمْ يَضْمَنْ وَيُثَابُ عَلَى ذَلِكَ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ أَمْنِهِ فِتْنَةً مِنْ ظَالِمٍ جَائِرٍ؛ لِأَنَّ التَّغْرِيرَ بِالنَّفْسِ وَالتَّعَرُّضَ لِعُقُوبَةِ وُلَاةِ الْجَوْرِ مَمْنُوعٌ
(وَلَوْ) (سَقَطَتْ جَرَّةٌ) عَلَيْهِ مِنْ عُلُوٍّ (وَلَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهُ إلَّا بِكَسْرِهَا) هَذَا قَيْدٌ لِلْخِلَافِ فَكَسَرَهَا (ضَمِنَهَا فِي الْأَصَحِّ) وَإِنْ كَانَ كَسْرُهَا وَاجِبًا عَلَيْهِ لَوْ لَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهُ إلَّا بِهِ إذْ لَا قَصْدَ لَهَا يُحَالُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ وَالْبَهِيمَةِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً بِمَحَلِّ عُدْوَانٍ كَأَنْ وُضِعَتْ بِرَوْشَنٍ أَوْ عَلَى مُعْتَدِلٍ لَكِنَّهَا مَاثِلَةٌ أَوْ عَلَى وَجْهٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ سُقُوطُهَا لَمْ يَضْمَنْهَا؛ لِأَنَّ وَاضِعَهَا هُوَ الَّذِي أَتْلَفَهَا كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ كَالْبُلْقِينِيِّ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا، تَنْزِيلًا لَهَا مَنْزِلَةَ الْبَهِيمَةِ الصَّائِلَةِ، وَدُفِعَ بِأَنَّ لِلْبَهِيمَةِ اخْتِيَارًا، وَلَوْ حَالَتْ بَهِيمَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَعَامِهِ لَمْ تَكُنْ صَائِلَةً عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقْصِدْهُ فَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا وَيَضْمَنُهَا، وَفَارَقَ مَا مَرَّ فَمَا
[حاشية الشبراملسي]
حَجّ: كَافِرٌ عَلَى كَافِرٍ، وَكُتِبَ عَلَيْهِ سم عِبَارَةٌ م ر: وَلَوْ صَالَ حَرْبِيٌّ إلَخْ، وَهُوَ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الْأَوْجَهَ وُجُوبُ دَفْعِ الْكَافِرِ عَنْ الذِّمِّيِّ خُصُوصًا إذَا أَرَادَ قَتْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْ حِمَارٍ وَالْحِمَارُ يَجِبُ دَفْعُ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ حَتَّى مَالِكَهُ م ر اهـ سم عَلَى حَجّ، هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَوُجُوبُ الدَّفْعِ عَنْ الذِّمِّيِّ إلَخْ إلَّا أَنْ يَحْمِلَ مَا هُنَا عَلَى مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: بَلْ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ إلَخْ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: وَقَدْ تُمْنَعُ الْأَوْلَوِيَّةُ) مُعْتَمَدٌ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا هُنَا) هَذَا تَحَكُّمٌ بَلْ مُكَابَرَةٌ وَاضِحَةٌ اهـ سم عَلَى حَجّ: أَيْ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ إذَا عَلِمَ أَنَّ غَيْرَهُ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ أَخْذِهِ بِلَا مَشَقَّةٍ بِوَجْهٍ يَتَأَلَّمُ بِذَلِكَ أَشَدَّ مِنْ تَأَلُّمِهِ بِعَدَمِ رَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ، وَمِنْ عَدَمِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَهُ لِإِمْكَانِ الْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ بِدُونِ أَدَائِهِ بِاحْتِمَالِ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ يُقِرُّ عِنْدَ عَرْضِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ مَثَلًا (قَوْلُهُ: فَيَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ) أَيْ وَلَوْ مَيِّتًا فَيَمْنَعُ مَنْ يَتَعَرَّضُ لَهُ بِالسَّبِّ (قَوْلُهُ: وَبَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ إلَخْ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: بِالْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ الدَّافِعِ (قَوْلُهُ: وَالتَّعَرُّضَ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ
(قَوْلُهُ: لَمْ يَضْمَنْهَا) أَيْ وَيَضْمَنُ وَاضِعُهَا مَا تَلِفَ بِهَا لِتَقْصِيرِهِ بِوَضْعِهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي التَّقْصِيرِ وَعَدَمِهِ صُدِّقَ الْغَارِمُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَأَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ وَلَوْ تَنَازَعَا فِي إمْكَانِ الدَّفْعِ بِأَيْسَرِ مِمَّا دَفَعَ بِهِ صُدِّقَ الْمَعْضُوضُ بِيَمِينِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا) الْأَوْلَى فَلَا يَجُوزُ لَهُ دَفْعُهَا أَيْ حَيْثُ كَانَتْ وَاقِفَةً فِي مَحَلٍّ لَا يَخْتَصُّ بِصَاحِبِ الطَّعَامِ، فَإِنْ وَقَفَتْ فِي مِلْكِهِ أَيْ مَا يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتُهُ فَصَائِلَةٌ عَلَيْهِ فَيُخْرِجُهَا بِالْأَخَفِّ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَيَضْمَنُهَا) أَيْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا هُنَا) فِيهِ أَنَّ فَرْضَ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ.
وَأَمَّا عَدَمُ الضَّغَائِنِ فَمَمْنُوعٌ
(قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً بِمَحَلِّ عُدْوَانٍ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَبَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ صَاحِبَهَا لَوْ وَضَعَهَا بِمَحَلٍّ يُضَمَّنُ كَرَوْشَنٍ أَوْ مَائِلَةً أَوْ عَلَى وَجْهٍ إلَخْ، وَبِهَا تَعْلَمُ مَا فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا) اُنْظُرْ هَلْ يَجُوزُ وَإِنْ أَدَّى لِنَحْوِ قَتْلِهَا وَفِي كَلَامِ ابْنِ سم إشَارَةٌ إلَى الْجَوَازِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ
لَوْ عَمَّ الْجَرَادُ الطَّرِيقَ لَا يَضْمَنُهُ الْمُحْرِمُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَسُومِحَ فِيهِ
(وَيَدْفَعُ الصَّائِلُ) الْمَعْصُومُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا مَرَّ، وَمِنْهُ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَا ظَنِّ رِضَاهُ (بِالْأَخَفِّ) فَالْأَخَفِّ بِاعْتِبَارِ غَلَبَةِ ظَنِّ الْمَصُولِ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ هُنَا الْعَضُّ وَيَتَّجِهُ أَنَّهُ بَعْدَ الضَّرْبِ وَقَبْلَ قَطْعِ الْعُضْوِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُمْ يَجُوزُ الْعَضُّ إنْ تَعَيَّنَ لِلدَّفْعِ، (فَإِنْ أَمْكَنَ) الدَّفْعُ (بِكَلَامٍ) يَزْجُرُهُ بِهِ (أَوْ اسْتِغَاثَةٍ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ (حَرُمَ الضَّرْبُ) وَظَاهِرُ هَذَا مُسَاوَاةُ الزَّجْرِ لِلِاسْتِغَاثَةِ، وَهُوَ وَاضِحٌ إنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ إلْحَاقُ ضَرَرٍ أَقْوَى مِنْ الزَّجْرِ كَإِمْسَاكِ حَاكِمٍ جَائِرٍ لَهُ، وَإِلَّا وَجَبَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ إطْلَاقُ ضَرَرِ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّا وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الضَّمَانِ لِمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَالْإِمْسَاكِ لِلْقَاتِلِ (أَوْ بِضَرْبٍ بِيَدٍ حَرُمَ سَوْطٌ أَوْ بِسَوْطٍ حَرُمَ عَصًا أَوْ بِقَطْعِ عُضْوٍ حَرُمَ قَتْلٌ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جُوِّزَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْأَثْقَلِ مَعَ تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ بِالْأَخَفِّ، نَعَمْ لَوْ الْتَحَمَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمَا، وَانْسَدَّ الْأَمْرُ عَنْ الضَّبْطِ سَقَطَ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَوْ رَاعَيْنَا الْأَخَفَّ أَفْضَى إلَى هَلَاكِهِ، وَلَوْ انْدَفَعَ شَرُّهُ كَأَنْ وَقَعَ فِي مَاءٍ أَوْ نَارٍ أَوْ انْكَسَرَتْ رِجْلُهُ أَوْ حَالَ بَيْنَهُمَا جِدَارٌ أَوْ خَنْدَقٌ لَمْ يَضْرِبْهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَفَائِدَةُ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ مَتَى خَالَفَ وَعَدَلَ إلَى رُتْبَةٍ مَعَ إمْكَانِ الِاكْتِفَاءِ بِمَا دُونَهَا ضَمِنَ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَصُولُ عَلَيْهِ إلَّا سَيْفًا جَازَ لَهُ الدَّفْعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَنْدَفِعُ بِعَصًا، إذْ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ فِي عَدَمِ اسْتِصْحَابِهَا، وَلِذَلِكَ مَنْ أَحْسَنَ الدَّفْعَ بِطَرَفِ السَّيْفِ بِدُونِ جُرْحٍ يَضْمَنُ بِهِ بِخِلَافِ مَنْ لَا يُحْسِنُ، وَمَحَلُّ رِعَايَةِ التَّدْرِيجِ فِي غَيْرِ الْفَاحِشَةِ، أَمَّا فِيهَا كَأَنْ أَوْلَجَ فِي أَجْنَبِيَّةٍ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ الرَّوْضَةِ بَعْدُ فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ.
أَمَّا الْمَهْرُ كَزَانٍ مُحْصَنٍ وَحَرْبِيٍّ وَمُرْتَدٍّ فَلَا تَجِبُ مُرَاعَاةُ هَذَا التَّرْتِيبِ فِيهِ بَلْ لَهُ الْعُدُولُ إلَى قَتْلِهِ لِعَدَمِ حُرْمَتِهِ (فَإِنْ) صَالَ مُحْتَرَمٌ عَلَى نَفْسِهِ وَ (أَمْكَنَ هَرَبٌ) أَوْ تَحَصَّنَ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَظَنَّ النَّجَاةَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْهَا (فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَخْلِيصِ نَفْسِهِ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ (وَتَحْرِيمُ قِتَالٍ) فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَقَاتَلَهُ فَقَتَلَهُ
[حاشية الشبراملسي]
إنْ دَفَعَهَا؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهَا لَمْ تَقْصِدْهُ وَلَمْ تَقْصِدْ مَالَهُ
(قَوْلُهُ: بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ) هَذَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مِنْ دَفْعِ الصَّائِلِ الدُّعَاءَ عَلَيْهِ بِكَفِّ شَرِّهِ عَنْ الْمَصُولِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِهَلَاكِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِالْهَلَاكِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ شَرُّهُ إلَّا بِالسِّحْرِ، وَكَانَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ يَعْرِفُ مَا يَمْنَعُ الصَّائِلَ عَنْ صِيَالِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ السِّحْرَ حَرَامٌ لِذَاتِهِ فَلْيَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: سَقَطَ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ) أَيْ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ صُدِّقَ الدَّافِعُ، وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ: وَيُصَدَّقُ الدَّافِعُ هُنَا، وَفِيمَا يَأْتِي فِي عَدَمِ إمْكَانِ التَّخَلُّصِ بِدُونِ مَا دَفَعَ بِهِ: أَيْ لِعُسْرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْت قَوْلَهُ الْآتِيَ وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ كُلُّ صَائِلٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلِذَلِكَ) اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ إذْ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الْفَاحِشَةِ) أَيْ كَمَا قَالُوهُ، وَفِي نُسْخَةٍ: أَمَّا فِيهَا كَأَنْ أَوْلَجَ فِي أَجْنَبِيَّةٍ فَكَذَلِكَ أَيْضًا خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ إلَخْ اهـ.
وَهَذِهِ أَوْضَحُ مِمَّا فِي الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ رَآهُ قَدْ أَوْلَجَ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: فَلَا تَجِبُ مُرَاعَاةُ هَذَا التَّرْتِيبِ) أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ صَالَ مُحْتَرَمٌ عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ نَفْسِ الْمَصُولِ عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ
[حاشية الرشيدي]
مُضْطَرٌّ إلَى الطَّعَامِ
(قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ غَلَبَةِ ظَنِّ الْمَصُولِ عَلَيْهِ) لَعَلَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَالْمُرَادُ بِاعْتِبَارِ غَلَبَةِ ظَنِّ الدَّافِعِ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ هُنَا الْعَضُّ) أَيْ فِي الدَّفْعِ وَإِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الدَّفْعِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ إلَخْ) ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا مَا ذُكِرَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الضَّرْبِ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ رِعَايَةِ التَّدْرِيجِ إلَخْ) فِي هَذَا السِّيَاقِ رَكَّةٌ لِاتِّحَادِ الْقَيْدِ وَالْمُقَيَّدِ وَإِنْ اخْتَلَفَا مِنْ حَيْثُ الْقَطْعُ وَالْخِلَافُ
لَزِمَهُ الْقِصَاصُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبَغَوِيّ، وَلَوْ صِيلَ عَلَى مَالِهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْهَرَبُ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنْ يَهْرُبَ وَيَدَعَهُ لَهُ أَوْ عَلَى بُضْعِهِ ثَبَتَ إنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الدَّفْعِ عَنْهُ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَالْأَقْرَبُ وُجُوبُ الْهَرَبِ هُنَا إنْ أَمْكَنَ أَيْضًا، وَمَحَلُّ قَوْلِهِمْ يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ حَيْثُ تَعَيَّنَ طَرِيقًا بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ هَرَبٌ أَوْ نَحْوُهُ، وَلَوْ صَالَ عَلَيْهِ مُرْتَدٌّ أَوْ حَرْبِيٌّ لَمْ يَجِبْ هَرَبٌ بَلْ يَحْرُمُ إنْ حَرُمَ الْفِرَارُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا يَجِبُ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي حَمْلُ نَصِّ الْهَرَبِ عَلَى مَنْ تَيَقَّنَ النَّجَاةَ بِهِ وَنَصِّ عَدَمِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ (وَلَوْ) (عُضَّتْ يَدُهُ) مَثَلًا (خَلَّصَهَا) مِنْهُ بِفَكِّ لَحْيٍ فَضَرْبِ فَمٍ فَسَلِّ يَدٍ فَفَقْءِ عَيْنٍ فَقَلْعِ لَحْيٍ فَعَصْرِ خُصْيَةٍ فَشَقِّ بَطْنٍ وَمَتَى انْتَقَلَ لِمَرْتَبَةٍ مَعَ إمْكَانِ أَخَفَّ مِنْهَا ضَمِنَ نَظِيرَ مَا مَرَّ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا التَّرْتِيبِ بِقَوْلِهِ (بِالْأَسْهَلِ مِنْ فَكِّ لَحْيَيْهِ) أَيْ رَفْعِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ كَسْرٍ وَلَا جُرْحٍ (وَضَرْبِ شِدْقَيْهِ) وَلَا يَلْزَمُهُ تَقْدِيمُ إنْذَارٍ بِالْقَوْلِ يُعْلَمُ عَدَمُ إفَادَتِهِ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَلْ أَوْ لَمْ يَعْجَزْ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَكَثِيرِينَ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْوَجْهُ الْجَزْمُ بِهِ إذَا ظَنَّ أَنَّهُ لَوْ رَتَّبَ أَفْسَدَهَا الْعَاضُّ قَبْلَ تَخْلِيصِهَا مِنْ فِيهِ فَبَادَرَ (فَسَلَّهَا فَنَدَرَتْ) بِالنُّونِ (أَسْنَانُهُ) أَيْ سَقَطَتْ (فَهَدَرٌ) لِخَبَرِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي ذَلِكَ بِعَدَمِ الدِّيَةِ» وَالْعَاضُّ الْمَظْلُومُ
[حاشية الشبراملسي]
فَإِنْ صَالَ عَلَيْهِ مُحْتَرَمٌ وَأَمْكَنَهُ إلَخْ كَانَ أَوْضَحَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) وَمَحَلُّهُ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ الْهَرَبَ يُنْجِيهِ، فَلَوْ عَرَفَ أَنَّهُ إنْ هَرَبَ طَمِعَ فِيهِ، وَتَبِعَهُ وَقَتَلَهُ لَمْ يَجِبْ الْهَرَبُ إذْ لَا مَعْنَى لَهُ بَلْ لَهُ قِتَالُهُ ابْتِدَاءً (قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الدَّفْعِ) مُعْتَمَدٌ، وَقَوْلُهُ عَنْهُ: أَيْ الْبُضْعِ (قَوْلُهُ: وَالْأَقْرَبُ وُجُوبُ الْهَرَبِ هُنَا) أَيْ فَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْهَرَبُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ وُجُوبَ الْهَرَبِ عَلَى مَنْ يَدْفَعُ عَنْهَا أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ وَمَحَلُّ قَوْلِهِمْ إلَخْ (قَوْلُهُ: إنْ حَرُمَ الْفِرَارُ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى مِثْلَيْهِ، وَكَانَ فِي صَفِّ الْقِتَالِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ مُسْلِمًا مُشْرِكَانِ مِنْ غَيْرِ صَفٍّ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُصَابَرَتُهُمَا بَلْ يَجُوزُ لَهُ الِانْصِرَافُ (قَوْلُهُ: فَضَرْبِ فَمٍ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الضَّرْبُ أَسْهَلَ مِنْ فَكِّ اللِّحَى، وَإِلَّا قُدِّمَ الضَّرْبُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْمَتْنِ بَعْدُ بِالْأَسْهَلِ مِنْ فَكِّ لَحْيَيْهِ وَضَرْبِ شِدْقَيْهِ (قَوْلُهُ: فَسَلِّ يَدٍ) أَيْ حَيْثُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَنَاثُرُ أَسْنَانِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ السَّلُّ أَسْهَلَ مِنْ ضَرْبِ الْفَمِ بَلْ وَمِنْ فَكِّ اللِّحَى زَادَ حَجّ بَعْدَ قَوْلِهِ فَسَلِّ يَدٍ فَعَضٍّ (قَوْلُهُ: بِالْأَسْهَلِ مِنْ فَكِّ لَحْيَيْهِ) فِيهِ أَنَّ اللَّحْيَيْنِ هُمَا الْعَظْمَاتُ اللَّذَانِ عَلَيْهِمَا الْأَسْنَانُ السُّفْلَى، وَقَوْلُهُ أَيْ رَفْعُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ لَا يَظْهَرُ فِيهِمَا، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ هُنَا بِاللَّحْيَيْنِ كُلًّا مِنْ الْعَظْمِ الَّذِي فِيهِ الْأَسْنَانُ السُّفْلَى وَالْعُلْيَا مَجَازًا (قَوْلُهُ وَضَرْبِ شِدْقَيْهِ) بِكَسْرِ الشِّينِ اهـ مَحَلِّيٌّ (قَوْلُهُ: يَعْلَمُ عَدَمَ إفَادَتِهِ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ يَعْلَمُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَالْوَجْهُ الْجَزْمُ بِهِ) أَيْ بِقَوْلِهِ أَوْ لَمْ يَعْجَزْ (قَوْلُهُ: فَبَادَرَ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: وَالْعَاضُّ الْمَظْلُومُ) كَأَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَوْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَوْ صِيلَ عَلَى مَالِهِ) يَعْنِي صِيلَ عَلَيْهِ لِأَجْلِ مَالِهِ كَمَا هِيَ عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ (قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى بُضْعِهِ ثَبَتَ) الظَّاهِرُ أَنَّ الشَّارِحَ هُنَا خَلَطَ مَسْأَلَةً بِمَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَةِ الْقُوتِ وَنَصُّهَا: وَأَمَّا لَوْ كَانَ الصِّيَالُ عَلَى حَرَمِهِ فَقَضِيَّةُ الْبِنَاءِ عَلَى وُجُوبِ الدَّفْعِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْهَرَبُ وَيَدَعُهُمْ، بَلْ يَلْزَمُهُ الثَّبَاتُ إذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْهَرَبُ بِهِمْ فَكَالْهَرَبِ وَالتَّحَصُّنُ بِنَفْسِهِ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ انْتَهَتْ.
فَهُمَا مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى مَا إذَا أَمْكَنَهُ الْهَرَبُ بِنَفْسِهِ دُونَ الْبُضْعِ، وَالثَّانِيَةُ مَا إذَا أَمْكَنَهُ الْهَرَبُ بِهِ، وَمَا نَسَبَهُ لِبَعْضِهِمْ مِنْ مُتَعَلِّقِ الْأُولَى وَمَا اسْتَقَرَّ بِهِ مِنْ مُتَعَلِّقِ الثَّانِيَةِ فَلَمْ يَتَوَارَدْ طَرَفَا الْخِلَافِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَيْ رَفْعِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ) لَعَلَّهُ حَمَلَ اللَّحْيَيْنِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْفَكِّ الْأَعْلَى وَالْفَكِّ الْأَسْفَلِ الَّذِي هُوَ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ تَغْلِيبًا، وَإِلَّا فَالْفَكُّ الْأَعْلَى لَا يُقَالُ لَهُ لَحْيٌ،
كَالظَّالِمِ إذْ الْعَضُّ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ، وَزَعَمَ أَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفَكِّ وَالضَّرْبِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْفَكُّ مُقَدَّمٌ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَيِّرْ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، بَلْ أَوْجَبَ الْأَسْهَلَ مِنْهُمَا وَهُوَ الْفَكُّ كَمَا تَقَرَّرَ، وَلَوْ تَنَازَعَا فِي إمْكَانِ الدَّفْعِ بِأَيْسَرَ مِمَّا دَفَعَ بِهِ صُدِّقَ الْمَعْضُوضُ بِيَمِينِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْبَحْرِ وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ كُلُّ صَائِلٍ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، نَعَمْ لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الصِّيَالِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ نَحْوِ الْقَاتِلِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَرِينَةٍ ظَاهِرَةٍ كَدُخُولِهِ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ مَسْلُولًا أَوْ إشْرَافِهِ عَلَى حُرَمِهِ
(وَمَنْ) (نُظِرَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (إلَى) وَاحِدَةٍ مِنْ (حُرَمِهِ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَهَاءٍ أَيْ زَوْجَاتِهِ وَإِمَائِهِ وَمَحَارِمِهِ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ وَلَدُهُ الْأَمْرَدُ الْحَسَنُ فِيمَا يَظْهَرُ وَلَوْ غَيْرَ مُتَجَرِّدٍ، وَكَذَا إلَيْهِ فِي حَالِ كَشْفِ عَوْرَتِهِ، وَمِثْلُهُ خُنْثَى مُشْكِلٌ أَوْ مَحْرَمٌ لَهُ مَكْشُوفُهَا (فِي دَارِهِ) الَّتِي يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا وَلَوْ مُسْتَعَارَةً، وَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ الْمُعِيرُ كَمَا رَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ دُونَ مَسْجِدٍ وَشَارِعٍ (مِنْ كُوَّةٍ أَوْ ثَقْبٍ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ ضَيِّقَيْنِ (عَمْدًا) وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ شُبْهَةٌ فِي النَّظَرِ، وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً وَمُرَاهِقًا فَلَهُ رَمْيُهُ، فَإِنْ نَظَرَ لِخِطْبَةٍ أَوْ شِرَاءِ أَمَةٍ حَيْثُ يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ النَّاظِرُ أَحَدَ أُصُولِهِ وَإِنْ حَرُمَ نَظَرُهُ كَمَا لَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ.
(فَرَمَاهُ) أَيْ ذُو الْحُرَمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ الدَّارِ أَوْ رَمَتْهُ الْمَنْظُورُ إلَيْهَا كَمَا بَحَثَ الْأَوَّلَ الْبُلْقِينِيُّ وَالثَّانِيَ غَيْرُهُ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ النَّاظِرِ مِنْ مِلْكِهِ أَوْ مِنْ شَارِعٍ فِي حَالِ نَظَرِهِ لَا إنْ وَلَّى (بِخَفِيفٍ كَحَصَاةٍ) أَوْ ثَقِيلٍ وَلَمْ يَجِدْ سِوَاهُ (فَأَعْمَاهُ أَوْ أَصَابَ قُرْبَ عَيْنِهِ) مِمَّا يُخْطِئُ مِنْهُ إلَيْهِ غَالِبًا، وَلَمْ يَقْصِدْ الرَّمْيَ لِذَلِكَ الْمَحِلِّ ابْتِدَاءً (فَجَرَحَهُ فَمَاتَ فَهَدَرٌ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ لَهُ وَلَا قِصَاصَ» وَصَحَّ خَبَرُ
[حاشية الشبراملسي]
تَعَدَّى عَلَيْهِ آخَرُ، وَأَمْكَنَ دَفْعُهُ بِغَيْرِ الْعَضِّ (قَوْلُهُ: كَالظَّالِمِ) أَيْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعَضُّ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ طَرِيقًا كَمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ: مِنْ كُوَّةٍ) بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ لُغَةً اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ) أَيْ النَّاظِرُ (قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ) أَيْ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَنَّ النَّظَرَ لِنَحْوِ الْخِطْبَةِ أَوْ أَنَّهُ تَعَدَّى صُدِّقَ الرَّامِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخِطْبَةِ وَنَحْوِهَا مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ مَعَ أَبِيهَا أَوْ نَحْوِهِ بَلَغَ الْأَبُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ نَعَمْ يُصَدَّقُ الرَّامِي أَنَّهُ إلَخْ (قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ كَانَ) أَوْ لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ (قَوْلُهُ: فَرَمَاهُ) أَيْ فِي حَالِ نَظَرِهِ لِيُلَاقِيَ قَوْلَهُ الْآتِيَ لَا إنْ وَلَّى وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ كَانَ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ ذُو الْحَرَمِ: أَيْ وَإِنَّمَا حَرُمَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ هُنَا مَعَ أَنَّ الرَّمْيَ مِنْ دَفْعِ الصَّائِلِ، وَهُوَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَصُولِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ النَّظَرِ لَا يَنْحَصِرُ فِي خُصُوصِ الرَّمْيِ وَلَكِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الرَّمْيَ مُبَاحًا لِصَاحِبِ الْحَرَمِ، وَإِنْ أَمْكَنَ مَنْعُهُ بِهَرَبِ الْمَرْأَةِ أَوْ نَحْوِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ حَجّ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِ: وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ هُنَا لَا يَرْمِي بِخِلَافِهِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ: أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ (قَوْلُهُ: النَّاظِرِ مِنْ مِلْكِهِ) أَيْ النَّاظِرِ لِلصَّائِلِ حَالَةَ كَوْنِ النَّاظِرِ فِي مِلْكِهِ أَوْ شَارِعٍ، وَلَوْ قَالَ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ فَلَيْسَ لَهُ رَمْيُ النَّاظِرِ مِنْ إلَخْ كَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: فَمَاتَ فَهَدَرٌ) أَيْ سَوَاءٌ
[حاشية الرشيدي]
وَكَانَ يُمْكِنُ إبْقَاءُ الْمَتْنِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالْمَعْنَى فَكُّ اللَّحْيَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا الْفَكُّ الْأَسْفَلُ عَنْ الْفَكِّ الْأَعْلَى: أَيْ رَفْعُهُمَا عَنْهُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: إذْ الْعَضُّ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ) أَيْ فِي غَيْرِ الدَّفْعِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ بَعْضُ الْمَظْلُومِ الْمَمْنُوعِ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ الدَّفْعِ بِأَنْ تَأْتِيَ الدَّفْعَ بِغَيْرِهِ، ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ نَقَلَ هَذَا عَنْ صَاحِبِ الِاقْتِصَارِ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا صَحِيحٌ
(قَوْلُهُ: وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ وَلَدُهُ الْأَمْرَدُ الْحَسَنُ) أَيْ بِنَاءً عَلَى حُرْمَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَمِثْلُ وَلَدِهِ هُوَ نَفْسُهُ لَوْ كَانَ أَمْرَدَ حَسَنًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ قَاسِمٍ (قَوْلُهُ: أَوْ مَحْرَمٌ لَهُ) أَيْ لِلنَّاظِرِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً) أَيْ وَكَانَتْ تَنْظُرُ لِرَجُلٍ مُطْلَقًا أَوْ لِامْرَأَةٍ مُتَجَرِّدَةٍ كَمَا فِي التُّحْفَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ الدَّارِ) أَيْ وَهُوَ ذُو حُرْمَةٍ
«لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إذْنِك فَفَقَأْت عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْك مِنْ حَرَجٍ» وَلَا نَظَرَ لِعَدَمِ تَكْلِيفِ الْمُرَاهِقِ إذْ الرَّمْيُ لِدَفْعِ مَفْسَدَةِ النَّظَرِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِهِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ فِي النَّظَرِ كَالْبَالِغِ، وَمِنْ ثَمَّ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِيهِ لَا يَجُوزُ رَمْيُهُ هُنَا، وَفَارَقَ مَنْ لَهُ نَحْوَ مَحْرَمٍ بِأَنَّ هَذَا شُبْهَتُهُ فِي الْمَحَلِّ الْمَنْظُورِ إلَيْهِ، وَالْمُرَاهِقُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ بِدَلِيلِ دَفْعِ صَبِيٍّ صَائِلٍ لَكِنَّهُ هُنَا لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمُرَاهِقِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ رَمْيُهُ (بِشَرْطِ عَدَمِ) نَحْوِ مَتَاعٍ لَهُ أَوْ (مَحْرَمٍ) سَتْرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا (وَزَوْجَةٍ) وَأَمَةٍ وَلَوْ مُجَرَّدَتَيْنِ (لِلنَّاظِرِ) وَإِلَّا امْتَنَعَ رَمْيُهُ لِعُذْرِهِ حِينَئِذٍ، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ (قِيلَ وَ) بِشَرْطِ عَدَمِ (اسْتِتَارِ الْحُرَمِ) وَإِلَّا بِأَنْ اسْتَتَرْنَ أَوْ كُنَّ فِي مُنْعَطَفٍ لَا يَرَاهُنَّ النَّاظِرُ لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ، وَالْأَصَحُّ لَا فَرْقَ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ وَحَسْمًا لِمَادَّةِ النَّظَرِ.
(قِيلَ وَ) بِشَرْطِ (إنْذَارٍ قَبْلَ رَمْيِهِ) تَقْدِيمًا لِلْأَخَفِّ كَمَا مَرَّ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ وُجُوبِهِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى إنْذَارٍ لَا يُفِيدُ وَإِلَّا وَجَبَ تَقْدِيمُهُ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَهُوَ مُرَادُهُمْ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرُوهُ فِي دَفْعِ الصَّائِلِ مِنْ تَعَيُّنِ الْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ، وَخَرَجَ بِنَظَرِ الْأَعْمَى وَنَحْوِهِ وَمُسْتَرِقِ السَّمْعِ فَلَا يَجُوزُ رَمْيُهُمَا لِفَوَاتِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَوْرَاتِ الَّذِي يَعْظُمُ ضَرَرُهُ وَبِالْكُوَّةِ وَمَا مَعَهَا النَّظَرُ مِنْ بَابٍ مَفْتُوحٍ أَوْ كُوَّةٍ أَوْ ثَقْبٍ وَاسِعٍ بِأَنْ نُسِبَ صَاحِبُهَا إلَى تَقْصِيرٍ؛ لِأَنَّ تَفْرِيطَهُ بِذَلِكَ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الرَّمْيُ قَبْلَ الْإِنْذَارِ، نَعَمْ النَّظَرُ مِنْ نَحْوِ سَطْحٍ وَلَوْ لِلنَّاظِرِ أَوْ مَنَارَةٍ كَهُوَ مِنْ كُوَّةٍ ضَيِّقَةٍ إذْ لَا تَفْرِيطَ مِنْ رَبِّ الدَّارِ وَبِعَمْدِ النَّظَرِ خَطَأً أَوْ اتِّفَاقًا فَلَا يَجُوزُ رَمْيُهُ إنْ عَلِمَ الرَّامِي ذَلِكَ مِنْهُ، نَعَمْ يُصَدَّقُ الرَّامِي فِي أَنَّهُ تَعَمَّدَ إذْ الِاطِّلَاعُ حَصَلَ وَالْقَصْدُ أَمْرٌ بَاطِنٌ، وَهَذَا ذَهَابٌ إلَى جَوَازِ رَمْيِهِ عِنْدَ غَلَبَةِ الظَّنِّ فِي أَنَّهُ تَعَمَّدَ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ، وَبِالْخَفِيفِ الثَّقِيلِ الَّذِي وُجِدَ غَيْرُهُ كَحَجَرٍ وَنُشَّابٍ فَيَضْمَنُ حَتَّى بِالْقَوَدِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ
[حاشية الشبراملسي]
كَانَ النَّاظِرُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ أَوْ مُسْتَأْجِرٍ أَوْ مُعَارٍ أَوْ مَغْصُوبٍ (قَوْلُهُ: وَلَا نَظَرَ لِعَدَمِ تَكْلِيفِ الْمُرَاهِقِ) هَذَا دَفْعٌ لِمَا يَرُدُّ عَلَى قَوْلِهِ السَّابِقِ وَمُرَاهِقًا (قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ رَمْيُهُ هُنَا) وَمَحَلُّ جَوَازِ الرَّمْيِ إذَا لَمْ يَفْدِ الْإِنْذَارَ، وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، أَمَّا لَوْ عَلِمَ الرَّامِي إفَادَةَ الْإِنْذَارِ، وَلَمْ يُنْذِرْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ اهـ وَهَذَا حَاصِلُ قَوْلِهِ الْآتِي وَهَذَا مَحْمُولٌ إلَخْ (قَوْلُهُ: نَحْوَ مَتَاعٍ لَهُ) أَيْ النَّاظِرِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا وَجَبَ تَقْدِيمُهُ) ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِنَظَرِ الْأَعْمَى) أَيْ وَإِنْ جَهِلَ عَمَاهُ شَرْحُ رَوْضٍ وَكَذَا بَصِيرٌ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْعَوْرَاتِ بِنَظَرِهِ (قَوْلُهُ وَنَحْوِهِ) كَضَعِيفِ الْبَصَرِ (قَوْلُهُ: مِنْ بَابٍ مَفْتُوحٍ) وَلَوْ بِفِعْلِ النَّاظِرِ إنْ تَمَكَّنَ رَبُّ الدَّارِ مِنْ إغْلَاقِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ حَجّ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا تَمَكَّنَ رَبُّ الدَّارِ مِنْ إغْلَاقِهِ، وَلَمْ يُغَلِّقْهُ ضَمِنَ بِرَمْيِهِ وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَيْ بِتَقْصِيرِ صَاحِبِ الدَّارِ بِعَدَمِ إغْلَاقِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفَاتِحُ لِلْبَابِ هُوَ النَّاظِرُ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ رَبُّ الدَّارِ مِنْ إغْلَاقِهِ جَازَ الرَّمْيُ وَهُوَ ظَاهِرٌ اهـ (قَوْلُهُ أَوْ ثَقْبٍ) وَمِنْهُ الطَّاقَاتُ الْمَعْرُوفَةُ الْآنَ وَالشَّبَابِيكُ (قَوْلُهُ: إنْ عَلِمَ الرَّامِي) أَيْ بِقَرِينَةٍ (قَوْلُهُ: فِي أَنَّهُ) أَيْ النَّاظِرَ (قَوْلُهُ: وَهَذَا ذَهَابٌ إلَى جَوَازِ رَمْيِهِ) مُعْتَمَدٌ
[حاشية الرشيدي]
كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ كَأَبِي الزَّوْجَةِ وَأَخِيهَا (قَوْلُهُ: النَّاظِرَ) هُوَ بِالنَّصْبِ بَيَانٌ لِلضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي الْمَتْنِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ ذُو الْحَرَمِ بَيَانٌ لِلضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فَهُوَ مِنْ مَدْخُولِ التَّفْسِيرِ بِأَيِّ وَإِنْ حَصَلَ الْفَصْلُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَيْ ذُو الْحَرَمِ النَّاظِرَ: أَيْ رَمْي ذُو الْحَرَمِ النَّاظِرَ، وَقَوْلُهُ مِنْ مِلْكِهِ أَوْ شَارِعٍ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّاظِرِ: أَيْ سَوَاءٌ أَكَانَ نَظَرُهُ فِي مِلْكِهِ بِأَنْ نَظَرَ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ أَوْ مِنْ شَارِعٍ: أَيْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَقَوْلُهُ فِي حَالِ نَظَرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِرَمَاهُ تَقْيِيدٌ، وَخَرَجَ بِهِ مَا عَطَفَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ لَا إنْ وَلَّى (قَوْلُهُ: وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ) الصَّوَابُ أَنَّهَا بِحَالِهَا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ قَاسِمٍ: أَيْ لِأَنَّ الْقَصْدَ عَدَمُ الْجَمِيعِ وَلَيْسَ الْقَصْدُ عَدَمَ أَحَدِهِمَا وَإِنْ وُجِدَ الْآخَرُ لِفَسَادِهِ (قَوْلُهُ: قَبْلَ الْإِنْذَارِ) اُنْظُرْ مَفْهُومَهُ
الْمُصَنِّفِ تَخْيِيرُهُ: بَيْنَ رَمْيِ الْعَيْنِ وَقُرْبِهَا، لَكِنَّ الْمَنْقُولَ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ غَيْرَ الْعَيْنِ حَيْثُ أَمْكَنَهُ إصَابَتُهَا، وَأَنَّهُ إذَا أَصَابَ غَيْرَهَا الْبَعِيدَ لَا يُخْطِئُ مِنْهَا إلَيْهِ ضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا.
نَعَمْ لَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ قَصْدُهَا وَلَا مَا قَرُبَ مِنْهَا وَلَمْ يَنْدَفِعْ بِهِ جَازَ رَمْيُ عُضْوٍ آخَرَ فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ، وَلَوْ لَمْ يَنْدَفِعْ بِالْخَفِيفِ اسْتَغَاثَ عَلَيْهِ، فَإِنْ فُقِدَ مُغِيثٌ سُنَّ لَهُ أَنْ يَنْشُدَهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ أَبَى دَفَعَهُ وَلَوْ بِالسِّلَاحِ وَإِنْ قَتَلَهُ (وَلَوْ عَزَّرَ) مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ (وَلِيٌّ) مَحْجُورَهُ وَأَلْحَقَ بِوَلِيِّهِ وَمَنْ حَلَّ لَهُ الضَّرْبُ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمَّا يَأْتِي كَافِلُهُ كَأُمِّهِ (وَوَالٍ) مَنْ رُفِعَ إلَيْهِ، وَلَمْ يُعَانِدْ (وَزَوْجٌ) زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ لِنَحْوِ نُشُوزٍ (وَمُعَلِّمٌ) مَنْ تَعَلَّمَ مِنْهُ حَيْثُ كَانَ حُرًّا بِمَا لَهُ دَخْلٌ فِي الْهَلَاكِ وَإِنْ نَدَرَ (فَمَضْمُونٌ) تَعْزِيرُهُمْ ضَمَانَ شِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى الْعَاقِلَةِ إنْ أَدَّى إلَى هَلَاكٍ أَوْ نَحْوِهِ لِتَبَيُّنِ مُجَاوَزَتِهِ لِلْحَدِّ الْمَشْرُوعِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ضَرَبَ دَابَّةً مُسْتَأْجِرُهَا أَوْ رَائِضُهَا إذَا اُعْتِيدَ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَسْتَغْنِيَانِ عَنْهُ، وَالْآدَمِيُّ يُغْنِي عَنْهُ فِيهِ الْقَوْلُ، أَمَّا مَا لَا دَخْلَ لَهُ فِي ذَلِكَ كَصَفْعَةٍ خَفِيفَةٍ وَحَبْسٍ أَوْ نَفْيٍ فَلَا ضَمَانَ بِهِ، وَأَمَّا قِنٌّ أَذِنَ سَيِّدُهُ لِمُعَلِّمِهِ أَوْ لِزَوْجِهَا فِي ضَرْبِهَا فَلَا ضَمَانَ بِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ كَامِلٌ بِمُوجِبِ تَعْزِيرٍ، وَطَلَبَهُ بِنَفْسِهِ مِنْ الْوَالِي كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ، لَكِنْ قَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِمَا إذَا عَيَّنَ لَهُ نَوْعَهُ وَقَدْرَهُ، إذْ الْإِذْنُ فِي الضَّرْبِ لَيْسَ كَهُوَ فِي الْقَتْلِ، وَكَمَا أَنَّ الْإِذْنَ الشَّرْعِيَّ مَحْمُولٌ عَلَى السَّلَامَةِ فَإِذْنُ السَّيِّدِ الْمُطْلَقُ كَذَلِكَ، أَمَّا مُعَانِدٌ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَتَعَيَّنَ عِقَابُهُ طَرِيقًا لِوُصُولِ الْمُسْتَحِقِّ لِحَقِّهِ، فَيَجُوزُ عِقَابُهُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: سُنَّ لَهُ أَنْ يَنْشُدَهُ بِاَللَّهِ) قَضِيَّةُ السُّنِّيَّةِ جَوَازُ دَفْعِهِ بِالسِّلَاحِ، وَإِنْ أَفَادَ الْإِنْشَادَ فَلْيُرَاجَعْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، بَلْ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إفَادَتُهُ وَجَبَ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا قَدَّمَهُ عَنْ الْإِمَامِ مِنْ وُجُوبِ الْإِنْذَارِ حَيْثُ أَفَادَ.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ) لَمْ يَذْكُرْ مُحْتَرِزَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا أَسْرَفَ ضَمِنَهُ ضَمَانَ الْعَمْدِ لَا ضَمَانَ شِبْهِ الْعَمْدِ (قَوْلُهُ: وَمَنْ حَلَّ لَهُ الضَّرْبُ) عِبَارَةُ حَجّ فِي حِلِّ الضَّرْبِ وَمَا إلَخْ وَهِيَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: لِنَحْوِ نُشُوزٍ) مِنْهُ الْبَذَاءَةُ عَلَى نَحْوِ الْجِيرَانِ وَالطَّلِّ مِنْ نَحْوِ طَاقَةٍ (قَوْلُهُ: وَمُعَلِّمٌ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ تَعَيَّنَ لِلتَّعْلِيمِ أَوْ كَانَ أَصْلَحَ مِنْ غَيْرِهِ فِي التَّعْلِيمِ (قَوْلُهُ مَنْ تَعَلَّمَ مِنْهُ) وَمِنْ ذَلِكَ الشَّيْخُ مَعَ الطَّلَبَةِ فَلَهُ تَأْدِيبُ مَنْ حَصَلَ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي تَأْدِيبُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّعَلُّمِ، وَلَيْسَ مِنْهُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ أَنَّ الْمُتَعَلِّمَ إذَا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ يَأْتِي صَاحِبُ الْحَقِّ لِلشَّيْخِ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنْ الْمُتَعَلَّمِ مِنْهُ، فَإِذَا طَلَبَ الشَّيْخُ مِنْهُ وَلَمْ يُوفِهِ فَلَيْسَ لَهُ ضَرْبُهُ وَلَا تَأْدِيبُهُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ تَوْفِيَةِ الْحَقِّ، وَلَيْسَ مِنْهُ أَيْضًا هَؤُلَاءِ الْمُسَمُّونَ بِمَشَايِخِ الْفُقَرَاءِ مِنْ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَعَدٍّ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ امْتِنَاعٍ مِنْ تَوْفِيَةِ حَقٍّ عَلَيْهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ عَزَّرَهُ الشَّيْخُ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ (قَوْلُهُ: حَيْثُ كَانَ حُرًّا) أَيْ الْمُتَعَلِّمُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْمُعَلِّمِ التَّعْزِيرُ لِلْمُتَعَلَّمِ مِنْهُ إذَا كَانَ بِإِذْنٍ مِنْ وَلِيِّهِ كَمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ آخِرَ فَصْلِ التَّعْزِيرِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ قَيَّدَهُ) أَيْ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ كَامِلٌ إلَخْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ كَلَامَ الْبُلْقِينِيِّ مِنْ قَوْلِهِ وَأَمَّا قِنٌّ إلَخْ فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ رَاجِعًا لَهُ أَيْضًا (قَوْلُهُ: بِمَا إذَا عَيَّنَ لَهُ نَوْعَهُ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ عِقَابُهُ) أَيْ بِأَنْوَاعِ الْعِقَابِ لَكِنْ مَعَ رِعَايَةِ الْأَخَفِّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ) كَأَنَّهُ إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ الْآتِي ضَمَانُ شِبْهِ الْعَمْدِ: أَيْ أَمَّا إذَا أَسْرَفَ فَإِنَّهُ يُقَادُ بِهِ غَيْرُ الْأَصْلِ بِشَرْطِهِ (قَوْلُهُ: وَكَمَا أَنَّ الْإِذْنَ الشَّرْعِيَّ إلَخْ) مُرَادُهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي عِبَارَتِهِ قُصُورٌ أَنَّ إذْنَ السَّيِّدِ فِي ضَرْبِ عَبْدِهِ كَإِذْنِ الْحُرِّ فِي ضَرْبِ نَفْسِهِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا شُرِطَ فِيهِ مِنْ التَّقْيِيدِ الْمَذْكُورِ، فَمَحَلُّ عَدَمِ الضَّمَانِ فِيهِ أَيْضًا إذَا عَيَّنَ لَهُ النَّوْعَ وَالْقَدْرَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ، بَلْ التَّقْيِيدُ الْمَذْكُورُ فِي الْحُرِّ إنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي الْعَبْدِ
حَتَّى يُؤَدِّيَ أَوْ يَمُوتَ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ (وَلَوْ) (حَدَّ) أَيْ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَيَصِحُّ بِنَاؤُهُ لِلْمَفْعُولِ وَلَوْ فِي نَحْوِ مَرَضٍ أَوْ شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ كَمَا مَرَّ (مُقَدَّرًا) بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ إذْ الْحَدُّ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ.
وَيَصِحُّ أَنْ يُحْتَرَزَ بِهِ عَنْ حَدِّ الشُّرْبِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَتَخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ وَالثَّمَانِينَ فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ غَيْرَ مُقَدَّرٍ بِالنِّسْبَةِ لِإِرَادَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْأَرْبَعِينَ وَالثَّمَانِينَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ فَمَاتَ (فَلَا ضَمَانَ) بِالْإِجْمَاعِ إذْ الْحَقُّ قَتْلُهُ
(وَلَوْ) (ضُرِبَ شَارِبٌ) لِلْخَمْرِ الْحَدَّ (بِنِعَالٍ وَثِيَابٍ) فَمَاتَ (فَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّحِيحِ) بِنَاءً عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَالثَّانِي فِيهِ الضَّمَانُ بِنَاءً عَلَى مُقَابِلِهِ (وَكَذَا أَرْبَعُونَ سَوْطًا) ضُرِبَهَا فَمَاتَ لَا يَضْمَنُ (عَلَى الْمَشْهُورِ) لِصِحَّةِ الْخَبَرِ بِمَا مَرَّ بِتَقْدِيرِهِ بِذَلِكَ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي نَعَمْ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِهَا اجْتِهَادِيٌّ كَمَا مَرَّ (أَوْ) حُدَّ شَارِبٌ (أَكْثَرَ) مِنْ أَرْبَعِينَ بِنَحْوِ نَعْلٍ أَوْ سَوْطٍ (وَجَبَ قِسْطُهُ بِالْعَدَدِ) فَفِي أَحَدٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءٌ مِنْ أَحَدٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ الدِّيَةِ وَفِي ثَمَانِينَ نِصْفُهَا وَتِسْعِينَ خَمْسَةُ أَتْسَاعِهَا لِوُقُوعِ الضَّرْبِ بِظَاهِرِ الْبَدَنِ فَيَفُوتُ تَمَاثُلُهُ فَقَسَطَ الْعَدَدُ عَلَيْهِ (وَفِي قَوْلٍ نِصْفُ دِيَةٍ) لِمَوْتِهِ مِنْ مَضْمُونٍ وَغَيْرِهِ، وَبَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إنْ ضَرَبَهُ الزَّائِدَ وَبَقِيَ أَلَمُ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا ضَمِنَ دِيَتَهُ كُلَّهَا قَطْعًا.
لَا يُقَالُ الْجُزْءُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ لَمْ يَطْرَأْ إلَّا بَعْدَ ضَعْفِ الْبَدَنِ فَكَيْفَ يُسَاوِي الْأَوَّلَ، وَقَدْ صَادَفَ بَدَنًا صَحِيحًا؛ لِأَنَّ هَذَا تَفَاوُتٌ سَهْلٌ فَتَسَامَحُوا فِيهِ، وَبِأَنَّ الضَّعْفَ نَشَأَ مِنْ مُسْتَحِقٍّ فَلَمْ يُنْظَرْ إلَيْهِ (وَيَجْرِيَانِ) أَيْ الْقَوْلَانِ (فِي) (قَاذِفٍ جُلِدَ أَحَدًا وَثَمَانِينَ) سَوْطًا فَمَاتَ فَفِي الْأَظْهَرِ يَجِبُ جُزْءٌ مِنْ أَحَدٍ وَثَمَانِينَ جُزْءًا، وَفِي قَوْلٍ نِصْفُ دِيَةِ، وَكَذَا فِي بِكْرٍ جُلِدَ مِائَةً وَعَشْرًا
(وَلِمُسْتَقِلٍّ) بَالِغٍ عَاقِلٍ وَلَوْ مُكَاتَبًا وَسَفِيهًا وَمُوصًى بِإِعْتَاقِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ إعْتَاقِهِ (قَطْعُ سِلْعَةٍ) بِكَسْرِ السِّينِ مَا يَخْرُجُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ مِنْ الْحِمَّصَةِ إلَى الْبِطِّيخَةِ فِيهِ بِنَفْسِهِ أَوْ مَأْذُونِهِ إزَالَةً لِشَيْنِهَا بِلَا ضَرَرٍ كَفَصْدٍ، وَمِثْلُهَا فِي جَمِيعِ مَا يَأْتِي عُضْوُهُ الْمُتَأَكِّلُ (إلَّا مَخُوفَةً) مِنْ حَيْثُ قَطْعُهَا (لَا خَطَرَ فِي تَرْكِهَا) أَصْلًا بَلْ فِي قَطْعِهَا
[حاشية الشبراملسي]
فَالْأَخَفِّ، وَلَا يَجُوزُ الْعِقَابُ بِالنَّارِ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ طَرِيقًا لِخَلَاصِ الْحَقِّ.
(قَوْلُهُ: غَيْرَ مُقَدَّرٍ) أَيْ فَيَضْمَنُ مَا زَادَ بِهِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ، لَكِنْ هَذَا قَدْ يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ لَهُ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالزِّيَادَةُ تَعْزِيرَاتٌ، وَقِيلَ حَدٌّ مِنْ قَوْلِهِ: أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ مَاتَ بِهَا لَمْ يُضْمَنْ
(قَوْلُهُ: وَفِي ثَمَانِينَ نِصْفُهَا) هَذَا يُنَافِي مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا حَدَّ الثَّمَانِينَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَا هُنَا مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْحَادُّ الْجَلَّادَ مَثَلًا بِإِذْنٍ مِنْ الْإِمَامِ فِي حَدِّ الْأَرْبَعِينَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا زَادَ (قَوْلُهُ: وَبَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ) أَيْ الْقَوْلَيْنِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا ضَمِنَ دِيَتَهُ كُلَّهَا) أَيْ لِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ الزَّائِدُ بَعْدَ زَوَالِ الْأَلَمِ الْأَوَّلِ كَانَ ذَلِكَ قَرِينَةً عَلَى إحَالَةِ الْهَلَاكِ عَلَى الزَّائِدِ فَقَطْ
(قَوْلُهُ: وَمُوصًى بِإِعْتَاقِهِ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَهُ الْمَنْذُورَ عِتْقُهُ وَمَنْ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ إعْتَاقِهِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى مَنْهَجٍ نَقْلًا عَنْ النَّاشِرِيِّ خِلَافَهُ فِي الْمَنْذُورِ إعْتَاقُهُ قَالَ: لِأَنَّ كَسْبَهُ لِسَيِّدِهِ، وَقِيَاسُهُ أَنَّ الْمَشْرُوطَ إعْتَاقُهُ فِي الْبَيْعِ مِثْلُهُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنَّمَا مُنِعَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ قَدْ يُؤَدِّي إلَى هَلَاكِهِ فَيَفُوتُ الْكَسْبُ عَلَى السَّيِّدِ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّ السَّيِّدَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ فَوْرًا فَلَا نَظَرَ لِاحْتِمَالِ تَفْوِيتِ الْكَسْبِ عَلَيْهِ، نَعَمْ يَظْهَرُ مَا قَالَهُ سم فِي الْمَنْذُورِ إعْتَاقُهُ بَعْدَ سَنَةٍ مَثَلًا، وَيَنْبَغِي مِثْلُهُ فِي الْمُوصَى بِإِعْتَاقِهِ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ بِسَنَةٍ مَثَلًا (قَوْلُهُ: مِنْ الْحِمِّصَةِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، لَكِنَّهَا مَكْسُورَةٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَمَفْتُوحَةٌ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ أَنْ يُحْتَرَزَ بِهِ عَنْ حَدِّ الشُّرْبِ) فِيهِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ قَدْ مَرَّ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ تَعْزِيرَاتٌ فَلَمْ يَصْدُقْ الِاحْتِرَازُ عَنْ حَدِّ غَيْرِ الْمُقَدَّرِ الثَّانِي لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ حَدٌّ فَيَقْتَضِي الضَّمَانَ لَوْ أَدَّتْهُ إرَادَتُهُ إلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ حَدٌّ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالِاعْتِبَارِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَبِأَنَّ الضَّعْفَ) كَانَ يَنْبَغِي وَلِأَنَّ الضَّعْفَ فَكَأَنَّهُ قَدَّرَ لَفْظَ يُجَابُ لِقَرِينَةِ السِّيَاقِ أَوْ أَنَّ الْبَاءَ سَبَبِيَّةٌ
(أَوْ) فِي كُلٍّ مِنْ قَطْعِهَا وَتَرْكِهَا خَطَرٌ لَكِنْ (الْخَطَرُ فِي قَطْعِهَا أَكْثَرُ) مِنْهُ فِي تَرْكِهَا فَيَمْتَنِعُ الْقَطْعُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ لِأَدَائِهِ إلَى الْهَلَاكِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَوَيَا أَوْ كَانَ التَّرْكُ أَخْطَرَ أَوْ الْخَطَرُ فِيهِ فَقَطْ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَطْعِ خَطَرٌ أَوْ لَا خَطَرَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَجُوزُ قَطْعُهَا؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ غَرَضًا مِنْ غَيْرِ إفْضَاءٍ إلَى الْهَلَاكِ، وَبَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ وُجُوبَهُ عِنْدَ قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ إنَّ تَرْكَهُ مُفْضٍ إلَى الْهَلَاكِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيَظْهَرُ الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدٍ: أَيْ عَدْلٍ رِوَايَةً، وَأَنَّهُ يَكْفِي عِلْمُ الْوَلِيِّ فِيمَا يَأْتِي: أَيْ وَعِلْمُ صَاحِبِ السِّلْعَةِ إنْ كَانَ فِيهِمَا أَهْلِيَّةُ ذَلِكَ (وَلِأَبٍ وَجَدٍّ) لِأَبٍ وَإِنْ عَلَا، وَيَلْحَقُ بِهِمَا سَيِّدٌ فِي قِنِّهِ وَأُمٌّ إذَا كَانَتْ قَيِّمَةً، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِذَلِكَ التَّعْزِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ (قَطْعُهَا مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ مَعَ الْخَطَرِ) فِي كُلٍّ لَكِنْ (إنْ زَادَ خَطَرُ التَّرْكِ) عَلَى الْقَطْعِ لِصَوْنِهِمَا مَالَهُ فَبَدَنُهُ أَوْلَى، بِخِلَافِ مَا إذَا زَادَ خَطَرُ الْقَطْعِ اتِّفَاقًا أَوْ اسْتَوَيَا، وَفَارَقَا الْمُسْتَقِلَّ بِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ لِلشَّخْصِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ (لَا) قَطْعُهَا مَعَ خَطَرٍ فِيهِ (لِسُلْطَانٍ) وَنُوَّابِهِ وَوَصِيٍّ فَلَا يَجُوزُ إذْ لَيْسَ لَهُمْ شَفَقَةُ الْأَبِ وَالْجَدِّ (وَلَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ (وَلِسُلْطَانٍ) وَنُوَّابِهِ وَوَصِيٍّ (قَطْعُهَا بِلَا خَطَرٍ) عِنْدَ انْتِفَاءِ الْخَطَرِ أَصْلًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرْكِ خَطَرٌ لِعَدَمِ الضَّرَرِ، وَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ مُطْلَقًا عَلَى أَجْنَبِيٍّ وَأَبٍ لَا وِلَايَةَ لَهُ، فَإِنْ فَعَلَ فَسَرَى إلَى النَّفْسِ وَجَبَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ الْقَوَدُ (وَ) لِمَنْ كَرَّ (فَصْدٌ وَحِجَامَةٌ) وَنَحْوُهُمَا مِنْ كُلِّ عِلَاجٍ سَلِيمٍ عَادَةً أَشَارَ بِهِ طَبِيبٌ لِنَفْعِهِ لَهُ (فَلَوْ) (مَاتَ) الْمُوَلَّى عَلَيْهِ (بِجَائِزٍ مِنْ هَذَا) الَّذِي هُوَ قَطْعُ السِّلْعَةِ أَوْ الْفَصْدُ أَوْ الْحِجَامَةُ وَمِثْلُهَا مَا فِي مَعْنَاهَا (فَلَا ضَمَانَ) بِدِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ (فِي الْأَصَحِّ) لِئَلَّا يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ فَيَتَضَرَّرَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي يَقُولُ هُوَ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَافِيَةِ كَالتَّعْزِيرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَزَالِيَّ وَغَيْرَهُ صَرَّحُوا بِحُرْمَةِ تَثْقِيبِ آذَانِ الصَّبِيِّ أَوْ الصَّبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إيلَامٌ لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ حَاجَةٌ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِيهِ رُخْصَةٌ مِنْ جِهَةِ نَقْلٍ وَلَمْ تَبْلُغْنَا، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ لِرَدِّ مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ فِيهِ) صِفَةُ سِلْعَةٍ أَيْ كَائِنَةً فِيهِ اهـ سم عَلَى حَجّ وَبِنَفْسِهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَطْعٍ (قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَطْعِ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ الْقَطْعَ لَا خَطَرَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي التَّرْكِ فَقَطْ اتَّحَدَتْ هَذِهِ مَعَ مَا قَبْلَهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ الْقَطْعَ لَا خَطَرَ فِيهِ كَمَا أَنَّ التَّرْكَ لَا خَطَرَ فِيهِ اتَّحَدَتْ مَعَ مَا بَعْدَهَا، ثُمَّ رَأَيْت فِي سم حَجّ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَبَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ وُجُوبَهُ) أَيْ الْقَطْعِ (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ يَكْفِي عِلْمُ الْوَلِيِّ) أَيْ بِالطِّبِّ (قَوْلُهُ: وَأُمٌّ إذَا كَانَتْ قَيِّمَةً) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي أَوْ أَقَامَهَا الْأَبُ وَصِيَّةً (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُقَيِّدْهُ) أَيْ حُكْمُ الْأُمِّ بِكَوْنِهَا قَيِّمَةً (قَوْلُهُ: قَطْعَهَا مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ) وَمَثَلُ السِّلْعَةِ فِيمَا ذَكَرَ وَفِيمَا يَأْتِي الْعُضْوُ الْمُتَأَكِّلُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيَجُوزُ الْكَيُّ وَقَطْعُ الْعُرُوقِ لِلْحَاجَةِ، وَيُسَنُّ تَرْكُهُ وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُتَأَلِّمِ تَعْجِيلُ الْمَوْتِ، وَإِنْ عَظُمَ أَلَمُهُ وَلَمْ يُطِقْهُ؛ لِأَنَّ بَرَأَهُ مَرْجُوٌّ، فَلَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي مُحْرِقٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْجُو مِنْهُ أَوْ مَاءٍ مُغْرِقٍ وَرَآهُ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّبْرِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ أَهْوَنُ، وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّ لَهُ قَتْلَ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إغْرَاقٍ، وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ عَنْ وَالِدِهِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اهـ خَطِيبٌ وَرَوْضٌ.
وَلَعَلَّ الْعِبَارَةَ: فَلَوْ أَلْقَى فِي مُحْرِقٍ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْجُو مِنْهُ وَعِنْدَهُ مَاءٌ مُغْرِقٌ وَرَآهُ أَهْوَنَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَفَارَقَا) أَيْ فِي حَالَةِ الِاسْتِوَاءِ (قَوْلُهُ أَيْ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْخَطَرِ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ، ثُمَّ رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ أَيْ وَعَلَيْهَا فَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِمَا قَبْلَهَا (قَوْلُهُ وَأَبٍ لَا وِلَايَةَ لَهُ) أَيْ بِأَنْ كَانَ فَاسِقًا (قَوْلُهُ وَجَبَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ الْقَوَدُ) أَيْ وَعَلَى الْأَبِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ (قَوْلُهُ: أَشَارَ بِهِ طَبِيبٌ لِنَفْعِهِ)
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُ الْمَتْنِ وَلَهُ) أَيْ لِلْوَلِيِّ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ كَمَا فَسَّرَهُ الشَّارِحُ الْجَلَالُ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ الْأَصْلُ الْأَبُ وَالْجَدُّ لِأَنَّهَا تَصْدُقُ بِالْجَدِّ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ وَلَيْسَ مُرَادًا (قَوْلُهُ: عِنْدَ انْتِفَاءِ الْخَطَرِ) لَعَلَّهُ سَقَطَ قَبْلَهُ لَفْظُ أَيْ
عَلَيْهِمْ، نَعَمْ فِي الرِّعَايَةِ لِلْحَنَابِلَةِ جَوَازُهُ فِي الصَّبِيَّةِ لِغَرَضِ الزِّينَةِ وَيُكْرَهُ فِي الصَّبِيِّ.
وَأَمَّا خَبَرُ «أَنَّ النِّسَاءَ أَخَذْنَ مَا فِي آذَانِهِنَّ وَأَلْقَيْنَهُ فِي حِجْرِ بِلَالٍ وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرَاهُنَّ» فَلَا يَدُلُّ لِلْجَوَازِ لِتَقَدُّمِ السَّبَبِ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُكُوتِهِ عَلَيْهِ حِلُّهُ، وَدَعْوَى أَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ غَيْرُ مُجْدٍ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَأْخِيرُ ذَلِكَ إلَّا لَوْ سُئِلَ عَنْ حُكْمِ التَّثْقِيبِ أَوْ رَأَى مَنْ يَفْعَلُهُ أَوْ بَلَغَهُ ذَلِكَ فَهَذَا هُوَ وَقْتُ الْحَاجَةِ، وَأَمَّا أَمْرٌ وَقَعَ وَانْقَضَى، وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ فُعِلَ بَعْدُ أَوْ لَا فَلَا حَاجَةَ لِبَيَانِهِ، نَعَمْ فِي خَبَرٍ لِلطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ عَدَّ مِنْ السُّنَّةِ فِي الصَّبِيِّ يَوْمَ السَّابِعِ أَنْ تُثْقَبَ آذَانُهُ» وَهُوَ صَرِيحٌ فِي جَوَازِهِ لِلصَّبِيِّ فَالصَّبِيَّةُ أَوْلَى، إذْ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ مِنْ السُّنَّةِ كَذَا فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَبِهَذَا يَتَأَيَّدُ مَا ذُكِرَ عَنْ قَاضِي خَانَ، فَالْأَوْجَهُ الْجَوَازُ
(وَلَوْ) (فَعَلَ سُلْطَانٌ) أَوْ غَيْرُهُ وَلَوْ أَبًا (بِصَبِيٍّ) أَوْ مَجْنُونٍ (مَا مُنِعَ) مِنْهُ فَمَاتَ (فَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ فِي م الِهِ) لِتَعَدِّيهِ وَلَا قَوَدَ لِشُبْهَةِ الْإِصْلَاحِ إلَّا إذَا كَانَ الْخَوْفُ فِي الْقَطْعِ أَكْثَرَ كَمَا قَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ (وَمَا وَجَبَ بِخَطَإِ إمَامٍ) أَوْ نُوَّابِهِ (فِي حَدٍّ) أَوْ تَعْزِيرٍ (وَحُكْمٍ) فِي نَفْسٍ أَوْ نَحْوِهَا (فَعَلَى عَاقِلَتِهِ) كَغَيْرِهِ (وَفِي قَوْلٍ فِي بَيْتِ الْمَالِ) إنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ؛ لِأَنَّ خَطَرَهُ يَكْثُرُ بِكَثْرَةِ الْوَقَائِعِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ قَطْعًا وَكَذَا خَطَؤُهُ فِي الْمَالِ (وَلَوْ) (حَدَّهُ بِشَاهِدَيْنِ) فَمَاتَ مِنْهُ (فَبَانَا) غَيْرَ مَقْبُولِي الشَّهَادَةِ كَأَنْ بَانَا (عَبْدَيْنِ أَوْ ذِمِّيَّيْنِ أَوْ مُرَاهِقَيْنِ) أَوْ فَاسِقَيْنِ أَوْ امْرَأَتَيْنِ أَوْ بَانَ أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ (فَإِنْ قَصَّرَ فِي اخْتِبَارِهِمَا) بِأَنْ تَرَكَهُ أَصْلًا كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ (فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ) قَوَدًا أَوْ غَيْرَهُ إنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَتِهِ، وَبِمَا فَسَّرَ بِهِ الْإِمَامُ يَدْفَعُ تَنْظِيرَ الْأَذْرَعِيِّ فِي الْقَوَدِ بِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ إذْ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ يَقْبَلُهُمَا؛ لِأَنَّ صُورَةَ الْبَيِّنَةِ الَّتِي لَمْ يَبْحَثْ عَنْهَا غَيْرُ شُبْهَةٍ لَهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُقَصِّرْ فِي اخْتِبَارِهِمَا بَلْ بَحَثَ عَنْهُ (فَالْقَوْلَانِ) أَظْهَرُهُمَا وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَقِيلَ فِي بَيْتِ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ أَوْ عَرَفَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِالطِّبِّ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: نَعَمْ فِي الرِّعَايَةِ) اسْمُ كِتَابٍ (قَوْلُهُ: لِتَقَدُّمِ السَّبَبِ) أَيْ وَهُوَ الثَّقْبُ (قَوْلُهُ: غَيْرُ مُجْدٍ) أَيْ قَوْلٌ أَوْ أَمْرٌ إلَخْ (قَوْلُهُ فَالْأَوْجَهُ الْجَوَازُ) أَيْ فِي الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ، وَأَمَّا ثَقْبُ الْمَنْخَرِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذًا مِنْ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْآذَانِ وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ تَجْرِ عَادَةُ أَهْلِ نَاحِيَةٍ بِهِ وَعَدُّهُمْ لَهُ زِينَةً، وَإِلَّا فَهُوَ كَتَثْقِيبِ الْآذَانِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ مَا نَصُّهُ: وَيَظْهَرُ فِي خَرْقِ الْأَنْفِ بِحَلْقَةٍ تُعْمَلُ فِيهِ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ أَنَّهُ حَرَامٌ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا زِينَةَ فِي ذَلِكَ يُغْتَفَرُ لِأَجْلِهَا إلَّا عِنْدَ فِرْقَةٍ قَلِيلَةٍ وَلَا عِبْرَةَ بِهَا مَعَ الْعُرْفِ، بِخِلَافِ مَا فِي الْآذَانِ اهـ: أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى مَنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ وَضْعُ الْخِزَامِ لِلزِّينَةِ وَلَا النَّظَرُ إلَيْهِ
(قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرُهُ) وَمِنْ الْغَيْرِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ أَنَّ الشَّخْصَ قَدْ يُرِيدُ خَتْنَ وَلَدِهِ فَيَأْخُذُ أَوْلَادَ غَيْرِهِ مِنْ الْفُقَرَاءِ فَيَخْتِنُهُمْ مَعَ ابْنِهِ قَاصِدًا الرِّفْقَ بِهِمْ فَلَا يَكْفِي ذَلِكَ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ، بَلْ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ ضَمِنَهُ الْخَاتِنُ إنْ عَلِمَ تَعَدِّي مَنْ أَحْضَرَهُ لَهُ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى السَّبَبِ (قَوْلُهُ: كَمَا قَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ) أَيْ فَيَجِبُ الْقَوَدُ إلَّا فِي الْأَبِ وَالْجَدِّ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَكَذَا خَطَؤُهُ فِي مَالِهِ) قَطْعًا (قَوْلُهُ: وَمَا فَسَّرَ بِهِ الْإِمَامُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ بِأَنَّ تَرْكَهُ (قَوْلُهُ: لَمْ يَبْحَثْ عَنْهَا غَيْرُ شُبْهَةٍ لَهُ) هَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ مَالِكًا وَغَيْرَهُ إنَّمَا يَقُولُونَ بِالْقَبُولِ عِنْدَ الْبَحْثِ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْبَحْثَ أَصْلًا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْهُومِ مِنْ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَ الْخَوْفُ فِي الْقَطْعِ أَكْثَرَ) أَيْ وَالْقَاطِعُ غَيْرُ أَبٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ (قَوْلُهُ: أَوْ تَعْزِيرٍ) لَعَلَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى خَطَأٍ، وَإِلَّا فَالضَّمَانُ بِالتَّعْزِيرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْخَطَأِ كَمَا مَرَّ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا تَقْدِيمُهُ عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ مِنْ مَدْخُولِ الْخَطَأِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَتِهِ) اُنْظُرْ مَا صُورَةُ الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ، وَاَلَّذِي فِي كَلَامِ غَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ التَّرَدُّدُ فِيمَا ذُكِرَ هَلْ يُوجِبُ الْقَوَدَ أَوْ الدِّيَةَ (قَوْلُهُ: يَقْبَلُهُمَا) يَعْنِي الْعَبْدَيْنِ إذْ هَذَا هُوَ الَّذِي فِي كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ
الْمَالِ (فَإِنْ ضَمِنَا عَاقِلَةً أَوْ بَيْتَ الْمَالِ فَلَا رُجُوعَ) لِأَحَدِهِمَا (عَلَى الْعَبْدَيْنِ وَالذِّمِّيَّيْنِ فِي الْأَصَحِّ) لِزَعْمِهِمَا الصِّدْقَ، وَالْإِمَامُ هُوَ الْمُتَعَدِّي بِتَرْكِ بَحْثِهِ عَنْهُمَا، وَكَذَا الْمُرَاهِقَانِ وَالْفَاسِقَانِ إنْ لَمْ يَكُونَا مُتَجَاهِرَيْنِ.
أَمَّا الْمُتَجَاهِرَانِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِمَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِمَا يُشْعِرُ بِتَدْلِيسِهِمَا وَتَغْرِيرِهِمَا حَتَّى قُبِلَا إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ فِي الْبَحْثِ عَنْهُمَا
(وَمَنْ) عَالَجَ كَأَنْ (حَجَمَ أَوْ فَصَدَ بِإِذْنٍ) مِمَّنْ يُعْتَبَرُ إذْنُهُ فَأَفْضَى إلَى تَلَفٍ (لَمْ يَضْمَنْ) وَإِلَّا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ، وَلَوْ أَخْطَأَ الطَّبِيبُ فِي الْمُعَالَجَةِ، وَحَصَلَ مِنْهُ التَّلَفُ وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَكَذَا مَنْ تَطَبَّبَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَمَا قَالَهُ فِي الْأَنْوَارِ لِخَبَرِ «مَنْ تَطَبَّبَ، وَلَمْ يَعْرِفْ الطِّبَّ فَهُوَ ضَامِنٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (وَقَتْلُ جَلَّادٍ وَضَرْبُهُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ كَمُبَاشَرَةِ الْإِمَامِ إنْ جَهِلَ ظُلْمَهُ) كَأَنْ اعْتَقَدَ الْإِمَامُ تَحْرِيمَهُ وَالْجَلَّادُ حِلَّهُ (وَخَطَأَهُ) فَيَضْمَنُ الْإِمَامُ دُونَ الْجَلَّادِ؛ لِأَنَّهُ آلَتُهُ وَلِئَلَّا تَرْغَبَ النَّاسُ عَنْهُ، نَعَمْ يُسَنُّ لَهُ التَّكْفِيرُ فِي الْقَتْلِ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْوَافِي إنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا لَوْ اُعْتُقِدَ وُجُوبُ طَاعَةِ الْإِمَامِ فِي الْمَعْصِيَةِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَإِنَّمَا يَكُونُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقَوَدِ لَا الْمَالِ، وَحِينَئِذٍ فَالْأَوْجَهُ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْإِمَامِ إلَّا إنْ أَكْرَهَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ عَلِمَ ظُلْمَهُ أَوْ خَطَأَهُ كَأَنْ اعْتَقَدَا حُرْمَتَهُ أَوْ اعْتَقَدَهَا الْجَلَّادُ وَحْدَهُ وَقَتَلَهُ امْتِثَالًا لِأَمْرِ الْإِمَامِ (فَالْقِصَاصُ وَالضَّمَانُ عَلَى الْجَلَّادِ) وَحْدَهُ (إنْ لَمْ يَكُنْ إكْرَاهٌ) مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ لِتَعَدِّيهِ فَإِنْ أَكْرَهَهُ ضَمِنَا الْمَالَ وَقَتَلَا فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ وَخَطَأَهُ بِمَعْنَى أَوْ
(وَيَجِبُ) (خِتَانٌ) لِذَكَرٍ وَأُنْثَى إنْ لَمْ يُولَدَا مَخْتُونَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123] وَمِنْهَا الْخِتَانُ، وَقَدْ اُخْتُتِنَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَصَحَّ أَنَّهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَدْ يُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى حُسْبَانِهِ مِنْ النُّبُوَّةِ وَالثَّانِي مِنْ الْوِلَادَةِ، بِالْقَدُومِ اسْمُ مَوْضِعٍ، وَقِيلَ آلَةٌ لِلنَّجَّارِ، ثُمَّ كَيْفِيَّتُهُ فِي (الْمَرْأَةِ) (بِجُزْءٍ) يُقْطَعُ يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ (مِنْ اللَّحْمَةِ) الْمَوْجُودَةِ (بِأَعْلَى الْفَرْجِ) فَوْقَ ثُقْبَةِ الْبَوْلِ تُشْبِهُ عُرْفَ الدِّيكِ وَتُسَمَّى الْبَظْرَ بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَمُعْجَمَةٍ وَتَقْلِيلُهُ أَفْضَلُ (وَ) فِي (الرَّجُلِ بِقَطْعِ) جَمِيعِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: فَإِنْ ضَمِنَا عَاقِلَةً) مُعْتَمَدٌ، وَقَوْلُهُ أَوْ بَيْتَ مَالٍ ضَعِيفٌ
(قَوْلُهُ: لَمْ يَضْمَنْ) أَيْ إذَا كَانَ عَارِفًا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدُ، وَكَذَا مَنْ تَطَبَّبَ إلَخْ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ بِالْمُعَالَجَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ مُعَالَجَتِهِ وَعَدَمِ ضَمَانِهِ قَبُولُ خَبَرِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَخْطَأَ الطَّبِيبُ فِي الْمُعَالَجَةِ) وَالْعِلْمُ بِخَطَئِهِ يَكُونُ بِإِخْبَارِهِ أَوْ بِشَهَادَةِ عَارِفِينَ بِالطِّبِّ أَنَّ مَا دَاوَى بِهِ لَا يُنَاسِبُ هَذَا الْمَرَضَ (قَوْلُهُ وَكَذَا) أَيْ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَقَوْلُهُ مَنْ تَطَبَّبَ: أَيْ ادَّعَى الطِّبَّ، وَقَوْلُهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيُعْلَمُ كَوْنُهُ عَارِفًا بِالطِّبِّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَالِمَيْنِ بِالطِّبِّ بِمَعْرِفَتِهِ، وَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِاشْتِهَارِهِ بِالْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ حُصُولِ الشِّفَاءِ بِمُعَالَجَتِهِ.
(قَوْلُهُ: فَهُوَ ضَامِنٌ) أَيْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ وَتَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ عَنْهُ إنْ كَانَتْ، وَإِلَّا فَبَيْتُ الْمَالِ إنْ كَانَ وَإِلَّا فَهُوَ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يُسَنُّ لَهُ) أَيْ لِلْجَلَّادِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (قَوْلُهُ: إنَّ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ فِي ضَمَانِ الْإِمَامِ دُونَ الْجَلَّادِ (قَوْلُهُ: غَيْرُ ظَاهِرٍ) وَيَنْبَغِي فَرْضُ الْكَلَامِ فِي غَيْرِ الْأَعْجَمِيِّ الَّذِي يَعْتَقِدُ وُجُوبَ طَاعَةِ الْآمِرِ، أَمَّا هُوَ فَالضَّمَانُ عَلَى آمِرِهِ إمَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ: فَالْأَوْجَهُ وُجُوبُهُ) أَيْ الْمَالِ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ أَيْ الْجَلَّادِ (قَوْلُهُ: فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ) وَهُوَ مَا لَوْ عَلِمَ ظُلْمَهُ، وَالْجَلَّادُ وَحْدَهُ فِي الثَّانِي وَهُوَ مَا لَوْ عَلِمَ خَطَأَهُ
(قَوْلُهُ: وَقَدْ اُخْتُتِنَ) أَيْ إبْرَاهِيمُ (قَوْلُهُ وَصَحَّ أَنَّهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ) أَيْ فِي بَيَانِ السِّنِّ الَّذِي اُخْتُتِنَ فِيهِ أَنَّهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ (قَوْلُهُ: بِالْقَدُومِ) وَالْقَدُومُ الَّتِي يُنْحَتُ بِهَا مُخَفَّفَةٌ.
قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: وَلَا تَقُولُ قَدُّومًا بِالتَّشْدِيدِ وَالْجَمْعُ قُدُمٌ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ وَتَقْلِيلُهُ) أَيْ الْمَقْطُوعِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَالْإِمَامُ هُوَ الْمُتَعَدِّي بِتَرْكِ بَحْثِهِ) عِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ: وَقَدْ يُنْسَبُ الْقَاضِي إلَى تَقْصِيرٍ فِي الْبَحْثِ
(قَوْلُهُ: فَالْأَوْجَهُ وُجُوبُهُ) اُنْظُرْ هَلْ الضَّمِيرُ لِلْقَوَدِ أَوْ الْمَالِ
(قَوْلُهُ: لِذَكَرٍ) يَجِبُ إسْقَاطُ اللَّامِ مِنْهُ لِأَنَّ الْمَتْنَ لَا تَنْوِينَ فِيهِ