وَحَسُنَ إعْدَادِهِ، لَكِنْ لَا يَجِبُ تَكْفِينُهُ فِيهِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ بَلْ لِلْوَارِثِ إبْدَالُهُ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ بِنَاءِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ ذَلِكَ عَلَى مَا لَوْ قَالَ اقْضِ دَيْنِي مِنْ هَذَا الْمَالِ الْوُجُوبُ، وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يُومِئُ إلَيْهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْمُتَّجَهُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَوْ نَزَعَ الثِّيَابَ الْمُلَطَّخَةَ بِالدَّمِ عَنْ الشَّهِيدِ وَكَفَّنَهُ فِي غَيْرِهَا جَازَ مَعَ أَنَّ فِيهَا أَثَرَ الْعِبَادَةِ الشَّاهِدَةِ لَهُ بِالشَّهَادَةِ فَهَذَا أَوْلَى انْتَهَى.
وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ فِي الْمَبْنِيِّ كَالْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ وَإِنْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ فِيهِ لِلْوَارِثِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ ثِيَابِ الشَّهِيدِ وَاضِحٌ، إذْ لَيْسَ فِيهَا مُخَالَفَةُ أَمْرِ الْمُورِثِ بِخِلَافِهِ فِيهِمَا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي كَيْفِيَّةِ حَمْلِ الْمَيِّتِ وَلَيْسَ فِي حَمْلِهِ دَنَاءَةٌ وَلَا سُقُوطُ مُرُوءَةٍ، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَإِكْرَامٌ لِلْمَيِّتِ فَقَدْ فَعَلَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَقَالَ (وَحَمْلُ الْجِنَازَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ التَّرْبِيعِ فِي الْأَصَحِّ) " لِحَمْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَحَمَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ " رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، الْأَوَّلَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَالثَّانِيَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ التَّرْبِيعُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَصْوَنُ لِلْمَيِّتِ، بَلْ حُكِيَ وُجُوبُهُ لِأَنَّ مَا دُونَهُ إزْرَاءٌ بِالْمَيِّتِ، هَذَا إنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالْأَفْضَلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُحْمَلَ تَارَةً بِهَيْئَةِ الْحَمْلِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَتَارَةً بِهَيْئَةِ التَّرْبِيعِ، ثُمَّ بَيَّنَ حَمْلَهَا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْحَمْلُ بَيْنَهُمَا (أَنْ يَضَعَ الْخَشَبَتَيْنِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ) أَيْ الْعَمُودَيْنِ (عَلَى عَاتِقِهِ) وَهُوَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ وَالْعُنُقِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ وَقِيلَ مُؤَنَّثٌ (وَرَأْسُهُ بَيْنَهُمَا وَيَحْمِلَ) الْخَشَبَتَيْنِ (الْمُؤَخَّرَتَيْنِ رَجُلَانِ) أَحَدُهُمَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَالْآخَرُ مِنْ الْأَيْسَرِ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ اثْنَانِ وَلَمْ يَعْكِسْ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَوْ تَوَسَّطَهُمَا كَانَ وَجْهُهُ لِلْمَيِّتِ فَلَا يَنْظُرُ إلَى مَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ، وَإِنْ وَضَعَ الْمَيِّتَ عَلَى رَأْسِهِ خَرَجَ عَنْ حَمْلِهِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَأَدَّى إلَى ارْتِفَاعِ مُؤَخِّرَةِ النَّعْشِ وَتَنَكُّسِ الْمَيِّتِ عَلَى رَأْسِهِ، فَلَوْ عَجَزَ عَنْ الْحَمْلِ أَعَانَهُ اثْنَانِ بِالْعَمُودَيْنِ وَيَأْخُذُ اثْنَانِ بِالْمُؤَخَّرَتَيْنِ فِي حَالِ الْعَجْزِ وَعَدَمِهِ، فَحَامِلُوهُ عِنْدَ فَقَدْ الْعَجْزِ ثَلَاثَةٌ وَمَعَ وُجُودِهِ خَمْسَةٌ، فَإِنْ عَجَزُوا فَسَبْعَةٌ أَوْ أَكْثَرُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ حَمْلَهَا عَلَى هَيْئَةِ التَّرْبِيعِ فَقَالَ (وَالتَّرْبِيعُ أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلَانِ) يَضَعُ أَحَدُهُمَا الْعَمُودَ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَالْآخَرُ عَكْسُهُ (وَيَتَأَخَّرَ آخَرَانِ) يَحْمِلَانِ كَذَلِكَ فَيَكُونُ الْحَامِلُونَ
[حاشية الشبراملسي]
اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجُهُ الْوُجُوبُ فِي الْمَبْنِيِّ) هُوَ قَوْلُهُ قَضِيَّتُهُ بِنَاءُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ كَالْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ هُوَ قَوْلُهُ عَلَى مَا لَوْ قَالَ اقْضِ دَيْنِي (قَوْلُهُ إذْ لَيْسَ فِيهَا مُخَالَفَةٌ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَحَلَّ وُجُوبِ التَّكْفِينِ فِيمَا أَعَدَّهُ لِنَفْسِهِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ إعْدَادِهِ كَفِّنُونِي فِي هَذَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
أَمَّا مَا أَعَدَّهُ بِلَا لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ التَّكْفِينِ فِيهِ كَأَنْ اسْتَحْسَنَ لِنَفْسِهِ ثَوْبًا أَوْ ادَّخَرَهُ وَدَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ أَنْ يَكُونَ كَفَنًا لَهُ فَلَا يَجِبُ التَّكْفِينُ فِيهِ.
نَعَمْ الْأَوْلَى ذَلِكَ كَمَا فِي ثِيَابِ الشَّهِيدِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى بَهْجَةٍ بَعْدُ مِثْلُ مَا ذَكَرَ مَا نَصُّهُ: قَدْ يُوَجَّهُ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ بِأَنَّ ادِّخَارَهُ بِقَصْدِ هَذَا الْغَرَضِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِالتَّكْفِينِ فِيهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَقَدْ فَعَلَهُ) وَتَشْيِيعُ الْجِنَازَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ مَا لَمْ يُخْشَ مِنْهُ فِتْنَةٌ أَيْ مِنْهُنَّ أَوْ عَلَيْهِنَّ وَإِلَّا حَرُمَ كَمَا هُوَ قِيَاسُ نَظَائِرِهِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَحَمَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْدَ) الْمُتَبَادِرُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاشَرَ حَمْلَهُ، وَيَجُوزُ أَنَّهُ أَمَرَ بِحَمْلِهِ كَذَلِكَ فَنُسِبَ إلَيْهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَعَلَّ الشَّارِحَ إنَّمَا لَمْ يَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ حَمْلَ الْجِنَازَةِ لَا دَنَاءَةَ فِيهِ إلَخْ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ يَفْعَلُ الْمَكْرُوهَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَيَكُونُ وَاجِبًا فِي حَقِّهِ لِكَوْنِهِ مُشَرِّعًا بِخِلَافِ الصَّحَابَةِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُذَكَّرٌ) هَذَا عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ مَا تَعَدَّدَ فِي الْإِنْسَانِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ فِي الْمَبْنِيِّ كَالْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ) أَيْ فِي الْكَفَنِ الَّذِي أَعَدَّهُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ وَظَاهِرُ السِّيَاقِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْوُجُوبِ فِي مَسْأَلَةِ الْكَفَنِ إذَا كَانَ مِنْ حِلٍّ أَوْ أَثَرِ ذِي صَلَاحٍ، وَقَضِيَّةُ الْبِنَاءِ عَلَى مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ الْإِطْلَاقِ فَلْيُرَاجَعْ.
[كَيْفِيَّةِ حَمْلَ الْمَيِّتِ]
(قَوْلُهُ: لِحَمْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ) أَيْ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، وَلَعَلَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ كَحَمْلِ
أَرْبَعَةً وَلِهَذَا سُمِّيَتْ هَدّه الْكَيْفِيَّةِ بِالتَّرْبِيعِ، فَإِنْ عَجَزَ الْأَرْبَعَةُ عَنْهَا حَمَلَهَا سِتَّةٌ أَوْ ثَمَانِيَةٌ، وَمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ يَحْمِلُ مِنْ جَوَانِبِ السَّرِيرِ أَوْ يُزَادُ أَعْمِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَحْتَ الْجِنَازَةِ كَمَا فُعِلَ بِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِبَدَانَتِهِ.
وَأَمَّا الصَّغِيرُ، فَإِنْ حَمَلَهُ وَاحِدٌ جَازَ لِعَدَمِ الْإِزْرَاءِ فِيهِ، وَمَنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ بِحَمْلِهَا بِهَيْئَةِ الْحَمْلِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ بَدَأَ بِحَمْلِ الْمُقَدَّمَ عَلَى كَتِفِهِ ثُمَّ بِالْعَمُودِ الْأَيْسَرِ الْمُؤَخَّرَ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا فَيَأْخُذُ الْأَيْمَنَ الْمُؤَخَّرَ أَوْ يَحْمِلُهَا بِالْهَيْئَتَيْنِ أَتَى فِيمَا يَظْهَرُ بِمَا أَتَى بِهِ فِي الْأُولَى وَيَحْمِلُ الْمُقَدَّمَ عَلَى كَتِفِهِ مُقَدَّمًا أَوْ مُؤَخَّرًا كَمَا بَحَثَهُ السُّبْكِيُّ، لَكِنَّهُ جَعَلَ حَمْلَ الْمُقَدَّمِ عَلَى كَتِفِهِ مُؤَخَّرًا وَلَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ.
[حاشية الشبراملسي]
مُؤَنَّثٌ (قَوْلُهُ: كَمَا فَعَلَ بِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِبَدَانَتِهِ) أَيْ سِمَنِهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا) وَإِنَّمَا طَلَبَ هَذَا دُونَ مَجِيئِهِ مِنْ خَلْفِهَا؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ أَقْرَبُ لِكَوْنِهِ أَمَامَ الْجِنَازَةِ وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
[فَائِدَةٌ] سُئِلَ أَبُو عَلِيٍّ النَّجَادِ عَنْ وُقُوفِ الْجِنَازَةِ وَرُجُوعِهَا فَقَالَ: يُحْتَمَلُ مَتَى كَثُرَتْ الْمَلَائِكَةُ بَيْنَ يَدَيْهَا رَجَعَتْ أَوْ وَقَفَتْ، وَمَتَى كَثُرَتْ خَلْفَهَا أَسْرَعَتْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلَوْمِ النَّفْسِ لِلْجَسَدِ وَلَوْمُ الْجَسَدِ لِلنَّفْسِ يَخْتَلِفُ حَالُهَا تَارَةً تُقَدِّمُ وَتَارَةً تُؤَخِّرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَقَاؤُهَا فِي حَالِ رُجُوعِهَا لِيَتِمَّ أَجَلُ بَقَائِهَا فِي الدُّنْيَا، وَسُئِلَ عَنْ خِفَّةِ الْجِنَازَةِ وَثِقَلِهَا فَقَالَ: إذَا خَفَّتْ فَصَاحِبُهَا شَهِيدٌ؛ لِأَنَّ الشَّهِيدَ حَيٌّ وَالْحَيُّ أَخَفُّ مِنْ الْمَيِّتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 169] الْآيَةُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي طَبَقَاتِهِ فِي تَرْجَمَةِ عُمَرَ أَبِي حَفْصٍ الْبَرْمَكِيِّ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الشَّامِيُّ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ فِي قَتْلِ أَبِي جَابِرٍ حَيْثُ قَالَ: وَقُتِلَ أَبُو جَابِرٍ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بْنِ حَرَامٍ بِالرَّاءِ، قَالَ ابْنُهُ جَابِرٍ: كَانَ أَبِي أَوَّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَتَلَهُ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ، وَقَدْ حَمَلَتْهُ أُخْتُهُ هِنْدٌ هِيَ وَزَوْجُهَا عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ وَابْنُهَا خَلَّادٌ عَلَى بَعِيرٍ وَرَجَعَتْ بِهِمْ إلَى الْمَدِينَةِ، فَلَقِيَتْهَا عَائِشَةُ وَقَالَتْ لَهَا: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَتْ: أَخِي وَابْنِي خَلَّادٌ وَزَوْجِي عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ، قَالَتْ: فَأَيْنَ تَذْهَبِينَ بِهِمْ؟ قَالَتْ: إلَى الْمَدِينَةِ أُقْبِرُهُمْ فِيهَا، ثُمَّ زَجَرَتْ بَعِيرَهَا فَبَرَكَ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: لِمَا عَلَيْهِ: أَيْ بَرَكَ لِثِقَلِ مَا عَلَيْهِ، قَالَتْ: مَا ذَاكَ بِهِ فَإِنَّهُ لَرُبَّمَا حَمَلَ مَا يَحْمِلُ بَعِيرَانِ وَلَكِنْ أَرَاهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَزَجَرَتْهُ ثَانِيًا فَقَامَ وَبَرَكَ، فَوَجَّهَتْهُ رَاجِعَةً إلَى أُحُدٍ فَأَسْرَعَ، فَرَجَعَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: إنَّ الْجَمَلَ مَأْمُورٌ، هَلْ قَالَ عَمْرٌو شَيْئًا؟ قَالَتْ: إنَّهُ لَمَّا تَوَجَّهَ إلَى أُحُدٍ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَرُدَّنِي إلَى أَهْلِي وَارْزُقْنِي الشَّهَادَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَلِذَلِكَ الْجَمَلُ لَا يَمْضِي، إنَّ فِيكُمْ مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ، وَلَقَدْ رَأَيْته يَطَأُ بِعَرْجَتِهِ فِي الْجَنَّةِ اهـ مُلَخَّصًا.
وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي عَدَمِ سَيْرِ الْجَمَلِ إلَى الْمَدِينَةِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ فَلِذَلِكَ الْجَمَلُ لَا يَمْضِي، أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ نَزَلَ الْأَمْرُ بِدَفْنِهِمْ ثَمَّةَ، وَلِذَلِكَ لَمَّا أَرَادَ أَهْلُ الْقَتْلَى أَخْذَهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَادِيَهُ فَنَادَى رُدُّوا الْقَتْلَى إلَى مَضَاجِعِهِمْ (قَوْلُهُ: وَيَحْمِلُ الْمُقَدَّمَ) بِأَنْ يَجْعَلَ الْعَمُودَ الْأَيْمَنَ مِنْ الْمُقَدَّمِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ مَرَّةً، وَالْعَمُودَ
[حاشية الرشيدي]
بِالْكَافِ كَمَا هُوَ كَذَلِكَ فِي عِبَارَةِ الْمَحَلِّيِّ، وَأَسْقَطَ الْكَتَبَةُ جَرَّةَ الْكَافِ (قَوْلُهُ: أَوْ يَحْمِلُهَا بِالْهَيْئَتَيْنِ أَتَى فِيمَا يَظْهَرُ بِمَا أَتَى بِهِ فِي الْأُولَى) أَيْ فِي هَيْئَةِ التَّرْبِيعِ، وَقَوْلُهُ: وَيَحْمِلُ الْمُقَدَّمُ عَلَى كَتِفَيْهِ: أَيْ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَيَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ كُلٌّ مِنْ الْهَيْئَتَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَعِبَارَةُ ابْنِ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَضَعَ يَاسِرَةَ السَّرِيرِ الْمُقَدَّمَةِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ يَاسِرَتَهُ الْمُؤَخَّرَةَ ثُمَّ يَدُورُ مِنْ أَمَامِهَا حَتَّى لَا يَمْشِيَ خَلْفَهَا فَيَضَعُ يَامِنَةَ السَّرِيرِ الْمُقَدَّمَةِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَامِنَتَهُ الْمُؤَخَّرَةَ فَيَكُونُ قَدْ حَمَلَهَا عَلَى التَّرْبِيعِ ثُمَّ يُدْخِلُ رَأْسَهُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْكَيْفِيَّتَيْنِ.
انْتَهَتْ.
وَبِهَا يُعْلَمُ مَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ نِعْمَ مَا اقْتَضَتْهُ ثُمَّ فِي كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ مِنْ تَأْخِيرٍ إدْخَالُ رَأْسِهِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ عَنْ حَمْلِهِ بِهَيْئَةِ التَّرْبِيعِ لَيْسَ بِقَيْدٍ فِي جَمْعِهِ بَيْنَ الْهَيْئَتَيْنِ كَمَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ مُقَدَّمًا أَوْ مُؤَخَّرًا كَمَا بَحَثَهُ السُّبْكِيُّ.
الْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ (وَ) يُسَنُّ (الْمَشْيُ) لِلْمُشَيِّعِ لَهَا وَيُكْرَهُ لَهُ الرُّكُوبُ فِي ذَهَابِهِ مَعَهَا "؛ لِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى نَاسًا رُكَّابًا فِي جِنَازَةٍ فَقَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ، إنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ» هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، فَإِنْ كَانَ بِهِ كَمَرَضٍ فَلَا، وَلَا كَرَاهَةَ فِي الرُّكُوبِ فِي الْعَوْدِ كَمَا سَيَأْتِي:.
وَيُسَنُّ كَوْنُهُ (أَمَامَهَا) لِلِاتِّبَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ شَافِعٌ وَحَقُّ الشَّافِعِ التَّقَدُّمُ، وَأَمَّا خَبَرُ «امْشُوا خَلْفَ الْجِنَازَةِ» فَضَعِيفٌ، وَشَمَلَ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ رَاكِبًا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ، وَنَقَلَهُ فِيهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ تَبَعًا لِلْخَطَّابِيِّ، وَلَوْ مَشَى خَلْفَهَا حَصَلَ لَهُ فَضِيلَةُ أَصْلِ الْمُتَابَعَةِ دُونَ كَمَالِهَا، وَلَوْ تَقَدَّمَ إلَى الْمَقْبَرَةِ لَمْ يُكْرَهْ، ثُمَّ هُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَامَ حَتَّى تُوضَعَ الْجِنَازَةُ وَإِنْ شَاءَ قَعَدَ.
(وَ) يُسَنُّ كَوْنُهُ (بِقُرْبِهَا) بِحَيْثُ لَوْ الْتَفَتَ رَآهَا فَهُوَ (أَفْضَلُ) مِنْ بُعْدِهَا فَلَا يَرَاهَا لِكَثْرَةِ الْمَاشِينَ مَعَهَا (وَيُسْرَعُ بِهَا) اسْتِحْبَابًا بِأَنْ يَذْهَبَ بِهَا فَوْقَ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ، وَدُونَ الْخَبَبُ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ الضُّعَفَاءُ، فَإِنْ خِيفَ تَغَيُّرُهُ بِالتَّأَنِّي زِيدَ فِي الْإِسْرَاعِ لِخَبَرِ «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» هَذَا (إنْ لَمْ يَخَفْ تَغَيُّرَهُ) أَيْ الْمَيِّتِ بِالْإِسْرَاعِ وَإِلَّا فَيُتَأَنَّى بِهِ، وَلَوْ مَرَّتْ عَلَيْهِ جِنَازَةٌ اُسْتُحِبَّ الْقِيَامُ لَهَا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحَيْ الْمُهَذَّبِ وَمُسْلِمٍ، وَجَزَمَ ابْنُ الْمُقْرِي بِكَرَاهَتِهِ.
وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ عَنْ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِيَامِ فِيهَا مَنْسُوخٌ، وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ أَنْ يَدْعُوَا لَهَا وَيُثْنَى عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَأَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ أَوْ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ اهـ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا رَأَى جِنَازَةً قَالَ: هَذَا مَا وَعَدَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ زِدْنَا إيمَانًا وَتَسْلِيمًا " ثُمَّ أَسْنَدَ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ رَأَى جِنَازَةً فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ هَذَا مَا وَعَدَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ اللَّهُمَّ زِدْنَا إيمَانًا وَتَسْلِيمًا، كُتِبَ لَهُ عِشْرُونَ حَسَنَةً»
[حاشية الشبراملسي]
الثَّانِيَ مِنْ الْمُقَدَّمِ أَيْضًا مَرَّةً عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ مَرَّةً وَيُقَدِّمُ أَيَّهُمَا شَاءَ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ الْيَمِينِ، وَإِذَا أَرَادَ حَمْلَ الثَّانِي تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهَا ثُمَّ أَخَذَهُ (قَوْلُهُ إنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ) هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ كَيْفَ لَا يَسْتَحِي؟ فَقَالَ: إنَّ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ كَوْنُهُ أَمَامَهَا) أَيْ وَلَوْ كَانَ بَعِيدًا وَلَوْ مَشَى خَلْفَهَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهَا فِيمَا يَظْهَرُ، وَبَقِيَ مَا لَوْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ الرُّكُوبُ أَمَامَهَا مَعَ الْقُرْبِ وَالْمَشْيِ أَمَامَهَا مَعَ الْبُعْدِ هَلْ يُقَدِّمُ الْأَوَّلَ أَوْ الثَّانِيَ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ الرُّكُوبِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةَ وَلَوْ تَعَارَضَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ فَانْظُرْ مَاذَا يُرَاعَى اهـ وَالْأَقْرَبُ مُرَاعَاةُ الْإِمَامِ وَإِنْ بَعُدَ.
(قَوْلُهُ: بِحَيْثُ لَوْ الْتَفَتَتْ رَآهَا) زَادَ حَجّ رُؤْيَةً كَامِلَةً، وَضَابِطُهُ أَنْ لَا يَبْعُدَ عَنْهَا بُعْدًا يَقْطَعُ عِرْقًا نِسْبَتُهُ إلَيْهَا اهـ (قَوْلُهُ: زِيدَ فِي الْإِسْرَاعِ) أَيْ وُجُوبًا (قَوْلُهُ: اُسْتُحِبَّ الْقِيَامُ لَهَا) أَيْ كَبِيرًا كَانَ الْمَيِّتُ أَوْ صَغِيرًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّعْظِيمُ لِلْمَيِّتِ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَاَلَّذِي قَالَهُ الْمُتَوَلِّي هُوَ الْمُخْتَارُ، وَقَدْ صَحَّتْ الْأَحَادِيثُ بِالْأَمْرِ بِالْقِيَامِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْقُعُودِ شَيْءٌ إلَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي النَّسْخِ (قَوْلُهُ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِيَامِ فِيهَا مَنْسُوخٌ) أَيْ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا (قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ أَهْلًا لِذَلِكَ) أَيْ فَإِذَا كَانَتْ غَيْرَ أَهْلٍ فَهَلْ يَذْكُرُهَا بِمَا هِيَ أَهْلٌ لَهُ أَوْ لَا يَذْكُرُ شَيْئًا نَظَرًا إلَى أَنَّ السَّتْرَ مَطْلُوبٌ، أَوْ يُبَاحُ لَهُ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ «مُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهِ شَرًّا فَقَالَ وَجَبَتْ» وَلَمْ يَنْهَهُمْ عَنْ ذَلِكَ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْغَاسِلَ لَوْ رَأَى مَا يَكْرَهُ مِنْ الْمَيِّتِ يَكْتُمُهُ (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ جِنَازَةَ كَافِرٍ (قَوْلُهُ: وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَوْ قِيلَ بِتَكْرِيرِهِ ثَلَاثًا لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا.
. .
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ غَيْرِ الشَّهِيدِ وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَالْإِيصَاءِ بِالثُّلُثِ كَمَا قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا وَرَدَ مِنْ تَغْسِيلِ الْمَلَائِكَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَيْهِ وَقَوْلِهِمْ يَا بَنِي آدَمَ هَذِهِ سُنَّتُكُمْ فِي مَوْتَاكُمْ، لِجَوَازِ حَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى أَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ بِالنَّظَرِ لِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ وَالثَّانِي عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ (لِصَلَاتِهِ أَرْكَانٌ) سَبْعَةٌ (أَحَدُهَا النِّيَّةُ) كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَوَقْتُهَا) هُنَا (كَغَيْرِهَا) أَيْ كَوَقْتِ نِيَّةِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي وُجُوبِ قَرْنِ النِّيَّةِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (وَتَكْفِي) فِيهَا (نِيَّةُ) مُطْلَقِ (الْفَرْضِ) وَإِنْ لَمْ يَقُلْ كِفَايَةً كَمَا تَكْفِي نِيَّةُ الْفَرْضِ فِي إحْدَى الْخَمْسِ وَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْهَا بِالْعَيْنِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ تَعَيُّنُ نِيَّةٍ الْفَرْضِيَّةِ كَمَا فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَلَوْ فِي صَلَاةِ امْرَأَةٍ مَعَ رِجَالٍ، وَلَا تُشْتَرَطُ الْإِضَافَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَخْذًا مِمَّا مَرَّ.
نَعَمْ تُسَنُّ وَقِيَاسُهُ نَدْبُ قَوْلِهِ مُسْتَقْبِلًا،
[حاشية الشبراملسي]
[فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ غَيْرِ الشَّهِيدِ]
فَصْلٌ) فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ) [تَنْبِيهٌ] هَلْ شُرِعَتْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِمَكَّةَ أَوْ لَمْ تُشْرَعْ بِالْمَدِينَةِ؟ لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ تَصْرِيحًا، وَظَاهِرُ حَدِيثِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَبْرِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَكَانَ مَاتَ قَبْلَ قُدُومِهِ لَهَا بِشَهْرٍ» كَمَا قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ وَمَا فِي الْإِصَابَةِ عَنْ الْوَاقِدِيِّ وَأَقَرَّهُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ لَمْ تَكُنْ شُرِعَتْ يَوْمَ مَوْتِ خَدِيجَةَ، وَمَوْتُهَا بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِعَشْرِ سِنِينَ عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ بِمَكَّةَ بَلْ بِالْمَدِينَةِ اهـ حَجّ.
وَإِنَّمَا قَالَ: وَظَاهِرُ حَدِيثِ أَنَّهُ إلَخْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا شُرِعَتْ بِمَكَّةَ بَعْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ وَقَبْلَ الْهِجْرَةِ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ) أَيْ وَهُوَ يَحْصُلُ بِالدُّعَاءِ، وَالثَّانِي هُوَ قَوْلُهُ وَقَوْلُهُمْ يَا بَنِي آدَمَ إلَخْ، وَالْأَوَّلُ هُوَ قَوْلُهُ مَا وَرَدَ مِنْ تَغْسِيلِ الْمَلَائِكَةِ آدَمَ.
. إلَخْ (قَوْلُهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ) أَيْ الْمَفْرُوضَةِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ مُطْلَقَ الصَّلَوَاتِ يَشْمَلُ النَّفَلَ الْمُطْلَقَ، وَيَكْفِي فِيهِ مُطْلَقُ الْقَصْدِ لِلْفِعْلِ كَذَا قِيلَ، وَهُوَ إنَّمَا يَأْتِي لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَنِيَّتُهَا كَغَيْرِهَا، وَأَمَّا حَيْثُ قَالَ: وَوَقْتُهَا كَوَقْتِ غَيْرِهَا اُعْتُبِرَ التَّعْمِيمُ فَإِنَّ وَقْتَ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، نَعَمْ قَوْلُهُ قَبْلُ كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ شَامِلٌ لِلنَّفْلِ لَكِنَّ قَوْلَهُ وَيَكْفِي فِيهَا نِيَّةُ مُطْلَقِ الْفَرْضِ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ الْفَرَائِضُ (قَوْلُهُ: وَتَكْفِي فِيهَا نِيَّةُ مُطْلَقُ الْفَرْضِ) يَنْبَغِي كِفَايَةُ نِيَّةِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَإِنْ عَرَضَ تَعْيِينُهَا لِأَنَّهُ عَارِضٌ م ر اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ فِي صَلَاةِ امْرَأَةٍ) مَعَ رِجَالٍ أَوْ صَبِيٍّ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِيهِ شَرْحُ عب لحج اهـ سم عَلَيْهِ.
وَالرَّاجِحُ مِنْ الْخِلَافِ عِنْدَ الشَّارِحِ عَدَمُ الْوُجُوبِ عَلَى الصَّبِيِّ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ الْمَكْتُوبَةِ حَيْثُ كَانَ الْمُعْتَمَدُ فِيهَا عَدَمَ الْوُجُوبِ بِأَنَّ صَلَاةَ الصَّبِيِّ هُنَا تُسْقِطُ الْفَرْضَ عَنْ الْمُكَلَّفِينَ مَعَ وُجُودِهِمْ، فَيَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ مَنْزِلَةَ الْفَرْضِ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَجِبُ فِي الْمَكْتُوبَةِ؛ لِأَنَّ الْمَكْتُوبَةَ مِنْهُ لَا تُسْقِطُ الْحَرَجَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا هِيَ فَرْضٌ فِي حَقِّهِ فَقَوِيَتْ جِهَةُ النَّفْلِيَّةِ فِيهَا فَلَمْ تُشْتَرَطْ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ، بِخِلَافِ صَلَاتِهِ عَلَى الْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا لَمَّا أَسْقَطَتْ الْفَرْضَ عَنْ غَيْرِهِ قَوِيَتْ مُشَابَهَتُهَا لِلْفَرْضِ، لَكِنْ قَالَ سم عَلَى بَهْجَةٍ فِيمَا لَوْ كَانَ مَعَ النِّسَاءِ صَبِيٌّ يَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ أَمْرُهُ بِهَا، بَلْ وَضَرْبُهُ عَلَيْهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِنَّ أَمْرُهُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْمَكْتُوبَاتِ الْخَمْسِ م ر اهـ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ إذَا صَلَّى مَعَ رِجَالٍ لَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ، وَفِي أَنَّهُ إذَا
[حاشية الرشيدي]
فَصْلٌ) فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ: لِجَوَازِ حَمْلِ الْأُوَلِ) أَيْ كَلَامُ الْفَاكِهَانِيِّ وَقَوْلُهُ: وَالثَّانِي أَيْ قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ مَا ذُكِرَ
وَلَا يُتَصَوَّرُ هُنَا نِيَّةُ أَدَاءً وَضِدُّهُ قِيلَ وَلَا نِيَّةُ عَدَدٍ وَقَدْ يُقَالُ مَا الْمَانِعُ مِنْ نَدْبِ نِيَّةِ عَدَدِ التَّكْبِيرَاتِ لِمَا يَأْتِي أَنَّهَا بِمَثَابَةِ الرَّكَعَاتِ (وَقِيلَ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ فَرْضِ كِفَايَةٍ) تَعَرُّضًا لِكَمَالِ وَصْفِهَا (وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ) الْحَاضِرِ وَلَا مَعْرِفَتُهُ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ، بَلْ يَكْفِي قَصْدُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ الْإِمَامُ اكْتِفَاءً بِنَوْعِ تَمْيِيزٍ، أَمَّا لَوْ صَلَّى عَلَى غَائِبٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ بِقَلْبِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عُجَيْلٍ وَإِسْمَاعِيلُ الْحَضْرَمِيُّ، وَعُزِيَ إلَى الْبَسِيطِ وَوَجَّهَهُ الْأَصْبَحِيُّ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الْمَوْتِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَهُمْ غَائِبُونَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الَّذِي يُصَلَّى عَلَيْهِ مِنْهُمْ.
نَعَمْ لَوْ صَلَّى إمَامٌ عَلَى غَائِبٍ فَنَوَى الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ الْإِمَامُ كَفَى كَالْحَاضِرِ (فَإِنْ) (عَيَّنَ) الْمَيِّتَ الْحَاضِرَ أَوْ الْغَائِبَ كَأَنْ صَلَّى عَلَى زَيْدٍ أَوْ عَلَى الْكَبِيرِ أَوْ الذَّكَرِ مِنْ أَوْلَادِهِ (وَأَخْطَأَ) فَبَانَ عَمْرًا أَوْ الصَّغِيرَ أَوْ الْأُنْثَى (بَطَلَتْ) أَيْ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ هَذَا إنْ لَمْ يُشِرْ، فَإِنَّ أَشَارَ إلَيْهِ صَحَّتْ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ (وَإِنْ حَضَرَ مَوْتَى نَوَاهُمْ) أَوْ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَدَدَهُمْ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: فَلَوْ صَلَّى عَلَى بَعْضِهِمْ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ ثُمَّ صَلَّى عَلَى الْبَاقِي كَذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ.
قَالَ: وَلَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُمْ عَشَرَةٌ فَبَانُوا أَحَدَ عَشَرَ أَعَادَ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ.
قَالَ: وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُمْ أَحَدَ عَشَرَ فَبَانُوا عَشَرَةً
[حاشية الشبراملسي]
صَلَّى وَحْدَهُ مَعَ وُجُودِ الرِّجَالِ بِلَا صَلَاةٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ لِإِسْقَاطِ الصَّلَاةِ عَنْهُمْ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَلَا يُتَصَوَّرُ هُنَا نِيَّةُ أَدَاءً وَضِدُّهُ) أَيْ فَلَوْ نَوَى الْأَدَاءَ أَوْ الْقَضَاءَ الْحَقِيقِيَّةَ بَطَلَتْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَطْلَقَ أَوْ نَوَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ فَلَا تَبْطُلُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ إلَخْ) سَبَقَهُ إلَيْهِ حَجّ (قَوْلُهُ: وَقَدْ قِيلَ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ فَرْضِ كِفَايَةٍ) قَالَ حَجّ: لِيَتَمَيَّزَ عَنْ فَرْضِ الْعَيْنِ، وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ يَكْفِي مُمَيِّزًا بَيْنَهُمَا اخْتِلَافُ مَعْنَى الْفَرْضِيَّةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْفَرْضَ الْمُضَافَ لِلْمَيِّتِ مَعْنَاهُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ، وَالْمُضَافُ لِإِحْدَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مَعْنَاهُ الْفَرْضُ الْعَيْنِيُّ، فَكَأَنَّ الْفَرْضَ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ بِوَضْعَيْنِ، وَالْأَلْفَاظُ مَتَى أُطْلِقَتْ أَوْ لُوحِظَتْ حُمِلَتْ عَلَى مَعْنَاهَا الْوَضْعِيِّ وَهُوَ الْكِفَايَةُ فِي الْجِنَازَةِ وَالْعَيْنِيُّ فِي غَيْرِهَا وَبِهَذَا يُجَابُ عَمَّا أَوْرَدَهُ سم هُنَا (قَوْلُهُ: بِقَلْبِهِ) أَيْ لَا بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ (قَوْلُهُ: الْأَصْبَحِيُّ) قَالَ فِي اللُّبِّ هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا آخِرَةٌ مُهْمَلَةٌ إلَى أَصْبَحَ قَبِيلَةٌ مِنْ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ (قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ) أَيْ بِقَلْبِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ الصَّغِيرِ أَوْ الْأُنْثَى) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ ذَكَرًا أَوْ امْرَأَةً فَبَانَ خُنْثَى عَدَمُ الْبُطْلَانِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ الْمَانِعَ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ يَظُنُّهُ رَجُلًا فَبَانَ خُنْثَى حَيْثُ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِأَنَّهُ ثَمَّ رَبَطَ صَلَاتَهُ بِمَنْ لَا تَصْلُحُ صَلَاتُهُ لِلرَّبْطِ، وَهُنَا نَوَى عَلَى مَنْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَسَمَّاهُ بِاسْمٍ مُحْتَمَلٍ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْخَطَأُ فِيهِ، وَأَمَّا لَوْ عَيَّنَ خُنْثَى فَبَانَ ذَكَرًا أَوْ امْرَأَةً فَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الصِّحَّةِ لِمُبَايَنَةِ الْأُنْثَى أَوْ الذَّكَرِ لِصِفَةِ الْخُنُوثَةِ وَيَحْتَمِلُ الصِّحَّةُ كَمَا لَوْ قَالَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فَبَانَ خُنْثَى بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَشَارَ) أَيْ بِقَلْبِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ) أَيْ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ صَلَّى عَلَى بَعْضِهِمْ) وَمِنْهُ مَا لَوْ عَيَّنَ الْبَعْضَ بِالْجُزْئِيَّةِ كَالثُّلُثِ أَوْ الرُّبُعِ (قَوْلُهُ: أَعَادَ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَمِيعِ) يُتَّجَهُ أَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يُلَاحِظْ الْأَشْخَاصَ اهـ سم عَلَى حَجّ: أَيْ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُعِيدَهَا عَلَيْهِمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ، وَلَا يَضُرُّ تَرَدُّدُهُ فِي النِّيَّةِ لِلضَّرُورَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي الْإِعَادَةِ نَوَيْت الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ يُشْعِرُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِمْ إلَخْ بِخِلَافِهِ، وَجَعَلَهُ الدَّمِيرِيِّ احْتِمَالًا حَيْثُ قَالَ بَعْدَ مِثْلِ قَوْلِ الشَّارِحِ عَلَى الْجَمِيعِ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعِيدَهَا عَلَى الْحَادِيَ عَشَرَ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ فَيَقُولُ نَوَيْت الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ أَوَّلًا اهـ.
وَيُؤَيِّدُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ صَلَّى عَلَى غَائِبٍ) أَيْ مَخْصُوصٍ، فَلَا يُنَافِي مَا سَيَأْتِي مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ مَاتَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَفْضَلِ الْأَرْضِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُشِرْ) أَيْ فِي الْحَاضِرَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
فَالْأَظْهَرُ الصِّحَّةُ.
قَالَ: وَلَوْ صَلَّى عَلَى حَيٍّ وَمَيِّتٍ صَحَّتْ عَلَى الْمَيِّتِ إنْ جَهِلَ الْحَالَ وَإِلَّا فَلَا كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ، أَوْ عَلَى مَيِّتَيْنِ ثُمَّ نَوَى قَطْعَهَا عَنْ أَحَدِهِمَا بَطَلَتْ وَلَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ بِالصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ حَضَرَتْ أُخْرَى وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ تُرِكَتْ حَتَّى يَفْرُغَ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا أَوَّلًا، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَيَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ نِيَّةُ الِاقْتِدَاءِ أَوْ الْجَمَاعَةِ الْإِمَامِ كَمَا مَرَّ فِي صِفَةِ الْأَئِمَّةِ، وَلَا يَقْدَحُ اخْتِلَافُ نِيَّتِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي (الثَّانِي) مِنْ الْأَرْكَانِ (أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ) لِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا» (فَإِنْ خَمَّسَ) وَلَوْ عَمْدًا (لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّهَا لَا تُخِلَّ بِالصَّلَاةِ، وَلَوْ نَوَى بِتَكْبِيرِهِ الرُّكْنِيَّةَ خِلَافًا لِجَمْعٍ مُتَأَخِّرِينَ، وَمُقْتَضَى الْعِلَّةِ وَكَلَامِ جَمْعٍ مِنْهُمْ الرُّويَانِيُّ عَدَمُ الْبُطْلَانِ بِمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِ
[حاشية الشبراملسي]
الْأَوَّلَ قَوْلُ الشَّارِحِ: قَالَ الرُّويَانِيُّ: فَلَوْ صَلَّى عَلَى بَعْضِهِمْ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَالْأَظْهَرُ الصِّحَّةُ) وَبَقِيَ مَا لَوْ قَالَ: نَوَيْت الصَّلَاةَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْعَشَرَةِ مِنْ الرِّجَالِ وَكَانَ فِيهِمْ امْرَأَةٌ، هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا فَقَدْ جَمَعَ فِي نِيَّتِهِ بَيْنَ مَنْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَمَنْ لَا تَصِحُّ وَهُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ، وَيَحْتَمِلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ الصِّحَّةَ كَمَنْ نَوَى عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ الرِّجَالِ فَبَانُوا تِسْعَةً، وَكَمَنْ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى حَيٍّ وَمَيِّتٍ جَاهِلًا بِالْحَالِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ نَوَى قَطْعَهَا عَنْ أَحَدِهِمَا بَطَلَتْ) أَيْ فِيهِمَا (قَوْلُهُ تُرِكَتْ) أَيْ وُجُوبًا، فَلَوْ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَيْهَا عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ فِي صِفَةِ الْأَئِمَّةِ) ذَكَرَهُ تَتْمِيمًا لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّيَّةِ، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ الِاقْتِدَاءَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِالْمُتَابَعَةِ فِي تَكْبِيرِهِ عَلَى مَا مَرَّ بِأَنْ يَقْصِدَ إيقَاعَ تَكْبِيرِهِ بَعْدَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ لِأَجْلِهِ بَعْدَ انْتِظَارٍ كَثِيرٍ (قَوْلُهُ: وَلَا يَقْدَحُ اخْتِلَافُ نِيَّتِهِمَا) هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ وَإِنْ صَلَّى الْمَأْمُومُ عَلَى غَيْرِ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ الْإِمَامُ (قَوْلُهُ: صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَمَا دُفِنَ) أَيْ صَاحِبُهُ وَلَمْ يُبَيَّنْ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ، وَتَقَدَّمَ فِي التَّنْبِيهِ السَّابِقِ عَنْ حَجّ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ هَذَا وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ خَمَّسَ) قَالَ حَجّ مَثَلًا (قَوْلُهُ: وَلَوْ نَوَى بِتَكْبِيرِهِ الرُّكْنِيَّةَ) غَايَةٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِهِ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ أَوْ لَا، وَلَوْ قِيلَ بِالضَّرَرِ فِي الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُغْتَفَرُ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ.
وَفِي سم عَلَى حَجّ: لَوْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ مُعْتَقِدًا وُجُوبَ الْجَمِيعِ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَضُرَّ كَمَا لَوْ اعْتَقَدَ جَمِيعَ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فُرُوضًا، وَقَدْ يُفَرَّقُ: أَيْ فَيُقَالُ هُنَا بِالْبُطْلَانِ مُطْلَقًا بِأَنَّ تِلْكَ الْأَفْعَالَ مَطْلُوبَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَضُرُّ اعْتِقَادُهَا فُرُوضًا، بِخِلَافِ الزَّائِدِ عَلَى الْأَرْبَعِ هُنَا فَإِنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ رَأْسًا، وَقَدْ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُ الشَّارِحِ: وَإِنْ نَوَى بِتَكْبِيرِهِ الرُّكْنِيَّةَ، بَلْ إنْ أَرَادَ بِنَوَى اعْتَقَدَ كَانَتْ هِيَ الْمَسْأَلَةُ (قَوْلُهُ: بِمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِ) أَيْ وَلَوْ كَثُرَ جِدًّا بَلْ تُكْرَهُ لِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا لِلْخِلَافِ فِي الْبُطْلَانِ بِهَا، وَحَيْثُ زَادَ فَالْأَوْلَى لَهُ الدُّعَاءُ مَا لَمْ يُسَلِّمْ لِبَقَائِهِ حُكْمًا فِي الرَّابِعَةِ وَالْمَطْلُوبُ فِيهَا الدُّعَاءُ حَتَّى وَلَمْ يَكُنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُولَى أَجْزَأَتْهُ حِينَئِذٍ فِيمَا يَظْهَرُ، ثُمَّ رَأَيْت سم عَلَى حَجّ صَرَّحَ بِمَا اسْتَظْهَرْنَاهُ.
[فَرْعٌ] لَوْ زَادَ الْإِمَامُ وَكَانَ الْمَأْمُومُ مَسْبُوقًا فَأَتَى بِالْأَذْكَارِ الْوَاجِبَةِ فِي التَّكْبِيرَاتِ الزَّائِدَةِ كَأَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ الْخَامِسَةِ فَقَرَأَ ثُمَّ لَمَّا كَبَّرَ الْإِمَامُ السَّادِسَةَ كَبَّرَهَا مَعَهُ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لَمَّا كَبَّرَ السَّابِعَةَ كَبَّرَهَا مَعَهُ ثُمَّ دَعَا لِلْمَيِّتِ ثُمَّ لَمَّا كَبَّرَ الثَّامِنَةَ كَبَّرَهَا مَعَهُ وَسَلَّمَ مَعَهُ هَلْ يُحْسَبُ لَهُ ذَلِكَ وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهَا زَائِدَةٌ أَوْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَا يَقْدَحُ اخْتِلَافُ نِيَّتِهِمَا) أَيْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَسَائِلِ الْمَنْثُورَةِ أَنَّهُ إذَا نَوَى الْإِمَامُ عَلَى حَاضِرٍ وَالْمَأْمُومُ عَلَى غَائِبٍ أَوْ عَكْسُهُ صَحَّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ عَمْدًا) يَجِبُ حَذْفُ لَفْظِ وَلَوْ، إذْ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي حَالَةِ الْعَمْدِ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا لَمْ تَبْطُلْ جَزْمًا
أَيْضًا وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنَّ الْأَرْبَعَ أَوْلَى لِتَقَرُّرِ الْأَمْرِ عَلَيْهَا مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ، وَتَشْبِيهِ التَّكْبِيرَةِ بِالرَّكْعَةِ فِيمَا يَأْتِي مَحَلُّهُ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ فِي الْمُتَابَعَةِ حِفْظًا عَلَى تَأَكُّدِهَا.
نَعَمْ لَوْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ عَمْدًا مُعْتَقِدًا الْبُطْلَانَ بَطَلَتْ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ، فَإِنْ كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ جَزْمًا وَلَا مَدْخَلَ لِسُجُودِ السَّهْوِ فِيهَا، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ تَبْطُلُ كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ أَوْ رُكْنٍ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ (وَلَوْ خَمَّسَ) أَيْ كَبَّرَ (إمَامُهُ) فِي صَلَاتِهِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ وَقُلْنَا لَا تَبْطُلُ (لَمْ يُتَابِعْهُ) الْمَأْمُومُ (فِي الْأَصَحِّ) أَيْ لَا تُسَنُّ لَهُ مُتَابَعَتُهُ فِي الزَّائِدِ لِعَدَمِ سَنِّهِ لِلْإِمَامِ (بَلْ يُسَلِّمُ أَوْ يَنْتَظِرُهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ) وَهُوَ أَفْضَلُ لِتَأَكُّدِ الْمُتَابَعَةِ وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يُتَابِعُهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْبُطْلَانِ فَارَقَهُ، وَمَا قَرَرْت بِهِ كَلَامُهُ مِنْ عَدَمِ سُنِّيَّةِ الْمُتَابَعَةِ وَأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِمُتَابَعَتِهِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْقَوْلُ بِخِلَافِهِ مَمْنُوعٌ (الثَّالِثُ) مِنْ الْأَرْكَانِ (السَّلَامُ) بَعْدَ تَمَامِ تَكْبِيرَاتِهَا وَقَدَّمَهُ ذِكْرًا مَعَ تَأَخُّرِهِ رُتْبَةً اقْتِفَاءً بِالْأَصْحَابِ فِي تَقْدِيمِهِمْ مَا يَقِلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ تَقْرِيبًا عَلَى الْأَفْهَامِ وَهُوَ فِيهَا (كَغَيْرِهَا)
[حاشية الشبراملسي]
جَهِلَ ذَلِكَ؟ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ تُحْسَبُ الرَّكْعَةُ الزَّائِدَةُ لِلْمَسْبُوقِ إذَا أَدْرَكَ الْقِرَاءَةَ فِيهَا وَكَانَ جَاهِلًا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِزِيَادَتِهَا بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ هُنَا جَائِزَةٌ لِلْإِمَامِ مَعَ عِلْمِهِ وَتَعَمُّدِهِ بِخِلَافِهَا هُنَاكَ أَوْ يَتَقَيَّدُ الْجَوَازُ هُنَا بِالْجَهْلِ كَمَا هُنَاكَ؟ فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُحَرَّرْ.
وَمَالَ م ر لِلْأَوَّلِ فَلْيُحَرَّرْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي التَّسْوِيَةِ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْأَرْبَعِ أَذْكَارٌ مَحْضَةٌ لِلْإِمَامِ، فَالْمَسْبُوقُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا أَتَى بِتَكْبِيرَاتِهِ كُلِّهَا بَعْدَ الرَّابِعَةِ لِلْإِمَامِ وَهُوَ لَوْ فَعَلَ فِيهَا ذَلِكَ لَمْ تُحْسَبْ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ.
[فَرْعٌ] مُوَافِقٌ فِي الْجِنَازَةِ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَهَلْ لَهُ قَطْعُهَا وَتَأْخِيرُهَا لِمَا بَعْدَ الْأُولَى بِنَاءً عَلَى إجْزَاءِ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ غَيْرِ الْأُولَى أَوْ لَا؟ قَالَ م ر: لَا يَجُوزُ بَلْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ، فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِهَا، فَإِنْ تَخَلَّفَ لِنَحْوِ بُطْءِ قِرَاءَتِهَا تَخَلَّفَ وَقَرَأَهَا مَا لَمْ يَشْرَعْ الْإِمَامُ فِي التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ اهـ فَإِنْ كَانَ عَنْ نَقْلٍ فَمُسَلَّمٌ وَإِلَّا فَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ فَلْيُحَرَّرْ وَلْيُرَاجَعْ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَالْأَقْرَبُ الْمَيْلُ إلَى النَّظَرِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ) ظَاهِرٌ إنْ وَالَى بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: فَرْعٌ: زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ وَوَالَى رَفْعَ يَدَيْهِ مَعَهَا مُتَوَالِيًا هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِتَوَالِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ مَطْلُوبٌ هُنَا فِي الْجُمْلَةِ؟ سَمِعْنَا أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ أَفْتَى بِالْبُطْلَانِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الرَّفْعَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ وَتَوَالِي مِثْلِهِ يُبْطِلُهُ ثُمَّ وَافَقَ عَلَيْهِ ر م اهـ. أَقُولُ: وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْأَفْعَالِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ احْتَاجَ إلَى ضَرَبَاتٍ أَوْ تَصْفِيقٍ وَزَادَ عَلَى الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ وَاحِدَةً مِنْ الضَّرَرِ أَنَّهُ لَوْ وَالَى هُنَا بَيْنَ الرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فِيهِمَا بِالْبُطْلَانِ هُنَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ رَفْعَ كُلِّ يَدٍ فِي الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ يُعَدُّ مَرَّةً، وَبِهِمَا حَصَلَتْ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَفْعَالٍ (قَوْلُهُ بَطَلَتْ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ) أَيْ وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ كَوْنُ اعْتِقَادِهِ خَطَأً، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْبُطْلَانِ أَنَّ مَا فَعَلَهُ مِنْ اعْتِقَادِ الْبُطْلَانِ يَتَضَمَّنُ قَطْعَ النِّيَّةِ (قَوْلُهُ: لَمْ يُتَابِعْهُ الْمَأْمُومُ) شَامِلٌ لِلْمَسْبُوقِ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
أَقُولُ: أَيْ فَلَا يُتَابِعُهُ، فَلَوْ خَالَفَ وَتَابَعَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُحْسَبَ لَهُ عَنْ بَقِيَّةِ مَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حُسْبَانَ مَا عَلَيْهِ مَحَلُّهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَمَا زَادَهُ الْإِمَامُ مَحْسُوبٌ مِنْ مَحَلِّ الرَّابِعَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: لَا تُسَنُّ لَهُ مُتَابَعَتُهُ) أَيْ بَلْ تُكْرَهُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَبْطَلَ بِهَا (قَوْلُهُ: بَلْ يُسَلِّمُ) أَيْ بِنِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ سَلَامٌ فِي أَثْنَاءِ الْقُدْوَةِ فَتَبْطُلُ كَالسَّلَامِ قَبْلَ تَمَامِ الصَّلَاةِ م ر اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ: الثَّالِثُ السَّلَامُ) أَقُولُ: إنَّمَا قَدَّمَهُ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ مَعَ أَنَّهُ بَعْدَهُمَا، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ وُقُوعُهُ بَعْدَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: مَحَلُّهُ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ فِي الْمُتَابَعَةِ) أَيْ فَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ بِتَكْبِيرَةٍ وَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ بِهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَسَائِلِ الْمَنْثُورَةِ (قَوْلُهُ: مُعْتَقِدًا الْبُطْلَانَ بَطَلَتْ) أَيْ لِتَضَمُّنِهِ لِنِيَّةِ إبْطَالِهِمْ
أَيْ كَسَلَامِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي كَيْفِيَّتِهِ وَتَعَدُّدِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ اسْتِحْبَابِ زِيَادَةِ: وَبَرَكَاتُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ اسْتَحَبَّهَا، وَأَنَّهُ يَلْتَفِتُ فِي السَّلَامِ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ يَجْعَلُهَا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، وَإِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ إنَّهُ الْأَشْهَرُ.
(الرَّابِعُ) مِنْ الْأَرْكَانِ (قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ) فَبَدَلُهَا فَالْوُقُوفُ بِقَدْرِهَا لِمَا مَرَّ فِي مَبْحَثِهَا لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَ بِهَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَقَالَ لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَجَهَرَ بِهَا وَقَالَ: إنَّمَا جَهَرْت لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ.
وَلِعُمُومِ خَبَرِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الْأُولَى) لِخَبَرِ أَبِي أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيِّ «السُّنَّةُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ مُخَافَتَةً» ثُمَّ يُكَبِّرَ ثَلَاثًا وَالتَّسْلِيمُ عِنْدَ الْأَخِيرَةِ (قُلْت: تُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ بَعْدَ غَيْرِ الْأُولَى) مِنْ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ، وَقَوْلُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا بَعْدَهَا أَوْ بَعْدَ الثَّانِيَةِ خَرَجَ
[حاشية الشبراملسي]
التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعِ نَاسَبَ أَنْ يَعُدَّهُ عَقِبَ ذِكْرِهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَتَعَدُّدِهِ) أَيْ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةٍ أَتَى بِهَا مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ اسْتِحْبَابِ زِيَادَةِ: وَبَرَكَاتُهُ) أَيْ وَلَوْ عَلَى الْقَبْرِ أَوْ عَلَى غَائِبٍ (قَوْلُهُ: الرَّابِعُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ) .
[فَرْعٌ] لَوْ فَرَغَ الْمَأْمُومُ مِنْ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ الْأُولَى قَبْلَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ بَعْدَهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعَاءِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلَا يَنْبَغِي تَكْرِيرُ الْفَاتِحَةِ وَلَا قِرَاءَةُ غَيْرِهَا مِنْ الْقُرْآنِ، وَلَوْ فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ مَا بَعْدَهَا يَنْبَغِي اشْتِغَالُهُ بِالدُّعَاءِ، وَكَذَا تَكْرِيرُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهَا وَسِيلَةٌ لِقَبُولِ الدُّعَاءِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وِفَاقًا لَمْ ر اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ الْإِيعَابِ لحج أَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ قَبْلَ الْإِمَامِ سُنَّ لَهُ قِرَاءَةُ السُّورَةِ لِأَنَّهَا أَوْلَى مِنْ وُقُوفِهِ سَاكِتًا اهـ وَفِيهِ وَقْفَةٌ.
وَالْأَقْرَبُ مَا قَالَهُ سم، وَقَوْلُ سم فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعَاءِ: أَيْ كَأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَيُكَرِّرَهُ، أَوْ يَأْتِيَ بِالدُّعَاءِ الَّذِي يُقَالُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ لَكِنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَمَّا يُقَالُ بَعْدَهَا، وَلَا يُقَالُ إنَّ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الدُّعَاءِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَمَا أَتَى بِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الدُّعَاءُ الْمَطْلُوبُ وَإِنْ كَثُرَ (قَوْلُهُ: فَبَدَلُهَا) أَيْ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ الذِّكْرِ (قَوْلُهُ: فَالْوُقُوفُ بِقَدْرِهَا) قَالَ سم عَلَى حَجّ: اُنْظُرْ هَلْ يَجْرِي نَظِيرُ ذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ حَتَّى إذَا لَمْ يُحْسِنْهُ وَجَبَ بَدَلُهُ فَالْوُقُوفُ بِقَدْرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِبَدَلِهِ قِرَاءَةٌ أَوْ ذِكْرٌ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ بَيْنَهُمَا أَوْ مَعَهُ فِيهِ نَظِيرٌ، وَالْمُتَّجَهُ الْجَرَيَانُ اهـ.
وَالْمُرَادُ بِالدُّعَاءِ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الدُّعَاءِ وَمِنْهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ أَوْ ارْحَمْهُ، فَحَيْثُ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ أَتَى بِهِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ) أَيْ طَرِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَهِيَ وَاجِبَةٌ (قَوْلُهُ قُلْت تُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ) يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا، وَهِيَ أَنَّ شَافِعِيًّا اقْتَدَى بِمَالِكِيٍّ وَتَابَعَهُ فِي التَّكْبِيرَاتِ، وَقَرَأَ الشَّافِعِيُّ الْفَاتِحَةَ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ الْأُولَى، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخْبَرَهُ الْمَالِكِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ الْفَاتِحَةَ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ صِحَّةُ صَلَاةِ الشَّافِعِيِّ، إذْ غَايَةُ أَمْرِ إمَامِهِ أَنَّهُ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ وَتَرْكُهَا قَبْلَ الرَّابِعَةِ لَهُ لَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ لِجَوَازِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بَعْدَ الرَّابِعَةِ، لَكِنَّهُ لَمَّا سَلَّمَ بِدُونِهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِالتَّسْلِيمِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ بَعْدَ بُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ وَهُوَ لَا يَضُرُّ (قَوْلُهُ: بَعْدَ غَيْرِ الْأُولَى) مَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ شَرَعَ فِيهَا عَقِبَ الْأُولَى وَإِلَّا فَتَتَعَيَّنَ عَلَى مَا مَرَّ لسم عَنْ م ر فِي قَوْلِهِ فَرْعٌ مُوَافِقٌ فِي الْجِنَازَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ بِرّ: اُنْظُرْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ) أَيْ طَرِيقَةٌ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: قُلْت: تُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ بَعْدَ غَيْرِ الْأُولَى) فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا النُّورِ الشبراملسي حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا نَصُّهُ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا، وَهِيَ أَنَّ شَافِعِيًّا اقْتَدَى بِمَالِكِيٍّ سَلَّمَ ثُمَّ أَخْبَرَهُ الْمَالِكِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ الْفَاتِحَةَ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ صِحَّةُ صَلَاةِ الشَّافِعِيِّ إذْ غَايَةُ أَمْرِ إمَامِهِ أَنَّهُ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ وَتَرْكُهَا قَبْلَ الرَّابِعَةِ لَهُ لَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ لِجَوَازِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بَعْدَ الرَّابِعَةِ، لَكِنَّهُ لَمَّا
مَخْرَجَ الْمِثَالِ فَلَا يُخَالِفُ مَا هُنَا خِلَافًا لِمَنْ فَهِمَ تَخَالُفَهُمَا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَهَذَا مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَنُقِلَ عَنْ النَّصِّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ صَحَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي تِبْيَانِهِ تَبَعًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ الْأَوَّلَ، وَشَمَلَ ذَلِكَ الْمُنْفَرِدَ وَالْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ، وَإِنْ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ إنَّ مَحَلَّهُ فِي غَيْرِ الْمَأْمُومِ، أَمَّا الْمَأْمُومُ الْمُوَافِقُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ مُوَافَقَةُ الْإِمَامِ فِيمَا يَأْتِي بِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ كَرَكْعَةٍ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا لُزُومُ خُلُوِّ الْأُولَى عَنْ ذِكْرٍ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ رُكْنَيْنِ فِي تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ وَتَرْكُ التَّرْتِيبِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ قِرَاءَةُ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ فِي تَكْبِيرَةٍ وَبَاقِيهَا فِي أُخْرَى لِعَدَمِ وُرُودِهِ (الْخَامِسُ) مِنْ الْأَرْكَانِ (الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِمَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية الشبراملسي]
هَلْ يَجِبُ حِينَئِذٍ التَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَاجِبِ التَّكْبِيرَةِ الْمَنْقُولِ إلَيْهَا أَمْ لَا؟ اهـ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنْ لَا يَجِبَ كَمَا أَفْهَمَهُ مَا مَرَّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَتَرْكُ التَّرْتِيبِ.
[فَرْعٌ] قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجَدَ الْوَجْهُ الْبُطْلَانُ لِلصَّلَاةِ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا لِأَنَّهُ سُجُودٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَزِيَادَتُهُ مُبْطِلَةٌ م ر.
[فَرْعٌ] لَوْ لَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ الدَّمِ الْخَارِجِ مِنْ الْمَيِّتِ بِغُسْلِهِ صَحَّ غُسْلُهُ وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ كَالْحَيِّ السَّلَسِ وَهُوَ تَصِحُّ صَلَاتُهُ فَكَذَا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُ سم أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ: أَيْ وَإِذَا لَمْ يَجِبْ فَلَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَثَلًا أَوْ بَعْدَهَا بِتَمَامِهَا، لِأَنَّهُ يَأْتِي بِبَعْضِهَا قَبْلُ وَبِبَعْضِهَا بَعْدُ فِيمَا يَظْهَرُ لِاشْتِرَاطِ الْمُوَالَاةِ فِيهَا.
وَقَوْلُهُ كَالْحَيِّ السَّلَسِ قَضِيَّةُ التَّشْبِيهِ بِالسَّلَسِ وُجُوبُ حَشْوِ مَحَلِّ الدَّمِ بِنَحْوِ قُطْنَةٍ وَعُصْبَةٍ عَقِبَ الْغُسْلِ وَالْمُبَادَرَةُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ بَعْدَهُ حَتَّى لَوْ أُخِّرَ لَا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ وَجَبَ إعَادَةُ مَا ذُكِرَ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِنْ الْمَصْلَحَةِ كَثْرَةُ الْمُصَلِّينَ كَمَا فِي تَأْخِيرِ السَّلَسِ لِإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ وَانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْمَأْمُومُ) مِنْ مَقُولِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ وَتَرْكُ التَّرْتِيبِ) أَيْ وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ (قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ قِرَاءَةُ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ) أَيْ وَلَا تُجْزِئُهُ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ وُرُودِهِ) قَدْ يُشْكِلُ بِجَوَازِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ غَيْرِ الْأُولَى مَعَ عَدَمِ وُرُودِهِ عَنْ الشَّارِعِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَرِدْ عَنْ الشَّارِعِ مَنْعُهَا فِي غَيْرِ الْأُولَى، بَلْ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا سُنَّةٌ شُمُولُهَا لِكُلٍّ مِنْ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعِ حَيْثُ لَمْ يُعَيِّنْ لَهَا مَحَلًّا، وَعَلَيْهِ فَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهَا فِي الْأُولَى أَوْلَى (قَوْلُهُ: الْخَامِسُ الصَّلَاةُ) وَأَقَلُّهَا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، زَادَ حَجّ: وَيُنْدَبُ السَّلَامُ، لَكِنَّ عِبَارَةَ سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ قَوْلُهُ وَأَنْ يُصَلِّيَ فِي عُقَيْبِ الثَّانِيَةِ عَلَى الرَّسُولِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَضُمُّ إلَيْهَا السَّلَامَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ الْوَارِدُ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ بِنَاؤُهَا عَلَى التَّخْفِيفِ، بَلْ قَدْ يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الصَّلَاةِ أَفْضَلُ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَنَقَلَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ الشَّارِحِ، وَيُوَافِقُهُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُنَاوِيِّ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ إفْرَادِ الصَّلَاةِ عَنْ السَّلَامِ فِي غَيْرِ الْوَارِدِ.
[فَرْعٌ] لَوْ قَصَدَ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ وَكَبَّرَ الثَّالِثَةَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ بِشُرُوعِهِ فِي الثَّالِثَةِ تَحَقَّقَ خُلُوُّ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ
[حاشية الرشيدي]
سَلَّمَ بِدُونِهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِالتَّسْلِيمِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَيُسَلِّمُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ بُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ وَهُوَ لَا يَضُرُّ اهـ. وَهِيَ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُخَالِفِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْحُكْمَ جَارٍ حَتَّى فِيمَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى حُرْمَةَ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ كَالْحَنَفِيِّ، إذْ لَا فَرْقَ نَظَرًا إلَى مَا وَجَّهَ بِهِ الشَّيْخُ أَبْقَاهُ اللَّهُ، أَيْ وَلَا نَظَرَ إلَى عَدَمِ اعْتِقَادِ الْإِمَامِ فَرْضِيَّةَ الْفَاتِحَةِ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الْبَسْمَلَةِ، وَأَمَّا مَا قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْإِمَامُ لَا يَرَى قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فَكَأَنَّهُ نَوَى صَلَاةً بِلَا قِرَاءَةٍ فَنِيَّتُهُ غَيْرُ صَحِيحَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ
أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مِنْ السُّنَّةِ (بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الثَّانِيَةِ) لِفِعْلِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فِيهَا» وَلِأَنَّهُ أَرْجَى لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ (وَالصَّحِيحُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ لَا تَجِبُ) فِيهَا كَغَيْرِهَا وَأَوْلَى لِبِنَائِهَا عَلَى التَّخْفِيفِ لَكِنَّهَا تُسْتَحَبُّ كَالدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ عَقِبَهَا، وَالْحَمْدِ لِلَّهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا يَجِبُ تَرْتِيبٌ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَالدُّعَاءِ وَالْحَمْدِ لَكِنَّهُ أَوْلَى كَمَا فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ تَعَيُّنِهَا بَعْدَ الثَّانِيَةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى تَعَيُّنِ الْفَاتِحَةِ قَبْلَهَا خِلَافًا لِلشَّارِحِ وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّهَا تَجِبُ وَهُوَ الْخِلَافُ الْمَارُّ فِي التَّشَهُّدِ الْآخَرِ (السَّادِسُ) مِنْ الْأَرْكَانِ (الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ) بِخُصُوصِهِ نَحْوُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ أَوْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ؛ لِخَبَرِ «إذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ» ؛ وَلِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَكْفِي الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَيَكُونُ (بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الثَّالِثَةِ) وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ كَغَيْرِهِ وُجُوبُهُ لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ، وَمَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا وَدَامَ إلَى مَوْتِهِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ إذْ الْجَارِي عَلَى الصَّلَاةِ التَّعَبُّدُ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ وُجُوبُ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ وَقَبْلَ الرَّابِعَةِ، وَلَا يُجْزِئُ فِي غَيْرِهَا بِلَا خِلَافٍ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَيْسَ لِتَخْصِيصِ ذَلِكَ إلَّا مُجَرَّدُ الِاتِّبَاعِ اهـ. (السَّابِعُ) مِنْ الْأَرْكَانِ (الْقِيَامُ عَلَى الْمَذْهَبِ إنْ قَدَرَ) عَلَيْهِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْفَرَائِضِ
[حاشية الشبراملسي]
عَمْدًا ثُمَّ رَكَعَ (قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ فَيَجِبُ فِيهَا مَا يَجِبُ فِي التَّشَهُّدِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَلَا يُجْزِئُ هُنَا مَا يُجْزِئُ فِي الْخُطْبَةِ مِنْ الْحَاشِرِ وَالْمَاحِي وَنَحْوِهِمَا، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْعُبَابِ فَقَالَ: وَأَقَلُّهَا كَمَا فِي التَّشَهُّدِ اهـ (قَوْلُهُ: كَالدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) أَيْ بِنَحْوِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (قَوْلُهُ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيْ بِأَيِّ صِيغَةٍ مِنْ صِيَغِهِ وَالْمَشْهُورُ مِنْهَا الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَيَنْبَغِي الْإِتْيَانُ بِهَا (قَوْلُهُ وَلَا يَجِبُ تَرْتِيبٌ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) هُمَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى الْآلِ (قَوْلُهُ: السَّادِسُ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بِخُصُوصِهِ) وَظَاهِرُ تَعَيُّنِ الدُّعَاءِ لَهُ بِأُخْرَوِيٍّ لَا بِنَحْوِ اللَّهُمَّ احْفَظْ تَرِكَتَهُ مِنْ الظَّلَمَةِ، وَأَنَّ الطِّفْلَ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ وَإِنْ قُطِعَ لَهُ بِالْجَنَّةِ فَتَزِيدُ مَرْتَبَتُهُ فِيهَا بِالدُّعَاءِ لَهُ كَالْأَنْبِيَاءِ اهـ حَجّ.
[فَائِدَةٌ] قَالَ فِي بَسْطِ الْأَنْوَارِ: قُلْت لَوْ أَنَّ شَخْصَيْنِ وُلِدَا مَعًا مُلْتَصِقَيْنِ وَمَاتَ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ أَمْكَنَ فَصْلُهُ مِنْ الْحَيِّ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ الْحَيَّ وَجَبَ فَصْلُهُ، وَإِلَّا وَجَبَ أَنْ يُفْعَلَ بِالْمَيِّتِ الْمُمْكِنُ مِنْ الْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ وَالصَّلَاةِ وَامْتَنَعَ الدَّفْنُ لِعَدَمِ إمْكَانِهِ وَيُنْتَظَرُ سُقُوطُهُ، فَإِنْ سَقَطَ وَجَبَ دَفْنُ مَا سَقَطَ، وَإِنْ مَاتَا مَعًا وَكَانَا ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ غُسِّلَا مَعًا وَكُفِّنَا مَعًا وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِمَا مَعًا وَدُفِنَا، هَذَا الْقَوْلُ الظَّاهِرُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يَجِبُ فَصْلُهُمَا إنْ أَمْكَنَ وَإِنْ كَانَا ذَكَرًا وَأُنْثَى وَأَمْكَنَ فَصْلُهُمَا فَالظَّاهِرُ وُجُوبُهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَعَلْنَا مَا أَمْكَنَ فِعْلُهُ، وَيُرَاعَى الذَّكَرُ فِي الِاسْتِقْبَالِ وَنَحْوِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ ظَهْرُ أَحَدِهِمَا مُلْصَقًا بِظَهْرِ الْآخِرِ أَحْرَمَ أَحَدُهُمَا أَوَّلًا بِالصَّلَاةِ لِلْقِبْلَةِ، فَإِذَا أَتَمَّ صَلَاتَهُ اسْتَدْبَرَ مَنْ صَلَّى الْقِبْلَةَ وَأَحْرَمَ الْآخَرُ إلَيْهَا وَصَلَّى.
أَقُولُ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ صَلَاةَ الْحَيِّ صَحِيحَةٌ وَإِنْ حَكَمْنَا بِنَجَاسَةِ مَا فِي جَوْفِ الْمَيِّتِ كَمَا لَوْ حُبِسَ الْحَيُّ فِي مَكَان نَجِسٍ، وَإِذَا فُصِلَ الْمَيِّتُ بَعْدُ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْحَيِّ قَضَاءُ مَا صَلَّاهُ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ نَجَاسَةً فِي جَوْفِ الْمَيِّتِ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْدِنِهَا لَا تُعْطَى حُكْمَ الظَّاهِرِ إلَّا مَا دَامَ صَاحِبُهَا حَيًّا، وَيَحْتَمِلُ عَدَمَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ لِتَنْزِيلِهِ مِنْهُ مَا دَامَ مُتَّصِلًا مَنْزِلَةَ الْجُزْءِ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ (قَوْلُهُ: إذْ الْجَارِي عَلَى الصَّلَاةِ) أَيْ الْغَالِبُ (قَوْلُهُ: السَّابِعُ لِلْقِيَامِ) أَيْ وَلَوْ مُعَادَةً، وَلَعَلَّ حِكْمَةَ تَأْخِيرِ
[حاشية الرشيدي]
حَيْثُ كَانَ نَاشِئًا عَنْ عَقِيدَةٍ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَهُ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ الثَّانِيَةِ (قَوْلُهُ: عَقِبَهَا) بَيَانٌ لِلْأَكْمَلِ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَلَا يَجِبُ تَرْتِيبٌ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَخْ) أَيْ لَا يَجِبُ لِأَدَاءِ السُّنَّةِ فَتَتَأَدَّى السُّنَّةُ بِدُونِهِ وَإِلَّا فَأَصْلُ الدُّعَاءِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ هُنَا، بَلْ ذَهَبَ الشِّهَابُ حَجّ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى كَوْنُ الدُّعَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ وَجِيهٌ لِيَخْتِمَهُ بِهَا (قَوْلُهُ: وُجُوبُهُ لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ) وَسَيَأْتِي، اُنْظُرْهُ مَعَ قَوْلِهِ
وَإِلْحَاقُهَا بِالنَّفْلِ فِي التَّيَمُّمِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ ذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْمُقَوِّمُ لِصُورَتِهَا فَفِي عَدَمِهِ مَحْوٌ لِصُورَتِهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَشَمَلَ ذَلِكَ الصَّبِيَّ وَالْمَرْأَةَ إذَا صَلَّيَا مَعَ الرِّجَالِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ خِلَافًا لِلنَّاشِرِيِّ، فَإِنْ عَجَزَ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ.
(وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَاتِ) الْأَرْبَعِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَوَضْعُهُمَا بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ تَحْتَ صَدْرِهِ كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ (وَإِسْرَارُ الْقِرَاءَةِ) لِلْفَاتِحَةِ وَلَوْ لَيْلًا كَثَالِثَةِ الْمَغْرِبِ يُجَامِعُ عَدَمَ مَشْرُوعِيَّةِ السُّورَةِ وَمَا وَرَدَ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ.
أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ خَبَرَ أَبِي أُمَامَةَ أَصَحُّ مِنْهُ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: إنَّمَا جَهَرْت (لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ يَعْنِي لِتَعْلَمُوا أَنَّ الْقِرَاءَةَ مَأْمُورٌ بِهَا (وَقِيلَ يَجْهَرُ لَيْلًا) أَيْ بِالْفَاتِحَةِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهَا صَلَاةُ لَيْلٍ أَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالدُّعَاءُ فَيُنْدَبُ الْإِسْرَارُ بِهِمَا اتِّفَاقًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى جَهْرِهِ بِالتَّكْبِيرِ وَالسَّلَامِ: أَيْ الْإِمَامُ أَوْ الْمُبَلِّغُ لَا غَيْرُهُمَا نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ بِالْقِرَاءَةِ: أَيْ الْفَاتِحَةِ لِأَجْلِ الْخِلَافِ (وَالْأَصَحُّ نَدْبُ التَّعَوُّذِ) لِكَوْنِهِ سُنَّةً لِلْقِرَاءَةِ فَاسْتُحِبَّ كَالتَّأْمِينِ وَلِقَصْرِهِ، وَيُسِرُّ بِهِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ (دُونَ الِافْتِتَاحِ) وَالسُّورَةِ لِطُولِهِمَا.
وَالثَّانِي نَعَمْ كَالتَّأْمِينِ، وَشَمَلَ ذَلِكَ مَا لَوْ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ أَوْ غَائِبٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَتَاوِيهِ لِبِنَائِهَا عَلَى التَّخْفِيفِ خِلَافًا لِابْنِ الْعِمَادِ (وَيَقُولُ) اسْتِحْبَابًا (فِي الثَّالِثَةِ: اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك إلَى آخِرِهِ) الْمَذْكُورُ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَتَرَكَهُ لِشُهْرَتِهِ وَتَتِمَّتِهِ: خَرَجَ مِنْ رَوْحِ الدُّنْيَا وَسَعَتِهَا بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا أَيْ نَسِيمِ
[حاشية الشبراملسي]
الْقِيَامِ عَنْ السَّلَامِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَرْكَانِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُقَارِنًا لِجَمِيعِ الْأَرْكَانِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ جَمِيعِ الْأَرْكَانِ فَكَأَنَّهُ مُؤَخَّرٌ عَنْهَا فِي الْوُجُودِ فَنَاسَبَ تَأْخِيرُهُ فِي الذِّكْرِ، بِخِلَافِهِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ يَنْتَقِلُ مِنْ الْقِيَامِ إلَى الرُّكُوعِ ثُمَّ يَعُودُ إلَيْهِ بَعْدَ السُّجُودِ ذَكَرَهُ فِي مَحَلِّهِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ (قَوْلُهُ: مَحْوٌ لِصُورَتِهَا) فِي نُسْخَةٍ مَحْقٌ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَوْجَهُ خِلَافًا لِلنَّاشِرِيِّ) أَيْ وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْقَطْعُ وَيُمْنَعُ مِنْهُ الصَّبِيُّ، وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ عَلَى مَا نَقَلَهُ سم عَلَى حَجّ: وَصَلَاةُ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ مَعَ الرَّجُلِ أَوْ بَعْدَهُ تَقَعُ نَفْلًا.
قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَإِنَّمَا سَقَطَ بِهَا الْفَرْضُ مِنْ الصَّبِيِّ مَعَ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ مَثَلًا ثُمَّ بَلَغَ فِي وَقْتِهَا، وَمَعَ كَوْنِهَا نَفْلًا مِنْهُمَا تَجِبُ فِيهَا نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ وَالْقِيَامُ لِلْقَادِرِ كَمَا مَرَّ أَوَّلَ الْفَصْلِ وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهَا عَلَى الْوَجْهِ كَمَا مَرَّ، وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ أَنَّ وَلِيَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْهُ كَمَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَكْتُوبَاتِ.
(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَاتِ) أَيْ وَإِنْ اقْتَدَى بِمَنْ لَا يَرَى الرَّفْعَ كَالْحَنَفِيِّ فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّ مَا كَانَ مَسْنُونًا عِنْدَنَا لَا يُتْرَكُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، وَكَذَا لَوْ اقْتَدَى بِهِ الْحَنَفِيُّ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ: أَيْ فَلَوْ تَرَكَ الرَّفْعَ كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي تَرْكِ السُّنَّةِ إلَّا مَا نَصُّوا فِيهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ.
وَأَمَّا تَرْكُ الْإِسْرَارِ فَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ مِنْ كَرَاهَةِ الْجَهْرِ فِي مَوْضِعِ الْإِسْرَارِ كَرَاهَتُهُ هُنَا (قَوْلُهُ: بِأَنَّ خَبَرَ أَبِي أُمَامَةَ أَصَحُّ مِنْهُ) قَدْ يُقَالُ هَذَا إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِ الْجَهْرِ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ إنَّمَا جَهَرْت لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ: أَيْ مَسْلُوكَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَهْرَ لَيْسَ سُنَّةً، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَّا احْتَاجَ لِلِاعْتِذَارِ عَنْهُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ عَدَمِ وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ الْمَجْمُوعِ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِابْنِ الْعِمَادِ) تَبِعَهُ حَجّ فَقَالَ: يَأْتِي بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَالسُّورَةِ إذَا صَلَّى عَلَى قَبْرٍ أَوْ غَائِبٍ (قَوْلُهُ: بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا)
[حاشية الرشيدي]
الْآتِي: وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُمْ لَا بُدَّ مِنْ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ بِخُصُوصِهِ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيَقُولُ فِي الطِّفْلِ مَعَ هَذَا الدُّعَاءِ الثَّانِي إلَخْ.
(قَوْلُهُ: كَثَالِثَةِ الْمَغْرِبِ) أَيْ وَلِخَبَرِ أَبِي أُمَامَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَكَانَ الْأَوْلَى الِاسْتِدْلَالَ بِهِ أَيْضًا بَلْ تَقْدِيمَهُ كَمَا صَنَعَ غَيْرُهُ (قَوْلُهُمْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ خَبَرَ أَبِي أُمَامَةَ إلَخْ) عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى جَوَابٍ؛ لِأَنَّهُ تَكَفَّلَ فِي الْخَبَرِ بِحِكْمَةِ الْجَهْرِ، وَهِيَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ أَنَّهَا: أَيْ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ: أَيْ طَرِيقَةٌ: أَيْ لَا لِكَوْنِهَا مَنْدُوبَةً
رِيحِهَا وَاتِّسَاعِهَا وَمَحْبُوبِهِ وَأَحِبَّائِهِ فِيهَا: أَيْ مَا يُحِبُّهُ وَمَنْ يُحِبُّهُ إلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَمَا هُوَ لَاقِيهِ كَانَ يَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك وَرَسُولُك وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ.
اللَّهُمَّ إنَّهُ نَزَلَ بِكَ: أَيْ هُوَ ضَيْفُك، وَأَنْتَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ وَضَيْفُ الْكِرَامِ لَا يُضَامُ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، وَأَصْبَحَ فَقِيرًا إلَى رَحْمَتِك وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَقَدْ جِئْنَاكَ رَاغِبِينَ إلَيْك شُفَعَاءَ لَهُ.
اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، وَلَقِّهِ: أَيْ أَعْطِهِ بِرَحْمَتِك رِضَاكَ، وَقِه فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَهُ وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَجَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِكَ الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِك حَتَّى تَبْعَثَهُ إلَى جَنَّتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
جَمَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ الْأَخْبَارِ وَاسْتَحْسَنَهُ الْأَصْحَابُ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الرَّوْضَةِ وَمَحْبُوبِهَا، وَكَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.
وَالْمَشْهُورُ فِي مَحْبُوبِهِ وَأَحِبَّائِهِ الْجَرُّ وَيَجُوزُ رَفْعُهُ بِجَعْلِ الْوَاوِ لِلْحَالِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جِنَازَةٍ فَسَمِعْته يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ، وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَقِه مِنْ
[حاشية الشبراملسي]
لَعَلَّهُ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ الْأَفْصَحَ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ فِي الرَّوْحِ الضَّمُّ كَمَا قُرِئَ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ [الواقعة: 89] وَفِي السَّعَةِ الْكَسْرُ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الدَّنَوْشَرِيُّ فَقَالَ:
وَسَعَةٌ بِالْفَتْحِ فِي الْأَوْزَانِ ... وَالْكَسْرُ مَحْكِيٌّ عَنْ الصَّاغَانِيِّ
(قَوْلُهُ: أَيْ مَا يُحِبُّهُ) وَهُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ مِنْ أَحَبَّ، وَيَجُوزُ فَتْحُ الْيَاءِ وَكَسْرُ الْحَاءِ مِنْ حَبَّ لُغَةٌ فِي أَحَبَّ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ جِئْنَاك) هَلْ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْإِمَامِ كَمَا فِي الْقُنُوتِ وَأَنَّ غَيْرَهُ يَقُولُ جِئْتُك شَافِعًا، أَوْ هُوَ عَامٌّ فِي الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ فَيَقُولُ الْمُنْفَرِدُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي اتِّبَاعًا لِلْوَارِدِ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا شَارَكَهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَلَائِكَةٌ، وَقَدْ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ أَنَّهُ حُصِرَ الَّذِينَ صَلَّوْا عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا هُمْ ثَلَاثُونَ أَلْفًا وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ سِتُّونَ أَلْفًا لِأَنَّ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مَلَكَيْنِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ نَبِيًّا، وَهُوَ ظَاهِرٌ اتِّبَاعًا لِلَّفْظِ الْوَارِدِ، وَظَاهِرٌ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ نَبِيِّنَا وَغَيْرِهِ، هَذَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ قَوْلِهِ إنْ كَانَ مُحْسِنًا إلَخْ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ إيهَامِ أَنَّهُمْ قَدْ يَكُونُونَ مُسِيئِينَ فَيَقْتَصِرُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الدُّعَاءِ وَيَزِيدُ: إنْ شَاءَ عَلَى الْوَارِدِ مَا يَلِيقُ بِشَأْنِهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَبَقِيَ مَا لَوْ تَرَكَ بَعْضَ الدُّعَاءِ هَلْ يُكْرَهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُنُوتِ بِأَنَّ ذَاكَ وَرَدَ تَعْلِيمُهُ بِخُصُوصِهِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّهُ مَجْمُوعٌ مِنْ أَدْعِيَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَوُرُودُهَا كَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ تَعَيُّنِ وَاحِدٍ مِنْهَا (قَوْلُهُ: جَمَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ هَكَذَا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ وَاعْفُ عَنْهُ) أَيْ مَا صَدَرَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَعَافِهِ) أَيْ أَعْطِهِ مِنْ النَّعِيمِ مَا يَصِيرُ بِهِ كَالصَّحِيحِ فِي الدُّنْيَا (قَوْلُهُ: وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ) أَيْ أَعْظِمْ مَا يُهَيَّأُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ النَّعِيمِ.
وَفِي الْمُخْتَارِ النُّزُلُ بِوَزْنِ الْقُفْلِ مَا يُهَيَّأُ لِلنَّزِيلِ وَالْجَمْعُ الْأَنْزَالُ، وَالنُّزُلُ أَيْضًا الرُّبُعُ، يُقَالُ طَعَامٌ كَثِيرُ النُّزُلِ أَوْ النَّزَلِ بِفَتْحَتَيْنِ اهـ وَفِي الْمِصْبَاحِ: وَالنُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ: طَعَامُ النَّزِيلِ الَّذِي يُهَيَّأُ لَهُ، وَفِي التَّنْزِيلِ ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: 56] اهـ.
وَعَلَيْهِ فَيَجُوزُ فِي نُزُلِهِ السُّكُونُ وَالضَّمُّ وَهُوَ الْأَكْثَرُ (قَوْلُهُ: وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ أُنْثَى اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِبْدَالِ فِي الْأَهْلِ وَالزَّوْجَةِ إبْدَالُ الْأَوْصَافِ لَا الذَّوَاتِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] وَلِخَبَرِ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ «إنَّ نِسَاءَ الْجَنَّةِ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ» ثُمَّ رَأَيْت شَيْخًا قَالَ: وَقَوْلُهُ أَبْدِلْهُ زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ مَنْ لَا زَوْجَةَ لَهُ يَصْدُقُ بِتَقْدِيرِهَا لَهُ أَنْ لَوْ كَانَتْ لَهُ، وَكَذَا فِي الزَّوْجَةِ إذَا قِيلَ إنَّهَا لِزَوْجِهَا فِي الدُّنْيَا، يُرَادُ بِإِبْدَالِهَا زَوْجًا خَيْرًا مِنْ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ» قَالَ عَوْفٌ: فَتَمَنَّيْت أَنْ أَكُونَ أَنَا الْمَيِّتُ هَذَا إنْ كَانَ الْمَيِّتُ بَالِغًا ذَكَرًا، فَإِنْ كَانَ بِالْأُنْثَى عَبَّرَ بِالْأَمَةِ وَأَنَّثَ مَا يَعُودُ إلَيْهَا وَإِنْ ذَكَرَ بِقَصْدِ الشَّخْصِ لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ كَانَ خُنْثَى.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الْمُتَّجَهُ التَّعْبِيرُ بِالْمَمْلُوكِ وَنَحْوِهِ.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أَبٌ بِأَنْ كَانَ وَلَدَ زِنًا فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَقُولُ فِيهِ وَابْنُ أَمَتِكَ اهـ.
وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْرِفْ لِلْمَيِّتِ ذُكُورَةً وَلَا أُنُوثَةً يُعَبِّرُ بِالْمَمْلُوكِ وَنَحْوِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ صَلَّى عَلَى جَمْعٍ مَعًا يَأْتِي فِيهِ بِمَا يُنَاسِبُهُ، فَلَوْ قَالَ فِي ذَلِكَ اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُك؟ بِتَوْحِيدِ الْمُضَافِ وَاسْمِ الْإِشَارَةِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، إذْ لَا اخْتِلَالَ فِي صِيغَةِ الدُّعَاءِ.
أَمَّا اسْمُ الْإِشَارَةِ فَلِقَوْلِ أَئِمَّةِ النُّحَاةِ إنَّهُ قَدْ يُشَارُ بِمَا لِلْوَاحِدِ لِلْجَمْعِ كَقَوْلِ لَبِيدٍ:
وَلَقَدْ سَئِمَتْ مِنْ الْحَيَاةِ وَطُولِهَا ... وَسُؤَالِ هَذَا النَّاسِ كَيْفَ لَبِيَدِ
وَلِمَا مَرَّ عَنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ جَوَازِ التَّذْكِيرِ فِي الْأُنْثَى وَعَكْسِهِ عَلَى إرَادَةِ الشَّخْصِ.
وَأَمَّا لَفْظُ الْعَبْدِ فَلِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ لِمَعْرِفَةٍ فَيَعُمُّ أَفْرَادَ مَنْ أُشِيرَ إلَيْهِ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَسَيَأْتِي مَا يُقَالُ فِيهِ (وَيُقَدِّمُ عَلَيْهِ) اسْتِحْبَابًا: أَيْ عَلَى الدُّعَاءِ الْمَارِّ (: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا.
اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ)
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَزَادَ غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ: لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا
[حاشية الشبراملسي]
زَوْجِهَا مَا يَعُمُّ إبْدَالَ الذَّوَاتِ وَإِبْدَالَ الصِّفَاتِ اهـ.
وَإِرَادَةُ إبْدَالِ الذَّوَاتِ مَعَ فَرْضِ أَنَّهَا لِزَوْجِهَا فِي الدُّنْيَا فِيهِ نَظَرٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ إذَا قِيلَ كَيْفَ وَقَدْ صَحَّ الْخَبَرُ بِهِ وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا، رَوَتْهُ أُمُّ الدَّرْدَاءِ لِمُعَاوِيَةَ لَمَّا خَطَبَهَا بَعْدَ مَوْتِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ فِيمَنْ مَاتَ وَفِي عِصْمَتِهِ وَلَمْ تَتَزَوَّجْ بَعْدَهُ " فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي عِصْمَةِ أَحَدِهِمْ مَوْتَهُ احْتَمَلَ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا تُخَيَّرُ وَأَنَّهَا لِلثَّانِي، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ وَطَلُقَتْ ثُمَّ مَاتَتْ فَهَلْ هِيَ لِلْأَوَّلِ أَوْ لِلثَّانِي؟ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهَا لِلثَّانِي، وَقَضِيَّةُ الْمُدْرِكِ أَنَّهَا لِلْأَوَّلِ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا مَاتَ الْآخَرُ وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ، وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ جَمْعٌ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ «الْمَرْأَةُ مِنَّا رُبَّمَا يَكُونُ لَهَا زَوْجَانِ فِي الدُّنْيَا فَتَمُوتُ وَيَمُوتَانِ وَيَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ لِأَيِّهِمَا هِيَ؟ قَالَ: لِأَحْسَنِهِمَا خُلُقًا كَانَ عِنْدَهَا فِي الدُّنْيَا» اهـ حَجّ بِحُرُوفِهِ.
وَهَلْ مِثْلُ الزَّوْجَةِ السُّرِّيَّةُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ لِلسَّيِّدِ تَعَلُّقٌ بِأَرِقَّائِهِ فِي الْآخِرَةِ أَمْ لَا؟ رَاجِعْهُ (قَوْلُهُ وَأَنَّثَ مَا يَعُودُ إلَيْهَا) خَرَجَ بِمَا يَعُودُ إلَيْهَا الضَّمِيرُ فِي وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إلَى اللَّهِ فَلَا يُؤَنِّثْهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ حَجّ: وَلْيَحْذَرْ مِنْ تَأْنِيثٍ بِهِ فِي مَنْزُولٍ بِهِ فَإِنَّهُ كُفْرٌ لِمَنْ عَرَفَ مَعْنَاهُ وَتَعَمَّدَهُ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ فِي قَوْلِهِ كُفْرٌ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ رُجُوعَهُ إلَى اللَّهِ عَلَى إرَادَةِ الذَّاتِ وَالتَّأْنِيثِ فِيهِ بِالنَّظَرِ لِلَفْظِهِ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ كُفْرٌ لِمَنْ قَصَدَ أَنَّ مَعْنَاهُ مُؤَنَّثٌ حَقِيقِيٌّ وَتَعَمَّدَهُ، وَبَقِيَ مَا لَوْ قَالَ: وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِمْ هَلْ يَضُرُّ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ: وَأَنْتَ خَيْرُ كِرَامٍ مَنْزُولٍ بِهِمْ: أَيْ خَيْرُ الْكِرَامِ الَّذِينَ يَنْزِلُ الضُّيُوفُ عِنْدَهُمْ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 155] (قَوْله فَالْمُتَّجَهُ التَّعْبِيرُ بِالْمَمْلُوكِ) وَمِثْلُهُ الْعَبْدُ عَلَى إرَادَةِ الشَّخْصِ كَمَا مَرَّ فِي الْأُنْثَى (قَوْلُهُ: إنَّهُ قَدْ يُشَارُ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ سَائِغٌ بِلَا تَأْوِيلٍ بِالْمَذْكُورِ أَوْ نَحْوِهِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ فِي مِثْلِهِ التَّأْوِيلُ بِالْمَذْكُورِ أَوْ نَحْوِهِ (قَوْلُهُ: وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الثَّانِي لَمْ يَكْفِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بِخُصُوصِهِ وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (قَوْلُهُ: وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا) أَيْ بِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ لَا تَسْتَدْعِي سَبْقَ ذَنْبٍ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلِمَا مَرَّ عَنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ جَوَازِ التَّذْكِيرِ فِي الْأُنْثَى وَعَكْسِهِ) كَانَ مُرَادُهُ نَظِيرَ مَا مَرَّ إلَخْ، لَكِنَّ صُورَةَ الْعَكْسِ لَمْ تَتَقَدَّمْ فِي كَلَامِهِ وَلَا النِّسْبَةُ لِلْفُقَهَاءِ (قَوْلُهُ: عَلَى إرَادَةِ الشَّخْصِ) أَيْ أَوْ النَّسَمَةِ
تَفْتِنَّا بَعْدَهُ.
وَقَدَّمَ هَذَا لِثُبُوتِ لَفْظِهِ فِي مُسْلِمٍ وَتَضَمُّنِهِ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، بِخِلَافِ ذَاكَ فَإِنَّ بَعْضَهُ مُؤَدًّى بِالْمَعْنَى وَبَعْضَهُ بِاللَّفْظِ، وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الدُّعَاءَيْنِ الْمُحَرَّرَ وَالشَّرْحَ الصَّغِيرَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ، وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فَظَاهِرٌ أَنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُ الْأَخِيرِ، وَصَدَقَ قَوْلُهُ فِيهِ وَأَبْدِلْهُ زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ فِيمَنْ لَا زَوْجَةَ لَهُ، وَفِي الْمَرْأَةِ إذَا قُلْنَا بِأَنَّهَا مَعَ زَوْجِهَا فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ بِأَنْ يُرَادَ فِي الْأَوَّلِ مَا يَعُمُّ الْفِعْلِيَّ وَالتَّقْدِيرِيَّ وَفِي الثَّانِي مَا يَعُمُّ إبْدَالَ الذَّاتِ وَإِبْدَالَ الْهَيْئَةِ (وَيَقُولُ) اسْتِحْبَابًا (فِي) الْمَيِّتِ (الطِّفْلِ) أَوْ الطِّفْلَةِ وَالْمُرَادُ بِهِمَا مَنْ لَمْ يَبْلُغْ (مَعَ هَذَا) الدُّعَاءِ (الثَّانِي) فِي كَلَامِهِ (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ) أَيْ الْمَيِّتَ بِقِسْمَيْهِ (فَرَطًا لِأَبَوَيْهِ) أَيْ سَابِقًا مُهَيِّئًا مَصَالِحَهُمَا فِي الْآخِرَةِ (وَسَلَفًا وَذُخْرًا) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ شَبَّهَ تَقَدُّمَهُ لَهُمَا بِشَيْءٍ نَفِيسٍ يَكُونُ أَمَامَهُمَا مُدَّخَرًا إلَى وَقْتِ حَاجَتِهِمَا لَهُ بِشَفَاعَتِهِ لَهُمَا كَمَا صَحَّ (وَعِظَةً) اسْمُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْوَعْظِ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ: أَيْ وَاعِظًا، وَالْمُرَادُ بِهِ وَمَا بَعْدَهُ غَايَتُهُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: تَقْدِيمُ الْأَخِيرِ) هُوَ قَوْلُهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَصَدَقَ قَوْلُهُ فِيهِ) أَيْ فِي الْأَخِيرِ (قَوْلُهُ مَا يَعُمُّ الْفِعْلِيَّ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ فَرْضَ الْكَلَامِ أَنَّهُ لَمْ تَتَزَوَّجْ فِي الدُّنْيَا فَلَيْسَ ثَمَّ إلَّا التَّقْدِيرِيُّ، وَقَوْلُهُ وَفِي الثَّانِي مَا يَعُمُّ إلَخْ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهَا حَيْثُ كَانَتْ مَعَ زَوْجِهَا فِي الْآخِرَةِ فَلَا مَعْنَى لِإِبْدَالِ الذَّاتِ.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ جَوَابًا عَمَّا يَقْرَبُ مِنْ هَذَا فِي كَلَامِ حَجّ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ يُرَادُ بِإِبْدَالِهَا: أَيْ بِإِبْدَالِ الزَّوْجَةِ مُطْلَقًا لَا الزَّوْجَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَوْلُهُ مَا يَعُمُّ إبْدَالَ الذَّاتِ: أَيْ كَمَا إذَا قُلْنَا إنَّهَا لَيْسَتْ لِزَوْجِهَا فِي الدُّنْيَا، وَقَوْلُهُ إبْدَالَ الصِّفَاتِ: أَيْ كَمَا إذَا قُلْنَا إنَّهَا لِزَوْجِهَا فِي الدُّنْيَا (قَوْلُهُ: وَإِبْدَالَ الْهَيْئَةِ) أَيْ الصِّفَةِ (قَوْلُهُ: وَيَقُولُ اسْتِحْبَابًا) مِثْلُهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَهُوَ يَقْتَضِي جَوَازَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الدُّعَاءِ الْأَوَّلِ لِلطِّفْلِ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ لِلْمَيِّتِ بِخُصُوصِهِ بَلْ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ كَافٍ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنَّ مَا يَأْتِي بِهِ مُتَعَلِّقًا بِالْمَيِّتِ وَهُوَ هَذَا الدُّعَاءُ الثَّانِي دُونَ غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ وَجَبَ الدُّعَاءُ لَهُ بِخُصُوصِهِ بِأَيِّ دُعَاءٍ اُتُّفِقَ، أَوْ يُقَالُ: إنَّ الطِّفْلَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ يَجِبُ الدُّعَاءُ لِخُصُوصِ الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ: فَرَطًا لِأَبَوَيْهِ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: أَيْ يَقُولُ ذَلِكَ وَلَوْ تَأَخَّرَ مَوْتُهُ عَنْ أَبَوَيْهِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ شَبَّهَ تَقْدِيمَهُ لَهُمَا إلَخْ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ: أَيْ تَقْدِيمَ الدَّاعِي لَهُ عَلَيْهِمَا حَيْثُ طَلَبَ كَوْنَهُ سَابِقًا، وَعِبَارَةُ حَجّ شَبَّهَ تَقْدِيمَهُ عَلَيْهِمَا إلَخْ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ (قَوْلُهُ: مُدَّخَرًا) هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: ذَخَرْته ذَخْرًا مِنْ بَابِ نَفَعَ وَالِاسْمُ الذُّخْرُ بِالضَّمِّ: إذَا أَعْدَدْته لِوَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَادَّخَرْته عَلَى افْتَعَلْت مِثْلُهُ وَهُوَ مَذْخُورٌ وَذَخِيرَةٌ أَيْضًا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَقَدَّمَ هَذَا لِثُبُوتِ لَفْظِهِ فِي مُسْلِمٍ) الَّذِي مَرَّ إنَّمَا هُوَ رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ، فَالصَّوَابُ حَذْفُ لَفْظِ مُسْلِمٍ كَمَا فِي عِبَارَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ مَا هُنَا (قَوْلُهُ: وَتَضَمُّنُهُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ) اُنْظُرْ مَا مَدْخَلُهُ فِي تَوْجِيهِ التَّقْدِيمِ (قَوْلُهُ: فَظَاهِرٌ أَنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُ الْأَخِيرِ) هُوَ تَابِعٌ فِي هَذَا التَّعْبِيرِ لِشَرْحِ الرَّوْضِ لَكِنَّ الْأَخِيرَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ هُوَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ الَّذِي وَسَّطَهُ الشَّارِحُ، فَالْأَخِيرُ هُنَا حَدِيثُ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْأَخِيرِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَصَدَقَ قَوْلُهُ: فِيهِ إلَخْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخِيرًا فِي كَلَامِهِ (قَوْلُهُ: اسْتِحْبَابًا عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيَقُولُ) أَيْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَذَا اللَّفْظِ مَعَ الدُّعَاءِ الْمُتَقَدِّمِ وَإِنْ كَفَى بِلَفْظٍ آخَرَ (قَوْلُهُ: اسْمُ مَصْدَرٍ) اُنْظُرْ هَلَّا كَانَ مَصْدَرًا، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ تَصَرَّفُوا فِيهِ بِتَعْوِيضِ هَائِهِ عَنْ وَاوِهِ كَوَعَدَ عِدَّةً وَوَهَبَ هِبَةً (قَوْلُهُ: أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ) صَرِيحُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ مَصْدَرٍ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ اسْمُ مَصْدَرٍ عَلَى مَا مَرَّ فِيهِ إمَّا مُرَادًا مِنْهُ الْمَصْدَرُ، وَإِمَّا مُرَادًا مِنْهُ اسْمُ الْفَاعِلِ مُبَالَغَةً كَزَيْدٌ عَدْلٌ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهِ وَمَا بَعْدَهُ إلَخْ) هَذَا إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ إذَا تَقَدَّمَ مَوْتُ أَبَوَيْهِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَمُوتَا فَلَا يُحْتَاجُ إلَى إخْرَاجِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ وَفِي ذِكْرِهِ: أَيْ عِظَةٌ كَاعْتِبَارٍ
وَهُوَ الظُّفْرُ بِالْمَطْلُوبِ مِنْ الْخَيْرِ وَثَوَابِهِ، فَسَقَطَ التَّنْظِيرُ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْوَعْظَ التَّذْكِيرُ بِالْعَوَاقِبِ وَهَذَا قَدْ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ (وَاعْتِبَارًا وَشَفِيعًا وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا وَأَفْرِغْ الصَّبْرَ عَلَى قُلُوبِهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ مُنَاسِبٌ لِلْحَالِ، وَزَادَ فِي الْمَجْمُوعِ وَالرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَلَى هَذَا، وَلَا تَفْتِنْهُمَا بَعْدَهُ وَلَا تَحْرِمْهُمَا أَجْرَهُ، وَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ مِنْ التَّذْكِيرِ وَضِدِّهِ وَيَشْهَدُ لِلدُّعَاءِ لَهُمَا مَا فِي خَبَرِ الْمُغِيرَةِ «وَالسَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْعَافِيَةِ وَالرَّحْمَةِ» فَيَكْفِي فِي الطِّفْلِ هَذَا الدُّعَاءُ وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُمْ لَا بُدَّ مِنْ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ بِخُصُوصِهِ كَمَا مَرَّ لِثُبُوتِ هَذَا بِالنَّصِّ بِخُصُوصِهِ.
نَعَمْ لَوْ دَعَا لَهُ بِخُصُوصِهِ كَفَى فَلَوْ شَكَّ فِي بُلُوغِهِ هَلْ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبُلُوغِ، أَوْ يَدْعُو لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَنَحْوِهَا؟ وَالْأَحْسَنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَسَوَاءٌ فِيمَا قَالَهُ لَوْ مَاتَ فِي حَيَاةِ أَبَوَيْهِ أَمْ بَعْدَهُمَا أَمْ بَيْنَهُمَا، وَالظَّاهِرُ فِي وَلَدِ الزِّنَا أَنْ يَقُولَ: لِأُمِّهِ وَيَقْتَصِرَ عَلَيْهَا فِيمَا تَقَدَّمَ وَلِهَذَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: مَحَلُّهُ فِي الْأَبَوَيْنِ الْحَيَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ أَتَى بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ وَهَذَا أَوْلَى.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فَلَوْ جَهِلَ إسْلَامَهُمَا فَكَالْمُسْلِمِينَ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ وَالدَّارِ اهـ.
وَالْأَحْوَطُ تَعْلِيقُهُ عَلَى إيمَانِهِمَا لَا سِيَّمَا فِي نَاحِيَةٍ يَكْثُرُ الْكُفَّارُ فِيهَا، وَلَوْ عَلِمَ كُفْرَهُمَا كَتَبَعِيَّةِ الصَّغِيرِ لِلسَّابِي حَرُمَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمَا بِالْمَغْفِرَةِ وَالشَّفَاعَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَوْ عَلِمَ إسْلَامَ أَحَدِهِمَا وَكُفْرَ الْآخِرِ أَوْ شَكَّ فِيهِ وَلَوْ مِنْ وَلَدَيْهِ لَمْ يَخَفْ الْحُكْمَ
[حاشية الشبراملسي]
اهـ. وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ وَادَّخَرْته عَلَى افْتَعَلْت أَنَّهُ يَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ عَلَى وَزْنِ افْتَعَلَ وَفَاؤُهُ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ قُلِبَتْ تَاؤُهُ دَالًا مُهْمَلَةً وَقَلْبُ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ دَالًا مُهْمَلَةً وَإِدْغَامُهَا فِي الذَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمُبْدَلَةِ مِنْ التَّاءِ وَقَلْبُ الذَّالِ الْمُبْدَلَةِ مِنْ التَّاءِ ذَالًا مُعْجَمَةً وَإِدْغَامُ الْأُولَى فِيهَا (قَوْلُهُ فَسَقَطَ التَّنْظِيرُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَعِظَةً (قَوْلُهُ عَلَى قُلُوبِهِمَا) يَأْتِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَعِظَةً إلَخْ إنْ كَانَا مَيِّتَيْنِ (قَوْلُهُ: فَيَكْفِي فِي الطِّفْلِ هَذَا الدُّعَاءُ) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: بِالنَّصِّ بِخُصُوصِهِ) أَيْ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ اجْعَلْهُ فَرَطًا إلَخْ حَيْثُ كَانَ مَعْنَاهُ: أَيْ سَابِقًا مُهَيِّئًا لِمَصَالِحِهِمَا فِي الْآخِرَةِ كَانَ دُعَاءً لَهُ بِخُصُوصِهِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ شَرَفٌ عِنْدَ اللَّهِ يَتَقَدَّمُ بِسَبَبِهِ لِذَلِكَ (قَوْلُهُ أَوْ يَدْعُو لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ) هَذَا ظَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ يُرِدْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: وَالْأَحْسَنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ فَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِهَذَا الْأَحْسَنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ الدُّعَاءَ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ لِاحْتِمَالِ بُلُوغِهِ (قَوْلُهُ: وَيَقْتَصِرُ عَلَيْهَا فِيمَا تَقَدَّمَ) لَعَلَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ) أَيْ وَلِكَوْنِهِ يَقْتَصِرُ عَلَى الْأُمِّ فِي وَلَدِ الزِّنَا (قَوْلُهُ: وَهَذَا أَوْلَى) مِنْ م ر (قَوْلُهُ: لَمْ يَخْفَ الْحُكْمُ مِمَّا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ يَدْعُو لِلْمُسْلِمِ مِنْهُمَا وَيُعَلِّقُ الدُّعَاءَ عَلَى الْإِسْلَامِ فِيمَنْ شَكَّ فِيهِ ثُمَّ مَا تَقَرَّرَ كُلُّهُ فِيمَا لَوْ عَلِمَ إسْلَامَ الْمَيِّتِ أَوْ ظَنَّ، فَلَوْ شَكَّ فِي إسْلَامِهِ كَالْمَمَالِيكِ الصِّغَارِ حَيْثُ شَكَّ فِي أَنَّ السَّابِيَ لَهُمْ مُسْلِمٌ فَيَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِمْ تَبَعًا لَهُ أَوْ كَافِرٌ فَيَحْكُمُ بِكُفْرِهِمْ تَبَعًا لَهُ، فَقَالَ حَجّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا، وَيَحْتَمِلُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: بَلْ الْأَقْرَبُ أَنَّهُ يُصَلِّي وَيُعَلِّقُ النِّيَّةَ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الِاخْتِلَاطِ تَحَقَّقْنَا وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَشَكَكْنَا فِي عَيْنِ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّا شَكَكْنَا فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ بَلْ فِي صِحَّتِهَا وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْكُفْرِ، وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي: وَلَوْ اخْتَلَطَ
[حاشية الرشيدي]
وَقَدْ مَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَهُ نَظَرٌ، إذْ الْوَعْظُ التَّذْكِيرُ بِالْعَوَاقِبِ كَاعْتِبَارٍ أَوْ هَذَا قَدْ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِمَا غَايَتُهُمَا مِنْ الظَّفَرِ بِالْمَطْلُوبِ اُتُّجِهَ ذَلِكَ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ: وَأَفْرِغْ الصَّبْرَ عَلَى قُلُوبِهِمَا) قَالَ فِي التُّحْفَةِ هَذَا لَا يَأْتِي إلَّا فِي حَيٍّ (قَوْلُهُ: لِثُبُوتِ هَذَا) يَعْنِي مُطْلَقَ الْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ لِوَالِدَيْهِ الشَّامِلِ لِهَذَا الدُّعَاءِ، وَإِلَّا فَخُصُوصُ هَذَا الدُّعَاءِ لَمْ يَرِدْ (قَوْلُهُ: وَهَذَا أَوْلَى) حِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِمَا قَدَّمَهُ فِي تَأْوِيلِ عِظَةٍ وَاعْتِبَارًا، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَإِنْ كَانَ فِي سِيَاقِهِ صُعُوبَةٌ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَسَوَاءٌ فِيمَا قَالُوهُ مَاتَ فِي حَيَاةِ أَبَوَيْهِ أَمْ لَا، لَكِنْ
مِمَّا مَرَّ، بِخِلَافِ مَنْ ظَنَّ إسْلَامَهُ وَلَوْ بِقَرِينَةٍ كَالدَّارِ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ اضْطِرَابٍ (وَ) يَقُولُ اسْتِحْبَابًا (فِي) التَّكْبِيرَةِ (الرَّابِعَةِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَضَمِّهَا (أَجْرَهُ) أَيْ أَجْرَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَوْ أَجْرَ مُصِيبَتِهِ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُصِيبَةِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ (وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ) أَيْ بِالِابْتِلَاءِ بِالْمَعَاصِي، وَزَادَ فِي التَّنْبِيهِ تَبَعًا لِكَثِيرٍ: وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ، وَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يُطَوِّلَ الدُّعَاءَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَحَدُّهُ أَنْ يَكُونَ كَمَا بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ كَمَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِيهِ.
نَعَمْ لَوْ خَشِيَ تَغَيُّرَ الْمَيِّتِ أَوْ انْفِجَارَهُ لَوْ أَتَى بِالسُّنَنِ فَالْقِيَاسُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ اقْتِصَارُهُ عَلَى الْأَرْكَانِ (وَلَوْ تَخَلَّفَ الْمُقْتَدِي) عَنْ إمَامِهِ بِالتَّكْبِيرِ (بِلَا عُذْرٍ فَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ إمَامُهُ) تَكْبِيرَةً (أُخْرَى) أَوْ شَرَعَ فِيهَا (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) إذْ الْمُتَابَعَةُ لَا تَظْهَرُ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ إلَّا بِالتَّكْبِيرَاتِ، فَيَكُونُ التَّخَلُّفُ بِهَا فَاحِشًا كَالتَّخَلُّفِ بِرَكْعَةٍ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ حَتَّى كَبَّرَ إمَامُهُ أُخْرَى عَدَمَ بُطْلَانِهَا فِيمَا لَوْ لَمْ يُكَبِّرْ الرَّابِعَةَ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ.
قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَالْحُكْمُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَغِلْ عَنْهَا حَتَّى أَتَى الْإِمَامُ بِتَكْبِيرَةٍ أُخْرَى، بَلْ هَذَا مَسْبُوقٌ بِبَعْضِ التَّكْبِيرَاتِ فَيَأْتِي بِهَا بَعْدَ السَّلَامِ، وَأَيَّدَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ بِأَنَّهُ
[حاشية الشبراملسي]
مُسْلِمُونَ بِكُفَّارٍ إلَخْ، وَلَوْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَانِ بِإِسْلَامِهِ وَكُفْرِهِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَنَوَى الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُسْلِمًا (قَوْلُهُ: كَالدَّارِ فِيمَا يَظْهَرُ) سَبَقَهُ إلَيْهِ حَجّ (قَوْلُهُ: وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ) أَيْ وَلَوْ صَغِيرًا لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ لَا تَسْتَدْعِي سَبْقَ ذَنْبٍ (قَوْلُهُ: كَمَا بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ) أَيْ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَظَاهِرُهُ حُصُولُ السُّنَّةِ وَلَوْ بِتَكْرِيرٍ لِلْأَدْعِيَةِ السَّابِقَةِ.
وَقَالَ حَجّ: قِيلَ وَضَابِطُ التَّطْوِيلِ أَنْ يَلِيقهَا بِالثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا أَخَفُّ الْأَرْكَانِ اهـ.
وَهُوَ تَحَكُّمٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إلْحَاقُهَا بِالثَّالِثَةِ أَوْ تَطْوِيلُهَا عَلَيْهَا.
[فَائِدَةٌ] سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10] الْآيَةُ فِي رَابِعَةِ الْجِنَازَةِ هَلْ لَهُ أَصْلٌ مُعْتَبَرٌ أَمْ يُقَالُ لَا بَأْسَ بِهَا لِلْمُنَاسَبَةِ، وَكَذَلِكَ قِرَاءَةِ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ عِنْدَ الْمُرُورِ عَلَى الْقَبْرِ وَكَوْنِهَا كَفَّارَةً لِإِثْمِ مُرُورِهِ عَلَيْهِ هَلْ لَهُ أَصْلٌ أَيْضًا أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِيهِ لَا أَصْلَ لَهُ، بَلْ يَنْبَغِي كَرَاهَةُ قِرَاءَةِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الرَّابِعَةِ كَمَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ مِنْ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَقَوْلُ السَّائِلِ عِنْدَ الْمُرُورِ عَلَى الْقَبْرِ إنْ أَرَادَ الْمَشْيَ عَلَيْهِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لَا إثْمَ فِيهِ، أَوْ بِحِذَائِهِ فَلَا كَرَاهَةَ وَلَا إثْمَ، فَأَيُّ إثْمٍ فِي الْمُرُورِ حَتَّى يُحْتَاجَ لِرَفْعِهِ؟ اهـ فَتَاوَى حَجّ.
وَقَوْلُهُ وَكَذَا قِرَاءَةُ الْبَاقِيَاتِ: أَيْ ذِكْرُ الْآيَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى قَوْلِهِ الْبَاقِيَاتِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46] إلَخْ، وَيَحْتَمِلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ قَوْلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ) أَيْ بَلْ يَجِبُ ذَلِكَ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ تَغَيُّرُهُ بِالزِّيَادَةِ (قَوْلُهُ: فَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ إمَامُهُ) لَوْ كَبَّرَ الْمَأْمُومُ مَعَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ الْأُخْرَى اتَّجَهَ الصِّحَّةُ وَلَوْ شَرَعَ مَعَ شُرُوعِهِ فِيهَا، وَلَكِنْ تَأَخَّرَ فَرَاغُ الْمَأْمُومِ هَلْ نَقُولُ بِالصِّحَّةِ أَمْ بِالْبُطْلَانِ؟ هُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ اهـ عَمِيرَةُ.
أَقُولُ: الْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ حَتَّى كَبَّرَ إمَامُهُ أُخْرَى، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِتَمَامِ الْإِمَامِ التَّكْبِيرَ قَبْلَ شُرُوعِ الْمَأْمُومِ فِيهِ (قَوْلُهُ: تَكْبِيرَةً أُخْرَى) وَظَاهِرٌ أَنَّ الْأُخْرَى لَا تَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ مَعَهُ فِي الْأُولَى إلَّا بِالتَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ فَإِذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ مَعَهُ وَكَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ لَا يُقَالُ سَبَقَهُ بِشَيْءٍ (قَوْلُهُ: بَلْ هَذَا مَسْبُوقٌ بِبَعْضِ التَّكْبِيرَاتِ) وَلَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ عَقِبَ إحْرَامِ الْمَسْبُوقِ بِحَيْثُ لَمْ يُدْرِكْ قَبْلَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ الثَّانِيَةَ زَمَنًا يَسَعُ شَيْئًا مِنْ الْفَاتِحَةِ سَقَطَتْ عَنْهُ وَإِنْ قَصَدَ عِنْدَ إحْرَامِهِ تَأْخِيرَهَا، وَلَا عِبْرَةَ بِهَذَا الْقَصْدِ إذْ لَمْ يُدْرِكْهَا فِي مَحَلِّهَا الْأَصْلِيِّ، وَلَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ زَمَنًا يَسَعُ
[حاشية الرشيدي]
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: مَحَلُّهُ فِي الْأَبَوَيْنِ الْحَيَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَحْدَهُ أَنْ لَا يَكُونَ كَمَا بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ لَا يُطَوِّلَهُ إلَى حَدٍّ لَا يَبْلُغُهُ مَا بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ مِنْ أَيِّ التَّكْبِيرَاتِ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ جُمْلَةَ مَا بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ فَلْيُرَاجَعْ
لَا يَجِبُ فِيهَا ذِكْرٌ فَلَيْسَتْ كَالرَّكْعَةِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا خِلَافًا لِمَا فِي التَّمْيِيزِ مِنْ الْبُطْلَانِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ كَبُطْءِ قِرَاءَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ عَدَمِ سَمَاعِ تَكْبِيرٍ أَوْ جَهْلٍ لَمْ تَبْطُلْ بِتَخَلُّفِهِ بِتَكْبِيرَةٍ فَقَطْ بَلْ بِتَكْبِيرَتَيْنِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ، وَلَوْ تَقَدَّمَ عَلَى إمَامِهِ بِتَكْبِيرَةٍ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، إذْ التَّقَدُّمُ أَفْحَشُ مِنْ التَّخَلُّفِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
(وَيُكَبِّرُ الْمَسْبُوقُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي) تَكْبِيرَةٍ (غَيْرِهَا) كَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ الدُّعَاءِ لِأَنَّ مَا أَدْرَكَهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ فَيُرَاعَى تَرْتِيبُهَا (وَلَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ أُخْرَى قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْفَاتِحَةِ) بِأَنْ كَبَّرَ عَقِبَ تَكْبِيرِهِ (كَبَّرَ مَعَهُ وَسَقَطَتْ الْقِرَاءَةُ) عَنْهُ كَمَا لَوْ رَكَعَ الْإِمَامُ عَقِبَ تَكْبِيرِ الْمَسْبُوقِ فَإِنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ وَيَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ (وَإِنْ كَبَّرَهَا وَهُوَ فِي الْفَاتِحَةِ تَرَكَهَا وَتَابَعَهُ فِي الْأَصَحِّ) كَمَا لَوْ رَكَعَ الْإِمَامُ وَالْمَسْبُوقُ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ تَعَيُّنِهَا بَعْدَ الْأُولَى لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا الْأَصْلِيِّ هُنَا، إذْ الْأَكْمَلُ قِرَاءَتُهَا فِيهَا فَتَحَمَّلَهَا عَنْهُ الْإِمَامُ، وَلَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ عَقِبَ تَكْبِيرَةِ الْمَسْبُوقِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ وَتَقَدَّمَ فِي الْمَسْبُوقِ فِي نَظِيرِ مَا هُنَا أَنَّهُ مَنْ اُشْتُغِلَ بِافْتِتَاحٍ أَوْ تَعَوُّذٍ تَخَلَّفَ وَقَرَأَ بِقَدْرِهِ وَإِلَّا تَابَعَهُ وَلَمْ يَذْكُرَاهُ هُنَا.
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَلَا شَكَّ فِي جَرَيَانِهِ هُنَا بِنَاءً عَلَى نَدْبِ التَّعَوُّذِ: أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ وَالِافْتِتَاحُ عَلَى مُقَابِلِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِمَا قَالَهُ الْفُورَانِيُّ، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّهُ إذَا اُشْتُغِلَ بِالتَّعَوُّذِ فَلَمْ يَفْرُغْ مِنْ الْفَاتِحَةِ حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ أَوْ الثَّالِثَةَ لَزِمَهُ التَّخَلُّفُ لِلْقِرَاءَةِ بِقَدْرِ التَّعَوُّذِ، وَيَكُونُ مُتَخَلِّفًا بِعُذْرٍ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْفَاتِحَةَ بَعْدَ التَّعَوُّذِ وَإِلَّا فَغَيْرُ مَعْذُورٍ، فَإِنْ لَمْ يُتِمَّهَا حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّالِثَةَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يَتَخَلَّفُ وَيُتِمُّهَا عَلَى مَا مَرَّ نَظِيرُهُ فِي كِتَابِ الْجَمَاعَةِ (وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ تَدَارَكَ الْمَسْبُوقُ) وُجُوبًا (بَاقِيَ التَّكْبِيرَاتِ بِأَذْكَارِهَا) وُجُوبًا
[حاشية الشبراملسي]
نِصْفَ الْفَاتِحَةِ فَقَصَدَ تَأْخِيرَهَا إلَى الثَّانِيَةِ مَثَلًا فَهَلْ تَكْفِيهِ قِرَاءَةُ نِصْفِهَا بَعْدَ الثَّانِيَةِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ جَمِيعِهَا لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْفِيَهُ نِصْفُهَا لِأَنَّهُ الَّذِي أَدْرَكَهُ فِي مَحَلِّهِ الْأَصْلِيِّ فَهُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ لِيُتَأَمَّلْ سم.
وَقَوْلُهُ وَإِنْ قَصَدَ إلَخْ هَذَا قَدْ يُخَالِفُ مَا فِي الْحَاشِيَةِ الْعُلْيَا عَنْ الْجَوْجَرِيِّ، وَلَعَلَّ هَذَا أَوْجَهُ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَا فِي التَّمْيِيزِ) اسْمُ كِتَابٍ لِلْبَارِزِيِّ (قَوْلُهُ: لَمْ تَبْطُلْ بِتَخَلُّفِهِ بِتَكْبِيرَةٍ فَقَطْ بَلْ بِتَكْبِيرَتَيْنِ) قَالَ سم عَلَى حَجّ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ مَا حَاصِلُهُ: إنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الرَّابِعَةِ، هَذَا وَجَرَى حَجّ عَلَى عَدَمِ الْبُطْلَانِ مُطْلَقًا قَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ تَخَلَّفَ بِجَمِيعِ الرَّكَعَاتِ نَاسِيًا لَمْ يَضُرَّ فَهَذَا أَوْلَى، وَعِبَارَتُهُ: أَمَّا إذَا تَخَلَّفَ بِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ وَبُطْءٍ نَحْوِ قِرَاءَةٍ وَعَدَمِ سَمَاعِ تَكْبِيرٍ وَكَذَا جَهْلُ عُذْرٍ بِهِ فِيمَا يَظْهَرُ فَلَا بُطْلَانَ فَيُرَاعِي نَظْمَ صَلَاةِ نَفْسِهِ، إلَى أَنْ قَالَ: وَوَقَعَ لِلشَّارِحِ أَنَّ النَّاسِيَ يُغْتَفَرُ لَهُ التَّأْخِيرُ بِوَاحِدَةٍ لَا بِثِنْتَيْنِ، وَذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ وَغَيْرِهِ مَعَ التَّبَرِّي مِنْهُ فَقَالَ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ اهـ.
وَالْوَجْهُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَوْ نَسِيَ فَتَأَخَّرَ عَنْ إمَامِهِ بِجَمِيعِ الرَّكَعَاتِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ فَهُنَا أَوْلَى اهـ.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ النِّسْيَانِ عَلَى نِسْيَانِ الْقِرَاءَةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا اعْتِرَاضَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ تَقَدَّمَ عَلَى إمَامِهِ بِتَكْبِيرَةٍ) أَيْ قَصَدَ بِهَا تَكْبِيرَةَ الرُّكْنِ أَوْ أَطْلَقَ، فَإِنْ قَصَدَ بِهَا الذِّكْرَ الْمُجَرَّدَ لَمْ يَضُرَّ كَمَا لَوْ كَرَّرَ الرُّكْنَ الْقَوْلِيَّ فِي الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ) مُرَادُهُ حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ فِي الْفَاتِحَةِ تَرَكَهَا) أَيْ فَلَوْ اشْتَغَلَ بِإِكْمَالِ الْفَاتِحَةِ فَمُتَخَلِّفٌ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ كَبَّرَ إمَامُهُ أُخْرَى قَبْلَ مُتَابَعَتِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
[فَرْعٌ] يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِشَرْطِهِ م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: وَلَعَلَّ شَرْطَهُ عَدَمُ طُولِ الْفَصْلِ (قَوْلُهُ: وَيَكُون مُتَخَلِّفًا بِعُذْرٍ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعُذْرِ مَا لَوْ تَرَكَ الْمَأْمُومُ الْمُوَافِقُ لِلْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَى،
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: بَلْ بِتَكْبِيرَتَيْنِ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي بُطْءِ الْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: لَزِمَهُ التَّخَلُّفُ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِالتَّخَلُّفِ بِتَكْبِيرَتَيْنِ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي بُطْءِ الْقِرَاءَةِ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ مَعَ اسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ مِنْ حَيْثُ الْعُذْرُ كَمَا مَرَّ فِي الْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ: وُجُوبًا أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّكْبِيرَاتِ، وَقَوْلُهُ: بَعْدَ ذَلِكَ وُجُوبًا فِي الْوَاجِبِ وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ: أَيْ بِالنِّسْبَةِ
فِي الْوَاجِبِ وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ كَمَا يَأْتِي فِي الرَّكَعَاتِ بِالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا وَخَالَفَتْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ حَيْثُ لَا يَأْتِي بِمَا فَاتَهُ مِنْهَا، فَإِنَّ التَّكْبِيرَ هُنَا بِمَنْزِلَةِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَلَا يُمْكِنُ الْإِخْلَالُ بِهَا وَفِي الْعِيدِ سُنَّةٌ فَسَقَطَتْ بِفَوَاتِ مَحَلِّهَا (وَفِي قَوْلٍ لَا تُشْتَرَطُ الْأَذْكَارُ) بَلْ يَأْتِي بِبَقِيَّةِ التَّكْبِيرَاتِ نَسَقًا؛ لِأَنَّ الْجِنَازَةَ تُرْفَعُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَلَيْسَ الْوَقْتُ وَقْتَ تَطْوِيلٍ، وَادَّعَى الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ عِنْدَ رَفْعِ الْجِنَازَةِ، فَإِنْ اتَّفَقَ بَقَاؤُهَا لِسَبَبٍ مَا أَوْ كَانَتْ عَلَى غَائِبٍ فَلَا وَجْهَ لِلْخِلَافِ بَلْ يَأْتِي بِالْأَذْكَارِ قَطْعًا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَكَأَنَّهُ مِنْ تَفَقُّهٍ، وَإِطْلَاقُ الْأَصْحَابِ يُفْهِمُ عَدَمَ الْفَرْقِ اهـ.
وَهَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُرْفَعَ الْجِنَازَةُ حَتَّى يُتِمَّ الْمَسْبُوقُ مَا فَاتَهُ، فَإِنْ رُفِعَتْ لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ حُوِّلَتْ عَنْ الْقِبْلَةِ، بِخِلَافِ ابْتِدَاءِ عَقْدِ الصَّلَاةِ لَا يُحْتَمَلُ فِيهِ ذَلِكَ وَالْجِنَازَةُ حَاضِرَةٌ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الِابْتِدَاءِ، ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمُوَافِقَ كَالْمَسْبُوقِ فِي ذَلِكَ.
وَلَوْ أَحْرَمَ عَلَى جِنَازَةٍ يُمْشَى بِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا جَازَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَا بَيْنَهُمَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَثِمِائَةِ ذِرَاعٍ كَمَا سَيَأْتِي، وَأَنْ يَكُونَ مُحَاذِيًا لَهَا كَالْمَأْمُومِ مَعَ الْإِمَامِ عَلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ الْمَارِّ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَلَا يَضُرُّ الْمَشْيُ بِهَا كَمَا لَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ فِي سَرِيرٍ وَحَمَلَهُ إنْسَانٌ وَمَشَى بِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، كَمَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ وَهُوَ فِي سَفِينَةٍ سَائِرَةٍ، قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ وَغَيْرُهُ.
(وَيُشْتَرَطُ) فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (شُرُوطُ) غَيْرِهَا مِنْ (الصَّلَاةِ) كَسَتْرٍ وَطَهَارَةٍ وَاسْتِقْبَالٍ؛ لِأَنَّهَا تُسَمَّى صَلَاةً فَكَانَتْ كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَلَهَا شُرُوطٌ أُخَرُ تَأْتِي كَتَقَدُّمِ طُهْرِ الْمَيِّتِ (لَا الْجَمَاعَةُ) بِالرَّفْعِ فَلَا تُشْتَرَطُ فِيهَا كَالْمَكْتُوبَةِ بَلْ تُسْتَحَبُّ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلٌ لَا يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ شَيْئًا إلَّا شَفَّعَهُمْ اللَّهُ فِيهِ» وَإِنَّمَا صَلَّتْ الصَّحَابَةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَادًا كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: لِعِظَمِ أَمْرِهِ وَتَنَافُسِهِمْ فِي أَنْ لَا يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ عَلَيْهِ أَحَدٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَعَيَّنَ إمَامٌ يَؤُمُّ الْقَوْمَ، فَلَوْ تَقَدَّمَ وَاحِدٌ فِي الصَّلَاةِ لَصَارَ مُقَدَّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ وَتَعَيَّنَ لِلْخِلَافَةِ، وَمَعْنَى
[حاشية الشبراملسي]
وَجَمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الثَّانِيَةِ فَكَبَّرَ الْإِمَامُ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهُمَا فَتَخَلَّفَ لِإِتْمَامِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَإِطْلَاقُ الْأَصْحَابِ يُفْهِمُ عَدَمَ الْفَرْقِ) أَيْ بَيْنَ الرَّفْعِ وَعَدَمِهِ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى الْأَوَّلِ يُسْتَحَبُّ إلَخْ) أَيْ وَالْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ الْوَلِيُّ فَيَأْمُرُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْحَمْلِ، فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ مِنْ الْوَلِيِّ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ اُسْتُحِبَّ التَّأْخِيرُ مِنْ الْمُبَاشِرِينَ لِلْحَمْلِ، فَإِنْ أَرَادُوا الْحَمْلَ اُسْتُحِبَّ لِلْآحَادِ أَمْرُهُمْ بِعَدَمِ الْحَمْلِ اهـ (قَوْلُهُ: لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ حُوِّلَتْ عَنْ الْقِبْلَةِ) قَالَ حَجّ: مَا لَمْ يَزِدْ مَا بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَثِمِائَةِ ذِرَاعٍ أَوْ يَحُلْ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ مُضِرٌّ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ (قَوْلُهُ: بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ.
. إلَخْ) قَضِيَّةُ هَذَا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِوَقْتِ الْإِحْرَامِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا زَادَتْ الْمَسَافَةُ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَمْ يَضُرَّ، وَقَدْ يُشْعِرُ كَلَامُ حَجّ بِخِلَافِهِ حَيْثُ قَالَ: وَالْمَشْيُ بِهَا قَبْلَ إحْرَامِ الْمُصَلِّي وَبَعْدَهُ وَإِنْ حُوِّلَتْ عَنْ الْقِبْلَةِ مَا لَمْ يَزِدْ مَا بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَثِمِائَةِ ذِرَاعٍ أَوْ يَحُلْ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَكْثَرَ مِنْ ثَلَثِمِائَةِ ذِرَاعٍ) أَيْ يَقِينًا، وَعَلَيْهِ فَلَوْ شَكَّ فِي الْمَسَافَةِ هَلْ تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَا لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّقَدُّمِ (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ مُحَاذِيًا لَهَا) بِأَنْ لَا يَتَحَوَّلَ عَنْ الْقِبْلَةِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ) أَيْ الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ.
(قَوْلُهُ: شُرُوطٌ غَيْرُهَا إلَخْ) سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَمَّا يُطْلَبُ مِنْ غَيْرِ الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ وَقَالَ حَجّ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ سَنُّ كُلِّ مَا مَرَّ لَهُمَا: أَيْ الْقُدْوَةِ وَالصَّلَاةِ مِمَّا يَتَأَتَّى مَجِيئُهُ هُنَا أَيْضًا نَعَمْ بَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُسَنُّ هُنَا النَّظَرُ لِلْجِنَازَةِ، وَبَعْضُهُمْ النَّظَرُ لِمَحَلِّ السُّجُودِ لَوْ فُرِضَ أَخْذًا مِنْ بَحْثِ الْبُلْقِينِيِّ ذَلِكَ فِي الْأَعْمَى وَالْمُصَلِّي فِي ظُلْمَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ اهـ (قَوْلُهُ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ مَا مِنْ رَجُلٍ) ذِكْرُ الرَّجُلِ مِثَالٌ (قَوْلُهُ: فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ) أَيْ بِأَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: لَا يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ شَيْئًا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عُدُولًا وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ (قَوْلُهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ لِعِظَمِ أَمْرِهِ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ: يُشْكِلُ عَلَى كِلَا الْجَوَابَيْنِ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَلِيَّ أَوْلَى
[حاشية الرشيدي]
لِلْأَذْكَارِ.
[شُرُوطُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ]
(قَوْلُهُ: وَقَالَ غَيْرُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَعَيَّنَ إمَامٌ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْغَيْرُ عِلَّةٌ لِلتَّنَافُسِ الَّذِي
صَلُّوا أَفْرَادًا، قَالَ فِي الدَّقَائِقِ: أَيْ جَمَاعَاتٍ بَعْدَ جَمَاعَاتٍ، وَقَدْ حُصِرَ الْمُصَلُّونَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا هُمْ ثَلَاثُونَ أَلْفًا وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ سِتُّونَ أَلْفًا؛ لِأَنَّ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مَلَكَيْنِ.
وَمَا وَقَعَ فِي الْإِحْيَاءِ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ عَنْ عِشْرِينَ أَلْفًا مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَحْفَظْ الْقُرْآنَ مِنْهُمْ إلَّا سِتَّةً، اُخْتُلِفَ فِي اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، قَالَ الدَّمِيرِيِّ: لَعَلَّهُ أَرَادَ عِشْرِينَ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَإِلَّا فَقَدْ رَوَى أَبُو زُرْعَةَ الْمَوَّازِيُّ أَنَّهُ مَاتَ عَنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا كُلُّهُمْ لَهُ صُحْبَةٌ وَرَوَى عَنْهُ وَسَمِعَ مِنْهُ.
(وَيَسْقُطُ فَرْضُهَا بِوَاحِدٍ) لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِصَلَاتِهِ؛ وَلِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تُشْتَرَطُ فِيهَا فَكَذَا الْعَدَدُ كَغَيْرِهَا، وَشَمَلَ ذَلِكَ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ مَعَ وُجُودِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِمْ وَلِأَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا لَهُمْ، وَفَارَقَ ذَلِكَ عَدَمَ سُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ فِي رَدِّ السَّلَامِ بِأَنَّ السَّلَامَ شُرِعَ فِي الْأَصْلِ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَالِمٌ مِنْ الْآخَرِ وَآمِنٌ مِنْهُ، وَأَمَانُ الصَّبِيِّ لَا يَصْلُحُ بِخِلَافِ صَلَاتِهِ (وَقِيلَ يَجِبُ) لِسُقُوطِ فَرْضِهَا (اثْنَانِ) أَيْ فِعْلُهُمَا (وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ) لِخَبَرِ الدَّارَقُطْنِيّ «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَأَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ (وَقِيلَ) يَجِبُ (أَرْبَعَةٌ) كَمَا قِيلَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ الْعَدَدِ فِي حَامِلِيهَا لِمَا فِي أَقَلَّ مِنْهَا مِمَّا قَدْ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْإِزْرَاءُ أَوْ الضَّرَرُ وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ لَوْ صَلَّى عَلَى
[حاشية الشبراملسي]
بِإِمَامَتِهَا، وَقَدْ كَانَ الْوَلِيُّ مَوْجُودًا كَعَمِّهِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَوَابِ الثَّانِي بِأَنَّ عَادَةَ السَّلَفِ جَرَتْ بِتَقْدِيمِ الْإِمَامِ عَلَى الْوَلِيِّ فَجَرَوْا عَلَى هَذِهِ الْعَادَةِ بِالنِّسْبَةِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاحْتَاجُوا إلَى التَّأْخِيرِ إلَى تَعَيُّنِ الْإِمَامِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَوْلُهُ قَدْ تَعَيَّنَ وَلَعَلَّ وَلِيَّهُ كَعَمِّهِ الْعَبَّاسِ إنَّمَا لَمْ يَؤُمَّهُمْ مَعَ أَنَّ الْحَقَّ لَهُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ إمَامٌ فَرُبَّمَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ فِتْنَةٌ انْتَهَى، سم عَلَى بَهْجَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَيَسْقُطُ فَرْضُهَا بِوَاحِدٍ) وَيُجْزِئُ الْوَاحِدُ وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ الْفَاتِحَةَ وَلَا غَيْرَهَا وَوَقَفَ بِقَدْرِهَا وَلَوْ مَعَ وُجُودِ مَنْ يَحْفَظُهَا فِيمَا يَظْهَرُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وُجُودُ صَلَاةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ جِنْسِ الْمُخَاطَبِينَ وَقَدْ وُجِدَتْ اهـ حَجّ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَ لَا يُحْسِنُ إلَّا الْفَاتِحَةَ فَقَطْ هَلْ الْأَوْلَى أَنْ يُكَرِّرَهَا أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ بَلْ وَالْمُتَعَيِّنُ الْأَوَّلُ لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْأَدْعِيَةِ.
[فَرْعٌ] قَالَ م ر: إذَا كَانَ الْمَيِّتُ فِي سِحْلِيَّةٍ مُسَمَّرَةٍ عَلَيْهِ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ فِي مَحَلٍّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَأْمُومِ بَابٌ مُسَمَّرٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسَمَّرَةً وَلَوْ بَعْضُ أَلْوَاحِهَا الَّتِي تَسَعُ خُرُوجَ الْمَيِّتِ مِنْهُ صَحَّتْ الصَّلَاةُ اهـ.
فَأَوْرَدْت عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُسَمَّرَةً كَانَتْ كَالْبَابِ الْمَرْدُودِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فَلْيَجِبْ أَنْ لَا تَصِحَّ الصَّلَاةُ مَعَ ذَلِكَ كَمَا لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ مَعَ ذَلِكَ، بَلْ قَضِيَّةُ ذَلِكَ امْتِنَاعُ الصَّلَاةِ عَلَى امْرَأَةٍ عَلَى تَابُوتِهَا قُبَّةٌ فَتَكَلَّفَ الْفَرْقَ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ الظُّهُورَ وَمِنْ شَأْنِ الْمَيِّتِ السَّتْرَ اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ جِدًّا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُ سم مَا لَمْ تَكُنْ مُسَمَّرَةً شَمَلَ مَا لَوْ كَانَ بِهَا شِدَادٌ وَلَمْ تَحِلَّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ لَمْ تَكُنْ السِّحْلِيَّةُ عَلَى نَجَاسَةٍ أَوْ يَكُنْ أَسْفَلُهَا نَجِسًا وَإِلَّا وَجَبَ الْحَلُّ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ فِي بَيْتٍ مُغْلَقٍ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَهُوَ خَارِجُ الْبَيْتِ لِضَرَرٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِلْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: وَأَقَلُّ الْجَمْعِ)
[حاشية الرشيدي]
ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ لَا قَوْلٌ مُقَابِلٌ لَهُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَيْ جَمَاعَاتٍ بَعْدَ جَمَاعَاتٍ) لَعَلَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْتَمِعُونَ جَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ لَكِنْ يُصَلِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ إمَامٍ حَتَّى يُلَائِمَ مَا قَبْلَهُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مَلَكَيْنِ) ظَاهِرٌ أَنَّ الْحَفَظَةَ يُشَارِكُونَ فِي الْعَمَلِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: كُلُّهُمْ لَهُ صُحْبَةٌ وَرَوَى عَنْهُ وَسَمِعَ مِنْهُ) أَيْ أَمَّا مَنْ ثَبَتَتْ لَهُ الصُّحْبَةُ بِمُجَرَّدِ الِاجْتِمَاعِ أَوْ الرُّؤْيَةِ فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ أَضْعَافُ هَذَا الْعَدَدِ، لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ امْتِنَاعِ كَوْنِ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الْمُسْتَطِيلَةِ خُصُوصًا مَعَ أَسْفَارِهِ وَانْتِقَالَاتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَاصِرًا عَلَى هَذَا، فَالْوَاحِدُ مِنَّا يَتَّفِقُ لَهُ أَنْ يَجْتَمِعَ بِنَحْوِ هَذَا الْعَدَدِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَاتَ عَنْ مِائَةِ أَلْفٍ الَّذِينَ مَاتُوا فِي حَيَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّنْ سَمِعَ وَرَوَى فَهُمْ كَثِيرٌ أَيْضًا فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَأَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ)
الْجِنَازَةِ عَدَدٌ زَائِدٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَقَعَتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ فَرْضَ كِفَايَةٍ.
(وَلَا يَسْقُطُ) فَرْضُ صَلَاتِهَا (بِالنِّسَاءِ وَهُنَاكَ رِجَالٌ) (فِي الْأَصَحِّ) أَوْ رَجُلٌ أَوْ صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْهُنَّ وَدُعَاؤُهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِهَانَةً بِالْمَيِّتِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِحُضُورِهِ: وُجُودُهُ فِي مَحَلِّ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ لَا وُجُودُهُ مُطْلَقًا وَلَا فِي دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَالثَّانِي يَسْقُطُ بِهِنَّ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِنَّ وَجَمَاعَتِهِنَّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ذَكَرٌ: أَيْ وَلَا خُنْثَى فِيمَا يَظْهَرُ وَجَبَتْ عَلَيْهِنَّ وَسَقَطَ الْفَرْضُ بِهِنَّ، وَتُسَنُّ لَهُنَّ جَمَاعَةً كَمَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ.
قَالَهُ الْمُصَنِّفُ خِلَافًا لِمَا فِي الْعُدَّةِ، وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ.
لَا يُقَالُ: كَيْفَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَرْأَةِ وَهُنَاكَ صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ مَعَ أَنَّهَا الْمُخَاطَبَةُ بِهِ دُونَهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ يُخَاطَبُ الشَّخْصُ بِشَيْءٍ وَيَتَوَقَّفُ فِعْلُهُ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ آخَرَ، لَا سِيَّمَا فِيمَا يَسْقُطُ عَنْهُ الشَّيْءُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ فَلَا يُخَاطَبْنَ بِهِ خِطَابَ فَرْضٍ وَلَا يَسْقُطُ بِفِعْلِهِنَّ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ أَمْرُهُ بِهَا كَمَا يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الطِّفْلِ أَمْرُهُ بِالصَّلَاةِ وَنَحْوُهَا، كَذَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، خِلَافًا لِابْنِ الْمُقْرِي فِي شَرْحِ إرْشَادِهِ حَيْثُ ذَهَبَ إلَى إجْزَاءِ صَلَاتِهِنَّ مُعَلِّلًا لَهُ بِعَدَمِ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ لَهُ.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ مَعَهَا سَقَطَ الْفَرْضُ بِصَلَاةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي صَلَاتِهِ دُونَ صَلَاتِهَا لِاحْتِمَالِ ذُكُورَتِهِ كَمَا مَرَّ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ ابْنُ الْمُقْرِي فِي شَرْحِ إرْشَادِهِ فَقَالَ: وَإِنْ صَلَّى سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ وَعَنْ النِّسَاءِ، وَإِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ النِّسَاءِ، وَأَمَّا عَنْ الْخُنْثَى فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ يَأْبَى ذَلِكَ اهـ.
وَهُوَ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْوَاوُ فِي صَلَّوْا إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَهُنَاكَ رِجَالٌ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْبَهْجَةِ: وَصَلَاتُهُنَّ وَصَلَاةُ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ أَوْ بَعْدَهُمْ تَقَعُ نَفْلًا لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ اهـ.
وَكَانَتْ عَلَيْهِ سم قَوْلُهُ أَوْ بَعْدَهُمْ قَدْ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ صَلَاتِهِنَّ وَصَلَاةِ الصِّبْيَانِ قَبْلَ الرِّجَالِ فَلْيُرَاجَعْ فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ عَدَمُ الِامْتِنَاعِ.
وَقَوْلُهُ تَقَعُ نَفْلًا قَضِيَّتُهُ أَنَّهُمْ لَا يَنْوُونَ الْفَرْضِيَّةَ، وَأَمَّا إذَا تَوَجَّهَ الْفَرْضُ عَلَى النِّسَاءِ لِعَدَمِ الرِّجَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْوِينَ الْفَرْضِيَّةَ فَلْيُتَأَمَّلْ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُمْ لَا يَنْوُونَ إلَخْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَجْرِيَ فِي نِيَّتِهِمْ إيَّاهَا مَا قِيلَ فِي صَلَاةِ الصَّبِيِّ الْخَمْسِ بِجَامِعِ عَدَمِ الْوُجُوبِ فِيهَا لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الشَّارِحِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهِنَّ الْفَرْضَ وَلَوْ مَعَ الرِّجَالِ وَإِنْ وَقَعَتْ صَلَاتُهُنَّ نَفْلًا، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ إذَا صَلَّى مَعَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ بِالْهَامِشِ أَيْضًا، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ النِّسَاءَ مِنْ جِنْسِ الْمُكَلَّفِينَ بِخِلَافِهِ (قَوْلُهُ: وُجُودُهُ فِي مَحَلِّ الصَّلَاةِ) أَيْ بِمَحَلِّ الصَّلَاةِ وَمَا يُنْسَبُ إلَيْهِ كَخَارِجِ السُّورِ الْقَرِيبِ مِنْهُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي عَنْ الْوَافِي حَجّ، وَمُرَادُهُ بِمَا يَأْتِي عَنْ الْوَافِي مَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ قَوْلِهِ: فَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ خَارِجَ السُّورِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَا خُنْثَى) وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا لَوْ تَعَدَّدَتْ الْخَنَاثَى فِي مَحَلٍّ وَفُقِدَتْ الرِّجَالُ هَلْ يَكْفِي فِي سُقُوطِ الطَّلَبِ صَلَاةُ وَاحِدٍ أَمْ تَجِبُ صَلَاةُ الْجَمِيعِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُتَخَلِّفَ ذَكَرٌ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَيُفِيدُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي دُونَ صَلَاتِهَا لِاحْتِمَالِ ذُكُورَتِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ سَقَطَ الْفَرْضُ) أَيْ فَلَمْ يَأْثَمْنَ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْخُنْثَى أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الرِّجَالِ إذَا حَضَرَ بَعْدَ الدَّفْنِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْقَبْرِ لِعَدَمِ سُقُوطِ الصَّلَاةِ بِفِعْلِ النِّسَاءِ لِاحْتِمَالِ
[حاشية الرشيدي]
فَهُوَ دَلِيلٌ لِلْقَوْلَيْنِ عَلَى التَّوْزِيعِ
(قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّهَا الْمُخَاطَبَةُ بِهِ) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ يُخَاطَبُ الشَّخْصُ بِشَيْءٍ وَيَتَوَقَّفُ فِعْلُهُ) أَيْ فِعْلُهُ الْمُسْقِطُ لِلْفَرْضِ فَلَا يُنَافِي مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ) يَعْنِي قَوْلَهُ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ أَمْرُهُ وَإِلَّا فَمَا قَبْلَهُ عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ النِّسَاءِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُنَّ مُخَاطَبَاتٌ مَعَ وُجُودِ الْخُنْثَى، وَيُعَارِضُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ الْمَارُّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ذَكَرٌ: أَيْ وَلَا خُنْثَى فِيمَا يَظْهَرُ وَجَبَتْ عَلَيْهِنَّ، إذْ مَفْهُومُهُ أَنَّهَا مَعَ وُجُودِهِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِنَّ، وَلَعَلَّ كَلَامَ شَرْحِ الْإِرْشَادِ مَبْنِيٌّ عَلَى كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنْ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّهُنَّ مُخَاطَبَاتٌ بِالْفَرْضِ، فَالْقِيَاسُ سُقُوطُ الْفَرْضِ بِهِنَّ حَتَّى عَنْ الْخُنْثَى، وَإِنْ كُنَّ غَيْرَ مُخَاطَبَاتٍ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ النِّسَاءِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: رَاعَيْنَا احْتِمَالَ الذُّكُورَةِ فِي حَالَةٍ وَاحْتِمَالَ الْأُنُوثَةِ فِي أُخْرَى
كَمَا قَالَ احْتِيَاطًا لِلْفَرْضِ.
(وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ عَنْ الْبَلَدِ) وَلَوْ فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَفِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَالْمُصَلِّي مُسْتَقْبِلهَا «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَ مَوْتِهِ بِالْحَبَشَةِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ، فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّ الْأَرْضَ زُوِيَتْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى رَآهُ أُجِيبَ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَنُقِلَ، وَكَانَ أَوْلَى بِالنَّقْلِ مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ مُعْجِزَةٌ، وَالثَّانِي أَنَّ رُؤْيَتَهُ إنْ كَانَتْ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْأَرْضِ تَدَاخَلَتْ حَتَّى صَارَتْ الْحَبَشَةُ بِبَابِ الْمَدِينَةِ لَوَجَبَ أَنْ تَرَاهُ الصَّحَابَةُ أَيْضًا وَلَمْ يُنْقَلْ، وَإِنْ كَانَتْ لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَهُ إدْرَاكًا فَلَا يَتِمُّ عَلَى مَذْهَبِ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّ الْبُعْدَ عَنْ الْمَيِّتِ عِنْدَهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ وَإِنْ رَآهُ، وَأَيْضًا وَجَبَ أَنْ تُبْطِلَ صَلَاتَهُ الصَّحَابَةُ، وَقَدْ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَجَازَ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ بِأَنَّ ذَلِكَ يُسْقِطُ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّ السُّقُوطِ بِهَا حَيْثُ عَلِمَ بِهَا الْحَاضِرُونَ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنَّهَا لَا تَجُوزُ عَلَى الْغَائِبِ حَتَّى يُعْلَمَ أَوْ يُظَنَّ أَنَّهُ قَدْ غُسِّلَ: أَيْ أَوْ يُمِّمَ بِشَرْطِهِ.
نَعَمْ لَوْ عَلَّقَ النِّيَّةَ عَلَى طُهْرِهِ بِأَنْ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ قَدْ طُهِّرَ فَالْأَوْجَهُ الصِّحَّةُ كَمَا هُوَ أَحَدُ احْتِمَالَيْنِ لِلْأَذْرَعِيِّ، أَمَّا الْحَاضِرُ بِالْبَلَدِ وَإِنْ كَبُرَتْ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِتَيَسُّرِ الْحُضُورِ، وَشَبَّهُوهُ بِالْقَضَاءِ عَلَى مَنْ بِالْبَلَدِ مَعَ إمْكَانِ إحْضَارِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ خَارِجَ السُّوَرِ قَرِيبًا مِنْهُ فَهُوَ كَدَاخِلِهِ، نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْوَافِي وَأَقَرَّهُ: أَيْ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَقَابِرَ تُجْعَلُ خَارِجَ السُّوَرِ، وَعِبَارَتُهُ: مَنْ كَانَ خَارِجَ السُّوَرِ إنْ كَانَ أَهْلُهُ يَسْتَعِيرُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ هُوَ دَاخِلَ السُّوَرِ لِلْخَارِجِ وَلَا الْعَكْسُ اهـ.
وَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَى مَنْ فِي الْبَلَدِ الْحُضُورُ لِحَبْسٍ أَوْ مَرَضٍ لَمْ يَبْعُدْ جَوَازُ ذَلِكَ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فِي الْمَحْبُوسِ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلَّلُوا الْمَنْعَ بِتَيَسُّرِ الذَّهَابِ إلَيْهِ، وَفِي مَعْنَاهُ إذَا قُتِلَ إنْسَانٌ بِبَلَدٍ وَأُخْفِيَ قَبْرُهُ عَنْ النَّاسِ وَالْأَوْجَهُ فِي الْقُرَى الْمُتَقَارِبَةِ جِدًّا أَنَّهَا كَالْقَرْيَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَوْ صَلَّى عَلَى مَنْ مَاتَ فِي يَوْمِهِ أَوْ سَنَتِهِ وَظَهَرَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَيْنَهُمْ بَلْ تُسَنُّ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ جَائِزَةٌ وَتَعَيُّنُهُمْ غَيْرُ شَرْطٍ.
(وَيَجِبُ)
[حاشية الشبراملسي]
ذُكُورَةِ الْخُنْثَى.
(قَوْلُهُ: وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ) هَلْ يَشْمَلُ الْأَنْبِيَاءَ فَتَجُوزُ صَلَاةُ الْغَيَبَةِ عَلَيْهِمْ كَمَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْحُضُورِ عَلَيْهِمْ أَمْ لَا وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْقَلْبُ لِلْجَوَازِ أَمْيَلُ وَإِنْ قَالَ م ر بِالْمَنْعِ.
[فَرْعٌ] لَوْ بَعُدَ الْمَيِّتُ عَنْ الْمُصَلِّي بِأَنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَأَكْثَرَ مَثَلًا، لَكِنْ كَانَ الْمُصَلِّي يُشَاهِدُهُ كَالْحَاضِرِ عِنْدَهُ كَرَامَةً لَهُ فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْبُعْدِ لِأَنَّهُ غَائِبٌ وَالْمُرَادُ بِالْغَائِبِ الْبَعِيدُ، أَوْ لَا تَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أُوفِيَ حُكْمَ الْحَاضِرِ لِمُشَاهَدَتِهِ فِيهِ حَاضِرَ نَظَرٍ، وَالْمُتَّجَهُ عِنْدِي الْأَوَّلُ وَإِنْ أَجَابَ م ر فَوْرًا بِالثَّانِي اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ، وَالْمُرَادُ الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ يَكُونُ الْمُصَلِّي مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا وَقْتَ مَوْتِهِمْ كَسَيِّدِنَا عِيسَى وَالْخَضِرِ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
أَقُولُ: وَقَدْ يُؤَيِّدُ مَا اسْتَوْجَبَهُ سم بِصَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ مَعَهُ عَلَى النَّجَاشِيِّ وَإِنْ رُفِعَ لَهُ حَتَّى رَآهُ فِي مَحَلِّهِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُصَيِّرُهُ حَاضِرًا (قَوْلُهُ: وَكَانَ أَوْلَى بِالنَّقْلِ) أَيْ بِنَقْلِهِ وَرِوَايَتِهِ إلَيْنَا (قَوْلُهُ: لِتَيَسُّرِ الْحُضُورِ) الْمُتَّجَهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْمَشَقَّةُ وَعَدَمُهَا فَحَيْثُ شَقَّ الْحُضُورُ وَلَوْ فِي الْبَلَدِ لِكِبَرِهَا وَنَحْوِهِ صَحَّتْ، وَحَيْثُ لَا وَلَوْ خَارِجَ السُّورِ لَمْ تَصِحَّ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَدْ يُفِيدُهُ قَوْلُهُ وَلَوْ تَعَذَّرَ إلَخْ، وَمِنْهُ أَيْضًا يُسْتَفَادُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْمَشَقَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِمُرِيدِ الصَّلَاةِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ التَّمْثِيلِ لِلْعُذْرِ بِالْمَرَضِ (قَوْلُهُ: قَرِيبًا مِنْهُ) قَالَ حَجّ: وَيُؤْخَذُ ضَبْطُ الْقُرْبِ هُنَا بِمَا يَجِبُ الطَّلَبُ مِنْهُ فِي التَّيَمُّمِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ إنْ أُرِيدَ بِهِ حَدُّ الْغَوْثِ لَا الْقُرْبُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ صَلَّى عَلَى مَنْ مَاتَ فِي يَوْمِهِ أَوْ سَنَتِهِ إلَخْ) هَلْ يَدْخُلُ مَنْ فِي الْبَلَدِ تَبَعًا، وَقَدْ يَنْقَاسُ عَدَمُ الدُّخُولِ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إلَّا مَعَ حُضُورِهِ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
وَمَحَلُّهُ أَيْضًا أَخْذًا مِمَّا مَرَّ لَهُ مَا لَمْ تَشُقَّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ فِي قُبُورِهِمْ وَإِلَّا شَمَلَتْهُمْ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إفْرَادُهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ مَعَ غَيْبَتِهِمْ فَشُمُولُ صَلَاتِهِ لَهُمْ أَوْلَى (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُمْ) وَأَشْمَلُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ تَصِحُّ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(تَقْدِيمُهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (عَلَى الدَّفْنِ) وَتَأْخِيرُهَا عَنْ الْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ عِنْدَ وُجُودِ مُسَوِّغِهِ، فَلَوْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ أَتَمَّ الدَّافِنُونَ وَالرَّاضُونَ بِدَفْنِهِ قَبْلَهَا لِوُجُوبِ تَقْدِيمِهَا عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عُذْرٌ، وَيُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْبَشُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ (وَتَصِحُّ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الدَّفْنِ لِلِاتِّبَاعِ فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ عَلَى الْقَبْرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَسَائِلِ الْمَنْثُورَةِ، وَيَسْقُطُ الْفَرْضُ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ عَلَى الصَّحِيحِ (وَالْأَصَحُّ تَخْصِيصُ الصِّحَّةِ) أَيْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ وَالْقَبْرِ (بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ) أَدَاءِ (فَرْضِهَا وَقْتَ الْمَوْتِ) دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ مُتَنَفِّلٌ وَهَذِهِ لَا يُتَنَفَّلُ بِهَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: مَعْنَاهُ لَا تُفْعَلُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى: وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِصُورَتِهَا مِنْ غَيْرِ جِنَازَةٍ، بِخِلَافِ صَلَاةِ الظُّهْرِ يُؤْتَى بِصُورَتِهَا ابْتِدَاءً بِلَا سَبَبٍ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّ مَا قَالُوهُ يُنْتَقَضُ بِصَلَاةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فَإِنَّهَا نَافِلَةً لَهُنَّ مَعَ صِحَّتِهَا، وَلَوْ أُعِيدَتْ وَقَعَتْ نَافِلَةً خِلَافًا لِلْقَاضِي، وَلَعَلَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ الصَّلَاةَ إذَا لَمْ تَكُنْ مَطْلُوبَةً لَا تَنْعَقِدُ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَحَلَّ كَلَامِهِمْ إذَا كَانَ عَدَمُ الطَّلَبِ لَهَا لِذَاتِهَا، وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ امْتِيَازُ هَذِهِ الصَّلَاةِ عَنْ غَيْرِهَا وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُتَنَفَّلُ بِهَا.
أَمَّا لَوْ صَلَّى عَلَيْهَا مَنْ لَمْ يُصَلِّ أَوَّلًا فَإِنَّهَا تَقَعُ لَهُ فَرْضًا.
قَدْ اعْتَرَضَ ابْنُ الْعِمَادِ كَلَامَ الْمَجْمُوعِ فِي قَوْلِهِ بِخِلَافِ الظُّهْرِ بِأَنَّهُ خَطَأٌ صَرِيحٌ، فَإِنَّ الظُّهْرَ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ؛ لِأَنَّهُ تَعَاطَى عِبَادَةً لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا وَهُوَ حَرَامٌ.
وَالْأَسْبَابُ الَّتِي تُؤَدَّى بِهَا الظُّهْرُ ثَلَاثَةٌ: الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ وَالْإِعَادَةُ، وَرَدَّهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ مَا قَالَهُ هُوَ الْخَطَأُ الصَّرِيحُ لِخَطَئِهِ فِي فَهْمِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا يَرُدُّ مَا قَالَهُ لَوْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ يُؤَدَّى بِهَا، وَقَضِيَّةُ اعْتِبَارِ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ يَوْمَ الْمَوْتِ مَنْعُ الْكَافِرِ وَالْحَائِضِ يَوْمئِذٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَاعْتِبَارُ الْمَوْتِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ أَوْ أَفَاقَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُ لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا لَوْ كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُ فَتَرَكَ الْجَمِيعُ فَإِنَّهُمْ يَأْثَمُونَ، بَلْ لَوْ زَالَ الْمَانِعُ بَعْدَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَأَدْرَكَ زَمَنًا تُمْكِنُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَانَ كَذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي الضَّبْطُ بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا وَقْتَ الدَّفْنِ لِئَلَّا يَرِدَ مَا قِيلَ، وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ أَبَدًا بِشَرْطِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَا بِمُدَّةِ بَقَائِهِ قَبْلَ بَلَائِهِ وَلَا
[حاشية الشبراملسي]
صَلَاتُهُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ فَيَشْمَلُ مَنْ مَاتَ مِنْ بُلُوغِهِ أَوْ تَمْيِيزِهِ عَلَى مَا يَأْتِي، ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي الدُّعَاءِ لَهُمْ هُنَا: اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ دُونَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنْ كَانُوا مُحْسِنِينَ.
. إلَخْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْجَمِيعِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا كُلُّهُمْ مُحْسِنِينَ وَلَا مُسِيئِينَ.
[تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ عَلَى الدَّفْنِ وَتَأْخِيرُهَا عَنْ الْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ]
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أُعِيدَتْ) إلَخْ وَلَوْ مِرَارًا وَمُنْفَرِدًا، وَعِبَارَةُ سم عَلَى بَهْجَةٍ قَوْلُهُ وَلَوْ أُعِيدَتْ يَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ جَوَازُ إعَادَتِهَا بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الشَّفَاعَةُ وَالدُّعَاءُ، وَالدُّعَاءُ لَا يُعْلَمُ حُصُولُ الْمَطْلُوبِ بِهِ بِمَرَّةٍ مُعَيَّنَةٍ بَلْ لَوْ عُلِمَ حُصُولُهُ بِهَا أَمْكَنَ أَنْ يَحْصُلَ بِغَيْرِهَا زِيَادَةٌ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَقَبْلَ الْغُسْلِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ وَكَذَا بَعْدَهُ وَقَبْلَ الدَّفْنِ وَسَيَأْتِي لَهُ (قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ) ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَقْبَرَةِ الْمَنْبُوشَةِ وَغَيْرِهَا وَهِيَ فِي الْمَنْبُوشَةِ مُشْكِلٌ لِلْعِلْمِ بِنَجَاسَةِ
[حاشية الرشيدي]
[الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ]
قَوْلُهُ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ لَا تُفْعَلُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى) هَذَا حَمْلٌ لِقَوْلِهِمْ إنَّهَا لَا يُتَنَفَّلُ بِهَا فِي حَدِّ ذَاتِهِ، وَإِلَّا لَوْ نَظَرْنَا إلَى هَذَا الْحَمْلِ لَمْ يَصْلُحْ الْمَحْمُولُ لِلتَّعْلِيلِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: يُؤْتَى بِصُورَتِهَا) بِأَنْ يُتَنَفَّلَ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ عَلَى صُورَةِ الظُّهْرِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ لَكِنَّ مَا قَالُوهُ يُنْتَقَضُ إلَخْ) هَذَا لَا يَتَأَتَّى بَعْدَ حَمْلِهِ الْمَارِّ (قَوْلُهُ: بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ امْتِيَازٌ إلَخْ) فِيهِ وَقْفَةٌ لَا تَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ (قَوْلُهُ: يَوْمَ الْمَوْتِ) أَيْ وَقْتَهُ وَكَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرَ بِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ) اخْتِيَارُهُ لِهَذَا لَا يُلَائِمُ مَا سَيَأْتِي لَهُ قَرِيبًا مِنْ الضَّبْطِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُ لَزِمَتْهُ) أَيْ فَضْلًا عَنْ صِحَّتِهَا مِنْهُ، وَإِلَّا فَاللُّزُومُ أَخَصُّ مِنْ الصِّحَّةِ الَّتِي الْكَلَامُ فِيهِ (قَوْلُهُ: يَأْثَمُونَ) أَيْ وَهُوَ مِنْهُمْ.
بِتَفَسُّخِهِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَقْتَ الْمَوْتِ، فَمَنْ كَانَ وَقْتُهُ غَيْرَ مُمَيَّزٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ قَطْعًا، وَمَنْ كَانَ وَقْتَهُ مُمَيِّزًا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَوَّلِ وَتَصِحُّ عَلَى الثَّانِي.
(وَلَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَالٍ) أَيْ لَا تَجُوزُ، وَكَذَا عَلَى قَبْرِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لِخَبَرِ «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ؛ وَلِأَنَّا لَمْ نَكُنْ أَهْلًا لِلْفَرْضِ وَقْتَ مَوْتِهِمْ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْعِلَّةِ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى قَبْرِ عِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَوْتِهِ وَدَفْنِهِ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَجَرَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ الْمَنْعُ فِيهِ كَغَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ النَّهْيُ، فَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ دَفْنِهِمْ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَعَلَى قُبُورِهِمْ خَارِجَةٌ بِالنَّهْيِ، وَلِهَذَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي خَادِمِهِ: وَالصَّوَابُ أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ: لَعَنْ اللَّهُ الْيَهُودَ إلَى آخِرِهِ
[فَرْعٌ] فِي بَيَانِ الْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ إنَّهُ زَادَ التَّرْجَمَةَ بِهِ لِطُولِ الْفَصْلِ قَبْلَهُ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ كَمَا نَقَصَ تَرْجَمَةَ التَّعْزِيَةِ بِفَصْلٍ لِقِصَرِ الْفَصْلِ قَبْلَهُ دَفَعَ بِهِ مَا قِيلَ إنَّ تَرْجَمَتَهُ بِالْفَرْعِ مُشْكِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ وَهُوَ بَيَانُ أَوْلَوِيَّةِ الْوَلِيِّ لَيْسَ فَرْعًا عَمَّا قَبْلَهُ مِنْ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَيْسَ مُتَفَرِّعًا عَلَى الصَّلَاةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُتَفَرِّعٌ عَمَّا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَسْتَدْعِي مُصَلِّيًا وَهُوَ يَسْتَدْعِي مَعْرِفَةَ الْأَوْصَافِ الَّتِي يُقَدِّمُ بِهَا (الْجَدِيدُ أَنَّ الْوَلِيَّ) أَيْ الْقَرِيبَ الذَّكَرَ وَلَوْ غَيْرَ وَارِثٍ (أَوْلَى) أَيْ أَحَقُّ (بِإِمَامَتِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَوْ امْرَأَةً (مِنْ الْوَالِي) وَلَوْ أَوْصَى بِهَا لِغَيْرِهِ إذْ هِيَ حَقُّهُ فَلَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهَا كَالْإِرْثِ، وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَصَّى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عُمَرُ
[حاشية الشبراملسي]
مَا تَحْتَ الْمَيِّتِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الْمَنْبُوشَةِ فَلْيُرَاجَعْ، عَلَى أَنَّ فِي غَيْرِ الْمَنْبُوشَةِ يَتَحَقَّقُ انْفِجَارُهُ عَادَةً وَنَجَاسَةُ كَفَنِهِ بِالصَّدِيدِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا دَوَامٌ وَاغْتُفِرَ لِقَصْدِ الدُّعَاءِ وَالشَّفَاعَةِ لَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَيُصَرِّحُ بِالتَّعْمِيمِ قَوْلُ الشَّارِحِ: وَلَا يَتَقَيَّدُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَوْلُهُ السَّابِقُ: وَلَوْ صَلَّى عَلَى مَنْ مَاتَ فِي يَوْمِهِ أَوْ سَنَتِهِ وَطَهُرَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ جَازَ
(قَوْلُهُ لِخَبَرِ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ إلَخْ) قَالَ السُّيُوطِيّ: هُوَ فِي الْيَهُودِ وَاضِحٌ وَفِي النَّصَارَى مُشْكِلٌ إذْ نَبِيُّهُمْ لَمْ تُقْبَضْ رُوحُهُ.
إلَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ لَهُمْ أَنْبِيَاءَ غَيْرَ رُسُلٍ كَالْحَوَارِيِّينَ وَمَرْيَمَ فِي قَوْلٍ، أَوْ الْجَمْعُ فِي قَوْلِهِ أَنْبِيَائِهِمْ بِإِزَاءِ الْمَجْمُوعِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَوْ الْمُرَادُ الْأَنْبِيَاءُ وَكِبَارُ أَتْبَاعِهِمْ فَاكْتُفِيَ بِذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ: قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصُلَحَائِهِمْ، أَوْ الْمُرَادُ بِالِاتِّخَاذِ أَعَمُّ مِنْ الِابْتِدَاعِ وَالِاتِّبَاعِ فَالْيَهُودُ ابْتَدَعُوا وَالنَّصَارَى اتَّبَعُوا.
[فَرْعٌ فِي بَيَانِ الْأَوْلَى بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ]
(قَوْلُهُ: فِي بَيَانِ الْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ كَعَدَمِ غُسْلِ مَنْ اُسْتُشْهِدَ جُنُبًا (قَوْلُهُ: أَيْ الْقَرِيبُ) هَذَا التَّفْسِيرُ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ ذَوِي الْأَرْحَامِ عَلَى الْإِمَامِ، وَيُنَافِيهِ مَا يَأْتِي مِنْ تَقْدِيمِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: جَرَى هُنَا عَلَى مَا رَجَّحَهُ الْكَمَالُ الْمَقْدِسِيَّ تَبَعًا لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ لَا حَقَّ لَهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَفِيمَا يَأْتِي عَلَى مَا قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ وَالْمُتَوَلِّي، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْوَلِيِّ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْإِمَامِ يُتَأَمَّلْ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَشْمَلُ تَفْسِيرُهُ بِمَا ذَكَرَ الْمُعْتَقَ وَعَصَبَتَهُ (قَوْلُهُ: أَيْ أَحَقُّ) أَيْ أَوْلَى فَلَوْ تَقَدَّمَ غَيْرُهُ كُرِهَ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَوْصَى بِهَا) أَيْ الْمَيِّتُ (قَوْلُهُ: فَلَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ) أَيْ لَا يَجِبُ
[حاشية الرشيدي]
فَرْعٌ] (قَوْلُهُ: دَفَعَ بِهِ مَا قِيلَ إنَّ تَرْجَمَتَهُ بِالْفَرْعِ مُشْكِلَةٌ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ، إذْ هُوَ لَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ الْمَذْكُورَ إذْ يُقَالُ عَلَيْهِ فَكَانَ يُعَبِّرُ بِفَصْلٍ أَوْ نَحْوِهِ وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ: الْآتِي وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إلَخْ، وَلَك أَنْ تَمْنَعَ الْإِشْكَالَ مِنْ أَصْلِهِ بِمَنْعِ الِاشْتِرَاطِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُسْتَشْكِلُ أَخْذًا مِنْ صَنِيعِهِمْ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ حَيْثُ يُتَرْجِمُونَ بِالْفَرْعِ لِمَا هُوَ مِنْ فُرُوعِ الْبَابِ أَوْ الْفَصْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَفَرِّعًا عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْفَرْعِ مِنْ فُرُوعِ مَسَائِلِ أَصْلِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ قَالُوا: الْبَابُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى فُصُولٍ وَفُرُوعٍ وَمَسَائِلَ، وَالْفَصْلُ اسْمٌ
فَصَلَّى، وَأَنَّ عُمَرَ وَصَّى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ فَصَلَّى، وَأَنَّ عَائِشَةَ وَصَّتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَصَلَّى، وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَصَّى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ فَصَلَّى مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُمْ أَجَازُوا الْوَصِيَّةَ، وَالْقَدِيمُ تَقْدِيمُ الْوَالِي ثُمَّ إمَامِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ الْوَلِيِّ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَفَرَّقَ الْجَدِيدُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ، وَدُعَاءُ الْقَرِيبِ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ لِتَأَلُّمِهِ وَانْكِسَارِ قَلْبِهِ.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُعِينِ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ وَإِلَّا قُدِّمَ عَلَيْهِ قَطْعًا، وَلَوْ غَابَ الْوَلِيُّ الْأَقْرَبُ: أَيْ وَلَا نَائِبَ لَهُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي الْمَجْمُوعِ قُدِّمَ الْوَلِيُّ الْأَبْعَدُ سَوَاءٌ أَكَانَتْ غِيبَتُهُ بَعِيدَةً أَمْ قَرِيبَةً، قَالَهُ الْبَغَوِيّ (فَيُقَدَّمُ الْأَبُ) أَوْ نَائِبُهُ كَمَا زَادَهُ ابْنُ الْمُقْرِي أَيْ حَيْثُ كَانَ غَائِبًا مَعْذُورًا فِي غِيبَتِهِ كَذَا قِيلَ، لَكِنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْأَقْرَبُ أَهْلًا لِلصَّلَاةِ، فَلَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهَا حَضَرَ أَوْ غَابَ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِلْأَبْعَدِ صَرَّحَ بِهِ الْعُمْرَانِيُّ، فَمَا وَقَعَ لِلْإِسْنَوِيِّ مِمَّا يُخَالِفُهُ لَا اعْتِمَادَ عَلَيْهِ، وَكَغَيْرِ الْأَبِ أَيْضًا نَائِبُهُ لِأَنَّ الْأُصُولَ أَشْفَقُ مِنْ الْفُرُوعِ (ثُمَّ الْجَدُّ) أَبُوهُ (وَإِنْ عَلَا ثُمَّ الِابْنُ ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ) بِتَثْلِيثِ الْفَاءِ (ثُمَّ الْأَخُ) ؛ لِأَنَّ الْفُرُوعَ أَقْرَبُ وَأَشْفَقُ مِنْ الْحَوَاشِي وَفَارَقَ تَرْتِيبَ الْإِرْثِ بِمَا مَرَّ (وَالْأَظْهَرُ تَقْدِيمُ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ عَلَى الْأَخِ لِأَبٍ) إذْ الْأَوَّلُ أَشْفَقُ لِزِيَادَةِ قُرْبِهِ، وَالثَّانِي هُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ الْأُمُومَةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي إمَامَةِ الرِّجَالِ فَلَا يُرَجَّحُ بِهَا.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهَا صَالِحَةٌ لِلتَّرْجِيحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا دَخْلٌ فِي إمَامَةِ الرِّجَالِ إذْ لَهَا دَخْلٌ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهَا تُصَلَّى مَأْمُومَةً وَمُنْفَرِدَةً وَإِمَامَةُ النِّسَاءِ عِنْدَ فَقْدِ غَيْرِهِنَّ فَقُدِّمَ بِهَا.
وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخُ الْأُمِّ وَنَحْوُ ذَلِكَ (ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأَبٍ ثُمَّ الْعَصَبَةُ) أَيْ النَّسَبِيَّةُ: أَيْ بَقِيَّتُهُمْ (عَلَى تَرْتِيبِ الْإِرْثِ) فَيُقَدَّمُ عَمٌّ شَقِيقٌ ثُمَّ
[حاشية الشبراملسي]
تَنْفِيذُهَا لَكِنَّهُ أَوْلَى كَمَا يَأْتِي عَنْ حَجّ (قَوْلُهُ: أَجَازُوا الْوَصِيَّةَ) وَهُوَ الْأَوْلَى جَبْرًا لِخَاطِرِ الْمَيِّتِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا قُدِّمَ عَلَيْهِ) أَيْ الْوَالِي عَلَيْهِ: أَيْ عَلَى الْوَلِيِّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ غَابَ الْوَلِيُّ الْأَقْرَبُ) وَلَوْ غَيْبَةً قَرِيبَةً اهـ حَجّ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ سَوَاءٌ إلَخْ (قَوْلُهُ: قُدِّمَ الْوَلِيُّ الْأَبْعَدُ إلَخْ) زَادَ حَجّ: وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ فِي النِّكَاحِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ فِيهِ كَوَلِيٍّ آخَرَ وَلَا كَذَلِكَ الْبَعِيدُ، وَهُنَا لَا حَقَّ لِلْوَلِيِّ مَعَ وُجُودِ أَحَدٍ مِنْ الْأَقَارِبِ فَانْتَقَلَتْ لِلْأَبْعَدِ اهـ. وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلُهُ: وَهُنَا لَا حَقَّ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ (قَوْلُهُ: إنَّهُ مَتَى كَانَ الْأَقْرَبُ أَهْلًا لِلصَّلَاةِ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ قَاتِلًا وَلَا عَدُوًّا وَلَا كَافِرًا وَلَا عَبْدًا مَعَ حُرٍّ قَرِيبٍ لِلْمَيِّتِ، بِخِلَافِهِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ كَمَا يَأْتِي، وَلَا صَبِيًّا وَلَا فَاسِقًا وَلَا مُبْتَدِعًا (قَوْلُهُ: فَلَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهَا) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَعِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ: وَيُقَدَّمُ مَفْضُولُ الدَّرَجَةِ عَلَى نَائِبِ فَاضِلِهَا فِي الْأَقْيَسِ: أَيْ حَيْثُ كَانَ الْمُسْتَنِيبُ حَاضِرًا لِتَقْصِيرِهِ بِالِاسْتِنَابَةِ كَأَخَوَيْنِ أَحَدُهُمَا شَقِيقٌ وَالْآخَرُ لِأَبٍ فَيُقَدَّمُ الْأَخُ لِلْأَبِ عَلَى نَائِبِ الشَّقِيقِ: أَيْ الْحَاضِرِ وَنَائِبُ الْأَقْرَبِ الْغَائِبِ عَلَى الْبَعِيدِ الْحَاضِرِ اهـ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الشَّارِحِ مِنْ تَقْدِيمِ نَائِبِ الْأَقْرَبِ الْحَاضِرِ وَلَوْ مَفْضُولًا عَلَى الْبَعِيدِ الْحَاضِرِ وَلَوْ فَاضِلًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأُصُولَ أَشْفَقُ) عِلَّةٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: وَفَارَقَ تَرْتِيبَ الْإِرْثِ) أَيْ حَيْثُ قَدَّمُوا هُنَا الْأَبَ وَالْجَدَّ عَلَى الِابْنِ وَهُنَاكَ قَدَّمُوا الِابْنَ مِنْ حَيْثُ الْعُصُوبَةِ، وَقَوْلُهُ بِمَا مَرَّ: أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَفَرَّقَ الْجَدِيدَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِزِيَادَةِ قُرْبِهِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ اصْطِلَاحُهُمْ فِي الْقُرْبِ غَيْرُ اصْطِلَاحِ الْفَرْضِيِّينَ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الشَّقِيقَ وَالْأَخَ مِنْ الْأَبِ مُسْتَوِيَيْنِ قُرْبًا لَكِنَّ الشَّقِيقَ أَقْوَى فَيُقَدَّمُ لِلْقُوَّةِ (قَوْلُهُ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ) أَيْ فَيُقَدَّمُ الَّذِي هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ عَلَى غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَا فِي الْإِرْثِ سَوَاءً (قَوْلُهُ: ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ)
[حاشية الرشيدي]
لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى فُرُوعٍ وَمَسَائِلَ غَالِبًا فِيهِمَا (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْأُصُولَ أَشْفَقُ) تَعْلِيلٌ لِلْمَتْنِ وَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَهُ عَنْ ذِكْرِ الْجَدِّ بَلْ وَالِابْنِ (قَوْلُهُ: إذْ لَهَا دَخْلٌ فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ أَمْثِلَتِهِ
لِأَبٍ ثُمَّ ابْنُ عَمٍّ كَذَلِكَ ثُمَّ عَمُّ الْجَدِّ ثُمَّ ابْنُ عَمِّهِ كَذَلِكَ وَهَكَذَا، ثُمَّ بَعْدَ عَصَبَاتِ النَّسَبِ يُقَدَّمُ الْمُعْتَقُ، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ النَّسَبِيَّةُ، ثُمَّ مُعْتَقُهُ، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ النَّسَبِيَّةُ وَهَكَذَا، ثُمَّ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ عِنْدَ انْتِظَامِ بَيْتِ الْمَالِ (ثُمَّ ذَوُو الْأَرْحَامِ) الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ فَيُقَدَّمُ أَبُو الْأُمِّ ثُمَّ الْأَخُ لِلْأُمِّ ثُمَّ الْخَالُ ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأُمِّ، وَجَعَلَ الْأَخَ لِلْأُمِّ هُنَا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ بِخِلَافِهِ فِي الْإِرْثِ كَنَظِيرِ مَا مَرَّ وَالْقِيَاسُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ، عَدَمُ تَقْدِيمِ الْقَاتِلِ كَمَا مَرَّ فِي الْغُسْلِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمَا تَأْخِيرُ بَنِي الْبَنَاتِ عَنْ هَؤُلَاءِ لَكِنْ قَدَّمَهُمْ فِي الذَّخَائِرِ عَلَى الْأَخِ لِلْأُمِّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَشْعَرَ سُكُوتُ الْمُصَنِّفِ عَنْ الزَّوْجِ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ بِخِلَافِ الْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ، وَلَا لِلْمَرْأَةِ أَيْضًا وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا وُجِدَ مَعَ الزَّوْجِ غَيْرُ الْأَجَانِبِ وَمَعَ الْمَرْأَةِ ذَكَرٌ وَإِلَّا فَالزَّوْجُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَجَانِبِ، وَالْمَرْأَةُ تُصَلِّي وَتُقَدَّمُ بِتَرْتِيبِ الذَّكَرِ، وَرَدَّ هَذَا الْأَخِيرَ بَعْضُهُمْ وَتَبِعَهُ الْجَوْجَرِيُّ بِأَنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُنَّ فِي الْإِمَامَةِ إذْ لَا يُشْرَعُ لِلنِّسَاءِ الْجَمَاعَةُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الشَّامِلِ وَقَدْ مَرَّ عَنْ الْمُصَنِّفِ خِلَافُهُ، وَيُرَدُّ مَا ذُكِرَ بِأَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا عَدَمَ مَشْرُوعِيَّتِهَا لَهُنَّ يَجُوزُ لَهُنَّ فِعْلُهَا، فَإِذَا أَرَدْنَهُ قَدَّمَ نِسَاءَ الْقَرَابَةِ بِتَرْتِيبِ الذُّكُورِ لِوُفُورِ الشَّفَقَةِ كَمَا فِي الرِّجَالِ وَتَرَدَّدَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَقْدِيمِ السَّيِّدِ عَلَى أَقَارِبِ الرَّقِيقِ الْأَحْرَارِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الرِّقَّ هَلْ يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ أَوْ لَا.
وَقَضِيَّةُ مَا نُقِلَ عَنْ الرَّافِعِيِّ مِنْ زَوَالِهِ بِهِ تَقْدِيمُهُمْ عَلَيْهِ.
وَنَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ أَيْضًا عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ هَلْ هُوَ أَوْلَى
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ وَإِنْ سَفَلَ (قَوْلُهُ ثُمَّ عَمُّ الْجَدِّ) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ عَمُّ الْأَبِ ثُمَّ ابْنُهُ (قَوْلُهُ: ثُمَّ ذَوُو الْأَرْحَامِ) قَالَ الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِهِ: الرَّحِمُ رَحِمُ الْمَرْأَةِ، وَامْرَأَةٌ رُحُومٌ تَشْكِي رَحِمَهَا، وَمِنْهُ اُسْتُعِيرَ الرَّحِمُ لِلْقَرَابَةِ لِكَوْنِهِمْ خَارِجِينَ مِنْ رَحِمٍ وَاحِدَةٍ: أَيْ فَإِطْلَاقُ الرَّحِمِ عَلَى الْقَرَابَةِ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ لَكِنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً (قَوْلُهُ: فَيُقَدَّمُ أَبُو الْأُمِّ) أَيْ وَإِنْ عَلَا (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأُمِّ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَقِيَّةَ ذَوِي الْأَرْحَامِ يَتَرَتَّبُونَ بِالْقُرْبِ إلَى الْمَيِّتِ حَجّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَدَخَلَ فِي بَقِيَّةِ الْأَرْحَامِ أَوْلَادُ الْأَخَوَاتِ وَأَوْلَادُ بَنَاتِ الْعَمِّ وَأَوْلَادُ الْخَالِ وَالْخَالَةِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ يَتَقَدَّمُ مِنْهُمْ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: تَقَدُّمُ أَوْلَادُ الْأَخَوَاتِ ثُمَّ أَوْلَادُ بَنَاتِ الْعَمِّ ثُمَّ أَوْلَادُ الْخَالِ ثُمَّ أَوْلَادُ الْخَالَةِ؛ لِأَنَّ بَنَاتَ الْعَمِّ بِفَرْضِهِنَّ ذُكُورًا يَكُونُونَ فِي مَحَلِّ الْعُصُوبَةِ وَبَنَاتِ الْأَخَوَاتِ لَوْ فُرِضَتْ أُصُولُهُنَّ ذُكُورًا قُدِّمُوا عَلَى غَيْرِهِمْ فَتَنْزِلُ بَنَاتُهُنَّ مَنْزِلَتَهُنَّ بِتَقْدِيرِ الذُّكُورَةِ وَبَنَاتِ الْخَالِ لِذُكُورَةِ مَنْ أَدْلَيْنَ بِهِ الْمُقْتَضِي لِتَقْدِيمِهِ عَلَى أُخْتِهِ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّرْتِيبَ مَا وَجَّهَ بِهِ حَجّ تَقْدِيمَ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ مِنْ أَنَّ الْإِدْلَاءَ بِالْبُنُوَّةِ أَقْوَى مِنْهُ بِالْأُخُوَّةِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: عَدَمُ تَقْدِيمِ الْقَاتِلِ) أَيْ وَلَوْ خَطَأً أَوْ قَاتِلًا بِحَقٍّ قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ إرْثِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ وَتَقَدَّمَ ثُمَّ إنَّ الْعَدُوَّ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَقِيَاسُهُ هُنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْإِمَامَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا لِلْمَرْأَةِ أَيْضًا) أَيْ بِقَيْدِ كَوْنِهَا زَوْجَةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي: وَالْمَرْأَةُ تُصَلِّي وَتُقَدَّمُ بِتَرْتِيبِ الذَّكَرِ (قَوْلُهُ وَتُقَدَّمُ بِتَرْتِيبِ الذَّكَرِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الزَّوْجَةَ تُقَدَّمُ عَلَى الْأَجْنَبِيَّاتِ كَالزَّوْجِ وَتُقَدَّمُ عَلَيْهَا نِسَاءُ الْأَقَارِبِ كَمَا تُقَدَّمُ الْأَقَارِبُ مِنْ الرَّجُلِ عَلَى الزَّوْجِ (قَوْلُهُ: وَرَدَّ هَذَا الْأَخِيرَ) هُوَ قَوْلُهُ وَلِلْمَرْأَةِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَيَرُدُّ مَا ذَكَرَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَرَدَّ هَذَا الْأَخِيرَ بَعْضُهُمْ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَيَرُدُّ مَا ذَكَرَ) أَيْ مِنْ أَنَّ النِّسَاءَ لَا حَقَّ لَهُنَّ فِي الْإِمَامَةِ (قَوْلُهُ وَقَضِيَّةُ مَا نَقَلَ عَنْ الرَّافِعِيِّ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: تَقْدِيمُهُمْ عَلَيْهِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَتُقَدَّمُ فِي الْغُسْلِ عَنْ سم عَلَى حَجّ عِنْدَ قَوْلِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: ثُمَّ عَمُّ الْجَدِّ) أَيْ بَعْدَ الْأَبِ ثُمَّ ابْنُهُ (قَوْلُهُ: كَنَظِيرِ مَا مَرَّ) لَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّ مَا هُنَا خَالَفَ الْإِرْثَ كَمَا خَالَفَهُ فِيمَا مَرَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْجَدِّ عَلَى الْأَخِ، فَالتَّشْبِيهُ فِيمَا ذَكَرَ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ وَجْهًا هُنَا (قَوْلُهُ: وَأَشْعَرَ سُكُوتُ الْمُصَنِّفِ عَنْ الزَّوْجِ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ) أَيْ مَعَ الْأَوْلِيَاءِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَلَا لِلْمَرْأَةِ) أَيْ مُطْلَقِ الْمَرْأَةِ لَا خُصُوصِ الزَّوْجَةِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي.
وَيُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي وَتَقَدَّمَ بِتَرْتِيبِ الذِّكْرِ أَنَّ الزَّوْجَةَ بَعْدَ إنْشَاءِ الْقَرَابَةِ تُقَدَّمُ عَلَى الْأَجْنَبِيَّاتِ نَظِيرَ مَا ذَكَرَهُ
بِالصَّلَاةِ عَلَى أَمَتِهَا كَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الشَّفَقَةِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي أَنَّ السَّيِّدَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى خِلَافًا لِمَا فِي الْإِسْعَادِ وَالْمُتَّجَهُ مِنْ هَذَا التَّرَدُّدِ الْأَوَّلُ (وَلَوْ) (اجْتَمَعَا) أَيْ وَلِيَّانِ (فِي دَرَجَةٍ) كَابْنَيْنِ وَأَخَوَيْنِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا صَالِحٌ لِلْإِمَامَةِ (فَالْأَسَنُّ) فِي الْإِسْلَامِ (الْعَدْلُ أَوْلَى) مِنْ الْأَفْقَهِ وَنَحْوِهِ (عَلَى النَّصِّ) عَكْسُ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ هُنَا الدُّعَاءُ وَدُعَاءُ الْأَسَنِّ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ، فَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَرُدَّ دَعْوَةَ ذِي الشَّيْبَةِ فِي الْإِسْلَامِ» وَأَمَّا سَائِرُ الصَّلَوَاتِ فَحَاجَتُهَا إلَى الْفِقْهِ أَهَمُّ لِوُقُوعِ الْحَوَادِثِ فِيهَا، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ تَقْدِيمُ الْفَقِيهِ عَلَى الْأَسَنِّ غَيْرِ الْفَقِيهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالْعِلَّةُ السَّابِقَةُ لَا تُخَالِفُهُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا فِي مُتَشَارِكَيْنِ فِي الْفِقْهِ فَكَانَ دُعَاءُ الْأَسَنِّ أَقْرَبَ، بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّ الْأَسَنَّ لَيْسَ دُعَاؤُهُ أَقْرَبَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشَارِكْ الْفَقِيهَ فِي شَيْءٍ.
وَأَمَّا الْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ فَلَا حَقَّ لَهُمَا فِي الْإِمَامَةِ، وَلَوْ اسْتَوَى اثْنَانِ فِي السِّنِّ الْمُعْتَبَرِ قُدِّمَ أَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي مَحَلِّهِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْمُسْتَوِيَيْنِ دَرَجَةً زَوْجًا قُدِّمَ وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ أَسَنَّ مِنْهُ كَمَا اقْتَضَاهُ نَصُّ الْبُوَيْطِيِّ، فَقَوْلُهُمْ لَا مَدْخَلَ لِلزَّوْجِ مَعَ الْأَقَارِبِ مَحَلُّهُ عِنْدَ عَدَمِ مُشَارَكَتِهِ لَهُمْ فِي الْقَرَابَةِ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الصِّفَاتِ كُلِّهَا وَتَنَازَعَا أَقْرَعَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَوْ صَلَّى غَيْرُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ صَحَّ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَفْضُولِ الدَّرَجَةِ
[حاشية الشبراملسي]
الْمُصَنِّفِ أَوْلَى الرِّجَالِ بِهِ أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ: اُنْظُرْ هَلْ الْأَوْلَى بِالْمَيِّتِ الرَّقِيقِ قَرِيبُهُ أَوْ سَيِّدُهُ اهـ الْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَمْ تَنْقَطِعْ الْعُلْقَةُ بَيْنَهُمَا بِدَلِيلِ أَنَّ مُؤْنَةَ تَجْهِيزِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الصَّلَاةِ وَثَمَّ فِي الْغُسْلِ، وَالْمَلْحَظُ مُخْتَلِفٌ لِأَنَّ الْمَدَارَ هُنَا عَلَى الشَّفَقَةِ وَالْأَقَارِبُ أَشْفَقُ مِنْ السَّيِّدِ بِخِلَافِهِ، ثُمَّ فَإِنَّ الْغُسْلَ مِنْ مُؤَنِ التَّجْهِيزِ وَهِيَ عَلَى السَّيِّدِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي لِلشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالدَّفْنُ بِالْمَقْبَرَةِ أَفْضَلُ مِنْ أَنَّ الْأَوْجَهَ إجَابَةُ السَّيِّدِ فِي مَحَلِّ الدَّفْنِ دُونَ الْقَرِيبِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي إلَخْ) أَيْ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُفَادَ هَذَا التَّرَدُّدِ مُجَرَّدُ ثُبُوتِ الْحَقِّ وَعَدَمِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْحَقِّ تَقَدُّمُهُ عَلَى أَقَارِبِهَا الْأَحْرَارِ لِجَوَازِ أَنَّهُ إذَا فَقَدَتْ أَقَارِبَهَا الْأَحْرَارَ هَلْ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَجَانِبِ أَوْ لَا (قَوْلُهُ: فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى) هِيَ قَوْلُهُ وَتَرَدَّدَ الْأَذْرَعِيُّ (قَوْلُهُ: وَالْمُتَّجَهُ مِنْ هَذَا التَّرَدُّدِ الْأَوَّلُ) هُوَ قَوْلُهُ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَى أَمَتِهَا وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَمَةِ أَقَارِبُ أَحْرَارٌ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ) أَيْ مَعَ وُجُودِ عَدْلٍ، أَمَّا لَوْ عَمَّ الْفِسْقُ الْجَمِيعَ قُدِّمَ الْأَقْرَبُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، ثُمَّ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ فِي الْمُبْتَدِعِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَفْسُقَ بِبِدْعَتِهِ أَمْ لَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِالْمُبْتَدِعِ الَّذِي يُفَسِّقُهُ بِبِدْعَتِهِ أَوْ جَهِلَ أَوْ قَوِيَتْ الشُّبْهَةُ الْحَامِلَةُ لَهُ عَلَى الْبِدْعَةِ، وَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَاسِقِ عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ لِانْفِرَادِ الْمُبْتَدِعِ عَنْ الْفَاسِقِ فِي الْمَجْهُولِ حَالُهُ وَانْفِرَادِ الْفَاسِقِ فِيمَنْ فَسَقَ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ مَثَلًا، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ مُرْتَكِبَ خَارِمِ الْمُرُوءَةِ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَيْثُ اسْتَوَيَا فِي الْعَدَالَةِ وَلَوْ قِيلَ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا (قَوْلُهُ: فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الصِّفَاتِ كُلِّهَا وَتَنَازَعَا أُقْرِعَ) وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: أَيْ وُجُوبًا إذَا كَانَ غَيْرَ الْحَاكِمِ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ وَنَدْبًا فِيمَا بَيْنَهُمْ لِأَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَ غَيْرُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِلْوُجُوبِ فَلْيُرَاجَعْ، ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ التَّصْرِيحَ بِالْوُجُوبِ وَأَطْلَقَ اهـ. وَيَنْبَغِي تَخْصِيصُهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي الشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الزِّيَادَةِ وَلَوْ تَنَازَعَ أَخَوَانِ أَوْ زَوْجَتَانِ أُقْرِعَ مَا نَصُّهُ: أَيْ حَتْمًا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ غَسَّلَهُ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ أَحَدِهِمَا تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ اهـ م ر وَقَالَ حَجّ: أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا قَطْعًا لِلنِّزَاعِ، وَقَضِيَّتُهُ وُجُوبُ الْإِقْرَاعِ: أَيْ عَلَى نَحْوٍ قَاضٍ رَفَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ وَهُوَ مُتَّجَهٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ صَلَّى غَيْرُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ صَحَّ) أَيْ وَلَا إثْمَ كَمَا اسْتَقَرَّ بِهِ حَجّ
[حاشية الرشيدي]
فِي الزَّوْجِ (قَوْلُهُ: كَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا) أَيْ السَّيِّدَةِ (قَوْلُهُ: فَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ اللَّهَ يَسْتَحْيِي إلَخْ) فِي الِاسْتِدْلَالِ
عَلَى نَائِبِ فَاضِلِهَا فِي الْأَقْيَسِ وَنَائِبُ الْأَقْرَبِ الْغَائِبِ عَلَى الْبَعِيدِ الْحَاضِرِ (وَيُقَدَّمُ الْحُرُّ الْبَعِيدُ) كَعَمِّ حُرٍّ (عَلَى الْعَبْدِ الْقَرِيبِ) كَأَخٍ رَقِيقٍ وَلَوْ أَفْقَهَ وَأَسَنَّ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ وِلَايَةٌ وَالْحُرُّ أَكْمَلُ فَهُوَ بِهَا أَلْيَقُ، وَيُقَدَّمُ الرَّقِيقُ الْقَرِيبُ عَلَى الْحُرِّ الْأَجْنَبِيِّ وَالرَّقِيقُ الْبَالِغُ عَلَى الْحُرِّ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ فَهُوَ أَحْرَصُ عَلَى تَكْمِيلِ الصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ مَجْمَعٌ عَلَى جَوَازِهَا بِخِلَافِهَا خَلْفَ الصَّبِيِّ، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَفِيهِ أَنَّ التَّقْدِيمَ فِي الْأَجَانِبِ مُعْتَبَرٌ كَمَا فِي الْقَرِيبِ بِمَا يُقَدَّمُ بِهِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
(وَيَقِفُ) الْمُصَلِّي اسْتِحْبَابًا مِنْ إمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ (عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ) أَيْ الذَّكَرِ وَلَوْ صَبِيًّا (وَعَجُزِهَا) أَيْ الْأُنْثَى وَلَوْ صَغِيرَةً وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الْجِيمِ أَلْيَاهَا لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ مُحَاوَلَةُ سَتْرِهِمَا، وَلَا يَبْعُدُ كَمَا قَالَهُ النَّاشِرِيُّ عَنْ الْأَصْبَحِيِّ مَجِيءُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ نَظَرًا لِمَا كَانَ قَبْلُ، وَهُوَ حَسَنٌ عَمَلًا بِالسُّنَّةِ وَإِنْ اسْتَبْعَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
(وَيَجُوزُ عَلَى الْجَنَائِزِ صَلَاةٌ) وَاحِدَةٌ بِرِضَا أَوْلِيَائِهَا لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا الدُّعَاءُ وَالْجَمْعُ فِيهِ مُمْكِنٌ سَوَاءٌ كَانُوا ذُكُورًا أَمْ إنَاثًا أَمْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى عَلَى تِسْعِ جَنَائِزَ
[حاشية الشبراملسي]
فِي شَرْحِ قَوْلِ الْجَدِيدِ إنَّ الْوَلِيَّ أَوْلَى إلَخْ (قَوْلُهُ: عَلَى نَائِبِ فَضْلِهَا) أَيْ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا (قَوْلُهُ: وَنَائِبُ الْأَقْرَبِ الْغَائِبِ) بَلْ وَكَذَا الْحَاضِرُ عَلَى مَا مَرَّ لَهُ: قَالَ سم نَقْلًا عَنْ الشَّارِحِ عَنْ وَالِدِهِ: إنَّ نَائِبَ الْحَاضِرِ كَنَائِبِ الْغَائِبِ وَعِبَارَتُهُ: فَرْعٌ: لَوْ اسْتَنَابَ الْوَلِيُّ وَغَابَ قُدِّمَ النَّائِبُ عَلَى الْبَعِيدِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ حَاضِرًا اهـ. هَذَا مَا فِي الْإِسْنَوِيِّ، لَكِنَّ الَّذِي فِي الْقُوتِ أَنَّ الْحَقَّ لِنَائِبِ الْأَقْرَبِ غَائِبًا كَانَ أَوْ حَاضِرًا، قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، قَالَ: وَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ لَا اعْتِمَادَ عَلَيْهِ كَذَا قَرَأَهُ عَلَيْنَا م ر مِنْ خَطِّهِ اهـ. وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا مَرَّ لِلشَّارِحِ فِي قَوْلِهِ: لَكِنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْأَقْرَبُ أَهْلًا لِلصَّلَاةِ فَلَهُ الِاسْتِنَابَةُ إلَخْ، وَمُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا عَنْ الزِّيَادِيِّ (قَوْلُهُ: وَيُقَدَّمُ الْحُرُّ الْبَعِيدُ عَلَى الْعَبْدِ الْقَرِيبِ) وَعَلَى الْمُبَعَّضِ أَيْضًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ فِي الْمُبَعَّضِينَ أَكْثَرُهُمَا حُرِّيَّةً وَأَنْ يُقَدَّمَ الْمُبَعَّضُ الْبَعِيدُ عَلَى الرَّقِيقِ الْقَرِيبِ (قَوْلُهُ: بِمَا يُقَدَّمُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ) قَدْ يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي الْأَجَانِبِ يُقَدَّمُ الْأَفْقَهُ عَلَى الْأَسَنِّ وَقِيَاسُ مَا فِي الْقَرِيبِ خِلَافُهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَقِفُ الْمُصَلِّي إلَخْ) وَلَوْ حَضَرَ رَجُلٌ وَأُنْثَى فِي تَابُوتٍ وَاحِدٍ فَهَلْ يُرَاعَى فِي الْمَوْقِفِ الرَّجُلُ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ أَوْ الْأُنْثَى لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالسَّتْرِ أَوْ الْأَفْضَلُ لِقُرْبِهِ لِلرَّحْمَةِ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ حَقِيقَةً؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَلَعَلَّ الثَّانِيَ أَقْرَبُ اهـ حَجّ.
[فَرْعٌ] كَيْفَ يَقِفُ الْإِمَامُ عَلَى الْجُزْءِ الْمَوْجُودِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ حَيْثُ شَاءَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْعُضْوُ لِرَأْسٍ أَوْ مِنْهُ فِي الذَّكَرِ أَوْ عَجُزِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِنْهُ حَاذَاهُ فِي الْمَوْقِفِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا وَقَفَ حَيْثُ شَاءَ وَهُوَ قَرِيبٌ وِفَاقًا لَمْ ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: وَالْعَجُزُ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مُؤَنَّثَةٌ وَبَنُو تَمِيمٍ يُذَكِّرُونَ وَفِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ: فَتْحُ الْعَيْنِ وَضَمُّهَا، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ ضَمُّ الْجِيمِ وَسُكُونُهَا، وَالْأَفْصَحُ وِزَانُ رَجُلٍ وَالْجَمْعُ أَعْجَازٌ وَالْعَجُزُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مُؤَخَّرُهُ وَالْعَجِيزَةُ لِلْمَرْأَةِ خَاصَّةً وَجَمْعُهَا عَجِيزَاتٌ
(قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ عَلَى الْجَنَائِزِ إلَخْ) وَهَلْ يَتَعَدَّدُ الثَّوَابُ لَهُمْ وَلَهُ بِعَدَدِهِمْ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي التَّشْيِيعِ لَهُمْ، وَنَقَلَ بِالدَّرْسِ عَنْ خَطِّهِ مَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْت لَهُ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْقَبْرِ إلَخْ مَا يُصَرِّحُ بِهِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: صَلَاةً وَاحِدَةً) أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَإِنْ حَضَرَ مَوْتِي نَوَاهُمْ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمَلْحَظَ مُخْتَلِفٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي صِحَّةِ النِّيَّةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهَا الْجَوَازُ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَمَا هُنَا فِي الْجَوَازِ مَعَ.
[حاشية الرشيدي]
بِهِ قُصُورٌ عَنْ الْمُدَّعَى إذْ يَخْرُجُ مِنْهُ مَا إذْ لَمْ يَكُنْ الْأَسَنُّ ذَا شَيْبَةٍ (قَوْلُهُ: وَنَائِبُ الْأَقْرَبِ الْغَائِبِ عَلَى الْبَعِيدِ الْحَاضِرِ) أَيْ كَمَا مَرَّ وَمَرَّ أَنَّ الْغَائِبَ لَيْسَ بِقَيْدٍ.
(قَوْلُهُ: عَمَلًا بِالسُّنَّةِ) عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ عَمَلًا بِالسُّنَّةِ فِي الْأَصْلِ.
رِجَالٍ وَنِسَاءٍ فَجَعَلَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِيهِ وَالنِّسَاءَ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ صَلَّى عَلَى زَيْدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَجَعَلَهُ مِمَّا يَلِيهِ وَجَعَلَهَا مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ وَفِي الْقَوْمِ نَحْوُ ثَمَانِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ فَقَالُوا هَذِهِ السُّنَّةُ.
وَعُلِمَ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالْجَوَازِ أَنَّ الْأَفْضَلَ إفْرَادُ كُلِّ جِنَازَةٍ بِصَلَاةٍ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَرْجَى قَبُولًا التَّأْخِيرُ لِذَلِكَ يَسِيرُ خِلَافًا لِلْمُتَوَلِّي.
نَعَمْ إنْ خَشَى تَغَيُّرًا أَوْ انْفِجَارًا بِالتَّأْخِيرِ فَالْأَفْضَلُ الْجَمْعُ بَلْ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، وَلَوْ حَضَرَتْ الْجَنَائِزُ مُرَتَّبَةً فَوَلَّى السَّابِقَةَ أَوْلَى ذَكَرًا كَانَ مَيِّتُهُ أَوْ لَا، أَوْ مَعًا أَقْرَعَ بَيْنَ الْأَوْلِيَاءِ، وَلَمْ يُقَدَّمُوا بِالصِّفَاتِ قَبْلَ الْإِقْرَاعِ كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَنَّ التَّقْدِيمَ هُنَا وِلَايَةٌ فَلَمْ يُؤْثَرْ فِيهِ إلَّا الْإِقْرَاعُ، بِخِلَافِهِ ثَمَّ فَإِنَّهُ مُجَرَّدُ فَضِيلَةِ الْقُرْبِ مِنْ الْإِمَامِ فَأَثَّرَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْفَاضِلَةُ، وَأَيْضًا فَالتَّقْدِيمُ هُنَا يُفَوِّتُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ حَقَّهُ مِنْ الْإِمَامَةِ بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ فَإِنَّهُ لَا يُفَوِّتُ حَقَّ الْبَاقِينَ مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى الْكُلِّ، وَإِنَّمَا فَوَّتَ عَلَيْهِ الْقُرْبَ مِنْ الْإِمَامِ فَقَطْ فَسُومِحَ بِهِ هُنَا، وَهَذَا نَظِيرُ مَا سَيَأْتِي مِنْ عَدَمِ تَقْدِيمِ الْأَفْضَلِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَيُقَدَّمُ لِلْإِمَامِ الرَّجُلُ ثُمَّ الصَّبِيُّ ثُمَّ الْخُنْثَى ثُمَّ الْأُنْثَى، فَإِنْ كَانُوا رِجَالًا أَوْ نِسَاءً جُعِلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَاحِدًا خَلْفَ وَاحِدٍ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ لِيُحَاذِيَ الْجَمِيعَ وَقُدِّمَ إلَيْهِ أَفْضَلُهُمْ، وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْوَرَعُ وَالْخِصَالُ الْمُرَغِّبَةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ كَوْنُهُ أَقْرَبَ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِالْحُرِّيَّةِ لِانْقِطَاعِ الرِّقِّ بِالْمَوْتِ، وَيُقَدَّمُ إلَى الْإِمَامِ الْأَسْبَقُ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَأَخِّرُ أَفْضَلَ، ثُمَّ إنْ سَبَقَ رَجُلٌ أَوْ صَبِيٌّ اسْتَمَرَّ أَوْ أُنْثَى ثُمَّ حَضَرَ ذَكَرٌ وَلَوْ صَبِيًّا أُخِّرَتْ عَنْهُ وَمِثْلُهَا
[حاشية الشبراملسي]
الصِّحَّةِ أَوْ أَنَّ مَا هُنَا ذُكِرَ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ مِنْ الْإِقْرَاعِ وَعَدَمِهِ (قَوْلُهُ: وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُد) هُوَ فِي مَرْتَبَةِ الْأَوَّلِ مِنْ تَقْدِيمِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ، وَفِيهِ زِيَادَةُ فَائِدَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الذَّكَرَ يُقَدَّمُ وَإِنْ كَانَتْ الْأُنْثَى أَصْلًا لَهُ وَأَنَّهُ وَقَعَ بِحَضْرَةِ جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَقَالُوا هَذِهِ السُّنَّةُ) أَيْ فِي مَقَامِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَرْجَى قَبُولًا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّتْ الْجَمَاعَةُ (قَوْلُهُ: بَلْ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا) أَيْ بِأَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَوْ مَعًا أَقْرَعَ بَيْنَ الْأَوْلِيَاءِ) أَيْ نَدْبًا لِتَمَكُّنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَلَاتِهِ لِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: وَيُقَدَّمُ لِلْإِمَامِ الرَّجُلُ ثُمَّ الصَّبِيُّ إلَخْ) أَيْ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَيُحَاذَى بِرَأْسِ الرَّجُلِ عَجِيزَةُ الْمَرْأَةِ اهـ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ (قَوْلُهُ: جَعَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَاحِدًا خَلْفَ وَاحِدٍ) أَيْ وَالشَّرْطُ أَنْ لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ وَلَوْ تَرَاصَّتْ شَيْئًا فَيَحْتَمِلُ أَيْضًا اشْتِرَاطُ أَنْ لَا يَبْعُدَ الْأَخِيرُ أَزْيَدَ مِنْ الْمَسَافَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ.
[فَائِدَةٌ] قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَيَكُونُونَ عَلَى يَمِينِهِ اهـ.
أَقُولُ: وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ فَلْيُتَفَطَّنْ لَهُ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَسَيَأْتِي لَهُ فِي الْمَرْأَةِ مَا يُخَالِفُ هَذَا (قَوْلُهُ: وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ) عَطَفَ عَلَى الْمُرَغِّبَةِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْفِعْلِ عَلَى الِاسْمِ الشَّبِيهِ بِهِ، وَالْمَعْنَى الْمُرَغِّبَةُ وَالْمُغَلِّبَةُ عَلَى الظَّنِّ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْمُتَأَخِّرُ أَفْضَلَ) لَوْ كَانَ الْمُتَأَخِّرُ نَبِيًّا كَالسَّيِّدِ عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هَلْ يُؤَخَّرُ لَهُ الْأَسْبَقُ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
ثُمَّ رَأَيْت حَجّ تَرَدَّدَ فِيهِ فِي فَتَاوِيهِ وَمَالَ إلَى أَنَّهُ لَا يُؤَخَّرُ.
وَقَوْلُهُ جُعِلُوا صَفًّا عَنْ يَمِينِهِ.
. إلَخْ ع هُوَ كَلَامُ الْأَصْحَابِ وَعُلِّلَ بِأَنَّ جِهَةَ الْيَمِينِ أَشْرَفُ، وَقَضِيَّةُ هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنْ يَكُونَ الْأَفْضَلُ فِي الرَّجُلِ الذَّكَرِ جَعْلَهُ عَلَى يَمِينِ الْمُصَلِّي فَيَقِفُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَيَكُونُ غَالِبًا عَلَى يَمِينِهِ فِي جِهَةِ الْمَغْرِبِ وَهُوَ خِلَافُ عَمَلِ النَّاسِ نَعَمْ الْمَرْأَةُ وَكَذَا الْخُنْثَى السُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ جِهَةُ رَأْسِهَا فِي جِهَةِ يَمِينِهِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِعَمَلِ النَّاسِ وَحِينَئِذٍ يَنْتِجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى جَعْلِ الْخَنَاثَى صَفًّا عَنْ الْيَمِينِ أَنْ تَكُونَ رِجْلَا الثَّانِي عِنْدَ رَأْسِ الْأَوَّلِ وَهَكَذَا فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: أَوْ أُنْثَى ثُمَّ حَضَرَ ذَكَرٌ)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَوَلِيُّ السَّابِقَةِ أَوْلَى) أَيْ بِتَقَدُّمِهِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْكُلِّ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي إذْ الصُّورَةُ أَنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ (قَوْلُهُ: وَهَذَا نَظِيرُ مَا سَيَأْتِي) اُنْظُرْ فِي أَيِّ مَحَلٍّ يَأْتِي (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانُوا رِجَالًا) أَيْ فَقَطْ وَكَذَا قَوْلُهُ: أَوْ نِسَاءً (قَوْلُهُ: وَيُقَدَّمُ إلَى الْإِمَامِ الْأَسْبَقُ مِنْ الذُّكُورِ) أَيْ إنْ كَانُوا كُلُّهُمْ ذُكُورًا، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْإِنَاثِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ مَعَهُ قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ
الْخُنْثَى وَلَوْ حَضَرَ خَنَاثَى مَعًا أَوْ مُرَتَّبِينَ جُعِلُوا صَفًّا عَنْ يَمِينِهِ رَأْسُ كُلٍّ مِنْهُمْ عِنْدَ رِجْلِ الْآخَرِ لِئَلَّا يَتَقَدَّمَ أُنْثَى عَلَى ذَكَرٍ.
(وَتَحْرُمُ) الصَّلَاةُ (عَلَى الْكَافِرِ) وَلَوْ ذِمِّيًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 84] ؛ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] (وَلَا يَجِبُ غُسْلُهُ) عَلَى أَحَدٍ بَلْ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا إذْ لَا مَانِعَ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عَلِيًّا بِغُسْلِ أَبِيهِ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَكَانَ لَهُ أَمَانٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لِأَنَّهُ كَرَامَةٌ وَتَطْهِيرٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهِمَا، وَسَوَاءٌ فِي الْجَوَازِ الْقَرِيبُ وَغَيْرُهُ وَالْمُسْلِمُ وَغَيْرُهُ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَضَمَّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إلَى الْمُسْلِمِينَ غَيْرَهُمْ فِي الشِّقَّيْنِ أَرَادَ بِهِ وُجُوبَ الْغُسْلِ وَجَوَازَهُ، فَكَمَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَجُوزُ لَهُمْ فَالْكُفَّارُ كَذَلِكَ.
(وَقَوْلُهُ وَإِلَى الْغُسْلِ التَّكْفِينُ وَالدَّفْنُ فِي الْجَوَازِ) : أَيْ وَضَمَّ إلَى الْغُسْلِ التَّكْفِينَ وَالدَّفْنَ فِي جَوَازِهِ، أَمَّا وُجُوبُهُ فَسَيَأْتِي (وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ تَكْفِينِ الذِّمِّيِّ وَدَفْنِهِ) فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَيْنَا حَيْثُ لَا مَالَ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَفَاءً بِذِمَّتِهِ كَمَا يَجِبُ إطْعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَمِثْلُهُ الْمُعَاهِدُ وَالْمُؤَمَّنُ دُونَ الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ، بَلْ يَجُوزُ إغْرَاءُ الْكِلَابِ عَلَى جِيفَتِهِمَا إذْ لَا حُرْمَةَ لَهُمَا، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِإِلْقَاءِ قَتْلَى بَدْرٍ فِي الْقَلِيبِ بِهَيْئَتِهِمْ، فَإِنْ دُفِنَا فَلِئَلَّا يَتَأَذَّى النَّاسُ بِرِيحِهِمَا وَهُوَ الْأَوْلَى، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ قَدْ انْتَهَتْ بِالْمَوْتِ.
(وَلَوْ وُجِدَ عُضْوُ مُسْلِمٍ) عُلِمَ.
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ أَوْ خُنْثَى لِاحْتِمَالِ ذُكُورَتِهِ.
(قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] فِيهِ أَنَّ الدَّلِيلَ أَخَصُّ مِنْ الْمُدَّعَى؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى مَغْفِرَةِ الشِّرْكِ، وَرُبَّمَا تَدُلُّ عَلَى مِغْفَرِهِ غَيْرِهِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ لَهُ بِمَغْفِرَةِ غَيْرِ الشِّرْكِ.
قَالَ حَجّ: وَيَظْهَرُ حِلُّ الدُّعَاءِ لِأَطْفَالِ الْكُفَّارِ بِالْمَغْفِرَةِ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ، بِخِلَافِ صُورَةِ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: بَلْ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا) أَرَادَ بِالْجَوَازِ مَا قَابَلَ الْحُرْمَةَ، وَالْمُتَبَادِرُ مِنْهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَيَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ وَخِلَافَ الْأَوْلَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغُسْلِ الْغُسْلُ الْمُتَقَدِّمُ وَمِنْهُ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ (قَوْلُهُ: وَتَطْهِيرٌ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: حَيْثُ لَا مَالَ) أَيْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ مُنْفَقٌ قُدِّمَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ، مُقَدَّمٌ عَلَيْنَا، وَقَوْلُهُ فَعَلَيْنَا: أَيْ عَلَى مَيَاسِيرِنَا (قَوْلُهُ: فِي الْقَلِيبِ) هُوَ اسْمٌ لِلْبِئْرِ الَّذِي لَمْ يُبْنَ، وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ وَالْقَلِيبُ: الْبِئْرُ قَبْلَ أَنْ تُطْوَى.
قُلْت: يَعْنِي قَبْلَ أَنْ تُبْنَى بِالْحِجَارَةِ وَنَحْوِهَا يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ الْبِئْرُ الْعَادِيَّةُ الْقَدِيمَةُ اهـ وَالْقَدِيمَةُ تَفْسِيرٌ لِلْعَادِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ وُجِدَ عُضْوُ مُسْلِمٍ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: لَوْ كَانَ الْجُزْءُ مِنْ ذِمِّيٍّ فَالْقِيَاسُ وُجُوبُ تَكْفِينُهُ وَدَفْنِهِ اهـ.
وَقَوْلُهُ بَعْدَ طُهْرِهِ لَوْ لَمْ يُوجَدْ مَاءٌ، فَإِنْ كَانَ الْعُضْوُ مَحَلَّ التَّيَمُّمِ كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ يَمَّمَهُ وَإِلَّا فَلَا صَلَاةَ لِفَقْدِ شَرْطِهَا مِنْ الطُّهْرِ كَذَا ظَهَرَ وَوَافَقَ عَلَيْهِ م ر.
أَقُولُ: قَدْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ الْيَدَ مَثَلًا وَيَمَّمَهَا لَا يُسَمَّى ذَلِكَ تَيَمُّمًا شَرْعِيًّا فَلَا مَعْنَى لَهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُ ذَلِكَ اُكْتُفِيَ بِهِ.
[فَرْعٌ] إذَا كَانَ الْجُزْءُ الْمَوْجُودُ شَعْرًا فَهَلْ يَجِبُ فِي دَفْنِهِ أَنْ يُدْفَنَ فِيمَا يَمْنَعُ الرَّائِحَةَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ لَا رَائِحَةَ لَهُ فَيَكْفِي مَا يَصُونُهُ عَنْ الِانْتِهَاكِ عَادَةً وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ الرَّائِحَةَ لَوْ كَانَ هُنَاكَ رَائِحَةٌ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُشْتَرَطَ ذَلِكَ فِيهِمَا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مُسَمَّى الدَّفْنِ شَرْعًا وَمَا دُونَ ذَلِكَ لَيْسَ دَفْنًا شَرْعِيًّا فَلْيُتَأَمَّلْ، وَيُتَّجَهُ أَنْ يُشْتَرَطَ ذَلِكَ فِي الْمَيِّتِ الَّذِي جَفَّ دُونَ الشَّعْرِ.
[فَرْعٌ] هَلْ الْمَشِيمَةُ جُزْءٌ مِنْ الْأُمِّ أَوْ مِنْ الْمَوْلُودِ حَتَّى إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا عَقِبَ انْفِصَالِهَا كَانَ لَهَا حُكْمُ الْجُزْءِ
[حاشية الرشيدي]
سَبَقَ رَجُلٌ أَوْ صَبِيٌّ إلَخْ، فَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ وَلَوْ سَبَقَ إلَخْ لَكَانَ وَاضِحًا.
[الصَّلَاةُ عَلَى الْكَافِرِ]
(قَوْلُهُ: وَكَانَ لَهُ أَمَانٌ) هُوَ فَائِدَةٌ مُجَرَّدَةٌ إذْ لَا دَخْلَ لَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (قَوْلُهُ: أَرَادَ بِهِ) أَيْ بِالشِّقَّيْنِ.
مَوْتُهُ لَا بِشَهَادَةٍ وَلَوْ كَانَ الْجُزْءُ ظُفْرًا أَوْ شَعْرًا وَتَحَقَّقَ انْفِصَالُهُ مِنْهُ حَالَ مَوْتِهِ (صُلِّيَ عَلَيْهِ)
بَعْدَ طُهْرِهِ، وَيَجِبُ دَفْنُهُ وَسَتْرُهُ بِخِرْقَةٍ إنْ كَانَ مِنْ الْعَوْرَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي التَّكْفِينِ سَتْرُهَا فَقَطْ عَلَى مَا مَرَّ، كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ.
قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَهَذَا كُلُّهُ فَاسِدٌ حَصَلَ مِنْ التَّغَفُّلِ وَعَدَمِ الْإِحَاطَةِ بِالْمَدَارِكِ، فَإِنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَسَتْرَ الزَّائِدِ مِنْ الْبَدَنِ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ فَيَجِبُ عَلَيْنَا اسْتِيعَابُ جَمِيعِ بَدَنِهِ.
وَالْأَصْلُ فِيمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - صَلَّوْا عَلَى يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ وَقَدْ أَلْقَاهَا طَائِرُ نَسْرٍ بِمَكَّةَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَعَرَفُوهَا بِخَاتَمِهِ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بَلَاغًا وَالزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ فِي أَنْسَابِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَرَفُوا مَوْتَهُ بِنَحْوِ اسْتِفَاضَةٍ.
أَمَّا جُزْءُ الْحَيِّ وَمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ انْفِصَالُهُ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَنْ انْفَصَلَ مِنْهُ حَيًّا كَأُذُنِهِ الْمُلْتَصِقَةِ إذَا وُجِدَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ شُكَّ فِي انْفِصَالِهِ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَنْ انْفَصَلَ مِنْهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا فَلَا يَجِبُ فِيهِ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
نَعَمْ الْمُبَانُ مِنْهُ إذَا مَاتَ عَقِبَهُ حُكْمُهُ كَالْأَوَّلِ فَيَجِبُ فِيهِ مَا مَرَّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَاخَى الْمَوْتُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْدَمِلْ الْجُرْحُ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ.
وَيُسَنُّ دَفْنُ مَا انْفَصَلَ مِنْ حَيٍّ لَمْ يَمُتْ حَالًا أَوْ مِمَّنْ شُكَّ فِي مَوْتِهِ كَيَدِ سَارِقٍ
[حاشية الشبراملسي]
الْمُنْفَصِلِ مِنْ الْمَيِّتِ فَيَجِبُ دَفْنُهَا، وَلَوْ وُجِدَتْ وَحْدَهَا وَجَبَ تَجْهِيزُهَا وَالصَّلَاةُ عَلَيْهَا كَبَقِيَّةِ الْأَجْزَاءِ أَوْ لَا لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ مِنْ أَجْزَاءِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خُصُوصًا الْمَوْلُودُ فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ وَفِيهِ عَلَى حَجّ وَهَلْ يَجِبُ تَوْجِيهُ الْجُزْءِ لِلْقِبْلَةِ بِأَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْوَضْعِ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا بِالْجُمْلَةِ وَوُجِّهَتْ لِلْقِبْلَةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الْوُجُوبُ (قَوْلُهُ: سَتْرُهَا فَقَطْ عَلَى مَا مَرَّ) قَدْ يَقْتَضِي وُجُوبَ ثَلَاثِ لَفَائِفَ لِلْعُضْوِ لَكِنَّ قَوْلَهُ قَبْلَ سَتْرِهِ بِخِرْقَةٍ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ وَلَكِنْ يَجِبُ سَتْرُهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْعَوْرَةِ (قَوْلُهُ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بَلَاغًا) أَيْ بِصِيغَةِ بَلَغَنِي (قَوْلُهُ: كَأُذُنِهِ الْمُلْتَصِقَةِ) أَيْ حَيْثُ انْفَصَلَتْ فِي الْحَيَاةِ ثُمَّ الْتَصَقَتْ بِحَرَارَةِ الدَّمِ يَعْنِي وَلَمْ تَحِلَّهَا الْحَيَاةُ (قَوْلُهُ: فَلَا يَجِبُ فِيهِ ذَلِكَ) أَيْ بَلْ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُعَلِّقْ النِّيَّةَ عَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: نَعَمْ الْمُبَانُ مِنْهُ إذَا مَاتَ عَقِبَهُ) شَمَلَ ذَلِكَ مَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ ثُمَّ مَاتَ عَقِبَ الْحَلْقِ فَجْأَةً فَلْيُرَاجَعْ.
ثُمَّ رَأَيْت حَجّ قَالَ مَا حَاصِلُهُ: أَوْ انْفَصَلَ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ وَحَرَكَتِهِ حَرَكَةَ مَذْبُوحٍ اهـ وَمَفْهُومُهُ يُخَالِفُ ذَلِكَ.
وَقَضِيَّتُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ وُصُولِهِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ بِمَرَضٍ أَوْ بِجِنَايَةٍ، وَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ فَلْيُحَرَّرْ.
وَقَدْ يُقَالُ: الْأَقْرَبُ تَصْوِيرُ ذَلِكَ بِمَا لَوْ مَاتَ بِجِنَايَةٍ.
[فَائِدَةٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا لَوْ قُطِعَتْ يَدُ الْمُسْلِمِ ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ مُرْتَدًّا هَلْ تَعُودُ لَهُ يَدُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتُعَذَّبُ وَإِنْ كَانَتْ انْفَصَلَتْ حَالَةَ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا؟ وَعَمَّا لَوْ قُطِعَتْ يَدُ الْكَافِرِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ مُسْلِمًا فَهَلْ تَعُودُ لَهُ يَدُهُ وَتُنَعَّمُ وَإِنْ كَانَتْ انْفَصَلَتْ حَالَةَ الْكُفْرِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهَا تَعُودُ وَتُنَعَّمُ فِيمَا لَوْ قُطِعَتْ فِي الْكُفْرِ وَتُعَذَّبُ فِيمَا لَوْ قُطِعَتْ قَبْلَ الرِّدَّةِ.
لَا يُقَالُ: تَعْذِيبُ الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَنْعِيمُ الْمَقْطُوعَةِ فِي الْكُفْرِ تَعْذِيبٌ لِلْأُولَى وَهِيَ قُطِعَتْ مُتَّصِفَةً بِالْإِسْلَامِ وَتَنْعِيمٌ لِلثَّانِيَةِ وَقَدْ قُطِعَتْ فِي الْكُفْرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَقْطُوعَةُ فِي الْإِسْلَامِ سُلِبَتْ الْأَعْمَالُ الصَّادِرَةُ مِنْهَا بِارْتِدَادِ صَاحِبِهَا، وَالْمَقْطُوعَةُ فِي الْكُفْرِ سَقَطَتْ الْمُؤَاخَذَةُ بِمَا صَدَرَ مِنْهَا بِإِسْلَامِ صَاحِبِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] (قَوْلُهُ: تَرَاخَى) أَيْ عُرْفًا (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ دَفْنُ مَا انْفَصَلَ مِنْ حَيٍّ لَمْ يَمُتْ حَالًا) وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ حَرَكَتُهُ حَرَكَةَ مَذْبُوحٍ عَقِبَ انْفِصَالِ الْجُزْءِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: كَيَدِ سَارِقٍ) وَيَنْبَغِي
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ وَهَذَا كُلُّهُ فَاسِدٌ إلَخْ) لَعَلَّ كَلَامَ ابْنِ الْعِمَادِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ مُرَتَّبٌ عَلَى غَيْرِ هَذَا الَّذِي سَاقَهُ الشَّارِحُ هُنَا عَنْ الشَّيْخِ كَغَيْرِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي التَّكْفِينِ سَتْرُهَا فَقَطْ، وَعِبَارَةُ الْمَاوَرْدِيِّ إنْ كَانَ مِنْ الْعَوْرَةِ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا فَلَعَلَّ ابْنَ الْعِمَادِ أَوْرَدَ كَلَامَهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَرَفُوا مَوْتَهُ)
وَظُفْرٍ وَشَعْرٍ وَعَلَقَةٍ، وَدَمِ نَحْوِ فَصْدٍ إكْرَامًا لِصَاحِبِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَوَلِّي وُجُوبُ لَفِّ الْيَدِ، وَدَفْنِهَا وَكَلَامُهُمْ يُخَالِفُهُ، لَا الشَّعْرَةُ الْوَاحِدَةُ فَلَا يَجِبُ فِيهَا ذَلِكَ كَمَا نَقَلَاهُ عَنْ صَاحِبِ الْعُدَّةِ وَأَقَرَّاهُ وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ مِنْ أَنَّهَا صَلَاةٌ عَلَى غَائِبٍ فِي الْحَقِيقَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّعْرَةِ وَغَيْرِهَا، يُرَدُّ بِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَكِنَّ بَقِيَّةَ الْبَدَنِ تَابِعٌ لِمَا صُلِّيَ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي فَاشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَقْعٌ فِي الْوُجُودِ حَتَّى يُسْتَتْبَعُ، بِخِلَافِ الشَّعْرَةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلَا يُنَاسِبُهَا الِاسْتِتْبَاعُ وَهَلْ الظُّفْرُ كَالشَّعْرَةِ أَوْ يُفَرَّقُ عَلَى نَظَرٍ وَكَلَامُهُمْ إلَى الْفَرْقِ أَمْيَلُ، وَيَنْوِي فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْعُضْوِ الْجُمْلَةَ وُجُوبًا وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جُمْلَةِ الْمَيِّتِ لَا عَلَى الْعُضْوِ وَحْدَهُ إذْ الْجُزْءُ الْغَائِبُ تَابِعٌ لِلْحَاضِرِ كَمَا مَرَّ وَمَحَلُّ وُجُوبِ هَذِهِ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَمْ يُصَلِّ عَلَى الْمَيِّتِ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ السُّبْكِيّ، وَمَحَلُّهُ إنْ كَانَ قَدْ صَلَّى بَعْدَ طُهْرِ الْعُضْوِ وَإِلَّا وَجَبَتْ لِزَوَالِ الضَّرُورَةِ الْمُجَوِّزَةِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِدُونِ غَسْلِ الْعُضْوِ بِوِجْدَانِنَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ الْكَافِي: لَوْ قُطِعَ رَأْسُ إنْسَانٍ وَحُمِلَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ صُلِّيَ عَلَيْهِ حَيْثُ هُوَ وَعَلَى الْجُثَّةِ حَيْثُ هِيَ وَلَا يُكْتَفَى بِالصَّلَاةِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَلَوْ وُجِدَ مَيِّتٌ مَجْهُولٌ أَوْ بَعْضُهُ بِبِلَادِنَا صُلِّيَ عَلَيْهِ إذْ الْغَالِبُ فِيهَا الْإِسْلَامُ، وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ إذَا وُجِدَ فِي مَوَاتٍ لَا يُنْسَبُ لِدَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا إلَى دَارِ الْكُفْرِ وَهُوَ الَّذِي لَا يُذَبُّ عَنْهُ أَحَدٌ وَهُوَ كَذَلِكَ أَوْ وُجِدَ بِغَيْرِهَا فَحُكْمُهُ يُعْلَمُ مِنْ بَابِ اللَّقِيطِ، وَلِمَنْ حَضَرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَعَلَهَا جَمَاعَةً وَفُرَادَى وَالْأَوْلَى التَّأْخِيرُ إلَى الدَّفْنِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ وَيَنْوِي الْفَرْضَ لِوُقُوعِهَا مِنْهُ فَرْضًا كَمَا مَرَّ
(وَالسَّقْطُ) بِتَثْلِيثِ السِّينِ مِنْ السُّقُوطِ وَهُوَ كَمَا عَرَّفَهُ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ الْوَلَدُ النَّازِلُ قَبْلَ تَمَامِ أَشْهُرِهِ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْوَلَدَ النَّازِلَ بَعْدَ تَمَامِ أَشْهُرِهِ وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ يَجِبُ فِيهِ مَا يَجِبُ فِي الْكَبِيرِ مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ نَزَلَ مَيِّتًا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ سَبْقُ حَيَاةٍ إذْ هُوَ خَارِجٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِمْ يَجِبُ غُسْلُ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ وَاسْتَثْنَوْا مِنْهُ
[حاشية الشبراملسي]
إذَا دُفِنَتْ أَنْ يُجْعَلَ بَاطِنُهَا لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَمِثْلُهَا كُلُّ مَا يَتَأَتَّى لَهُ جِهَةٌ إذَا وُجِّهَتْ جُمْلَتُهُ إلَى الْقِبْلَةِ تَكُونُ تِلْكَ الْجُمْلَةُ إلَيْهَا فَيُجْعَلُ مُقَدَّمُ السَّاقِ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ (قَوْلُهُ: وَظُفْرٍ وَشَعْرٍ) وَمِنْهُ مَا يُزَالُ بِحَلْقِ الرَّأْسِ وَيَنْبَغِي أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهِ ابْتِدَاءً مَنْ انْفَصَلَ مِنْهُ فَإِنْ ظَنَّ أَنَّ الْخَالِقَ يَفْعَلُهُ سَقَطَ عَنْهُ الطَّلَبُ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَوَلِّي وُجُوبُ لَفِّ الْيَدِ) أَيْ الْمُنْفَصِلَةِ مِنْ الْحَيِّ (قَوْلُهُ وَكَلَامُهُمْ يُخَالِفُهُ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: لَا الشَّعْرَةُ الْوَاحِدَةُ) يَتَّصِلُ بِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَلَوْ كَانَ الْجُزْءُ ظُفْرًا أَوْ شَعْرًا وَنَحْوَهُ: أَيْ وَإِنْ طَالَتْ جِدًّا وَمِثْلُ الصَّلَاةِ غَيْرُهَا فَلَا يَجِبُ غُسْلُهَا لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهَا كَمَا نَقَلَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْ صَاحِبِ الْعُدَّةِ وَأَقَرَّهُ اهـ خَطِيبٌ (قَوْلُهُ: وَكَلَامُهُمْ إلَى الْفَرْقِ أَمْيَلُ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: إذْ الْغَالِبُ فِيهَا الْإِسْلَامُ) أَيْ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تُوجَدَ فِيهِ عَلَامَةُ الْكُفْرِ كَالصَّلِيبِ أَوْ لَا لِحُرْمَةِ الدَّارِ، وَقَدْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي أَوْ وُجِدَ بِغَيْرِهَا فَحُكْمُهُ إلَخْ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا ثَمَّ بَيْنَ مَنْ فِيهِ عَلَامَةٌ وَغَيْرِهِ وَلَا بَيْنَ كَوْنِ الْعَادَةِ تُحِيلُ ذَلِكَ أَوْ لَا (قَوْلُهُ: أَوْ وُجِدَ بِغَيْرِهَا) أَيْ دَارِنَا (قَوْلُهُ: فَحُكْمُهُ يُعْلَمُ مِنْ بَابِ اللَّقِيطِ) وَذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمًا فَمُسْلِمٌ وَإِلَّا فَكَافِرٌ (قَوْلُهُ: وَلِمَنْ حَضَرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ) أَيْ عَلَى الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى التَّأْخِيرُ إلَى الدَّفْنِ) أَيْ مُسَارَعَةً إلَى دَفْنِهِ.
(قَوْلُهُ: يَجِبُ فِيهِ مَا يَجِبُ فِي الْكَبِيرِ)
[حاشية الرشيدي]
أَيْ وَانْفِصَالُ الْيَدِ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَوَلِّي وُجُوبُ لَفِّ الْيَدِ وَدَفْنِهَا) أَيْ الْمُنْفَصِلَةِ مِنْ الْحَيِّ (قَوْلُهُ: لَا الشَّعْرَةُ الْوَاحِدَةُ) مُسْتَثْنًى مِنْ عُمُومِ الْعُضْوِ فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: فَحُكْمُهُ يُعْلَمُ مِنْ بَابِ اللَّقِيطِ) كَذَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْ الْقَاضِي مُجَلِّي وَابْنِ الرِّفْعَةِ، لَكِنْ بِلَفْظِهِ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ اللَّقِيطِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ بِدَارِ الْكُفْرِ وَفِيهَا مُسْلِمٌ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَرُبَّمَا يُشْكِلُ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ الصَّلَاةِ عَلَى مَا وُجِدَ فِي مَوَاتٍ لَا يُنْسَبُ لِدَارِ الْكُفْرِ وَلَا لِدَارِ الْإِسْلَامِ فَتَأَمَّلْ.
[حُكْم الصَّلَاة عَلَى السقط]
(قَوْلُهُ: كَمَا عَرَّفَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ) أَيْ تَعْرِيفًا يُوَافِقُ عَلَيْهِ الشَّرْعُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي رَدِّ الزَّعْمِ الْآتِي
مَا اسْتَثْنَوْهُ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِعْيَارُ الْعُمُومِ، وَلَا يَشْمَلُ هَذَا قَوْلَ ابْنِ الْوَرْدِيِّ كَغَيْرِهِ فِي السَّقْطِ فَصَاعِدًا لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ هَذِهِ لَا يُسَمَّى سَقْطًا خِلَافًا لِلشَّيْخِ فِي فَتَاوِيهِ، وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْدِي وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَمَّاهُ لُغَةً غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَرَرْنَاهُ اسْتِوَاءُ هَذَا الْحُكْمِ بِمَنْ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (إنْ اسْتَهَلَّ) أَيْ صَاحَ (أَوْ بَكَى كَكَبِيرٍ) فَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ لِتَيَقُّنِ مَوْتِهِ بَعْدَ حَيَاتِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَلَمْ يَبْكِ (فَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ كَاخْتِلَاجٍ) أَوْ تَحَرُّكٍ (صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الْأَظْهَرِ) لِاحْتِمَالِ حَيَاتِهِ بِهَذِهِ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا وَلِلِاحْتِيَاطِ.
وَالثَّانِي لَا لِعَدَمِ تَيَقُّنِهَا أَمَّا دَفْنُهُ وَغُسْلُهُ فَوَاجِبٌ قَطْعًا (وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ) أَمَارَةُ الْحَيَاةِ (وَلَمْ يَبْلُغْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) أَيْ مِائَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا حَدُّ نَفْخِ الرُّوحِ (لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) قَطْعًا لِعَدَمِ الْأَمَارَةِ (وَكَذَا إنْ بَلَغَهَا) أَيْ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرَ الَّتِي هِيَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وُجُوبًا وَلَا جَوَازًا (فِي الْأَظْهَرِ) لِعَدَمِ ظُهُورِ حَيَاتِهِ فَيَجِبُ غُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَدَفْنُهُ وَفَارَقَتْ الصَّلَاةُ غَيْرَهَا بِأَنَّهُ أَوْسَعُ بَابًا مِنْهَا وَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْأَحْيَاءِ فِي الْإِرْثِ فَكَذَا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ آكَدُ بِدَلِيلِ أَنَّ الْكَافِرَ يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلسَّقْطِ أَحْوَالًا حَاصِلُهَا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ خَلْقُ آدَمِيٍّ لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ.
نَعَمْ يُسَنُّ سَتْرُهُ بِخِرْقَةٍ وَدَفْنُهُ، وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ خِلْقَةٌ وَلَمْ تَظْهَرْ فِيهِ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ وَجَبَ فِيهِ مَا سِوَى الصَّلَاةِ، أَمَّا هِيَ فَمُمْتَنِعَةٌ كَمَا مَرَّ فَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ فَكَالْكَبِيرِ.
ثُمَّ الْمَيِّتُ إمَّا شَهِيدٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَالشَّهِيدُ إمَّا شَهِيدُ الْآخِرَةِ فَقَطْ وَهُوَ كُلُّ مَقْتُولٍ ظُلْمًا أَوْ مَيِّتٌ بِنَحْوِ بَطَنٍ كَالْمُسْتَسْقَى وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَهُ بِالْأَوَّلِ أَوْ طَعْنٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ غُرْبَةٍ وَإِنْ عَصَى
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ تَخْطِيطٌ وَلَا غَيْرُهُ حَيْثُ عُلِمَ أَنَّهُ آدَمِيٌّ (قَوْلُهُ: وَالِاسْتِثْنَاءُ مِعْيَارُ الْعُمُومِ) أَيْ دَلِيلُ الْعُمُومِ (قَوْلُهُ: بِمَنْ عُلِمَتْ) أَيْ مَعَ بِمَنْ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ (قَوْلُهُ: كَاخْتِلَاجٍ) أَيْ وَلَوْ دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إنْ فُرِضَ.
(قَوْلُهُ: كَالْمُسْتَسْقِي وَغَيْرِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: أَوْ الْمَحْدُودِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ قَالَ عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِمْ عَبْدُ الْحَقِّ فِي حَاشِيَةِ الْمَحَلِّيِّ فِي تَنْقِيحِ اللُّبَابِ: أَوْ حَدًّا، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ لِيَشْمَلَهُ الظُّلْمُ الْمُقْتَصَرُ عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِمْ عَلَى مَا إذَا قُتِلَ عَلَى غَيْرِ الْكَيْفِيَّةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا، وَالْأَوْجَهُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا سَلَّمَ نَفْسَهُ لِاسْتِيفَاءِ الْحَدِّ مِنْهُ تَائِبًا اهـ.
أَقُولُ: الْأَقْرَبُ أَنَّهُ شَهِيدٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ زِيدَ عَلَى الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ أَوْ لَا سَلَّمَ نَفْسَهُ أَمْ لَا بِدَلِيلِ مَا لَوْ شَرَقَ بِالْخَمْرِ وَمَاتَ أَوْ مَاتَتْ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ مِنْ حَمْلِ الزِّنَا أَوْ نَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّ صُوَرَ الشَّهَادَةِ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي كَوْنِهِ مَظْلُومًا.
[فَائِدَةٌ] عَدَّ السُّيُوطِيّ فِي مَنْظُومَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِالتَّثْبِيتِ الشُّهَدَاءَ الَّذِينَ لَا يُسْأَلُونَ سَبْعَةً، وَهُمْ: الْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُرَابِطُ وَالْمَطْعُونُ وَالصِّدِّيقُ قَالَ شَارِحُهُ وَهُوَ دَائِمُ الصِّدْقِ وَالْأَطْفَالُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ وَمَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَتَهَا وَمَنْ وَاظَبَ عَلَى تَبَارَكَ الْمُلْكُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ قَالَ شَارِحُهُ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ شَرْحِ كَلَامِهِ فَهَؤُلَاءِ سَبْعَةُ شُهَدَاءَ لَا يُسْأَلُونَ، وَبَقِيَ جَمَاعَةٌ نَالُوا مَرْتَبَةَ الشَّهَادَةِ مَعَ كَوْنِهِمْ مَسْئُولِينَ وَهُمْ نَيِّفٌ وَثَلَاثُونَ مَنْ مَاتَ بِالْبَطْنِ أَوْ الْغَرَقِ أَوْ الْهَدْمِ أَوْ بِالْجَنْبِ أَوْ بِالْجُمْعِ بِالضَّمِّ إلَى آخَرِ مَا ذَكَرَ اهـ، فَجَعَلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمَبْطُونَ وَمَا ذَكَرَ مَعَهُ لَيْسُوا مِنْ الشُّهَدَاءِ لَكِنَّهُمْ نَالُوا مَرْتَبَتَهُمْ، وَعَلَيْهِ فَمَا مَعْنَى كَوْنِ أُولَئِكَ السَّبْعَةِ شُهَدَاءَ وَكَوْنِ مَنْ عَدَاهُمْ فِي مَرْتَبَتِهِمْ وَمَا الْمُرَادُ بِالشَّهَادَةِ وَقَوْلُهُ أَوْ بِالْجُمَعِ بِالضَّمِّ؟ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَمَاتَتْ الْمَرْأَةُ بِجُمْعٍ بِالضَّمِّ وَبِالْكَسْرِ إذَا مَاتَتْ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِلَّتِي مَاتَتْ بِكْرًا اهـ (قَوْله أَوْ طُعِنَ) وَكَذَا مَنْ مَاتَ فِي زَمَنِهِ وَإِنْ لَمْ يُطْعَنْ اهـ حَجّ.
وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ نَوْعِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: غَيْرُ صَحِيحٍ) أَيْ بَلْ لَا يُسَمَّاهُ شَرْعًا أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: اسْتِوَاءُ هَذَا الْحُكْمِ) أَيْ حُكْمِ مَنْ نَزَلَ فَوْقَ السِّتَّةِ الْأَشْهُرِ وَقَوْلُهُ: بِمَنْ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ: أَيْ بِحُكْمِ مَنْ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ: أَيْ وَالصُّورَةُ أَنَّهُ نَزَلَ دُونَ السِّتَّةِ الْأَشْهُرِ: أَيْ أَوْ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ حَيَاتِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ الْآتِي.
[الْمَيِّتُ إمَّا شَهِيدٌ أَوْ غَيْرُهُ]
(قَوْلُهُ: كَالْمُسْتَسْقَى) مِثَالٌ لِلنَّحْوِ، وَقَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَهُ بِالْأَوَّلِ: يَعْنِي خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَ الْمَبْطُونَ الْوَاقِعَ فِي الْأَحَادِيثِ بِمَنْ مَاتَ بِمَرَضِ الْبَطْنِ الْمُتَعَارَفِ: أَيْ الْإِسْهَالِ وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَتُهُ تَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ
بِرُكُوبِهِ الْبَحْرِ أَوْ بِغُرْبَتِهِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَهَا بِالْإِبَاحَةِ أَوْ طَلْقٍ وَلَوْ مِنْ حَمْلِ زِنًا قِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ اسْتَثْنَى الْحَامِلَ الْمَذْكُورَةَ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ لِيَشْرَبَ الْخَمْرَ وَمَنْ سَافَرَ آبِقًا أَوْ نَاشِزَةً، وَالْأَوْجَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ الْمَوْتُ مَعْصِيَةً كَأَنْ تَسَبَّبَتْ فِي إلْقَاءِ الْحَمْلِ فَمَاتَتْ أَوْ رَكِبَ الْبَحْرَ وَسَيَّرَ السَّفِينَةَ فِي وَقْتٍ لَا تَسِيرُ فِيهِ السُّفُنُ فَغَرِقَ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الشَّهَادَةُ لِلْعِصْيَانِ بِالسَّبَبِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْعِصْيَانِ بِالْمُسَبِّبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السَّبَبُ مَعْصِيَةً حَصَلَتْ الشَّهَادَةُ وَإِنْ قَارَنَهَا مَعْصِيَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا، أَوْ عِشْقٍ بِشَرْطِ الْعِفَّةِ وَالْكِتْمَانِ كَمَا قَيَّدَهُ الزَّرْكَشِيُّ بِذَلِكَ لِخَبَرٍ فِيهِ مَوْقُوفٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ إبَاحَةُ نِكَاحِهَا لَهُ شَرْعًا وَتَعَذَّرَ وُصُولُهُ إلَيْهَا.
قَالَ: وَإِلَّا فَعِشْقُ الْأَمْرَدِ مَعْصِيَةٌ فَكَيْفَ يَحْصُلُ بِهَا دَرَجَةُ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي عِشْقٍ اخْتِيَارِيٍّ لَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنْ تَرْكِهِ وَتَمَادَى عَلَيْهِ.
أَمَّا لَوْ فُرِضَ حُصُولُ عِشْقٍ اضْطِرَارِيٍّ لَهُ بِحَيْثُ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ عَنْ تَرْكِهِ لَمْ يَمْنَعْ حُصُولَ الشَّهَادَةِ، إذْ لَا مَعْصِيَةَ بِهِ حِينَئِذٍ.
وَأَمَّا شَهِيدُ الدُّنْيَا فَقَطْ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْ قُتِلَ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِهِ وَقَدْ غَلَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَوْ قُتِلَ مُدْبِرًا أَوْ قَاتَلَ رِيَاءً أَوْ نَحْوَهُ.
وَأَمَّا شَهِيدُهُمَا فَهُوَ مَنْ قُتِلَ كَذَلِكَ لَكِنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَحَيْثُ أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ الشَّهِيدَ انْصَرَفَ لِأَحَدِ الْآخَرِينَ، وَحُكْمُهُمَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ يُحْرَمَانِ لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ» ، وَفِي رِوَايَةٍ " وَلَمْ يُصَلَّ " بِبِنَائِهِ لِلْمَفْعُولِ، وَرَوَى أَحْمَدُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تُغَسِّلُوهُمْ فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ أَوْ كَلْمٍ أَوْ دَمٍ يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَيْضًا إبْقَاءُ أَثَرِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ وَالتَّعْظِيمُ لَهُمْ بِاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْ دُعَاءِ الْقَوْمِ،
[حاشية الشبراملسي]
الْمَطْعُونِينَ بِأَنْ كَانَ الطَّعْنُ فِي الْأَطْفَالِ أَوْ الْأَرِقَّاءِ وَهُوَ مِنْ غَيْرِهِمْ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَكْثَرَ شُهَدَاءِ أُمَّتِي لَأَصْحَابُ الْفُرُشُ» مَا نَصُّهُ: أَيْ الَّذِينَ يَأْلَفُونَ النِّيَامَ عَلَى الْفِرَاشِ وَلَا يُهَاجِرُونَ الْفِرَاشَ وَيَقْصِدُونَ لِلْغَزْوِ، قَالَ الْحَكِيمُ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ اطْمَأَنَّتْ نُفُوسُهُمْ إلَى رَبِّهِمْ وَشُغِلُوا بِهِ عَنْ الدُّنْيَا وَتَمَنَّوْا لِقَائِهِ، فَإِذَا حَضَرَهُمْ الْمَوْتُ جَادُوا بِأَنْفُسِهِمْ طَوْعًا وَبَذَلُوهَا لَهُ إيثَارًا لِمَحَبَّتِهِ عَلَى مَحَبَّتِهَا فَهُمْ وَمَنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةِ الْمُشْرِكِينَ سِيَّانَ، فَيَنَالُونَ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ لِأَنَّ الشُّهَدَاءَ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَهَؤُلَاءِ بَذَلُوهَا طُولَ الْعُمُرِ، ثُمَّ قَالَ: تَنْبِيهٌ: عَدُّوا مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنَّهُمْ يُقْبَضُونَ عَلَى فُرُشِهِمْ وَهُمْ شُهَدَاءُ عِنْدَ اللَّهِ اهـ.
وَقَوْلُهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَلَا يُهَاجِرُونَ الْفِرَاشَ إلَخْ: يَعْنِي أَنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَ مَنَازِلَهُمْ لِلسَّفَرِ فِي تِجَارَةٍ وَنَحْوِهَا بَلْ يُلَازِمُونَ الْمَنَازِلَ يَنْتَظِرُونَ الْغَزْوَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اسْتَثْنَى) أَيْ الزَّرْكَشِيُّ (قَوْلُهُ: فَغَرَقَ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الشَّهَادَةُ) وَمِنْهُ مَا لَوْ صَادَ حَيَّةً وَهُوَ لَيْسَ حَاذِقًا فِي صَيْدِهَا وَنَحْوُ الْبَهْلَوَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَاذِقًا فِي صَنْعَتِهِ، بِخِلَافِ الْحَاذِقِ فِيهِمَا فَإِنَّهُ شَهِيدٌ لِعَدَمِ تَسَبُّبِهِ فِي هَلَاكِ نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مِمَّنْ يَتَصَوَّرُ إبَاحَةَ نِكَاحِهَا لَهُ) وَفِي نُسْخَةٍ وَإِنْ لَمْ يَتَصَوَّرْ إبَاحَةَ نِكَاحِهَا لَهُ شَرْعًا وَيَتَعَذَّرُ وُصُولُهُ إلَيْهَا كَعِشْقِ الْمُرْدِ وَهِيَ الْمُعْتَمَدَةُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي عِشْقٍ اخْتِيَارِيٍّ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَغَيْرِهِ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُرْدِ وَغَيْرِهِمْ حَيْثُ كَانَ الْفَرْضُ الْعِفَّةَ وَالْكِتْمَانَ، بَلْ قَالَ طب وم ر: وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ الْمُؤَدِّي إلَى عِشْقِ الْأَمْرَدِ اخْتِيَارِيًّا حَيْثُ صَارَ اضْطِرَارِيًّا وَعَفَّ وَكَتَمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَعْنَى الْعِفَّةِ: أَنْ لَا يَكُونَ فِي نَفْسِهِ إذَا اخْتَلَى بِهِ حَصَلَ بَيْنَهُمَا فَاحِشَةٌ بَلْ عَزْمُهُ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ خَلَا بِهِ لَا يَقَعُ مِنْهُ ذَلِكَ، وَالْكِتْمَانُ: أَنْ لَا يَذْكُرَ مَا بِهِ لِأَحَدٍ وَلَوْ مَحْبُوبِهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ غَلَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ) أَيْ سَرَقَ (قَوْلُهُ: فَهُوَ مَنْ قُتِلَ كَذَلِكَ) أَيْ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ (قَوْلُهُ: أَمَرَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ بِدَفْنِهِمْ) أَيْ وَأَمَّا مَنْ اُسْتُشْهِدَ قَبْلَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَأَهْلِ بَدْرٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِمْ عَنْهُ غُسْلٌ وَلَا عَدَمُهُ، وَلَعَلَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَتَقَيَّدُونَ بِأَمْرِهِمْ.
وَأَمَّا أُحُدٌ فَلِشِدَّةِ مَا حَصَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهَا، بَاشَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنُقِلَ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ أَوْ كَلْمٍ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي؛ لِأَنَّ الْكَلْمَ هُوَ الْجُرْحُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَفِي ذَلِكَ حَثٌّ عَلَى الْجِهَادِ الَّذِي جُبِلَتْ النُّفُوسُ عَلَى حُبِّ الْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا الْمُنَافِي لِطَلَبِهِ غَالِبًا، وَلَيْسَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَثٌّ؛ لِأَنَّ مَرْتَبَتَهَا لَا تُنَالُ بِالِاكْتِسَابِ.
وَأَمَّا خَبَرُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ فَصَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ» ، زَادَ الْبُخَارِيُّ " بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ " فَالْمُرَادُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ دَعَا لَهُمْ كَدُعَائِهِ لِلْمَيِّتِ وَالْإِجْمَاعُ يَدُلُّ لَهُ إذْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ عَرَّفَ مِنْ هَذَا حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ) أَيْ الشَّهِيدُ الَّذِي يَحْرُمُ غُسْلُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ ضَابِطُهُ أَنَّهُ كُلُّ (مَنْ مَاتَ) وَلَوْ امْرَأَةً أَوْ رَقِيقًا أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ (فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ) أَوْ الْكَافِرِ الْوَاحِدِ سَوَاءٌ أَكَانُوا أَهْلَ حَرْبٍ أَمْ رِدَّةٍ أَمْ ذِمَّةٍ قَصَدُوا قَطْعَ الطَّرِيقِ عَلَيْنَا وَنَحْوَ ذَلِكَ (بِسَبَبِهِ) أَيْ الْقِتَالِ، سَوَاءٌ أَقَتَلَهُ كَافِرٌ أَمْ عَادَ إلَيْهِ سَهْمُهُ أَمْ أَصَابَهُ سِلَاحُ مُسْلِمٍ خَطَأً أَمْ تَرَدَّى فِي وَهْدَةٍ أَمْ رَفَسَتْهُ دَابَّةٌ فَمَاتَ أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ بَاغٍ اسْتَعَانَ بِهِ أَهْلُ الْحَرْبِ كَمَا شَمَلَهُ قِتَالُ الْكُفَّارِ أَمْ قَتَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَرْبِ حَالَ انْهِزَامِهِمْ انْهِزَامًا كُلِّيًّا بِأَنْ تَبِعَهُمْ فَكَّرُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ فَكَأَنَّهُ قُتِلَ فِي حَالِ الْقِتَالِ أَمْ قَتَلَهُ الْكُفَّارُ صَبْرًا أَمْ انْكَشَفَ الْحَرْبُ عَنْهُ وَلَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: إذْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ الشَّهِيدِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ مَاتَ وَلَوْ امْرَأَةً) وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ كَانَ مَعَ الْمَرْأَةِ وَلَدٌ صَغِيرٌ وَمَاتَ بِسَبَبِ الْقِتَالِ هَلْ يَكُونُ شَهِيدًا أَمْ لَا؟ فَأَجَبْت عَنْهُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ الثَّانِي فَلْيُرَاجَعْ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَاتَ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِهِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ أَنَّهُ بِصَدَدِهِ وَلَوْ بِخِدْمَةٍ لِلْغُزَاةِ أَوْ نَحْوِهَا (قَوْلُهُ: قَصَدُوا قَطْعَ الطَّرِيقِ عَلَيْنَا) احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَوْ قَتَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مُسْلِمًا غِيلَةً (قَوْلُهُ: بِسَبَبِهِ) أَيْ الْقِتَالِ، وَمِنْهُ مَا قِيلَ إنَّ الْكُفَّارَ يَتَّخِذُونَ خَدِيعَةً يَتَوَصَّلُونَ بِهَا إلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ فَيَتَّخِذُونَ سِرْدَابًا تَحْتَ الْأَرْضِ يَمْلَئُونَهُ بِالْبَارُودِ، فَإِذَا مَرَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ أَطْلَقُوا النَّارَ فِيهِ فَخَرَجَتْ مِنْ مَحَلِّهَا وَأَهْلَكَتْ الْمُسْلِمِينَ.
[فَائِدَةٌ] قَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ: لَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ عَاصِيًا بِالْخُرُوجِ فَفِيهِ نَظَرٌ عِنْدِي قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ شَهِيدٌ أَمَّا لَوْ كَانَ فَارًّا حَيْثُ لَا يَجُوزُ الْفِرَارُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَهِيدٍ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ لَكِنَّهُ شَهِيدٌ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَأَطَالَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي جَوَابِ الْمَسَائِلِ الْحَلَبِيَّةِ فَلْيُنْظَرْ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ.
[فَرْعٌ] قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعُبَابِ: لَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ فَقَاتَلَ مُسْلِمًا فَقَتَلَهُ فَهُوَ شَهِيدٌ قَطْعًا، وَلَوْ رَمَى مُسْلِمٌ إلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ مُسْلِمًا فِي حَالِ الْقِتَالِ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ، قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
قَالَ سم حَجّ: بَقِيَ مَا لَوْ اسْتَعَانَ أَهْلُ الْعَدْلِ بِكُفَّارٍ قَتَلُوا وَاحِدًا مِنْ الْبُغَاةِ حَالَ الْحَرْبِ هَلْ يَكُونُ شَهِيدًا؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ شَهِيدٌ، ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى بَهْجَةٍ التَّصْرِيحَ بِمَا قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ ذَلِكَ، وَعِبَارَتُهُ قَالَ النَّاشِرِيُّ: وَيَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ: أَيْ الْحَاوِي مَا لَوْ اسْتَعَانَ الْحَرْبِيُّونَ عَلَيْنَا بِبُغَاتِنَا فَقَتَلَ وَاحِدٌ مِنْ الْبُغَاةِ وَاحِدًا مِنَّا عَمْدًا لِأَنَّهُ مَاتَ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْظَرَ إلَى الْقَاتِلِ نَفْسِهِ، قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَأَقُولُ: هَذَا الِاحْتِمَالُ يَرُدُّهُ قَوْلُهُمْ أَصَابَهُ سِلَاحُ مُسْلِمٍ خَطَأً أَوْ عَادَ إلَيْهِ سِلَاحُهُ أَوْ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ أَوْ رَمَحَتْهُ دَابَّتُهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ اهـ وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ بِالْكُفَّارِ ثُمَّ إنَّ وَاحِدًا مِنْ الْبُغَاةِ قَتَلَ وَاحِدًا مِنَّا فَهَلْ يَكُونُ شَهِيدًا نَظَرًا لِاسْتِعَانَتِهِمْ بِكُفَّارٍ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي فَلْيُرَاجَعْ.
ثُمَّ نَقَلَ بِالدَّرْسِ عَنْ شَرْحِ الْغَايَةِ لسم التَّصْرِيحَ بِمَا قُلْنَاهُ وَزِيَادَةَ مَا لَوْ قَتَلَ وَاحِدٌ مِنْ الْكُفَّارِ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَإِنَّهُ يَكُونُ شَهِيدًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَادِمِ، وَعِبَارَتُهُ: وَلَوْ اسْتَعَانَ الْكُفَّارُ عَلَيْنَا بِمُسْلِمِينَ فَمَقْتُولُ الْمُسْتَعَانِ بِهِمْ شَهِيدٌ لِأَنَّ هَذَا قِتَالُ كُفَّارٍ، وَلَا نَظَرَ إلَى خُصُوصِ الْقَاتِلِ أَوْ اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ عَلَيْنَا بِكُفَّارٍ فَمَقْتُول الْمُسْتَعَانِ بِهِمْ شَهِيدٌ دُونَ مَقْتُولِ الْبُغَاةِ نَقَلَهُ فِي الْخَادِمِ عَنْ الْقَفَّالِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ مُقَاتَلَةَ الْمُسْلِمِ فِي تِلْكَ تَبَعٌ فَكَانَ قَتْلُهُ مُوجِبًا لِلشَّهَادَةِ بِخِلَافِ هَذِهِ اهـ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ شَكَّ فِي كَوْنِ الْمَقْتُولِ هَلْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَهِيدٍ (قَوْلُهُ: أَمْ أَصَابَهُ سِلَاحُ مُسْلِمٍ خَطَأً) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ كَافِرًا فَيُصِيبَهُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَوْتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَثَرُ دَمٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبِ الْقِتَالِ كَمَا جَزَمَا بِهِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرَّجْ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الظَّاهِرَ يُعْمَلُ بِهِ وَيُتْرَكُ الْأَصْلُ كَمَا لَوْ رَأَيْنَا ظَبْيَةً تَبُولُ فِي الْمَاءِ فَرَأَيْنَاهُ مُتَغَيِّرًا فَإِنَّا نَحْكُمُ بِنَجَاسَتِهِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةُ الْمَاءِ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ مِنْ أَقْسَامِ الشَّهِيدِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ شَهِيدُ الْآخِرَةِ، فَقَالَ (فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَائِهِ) أَيْ الْقِتَالِ بِجِرَاحَةٍ يُقْطَعُ بِمَوْتِهِ مِنْهَا وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَغَيْرُ شَهِيدٍ فِي الْأَظْهَرِ، سَوَاءٌ أَطَالَ الزَّمَانُ أَمْ قَصُرَ لِحَيَاتِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ فَأَشْبَهَ مَوْتَهُ بِسَبَبٍ آخَرَ وَالثَّانِي يَلْحَقُهُ بِالْمَيِّتِ فِي الْقِتَالِ.
أَمَّا لَوْ انْقَضَى الْقِتَالُ وَحَرَكَةُ الْمَجْرُوحِ فِيهِ حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ فَشَهِيدٌ جَزْمًا أَوْ تُوُقِّعَتْ حَيَاتُهُ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ جَزْمًا (أَوْ) مَاتَ عَادِلٌ (فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ) . لَهُ (فَغَيْرُ شَهِيدٍ فِي الْأَظْهَرُ) ؛ لِأَنَّهُ قَتِيلُ مُسْلِمٍ فَأَشْبَهَ الْمَقْتُولَ فِي غَيْرِ الْقِتَالِ، وَقَدْ غَسَّلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ابْنَهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا أَحَدٌ.
وَالثَّانِي نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَقْتُولِ فِي حَرَكَةِ الْكُفَّارِ (وَكَذَا) لَوْ مَاتَ (فِي الْقِتَالِ لَا بِسَبَبِهِ) أَيْ الْقِتَالِ كَمَوْتِهِ بِمَرَضٍ أَوْ فَجْأَةٍ أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا فَغَيْرُ شَهِيدٍ (عَلَى الْمَذْهَبِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ خَالَفْنَا فِيمَا إذَا مَاتَ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْقِتَالِ تَرْغِيبًا لِلنَّاسِ فِيهِ فَبَقِيَ مَنْ عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ.
وَالشَّهِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ شَهِدَا لَهُ بِالْجَنَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ يُبْعَثُ وَلَهُ شَاهِدٌ بِقَتْلِهِ إذْ يُبْعَثُ وَجُرْحُهُ يَتَفَجَّرُ دَمًا وَلِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ يَشْهَدُونَهُ فَيَقْبِضُونَ رُوحَهُ، وَقِيلَ إنَّهُ شَهِيدٌ فِي وَجْهٍ؛ لِمَوْتِهِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ.
(وَلَوْ) (اُسْتُشْهِدَ جَنْبٌ) أَوْ نَحْوُهُ كَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ) كَغَيْرِهِ «؛ لِأَنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِبِ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ جُنُبٌ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: رَأَيْت الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُ» فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَسْقُطْ إلَّا بِفِعْلِنَا؛ وَلِأَنَّهُ طُهْرٌ عَنْ حَدَثٍ فَسَقَطَ بِالشَّهَادَةِ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ فَيَحْرُمُ، إذْ لَا قَائِلَ بِغَيْرِ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ وَقَدْ انْتَفَى الْأَوَّلُ فَثَبَتَ الثَّانِي، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يُغَسَّلُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي غُسْلٍ وَجَبَ بِالْمَوْتِ، وَهُنَا الْغُسْلُ كَانَ وَاجِبًا قَبْلَهُ، وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِمَا مَرَّ (وَ) الْأَصَحُّ أَنَّهُ: أَيْ الشَّهِيدَ (تُزَالُ) وُجُوبًا (نَجَاسَةُ غَيْرِ الدَّمِ) الْمُتَعَلِّقِ بِالشَّهَادَةِ وَإِنْ حَصَلَ بِسَبَبِ الشَّهَادَةِ كَبَوْلٍ خَرَجَ بِسَبَبِ الْقَتْلِ وَسَوَاءٌ فِي إزَالَتِهَا أَدَّى إلَى إزَالَةِ دَمِهِ الْحَاصِلِ بِسَبَبِهَا أَوْ لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَثَرِ الْعِبَادَةِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ النَّجَسُ الْغَيْرُ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ.
أَمَّا دَمُهَا فَتَحْرُمُ إزَالَتُهُ لِإِطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ غُسْلِ الشَّهِيدِ وَلِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تَحْرُمْ إزَالَةُ الْخُلُوفِ مِنْ الصَّائِمِ مَعَ أَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ الْمُفَوِّتُ عَلَى نَفْسِهِ بِخِلَافِهِ هُنَا، حَتَّى لَوْ فُرِضَ أَنَّ غَيْرَهُ أَزَالَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ لِذَلِكَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ.
[حاشية الشبراملسي]
أَوْ لَا وَلَا مَانِعَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَتِيلُ مُسْلِمٍ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ كَافِرٌ اسْتَعَانُوا بِهِ كَانَ شَهِيدًا وَبِهِ صَرَّحَ حَجّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْ النَّاشِرِيِّ
(قَوْلُهُ: فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَسْقُطْ) قَدْ تُمْنَعُ هَذِهِ الْمُلَازَمَةُ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ: أَيْ وَيُقَالُ الْمَدَارُ عَلَى مُجَرَّدِ غَسْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِنَا (قَوْلُهُ: النَّجَسُ الْغَيْرُ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ) أَيْ أَمَّا هُوَ فَتَحْرُمُ إزَالَتُهُ إنْ أَدَّتْ إلَى إزَالَةِ الدَّمِ (قَوْلُهُ: أَمَّا دَمُهَا) أَيْ الْخَارِجُ مِنْ الْمَقْتُولِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْحَاصِلِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُزَالُ هُوَ ظَاهِرٌ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ فِي حِكْمَةِ تَسْمِيَتِهِ شَهِيدًا؛ لِأَنَّ لَهُ شَاهِدًا بِقَتْلِهِ وَهُوَ دَمُهُ لِأَنَّهُ يُبْعَثُ وَجُرْحُهُ يَتَفَجَّرُ دَمًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْمُفَوِّتُ عَلَى نَفْسِهِ) تَقَدَّمَ مَا يُصَرَّحُ بِالْفَرْقِ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ حَصَلَ بِسَبَبِ الشَّهَادَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: إنَّ غَيْرَهُ أَزَالَهُ) أَيْ الْخُلُوفَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: يُقْطَعُ بِمَوْتِهِ مِنْهَا) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ (قَوْلُهُ: وَحَرَكَةُ الْمَجْرُوحِ فِيهِ حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، وَقَوْلُهُ: أَوْ تُوُقِّعَتْ حَيَاتُهُ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ يُقْطَعُ بِمَوْتِهِ مِنْهَا عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَجْرُوحَ الْمَذْكُورَ إمَّا أَنْ تَكُونَ حَرَكَتُهُ حَرَكَةَ مَذْبُوحٍ فَهُوَ شَهِيدٌ جَزْمًا، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ثُمَّ هَذَا إمَّا أَنْ يُقْطَعَ بِمَوْتِهِ مِنْ الْجِرَاحَةِ كَأَنْ قُطِعَتْ أَمْعَاؤُهُ فَهُوَ شَهِيدٌ فِي الْأَظْهَرِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُقْطَعَ بِمَوْتِهِ مِنْهَا بَلْ تُتَوَقَّعُ
وَالثَّانِي لَا تُزَالُ لِإِطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ الشَّهِيدِ فَإِنْ حَصَلَ بِسَبَبِهَا نَجَاسَةٌ غَيْرُ الدَّمِ فَهَلْ لَهَا حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَثَرِ الشَّهَادَةِ أَوْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ بِالْفَضْلِ الدَّمُ فَقَطْ؛ وَلِأَنَّ نَجَاسَتَهُ أَخَفُّ؟ فِي كَلَامِهِمْ مَا يُشْبِهُ التَّنَافِي وَالثَّانِي أَقْرَبُ.
(وَيُكَفَّنُ) الشَّهِيدُ اسْتِحْبَابًا (فِي ثِيَابِهِ الْمُلَطَّخَةِ بِالدَّمِ) لِخَبَرِ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ «رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فِي صَدْرِهِ أَوْ حَلْقِهِ فَمَاتَ فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَالْمُرَادُ ثِيَابُهُ الَّتِي مَاتَ فِيهَا وَاعْتِيدَ لُبْسُهَا غَالِبًا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُلَطَّخَةً بِالدَّمِ لَكِنَّ الْمُلَطَّخَةَ بِهِ أَوْلَى كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَالتَّقْيِيدُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ بِالْمُلَطَّخَةِ لِبَيَانِ الْأَكْمَلِ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ عَدَمُ وُجُوبِ تَكْفِينِهِ فِيهَا كَسَائِرِ الْمَوْتَى، وَفَارَقَ الْغُسْلَ بِإِبْقَاءِ أَثَرِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْبَدَنِ، وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ بِإِكْرَامِهِ وَالْإِشْعَارِ بِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الدُّعَاءِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَوْبُهُ سَابِغًا) أَيْ سَاتِرًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ (تُمِّمَ) وُجُوبًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا سِوَى الْعَوْرَةِ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ لَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ، وَلَوْ أَرَادَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ نَزْعَهَا وَامْتَنَعَ الْبَاقُونَ أُجِيبَ الْمُمْتَنِعُونَ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ كَمَا لَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ نُكَفِّنُهُ فِي ثَوْبٍ وَامْتَنَعَ الْبَاقُونَ، وَيُسَنُّ نَزْعُ آلَةِ الْحَرْبِ عَنْهُ كَدِرْعٍ، وَكَذَا كُلُّ مَا لَا يُعْتَادُ لُبْسُهُ لِلْمَيِّتِ غَالِبًا كَخُفٍّ وَفَرْوَةٍ وَجُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ كَسَائِرِ الْمَوْتَى، نَعَمْ يَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ وَرَضِيَ بِهِ الْوَارِثُ الْمُطْلَقُ التَّصَرُّفِ وَإِلَّا وَجَبَ نَزْعُهُ.
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: أَوْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ
(قَوْلُهُ: وَاعْتِيدَ لُبْسُهَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِيضًا إبْقَاءً لِأَثَرِ الشَّهَادَةِ، وَعَلَيْهِ فَمَحَلُّ سَنِّ التَّكْفِينِ فِي الْأَبْيَضِ حَيْثُ لَمْ يُعَارِضْهُ مَا يَقْتَضِي خِلَافَهُ (قَوْلُهُ وَيُسَنُّ نَزْعُ آلَةِ الْحَرْبِ) أَيْ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ يُعَدُّ إزْرَاءً لَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ (قَوْلُهُ: مَا لَا يُعْتَادُ لُبْسُهُ لِلْمَيِّتِ) الْمُرَادُ مَا لَا يُعْتَادُ التَّكْفِينُ فِيهِ.
[حاشية الرشيدي]
حَيَاتُهُ فَغَيْرُ شَهِيدٍ جَزْمًا
(قَوْلُهُ: فَإِنْ حَصَلَ بِسَبَبِهَا نَجَاسَةُ غَيْرِ الدَّمِ إلَخْ) تَقَدَّمَ حُكْمُ هَذَا فِي كَلَامِهِ قَرِيبًا مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ.
فَصْلٌ فِي دَفْنِ الْمَيِّتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (أَقَلُّ الْقَبْرِ) الْمُحَصِّلِ لِلْوَاجِبِ (حُفْرَةٌ تَمْنَعُ) بَعْدَ رَدْمِهَا (الرَّائِحَةَ) أَنْ تَظْهَرَ مِنْهُ فَتُؤْذِيَ الْحَيَّ (وَ) تَمْنَعُ (السَّبُعَ) عَنْ نَبْشِهَا لِأَكْلِ الْمَيِّتِ، إذْ حِكْمَةُ الدَّفْنِ صَوْنُهُ عَنْ انْتِهَاكِ جِسْمِهِ وَانْتِشَارِ رِيحِهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلتَّأَذِّي بِهَا وَاسْتِقْذَارِ جِيفَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ حُفْرَةٍ تَمْنَعُ ذَيْنَك.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِهِمَا إنْ كَانَا مُتَلَازِمَيْنِ بَيَانُ فَائِدَةِ الدَّفْنِ، وَإِلَّا فَبَيَانُ وُجُوبِ رِعَايَتِهِمَا فَلَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا اهـ.
وَظَاهِرٌ أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَلَازِمَيْنِ كَالْفَسَاقِيِ الَّتِي لَا تَكْتُمُ الرَّائِحَةَ مَعَ مَنْعِهَا الْوَحْشَ فَلَا يَكْفِي الدَّفْنُ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ السُّبْكِيُّ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْفَسَاقِيِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُعَدَّةً لِكَتْمِ الرَّائِحَةِ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى هَيْئَةِ الدَّفْنِ الْمَعْهُودِ شَرْعًا.
قَالَ: وَقَدْ أَطْلَقُوا تَحْرِيمَ إدْخَالِ مَيِّتٍ عَلَى مَيِّتٍ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ الْأَوَّلِ وَظُهُورِ رَائِحَتِهِ فَيَجِبُ إنْكَارُ ذَلِكَ اهـ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ ضَابِطَ الدَّفْنِ الشَّرْعِيِّ مَا مَرَّ، فَإِنْ مُنِعَ ذَلِكَ كَفَى، وَإِلَّا فَلَا سَوَاءٌ أَكَانَ فَسْقِيَّةً
[حاشية الشبراملسي]
[فَصْلٌ فِي دَفْنِ الْمَيِّتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
قَوْلُهُ: وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) أَيْ الْمَيِّتُ كَالتَّعْزِيَةِ (قَوْلُهُ: وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِهِمَا) أَيْ الرَّائِحَةِ وَالسَّبُعِ، (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى هَيْئَةِ الدَّفْنِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تَكْفِي، وَإِنْ فُرِضَ مَنْعُهَا الرَّائِحَةَ، وَكَانَ صُورَةُ وَضْعِهَا أَنَّهَا مَحْفُورَةٌ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ بِنَائِهَا، وَأَوْلَى مِنْهَا بِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ مَا لَوْ كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (قَوْلُهُ: الْمَعْهُودِ شَرْعًا) بَلْ هِيَ عَلَى صُورَةِ الْبُيُوتِ الْمَبْنِيَّةِ تَحْتَ الْأَرْضِ فَهِيَ لَا تَتَقَاعَدُ عَنْ الْمَغَارَاتِ الَّتِي فِي الْجِبَالِ وَهِيَ لَا تَكْفِي فِي الدَّفْنِ.
وَقَوْلُهُ وَقَدْ قَالَ السُّبْكِيُّ إلَخْ، عِبَارَةُ حَجّ: وَقَدْ قَطَعَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالسُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِحُرْمَةِ الدَّفْنِ فِيهَا.
(قَوْلُهُ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ ضَابِطَ الدَّفْنِ الشَّرْعِيِّ) يُفِيدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَنْعِ الرَّائِحَةِ وَالسَّبُعِ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ فِي مَحَلٍّ لَا تَصِلُ إلَيْهِ السِّبَاعُ أَصْلًا وَلَا يَدْخُلُهُ مَنْ يَتَأَذَّى بِالرَّائِحَةِ، بَلْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ رَائِحَةٌ أَصْلًا كَأَنْ جَفَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ كَانَ فَسْقِيَّةً)
[حاشية الرشيدي]
(فَصْلٌ) فِي دَفْنِ الْمَيِّتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (قَوْلُهُ: وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) أَيْ بِالدَّفْنِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مِنْ تَرْجِيعِ الضَّمِيرِ إلَى الْمَيِّتِ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالْمَيِّتِ أَعَمُّ مِنْ الدَّفْنِ كَالصَّلَاةِ وَالْكَفَنِ وَغَيْرِهَا، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِي الْفَصْلِ (قَوْلُهُ الْمُحَصَّلُ) بِالرَّفْعِ أَوْ بِالْجَرِّ (قَوْلُهُ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ ضَابِطَ الدَّفْنِ الشَّرْعِيِّ مَا مَرَّ) مِنْ جُمْلَةِ مَا مَرَّ كَوْنُهُ حُفْرَةً، فَلَا تَكْفِي الْفَسَاقِي الَّتِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ بَعْدُ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ حُفْرَةٌ إلَخْ، وَلَعَلَّ هَذَا مَحْمَلُ كَلَامِ السُّبْكِيّ.
أَمْ غَيْرَهَا، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ حُفْرَةٌ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِوَضْعِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ بِمَا يَمْنَعُ ذَيْنَكَ.
نَعَمْ لَوْ تَعَذَّرَ الْحَفْرُ لَمْ يُشْتَرَطْ كَمَا لَوْ مَاتَ بِسَفِينَةٍ، وَالسَّاحِلُ بَعِيدٌ أَوْ بِهِ مَانِعٌ فَيَجِبُ غُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُجْعَلُ بَيْنَ لَوْحَيْنِ لِئَلَّا يَنْتَفِخَ، ثُمَّ يُلْقَى لِيَنْبِذَهُ الْبَحْرُ إلَى السَّاحِلِ وَإِنْ كَانَ أَهْلُهُ كُفَّارًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَجِدَهُ مُسْلِمٌ فَيَدْفِنَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُثَقَّلَ لِيَنْزِلَ إلَى الْقَرَارِ وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْبَرِّ مُسْلِمِينَ.
أَمَّا إذَا أَمْكَنَ دَفْنُهُ لِكَوْنِهِمْ قُرْبَ الْبَرِّ وَلَا مَانِعَ فَيَلْزَمُهُمْ التَّأْخِيرُ لِيَدْفِنُوهُ فِيهِ (وَيُنْدَبُ أَنْ يُوَسَّعَ) بِأَنْ يُزَادَ فِي عَرْضِهِ وَطُولِهِ (وَيُعْمَقَ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَقِيلَ بِالْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي النُّزُولِ لِخَبَرِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا» وَفِي الْمَجْمُوعِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَسَّعَ الْقَبْرُ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ وَرَأْسِهِ: أَيْ فَقَطْ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْمَعْنَى يُسَاعِدُهُ لِيَصُونَهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَهُ مِنْ الِانْقِلَابِ (قَامَةً وَبَسْطَةً) أَيْ قَدْرَهُمَا مِنْ رَجُلٍ مُعْتَدٍ لَهُمَا بِأَنْ يَقُومَ بَاسِطًا يَدَيْهِ مَرْفُوعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْصَى بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ وَهُمَا أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَنِصْفٌ كَمَا صَوَّبَهُ الْمُصَنِّفُ، وَحَمَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَلَى ذِرَاعِ الْيَدِ، وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ إنَّهَا ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ عَلَى الذِّرَاعِ الْمَعْرُوفِ
(وَاللَّحْدُ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا وَسُكُونِ الْحَاءِ فِيهِمَا.
وَالْمُرَادُ أَنْ يُحْفَرَ فِي أَسْفَلَ بِجَانِبِ الْقَبْرِ الْقِبْلِيِّ مَائِلًا عَنْ الِاسْتِوَاءِ قَدْرَ مَا يَسَعُ الْمَيِّتَ وَيَسْتُرُهُ (أَفْضَلُ مِنْ الشَّقِّ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ أَنْ يُحْفَرَ قَعْرُ الْقَبْرِ كَالنَّهْرِ، وَيُبْنَى جَانِبَاهُ بِلَبِنٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ، وَيُجْعَلَ بَيْنَهُمَا شَقٌّ يُوضَعُ فِيهِ الْمَيِّتُ وَيُسَقَّفُ عَلَيْهِ بِلَبِنٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ حِجَارَةٍ وَهُوَ أَوْلَى، وَيُرْفَعُ السَّقْفُ قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا يَمَسُّ الْمَيِّتَ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ حَيْثُ قِيلَ بِجَوَازِ الدَّفْنِ فِيهَا (قَوْلُهُ: بِمَا يَمْنَعُ ذَيْنَكَ) وَفِي حُكْمِهِ حُفْرَةٌ لَا تَمْنَعُ مَا مَرَّ إذَا وُضِعَ فِيهَا ثُمَّ بُنِيَ عَلَيْهِ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ، فَلَا يَكْفِي.
(قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ مَاتَ بِسَفِينَةٍ) أَيْ أَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ خَوَّارَةً أَوْ يَنْبُعُ مِنْهَا مَا يُفْسِدُ الْمَيِّتَ وَأَكْفَانَهُ كَالْفَسَاقِيِ الْمَعْرُوفَةِ بِبُولَاقَ وَلَا يُكَلَّفُونَ الدَّفْنَ بِغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُجْعَلُ بَيْنَ لَوْحَيْنِ) أَيْ نَدْبًا (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُلْقَى لِيَنْبِذَهُ) مِنْ بَابِ ضَرَبَ اهـ مُخْتَصَرُ صِحَاحٍ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ أَهْلُهُ) أَيْ السَّاحِلِ (قَوْلُهُ: فَيَلْزَمُهُمْ التَّأْخِيرُ لِيَدْفِنُوهُ) قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إرْسَالُهُ فِي الْبَحْرِ بِلَا جَعْلٍ بَيْنَ لَوْحَيْنِ وَبِلَا تَثْقِيلٍ، وَأَظْهَرُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إرْسَالِهِ بِلَا تَثْقِيلٍ وَلَا شَدٍّ بَيْنَ أَلْوَاحٍ قَوْلُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ: فَإِنْ أُلْقِيَ فِيهِ بِدُونِ جَعْلِهِ بَيْنَ لَوْحَيْنِ وَثِقْلٍ لَمْ يَأْثَمُوا انْتَهَى.
فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُمْ يَأْثَمُونَ لَوْ أَلْقَوْهُ بِلَا تَثْقِيلٍ، وَفِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ مَا يُوَافِقُ كَلَامَ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ (قَوْلُهُ: وَيُنْدَبُ أَنْ يُوَسَّعَ إلَخْ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِقْدَارَ مَا يَسَعُ مَنْ يَنْزِلُ الْقَبْرَ وَمَنْ يَدْفِنُهُ لَا أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْجِيرًا عَلَى النَّاسِ (قَوْلُهُ: وَيُعَمَّقَ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: فَإِنْ قُلْت: مَا حِكْمَةُ التَّوْسِيعِ وَالتَّعْمِيقِ؟ قُلْت: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ التَّوْسِيعُ مَعَ أَنَّ فِيهِ إكْرَامًا لِلْمَيِّتِ، فَإِنَّ فِي إنْزَالِ الشَّخْصِ فِي الْمَكَانِ الْوَاسِعِ إكْرَامًا لَهُ، وَفِي إنْزَالِهِ فِي الْمَكَانِ الضَّيِّقِ نَوْعَ إهَانَةٍ لَهُ أَرْفَقَ بِالْمَيِّتِ وَبِمَنْ يُنْزِلُهُ الْقَبْرَ؛ لِأَنَّهُ إذَا اتَّسَعَ أَمْكَنَ أَنْ يَقِفَ فِيهِ الْمُنَزِّلُ إذَا تَعَدَّدَ لِلْحَاجَةِ، وَأَمِنَ مِنْ انْصِدَامِ الْمَيِّتِ بِجُدْرَانِهِ حَالَ إنْزَالِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْغَرَضُ كَتْمُ الرَّائِحَةِ وَالسَّبُعِ، وَالتَّعْمِيقُ أَبْلَغُ فِي حُصُولِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قُلْت: هَلَّا طَلَبَ زِيَادَةً عَلَى قَامَةٍ وَبَسْطَةٍ؟ قُلْت: الْقَامَةُ وَالْبَسْطَةُ أَرْفَقُ بِالْمَيِّتِ وَالْمُنَزِّلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مَعَ ذَلِكَ مِنْ تَنَاوُلِهِ بِسُهُولَةٍ مِمَّنْ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، بِخِلَافِهِ مَعَ الزِّيَادَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ
(قَوْلُهُ: احْفِرُوا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ (قَوْلُهُ وَالْمَعْنَى يُسَاعِدُهُ لِيَصُونَهُ) أَيْ وَلَا يُوَسَّعُ خَلْفَهُ لِيَصُونَهُ مِمَّا يَلِي إلَخْ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ مَحْمُولٌ عَلَى الشَّقِّ وَاللَّحْدِ لِيُلَاقِيَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: وَيُنْدَبُ أَنْ يُوَسَّعَ وَيُعَمَّقَ وَفَرَضَهُ حَجّ فِيهِمَا، أَوْ يُقَالُ مَا فِي الْمَجْمُوعِ ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَقُومَ بَاسِطًا يَدَيْهِ) أَيْ غَيْرَ قَابِضٍ لِأَصَابِعِهِمَا (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ إنَّهَا ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ) أَيْ الْأَذْرُعُ (قَوْلُهُ: عَلَى الذِّرَاعِ الْمَعْرُوفِ) أَيْ الَّذِي اُعْتِيدَ الذَّرْعُ بِهِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِذِرَاعِ النَّجَّارِ: أَيْ وَهِيَ تَقْرُبُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ وَنِصْفٍ بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ فَلَا تَخَالُفَ بَيْنَهُمَا
(قَوْلُهُ: الْقِبْلِيِّ) أَيْ فَإِنْ حَفَرُوا فِي الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ لَهَا كُرِهَ (قَوْلُهُ مِمَّا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ) أَيْ الْأَوْلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ أَوْ حِجَارَةٍ) أَيْ مِنْ حِجَارَةِ الْجَبَلِ الْمَعْرُوفَةِ (قَوْلُهُ وَيُرْفَعُ السَّقْفُ قَلِيلًا) هَلْ ذَلِكَ وُجُوبًا لِئَلَّا يَزْرِيَ بِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(إنْ صَلُبَتْ الْأَرْضُ) ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي فُعِلَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. أَمَّا الرِّخْوَةُ وَهِيَ الَّتِي تَتَهَاوَرُ وَلَا تَتَمَاسَكُ فَالشَّقُّ أَفْضَلُ خَشْيَةَ الِانْهِيَارِ
(وَيُوضَعُ) نَدْبًا (رَأْسُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ) أَيْ مُؤَخَّرِهِ الَّذِي سَيَصِيرُ عِنْدَ سُفْلِهِ رِجْلُ الْمَيِّتِ (وَيُسَلُّ) الْمَيِّتُ (مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ) سَلًّا (بِرِفْقٍ) مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ؛ لِأَنَّهُ السُّنَّةُ فِي إدْخَالِهِ.
أَمَّا الْوَضْعُ كَذَلِكَ فَلِمَا صَحَّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ.
وَأَمَّا السَّلُّ فَلِمَا صَحَّ أَنَّهُ فُعِلَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ أُدْخِلَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ لِأَنَّ شَقَّ قَبْرِهِ لَاصِقٌ بِالْجِدَارِ، وَلَحْدُهُ تَحْتَ الْجِدَارِ فَلَا مَحَلَّ هُنَاكَ يُوضَعُ فِيهِ، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ (وَيُدْخِلُهُ الْقَبْرَ الرِّجَالُ) مَتَى وُجِدُوا وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ أُنْثَى، بِخِلَافِ النِّسَاءِ لِضَعْفِهِنَّ عَنْ ذَلِكَ غَالِبًا، وَلِمَا صَحَّ مِنْ أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا طَلْحَةَ أَنْ يَنْزِلَ فِي قَبْرِ ابْنَتِهِ أُمِّ كُلْثُومٍ مَعَ أَنَّ لَهَا مَحَارِمَ مِنْ النِّسَاءِ كَفَاطِمَةَ وَغَيْرِهَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
نَعَمْ يُنْدَبُ لَهُنَّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنْ يَلِينَ حَمْلَ الْمَرْأَةِ مِنْ مُغْتَسَلِهَا إلَى النَّعْشِ وَتَسْلِيمَهَا لِمَنْ فِي الْقَبْرِ وَحَلَّ ثِيَابِهَا فِيهِ، وَمَا وَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ تَبَعًا لِرَاوِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا رُقَيَّةُ رَدَّهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْأَوْسَطِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَشْهَدْ مَوْتَ رُقَيَّةَ وَلَا دَفْنَهَا: أَيْ لِأَنَّهُ كَانَ بِبَدْرٍ (وَأَوْلَاهُمْ) أَيْ الرِّجَالِ بِذَلِكَ (الْأَحَقُّ بِالصَّلَاةِ) عَلَيْهِ دَرَجَةً، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ، وَخَرَجَ بِدَرَجَةٍ الْأَوْلَى بِهَا صِفَةً إذْ الْأَفْقَهُ أَوْلَى مِنْ الْأَسَنِّ الْأَقْرَبِ، وَالْبَعِيدُ الْفَقِيهُ أَوْلَى مِنْ الْأَقْرَبِ غَيْرِ الْفَقِيهِ هُنَا عَكْسُ مَا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ
[حاشية الشبراملسي]
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ
(قَوْلُهُ: وَيُدْخِلُهُ الْقَبْرَ) أَيْ نَدْبًا حَجّ (قَوْلُهُ: الرِّجَالُ) يَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَا يَشْمَلُ الصِّبْيَانَ حَيْثُ كَانَ فِيهِمْ قُوَّةٌ، (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ النِّسَاءِ لِضَعْفِهِنَّ) أَيْ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ حَرَّمَهُ، وَعِبَارَةُ الْخَطِيبِ: وَظَاهِرُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَكَلَامِ الشَّامِلِ وَالنِّهَايَةِ أَنَّ هَذَا وَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ عِنْدَ وُجُودِهِمْ وَتَمَكُّنِهِمْ، وَاسْتَظْهَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: أَنْ يَلِينَ حَمْلَ الْمَرْأَةِ مِنْ مُغْتَسَلِهَا) وَكَذَا مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي هِيَ فِيهِ بَعْدَ الْمَوْتِ إلَى الْمُغْتَسَلِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَيْهِنَّ (قَوْلُهُ: وَحَلَّ ثِيَابِهَا فِيهِ) مِثْلُهُ فِي الْمَنْهَجِ وَعِبَارَةُ حَجّ: شِدَادُهَا فِيهِ: فَيُحْمَلُ كَلَامُهَا عَلَيْهِ، (قَوْلُهُ: إذْ الْأَفْقَهُ أَوْلَى مِنْ الْأَسَنِّ) أَيْ فَالْفَاضِلُ صِفَةً يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ دَرَجَتُهُ أَقْرَبَ فَلَيْسَ التَّقْدِيمُ بِالصِّفَةِ مَخْصُوصًا بِالْمُسْتَوِيَيْنِ فِي الدَّرَجَةِ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجِ قَوْلِهِ دَرَجَةً قَالَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ: أَيْ مِنْ حَيْثُ الدَّرَجَاتِ لَا الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ هُنَا الْأَفْقَهُ: أَيْ بِالدَّفْنِ عَلَى الْأَقْرَبِ وَالْأَسَنِّ، وَالْبَعِيدُ الْفَقِيهُ عَلَى الْأَقْرَبِ غَيْرِ الْفَقِيهِ، وَثَمَّ بِالْعَكْسِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ تَقْدِيمُ الْفَقِيهِ عَلَى الْأَسَنِّ غَيْرِ الْفَقِيهِ وَهُوَ مُسَاوٍ لِمَا مَرَّ ثَمَّةَ اهـ.
وَقَوْلُهُ وَيُؤْخَذُ إلَخْ: أَيْ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ فِي الدَّرَجَةِ وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ مَا مَرَّ تَتِمَّةً فَتَأَمَّلْ.
لَا يُقَالُ: قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ هُنَا الْأَفْقَهُ إلَخْ فِيهِ التَّقْدِيمُ بِالصِّفَاتِ فَيُخَالِفُ مَا رَتَّبَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ التَّقْدِيمَ بِالدَّرَجَاتِ لَا بِالصِّفَاتِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّهُ إذَا تَجَرَّدَتْ الدَّرَجَاتُ رَاعَيْنَا مَا فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا وُجِدَتْ الصِّفَاتُ لَمْ يُرَاعَ مَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ لَا تَقَدُّمَ إلَّا بِالدَّرَجَاتِ وَلَا تَقَدُّمَ بِالصِّفَاتِ كَمَا يُتَوَهَّمُ، وَالْأَصْوَبُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا الصِّفَاتِ: أَيْ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ نُقَدِّمْ هُنَا بِالصِّفَاتِ الْمُقَدَّمِ بِهَا فِي الصَّلَاةِ بَلْ بِعَكْسِهَا، فَلَا إشْكَالَ بِوَجْهٍ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: عَكْسُ مَا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ) وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْوَالِيَ لَا حَقَّ لَهُ هُنَا فِي الصَّلَاةِ، قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَنَازَعَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّهُ أَحَقُّ فَلَهُ
[حاشية الرشيدي]
[اللَّحْدُ أَفْضَلُ مِنْ الشَّقِّ]
قَوْلُهُ: الْأَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ دَرَجَةٌ) أَيْ وَالصُّورَةُ أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي صِفَةِ الْفِقْهِ أَوْ عَدَمِهَا بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ الْأَوْلَى بِهَا صِفَةٌ) الْمُرَادُ بِالصِّفَةِ هُنَا خُصُوصُ الْفِقْهِ لَا مُطْلَقُ الصِّفَةِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يُقَالُ لِأَيِّ مَعْنًى: لَمْ يَبْقَى الْمَتْنُ عَلَى إطْلَاقِهِ لِيَكُونَ أَفْيَدَ ثُمَّ يُسْتَثْنَى مِنْهُ الْأَفْقَهُ.
وَاسْتِثْنَاءُ صُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَتْنِ مَعَ إبْقَائِهِ عَلَى إطْلَاقِهِ أَسْهَلُ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْ إطْلَاقِهِ لِأَجْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ (قَوْلُهُ: عَكْسُ مَا فِي الصَّلَاةِ) هُوَ عَكْسُ مَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ جِهَتَيْنِ:
وَالْمُرَادُ بِالْأَفْقَهِ الْأَعْلَمُ بِذَلِكَ الْبَابِ.
قُلْت: كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ (إلَّا أَنْ تَكُونَ) (امْرَأَةً مُزَوَّجَةً فَأَوْلَاهُمْ) أَيْ الرِّجَالِ بِإِدْخَالِهَا الْقَبْرَ (الزَّوْجُ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهَا حَقٌّ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِنَظَرِهِ فِي الْحَيَاةِ مَا لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ غَيْرُهُ وَيَلِيهِ الْأَفْقَهُ وَالْأَشْبَهُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقْدِيمُ مَحَارِمِ الرَّضَاعِ وَمَحَارِمِ الْمُصَاهَرَةِ عَلَى عَبِيدِهَا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْعِنِّينَ وَالْهِمَّ مِنْ الْفُحُولِ أَضْعَفُ شَهْوَةً مِنْ شَبَابِ الْخُصْيَانِ فَيُقَدَّمَانِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ الْمَحَارِمِ، ثُمَّ عَبْدُهَا؛ لِأَنَّهُ كَالْمَحْرَمِ فِي النَّظَرِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ الْمَمْسُوحُ ثُمَّ الْمَجْبُوبُ ثُمَّ الْخَصِيُّ لِضَعْفِ شَهْوَتِهِمْ، وَرُتِّبُوا كَذَلِكَ لِتَفَاوُتِهِمْ فِيهَا، ثُمَّ الْعَصَبَةُ الَّذِي لَا مَحْرَمِيَّةَ لَهُ كَبَنِي عَمٍّ وَمُعْتَقٍ وَعَصَبَتِهِ كَتَرْتِيبِهِمْ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ مَنْ لَا مَحْرَمِيَّةَ لَهُ كَذَلِكَ كَبَنِي خَالٍ وَبَنِي عَمَّةٍ ثُمَّ الْأَجْنَبِيُّ الصَّالِحُ لِخَبَرِ أَبِي طَلْحَةَ، ثُمَّ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ، ثُمَّ النِّسَاءُ كَتَرْتِيبِهِنَّ فِي الْغُسْلِ وَالْخَنَاثِي كَالنِّسَاءِ.
وَلَوْ اسْتَوَى اثْنَانِ دَرَجَةً وَفَضِيلَةً وَتَنَازَعَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَالسَّيِّدُ فِي الْأَمَةِ الَّتِي تَحِلُّ لَهُ كَالزَّوْجِ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْكِتَابِ.
وَأَمَّا غَيْرُهَا فَهَلْ هُوَ مَعَهَا كَالْأَجْنَبِيِّ أَوْ لَا الْوَجْهُ لَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ فِي النَّظَرِ وَنَحْوِهِ كَالْمَحْرَمِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ عَبْدِ الْمَرْأَةِ إذْ الْمَالِكِيَّةُ أَقْوَى مِنْ الْمَمْلُوكِيَّةِ.
وَأَمَّا الْعَبْدُ فَهُوَ أَحَقُّ بِدَفْنِهِ مِنْ الْأَجَانِبِ حَتْمًا وَالْوَالِي هُنَا لَا يُقَدَّمُ عَلَى الْقَرِيبِ جَزْمًا.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّ التَّرْتِيبَ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمَا عَنْ الْإِمَامِ لَا أَرَى تَقْدِيمَ ذَوِي الْأَرْحَامِ مَحْتُومًا بِخِلَافِ الْمَحَارِمِ؛ لِأَنَّهُمْ كَالْأَجَانِبِ فِي وُجُوبِ الِاحْتِجَابِ؛ لِأَنَّ
[حاشية الشبراملسي]
التَّقْدِيمُ أَوْ التَّقَدُّمُ اهـ حَجّ.
ثُمَّ رَأَيْت قَوْلَهُ الْآتِيَ: وَالْوَالِي هُنَا لَا يُقَدَّمُ عَلَى الْقَرِيبِ جَزْمًا (قَوْلُهُ: فَأَوْلَاهُمْ الزَّوْجُ إلَخْ) وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا طَلْحَةَ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ مَفْضُولٌ عَلَى عُثْمَانَ مَعَ أَنَّهُ الزَّوْجُ الْأَفْضَلُ، وَالْعُذْرُ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْخَبَرِ عَلَى رَأْيٍ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ وَطِئَ سُرِّيَّةً لَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ دُونَ أَبِي طَلْحَةَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا أَنَّهُمْ لَا يَعْتَبِرُونَهُ، لَكِنْ يُسَهِّلُ ذَلِكَ أَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عُثْمَانَ لِفَرْطِ الْحُزْنِ وَالْأَسَفِ لَمْ يَثِقْ مِنْ نَفْسِهِ بِأَحْكَامِ الدَّفْنِ فَأَذِنَ، أَوْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى عَلَيْهِ آثَارَ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ فَقَدَّمَ أَبَا طَلْحَةَ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، وَخَصَّهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يُقَارِفْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْ الْخَبَرِ أَنَّ الْأَجَانِبَ الْمُسْتَوِينَ فِي الصِّفَاتِ يُقَدَّمُ مِنْهُمْ مَنْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ مُذَكَّرٍ يَحْصُلُ لَهُ وَلَوْ مَاسَّ الْمَرْأَةَ اهـ حَجّ وَلَا يُرَدُّ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْجُمُعَةِ إنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يُجَامِعَ لَيْلَتَهَا لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ الْمَيْلِ إلَى مَنْ يَرَاهُ مِنْ النِّسَاءِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: الْغَرَضُ ثَمَّ كَسْرُ الشَّهْوَةِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِالْجِمَاعِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَالْغَرَضُ هُنَا أَنَّهُ يَكُونُ أَبْعَدَ مِنْ تَذَكُّرِ النِّسَاءِ، وَبُعْدُ الْعَهْدِ بِهِنَّ أَقْوَى فِي عَدَمِ التَّذَكُّرِ (قَوْلُهُ: وَيَلِيهِ) أَيْ الزَّوْجُ (قَوْلُهُ: وَمَحَارِمِ الْمُصَاهَرَةِ) وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ مِنْ أَنَّ الظَّاهِرَ تَقْدِيمُ مَحَارِمِ الرَّضَاعِ عَلَى مَحَارِمِ الْمُصَاهَرَةِ أَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْته فِي سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْعِنِّينَ إلَخْ) أَيْ مِنْ الْأَجَانِبِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ) أَيْ بَعْدَ الْأَفْقَهِ مِنْ الْمَحَارِمِ الْأَقْرَبُ إلَخْ، وَيُقَدَّمُ مِنْ الْمَحَارِمِ مَحْرَمُ النَّسَبِ عَلَى مَحْرَمِ الرَّضَاعِ وَمَحْرَمُ الرَّضَاعِ عَلَى الْعَبِيدِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَلَوْ ذَكَرَ حُكْمَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ ثُمَّ عَبْدُهَا لَكَانَ أَوْلَى، وَكَذَا لَوْ أَخَّرَ قَوْلَهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إلَخْ عَنْ قَوْلِهِ ثُمَّ الْخَصِيُّ إلَخْ لَكَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْمَمْسُوحُ) أَيْ الْأَجْنَبِيُّ: وَيَنْبَغِي أَيْضًا تَقْدِيمُهُ عَلَى مَا بَعْدَهُ بِالنِّسْبَةِ لِعَبْدِهَا (قَوْلُهُ: وَالْخَنَاثَى كَالنِّسَاءِ) وَيَنْبَغِي تَقْدِيمُهُمْ عَلَى النِّسَاءِ لِاحْتِمَالِ ذُكُورَتِهِمْ (قَوْلُهُ: أُقْرِعَ) أَيْ نَدْبًا (قَوْلُهُ: وَالسَّيِّدُ فِي الْأَمَةِ) أَيْ فَيُقَدَّمُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَوْلَى) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ (قَوْلُهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِدَفْنِهِ مِنْ الْأَجَانِبِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ أَقَارِبَ الْعَبْدِ تُقَدَّمُ عَلَى سَيِّدِهِ وَهُوَ قِيَاسُ مَا فِي الصَّلَاةِ، وَتَقَدَّمَ لَنَا عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ثُمَّ ذَوُو الْأَرْحَامِ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ إنَّ السَّيِّدَ
[حاشية الرشيدي]
الْأُولَى تَقْدِيمُ مُرَاعَاةِ الصِّفَةِ عَلَى الدَّرَجَةِ إذْ الَّذِي مَرَّ فِي الصَّلَاةِ النَّظَرُ لِلدَّرَجَةِ أَوَّلًا فَإِنْ اسْتَوَتْ نُظِرَ إلَى الصِّفَةِ.
الثَّانِي تَقْدِيمُ الْفَقِيهِ عَلَى الْأَسَنِّ