بَعْضُهُمْ فَلَا تَنْعَقِدُ بِدُونِهِمْ لِخَبَرِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ بِنَا فِي الْمَدِينَةِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ قَبْلَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ وَكُنَّا أَرْبَعِينَ، وَخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بِالْمَدِينَةِ وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا» وَلِقَوْلِ جَابِرٍ مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ «فِي كُلِّ ثَلَاثَةٍ إمَامًا، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ جُمُعَةً» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مَضَتْ السُّنَّةُ كَقَوْلِهِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اجْتَمَعَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَعَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ» . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي أَرْبَعِينَ» وَأَمَّا خَبَرُ انْفِضَاضِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا اثْنَا عَشَرَ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ ابْتَدَأَهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ، بَلْ يُحْتَمَلُ عَوْدُهُمْ أَوْ عَوْدُ غَيْرِهِمْ مَعَ سَمَاعِهِمْ أَرْكَانَ الْخُطْبَةِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، أَمَّا فِيهَا فَيُشْتَرَطُ زِيَادَتُهُمْ عَلَى الْأَرْبَعِينَ لِيُحْرِمَ الْإِمَامُ بِأَرْبَعِينَ وَيَقِفَ الزَّائِدُ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُمْ أَرْبَعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لِلْأَوَّلَيْنِ وَشَرْطٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَخْذًا مِمَّا مَرَّ (مُكَلَّفًا) أَيْ بَالِغًا عَاقِلًا (حُرًّا) كُلَّهُ (ذَكَرًا) فَلَا تَنْعَقِدُ بِالْكُفَّارِ وَغَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ وَمَنْ فِيهِ رِقٌّ، وَبِالنِّسَاءِ وَالْخَنَاثَى لِنَقْصِهِمْ، بِخِلَافِ الْمَرِيضِ فَإِنَّهَا إنَّمَا لَمْ تَجِبُ عَلَيْهِ رِفْقًا بِهِ لَا لِنَقْصِهِ، وَلَا تَنْعَقِدُ بِأَرْبَعِينَ وَفِيهِمْ أُمِّيٌّ لِارْتِبَاطِ صِحَّةِ صَلَاةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فَصَارَ كَاقْتِدَاءِ الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ كَمَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيّ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا قَصَّرَ الْأُمِّيُّ فِي التَّعَلُّمِ، وَإِلَّا فَتَصِحُّ الْجُمُعَةُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ قَارِئًا وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ عِلَّةَ بُطْلَانِ صَلَاتِهِمْ تَقْصِيرُهُمْ لَا ارْتِبَاطُ صَلَاةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَمَعْلُومٌ مِمَّا مَرَّ فِي صِفَةِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْأُمِّيِّينَ إذَا لَمْ يَكُونُوا فِي دَرَجَةٍ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ
[حاشية الشبراملسي]
الْفَرْضِ، فَإِنَّ عُمُومَهُ شَامِلٌ لِمَا لَوْ كَانُوا صَلَّى الْجُمُعَةَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ وَأَعَادَهَا فِي مَحَلٍّ يَجُوزُ فِيهِ التَّعَدُّدُ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا يَأْتِي عَلَى النَّفْلِ الْمَحْضِ.
وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ: فَرْعٌ: الظَّاهِرُ وِفَاقًا لَمْ ر أَنَّهُ حَيْثُ جَوَّزَ حُصُولَ الْجُمُعَةِ لَهُ فِي بَلَدٍ تَعَدَّدَتْ فِيهِ فَوْقَ الْحَاجَةِ جَازَ لَهُ فِعْلُ رَاتِبَتِهَا السَّابِقَةِ: أَيْ دُونَ الْمُتَأَخِّرَةِ، ثُمَّ إنْ حَصَلَتْ لَهُ فَلَا كَلَامَ وَإِلَّا وَقَعَتْ الرَّاتِبَةُ نَفْلًا مُطْلَقًا وَفَعَلَ الظُّهْرَ بِرَوَاتِبِهَا الْقَبَلِيَّةِ اهـ (قَوْلُهُ: وَلِقَوْلِ جَابِرٍ مَضَتْ) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَفِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ، وَحَدِيثُ إذَا اجْتَمَعَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا إلَخْ أَوْرَدَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَلَا أَصْلَ لَهُ، وَحَدِيثُ لَا جُمُعَةَ إلَّا بِأَرْبَعِينَ لَا أَصْلَ لَهُ انْتَهَى الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ.
(قَوْلُهُ: كَقَوْلِهِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ فَيُحْتَجُّ بِهِ (قَوْلُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُمْ أَرْبَعِينَ) أَيْ بَلْ يُكْتَفَى بِوَاحِدٍ كَمَا يَأْتِي فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ (قَوْلُهُ: لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ) أَيْ فَلَا تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: بَلْ يُحْتَمَلُ عَوْدُهُمْ) أَيْ قَبْلَ التَّحَرُّمِ، وَأَحْرَمَ بِالْأَرْبَعِينَ، فَالِانْفِضَاضُ كَانَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْخُطْبَةِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ انْفَضُّوا فِي الصَّلَاةِ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الْخُطْبَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ (قَوْلُهُ: لِارْتِبَاطِ صَلَاةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ) قَالَ الشِّهَابُ سم فِي حَوَاشِي الْمَنْهَجِ: هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ كَانُوا بِحَيْثُ تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ فِي نَفْسِهِمْ بِأَنْ لَمْ يُقَصِّرُوا فِي التَّعَلُّمِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ قَصَّرُوا فَصَلَاتُهُمْ بَاطِلَةٌ مِنْ أَصْلِهَا، فَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ حِينَئِذٍ بِالِارْتِبَاطِ، لَكِنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: أَيْ الَّذِي تَبِعَهُ الشَّارِحُ إذْ مَا هُنَا إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ الْمُشْتَرَطَةَ هُنَا لِلصِّحَّةِ صُيِّرَتْ إلَى آخِرِ عِبَارَتِهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ إلَّا قَوْلَ الشَّارِحِ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ إلَخْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا قَصَّرُوا فِي التَّعَلُّمِ وَإِلَّا صَحَّتْ الْجُمُعَةُ، وَاعْتَمَدَهُ م ر، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا حَمْلٌ لَا يَقْبَلُهُ الْكَلَامُ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ.
انْتَهَى.
وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الشِّهَابُ حَجّ كَمَا سَيَأْتِي عَنْهُ (قَوْلُهُ: وَمَعْلُومٌ مِمَّا مَرَّ فِي صِفَةِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْأُمِّيِّينَ إذَا لَمْ يَكُونُوا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ) أَيْ فَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ، وَقَدْ يُقَالُ: إنْ كَانَتْ
لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ الْمُشْتَرَطَةَ هُنَا لِلصِّحَّةِ صَيَّرَتْ بَيْنَهُمْ ارْتِبَاطًا كَالِارْتِبَاطِ بَيْنَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فَصَارَ كَاقْتِدَاءِ قَارِئٍ بِأُمِّيٍّ.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إغْنَاءِ صَلَاتِهِمْ عَنْ الْقَضَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ فِي غَيْرِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، وَسَيُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي أَنَّ شَرْطَهُمْ أَيْضًا أَنْ يَسْمَعُوا أَرْكَانَ الْخُطْبَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْبَعِينَ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ بَعْضِ الْأَرْكَانِ كَحَنَفِيٍّ، صَحَّ حُسْبَانُهُمْ مِنْ الْأَرْبَعِينَ وَإِنْ شَكَّ فِي إتْيَانِهِ بِالْوَاجِبِ عِنْدَنَا كَمَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ لَنَا مَعَ ذَلِكَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَوَقِّيهِ الْخِلَافَ، بِخِلَافِ مَا إذَا عُلِمَ مِنْهُ مُفْسِدٌ عِنْدَنَا فَلَا يُحْسَبُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا مَرَّ لِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ عِنْدَنَا، وَفِي الْخَادِمِ عَنْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَقِيدَةِ الشَّافِعِيِّ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا وَهُوَ دَالٌ لِمَا تَقَرَّرَ (مُسْتَوْطِنًا) بِمَحَلِّهَا وَالْمُسْتَوْطِنُ هُنَا مَنْ (لَا يَظْعَنُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا إلَّا لِحَاجَةٍ) كَتِجَارَةٍ وَزِيَارَةٍ فَلَا تَنْعَقِدُ بِغَيْرِ الْمُتَوَطِّنِ كَمَنْ أَقَامَ عَلَى عَزْمِ عَوْدِهِ إلَى وَطَنِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ وَلَوْ طَوِيلَةً كَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالتُّجَّارِ لِعَدَمِ التَّوَطُّنِ وَلَا بِالْمُتَوَطَّنِينَ خَارِجَ مَحَلِّ الْجُمُعَةِ وَإِنْ سَمِعُوا نِدَاءَهَا لِفَقْدِ إقَامَتِهِمْ بِمَحَلِّهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا تَقَدُّمُ إحْرَامِ أَرْبَعِينَ مِمَّنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ عَلَى إحْرَامِ النَّاقِصِينَ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْبُلْقِينِيِّ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ) أَيْ مِنْ الْأُمِّيِّينَ إذْ لَمْ يَكُونُوا فِي دَرَجَةٍ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ (قَوْلُهُ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ) أَيْ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ مِنْهُمْ (قَوْلُهُ: مِمَّا تَقَرَّرَ) هُوَ قَوْلُهُ لِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ عِنْدَنَا (قَوْلُهُ: كَمَنْ أَقَامَ عَلَى عَزْمِ عَوْدِهِ إلَى وَطَنِهِ) وَمِنْهُ مَا لَوْ سَكَنَ بِبَلَدٍ بِأَهْلِهِ عَازِمًا عَلَى أَنَّهُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ فِي بَلَدِهِ كَمَوْتِ خَطِيبِهَا أَوْ إمَامِهَا مَثَلًا رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ فِي مَحَلِّ سَكَنِهِ لِعَدَمِ التَّوَطُّنِ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ عَلَى عَزْمِ عَوْدِهِ أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ انْعَقَدَتْ مِنْهُ لِأَنَّهَا صَارَتْ وَطَنَهُ (قَوْلُهُ: وَلَا بِالْمُتَوَطَّنِينَ خَارِجَ مَحَلِّ الْجُمُعَةِ) وَعَلَيْهِ فَالسَّاكِنُ خَارِجَ السُّورِ لَا تَنْعَقِدُ
[حاشية الرشيدي]
الْعِلَّةُ هَذَا التَّقْصِيرَ كَمَا مَرَّ فَلَا مَعْنَى لِلتَّقْيِيدِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُونُوا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ بَاطِلَةٌ بِكُلِّ حَالٍ لِتَقْصِيرِهِمْ سَوَاءٌ كَانُوا فِي دَرَجَةٍ أَمْ دَرَجَاتٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ الِارْتِبَاطَ كَمَا عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ الْمُشْتَرَطَةَ إلَخْ، فَمَا وَجْهُ كَوْنِ الْعِلَّةِ فِيمَا مَرَّ التَّقْصِيرَ وَهُنَا الِارْتِبَاطَ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ الْمُشْتَرَطَةَ هُنَا لِلصِّحَّةِ إلَخْ) ظَاهِرٌ بِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِخُصُوصِ قَوْلِهِ، وَمَعْلُومٌ مِمَّا مَمَرّ إلَخْ وَفِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ لِلشِّهَابِ حَجّ فِي تُحْفَتِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ بِنَاءً عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي عَدَمِ الِانْعِقَادِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الِارْتِبَاطُ الْمَذْكُورُ لَا التَّقْصِيرُ خِلَافًا لِلشَّارِحِ، وَقَدْ قَالَ عَقِبَ هَذَا التَّعْلِيلِ: وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ هُنَا بَيْنَ أَنْ يُقَصِّرَ الْأُمِّيُّ فِي التَّعَلُّمِ وَأَنْ لَا، وَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا غَيْرُ قَوِيٍّ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ الِارْتِبَاطِ الْمَذْكُورِ، عَلَى أَنَّ الْمُقَصِّرَ لَا يُحْسَبُ مِنْ الْعَدِّ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، وَإِلَّا فَالْإِعَادَةُ لَازِمَةٌ لَهُ، وَمَنْ لَزِمَتْهُ لَا يُحْسَبُ مِنْ الْعَدَدِ.
انْتَهَى.
وَالشَّارِحُ تَبِعَ شَرْحَ الرَّوْضِ فِيمَا مَرَّ وَجَعَلَ الْعِلَّةَ التَّقْصِيرَ وَقَدَّمْنَا مَا فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا التَّعْلِيلَ تَبَعًا لِلشِّهَابِ الْمَذْكُورِ فَوَقَعَ فِي التَّنَاقُضِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّارِحِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ (قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ) أَيْ مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي عَدَمِ الِانْعِقَادِ بِالْأُمِّيِّينَ تَقْصِيرُهُمْ الْمُوجِبُ لِعَدَمِ إغْنَاءِ صَلَاتِهِمْ عَنْ الْقَضَاءِ، فَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا عَدَمُ إغْنَاءِ الصَّلَاةِ عَنْ الْقَضَاءِ عَلَى مَا مَرَّ فِيهِ.
وَعِبَارَةُ الشِّهَابِ حَجّ: وَعُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي التَّيَمُّمِ إلَخْ، وَعَدَلَ عَنْهَا الشَّارِحُ إلَى مَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ التَّقْصِيرَ فَيُعْلَمُ مِنْهُ مَا ذُكِرَ لِلْجَامِعِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
فَإِنْ قُلْت: يُنَاقِضُ هَذَا مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ بَانَ حَدَثُ بَعْضِ الْعَدَدِ انْعَقَدَتْ لِلْإِمَامِ وَلِلْبَاقِينَ الْمُتَطَهِّرِينَ.
قُلْت: لَا يُنَاقِضُهُ؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ هُنَا فِيمَا إذَا كَانُوا عَالِمِينَ بِالْحَالِ فِي حَالِ الِاقْتِدَاءِ وَالصُّورَةُ فِيمَا يَأْتِي فِيمَا إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالُ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَشَمِلَ مَا ذَكَرَهُ مَا إذَا كَانَتْ صَلَاتُهُمْ صَحِيحَةً كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ، وَكَالْمُتَيَمَّمِ الَّذِي تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ الصِّحَّةَ مُوَافَقَةُ ذِي الْوَجْهَيْنِ الشَّرْعَ وَإِنْ لَمْ تُغْنِ عَنْ
وَالزَّرْكَشِيِّ، بَلْ صَوَّبَهُ خِلَافًا لِلْقَاضِي وَمَنْ تَبِعَهُ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْجُمُعَةِ خَلْفَ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ إذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَعَلَّ مَا قَالَهُ الْقَاضِي: أَيْ وَمِنْ تَبِعَهُ مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَالَ إنَّهُ الْقِيَاسُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ خَلْفَ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ إذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ إحْرَامُ الْإِمَامِ ضَرُورِيٌّ فَاغْتُفِرَ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهِ.
قُلْنَا: لَا ضَرُورَةَ إلَى إمَامَتِهِ فِيهَا، وَأَيْضًا تَعْظُمُ الْمَشَقَّةُ عَلَى مَنْ لَا تَنْعَقِدُ بِهِ فِي تَكْلِيفِهِ بِمَعْرِفَةِ تَقَدُّمِ إحْرَامِ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ عَلَى إحْرَامِهِ.
وَلَوْ أَكْرَهَ الْإِمَامُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْهَا وَتَعْطِيلِهَا وَالْبِنَاءِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَسَكَنُوا فِيهِ وَهُمْ مُكْرَهُونَ وَقَصْدُهُمْ الْعَوْدُ إذَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ الْمَنْقُولِ إلَيْهَا؟ أَفْتَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهُمْ لَا تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ بَلْ لَا تَصِحُّ مِنْهُمْ لَوْ فَعَلُوهَا لِفَقْدِ الِاسْتِيطَانِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَخَرَجَ بِتَوَطُّنِهِمْ فِي بَلَدِ الْجُمُعَةِ مَا لَوْ تَقَارَبَتْ قَرْيَتَانِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا دُونَ أَرْبَعِينَ بِصِفَةِ الْكَمَالِ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَبَلَغُوا أَرْبَعِينَ فَإِنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ وَإِنْ سَمِعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ نِدَاءَ الْأُخْرَى لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ غَيْرُ مُتَوَطِّنِينَ فِي مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي بَلْدَةٍ يُقِيمُ عِنْدَ كُلٍّ يَوْمًا مَثَلًا انْعَقَدَتْ بِهِ الْجُمُعَةُ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي إقَامَتُهُ فِيهِ أَكْثَرُ دُونَ الْأُخْرَى، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِيهَا انْعَقَدَتْ بِهِ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي مَالُهُ فِيهَا أَكْثَرُ دُونَ الْأُخْرَى، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِيهِ اُعْتُبِرَتْ نِيَّتُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ اُعْتُبِرَ الْمَوْضِعُ الَّذِي هُوَ فِيهِ كَذَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَفْتَى أَيْضًا فِيمَنْ سَكَنَ بِزَوْجَتِهِ فِي مِصْرَ مَثَلًا وَبِأُخْرَى فِي الْخَانْكَةِ مَثَلًا وَلَهُ زِرَاعَةٌ بَيْنَهُمَا وَيُقِيمُ فِي الزِّرَاعَةِ غَالِبَ نَهَارِهِ وَيَبِيتُ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَيْلَةً فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ بِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُتَوَطِّنٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا حَتَّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ سَفَرُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ لِمَكَانٍ تَفُوتُ بِهِ إلَّا لِخَوْفِ ضَرَرٍ.
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ (انْعِقَادُهَا بِالْمَرْضَى) لِكَمَالِهِمْ وَعَدَمُ الْوُجُوبِ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِمْ.
وَالثَّانِي لَا كَالْمُسَافِرِينَ (وَ) الصَّحِيحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا (أَنَّ الْإِمَامَ
[حاشية الشبراملسي]
بِهِ دَاخِلَهُ وَلَا عَكْسُهُ، لِأَنَّ خَارِجَ السُّورِ وَدَاخِلَهُ كَقَرْيَتَيْنِ، وَفِي شَرْحِ حَجَرٍ هُنَا مَا يُوَافِقُ كَلَامَ الشَّارِحِ، لَكِنْ فِي فَتَاوَى حَجَرٍ مَا نَصُّهُ: سُئِلَ عَنْ قَرْيَةٍ لَهَا سُورٌ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ لَازَمَ أَهْلُ الْخِيَامِ الصَّحْرَاءَ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ تَقَدَّمَ إلَخْ) أَيْ اعْتِرَاضًا عَلَى جَعْلِ كَلَامِ الْقَاضِي مُفَرَّعًا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ إمَامَةِ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ: قُلْنَا لَا ضَرُورَةَ إلَى إمَامَتِهِ) قَالَ سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ: قَدْ يُقَالُ: يَكْفِي فِي الْجَوَابِ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ الِاحْتِيَاجَ إلَيْهِ وَتَقَدُّمَ إحْرَامِهِ فَلَا نَظَرَ لِلْأَفْرَادِ الْخَاصَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ) أَيْ لَكِنْ لَوْ سَمِعُوا النِّدَاءَ مِنْ قَرْيَةٍ أُخْرَى وَجَبَ عَلَيْهِمْ السَّعْيُ إلَيْهَا (قَوْلُهُ يُقِيمُ عِنْدَ كُلٍّ يَوْمًا مَثَلًا) وَكَذَا مَنْ لَهُ مَسْكَنَانِ وَكَثُرَتْ إقَامَتُهُ فِي أَحَدِهِمَا وَزَوْجَتُهُ فِي الْآخَرِ أَوْ لَا زَوْجَةَ لَهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَتَعْبِيرُهُ بِالزَّوْجَتَيْنِ مُجَرَّدُ تَصْوِيرٍ (قَوْلُهُ: فَإِنْ اسْتَوَيَا فِيهَا) أَيْ الْإِقَامَةِ (قَوْلُهُ: فِيهِ) أَيْ الْمَالِ (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُتَوَطِّنٌ) أَيْ فَتَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ فِيهِمَا.
(قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ)
[حاشية الرشيدي]
الْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ: انْعَقَدَتْ بِهِ الْجُمُعَةُ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي إقَامَتُهُ فِيهَا أَكْثَرُ) فِيهِ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُقِيمُ عِنْدَ كُلٍّ يَوْمًا، وَعُذْرُهُ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيمَا فِي الْفَتَاوَى بِسَبْكِ السُّؤَالِ مَعَ الْجَوَابِ فَلَزِمَ مِنْهُ مَا ذُكِرَ.
وَعِبَارَةُ الْفَتَاوَى: سُئِلَ عَمَّنْ لَهُ زَوْجَتَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي بَلْدَةٍ يُقِيمُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ يَوْمًا فَهَلْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ فِي كُلٍّ مِنْ الْبَلَدَيْنِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ بِالْمَذْكُورِ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي إقَامَتُهُ فِيهَا أَكْثَرُ إلَخْ.
فَمَا فِي الْجَوَابِ تَفْصِيلٌ لِلْمَسْأَلَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا فِي السُّؤَالِ مِنْ فَرْضِهِ فِي إقَامَتِهِ عِنْدَ كُلٍّ يَوْمًا، وَقَدْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ إقَامَتِهِ عِنْدَ كُلِّ زَوْجَةٍ يَوْمًا كَوْنُ إقَامَتِهِ فِي كُلٍّ مِنْ الْبَلَدَيْنِ كَذَلِكَ، فَقَدْ تَكُونُ إقَامَتُهُ فِي إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ لَكِنْ لَا يَكُونُ عِنْدَ الزَّوْجَةِ جَمِيعَ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ، بَلْ يَكُونُ عِنْدَهَا فِيهَا يَوْمًا فَقَطْ وَيُقِيمُ الْبَاقِيَ فِي نَحْوِ الْمَسْجِدِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُتَوَطِّنٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا) فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ
لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَوْقَ الْأَرْبَعِينَ) حَيْثُ كَانَ بِصِفَةِ الْكَمَالِ لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ الْمَارِّ.
وَالثَّانِي وَنُقِلَ عَنْ الْقَدِيمِ يُشْتَرَطُ إذْ الْغَالِبُ عَلَى الْجُمُعَةِ التَّعَبُّدُ فَلَا يَنْتَقِلُ مِنْ الظُّهْرِ إلَيْهَا إلَّا بِيَقِينٍ.
وَلَوْ كَانَ فِي الْقَرْيَةِ أَرْبَعُونَ أَخْرَسَ فَهَلْ تَنْعَقِدُ جُمُعَتُهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَوْجَهُهُمَا عَدَمُ الِانْعِقَادِ لِفَقْدِ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ وُجِدَ مَنْ يَخْطُبُ لَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ بِهِمْ صَمَمٌ يَمْنَعُ السَّمَاعَ انْعَقَدَتْ بِهِمْ لِأَنَّهُمْ يَتَّعِظُونَ، وَتَنْعَقِدُ بِأَرْبَعِينَ مِنْ الْجِنِّ أَوْ مِنْهُمْ وَمِنْ الْإِنْسِ، قَالَهُ الْقَمُولِيُّ: أَيْ إنْ عُلِمَ وُجُودُ الشُّرُوطِ فِيهِمْ وَقَيَّدَهُ الدَّمِيرِيِّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ بِمَا إذَا تَصَوَّرُوا بِصُورَةِ بَنِي آدَمَ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْ النَّصِّ مِنْ كُفْرِ مُدَّعَى رُؤْيَتِهِمْ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْكِتَابِ، لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ ادَّعَى رُؤْيَتَهُمْ عَلَى مَا خُلِقُوا عَلَيْهِ وَكَلَامُنَا فِيمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ عَلَى صُورَةِ بَنِي آدَمَ.
(وَلَوْ) (انْفَضَّ الْأَرْبَعُونَ) الْحَاضِرُونَ (أَوْ بَعْضُهُمْ فِي الْخُطْبَةِ) (لَمْ يُحْسَبُ الْمَفْعُولُ) مِنْ أَرْكَانِهَا (فِي غَيْبَتِهِمْ) لِانْتِفَاءِ سَمَاعِهِمْ لَهُ وَسَمَاعُهَا وَاجِبٌ ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] إذْ الْمُرَادُ بِهِ الْخُطْبَةُ كَمَا قَالَهُ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَسْمَعَ الْأَرْبَعُونَ جَمِيعَ أَرْكَانِهَا، وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا الْخِلَافُ الْآتِي فِي
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ الْمُقَرَّرَيْنِ فِي كَلَامِهِمْ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ التَّعْبِيرُ بِالْأَظْهَرِ أَوْ الْمَشْهُورِ.
(قَوْلُهُ: انْعَقَدَتْ بِهِمْ) أَيْ حَيْثُ كَانَ الْإِمَامُ نَاطِقًا وَإِلَّا فَلَا لِعَدَمِ صِحَّةِ إمَامَةِ الْأَخْرَسِ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُمْ يَتَّعِظُونَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ صِحَّةِ جُمُعَةِ الْأَرْبَعِينَ إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ أُمِّيًّا لَمْ يَقْصُرْ فِي التَّعَلُّمِ، أَمَّا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ مَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الْبَغَوِيّ وَهُوَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا لِارْتِبَاطِ صِحَّةِ صَلَاةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فَالْقِيَاسُ هُنَا عَدَمُ الصِّحَّةِ (قَوْلُهُ: مِنْ الْجِنِّ) قَدْ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءُ بِكَوْنِ بَعْضِ الْأَرْبَعِينَ مِنْ الْجِنِّ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَهَا أَرْبَعُونَ مِنْ الْجِنِّ مُتَوَطِّنُونَ بِالْقَرْيَةِ لَمْ يَأْثَمْ إنْسُ الْقَرْيَةِ بِتَعْطِيلِ الْقَرْيَةِ مِنْهَا حَتَّى يَجُوزَ لَهُمْ الذَّهَابُ لِفِعْلِهَا فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى وَقَدْ يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ فَلْيُحَرَّرْ انْتَهَى سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَمِنْ الْإِنْسِ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْأَرْبَعِينَ إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْجِنِّ وَبَعْضُهُمْ مِنْ الْإِنْسِ انْعَقَدَتْ بِهِمْ.
وَنَقَلَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنَّا بِفِعْلِ الْجِنِّ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَا اجْتَمَعُوا مَعَ الْإِنْسِ كَوْنُ الْجِنِّ زَائِدِينَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْقَمُولِيِّ، وَالْأَقْرَبُ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ، ثُمَّ عَلَى نَقْلٍ عَنْ حَجَرٍ: لَوْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ أَرْبَعُونَ وَأَرَادُوا فِعْلَ الْجُمُعَةِ فِي غَيْرِ قَرْيَتِهِمْ اكْتِفَاءً بِفِعْلِ أَرْبَعِينَ مِنْ الْجِنِّ فِي قَرْيَتِهِمْ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلِمُوا إقَامَتَهَا بِأَرْبَعِينَ مِنْ الْإِنْسِ فِي قَرْيَتِهِمْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ عَلِمَ بِذَلِكَ جَوَازُ السَّفَرِ إلَى غَيْرِ قَرْيَتِهِ حَيْثُ أَدْرَكَ فِيهَا الْجُمُعَةَ (قَوْلُهُ: أَيْ إنْ عُلِمَ وُجُودُ الشُّرُوطِ فِيهِمْ) وَهَلْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا مِنْهُمْ كَوْنُهُمْ فِي أَرْضِنَا مَثَلًا أَوْ فِي الْأَرْضِ الثَّانِيَةِ أَمْ لَا يُشْتَرَطُ فَتَنْعَقِدُ بِهِمْ وَإِنْ كَانَ مَسْكَنُهُمْ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: مَنْ وَقَفَ أَرْضًا سَرَتْ وَقْفِيَّتُهَا إلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ فِيهَا هُوَ مِنْ أَهْلِهَا.
نَعَمْ إنْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِمَامِ مَسَافَةٌ تَزِيدُ عَلَى ثَلَثِمِائَةِ ذِرَاعٍ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لَا تَصِحُّ لِلْبُعْدِ كَالْإِنْسِ إذَا بَعُدُوا عَنْ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: بِمَا إذَا تَصَوَّرُوا بِصُورَةِ بَنِي آدَمَ) تَقَدَّمَ عَنْ سم فِي مَوَاضِعَ مِنْ نَظَائِرِهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ (قَوْلُهُ: عَنْ النَّصِّ مِنْ كُفْرِ مُدَّعِي رُؤْيَتِهِمْ) عِبَارَةُ حَجَرٍ: وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ يُعْذَرُ مُدَّعِي رُؤْيَتِهِمْ مَحْمُولٌ عَلَى مُدَّعِيهَا فِي صُوَرِهِمْ الْأَصْلِيَّةِ إلَخْ، وَالْأَقْرَبُ مَا قَالَهُ حَجَرٌ، وَلَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْكُفْرِ تَحْرِيفٌ، وَلَعَلَّ الْأَصْلَ مِنْ كَفِّ مُدَّعِي إلَخْ (قَوْلُهُ: عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْكِتَابِ) هُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 27] .
[حاشية الرشيدي]
نَوْعُ مُخَالَفَةٍ لِلْإِفْتَاءِ الْأَوَّلِ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: مَا نُقِلَ عَنْ النَّصِّ مِنْ كُفْرِ مُدَّعِي رُؤْيَتِهِمْ إلَخْ) عِبَارَةُ الشِّهَابِ حَجّ: وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ يُعَزَّزُ مُدَّعِي رُؤْيَتَهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى مُدَّعِيهَا فِي صُورَتِهِمْ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ انْتَهَتْ.
وَكَانَ وَجْهُ التَّعْزِيرِ دُونَ الْكُفْرِ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا فِي امْتِنَاعِ رُؤْيَتِهِمْ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَسَمَاعُهَا وَاجِبٌ) أَيْ
الِانْفِضَاضِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُصَلٍّ لِنَفْسِهِ، فَجَازَتْ الْمُسَامَحَةُ فِي نُقْصَانِ الْعَدَدِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْخُطْبَةِ إسْمَاعُ النَّاسِ فَإِذَا انْفَضَّ الْأَرْبَعُونَ بَطَلَ حُكْمُ الْخُطْبَةِ، وَإِذَا انْفَضَّ بَعْضُهُمْ بَطَلَ حُكْمُ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ وَهُوَ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا مَرَّ، فَلَوْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ الْكَامِلِ أَرْبَعُونَ فَانْفَضَّ مِنْهُمْ وَاحِدٌ لَمْ يَضُرَّ، وَالِانْفِضَاضُ مِثَالٌ وَالضَّابِطُ النَّقْصُ (وَيَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا مَضَى إنْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ) عُرْفًا لِأَنَّ الْفَصْلَ الْيَسِيرَ لَا يُعَدُّ قَاطِعًا لِلْمُوَالَاةِ، كَمَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ لِمَنْ سَلَّمَ نَاسِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ، وَشَبَّهَ الرَّافِعِيُّ الْفَصْلَ الْيَسِيرِ بِالْفَصْلِ بَيْنَ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ (وَكَذَا بِنَاءُ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ إنْ انْفَضُّوا بَيْنَهُمَا) أَيْ فَيَجُوزُ أَيْضًا إذَا عَادُوا عَنْ قُرْبٍ (فَإِنْ عَادُوا بَعْدَ طُولِهِ) عُرْفًا (وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ) لِلْخُطْبَةِ (فِي الْأَظْهَرِ) فِيهِمَا وَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ذَلِكَ إلَّا مُتَوَالِيًا، وَلِأَنَّ الْمُوَالَاةَ لَهَا مَوْقِعٌ فِي اسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ.
وَالثَّانِي لَا يَجِبُ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْخُطْبَةِ الْوَعْظُ وَالتَّذْكِيرُ وَمِنْ الصَّلَاةِ إيقَاعُ الْفَرْضِ فِي جَمَاعَةٍ وَهُوَ حَاصِلٌ مَعَ التَّفْرِيقِ، وَاحْتُرِزَ بِعَادُوا عَمَّا لَوْ عَادَ بَدَلُهُمْ، فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْنَافِ الْخُطْبَةِ طَالَ الْفَصْلُ أَمْ لَا، وَمَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ الضَّبْطِ بِالْعُرْفِ هُوَ الْأَوْجَهُ وَإِنْ ضَبَطَهُ جَمْعٌ بِمَا يَزِيدُ عَلَى مَا بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ إذْ هُوَ بَعِيدٌ جِدًّا (وَإِنْ) (انْفَضُّوا) أَيْ الْأَرْبَعُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ (فِي الصَّلَاةِ) بِإِبْطَالِهَا أَوْ إخْرَاجِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ الْجَمَاعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (بَطَلَتْ) الْجُمُعَةُ لِفَوَاتِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ فِي صِحَّتِهَا فَيُتِمُّونَهَا ظُهْرًا.
نَعَمْ لَوْ عَادَ الْمُنْفَضُّونَ لَزِمَهُمْ الْإِحْرَامُ بِالْجُمُعَةِ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا كَمَا أَفْتَى بِهَا الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، إذْ لَا تَصِحُّ ظُهْرُ مَنْ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ مَعَ إمْكَانِ إدْرَاكِهَا، وَلَيْسَ فِيهِ إنْشَاءُ جُمُعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى لِبُطْلَانِ الْأُولَى.
وَلَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ وَتَبَاطَأَ الْمَأْمُومُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ بِالْإِحْرَامِ عَقِبَ إحْرَامِ الْإِمَامِ ثُمَّ أَحْرَمُوا فَإِنْ تَأَخَّرَ تَحَرُّمُهُمْ عَنْ رُكُوعِهِ فَلَا جُمُعَةَ لَهُمْ
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: وَهُوَ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ) بَيَانٌ لِلْعَدَدِ وَعَلَيْهِ فَلَا يُحْسَبُ الْمَفْعُولُ فِي غَيْبَةِ الْمُنْفَضِّينَ (قَوْلُهُ: وَالضَّابِطُ النَّقْصُ) أَيْ فَلَوْ أُغْمِيَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ بَعُدَ فِي الْمَسْجِدِ إلَى مَكَان لَا يُسْمَعُ فِيهِ الْإِمَامُ كَانَ الْمُنْفَضَّ (قَوْلُهُ: بَيْنَ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ) فَيَجِبُ أَنْ لَا يَبْلُغَ قَدْرَ رَكْعَتَيْنِ أَخَفَّ مَا يُمْكِنُ كَمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: بَطَلَتْ الْجُمُعَةُ) أَيْ حَيْثُ كَانَ الِانْفِضَاضُ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ، أَمَّا لَوْ كَانَ قَبْلَهُ فَإِنْ عَادُوا وَاقْتَدَوْا بِالْإِمَامِ قَبْلَ رُكُوعِهِ أَوْ فِيهِ وَقَرَءُوا الْفَاتِحَةَ وَاطْمَأَنُّوا مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ رَفْعِهِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ اسْتَمَرَّتْ جُمُعَتُهُمْ كَمَا لَوْ تَبَاطَأَ الْقَوْمُ عَنْ الْإِمَامِ ثُمَّ اقْتَدُوا بِهِ (قَوْلُهُ: فَيُتِمُّونَهَا ظُهْرًا) أَيْ يَفْعَلُونَهَا ظُهْرًا بِاسْتِئْنَافِهَا بِالنِّسْبَةِ فِيمَنْ انْفَضَّ إلَى بُطْلَانٍ وَبِالْبِنَاءِ عَلَى مَا مَضَى فِي حَقِّ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُمْ الْإِحْرَامُ) أَيْ مَعَ إعَادَةِ الْخُطْبَةِ إنْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ انْفِضَاضِهِمْ وَعَوْدِهِمْ (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَأَخَّرَ تَحَرُّمُهُمْ عَنْ رُكُوعِهِ) أَيْ انْتِهَائِهِ (قَوْلُهُ: فَلَا جُمُعَةَ لَهُمْ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَرَءُوا الْفَاتِحَةَ وَأَدْرَكُوا مَعَهُ الرُّكُوعَ وَفِيهِ نَظَرٌ، ثُمَّ رَأَيْت سم
[حاشية الرشيدي]
بِالْمَعْنَى الْآتِي (قَوْلُهُ: فَجَازَتْ الْمُسَامَحَةُ) أَيْ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا مَرَّ) صَوَابُهُ عَلَى الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ: فَيُتِمُّونَهَا) يَعْنِي الْبَاقِينَ فِي صُورَةِ مَا إذَا كَانَ الْمُنْفَضُّ بَعْضَهُمْ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْمُتَبَادَرِ مِنْ السِّيَاقِ، إذْ لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِيمَا إذَا انْفَضَّ الْأَرْبَعُونَ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُمْ) أَيْ الْجَمِيعَ، فَلَيْسَ لِلْبَاقِينَ حِينَئِذٍ إتْمَامُ الظُّهْرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، عَلَى أَنَّ الشِّهَابَ سم فِي حَوَاشِي الْمَنْهَجِ قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ فَيُتِمُّهَا الْبَاقُونَ ظُهْرًا مَا نَصُّهُ: هَذَا ظَاهِرٌ إذَا تَعَذَّرَ اسْتِئْنَافُ جُمُعَةٍ وَإِلَّا فَالْوَجْهُ اسْتِئْنَافُهَا:؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِهَا وَالْوَقْتُ بَاقٍ وَالْعَدَدُ مُتَيَسِّرٌ، فَكَيْفَ تَصِحُّ الظُّهْرُ مَعَ إمْكَانِ الْجُمُعَةِ.
ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ رَأَيْت السَّيِّدَ السَّمْهُودِيَّ فِي حَاشِيَةِ الرَّوْضَةِ سَبَقَنِي إلَى هَذَا الْبَحْثِ وَقَالَ: إنَّهُ التَّحْقِيقُ، وَذَكَرَ أَنَّ الشَّارِحَ اعْتَمَدَ مَا قَالَهُ السَّمْهُودِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ إفْتَاءِ وَالِدِهِ.
نَعَمْ حَاوَلَ: أَعْنِي الشِّهَابَ سم دَفْعَ ذَلِكَ بِأَنَّ مَحَلَّ قَوْلِهِمْ الَّذِي تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَفْعَلَ الظُّهْرَ حَتَّى يَيْأَسَ مَا إذَا لَمْ يَشْرَعْ، بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَعَ كَمَا هُنَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَأَخَّرَ حَرَمُهُمْ عَنْ رُكُوعِهِ فَلَا جُمُعَةَ لَهُمْ
وَإِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ رُكُوعِهِ، فَإِنْ أَدْرَكُوا الرُّكُوعَ مَعَ الْفَاتِحَةِ بِأَنْ تَمَّتْ قِرَاءَتُهَا قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ وَإِلَّا فَلَا، وَسَبَقُهُ فِي الْأُولَى بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِيَامِ كَمَا لَمْ يَمْنَعْ إدْرَاكَهُمْ الرَّكْعَةَ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْجُمُعَةِ، كَذَا جَرَى عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ.
وَقَالَ الْبَغَوِيّ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَابْنُ الْمُقِرِّي وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: يُشْتَرَط أَنْ لَا يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَ إحْرَامِهِ وَإِحْرَامِهِمْ.
قَالَ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ: فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ إدْرَاكَهُمْ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مَعَهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ، وَقَدْ ادَّعَى الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى ذَلِكَ تَقْيِيدُ لُحُوقِ اللَّاحِقِينَ بِكَوْنِهِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، فَلَوْ تَحَرَّمَ أَرْبَعُونَ لَاحِقُونَ بَعْدَ رَفْعِ الْإِمَامِ مِنْ رُكُوعِ الْأُولَى ثُمَّ انْفَضَّ الْأَرْبَعُونَ الَّذِينَ أَحْرَمَ بِهِمْ أَوْ نَقَصُوا فَلَا جُمُعَةَ، بَلْ يُتِمُّهَا الْإِمَامُ وَمَنْ بَقِيَ مَعَهُ ظُهْرًا، لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بِفَسَادِ صَلَاةِ الْأَرْبَعِينَ أَوْ مَنْ نَقَصَ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَدْ مَضَى لِلْإِمَامِ رَكْعَةٌ فَقَدَ فِيهَا الْجَمَاعَةَ أَوْ الْعَدَدَ، إذْ الْمُقْتَدُونَ الَّذِينَ تَصِحُّ بِهِمْ الْجُمُعَةُ هُمْ اللَّاحِقُونَ وَلَمْ يُحْرِمُوا إلَّا بَعْدَ رُكُوعِهِ.
هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ مَعَ تَنْقِيحٍ لَهُ وَتَوْشِيحٍ.
وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُمْ إذَا تَحَرَّمُوا وَالْعَدَدُ تَامٌّ صَارَ حُكْمُهُمْ وَاحِدًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، فَكَمَا لَا يُؤْثِرُ انْفِضَاضُ الْأَوَّلِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَدَمِ سَمَاعِ اللَّاحِقِينَ الْخُطْبَةَ كَذَلِكَ لَا يُؤْثِرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَدَمِ حُضُورِهِمْ الرَّكْعَةَ الْأُولَى (وَفِي قَوْلٍ لَا) تَبْطُلُ (إنْ بَقِيَ) اثْنَا عَشَرَ مَعَ الْإِمَامِ لِلْخَبَرِ الْمَارِّ مَعَ جَوَابِهِ وَفِي قَوْلٍ لَا إنْ بَقِيَ (اثْنَانِ) مَعَ الْإِمَامِ اكْتِفَاءً بِدَوَامِ مُسَمًّى الْجَمْعِ، وَالْمُرَادُ عَلَى الْأَوَّلِ انْفِضَاضُ مُسَمَّى الْعَدَدِ لَا الَّذِينَ حَضَرُوا الْخُطْبَةَ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِتِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ سَمِعُوا الْخُطْبَةَ ثُمَّ انْفَضُّوا بَعْدَ إحْرَامِ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ لَمْ يَسْمَعُوهَا أَتَمَّ بِهِمْ الْجُمُعَةَ، لِأَنَّهُمْ إذَا لَحِقُوا وَالْعَدَدُ تَامٌّ صَارَ حُكْمُهُمْ وَاحِدًا فَسَقَطَ عَنْهُمْ سَمَاعُ الْخُطْبَةِ، وَإِنْ انْفَضُّوا قَبْلَ إحْرَامِهِمْ بِهِ اسْتَأْنَفَ الْخُطْبَةَ لَهُمْ فَلَا تَصِحّ الْجُمُعَةُ بِدُونِهَا وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ لِانْتِفَاءِ سَمَاعِهِمْ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى حَجّ نَقَلَ عَنْ مُقْتَضَى الرَّوْضِ: أَنَّهُمْ حَيْثُ قَرَءُوا الْفَاتِحَةَ وَأَدْرَكُوا مَعَهُ الرُّكُوعَ قَبْلَ رَفْعِهِ عَنْ أَقَلِّهِ أَدْرَكُوا الْجُمُعَةَ وَهُوَ ظَاهِرٌ انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
وَمَحَلُّ كَوْنِ ظَاهِرِ كَلَامِهِ مَا تَقَدَّمَ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَنْ رُكُوعِهِ تَأَخُّرَهُمْ عَنْ ابْتِدَاءِ رُكُوعِهِ، أَمَّا إذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بَعْدَ انْتِهَاءِ رُكُوعِهِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ أَدْرَكُوا الرُّكُوعَ مَعَ الْفَاتِحَةِ بِأَنْ كَانَ الِاقْتِدَاءُ بَعْدَ الرَّفْعِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ فَلَا يَكُونُ ظَاهِرُهُ ذَلِكَ بَلْ يَكُونُ مُفِيدًا لِمَا قَالَهُ سم (قَوْلُهُ: بِأَنْ تَمَّتْ قِرَاءَتُهَا) أَيْ وَرَكَعُوا وَاطْمَأَنُّوا قَبْلَ رَفْعِ إلَخْ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ حَجّ، وَالْمُرَادُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنْ يُدْرِكُوا الْفَاتِحَةَ وَالرُّكُوعَ قَبْلَ قِيَامِ الْإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ، وَلَوْ قِيلَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الطُّمَأْنِينَةِ قَبْلَ ارْتِفَاعِهِ بَلْ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الرُّكُوعِ مَعَهُ إنْ أَتَمَّ الْفَاتِحَةَ قَبْلَ رُكُوعِهِ لَمْ يَبْعُدُ، لِأَنَّ الْإِمَامَ فِيمَا ذَكَرَ لَمْ يَتَحَمَّلْ عَنْهُ الْقِرَاءَةَ، وَحَيْثُ لَمْ يَتَحَمَّلْهَا فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ طُمَأْنِينَتِهِ مَعَهُ (قَوْلُهُ وَسَبَقَهُ فِي الْأُولَى) هِيَ قَوْلُهُ فَإِنْ تَأَخَّرَ تَحَرُّمُهُمْ عَنْ رُكُوعِهِ إلَخْ، لَكِنَّ قَوْلَهُ كَمَا لَمْ يَمْنَعْ إدْرَاكُهُمْ إلَخْ لَا يُوَافِقُهُ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْأُولَى فِي كَلَامِهِ قَوْلُهُ فَإِنْ أَدْرَكُوا مَعَ الْفَاتِحَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَقَدْ ادَّعَى الْمُصَنِّفُ) أَيْ ابْن الْمُقْرِي (قَوْلُهُ: مَعَ تَنْقِيحٍ لَهُ وَتَوْشِيحٍ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: كَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: لِلْخَبَرِ الْمَارِّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَأَمَّا خَبَرُ انْفِضَاضِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا اثْنَا عَشَرَ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ ابْتَدَأَهَا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ عَلَى الْأَوَّلِ) هُوَ قَوْلُ
[حاشية الرشيدي]
وَإِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ رُكُوعِهِ فَإِنْ أَدْرَكُوا أَدْرَكُوا إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ لَوْ تَبَاطَئُوا حَتَّى رَكَعَ فَلَا جُمُعَةَ، وَإِنْ أَدْرَكُوا قَبْلَ الرُّكُوعِ اشْتِرَاطَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ الْفَاتِحَةِ قَبْلَ رُكُوعِهِ، وَالْمُرَادُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنْ يُدْرِكُوا الْفَاتِحَةَ وَالرُّكُوعَ قَبْلَ قِيَامِ الْإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ، إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ كَمَا صَنَعَ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ ادَّعَى الْمُصَنِّفُ) مِنْ كَلَامِ ابْنِ أَبِي شَرِيفٍ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، فَمُرَادُهُ بِالْمُصَنِّفِ ابْنُ الْمُقْرِي وَمُرَادُهُ بِشَرْحِهِ التَّمْشِيَةُ عَلَى الْإِرْشَادِ
وَلُحُوقِهِمْ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ: لَوْ لَحِقَ أَرْبَعُونَ قَبْلَ انْفِضَاضِ الْأَوَّلِينَ تَمَّتْ بِهِمْ الْجُمُعَةُ، مُرَادُهُ بِذَلِكَ بَعْدَ التَّحَرُّمِ بِالصَّلَاةِ، وَلَوْ أَحْرَمَ بِهِمْ فَانْفَضُّوا إلَّا ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ وَكَمُلُوا أَرْبَعِينَ بِخُنْثَى فَإِنْ أُحْرِمَ مَعَهُ بَعْدَ انْفِضَاضِهِمْ لَمْ تَصِحَّ جُمُعَتُهُمْ لِلشَّكِّ فِي تَمَامِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ، وَإِلَّا صَحَّتْ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِانْعِقَادِهَا وَصِحَّتِهَا وَشَكَكْنَا فِي نَقْصِ الْعَدَدِ بِتَقْدِيرِ أُنُوثَتِهِ، وَالْأَصْلُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ فَلَا نُبْطِلُهَا بِالشَّكِّ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ هَلْ كَانَ مَسَحَ رَأْسَهُ أَمْ لَا حَيْثُ يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ.
(وَتَصِحُّ) الْجُمُعَةُ (خَلْفَ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُسَافِرِ) (فِي الْأَظْهَرِ) أَيْ خَلْفَ كُلٍّ مِنْهُمْ (إذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ) لِأَنَّهُ ذَكَرٌ تَصِحُّ جُمُعَتُهُ مَأْمُومًا فَصَحَّتْ إمَامًا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِهِ فَلَا تَصِحُّ جَزْمًا لِانْتِفَاءِ تَمَامِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ وَالثَّانِي لَا تَصِحُّ لِأَنَّ الْإِمَامَ رُكْنٌ فِي صِحَّةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ فَاشْتُرِطَ فِيهِ الْكَمَالُ كَالْأَرْبَعِينَ بَلْ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ مُتَنَفِّلًا فَفِيهِ الْقَوْلَانِ، وَأَوْلَى بِالْجَوَازِ لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ مَعَ انْتِفَاءِ نَقْصِهِ.
(وَلَوْ) (بَانَ الْإِمَامُ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا) (صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ فِي الْأَظْهَرِ إنْ تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ) كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَالثَّانِي لَا تَصِحُّ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِي الْجُمُعَةِ، وَالْجَمَاعَةُ تَقُومُ بِالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فَإِذَا بَانَ الْإِمَامُ مُحْدِثًا بَانَ أَنْ لَا جُمُعَةَ لَهُ وَلَا جَمَاعَةَ بِخِلَافِ غَيْرِهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ تَمَّ الْعَدَدُ بِهِ (فَلَا) تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ جَزْمًا لِأَنَّ الْكَمَالَ شَرْطٌ فِي الْأَرْبَعِينَ كَمَا مَرَّ، وَلَوْ بَانَ حَدَثُ الْعَدَدِ الْمُقْتَدِي بِهِ أَوْ بَعْضِهِمْ أَوْ أَنَّ عَلَيْهِمْ نَجَاسَةً غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا فَلَا جُمُعَةَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ بَانَ كَذَلِكَ، وَتَصِحُّ جُمُعَةُ الْإِمَامِ فِيهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الصَّيْمَرِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَالْقَمُولِيُّ، وَنَقَلَاهُ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ وَأَقَرَّاهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى حَالِهِمْ مِنْ الطَّهَارَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَانُوا نِسَاءً أَوْ عَبِيدًا لِسُهُولَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى حَالِهِمْ، أَمَّا الْمُتَطَهِّرُ مِنْهُمْ فِي الثَّانِيَةِ فَتَصِحُّ جُمُعَتُهُ تَبَعًا لِلْإِمَامِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَالْقَمُولِيُّ، وَصَرَّحَ الْمُتَوَلِّي أَيْضًا بِأَنَّ صِحَّةَ صَلَاتِهِمَا لَا تَخْتَصُّ بِمَا إذَا زَادَ الْإِمَامُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ وَمَا اسْتَشْكَلَ بِهِ صِحَّةُ صَلَاةِ الْإِمَامِ مِنْ أَنَّ الْعَدَدَ شَرْطٌ وَلِهَذَا شَرَطْنَاهُ فِي عَكْسِهِ، فَكَيْفَ تَصِحُّ لِلْإِمَامِ مَعَ فَوَاتِ الشَّرْطِ رُدَّ بِعَدَمِ فَوَاتِهِ، بَلْ وُجِدَ فِي حَقِّهِ وَاحْتُمِلَ فِيهِ حَدَثُهُمْ لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ، وَيَصِحُّ إحْرَامُهُ مُنْفَرِدًا فَاغْتُفِرَ لَهُ مَعَ عُذْرِهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ لِلْمُتَطَهِّرِ الْمُؤْتَمِّ بِهِ فِي الثَّانِيَةِ تَبَعًا لَهُ (وَمَنْ) (لَحِقَ الْإِمَامَ الْمُحْدِثَ) أَيْ الَّذِي بَانَ حَدَثُهُ (رَاكِعًا) (لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ) لِأَنَّ الْحُكْمَ بِإِدْرَاكِ مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ خِلَافُ الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ حَيْثُ كَانَ الرُّكُوعُ مَحْسُوبًا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ لِيَتَحَمَّلَ بِهِ عَنْ الْغَيْرِ وَالْمُحْدِثُ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّحَمُّلِ وَإِنْ صَحَّتْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ.
وَالثَّانِي تُحْسَبُ كَمَا لَوْ أَدْرَكَ مَعَهُ كُلَّ الرَّكْعَةِ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ عِنْدَ إدْرَاكِهِ رَاكِعًا لَمْ يَأْتِ بِالْقِرَاءَةِ وَالْإِمَامُ الْمُحْدِثِ لَا يَتَحَمَّلُ عَنْ الْمَأْمُومِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَرَأَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ كَامِلَةً مَعَ الْإِمَامِ فِي رَكْعَةٍ زَائِدَةٍ صَحَّتْ إنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِزِيَادَتِهَا كَمُصَلٍّ صَلَاةً كَامِلَةً خَلْفَ مُحْدِثٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ إمَامُهُ كَافِرًا أَوْ امْرَأَةً لِأَنَّهَا غَيْرُ أَهْلٍ لِلْإِمَامَةِ فِي الْجُمُعَةِ بِحَالٍ.
(الْخَامِسُ) مِنْ الشُّرُوطِ (خُطْبَتَانِ)
[حاشية الشبراملسي]
الْمُصَنِّفِ وَإِنْ انْفَضُّوا فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا صَحَّتْ) أَيْ لَا يَحْرُمُ بَعْدَ نَقْصِ الْأَوَّلِينَ بَلْ قَبْلَهُمْ (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ) إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ لِيَتِمَّ التَّشْبِيهُ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ لَوْ شَكَّ بَعْدَ فَرَاغِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ مُتَنَفِّلًا) أَيْ بِأَنْ أَحْرَمَ بِنَافِلَةٍ وَالْحَالُ أَنَّهُ إمَامُ الْجُمُعَةِ، أَوْ صَلَّى الظُّهْرَ لِكَوْنِهِ مُسَافِرًا ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ إمَامًا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بَانَ حَدَثُ الْعَدَدِ) أَيْ بَعْدَ سَلَامِ الْجَمِيعِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَحْدَثَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَبْلَ سَلَامِهِ وَلَوْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ لَا لِلْإِمَامِ وَلَا لِمَنْ مَعَهُ لِنُقْصَانِ الْعَدَدِ حَيْثُ كَانَ الْمُحْدِثُ مِنْ الْأَرْبَعِينَ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا تَبَيَّنَ الْحَدَثُ بَعْدَ سَلَامِ الْجَمِيعِ تَمَّتْ الْجُمُعَةُ صُورَةً، بِخِلَافِ مَا إذَا أَحْدَثَ وَاحِدٌ مِنْ الْأَرْبَعِينَ قَبْلَ سَلَامِهِ فَإِنَّ الْجُمُعَةَ لَمْ تَتِمَّ لَا صُورَةً وَلَا حَقِيقَةً (قَوْلُهُ: أَمَّا الْمُتَطَهِّرُ مِنْهُمْ فِي الثَّانِيَةِ) هِيَ قَوْلُهُ أَوْ بَعْضُهُمْ وَالْأَوَّلُ هِيَ قَوْلُهُ وَلَوْ بَانَ حَدَثُ الْعَدَدِ الْمُقْتَدَى بِهِ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا شَرَطْنَاهُ فِي عَكْسِهِ) وَهُوَ مَا لَوْ بَانَ حَدَثُ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ أَهْلٍ لِلْإِمَامَةِ فِي الْجُمُعَةِ)
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا» (وَ) كَوْنُهُمَا (قَبْلَ الصَّلَاةِ) لِلِاتِّبَاعِ مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» بِخِلَافِ الْعِيدِ فَإِنَّ خُطْبَتَيْهِ مُؤَخَّرَتَانِ لِلِاتِّبَاعِ، وَلِأَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ شَرْطٌ وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا تُؤَدَّى جَمَاعَةً فَأُخِّرَتْ لِيُدْرِكَهَا الْمُتَأَخِّرُ وَلِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: 10] فَأَبَاحَ الِانْتِشَارَ بَعْدَهَا، فَلَوْ جَازَ تَأْخِيرُهُمَا لَمَا جَازَ الِانْتِشَارُ.
(وَأَرْكَانُهُمَا) مِنْ حَيْثُ الْمَجْمُوعِ كَمَا سَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ (خَمْسَةٌ) (حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى) لِلِاتِّبَاعِ وَكَكَلِمَتَيْ التَّكْبِيرِ (وَ) الثَّانِي (الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) إذْ كُلُّ عِبَادَةٍ افْتَقَرَتْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ افْتَقَرَتْ إلَى ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ (وَلَفْظُهُمَا) أَيْ الْحَمْدُ وَالصَّلَاةُ (مُتَعَيِّنٌ)
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ بَلْ وَكَذَا فِي غَيْرِهَا، وَلَعَلَّهُ قَيَّدَ بِالْجُمُعَةِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَصِحُّ إمَامَتُهَا لِلنِّسَاءِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ.
(قَوْلُهُ وَكَوْنُهُمَا قَبْلَ الصَّلَاةِ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: رَأَيْت فِي شَرْحِ الدَّمَامِينِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ الِانْفِضَاضِ فِي شَأْنِ التِّجَارَةِ أَنَّ الِانْفِضَاضَ كَانَ فِي الْخُطْبَةِ وَأَنَّهَا كَانَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَأَنَّهَا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ حُوِّلَتْ إلَى قَبْلِ الصَّلَاةِ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» إلَخْ) أَيْ وَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّي إلَّا بَعْدَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُخَالِفُ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ عَنْ شَرْحِ الدَّمَامِينِيِّ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ التَّحْوِيلَ كَانَ لِحِكْمَةٍ فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ النَّسْخِ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ رِوَايَةٌ لَمْ تَصِحَّ، أَوْ أَنَّ الصَّحَابَةَ فَهِمُوا مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّ كَوْنَهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ نُسِخَ بِالْأَمْرِ بِفِعْلِهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ.
.
[أَرْكَانُ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ]
(قَوْلُهُ: وَأَرْكَانُهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَجْمُوعُ) جَوَابُ سُؤَالٍ يَرِدُ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِأَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْإِضَافَةُ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِغْرَاقِ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُضَافِ أَوْ مُرَادًا بِهَا الْحُكْمُ عَلَى مَجْمُوعِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُ أَنَّ جُمْلَةَ الْخَمْسَةِ وَاجِبَةٌ فِي كُلٍّ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ، فَكَذَا الْمَلْزُومُ، وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُ كِفَايَةُ الْإِتْيَانِ بِبَعْضِ الْأَرْكَانِ فِي الْأُولَى وَلَوْ وَاحِدًا، وَالْإِتْيَانُ بِالْبَاقِي فِي الثَّانِيَةِ، وَأَنْ يَأْتِيَ بِالْجَمِيعِ فِي الْأُولَى وَيُخَلِّي عَنْهَا الثَّانِيَةَ، وَبِالْعَكْسِ أَنْ يَصْدُقَ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ الْإِتْيَانُ بِالْأَرْكَانِ فِي مَجْمُوعِ الْخُطْبَتَيْنِ وَبُطْلَانُهُ ظَاهِرٌ وَحَاصِلُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ أَنْ يُقَالَ: نَخْتَارُ الثَّانِيَ وَنَحْمِلُهُ عَلَى مَا صَدَقَ عَلَيْهِ إضَافَةُ الْمَجْمُوعِ بِقَرِينَةِ مَا سَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا سَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ) أَيْ عَلَى مَا سَيُعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَكَكِلْمَتَيْ التَّكْبِيرِ) وَهُمَا اللَّهُ وَأَكْبَرُ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْحَمْدَ جُعِلَ رُكْنًا فِي الْخُطْبَةِ قِيَاسًا عَلَى جَعْلِ التَّكْبِيرِ رُكْنًا فِي الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) .
[فَرْعٌ] أَفْتَى شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَهُ لَمْ يَنْصَرِفْ عَنْهُ وَأَجْزَأَتْ.
وَأَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَصَدَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ غَيْرَ الْخُطْبَةِ، لِأَنَّ هَذَا صَرْفٌ عَنْ الْخُطْبَةِ وَذَاكَ عَنْ النَّبِيِّ، وَنَظِيرُهُ الصَّرْفُ عَنْ اللَّهِ أَوْ عَنْ الْيَمِينِ فِي الْأَيْمَانِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ: أَيْ فَإِنَّهُ إنْ قَصَدَ ثَمَّ الصَّرْفَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَنْصَرِفُ أَوْ عَنْ الْيَمِينِ انْصَرَفَ.
أَقُولُ: وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الصَّرْفَ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى هُوَ لَفْظُ الْجَلَالَةِ خَاصَّةً.
وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الَّتِي تُطْلَقُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ فَتَقْبَلُ الصَّرْفَ، وَالْأَسْمَاءُ الَّتِي يُوصَفُ بِهَا نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كُلُّهَا تَقْبَلُ الصَّرْفَ لِلِاشْتِرَاكِ فِيهَا.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا لَمَّا اُشْتُهِرَتْ فِيهِ اشْتِهَارًا تَامًّا نَزَلَتْ مَنْزِلَةَ الْأَعْلَامِ الشَّخْصِيَّةِ الَّتِي لَا اشْتَرَاك فِيهَا (قَوْلُهُ: افْتَقَرَتْ إلَى ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ وُجُوبًا فِي الْوَاجِبِ وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ (قَوْلُهُ: كَالْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ) قَالَ حَجّ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ خَبَرَ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَعَلْت أُمَّتَك لَا تَجُوزُ عَلَيْهِمْ خُطْبَةٌ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَكَكَلِمَتَيْ التَّكْبِيرِ) مَحَلُّهُ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَفْظُهُمَا مُتَعَيِّنٌ كَمَا هُوَ كَذَلِكَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ
لِلِاتِّبَاعِ وَلِأَنَّهُ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ مِنْ زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلَى عَصْرِنَا، فَلَا يُجْزِئُ الشُّكْرُ وَالثَّنَاءُ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا الْمَدْحُ وَالْجَلَالُ وَالْعَظَمَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
نَعَمْ لَفْظُ الْحَمْدِ مُعَرَّفًا غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، فَيَكْفِي نَحْمَدُ اللَّهَ وَأَحْمَدُ اللَّهَ أَوْ لِلَّهِ الْحَمْدُ وَاَللَّهَ أَحْمَدُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيقَةِ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْحَاوِي فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، وَصَرَّحَ الْجِيلِيُّ بِإِجْزَاءِ أَنَا حَامِدٌ لِلَّهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ وَادَّعَى أَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الشَّرْحَيْنِ تُعَيِّنُ لَفْظَ الْحَمْدِ بِاللَّامِ، وَلَفْظَةُ اللَّهِ مُتَعَيِّنَةٌ، فَلَا يَكْفِي الْحَمْدُ لِلرَّحْمَنِ أَوْ الرَّحِيمِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُ اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ، وَإِنَّمَا الْمُتَعَيِّنُ صِيغَةُ صَلَاةٍ عَلَيْهِ كَأُصَّلِي أَوْ نُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ أَحْمَدَ أَوْ الرَّسُولِ أَوْ النَّبِيِّ أَوْ الْمَاحِي أَوْ الْعَاقِبِ أَوْ الْحَاشِرِ أَوْ الْبَشِيرِ أَوْ النَّذِيرِ، فَخَرَجَ رَحِمَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جِبْرِيلَ وَنَحْوِهَا، وَتُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى آلِهِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ مَا كَفَى مِنْهَا فِي التَّشَهُّدِ يَكْفِي هُنَا.
وَسُئِلَ الْفَقِيهُ إسْمَاعِيلُ الْحَضْرَمِيُّ: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى نَفْسِهِ؟ فَقَالَ:
[حاشية الشبراملسي]
حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّك عَبْدِي وَرَسُولِي» قِيلَ هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَرَدَ لِأَنَّهُ تَفَرُّدٌ صَحِيحٌ.
وَلَا يُقَالُ إنَّ خُطْبَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَتْ فِيهَا صَلَاةٌ لِأَنَّ اتِّفَاقَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى التَّصْلِيَةِ فِي خُطَبِهِمْ دَلِيلٌ لِوُجُوبِهَا، إذْ يَبْعُدُ الِاتِّفَاقُ عَلَى سَنِّهَا دَائِمًا اهـ (قَوْلُهُ: لِلِاتِّبَاعِ) الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ الِاتِّبَاعَ عِبَارَةٌ عَنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا فَعَلَهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلِأَنَّهُ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُ حَجّ السَّابِقُ وَلَا يُقَالُ إنَّ خُطْبَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَتْ فِيمَا صَلَاةٌ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ إذْ يَبْعُدُ الِاتِّفَاقُ عَلَى سَنِّهَا دَائِمًا دُونَ أَنْ يَقُولَ إذْ يَبْعُدُ الِاتِّفَاقُ عَلَى مَا لَمْ يَفْعَلْهُ، وَعَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ حَجّ مِنْ عَدَمِ فِعْلِهِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُجْعَلُ قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ تَفْسِيرًا لِلِاتِّبَاعِ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الِاتِّبَاعَ عِبَارَةٌ عَنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي فِعْلِهِ، وَقَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ الَّذِي إلَخْ إشَارَةٌ لِحَمْلِ فِعْلِهِ الْوَارِدِ عَنْهُ عَلَى الْوُجُوبِ (قَوْلُهُ: وَاَللَّهَ أَحْمَدُ) أَيْ أَوْ اللَّهَ نَحْمَدُ (قَوْلُهُ: فِي شَرْحِ اللُّبَابِ) أَيْ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْعُجَابِ وَكِلَاهُمَا لِمُصَنِّفِ الْحَاوِي، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ لُبَابُ الْمَحَامِلِيِّ (قَوْلُهُ: وَصَرَّحَ الْجِيلِيُّ بِإِجْزَاءِ أَنَا حَامِدٌ) وَيَظْهَرُ أَنَّ مِثْلَهُ أَنِّي حَامِدٌ لِلَّهِ وَإِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ أَوْ أَنَّ لِلَّهِ الْحَمْدَ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى حُرُوفِ الْحَمْدِ وَمَعْنَاهُ (قَوْلُهُ: وَلَفْظَةُ اللَّهِ مُتَعَيِّنَةٌ) سَأَلَ سَائِلٌ: لِمَ تُعَيِّنُ لَفْظَ الْجَلَالَةِ فِي صِيغَةِ الْحَمْدِ فِي الْخُطْبَةِ دُونَ اسْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صِيغَةِ الصَّلَاةِ بَلْ كَفَى نَحْوُ الْمَاحِي وَالْحَاشِرِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّ لِلَفْظِ الْجَلَالَةِ بِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ مَزِيَّةً تَامَّةً، فَإِنَّ لَهُ الِاخْتِصَاصَ التَّامَّ بِهِ تَعَالَى، وَيُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ سَائِرَ صِفَاتِ الْكَمَالِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، وَلَا كَذَلِكَ نَحْوُ مُحَمَّدٍ مِنْ أَسْمَائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: أَوْ نُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ) أَيْ أَوْ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ حَجّ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا تَكْفِي حَيْثُ نَوَى بِهَا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَلْ يَأْتِي نَظِيرُهُ هُنَا أَوْ لَا وَيُفَرَّقُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي.
وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ يُحْتَاجُ لَهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكْتَفُوا فِيهَا بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بَلْ عَيَّنُوا فِيهَا مَا وَرَدَ، وَالْخُطْبَةُ لَمَّا تُوَسِّعُوا فِيهَا لَمْ يَشْتَرِطُوا فِيهَا مَا وَرَدَ فِيهَا بِخُصُوصِهِ بَلْ اكْتَفَوْا بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (قَوْلُهُ أَوْ الْعَاقِبِ إلَخْ) قَالَ حَجّ: وَنَحْوُهَا مِمَّا وَرَدَ وَصْفُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ انْتَهَى.
وَتَعْبِيرُ الشَّارِحِ بِالْكَافِ يُوَافِقُهُ (قَوْلُهُ: وَتُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى آلِهِ) أَيْ وَالسَّلَامُ (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ مَا كَفَى مِنْهَا) أَيْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: يَكْفِي هُنَا) بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الصِّيَغِ يَكْفِي هُنَا، وَلَا يَكْفِي فِي التَّشَهُّدِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا قَدَّمَهُ.
(قَوْلُهُ: يُصَلِّي عَلَى نَفْسِهِ) كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مُحَمَّدٍ، ثُمَّ رَأَيْت فِي تَخْرِيجِ الْعَزِيزِيِّ لِلْحَافِظِ الْعَسْقَلَانِيِّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَوْ لِلَّهِ الْحَمْدُ) فِي أَخْذِ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الْمُحْتَرَزَاتِ تَسَمُّحٌ (قَوْلُهُ: مِنْ التَّعْلِيقَةِ) أَيْ عَلَى الْحَاوِي، فَالْمُرَادُ الْحَاوِي الصَّغِيرُ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الْحَاوِي إذَا أُطْلِقَ يَنْصَرِفُ لِلْكَبِيرِ
نَعَمْ.
وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ وَلَفْظُهُمَا مُتَعَيِّنٌ: أَيْ صِيغَةُ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ عَدَمِ إجْزَاءِ الضَّمِيرِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ قِيَاسًا عَلَى التَّشَهُّدِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَظَاهِرُهُ الْعُمُومُ وَلَوْ مَعَ تَقَدَّمَ ذِكْرِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ وَجَعَلَهُ أَصْلًا مَقِيسًا عَلَيْهِ، وَاعْتَمَدَهُ الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ فِيهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ الدُّعَاءِ بِالصَّلَاةِ خِلَافًا لِلْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِذَلِكَ شَرْعًا.
(وَ) الثَّالِثُ (الْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهَا الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ الْخُطْبَةِ (وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا عَلَى الصَّحِيحِ) أَيْ الْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى لِأَنَّ غَرَضَهَا الْوَعْظُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِغَيْرِ لَفْظِهَا، فَيَكْفِي مَا دَلَّ عَلَى الْمَوْعِظَةِ وَلَوْ قَصِيرًا نَحْوَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَلَا يَكْفِي اقْتِصَارُهُ فِيهَا عَلَى تَحْذِيرٍ مِنْ غُرُورِ الدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا، فَقَدْ يَتَوَاصَى بِهِ مُنْكِرُو الْمَعَادِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الطَّاعَةِ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْوَصِيَّةِ قِيَاسًا عَلَى الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ لَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا عَلَى الصَّحِيحِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ مِنْ حَيْثُ مَجْمُوعُ الْوَصِيَّةِ وَالتَّقْوَى، فَلَا يُنَافِيهِ مَا حُكِيَ الْقَطْعُ فِي عَدَمِ وُجُوبِ لَفْظِ التَّقْوَى (وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ) الْأَرْكَانُ الْمَذْكُورَةُ (أَرْكَانٌ فِي) كُلٍّ مِنْ (الْخُطْبَتَيْنِ) اقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَلِانْفِصَالِ كُلِّ خُطْبَةٍ عَنْ الْأُخْرَى.
(وَالرَّابِعُ قِرَاءَةُ آيَةٍ)
[حاشية الشبراملسي]
مَا نَصُّهُ: وَلِلْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي خُطْبَةِ الْحَاجَةِ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
نَعَمْ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ لَمَّا خَفَّتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ انْتَهَى.
وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ وَبِالضَّمِيرِ (قَوْلُهُ: أَيْ صِيغَةُ الْحَمْدِ) لَمَّا كَانَ الْوَهْمُ رُبَّمَا يَذْهَبُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِنَحْوِهَا نَحْوُهَا فِي الْمَادَّةِ أَوْ الْمَعْنَى فَيَكُونُ مَا لَمْ يُشَارِكْهَا فِي الْمَعْنَى أَوْ الْمَادَّةِ غَيْرَ كَافٍ، وَإِنْ وَرَدَ دَفْعُ هَذَا التَّوَهُّمِ حَجّ بِتَعَيُّنِ مَا زَادَهُ بِقَوْلِهِ مِمَّا وَرَدَ وَصْفُهُ بِهِ (قَوْلُهُ: إجْزَاءُ الضَّمِيرِ) هُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ الدُّعَاءِ) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(قَوْلُهُ: بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْحَمْلِ) أَيْ مِنْ ذِكْرِ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الطَّاعَةِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ لَمْ يَكْفِ، وَفِي حَجّ مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ: بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْحَثِّ عَلَى الطَّاعَةِ وَالزَّجْرِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَيَكْفِي أَحَدُهُمَا لِلُزُومِ الْآخَرِ لَهُ (قَوْلُهُ: عَلَى الطَّاعَةِ) أَيْ صَرِيحًا أَوْ الْتِزَامًا أَخْذًا مِنْ كَلَامِ حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَالرَّابِعُ قِرَاءَةُ آيَةٍ) هَلْ يُجْزِئُ مَعَ لَحْنٍ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَقَدْ يَتَّجِهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَالتَّفْصِيلِ بَيْنَ عَاجِزٍ انْحَصَرَ الْأَمْرُ فِيهِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ الْمُتَّجَهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ كَانَ حُكْمُهُ كَالْمُصَلِّي الَّذِي لَمْ يُحْسِنْ الْفَاتِحَةَ، وَهَلْ يَجْرِي ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ حَتَّى إذَا لَمْ يُحْسِنْ الْحَمْدَ أَتَى بَدَلَهُ بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ مَثَلًا ثُمَّ وَقَفَ بِقَدْرِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَمَالَ م ر إلَى عَدَمِ جَرَيَانِ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ بَلْ يَسْقُطُ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ بِلَا بَدَلٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ بَعْضِ الْخُطْبَةِ وَكُلِّهَا حَتَّى لَوْ لَمْ يُحْسِنْ الْخُطْبَةَ سَقَطَتْ كَالْجُمُعَةِ وَالْكَلَامُ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ آخَرُ يُحْسِنُهَا كُلَّهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ سم عَلَى حَجّ.
[فَرْعٌ] مَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ التَّحِيَّةِ أَوْ نَحْوِ الرَّاتِبَةِ أَوْ صَلَّى فَائِتَةً بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ رَكْعَتَيْنِ م ر، ثُمَّ مَرَّةً أُخْرَى قَالَ: لَوْ كَانَ مَحَلُّ الْخُطْبَةِ غَيْرَ الْمَسْجِدِ لَا صَلَاةَ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ قَالَ: إذَا دَخَلَ حَالَ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ مَسْجِدًا صَلَّى التَّحِيَّةَ أَوْ رَكْعَتَيْنِ رَاتِبَةً أَوْ نَحْوَ فَائِتَةٍ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْجِدًا جَلَسَ وَلَا صَلَاةَ مُطْلَقًا اهـ فَلْيُرَاجَعْ.
وَفِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِشَيْخِنَا مَنْعُ رَكْعَتَيْنِ غَيْرَ الرَّاتِبَةِ وَالسُّكُوتُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَلْيُحَرَّرْ.
[فَرْعٌ] هَلْ تَوَابِعُ الْخُطْبَةِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْإِتْيَانِ بِهَا عَقِبَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَرْكَانِ لَهَا حُكْمُ الْخُطْبَةِ فِي امْتِنَاعِ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ وَفِي حُرْمَةِ الْكَلَامِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ أَوَّلًا لِانْقِضَاءِ الْخُطْبَةِ بِانْقِضَاءِ أَرْكَانِهَا.
ذَهَبَ شَيْخُنَا حَجّ إلَى الثَّانِي،
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَإِذَا احْتَمَلَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ وَلَا قَرِينَةَ حُمِلَ عَلَى الْوُجُوبِ فِي الْأَرْجَحِ وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ الْآيَةُ وَعْدًا أَمْ وَعِيدًا أَمْ حُكْمًا أَمْ قِصَّةً.
نَعَمْ قَالَ الْإِمَامُ: إنَّهُ لَا يَبْعُدُ الِاكْتِفَاءُ بِشَطْرِ آيَةٍ طَوِيلَةٍ وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ وَإِنْ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْمَشْهُورُ الْجَزْمُ بِاشْتِرَاطِ آيَةٍ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُ الْبُوَيْطِيِّ: وَيَقْرَأُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، أَمَّا نَحْوُ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: 21] فَلَا يَكْفِي بِهَا وَإِنْ كَانَتْ آيَةً لِعَدَمِ إفْهَامِهَا، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ.
نَعَمْ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ (فِي إحْدَاهُمَا) إذْ الثَّابِتُ الْقِرَاءَةُ فِي الْخُطْبَةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَإِطْلَاقُهُمْ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِمَنْسُوخِ الْحُكْمِ وَعَدَمَ الِاكْتِفَاءِ بِمَنْسُوخِ التِّلَاوَةِ وَيُسَنُّ جَعْلُهَا فِي الْأُولَى بَعْدَ فَرَاغِهَا كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَقِرَاءَةُ " ق " فِي الْأُولَى فِي كُلِّ جُمُعَةٍ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى نَدْبِ قِرَاءَتِهَا أَوْ بَعْضِهَا فِي خُطْبَةِ كُلِّ جُمُعَةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْحَاضِرِينَ كَمَا لَمْ يَشْتَرِطُوهُ فِي قِرَاءَةِ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَتْ السُّنَّةُ التَّخْفِيفَ، وَلَا يُجْزِي آيَاتٌ تَشْتَمِلُ عَلَى الْأَرْكَانِ كُلِّهَا: أَيْ مَا عَدَا الصَّلَاةَ هُنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إذْ لَيْسَ لَنَا آيَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى خُطْبَةً، فَإِنْ أَتَى بِالْحَمْدِ مَثَلًا ضِمْنَ آيَةٍ أَجْزَأَتْ عَنْهُ دُونَ الْقِرَاءَةِ لِئَلَّا يَتَدَاخَلَا، فَإِنْ قَصَدَهُمَا بِآيَةٍ أَجْزَأَ عَنْ الْقِرَاءَةِ فَقَطْ كَمَا لَوْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ وَحْدَهَا، وَتَضْمِينُ الْآيَاتِ لِنَحْوِ الْخُطَبِ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ وَرَخَّصَ فِيهِ آخَرُونَ فِي الْخُطْبَةِ وَالْمَوَاعِظِ وَهُوَ أَوْجَهُ (وَقِيلَ) تَتَعَيَّنُ (فِي الْأُولَى) فَلَا تَكْفِي فِي الثَّانِيَةِ (وَقِيلَ) تَتَعَيَّنُ (فِيهِمَا) أَيْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (وَقِيلَ لَا تَجِبُ)
[حاشية الشبراملسي]
وَالْأَوَّلُ مُحْتَمَلٌ وَقَرِيبٌ، وَذَهَبَ إلَيْهِ م ر وَيُؤَيِّدُهُ وِفَاقًا أَنَّهُ لَوْ طَالَتْ التَّوَابِعُ لَمْ يُقْطَعْ الْوَلَاءُ الْمُشْتَرَطُ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ، وَلَوْلَا أَنَّ لَهُ حُكْمَهَا لَقُطِعَ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ شَيْخُنَا الْقَطْعَ عِنْدَ الطُّولِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
ثُمَّ رَأَيْت م ر فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ قَالَ: وَلَا أَيْ وَلَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ حَالَ الدُّعَاءِ لِلْمُلُوكِ عَلَى مَا فِي الْمُرْشِدِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: لِلِاتِّبَاعِ) أَيْ مَعَ قَوْلِهِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، وَهَذَا الْقَوْلُ يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَإِذَا احْتَمَلَ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَمْ حُكْمًا) بِضَمِّ الْحَاءِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مَنْسُوخًا أَمْ لَا كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: بِشَطْرِ آيَةٍ طَوِيلَةٍ) وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَتْ آيَةً عِنْدَ بَعْضِ الْقُرَّاءِ وَغَيْرَ آيَةٍ عِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ، فَهَلْ تَكْفِي لِأَنَّهَا آيَةٌ عِنْدَ الْبَعْضِ الْأَوَّلِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْإِفْهَامِ حَاصِلٌ بِهَا عِنْدَهُمْ أَوْ لَا لِأَنَّهَا غَيْرُ آيَةٍ عِنْدَ الْبَعْضِ الثَّانِي؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا بَعْضٌ لَا يَنْفِي أَنَّهُ حَصَلَ بِهَا الْإِفْهَامُ وَبَعْضُ الْآيَةِ كَافٍ.
نَعَمْ يَأْتِي التَّرَدُّدُ فِيهِ عَلَى مَا قَالَهُ حَجّ مِنْ أَنَّ بَعْضَ الْآيَةِ لَا يَكْفِي، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَقْرَبُ عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: نَعَمْ يَكْفِي إلَخْ) أَشْعَرَ هَذَا التَّقْدِيرُ بِأَنَّهُ لَا يَكْفِي قِرَاءَةُ بَعْضِهَا فِي الْأُولَى وَبَعْضِهَا فِي الثَّانِيَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِ الشَّارِحِ الْمَنْهَجَ وَلَوْ فِي إحْدَاهُمَا خِلَافُهُ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ مَا فِي الْمَنْهَجِ قَصَدَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى الْقَائِلِ بِتَعَيُّنِهَا فِي الْأُولَى أَوْ بِقِرَاءَةِ آيَتَيْنِ فِيهِمَا (قَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ فِي إحْدَاهُمَا) قَالَ فِي الْعُبَابِ: وَتُجْزِئُ قَبْلَهُمَا وَبَعْدَهُمَا وَبَيْنَهُمَا انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْآيَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الْأَرْكَانِ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ أَتَى بِهَا فِيهِ أَجْزَأَتْهُ (قَوْلُهُ: بِمَنْسُوخِ التِّلَاوَةِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَقِرَاءَةُ " ق ") أَيْ بِتَمَامِهَا، وَقَوْلُهُ فِي الْأُولَى: أَيْ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى بَدَلَ الْآيَةِ.
وَعِبَارَةُ حَجّ: بَلْ تُسَنُّ بَعْدَ فَرَاغِهَا: أَيْ الْخُطْبَةِ الْأُولَى سُورَةُ " ق " دَائِمًا لِلِاتِّبَاعِ، وَيَكْفِي فِي أَصْلِ السُّنَّةِ قِرَاءَةُ بَعْضِهَا انْتَهَى (قَوْلُهُ لِئَلَّا يَتَدَاخَلَا) إطْلَاقُهُ شَامِلٌ لِمَا لَوْ قَصَدَ الْحَمْدَ وَحْدَهُ أَوْ أَطْلَقَ، وَسَيَأْتِي عَنْ حَجّ مَا يُخَالِفُهُ فِي الْإِطْلَاقِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ الزِّيَادِيُّ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَصَدَهُمَا بِآيَةٍ أَجْزَأَ) أَيْ مَا قَرَأَهُ (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ وَحْدَهَا) أَيْ أَوْ أَطْلَقَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَوْجَهُ) بَلْ قَالَ حَجّ: إذْ الْحَقُّ أَنَّ تَضْمِينَ ذَلِكَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَإِذَا احْتَمَلَ قَوْلُهُ: وقَوْله تَعَالَى) الْمُرَادُ: هُنَا إتْيَانُهُ بِالْآيَةِ فِي الْخُطْبَةِ فَلَوْ عَبَّرَ بِفِعْلِهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ لَكَانَ أَوْضَحَ (قَوْلُهُ: أَمَّا نَحْوُ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: 21] لَا مَوْقِعَ لِلتَّعْبِيرِ بِأَمَّا هُنَا وَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ قَدَّمَ تَقْيِيدَ الْآيَةِ بِالْمُفْهِمَةِ كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ فَأَخَذَ هَذَا مَفْهُومًا لَهُ أَوْ أَنَّهُ قَيْدٌ، وَأَسْقَطَهُ النُّسَّاخُ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ) يَنْبَغِي إسْقَاطُ لَفْظِ لِهَذَا.
فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَلْ تُسَنُّ وَسَكَتُوا عَنْ مَحَلِّهِ، وَيُقَاسُ بِمَحَلِّ الْوُجُوبِ.
(وَالْخَامِسُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ دُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) بِأُخْرَوِيٍّ لَا دُنْيَوِيٍّ وَيَكُونُ (فِي الثَّانِيَةِ) لِاتِّبَاعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَلِأَنَّ الدُّعَاءَ يَلِيقُ بِالْخَوَاتِيمِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِينَ الْجِنْسُ الشَّامِلُ لِلْمُؤْمِنَاتِ وَبِهِمَا عَبَّرَ فِي الْوَسِيطِ وَفِي التَّنْزِيلِ ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: 12] وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ، وَعِبَارَةُ الِانْتِصَارِ: وَيَجِبُ الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَوْ خَصَّ الْحَاضِرِينَ فَقَالَ رَحِمَكُمْ اللَّهُ كَفَى، وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِتَخْصِيصِهِ بِالْغَائِبِينَ.
وَجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْأَمَالِي وَالْغَزَالِيُّ بِتَحْرِيمِ الدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِمَغْفِرَةِ جَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ وَبِعَدَمِ دُخُولِهِمْ النَّارَ، لِأَنَّا نَقْطَعُ بِخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَبَرِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: 28] وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ نَكِرَاتٌ، وَلِجَوَازِ قَصْدٍ مَعْهُودٍ خَاصٍّ وَهُوَ أَهْلُ زَمَانِهِ مَثَلًا (وَقِيلَ لَا يَجِبُ) لِعَدَمِ وُجُوبِهِ فِي غَيْرِ الْخُطْبَةِ كَكَذَا فِيهَا كَالتَّسْبِيحِ، بَلْ يُسَنُّ وَلَا بَأْسَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ بِالدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ بِعَيْنِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي وَصْفِهِ مُجَازَفَةٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَا يَجُوزُ وَصْفُهُ بِالْأَوْصَافِ الْكَاذِبَةِ إلَّا لِضَرُورَةٍ.
وَيُسَنُّ الدُّعَاءُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَوُلَاةِ أُمُورِهِمْ بِالصَّلَاحِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى الْحَقِّ وَالْقِيَامِ بِالْعَدْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
.
[حاشية الشبراملسي]
وَالِاقْتِبَاسَ مِنْهُ وَلَوْ فِي شِعْرٍ جَائِزٌ وَإِنْ غَيَّرَ نَظْمَهُ، وَمِنْ ثَمَّ اقْتَضَى كَلَامُ صَاحِبِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا مَحْظُورَ فِي أَنْ يُرَادَ بِالْقُرْآنِ غَيْرُهُ كَادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ لِمُسْتَأْذِنٍ.
نَعَمْ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي نَحْوِ مُجُونِ حَرُمَ، بَلْ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى كُفْرٍ انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِالْقُرْآنِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْأَحَادِيثُ وَالْأَذْكَارُ وَالْأَدْعِيَةُ.
(قَوْلُهُ: وَيَكُونُ فِي الثَّانِيَةِ) أَيْ وُجُوبًا (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِينَ الْجِنْسُ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ خَصَّ الْمُؤْمِنَاتِ بِالدُّعَاءِ كَفَى لِتَصَدُّقِ الْجِنْسِ بِهِنَّ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ (قَوْلُهُ وَفِي التَّنْزِيلِ) اسْتِدْلَالًا عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِصِيغَةِ الذُّكُورِ مَا يَشْمَلُ الْإِنَاثَ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: فَقَالَ رَحِمَكُمْ اللَّهُ كَفَى) وَلَا بُدَّ مِنْ عَدَمِ صَرْفِهِ، فَلَوْ صَرَفَ ذَلِكَ لِلرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لَمْ يَكْفِ (قَوْلُهُ: بِتَحْرِيمِ الدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ) أَيْ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ (قَوْلُهُ: بِمَغْفِرَةِ جَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ) قَالَ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ بَعْدَ مِثْلِ مَا ذَكَرَ: وَهَذَا مَرْدُودٌ بِعِلَّتِهِ لِوُرُودِ ذَلِكَ عَنْ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ، وَخُرُوجُهُمْ مِنْ النَّارِ إنَّمَا هُوَ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَلَا مَانِعَ مِنْ تَعْمِيمِ الدُّعَاءِ بِذَلِكَ انْتَهَى حَجّ فِي الْإِيعَابِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ مَا تَمَسَّكَ بِهِ لَا يَصْلُحُ رَدًّا عَلَى الْغَزَالِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ بِأَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ النَّارِ بِالْمَغْفِرَةِ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ جَمِيعُ ذَنْبِهِ، إذْ لَوْ غُفِرَ الْجَمِيعُ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ وَلَا دَخَلَهَا، وَاَلَّذِي مَنَعَهُ الْغَزَالِيُّ إنَّمَا هُوَ مَغْفِرَةُ جَمِيعِ الذُّنُوبِ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بِحَيْثُ لَا تَمَسُّ النَّارُ وَاحِدًا مِنْهُمْ (قَوْلُهُ: وَلِجَوَازِ قَصْدِ مَعْهُودٍ خَاصٍّ) جَوَابٌ ثَانٍ عُطِفَ عَلَى مَضْمُونِ قَوْلِهِ فَإِنْ وَرَدَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ الدُّعَاءُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِفِعْلِهِ فِي الْأُولَى أَيْضًا، لَكِنْ فِي الثَّانِيَةِ أَوْلَى لِمَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِينَ الْجِنْسُ الشَّامِلُ لِلْمُؤْمِنَاتِ) أَيْ فَيَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهُنَّ مَعَهُمْ كَمَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: وَبِهِمَا عَبَّرَ فِي الْوَسِيطِ: أَيْ فَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَعِبَارَةُ الِانْتِصَارِ إلَخْ، إذْ هُوَ نَصٌّ فِي أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا أَرَادَهُ بِالْجِنْسِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ: وَيَسْتَغْفِرُ فِي الثَّانِيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ يُشْعِرُ بِوُجُوبِ التَّعَرُّضِ لِلْمُؤْمِنَاتِ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْنَ اهـ.
لَكِنْ فِي حَوَاشِي الْمَنْهَجِ لِلشِّهَابِ سم مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِينَ الْجِنْسُ هَلْ يَجِبُ هَذَا الْمُرَادُ حَتَّى لَوْ خَصَّ الذُّكُورَ لَمْ يَكْفِ؟ قَالَ م ر: لَا يَجِبُ.
أَقُولُ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ لَوْ خَصَّ السَّامِعِينَ فَقَالَ رَحِمَكُمْ اللَّهُ كَفَى.
اهـ. وَقَدْ لَا يَكُونُ فِي السَّامِعِينَ مُؤْمِنَاتٌ.
اهـ مَا فِي الْحَاشِيَةِ.
وَقَدْ فَهِمَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ طِبْقَ مَا فَهِمَهُ الشِّهَابُ الْمَذْكُورُ فَجَزَمَ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ فَلْيُحَرَّرْ
ثُمَّ شَرَعَ فِي ذِكْرِ شُرُوطِ الْخُطْبَتَيْنِ وَهِيَ تِسْعَةٌ فَقَالَ (وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا) أَيْ الْخُطْبَةُ وَالْمُرَادُ بِهَا الْجِنْسُ الشَّامِلُ لِلْخُطْبَتَيْنِ كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا أَرْكَانُهُمَا (عَرَبِيَّةً) لِاتِّبَاعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَلِأَنَّهَا ذِكْرٌ مَفْرُوضٌ فَاشْتُرِطَ فِيهِ ذَلِكَ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَعَلُّمُهَا خُوطِبَ بِهِ الْجَمِيعُ فَرْضَ كِفَايَةٍ وَإِنْ زَادُوا عَلَى الْأَرْبَعِينَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا عَصَوْا وَلَا جُمُعَةَ لَهُمْ بَلْ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ.
وَأَجَابَ الْقَاضِي عَنْ سُؤَالِ: مَا فَائِدَةُ الْخُطْبَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ إذَا لَمْ يَعْرِفْهَا الْقَوْمُ؟ بِأَنَّ فَائِدَتَهَا الْعِلْمُ بِالْوَعْظِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ فِيمَا إذَا سَمِعُوا الْخُطْبَةَ وَلَمْ يَعْرِفُوا مَعْنَاهَا أَنَّهَا تَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَعَلُّمُهَا خَطَبَ وَاحِدٌ بِلُغَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا الْقَوْمُ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ التَّرْجَمَةَ فَلَا جُمُعَةَ لَهُمْ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهَا.
وَيُشْتَرَطُ عَلَى خِلَافِ الْمُعْتَمَدِ الْآتِي قَرِيبًا كَوْنُهَا (مُرَتَّبَةَ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ الْأُولَى) عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَارِّ، فَيَبْدَأُ بِحَمْدِ اللَّهِ، ثُمَّ بِالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ بِالْوَصِيَّةِ بِالتَّقْوَى عَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَلَمْ يُصَحِّحْ فِي الْكَبِيرِ شَيْئًا، وَسَيَأْتِي فِي زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ تَصْحِيحُ عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَرْتِيبٌ
[حاشية الشبراملسي]
قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ الدُّعَاءَ أَلْيَقُ بِالْخَوَاتِيمِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا أَرْكَانُهُمَا) يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا بَيْنَ أَرْكَانِهِمَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَضُرَّ، وَيَجِبُ وِفَاقًا لِ م ر أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ وَإِلَّا ضَرَّ لِإِخْلَالِهِ بِالْمُوَالَاةِ كَالسُّكُوتِ بَيْنَ الْأَرْكَانِ إذَا طَالَ بِجَامِعِ أَنَّ غَيْرَ الْعَرَبِيِّ لَغْوٌ لَا يُحْسَبُ، لِأَنَّ غَيْرَ الْعَرَبِيِّ لَا يُجْزِئُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَرَبِيِّ فَهُوَ لَغْوٌ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَالْقِيَاسُ عَدَمُ الضَّرَرِ مُطْلَقًا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّكُوتِ بِأَنَّ فِي السُّكُوتِ إعْرَاضًا عَنْ الْخُطْبَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْعَرَبِيِّ فَإِنَّ فِيهِ وَعْظًا فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ الْخُطْبَةِ [فَرْعٌ] هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْخُطْبَةِ تَمْيِيزُ فُرُوضِهَا مِنْ سُنَنِهَا؟ فِيهِ مَا فِي الصَّلَاةِ فِي الْعَامِّيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّفْصِيلِ الْمُقَرَّرِ عَنْ فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَمْكَنَ تَعَلُّمهَا) أَيْ وَلَوْ بِالسَّفَرِ إلَى فَوْقِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا الْقَوْمُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْخَطِيبَ لَوْ أَحْسَنَ لُغَتَيْنِ غَيْرَ عَرَبَتَيْنِ كَرُومِيَّةٍ وَفَارِسِيَّةٍ مَثَلًا وَبَاقِي الْقَوْمِ يُحْسِنُ إحْدَاهُمَا فَقَطْ أَنَّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَخْطُبَ بِاللُّغَةِ الَّتِي لَا يُحْسِنُونَهَا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وَأَجَابَ الْقَاضِي عَنْ سُؤَالِ مَا فَائِدَةُ الْخُطْبَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ إلَخْ.
وَنُقِلَ عَنْ الزِّيَادِيِّ مَا يُوَافِقُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْخُطْبَةَ لَا تُجْزِئُ إلَّا بِاللُّغَةِ الَّتِي يُحْسِنُهَا الْقَوْمُ، وَلَا يُعَارِضُهُ صِحَّةُ الْخُطْبَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ بَلْ وُجُوبُهَا بِهَا حَيْثُ أَحْسَنَهَا دُونَهُمْ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فَوَجَبَتْ مُرَاعَاتُهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ اللُّغَاتِ فَحَيْثُ وُجِدَ لِبَعْضِهَا مُرَجِّحٌ كَفَهْمِ الْقَوْمِ لَهَا قُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ عَمِيرَةُ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ كَوْنِهَا بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ لَعَلَّهُ إذَا عَلِمَ الْقَوْمُ ذَلِكَ اللِّسَانَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ التَّرْجَمَةَ) أَيْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ سم فِي قَوْلِهِ: حَتَّى لَوْ لَمْ يُحْسِنْ الْخُطْبَةَ سَقَطَتْ كَالْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ وَيُشْتَرَطُ) عَلَى خِلَافِ الْمُعْتَمَدِ الْآتِي وَلِذَا لَمْ يَعُدَّهُ شَرْطًا ثَانِيًا (قَوْلُهُ: مَرْتَبَةَ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ) . [فَرْعٌ] أَفْتَى شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِيمَا لَوْ ابْتَدَأَ الْخَطِيبُ سَرْدَ الْأَرْكَانِ مُخْتَصَرَةً ثُمَّ أَعَادَهَا مَبْسُوطَةً كَمَا اُعْتِيدَ الْآنَ كَأَنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي إلَخْ بِأَنَّهُ إنْ قَصَّرَ مَا أَعَادَهُ بِحَيْثُ لَمْ يَعُدْ فَصْلًا مُضِرًّا حُسِبَ مَا أُتِيَ بِهِ أَوَّلًا مِنْ سَرْدِ الْأَرْكَانِ وَإِلَّا حُسِبَ مَا أَعَادَهُ وَأُلْغِيَ مَا سَرَدَهُ أَوَّلًا.
وَأَقُولُ: كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَعْتَدَّ بِمَا أَتَى بِهِ أَوَّلًا مُطْلَقًا: أَيْ طَالَ الْفَصْلُ أَمْ لَا، لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ ثَانِيًا بِمَنْزِلَةِ إعَادَةِ الشَّيْءِ لِلتَّأْكِيدِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ تَكْرِيرِ الرُّكْنِ وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا تَقْيِيدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ إجْزَاءِ الضَّمِيرِ وَلَوْ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ بِمَا إذَا لَمْ يَسْرُدْ الْخَطِيبُ الْأَرْكَانَ أَوَّلًا وَإِلَّا أَجْزَأَ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَاحْفَظْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ، وَقَوْلُهُ بِمَنْزِلَةِ إعَادَةِ الشَّيْءِ لِلتَّأْكِيدِ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ صَرَفَهَا بِغَيْرِ الْخُطْبَةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
[فَرْعٌ] لَوْ لَحَنَ فِي الْأَرْكَانِ لَحْنًا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى أَوْ أَتَى بِمَحَلٍّ آخَرَ كَإِظْهَارِ لَامِ الصَّلَاةِ هَلْ يَضُرُّ كَمَا فِي التَّشَهُّدِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ وَلَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا.
(وَ) الثَّانِي مِنْ الشُّرُوطِ كَوْنُهُمَا (بَعْدَ الزَّوَالِ) لِلْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ وَجَرَيَانِ أَهْلِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ عَلَيْهِ، وَلَوْ جَازَ تَقْدِيمُهَا لَقَدَّمَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَخْفِيفًا عَلَى الْمُبَكِّرِينَ وَإِيقَاعًا لِلصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ.
(وَ) الثَّالِثُ مِنْ الشُّرُوطِ (الْقِيَامُ فِيهِمَا إنْ قَدَرَ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَإِنْ عَجَزَ خَطَبَ قَاعِدًا ثُمَّ مُضْطَجِعًا كَالصَّلَاةِ، وَيَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ سَوَاءٌ أَقَالَ لَا أَسْتَطِيعُ أَمْ سَكَتَ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ لِعُذْرٍ، فَإِنْ بَانَتْ قُدْرَتُهُ لَمْ يُؤْثِرْ، وَالْأَوْلَى لِلْعَاجِزِ الِاسْتِنَابَةُ.
(وَ) الرَّابِعُ مِنْ الشُّرُوطِ (الْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا) مُطْمَئِنًّا فِيهِ لِلِاتِّبَاعِ كَمَا فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَيَجِبُ عَلَى عَاجِزٍ جَلَسَ وَقَائِمٍ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْجُلُوسِ بَلْ أَوْلَى فَصْلٌ بِسَكْتَةٍ، وَلَا يَكْتَفِي بِالِاضْطِجَاعِ، وَعُدَّ الْقِيَامُ وَالْجُلُوسُ هُنَا شَرْطَيْنِ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِجُزْأَيْنِ مِنْ الْخُطْبَةِ إذْ هِيَ الذِّكْرُ وَالْوَعْظُ، وَفِي الصَّلَاةِ رُكْنَيْنِ لِأَنَّهُمَا جُمْلَةُ أَعْمَالٍ، وَهِيَ كَمَا تَكُونُ أَذْكَارًا تَكُونُ غَيْرَ أَذْكَارٍ، ثُمَّ هَلْ يَسْكُتُ فِيهِ أَوْ يَقْرَأُ أَوْ يَذْكُرُ، سَكَتُوا عَنْهُ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا " أَفَادَ ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ.
(وَ) الْخَامِسُ مِنْ الشُّرُوطِ (إسْمَاعُ أَرْبَعِينَ كَامِلِينَ) بِأَنْ يَرْفَعَ الْخَطِيبُ صَوْتَهُ بِأَرْكَانِهِمَا حَتَّى يُسْمِعَهَا تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ سِوَاهُ وَلِأَنَّ مَقْصُودَهَا وَعْظُهُمْ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْإِسْمَاعُ وَالسَّمَاعُ بِالْقُوَّةِ
[حاشية الشبراملسي]
وَنَحْوِهِ فِي الصَّلَاةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الضَّرَرِ فِي الثَّانِيَةِ إلْحَاقًا لَهَا بِمَا لَوْ لَحَنَ فِي الْفَاتِحَةِ لَحْنًا لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّشَهُّدِ بِأَنَّ التَّشَهُّدَ وَرَدَ فِيهِ أَلْفَاظٌ بِخُصُوصِهَا لَا يَجُوزُ إبْدَالُهَا بِغَيْرِهَا، كَمَا لَوْ أَبْدَلَ النَّبِيَّ بِالرَّسُولِ فَقَوَّى شَبَهَهُ بِالْفَاتِحَةِ، وَلَا كَذَلِكَ الْخُطْبَةُ فَإِنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ لِلصَّلَاةِ فِيهَا صِيغَةٌ بِعَيْنِهَا.
وَأَمَّا الْأُولَى فَالْأَقْرَبُ فِيهَا الضَّرَرُ لِأَنَّ اللَّحْنَ حَيْثُ غَيَّرَ الْمَعْنَى خَرَجَتْ الصِّيغَةُ عَنْ كَوْنِهَا حَمْدًا مَثَلًا وَصَارَتْ أَجْنَبِيَّةً فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا، وَمِنْ ثَمَّ جُعِلَ الْمُغَيِّرُ لِلْمَعْنَى فِي الصَّلَاةِ مُبْطِلًا لَهَا سَوَاءٌ كَانَ اللَّحْنُ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا.
(قَوْلُهُ بَعْدَ الزَّوَالِ) أَيْ يَقِينًا فَلَوْ هَجَمَ وَخَطَبَ وَتَبَيَّنَ دُخُولُ الْوَقْتِ هَلْ يُعْتَدُّ بِمَا فَعَلَهُ فِيهِ، وَمُقْتَضَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ الْأَوَّلُ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ مُضْطَجِعًا كَالصَّلَاةِ) يُؤْخَذُ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالصَّلَاةِ: يَعْنِي الْمَفْرُوضَةَ أَنَّهُ إنْ عَجَزَ عَنْ الِاضْطِجَاعِ خَطَبَ مُسْتَلْقِيًا (قَوْلُهُ أَمْ سَكَتَ) بَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ اخْتِصَاصَ هَذَا بِالْفَقِيهِ الْمُوَافِقِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ انْتَهَى عَمِيرَةُ.
وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الشَّارِحِ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ بَانَتْ قُدْرَتُهُ لَمْ يُؤَثِّرْ) وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُ، لَكِنَّ فِي كَلَامِ عَمِيرَةَ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ فَهُوَ أَيْ مَنْ بَانَتْ قُدْرَتُهُ كَمَا لَوْ بَانَ الْإِمَامُ جُنُبًا قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْقَوْمِ وَسَمَاعِهِمْ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ عِلْمَهُ بِحَالِ نَفْسِهِ اقْتَضَى عَدَمَ اعْتِبَارِ سَمَاعِهِ وَصَلَاتِهِ لِعِلْمِهِ بِفَقْدِ شَرْطِهِمَا.
(قَوْلُهُ: وَالْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا) ع خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْأَئِمَّةَ الثَّلَاثَةَ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَلَا يَكْفِي الِاضْطِجَاعُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ مَعَ السُّكُوتِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْقِيَامِ فِي الْخُطْبَتَيْنِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ سَقَطَ وَبَقِيَ الْخِطَابُ بِالْجُلُوسِ، فَفِي الِاضْطِجَاعِ تَرْكٌ لِلْوَاجِبِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَكِنَّ فِي سم مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ: كَانَ الْمُرَادُ الِاضْطِجَاعَ مِنْ غَيْرِ سَكْتَةٍ انْتَهَى سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: كَأَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا) قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُسَنُّ كَوْنُ مَا يَقْرَؤُهُ الْإِخْلَاصَ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: إسْمَاعُ أَرْبَعِينَ كَامِلِينَ) أَيْ فِي آنٍ وَاحِدٍ كَمَا يَظْهَرُ، حَتَّى لَوْ سَمِعَ بَعْضُ الْأَرْبَعِينَ بَعْضَ الْأَرْكَانِ ثُمَّ انْصَرَفَ وَحَضَرَ غَيْرُهُ وَأَعَادَهَا لَهُ لَا يَكْفِي، لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِسْمَاعَيْنِ لِدُونِ الْأَرْبَعِينَ فَيَقَعُ لَغْوًا.
وَنَقَلَ بِالدَّرْسِ عَنْ فَتَاوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ مَا يُوَافِقُهُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَرْفَعَ الْخَطِيبُ صَوْتَهُ بِأَرْكَانِهِمَا) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ الْإِسْرَارُ بِغَيْرِ الْأَرْكَانِ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يَطُلْ بِهِ الْفَصْلُ وَإِلَّا ضَرَّ لِقَطْعِهِ الْمُوَالَاةَ كَالسُّكُوتِ (قَوْلُهُ: وَالسَّمَاعُ بِالْقُوَّةِ)
[حاشية الرشيدي]
[شُرُوطُ الْخُطْبَتَيْنِ فِي الْجُمُعَة]
قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ) أَيْ فِي صَلَاتِهِ قَاعِدًا لِمَا سَيَأْتِي
(قَوْلُهُ: فَعُلِمَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْإِسْمَاعُ وَالسَّمَاعُ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ) فِي عِلْمِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، بَلْ الَّذِي يُعْلَمُ مِنْهُ الْعَكْسُ وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي الْإِمْدَادِ وَالشَّارِحُ تَبِعَهُ فِي التَّعْبِيرِ وَخَالَفَهُ فِي الْحُكْمِ فَلَمْ يُنَاسِبْ
لَا بِالْفِعْلِ، إذْ لَوْ كَانَ سَمَاعُهُمْ بِالْفِعْلِ وَاجِبًا لَكَانَ الْإِنْصَاتُ مُتَحَتِّمًا، فَلَا يَكْفِي الْإِسْرَارُ كَالْأَذَانِ وَلَا إسْمَاعُ دُونَ أَرْبَعِينَ وَلَا مَنْ لَا تَنْعَقِدُ بِهِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْخَطِيبِ إذَا كَانَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ أَصَمَّ لَمْ يَكْفِ وَهُوَ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ بَعِيدٌ، بَلْ لَا مَعْنًى لَهُ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ مَا يَقُولُهُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ، وَلَا مَعْنًى لِأَمْرِهِ بِالْإِنْصَاتِ لِنَفْسِهِ، وَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ اشْتِرَاطِ مَعْرِفَةِ الْخَطِيبِ أَرْكَانَ الْخُطْبَةِ رُدَّ بِأَنَّ الْوَجْهَ خِلَافُهُ كَمَنْ يَؤُمُّ بِالْقَوْمِ وَلَا يَعْرِفُ مَعْنَى الْفَاتِحَةِ، وَلَوْ شَكَّ الْخَطِيبُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ خُطْبَتِهِ فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ فَرَائِضِهَا لَمْ يُؤْثِرْ كَالشَّكِّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ خِلَافًا لِلرُّويَانِيِّ.
(وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمْ عَلَيْهِمْ) يَعْنِي الْحَاضِرِينَ سَمِعُوا أَوْ لَا، وَيَصِحُّ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ لِلْأَرْبَعَيْنِ الْكَامِلِينَ، وَيُسْتَفَادُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ عَلَى مِثْلِهِمْ وَغَيْرِهِ بِالْمُسَاوَاةِ أَوْ الْأُولَى، وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ تَفْصِيلُ الْقَدِيمِ فِيهِمْ لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ (الْكَلَامُ) لِمَا صَحَّ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَخْطُبُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا؛ وَأَنَّ رَجُلًا آخَرَ قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَأَوْمَأَ النَّاسُ إلَيْهِ بِالسُّكُوتِ فَلَمْ يَقْبَلْ وَأَعَادَ الْكَلَامَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا أَعْدَدْت لَهَا؟ قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: إنَّك مَعَ مَنْ أَحْبَبْت» فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الْكَلَامَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ وُجُوبُ السُّكُوتِ، وَالْأَمْرُ فِي الْآيَةِ لِلنَّدَبِ، وَمَا اُعْتُرِضَ بِهِ الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ مِنْ احْتِمَالِ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ تَكَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي مَوْضِعٍ وَلَا حُرْمَةَ حِينَئِذٍ قَطْعًا، أَوْ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، أَوْ أَنَّهُ مَعْذُورٌ لِجَهْلِهِ يُرَدُّ بِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ قَوْلِيَّةٌ وَالِاحْتِمَالُ يَعُمُّهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي يَسْقُطُ بِاحْتِمَالِ الْوَاقِعَةِ الْفِعْلِيَّةِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ.
لَا يُقَالُ بَلْ هِيَ فِعْلِيَّةٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّهُ بِعَدَمِ إنْكَارِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّا نَمْنَعُ ذَلِكَ، بَلْ جَوَابُهُ لَهُ قَوْلٌ مُتَضَمِّنٌ لِجَوَازٍ سُؤَالِهِ عَلَى
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ بِحَيْثُ لَوْ أَصْغَى لَسَمِعَ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ مَنْ نَعَسَ وَقْتَ الْخُطْبَةِ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ أَصْلًا لَا يُعْتَدُّ بِحُضُورِهِ (قَوْلُهُ: لَا بِالْفِعْلِ) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ بَعِيدٌ) أَيْ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ أَصَمَّ أَوْ سَمِيعًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: مِنْ اشْتِرَاطِ مَعْرِفَةِ الْخَطِيبِ) أَيْ مَعْرِفَةِ مَعَانِيهَا كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ كَمَنْ يَؤُمُّ بِالْقَوْمِ إلَخْ فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ عَنْ سم مِنْ أَنَّهُ يَأْتِي فِي اعْتِبَارِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْأَرْكَانِ وَغَيْرِهَا هُنَا مَا مَرَّ إلَخْ (قَوْلُهُ: فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ فَرَائِضِهَا لَمْ يُؤَثِّرْ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ إذَا شَكَّ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ فَرَاغِ الْأُولَى أَوْ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ الْأُولَى، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِيمَا لَوْ أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ مِنْ الضَّرَرِ وَبَقِيَ مَا لَوْ عَلِمَ تَرْكَ رُكْنٍ وَلَمْ يَدْرِ هَلْ هُوَ مِنْ الْأُولَى أَمْ مِنْ الثَّانِيَةِ، هَلْ تَجِبُ إعَادَتُهَا أَمْ إعَادَةُ الثَّانِيَةِ فَقَطْ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يَجْلِسُ ثُمَّ يَأْتِي بِالْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ مِنْ الْأُولَى فَيَكُونُ جُلُوسُهُ لَغْوًا فَتَكْمُلُ بِالثَّانِيَةِ وَيُجْعَلُ مَجْمُوعُهُمَا خُطْبَةً وَاحِدَةً فَيَجْلِسُ بَعْدَهَا وَيَأْتِي بِالثَّانِيَةِ، وَبِتَقْدِيرِ كَوْنِ الْمَتْرُوكِ مِنْ الثَّانِيَةِ فَالْجُلُوسُ بَعْدَهَا لَا يَضُرُّ، لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ جُلُوسٌ فِي الْخُطْبَةِ وَهُوَ لَا يَضُرُّ، وَمَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَهُ تَكْرِيرٌ لِمَا أَتَى بِهِ مِنْ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ وَاسْتِدْرَاكٌ لِمَا تَرَكَهُ مِنْهَا (قَوْلُهُ: وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ تَفْصِيلُ الْقَدِيمِ) لَمْ يَأْتِ لَهُ تَفْصِيلٌ فِي حِكَايَتِهِ الْآتِيَة، وَلَعَلَّهُ يَقُولُ: يَحْرُمُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ لَا عَلَى مَنْ زَادَ عَلَيْهِمْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ) أَيْ وَالْمَفْهُومُ إذَا كَانَ فِيهِ تَفْصِيلٌ لَا يُعْتَرَضُ بِهِ (قَوْلُهُ: وَأَنَّ رَجُلًا) هُوَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ، كَذَا بِهَامِشٍ عَنْ خَصَائِصِ الْجُمُعَةِ لِلسُّيُوطِيِّ (قَوْلُهُ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) هُوَ بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ أَعْدَدْت، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ.
وَالْمَعْنَى: حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَعْدَدْته لَهَا، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى لِأَنَّ الْجَوَابَ يُقَدَّرُ مَعَهُ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ (قَوْلُهُ: وَالِاحْتِمَالُ يَعُمُّهَا) أَيْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَيُسْتَفَادُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ عَلَى مِثْلِهِمْ) أَيْ فِي الْكَمَالِ
أَيِّ حَالَةٍ كَانَتْ فَهِيَ قَوْلِيَّةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
نَعَمْ يُكْرَهُ الْكَلَامُ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت» وَمَعْنَاهُ: تَرَكْت الْأَدَبَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْأَرْبَعِينَ بَلْ سَائِرُ الْحَاضِرِينَ فِيهِ سَوَاءٌ.
نَعَمْ الْأَوْلَى لِغَيْرِ السَّامِعِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ، وَلَا يُكْرَهُ الْكَلَامُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَلَوْ بَعْدَ الْجُلُوسِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَا بَعْدَهَا وَلَا بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَلَا كَلَامُ الدَّاخِلِ إلَّا إذَا اتَّخَذَ لَهُ مَكَانًا وَاسْتَقَرَّ فِيهِ، لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى الْكَلَامِ غَالِبًا، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ يُبَاحُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لِمُسْتَمِعِ الْخَطِيبِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَرْفَعَ بِهَا صَوْتَهُ إذَا سَمِعَ ذِكْرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَكِنْ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ بِكَرَاهَتِهِ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الِاسْتِمَاعَ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِهَا خِلَافُ الْأَوْلَى.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالرَّفْعُ الْبَلِيغُ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَوَامّ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ، وَالْقَدِيمُ يَحْرُمُ الْكَلَامَ، وَيَجِبُ الْإِنْصَاتُ، وَلَا يَحْرُمُ الْكَلَامَ عَلَى الْخَطِيبِ قَطْعًا.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي كَلَامٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ مُهِمٌّ نَاجِزٌ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ ذَلِكَ كَمَا لَوْ رَأَى أَعْمَى يَقَعُ فِي بِئْرٍ أَوْ عَقْرَبًا تَدِبُّ عَلَى إنْسَانٍ فَأَنْذَرَهُ، أَوْ عَلَّمَ إنْسَانًا شَيْئًا مِنْ الْخَيْرِ، أَوْ نَهَاهُ عَنْ مُنْكَرٍ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا قَطْعًا بَلْ قَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْإِشَارَةِ إنْ أَغْنَتْ (وَيُسَنُّ) إقْبَالُهُمْ عَلَيْهِ بِوُجُوهِهِمْ عَمَلًا بِالْأَدَبِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَوْجِيهِهِمْ الْقِبْلَةَ وَ (الْإِنْصَاتُ) لَهُ لِمَا مَرَّ ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] وَرَدَ فِي الْخُطْبَةِ كَمَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ بَلْ أَكْثَرُهُمْ وَسُمِّيَتْ قُرْآنًا لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُذْكَر الِاسْتِمَاعُ مَعَ الْإِنْصَاتِ كَغَيْرِهِ عَلَى وِزَانِ الْآيَةِ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَلْزَمْ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا
[حاشية الشبراملسي]
يُصَيِّرهَا عَامَّةً (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: إذَا قُلْت لِصَاحِبِك إلَخْ) رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت» وَلَفْظُ رِوَايَةِ النَّسَائِيّ «مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا» (قَوْلُهُ: أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ) أَيْ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ اشْتِغَالُهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقَدَّمًا عَلَى التِّلَاوَةِ لِغَيْرِ سُورَةِ الْكَهْفِ وَالذِّكْرِ، لِأَنَّهَا شِعَارُ الْيَوْمِ (قَوْلُهُ إذَا سَمِعَ ذِكْرَهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ سَمَاعِهِ مِنْ الْخَطِيبِ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَعِبَارَةُ عَمِيرَةَ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الْآتِي: وَلِمُسْتَمِعِ الْخَطِيبِ إذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَقَضِيَّةُ تَعْبِيرِهِمْ هَذَا أَنَّهُ مُبَاحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ ثُمَّ قَالَ إنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى مُحَافَظَةً عَلَى الِاسْتِمَاعِ (قَوْلُهُ: خِلَافُ الْأَوْلَى) قَالَ حَجّ: الرَّفْعُ بِهَا مِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةٍ سُنَّةٌ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ إقْبَالُهُمْ) [فَائِدَةٌ] لَوْ كَلَّمَ شَافِعِيٌّ مَالِكِيًّا وَقْتَ الْخُطْبَةِ فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ لَعِبَ الشَّافِعِيُّ مَعَ الْحَنَفِيِّ الشِّطْرَنْجَ لِإِعَانَتِهِ لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ أَوْ لَا الْأَقْرَبُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ لَعِبَ الشِّطْرَنْجِ لَمَّا لَمْ يَتَأَتَّ إلَّا مِنْهُمَا كَانَ الشَّافِعِيُّ كَالْمُلْجِئِ لَهُ، بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهُ حَيْثُ أَجَابَهُ الْمَالِكِيُّ وَتَكَلَّمَ مَعَهُ كَانَ اخْتِيَارَهُ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ أَنْ لَا يُجِيبَهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إذَا لَمْ يُجِبْهُ لَحَصَلَ لَهُ مِنْهُ ضَرَرٌ لِكَوْنِ الشَّافِعِيِّ الْمُكَلِّمِ أَمِيرًا أَوْ ذَا سَطْوَةٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا مِنْ جِهَةِ الْكَلَامِ بَلْ مِنْ جِهَةِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: بِوُجُوهِهِمْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْظُرُوا لَهُ، وَهَلْ يُسَنُّ النَّظَرُ إلَيْهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي أَخْذًا مِمَّا وَجَّهُوا بِهِ حُرْمَةَ أَذَانِ الْمَرْأَةِ يُسَنُّ النَّظَرُ لِلْمُؤَذِّنِ دُونَ غَيْرِهِ وَبَقِيَ الْخَطِيبُ هَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ النَّظَرُ إلَيْهِمْ فَيُكْرَهُ لَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي: وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِمْ الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ (قَوْلُهُ: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] [تَنْبِيهٌ] قَالَ الرَّاغِبُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّمْتِ وَالسُّكُوتِ وَالْإِنْصَاتِ وَالْإِصَاخَةِ أَنَّ الصَّمْتَ أَبْلَغُ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَا قُوَّةَ فِيهِ لِلنُّطْقِ وَفِيمَا لَهُ قُوَّةُ النُّطْقِ، وَلِهَذَا قِيلَ لِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُطْقٌ الصَّامِتُ وَالسُّكُوتُ لِمَا لَهُ نُطْقٌ فَتَرَكَ اسْتِعْمَالَهُ وَالْإِنْصَاتُ سُكُوتٌ مَعَ اسْتِمَاعٍ، وَمَتَى انْفَكَّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَر لَمْ يَكُنْ لَهُ إنْصَاتٌ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] فَقَوْلُهُ وَأَنْصِتُوا بَعْدَ الِاسْتِمَاعِ ذِكْرُ خَاصٍّ بَعْدَ عَامٍّ، وَالْإِصَاخَةُ: الِاسْتِمَاعُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، إذْ الْإِنْصَاتُ السُّكُوتُ، وَالِاسْتِمَاعُ شُغْلُ السَّمْعِ بِالسَّمَاعِ.
.
وَلَوْ سَلَّمَ دَاخِلٌ عَلَى مُسْتَمِعِ الْخُطْبَةِ وَالْخَطِيبُ يَخْطُبُ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ وَإِنْ كَانَ السَّلَامُ مَكْرُوهًا لِمَا سَيَأْتِي فِي السِّيَرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، إذْ الْقَاعِدَةُ أَغْلَبِيَّةٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الرَّدُّ عَلَى نَحْوِ قَاضِي الْحَاجَةِ لِأَنَّ الْخِطَابَ مِنْهُ وَمَعَهُ سَفَهٌ وَقِلَّةُ مُرُوءَةٍ فَلَا يُلَائِمُهُ إيجَابُ الرَّدِّ بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّهُ يُلَائِمُهُ لِأَنَّ عَدَمَ مَشْرُوعِيَّتِهِ لِعَارِضٍ لَا لِذَاتِهِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ فَلَا إشْكَالَ.
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ كَسَائِرِ الْكَلَامِ لِأَنَّ سَبَبَهُ قَهْرِيٌّ.
وَكُرِهَ تَحْرِيمًا بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ تَنَفُّلٌ مِنْ أَحَدِ الْحَاضِرِينَ بَعْدَ صُعُودِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَجُلُوسِهِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْخُطْبَةَ بِالْكُلِّيَّةِ لِاشْتِغَالِهِ بِصُورَةِ عِبَادَةٍ، وَمِنْ ثَمَّ فَارَقَتْ الصَّلَاةُ الْكَلَامَ بِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ لَا يُعَدُّ إعْرَاضًا عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَيْضًا فَمِنْ شَأْنِ الْمُصَلِّي الْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَى صَلَاتِهِ بِخِلَافِ الْمُتَكَلِّمِ، وَأَيْضًا فَقَطْعُ الْكَلَامِ هَيِّنٌ مَتَى ابْتَدَأَ الْخَطِيبُ الْخُطْبَةَ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ قَدْ يَفُوتُهُ بِهَا سَمَاعُ أَوَّلِ الْخُطْبَةِ بَلْ لَوْ أَمِنَ فَوَاتَ ذَلِكَ كَانَ مُمْتَنِعًا أَيْضًا خِلَافًا لِمَا فِي الْغُرَرِ الْبَهِيَّةِ.
وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الطَّوَافَ لَيْسَ كَالصَّلَاةِ هُنَا، وَيُمْنَعُ مِنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَشَمَلَهُ كَلَامُهُمْ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَيْسَ صَلَاةً وَإِنَّمَا هُوَ مُلْحَقٌ بِهَا، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ تَخْفِيفُهَا عِنْدَ صُعُودِ الْخَطِيبِ الْمِنْبَرَ وَجُلُوسِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ نَصْرٌ، وَاعْتَمَدَهُ غَيْرُهُ فَالْإِطَالَةُ كَالْإِنْشَاءِ، وَمَتَى حُرِّمَتْ الصَّلَاةُ، فَالْأَوْجَهُ كَمَا فِي التَّدْرِيبِ عَدَمُ انْعِقَادِهَا كَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ الْمَكْرُوهَةِ بَلْ أَوْلَى، بَلْ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ وَمَنْعِهِمْ مِنْ الرَّاتِبَةِ مَعَ قِيَاسِ سَبَبِهَا أَنَّهُ لَوْ تَذَكَّرَهَا فَرْضًا لَا يَأْتِي وَإِنْ كَانَ وَقْتُهُ مَضِيقًا وَأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَتَعْبِيرُ جَمَاعَةٍ بِالنَّافِلَةِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَيُسْتَثْنَى التَّحِيَّةُ لِدَاخِلِ الْمَسْجِدِ وَالْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَيُسَنُّ لَهُ فِعْلُهَا
[حاشية الشبراملسي]
إلَى مَا يَصْعُبُ اسْتِمَاعُهُ وَإِدْرَاكُهُ كَالسَّبِّ وَالصَّوْتِ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ اهـ مُنَاوِيٌّ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الصَّمْتُ زَيْنٌ لِلْعَالِمِ وَسَتْرٌ لِلْجَاهِلِ» .
(وَلَوْ سَلَّمَ دَاخِلٌ عَلَى مُسْتَمِعٍ) وَمِثْلُهُ الْخَطِيبُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَدَّ نِسْيَانُهُ لِمَا هُوَ فِيهِ عُذْرًا فِي وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَيْهِ فَيَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِ وَإِنْ غَلِطَ.
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ) أَيْ الْمُسْتَمِعِ، وَمِثْلُهُ الْخَطِيبُ بِالْأَوْلَى لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْكَلَامُ قَطْعًا (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ) أَيْ التَّشْمِيتُ
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ تَحْرِيمًا إلَخْ) أَيْ وَيَسْتَمِرُّ ذَلِكَ إلَى فَرَاغِ الْخُطْبَةِ وَتَوَابِعِهَا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ سم أَنَّ الشَّارِحَ ذَهَبَ إلَيْهِ، وَفِي كَلَامِ حَجّ مَا يُصَرِّحُ بِهِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيُسَنُّ الْإِنْصَاتُ وَيَحْرُمُ إجْمَاعًا صَلَاةُ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ وَلَوْ فِي حَالِ الدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ اهـ. وَمَا نَقَلَهُ سم عَلَى حَجّ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي التَّوَابِعِ لَعَلَّهُ فِي غَيْرِ شَرْحِ الْمِنْهَاجِ.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ صُعُودِ الْخَطِيبِ) أَمَّا بَعْدَ الصُّعُودِ وَقَبْلَ الْجُلُوسِ فَلَا يَحْرُمُ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ) أَيْ الْكَلَامِ وَإِنْ طَالَ (قَوْلُهُ: الْغُرَرِ الْبَهِيَّةِ) مُرَادُهُ شَرْحُ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ (قَوْلُهُ: عِنْدَ صُعُودِ الْخَطِيبِ الْمِنْبَرَ وَجُلُوسِهِ) قَالَهُ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ وَقْتُهُ مَضِيقًا) أَيْ فَلَا يَفْعَلُهُ وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَعَادَ إلَيْهِ بِسَبَبِ فِعْلِهِ فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِيمَا لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ يَقْصِدُ التَّحِيَّةَ (قَوْلُهُ: فَيُسَنُّ لَهُ فِعْلُهَا) أَيْ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ سُنَّةُ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا كَفَائِتَةٍ حَيْثُ لَمْ تَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ.
[فَرْعٌ] مَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ م ر ثُمَّ مَرَّةً أُخْرَى.
قَالَ: لَوْ كَانَ مَحَلُّ الْخُطْبَةِ غَيْرَ الْمَسْجِدِ لَا صَلَاةَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ قَالَ: إذَا دَخَلَ حَالَ الْخُطْبَةِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ مَسْجِدًا صَلَّى التَّحِيَّةَ أَوْ رَكْعَتَيْنِ رَاتِبَةً أَوْ نَحْوَ فَائِتَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْجِدًا جَلَسَ وَلَا صَلَاةَ مُطْلَقًا اهـ فَلْيُرَاجَعْ.
وَفِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِشَيْخِنَا مَنْعُ رَكْعَتَيْنِ غَيْرُ الرَّاتِبَةِ وَالسُّكُوتُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَلْيُحَرَّرْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ وَفِيهِ: لَكِنْ لَوْ أَحْرَمَ بِأَرْبَعٍ قَضَاءً قَبْلَ الْجُلُوسِ ثُمَّ جَلَسَ وَقَدْ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَشَمِلَهُ كَلَامُهُمْ) أَيْ حَيْثُ عَبَّرُوا بِالتَّنَفُّلِ.
وَيُخَفِّفُهَا وُجُوبًا لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ فَجَلَسَ، فَقَالَ: يَا سُلَيْكُ: قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا ثُمَّ قَالَ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» هَذَا إنْ صَلَّى سُنَّةَ الْجُمُعَةِ، وَإِلَّا صَلَّاهَا مُخَفَّفَةً وَحَصَلَتْ التَّحِيَّةُ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ فَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ تَحِيَّةٌ كَأَنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ لَمْ يُصَلِّ شَيْئًا أَخْذًا مِمَّا مَرَّ.
أَمَّا الدَّاخِلُ آخِرَ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إنَّ صَلَّاهَا فَاتَتْهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ مَعَ الْإِمَامِ لَمْ يُصَلِّ التَّحِيَّةَ بَلْ يَقِفُ حَتَّى تُقَامَ الصَّلَاةُ وَلَا يَقْعُدُ لِئَلَّا يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ التَّحِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَوْ صَلَّاهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ اُسْتُحِبَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي كَلَامِ الْخُطْبَةِ بِقَدْرِ مَا يُكَمِّلُهَا.
قَالَ الشَّيْخُ: وَمَا قَالَهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، وَالْمُرَادُ بِالتَّخْفِيفِ فِيمَا ذُكِرَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ لَا الْإِسْرَاعُ.
قَالَ: وَيَدُلُّ لَهُ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّهُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ وَأَرَادَ الْوُضُوءَ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَاجِبَاتِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ وَاضِحٌ، وَحِينَئِذٍ فَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَرْكُ التَّطْوِيلِ عُرْفًا (قُلْت:
[حاشية الشبراملسي]
بَقِيَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ هَلْ تَسْتَمِرُّ صِحَّتُهَا وَيَجِبُ التَّخْفِيفُ، أَوْ تَبْطُلُ لِأَنَّ الْإِتْمَامَ بَعْدَ الْجُلُوسِ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْشَاءِ بِدَلِيلِ حُرْمَةِ التَّطْوِيلِ، وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ الْجُلُوسِ إنْشَاءُ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَلْيُحَرَّرْ اهـ. أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ الِاسْتِمْرَارُ سِيَّمَا إذَا أَحْرَمَ عَلَى ظَنِّ سَعَةِ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ جَالِسًا بِالْمَسْجِدِ وَعَلِمَ بِقُرْبِ جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ كَأَنْ كَانَ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْمُقْرِئِ الْآيَةَ فَأَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْنِ فَهَلْ تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ وَيُكْمِلُهُمَا بَعْدَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ وَيُخَفِّفُ فِيهِمَا كَمَا لَوْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَمْ لَا، لِأَنَّ شُرُوعَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يُعَدُّ بِهِ مُقَصِّرًا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ حَالَ شُرُوعِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَهَيِّئًا لِشَيْءٍ يَسْمَعُهُ فَيُعَدُّ مُعْرِضًا عَنْهُ بِاشْتِغَالِهِ بِالصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: قُمْ فَارْكَعْ) وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ جَلَسَ جَاهِلًا بِطَلَبِ التَّحِيَّةِ مِنْهُ فَلَمْ تَفُتْ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: هَذَا إنْ صَلَّى سُنَّةَ الْجُمُعَةِ) وَمَرَّ قَرِيبًا عَنْ سم أَنَّ مِثْلَ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ الْفَائِتَةِ إذَا كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ كَالصُّبْحِ، وَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ قَرِيبًا مِنْ امْتِنَاعِ الْفَائِتَةِ لِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ فِيمَنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ الْجُلُوسِ وَأَرَادَ فِعْلهَا (قَوْلُهُ: وَلَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ) أَيْ حَيْثُ عَلِمَ بِالزِّيَادَةِ.
أَمَّا لَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً سُنَّ لَهُ رَكْعَةٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْفِعْلِ (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ تَحِيَّةٌ) شَمَلَ مَا لَوْ نَوَى سُنَّةَ الصُّبْحِ مَثَلًا أَوْ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَنْوِ أَنَّهُمَا تَحِيَّةٌ لِمَا قَدَّمَهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِرَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَنْوِ بِهِمَا التَّحِيَّةَ كَانَتْ نَفْلًا مُطْلَقًا حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُ التَّحِيَّةِ، لَكِنْ قَالَ حَجّ: وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ التَّحِيَّةِ وَهُوَ الْأَوْلَى " أَوْ رَاتِبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَبَلِيَّةِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا، وَحِينَئِذٍ الْأَوْلَى نِيَّةُ التَّحِيَّةِ مَعَهَا، فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ فَالْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ نِيَّةُ التَّحِيَّةِ لِأَنَّهَا تَفُوتُ بِفَوَاتِهَا بِالْكُلِّيَّةِ إذَا لَمْ يَنْوِ، بِخِلَافِ الرَّاتِبَةِ الْقَبْلِيَّةَ لِلدَّاخِلِ، فَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْهُمَا أَوْ صَلَاةً أُخْرَى بِقَدْرِهِمَا لَمْ تَنْعَقِدْ.
فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ أَنَّ نِيَّةَ رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ جَائِزَةٌ، بِخِلَافِ نِيَّةِ رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ الصُّبْحِ مَثَلًا مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي حُصُولِ التَّحِيَّةِ بِهَا بِالْمَعْنَى السَّابِقِ فِي بَابِهَا.
قُلْت: يُفَرَّقُ بِأَنَّ نِيَّةَ رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ لَيْسَ فِيهِ صَرْفٌ عَنْ التَّحِيَّةِ بِالنِّيَّةِ بِخِلَافِ نِيَّةِ سَبَبٍ آخَرَ، فَأُبِيحَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقْتَصِرَ فِيهِمَا عَلَى أَقَلِّ مُجْزِئٍ عَلَى مَا قَالَهُ جَمْعٌ، وَبَيَّنْت مَا فِيهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ، لَكِنَّ عَدَمَ انْعِقَادِ سُنَّةِ الصُّبْحِ بِنِيَّتِهَا مُشْكِلٌ عَلَى نِيَّةِ الْفَائِتَةِ، فَإِنْ وَصَفَهَا بِكَوْنِهَا فَائِتَةً يَفُوتُ التَّعَرُّضُ لِلتَّحِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: كَأَنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ) شَمَلَ مَا لَوْ تَطَهَّرَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَأَرَادَ فِعْلَ الرَّكْعَتَيْنِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَلَا تَنْعَقِدُ، وَعِبَارَةُ حَجّ: وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَمْ تُسَنَّ لَهُ التَّحِيَّةُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ يَسْتَمِعْ وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ الْجُمُعَةُ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ مَحَلِّهَا وَقَدْ نَوَاهَا مَعَهُمْ بِمَحَلِّهِ وَإِنْ حَالَ مَانِعُ الِاقْتِدَاءِ الْآنَ فِيمَا يَظْهَرُ إلَخْ.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ وَقَدْ نَوَاهَا مَعَهُمْ بِمَحَلِّهِ إلَخْ أَنَّهُ لَوْ بَعُدَ عَنْ الْمَسْجِدِ وَتَطَهَّرَ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا فِي مَوْضِعِ طَهَارَتِهِ حَيْثُ قَصَدَ فِعْلَهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ الطَّهَارَةِ فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ (قَوْلُهُ: لَمْ يُصَلِّ التَّحِيَّةَ) أَيْ نَدْبًا (قَوْلُهُ: تَرْكُ التَّطْوِيلِ عُرْفًا) أَيْ فَلَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِسُورَةٍ قَصِيرَةٍ بَعْدَ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْأَصَحُّ أَنَّ تَرْتِيبَ الْأَرْكَانِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حَاصِلٌ بِدُونِهِ، وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ فِي اشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأُمِّ وَالْمَبْسُوطِ، وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ بَلْ هُوَ سُنَّةٌ فَقَطْ.
وَأَشَارَ إلَى سَادِسٍ لَهَا أَثَرًا ظَاهِرًا بِقَوْلِهِ (وَالْأَظْهَرُ:) (اشْتِرَاطُ الْمُوَالَاةِ) بَيْنَ أَرْكَانِهَا وَبَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ لِلِاتِّبَاعِ وَلِأَنَّ الشُّرُوطَ فِي اسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ وَحَدُّ الْمُوَالَاةِ مَا حُدَّ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ.
وَالثَّانِي لَا تُشْتَرَطُ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْوَعْظُ، وَهُوَ حَاصِلٌ مَعَ تَفْرِيقِ الْكَلِمَاتِ، وَذَكَرَ هَذَا هُنَا بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ لِعُمُومِهِ دَفْعًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ ذَاكَ خَاصٌّ بِحَالَةِ الِانْفِضَاضِ.
(وَ) السَّابِعُ مِنْ الشُّرُوطِ (طَهَارَةُ الْحَدَثِ) الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ (وَالْخَبَثِ) غَيْرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ عَلَى مَا مَرَّ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ (وَ) الثَّامِنُ مِنْ الشُّرُوطِ (السَّتْرُ) أَيْ سَتْرُ الْعَوْرَةِ لِلِاتِّبَاعِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ فَلَوْ أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ اسْتَأْنَفَهَا وَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ وَقَصُرَ الْفَصْلُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا تُؤَدَّى بِطَهَارَتَيْنِ كَالصَّلَاةِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَحْدَثَ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَتَطَهَّرَ عَنْ قُرْبٍ لَمْ يَضُرَّ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَلَا يُشْتَرَطُ طُهْرُ السَّامِعِينَ وَلَا سَتْرُهُمْ، وَأَغْرُبُ مِنْ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَاشْتِرَاطُ السَّتْرِ لَا يُغْنِي عَنْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ وُجُوبِهِ وَلَوْ فِي الْخَلْوَةِ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْوُجُوبِ الِاشْتِرَاطُ وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا كَوْنُهُمْ بِمَحَلِّ الصَّلَاةِ وَلَا فَهْمُهُمْ لِمَا يَسْمَعُونَهُ كَمَا تَكْفِي قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ لِمَنْ لَا يَفْهَمُهَا، وَأَفَادَ اقْتِصَارُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْخُطْبَةِ وَنِيَّةُ
[حاشية الشبراملسي]
الْفَاتِحَةِ.
(قَوْلُهُ: مَا حُدَّ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ) أَيْ بِأَنْ لَا يَكُونَ قَدْرُ رَكْعَتَيْنِ بِأَخَفِّ مُمْكِنٍ.
(قَوْلُهُ: طَهَارَةُ الْحَدَثِ) قَضِيَّةُ صَنِيعِهِ أَنَّ الطَّهَارَةَ وَمَا بَعْدَهَا بِالرَّفْعِ وَجَرِّهِ أَظْهَرُ لِيُفِيدَ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ صَرِيحًا، وَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ الْآتِي وَاشْتِرَاطُ السَّتْرِ إلَخْ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الْأَرْكَانِ وَغَيْرِهَا حَتَّى لَوْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ فِي غَيْرِ الْأَرْكَانِ بَطَلَتْ خُطْبَتُهُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أَحْدَثَ بَيْنَ الْأَرْكَانِ وَأَتَى مَعَ حَدَثِهِ بِشَيْءٍ مِنْ تَوَابِعِ الْخُطْبَةِ ثُمَّ اسْتَخْلَفَ عَنْ قُرْبٍ فَلَا يَضُرُّ فِي خُطْبَتِهِ مَا أَتَى بِهِ مِنْ غَيْرِ الْأَرْكَانِ مَعَ الْحَدَثِ، فَجَمِيعُ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرَهَا إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي الْأَرْكَانِ خَاصَّةً (قَوْلُهُ: طَهَارَةُ الْحَدَثِ) أَيْ فَلَوْ بَانَ الْإِمَامُ مُحْدِثًا أَوْ ذَا نَجَاسَةٍ خَفِيَّةٍ.
قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: لَا يَبْعُدُ الِاكْتِفَاءُ بِالْخُطْبَةِ كَمَا لَوْ بَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ مَعَ أَنَّهُ شَرْطٌ اهـ. وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ لَوْ خَطَبَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ ثُمَّ بَانَ قَادِرًا عَلَى السُّتْرَةِ.
[فَرْعٌ] اعْتَمَدَ م ر أَنَّ الْخَطِيبَ لَوْ أَحْدَثَ جَازَ الِاسْتِخْلَافُ وَالْبِنَاءُ عَلَى خُطْبَتِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا أَهْلِيَّةَ لَهُ، بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ إذَا بَانَ مُحْدِثًا، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يُقَالُ: هَلَّا جَازَ لِلْقَوْمِ اسْتِخْلَافُ مَنْ يَبْنِي عَلَى خُطْبَةِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، كَمَا جَازَ لَهُمْ الِاسْتِخْلَافُ فِي الصَّلَاةِ إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِيهَا، كَمَا شَمَلَهُ قَوْلُهُمْ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ جَازَ لَهُمْ الِاسْتِخْلَافُ وَيُفَرَّق بِأَنَّ الصَّلَاةَ بَاقِيَةٌ مِنْ الْقَوْمِ وَإِنَّمَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَحْدَهُ فَجَازَ الِاسْتِخْلَافُ، بِخِلَافِ الْخُطْبَةِ فَإِنَّهَا مِنْ الْخَطِيبِ وَحْدَهُ، فَإِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَا يُسْتَخْلَفُ لِئَلَّا تَصِيرَ نَفْسُ الْخُطْبَةِ مُلَفَّقَةً مِنْ شَخْصَيْنِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُ سم وَيُفَرَّقُ بِأَنْ إلَخْ: أَيْ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ يُفَرَّقُ إلَخْ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ لَا مِنْ الْإِمَامِ وَلَا مِنْ الْقَوْمِ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ (قَوْلُهُ فَلَوْ أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ) أَيْ أَمَّا لَوْ اسْتَخْلَفَ غَيْرَهُ بَنَى عَلَى مَا مَضَى، وَعَلَيْهِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَوْ تَطَهَّرَ عَنْ قُرْبٍ حَيْثُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْبِنَاءُ وَبَيْنَ مَا لَوْ اسْتَخْلَفَ غَيْرَهُ أَنَّ فِي بِنَاءِ الْخَطِيبِ تَكْمِيلًا عَلَى مَا فَسَدَ بِحَدَثِهِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَلَا كَذَلِكَ فِي بِنَاءِ غَيْرِهِ لِأَنَّ سَمَاعَهُ لِمَا مَضَى مِنْ الْخُطْبَةِ قَائِمٌ مَقَامَهُ وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ مَا يُبْطِلُهُ فَجَازَ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ اهـ حَجّ.
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَا فَهْمُهُمْ لِمَا يَسْمَعُونَهُ) لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ الْأَلْفَاظَ لَكِنْ لَا يَعْرِفُونَ مَدْلُولَاتِهَا، وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَكْفِي سَمَاعُهُمْ مُجَرَّدَ الصَّوْتِ مِنْ بَعِيدٍ مِنْ غَيْرِ سَمَاعِ الْأَلْفَاظِ وَتَقَاطِيعِ الْحُرُوفِ فَلْيُرَاجَعْ
فَرْضِيَّتِهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لِأَنَّ ذَلِكَ مُمْتَازٌ بِصُورَتِهِ مُنْصَرِفٌ إلَى اللَّهِ بِحَقِيقَتِهِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةِ صَرْفِهِ إلَيْهِ، وَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْقَاضِي، وَجَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ مِنْ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ مُفَرَّعٌ عَلَى ضَعِيفٍ وَهُوَ أَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ رَكْعَتَيْنِ.
نَعَمْ يُشْتَرَطُ عَدَمُ الصَّارِفِ فِيمَا يَظْهَرُ.
وَالشَّرْطُ التَّاسِعُ مِنْ الشُّرُوطِ تَقْدِيمُهَا عَلَى الصَّلَاةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي مُسْتَحَبَّاتِ الْخُطْبَةِ فَقَالَ (وَتُسَنُّ) الْخُطْبَةُ (عَلَى مِنْبَرٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّبْرِ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمِنْبَرُ عَلَى يَمِينِ مُصَلَّى الْإِمَامِ لِأَنَّ مِنْبَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَكَذَا وُضِعَ، وَكَانَ يَخْطُبُ قَبْلَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَعَنْ يَسَارِهِ جِذْعُ نَخْلَةٍ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ كَانَ ثَلَاثَ دَرَجٍ غَيْرَ الدَّرَجَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْمُسْتَرَاحِ، وَكَانَ يَقِفُ عَلَى الثَّالِثَةِ، فَيُنْدَبُ الْوُقُوفُ عَلَى الَّتِي تَلِي الْمُسْتَرَاحَ، فَإِنْ طَالَ الْمِنْبَرُ فَعَلَى السَّابِعَةِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، لِمَا نُقِلَ أَنَّ مَرْوَانَ زَادَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى الْمِنْبَرِ الْأَوَّلِ سِتَّ دَرَجٍ فَصَارَ عَدَدُ دَرَجِهِ تِسْعَةً، وَكَانَ الْخُلَفَاءُ يَقِفُونَ عَلَى السَّابِعَةِ وَهِيَ الْأَوْلَى، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقِبْلَةِ قَدْرُ ذِرَاعٍ أَوْ ذِرَاعَيْنِ، قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ اسْتِحْبَابُهَا عَلَى مِنْبَرٍ وَلَوْ بِمَكَّةَ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَإِنْ قَالَ السُّبْكِيُّ: الْخَطَابَةُ بِمَكَّةَ عَلَى مِنْبَرٍ بِدْعَةٌ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُخْطَبَ عَلَى الْبَابِ كَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ، وَإِنَّمَا أَحْدَثَ الْمِنْبَرَ بِمَكَّةَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَيُكْرَهُ مِنْبَرٌ كَبِيرٌ يُضَيِّقُ عَلَى الْمُصَلِّينَ، وَيُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ فِي الْمِنْبَرِ الْوَاسِعِ (أَوْ) عَلَى مَوْضِعٍ (مُرْتَفِعٍ) لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ فِي الْإِعْلَامِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْبَرٌ كَمَا فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ وَإِنْ اقْتَضَتْ عِبَارَةُ الْكِتَابِ التَّسْوِيَةَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ اسْتَنَدَ إلَى نَحْوِ خَشَبَةٍ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ قَبْلَ الْمِنْبَرِ (وَيُسَلِّمُ) عِنْدَ دُخُولِهِ عَلَى الْحَاضِرِينَ لِإِقْبَالِهِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ (عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ) نَدْبًا إذَا انْتَهَى إلَيْهِ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَلِمُفَارِقَتِهِ إيَّاهُمْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَتْ الصُّفُوفُ بَيْنَ الْبَابِ وَالْمِنْبَرِ لَا يُسَلِّمُ إلَّا عَلَى الصَّفِّ الَّذِي عِنْدَ الْبَابِ وَالصَّفِّ الَّذِي عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ سَنُّ السَّلَامِ عَلَى كُلِّ صَفٍّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، وَلَعَلَّ اقْتِصَارَهُمْ عَلَى ذَيْنِك لِأَنَّهُمَا آكَدُّ، وَقَدْ صَرَّحَ الْأَذْرَعِيُّ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا تُسَنُّ لَهُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ كَمَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ
[حاشية الشبراملسي]
فَائِدَةٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ رَأَى حَنَفِيًّا مَسَّ فَرْجَهُ مَثَلًا ثُمَّ خَطَبَ فَهَلْ تَصِحُّ خُطْبَتُهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الظَّاهِرَ الصِّحَّةُ، وَيُوَجَّهُ بِمَا صَرَّحُوا بِهِ أَنَّا نَحْكُمُ بِصِحَّةِ عِبَادَةِ الْمُخَالِفِينَ حَيْثُ قَلَّدُوا تَقْلِيدًا صَحِيحًا، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ الْقُدْوَةُ بِهِمْ لِلرَّبْطِ الْحَاصِلِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ الْمُقْتَضِي لِجَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى اعْتِقَادِ صِحَّةِ صَلَاتِهِ، وَلَا ارْتِبَاطَ بَيْنَ السَّامِعِينَ وَالْخَطِيبِ، فَحَيْثُ حُكِمَ بِصِحَّةِ عِبَادَتِهِ اُكْتُفِيَ بِخُطْبَتِهِ لَكِنَّا لَا نُصَلِّي خَلْفَهُ، فَإِنْ أَمَّ غَيْرُهُ جَازَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ وَهُوَ الْأَقْرَبُ: بَلْ الْمُتَعَيَّنُ عَدَمُ الصِّحَّةِ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا رَابِطَةٌ لَكِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى فَسَادِ نِيَّةِ الْمَأْمُومِ لِاعْتِقَادِهِ حِينَ النِّيَّةِ أَنَّهُ يُصَلِّي صَلَاةً لَمْ تُسْبَقْ بِخُطْبَةٍ فِي اعْتِقَادِهِ.
(قَوْلُهُ: فَصَارَ عَدَدُ دَرَجِهِ تِسْعَةً) لَعَلَّهُ لَمْ يَعُدَّ الدَّرَجَةَ الْمُسَمَّاةَ بِالْمُسْتَرَاحِ وَإِلَّا فَيَكُونُ عَشَرَةً (قَوْلُهُ: عَلَى السَّابِعَةِ وَهِيَ الْأُولَى) وَعَلَيْهِ فَصُورَةُ مَا فَعَلُوهُ أَنَّهُ رَفَعَ الْمِنْبَرَ بَاقِيًا بِصُورَتِهِ وَجَعَلَ تَحْتَهُ الدَّرَجَ الْمَذْكُورَ (قَوْلُهُ: بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقِبْلَةِ) لَعَلَّ حِكْمَتَهُ أَنْ يَتَأَتَّى لَهُ الْمُبَادَرَةُ لِلْقِبْلَةِ مَعَ فَرَاغِ الْإِقَامَةِ، وَعَلَيْهِ فَمَا يَفْعَلُ الْآنَ مِنْ قُرْبِهِ مِنْهُ جِدًّا خِلَافُ الْأَوْلَى، لَكِنَّهُ ادَّعَى الْمُبَادَرَةَ إلَى الْمِحْرَابِ بَعْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَةِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَخْطُبَ عَلَى الْبَابِ) أَيْ بَابِ الْكَعْبَةِ (قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ) أَيْ لِلْخَطِيبِ وَهُوَ الْقُرْبُ مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ (قَوْلُهُ: أَوْ مُرْتَفِعٍ) وَالسُّنَّةُ فِيهِ أَنْ لَا يُبَالَغَ فِي ارْتِفَاعِهِ بِحَيْثُ يَزِيدُ عَلَى الْمَنَابِرِ الْمُعْتَادَةِ (قَوْلُهُ: وَلِمُفَارَقَتِهِ إيَّاهُمْ) أَيْ بِاشْتِغَالِهِ بِصُعُودِهِ الْمِنْبَرَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ فَارَقَ الْقَوْمَ لِشُغْلٍ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِمْ سَنَّ لَهُ السَّلَامُ وَإِنْ قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ جِدًّا (قَوْلُهُ وَلَا يُسَنُّ لَهُ تَحِيَّةٌ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّحِيَّةَ لِمَنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ أَتَاهُ، وَمِنْهُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُقْبِلَ عَلَيْهِمْ) بِوَجْهِهِ لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِأَدَبِ الْخِطَابِ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغِ لِقَبُولِ الْوَعْظِ وَتَأْثِيرِهِ وَمِنْ ثَمَّ كُرِهَ خِلَافُهُ.
نَعَمْ يَظْهَرُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي اسْتِقْبَالِهِمْ لِنَحْوِ ظَهْرِهِ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ الْمَارَّةِ، وَلِأَنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ لِذَلِكَ فِيهِ غَالِبًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الِاسْتِدَارَةِ الْمَنْدُوبَةِ لَهُمْ كَمَا مَرَّ (إذَا صَعِدَ) الدَّرَجَةَ الَّتِي تَحْتَ الْمُسْتَرَاحِ أَوْ اسْتَنَدَ إلَى مَا يُسْتَنَدُ إلَيْهِ (وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ) نَدْبًا لِلِاتِّبَاعِ وَلِإِقْبَالِهِ عَلَيْهِمْ، وَيَجِبُ رَدُّ السَّلَامِ عَلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَالسَّلَامِ فِي بَاقِي الْمَوَاضِعِ، وَيُنْدَبُ رَفْعُ صَوْتِهِ زِيَادَةً عَلَى الْوَاجِبِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْأَعْلَامِ (وَيَجْلِسُ) بَعْدَ سَلَامِهِ عَلَى الْمُسْتَرَاحِ لِيَسْتَرِيحَ مِنْ تَعَبِ الصُّعُودِ (ثُمَّ) هِيَ بِمَعْنَى الْفَاءِ الَّتِي أَفَادَتْهَا عِبَارَةُ أَصْلِهِ (يُؤَذَّنُ) بِفَتْحِ الذَّالِ فِي حَالِ جُلُوسِهِ، قَالَهُ الشَّارِحُ، وَضَبَطَهُ الدَّمِيرِيِّ بِكَسْرِهَا لِيُوَافِقَ مَا فِي الْمُحَرَّرِ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ كَوْنُ الْمُؤَذِّنِ وَاحِدًا لَا جَمَاعَةً كَمَا اسْتَحَبَّهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ: وَأُحِبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ إذَا كَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ لَا جَمَاعَةُ الْمُؤَذِّنِينَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ أَذَّنُوا جَمَاعَةً كَرِهْت ذَلِكَ، وَلَا يُفْسِدُ شَيْءٌ مِنْهُ الصَّلَاةَ لِأَنَّ الْأَذَانَ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ إلَيْهَا، وَمَا ضَبَطَهُ الشَّارِحُ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْمُؤَذِّنِ وَاحِدًا كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَمَّا مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي زَمَنِنَا مِنْ مَرَقٍ يَخْرُجُ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ يَقُولُ إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ الْآيَةَ ثُمَّ يَأْتِي بِالْحَدِيثِ فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي السُّنَّةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَمْ يُفْعَلْ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ كَانَ يُمْهِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا خَرَجَ إلَيْهِمْ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ جَاوِيشٍ يَصِيحُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَيَأْخُذُ بِلَالٌ فِي الْأَذَانِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْخُطْبَةِ لَا بِأَثَرٍ وَلَا خَبَرٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الثَّلَاثَةُ بَعْدَهُ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ، إذْ فِي قِرَاءَةِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَنْبِيهٌ وَتَرْغِيبٌ
[حاشية الشبراملسي]
يُعْلَمُ أَنَّ مَنْ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ وَأَرَادَ الْخُطْبَةَ سُنَّ لَهُ فِعْلُ رَاتِبَتِهَا قَبْلَ الصُّعُودِ.
(قَوْلُهُ: اللَّائِقُ بِأَدَبِ الْخِطَابِ) وَفِي نُسْخَةِ الْخُطَبَاءِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي اسْتِقْبَالِهِمْ) أَيْ لِأَنَّهُمْ يَسْتَدْبِرُونَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَلَا يَتَأَتَّى لِجَمِيعِهِمْ الِاسْتِقْبَالُ، بَلْ بَعْضُهُمْ يَسْتَقْبِلُ وَجْهَهُ وَبَعْضُهُمْ يَسْتَقْبِلُ ظَهْرَهُ (قَوْلُهُ: أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ الْمَارَّةِ) هِيَ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ اللَّائِقُ إلَخْ (قَوْلُهُ: إذَا صَعِدَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: وَيَجْلِسُ بَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ فَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ قَبْلَ الْجُلُوسِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ وَيَحْصُلُ لَهُ أَصْلُ السُّنَّةِ (قَوْلُهُ إلَّا مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ) أَيْ لَمْ يُؤَذِّنْ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَّا مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ فَلَا يُنَافِي أَنَّ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَذَّنُوا جَمَاعَةً كَرِهْت ذَلِكَ) قَالَ حَجّ: إلَّا لِعُذْرٍ انْتَهَى: أَيْ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ بِأَنْ اتَّسَعَ الْمَسْجِدُ جِدًّا وَلَمْ يَكْفِ الْوَاحِدُ تَعَدَّدَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي نَوَاحِي الْمَسْجِدِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَلَا يَجْتَمِعُونَ لِلْأَذَانِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْبَهْجَةِ حَيْث ُ قَالَ: وَهِيَ فُرَادَى أُدْرِجَتْ وَيُنْدَبُ ... لِمَنْ يُؤَذِّنُونَ أَنْ يُرَتَّبُوا إنْ يَتَّسِعْ لَهُمْ جَمِيعًا زَمَنٌ ... فَإِنْ يَضِقْ تَفَرَّقُوا وَأَذَّنُوا أَيْ فِي نَوَاحِي مَسْجِدٍ يَحْتَمِلُ (قَوْلُهُ ثُمَّ يَأْتِي بِالْحَدِيثِ) أَيْ السَّابِقِ فِي قَوْلِهِ إذَا قُلْت لِصَاحِبِك إلَخْ بَعْدَ الْأَذَانِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: بَلْ كَانَ بِمَهْلٍ) أَيْ إلَخْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ الْمَارَّةِ) أَيْ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَيُسَنُّ الْإِنْصَاتُ وَهِيَ مَا فِيهِ مِنْ تَوَجُّهِهِمْ لِلْقِبْلَةِ (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (قَوْلُهُ: وَيُنْدَبُ رَفْعُ صَوْتِهِ) يَعْنِي بِالْخُطْبَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ زِيَادَةً عَلَى الْوَاجِبِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَ هَذَا لِمَحَلِّهِ (قَوْلُهُ: فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ الشِّهَابُ حَجّ لَكِنَّهَا حَسَنَةٌ، وَإِلَّا فَفِي عِلْمِ كَوْنِهَا حَسَنَةً مِمَّا ذَكَرَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ
فِي الْإِتْيَانِ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ الْمَطْلُوبِ فِيهِ إكْثَارُهَا، وَفِي قِرَاءَةِ الْخَبَرِ بَعْدَ الْأَذَانِ وَقَبْلَ الْخُطْبَةِ تَيَقُّظٌ لِلْمُكَلَّفِ لِاجْتِنَابِ الْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ أَوْ الْمَكْرُوهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ عَلَى اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ هَذَا الْخَبَرَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي خُطْبَتِهِ، وَالْخَبَرُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ تَكُونَ) الْخُطْبَةُ (بَلِيغَةً) أَيْ فَصَيْحَةً جَزْلَةً لِأَنَّهُ أَوْقَعُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ الْمُبْتَذَلِ الرَّكِيكِ لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ فِي الْقُلُوبِ (مَفْهُومَةً) لَا غَرِيبَةً وَحْشِيَّةً إذْ لَا يَنْتَفِعُ أَكْثَرُ النَّاسِ بِهَا، وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَكُونُ كَلَامُهُ مُسْتَرْسِلًا مُبَيِّنًا مُعْرِبًا مِنْ غَيْرِ تَغَنٍّ وَلَا تَمْطِيطٍ، وَكَرِهَ الْمُتَوَلِّي الْكَلِمَاتِ الْمُشْتَرَكَةَ وَالْبَعِيدَةَ عَنْ الْأَفْهَامِ وَمَا يُنْكِرُهُ عُقُولُ الْحَاضِرِينَ، وَقَدْ يَحْرُمُ الْأَخِيرُ إنْ أَوْقَعَ فِي مَحْظُورٍ (قَصِيرَةً) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «أَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَأَقْصِرُوا الْخُطْبَةَ» فَتَكُونُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الطَّوِيلَةِ وَالْقَصِيرَةِ، وَلَا يُعَارِضُهُ خَبَرُهُ أَيْضًا مِنْ أَنَّ صَلَاتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا وَمِنْ أَنَّ قِصَرَهَا عَلَامَةٌ عَلَى الْفِقْهِ لِأَنَّ الْقِصَرَ وَالطُّولَ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ، فَالْمُرَادُ بِاقْتِصَارِهَا إقْصَارُهَا عَنْ الصَّلَاةِ وَبِإِطَالَةِ الصَّلَاةِ إطَالَتُهَا عَلَى الْخُطْبَةِ، فَعُلِمَ أَنَّ سَنَّ قِرَاءَةِ " ق " فِي الْأُولَى لَا يُنَافِي كَوْنَ الْخُطْبَةِ قَصِيرَةً أَوْ مُتَوَسِّطَةً.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَحَسُنَ أَنْ يَخْتَلِفَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالٍ وَأَزْمَانٍ وَأَسْبَابٍ، وَقَدْ يَقْتَضِي الْحَالُ الْإِسْهَابَ كَالْحَثِّ عَلَى الْجِهَادِ إذَا طَرَقَ الْعَدُوُّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى الْبِلَادَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْخَمْرِ وَالْفَوَاحِشِ وَالزِّنَا وَالظُّلْمِ إذَا تَتَابَعَ النَّاسُ فِيهَا وَحَسَنٌ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ: وَيَقْصِدُ إيرَادُ الْمَعْنَى الصَّحِيحَ وَاخْتِيَارَ اللَّفْظِ الْفَصِيحِ وَلَا يُطَوِّلُ إطَالَةً تُمِلُّ وَلَا يُقَصِّرُ قَصْرًا يُخِلُّ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ غَيْرُ مُنَافٍ لِمَا مَرَّ، إذْ الْإِطَالَةُ عِنْدَ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا لِعَارِضٍ لَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا أَصْلُهُ أَنْ يَكُونَ مُقْتَصِدًا.
(وَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَ) لَا (شِمَالًا) وَلَا خَلْفًا (فِي شَيْءٍ مِنْهَا) لِأَنَّهَا بِدْعَةٌ بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ إلَى فَرَاغِهَا، وَلَا يَعْبَثُ بَلْ يَخْشَعُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَوْ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ أَوْ اسْتَدْبَرَهَا الْحَاضِرُونَ أَجْزَأَ مَعَ الْكَرَاهَةِ (وَأَنْ يَعْتَمِدَ) فِي حَالِ خُطْبَتِهِ اسْتِحْبَابًا (عَلَى سَيْفٍ أَوْ عَصًا) وَنَحْوِهِ مِنْ قَوْسٍ أَوْ رُمْحٍ لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَكَّأَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا» وَحِكْمَتُهُ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ قَامَ بِالسِّلَاحِ، وَلِهَذَا قَبَضَهُ بِالْيُسْرَى عَلَى عَادَةِ مَنْ يُرِيدُ الْجِهَادَ بِهِ، وَلَيْسَ هَذَا تَنَاوُلًا حَتَّى يَكُونَ بِالْيَمِينِ بَلْ هُوَ اسْتِعْمَالٌ وَامْتِهَانٌ بِالِاتِّكَاءِ، فَكَانَتْ الْيَسَارُ بِهِ أَلْيَقُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَمَامِ الْإِشَارَةِ إلَى الْحِكْمَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَشْغَلُ يَمِينَهُ بِالْمِنْبَرِ إنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ نَجَاسَةٌ كَذَرْقٍ طَيْرٍ لَا يُعْفِي عَنْهُ وَهِيَ مُلَاقِيَةٌ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ جَعَلَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى تَحْتَ صَدْرِهِ أَوْ أَرْسَلَهُمَا، وَالْغَرَضُ أَنْ يَخْشَعَ وَلَا يَعْبَثَ بِهِمَا كَمَا مَرَّ، وَلَوْ أَمْكَنَهُ شُغْلُ الْيُمْنَى بِحَرْفِ الْمِنْبَرِ وَإِرْسَالِ
[حاشية الشبراملسي]
يُؤَخِّرُ الْخُرُوجَ (قَوْلُهُ يَقُولُ هَذَا الْخَبَرَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي خُطْبَتِهِ) لَمْ يَقُلْ فِي افْتِتَاحِ خُطْبَتِهِ فَأَشْعَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ كَيْفَ اتَّفَقَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصِهِ بِمَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ، وَلَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُهُ فِي ابْتِدَاءِ الْخُطْبَةِ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ.
(قَوْلُهُ: يَكُونُ كَلَامُهُ) أَيْ يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ إلَخْ، وَقَوْلُهُ مُعْرِبًا: أَيْ وَاضِحًا (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَغَنٍّ وَلَا تَمْطِيطٍ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: وَأَقْصِرُوا الْخُطْبَةَ) بِضَمِّ الصَّادِ مَحَلِّيُّ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَقَضِيَّةُ تَعْبِيرِ الشَّارِحِ الْآتِي بِالْإِقْصَارِ كَسْرُ الصَّادِ وَفَتْحُ الْهَمْزَةِ، وَيَكُونُ مَأْخُوذًا مِنْ أَقَصَرَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ ضَمَّ الصَّادِ هِيَ الرِّوَايَةُ مِنْ قَصَرَ وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنَّ أَقْصَرَ لُغَةٌ، ثُمَّ رَأَيْت فِي الْمِصْبَاحِ أَنَّ قَصُرَ هُوَ الْكَثِيرُ، وَأَنَّ تَعْدِيَتَهُ بِالْهَمْزِ أَوْ التَّضْعِيفِ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وَعَلَيْهِ فَيَجُوزُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ ضَمُّ الصَّادِ مُخَفَّفَةً مِنْ قَصُرَ وَكَسْرُهَا مَعَ فَتْحِ الْهَمْزِ مَعَ أَقْصَرَ وَكَسْرُهَا مُشَدَّدَةً مِنْ قَصَّرَ (قَوْلُهُ: الْإِسْهَابَ) أَيْ التَّطْوِيلَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَصَا) أَيْ تَارَةً عَلَى هَذَا وَتَارَةً عَلَى هَذَا (قَوْلُهُ: أَوْ أَرْسَلَهُمَا)
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَالْغَرَضُ أَنْ يَخْشَعَ إلَخْ) أَيْ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدَانِهِ لِمَا مَرَّ فَلَا يُنَافِي الْحِكْمَةَ الْمَارَّةَ
الْأُخْرَى فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَيُكْرَهُ لَهُ وَلَهُمْ الشُّرْبُ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ، فَإِنْ حَصَلَ فَلَا، وَإِنْ لَمْ يَشْتَدَّ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا.
وَيُكْرَه مَا ابْتَدَعَهُ جَهَلَةُ الْخُطَبَاءِ مِنْ الْإِشَارَةِ بِيَدٍ أَوْ غَيْرِهَا وَالِالْتِفَاتِ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ وَدَقِّ الدَّرَجَةِ فِي صُعُودِهِ بِنَحْوِ سَيْفٍ أَوْ رِجْلِهِ، وَالدُّعَاءِ إذَا انْتَهَى إلَى الْمُسْتَرَاحِ قَبْلَ جُلُوسِهِ عَلَيْهِ وَقَوْلُ الْبَيْضَاوِيِّ: يَقِفُ فِي كُلِّ مِرْقَاةٍ وَقْفَةً خَفِيفَةً يَسْأَلُ الْمَعُونَةَ وَالتَّسْدِيدَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ، وَمُبَالَغَتُهُ لِلْإِسْرَاعِ فِي الثَّانِيَةِ وَخَفْضُ الصَّوْتِ بِهَا وَالِاحْتِبَاءُ حَالَ الْخُطْبَةِ لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْهُ وَلِجَلْبِهِ النَّوْمَ، وَيُسَنُّ أَنْ يَخْتِمَ الثَّانِيَةَ بِقَوْلِهِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، وَمِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ كَمَا قَالَهُ الْقَمُولِيُّ كَابْنِ النَّحَّاسِ وَغَيْرِهِ كَتْبُ كَثِيرٍ أَوْرَاقًا يُسَمُّونَهَا حَفَائِظَ آخِرِ جُمُعَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ حَالَ الْخُطْبَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ الِاسْتِمَاعِ وَكِتَابَةِ مَا لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ، وَقَدْ يَكُونُ دَالًّا عَلَى مَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَمِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ مِنْ بَلْدَتِنَا أَنْ يُمْسِكَ الْخَطِيبُ حَالَ خُطْبَتِهِ حَرْفَ الْمِنْبَرِ وَيَكُونُ فِي جَانِبِ ذَلِكَ الْمِنْبَرِ عَاجٌ غَيْرُ مُلَاقٍ لَهُ، وَقَدْ أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِصِحَّةِ خُطْبَتِهِ، كَمَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى عَلَى سَرِيرٍ قَوَائِمُهُ فِي نَجَسٍ أَوْ عَلَى حَصِيرٍ مَفْرُوشٍ عَلَى نَجَسٍ أَوْ بِيَدِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ فِي سَفِينَةٍ فِيهَا نَجَاسَةٌ وَهِيَ كَبِيرَةٌ لَا تَنْجَرُّ بِجَرِّهِ لِأَنَّهَا كَالدَّارِ، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً تَنْجَرُّ بِجَرِّهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَصُورَةُ مَسْأَلَةِ السَّفِينَةِ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ أَنْ تَكُونَ فِي الْبَحْرِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي الْبَرِّ لَمْ تَبْطُلْ قِطَعًا صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً انْتَهَى.
وَإِنَّمَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْقَابِضِ طَرَفَ شَيْءٍ عَلَى نَجَسٍ وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ لِحَمْلِهِ مَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِنَجَسٍ، وَلَا يُتَخَيَّلُ فِي مَسْأَلَتِنَا أَنَّهُ حَامِلٌ لِلْمِنْبَرِ.
(وَأَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْخُطْبَتَيْنِ (نَحْوَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ) تَقْرِيبًا (وَإِذَا فَرَغَ) مِنْ الْخُطْبَةِ (شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ وَبَادَرَ الْإِمَامُ) نَدْبًا (لِيَبْلُغَ الْمِحْرَابَ مَعَ فَرَاغِهِ) مِنْ الْإِقَامَةِ مُبَالَغَةً فِي تَحَقُّقِ الْمُوَالَاةِ وَتَخْفِيفًا عَلَى الْحَاضِرِينَ.
وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِمَامُ غَيْرَ الْخَطِيبِ وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ الْمِحْرَابِ أَوْ بَطِيءُ النَّهْضَةِ سُنَّ لَهُ الْقِيَامُ بِقَدْرٍ يَبْلُغُ بِهِ الْمِحْرَابَ، وَإِنْ فَاتَتْهُ سُنَّةُ تَأَخُّرِ الْقِيَامِ إلَى فَرَاغِ الْإِقَامَةِ (وَيَقْرَأُ) نَدْبًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى الْجُمُعَةَ وَ) فِي (الثَّانِيَةِ الْمُنَافِقِينَ) بِكَمَالِهِمَا أَوْ سَبِّحْ وَهَلْ أَتَاك،
[حاشية الشبراملسي]
وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْأُولَى أَوْلَى لِلْأَمْرِ بِهَا فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ يُشْعِرُ بِهِ التَّقْدِيمُ (قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ لَهُ) أَيْ حَالَ الْخُطْبَةِ (قَوْلُهُ: يَقِفُ فِي كُلِّ مِرْقَاةٍ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الْمِرْقَاةُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ: الدَّرَجَةُ، فَمَنْ كَسَرَ شَبَّهَهَا بِالْآلَةِ الَّتِي يَعْمَلُ بِهَا، وَمَنْ فَتَحَ جَعَلَهَا مَوْضِعَ الْفِعْلِ (قَوْلُهُ: غَرِيبٌ ضَعِيفٌ) أَيْ فَلَا يُسَنُّ، بَلْ قَدْ يَقْضِي كَلَامُهُ كَرَاهَةَ ذَلِكَ فَيُطْلَبُ مِنْهُ الصُّعُودُ مُسْتَرْسِلًا فِي مَشْيِهِ عَلَى الْعَادَةِ.
وَعِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ: وَيَصْعَدُ بِتُؤَدَةٍ وَرِفْقٍ كَمَا فِي التَّبْصِرَةِ، وَمِثْلُهُ فِي سم عَلَى مَنْهَجٍ نَقْلًا عَنْ الْعُبَابِ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ: بِقَوْلِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ) أَيْ وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ مَا يَقَعُ مِنْ بَعْضِ جَهَلَةِ الْخُطَبَاءِ مِنْ تَكْرِيرِهَا ثَلَاثًا لَا أَصْلَ لَهُ (قَوْلُهُ: وَكِتَابَةُ مَا لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ) قَالَ حَجّ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: أَيْ وَقَدْ جَزَمَ أَئِمَّتُنَا وَغَيْرُهُمْ بِحُرْمَةِ كِتَابَةِ وَقِرَاءَةِ الْكَلِمَاتِ الْأَعْجَمِيَّةِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهَا (قَوْلُهُ: وَقَدْ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِصِحَّةِ خُطْبَتِهِ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَنْجَرَّ بِجَرِّهِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ الْآتِي.
(قَوْلُهُ: وَفِي الثَّانِيَةِ الْمُنَافِقِينَ) قَالَ حَجّ: فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ: أَيْ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَسُنَّتْ لَهُ السُّورَةُ فَقَرَأَ الْمُنَافِقِينَ فِيهَا: أَيْ الْأُولَى احْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ: وَيَقْرَأُ الْجُمُعَةَ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا شَمَلَهُ كَلَامُهُمْ، وَأَنْ يُقَالَ: يَقْرَأُ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ السُّورَةَ لَيْسَتْ مُتَأَصِّلَةً فِي حَقِّهِ انْتَهَى.
وَالْأَقْرَبُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ إذَا قَرَأَ الْمُنَافِقِينَ فِي الثَّانِيَةِ خَلَتْ صَلَاتُهُ مِنْ الْجُمُعَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَرَأَ الْجُمُعَةَ فَإِنَّ صَلَاتَهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَكِتَابَةُ مَا لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى الِاشْتِغَالِ.
وَلَوْ صَلَّى بِغَيْرِ مَحْصُورِينَ لِلِاتِّبَاعِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِيهِمَا.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ بِهَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَهَاتَيْنِ فِي آخَرَ» . فَالصَّوَابُ أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ لَا قَوْلَانِ كَمَا أَفْهَمَهُ الرَّافِعِيُّ انْتَهَى.
وَقِرَاءَةُ الْأُولَيَيْنِ أَوْلَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، فَإِنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ أَوْ سَبِّحْ فِي الْأُولَى عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا قَرَأَهَا مَعَ الْمُنَافِقِينَ أَوْ هَلْ أَتَاك فِي الثَّانِيَةِ لِتَأَكُّدِ أَمْرِ السُّورَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ إمَامًا لِغَيْرِ مَحْصُورِينَ، وَلَوْ قَرَأَ بِالْمُنَافِقِينَ فِي الْأُولَى قَرَأَ بِالْجُمُعَةِ فِي الثَّانِيَةِ وَقِرَاءَةُ بَعْضٍ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ قَدْرِهِ مِنْ غَيْرِهِمَا، إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مُشْتَمِلًا عَلَى ثَنَاءٍ كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَحُكْمُ سَبِّحْ وَالْغَاشِيَةِ مَا تَقَرَّرَ فِي الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ وَيُسَنُّ كَوْنُ الْقِرَاءَةِ فِي الْجُمُعَةِ (جَهْرًا) بِالْإِجْمَاعِ وَهَذِهِ مِنْ زِيَادَةِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُحَرَّرِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ، وَيُسَنُّ لِلْمَسْبُوقِ الْجَهْرُ فِي ثَانِيَتِهِ كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْبَحْرِ عَنْ النَّصِّ.
فَصْلٌ فِي الْأَغْسَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا وَمَا يُذْكَرُ مَعَهَا (يُسَنُّ الْغُسْلُ لِحَاضِرِهَا) أَيْ لِمُرِيدِ حُضُورِهَا وَإِنْ لَمْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ لِخَبَرِ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» وَخَبَرُ الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُسْلٌ» (وَقِيلَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (لِكُلِّ أَحَدٍ) كَالْعِيدِ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ الْحُضُورُ، وَيُفَارِقُ الْعِيدَ عَلَى الْأَوَّلِ حَيْثُ كَانَ غُسْلُهُ لِلْيَوْمِ فَلَمْ يَخْتَصَّ بِمَنْ يَحْضُرُ بِأَنَّ غُسْلَهُ لِلزِّينَةِ وَإِظْهَارِ السُّرُورِ وَهَذَا لِلتَّنْظِيفِ وَدَفْعِ الْأَذَى عَنْ النَّاسِ، وَمِثْلُهُ يَأْتِي فِي التَّزْيِينِ.
وَيُكْرَهُ
[حاشية الشبراملسي]
اشْتَمَلَتْ عَلَى الصُّورَتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا الْأَصْلِيِّ، وَأَمَّا لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الثَّانِيَةِ وَسَمِعَ قِرَاءَتَهُ قَالَ سم عَلَى حَجّ: فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنْ يَقْرَأَ الْمَأْمُومُ فِي ثَانِيَتِهِ الْجُمُعَةَ، لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ قِرَاءَةُ الْمَأْمُومِ، فَكَأَنَّ الْمَأْمُومَ قَرَأَ الْمُنَافِقِينَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَوَّلَ صَلَاتِهِ فَيَقْرَأُ الْجُمُعَةَ الثَّانِيَةَ لِئَلَّا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ مِنْهَا انْتَهَى.
وَلَوْ قِيلَ فِي هَذِهِ يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ فِي ثَانِيَتِهِ الْمُنَافِقِينَ لَمْ يَبْعُدْ، لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِي سَمِعَهَا الْمَأْمُومُ لَيْسَتْ قِرَاءَةً حَقِيقَةً لِلْمَأْمُومِ، بَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ فَيَحْمِلُ الْقِرَاءَةَ عَنْهُ: فَكَأَنَّهُ قَرَأَ مَا طُلِبَ مِنْهُ فِي الْأُولَى أَصَالَةً وَهُوَ الْجُمُعَةُ، وَبَقِيَ مَا لَوْ قَرَأَ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ وَالْمُنَافِقِينَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي الثَّانِيَةِ سَبِّحْ وَهَلْ أَتَاك لِأَنَّهُمَا طُلِبَا فِي الْجُمُعَةِ فِي حَدِّ ذَاتِهِمَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ صَلَّى بِغَيْرِ مَحْصُورِينَ) عُمُومُهُ شَامِلٌ لِمَا لَوْ تَضَرَّرُوا أَوْ بَعْضُهُمْ لِحَصْرِ بَوْلٍ مَثَلًا، وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى مُفَارَقَةِ الْقَوْمِ لَهُ وَصَيْرُورَتِهِ مُنْفَرِدًا (قَوْلُهُ: أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ قَدْرِهِ مِنْ غَيْرِهِمَا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ سُورَةً كَامِلَةً، لَكِنْ تَقَدَّمَ لَهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ أَنَّ قِرَاءَةَ سُورَةٍ كَامِلَةٍ أَفْضَلُ مِنْ قَدْرِهَا مِنْ طَوِيلَةٍ فَلْيُرَاجَعْ، وَيُحْتَمَلُ تَخْصِيصُ أَفْضَلِيَّةِ السُّورَةِ بِالنِّسْبَةِ لِقَدْرِهَا بِمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ طَلَبُ السُّورَةِ الْكَامِلَةِ الَّتِي قَرَأَ بَعْضَهَا.
[فَائِدَةٌ] وَرَدَ " أَنَّ مَنْ قَرَأَ عَقِبَ سَلَامِهِ مِنْ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَثْنِيَ رِجْلَهُ الْفَاتِحَةَ وَالْإِخْلَاصَ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ سَبْعًا سَبْعًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ " وَأُعْطَى مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ " وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ السُّنِّيِّ أَنَّ ذَلِكَ بِإِسْقَاطِ الْفَاتِحَةِ يُعِيذُ مِنْ السُّوءِ إلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى.
وَفِي رِوَايَةٍ بِزِيَادَةٍ وَقَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ حُفِظَ لَهُ دِينُهُ وَدُنْيَاهُ وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ اهـ حَجّ.
وَقَوْلُهُ وَقَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ: أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ اشْتِغَالُهُ بِالْقِرَاءَةِ عُذْرًا فِي عَدَمِ رَدِّ السَّلَامِ فِيمَا يَظْهَرُ، عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّ الرَّدَّ لَا يُفَوِّتُ ذَلِكَ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَهَذِهِ مِنْ زِيَادَةِ الْكِتَابِ) أَيْ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ تَتَبُّعِ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ كَلِمَةً أَوْ نَحْوَهَا لَا يُنَبَّهُ عَلَيْهَا.
.
[فَصْلٌ فِي الْأَغْسَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا وَمَا يُذْكَرُ مَعَهَا]
فَصْلٌ فِي الْأَغْسَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ يَأْتِي فِي التَّزْيِينِ) أَيْ فَيُقَالُ يَخْتَصُّ هُنَا بِمُرِيدِ الْحُضُورِ بِخِلَافِهِ فِي الْعِيدِ
[حاشية الرشيدي]
فَصْلٌ فِي الْأَغْسَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا
تَرْكُ الْغُسْلِ لِأَخْبَارِ الصَّحِيحَيْنِ «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ» أَيْ مُتَأَكِّدٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ «وَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا» زَادَ النَّسَائِيّ (وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ) وَصَرَفَهَا عَنْ الْوُجُوبِ خَبَرُ «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَخَبَرُ مُسْلِمٍ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَدَنَا وَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» وَضَابِطُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ كَمَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ مَا شُرِعَ بِسَبَبٍ مَاضٍ كَانَ وَاجِبًا كَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْمَوْتِ، وَمَا شُرِعَ لِمَعْنًى فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ مُسْتَحَبًّا كَأَغْسَالِ الْحَجِّ، وَاسْتَثْنَى الْحَلِيمِيُّ مِنْ الْأَوَّلِ الْغُسْلَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكَذَا الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْإِسْلَامُ.
(وَوَقْتُهُ مِنْ الْفَجْرِ) الصَّادِقِ فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَهُ، لِأَنَّ الْأَخْبَارَ عَلَّقَتْهُ بِالْيَوْمِ، وَيُفَارِقُ غُسْلَ الْعِيدِ حَيْثُ يُجْزِئُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِبَقَاءِ أَثَرِهِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ لِقُرْبِ الزَّمَنِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْفَجْرِ لَضَاقَ الْوَقْتُ وَتَأَخَّرَ عَنْ التَّبْكِيرِ إلَى الصَّلَاةِ.
(وَتَقْرِيبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ) إلَى الْجُمُعَةِ (أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ أَفْضَى إلَى الْغَرَضِ مِنْ التَّنْظِيفِ، وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الْأَقْرَبُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِجَسَدِهِ عَرَقٌ كَثِيرٌ وَرِيحٌ كَرِيهٌ أَخَّرَ وَإِلَّا بَكَّرَ، وَلَوْ تَعَارَضَ هُوَ وَالتَّبْكِيرُ قُدِّمَ كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ، لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهِ وَلِتَعِدِي أَثَرِهِ إلَى الْغَيْرِ بِخِلَافِ التَّبْكِيرِ، وَلَا يُبْطِلُهُ حَدَثٌ وَلَا جَنَابَةٌ.
(فَإِنْ) (عَجَزَ) مِنْ الْمَاءِ حِسًّا أَوْ شَرْعًا (تَيَمَّمَ فِي الْأَصَحِّ)
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَأَنْصَتَ) عَطْفٌ مُغَايَرٌ (قَوْلُهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى) زَادَ عَنْ مُسْلِمٍ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
(قَوْلُهُ: وَوَقْتُهُ مِنْ الْفَجْرِ) وَيَخْرُجُ بِفَوَاتِ الْجُمُعَةِ وَقِيلَ وَقْتُهُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ كَالْعِيدِ انْتَهَى خَطِيبٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إلَخْ) أَخَّرَهُ حَجّ عَمَّا بَعْدَهُ وَهُوَ أَوْلَى، وَعِبَارَتُهُ وَلَوْ تَعَارَضَ مَعَ التَّبْكِيرِ قَدَّمَهُ حَيْثُ أَمِنَ الْفَوَاتَ عَلَى الْأَوْجَهِ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ وَمِنْ ثَمَّ كُرِهَ تَرْكُهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ تَعَارَضَ هُوَ) أَيْ الْغُسْلُ (قَوْلُهُ: قُدِّمَ) أَيْ الْغُسْلُ وَمِثْلُهُ بَدَلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ، فَإِذَا تَعَارَضَ التَّبْكِيرُ وَالتَّيَمُّمُ قَدَّمَ التَّيَمُّمَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَدَنِ أَنْ يُعْطَى حُكْمَ الْمُبْدَلِ مِنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا قُدِّمَ لِأَنَّهُ قِيلَ بِوُجُوبِهِ، وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَفِي سَنِّهِ خِلَافٌ فَضْلًا عَنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى سَنِّهِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُبْطِلُهُ حَدَثٌ وَلَا جَنَابَةٌ) عِبَارَةُ الْعُبَابِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: لَكِنْ يُسَنُّ إعَادَتُهُ انْتَهَى.
قَالَ سم عَلَى حَجّ: وَظَاهِرُهُ سَنُّ إعَادَتِهِ فِيهِمَا، لَكِنَّ عِبَارَةَ الْمَجْمُوعِ مُصَرِّحَةٌ بِعَدَمِ اسْتِحْبَابِهِ لِلْحَدَثِ بَلْ مُحْتَمِلَةٌ لِعَدَمِ اسْتِحْبَابِهِ أَيْضًا كَمَا بَيَّنَهُ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ كَمَا بَيَّنَ، بَلْ الْقِيَاسُ حُرْمَتُهُ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بِلَا سَبَبٍ، فَهِيَ فَاسِدَةٌ فَتَحْرُمُ كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِنِيَّتِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ الْغَرَضُ مِنْ الْغُسْلِ التَّنْظِيفَ وَوَقْتُهُ بَاقٍ لَمْ يَحْرُمْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ عَجَزَ تَيَمَّمَ فِي الْأَصَحِّ) قَالَ حَجّ: وَلَوْ وَجَدَ مَاءً يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَأْتِي هُنَا مَا يَجِيءُ فِي غُسْلِ الْإِحْرَامِ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي يَأْتِي لَهُ فِي الْإِحْرَامِ نَصُّهُ، وَلَوْ وَجَدَ بَعْضَ مَاءٍ يَكْفِيهِ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِبَدَنِهِ تَغَيُّرٌ أَزَالَهُ بِهِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَفَى الْوُضُوءُ تَوَضَّأَ بِهِ وَإِلَّا غَسَلَ بِهِ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ.
وَحِينَئِذٍ إنْ نَوَى الْوُضُوءَ تَيَمَّمَ عَنْ بَاقِيهِ غَيْرَ تَيَمُّمِ الْغُسْلِ وَإِلَّا كَفَى تَيَمُّمُ الْغُسْلِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ غَسَلَ بِهِ أَعَالِيَ بَدَنِهِ انْتَهَى، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْوُضُوءِ الْمَسْنُونِ، فَلَا يُقَالُ: قَضِيَّةُ قَوْلِهِ إنْ كَانَ بِبَدَنِهِ تَغَيُّرٌ أَزَالَهُ تَقْدِيمُ ذَلِكَ عَلَى الْوُضُوءِ الْوَاجِبِ وَلَيْسَ مُرَادًا، وَهَلْ يُكْرَهُ تَرْكُ التَّيَمُّمِ إعْطَاءً لَهُ حُكْمَ مُبْدَلِهِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ أَوْ لَا لِفَوَاتِ الْغَرَضِ الْأَصْلِيِّ فِيهِ مِنْ النَّظَافَةِ؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ انْتَهَى حَجّ.
أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ الْكَرَاهَةُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَدَلِ أَنْ يُعْطَى حُكْمَ مُبْدَلِهِ إلَّا لِمَانِعٍ وَلَمْ يُوجَدُ، وَمُجَرَّدُ كَوْنِ الْغُسْلِ فِيهِ نَظَافَةٌ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِأَخْبَارِ الصَّحِيحَيْنِ غُسْلُ الْجُمُعَةِ إلَخْ) فِي شَرْحِ الرَّوْضِ مِثْلُ هَذَا التَّعْبِيرِ، لَكِنَّهُ سَاقَ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورِينَ وَخَبَرَ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» الْمُتَقَدِّمَ.
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَ بِجَسَدِهِ عَرَقٌ كَثِيرٌ إلَخْ) يَعْنِي
بِنِيَّتِهِ بَدَلًا عَنْ الْغُسْلِ، أَوْ بِنِيَّةِ طُهْرِ الْجُمُعَةِ فِيمَا يَظْهَرُ إحْرَازًا لِلْفَضِيلَةِ كَسَائِرِ الْأَغْسَالِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا يَتَيَمَّمُ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ الْغُسْلِ التَّنْظِيفُ وَقَطْعُ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ وَالتَّيَمُّمُ لَا يُفِيدُهُ.
(وَ) (مِنْ الْمَسْنُونِ غُسْلُ الْعِيدِ) الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ (وَالْكُسُوفِ) لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ (وَالِاسْتِسْقَاءِ) لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لِذَلِكَ كَالْجُمُعَةِ وَسَتَأْتِي أَوْقَاتُهَا فِي أَبْوَابِهَا.
(وَ) الْغُسْلُ (لِغَاسِلِ الْمَيِّتِ) سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَيِّتُ مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْغَاسِلُ جُنُبًا أَمْ حَائِضًا، كَمَا يُسَنُّ الْوُضُوءُ مِنْ حَمْلِهِ لِعُمُومِ خَبَرِ «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لِخَبَرِ «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غُسْلِ مَيِّتِكُمْ
[حاشية الشبراملسي]
لَا يَكْفِي، إذْ لَوْ نَظَرَ إلَيْهِ لَمَا طَلَبَ التَّيَمُّمَ، وَفِي حَجّ: وَلَوْ فَقَدَ الْمَاءَ بِالْكُلِّيَّةِ سُنَّ لَهُ بَعْدَ أَنْ يَتَيَمَّمَ عَنْ حَدَثِهِ تَيَمُّمٌ عَنْ الْغُسْلِ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى تَيَمُّمٍ بِنِيَّتِهِمَا فَقِيَاسُ مَا مَرَّ آخِرَ الْغُسْلِ حُصُولُهُمَا، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ لِضَعْفِ التَّيَمُّمِ انْتَهَى.
وَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ وَهُوَ قَرِيبٌ.
وَنُقِلَ عَنْ إفْتَاءِ م ر.
[فَائِدَةٌ] سُئِلَ السُّبْكِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هَلْ تُقْضَى الْأَغْسَالُ الْمَسْنُونَةُ؟ فَقَالَ: لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا، وَالظَّاهِرُ لَا لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ لِلْوَقْتِ فَقَدْ فَاتَ أَوْ لِلسَّبَبِ فَقَدْ زَالَ اهـ. وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي غُسْلِ الْكُسُوفِ وَنَحْوِهِ، أَمَّا غُسْلُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ وَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ فَلَا يَظْهَرُ فِيهَا الْفَوَاتُ بَلْ الظَّاهِرُ طَلَبُ الْغُسْلِ فِيهَا وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ خُصُوصًا وَسَبَبُ الْغُسْلِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ احْتِمَالُ الْإِنْزَالِ.
نَعَمْ إنْ عَرَضَتْ لَهُ جَنَابَةٌ بَعْدَ نَحْوِ الْجُنُونِ فَاغْتَسَلَ عَنْهَا احْتَمَلَ فَوَاتُهُ وَانْدِرَاجُهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ (قَوْلُهُ بِنِيَّتِهِ) أَيْ التَّيَمُّمِ بَدَلًا عَنْ الْغُسْلِ إلَخْ (قَوْلُهُ أَوْ بِنِيَّةِ طُهْرِ الْجُمُعَةِ) أَيْ بِأَنْ يَقُولَ: نَوَيْت التَّيَمُّمَ لِطُهْرِ الْجُمُعَةِ، وَلَا يَكْفِي أَنْ يَقْصِرَ عَلَى نِيَّةِ الطُّهْرِ بِدُونِ ذِكْرِ التَّيَمُّمِ.
(قَوْلُهُ وَالِاسْتِسْقَاءِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ فَعَلْت الثَّلَاثَةَ فُرَادَى وَإِنْ أَشْعَرَ التَّعْلِيلُ بِخِلَافِهِ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لِذَلِكَ) قَضِيَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ اخْتِصَاصُ الْغُسْلِ بِالْمُصَلِّي جَمَاعَةً، وَقَضِيَّةُ الْمَتْنِ أَنَّهُ لَا فَرْقً بَيْنَ ذَلِكَ وَمَنْ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُهُ لَا فَرْقَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(قَوْلُهُ: وَالْغُسْلُ لِغَاسِلِ الْمَيِّتِ) أَيْ أَوْ تَيَمُّمُهُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ: أَيْ وَلَوْ شَهِيدًا وَإِنْ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا.
وَنُقِلَ فِي الدَّرْسِ عَنْ النَّاصِرِ الطَّبَلَاوِيِّ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ مَا يُصَرِّحُ بِطَلَبِ التَّيَمُّمِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَعِبَارَتُهُ: تَنْبِيهٌ: تَعْبِيرُهُ بِغُسْلِ مَيِّتٍ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَلَوْ يَمَّمَ الْمَيِّتَ لِعَجْزِهِ عَنْ غُسْله وَلَوْ شَرْعًا سُنَّ لِلْفَاعِلِ الْغُسْلُ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا فَلْيَتَيَمَّمْ أَيْضًا كَمَا فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهِ اهـ. وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْغَاسِلُ وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا حَيْثُ بَاشَرُوا كُلُّهُمْ الْغُسْلَ، بِخِلَافِ الْمُعَاوِنِينَ بِمُنَاوَلَةِ الْمَاءِ أَوْ نَحْوِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ يُبَاشِرَ كُلٌّ مِنْهُمْ جَمِيعَ بَدَنِهِ أَوْ بَعْضَهُ كَيَدِهِ مَثَلًا، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَوْجُودُ مِنْهُ إلَّا الْعُضْوَ الْمَذْكُورَ فَقَطْ وَغَسَّلُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ.
قَالَ حَجّ: وَصَحَّحَ جَمْعٌ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ الْجَنَابَةِ، وَيَوْمِ الْجُمُعَةَ، وَمِنْ الْحِجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ» وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلَهُ: وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَسَّلَ الْمَيِّتَ اهـ (قَوْلُهُ وَمَنْ حَمَلَهُ) هَذَا لَا يُلَاقِي مَا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ كَمَا يُسَنُّ الْوُضُوءُ مِنْ حَمْلِهِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا انْتَهَى حَمْلُهُ لَا يُسَنُّ الْوُضُوءُ بَعْدَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: وَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِمَسِّهِ، وَكَذَا لِحَمْلِهِ عَلَى مَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ شَرْحِ الرَّوْضِ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَقِيسَ بِالْحَمْلِ الْمَسُّ اهـ. وَالْمُتَبَادَرُ مِنْهَا أَنَّ الْوُضُوءَ بَعْدَ الْحَمْلِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى حَجّ مَا نَصُّهُ: وَهَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْوُضُوءَ بَعْدَ الْحَمْلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَوْ قَبْلَهُ وَالْمَعْنَى مَنْ أَرَادَ حَمْلَهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُرَاجَعْ.
وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ: وَالْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ سُنَّةٌ كَالْوُضُوءِ مِنْ
[حاشية الرشيدي]
إنْ كَانَ جَسَدُهُ يَجْلِبُ الْأَعْرَاقَ وَالْأَوْسَاخَ كَثِيرًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(قَوْلُهُ: كَمَا يُسَنُّ الْوُضُوءُ مِنْ حَمْلِهِ) مِنْ فِيهِ تَعْلِيلِيَّةٌ لِيُلَاقِيَ مَا سَيَأْتِي لَهُ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ الْمُقْتَضِي أَنَّ الْوُضُوءَ لِلْحَمْلِ لَا مِنْ الْحَمْلِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: كَمَا يُسَنُّ الْوُضُوءُ لِمَنْ
غُسْلٌ إذَا غَسَّلْتُمُوهُ» وَقِيسَ بِالْغُسْلِ الْوُضُوءُ.
.
وَقَوْلُهُ وَمَنْ حَمَلَهُ: أَيْ أَرَادَ حَمْلَهُ لِيَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ (وَ) غُسْلُ (الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا أَفَاقَا) أَيْ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُمَا إنْزَالٌ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُوجِبُهُ لِلِاتِّبَاعِ فِي الْإِغْمَاءِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَفِي مَعْنَاهُ الْجُنُونُ بَلْ أَوْلَى لِمَا قِيلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَلَّ مَنْ جُنَّ إلَّا وَأَنْزَلَ.
لَا يُقَالُ: لِمَ لَمْ يَجِبْ كَمَا يَجِبُ الْوُضُوءُ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا عَلَامَةَ ثَمَّ عَلَى خُرُوجِ الرِّيحِ، بِخِلَافِ الْمَنِيِّ لِمُشَاهَدَتِهِ، وَيَنْوِي هُنَا رَفْعَ الْجَنَابَةِ لِأَنَّ غُسْلَهُ لِاحْتِمَالِهَا كَمَا تَقَرَّرَ، وَيُجْزِئُهُ بِفَرْضِ وُجُودِهَا إذَا لَمْ يَبْنِ الْحَالُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي وُضُوءِ الِاحْتِيَاطِ، وَشَمَلَ كَلَامُهُمْ الْغُسْلَ مِنْ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ غَيْرَ الْبَالِغِ أَيْضًا عَمَلًا بِعُمُومِ الْخَبَرِ.
(وَ) الْغُسْلُ (لِلْكَافِرِ) بَعْدَ إسْلَامِهِ (إذَا أَسْلَمَ) وَلَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ نَحْوُ جَنَابَةٍ وَيُسَنُّ غُسْلُهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَأَنْ يُحْلَقَ رَأْسُهُ قَبْلَ غُسْلِهِ، وَوَقْتُ غُسْلِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَمَا مَرَّ وَمَا فِي خَبَرِ ثُمَامَةِ مِمَّا يُخَالِفُهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَ ثُمَّ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَظْهَرَ إسْلَامَهُ بِقَرِينَةِ رِوَايَةٍ أُخْرَى، أَمَّا إذَا سَبَقَ مِنْهُ نَحْوُ جَنَابَةٍ فَيَجِبُ غُسْلُهُ وَإِنْ اغْتَسَلَ فِي الْكُفْرِ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ مِنْهُ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ عَدَمَ الْفَرْقِ هُنَا فِي اسْتِحْبَابِ الْحَلْقِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَحَلَّ نَدْبِهِ لِلذَّكَرِ الْمُحَقَّقِ وَأَنَّ السُّنَّةَ لِلْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى التَّقْصِيرُ كَالْحَجِّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ إزَالَةُ شَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْوَاجِبَ إزَالَةُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فَقَطْ وَهُنَا جَمِيعُ مَا نَبَتَ فِي الْكُفْرِ
[حاشية الشبراملسي]
مَسِّهِ انْتَهَى.
وَفِي شَرْحِهِ فِي قَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ: وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ وَقِيسَ بِالْحَمْلِ الْمَسُّ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ وَقِيسَ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّ الْوُضُوءَ بَعْدَ الْحَمْلِ كَمَا أَنَّهُ بَعْدَ الْمَسِّ لَا قَبْلَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَفِي شَرْحِ م ر: وَمَنْ حَمَلَهُ: أَيْ أَرَادَ حَمْلَهُ انْتَهَى فَلْيُرَاجَعْ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ فَلْيَغْتَسِلْ أَنَّ الِاغْتِسَالَ بَعْدَ تَغْسِيلِ الْمَيِّتِ.
.
(قَوْلُهُ: إذَا أَفَاقَا) وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِالْمُغْمَى عَلَيْهِ السَّكْرَانُ فَيَنْدُبُ لَهُ الْغُسْلُ إذَا أَفَاقَ، بَلْ قَدْ يَدَّعِي دُخُولَهُ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ مَجَازًا (قَوْلُهُ وَيَنْوِي هُنَا رَفْعَ الْجَنَابَةِ) أَيْ فِي الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ (قَوْلُهُ: وَيُجْزِئُهُ) أَيْ الْغُسْلُ، وَقَوْلُهُ بِفَرْضِ وُجُودِهَا: أَيْ الْجَنَابَةِ (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَبِنْ الْحَالُ) أَيْ وَهَلْ يَرْتَفِعُ بِهِ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ أَوْ لَا لِأَنَّ غُسْلَهُ لِلِاحْتِيَاطِ وَالْحَدَثُ الْأَصْغَرُ مُحَقَّقٌ فَلَا يَرْتَفِعُ بِالْمَشْكُوكِ فِيهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِمَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: وَشَمَلَ كَلَامُهُمْ الْغُسْلَ مِنْ الْجُنُونِ) وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَنْوِي حِينَئِذٍ رَفْعَ الْجَنَابَةِ وَإِنْ قَطَعَ بِانْتِفَائِهَا مِنْهُ لِكَوْنِهِ ابْنَ ثَمَانٍ مِنْ السِّنِينَ مَثَلًا، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا لِاسْتِحَالَةِ إنْزَالِهِ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الصَّبِيَّ يَنْوِي الْغُسْلَ مِنْ الْإِفَاقَةِ، لَكِنْ نُقِلَ عَنْ م ر أَنَّهُ يَنْوِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ رَفْعَ الْجَنَابَةِ نَظَرًا لِحِكْمَةِ الْمَشْرُوعِيَّةِ انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ فِي الزِّيَادِيِّ مُتَعَقِّبًا لَهُ بِقَوْلِهِ هَذَا مَا بُحِثَ، وَمَا نُقِلَ عَنْ م ر وَشَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ يَتَنَاوَلُهُ قَوْلُهُ هُنَا: وَشَمَلَ كَلَامُهُمْ الْغُسْلَ غَيْرَ الْبَالِغِ لَكِنْ لَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِلنِّيَّةِ.
وَفِي شَرْحِ الْخَطِيبِ عَلَى الْغَايَةِ أَنَّ الْبَالِغَ يَنْوِي رَفْعَ الْجَنَابَةِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ يَنْوِي السَّبَبَ.
(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ غَسْلُهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) وَلَعَلَّ وَجْهَهُ تَخْصِيصُ هَذَا بِطَلَبِ السِّدْرِ فِيهِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَغْسَالِ الْمُبَالِغَةِ فِي إظْهَارِ التَّبَاعُدِ عَنْ أَثَرِ الشِّرْكِ وَتَنْزِيلِ أَثَرِهِ إنْ كَانَ مَعْنَوِيًّا مَنْزِلَةَ الْأَقْذَارِ الْحِسِّيَّةِ (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ قَبْلَ غُسْلِهِ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ بَعْدَ مَا ذَكَرَ لَا بَعْدَهُ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ، وَقَالَ م ر: إنْ حَصَلَتْ مِنْهُ جَنَابَةٌ حَالَ الْكُفْرِ غَسَلَ قَبْلَ الْحَلْقِ: أَيْ لِتَرْتَفِعَ الْجَنَابَةُ عَنْ شَعْرِهِ وَإِلَّا فَبَعْدَ الْحَلْقِ لِأَنَّهُ أَنْظَفُ لِرَأْسِهِ انْتَهَى (قَوْلُهُ: فَيَجِبُ غُسْلُهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُخَاطَبُ بِالْغُسْلِ الْمَسْنُونِ، وَقِيَاسُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا يَوْمَ جُمُعَةٍ حَيْثُ طُلِبَ مِنْهُ الْغُسْلُ لِلْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ حَتَّى لَوْ نَوَى أَحَدَهُمَا حَصَلَ لَهُ فَقَطْ أَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي الدَّرْسِ أَنَّهُ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَغَيْرِهِ) مُعْتَمَدٌ، وَقَوْلُهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ قَوْلُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ هَذَا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهُنَا جَمِيعُ مَا نَبَتَ فِي الْكُفْرِ)
[حاشية الرشيدي]
حَمَلَهُ، وَقَدْ يُقَالُ فِي تَأْوِيلِهَا مِثْلُ مَا سَيَأْتِي فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ: أَيْ لِمَنْ أَرَادَ حَمْلَهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْوِي هُنَا رَفْعَ الْجَنَابَةِ) أَيْ عَلَى وَجْهِ الِاشْتِرَاطِ كَمَا سَيَأْتِي، فَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ غُسْلِ الْإِفَاقَةِ مَثَلًا، وَعَلَيْهِ فَمَا يَنْوِيهِ غَيْرُ الْبَالِغِ مَعَ انْتِفَاءِ هَذَا الْمَعْنَى فِيهِ يُرَاجَعُ (قَوْلُهُ: وَيُجْزِئُهُ بِفَرْضِ وُجُودِهَا) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى الْإِجْزَاءِ مَعَ أَنَّهُ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالُ
بِدَلِيلِ خَبَرِ «أَلْقِ عَنْك شَعْرَ الْكُفْرِ» وَعَلَى هَذَا يَكُونُ نَدْبُ الْحَلْقِ هُنَا لِغَيْرِ الذَّكَرِ مُسْتَثْنًى مِنْ كَرَاهَتِهِ لَهُ، وَقِيَاسُ مَا سَيَأْتِي فِي الْحَجِّ نَدْبُ إمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِ مَنْ لَا شَعْرَ لَهُ.
(وَأَغْسَالُ الْحَجِّ) الْآتِي بَيَانُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّامِلُ ذَلِكَ لِلْعُمْرَةِ أَيْضًا، وَعُلِمَ مِنْ إتْيَانِهِ بِمَنْ عُدِمَ انْحِصَارُ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ، فَمِنْهَا الْغُسْلُ لِتَغَيُّرِ بَدَنٍ مِنْ نَحْوِ حِجَامَةٍ أَوْ فَصْدٍ أَوْ خُرُوجٍ مِنْ حَمَّامٍ عِنْدَ إرَادَةِ الْخُرُوجِ وَإِنْ لَمْ يَتَنَوَّرْ، لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ الْبَدَنَ وَيُضَعِّفُهُ، وَالْغُسْلُ يَشُدُّهُ وَيُنْعِشُهُ، وَمِنْ نَتْفِ إبْطٍ وَيُقَاسُ بِهِ نَحْوُ قَصِّ الشَّارِبِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الرَّوْنَقِ بِالثَّانِي، وَلِلِاعْتِكَافِ وَلِكُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَقَيَّدَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِمَنْ يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ، وَالْأَوْجَهُ الْأَخْذُ بِإِطْلَاقِهِمْ، وَلِدُخُولِ حَرَمَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَفِي الْوَادِي عِنْدَ سَيَلَانِهِ وَلِكُلِّ مَجْمَعٍ لِلنَّاسِ.
أُمًّا الْغُسْلُ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَغَيْرُ مُسْتَحَبٍّ،
[حاشية الشبراملسي]
قَضِيَّتُهُ عَدَمُ اخْتِصَاصِ الْحَلْقِ بِشَعْرِ الرَّأْسِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ يُخَالِفُهُ، وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّ سَبَبَ تَخْصِيصِ الرَّأْسِ بِالْحَلْقِ ظُهُورُ شَعْرِهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَكَانَتْ إزَالَتُهُ عَلَامَةً ظَاهِرَةً عَلَى التَّبَاعُدِ عَنْ أَثَرِ الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَدَّ لِشُعُورِ الْوَجْهِ لِمَا فِي إزَالَتِهَا مِنْ الْمُثْلَةِ وَلَا كَذَلِكَ الرَّأْسُ لِسِتْرِهَا.
(قَوْلُهُ: الشَّامِلُ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورُ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الشُّمُولِ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَغْسَالِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَغْسَالِ فِي بَابِهِ (قَوْلُهُ: الْغُسْلُ لِتَغَيُّرِ بَدَنٍ) قَضِيَّتُهُ عَدَمُ اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ مِنْ الْحِجَامَةِ وَالْفَصْدِ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بَدَنُهُ.
وَقَضِيَّةُ حَجّ خِلَافُهُ، فَإِنَّهُ جَعَلَ نَدْبَ الْغُسْلِ لِمُجَرَّدِ الْحِجَامَةِ وَالْفَصْدِ وَلَمْ يُقَيَّدْ بِالتَّغَيُّرِ وَالْأَقْرَبُ قَضِيَّةُ حَجّ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالتَّغَيُّرِ حُدُوثُ صِفَةٍ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً قَبْلُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَمِنْ نَتْفِ إبْطٍ وَيُقَاسُ بِهِ إلَخْ، أَوْ أَنَّ نَحْوَ الْحِجَامَةِ مَظِنَّةٌ لِلتَّغَيُّرِ (قَوْلُهُ: مِنْ نَحْوِ حِجَامَةٍ) بَيَانٌ لِلْأَسْبَابِ الْمُغَيِّرَةِ لِلْبَدَنِ (قَوْلُهُ: أَوْ خُرُوجٍ مِنْ حَمَّامٍ) وَهَلْ يَغْتَسِلُ بِمَاءٍ بَارِدٍ أَوْ حَارٍّ فَإِنَّ الْحَارَّ يُرْخِي الْبَدَنَ وَالْبَارِدُ يَشُدُّهُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي فَتَاوَى شَيْخِنَا حَجّ التَّقْيِيدَ بِالْبَارِدِ اهـ عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُهُ عِنْدَ إرَادَةِ الْخُرُوجِ يُفِيدُ أَنَّهُ يَغْتَسِلُ دَاخِلَ الْحَمَّامِ لِإِزَالَةِ التَّغَيُّرِ الْحَاصِلِ مِنْ الْعَرَقِ وَنَحْوِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ اغْتَسَلَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ مَثَلًا ثُمَّ اتَّصَلَ بِغُسْلِهِ الْخُرُوجُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ غُسْلٌ آخَرُ (قَوْلُهُ: وَمِنْ نَتْفِ إبْطٍ) أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا (قَوْلُهُ: وَلِكُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ) أَيْ يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالْغُرُوبِ وَيَخْرُجُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ الْأَخْذُ بِإِطْلَاقِهِمْ) أَيْ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِمُرِيدِ الْجَمَاعَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغُسْلَ لِلْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ إذْ جَمَاعَةُ اللَّيْلِ إلَخْ، فَإِنَّ جَمَاعَةَ النَّهَارِ يُطْلَبُ الْغُسْلُ لَهَا وَيَشْمَلُ ذَلِكَ قَوْلَهُ وَلِكُلِّ مَجْمَعٍ إلَخْ، لَكِنْ قَدْ يُشْكِلُ كُلُّ هَذَا عَلَى قَوْلِهِ أَمَّا الْغُسْلُ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَغَيْرُ مُسْتَحَبٍّ إلَخْ، فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِمَا لَوْ فُعِلَتْ جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى فَلْيُتَأَمَّلْ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ أَنَّ الْغُسْلَ لِلصَّلَاةِ لَا يُسَنُّ لَهَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا صَلَاةً فَلَا يُنَافِي سُنِّيَّتَهُ لَهَا مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَةُ (قَوْلُهُ: وَلِدُخُولِ حَرَمِ مَكَّةَ) قَالَ حَجّ: وَلِأَذَانٍ وَلِدُخُولِ مَسْجِدٍ: أَيْ قَبْلَهُمَا (قَوْلُهُ: وَلِكُلِّ مَجْمَعٍ لِلنَّاسِ) قَالَ حَجّ: مِنْ مَجَامِعِ الْخَيْرِ، وَنُقِلَ عَنْهُ سم أَنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: أَيْ عَلَى مُبَاحٍ فِيمَا يَظْهَرُ، لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى مَعْصِيَةٍ لَا حُرْمَةَ لَهُ إلَخْ انْتَهَى.
وَمِنْ الْمُبَاحِ الِاجْتِمَاعُ فِي الْقَهْوَةِ الَّتِي لَمْ تَشْتَمِلْ عَلَى أَمْرٍ مُحَرَّمٍ، وَلَوْ كَانَ الدَّاخِلُ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ بِهِ دُخُولُهَا كَعَظِيمٍ مَثَلًا، ثُمَّ يَنْبَغِي أَنَّ هَذِهِ الْأَغْسَالَ الْمُسْتَحَبَّةَ إذَا وُجِدَ لَهَا أَسْبَابٌ كُلٌّ مِنْهَا يَقْتَضِي الْغُسْلَ كَالْإِفَاقَةِ مِنْ الْجُنُونِ مَثَلًا وَحَلْقِ الْعَانَةِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَوْ خُرُوجٌ مِنْ حَمَّامٍ) الْأَوْلَى إسْقَاطُ لَفْظِ خُرُوجٍ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ الْأَخْذُ بِإِطْلَاقِهِمْ إذْ جَمَاعَةُ اللَّيْلِ كَجَمَاعَةِ النَّهَارِ) كَذَا فِي نُسْخَةٍ: وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَى هَذَا التَّعْلِيلِ، بَلْ قَدْ يُفِيدُ بِظَاهِرِهِ نَقِيضَ الْمَطْلُوبِ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مِنْهُ مَا فِي التُّحْفَةِ وَإِنْ قَصُرَتْ عِبَارَتُهُ عَنْهُ، وَنَصُّ مَا فِي التُّحْفَةِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنْ حَضَرَ الْجَمَاعَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لِحُضُورِ الْجَمَاعَةِ لَا يَخْتَصُّ بِرَمَضَانَ، فَنَصُّهُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى نَدْبِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهَا لِشَرَفِ الزَّمَانِ.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَلِكُلِّ مَجْمَعٍ لِلنَّاسِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ وَعِنْدَ كُلِّ مَجْمَعٍ مِنْ مَجَامِعِ الْخَيْرِ، وَنَقَلَ عَنْهُ الشِّهَابُ سم فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّ الْمُبَاحَ كَذَلِكَ
كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِشِدَّةِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ فِيهِ (وَآكَدُهَا غُسْلُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ) فِي الْجَدِيدِ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهِ ثُمَّ يَلِيه فِي الْفَضْلِ غُسْلُ (الْجُمُعَةِ) لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ أَيْضًا عَلَى مَا سَيَأْتِي (وَعَكْسُهُ الْقَدِيمُ) فَقَالَ آكَدُهَا غُسْلُ الْجُمُعَةِ ثُمَّ غُسْلُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ، وَقَدْ رَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ (قُلْت: الْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ) مِنْ الْجَدِيدِ وَصَوَّبَ فِي الرَّوْضَةِ الْجَزْمَ بِهِ (وَرَجَّحَهُ الْأَكْثَرُونَ وَأَحَادِيثُهُ) أَيْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ (صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ وَلَيْسَ لِلْجَدِيدِ) هُنَا (حَدِيثٌ صَحِيحٌ) يَدُلُّ عَلَيْهِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى بِأَنَّهُ قَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ السَّكَنِ حَدِيثَ «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: خَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لِصِحَّتِهِ مِائَةً وَعِشْرِينَ طَرِيقًا، لَكِنْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: الْأَشْبَهُ وَقْفُهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ أَحْسَنَ الرَّافِعِيُّ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّ أَخْبَارَ الْجُمُعَةِ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ نَفْيَهُ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مَا اسْتَحْضَرَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِمَعْنًى مُتَّفَقٍ عَلَى صِحَّتِهِ فَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ.
وَيُؤْخَذُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْأَفْضَلَ بَعْدَهُمَا مَا كَثُرْت أَحَادِيثُهُ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ ثُمَّ مَا صَحَّ حَدِيثُهُ ثُمَّ مَا كَانَ نَفْعُهُ مُتَعَدِّيًا أَكْثَرَ، وَمِنْ فَوَائِدِ مَعْرِفَةِ الْآكَدِ تَقْدِيمُهُ فِيمَا لَوْ أَوْصَى بِمَاءٍ لِأَوْلَى النَّاسِ بِهِ وَيَنْوِي بِسَائِرِ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ أَسْبَابَهَا إلَّا غُسْلَ الْإِفَاقَةِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ فَإِنَّهُ يَنْوِي الْجَنَابَةَ كَمَا مَرَّ وَنَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَارْتَضَاهُ، وَيُغْتَفَرُ عَدَمُ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَوْ فَاتَتْ هَذِهِ الْأَغْسَالُ لَمْ تُقْضَ.
[حاشية الشبراملسي]
وَنَتْفِ الْإِبْطِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ يَكْفِي لَهَا غُسْلٌ وَاحِدٌ لِتَدَاخُلِهَا لِكَوْنِهَا مَسْنُونَةً، وَأَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ لِبَعْضِهَا ثُمَّ طَرَأَ غَيْرُهُ تَعَدَّدَ الْغُسْلُ بِعَدَدِ الْأَسْبَابِ وَإِنْ تَقَارَبَتْ وَكَالْغُسْلِ التَّيَمُّمُ فِي ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذُكِرَ مِنْ تَعَدُّدِ الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ بِعَدَدِ الْأَسْبَابِ أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ لِلْعِيدِ قَبْلَ الْفَجْرِ لَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ غُسْلُ الْجُمُعَةِ بَلْ يَأْتِي بِهِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) الْمُتَبَادَرُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لَهَا وَإِنْ فُعِلَتْ فِي جَمَاعَةٍ، لَكِنْ كَتَبَ سم عَلَى قَوْلِ حَجّ وَلِكُلِّ مَجْمَعٍ مَا نَصُّهُ: هَلْ وَلَوْ لِجَمَاعَةِ الْخَمْسِ اهـ. وَعُلِمَ رَدُّهُ مِنْ الْمُتَبَادَرِ الْمَذْكُورِ فَلْيُرَاجَعْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: لِصِحَّتِهِ) أَيْ الْحَدِيثِ (قَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مَا اسْتَحْضَرَهُ) الْأَوْلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمَحَلِّيُّ مِنْ عَدَمِ تَسْلِيمِهِ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ الْمُشْعِرِ بِاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ وَرَدِّهِ (قَوْلُهُ مَا كَثُرَتْ أَحَادِيثُهُ) فِي شَرْحِ الْعُبَابِ تَقْدِيمُ مَا اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ عَلَى غَيْرِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَلَعَلَّ وَجْهَ مَا هُنَا أَنَّهُمْ قَدَّمُوا غُسْلَ الْجُمُعَةِ لِكَثْرَةِ أَحَادِيثِهِ فَأَشْعَرَ أَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ مَا كَثُرَتْ أَحَادِيثُهُ عَلَى غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ مَا اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ مَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي وُجُوبِهِ أَقْوَى وَإِلَّا فَغُسْلُ الْمَيِّتِ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ، عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا وَرَاءَ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَالْجُمُعَةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: مَا اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَوْ اجْتَمَعَ غُسْلَانِ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ كُلٍّ مِنْهُمَا قُدِّمَ مَا الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ أَقْوَى، فَإِنْ اسْتَوَيَا تَعَارُضًا فَيَكُونَانِ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَنْوِي الْجَنَابَةَ) ظَاهِرُهُ وُجُوبًا حَتَّى لَا يُجْزِئُ فِي السُّنَّةِ غَيْرُ هَذِهِ النِّيَّةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ قَرَّرَهُ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّبِيَّ يَنْوِي الْغُسْلَ مِنْ الْإِفَاقَةِ وَالْبَالِغَ يَنْوِي رَفْعَ هَذَا أَوْ رَفْعَ الْجَنَابَةِ اهـ سم عَلَى حَجّ، لِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ احْتِمَالِ الْإِنْزَالِ مُجَرَّدُ حِكْمَةٍ، وَمِنْ ثَمَّ طُلِبَ مِنْ الصَّبِيِّ إذَا أَفَاقَ، وَتَقَدَّمَ عَنْ م ر مَا يُخَالِفُهُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ فَاتَتْ هَذِهِ الْأَغْسَالُ) اُنْظُرْ بِمَا يَحْصُلُ الْفَوَاتُ لِلْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ رَأَيْت بِهَامِشِ نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ الزِّيَادِيِّ مَا نَصُّهُ: نَقَلَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ أَنَّ شَخْصًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سَأَلَ شَيْخَهُ الطَّنْدَتَائِيُّ عَمَّ يَخْرُجُ بِهِ غُسْلُ الْعِيدِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِالْيَوْمِ.
وَأَمَّا غُسْلُ الْجُمُعَةِ فَبِفَوَاتِ الْجُمُعَةِ، وَنَقَلَ شَيْخُنَا الْمَذْكُورُ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّ غُسْلَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ إلَخْ) وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ أَيْضًا بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْحَدِيثِ الْمَنْفِيِّ مَا وَرَدَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا هُوَ اصْطِلَاحٌ لِبَعْضِهِمْ، فَلَا يُنَافِي صِحَّةَ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ وِفَاقًا لِلْبُخَارِيِّ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْأَفْضَلَ بَعْدَهُمَا مَا كَثُرَتْ أَحَادِيثُهُ إلَخْ) فِي أَخْذِ مَا ذُكِرَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ مِمَّا قَدَّمَهُ مَنْعٌ ظَاهِرٌ.
(وَ) يُسَنُّ لِغَيْرِ مَعْذُورٍ (التَّبْكِيرُ إلَيْهَا) لِغَيْرِ الْإِمَامِ لِيَأْخُذُوا مَجَالِسَهُمْ وَيَنْتَظِرُوا الصَّلَاةَ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ: أَيْ مِثْلَهُ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ: أَيْ طَوَوْا الصُّحُفَ فَلَمْ يَكْتُبُوا أَحَدًا» وَفِي رِوَايَةٍ: فِي الرَّابِعَةِ بَطَّةً، وَالْخَامِسَةِ دَجَاجَةً، وَالسَّادِسَةِ بَيْضَةً.
وَفِي أُخْرَى: فِي الرَّابِعَةِ دَجَاجَةً، وَفِي الْخَامِسَةِ عُصْفُورًا، وَالسَّادِسَةِ بَيْضَةً.
أَمَّا الْإِمَامُ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ التَّبْكِيرُ بَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّأْخِيرُ إلَى وَقْتِ الْخُطْبَةِ اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَقَرَّهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَيُلْحَقُ بِهِ مَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ وَنَحْوِهِ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ التَّبْكِيرُ، وَإِطْلَاقُهُ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ التَّبْكِيرِ لِلْعَجُوزِ إذَا اسْتَحْبَبْنَا حُضُورَهَا، وَكَذَلِكَ الْخُنْثَى الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْعَجُوزِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَالسَّاعَاتُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ لَفْظُ الرَّوَاحِ مَعَ أَنَّهُ اسْمٌ لِلْخُرُوجِ بَعْدَ الزَّوَالِ
[حاشية الشبراملسي]
غَاسِلِ الْمَيِّتِ يَنْقَضِي بِنِيَّتِهِ الْإِعْرَاضَ عَنْهُ أَوْ بِطُولِ الْفَصْلِ اهـ. وَقِيَاسُ مَا قَدَّمَهُ فِي سُنَّةِ الْوُضُوءِ اعْتِمَادُ هَذَا، وَقَدْ يُقَالُ فِي الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إنَّمَا يَفُوتُ الْغُسْلُ فِي حَقِّهِمَا بِعُرُوضِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ كَجَنَابَةٍ فَإِنَّ حِكْمَةَ طَلَبِ غُسْلِهِمَا احْتِمَالُ الْجَنَابَةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ وَإِنْ طَالَ زَمَنُهُ فَعِنْدَ عُرُوضِ مَا يُوجِبُهُ إذَا اغْتَسَلَ لَهُ انْدَرَجَ فِيهِ غُسْلُ الْجَنَابَةِ بِتَقْدِيرِ وُجُودِهَا زَمَنَ الْجُنُونِ أَوْ الْإِغْمَاءِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى حَجّ مَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ، وَعِبَارَتُهُ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى نَحْوُ غُسْلِ الْإِفَاقَةِ مِنْ جُنُونِ الْبَالِغِ لِأَنَّهُ لِاحْتِمَالِ الْجَنَابَةِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ مَعَ الْفَوَاتِ.
نَعَمْ إنْ حَصَلَتْ لَهُ جَنَابَةٌ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ وَاغْتَسَلَ لَهَا انْقَطَعَ طَلَبُ الْفِعْلِ السَّابِقِ انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي أَنَّ غُسْلَ نَحْوِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ كَغُسْلِ غَاسِلِ الْمَيِّتِ.
(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ التَّبْكِيرُ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: لَوْ بَكَّرَ أَحَدٌ مُكْرَهًا عَلَى التَّبْكِيرِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فَضْلُ التَّبْكِيرِ فِيمَا يَظْهَرُ، فَلَوْ زَالَ الْإِكْرَاهُ حُسِبَ لَهُ مِنْ حِينَئِذٍ إنْ قَصَدَ الْإِقَامَةَ لِأَجْلِ الْجُمُعَةِ فِيمَا يَظْهَرُ اهـ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ لِيَأْخُذُوا مَجَالِسَهُمْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ هُوَ مُجَاوِرٌ بِالْمَسْجِدِ أَوْ يَأْتِيهِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ كَطَلَبِ الْعِلْمِ يُحْسَبُ إتْيَانُهُ لِلْجُمُعَةِ مِنْ وَقْتِ التَّهَيُّؤِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْخَطِيبَ لَوْ بَكَّرَ إلَى مَسْجِدٍ غَيْرِ الَّذِي يَخْطُبُ بِهِ لَا يَحْصُلُ لَهُ سُنَّةٌ لِلتَّبْكِيرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُتَهَيِّئًا لِلصَّلَاةِ فِيهِ (قَوْلُهُ: مَنْ اغْتَسَلَ إلَخْ) هَذَا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ يُفِيدُ أَنَّ هَذَا الثَّوَابَ الْمَخْصُوصَ إنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ اغْتَسَلَ سم عَلَى مَنْهَجٍ زَادَ عَلَى حَجّ وَالثَّوَابُ أَمْرٌ تَوْقِيفِيٌّ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَرَدَ عَلَيْهِ اهـ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ) أَيْ لِلْخُطْبَةِ (قَوْلُهُ: حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ) اُنْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ بِهِمْ الْحَفَظَةُ أَوْ غَيْرُهُمْ، وَعَلَيْهِ فَهَلْ الْكَاتِبُ فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ هُوَ الْكَاتِبُ فِي الْأُولَى أَوْ غَيْرُهُ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُمْ غَيْرُ الْحَفَظَةِ لِأَنَّ الْحَفَظَةَ لَا يُفَارِقُونَ مَنْ عُيِّنُوا لَهُ، وَهَؤُلَاءِ يَجْلِسُونَ بِأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ لِعَامَّةِ مَنْ يَدْخُلُ (قَوْلُهُ: فَلَا يُنْدَبُ لَهُ التَّبْكِيرُ) هَلْ أَجْرُهُ دُونَ أَجْرِ مَنْ بَكَّرَ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَدْ يُقَالُ: تَأْخِيرُهُ لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ يَجُوزُ أَنْ يُثَابَ عَلَيْهِ ثَوَابًا يُسَاوِي ثَوَابَ الْمُبَكِّرِينَ أَوْ يَزِيدُ (قَوْلُهُ: لَهُ التَّأْخِيرُ) أَيْ فَلَوْ بَكَّرَ لَا يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ التَّبْكِيرِ وَحِكْمَتُهُ أَنَّهُ أَهْيَبُ لَهُ وَأَعْظَمُ فِي النُّفُوسِ (قَوْلُهُ: وَيَلْحَقُ بِهِ) أَيْ الْإِمَامُ (قَوْلُهُ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ التَّبْكِيرُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ أَمِنَ تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ السَّلَسَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ وَلَوْ عَلَى الْقُطْنَةِ وَالْعِصَابَةِ (قَوْلُهُ إذَا اسْتَحْبَبْنَا حُضُورَهَا) أَيْ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ مُتَزَيِّنَةً وَلَا مُتَعَطِّرَةً
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ مَنْ اغْتَسَلَ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْفَضْلَ الْآتِيَ شَرْطُهُ الْغُسْلُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَنْ اغْتَسَلَ وَإِلَّا لَقَالَ فَإِنْ رَاحَ إلَخْ وَلَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي هَذَا الْفَضْلِ أَوْ أَنَّهُ حُذِفَ مِنْ الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ فَلْيُرَاجَعْ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ (قَوْلُهُ: اسْمٌ لِلْخُرُوجِ) الْمَشْهُورُ أَنَّهُ اسْمٌ لِلرُّجُوعِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» وَعَلَيْهِ فَالْفُقَهَاءُ ارْتَكَبُوا فِيهِ مُجَازَيْنَ حَيْثُ
كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا يُؤْتَى بِهِ بَعْدَهُ، عَلَى أَنَّ الْأَزْهَرِيَّ قَالَ: إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي السِّيَرِ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، وَفِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ السَّاعَاتِ الْفَلَكِيَّةَ وَهِيَ الْأَرْبَعُ وَالْعِشْرُونَ، بَلْ تَرْتِيبُ دَرَجَاتِ السَّابِقِينَ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ فِي الْفَضِيلَةِ لِئَلَّا يَسْتَوِيَ فِيهَا رَجُلَانِ جَاءَا فِي طَرَفَيْ سَاعَةٍ، وَلِئَلَّا يَخْتَلِفَ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي وَالصَّائِفِ إذْ لَا يَبْلُغُ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَالزَّوَالِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَيَّامِ الشِّتَاءِ سِتَّ سَاعَاتٍ، فَعَلَيْهِ كُلُّ دَاخِلٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَا بَعْدَهُ كَالْمُقَرِّبِ بَدَنَةً، وَإِلَى مَنْ قَبْلَهُ بِدَرَجَةٍ كَالْمُقَرِّبِ بَقَرَةً، وَبِدَرَجَتَيْنِ كَالْمُقَرِّبِ كَبْشًا، وَبِثَلَاثٍ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ الْأَزْهَرِيَّ) هُوَ مِنْ غَيْرِ الْجُمْهُورِ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ عَلَى أَنَّ الْأَزْهَرِيَّ إلَخْ (قَوْلُهُ جَاءَا فِي طَرَفَيْ سَاعَةٍ) وَانْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِالْمَجِيءِ هَلْ هُوَ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَنْزِلِ إلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى لَوْ طَالَ الْمَشْيُ مِنْ الْمَنْزِلِ إلَى الْمَسْجِدِ بِزَمَانٍ كَثِيرٍ يَصْدُقُ بِهِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ الرَّوَاحَ اسْمٌ لِلذَّهَابِ إلَى الْمَسْجِدِ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ» إلَخْ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَكْتُبُونَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِمْ.
وَنُقِلَ فِي الدَّرْسِ عَنْ الزِّيَادِيِّ مَا يُوَافِقُ مَا اسْتَقْرَبْنَاهُ.
نَعَمْ الْمَشْيُ لَهُ ثَوَابٌ آخَرُ زَائِدٌ عَلَى مَا يُكْتَبُ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: سِتَّ سَاعَاتٍ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: وَلِي فِيهِ نَظَرٌ إذْ أَقَلُّ أَيَّامِ الشِّتَاءِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دَرَجَةً وَهِيَ عَشْرُ سَاعَاتٍ فَلَكِيَّةٍ، وَابْتِدَاءُ الْيَوْمِ عِنْدَ أَهْلِ الْفَلَكِ مِنْ الشَّمْسِ فَمِنْ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ يَخُصُّهُ خَمْسُ سَاعَاتٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْ الْفَجْرِ إلَى الشَّمْسِ لَا يَنْقُصُ عَنْ سَاعَةٍ وَابْتِدَاءُ الْيَوْمِ عَلَى الرَّاجِحِ هُنَا مِنْ الْفَجْرِ،
[حاشية الرشيدي]
اسْتَعْمَلُوهُ فِي الذَّهَابِ وَفِيمَا قَبْلَ الزَّوَالِ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ الْأَزْهَرِيَّ إلَخْ) هُوَ مَفْهُومُ الْجُمْهُورِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ السَّاعَاتِ الْفَلَكِيَّةَ) أَيْ الشَّامِلَةَ لِلزَّمَانِيَّةِ وَهِيَ انْقِسَامُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا مُتَسَاوِيَةً طَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَمْ قَصُرَ، وَلِلْمُسْتَوِيَةِ وَهِيَ انْقِسَامُهُمَا أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَاعَةً كُلُّ سَاعَةٍ خَمْسَ عَشْرَةَ دَرَجَةً، فَعَلَيْهِ قَدْ يَكُونُ النَّهَارُ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَاعَةً وَقَدْ يَكُونُ أَقَلَّ، وَكَذَلِكَ اللَّيْلُ بِخِلَافِهِ عَلَى الْأَوَّلِ، هَذَا هُوَ اصْطِلَاحُ الْفَلَكِيِّينَ، وَيَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ هُنَا مُقَابَلَةُ الْفَلَكِيَّةِ بِتَرْتِيبِ الدَّرَجَاتِ فَقَطْ، لَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ الْآتِيَ وَلِئَلَّا يَخْتَلِفَ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي وَالصَّائِفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَنْفِيَّ هُنَا الزَّمَانِيَّةُ فَقَطْ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ بِهِ بَيَانُ مَا يَلْزَمُ عَلَى أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ زِيَادَةً عَلَى مَا يَلْزَمُ عَلَيْهِمَا مَعًا (قَوْلُهُ: وَلِئَلَّا يَخْتَلِفَ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي وَالصَّائِفِ) لَيْسَ هَذَا فِي الرَّوْضَةِ، وَعِبَارَتُهَا: ثُمَّ لَيْسَ الْمُرَادُ عَلَى الْأَوْجَهِ بِالسَّاعَاتِ الْأَرْبَعِ وَالْعِشْرِينَ بَلْ تَرْتِيبُ الدَّرَجَاتِ وَفَضْلُ السَّابِقِ عَلَى الَّذِي يَلِيهِ لِئَلَّا يَسْتَوِيَ فِي الْفَضِيلَةِ رَجُلَانِ جَاءَا فِي طَرَفَيْ سَاعَةٍ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: إذْ لَا يَبْلُغُ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ، إذَا أَقْصَرُ مَا يُمْكِنُ مِنْ أَيَّامِ الشِّتَاءِ فِي الْقُطْرِ الْمِصْرِيِّ أَنْ يَكُونَ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَالزَّوَالِ تِسْعًا وَتِسْعِينَ دَرَجَةً وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ سِتِّ سَاعَاتٍ فَلَكِيَّةٍ: أَيْ مُسْتَوِيَةٍ الَّتِي هِيَ مُرَادُهُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، إذْ السَّاعَةُ الْفَلَكِيَّةُ بِهَذَا الْمَعْنَى خَمْسَ عَشْرَةَ دَرَجَةً، ثُمَّ رَأَيْت الشِّهَابَ عَمِيرَةَ الْبُرُلُّسِيَّ سَبَقَ إلَى نَحْوِ هَذَا (قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ كُلُّ دَاخِلٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَا بَعْدَهُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ مَعْنَى مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ كَوْنِهِ كَالْمُقَرِّبِ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ غَيْرَهُمَا أَنَّ لَهُ ثَوَابًا مِثْلَ ثَوَابِ الْمُقَرِّبِ لِذَلِكَ، وَأَنَّ الثَّابِتَ لِلْجَائِي مِنْ الثَّوَابِ بِمَجِيئِهِ فِي سَاعَةٍ مَا ثَوَابٌ وَاحِدٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الِاعْتِبَارَاتِ إذْ لَا يُعْقَلُ اخْتِلَافُهُ بِذَلِكَ، فَلَعَلَّ مُرَادَ الشَّارِحِ بِمَا ذَكَرَهُ تَبَعًا لِلْإِمْدَادِ أَنَّ هَذَا الثَّوَابَ الثَّابِتَ لِلْجَائِي فِي سَاعَةٍ مَا نَاقِصٌ بِالنِّسْبَةِ لِثَوَابِ مَنْ جَاءَ قَبْلَهُ وَزَائِدٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، وَمِقْدَارُ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَوَابِ مَنْ جَاءَ قَبْلَهُ بِدَرَجَةٍ كَنِسْبَةِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ، وَمِقْدَارُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ بِدَرَجَةٍ كَنِسْبَةِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْبَقَرَةِ وَالْكَبْشِ وَهَكَذَا وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ وَإِلَّا فَأَخْذُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَا يَكَادُ يَصِحُّ فَلْيُرَاجَعْ وَلْيُحَرَّرْ
كَالْمُقَرِّبِ دَجَاجَةً، وَبِأَرْبَعٍ كَالْمُقَرِّبِ بَيْضَةً.
لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحَيْ الْمُهَذِّبِ وَمُسْلِمٍ: بَلْ الْمُرَادُ الْفَلَكِيَّةُ، لَكِنَّ بَدَنَةَ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ مِنْ بَدَنَةِ الْأَخِيرِ، وَبَدَنَةُ الْمُتَوَسِّطِ مُتَوَسِّطَةً كَمَا فِي دَرَجَاتِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ الْقَلِيلَةِ وَالْكَثِيرَةِ، فَعَلَيْهِ الْمُرَادُ بِسَاعَاتِ النَّهَارِ الْفَلَكِيَّةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً زَمَنِيَّةً صَيْفًا أَوْ شِتَاءً، وَإِنْ لَمْ تُسَاوِ الْفَلَكِيَّةَ فَالْعِبْرَةُ بِخَمْسِ سَاعَاتٍ مِنْهَا أَوْ سِتٍّ، وَهُوَ الْمُعَوِّلُ عَلَيْهِ طَالَ الزَّمَانُ أَوْ قَصُرَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي، وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ الْغَزَالِيِّ: آخِرَ الْأُولَى إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالثَّانِيَةِ ارْتِفَاعُهَا، وَالثَّالِثَةِ انْبِسَاطُهَا حَتَّى تَرْمَضَ الْأَقْدَامُ، وَالرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ الزَّوَالُ، وَصَحَّ فِي الْخَبَرِ «يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً» وَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِلثَّانِي لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ يَوْمَهَا غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، فَلْتُحْمَلْ السَّاعَةُ عَلَى مِقْدَارِ سُدُسِ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَالزَّوَالِ.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ الثَّانِيَ أَيْضًا مَا يَلْزَمُ الْأَوَّلَ مِنْ كَوْنِ الِاقْتِصَارِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى السَّاعَاتِ الْخَمْسِ أَوْ السِّتِّ لَا حِكْمَةَ لَهُ، لِأَنَّ السَّبْقَ مَرَاتِبُهُ غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ، وَيَصِحُّ اعْتِبَارُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا فَيُنْظَرُ إلَى السَّاعَاتِ مِنْ حَيْثُ الِانْقِسَامِ إلَيْهَا وَيُخَصَّصُ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِشَيْءٍ وَيُنْظَرُ لِأَفْرَادِ الْجَائِينَ فِي كُلٍّ مِنْهَا مِنْ حَيْثُ تَفَاوُتُهُمْ فِي الْبَيْضَةِ مَثَلًا بِسَبَبِ التَّرْتِيبِ فِي الْمَجِيءِ فِي سَاعَاتِهَا، فَلَا خِلَافَ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْنَ الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى.
فَظَاهِرٌ أَنَّ مَنْ جَاءَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى نَاوِيًا التَّبْكِيرَ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عُذْرٌ فَخَرَجَ عَلَى نِيَّةِ الْعَوْدِ لَا تَفُوتُهُ
[حاشية الشبراملسي]
فَمَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَالزَّوَالِ يَبْلُغُ سِتَّ سَاعَاتٍ فِي أَقَلِّ أَيَّامِ الشِّتَاءِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً) هُوَ الْمُعْتَمَدُ: أَيْ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقْسِمَ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَخُرُوجِ الْخَطِيبِ عَلَى سِتِّ سَاعَاتٍ بِنَاءً عَلَى رَوَاتِبِهَا أَوْ خَمْسٍ بِنَاءً عَلَى رَوَاتِبِهَا، وَتَكُونُ السَّاعَاتُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مُتَسَاوِيَةً فِي الْمِقْدَارِ، ثُمَّ مَا بَعْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ إلَى الْغُرُوبِ بَقِيَّةُ السَّاعَاتِ فَتَكُونُ سِتًّا أَوْ سَبْعًا عَلَى الْوَجْهَيْنِ السَّابِقِينَ فِيمَا قَبْلَ الْخُرُوجِ (قَوْلُهُ تَرْمَضَ الْأَقْدَامُ) بَابُهُ طَرِبَ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَالرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ) لَمْ يُمَيَّزْ أَوَّلَ الْخَامِسَةِ مِنْ الرَّابِعَةِ فَيُفِيدُ اشْتِرَاكَهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّهُ يَجْعَلُ مَا بَعْدَ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ إلَى الزَّوَالِ مُنْقَسِمًا بَيْنَ الرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ عَلَى السَّوَاءِ، وَأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ خَرَجَ الْإِمَامُ عَقِبَ الزَّوَالِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ وَإِلَّا قُسِّمَ مَا بَيْنَ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَآخِرِ الثَّالِثَةِ بَيْنَ السَّاعَتَيْنِ وَعَلَى أَنَّهَا سِتُّ سَاعَاتٍ، فَمَا بَعْدَ الثَّالِثَةِ يُقَسَّمُ بَيْنَ السَّاعَاتِ الثَّلَاثِ الْبَاقِيَةِ عَلَى السَّوَاءِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِلثَّانِي) هُوَ قَوْلُهُ بَلْ الْمُرَادُ الْفَلَكِيَّةُ الْمُبَيَّنَةُ بِالزَّمَانِيَّةِ (قَوْلُهُ: مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَالزَّوَالِ) هَذَا بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ عَقِبَهُ، وَإِلَّا فَالْمَدَارُ عَلَى خُرُوجِ الْخَطِيبِ، فَتُقَسَّمُ السَّاعَاتُ مِنْ الْفَجْرِ إلَى خُرُوجِهِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ مَا يُوَافِقُهُ وَعِبَارَتُهُ: وَالْمُرَادُ أَنَّ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَخُرُوجِ الْخَطِيبِ يَنْقَسِمُ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ مُتَسَاوِيَةٍ، سَوَاءٌ أَطَالَ الْيَوْمُ أَوْ قَصُرَ.
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرُ لَا يَخْفَى) وَجْهُهُ أَنَّ السَّاعَةَ الْوَاحِدَةَ أَجْزَاؤُهَا كَثِيرَةٌ،
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحَيْ الْمُهَذَّبِ وَمُسْلِمٍ بَلْ الْمُرَادُ الْفَلَكِيَّةُ) يَعْنِي الزَّمَانِيَّةَ بِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ الْمُرَادُ بِسَاعَاتِ النَّهَارِ الْفَلَكِيَّةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً زَمَانِيَّةً) يُقَالُ عَلَيْهِ السَّاعَاتُ الزَّمَانِيَّةُ إنَّمَا تُحْسَبُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمِيقَاتِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ أَنَّهَا تُقْسَمُ مِنْ الْفَجْرِ كَتَقْسِيمِ الزَّمَانِيَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ عِنْدَ أَهْلِهَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقْسِمُ مِنْ الْفَجْرِ إلَى الزَّوَالِ سِتَّةَ أَقْسَامٍ مُتَسَاوِيَةٍ، كَمَا يَقْسِمُ مِنْ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ كَذَلِكَ الَّذِي هُوَ مُوَافِقٌ لِمَا هُوَ مُصْطَلَحُ عُلَمَاءِ الْمِيقَاتِ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ سَاعَاتِ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَالزَّوَالِ أَكْبَرُ مِنْ سَاعَاتِ مَا بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ لِزِيَادَةِ حِصَّةِ الْفَجْرِ عَلَى نِصْفِ الْقَوْسِ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ تُسَاوِ الْفَلَكِيَّةَ) يَعْنِي الْمُسْتَوِيَةَ وَإِلَّا فَالْفَرْضُ أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُمَا بِالْفَلَكِيَّةِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: فَالْعِبْرَةُ بِخَمْسِ سَاعَاتٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الزَّمَانِيَّةِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ السِّيَاقِ وَقَوْلُهُ: أَوْ سِتٍّ أَيْ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَمْسَ أَوْ السِّتَّ بِهَذَا الْمَعْنَى هِيَ جَمِيعُ مَا مَرَّ بَيْنَ الْفَجْرِ وَالزَّوَالِ (قَوْلُهُ: كَذَا قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ) يَعْنِي الشِّهَابَ حَجّ فِي إمْدَادِهِ الَّذِي هُوَ تَابِعٌ لَهُ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ فِي هَذِهِ السِّوَادَةِ حَرْفًا بِحَرْفٍ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى) وَجْهُهُ أَنَّهُ لَا يُلَائِمُ قَوْلَ الرَّوْضَةِ لِئَلَّا يَسْتَوِيَ فِيهِ رَجُلَانِ جَاءَا فِي طَرَفَيْ سَاعَةٍ، وَمَا وَجَّهَهُ بِهِ
فَضِيلَةُ التَّبْكِيرِ.
وَيَجِبُ السَّعْيُ عَلَى بَعِيدِ الدَّارِ إلَى الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالُ بِمِقْدَارٍ يَتَوَقَّفُ فِعْلُهَا عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ الْإِتْيَانُ إلَيْهَا (مَاشِيًا) لِخَبَرِ «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» وَتَخْفِيفُ غَسَّلَ أَرْجَحُ مِنْ تَشْدِيدِهِ، وَمَعْنَاهُمَا غَسَّلَ: إمَّا حَلِيلَتَهُ بِأَنْ جَامَعَهَا فَأَلْجَأَهَا إلَى الْغُسْلِ، إذْ يُسَنُّ لَهُ الْجِمَاعُ فِي هَذَا الْيَوْمِ لِيَأْمَنَ أَنْ يَرَى فِي طَرِيقِهِ مَا يَشْغَلُ قَلْبَهُ أَوْ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ بِأَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ، أَوْ ثِيَابَهُ وَرَأْسَهُ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَغَسَلَ الرَّأْسَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ فِيهِ نَحْوَ دُهْنٍ وَخِطْمِيٍّ وَكَانُوا يَغْسِلُونَهُ ثُمَّ يَغْتَسِلُونَ وَتَخْفِيفُ بَكَرَ أَشْهَرُ، وَمَعْنَاهُ: خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ بَاكِرًا، وَمَعْنَى الْمُشَدَّدِ: أَتَى لِلصَّلَاةِ أَوَّلَ وَقْتِهَا وَابْتَكَرَ: أَيْ أَدْرَكَ أَوَانَ الْخُطْبَةِ، وَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى جَمَعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا، وَأَفَادَ قَوْلُهُ وَلَمْ يَرْكَبْ نَفْيَ تَوَهُّمِ حَمْلِ الْمَشْيِ عَلَى الْمُضِيِّ وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا وَنَفْيَ احْتِمَالِ إرَادَةِ الْمَشْيِ وَلَوْ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، وَقِيلَ هُوَ تَأْكِيدٌ.
ذُكِرَ كُلُّ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ، وَاخْتِيرَ الْأَخِيرُ مِنْ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ فِي غَسَلَ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد «مَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» .
وَأَنْ يَكُونَ مَشْيُهُ (بِسَكِينَةٍ) إنْ لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ لِخَبَرِ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ» وَفِي رِوَايَةٍ «ائْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ» وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّعْيِ فِي الْآيَةِ الْمُضِيُّ كَمَا قُرِئَ بِهِ شَاذًّا،
[حاشية الشبراملسي]
وَعَلَيْهِ فَلَوْ تَرَتَّبَ الْجَاءُونَ مِنْ أَوَّلِ السَّاعَةِ إلَى آخِرِهَا لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَقْصُودِ مِنْ الْحَدِيثِ، وَقَدْ يُدْفَعُ النَّظَرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَتَخْصِيصُ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِشَيْءٍ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّ لِكُلِّ مَنْ جَاءَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى بَدَنَةً وَلَكِنَّهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِيهَا بِحَسَبِ مَجِيئِهِمْ (قَوْلُهُ: فَضِيلَةُ التَّبْكِيرِ) قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ إلَى الْمَسْجِدِ فِي السَّاعَةِ أُخْرَى لَا يُشَارِكُ أَهْلَهَا فِي الْفَضِيلَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَارِكَهُمْ وَيَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا خَرَجَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى لِعُذْرٍ لَا يَفُوتُهُ مَا اسْتَقَرَّ لَهُ مِنْ الْبَدَنَةِ مَثَلًا بِمَجِيئِهِ لِأَنَّهُ أُعْطِيهَا فِي مُقَابَلَةِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ أَوَّلًا، وَإِذَا جَاءَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ مَشَقَّةٌ أُخْرَى بِسَبَبِ الْمَجِيءِ فَيُكْتَبُ لَهُ ثَوَابُهَا.
وَفِي سم عَلَى حَجّ مَا نَصُّهُ: فَرْعٌ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى ثُمَّ خَرَجَ وَعَادَ إلَيْهِ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ مَثَلًا فَهَلْ لَهُ بَدَنَةٌ وَبَقَرَةٌ؟ الْوَجْهُ لَا بَلْ خُرُوجُهُ يُنَافِي اسْتِحْقَاقَ الْبَدَنَةِ بِكَمَالِهَا، بَلْ يَنْبَغِي عَدَمُ حُصُولِهَا لِمَنْ خَرَجَ بِلَا عُذْرٍ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ أَنَّهَا لِمَنْ دَخَلَ وَاسْتَمَرَّ وَلَوْ حَصَلَا لَهُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَنْ غَابَ ثُمَّ رَجَعَ أَكْمَلَ مِمَّنْ لَمْ يَغِبْ وَلَا يَقُولُهُ أَحَدٌ خُصُوصًا مَنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ كَأَنْ دَخَلَ فِي أَوَّلِ السَّاعَةِ الْأُولَى وَعَادَ فِي آخِرِ الثَّانِيَةِ فَتَدَبَّرْ اهـ. وَبِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي قَوْلِنَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَارِكَهُمْ إلَخْ يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ الْوَجْهُ لَا.
(قَوْلُهُ: أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا) أَيْ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ لَوْ فَعَلَ.
قَالَ حَجّ: قِيلَ لَيْسَ فِي السُّنَّةِ فِي خَبَرٍ صَحِيحٍ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا الثَّوَابِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ (قَوْلُهُ: غَسَّلَ) وَيُرْوَى بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَبِالتَّشْدِيدِ وَمَعْنَاهُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ اهـ شَرْحُ ابْنِ السُّبْكِيّ (قَوْلُهُ: وَمَعْنَاهُمَا غَسَّلَ) أَيْ التَّشْدِيدُ وَالتَّخْفِيفُ (قَوْلُهُ: فِي هَذَا الْيَوْمِ) وَهُوَ آكَدُّ مِنْ لَيْلَتِهَا كَمَا يُفِيدُهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَابْتَكَرَ) قَالَ الدَّمِيرِيِّ وَقِيلَ بَكَّرَ فِي الزَّمَانِ وَابْتَكَرَ فِي الْمَكَانِ (قَوْلُهُ: وَاخْتِيرَ الْأَخِيرُ) هُوَ قَوْلُهُ أَوْ ثِيَابَهُ وَرَأْسَهُ ثُمَّ إلَخْ.
[حاشية الرشيدي]
شَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ غَيْرُ مُرَادٍ لَهُ كَمَا لَا يَخْفَى، مَعَ أَنَّهُ يَرِدُ نَظِيرُهُ عَلَى مَا فِي شَرْحَيْ الْمُهَذَّبِ وَمُسْلِمٍ عَلَى حِدَتِهِمَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ) أَيْ عَلَى مَا فِي نُسَخٍ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْحَلِيلَةِ وَأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَالرَّأْسِ، لَكِنْ فِي نُسَخٍ زِيَادَةُ الثِّيَابِ قَبْلَ الرَّأْسِ.
وَأَجَابَ عَنْهُ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ بِجَعْلِ الثِّيَابِ وَالرَّأْسِ وَاحِدًا وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ تُجْعَلَ مِنْ عَلَى هَذِهِ النُّسَخِ لِلْبَدَلِ
وَيُكْرَهُ الْعَدْوُ إلَيْهَا كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَجَبَ الْإِسْرَاعُ إذَا لَمْ يُدْرِكْهَا إلَّا بِهِ كَمَا قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَلْقَ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ أَخْذًا مِنْ أَنَّ فَقْدَ بَعْضِ اللِّبَاسِ اللَّائِقِ بِهِ عُذْرٌ، وَكَمَا يُسْتَحَبُّ عَدَمُ الرُّكُوبِ هُنَا إلَّا لِعُذْرٍ يُسْتَحَبُّ أَيْضًا فِي الْعِيدِ وَالْجِنَازَةِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَقَيَّدَهُ الرَّافِعِيُّ بِالذَّهَابِ، وَرَدَّهُ ابْنُ الصَّلَاحِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُمْ قَالُوا لِرَجُلٍ: هَلْ نَشْتَرِي لَك حِمَارًا تَرْكَبُهُ إذَا أَتَيْت إلَى الصَّلَاةِ فِي الرَّمْضَاءِ وَالظَّلْمَاءِ؟ فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ فِي ذَهَابِي وَعَوْدِي، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ فَعَلَ اللَّهُ لَك ذَلِكَ» أَيْ كَتَبَ لَك مَمْشَاك: أَيْ أَفْضَلِيَّتَهُ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمَعْنَى: كَتَبَ لَك ذَلِكَ فِي مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ لَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، جَمْعًا بَيْنَ هَذَا الْخَبَرِ وَخَبَرِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِبَ فِي رُجُوعِهِ مِنْ جِنَازَةِ أَبِي الدَّحْدَاحِ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحُوهُ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَلَا يَخْرُجُ بِهِ الْحَدِيثُ عَنْ ظَاهِرِهِ.
وَمَنْ رَكِبَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ سَيَّرَ دَابَّتَهُ بِسُكُونٍ كَالْمَاشِي مَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الرُّكُوبُ أَفْضَلَ لِمَنْ يُجْهِدُهُ الْمَشْيُ لِهَرَمٍ أَوْ ضَعْفٍ أَوْ بُعْدِ مَنْزِلِهِ بِحَيْثُ يَمْنَعُهُ مَا يَنَالُهُ مِنْ التَّعَبِ الْخُشُوعَ وَالْحُضُورَ فِي الصَّلَاةِ عَاجِلًا.
وَيُسَنُّ لَهُ الذَّهَابِ فِي طَرِيقٍ طَوِيلٍ إنْ أَمِنَ الْفَوْتَ وَالرُّجُوعَ فِي آخَرِ قَصِيرٍ كَالْعِيدِ (وَأَنْ يَشْتَغِلَ فِي طَرِيقِهِ وَحُضُورِهِ) قَبْلَ الْخُطْبَةِ (بِقِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ) لِخَبَرِ «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ» وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ شَأْنَ الْمُصَلِّي اشْتِغَالُهُ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَلَفْظُ الطَّرِيقِ مِنْ زِيَادَاتِهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ بَلْ عَلَى سَائِرِ كَسْبِ الْمُصَنِّفِ وَالرَّافِعِيِّ.
وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ الْقِرَاءَةِ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ إنْ لَمْ يَلْتَهِ صَاحِبُهَا وَإِلَّا كُرِهَتْ كَمَا قَالَهُ فِي الْأَذْكَارِ، وَادَّعَى الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ الْأَحْوَطَ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ فِيهَا لِكَرَاهَةِ بَعْضِ السَّلَفِ لَهَا فِيهِ لَا سِيَّمَا فِي مَوَاضِعِ الزَّحْمَةِ وَالْغَفْلَةِ كَالْأَسْوَاقِ.
(وَلَا يَتَخَطَّى) غَيْرُ الْإِمَامِ رِقَابَ النَّاسِ، بَلْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ كَمَا
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ فَإِنْ ضَاقَ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَضِقْ.
[فَرْعٌ] لَوْ تَوَقَّفَ إدْرَاكُ الْجُمُعَةِ عَلَى السَّعْيِ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَجِبْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ وَصَرِيحُ كَلَامِهِمْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ بَعْضِ اللِّبَاسِ اللَّائِقِ بِهِ عُذْرٌ) وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ النَّاسَ لَا يَعُدُّونَ الْإِسْرَاعَ لِلْعِبَادَةِ مُزْرِيًا وَيَعُدُّونَ غَيْرَهُ مُخِلًّا بِالْمُرُوءَةِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ حِينَئِذٍ: إنَّ الْمَشْيَ غَيْرُ لَائِقٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ غَيْرُ لَائِقٍ بِهِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ لِخُصُوصِ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ) أَيْ بَلْ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ لِمُطِيقِ الْمَشْيِ كَمَا قَالَهُ حَجّ (قَوْلُهُ: وَقَيَّدَهُ الرَّافِعِيُّ بِالذَّهَابِ) أَيْ فَلَا يُسْتَحَبُّ الْمَشْيُ فِي الْعَوْدِ، وَظَاهِرُ الْجَوَابِ عَنْ الرَّدِّ الْآتِي اعْتِمَادُ هَذَا، وَصَرَّحَ بِهِ حَجّ وَعِبَارَتُهُ: وَأَنْ يَكُونَ طَرِيقُ ذَهَابِهِ أَطْوَلَ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ، وَيَتَخَيَّرُ فِي عَوْدِهِ بَيْنَ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ كَمَا يَأْتِي فِي الْعِيدِ اهـ. وَنَقَلَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ كَلَامَ الرَّافِعِيِّ وَأَقَرَّهُ (قَوْلُهُ: بِسُكُونٍ كَالْمَاشِي) أَيْ فَلَوْ لَمْ يُمْكِنْ تَسْيِيرُهَا بِسُكُونٍ لِصُعُوبَتِهَا وَاعْتِيَادِهَا الْعَدْوَ رَكِبَ غَيْرَهَا إنْ تَيَسَّرَ لَهُ ذَلِكَ لِتَحْصِيلِ تِلْكَ السُّنَّةِ.
(قَوْلُهُ وَالرُّجُوعُ فِي آخَرَ) أَيْ إنْ سَهُلَ (قَوْلُهُ: مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَلْتَهِ صَاحِبُهَا) وَمِثْلُ ذَلِكَ الْقِرَاءَةُ فِي الْقَهَاوِي وَالْأَسْوَاقِ (قَوْلُهُ: وَادَّعَى الْأَذْرَعِيُّ) ضَعِيفٌ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَتَخَطَّى غَيْرُ الْإِمَامِ) وَمِثْلُهُ: أَيْ الْغَيْرُ بِالْأَوْلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ التَّخَطِّي لِتَفْرِقَةِ الْأَجْزَاءِ أَوْ تَبْخِيرِ الْمَسْجِدِ أَوْ سَقْيِ الْمَاءِ أَوْ السُّؤَالِ لِمَنْ يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْكَرَاهَةُ مِنْ حَيْثُ التَّخَطِّي، أَمَّا السُّؤَالُ بِمُجَرَّدِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، بَلْ هُوَ سَعْيٌ فِي خَيْرٍ وَإِعَانَةٌ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَرْغَبْ الْحَاضِرُونَ الَّذِينَ يَتَخَطَّاهُمْ فِي ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ تَخَطِّي الْمُعَظَّمِ فِي النُّفُوسِ.
قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: فَإِنْ قُلْت: مَا وَجْهُ تَرْجِيحِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْحُرْمَةِ مَعَ أَنَّ الْإِيذَاءَ حَرَامٌ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْت؟ قُلْت: لَيْسَ كُلُّ إيذَاءٍ حَرَامًا، وَلِلْمُتَخَطِّي هُنَا غَرَضٌ فَإِنَّ التَّقَدُّمَ أَفْضَلُ اهـ (قَوْلُهُ رِقَابُ النَّاسِ) يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالرِّقَابِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّخَطِّي أَنْ يَرْفَعَ رِجْلَهُ بِحَيْثُ تُحَاذِي فِي تَخَطِّيهِ أَعْلَى مَنْكِبِ الْجَالِسِ، وَعَلَيْهِ فَمَا يَقَعُ مِنْ الْمُرُورِ بَيْنَ النَّاسِ لِيَصِلَ إلَى نَحْوِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَيْسَ مِنْ التَّخَطِّي بَلْ مِنْ خَرْقِ الصُّفُوفِ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ فُرَجٌ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِي الْمَجْمُوعِ، وَإِنْ نُقِلَ عَنْ النَّصِّ حُرْمَتُهُ، وَاخْتَارَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي الشَّهَادَاتِ لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى وَهُوَ يَخْطُبُ رَجُلًا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيْت» .
وَيُكْرَهُ التَّخَطِّي أَيْضًا فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ الصَّلَاةِ مِنْ الْمُتَحَدِّثَاتِ وَنَحْوِهَا، وَاقْتِصَارُهُمْ عَلَى مَوَاضِعِهَا جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ أَحَدًا لِيَجْلِسَ مَكَانَهُ بَلْ يَقُولُ تَفَسَّحُوا لِلْأَمْرِ بِهِ، فَإِنْ قَامَ الْجَالِسُ: بِاخْتِيَارِهِ وَأَجْلَسَ غَيْرَهُ فِيهِ لَمْ يُكْرَهْ لِلْجَالِسِ وَلَا لِمَنْ قَامَ مِنْهُ إنْ انْتَقَلَ إلَى مَكَان أَقْرَبَ إلَى الْإِمَامِ أَوْ مِثْلَهُ، وَإِلَّا كُرِهَ إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ لِأَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرْبِ مَكْرُوهٌ، بِخِلَافِهِ فِي حُظُوظِ النَّفْسِ فَإِنَّهُ مَطْلُوبٌ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: 9] وَلَوْ آثَرَ شَخْصًا أَحَقَّ بِذَلِكَ الْمَحَلِّ مِنْهُ لِكَوْنِهِ قَارِئًا أَوْ عَالِمًا يَلِي الْإِمَامَ لِعِلْمِهِ أَوْ يَرُدُّ عَلَيْهِ إذَا غَلِطَ فَهَلْ يُكْرَهُ أَيْضًا أَوْ لَا لِكَوْنِهِ مَصْلَحَةً عَامَّةً؟ الْأَوْجَهُ الثَّانِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَقْعُدَ لَهُ فِي مَكَان لِيَقُومَ عَنْهُ إذَا قَدِمَ هُوَ، وَلِغَيْرِهِ تَنْحِيَةُ فَرْشِ مَنْ بَعَثَهُ قَبْلَ حُضُورِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَحَدٌ وَالْجُلُوسُ فِي مَحَلِّهِ لَكِنَّهُ إنْ رَفَعَهُ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ.
نَعَمْ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ فَرْشِ السَّجَّادَاتِ بِالرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْفَجْرِ أَوْ طُلُوعِ الشَّمْسِ قَبْلَ حُضُورِ أَصْحَابِهَا مَعَ تَأَخُّرِهِمْ إلَى الْخُطْبَةِ أَوْ مَا يُقَارِبُهَا لَا بُعْدَ فِي كَرَاهَتِهِ، بَلْ قَدْ يُقَالُ بِتَحْرِيمِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْجِيرِ الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ عِنْدَ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِحُصُولِ ضَرَرٍ لِمَنْ نَحَّاهَا وَجَلَسَ مَكَانَهَا وَيُؤَيِّدُ قَوْلَهُمْ: يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ الصَّوْمُ مَعَ حُضُورِ حَلِيلِهَا وَإِنْ جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا لِأَنَّهُ يَهَابُ قَطْعَ الصَّوْمِ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا لَهُ، وَبِهِ فَارَقَ مَنْ بَعَثَ مَنْ يَقْعُدُ لَهُ لِأَنَّ لِلْجَالِسِ بِهِ فَائِدَةً وَهِيَ إحْيَاءُ الْبُقْعَةِ، أَمَّا الْإِمَامُ إذَا لَمْ يَبْلُغْ الْمِحْرَابَ أَوْ الْمِنْبَرَ إلَّا بِهِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ.
وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا صُوَرٌ: مِنْهَا مَا إذَا وَجَدَ فِي الصُّفُوفِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةً لَمْ يَبْلُغْهَا إلَّا بِتَخَطِّي رَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهَا لِتَقْصِيرِ الْقَوْمِ بِإِخْلَاءِ فُرْجَةٍ، لَكِنْ يُسَنُّ لَهُ عَدَمُ التَّخَطِّي إذَا وَجَدَ غَيْرَهَا، فَإِنْ زَادَ التَّخَطِّي عَلَيْهِمْ وَلَوْ مِنْ صَفٍّ وَاحِدٍ وَرَجَا أَنْ يَتَقَدَّمُوا إلَى الْفُرْجَةِ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ كُرِهَ لِكَثْرَةِ الْأَذَى وَمِنْهَا الرَّجُلُ الْمُعَظَّمُ فِي النُّفُوسِ إذَا أَلِفَ مَوْضِعًا لَا يُكْرَهُ لَهُ لِقِصَّةِ عُثْمَانَ الْمَشْهُورَةِ وَتَخَطِّيهِ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، قَالَهُ الْقَفَّالُ وَالْمُتَوَلِّي، وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَنْ ظَهَرَ صَلَاحُهُ وَوِلَايَتُهُ فَإِنَّ النَّاسَ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ وَيُسَرُّونَ بِتَخَطِّيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَظَّمًا لَمْ يَتَخَطَّ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَحَلٌّ مَأْلُوفٌ كَمَا قَالَهُ
[حاشية الشبراملسي]
فِي الصُّفُوفِ يَمْشِي فِيهَا (قَوْلُهُ: مِنْ الْمُتَحَدَّثَاتِ) أَيْ الْمُبَاحَةِ أَوْ مُتَحَدِّثَاتِ الْخَيْرِ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ حَجّ (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ أَحَدًا لِيَجْلِسَ مَكَانَهُ) أَيْ حَيْثُ كَانُوا كُلُّهُمْ يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ كَمَا هُوَ الْغَرَضُ، أَمَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ إقَامَةِ الْجَالِسِينَ فِي مَوْضِعِ الصَّفِّ مِنْ الْمُصَلِّينَ جَمَاعَةً إذَا حَضَرَتْ جَمَاعَةٌ بَعْدَهُمْ وَأَرَادُوا فِعْلَهَا فَالظَّاهِرُ أَنْ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَلَا حُرْمَةَ، لِأَنَّ الْجَالِسَ ثَمَّ مُقَصِّرٌ بِاسْتِمْرَارِ الْجُلُوسِ الْمُؤَدِّي لِتَفْوِيتِ الْفَضِيلَةِ عَلَى غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ) أَيْ فَهُوَ مُبَاحٌ وَلَيْسَ مَكْرُوهًا وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى، بَلْ لَوْ قِيلَ بِنَدْبِهِ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى الْقُرْبِ مِنْ الْإِمَامِ مَثَلًا لَمْ يَبْعُدْ (قَوْلُهُ: مَنْ يَقْعُدُ لَهُ فِي مَكَان إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْمَبْعُوثُ حُضُورَ الْجُمُعَةِ بَلْ كَانَ عَزْمُهُ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ مَنْ بَعَثَهُ انْصَرَفَ هُوَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الَّتِي فَرَّقَ بِهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَضْعِ السَّجَّادَةِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ بِهِ أَحَدٌ) أَيْ جَالِسٌ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ بَلْ قَدْ يُقَالُ بِتَحْرِيمِهِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ الصَّوْمُ) أَيْ صَوْمُ النَّفْلِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْإِمَامُ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ غَيْرَ الْإِمَامِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ زَادَ التَّخَطِّي عَلَيْهِمَا) أَيْ الرَّجُلَيْنِ (قَوْلُهُ: إذَا أَلِفَ مَوْضِعًا)
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: بِالرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ) لَيْسَتْ قَيْدًا فِي الْحُكْمِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، بَلْ سَائِرُ الْمَسَاجِدِ حُكْمُهَا كَذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْجِيرِ الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَإِنَّمَا خَصَّ الرَّوْضَةَ الشَّرِيفَةَ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْوَاقِعُ فِيهَا
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مِنْ صَفٍّ وَاحِدٍ) اُنْظُرْ مَا صُورَةُ الزِّيَادَةِ فِي الصَّفِّ الْوَاحِدِ (قَوْلُهُ: وَرَجَا أَنْ يَتَقَدَّمُوا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَرْجُ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ فَتَنَبَّهْ
الْبَنْدَنِيجِيُّ.
وَمِنْهَا إذَا جَلَسَ دَاخِلَ الْجَامِعِ عَلَى طَرِيقِ النَّاسِ.
وَمِنْهَا إذَا سَبَقَ الْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ أَوْ غَيْرُ الْمُسْتَوْطِنِينَ إلَى الْجَامِعِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْكَامِلِينَ إذَا حَضَرُوا التَّخَطِّي لِسَمَاعِ الْأَرْكَانِ إذَا تَوَقَّفَ سَمَاعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَتَزَيَّنَ) حَاضِرُ الْجُمُعَةِ إذَا كَانَ ذَكَرًا (بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ) لِخَبَرِ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إنْ كَانَ عِنْدَهُ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ وَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثُمَّ أَنْصَتَ إذَا خَرَجَ إمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَأَفْضَلُهُمَا فِي الْأَلْوَانِ الْبَيَاضُ لِخَبَرِ «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا خَيْرُ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» زَادَ الصَّيْمَرِيُّ: وَأَنْ تَكُونَ جَدِيدَةً، قَيَّدَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَحْثًا بِغَيْرِ أَيَّامِ الشِّتَاءِ وَالْوَحْلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ خُشِيَ تَلْوِيثُهَا، ثُمَّ مَا صُبِغَ غَزْلُهُ قَبْلَ نَسْجِهِ كَالْبُرْدِ لَا مَا صُبِغَ مَنْسُوجًا، بَلْ ذَهَبَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ إلَى كَرَاهَةِ لُبْسِهِ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي بَابِ مَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لُبْسُ مَصْبُوغٍ بِغَيْرِ الزَّعْفَرَانِ، وَالْعُصْفُرِ وَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ الزِّيَادَةُ فِي حُسْنِ الْهَيْئَةِ وَالْعِمَّةِ وَالِارْتِدَاءِ لِلِاتِّبَاعِ وَلِأَنَّهُ مَنْظُورٌ إلَيْهِ.
وَفِي الْمَجْمُوعِ: الْأَوْلَى لَهُ تَرْكُ لُبْسِ السَّوَادِ حَيْثُ لَمْ يَخْشَ مَفْسَدَةً بَلْ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى لُبْسِهِ بِدْعَةٌ إلَّا أَنَّ مُنِعَ الْخَطِيبُ مِنْ الْخُطْبَةِ إلَّا بِهِ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُكْرَهُ لَهَا الطِّيبُ وَالزِّينَةُ وَفَاخِرُ الثِّيَابِ عِنْدَ إرَادَتِهَا حُضُورَهَا.
نَعَمْ يُسَنُّ لَهَا قَطْعُ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ وَيُلْحَقُ بِهَا الْخُنْثَى (وَطِيبٍ) لِلْخَبَرِ الْمَارِّ مَا لَمْ يَكُنْ صَائِمًا فِيمَا يَظْهَرُ (وَإِزَالَةِ ظُفْرٍ) مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ لَا إحْدَاهُمَا فَيُكْرَهُ بِلَا عُذْرٍ، وَالشُّعُورِ فَيَنْتِفُ إبْطَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ وَيَحْلِقُ عَانَتَهُ وَيَقُومُ مَقَامَ حَلْقِهَا قَصُّهَا أَوْ نَتْفُهَا، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَنْتِفُ عَانَتَهَا بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهَا إزَالَتُهَا عِنْدَ أَمْرِ الزَّوْجِ لَهَا بِهِ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ «كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الصَّلَاةِ» قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: وَيُسْتَحَبُّ قَلْمُ الْأَظْفَارِ فِي كُلِّ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ أَوْ لَمْ يَأْلَفْ (قَوْلُهُ: إذَا تَوَقَّفَ سَمَاعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ) أَيْ بَلْ يَجِبُ إقَامَتُهُمْ مِنْ مَجَالِسِهِمْ إذَا تَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَبِهِ يُقَيَّدُ قَوْلُهُمْ إذَا سَبَقَ الصَّبِيُّ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَا يُقَامُ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: حَاضِرُ الْجُمُعَةِ) أَيْ مُرِيدُ حُضُورِهَا (قَوْلُهُ: ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ) أَيْ مَا طُلِبَ مِنْهُ صَلَاتُهُ كَالتَّحِيَّةِ (قَوْلُهُ: كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا) هَذَا يَقْضِي أَنَّ تَكْفِيرَ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ مَشْرُوطٌ بِمَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَضِيَّةُ الْحَدِيثِ السَّابِقِ فِي قَوْلِهِ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَدَنَا وَاسْتَمَعَ إلَخْ خِلَافُهُ، فَلَعَلَّ مَا هُنَا بَيَانٌ لِلْأَكْمَلِ (قَوْلُهُ: الْبَيَاضُ) هَلْ يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الثَّوْبُ مَغْصُوبًا أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْحُصُولُ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ لُبْسِهِ لِحَقِّ الْغَيْرِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَضَّأَ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْوُضُوءُ وَإِنْ عُوقِبَ مِنْ حَيْثُ إتْلَافُ مَالِ الْغَيْرِ (قَوْلُهُ: وَأَنْ تَكُونَ جَدِيدَةً) أَيْ إنْ تَيَسَّرَتْ لَهُ وَإِلَّا فَمَا قَرُبَ مِنْ الْجَدِيدَةِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ.
وَفِي سم عَلَى حَجّ: بَقِيَ مَا لَوْ كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عِيدٍ فَهَلْ يُرَاعِي الْجُمُعَةَ فَيُقَدِّمُ الْأَبْيَضَ أَوْ الْعِيدَ فَالْأَغْلَى أَوْ يُرَاعِي الْجُمُعَةَ وَقْتَ إقَامَتِهَا فَيُقَدِّمُ الْأَبْيَضَ حِينَئِذٍ وَالْعِيدَ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ فَيُقَدِّمُ الْأَغْلَى فِيهَا (لَكِنْ قَدْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ أَنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِ فِي كُلِّ زَمَنٍ) أَنَّهُ لَوْ رُوعِيَتْ الْجُمُعَةُ رُوعِيَتْ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ، وَقَدْ يُرَجَّحُ مُرَاعَاةُ الْعِيدِ مُطْلَقًا إذْ الزِّينَةُ فِيهِ آكَدٌّ مِنْهَا فِي الْجُمُعَةِ، وَلِهَذَا سُنَّ الْغُسْلُ وَغَيْرُهُ فِيهِ لِكُلِّ أَحَدٍ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَالْبُرُدِ) وَالْجَمْعُ بُرُودٌ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهْ لُبْسُ مَصْبُوغٍ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: بَلْ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى لُبْسِهِ) أَيْ لِكُلِّ أَحَدٍ: أَيْ عَلَى الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ كَتَحَمُّلِهِ الْوَسَخَ (قَوْلُهُ: إلَّا إنْ مُنِعَ الْخَطِيبُ) هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ أَوْلَوِيَّةِ تَرْكِ لُبْسِ السَّوَادِ لَا مِنْ قَوْلِهِ وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ، لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ بِدْعَةً وَإِنْ صَارَ بِهِ مَعْذُورًا فِي اللُّبْسِ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْمَرْأَةُ) أَيْ وَلَوْ عَجُوزًا (قَوْلُهُ: نَعَمْ يُسَنُّ لَهَا قَطْعُ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ) أَيْ وَإِنْ ظَهَرَ لِمَا تُزِيلُ بِهِ رِيحٌ حَيْثُ لَمْ يَتَأَتَّ إلَّا بِهِ (قَوْلُهُ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهَا إزَالَتُهَا) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى إزَالَتِهَا ضَرَرٌ بِمُخَالَفَةِ الْعَادَةِ فِي فِعْلِهَا (قَوْلُهُ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ) بَابُهُ ضَرَبَ مُخْتَارٌ: أَيْ فَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُخَفَّفَةً وَيَجُوزُ فِيهِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ كُلَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَعَ أَنَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِطُولِهَا عَادَةً وَيَخْتَلِفُ حِينَئِذٍ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: الْأَوْلَى فِي الْأَظْفَارِ مُخَالَفَتُهَا، فَقَدْ رُوِيَ «مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ مُخَالِفًا لَمْ يَرَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدًا» وَفَسَّرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ أَنْ يَبْدَأَ بِخِنْصَرِ الْيَمَنِيِّ ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْإِبْهَامِ ثُمَّ الْبِنْصِرِ ثُمَّ الْمُسَبِّحَةِ ثُمَّ بِإِبْهَامِ الْيُسْرَى ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْخِنْصَرِ ثُمَّ السَّبَّابَةِ ثُمَّ الْبِنْصِرِ، لَكِنْ ذَهَبَ الْغَزَالِيُّ إلَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمُسَبِّحَةِ يَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ بِالْوُسْطَى ثُمَّ بِالْبِنْصِرِ ثُمَّ بِالْخِنْصَرِ ثُمَّ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى ثُمَّ بِنْصِرِهَا ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْإِبْهَامِ ثُمَّ الْمُسَبِّحَةِ ثُمَّ إبْهَامِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَبْدَأُ بِخِنْصَرِ الرَّجُلِ الْيُمْنَى، وَحُكِيَ ذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْهُ وَقَالَ: إنَّهُ حَسَنٌ إلَّا تَأْخِيرَ إبْهَامِ الْيُمْنَى أَنْ يُقَلِّمَهَا بَعْدَ خِنْصَرِهَا، وَبِهِ جَزَمَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَمَحَلُّ مَا ذُكِرَ فِي غَيْرِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمُرِيدِ التَّضْحِيَةِ.
وَلَا يُسَنُّ حَلْقُ الرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ نُسُكٍ أَوْ مَوْلُودٍ فِي سَابِعِ وِلَادَتِهِ أَوْ كَافِرٍ أَسْلَمَ كَمَا مَرَّ فِيهِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مُبَاحٌ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ دَفْنُ مَا يُزِيلُهُ مِنْ ظُفْرٍ وَشَعْرٍ وَدَمٍ (وَ) إزَالَةُ (الرِّيحِ) الْكَرِيهَةِ كَالصُّنَانِ لِلتَّأَذِّي بِهِ فَيُزِيلُهُ بِالْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ.
قَالَ إمَامُنَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْ نَظَّفَ ثَوْبَهُ قَلَّ هَمُّهُ، وَمَنْ طَابَ رِيحُهُ زَادَ عَقْلُهُ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ وَإِنْ اُسْتُحِبَّتْ لِكُلِّ حَاضِرِ جَمْعٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فَهِيَ فِي الْجُمُعَة آكَدُ اسْتِحْبَابًا.
(قُلْت: وَأَنْ يَقْرَأَ الْكَهْفَ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ شَذَّ فَكَرِهَ ذِكْرَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ سُورَةٍ (يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا) وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، فَقَدْ صَحَّ «مَنْ قَرَأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» وَوَرَدَ «مَنْ قَرَأَهَا لَيْلَتَهَا أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ» وَقِرَاءَتُهَا نَهَارًا آكَدُ، وَأَوْلَاهَا بَعْدَ الصُّبْحِ مُسَارَعَةً لِلْخَيْرِ مَا أَمْكَنَ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ فِيهَا أَهْوَالَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْجُمُعَةُ تُشْبِهُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ اجْتِمَاعِ الْخَلْقِ وَلِأَنَّ الْقِيَامَةَ تَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ (وَيُكْثِرُ الدُّعَاءَ) يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِيُصَادِفَ سَاعَةَ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْضًا ضَمُّ الْيَاءِ وَفَتْحُ الْقَافِ وَتَشْدِيدُ اللَّامِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ تُعْلَمْ الرِّوَايَةُ، فَإِنْ عُلِمَتْ تَعَيَّنَ مَا فِيهَا (قَوْلُهُ: ثُمَّ يَبْدَأُ بِخِنْصَرِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى) أَيْ إلَى خِنْصَرِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى عَلَى التَّوَالِي اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَبِهِ جَزَمَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ) وَصَرَّحَ بِاعْتِمَادِهِ حَجّ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ.
قَالَ حَجّ: وَيَنْبَغِي الْبِدَارُ بِغَسْلِ مَحَلِّ الْقَلْمِ لِأَنَّ الْحَكَّ بِهِ قَبْلَهُ يُخْشَى مِنْهُ الْبَرَصُ، وَيُسَنُّ فِعْلُ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ أَوْ بُكْرَةَ الْجُمُعَةِ لِوُرُودِ كُلٍّ وَكَرِهَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ نَتْفَ الْأَنْفِ قَالَ: بَلْ يَقُصُّهُ لِحَدِيثٍ فِيهِ، قِيلَ بَلْ فِي حَدِيثٍ أَنَّ فِي بَقَائِهِ أَمَانًا مِنْ الْجُذَامِ اهـ. وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلّه مَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَشْوِيهٌ وَإِلَّا فَيُنْدَبُ قَصُّهُ.
(قَوْلُهُ: وَمَا سِوَى ذَلِكَ مُبَاحٌ) إلَّا أَنْ يَتَأَذَّى بِبَقَاءِ شَعْرِهِ أَوْ شَنَّ عَلَيْهِ تَعَهُّدُهُ فَيُنْدَبُ اهـ حَجّ: أَيْ أَوْ صَارَ تَرْكُهُ مَحَلًّا بِالْمُرُوءَةِ كَمَا فِي زَمَنِنَا فَيُنْدَبُ، وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا أَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ يُؤَخِّرَ الْحَلْقَ عَنْ الْغُسْلِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ لِيُزِيلَ الْغُسْلُ أَثَرَهَا عَنْ الشَّعْرِ (قَوْلُهُ: وَشَعْرُ) قَدْ يَشْمَلُ شَعْرَ الْعَوْرَةِ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ الْوَاجِبُ سَتْرُهُ عَنْ الْأَعْيُنِ، وَهَلْ يَحْرُمُ إلْقَاءُ ذَلِكَ فِي النَّجَاسَةِ كَالْأَخْلِيَةِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَظَاهِرُ إطْلَاقِ سَنِّ الدَّفْنِ الثَّانِي فَلْيُرَاجَعْ، ثُمَّ لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ صَاحِبُ الشَّعْرِ يَنْبَغِي لِغَيْرِهِ مُزَيِّنًا أَوْ غَيْره فِعْلُهُ لِطَلَبِ سَتْرِهِ عَنْ الْأَعْيُنِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَاحْتِرَامِهِ وَمِنْ ثَمَّ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَسَتْرِ إنَاءٍ بِهِ أَوْ اتِّخَاذِ خَيْطٍ مِنْهُ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ فَكُرِهَ ذِكْرُ ذَلِكَ) أَيْ كُرِهَ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُ الصُّورَةِ مِنْ غَيْرِ إضَافَةِ لَفْظِ سُورَةِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ) وَأَقَلُّ الْإِكْثَارِ ثَلَاثَةٌ (قَوْلُهُ: أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ) هَلْ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهَا فِي الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى أَوْ بِشَرْطِهِ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ كُلَّ جُمُعَةٍ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ فِيهَا مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَلَا ارْتِبَاطَ لِوَاحِدَةٍ مِنْ الْجُمَعِ بِغَيْرِهَا (قَوْلُهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَكُونُ نُورُ الْأَبْعَدِ أَكْثَرَ مِنْ نُورِ الْأَقْرَبِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيْحُكُمْ مَا يُرِيدُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ نُورَ الْأَقْرَبِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مَسَافَةً يُسَاوِي نُورَ الْأَبْعَدِ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ أَطْوَلَ مَسَافَةً اهـ سم عَلَى حَجّ.
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْإِجَابَةِ، فَقَدْ صَحَّ «لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ» وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ انْتِظَارُهَا وَبِالْقِيَامِ الْمُلَازَمَةُ وَأَرْجَاهَا مِنْ جُلُوسِ الْخَطِيبِ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْمُرَادُ عَدَمُ خُرُوجِهَا عَنْ هَذَا الْوَقْتِ لَا أَنَّهَا مُسْتَغْرِقَةٌ لَهُ لِأَنَّهَا لَحْظَةٌ لَطِيفَةٌ وَخَبَرُ «الْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ» قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهَا مُنْتَقِلَةٌ تَكُونُ يَوْمًا فِي وَقْتٍ وَيَوْمًا فِي آخَرَ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ وَقْتَ الْخُطْبَةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَوْقَاتِ الْبُلْدَانِ بَلْ فِي الْبَلْدَةِ الْوَاحِدَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا سَاعَةُ الْإِجَابَةِ فِي حَقِّ كُلِّ أَهْلِ مَحَلٍّ مِنْ جُلُوسِ خَطِيبِهِ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا مُبْهَمَةٌ بَعْدَ الزَّوَالِ فَقَدْ يُصَادِفُهَا أَهْلُ مَحَلٍّ وَلَا يُصَادِفُهَا أَهْلُ مَحَلٍّ آخَرَ يَتَقَدَّمُ أَوْ تَأَخَّرَ.
وَسُئِلَ الْبُلْقِينِيُّ: كَيْفَ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الدُّعَاءِ التَّلَفُّظُ بَلْ اسْتِحْضَارُ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ كَافٍ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ: وَهَذَا إمَّا أَنْ يَكُونَ إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَفْتَتِحَ الْخُطْبَةَ وَإِمَّا بَيْنَ خُطْبَتَيْهِ وَإِمَّا بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ، وَإِمَّا فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ.
قَالَ النَّاشِرِيُّ: وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْلَ الْبُلْقِينِيِّ وَهُوَ أَظْهَرُ.
وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَصِلَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ بِصَلَاةٍ أُخْرَى وَلَوْ سُنَّتَهَا بَلْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِنَحْوِ تَحَوُّلِهِ أَوْ كَلَامٍ لِخَبَرٍ فِيهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَيُكْرَهُ تَشْبِيكُ الْأَصَابِعِ وَالْعَبَثِ حَالَ الذَّهَابِ لِصَلَاةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جُمُعَةً وَانْتِظَارُهَا وَلَا يُعَارِضُهُ تَشْبِيكُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَا سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ لِأَنَّهُ كَانَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي اعْتِقَادِهِ،
[حاشية الشبراملسي]
فَائِدَةٌ] قَالَ السُّيُوطِيّ فِي كِتَابِ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ: كَيْفِيَّةُ صَلَاةِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ لِحِفْظِ الْقُرْآنِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِيهَا يس وَالَمْ تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ وَالدُّخَانَ وَتَبَارَكَ، فَإِذَا فَرَغَ حَمِدَ وَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ وَصَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَاسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي بِتَرْكِ الْمَعَاصِي أَبَدًا مَا أَبْقَيْتنِي، وَارْحَمْنِي أَنْ أَتَكَلَّفَ مَا لَا يَعْنِينِي، وَارْزُقْنِي حُسْنَ النَّظَرِ فِيمَا يُرْضِيك عَنِّي.
اللَّهُمَّ بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَالْقُوَّةِ الَّتِي لَا تُرَامُ، أَسْأَلُك يَا اللَّهُ يَا رَحْمَنُ بِجَلَالِك وَنُورِ وَجْهِك أَنْ تُلْزِمَ قَلْبِي حِفْظَ كِتَابِك كَمَا عَلَّمْتَنِي، وَارْزُقْنِي أَنْ أَتْلُوَهُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يُرْضِيك عَنِّي.
اللَّهُمَّ بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَالْعِزَّةِ الَّتِي لَا تُرَامُ، أَسْأَلُك يَا رَحْمَنُ بِجَلَالِك وَنُورِ وَجْهِك أَنْ تُنَوِّرَ بِكِتَابِك بَصَرِي وَأَنْ تُطْلِقَ بِهِ لِسَانِي وَأَنْ تُفَرِّجَ بِهِ عَنْ قَلْبِي وَأَنْ تَشْرَحَ بِهِ صَدْرِي وَأَنْ تَشْغَلَ بِهِ بَدَنِي، فَإِنَّهُ لَا يُعِينُنِي عَنْ الْحَقِّ غَيْرُك وَلَا يُؤْتِينِيهِ إلَّا أَنْتَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ اهـ. وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يُكَرِّرُ الدُّعَاءَ وَلَوْ قِيلَ بِهِ لَكَانَ حَسَنًا.
وَقَوْلُهُ وَاسْتَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَأَنْ يَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (قَوْلُهُ: وَأَرْجَاهَا مِنْ جُلُوسِ الْخَطِيبِ إلَخْ) عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ نَحْوِ خَمْسِينَ قَوْلًا اهـ حَجّ فِيمَا تَقَدَّمَ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا إلَخْ (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ) أَيْ جَوَابًا عَنْ الْخَبَرِ (قَوْلُهُ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) لَعَلَّهُ عِنْدَهُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ، وَإِلَّا فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا تَلْزَمُ لَيْلَةً بِعَيْنِهَا (قَوْلُهُ: كَافٍ فِي ذَلِكَ) ثُمَّ هُوَ وَإِنْ كَانَ كَافِيًا فِي الدُّعَاءِ لَا يُعَدُّ كَلَامًا فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِاسْتِحْضَارِ دُعَاءٍ مُحَرَّمٍ أَوْ مُشْتَمِلٍ عَلَى خِطَابٍ، بَلْ وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الذِّكْرِ (قَوْلُهُ وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْلَ الْبُلْقِينِيِّ وَهُوَ أَظْهَرُ) أَيْ مِمَّا ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ لِمَا فِي اشْتِغَالِهِ بِالدُّعَاءِ بِالْقَلْبِ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْخَطِيبِ، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا بَنَى عَلَى كَلَامِ الْحَلِيمِيِّ جَازَ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الْإِجَابَةِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ أَوْ وَقْتَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَلَا يُصَادِفُهُ إذَا لَمْ يَدْعُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ وَانْتِظَارُهَا) أَيْ حَيْثُ جَلَسَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، أَمَّا إذَا جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ لَا لِلصَّلَاةِ بَلْ لِغَيْرِهَا كَحُضُورِ دَرْسٍ أَوْ كِتَابَةٍ فَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَهُوَ أَظْهَرُ) قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا يُلَاقِي الْحِكْمَةَ فِي طَلَبِ الدُّعَاءِ حِينَئِذٍ وَهِيَ تَحَرِّي مُصَادَفَةِ سَاعَةِ الْإِجَابَةِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالِاشْتِغَالِ بِهِ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهِ السَّاعَةُ وَهُوَ مُشْتَغِلٌ.
وَمَنْ جَلَسَ بِطَرِيقِ أَوْ بِمَحَلِّ الْإِمَامِ أُمِرَ بِالْقِيَامِ وَكَذَا مَنْ اسْتَقْبَلَ وُجُوهَ النَّاسِ وَالْمَكَانُ ضَيِّقٌ (وَالصَّلَاةَ) أَيْ وَيُكْثِرُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فِي يَوْمِهَا وَلَيْلَتِهَا الْخَبَرَ «إنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيَّ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَخَبَرُ «أَكْثِرُوا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيَّ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» وَتَنْصِيصُ الْمُصَنِّفِ عَلَى الصَّلَاةِ لَيْسَ
[حاشية الشبراملسي]
فِي حَقِّهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَأَمَّا إذَا انْتَظَرَهُمَا مَعًا فَيَنْبَغِي الْكَرَاهَةُ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ (قَوْلُهُ: أُمِرَ بِالْقِيَامِ) أَيْ نَدْبًا (قَوْلُهُ: وَالصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لَمْ يَتَعَرَّضْ كحج لِصِيغَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَنْبَغِي أَنْ تَحْصُلَ بِأَيِّ صِيغَةٍ كَانَتْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَفْضَلَ الصِّيَغِ الصِّيغَةُ الْإِبْرَاهِيمِيَّة.
ثُمَّ رَأَيْت فِي فَتَاوَى حَجّ الْحَدِيثِيَّةِ مَا نَصُّهُ نَقْلًا مِنْ ابْنِ الْهُمَامِ أَنَّ أَفْضَلَ الصِّيَغِ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ الْوَارِدَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ أَبَدًا أَفْضَلَ صَلَوَاتِك عَلَى سَيِّدِنَا عَبْدِك وَنَبِيِّك وَرَسُولِك مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، وَزِدْهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، وَأَنْزِلْهُ الْمَنْزِلَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَك يَوْمَ الْقِيَامَةِ اهـ. وَأَقَلُّهُ ثَلَثُمِائَةٍ بِاللَّيْلِ وَمِثْلُهُ بِالنَّهَارِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي السَّخَاوِيِّ فِي الْقَوْلِ الْبَدِيعِ فِي الْفَوَائِدِ الَّتِي خَتَمَ بِهَا الْبَابَ الرَّابِعَ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ وَأَكْثِرُوا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيَّ قَالَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ صَاحِبُ الْقُوتِ: أَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَثُمِائَةٍ.
قُلْت: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مُسْتَنِدِهِ فِي ذَلِكَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَلَقَّى ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّالِحِينَ، إمَّا بِالتَّجَارِبِ أَوْ بِغَيْرِهِ، أَوْ يَكُونُ مِمَّنْ يَرَى أَنَّ الْكَثْرَةَ أَقَلُّ مَا تَحْصُلُ بِثَلَثِمِائَةٍ كَمَا حَكَوْا فِي الْمُتَوَاتِرِ قَوْلًا أَنَّ أَقَلَّ مَا يَحْصُلُ بِثَلَثِمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشْرَ وَيَكُونُ هُنَا قَدْ أَلْغَى الْكَسْرَ الزَّائِدَ عَلَى الْمَئِينِ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
[فَائِدَةٌ] قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي أَوَّلِ الْجُزْءِ الثَّالِثِ بَعْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الْأَعْمَالَ تُرْفَعُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» مَا نَصُّهُ: أَخَذَ مِنْهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الْبُرْهَانِ بْنِ أَبِي شَرِيفٍ مَشْرُوعِيَّةَ الِاجْتِمَاعِ لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَالِاثْنَيْنِ كَمَا يُفْعَلُ فِي الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ، وَرَفْعَ الصَّوْتِ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ مُلْحَقَةٌ بِالْيَوْمِ لِأَنَّ اللَّامَ فِي الْأَعْمَالِ لِلْجِنْسِ فَيَشْمَلُ الذِّكْرَ وَالصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالدُّعَاءَ لَا سِيَّمَا فِي لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ فَإِنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ إنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ اهـ. وَأَقُولُ: لَا يَخْفَى مَا فِي الْأَخْذِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْبُعْدِ وَالتَّعَسُّفِ اهـ. وَالْأَقْرَبُ مَا قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (قَوْلُهُ: أَيْ وَيُكْثِرُ مِنْ الصَّلَاةِ) قَدْ يُشِيرُ هَذَا إلَى أَنَّهُ فِي الْمَتْنِ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ وَفِي الْمُخْتَارِ وَاسْتَكْثَرَ مِنْ الشَّيْءِ أَكْثَرَ مِنْهُ اهـ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ) أَيْ تَعْرِضُهَا الْمَلَائِكَةُ، فَمَا اشْتَهَرَ أَنَّهُ يَسْمَعُ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَهَا بِلَا وَاسِطَةٍ لَا أَصْلَ لَهُ.
نَعَمْ تَبْلُغُهُ بِلَا وَاسِطَةٍ مِمَّنْ صَلَّى عِنْدَ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ فِي بَابِ الْحَجِّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيُسَنُّ زِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَبَرِ «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» ثُمَّ قَالَ: وَخَبَرِ «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا يُبَلِّغُنِي وَكُفِيَ أَمْرَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ وَكُنْت لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» اهـ. وَبِهَامِشِهِ ثَمَّ مَا نَصُّهُ أَقُولُ قَضِيَّةُ قَوْلِهِ يَبْلُغُنِي أَنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ بِلَا وَاسِطَةِ الْمَلَكِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بِالْهَامِشِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ يَسْمَعُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَبْرِ بِلَا وَاسِطَةٍ، فَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا هُنَا عَلَى أَنَّهُ يَبْلُغُ ذَلِكَ مَعَ السَّمَاعِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي ابْنِ حَجَرٍ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالدُّرِّ الْمُنَظَّمِ فِي زِيَارَةِ الْقَبْرِ الْمُعَظَّمِ مَا نَصُّهُ تَنْبِيهٌ: يَجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الظَّاهِرَةِ التَّعَارُضُ بِبَادِي الرَّأْيِ وَأَحَادِيثَ أُخَرَ وَرَدَتْ بِمَعْنَاهَا أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَالْمَكَانُ ضَيِّقٌ) لَعَلَّ الْمُرَادَ الْمَكَانُ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُصَلِّينَ بِأَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنْهُمْ
يُقَيِّدُ بَلْ يَجْرِي طَلَبُ الْإِكْثَارِ فِي الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ أَيْضًا نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْ الْخَبَرِ أَنَّ الْإِكْثَارَ مِنْهَا أَفْضَلُ مِنْهُ بِذِكْرٍ أَوْ قُرْآنٍ.
(وَيَحْرُمُ عَلَى ذِي الْجُمُعَةِ) أَيْ مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ (التَّشَاغُلُ عَنْهَا) بِأَنْ يَتْرُكَ السَّعْيَ إلَيْهَا (بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ) مِنْ سَائِرِ الْعُقُودِ وَالصَّنَائِعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: 9] الْآيَةَ، وَقِيسَ بِالْبَيْعِ نَحْوُهُ مِنْ الْعُقُودِ وَغَيْرِهَا مِمَّا مَرَّ: أَيْ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يُشْغِلَ بِجَامِعِ التَّفْوِيتِ، وَتَقْيِيدُ الْأَذَانِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا مَرَّ فَانْصَرَفَ النِّدَاءُ فِي الْآيَةِ إلَيْهِ، وَلَوْ تَبَايَعَ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا تَلْزَمُهُ فَقَطْ وَالْآخَرُ لَا تَلْزَمُهُ أَثِمَ كَمَا قَالَاهُ، بَلْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ لِارْتِكَابِ الْأَوَّلِ النَّهْيَ وَإِعَانَةِ الثَّانِي لَهُ عَلَيْهِ، وَكَمَا لَوْ لَعِبَ شَافِعِيٌّ الشِّطْرَنْجَ مَعَ حَنَفِيٍّ وَنَصُّهُ عَلَى تَخْصِيصِ الْإِثْمِ الْأَوَّلِ مَحْمُولٌ عَلَى إثْمِ التَّفْوِيتِ، أَمَّا إثْمُ الْمُعَاوَنَةِ فَعَلَى الثَّانِي.
وَاسْتَثْنَى الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ شِرَاءَ مَاءِ طُهْرِهِ وَشَرِبَهُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِمَا وَمَا دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةُ الطِّفْلِ أَوْ الْمَرِيضِ إلَى شِرَاءِ دَوَاءٍ أَوْ طَعَامٍ وَنَحْوِهِمَا، فَلَا يَعْصِي الْوَلِيُّ وَلَا الْبَائِعُ إذَا كَانَا يُدْرِكَانِ الْجُمُعَةَ مَعَ ذَلِكَ، بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَإِنْ فَاتَتْ الْجُمُعَةُ فِي صُوَرٍ مِنْهَا إطْعَامُ الْمُضْطَرِّ وَبَيْعُهُ مَا يَأْكُلُهُ وَبَيْعُ كَفَنِ مَيِّتٍ خِيفَ تَغَيُّرُهُ بِالتَّأْخِيرِ وَفَسَادُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلَهُ الْبَيْعُ وَنَحْوُهُ وَهُوَ سَائِرٌ إلَيْهِ، وَكَذَا فِي الْجَامِعِ لَكِنَّهُ فِيهِ مَكْرُوهٌ، وَلَوْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوْ لَا إذَا لَا تَشَاغُلَ كَالْحَاضِرِ فِي الْمَسْجِدِ، كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَكَلَامُهُمْ إلَى الْأَوَّلِ أَقْرَبُ، وَهَلْ الِاشْتِغَالُ بِالْعِبَادَةِ كَالْكِتَابَةِ كَالِاشْتِغَالِ بِنَحْوِ الْبَيْعِ؟ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ نَعَمْ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: لَوْ أَرَادَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ بَيْعَ مَالِهِ وَقْتَ النِّدَاءِ لِلضَّرُورَةِ وَهُنَاكَ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَبَذَلَ دِينَارًا وَبَذَلَ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ نِصْفَ دِينَارٍ فَمِنْ أَيِّهِمَا يَبِيعُ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ: أَحَدُهُمَا مِنْ الثَّانِي لِئَلَّا يُوقِعَ الْأَوَّلَ فِي الْمَعْصِيَةِ.
وَالثَّانِي مِنْ ذِي الْجُمُعَةِ لِأَنَّ الَّذِي إلَيْهِ الْإِيجَابُ غَيْرُ عَاصٍ وَالْقَبُولُ لِلطَّالِبِ وَهُوَ عَاصٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَخَّصَ لَهُ فِي الْقَبُولِ لِيَنْتَفِعَ الْيَتِيمُ إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ كَمَا رَخَّصَ لِلْوَلِيِّ فِي الْإِيجَابِ لِلْحَاجَةِ، وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ (فَإِنْ بَاعَ) مَثَلًا مَنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ (صَحَّ) بَيْعُهُ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لِمَعْنًى خَارِجٍ فَلَا تُبْطِلُ الْعَقْدَ كَالصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ وَبَيْعِ الْعِنَبِ لِمَنْ يُعْلَمُ اتِّخَاذُهُ خَمْرًا وَغَيْرُ الْبَيْعِ مُلْحَقٌ بِهِ ذَلِكَ.
(وَيُكْرَهُ قَبْلَ الْأَذَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِدُخُولِ وَقْتِ الْوُجُوبِ فَالتَّشَاغُلُ عَنْهُ كَالْإِعْرَاضِ،
[حاشية الشبراملسي]
يُبَلَّغُ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ إذَا صَدَرَا مِنْ بُعْدٍ وَيَسْمَعُهُمَا إذَا كَانَا عِنْدَ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَإِنْ وَرَدَ أَنَّهُ يُبَلَّغُهُمَا هُنَا أَيْضًا كَمَا مَرَّ، إذْ لَا مَانِعَ أَنَّ مَنْ عِنْدَ قَبْرِهِ يُخَصُّ بِأَنَّ الْمَلَكَ يُبَلِّغُ صَلَاتَهُ وَسَلَامَهُ مَعَ سَمَاعِهِ لَهُمَا إشْعَارًا بِمَزِيدِ خُصُوصِيَّتِهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِ وَالِاسْتِمْدَادِ لَهُ بِذَلِكَ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، إذْ الْمُقَيَّدُ يَقْضِي بِهِ عَلَى الْمُطْلَقِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ وَاجِبٌ حَيْثُ أَمْكَنَ.
وَأَفْتَى النَّوَوِيُّ فِيمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْمَعُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ هَلْ يَحْنَثُ بِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْحِنْثِ لِلشَّكِّ فِي ذَلِكَ.
وَالْوَرَعُ أَنَّهُ يَلْتَزِمُ الْحِنْثَ اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْإِكْثَارَ مِنْهَا) أَيْ بَلْ الِاشْتِغَالُ بِهَا فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَيَوْمِهَا أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ بِخُصُوصِهِ.
أَمَّا مَا وَرَدَ فِيهِ ذَلِكَ كَقِرَاءَةِ الْكَهْفِ وَالتَّسْبِيحِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ، فَالِاشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلُ.
(قَوْلُهُ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَشْغَلَ إلَخْ) شَمَلَ مَا لَوْ قَطَعَ بِعَدَمِ فَوَاتِهَا، وَنَقَلَهُ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: عَلَى تَخْصِيصِ الْإِثْمِ بِالْأَوَّلِ) أَيْ مَنْ تَلْزَمُهُ (قَوْلُهُ: بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ) وَهَذَا جَوَازٌ بَعْدَ مَنْعٍ فَيَصْدُقُ بِالْوُجُوبِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ فِيهِ مَكْرُوهٌ) أَيْ مُطْلَقًا فَلَا تَتَقَيَّدُ الْكَرَاهَةُ بِهَذَا الْوَقْتِ (قَوْلُهُ: وَكَلَامُهُمْ الْأَوَّلُ أَقْرَبُ) خِلَافًا لحج وَيَلْحَقُ بِهِ: أَيْ الْمَسْجِدِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ كُلُّ مَحِلٍّ يُعْلَمُ وَهُوَ فِيهِ وَقْتُ الشُّرُوعِ فِيهَا وَيَتَيَسَّرُ لَهُ لُحُوقُهَا (قَوْلُهُ: كَالْكِتَابَةِ) أَيْ لِمَا طُلِبَ كِتَابَتُهُ كَالْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ (قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ نَعَمْ) أَيْ فَيَحْرُمُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَيُكْرَهُ فِيهِ (قَوْلُهُ وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ) هُوَ قَوْلُهُ أَحَدُهُمَا مِنْ الثَّانِي إلَخْ: أَيْ وَهُوَ ثَمَنُ مِثْلِهِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ.
.
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .