(قَوْلُهُ: مِنْ هَبَّ) أَيْ مَأْخُوذَةٌ مِنْ هَبَّ إلَخْ (وَقَوْلُهُ وَالسُّنَّةُ) أَيْ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ» أَيْ ظِلْفُهَا شَرْحُ مَنْهَجٍ.
وَالْفِرْسِنُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالسِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ وَبِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْفَاءِ كَمَا فِي الْمِشْكَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ بِالتَّخْفِيفِ) ، وَعَلَيْهِ فَالْبَاءُ مَضْمُومَةٌ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُفَاعَلَةِ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ بَعْضَكُمْ يُحَابِي بَعْضًا (قَوْلُهُ: تَذْهَبُ بِالضَّغَائِنِ) جَمْعُ ضَغِينَةٍ وَهِيَ الْحِقْدُ، يُقَالُ فِي فِعْلِهِ ضَغِنَ كَطَرِبَ انْتَهَى مُخْتَارٌ
[حاشية الرشيدي]
[كِتَابُ الْهِبَةِ] ِ (قَوْلُهُ: بِالتَّشْدِيدِ مِنْ الْمَحَبَّةِ) أَيْ: وَيَكُونُ مَجْزُومًا فِي جَوَابِ الْأَمْرِ، وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ الْمُحَابَاةِ: أَيْ وَيَكُونُ أَمْرًا ثَانِيًا لِلتَّأْكِيدِ هَكَذَا ظَهَرَ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ عَلَى الثَّانِي بِفَتْحِ الْبَاءِ كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ، وَمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مِنْ أَنَّهُ
مَا فِيهِ مِنْ نَحْوِ حِقْدٍ وَغَيْظٍ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ حُكْمُ هَدِيَّةِ أَرْبَابِ الْوِلَايَاتِ وَالْعُمَّالِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَيَحْرُمُ الْإِهْدَاءُ عَلَى مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صَرْفُ مَا يَأْخُذُهُ فِي مَعْصِيَةٍ (التَّمْلِيكِ) لِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ بِتَفْصِيلِهِ الْآتِي أَوْ مَنْفَعَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي (بِلَا عِوَضٍ هِبَةٌ) بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ الشَّامِلُ لِلْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَقَسِيمِهِمَا وَمِنْ ثَمَّ قُدِّمَ الْحَدُّ عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ إلَيْهِ لَفْظُ الْهِبَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَيُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ عِنْدَ التَّأَمُّلِ عَدَمُ مُنَافَاتِهِ لِمَا ذُكِرَ هُنَا فَخَرَجَ بِالتَّمْلِيكِ الضِّيَافَةُ وَالْعَارِيَّةُ فَإِنَّهُمَا إبَاحَةٌ وَالْمِلْكُ يَحْصُلُ بَعْدَهُ، وَالْوَقْفُ فَإِنَّهُ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ لَا عَيْنٍ عَلَى مَا قِيلَ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا تَمْلِيكَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِبَاحَةِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ السُّبْكِيُّ فَقَالَ لَا حَاجَةَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْوَقْفِ فَإِنَّ الْمَنَافِعَ لَمْ يَمْلِكْهَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بِتَمْلِيكِ الْوَاقِفِ بَلْ بِتَسْلِيمِهِ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَخْرُجُ الْهَدِيَّةُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ لِغَنِيٍّ فَإِنَّهُ فِيهِ تَمْلِيكًا، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهِ نَحْوَ الْبَيْعِ كَالْهِبَةِ بِثَوَابٍ وَزِيدَ فِي الْحَدِّ فِي الْحَيَاةِ لِإِخْرَاجِ نَحْوِ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّ التَّمْلِيكَ فِيهَا إنَّمَا يَتِمُّ بِالْقَبُولِ وَهُوَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مَمْنُوعٌ، وَتَطَوَّعَا لِإِخْرَاجِ نَحْوِ الْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ وَالزَّكَاةِ، وَيَرُدُّ بِمَنْعِ التَّمْلِيكِ فِيهَا بَلْ هِيَ كَوَفَاءِ الدُّيُونِ (فَإِنْ) (مَلَكَ) شَيْئًا بِلَا عِوَضٍ (مُحْتَاجًا)
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ الْإِهْدَاءُ) وَكَذَا غَيْرُهُ كَالْهِبَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ سم (قَوْلُهُ: فِي مَعْصِيَةٍ) هَلْ الْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِاعْتِقَادِ الدَّافِعِ أَوْ بِاعْتِقَادِ الْآخَرِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، فَلَوْ وَهَبَهُ أَوْ أَهْدَاهُ لِحَنَفِيٍّ لِيَصْرِفَهُ فِي نَبِيذٍ كَانَ مِنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا يَأْتِي) أَيْ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّ مَا وُهِبَتْ مَنَافِعُهُ عَارِيَّةً أَوْ أَمَانَةً، وَالرَّاجِحُ مِنْهُ الثَّانِي (قَوْلُهُ: وَقَسِيمُهُمَا) وَهُوَ الْهِبَةُ الْمُفْتَقِرَةُ لِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ قُدِّمَ إلَخْ) يُتَأَمَّلُ اهـ سم عَلَى حَجّ، وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّأَمُّلِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّقْدِيمِ مَا يُشْعِرُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، وَلَيْسَتْ إرَادَةُ الْمَعْنَى مُقْتَضِيَةً لِلتَّقْدِيمِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُخَالَفَةُ الْأُسْلُوبِ تُشْعِرُ بِأَنَّ مَا هُنَا عَلَى خِلَافِ الْمُتَعَارَفِ فِي مِثْلِهِ وَهُوَ يُؤَدِّي إلَى الْبَحْثِ عَمَّا يَقْتَضِيهِ فَرُبَّمَا ظَهَرَ لِلنَّاظِرِ أَنَّهُ لِإِرَادَةِ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ.
(قَوْلُهُ: وَالْمِلْكُ يَحْصُلُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ مَا ذُكِرَ مِنْ الضِّيَافَةِ وَالْعَارِيَّةِ، وَالْمُرَادُ مَا يَأْكُلُهُ الضَّيْفُ فَإِنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَا يَمْلِكُ بِالِاسْتِعَارَةِ شَيْئًا، وَلَا يَرِدُ أَنَّهُ قَدْ يُعِيرُهُ شَاةً لِلَبَنِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ الرَّاجِحَ فِيهِ أَنَّ اللَّبَنَ وَنَحْوَهُ مَقْبُوضٌ بِالْإِبَاحَةِ وَالشَّاةَ بِالْعَارِيَّةِ فَلَمْ يَمْلِكْ بِالْعَارِيَّةِ شَيْئًا، وَلَوْ أَخَّرَ الضِّيَافَةَ عَنْ الْعَارِيَّةِ وَأَنَّثَ الضَّمِيرَ كَمَا فَعَلَ حَجّ كَانَ أَوْلَى، وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ أَيْ مِنْ الْوَضْعِ فِي الْفَمِ أَوْ الِازْدِرَادِ أَوْ التَّقْدِيمِ لَهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَالرَّاجِحُ مِنْهُ الْأَوَّلُ.
(قَوْلُهُ: وَالْوَقْفُ) فِي إخْرَاجِ التَّمْلِيكِ الْمَذْكُورِ لِلْوَقْفِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الشَّارِحَ جَعَلَهُ شَامِلًا لِتَمْلِيكِ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ.
نَعَمْ هُوَ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَمْلِيكَ فِيهِ أَصْلًا مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ.
(قَوْلُهُ: نَحْوَ الْبَيْعِ كَالْهِبَةِ) عِبَارَةُ حَجّ: نَحْوَ الْبَيْعِ لِأَمْرٍ عَرَضِيٍّ وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ الْمُمْتَنِعِ فِيهَا ذَلِكَ وَبِلَا عِوَضٍ نَحْوَ الْبَيْعِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ) أَيْ عَلَى زِيَادَةِ الْحَيَاةِ فِي الْحَدِّ (قَوْلُهُ: مَمْنُوعٌ) لَعَلَّ صُورَةَ الِاعْتِرَاضِ أَنَّ التَّمْلِيكَ فِي الْوَصِيَّةِ يَحْصُلُ بِالْإِيجَابِ وَيَتَأَخَّرُ الْمِلْكُ لِلْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَسَنَدُ الْمَنْعِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ صِيغَةَ الْإِيجَابِ بِمُجَرَّدِهَا يَحْصُلُ بِهَا تَمْلِيكٌ (قَوْلُهُ: كَوَفَاءِ الدُّيُونِ) وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ كَوْنَهَا كَوَفَاءِ الدُّيُونِ لَا يَمْنَعُ أَنَّ فِيهَا تَمْلِيكًا اهـ حَجّ وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم: وَالنَّظَرُ قَوِيٌّ جِدًّا انْتَهَى.
وَقَدْ يُجَابُ عَنْ النَّظَرِ بِأَنَّ الْمُسْتَحَقِّينَ فِي الزَّكَاةِ مَلَكُوا قَبْلَ أَدَاءِ الْمَالِكِ فَإِعْطَاؤُهُ تَفْرِيغٌ لِمَا فِي ذِمَّتِهِ لَا تَمْلِيكَ مُبْتَدَأٍ، وَكَذَا يُقَالُ فِي
[حاشية الرشيدي]
بِضَمِّهَا لَمْ أَعْرِفْ سَبَبَهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ الْإِهْدَاءُ) قَدْ يُقَالُ هَلَّا عَبَّرَ بِالْهِبَةِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ) أَيْ: مِنْ عَدَمِ ذِكْرِهِ لِلْحَدِّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ مِنْ تَقْدِيمِهِ فَيَكُونُ الْغَالِبُ ذِكْرَهُ لَهُ لَكِنْ مُؤَخَّرًا إذْ هَذَا خِلَافُ الْوَاقِعِ وَإِنْ أَوْهَمَهُ كَلَامُ الشَّيْخِ فِي الْحَاشِيَةِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا إبَاحَةٌ) يَعْنِي: الضِّيَافَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُقَدَّمَةً فِي الذِّكْرِ فِي نُسَخِ الشَّارِحِ، وَلَعَلَّ تَقْدِيمَهَا مِنْ الْكَتَبَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهِ نَحْوُ الْبَيْعِ كَالْهِبَةِ بِثَوَابٍ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ
وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ أَوْ غَنِيًّا (لِثَوَابِ الْآخِرَةِ) أَيْ لِأَجْلِهِ (فَصَدَقَةٌ) أَيْضًا وَهِيَ أَفْضَلُ الثَّلَاثَةِ (فَإِنْ) وَفِي نُسَخٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَإِنْ، وَهِيَ أَوْلَى لَهُ لَدَفَعَهَا مَا اعْتَرَضَ بِهِ عَلَى الْفَاءِ مِنْ أَنَّ الْهَدِيَّةَ قِسْمٌ مِنْ الصَّدَقَةِ.
نَعَمْ إيهَامُهُ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ النَّقْلُ وَالْقَصْدُ كَانَ صَدَقَةً وَهَدِيَّةً صَحِيحٌ (نَقَلَهُ) أَيْ الْمُمَلَّكُ بِلَا عِوَضٍ (إلَى مَكَانِ الْمَوْهُوبِ لَهُ إكْرَامًا) لَيْسَ بِقَيْدٍ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ غَالِبًا مِنْ النَّقْلِ إلَى ذَلِكَ، وَقَدْ يُقَالُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الرِّشْوَةِ (فَهَدِيَّةٌ) أَيْضًا فَلَا دَخْلَ لَهَا فِيمَا لَا يُنْقَلُ، وَلَا يُعَارِضُهُ صِحَّةُ نَذْرِ إهْدَائِهِ لِأَنَّ الْمُهْدِيَ اصْطِلَاحًا غَيْرُ الْهَدِيَّةِ وَإِنْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ تَرَادُفَهُمَا.
(وَشَرْطُ الْهِبَةِ) بِمَعْنَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي تَحَقُّقِ وُجُودِهَا فِي الْخَارِجِ فَيَشْمَلُ الرُّكْنَ كَمَا هُنَا، وَرُكْنُهَا الثَّانِي الْعَاقِدَانِ، وَالثَّالِثُ الْمَوْهُوبُ (إيجَابٌ) كَوَهَبْتُكَ وَمَلَّكْتُك وَمَنَحْتُك وَأَكْرَمْتُك وَعَظَّمْتُك وَنَحَلْتُك وَكَذَا أَطْعَمْتُك وَلَوْ فِي غَيْرِ طَعَامٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ (وَقَبُولٌ) كَقَبِلْتُ وَرَضِيت وَاتَّهَبْت (لَفْظًا) فِي حَقِّ النَّاطِقِ وَإِشَارَةُ الْأَخْرَسِ فِي حَقِّهِ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ كَالْبَيْعِ وَلِهَذَا انْعَقَدَتْ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ كَلَكَ كَذَا وَكَسَوْتُك هَذَا وَبِالْمُعَاطَاةِ عَلَى
[حاشية الشبراملسي]
النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَقِّينَ مَلَكُوا أَنَّهُ بِحَوَلَانِ الْحَوْلِ لَا يَجُوزُ لِلْمَالِكِ بَيْعُ قَدْرِ الزَّكَاةِ، وَأَنَّهُ لَوْ نَقَصَ النِّصَابُ بِسَبَبِهِ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ زَكَاةٌ فِيمَا بَعْدَ الْعَامِ الْأَوَّلِ وَإِنْ مَضَى عَلَى ذَلِكَ أَعْوَامٌ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ أَفْضَلُ الثَّلَاثَةِ) وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَتْ لِغَنِيٍّ بِقَصْدِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: التَّفْضِيلُ لِلْمَاهِيَةِ لَا يَقْتَضِي التَّفْضِيلَ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا عَلَى غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: إذَا اجْتَمَعَ النَّقْلُ وَالْقَصْدُ) أَيْ أَوْ النَّقْلُ وَالِاحْتِيَاجُ.
(قَوْلُهُ: إكْرَامًا) يَنْبَغِي أَنَّ الدَّفْعَ بِلَا نَقْلٍ لَكِنْ بِقَصْدِ الْإِكْرَامِ هَدِيَّةٌ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَعَلَيْهِ فَهَدِيَّةُ الْعَقَارِ مُمْكِنَةٌ لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ عَنْ حَجّ امْتِنَاعُ هَدِيَّةِ الْعَقَارِ لِعَدَمِ تَأَتِّي النَّقْلِ فِيهِ، وَهُوَ مُنَافٍ لِهَذَا الْبَحْثِ وَلِقَوْلِ الشَّارِحِ وَلَا يُعَارِضُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِكْرَامَ، وَقَوْلُهُ إلَى ذَلِكَ: أَيْ مَكَانَ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَقَوْلُهُ الرِّشْوَةُ مُثَلَّثٌ الرَّاءِ، وَزَادَ حَجّ أَوْ لِخَوْفِ الْهَجْوِ مَثَلًا.
(قَوْلُهُ: فَهَدِيَّةٌ أَيْضًا) أَيْ كَمَا أَنَّهُ هِبَةٌ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ بَقِيَ مَا لَوْ مَلَّكَ غَنِيًّا بِلَا قَصْدِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ خَارِجًا عَنْ الصَّدَقَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْآخَرِينَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَفْسِيرِهِمَا، وَلَا يَظْهَرُ دُخُولُهُ فِي غَيْرِ الثَّلَاثَةِ فَيُشْكَلُ الْحَالُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: هِيَ هِبَةٌ بَاطِلَةٌ لِعَدَمِ الصِّيغَةِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَيَلْزَمُهُمْ: أَيْ السُّبْكِيَّ وَالزَّرْكَشِيَّ وَغَيْرَهُمَا أَنَّهُ لَوْ مَلَّكَ غَنِيًّا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ لَا يَكُونُ صَدَقَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ اهـ سم عَلَى حَجّ: أَيْ فَيَكُونُ هِبَةً بَاطِلَةً كَمَا قَدَّمَهُ إنْ خَلَا عَنْ الصِّيغَةِ وَصَحِيحَةً إنْ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: فِيمَا لَا يُنْقَلُ) أَيْ كَالْعَقَارِ، وَقَوْلُهُ صِحَّةُ نَذْرِ إهْدَائِهِ: أَيْ مَا لَا يُنْقَلُ.
(قَوْلُهُ: فَيَشْمَلُ الرُّكْنَ كَمَا هُنَا) أَيْ الَّذِي هُوَ الصِّيغَةُ وَهُوَ رُكْنُهَا الْأَوَّلُ، وَقَوْلُهُ وَرُكْنُهَا هُوَ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الْعَاقِدَانِ وَالْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى وَهُوَ رُكْنُهَا الْأَوَّلُ الَّذِي قَدَّرْنَاهُ (قَوْلُهُ وَمَنَحْتُك) بِالتَّخْفِيفِ، وَقَوْلُهُ نَحَلْتُك بِالتَّخْفِيفِ أَيْضًا: أَيْ هَذَا أَوْ نَحْوُهُ فِي الْجَمِيعِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ امْتِنَاعُ الْهِبَةِ لِلْحَمْلِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَمَلُّكُهُ وَلَا تَمْلِيكُ الْوَلِيِّ لَهُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلِهَذَا انْعَقَدَتْ بِالْكِنَايَةِ) هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ كُلُّهُ صَرِيحٌ، وَعَلَيْهِ فَقَدْ يُشْكِلُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَطْعَمْتُك وَكَسَوْتُك بَلْ بَيْنَ نَحْوِ لَك هَذَا وَكَسَوْتُك وَبَيْنَ عَظَّمْتُك أَوْ أَكْرَمْتُك فَلِيُتَأَمَّلْ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ تِلْكَ الصِّيَغَ اُشْتُهِرَتْ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْهِبَةِ فَكَانَتْ صَرِيحَةً بِخِلَافِ هَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ (قَوْلُهُ: كُلُّك كَذَا) وَمِنْهُ مَا اُشْتُهِرَ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي الْإِعْطَاءِ بِلَا عِوَضٍ جَبًّا فَيَكُونُ هِبَةً حَيْثُ نَوَاهَا بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَكَسَوْتُك هَذَا) ظَاهِرُهُ
[حاشية الرشيدي]
عَلَيْهِ نَحْوُ الْبَيْعِ لِأَمْرٍ عَرَضِيٍّ هُوَ كَوْنُهُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ الْمُمْتَنِعِ فِيهِ ذَلِكَ انْتَهَتْ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ إذْ هُوَ مَحَطُّ الْجَوَابِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ إيهَامُهُ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ إلَخْ) أَيْ: الَّذِي ذَكَرَ الْمُعْتَرِضَ أَيْضًا
الْقَوْلِ بِهَا، وَاشْتَرَطَ هُنَا فِي الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعَ مَا مَرَّ فِيهَا، وَمِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ مُطَابِقًا لِلْإِيجَابِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ عَدَمَ اشْتِرَاطِهَا هُنَا، وَمِنْهُ أَيْضًا اعْتِبَارُ الْفَوْرِ فِي الصِّيغَةِ وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ الْفَصْلُ إلَّا بِأَجْنَبِيٍّ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا رَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ اغْتِفَارُ قَوْلِهِ بَعْدَ وَهَبْتُك وَسَلَّطْتُك عَلَى قَبْضِهِ فَلَا يَكُونُ فَاصِلًا مُضِرًّا لِتَعَلُّقِهِ بِالْعَقْدِ.
نَعَمْ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْإِذْنِ قَبْلَ وُجُودِ الْقَبُولِ نَظَرٌ.
وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي مَزْجِ الرَّهْنِ الِاكْتِفَاءُ بِهِ، وَقَدْ لَا تُشْتَرَطُ صِيغَةٌ كَمَا لَوْ كَانَتْ ضِمْنِيَّةً كَأَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي فَأَعْتَقَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَجَّانًا، وَمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ وَأَقَرَّهُ جَمْعٌ مِنْ أَنَّهُ لَوْ زَيَّنَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ بِحُلِيٍّ كَانَ تَمْلِيكًا لَهُ بِخِلَافِ زَوْجَتِهِ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَمْلِيكِهِ بِتَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ كَلَامَهُمَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ اشْتَرَطَا فِي هِبَةِ الْأَصْلِ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ وَهِبَةِ وَلِيِّ غَيْرِهِ: أَيْ غَيْرُ الْأَصْلِ قَبُولُهَا مِنْ الْحَاكِمِ أَوْ نَائِبِهِ.
وَنَقَلَ جَمْعٌ أَيْضًا عَنْ الْعَبَّادِيِّ وَأَقَرُّوهُ أَنَّهُ لَوْ غَرَسَ أَشْجَارًا وَقَالَ عِنْدَ الْغَرْسِ أَغْرِسُهَا لِابْنِي مَثَلًا لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِعَيْنٍ فِي يَدِهِ اشْتَرَيْتهَا لِابْنِي أَوْ لِفُلَانٍ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّهُ يَكُونُ إقْرَارًا، وَلَوْ قَالَ جَعَلْت هَذَا لِابْنِي لَمْ يَمْلِكْهُ إلَّا أَنْ قَبِلَ وَقَبَضَ لَهُ اهـ.
وَالْفَرْقُ بِأَنَّ الْحُلِيَّ صَارَ فِي يَدِ الصَّبِيِّ دُونَ الْغَرْسِ غَيْرُ كَافٍ لِأَنَّ صَيْرُورَتَهُ فِي يَدِهِ بِدُونِ لَفْظِ مُمَلَّكٍ لَا يُفِيدُ شَيْئًا، عَلَى أَنَّ كَوْنَ هَذِهِ الصَّيْرُورَةِ مُفِيدَةً لِلْمِلْكِ هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، فَلَا فَرْقَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ لَا يَتَمَشَّى عَلَى الْمَذْهَبِ، وَضَعَّفَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلَ الْخُوَارِزْمِيِّ وَغَيْرَهُ أَنَّ إلْبَاسَ الْأَبِ الصَّغِيرِ حُلِيًّا يَمْلِكُهُ إيَّاهُ، وَقَدْ نَقَلَ آخَرُونَ عَنْ
[حاشية الشبراملسي]
وَلَوْ فِي غَيْرِ الثِّيَابِ وَيَكُونُ بِمَعْنَى نَحَلْتُك.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهُ أَنْ يَكُونَ إلَخْ) أَيْ وَمِنْهُ الرُّؤْيَةُ فَالْأَعْمَى لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ وَلَا الْهِبَةُ إلَيْهِ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ، وَأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ بَيْعِ الْأَعْيَانِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ صَدَقَتِهِ وَإِهْدَائِهِ فَيَصِحُّ لِإِطْبَاقِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ الْوَجْهُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي خِلَافُهُ انْتَهَى.
كَذَا بِهَامِشٍ وَهُوَ قَرِيبٌ، وَيُصَرِّحُ بِاشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ فِي الْوَاهِبِ وَالْمُتَّهِبِ قَوْلُ الْمَحَلِّيِّ وَفِيهَا كَأَصْلِهَا أَمْرُ الْعَاقِدَيْنِ وَاضِحٌ: أَيْ مِنْ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ: أَيْ فَطَرِيقُ الْأَعْمَى إذَا أَرَادَ ذَلِكَ التَّوْكِيلُ.
(قَوْلُهُ: مُطَابِقًا لِلْإِيجَابِ) نَقَلَ سم عَلَى حَجّ عَنْ الشَّارِحِ اعْتِمَادُ عَدَمِ اشْتِرَاطِ مُطَابَقَةِ الْقَبُولِ لِلْإِيجَابِ وَعِبَارَتُهُ فِي حَاشِيَةِ الْمَنْهَجِ نَصُّهَا: ثُمَّ قَالَ: أَيْ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا حَاصِلُهُ: وَهُوَ يَصِحُّ قَبُولُ بَعْضِ الْمَوْهُوبِ أَوْ قَبُولُ أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ أَوْ نِصْفُ مَا وُهِبَ لَهُمَا وَجْهَانِ انْتَهَى.
قَالَ م ر: الْمُعْتَمَدُ الصِّحَّةُ فِيهِمَا (قَوْلُهُ: نَعَمْ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْإِذْنِ) أَيْ مِنْ الْوَاهِبِ كَأَنْ يَقُولَ وَهَبْتُك هَذَا وَأَذِنْت لَك فِي قَبْضِهِ فَيَقُولُ الْمُتَّهَبُ قَبِلْت، وَقَوْلُهُ وَقِيَاسُ مَا مَرَّ إلَخْ مُعْتَمَدٌ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ لَا تُشْتَرَطُ صِيغَةٌ) أَيْ التَّصْرِيحُ بِهَا وَإِلَّا فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ تَقْدِيرًا كَمَا قَالَهُ الْمَحَلِّيُّ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَمْلِيكِهِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ إذَا دَفَعَ إلَى غَيْرِهِ شَيْئًا كَخَادِمِهِ وَبِنْتِ زَوْجَتِهِ لَا يَصِيرُ مِلْكًا لَهُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إيجَابٍ وَقَبُولٍ مِنْ الْخَادِمِ إنْ تَأَهَّلَ لِلْقَبُولِ أَوْ وَلِيُّهُ إنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ فَلِيُتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ كَثِيرًا بِمِصْرِنَا.
نَعَمْ إنْ دَفَعَ ذَلِكَ لِمَنْ ذُكِرَ لِاحْتِيَاجِهِ لَهُ أَوْ قَصَدَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ كَانَ صَدَقَةً فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إيجَابٍ وَلَا قَبُولٍ وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا مِنْهُ، وَقَدْ تَدُلُّ الْقَرَائِنُ الظَّاهِرَةُ عَلَى شَيْءٍ فَيُعْمَلُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ) أَيْ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ وَغَيْرِهِمَا فِي أَنَّ التَّدْيِينَ لَا يَكُونُ تَمْلِيكًا.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا) أَيْ وَلَا يَكُونُ تَمْلِيكًا لِلِابْنِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَالْفَرْقُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَكُونُ إقْرَارًا) أَيْ وَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْأَجْنَبِيُّ وَكَّلَهُ مَثَلًا فِي شِرَائِهَا لَهُ وَمِثْلُهُ وَلَدُهُ الرَّشِيدُ، وَأَنْ يَكُونَ تَمَلَّكَهَا لِغَيْرِ الرَّشِيدِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ أَوْ مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ لَمْ يَمْلِكْهُ) أَيْ الِابْنُ وَيَنْبَغِي أَنْ
[حاشية الرشيدي]
كَمَا يُعْلَمُ مِنْ التُّحْفَةِ خِلَافُ مَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ: وَاشْتَرَطَ هُنَا) أَيْ: وَلِهَذَا اشْتَرَطَ هُنَا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهِبَةِ وَلِيٍّ غَيْرِهِ قَبُولَهَا) أَيْ وَحَيْثُ اشْتَرَطَ فِي هِبَةِ وَلِيِّ غَيْرِ الْأَصْلِ قَبُولَ الْهِبَةِ مِنْ الْحَاكِمِ أَوْ نَائِبِهِ فَهِبَةُ مَجْرُورٌ وَوَلِيٌّ مُنَوَّنٌ وَغَيْرُهُ
الْقَفَّالِ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَوْ جَهَّزَ ابْنَتَهُ بِأَمْتِعَةٍ مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ فِي عَدَمِ تَمْلِيكِهَا ذَلِكَ إنْ ادَّعَتْهُ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي رَدِّ مَا سَبَقَ عَنْهُ، وَأَفْتَى الْقَاضِي فِيمَنْ بَعَثَ بِنْتَه وَجِهَازَهَا إلَى دَارِ الزَّوْجِ بِأَنَّهُ إنْ قَالَ هَذَا جِهَازُ بِنْتِي فَهُوَ مِلْكٌ لَهَا وَإِلَّا فَهُوَ عَارِيَّةٌ وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، وَكَخُلْعِ الْمُلُوكِ لِاعْتِيَادِ عَدَمِ اللَّفْظِ فِيهَا كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَا قَبُولٍ كَهِبَةِ النَّوْبَةِ لِضَرَّتِهَا.
(وَلَا يُشْتَرَطَانِ) أَيْ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي الصَّدَقَةِ بَلْ يَكْفِي الْإِعْطَاءُ وَالْأَخْذُ وَلَا (فِي الْهَدِيَّةِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا (عَلَى الصَّحِيحِ بَلْ يَكْفِي الْبَعْثُ مِنْ هَذَا) وَيَكُونُ كَالْإِيجَابِ (وَالْقَبْضُ مِنْ ذَاكَ) وَيَكُونُ كَالْقَبُولِ لِجَرَيَانِ عَادَةِ السَّلَفِ بَلْ الصَّحَابَةُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانُوا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فَسَقَطَ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ إبَاحَةً.
وَالثَّانِي يُشْتَرَطَانِ كَالْهِبَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَاهِبِ كَوْنُهُ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ وَفِي الْمُتَّهِبِ أَهْلِيَّةُ الْمِلْكِ فَلَا تَصِحُّ
[حاشية الشبراملسي]
يَكُونَ كِنَايَةً كَمَا فِي الْبَيْعِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ صَرِيحٌ إلَخْ) قَدْ تُمْنَحُ الصَّرَاحَةُ بِحَمْلِ كَلَامِهِ فِي الْبِنْتِ عَلَى الرَّشِيدَةِ وَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَمْلِيكِهَا، بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ عَلَى مَا مَرَّ لَهُ، وَقَدْ يُفْهَمُ التَّقْيِيدُ بِالرَّشِيدَةِ مِنْ قَوْلِهِ إنْ ادَّعَتْهُ.
(قَوْلُهُ: فِيمَنْ بَعَثَ بِنْتَه) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْبَاعِثُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً (قَوْلُهُ: وَجَهَازَهَا) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا لُغَةٌ قَلِيلَةٌ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ: فَهُوَ مِلْكٌ لَهَا) أَيْ يَكُونُ مَا ذَكَرَهُ إقْرَارًا.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَهُوَ عَارِيَّةٌ) كَذَلِكَ يَكُونُ عَارِيَّةً فِيمَا يَظْهَرُ إذَا قَالَ جَهَّزْت ابْنَتِي بِهَذَا إذْ لَيْسَ هَذَا صِيغَةَ إقْرَارٍ بِمِلْكٍ م ر اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَمَسْأَلَةِ الْقَاضِي أَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى مَنْ يَمْلِكُ تَقْتَضِي الْمِلْكَ فَكَانَ مَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْقَاضِي إقْرَارًا بِالْمِلْكِ بِخِلَافِ مَا هُنَا.
(قَوْلُهُ: وَيَصْدُقُ بِيَمِينِهِ) أَيْ إذَا نُوزِعَ فِي أَنَّهُ مَلَكَهَا بِهِبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (قَوْلُهُ: وَكَخُلْعٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ السَّابِقِ كَمَا لَوْ كَانَتْ ضِمْنِيَّةً.
(قَوْلُهُ: وَلَا قَبُولٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَقَدْ لَا يُشْتَرَطُ صِيغَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْقَبْضُ مِنْ ذَاكَ) هَلْ يَكْفِي الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي تَجْرِيدِ الْمُزَجَّدِ مَا نَصُّهُ: فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيّ يَحْصُلُ مِلْكُ الْهِبَةِ بِوَضْعِ الْمُهْدِي بَيْنَ يَدَيْهِ إذَا أَعْلَمَهُ بِهِ وَلَوْ أَهْدَى إلَى صَبِيٍّ وَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَخَذَهُ الصَّبِيُّ لَا يَمْلِكُهُ انْتَهَى وَهُوَ يُفِيدُ مِلْكَ الْبَائِعِ بِالْوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَدْ جَعَلُوا ذَلِكَ قَبْضًا فِي الْبَيْعِ.
وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ: وَتُمْلَكُ الْهَدِيَّةُ بِوَضْعِهَا بَيْنَ يَدَيْ الْمُهْدَى إلَيْهِ الْبَالِغِ لَا الصَّبِيِّ وَإِنْ أَخَذَهَا اهـ.
بَقِيَ مَا لَوْ أَتْلَفَهَا الصَّبِيُّ، وَالْحَالُ مَا ذُكِرَ فَهَلْ يَضْمَنُهَا، وَيَنْبَغِي عَدَمُ الضَّمَانِ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَيْهَا بِإِهْدَائِهَا لَهُ وَوَضْعِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا سَيَأْتِي فِي الْوَدِيعَةِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الصَّبِيُّ شَيْئًا وَسَلَّمَ لَهُ فَأَتْلَفَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، وَالْهِبَةُ كَالْبَيْعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَالْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ إقْبَاضٌ كَمَا تَقَرَّرَ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِالْبَالِغِ أَنَّهُ يَكْفِي الْقَبُولُ مِنْ السَّفِيهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِ وَلِيِّهِ وَلَا قَبْضِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ كَانَ إبَاحَةً) أَيْ دَفْعُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لِبَعْضٍ شَيْئًا.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْمُتَّهِبِ أَهْلِيَّةُ الْمِلْكِ) أَيْ التَّمَلُّكِ، فَلَا يُقَالُ هَذَا قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُتَّهِبِ الرُّشْدُ بَلْ يَقْتَضِي صِحَّةَ قَبُولِ الْهِبَةِ مِنْ الطِّفْلِ، وَفِي حَاشِيَةِ سم عَلَى حَجّ: فَرْعٌ: سُئِلَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ عَنْ شَخْصٍ بَالِغٍ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدٍ مُمَيَّزٍ بِصَدَقَةٍ وَوَقَعَتْ الصَّدَقَةُ فِي يَدِهِ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ فَهَلْ يَمْلِكُهَا الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ بِوُقُوعِهَا فِي يَدِهِ كَمَا لَوْ احْتَطَبَ أَوْ احْتَشَّ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ أَمْ لَا يَمْلِكُهَا لِأَنَّ الْقَبْضَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَدْ قَالُوا فِي نِثَارِ الْوَلِيمَةِ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ آخِذٌ مَلَكَهُ، وَهَلْ
[حاشية الرشيدي]
مَجْرُورٌ بَدَلٌ مِنْهُ وَقَبُولُهَا مَنْصُوبٌ مَفْعُولٌ وَمِنْ الْحَاكِمِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ صَرِيحٌ فِي رَدِّ مَا سَبَقَ عَنْهُ) فِيهِ نَظَرٌ إذْ ذَاكَ فِي الطِّفْلِ كَمَا مَرَّ، بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّهُ فِي الْبَالِغَةِ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: إنْ ادَّعَتْهُ، نَعَمْ إنْ كَانَتْ الْبِنْتُ صَغِيرَةً أَتَى فِيهَا مَا مَرَّ فِي الطِّفْلِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ: وَكَخَلْعِ الْمُلُوكِ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ ضِمْنِيَّةً
هِبَةُ وَلِيٍّ وَلَا مُكَاتَبٍ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ بِأَنْوَاعِهَا مَعَ شَرْطٍ مُفْسِدٍ كَأَنْ لَا يُزِيلَ مِلْكَهُ عَنْهُ، وَلَا مُؤَقَّتَةً وَلَا مُعَلَّقَةً إلَّا فِي مَسَائِلِ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى كَمَا قَالَ (وَلَوْ) (قَالَ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ) أَوْ هَذَا الْحَيَوَانَ مَثَلًا أَيْ جَعَلْتهَا لَك عُمْرَك (فَإِذَا دُمْت فَهِيَ لِوَرَثَتِك) أَوْ لِعَقِبِك (فَهِيَ) أَيْ الصِّيغَةُ الْمَذْكُورَةُ (هِبَةٌ) أَيْ صِيغَةُ هِبَةٍ طَوَّلَ فِيهَا الْعِبَارَةَ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَبُولُ وَتَلْزَمُ بِالْقَبْضِ وَتَكُونُ لِوَرَثَتِهِ وَلَا تَخْتَصُّ بِعَقِبِهِ إلْغَاءً لِظَاهِرِ لَفْظِهِ عَمَلًا بِالْخَبَرِ الْآتِي، وَلَا تَعُودُ لِلْوَاهِبِ بِحَالٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا لَا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْطَاهَا» وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ عَدَمُ الْفَرْقِ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بَيْنَ الْعَالِمِ بِمَعْنَاهَا وَالْجَاهِلِ بِهِ، وَاسْتَشْكَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ قَالَ: وَفِي الرَّوْضَةِ فِي الْكِتَابَةِ عَنْ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ قَرِيبَ الْإِسْلَامِ وَجَاهِلَ الْأَحْكَامِ لَا يَصِحُّ تَدْبِيرُهُ بِلَفْظِهِ حَتَّى يَنْضَمَّ إلَيْهِ نِيَّةٌ أَوْ زِيَادَةُ لَفْظٍ اهـ.
وَالْأَقْرَبُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ فِي الطَّلَاقِ لَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ اللَّفْظِ لِمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّفْظِ وَلَمْ يُوجَدْ حَتَّى يَقْصِدَهُ.
نَعَمْ مَنْ أَتَى بِلَفْظٍ صَرِيحٍ وَادَّعَى جَهْلَهُ بِمَعْنَاهُ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا إنْ دَلَّتْ قَرِينَةُ حَالِهِ عَلَى ذَلِكَ لِعَدَمِ مُخَالَطَتِهِ
[حاشية الشبراملسي]
نِثَارُ الْوَلِيمَةِ يَكُونُ نَاثِرُهُ مُعْرِضًا عَنْهُ إعْرَاضًا خَاصًّا حَتَّى يَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا أَعْطَاهُ لِلصَّبِيِّ، وَالْحَالُ أَنَّ الصَّدَقَةَ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الصَّبِيُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ إلَّا بِقَبْضِ وَلِيِّهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِلْكِهِ لِلنِّثَارِ وَاضِحٌ.
[فَرْعٌ] سُئِلَ عَنْ رَقِيقٍ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ شَخْصٌ بِصَدَقَةٍ كَثَوْبٍ أَوْ دَرَاهِمَ وَشَرَطَ الْمُتَصَدِّقُ انْتِفَاعَهُ بِهَا دُونَ سَيِّدِهِ هَلْ يَصِحُّ التَّصَدُّقُ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَهَلْ تَجِبُ مُرَاعَاةُ هَذَا الشَّرْطِ حَتَّى يَمْتَنِعَ عَلَى سَيِّدِهِ أَخْذُهَا مِنْهُ وَيَجِبُ صَرْفُهَا عَلَى الرَّقِيقِ؟ وَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَصِحُّ فَهَلْ لِذَلِكَ حُكْمُ الْإِبَاحَةِ حَتَّى يَجُوزَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ وَيَنْتَفِعَ بِالدَّرَاهِمِ وَيُمْتَنَعُ ذَلِكَ عَلَى السَّيِّدِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ إنْ قَصَدَ الْمُتَصَدِّقُ نَفْسَ الرَّقِيقِ بَطَلَتْ وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ إبَاحَةً أَوْ السَّيِّدُ أَوْ أَطْلَقَ صَحَّتْ، وَيَجِبُ مُرَاعَاةُ ذَلِكَ الشَّرْطِ كَمَا لَوْ أَوْصَى لِدَابَّةٍ بِشَيْءٍ وَقَصَدَ صَرْفَهُ فِي عَلَفِهَا وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا شَرْطُ انْتِفَاعِهِ بِهَا دُونَ سَيِّدِهِ لِأَنَّ كِفَايَتَهُ عَلَى سَيِّدِهِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالصَّدَقَةِ اهـ.
أَقُولُ: وَقَدْ يُقَالُ مَا ذُكِرَ مِنْ الصِّحَّةِ مَعَ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ مُشْكِلٌ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ عَنْ حَجّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ بِشَرْطِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا عِمَامَةً لَمْ يَصِحَّ، وَقَوْلُ م ر فِي جَوَابِهِ عَنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ: لَا يَمْلِكُ الصَّبِيُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ.
أَقُولُ: وَعَلَى عَدَمِ الْمِلْكِ فَهَلْ يَحْرُمُ الدَّفْعُ لَهُ كَمَا يَحْرُمُ تَعَاطِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ مَعَهُ أَمْ لَا لِانْتِفَاءِ الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ، وَيُحْمَلُ ذَلِكَ مِنْ الْبَالِغِ عَلَى الْإِبَاحَةِ كَتَقْدِيمِ الطَّعَامِ لِلضَّيْفِ فَيُثَابُ عَلَيْهِ فَلِلْمُبِيحِ الرُّجُوعُ فِيهِ مَا دَامَ بَاقِيًا، هَذَا وَمَحَلُّ الْجَوَازِ حَيْثُ لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى عَدَمِ رِضَا الْوَلِيِّ بِالدَّفْعِ لَهُمْ، سِيَّمَا إنْ كَانَ ذَلِكَ يُعَوِّدُهُمْ عَلَى دَنَاءَةِ النَّفْسِ وَالرَّذَالَةِ فَيَحْرُمُ الْإِعْطَاءُ لَهُمْ لَا لِعَدَمِ الْمِلْكِ بَلْ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ الظَّاهِرَةِ.
(قَوْلُهُ: لَا يُزِيلُ مِلْكَهُ) وَكَشَرْطِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ كَذَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ حَجّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ دَفَعَهُ لِيَشْتَرِيَ بِهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالشَّرْطِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَجِبُ عَلَيْهِ شِرَاءُ مَا قَصَدَهُ الدَّافِعُ.
قَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ: وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ قَالَ خُذْهُ وَاشْتَرِ بِهِ كَذَا، فَإِنْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى قَصْدِ ذَلِكَ حَقِيقَةً أَوْ أَطْلَقَ وَجَبَ شِرَاؤُهُ بِهِ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ صَرْفِهِ فِي ذَلِكَ انْتَقَلَ لِوَرَثَتِهِ مِلْكًا مُطْلَقًا، وَإِنْ قَصَدَ التَّبَسُّطَ الْمُعْتَادَ صَرَفَهُ كَيْفَ شَاءَ.
(قَوْلُهُ: إلَّا فِي مَسَائِلِ الْعُمْرِيِّ) أَيْ وَلَوْ بِغَيْرِ لَفْظِهَا لِمَا يَأْتِي عَنْ السُّبْكِيّ كَوَهَبْتُكَ هَذِهِ عُمْرَك.
(قَوْلُهُ: وَلَا تَخْتَصُّ بِعَقِبِهِ) أَيْ بَلْ تَشْمَلُ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ كَالْأَعْمَامِ وَالْإِخْوَةِ.
(قَوْلُهُ: أَيُّمَا رَجُلٍ) بِالْجَرِّ وَالرَّفْعِ وَالْأَوَّلُ وَاضِحٌ وَالثَّانِي بَدَلٌ مِنْ أَيٍّ وَمَا زَائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ الشَّرْطِ اهـ شَرْحُ الْإِعْلَامِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ زِيَادَةُ لَفْظٍ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ إعْتَاقَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
(قَوْلُهُ: لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّفْظِ)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ:: وَلَمْ يُوجَدْ) كَذَا فِي نُسَخِ الشَّارِحِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَلَوْ بِوَجْهٍ، وَلَعَلَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ مُحَرَّفَةٌ عَنْهَا مِنْ الْكَتَبَةِ وَإِنْ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهَا
لِمَنْ يَعْرِفُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ (وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَعْمَرْتُكَ) كَذَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا بَعْدَ مَوْتِهِ (فَكَذَا) هُوَ هِبَةٌ (فِي الْجَدِيدِ) لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا» وَجَعْلُهَا لَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ لَا يُنَافِي انْتِقَالَهَا لِوَرَثَتِهِ فَإِنَّ الْأَمْلَاكَ كُلَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِحَيَاةِ الْمَالِكِ، وَكَأَنَّهُمْ إنَّمَا لَمْ يَأْخُذُوا بِقَوْلِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُولَ هِيَ لَك وَلِعَقِبِك، فَإِذَا قَالَ: هِيَ لَك مَا عِشْت فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا لِأَنَّهُ قَالَ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ، وَالْقَدِيمُ بُطْلَانُهُ كَمَا لَوْ قَالَ أَعْمَرْتُكَ سَنَةً (وَلَوْ قَالَ) أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ أَوْ جَعَلْتُهَا لَك عُمْرَك، وَأَلْحَقَ بِهِ السُّبْكِيُّ وَهَبْتُك هَذِهِ عُمْرَك (فَإِذَا مِتَّ عَادَتْ إلَيَّ) أَوْ إلَى وَرَثَتِي إنْ كُنْت مِتَّ (فَكَذَا) هُوَ هِبَةٌ (فِي الْأَصَحِّ) إلْغَاءً لِلشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَإِنْ ظَنَّ لُزُومَهُ لِإِطْلَاقِ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ وَلِهَذَا عَدَلُوا بِهِ عَنْ قِيَاسِ سَائِرِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، إذْ لَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ يَصِحُّ فِيهِ الْعَقْدُ مَعَ وُجُودِ الشَّرْطِ الْمُنَافِي لِمُقْتَضَاهُ إلَّا هَذَا.
وَالثَّانِي يَبْطُلُ الْعَقْدُ لِفَسَادِ الشَّرْطِ، وَخَرَجَ بِعُمْرِك عُمْرِي أَوْ عُمَرُ زَيْدٍ فَيَبْطُلُ لِأَنَّهُ تَأْقِيتٌ إذْ قَدْ يَمُوتُ هَذَا أَوْ الْأَجْنَبِيُّ أَوَّلًا (وَلَوْ) (قَالَ أَرْقَبْتُك) هَذِهِ مِنْ الرَّقُوبِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ (أَوْ جَعَلْتهَا لَك رُقْبَى) وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ضَمَّ إلَيْهِ مَا بَعْدَ أَيْ التَّفْسِيرِيَّةِ فِي قَوْلِهِ (أَيْ إنْ مِتَّ قَبْلِي عَادَتْ إلَيَّ وَإِنْ مِتُّ قَبْلَك اسْتَقَرَّتْ لَك فَالْمَذْهَبُ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ) فَعَلَى الْجَدِيدِ الْأَصَحُّ يَصِحُّ وَيَلْغُو الشَّرْطُ الْفَاسِدُ فَيُشْتَرَطُ قَبُولُهَا وَالْقَبْضُ، وَذَلِكَ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ «لَا تَعْمُرُوا وَلَا تَرْقُبُوا، فَمَنْ أَرْقَبَ شَيْئًا أَوْ أَعْمَرَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» أَيْ لَا تَرْقُبُوا وَلَا تَعْمُرُوا طَمَعًا فِي أَنْ يَعُودَ إلَيْكُمْ فَإِنَّ سَبِيلَهُ الْمِيرَاثُ، وَمُقَابِلُ الْمَذْهَبِ الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ.
(وَمَا جَازَ بَيْعُهُ) مِنْ الْأَعْيَانِ (جَازَ) لَمْ يُؤَنِّثْهُ لِيُشَاكِلَ مَا قَبْلَهُ لِأَنَّ تَأْنِيثَهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ (هِبَتُهُ) بِالْأَوْلَى لِأَنَّهَا أَوْسَعُ.
أَمَّا الْمَنَافِعُ فَيَصِحُّ بَيْعُهَا بِالْإِجَارَةِ.
وَفِي هِبَتِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِتَمْلِيكٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا وُهِبَتْ مَنَافِعُهُ عَارِيَّةٌ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمَا عَلَى مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ تَرْجِيحُهُ، وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَرَجَّحَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
ثَانِيهُمَا: أَنَّهَا تَمْلِيكٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا وُهِبَتْ مَنَافِعُهُ أَمَانَةٌ، وَرَجَّحَهُ جَمْعٌ.
مِنْهُمْ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ، وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَعَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَهُوَ بِالِاسْتِيفَاءِ لَا بِقَبْضِ الْعَيْنِ، وَفَارَقَتْ الْإِجَارَةُ بِالِاحْتِيَاجِ فِيهَا لِتَقَرُّرِ الْأُجْرَةِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَنْفَعَةِ.
لَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ لَا تَلْزَمُ بِقَبْضِ الدَّارِ اتِّحَادُهُمَا وَأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي التَّسْمِيَةِ لَا فِي الْحُكْمِ وَهُوَ اللُّزُومُ وَعَدَمُهُ لِأَنَّهَا لَا تَلْزَمُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّا نَمْنَعُ لُزُومَ اتِّحَادِهِمَا، بَلْ لِلْخِلَافِ فَوَائِدُ: مِنْهَا أَنَّ الدَّارَ تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَى الْمُتَّهِبِ عَلَى الْأَوَّلِ بِخِلَافِهَا عَلَى الثَّانِي، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: فَائِدَةُ كَوْنِهَا عَارِيَّةً أَنَّهَا لَوْ انْهَدَمَتْ ضَمِنَهَا الْمُتَّهِبُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قُلْنَا بِأَنَّهَا غَيْرُ عَارِيَّةٍ،
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ فَلَا يَكُونُ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ مُرَادًا (قَوْلُهُ إنَّمَا الْعُمْرِيُّ) أَيْ الَّتِي يَقْتَضِي لَفْظُهَا أَنْ يَكُونَ هِبَةً.
(قَوْلُهُ: وَلِهَذَا عَدَلُوا بِهِ) أَيْ بِهَذَا الشَّرْطِ (قَوْلُهُ إلَّا هَذَا) أَيْ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى، وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ مَا قِيلَ فِيهِ يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَلْغُو الشَّرْطُ يَجِبُ فَرْضُهُ فِيمَا لَا يَكُونُ الشَّرْطُ فِيهِ مُنَافِيًا لِلْعَقْدِ.
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِعُمْرِك) أَيْ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ السَّابِقِ: أَيْ جَعَلْتهَا لَك عُمْرَك.
(قَوْلُهُ: يَرْقُبُ) بَابُهُ دَخَلَ اهـ مُخْتَارٌ.
(قَوْلُهُ: أَيْ لَا تَرْقُبُوا) مِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ أَرْقُبَ وَأَعْمُرَ مَبْنِيَّانِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَأَصَحُّ مِنْهُ فِي ذَلِكَ مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا رَجُلٌ أُعْمِرَ عُمْرَى فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا لَا تَرْجِعُ لِلَّذِي أَعْطَاهَا» .
(قَوْلُهُ: وَهُوَ بِالِاسْتِيفَاءِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُؤَجِّرُ وَلَا يُعِيرُ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ لِلْمَالِكِ الرُّجُوعَ مَتَى شَاءَ لِعَدَمِ قَبْضِ الْمَنْفَعَةِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا.
(قَوْلُهُ: وَفَارَقَتْ الْإِجَارَةُ) أَيْ حَيْثُ عُدَّ فِيهَا قَبْضُ الْمَنْفَعَةِ لَهُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ حَتَّى يَجُوزَ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهَا.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ عَلَى أَنَّهَا لَا تُمْلَكُ، وَقَوْلُهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَجَعَلَهَا لَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ) أَيْ: الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: أَعْمَرْتُكَ
وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ مَا فِي الذِّمَّةِ بِخِلَافِ بَيْعِهِ فَوَهَبْتُك أَلْفَ دِرْهَمٍ مَثَلًا فِي ذِمَّتِي غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنْ عَيَّنَهُ فِي الْمَجْلِسِ وَقَبَضَهُ، وَالْمَرِيضُ يَصِحُّ بَيْعُهُ لِوَارِثِهِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ لَا هِبَتِهِ بَلْ يَكُونُ وَصِيَّةً، وَالْوَلِيُّ وَالْمُكَاتَبُ يَجُوزُ بَيْعُهُمَا لَا هِبَتُهُمَا، وَالْمَرْهُونَةُ إذَا أَعْتَقَهَا مُعْسِرًا وَاسْتَوْلَدَهَا يَجُوزُ بَيْعُهَا لِلضَّرُورَةِ لَا هِبَتُهَا وَلَوْ مِنْ الْمُرْتَهِنِ.
وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ اسْتِثْنَاءِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْهِبَةِ أَمْرٌ خَارِجِيٌّ فِي الْعَاقِدِ وَطَرَأَ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَا إيرَادَ، كَمَا لَا يَرِدُ أَيْضًا مَا لَوْ أَعْطَى لَبَنَ شَاةٍ مَجْعُولَةٍ أُضْحِيَّةً أَوْ صُوفَهَا لِآخَرَ أَوْ تَرَكَ لَهُ حَقَّ التَّحَجُّرِ أَوْ أَعْطَاهُ جِلْدَ مَيْتَةٍ قَبْلَ الدِّبَاغِ أَوْ دُهْنًا نَجِسًا لِلِاسْتِصْبَاحِ بِهِ أَوْ تَرَكَتْ إحْدَى الضَّرَّتَيْنِ نَوْبَتَهَا لِلْأُخْرَى أَوْ أَعْطَى الطَّعَامَ الْمَغْنُومَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِمِثْلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ هِبَةُ تَمْلِيكٍ وَإِنَّمَا هُوَ نَقْلُ يَدٍ أَوْ حَقٌّ إلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ، وَمَنْ سَمَّاهَا هِبَةً أَرَادَ أَنَّهُ عَلَى صُورَتِهَا، وَالثَّمَرُ وَنَحْوُهُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ تَصِحُّ هِبَتُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ قَطْعٍ وَهِبَةِ أَرْضٍ مَعَ بَذْرٍ أَوْ زَرْعٍ لَا يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ، صَحِيحَةٌ فِي الْأَرْضِ لِانْتِفَاءِ الْمُبْطِلِ لِلْبَيْعِ فِيهِمَا مِنْ الْجَهْلِ بِمَا يَخُصُّهُمَا مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَ التَّوْزِيعِ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ وَارِدٌ عَلَى الضَّابِطِ لِجَوَازِ هِبَتِهِ دُونَ بَيْعِهِ مَرْدُودٌ.
(وَمَا لَا) يَجُوزُ بَيْعُهُ (كَمَجْهُولٍ وَمَغْصُوبٍ) لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِهِ (وَضَالٍّ) وَآبِقٍ (فَلَا) يَجُوزُ هِبَتُهُ بِجَامِعِ أَنَّ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى الثَّانِي أَيْ إنَّهَا تَمْلِيكٌ.
(قَوْلُهُ: وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ مَا فِي الذِّمَّةِ) نَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَا جَازَ بَيْعُهُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَيَّنَهُ فِي الْمَجْلِسِ) تَقَدَّمَ لَهُ فِي الْقَرْضِ صِحَّةُ مِثْلِ هَذَا، وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَرْضِ وَالْهِبَةِ أَنَّ الْقَرْضَ لِوُجُوبِ رَدِّ الْعِوَضِ فِيهِ شَبِيهٌ بِالْبَيْعِ.
وَهُوَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ جَائِزٌ بِخِلَافِ الْهِبَةِ لِمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَيُفَرَّقُ بَيْنَ صِحَّةِ بَيْعِهِ وَعَدَمِ صِحَّةِ هِبَتِهِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: لَا هِبَتُهُمَا) أَيْ لِأَنَّهُمَا مَحْجُورٌ عَلَيْهِمَا وَهَذَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَاهِبِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: لَا هِبَتُهَا) فِي عَدَمِ صِحَّةِ هِبَةِ الْمَرْهُونَةِ مِنْ الْمُعْسِرِ لِلْمُرْتَهِنِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ الْمُعْسِرِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْوِيتِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَقَبُولِهِ لِلْهِبَةِ مُتَضَمِّنٌ لِرِضَاهُ بِهَا، فَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِعَدَمِ صِحَّةِ هِبَةِ الْمَرْهُونَةِ إذَا كَانَتْ لِغَيْرِ الْمُرْتَهِنِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هِبَةُ الْمَرْهُونَةِ مِنْ الْمُعْسِرِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لَهَا إعْتَاقٌ مِنْ الرَّاهِنِ، وَالْكَلَامُ فِيمَا لَوْ سَبَقَ مِنْهُ إعْتَاقٌ أَوْ إيلَادٌ، وَعَلَيْهِ فَعَدَمُ صِحَّةِ الْهِبَةِ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّ الْإِعْتَاقِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِالْمَرْهُونِ، وَفِي حَجّ: فَرْعٌ: أَعْطَى آخَرَ دَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا عِمَامَةً مَثَلًا وَلَمْ تَدُلَّ قَرِينَةُ حَالِهِ عَلَى أَنَّ قَصْدَهُ مُجَرَّدُ التَّبَسُّطِ الْمُعْتَادِ لَزِمَهُ شِرَاءُ مَا ذُكِرَ وَإِنْ مَلَكَهُ لِأَنَّ مِلْكَهُ مُقَيَّدٌ بِصَرْفِهِ فِيمَ عَيَّنَهُ الْمُعْطِي، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ صَرْفِهِ فِي ذَلِكَ انْتَقَلَ لِوَرَثَتِهِ مِلْكًا مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِزَوَالِ التَّقْيِيدِ بِمَوْتِهِ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ الدَّابَّةُ الْمُوصَى بِعَلَفِهَا قَبْلَ الصَّرْفِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ مَالِكُهَا كَيْفَ شَاءَ وَلَا يَعُودُ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي، أَوْ بِشَرْطِ أَنَّهُ يَشْتَرِي بِهَا ذَلِكَ بَطَلَ الْإِعْطَاءُ مِنْ أَصْلِهِ لِأَنَّ الشَّرْطَ صَرِيحٌ فِي الْمُنَاقَضَةِ لَا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَمْرٌ خَارِجِيٌّ) اُنْظُرْ مَا هُوَ فِيمَا لَوْ وَهَبَ شَيْئًا فِي الذِّمَّةِ حَيْثُ قُلْنَا بِبُطْلَانِهِ (قَوْلُهُ: لِمِثْلِهِ) أَيْ بِأَنْ كَانَ مِنْ الْغَانِمِينَ.
(قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ) كَالزَّرْعِ الْأَخْضَرِ قَبْل بُدُوِّ صَلَاحِهِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ شَرْطِ قَطْعٍ) أَيْ وَيَحْصُلُ الْقَبْضُ فِيهِ بِالتَّخْلِيَةِ وَيُكَلَّفُ الْمُتَّهِبُ قَطْعَهُ حَالًا حَيْثُ طَلَبَهُ الْوَاهِبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَفِعًا بِهِ وَلَا يُجْبَرُ الْوَاهِبُ عَلَى إبْقَائِهِ بِالْأُجْرَةِ (قَوْلُهُ: لَا يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ) كَالْقَمْحِ فِي سُنْبُلِهِ لَكِنَّهُ يُشْكِلُ بِالزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، فَإِنَّهُ إذَا وَهَبَ مَعَ الْأَرْضِ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ قَطْعَهُ عَلَى مَا أَفْهَمَهُ قَوْلُهُ قَبْلُ: وَالثَّمَرُ وَنَحْوُهُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: صَحِيحَةٌ فِي الْأَرْضِ) أَيْ دُونَ الْبَذْرِ وَالزَّرْعِ.
(قَوْلُهُ: مَرْدُودٌ) أَيْ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْبَيْعِ لِمَانِعٍ وَهُوَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْجَهْلِ بِمَا يَخُصُّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَوْ مِنْ الْمُرْتَهِنِ) أَيْ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْعِتْقِ، وَإِنَّمَا جَازَ الْبَيْعُ وَإِنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لِوَفَاءِ الْحَقِّ الَّذِي تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهَا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْهِبَةِ أَمْرٌ خَارِجِيٌّ) اُنْظُرْ مَا وَجْهُهُ فِي الْأُولَى.
(قَوْلُهُ: كَمَا لَا يَرِدُ أَيْضًا) أَيْ: عَلَى قَوْلِهِ الْآتِي وَمَا لَا فَلَا
كُلًّا مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ وَلَا يُنَافِيهِ خَبَرُ «زِنْ وَأَرْجِحْ» لِأَنَّ الرُّجْحَانَ الْمَجْهُولَ وَقَعَ تَابِعًا لِمَعْلُومٍ، عَلَى أَنَّ الْأَوْجَهَ كَوْنُ الْمُرَادِ " بِأَرْجَحْ " تَحَقُّقَ الْحَقِّ حَذَرًا مِنْ التَّسَاهُلِ فِيهِ، وَلَا «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمَالِ الَّذِي جَاءَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ خُذْ مِنْهُ» الْحَدِيثَ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْمَجْهُولِ إنَّمَا هُوَ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ، بِخِلَافِ هَدِيَّتِهِ وَصَدَقَتِهِ فَيَصِحَّانِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَإِعْطَاءُ الْعَبَّاسِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ صَدَقَةٌ لَا هِبَةٌ لِكَوْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحَقِّينَ (إلَّا حَبَّتَيْ الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا) مِنْ الْمُحَقَّرَاتِ فَإِنَّهُ يُمْتَنَعُ بَيْعُهَا لَا هِبَتُهَا اتِّفَاقًا كَمَا فِي الدَّقَائِقِ، فَبَحْثُ الرَّافِعِيِّ عَدَمُ صِحَّةِ هِبَتِهَا مَرْدُودٌ وَإِنْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الْإِمَامُ لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ فِي تَصَدُّقِ الْإِنْسَانِ بِالْمُحَقِّرِ كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ، وَإِلَّا فِي مَالِ وَقْفٍ بَيْنَ جَمْعٍ لِلْجَهْلِ بِمُسْتَحَقِّهِ فَيَجُوزُ الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ عَلَى تَسَاوٍ أَوْ تَفَاوُتٍ لِلضَّرُورَةِ: قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا بُدَّ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمْ تَوَاهُبٌ، وَلِبَعْضِهِمْ إخْرَاجُ نَفْسِهِ مِنْ الْبَيِّنِ، لَكِنْ إنْ وَهَبَ لَهُمْ حِصَّتَهُ جَازَ عَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَيْضًا، بِخِلَافِ إعْرَاضِ الْغَانِمِ: أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ، وَلَا عَلَى احْتِمَالٍ بِخِلَافِ هَذَا وَلِوَلِيِّ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ الصُّلْحُ لَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَمَّا بِيَدِهِ كَمَا يَعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي قُبَيْلَ خِيَارِ النِّكَاحِ، وَإِلَّا فِيمَا لَوْ خَلَطَ مَتَاعَهُ بِمَتَاعِ غَيْرِهِ فَوَهَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِصَاحِبِهِ فَيَصِحُّ مَعَ جَهْلِ قَدْرِهِ وَصِفَتِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَإِلَّا فِيمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتِ فِي حِلٍّ مِمَّا تَأْخُذُ أَوْ تُعْطِي أَوْ تَأْكُلُ مِنْ مَالِي فَلَهُ الْأَكْلُ فَقَطْ لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ
[حاشية الشبراملسي]
الْأَرْضَ مِنْ الثَّمَنِ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُنَافِيهِ) أَيْ عَدَمُ صِحَّةِ هِبَةِ الْمَجْهُولِ.
(قَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ) أَيْ وَهُوَ الْهِبَةُ الْمُتَوَقِّفَةُ عَلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ (قَوْلُهُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ صَدَقَةٌ) قَدْ يَمْنَعُ كَوْنَهُ صَدَقَةً إذْ هُوَ مَالٌ لِبَيْتِ الْمَالِ وَتَصَرُّفُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ كَتَصَرُّفِ الْإِمَامِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَ مِلْكًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ إعْطَاؤُهُ تَصَدُّقًا مِنْهُ نَافَاهُ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحَقِّينَ، وَعِبَارَةُ حَجّ بَعْدَ قَوْلِهِ " لَا هِبَةٌ " نَصُّهَا: وَإِلَّا فَهُوَ لِكَوْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحَقِّينَ إلَخْ وَحَاصِلُهُ أَنَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ مَا يَأْتِي لَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ مِلْكُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَفَعَهُ لِلْعَبَّاسِ صَدَقَةً، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ فَمَا يَأْتِي مِنْ الْأَمْوَالِ حَقُّ بَيْتِ الْمَالِ وَالْعَبَّاسُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحَقِّينَ لَهُ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُفَاضِلَ بَيْنَهُمْ فِي الْإِعْطَاءِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ (قَوْلُهُ: وَنَحْوِهَا) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الْحِنْطَةِ.
(قَوْلُهُ: عَدَمُ صِحَّةِ هِبَتِهَا) أَيْ نَحْوَ الْحَبَّتَيْنِ، وَأَفْرَدَ الضَّمِيرَ نَظَرًا لِمَا صَدَقَ عَلَيْهِ النَّحْوُ مِنْ جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ.
(قَوْلُهُ: جَازَ) الْأَوْلَى إسْقَاطُهَا كَمَا فِي حَجّ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ إخْرَاجِهِ مِنْ الْبَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَلِوَلِيِّ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ الصُّلْحُ) عَنْ الْمَالِ الْمَوْقُوفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ عَمَّا بِيَدِهِ يُتَأَمَّلُ مَعْنَاهُ فَإِنَّ الْمَالَ قَدْ لَا يَكُونُ فِي يَدِهِ مِنْهُ شَيْءٌ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فِيمَا لَوْ قَالَ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهُ بِغَيْرِ صُورَةِ الِاسْتِثْنَاءِ كَأَنْ يَقُولَ وَلَوْ قَالَ أَنْتَ فِي حِلٍّ مِمَّا إلَخْ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ بِالنَّظَرِ لِمَا يَأْكُلُهُ هِبَةٌ صُورَةً (قَوْلُهُ: فَلَهُ الْأَكْلُ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: مَا قَدْرُهُ.
أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَأْكُلَ قَدْرَ كِفَايَتِهِ وَإِنْ جَاوَزَ الْعَادَةَ حَيْثُ عَلِمَ الْمَالِكُ بِحَالِهِ، وَإِلَّا امْتَنَعَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَإِعْطَاءُ الْعَبَّاسِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ صَدَقَةٌ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَإِعْطَاءُ الْعَبَّاسِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ صَدَقَةٌ لَا هِبَةٌ وَإِلَّا فَهُوَ لِكَوْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ وَلِلْمُعْطِي أَنْ يُفَاوِتَ بَيْنَهُمْ انْتَهَتْ.
فَقَوْلُهُ: وَإِلَّا: أَيْ وَإِنْ لَا يَكُنْ صَدَقَةً، وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إمَّا صَدَقَةً إنْ كَانَ الْمَالُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِمَّا بِطَرِيقِ اسْتِحْقَاقِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ كَانَ الْمَالُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِحِ لِكَوْنِهِ إلَخْ فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيلًا لِكَوْنِهِ صَدَقَةً؛ لِمُنَافَاتِهِ إيَّاهُ (قَوْلُهُ: وَلِوَلِيِّ مَحْجُورٍ الصُّلْحُ) أَنَّ فِيمَا هُوَ مَوْقُوفٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لِلْجَهْلِ بِحِصَّتِهِ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَمَّا بِيَدِهِ) حَاصِلُ هَذَا الشَّرْطِ أَنَّ الْمَحْجُورَ تَارَةً يَكُونُ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْقُوفِ، وَتَارَةً لَا، فَإِنْ كَانَ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْهُ فَشَرْطُ الصُّلْحِ أَنْ لَا يَنْقُصَهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ التَّبَرُّعُ بِمِلْكِ الْمَحْجُورِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ مِنْهُ شَيْءٌ جَازَ الصُّلْحُ بِلَا شَرْطٍ؛ لِانْتِفَاءِ ذَلِكَ الْمَحْذُورِ فَلَا تَوَقُّفَ فِيهِ خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ) تَعْلِيلٌ لِأَصْلِ حِلِّ الْأَكْلِ لَا لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ
وَهِيَ صَحِيحَةٌ بِالْمَجْهُولِ بِخِلَافِ الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ.
قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ.
قَالَ: وَفِي خُذْ مِنْ عِنَبِ كَرْمِي مَا شِئْت لَا يَزِيدُ عَلَى عُنْقُودٍ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَمَا اُسْتُشْكِلَ بِهِ يُرَدُّ بِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ حَقُّ الْغَيْرِ أَوْجَبَ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ، وَأَفْتَى الْقَفَّالُ فِي أَبَحْت لَك مِنْ ثِمَارِ بُسْتَانِي مَا شِئْت بِأَنَّهُ إبَاحَةٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ أَخْذَ مَا شَاءَ، وَمَا قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ أَحْوَطُ.
وَفِي الْأَنْوَارِ لَوْ قَالَ: أَبَحْت لَك مَا فِي دَارِي أَوْ مَا فِي كَرْمِي مِنْ الْعِنَبِ فَلَهُ أَكْلُهُ دُونَ بَيْعِهِ وَحَمْلِهِ وَإِطْعَامِهِ لِغَيْرِهِ، وَتَقْتَصِرُ الْإِبَاحَةُ عَلَى الْمَوْجُودِ: أَيْ عِنْدَهَا فِي الدَّارِ أَوْ الْكَرْمِ، وَلَوْ قَالَ: أَبَحْت لَك جَمِيعَ مَا فِي دَارِي أَكْلًا وَاسْتِعْمَالًا وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُبِيحُ الْجَمِيعَ لَمْ تَحْصُلْ الْإِبَاحَةُ اهـ.
وَبَعْضُ مَا ذَكَرَهُ فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيّ وَقَوْلُهُ وَيَقْتَصِرُ إلَى آخِرِهِ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الْقَفَّالِ لَا الْعَبَّادِيِّ، وَمَا ذَكَرَهُ آخِرًا غَيْرُ مُنَافٍ مَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ الْإِبَاحَةِ بِالْمَجْهُولِ لِأَنَّ هَذَا فِي مَجْهُولٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِخِلَافِ ذَاكَ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ عَدَمُ ارْتِدَادِ الْإِبَاحَةِ بِالرَّدِّ.
(وَهِبَةُ الدَّيْنِ) الْمُسْتَقِرِّ (لِلْمَدِينِ) أَوْ التَّصَدُّقِ بِهِ عَلَيْهِ (إبْرَاءٌ) فَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولٍ نَظَرًا لِلْمَعْنَى وَهَذَا صَرِيحٌ فِيهِ خِلَافًا لِمَا فِي الذَّخَائِرِ مِنْ أَنَّهُ كِنَايَةٌ.
نَعَمْ تَرْكُ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ كِنَايَةُ إبْرَاءٍ (وَ) هِبَتُهُ (لِغَيْرِهِ) أَيْ الْمَدِينُ (بَاطِلَةٌ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ لِأَنَّ مَا يُقْبَضُ مِنْ الْمَدِينِ عَيْنٌ لَا دَيْنٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ وَاعْتَمَدَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بُطْلَانَ ذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا بِمَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ بَيْعِهِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِشُرُوطِهِ السَّابِقَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ بَيْعِ الْمَوْصُوفِ دُونَ هِبَتِهِ وَالدَّيْنُ مِثْلُهُ بَلْ أَوْلَى، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ صِحَّةِ بَيْعِهِ وَعَدَمِ صِحَّةِ هِبَتِهِ بِأَنَّ بَيْعَ مَا فِي الذِّمَّةِ الْتِزَامٌ لِتَحْصِيلِ الْمَبِيعِ فِي مُقَابَلَةِ الثَّمَنِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ، وَالِالْتِزَامُ فِيهَا صَحِيحٌ بِخِلَافِ هِبَتِهِ فَإِنَّمَا لَا تَتَضَمَّنُ الِالْتِزَامَ، إذْ لَا مُقَابِلَ فِيهَا فَكَانَتْ بِالْوَعْدِ أَشْبَهَ فَلَمْ يَصِحَّ، وَبِتَأَمُّلِ هَذَا يَنْدَفِعُ مَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَالْإِسْعَادِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ تَخْرِيجِ هَذَا عَلَى ذَاكَ وَالْحُكْمُ بِصِحَّةِ هِبَتِهِ بِالْأَوْلَى إنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ بَيْعِهِ.
وَلَا يَصِحُّ تَمْلِيكُ مُسْتَحِقٍّ دَيْنًا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ عَنْ الزَّكَاةِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا عَلَيْهِ إبْدَالٌ وَفِيمَا عَلَى غَيْرِهِ تَمْلِيكٌ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ أَيْضًا كَمَا يَأْتِي، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ، وَنُقِلَ عَنْ نَصِّ الْإِمَامِ وَصَحَّحَهُ جَمْعٌ: وَلَوْ تَبَرَّعَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ لِآخَرَ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهَا قَبْلَ قَبْضِهَا إمَّا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ أَوْ مَجْهُولَةٌ، فَإِنْ قَبَضَ هُوَ
[حاشية الشبراملسي]
أَكْلُ مَا زَادَ عَلَى مَا يُعْتَادُ مِثْلُهُ غَالِبًا لِمِثْلِهِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَزِيدُ عَلَى عُنْقُودٍ) أَيْ إلَّا بِقَرِينَةٍ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلَهُ عَلَى عُنْقُودٍ: أَيْ لِلْأَكْلِ بِدَلِيلِ مَا قَبْلَهُ وَمَا يَأْتِي عَنْ الْأَنْوَارِ وَهَلْ نَظِيرُ الْعُنْقُودِ فِيمَا لَوْ قَالَ خُذْ مِنْ ثَمَنِ نَخْلِي مَا شِئْت الْعُرْجُونَ اهـ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ الْفَرْقُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُرْجُونِ بِكَثْرَةِ مَا يَحْمِلُهُ الْعُرْجُونُ، وَحِينَئِذٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مُسَامَحَةَ مَالِكِهِ بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى عُنْقُودٍ.
(قَوْلُهُ: لَمْ تَحْصُلْ الْإِبَاحَةُ) أَيْ فَيُمْتَنَعُ عَلَيْهِ أَخْذُ شَيْءٍ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْهُ الْمُبِيحُ (قَوْلُهُ: لَا الْعَبَّادِيِّ) قَدْ يُقَالُ مَا هُنَا لَا يُخَالِفُ كَلَامَ الْعَبَّادِيِّ أَيْضًا لِأَنَّ مَنْ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبَّادِيِّ تَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِيعَابِ فَعُمِلَ مَعَهَا بِالِاحْتِيَاطِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ مَا الْمُعَبَّرَ بِهَا فِيهَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ فَتَصْدُقُ بِالْجَمِيعِ.
(قَوْلُهُ: الْمُسْتَقِرُّ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ لِيَخْرُجَ نَحْوَ نُجُومِ الْكِتَابَةِ، كَذَا وُجِدَ بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ.
أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمُسْتَقَرِّ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي هِبَةِ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُسْتَقِرِّ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ قَطْعًا، وَإِلَّا فَنُجُومُ الْكِتَابَةِ يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْهَا فَيَنْبَغِي صِحَّةُ هِبَتِهَا لِلْمُكَاتَبِ.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ تَرْكُ الدَّيْنِ) كَأَنْ يَقُولَ تَرَكْته لَك أَوْ لَا آخُذُهُ مِنْك، فَلَا يَكُونُ عَدَمُ طَلَبِهِ لَهُ كِتَابَةً فِي الْإِبْرَاءِ لِانْتِفَاءِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ صِحَّةِ بَيْعِهِ) أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ.
(قَوْلُهُ: عَنْ الزَّكَاةِ) أَيْ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ ثُمَّ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ) تَوْجِيهٌ لِعَدَمِ الصِّحَّةِ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَصِحَّ) وَمِثْلُهُ مَالِكُ دَارٍ أَوْ شِقْصٍ مِنْهَا تَبَرَّعَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لَا يَزِيدُ عَلَى عُنْقُودٍ) أَيْ: لِلْأَكْلِ، قَالَهُ الشِّهَابُ سم
(قَوْلُهُ: نَعَمْ تَرْكُ الدَّيْنِ) أَيْ: بِلَفْظِ التَّرْكِ
أَوْ وَكِيلُهُ مِنْهَا شَيْئًا قَبْلَ التَّبَرُّعِ وَعَرَفَ حِصَّتَهُ مِنْهَا وَرَآهُ هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ وَقَبَضَهُ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا يَصِحُّ إذْنُهُ لِجَابِي الْوَقْفِ أَنَّهُ إذَا قَبَضَهُ يُعْطِيهِ لِلْمُتَبَرِّعِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ قَبْلَ الْمِلْكِ فِي مَجْهُولٍ، وَإِنَّمَا صَحَّ تَبَرُّعُ أَحَدِ الْوَرَثَةِ بِحِصَّتِهِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ فِي أَعْيَانٍ رَآهَا وَعَرَفَ حِصَّتَهُ مِنْهَا.
(وَلَا يَمْلِكُ) فِي غَيْرِ الْهِبَةِ الضِّمْنِيَّةِ (مَوْهُوبٌ) بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ الشَّامِلِ لِجَمِيعِ مَا مَرَّ وَلَوْ مِنْ أَبٍ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ، وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ إجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالْإِشْهَادِ هُنَا مُرَادُهُ بِهِ فُقَهَاءُ مَذْهَبِهِ فِيمَا يَظْهَرُ (إلَّا بِقَبْضٍ) كَقَبْضِ الْمَبِيعِ فِيمَا مَرَّ بِتَفْصِيلِهِ.
نَعَمْ لَا يَكْفِي هُنَا الْإِتْلَافُ وَلَا الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ لِأَنَّ قَبْضَهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ كَالْوَدِيعَةِ فَاشْتَرَطَ تَحَقُّقَهُ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ، وَالْأَوْجَهُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ فِي الْهَدِيَّةِ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ فِيهَا وَإِنْ سُومِحَ فِيهَا بِعَدَمِ الصِّيغَةِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْدَى إلَى النَّجَاشِيِّ ثَلَاثِينَ أُوقِيَّةً مِسْكًا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَيْهِ، فَقَسَمَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ نِسَائِهِ» وَيُقَاسُ بِالْهَدِيَّةِ الْبَاقِي، وَقَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ، وَالْهِبَةُ الْفَاسِدَةُ الْمَقْبُوضَةُ كَالصَّحِيحَةِ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ لَا الْمِلْكِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْقَبْضُ مُعْتَدًّا بِهِ إذَا كَانَ بِإِقْبَاضٍ مِنْ الْوَاهِبِ أَوْ (بِإِذْنِ الْوَاهِبِ) أَوْ وَكِيلِهِ فِيهِ أَوْ فِيمَا يَتَضَمَّنُهُ كَالْإِعْتَاقِ وَلَوْ كَانَ بِيَدِ الْمُتَّهِبِ، فَلَوْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ ضَمِنَهُ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ وَرَجَعَ عَنْ الْإِذْنِ أَوْ جُنَّ أَوْ
[حاشية الشبراملسي]
لِغَيْرِهِ بِمَا يَتَحَصَّلُ مِنْ أُجْرَتِهَا.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ لِأَنَّهَا قَبْلَ قَبْضِهَا إلَخْ أَنَّهَا لَوْ عُلِمَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا جَازَ التَّبَرُّعُ بِهَا، وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ: أَقُولُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنَ يَمْلِكُ الْأُجْرَةَ وَالْمَنَافِعَ وَقَدْ تَكُونُ مَعْلُومَةً لَهُ، حِينَئِذٍ فَالْوَجْهُ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ فِي يَدِ النَّاظِرِ وَعَلِمَ هُوَ قَدْرَ حِصَّتِهِ مِنْهَا صَحَّ التَّبَرُّعُ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَأْجِرِ لَمْ يَقْبِضْهَا النَّاظِرُ فَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الدَّيْنِ، فَإِنْ تَبَرَّعَ بِحِصَّتِهِ الْمَعْلُومَةِ لَهُ مِنْهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ صَحَّ وَكَانَ ذَلِكَ إبْرَاءً، أَوْ عَلَى غَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي، فَيُحْمَلُ قَوْلُ الشَّارِحِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ بَحَثْت مَعَ م ر الْمُوَافِقَ لِلشَّارِحِ فِيمَا قَالَهُ فَوَافَقَ عَلَيْهِ فَلِيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ) أَيْ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ وَقَوْلُهُ قَبْلَ الْمِلْكِ عَلَى أَنَّهُ فِي مَجْهُولٍ اهـ حَجّ.
وَقَوْلُهُ فِي مَجْهُولٍ فَلَوْ قَدَّرَ لَهُ مَا يُعْطِيهِ كَأَنْ قَالَ لِلْجَابِي ادْفَعْ مِمَّا يَتَحَصَّلُ مِنْ الْأُجْرَةِ لِفُلَانٍ كَذَا فَقَضِيَّةُ كَوْنِهِ تَوْكِيلًا فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَجْهُولًا، وَيَنْبَغِي أَنَّ الْجَابِيَ لَوْ دَفَعَ مَا أَذِنَ فِي دَفْعِهِ الْمُسْتَحَقِّ صَحَّ وَمَلَكَهُ الْآخِذُ اكْتِفَاءً بِعُمُومِ الْإِذْنِ وَإِنْ بَطَلَ خُصُوصُ الْوَكَالَةِ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ بِفَسَادِ الْإِذْنِ قَبْلَ الْمِلْكِ.
(قَوْلُهُ: ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ) هُوَ مَالِكِيٌّ.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ لَا يَكْفِي هُنَا الْإِتْلَافُ) أَيْ إلَّا إنْ كَانَ الْإِتْلَافُ بِالْأَكْلِ أَوْ الْعِتْقِ وَأَذِنَ فِيهِ الْوَاهِبُ فَيَكُونُ قَبْضًا وَيُقَدِّرُ انْتِقَالَهُ إلَيْهِ قُبَيْلَ الِازْدِرَادِ وَالْعِتْقِ.
اهـ شَيْخُنَا زِيَادِيٌّ.
أَقُولُ: قِيَاسُ مَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الضِّيَافَةِ مِنْ الْمِلْكِ بِالْوَضْعِ فِي الْفَمِ أَنْ يُقَدِّرَ انْتِقَالَهُ هُنَا قُبَيْلَ الْوَضْعِ فِي الْفَمِ وَالتَّلَفُّظِ بِالصِّيغَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ) تَقَدَّمَ بِهَامِشِ قَوْلِهِ فِي الْهَدِيَّةِ وَالْقَبْضِ مِنْ ذَاكَ عَنْ التَّجْرِيدِ وَغَيْرِهِ مَعَ نَقْلِهِ عَنْ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ يَكْفِي الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ إذَا أَعْلَمَهُ فَلَمْ يَشْتَرِطْ الْإِذْنَ بَلْ الْإِعْلَامُ وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَقَدْ يُقَالُ: الْإِعْلَامُ يَقُومُ مَقَامَ الْإِذْنِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ اعْتِبَارُ) أَيْ الْقَبْضِ، وَقَوْلُهُ فَمَاتَ: أَيْ النَّجَاشِيُّ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَيْهِ) أَيْ ثُمَّ رُدَّتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَسَمَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(قَوْلُهُ: أَوْ جُنَّ) أَيْ الْوَاهِبُ وَقَوْلُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ: أَيْ قَبْلَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ فِي الْهَدِيَّةِ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَبَحْثُ بَعْضِهِمْ الِاكْتِفَاءَ بِهِ: أَيْ بِالْوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الْهَدِيَّةِ فِيهِ نَظَرٌ.
(قَوْلُهُ: لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ) تَعْلِيلٌ لِلْمَتْنِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَخْ) أَيْ: فَهُوَ إجْمَاعٌ سُكُوتِيٌّ وَإِنَّمَا احْتَاجَ لِهَذَا بَعْدَ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ لِأَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْهَدِيَّةَ إنَّمَا تُمْلَكُ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ: الْقَبْضِ أَوْ الْوَضْعِ بَيْنَ الْيَدَيْنِ مَثَلًا وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِيهِ فَتَصَرُّفُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْهَدِيَّةِ لِانْتِفَائِهِمَا.
(قَوْلُهُ: بَيْنَ نِسَائِهِ) أَيْ نِسَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: كَالْإِعْتَاقِ) أَيْ مِنْ الْمُتَّهَبِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ بِيَدِ الْمُتَّهَبِ) غَايَةٌ فِي الْمَتْنِ
أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْإِذْنُ، وَلَوْ قَبَضَهُ فَقَالَ الْوَاهِبُ: رَجَعْت عَنْ الْإِذْنِ قَبْلَهُ وَقَالَ الْمُتَّهِبُ بَعْدَهُ صَدَقَ الْمُتَّهِبُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرُّجُوعِ قَبْلَهُ، خِلَافًا لِمَا اسْتَظْهَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ تَصْدِيقِ الْوَاهِبِ، وَلَوْ أَقْبَضَهُ وَقَالَ قَصَدْت بِهِ الْإِيدَاعَ أَوْ الْعَارِيَّةَ وَأَنْكَرَ الْمُتَّهِبُ صُدِّقَ الْوَاهِبُ كَمَا فِي الِاسْتِقْصَاءِ، وَيَكْفِي الْإِقْرَارُ بِالْقَبْضِ كَأَنْ قِيلَ لَهُ: وَهَبْت مِنْ فُلَانٍ كَذَا وَأَقْبَضْته فَقَالَ نَعَمْ، وَالْإِقْرَارُ وَالشَّهَادَةُ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْقَبْضَ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَ الشَّاهِدَ عَنْهُ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ لِئَلَّا يُتَنَبَّهَ لَهُ.
وَالْهِبَةُ ذَاتُ الثَّوَابِ بَيْعٌ، فَإِذَا أَقْبَضَ الثَّوَابَ أَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا اسْتَقَلَّ بِالْقَبْضِ (فَلَوْ) (مَاتَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الْوَاهِبُ أَوْ الْمُتَّهِبُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ الشَّامِلِ لِلْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ فِيمَا يَظْهَرُ (قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ) فِي الْقَبْضِ وَالْإِقْبَاضِ لِأَنَّهُ خَلِيفَتُهُ فَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِذَلِكَ (وَقِيلَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ) بِالْمَوْتِ لِجَوَازِهِ كَالشَّرِكَةِ وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِأَنَّهَا تَئُولُ إلَى اللُّزُومِ بِخِلَافِ نَحْوِ الشَّرِكَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ضِعْفُ مَا ذَكَرَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي تَحْرِيرِهِ مِنْ انْفِسَاخِ الْهَدِيَّةِ بِالْمَوْتِ قَوْلًا وَاحِدًا لِعَدَمِ الْقَبُولِ، وَوَجْهُ ضَعْفِهِ أَنَّ الْمَدَارَ لَيْسَ عَلَى الْقَبُولِ بَلْ عَلَى الْأَيْلُولَةِ لِلُّزُومِ وَهُوَ جَارٍ فِي الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ أَيْضًا، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَلِوَلِيِّ الْمَجْنُونِ قَبْضُهَا قَبْلَ الْإِفَاقَةِ.
(وَيُسَنُّ لِلْوَالِدِ) أَيْ الْأَصْلِ وَإِنْ عَلَا (الْعَدْلُ فِي عَطِيَّةِ أَوْلَادِهِ) أَيْ فُرُوعِهِ وَإِنْ سَفَلُوا وَلَوْ أَحْفَادًا مَعَ وُجُودِ الْأَوْلَادِ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا رَجَّحَهُ جَمْعٌ وَإِنْ خَصَّصَهُ آخَرُونَ بِالْأَوْلَادِ سَوَاءً أَكَانَتْ تِلْكَ الْعَطِيَّةُ هِبَةً أَمْ هَدِيَّةً أَمْ صَدَقَةً أَمْ وَقْفًا أَمْ تَبَرُّعًا آخَرَ، فَإِنْ تَرَكَ الْعَدْلَ بِلَا عُذْرٍ كُرِهَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إلَى حُرْمَتِهِ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» وَخَبَرُ أَحْمَدَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُشْهِدَهُ عَلَى عَطِيَّةٍ لِبَعْضِ أَوْلَادِهِ: لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ، لِبَنِيك عَلَيْك مِنْ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي، ثُمَّ قَالَ: أَيَسُرُّك أَنْ يَكُونُوا لَك فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَلَا إذَنْ» فَأَمْرُهُ بِإِشْهَادِ غَيْرِهِ صَرِيحٌ فِي الْجَوَازِ، وَتَسْمِيَتُهُ جَوْرًا بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ انْتِفَاءِ الْعَدْلِ الْمَطْلُوبِ، فَإِنْ فَضَّلَ الْبَعْضَ أَعْطَى بَقِيَّتَهُمْ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْعَدْلُ وَإِلَّا رَجَعَ نَدْبًا لِلْأَمْرِ بِهِ فِي رِوَايَةٍ.
نَعَمْ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ مِنْ الْمَحْرُومِ الرِّضَا وَظَنَّ عُقُوقَ غَيْرِهِ لِفَقْرِهِ وَرِقَّةِ دِينِهِ لَمْ يُسْتَحَبَّ الرُّجُوعُ وَلَمْ يُكْرَهْ التَّفْضِيلُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ فَاسِقًا لِئَلَّا يَصْرِفَهُ فِي مَعْصِيَةٍ أَوْ عَاقًّا أَوْ زَادَ أَوْ آثَرَ الْأَحْوَجَ أَوْ الْمُتَمَيِّزَ بِنَحْوِ فَضْلٍ كَمَا فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ مَعَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ حُكْمَ تَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ بِالرُّجُوعِ فِي هِبَتِهِ حُكْمُ مَا لَوْ خَصَّهُ بِالْهِبَةِ فِيمَا مَرَّ، وَأَفْهَمَ قَوْلَهُ عَطِيَّةُ عَدَمِ طَلَبِ التَّسْوِيَةِ فِي غَيْرِهَا كَتَوَدُّدٍ بِكَلَامٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَكِنْ ذَكَرَ الدَّمِيرِيِّ فِي بَعْضِ نُسَخِهِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي طَلَبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ حَتَّى فِي الْكَلَامِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ، إذْ كَثِيرًا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّفَاوُتِ فِي ذَلِكَ مَا مَرَّ فِي الْإِعْطَاءِ، وَمِنْ ثَمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ هُنَا
[حاشية الشبراملسي]
تَمَامِهِ وَلَوْ مَعَهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرُّجُوعِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ الرُّجُوعِ وَاخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الْقَبْضِ، وَلَوْ قِيلَ بِمَجِيءِ تَفْصِيلِ الرَّجْعَةِ فِيهِ لَمْ يَبْعُدْ، فَيُقَالُ إنْ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ الْقَبْضِ وَاخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الرُّجُوعِ صَدَقَ الْمُتَّهِبُ، وَفِي عَكْسِهِ يَصْدُقُ الْوَاهِبُ، وَفِيمَا إذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ يَصْدُقُ السَّابِقُ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ ادَّعَيَا مَعًا صِدْقَ الْمُتَّهِبِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَسْتَلْزِمُ الْقَبْضَ) نَعَمْ يَكْفِي عَنْهُ: أَيْ الْقَبْضِ قَوْلُ الْوَاهِبِ مَلَكَهَا الْمُتَّهِبُ مِلْكًا لَازِمًا كَمَا مَرَّ أَوَاخِرَ الْإِقْرَارِ اهـ حَجّ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ مِثْلُهُ فِيمَا لَوْ قَالَ الشَّاهِدُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ مَلَكَهُ مِلْكًا لَازِمَا فَيُغْنِي ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ وَهَبَهُ وَأَقْبَضَهُ.
(قَوْلُهُ: أَنْ يَسْأَلَ الشَّاهِدَ عَنْهُ) أَيْ الْقَبْضِ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ فِي الْعَالِمِ بِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ (قَوْلُهُ: اسْتَقَلَّ) أَيْ الْمُتَّهِبُ.
(قَوْلُهُ: وَيَجْرِي الْخِلَافُ) وَالرَّاجِحُ مِنْهُ عَدَمُ الِانْفِسَاخِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ سَفَلُوا) ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا.
(قَوْلُهُ: كَمَا رَجَّحَهُ جَمْعٌ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْأَرِقَّاءِ إذَا اسْتَوَوْا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ فَضَلَ الْبَعْضُ أَعْطَى) أَيْ الْمُعْطِي.
(قَوْلُهُ: حَتَّى فِي الْكَلَامِ) أَيْ وَالْقِبْلَةِ حَجّ اهـ شَيْخُنَا زِيَادِيٌّ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَيْضًا اسْتِثْنَاءُ التَّمْيِيزِ لِعُذْرٍ، وَيُسَنُّ لِلْوَلَدِ الْعَدْلُ أَيْضًا فِي عَطِيَّةِ أُصُولِهِ، فَإِنْ فَضَّلَ كُرِهَ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَحِينَئِذٍ فَالْأُمُّ أَوْلَى بِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الدَّارِمِيِّ وَأَقَرَّهُ لِخَبَرِ «إنَّ لَهَا ثُلُثَيْ الْبِرِّ» وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْمُحَاسِبِيِّ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَفْضِيلِهَا فِي الْبِرِّ عَلَى الْأَبِ، وَالْأَوْجَهُ اسْتِحْبَابُ الْعَدْلِ بَيْنَ نَحْوِ الْأُخْوَة أَيْضًا.
نَعَمْ هُوَ دُونَ طَلَبِهِ فِي الْأَوْلَادِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ خَبَرَ «حَقُّ كَبِيرِ الْأُخْوَة عَلَى صَغِيرِهِمْ كَحَقِّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «الْأَكْبَرُ مِنْ الْأُخْوَة بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ» وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْعَدْلُ بَيْنَ مَا ذُكِرَ (بِأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى) لِرِوَايَةٍ ظَاهِرَةٍ فِي ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ الْمَارِّ وَلِخَبَرٍ ضَعِيفٍ وَقِيلَ الصَّحِيحُ إرْسَالُهُ «سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ، وَلَوْ كُنْت مُفَضِّلًا أَحَدًا لَفَضَّلْت النِّسَاءَ» (وَقِيلَ كَقِسْمَةِ الْإِرْثِ) وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مَلْحَظَ هَذَا الْعُصُوبَةُ وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ مَعَ عَدَمِ تُهْمَةٍ فِيهِ وَمَلْحَظُ ذَاكَ الرَّحِمُ وَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ مَعَ التُّهْمَةِ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا وَمَا مَرَّ فِي إعْطَاءِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ مَعَ الْأَوْلَادِ تُتَصَوَّرُ التَّسْوِيَةُ بِأَنْ يَفْرِضَ الْأَسْفَلُونَ فِي دَرَجَةِ الْأَعْلَيْنَ نَظِيرَ مَا يَأْتِي فِي مِيرَاثِ الْأَرْحَامِ عَلَى قَوْلٍ.
(وَلِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَةِ وَلَدِهِ) عَيْنًا بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ الشَّامِلِ لِلْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ عَلَى الرَّاجِحِ، بَلْ يُوجَدُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْفَوْرُ بَلْ لَهُ ذَلِكَ مَتَى شَاءَ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ أَوْ كَانَ الْوَلَدُ فَقِيرًا صَغِيرًا مُخَالِفًا دِينًا لِخَبَرِ «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً، أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» وَاخْتَصَّ بِذَلِكَ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِيهِ، إذْ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ مِنْ إيثَارِهِ لِوَلَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ يَقْضِي بِأَنَّهُ إنَّمَا رَجَعَ لِحَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ، وَيُكْرَهُ الرُّجُوعُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ وُجِدَ كَكَوْنِ الْوَلَدِ عَاقًّا، أَوْ يَصْرِفُهُ فِي مَعْصِيَةٍ أَنْذَرَهُ بِهِ، فَإِنْ أَصَرَّ لَمْ يُكْرَهْ كَمَا قَالَاهُ، وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ نَدْبَهُ فِي الْعَاصِي، وَكَرَاهَتَهُ فِي الْعَاقِّ إنْ زَادَ عُقُوقُهُ، وَنَدْبَهُ إنْ أَزَالَهُ، وَإِبَاحَتَهُ إنْ لَمْ يَفْدِ شَيْئًا.
وَالْأَذْرَعِيُّ عَدَمُ كَرَاهَتِهِ إنْ احْتَاجَ الْأَبُ لِنَفَقَةٍ أَوْ دِينٍ، بَلْ نَدَبَهُ حَيْثُ كَانَ الْوَلَدُ غَيْرَ مُحْتَاجٍ لَهُ، وَوُجُوبُهُ فِي الْعَاصِي إنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ تَعَيُّنُهُ طَرِيقًا إلَى كَفِّهِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ.
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَحِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ ارْتَكَبَ الْمَكْرُوهَ.
(قَوْلُهُ: وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ) الْمُرَادُ أَنَّهُ كَمَا يُسْتَحَبُّ لِلْوَلَدِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فَكَبِيرُ الْإِخْوَةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْعَدْلُ بَيْنَ إخْوَتِهِ فِيمَا يَتَبَرَّعُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ الْكَبِيرَ كِبْرًا يَتَمَيَّزُ بِهِ فِي الْعَادَةِ عَنْ إخْوَتِهِ يَكْفُلُهُمْ وَيَتَصَرَّفُ فِي أُمُورِهِمْ، وَإِلَّا فَقَدْ يَحْصُلُ لِلصَّغِيرِ مِنْ الْإِخْوَةِ شَرَفٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ كِبَارِهِمْ فَيَنْبَغِي لَهُ مُرَاعَاتُهُمْ وَالْعَدْلُ بَيْنَهُمْ.
(قَوْلُهُ: وَفِي نُسْخَةِ الْبَنَاتِ) أَيْ رِوَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: عَيْنًا) أَيْ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَهُ دَيْنًا عَلَيْهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهِ، إذْ لَا يُمْكِنُ عَوْدُهُ بَعْدَ سُقُوطِهِ اهـ حَجّ.
وَسَيَأْتِي مَعْنَى ذَلِكَ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَلَوْ أَبْرَأهُ مِنْ دَيْنٍ كَانَ إلَخْ، وَأَمَّا الْمَنَافِعُ فَهُوَ فِيهَا كَغَيْرِهِ لِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ) أَيْ الرُّجُوعِ (قَوْلُهُ دَيْنًا) إنَّمَا نَصَّ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ امْتِنَاعُ الرُّجُوعِ مَعَ اخْتِلَافِ الدَّيْنِ لِلْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَوُجُوبُهُ فِي الْعَاصِي) بَقِيَ مَا لَوْ اخْتَلَفَ الْعِصْيَانُ كَأَنْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَحِينَئِذٍ فَالْأُمُّ أَوْلَى بِهِ) أَيْ حِينَ ارْتَكَبَ الْمَكْرُوهَ وَقَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ إلَخْ.
أَيْ عَلَى مَا إذَا ارْتَكَبَ الْمَكْرُوهَ وَهَذَا مَا يَظْهَرُ مِنْ الشَّارِحِ لَكِنْ فِي التُّحْفَةِ مَا نَصُّهُ: نَعَمْ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الدَّارِمِيِّ فَإِنْ فَضَّلَ فَالْأَوْلَى أَنْ يُفَضِّلَ الْأُمَّ، وَأَقَرَّهُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ «إنَّ لَهَا ثُلُثَيْ الْبِرِّ» وَقَضِيَّتُهُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ؛ إذْ لَا يُقَالُ فِي بَعْضِ جُزْئِيَّاتِ الْمَكْرُوهِ إنَّهُ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ بَلْ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إلَى آخِرِ مَا فِي الشَّارِحِ، وَمَا ذَكَرَهُ: أَعْنِي صَاحِبَ التُّحْفَةِ عَنْ الرَّوْضَةِ مِنْ ذِكْرِ الْأَوْلَوِيَّةِ الَّتِي اسْتَنْبَطَ مِنْهَا عَدَمَ الْكَرَاهَةِ لَا يُوَافِقُ مَا فِي الرَّوْضَةِ، وَعِبَارَتُهَا: فَصْلٌ: يَنْبَغِي لِلْوَالِدِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطِيَّةِ؛ فَإِنْ لَمْ يَعْدِلْ فَقَدْ فَعَلَ مَكْرُوهًا، إلَى أَنْ قَالَ: قُلْت وَإِذَا وَهَبَتْ الْأُمُّ لِأَوْلَادِهَا؛ فَهِيَ كَالْأَبِ فِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا وَكَذَلِكَ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ، وَكَذَا الْوَلَدُ إذَا وَهَبَ لِوَالِدَيْهِ.
قَالَ الدَّارِمِيُّ: فَإِنْ فَضَّلَ فَلْيُفَضِّلْ الْأُمَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَتْ
قَوْلُهُ (: عَيْنًا) مَعْمُولُ هِبَةٍ أَخْرَجَ بِهِ الدَّيْنَ كَمَا يَأْتِي
وَيُمْتَنَعُ الرُّجُوعُ كَمَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ فِي صَدَقَةٍ وَاجِبَةٍ كَنَذْرٍ وَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ، وَكَذَا فِي لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ تَطَوُّعٌ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ لِيَسْتَقِلَّ بِالتَّصَرُّفِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ هُنَا، وَقَدْ جَرَى عَلَى ذَلِكَ جَمْعٌ مِمَّنْ سَبَقَهُ وَتَأَخَّرَ عَنْهُ، وَرَدُّوا عَلَى مَنْ أَفْتَى بِجَوَازِ الرُّجُوعِ فِي النَّذْرِ بِمَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا حَاجَةَ إلَى زِيَادَةِ قَوْلِ مَنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا إذَا وُجِدَتْ صِيغَةُ نَذْرٍ صَحِيحَةٌ، إذْ النَّذْرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مُنْصَرِفٌ لِذَلِكَ، وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ تَمْلِيكًا مَحْضًا لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ الْوَفَاءَ بِهِ عَلَى الْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ مُخَصِّصٍ، وَقِيَاسُ الْوَاجِبِ عَلَى التَّبَرُّعِ غَيْرُ سَدِيدٍ، وَلَا رُجُوعَ فِي هِبَةٍ بِثَوَابٍ بِخِلَافِهَا مِنْ غَيْرِ ثَوَابٍ وَإِنْ أَثَابَهُ عَلَيْهَا كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي، وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي بَعْضِ الْمَوْهُوبِ وَلَا يَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ لِفَرْعِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَحَلُّهُ كَمَا أَفَادَهُ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ أَبِيهِ فِيمَا إذَا فَسَّرَهُ بِالْهِبَةِ، وَلَوْ وَهَبَهُ وَأَقْبَضَهُ وَمَاتَ فَادَّعَى الْوَارِثُ صُدُورَهُ فِي الْمَرَضِ وَالْمُتَّهِبِ كَوْنَهُ فِي الصِّحَّةِ صُدِّقَ الثَّانِي بِيَمِينِهِ، وَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْوَارِثِ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ، ثُمَّ مَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ إذَا كَانَ الْوَلَدُ حُرًّا، فَإِنْ كَانَ رَقِيقًا فَالْهِبَةُ لِسَيِّدِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَلَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ دَيْنٍ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ امْتَنَعَ الرُّجُوعُ جَزْمًا سَوَاءٌ أَقُلْنَا إنَّهُ تَمْلِيكٌ أَمْ إسْقَاطٌ، إذْ لَا بَقَاءَ لِلدَّيْنِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهُ شَيْئًا فَتَلِفَ (وَكَذَا لِسَائِرِ الْأُصُولِ) مِنْ الْجِهَتَيْنِ وَإِنْ عَلَوْا الرُّجُوعُ كَالْأَبِ فِيمَا ذُكِرَ (عَلَى الْمَشْهُورِ) كَمَا فِي نَفَقَتِهِمْ وَعِتْقِهِمْ وَسُقُوطِ الْقَوَدِ عَنْهُمْ وَخَرَجَ بِهِمْ الْفُرُوعُ وَالْحَوَاشِي كَمَا يَأْتِي وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ اخْتِصَاصَ الرُّجُوعِ بِالْوَاهِبِ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَبِيهِ لَوْ مَاتَ وَلَمْ يَرِثْهُ فَرْعُهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ لِمَانِعٍ قَامَ بِهِ وَوَرِثَهُ جَدُّهُ، لِأَنَّ الْحُقُوقَ لَا تُورَثُ وَحْدَهَا إنَّمَا تُورَثُ بِتَبَعِيَّةِ الْمَالِ وَهُوَ لَا يَرِثُهُ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ لَا رُجُوعَ لِغَيْرِ الْأَبِ قَصْرًا لِلْوَلَدِ فِي الْخَبَرِ الْمَارِّ عَلَى الْأَبِ، وَالْأَوَّلُ عَمَّمَهُ، وَعَبْدُ الْوَلَدِ غَيْرُ الْمُكَاتَبِ كَالْوَلَدِ لِأَنَّ الْهِبَةَ لِعَبْدِهِ هِبَةٌ لَهُ، بِخِلَافِ عَبْدِهِ الْمُكَاتَبِ
[حاشية الشبراملسي]
كَانَ أَحَدُهُمَا مُبْتَدِعًا وَالْآخَرُ فَاسِقًا يَشْرَبُ الْخَمْرَ مَثَلًا وَأَرَادَ دَفْعَهُ لِأَحَدِهِمَا هَلْ يُؤْثِرُ بِهِ الْأَوَّلَ أَوْ الثَّانِيَ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ بَنَى عَقِيدَتَهُ عَلَى شُبْهَةٍ فَهُوَ مَعْذُورٌ وَمِنْ ثَمَّ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَلَا كَذَلِكَ الْفَاسِقُ، وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا شُبْهَةٌ لَكِنْ كَانَتْ مَعْصِيَةُ أَحَدِهِمَا أَغْلَظَ كَكَوْنِهِ فَسَقَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَالْآخَرُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فَقَطْ أَوْ يَتَعَاطَى الْعُقُودَ الْفَاسِدَةَ أَنْ يُقَدَّمَ الْأَخَفُّ.
(قَوْلُهُ: كَنَذْرٍ وَزَكَاةٍ) لَا يُقَالُ: كَيْفَ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ أَوْ النَّذْرَ مَعَ أَنَّهُ إذَا كَانَ فَقِيرًا فَنَفَقَتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَى أَبِيهِ فَهُوَ غَنِيٌّ بِمَالِهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنْ أَصْلِهَا.
لِأَنَّا نَقُولُ: نَخْتَارُ الْأَوَّلَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلَى أَبِيهِ غِنَاهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَائِلَةٌ كَزَوْجَةٍ وَمُسْتَوْلَدَةٍ يَجْتَاحُ لِلنَّفَقَةِ عَلَيْهِمَا فَيَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ مَا يَصْرِفُهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى أَصْلِهِ نَفَقَتُهُ لَا نَفَقَةُ عِيَالِهِ فَيَأْخُذُ مِنْ صَدَقَةِ أَبِيهِ مَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ نَفْسِهِ (قَوْلُهُ وَلَا يَسْقُطُ) أَيْ الرُّجُوعُ.
(قَوْلُهُ: أَمْ إسْقَاطٌ) أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ اهـ حَجّ وَقَوْلُهُ لِأَبِيهِ: أَيْ أَبِي الْوَاهِبِ.
(قَوْلُهُ: بِتَبَعِيَّةٍ) أَيْ كَإِرْثِ الْخِيَارِ بِإِرْثِ الْمَبِيعِ الثَّابِتِ فِيهِ الْخِيَارُ وَالشُّفْعَةُ بِإِرْثِ الشِّقْصِ الْمُشْتَرَكِ وَالْمَالُ الَّذِي فِي جِهَةِ الِابْنِ لَمْ يَرِثْهُ الْجَدُّ وَحَقُّ الرُّجُوعِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الْجَدُّ.
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَرَدُّوا) أَيْ الْجَمِيعَ الْمَذْكُورَ (قَوْلُهُ: وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ تَمْلِيكًا مَحْضًا) أَيْ فَيَكُونُ كَالْهِبَةِ حَتَّى يَصِحَّ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ مُخَصِّصٍ: أَيْ فَلَمْ يُخَصِّصْهُ بِغَيْرِ الْفَرْعِ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي نَفَقَتِهِمْ إلَخْ) هَذَا جَامِعُ الْقِيَاسِ (قَوْلُهُ: لِمَانِعٍ قَامَ بِهِ) أَيْ أَوْ لِعَدَمِ قِيَامِ سَبَبِ الْإِرْثِ كَوَلَدِ الْبِنْتِ، وَهُوَ تَابِعٌ فِيمَا ذَكَرَهُ لِشَرْحِ الرَّوْضِ، لَكِنْ ذَاكَ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ عِبَارَةَ الْمَتْنِ الِابْنُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَدَمَ إرْثِ الِابْنِ إنَّمَا يَكُونُ لِمَانِعٍ، بِخِلَافِ مُطْلَقِ الْفَرْعِ الَّذِي وَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهِ هُنَا.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ لَا يَرِثُهُ) أَيْ الْمَالَ الْمَوْهُوبَ لِأَنَّ إرْثَهُ إيَّاهُ فَرْعُ صِحَّةِ الرُّجُوعِ، هَكَذَا ظَهَرَ، وَفِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ لَكِنْ هَذَا يُشْبِهُ الدَّوْرَ فَلْيُتَأَمَّلْ
لِاسْتِقْلَالِهِ، فَإِنْ انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ لِلْوَلَدِ وَهِبَتَهُ لِمُكَاتَبِ نَفْسِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
(وَشَرْطُ رُجُوعِهِ) أَيْ الْأَبِ بِالْمَعْنَى الْمَارِّ (بَقَاءُ الْمَوْهُوبِ فِي سَلْطَنَةِ الْمُتَّهِبِ) أَيْ اسْتِيلَائِهِ لِيَشْمَلَ مَا يَأْتِي فِي التَّخَمُّرِ، ثُمَّ التَّخَلُّلُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِهِ حَقٌّ لَازِمٌ يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ حَجْرُ سَفَهٍ (فَيُمْتَنَعُ) الرُّجُوعُ (بِبَيْعِهِ) كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا بَاعَهُ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ فِي زَمَنِ خِيَارٍ لَمْ يُنْقَلْ الْمِلْكُ عَنْهُ اتَّجَهَ الرُّجُوعُ وَشَمَلَ كَلَامُهُ مَا لَوْ كَانَ الْبَيْعُ مِنْ الْأَصْلِ الْوَاهِبِ فَيُمْتَنَعُ الرُّجُوعُ، وَلَوْ وَهَبَهُ مُشَاعًا فَاقْتَسَمَهُ ثُمَّ رَجَعَ فِيمَا خَصَّ وَلَدَهُ بِالْقِسْمَةِ جَازَ إنْ كَانَتْ إفْرَازًا وَإِلَّا لَمْ يَرْجِعْ إلَّا فِيمَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ، فَلَوْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ بِالنِّصْفِ رَجَعَ فِي نِصْفِهِ فَقَطْ وَلَا تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ (وَوَقْفُهُ) مَعَ الْقَبُولِ حَيْثُ اشْتَرَطَ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَهُ لَمْ يُوجَدْ عَقْدٌ زَالَ بِهِ مِلْكُهُ، وَبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ الثَّابِتِ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ، وَيُمْتَنَعُ أَيْضًا بِتَعَلُّقِ أَرْشِ جِنَايَةٍ بِرَقَبَتِهِ إنْ لَمْ يُؤَدِّهَا الرَّاجِعُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لِأَدَاءِ قِيمَةِ الرَّهْنِ النَّاقِصَةِ عَنْ الدَّيْنِ حَتَّى يَرْجِعَ فِيهِ لِأَنَّ أَدَاءَهَا يُبْطِلُ تَعَلُّقَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ لَوْ خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً بِهِ فَيَتَضَرَّرُ، وَأَدَاءُ الْأَرْشِ لَا يُبْطِلُ تَعَلُّقَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِهِ لَوْ بَانَ مُسْتَحَقًّا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الرَّهْنَ عَقْدٌ وَفَسْخُهُ لَا يَقْبَلُ وَقْفًا، بِخِلَافِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَإِنَّهُ يَقْبَلُهُ، وَيَحْجُرُ الْحَاكِمُ عَلَى الْمُتَّهِبِ بِالْإِفْلَاسِ مَا لَمْ يَنْفَكَّ الْحَجْرُ وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ، وَبِتَخَمُّرِ عَصِيرٍ مَا لَمْ يَتَخَلَّلْ لِأَنَّ مِلْكَ الْخَلِّ سَبَبُهُ مِلْكُ الْعَصِيرِ وَأَلْحَقَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ دَبْغَ جِلْدِ الْمَيْتَةِ، فَلَوْ زَرَعَ الْحَبَّ أَوْ تَفَرَّخَ الْبَيْضُ امْتَنَعَ الرُّجُوعُ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي الْغَصْبِ حَيْثُ يَرْجِعُ الْمَالِكُ فِيهِ، وَإِنْ تَفَرَّخَ وَنَبَتَ بِأَنَّ اسْتِهْلَاكَ الْمَوْهُوبِ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ الْوَاهِبِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَاسْتِهْلَاكُ الْمَغْصُوبِ وَنَحْوُهُ لَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ مَالِكِهِ، وَيُمْتَنَعُ أَيْضًا بِكِتَابَتِهِ: أَيْ الصَّحِيحَةِ لِمَا يَأْتِي فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ مَا لَمْ يَعْجِزْ، وَبِإِيلَادِهِ وَبِرَدِّهِ الْوَاهِبَ مَا لَمْ يُسَلِّمْ لِأَنَّ مَالَهُ مَوْقُوفٌ وَالرُّجُوعُ لَا يُوقَفُ وَلَا يُعَلَّقُ
وَاسْتِثْنَاءُ الدَّمِيرِيِّ مِنْ الرُّجُوعِ مَا لَوْ وَهَبَهُ صَيْدًا فَأَحْرَمَ الْفَرْعُ وَلَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى تَحَلَّلَ مَمْنُوعٌ لِزَوَالِ مِلْكِ الْفَرْعِ عَنْهُ بِالْإِحْرَامِ وَلَمْ يَعُدْ بِالتَّحَلُّلِ إذْ يَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، وَلَوْ حَكَمَ شَافِعِيٌّ بِمُوجِبِ الْهِبَةِ ثُمَّ رَجَعَ الْأَصْلُ فِيهَا وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ فِي يَدِهِ فَرَفَعَ الْأَمْرَ لِحَنَفِيٍّ فَحَكَمَ بِبُطْلَانِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: لَمْ يَنْقُلْ الْمِلْكَ عَنْهُ) أَيْ بِأَنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ أَوْ لَهُمَا وَقَوْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ: أَيْ بِأَنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْقَبُولِ.
(قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُؤَدِّهَا الرَّاجِعُ) يَنْبَغِي، أَوْ الْمُتَّهِبُ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْهُ الشَّارِحُ لِعَدَمِ بَقَاءِ الْحَقِّ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ (قَوْلُهُ: لِأَدَاءِ قِيمَةِ الرَّهْنِ النَّاقِصَةِ) مَفْهُومُهُ إجَابَتُهُ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهِ وَأَدَّاهُ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ لِأَنَّ أَدَاءَهَا إلَخْ خِلَافُهُ، فَلَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّقْيِيدِ لَا مَفْهُومَ لَهُ.
(قَوْلُهُ: يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ الْوَاهِبِ) أَيْ مِنْ الرُّجُوعِ، وَفِي سم عَلَى حَجّ: فَرْعٌ: لَوْ تَفَرَّخَ بَيْضُ النَّعَامِ فَهَلْ يَرْجِعُ فِي قِشْرِهِ لِأَنَّهُ مُتَمَوِّلٌ أَوْ لَا لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ التَّالِفِ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
فَرْعٌ آخَرُ: قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْمُقْنِعِ: وَلَوْ كَانَ ثَوْبًا فَأَبْلَاهُ لَمْ يَرْجِعْ اهـ.
وَالْمُتَبَادَرُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِأَبْلَاهُ أَنَّهُ فَنِيَ رَأْسًا، وَإِلَّا فَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ رُجُوعٌ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى نَفْيِهِ بَلْ إنْ انْسَحَقَ وَكَانَ وَجْهُ عَدَمِ الرُّجُوعِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ صَارَ فِي مَعْنَى التَّالِفِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: قَوْلُهُ فِيهِ نَظَرٌ لَا يَبْعُدُ الرُّجُوعُ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنَّهُ بَعْضُ الْمَوْهُوبِ (قَوْلُهُ مَمْنُوعٌ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ.
(قَوْلُهُ: وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ فِي يَدِهِ) أَيْ الْفَرْعُ وَقَوْلُهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِهِ حَقٌّ) حَالٌ مِنْ الْمَوْهُوبِ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَنْتَقِلْ الْمِلْكُ عَنْهُ) أَيْ بِأَنْ كَانَ لَهُ أَوْ مَوْقُوفًا (قَوْلُهُ: رَجَعَ فِي نِصْفِهِ فَقَطْ) أَيْ لِأَنَّ النِّصْفَ الَّذِي آلَ إلَيْهِ بِالْقِسْمَةِ كَانَ لَهُ نِصْفُهُ قَبْلَهَا شَائِعًا فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ.
(قَوْلُهُ: لَوْ خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً) أَيْ الْقِيمَةُ.
(قَوْلُهُ: وَأَلْحَقَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ دَبْغَ جِلْدِ الْمَيْتَةِ) أَيْ بِأَنْ وَهَبَهُ حَيَوَانًا فَمَاتَ ثُمَّ دَبَغَ جِلْدَهُ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُسْلِمْ) أَيْ فَيَصِحُّ رُجُوعُهُ إذَا رَجَعَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّا نَتَبَيَّنُ بِإِسْلَامِهِ صِحَّةَ رُجُوعِهِ الْوَاقِعِ فِي الرِّدَّةِ كَمَا يُعْلَمُ
الرُّجُوعِ زَاعِمًا أَنَّ مُوجِبَهَا خُرُوجُ الْعَيْنِ مِنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ وَدُخُولُهُ فِي مِلْكِ الْمَوْهُوبِ، وَأَمَّا الرُّجُوعُ فَحَادِثَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وُجِدَتْ بَعْدَ حُكْمِ الشَّافِعِيِّ فَكَيْفَ تَدْخُلُ فِي حُكْمِهِ، وَكَيْف يُعْقَلُ أَنْ يَسْبِقَ السَّيْلُ الْمَطَرَ وَالْحَصَادُ الزِّرَاعَةَ وَالْوِلَادَةُ الْإِحْبَالَ، فَهِيَ وَاقِعَةُ فَتْوَى كَانَ حُكْمُهُ بَاطِلًا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا حَكَمَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، إذْ قَوْلُهُ بِمُوجِبِهِ مِنْ قَوْلِهِ حَكَمْت بِمُوجِبِهِ مُفْرَدٌ مُضَافٌ لِمَعْرِفَةٍ فَهُوَ عَامٌّ وَمَدْلُولُهُ كُلِّيَّةٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ حَكَمْت بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ وَبِصِحَّةِ الرُّجُوعِ عِنْدَ وُقُوعِهِ وَهَكَذَا إلَى آخِرِ مُقْتَضَيَاتِهِ سَوَاءٌ فِيهَا مَا وَقَعَ وَمَا لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، وَقَدْ قَالَ أَئِمَّتُنَا: الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعَقْدَ الصَّادِرَ إذَا كَانَ صَحِيحًا بِالِاتِّفَاقِ وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي مُوجِبِهِ فَالْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِمُوجِبِهِ عِنْدَ غَيْرِ مَنْ حَكَمَ بِهَا، وَلَوْ حَكَمَ الْأَوَّلُ بِالْمُوجِبِ امْتَنَعَ الْحُكْمُ بِمُوجِبِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ، مِثَالُهُ التَّدْبِيرُ صَحِيحٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَمُوجِبُهُ إذَا كَانَ تَدْبِيرًا مُطْلَقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُنِعَ الْبَيْعُ، فَلَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِصِحَّةِ التَّدْبِيرِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ بَيْعِهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ بَيْعِ الْمُدَّبَّرِ وَلَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجِبِ التَّدْبِيرِ امْتَنَعَ الْبَيْعُ، وَإِذَا حَكَمَ الْمَالِكِيُّ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ إثْبَاتُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَلَا فَسْخَ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْحُكْمِ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يُجَامِعُ ذَلِكَ وَلَوْ حَكَمَ بِمُوجِبِ الْبَيْعِ امْتَنَعَ عَلَى الشَّافِعِيِّ تَمْكِينُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ الْفَسْخِ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَلَيْسَ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى نَقْضِ حُكْمِ الْحَاكِمِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي حَكَمَ بِهِ وَهُوَ الْإِيجَابُ إنْ قُلْنَا بِعَدَمِ النَّقْضِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَسَيَأْتِي فِي الْقَضَاءِ تَرْجِيحُ خِلَافِهِ، وَلَوْ حَكَمَ الشَّافِعِيُّ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا لِلْحَنَفِيِّ مِنْ تَمْكِينِ الْجَارِ مِنْ أَخْذِ الْعَقَارِ الْمَبِيعِ بِالشُّفْعَةِ وَلَوْ حَكَمَ بِمُوجِبِهِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَوْ حَكَمَ الْمَالِكِيُّ بِصِحَّةِ الْقَرْضِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَى الْمُقْرِضِ الرُّجُوعُ عِنْدَ حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ
[حاشية الشبراملسي]
كَانَ حُكْمُهُ بَاطِلًا: أَيْ الْحَنَفِيِّ، وَقَوْلُهُ إذْ قَوْلُهُ: أَيْ الشَّافِعِيِّ.
(قَوْلُهُ: سَوَاءٌ فِيهَا) أَيْ مُقْتَضَيَاتُهُ، وَقَوْلُهُ وَلَوْ حَكَمَ: أَيْ الشَّافِعِيُّ، وَقَوْلُهُ عِنْدَ مَنْ يَرَى: أَيْ كَالشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُهُ امْتَنَعَ الْبَيْعُ: أَيْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُهُ وَلَوْ حَكَمَ: أَيْ الْمَالِكِيُّ، وَقَوْلُهُ نَقَضَ حُكْمُ الْحَاكِمِ: أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَهُمَا الِانْفِرَادُ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ الْإِيجَابُ: أَيْ لُزُومُ الْعَقْدِ،
[حاشية الرشيدي]
التَّعْلِيلُ.
(قَوْلُهُ: لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا حَكَمَ بِهِ الشَّافِعِيُّ إلَى قَوْلِهِ وَإِنَّمَا أَطَلْنَا الْكَلَامَ) نَصُّ مَا فِي فَتَاوَى وَالِدِهِ (قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْعَقْدَ إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ لِهَذَا الْأَوَّلِ ثَانِيًا وَلَا ثَالِثًا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى التَّعْبِيرِ بِوُجُوهٍ (قَوْلُهُ: إذَا كَانَ صَحِيحًا بِالِاتِّفَاقِ) اُنْظُرْ مَا وَجْهُ التَّعْبِيرِ بِالِاتِّفَاقِ هُنَا، وَفِيمَا يَأْتِي مَعَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي مَحَلِّ الِاتِّفَاقِ، وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: إذَا كَانَ مُخْتَلِفًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَظْهَرُ أَثَرُ حُكْمِ الْحَاكِمِ فِيهِ مِنْ رَفْعِ الْخِلَافِ (قَوْلُهُ: لَا يُمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِمُوجِبِهِ) يَعْنِي مَا يُخَالِفُهُ فِي الْمُوجِبِ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) إنَّمَا قَيَّدَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيِّ، أَمَّا إذَا كَانَ مُقَيَّدًا كَمَا إذَا قَالَ السَّيِّدُ: إذَا مِتّ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ مَثَلًا فَالْحَنَفِيُّ يُوَافِقُنَا عَلَى صِحَّةِ بَيْعِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ حَكَمَ بِمُوجِبِ الْبَيْعِ امْتَنَعَ عَلَى الشَّافِعِيِّ تَمْكِينُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إلَخْ) أَيْ إنْ قُلْنَا إنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يُنْقَضُ، وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَأْتِي فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِنَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ نُقِضَ حُكْمُهُ (قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ مَانِعًا لِلْحَنَفِيِّ مِنْ تَمْكِينِ الْجَارِ مِنْ أَخْذِ الْمَبِيعِ بِالشُّفْعَةِ وَلَوْ حَكَمَ بِمُوجِبِهِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ ذَلِكَ) قَدْ يُقَالُ: مَا مَعْنَى حُكْمِنَا عَلَى الْحَنَفِيِّ بِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ مَعَ أَنَّهُ صَحِيحٌ عِنْدَهُ وَهُوَ لَا يَلْتَزِمُ أَحْكَامَنَا، وَقَدْ يُقَالُ: فَائِدَتُهُ أَنَّهُ لَوْ رَفَعَ ذَلِكَ الْحُكْمَ إلَيْنَا نَقَضْنَاهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ هُنَا تَبَعًا لِوَالِدِهِ، وَذَكَرَ فِيمَا يَأْتِي أَنَّهُ مَنْقُولٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّا نَلْتَزِمُ مُوجِبَ حُكْمِ الْمُخَالِفِ وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَرَاهُ؛ فَإِنَّ الْحَنَفِيَّ لَا يَرَى أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجِبِ يَتَنَاوَلُ الْأَشْيَاءَ الْمُسْتَقْبَلَةَ مَعَ وُجُوبِ الْتِزَامِنَا لَهَا كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأَمْثِلَةِ، لَكِنْ صَرَّحَ الشِّهَابُ حَجّ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّ مَحَلَّ الْتِزَامِ الْمُوجِبِ حُكْمُ الْمُخَالِفِ إذَا كَانَ يَقُولُ بِهِ فَلْيُحَرَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ حَكَمَ الْمَالِكِيُّ بِصِحَّةِ الْقَرْضِ إلَخْ) يُوجَدُ هُنَا فِي نُسَخِ الشَّارِحِ سَقْطٌ، وَعِبَارَةُ فَتَاوَى وَالِدِهِ الَّتِي هَاهُنَا نَصُّ مَا فِيهَا
إذْ هُوَ قَرْضٌ صَحِيحٌ وَيَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ فَلَا يُنَافِي الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ الرُّجُوعُ فِي الْقَرْضِ، وَإِنْ حُكِمَ بِمُوجِبِهِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِهِ لِأَنَّ مُوجِبَ الْقَرْضِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ امْتِنَاعُ الرُّجُوعِ، وَلَوْ حَكَمَ الشَّافِعِيُّ بِصِحَّةِ الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا لِمَنْ يَرَى فَسْخَ الرَّهْنِ بِالْعَوْدِ إلَى الرَّاهِنِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ أَنْ يُعِيدَهُ بِاخْتِيَارِهِ وَيَفُوتَ الْحَقُّ فِيهِ بِإِعْتَاقِ الرَّاهِنِ.
مَثَلًا أَنْ يَفْسَخَهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ لَيْسَ مُنَافِيًا لِلْفَسْخِ بِمَا ذُكِرَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَكَمَ بِمُوجِبِهِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَى الْحَاكِمِ الْمَالِكِيِّ أَنْ يَفْسَخَهُ بِمَا مَرَّ لِأَنَّ مُوجِبَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ دَوَامُ الْحَقِّ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ مَعَ الْعَوْدِ مُطْلَقًا، فَالْحُكْمُ بِالْفَسْخِ لِأَجْلِ الْعَوْدِ الْمَذْكُورِ مُنَافٍ لِحُكْمِ الشَّافِعِيِّ بِمُوجِبِهِ عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِيُعْلَمَ مِنْهَا فَسَادُ مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ مِنْ عُلَمَاءِ عَصْرِنَا تَبَعًا لَلْعِرَاقِيِّ فِي مَسْأَلَةِ إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ، وَحَكَمَ بِمُوجِبِهِ مَالِكِيٌّ بِأَنَّ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ تَزْوِيجِهَا، وَأَنَّ مَا مَرَّ خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِفْتَاءِ مِنْ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ زَاعِمًا أَنَّ السَّرَخْسِيَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَنْ ذَلِكَ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ إجْمَاعَ أَهْلِ مَذْهَبِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِنَقْلِ الْإِجْمَاعِ وَإِلَّا فَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ النُّقُولِ صَرِيحٌ فِي رَدِّ دَعْوَاهُ (لَا بِرَهْنِهِ وَهِبَتِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ) فِيهِمَا لِبَقَاءِ السَّلْطَنَةِ بِخِلَافِهِمَا بَعْدَهُ، وَالْمُرْتَهِنُ غَيْرُ الْوَاهِبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِزَوَالِهَا وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ مِنْ الِابْنِ لِأَبِيهِ أَوْ لِأَخِيهِ أَوْ لِابْنِهِ لِأَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْ الْجَدِّ أَوْ الْأَبِ وَلَا بِنَحْوِ غَصْبِهِ أَوْ إبَاقِهِ
وَلَوْ مَرِضَ الِابْنُ وَرَجَعَ الْأَبُ ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ اتَّجَهَ صِحَّةُ رُجُوعِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ كَوْنُهُ صَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ إذْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالتَّبَرُّعَاتِ وَنَحْوِهَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَجْرِ الْفَلْسِ بِأَنَّهُ أَقْوَى لِمَنْعِهِ التَّصَرُّفَ وَإِيثَارِ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ وَالْمَرَضِ إنَّمَا يَمْنَعُ الْمُحَابَاةَ وَلَا يَمْنَعُ الْإِيثَارَ (وَلَا) بِنَحْوِ (تَعْلِيقِ عِتْقِهِ) وَتَدْبِيرِهِ وَالْوَصِيَّةِ بِهِ (وَتَزْوِيجِهَا وَزِرَاعَتِهَا) لِبَقَاءِ السَّلْطَنَةِ (وَكَذَا الْإِجَارَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ) لِبَقَاءِ الْعَيْنِ بِحَالِهَا وَمَوْرِدُ الْإِجَارَةِ الْمَنْفَعَةُ فَيَسْتَوْفِيهَا الْمُسْتَأْجِرُ، وَمُقَابِلُ الْمَذْهَبِ قَوْلُ الْإِمَامِ إنْ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُ الْمُؤَجِّرِ
[حاشية الشبراملسي]
وَقَوْلُهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ: أَيْ عَلَى الْحَنَفِيِّ، وَقَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ: أَيْ السَّرَخْسِيَّ.
(قَوْلُهُ: صَرِيحٌ فِي رَدِّ دَعْوَاهُ) فِي كَوْنِ مَا ذُكِرَ صَرِيحًا فِي رَدِّ دَعْوَاهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، لِأَنَّ مُحَصِّلَ مَا نَقَلَهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُوجِبِ كَوْنُهُ مَوْجُودًا بَلْ الْحُكْمُ بِهِ يَشْمَلُ الْمَوْجُودَ وَالثَّمَرَاتِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، وَالْحُكْمُ بِعَدَمِ صِحَّةِ النِّكَاحِ فِيمَا ذُكِرَ لَيْسَ حُكْمًا لِأَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ وُقُوعُهُ فِي جَوَابِ دَعْوَى مُلْزِمَةٍ حَتَّى يَقَعَ الْحُكْمُ فِي جَوَابِهَا.
نَعَمْ إنْ كَانَ الْمَالِكِيُّ لَا يَشْتَرِطُ لِصِحَّةِ الْحُكْمِ مَا ذُكِرَ اتَّجَهَ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُرْتَهِنُ) الْوَاوُ لِلْحَالِ.
(قَوْلُهُ: فَيَسْتَوْفِيهَا الْمُسْتَأْجِرُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ لِلْوَاهِبِ بِشَيْءٍ عَلَى الْمُؤَجِّرِ اهـ حَجّ.
وَعَلَيْهِ فَلَوْ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ أَنَّ الْمَالِكَ لَوْ أَجَّرَ الدَّارَ ثُمَّ بَاعَهَا ثُمَّ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ
[حاشية الرشيدي]
وَلَوْ حَكَمَ الْمَالِكِيُّ بِصِحَّةِ الْقَرْضِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَى الْمُقْرِضِ الرُّجُوعُ فِي الْقَرْضِ، وَإِنْ حَكَمَ بِمُوجِبِهِ امْتَنَعَ عَلَى الْمُقْرِضِ الرُّجُوعُ فِي الْعَيْنِ الْمُقْرَضَةِ الْبَاقِيَةِ عِنْدَ الْمُقْتَرِضِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْقَرْضِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَبِفَوْتِ الْحَقِّ فِيهِ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ بِالْعَوْدِ.
(قَوْلُهُ: صَرِيحٌ فِي رَدِّ دَعْوَاهُ) قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ مَا نَصُّهُ: فِي كَوْنِ مَا ذُكِرَ صَرِيحًا فِي رَدِّ دَعْوَاهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى؛ لِأَنَّ مُحَصِّلَ مَا نَقَلَهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُوجِبِ كَوْنُهُ مَوْجُودًا، بَلْ الْحُكْمُ بِهِ يَشْمَلُ الْمَوْجُودَ وَالثَّمَرَاتِ الْمُسْتَقْبَلَةَ، وَالْحُكْمُ بِعَدَمِ صِحَّةِ النِّكَاحِ فِيمَا ذُكِرَ لَيْسَ حُكْمًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ وُقُوعُهُ فِي جَوَابِ دَعْوَى مُلْزَمَةٍ حَتَّى يَقَعَ الْحُكْمُ فِي جَوَابِهَا.
نَعَمْ إنْ كَانَ الْمَالِكِيُّ لَا يَشْتَرِطُ لِصِحَّةِ الْحُكْمِ مَا ذُكِرَ اُتُّجِهَ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ انْتَهَى مَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ.
وَهُوَ صَرِيحٌ كَمَا تَرَى فِي اسْتِحَالَةِ الدَّعْوَى هُنَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إذْ هَذَا مِمَّا تَصِحُّ فِيهِ دَعْوَى الْحِسْبَةِ إذَا أَرَادَ التَّزْوِيجَ بِمَنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى نِكَاحِهَا بِأَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ بِأَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ التَّعْلِيقُ الْمَذْكُورُ وَيُرِيدُ التَّزْوِيجَ بِمَنْ عَلَّقَ عَلَيْهَا وَمُعَاشَرَتَهَا فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ الْمَالِكِيُّ بِمُوجِبِ التَّعْلِيقِ فَتَدَبَّرْ.
فَفِي الرُّجُوعِ تَرَدُّدٌ، وَفَارَقَ مَا هُنَا رُجُوعُ الْبَائِعِ بَعْدَ التَّحَالُفِ بِأَنَّ الْفَسْخَ ثَمَّ قَوِيٌّ وَلِذَا جَرَى وَجْهٌ أَنَّ الْفَسْخَ ثَمَّ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ وَلَا كَذَلِكَ هُنَا.
(وَلَوْ) (زَالَ مِلْكُهُ) أَيْ الْفَرْعُ عَنْ الْمَوْهُوبِ (وَعَادَ) إلَيْهِ وَلَوْ بِإِرْثٍ أَوْ إقَالَةٍ أَوْ رَدٍّ بِعَيْبٍ (لَمْ يَرْجِعْ) لِأَصْلِ الْوَاهِبِ لَهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْهُ حِينَئِذٍ.
نَعَمْ قَدْ يَزُولُ وَيَرْجِعُ كَمَا مَرَّ فِي نَحْوِ تَخَمُّرِ الْعَصِيرِ، الثَّانِي يَرْجِعُ نَظَرًا لِمِلْكِهِ السَّابِقِ وَخَرَجَ بِزَالَ مَا لَوْ لَمْ يَزُلْ وَإِنْ أَشْرَفَ عَلَى الزَّوَالِ كَمَا لَوْ ضَاعَ فَالْتَقَطَهُ مُلْتَقِطٌ وَعَرَّفَهُ سَنَةً وَلَمْ يَتَمَلَّكْهُ فَحَضَرَ الْمَالِكُ وَسَلَّمَ لَهُ فَلِأَبِيهِ الرُّجُوعُ فِيهِ، وَلَوْ وَهَبَهُ الْفَرْعُ لِفَرْعِهِ وَأَقْبَضَهُ ثُمَّ رَجَعَ فِيهِ فَالْأَوْجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: عَدَمُ الرُّجُوعِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ، ثُمَّ عَوْدُهُ سَوَاءٌ أَجَعَلْنَا الرُّجُوعَ إبْطَالًا لِلْهِبَةِ أَمْ لَا، إذْ الْقَائِلُ بِالْإِبْطَالِ لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَتَهُ وَإِلَّا لَرَجَعَ فِي الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ (وَلَوْ زَادَ رَجَعَ فِيهِ بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ) لِتَبَعِيَّتِهَا كَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ وَحِرْفَةٍ لَا بِتَعْلِيمِ الْفَرْعِ فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِنْ نَظِيرِهِ فِي الْفَلْسِ وَحَرْثِ أَرْضٍ وَإِنْ زَادَتْ بِهَا الْقِيمَةُ، بِخِلَافِ حَمْلٍ عِنْدَ الرُّجُوعِ حَدَثَ بِيَدِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ حَالًا قَبْلَ الْوَضْعِ كَمَا صَحَّحَهُ الْقَاضِي وَأَجَابَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمِثْلُهُ طَلْعٌ حَدَثَ وَلَمْ يَتَأَبَّرْ عَلَى مَا فِي الْحَاوِي، لَكِنْ رُدَّ بِأَنَّ كَلَامَهُمَا فِي التَّفْلِيسِ نَقْلًا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ يُخَالِفُهُ، وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ (لَا الْمُنْفَصِلَةُ) كَأُجْرَةٍ وَكَسْبٍ فَلَا يَرْجِعُ فِيهَا لِحُدُوثِهَا فِي مِلْكِ الْمُتَّهِبِ وَلَيْسَ مِنْهَا حَمْلٌ عِنْدِ الْقَبْضِ وَإِنْ انْفَصَلَ فِي يَدِهِ وَسَكَتَ عَنْ النَّقْصِ وَحُكْمُهُ عَدَمُ الرُّجُوعِ بِأَرْشِهِ مُطْلَقًا وَيَبْقَى غِرَاسُ مُتَّهِبٍ وَبِنَاؤُهُ أَوْ يُقْلَعُ بِالْأَرْشِ أَوْ يَتَمَلَّكُ بِالْقِيمَةِ وَزَرْعُهُ إلَى الْحَصَادِ مَجَّانًا لِاحْتِرَامِهِ بِوَضْعِهِ لَهُ حَالَ مِلْكِهِ الْأَرْضَ، وَلَوْ عَمِلَ فِيهِ نَحْوَ قِصَارَةٍ أَوْ صَبْغٍ فَإِنْ زَادَتْ بِهِ قِيمَتُهُ شَارَكَ بِالزَّائِدِ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ (وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِرَجَعْتُ فِيمَا وَهَبْت أَوْ اسْتَرْجَعْته أَوْ رَدَدْته إلَى مِلْكِي أَوْ نَقَضْت الْهِبَةَ) أَوْ فَسَخْتهَا أَوْ أَبْطَلْتهَا لِأَنَّهَا تُفِيدُ الْمَقْصُودَ لِصَرَاحَتِهَا فِيهِ
فَلَوْ قَالَ: أَخَذْته أَوْ قَبَضْته وَنَوَى حَصَلَ أَيْضًا، وَكُلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ رُجُوعُ الْبَائِعِ عِنْدَ فَلْسِ الْمُشْتَرِي يَحْصُلُ بِهِ الرُّجُوعُ هُنَا، وَالْمَوْهُوبُ بَعْدَهُ وَقَبْلَ اسْتِرْدَادِهِ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْفَرْعِ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ فَسْخِ
[حاشية الشبراملسي]
عَادَتْ الْمَنْفَعَةُ لِلْبَائِعِ لَا لِلْمُشْتَرِي أَنَّهَا هُنَا تَعُودُ لِلْأَبِ.
(قَوْلُهُ: وَفَارَقَ) مُتَرَتِّبٌ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَرْجِعْ) وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: وَعَائِدٌ كَزَائِلٍ لَمْ يَعُدْ فِي فَلْسٍ مَعْ هِبَةٍ لِلْوَلَدِ.
(قَوْلُهُ: أَمْ لَا) وَهُوَ الرَّاجِحُ اهـ حَجّ.
وَقَوْلُهُ إذْ الْقَائِلُ بِالْإِبْطَالِ: أَيْ لِلْهِبَةِ.
(قَوْلُهُ: كَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بِمُعَلِّمٍ وَغَرِمَ لَهُ الْفَرْعُ أُجْرَةَ التَّعْلِيمِ، وَعَلَيْهِ فَيُشْكِلُ قَوْلُهُ لَا بِتَعْلِيمِ الْفَرْعِ إلَخْ، فَإِنَّ عَدَمَ الْمُشَارَكَةِ لِلْفَرْعِ بِتَعْلِيمِهِ أَوْلَى مِنْ عَدَمِ مُشَارَكَتِهِ بِتَعْلِيمِ غَيْرِهِ، فَإِنْ حُمِلَ قَوْلُهُ كَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ إلَخْ عَلَى مَا لَوْ تَعَلَّمَ بِنَفْسِهِ أَشْكَلَ بِالْحَرْثِ الْآتِي فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِفِعْلِ فَاعِلٍ فَلِيُتَأَمَّلْ.
وَعِبَارَةُ حَجٍّ: وَمِنْهَا: أَيْ الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ تَعَلُّمُ صَنْعَةٍ وَحِرْفَةٍ وَحَرْثِ الْأَرْضِ وَإِنْ زَادَتْ بِهَا الْقِيمَةُ اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ لَا بِتَعْلِيمِ الْفَرْعِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَحِرْفَةٌ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَقَوْلُهُ وَحَرْثُ أَرْضٍ قَدْ يُشْكِلُ هَذَا بِمَا بَحَثَهُ فِي تَعْلِيمِ الْفَرْعِ، وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ حَمْلٍ: أَيْ فِي أَنَّهُ لَا يَتَّبِعُ الْأُمَّ، وَقَوْلُهُ مُطْلَقًا: أَيْ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ يُقْلَعُ بِالْأَرْشِ) أَيْ وَالْخِيَرَةُ فِي ذَلِكَ لِلْوَاهِبِ.
(قَوْلُهُ: وَزَرَعَهُ) أَيْ الْمُتَّهِبُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَمِلَ) أَيْ الْفَرْعُ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَوْهُوبُ بَعْدَهُ) أَيْ الرُّجُوعِ، وَقَوْلُهُ فَلَا يَصِحَّ الرُّجُوعُ إلَّا مُنَجَّزًا: أَيْ فَلَا يَصِحُّ مُعَلَّقًا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَفَارَقَ مَا هُنَا) أَيْ حَيْثُ يَرْجِعُ الْوَاهِبُ فِي الْمُؤَجَّرِ مَسْلُوبِ الْمَنْفَعَةِ مِنْ غَيْرِ رُجُوعِهِ بِشَيْءٍ عَلَى الْمُؤَجَّرِ رُجُوعَ الْبَائِعِ حَيْثُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْمُؤَجَّرُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لِمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ
(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ فِي نَحْوِ تَخَمُّرِ الْعَصِيرِ) أَيْ لِبَقَاءِ سَلْطَنَتِهِ عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمَهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَبْقَى غِرَاسٌ مُتَّهَبٌ وَبِنَاؤُهُ) أَيْ: بِالْأُجْرَةِ (قَوْلُهُ: بَعْدَ الْقَبْضِ) أَيْ قَبْضِ هَذِهِ الْهِبَةِ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ
الْبَيْعِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَخَذَهُ بِحُكْمِ الضَّمَانِ، وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَّا مُنَجَّزًا، وَلَوْ وَهَبَهُ وَأَقْبَضَهُ فِي صِحَّةٍ فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ رَجَعَ فِيمَا وَهَبَ وَلَمْ تَذْكُرْ مَا رَجَعَ فِيهِ لَغَتْ شَهَادَتُهَا، فَلَوْ ثَبَتَ إقْرَارُ الْوَلَدِ بِأَنَّ الْأَبَ لَمْ يَهَبْهُ شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ ثَبَتَ الرُّجُوعُ (لَا بِبَيْعِهِ وَوَقْفِهِ وَهِبَتِهِ) بَعْدَ الْقَبْضِ (وَإِعْتَاقِهِ وَوَطْئِهَا) الَّذِي لَمْ تَحْمِلْ مِنْهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِكَمَالِ مِلْكِ الْفَرْعِ فَلَمْ يَقْوَ الْفِعْلُ عَلَى إزَالَتِهِ بِهِ، وَبِهِ فَارَقَ انْفِسَاخَ الْبَيْعِ فِيهَا فِي زَمَنِ الْخِيَارِ الذَّاهِبِ إلَى مُسَاوَاتِهِ لَهُ مُقَابِلُ الْأَصَحِّ، أَمَّا هِبَتُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا تُؤَثِّرُ رُجُوعًا قَطْعًا، وَعَلَيْهِ بِاسْتِيلَادِهَا قِيمَتُهَا وَبِالْوَطْءِ مَهْرُ مِثْلِهَا وَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الرُّجُوعَ، وَلَوْ تَفَاسَخَ الْمُتَوَاهِبَانِ الْهِبَةَ أَوْ تَقَايَلَا حَيْثُ لَا رُجُوعَ لَمْ تَنْفَسِخْ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ.
(وَلَا رُجُوعَ لِغَيْرِ الْأُصُولِ فِي هِبَةٍ) مُطْلَقَةٍ أَوْ (مُقَيَّدَةٍ بِنَفْيِ الثَّوَابِ) أَيْ الْعِوَضِ لِلْخَبَرِ الْمَارِّ وَلِقُوَّةِ شَفَقَةِ الْأَصْلِ، وَلِهَذَا كَانَ أَفْضَلُ الْبِرِّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ بِالْإِحْسَانِ لَهُمَا وَفِعْلِ مَا يَسُرُّهُمَا مِمَّا لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَعُقُوقُهُمَا كَبِيرَةٌ وَهُوَ إيذَاؤُهُمَا بِمَا لَيْسَ هَيِّنًا مَا لَمْ يَكُنْ مَا أَذَاهُمَا بِهِ وَاجِبًا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَلَوْ كَانَ فِي مَالِ أَحَدِهِمَا شُبْهَةٌ وَدَعَاهُ لِلْأَكْلِ مِنْهُ تَلَطَّفَ فِي الِامْتِنَاعِ فَإِنْ عَجَزَ فَلِيَأْكُلْ وَيُصَغِّرْ اللُّقْمَةَ وَيُطَوِّلْ الْمَضْغَةَ، وَكَذَا لَوْ أَلْبَسَهُ ثَوْبًا مِنْ شُبْهَةٍ وَكَانَ يَتَأَذَّى بِرَدِّهِ فَلِيَقْبَلْهُ وَلِيَلْبَسْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَنْزِعُهُ إذَا غَابَ وَيَجْتَهِدُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ فِيهِ إلَّا بِحَضْرَتِهِ، وَتُسَنُّ صِلَةُ الْقَرَابَةِ وَتَحْصُلُ بِالْمَالِ وَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ وَالزِّيَارَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ بِالسَّلَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ كَمَا يَتَأَكَّدُ كَرَاهَةُ خِلَافِهِ، وَيُكْرَهُ شِرَاءُ مَا وَهَبَهُ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ.
قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: لَوْ طَلَبَ مِنْ غَيْرِهِ هِبَةَ شَيْءٍ فِي مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ فَوَهَبَهُ مِنْهُ اسْتِحْيَاءً مِنْهُمْ وَلَوْ كَانَ خَالِيًا مَا أَعْطَاهُ حَرُمَ كَالْمَصَادِرِ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ لِاتِّقَاءِ شَرِّهِ أَوْ سِعَايَتِهِ (وَمَتَى وَهَبَ مُطْلَقًا) بِأَنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِثَوَابٍ وَلَا نَفْيِهِ (فَلَا ثَوَابَ) أَيْ عِوَضٌ (إنْ وَهَبَ لَهُ لِدُونِهِ) فِي الْمَرْتَبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ إذْ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: لَمْ تُحْمَلْ مِنْهُ) مَفْهُومُهُ أَنَّهَا إذَا حَمَلَتْ مِنْ الْوَطْءِ كَانَ رُجُوعًا وَعَلَيْهِ فَيُشْكِلُ قَوْلُهُ الْآتِي وَعَلَيْهِ بِاسْتِيلَادِهَا قِيمَتُهَا لِأَنَّهُ يُقَدِّرُ دُخُولَهَا فِي مِلْكِهِ قُبَيْلَ الْعُلُوقِ فَهِيَ إنَّمَا حَبِلَتْ بَعْدَ عَوْدِهَا لِمِلْكِهِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ أَنَّهُ إذَا وَطِئَ وَأَحْبَلَ انْتَقَلَتْ إلَى مِلْكِهِ وَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا لِفَرْعِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ الْوَطْءُ رُجُوعًا وَإِنْ حَبِلَتْ غَايَتُهُ أَنَّهَا إنْ لَمْ تَحْبَلْ لَزِمَهُ الْمَهْرُ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْفَرْعِ وَإِنْ حَبِلَتْ انْتَقَلَتْ إلَى مِلْكِهِ، كَمَا لَوْ وَطِئَ أَمَةَ الْفَرْعِ الَّتِي مَلَكَهَا مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْأَصْلِ فَإِنَّهُ يُقَدِّرُ دُخُولَهَا فِي مِلْكِ الْوَاطِئِ قُبَيْلَ الْعُلُوقِ وَمَا هُنَا كَذَلِكَ وَنَقَلَ فِي الدَّرْسِ عَنْ سم مَعْنَى ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَبِهِ فَارَقَ انْفِسَاخُ الْبَيْعِ إلَخْ) يَنْبَغِي مُلَاحَظَةُ مَا سَبَقَ فِي بَابِ النِّكَاحِ مِنْ سَبْقِ الْإِنْزَالِ مُغَيَّبِ الْحَشَفَةِ وَالْعَكْسُ إذَا أَحْبَلَهَا اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: إلَى مُسَاوَاتِهِ) أَيْ لِلْفَرْعِ وَقَوْلُهُ قِيمَتُهَا: أَيْ لِلْفَرْعِ وَقَوْلُهُ مَهْرُ مِثْلِهَا: أَيْ ثَيِّبًا وَيَلْزَمُهُ أَرْشُ بَكَارَةٍ إنْ كَانَتْ بِكْرًا.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ حَرَامٌ) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ لَا حَدَّ لِشُبْهَةِ الْخِلَافِ.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ لَا رُجُوعَ) أَيْ كَأَنْ كَانَتْ لِأَجْنَبِيٍّ (قَوْلُهُ: لَمْ تَنْفَسِخْ) وَقَدْ يُوَجَّهُ عَدَمُ دُخُولِهِمَا فِيهَا بِأَنَّهُمَا إنَّمَا يُنَاسِبَانِ الْمُعَاوَضَاتِ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِمَا الِاسْتِدْرَاكَ وَالْهِبَةَ إحْسَانٌ فَلَا يَلِيقُ بِهَا ذَلِكَ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُ سم وَقَدْ يُوَجَّهُ عَدَمُ دُخُولِهِمَا: أَيْ الْفَسْخِ وَالتَّقَابُلِ.
(قَوْلُهُ: وَاجِبًا) دَخَلَ فِيهِ مَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِ أَمْوَالِهِ وَعِتْقِ أَرِقَّائِهِ وَطَلَاقِ نِسَائِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَقَدْ أَمَرَهُ بِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُرَادًا.
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَاسَلَةُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ كِتَابٍ كَأَنْ يَقُولَ لِشَخْصٍ سَلِّمْ عَلَى فُلَانٍ.
(قَوْلُهُ: وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ) وَنَقَلَ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ عَنْ حَجّ أَنَّ الْوَعْدَ مَعَ نِيَّةِ عَدَمِ الْوَفَاءِ كَبِيرَةٌ.
(قَوْلُهُ: حَرُمَ) أَيْ وَلَا يَمْلِكُهُ (قَوْلُهُ: أَوْ سِعَايَتُهُ)
[حاشية الرشيدي]
يَقُولَ مَعَ الْقَبْضِ (قَوْلُهُ: الَّذِي لَمْ تَحْمِلْ مِنْهُ) قَالَ الشِّهَابُ سم: وَجْهُ هَذَا الْقَيْدِ أَنَّهَا إذَا حَمَلَتْ مِنْهُ صَارَتْ مُسْتَوْلَدَةً لِلْأَبِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الرُّجُوعُ فَتَنْتَقِلُ إلَى مِلْكِهِ بِسَبَبِ الِاسْتِيلَادِ فَلَا يَتَأَتَّى الْخِلَافُ حِينَئِذٍ فِي حُصُولِ الرُّجُوعِ أَوْ عَدَمِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى.
لَا يَقْتَضِيهِ لَفْظٌ وَلَا عَادَةٌ (وَكَذَا) لَا ثَوَابَ لَهُ وَإِنْ نَوَاهُ إنْ وَهَبَ (لِأَعْلَى مِنْهُ) فِي ذَلِكَ (فِي الْأَظْهَرِ) كَمَا لَوْ أَعَارَهُ دَارِهِ إلْحَاقًا لِلْأَعْيَانِ بِالْمَنَافِعِ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ لَيْسَ لَهَا قُوَّةُ الشَّرْطِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ وَالثَّانِي يَجِبُ الثَّوَابُ لِاطِّرَادِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ (وَ) كَذَا لَا ثَوَابَ لَهُ وَإِنْ نَوَاهُ إنْ وُهِبَ (لِنَظِيرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ) لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ مِثْلِهِ الصِّلَةُ وَتَأَكُّدُ الصَّدَاقَةِ وَالطَّرِيقِ الثَّانِي طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَالْهَدِيَّةُ فِي ذَلِكَ كَالْهِبَةِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ تَفَقُّهًا وَنَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ تَصْرِيحِ الْبَنْدَنِيجِيِّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الصَّدَقَةُ، وَإِنْ اخْتَارَ الْأَذْرَعِيُّ دَلِيلًا أَنَّ الْعَادَةَ مَتَى اقْتَضَتْ الثَّوَابَ وَجَبَ هُوَ أَوْ رَدُّ الْهَدِيَّةِ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا بَحَثَهُ أَيْضًا أَنَّ مَحَلَّ التَّرَدُّدِ مَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ حَالَةَ الْإِهْدَاءِ قَرِينَةٌ حَالِيَّةٌ أَوْ لَفْظِيَّةٌ دَالَّةٌ عَلَى طَلَبِ الثَّوَابِ، وَإِلَّا وَجَبَ هُوَ أَوْ الرَّدُّ لَا مَحَالَةَ، وَلَوْ قَالَ وَهَبْتُك بِبَدَلٍ فَقَالَ بَلْ بِلَا بَدَلٍ صُدِّقَ الْمُتَّهَبُ بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبَدَلِ، وَلَوْ أَهْدَى لَهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ يَقْضِيَ لَهُ حَاجَةً فَلَمْ يَفْعَلْ لَزِمَهُ رَدُّهُ إنْ بَقِيَ، وَإِلَّا فَبَدَلُهُ كَمَا قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ، فَإِنْ كَانَ فِعْلُهَا حَلَّ: أَيْ وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهُ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ الْوَاجِبِ الْعَيْنِيِّ إذَا كَانَ فِيهِ كُلْفَةٌ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ وَغَيْرِهِ هُنَا (فَإِنْ وَجَبَ) الثَّوَابُ عَلَى مُقَابِلِ الْمَذْهَبِ أَوْ عَلَى الْبَحْثِ الْمَارِّ لِتَلَفِ الْهَدِيَّةِ أَوْ عَدَمِ إرَادَةِ الْمُتَّهَبِ رَدَّهَا (فَهُوَ قِيمَةُ الْمَوْهُوبِ) أَيْ قَدْرُهَا يَوْمَ قَبَضَهُ وَلَوْ مِثْلِيًّا (فِي الْأَصَحِّ) فَلَا يَتَعَيَّنُ لِلثَّوَابِ جِنْسٌ مِنْ الْأَمْوَالِ بَلْ الْخِيَرَةُ فِيهِ لِلْمُتَّهِبِ.
وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ مَا يُعَدُّ ثَوَابًا لِمِثْلِهِ عَادَةً، وَقِيلَ إلَى أَنْ يَرْضَى وَلَوْ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ (فَإِنْ) قُلْنَا بِوُجُوبِ إثَابَتِهِ وَ (لَمْ يُثِبْهُ) هُوَ وَلَا غَيْرُهُ (فَلَهُ الرُّجُوعُ) فِي هِبَتِهِ إنْ بَقِيَتْ وَبَدَلُهَا إنْ تَلِفَتْ.
(وَلَوْ) (وَهَبَ بِشَرْطِ ثَوَابٍ مَعْلُومٍ) عَلَيْهِ كَوَهَبْتُكَ هَذَا عَلَى أَنْ تُثِيبَنِي كَذَا فَقَبِلَ (فَالْأَظْهَرُ صِحَّةُ الْعَقْدِ) نَظَرًا لِلْمَعْنَى إذْ هُوَ مُعَارَضَةٌ بِمَالٍ مَعْلُومٍ فَصَحَّ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك، وَالثَّانِي بُطْلَانُهُ نَظَرًا إلَى اللَّفْظِ لِتَنَاقُضِهِ فَإِنَّ لَفْظَ الْهِبَةِ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ الْمُتَكَلِّمُ فِيهِ بِسُوءٍ عِنْدَ مَنْ يَخَافُهُ.
(قَوْلُهُ: لَزِمَهُ رَدُّهُ) أَيْ فَلَوْ بَذَلَهَا لِيُخَلِّصَ لَهُ مَحْبُوسًا مَثَلًا فَسَعَى فِي خَلَاصِهِ فَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ الْهَدِيَّةِ لِصَاحِبِهَا لِأَنَّ مَقْصُودَهُ لَمْ يَحْصُلْ.
نَعَمْ لَوْ أَعْطَاهُ لِيَشْفَعَ لَهُ فَقَطْ سَوَاءٌ قُبِلَتْ شَفَاعَتُهُ أَوْ لَا فَفَعَلَ لَمْ يَجِبْ الرَّدُّ فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أَعْطَاهُ لِأَجْلِهِ، وَقَوْلُهُ عَلَى أَنْ يَقْضِيَ: أَيْ بِأَنْ شَرَطَهُ عِنْدَ الدَّفْعِ أَوْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ وَغَيْرِهِ هُنَا) وَلَوْ قَالَ خُذْ هَذَا وَاشْتَرِ لَك بِهِ كَذَا تَعَيَّنَ مَا لَمْ يُرِدْ التَّبَسُّطَ: أَيْ وَتَدُلُّ قَرِينَةُ حَالِهِ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ مُحْكَمَةٌ هُنَا وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا لَوْ أَعْطَى فَقِيرًا دِرْهَمًا بِنِيَّةِ أَنْ يَغْسِلَ بِهِ ثَوْبَهُ: أَيْ وَقَدْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى ذَلِكَ تَعَيَّنَ، وَلَوْ شَكَا إلَيْهِ أَنَّهُ يُوَفِّهِ أَجْرَهُ كَاذِبًا فَأَعْطَاهُ دِرْهَمًا أَوْ أَعْطَى بِظَنِّ صِفَةٍ فِيهِ أَوْ فِي نَسَبِهِ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ بَاطِنًا لَمْ يَحِلَّ قَبُولُهُ وَلَمْ يَمْلِكْهُ، وَيَكْتَفِي فِي كَوْنِهِ أَعْطَى لِظَنِّ تِلْكَ الصِّفَةِ بِالْقَرِينَةِ، وَمِثْلُ هَذَا مَا يَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الصَّدَاقِ مَبْسُوطًا مِنْ أَنَّ مَنْ دَفَعَ لِمَخْطُوبَتِهِ أَوْ وَكِيلِهَا طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ لِيَتَزَوَّجَهَا فَرَدَّ قَبْلَ الْعَقْدِ رَجَعَ عَلَى مَنْ أَقْبَضَهُ، وَحَيْثُ دَلَّتْ قَرِينَةٌ أَنَّ مَا يُعْطَاهُ إنَّمَا هُوَ لِلْحَيَاءِ حَرُمَ الْأَخْذُ وَلَمْ يَمْلِكْهُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ إجْمَاعًا، وَكَذَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَسْلِيمِ مَا هُوَ عَلَيْهِ إلَّا بِمَالٍ كَتَزْوِيجِ بِنْتِهِ بِخِلَافِ إمْسَاكِ زَوْجَتِهِ حَتَّى تُبْرِئَهُ أَوْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ) كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ لَيْسَ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا أَهْدَاهُ بَعْدَ أَنْ خَلَّصَهُ بِالْفِعْلِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَلَوْ أَهْدَى لِمَنْ خَلَّصَهُ مِنْ ظَالِمٍ لِئَلَّا يُنْقَضَ مَا فَعَلَهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَبُولُهُ وَإِلَّا حَلَّ: أَيْ وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهُ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَى الْوَاجِبِ الْعَيْنِيِّ إذَا كَانَ فِيهِ كُلْفَةٌ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ وَغَيْرِهِ هُنَا انْتَهَتْ.
وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي شَرْحِ الْأَذْرَعِيِّ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَ مَا ذُكِرَ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ ثُمَّ تَرَدَّدَ فِيمَا إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ التَّخْلِيصُ، وَلَعَلَّ فِي نُسَخِ الشَّارِحِ سَقْطًا مِنْ الْكَتَبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: عَلَى مُقَابِلِ الْمَذْهَبِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: عَلَى الضَّعِيفِ، وَهِيَ الْأَصْوَبُ.
يَقْتَضِي التَّبَرُّعَ (وَ) مِنْ ثَمَّ (يَكُونُ بَيْعًا عَلَى الصَّحِيحِ) فَيَجْرِي فِيهِ عَقِبَ الْعَقْدِ أَحْكَامُهُ كَالْخِيَارَيْنِ كَمَا مَرَّ بِمَا فِيهِ وَالشُّفْعَةُ وَعَدَمُ تَوَقُّفِ الْمِلْكِ عَلَى الْقَبْضِ، وَالثَّانِي يَكُونُ هِبَةً نَظَرًا لِلَّفْظِ فَلَا تَلْزَمُ قَبْلَ الْقَبْضِ (أَوْ) بِشَرْطِ ثَوَابٍ (مَجْهُولٍ فَالْمَذْهَبُ بُطْلَانُهُ) لِتَعَذُّرِ صِحَّتِهِ بَيْعًا لِجَهَالَةِ الْعِوَضِ وَهِبَةٍ لِذِكْرِ الثَّوَابِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهَا لَا تَقْتَضِيهِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ هِبَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَقْتَضِيهِ.
(وَلَوْ بَعَثَ هَدِيَّةً) لَمْ يُعَدَّهُ بِالْبَاءِ لِجَوَازِ الْأَمْرَيْنِ كَمَا قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ خِلَافًا لِتَصْوِيبِ الْحَرِيرِيِّ تَعَيَّنَ تَعْدِيَتُهُ بِهَا (فِي ظَرْفٍ) أَوْ وَهَبَ شَيْئًا فِي ظَرْفٍ مِنْ غَيْرِ بَعْثٍ (فَإِنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِرَدِّهِ كَقَوْصَرَّةِ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ فِي الْأَفْصَحِ (تَمْرٍ) أَيْ وِعَائِهِ الَّذِي يُكْنَزُ فِيهِ مِنْ، نَحْوِ خُوصٍ وَلَا يُسَمَّى بِذَلِكَ إلَّا وَهُوَ فِيهِ وَإِلَّا فَزِنْبِيلٌ وَكَعُلْبَةِ حَلْوَى (فَهُوَ هَدِيَّةٌ) أَوْ هِبَةٌ (أَيْضًا) تَحْكِيمًا لِلْعُرْفِ الْمُضْطَرِدِ، وَكِتَابُ الرِّسَالَةِ يَمْلِكُهُ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ إنْ لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى عَوْدِهِ.
قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، وَهُوَ أَوْجَهُ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْكَاتِبِ وَيَمْلِكُ الْمَكْتُوبُ لَهُ الِانْتِفَاعَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ اُعْتِيدَ رَدَّهُ أَوْ اضْطَرَبَتْ الْعَادَةُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ الْمُقْرِي (فَلَا) يَكُونُ هَدِيَّةً بَلْ أَمَانَةً فِي يَدِهِ كَالْوَدِيعَةِ (وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ) لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (إلَّا فِي أَكْلِ الْهَدِيَّةِ مِنْهُ إنْ اقْتَضَتْهُ الْعَادَةُ) عَمَلًا بِهَا وَيَكُونُ عَارِيَّةً حِينَئِذٍ، وَيُسَنُّ رَدُّ الْوِعَاءِ حَالًا لِخَبَرٍ فِيهِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهَذَا فِي مَأْكُولٍ، أَمَّا غَيْرُهُ فَيَخْتَلِفُ رَدُّ طَرَفِهِ بِاخْتِلَافِ عَادَةِ النَّوَاحِي فَيُتَّجَهُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ بِعُرْفِهِمْ وَفِي كُلِّ قَوْمٍ عُرْفُهُمْ بِاخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ، وَلَوْ خَتَنَ وَلَدَهُ وَحَمَلَتْ لَهُ هَدَايَا مَلَكَهَا الْأَبُ، وَقَالَ جَمْعٌ لِلِابْنِ فَيَلْزَمُ الْأَبَ قَبُولُهَا: أَيْ عِنْدَ انْتِفَاءِ
[حاشية الشبراملسي]
تَفْتَدِيَ بِمَالٍ، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّهُ هُنَا فِي مُقَابَلَةِ الْبُضْعِ الْمُتَقَوِّمِ عَلَيْهِ بِمَالٍ.
اهـ. حَجّ.
أَقُولُ: وَظَاهِرُ التَّمْثِيلِ بِتَزْوِيجِ بِنْتِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَطْلُبَ الثَّيِّبُ تَزْوِيجَهَا مِنْهُ وَيُمْتَنَعَ بِحَيْثُ يَكُونُ عَاضِلًا وَبَيْنَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ أَنَّ الْخَاطِبَ يَطْلُبُ مِنْ الْوَلِيِّ التَّزْوِيجَ فَيَمْتَنِعُ مِنْ إجَابَتِهِ إلَّا بِجُعْلٍ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الثَّانِيَةَ بِخُصُوصِهَا قَدْ يُقَالُ فِيهَا: إنَّهُ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ فِعْلٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ لِأَنَّ لَهُ الْإِعْرَاضَ عَنْهُ وَالتَّزْوِيجَ لِغَيْرِهِ.
بَقِيَ أَنَّهُ جَرَتْ عَادَةُ كَثِيرٍ أَنَّهُمْ عِنْدَ الْخِطْبَةِ يَدْفَعُونَ أُمُورًا اُعْتِيدَتْ فِيمَا بَيْنَهُمْ لِلْمَوْلَى مِنْ غَيْرِ سَبْقِ امْتِنَاعٍ مِنْهُ مِنْ التَّزْوِيجِ لَوْ لَمْ يُعْطُوهُ، فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ تَبَرُّعًا مَحْضًا فَلَا يَحْرُمُ قَبُولُهُ، أَوْ لَا لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ الِامْتِنَاعُ مِنْ التَّزْوِيجِ بِدُونِهِ نَزَلَتْ عَادَتُهُمْ مَنْزِلَةَ طَلَبِهِ، فِيهِ نَظَرٌ؟ وَلَا يَبْعُدُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ وَعَدَمُ الرُّجُوعِ أَيْضًا
(قَوْلُهُ فَالْمَذْهَبُ بُطْلَانُهُ) أَيْ وَيَكُونُ مَقْبُوضًا بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ فَيَضْمَنُهُ ضَمَانَ الْغُصُوبِ
(قَوْلُهُ: لِجَوَازِ الْأَمْرَيْنِ) فِي الْمِصْبَاحِ بَعَثْت رَسُولًا بَعْثًا أَرْسَلْته وَأَبْعَثْتُهُ كَذَلِكَ، وَفِي الْمُطَاوِعِ فَانْبَعَثَ مِثْلُ كَسَرْته فَانْكَسَرَ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَنْبَعِثُ بِنَفْسِهِ فَيُقَالُ بَعَثْته، وَكُلُّ شَيْءٍ لَا يَنْبَعِثُ بِنَفْسِهِ كَالْكِتَابِ وَالْهَدِيَّةِ فَإِنَّ الْفِعْلَ يَتَعَدَّى إلَيْهِ بِالْبَاءِ فَيُقَالُ بَعَثْت بِهِ، وَأَوْجَزَ الْفَارَابِيُّ فَقَالَ بَعَثَهُ: أَيْ أَهَبُهُ وَبَعَثَ بِهِ وَجَّهَهُ اهـ.
وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَعَيُّنَ الْبَاءِ هُنَا (قَوْلُهُ: فَهُوَ هَدِيَّةٌ أَوْ هِبَةٌ أَيْضًا) [تَنْبِيهٌ] أَيْضًا مِنْ آضَ إذَا رَجَعَ فَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لَكِنَّ عَامِلَهُ يُحْذَفُ وُجُوبًا سَمَاعًا، وَيَجُوزُ كَوْنُهُ حَالًا حُذِفَ عَامِلُهَا وَصَاحِبُهَا، وَقَدْ يَقَعُ بَيْنَ الْعَامِلِ وَمَعْمُولِهِ كَيَحِلُّ أَكْلُ الْهَدِيَّةِ، وَيَحِلُّ أَيْضًا اسْتِعْمَالُ ظَرْفِهَا فِي أَكْلِهَا: أَيْ ارْجِعْ إلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ بِذِكْرِ حِلِّ الْأَكْلِ مِنْ ظَرْفِهَا رُجُوعًا أَوْ أَخْبَرَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حِلِّ أَكْلِهَا حَالَ كَوْنِي رَاجِعًا إلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ بِحِلِّ الْأَكْلِ مِنْ ظَرْفِهَا، وَقَدْ لَا كَمَا هُنَا: أَيْ ارْجِعْ إلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ بِحُكْمِ الْمَظْرُوفِ رُجُوعًا أَوْ أَخْبَرَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حُكْمِ الْمَظْرُوفِ حَالَ كَوْنِي رَاجِعًا إلَى الْإِخْبَارِ بِحُكْمِ الظَّرْفِ فَعُلِمَ أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا مَعَ شَيْئَيْنِ وَلَوْ تَقْدِيرًا، بِخِلَافِ جَاءَ زَيْدٌ أَيْضًا وَبَيْنَهُمَا تَوَافُقٌ فِي الْعَامِلِ، بِخِلَافِ جَاءَ وَمَاتَ أَيْضًا، وَيُمْكِنُ اسْتِقْلَالُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْعَامِلِ بِخِلَافِ اخْتَصَمَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو أَيْضًا اهـ حَجّ.
(قَوْلُهُ: إنْ لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى عَوْدِهِ) كَأَنْ كَتَبَ لَهُ فِيهِ رُدَّ الْجَوَابَ بِظَهْرِهِ وَكَتَبَ أَيْضًا، قَوْلُهُ عَلَى عَوْدِهِ: أَيْ أَوْ إخْفَائِهِ.
(قَوْلُهُ: وَيَكُونُ عَارِيَّةً حِينَئِذٍ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: فَيَجُوزُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْمَحْذُورِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَمِنْهُ قَصْدُ التَّقَرُّبِ لِلْأَبِ وَهُوَ نَحْوُ قَاضٍ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ الْمُهْدِي وَاحِدًا مِنْهُمَا وَإِلَّا فَهِيَ لِمَنْ قَصَدَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِيمَا يُعْطَاهُ خَادِمُ الصُّوفِيَّةِ فَيَكُونُ لَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَوْ قَصَدَهُ وَلَهُمْ عِنْدَ قَصْدِهِمْ وَلَهُ وَلَهُمْ عِنْدَ قَصْدِهِمَا: أَيْ فَيَكُونُ لَهُ النِّصْفُ فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ لِزَيْدٍ الْكَاتِبِ وَالْفُقَرَاءِ مَثَلًا.
وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ بَعْضِ أَهْلِ الْبِلَادِ مِنْ وَضْعِ طَاسَةٍ بَيْنَ يَدَيْ صَاحِبِ الْفَرَحِ لِيَضَعَ النَّاسُ فِيهَا دَرَاهِمَ ثُمَّ يُقْسَمُ عَلَى الْمُزَيِّنِ وَنَحْوِهِ يَجْرِي فِيهِ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ قَصَدَ الْمُزَيِّنُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ نُظَرَائِهِ الْمُعَاوِنِينَ لَهُ عَمِلَ بِالْقَصْدِ، وَإِنْ أَطْلَقَ كَانَ مِلْكًا لِصَاحِبِ الْفَرَحِ يُعْطِيهِ لِمَنْ يَشَاءُ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْعُرْفِ هُنَا، أَمَّا مَعَ قَصْدِ خِلَافِهِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَعَ الْإِطْلَاقِ فَلِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْأَبِ وَالْخَادِمِ وَصَاحِبِ الْفَرَحِ نَظَرًا لِلْغَالِبِ أَنَّ كُلًّا مِنْ هَؤُلَاءِ هُوَ الْمَقْصُودُ هُوَ عُرْفُ الشَّرْعِ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْعُرْفِ الْمُخَالِفِ لَهُ، بِخِلَافِ مَا لَا عُرْفَ لِلشَّرْعِ فِيهِ فَيُحْكَمُ بِالْعَادَةِ فِيهِ، وَلِهَذَا لَوْ نَذَرَ لِوَلِيِّ مَيِّتٍ بِمَالٍ فَإِنْ قَصَدَ تَمْلِيكَهُ لَغَا أَوْ أَطْلَقَ وَكَانَ عَلَى قَبْرِهِ مَا يَحْتَاجُ لِلصَّرْفِ فِي مَصَالِحِهِ صَرَفَ لَهَا، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ قَوْمٌ اُعْتِيدَ قَصْدَهُمْ بِالنَّذْرِ لِلْوَلِيِّ صَرَفَ لَهُمْ.
[حاشية الشبراملسي]
تَنَاوُلُهَا مِنْهُ وَيَضُمُّهُ بِحُكْمِهَا، وَقَيَّدَهُ فِي بَابِهَا بِمَا إذَا لَمْ تُقَابَلْ بِعِوَضٍ وَإِلَّا فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ بِحُكْمِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: الْمُعَاوِنِينَ لَهُ) هَلْ يُقْسَمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعَاوِنِينَ لَهُ بِالسَّوِيَّةِ أَوْ بِالتَّفَاوُتِ وَمَا ضَابِطُهُ وَلَا يَبْعُدُ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ فِي ذَلِكَ.
[فَرْعٌ] مَا تَقَرَّرَ مِنْ الرُّجُوعِ فِي النُّقُوطِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ مَا يُسْتَهْلَكُ كَالْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهِ، وَمَدَارُ الرُّجُوعِ عَلَى عَادَةِ أَمْثَالِ الدَّافِعِ لِهَذَا الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ فَحَيْثُ جَرَتْ بِالرُّجُوعِ رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا م ر اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا مَعَ قَصْدِ خِلَافِهِ) أَيْ الْعُرْفِ (قَوْلُهُ فَيَحْكُمُ بِالْعَادَةِ فِيهِ) .
[تَنْبِيهٌ] يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَرَّرَ فِي بَعْضِ النَّوَاحِي أَنَّ مَحَلَّ مَا مَرَّ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي النُّقُوطِ الْمُعْتَادِ فِي الْأَفْرَاحِ مَا يَعْتَادُ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ، أَمَّا إذَا اُعْتِيدَ أَنَّهُ لِنَحْوِ الْخَاتِنِ، وَأَنَّ مُعْطِيَهُ إنَّمَا قَصَدَهُ فَقَطْ فَيَظْهَرُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِلْمُعْطِي عَلَى صَاحِبِ الْفَرَحِ وَإِنْ كَانَ الْإِعْطَاءُ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِهِ، لِأَنَّ كَوْنَهُ لِأَجْلِهِ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ فِي مِلْكِهِ لَا يَقْتَضِي رُجُوعًا عَلَيْهِ بِوَجْهٍ فَتَأَمَّلْهُ اهـ حَجّ.
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كِتَابُ اللُّقَطَةِ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَقَدْ تُسَكَّنُ، وَهِيَ لُغَةً: الشَّيْءُ الْمَلْقُوطُ، وَشَرْعًا: مَالٌ أَوْ اخْتِصَاصٌ مُحْتَرَمٌ ضَاعَ بِنَحْوِ غَفْلَةٍ بِمَحِلٍّ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لَمْ يَجُزْ وَلَا عَرَفَ الْوَاجِدُ مُسْتَحِقَّهُ وَلَا امْتَنَعَ بِقُوَّتِهِ، فَمَا وُجِدَ فِي مَمْلُوكٍ فَلِذِي الْيَدِ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ فَلِمَنْ قَبْلَهُ إلَى الْمُحْيِي ثُمَّ يَكُونُ لُقَطَةً.
نَعَمْ مَا وُجِدَ بِدَارِ حَرْبٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ وَقَدْ دَخَلَهَا بِغَيْرِ أَمَانٍ غَنِيمَةٌ، أَوْ بِهِ فَلُقَطَةٌ، وَمَا أَلْقَاهُ نَحْوُ رِيحٍ أَوْ هَارِبٍ لَا يَعْرِفُهُ بِنَحْوِ دَارِهِ أَوْ حِجْرِهِ وَوَدَائِعُ مَاتَ عَنْهَا مُوَرِّثُهُ وَلَا يَعْرِفُ مَالِكَهَا مَالٌ ضَائِعٌ لَا لُقَطَةٌ، خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي الْأُولَى أَمْرُهُ إلَى الْإِمَامِ فَيَحْفَظُهُ أَوْ ثَمَنَهُ إنْ رَأَى بَيْعَهُ أَوْ يُقْرِضُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ إلَى ظُهُورِ مَالِكِهِ إنْ تَوَقَّعَهُ وَإِلَّا صُرِفَ لِمَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ أَوْ كَانَ جَائِرًا فَلِمَنْ هِيَ بِيَدِهِ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ، وَلَوْ وُجِدَ لُؤْلُؤٌ بِالْبَحْرِ خَارِجَ صَدَفِهِ فَلُقَطَةٌ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ خِلْقَةً فِي الْبَحْرِ إلَّا دَاخِلَ صَدَفِهِ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَثْقُوبِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي غَيْرِ الْمَثْقُوبِ إنَّهُ لِوَاجِدِهِ، وَلَوْ وَجَدَ قِطْعَةَ عَنْبَرٍ فِي مَعْدِنِهِ كَالْبَحْرِ وَقُرْبِهِ، وَسَمَكَةٍ أُخِذَتْ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ، وَإِلَّا فَلُقَطَةٌ وَمَا أَعْرَضَ عَنْهُ مِنْ حَبٍّ
[حاشية الشبراملسي]
[كِتَابُ اللُّقَطَةِ]
ِ (قَوْلُهُ: وَفَتْحُ الْقَافِ) وَهُوَ الْأَفْصَحُ وَيُقَالُ لُقَاطَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ وَلَقَطٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ اهـ حَجّ.
(قَوْلُهُ: مُحْتَرَمٌ) قَيْدٌ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَالِ وَالِاخْتِصَاصِ (قَوْلُهُ: ضَاعَ) أَيْ وَوُجِدَ بِمَحِلٍّ غَيْرِ مَمْلُوكٍ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا امْتَنَعَ) الْأَوْلَى إسْقَاطُ هَذَا الْقَيْدِ لِمَا يَأْتِي مِنْ جَوَازِ الْتِقَاطِ الْمُمْتَنِعِ لِلْحِفْظِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي أَفْرَادِ اللُّقَطَةِ.
(قَوْلُهُ: فَلِمَنْ قَبْلَهُ إلَى الْمُحْيِي) أَيْ فَيَكُونُ لَهُ إنْ ادَّعَاهُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ حَجّ وَإِلَّا لَمْ يَدَّعِهِ بِأَنْ نَفَاهُ أَوْ سَكَتَ فَلُقَطَةٌ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّارِحِ فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِذِي الْيَدِ إلَّا إنْ ادَّعَاهُ، وَعَلَيْهِ فَيَسْتَوِي حَالُ ذِي الْيَدِ وَحَالُ الْمُحْيِي فِيمَا إذَا لَمْ يَدَّعِهِ، فَلَعَلَّ الشَّارِحَ لَا يَرَى هَذَا الْقَيْدَ فِي الْمُحْيِي.
وَقَالَ سم عَلَى حَجّ: أَقُولُ: يُفَارِقُ هَذَا حَيْثُ شَرَطَ فِي كَوْنِهِ لِأَوَّلِ مَالِكٍ أَنْ يَدَّعِيَهُ مَا تَقَدَّمَ فِي رِكَازٍ حَيْثُ كَانَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ مَا لَمْ يَنْفِهِ بِأَنَّ الرِّكَازَ يَمْلِكُهُ تَبَعًا لِمِلْكِ الْأَرْضِ بِالْإِحْيَاءِ، بِخِلَافِ الْمَوْجُودِ فِي ظَاهِرِ الْأَرْضِ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ لَا يُمْلَكُ بِذَلِكَ اهـ.
أَقُولُ: وَلَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ سم مَبْنِيٌّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي أَنَّهُ إنْ عَلِمَهُمَا قَبْلَ الْإِحْيَاءِ لَمْ يَمْلِكْهُمَا وَلَا بُقْعَتَهُمَا وَإِلَّا مَلَكَهُمَا وَبُقْعَتَهُمَا، وَقَدْ يُقَالُ لَا يَتَعَيَّنُ تَخْرِيجُ مَا ذَكَرَهُ عَلَى كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مَفْرُوضٌ فِي مَعْدِنٍ يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِ الْأَرْضِ أَوْ بَاطِنِهَا، وَمَا ذَكَرَهُ سم فِي مَنْقُولٍ يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِ الْأَرْضِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِهِ) أَيْ أَوْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ دَخَلَهَا بِأَمَانٍ أَمْ لَا عَلَى مَا يُفْهِمُهُ قَوْلُهُ أَوَّلًا لَيْسَ بِهَا إلَخْ (قَوْلُهُ: فَلِمَنْ هِيَ بِيَدِهِ ذَلِكَ) أَيْ مَا عَدَا الْقَرْضَ لِبَيْتِ الْمَالِ.
(قَوْلُهُ: قَالَ الرُّويَانِيُّ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ.
(قَوْلُهُ: وَقُرْبِهِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى
[حاشية الرشيدي]
كِتَابُ اللُّقَطَةِ (قَوْلُهُ: مُحْتَرَمٌ) فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ أَنَّهُ وَصْفٌ لِلْمَالِ وَالِاخْتِصَاصِ، وَانْظُرْ احْتَرَزَ بِهِ فِي الْمَالِ عَنْ مَاذَا؟ (قَوْلُهُ: فَلِمَالِكِهِ) فِي نُسْخَةٍ: فَلِذِي الْيَدِ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ فَلِمَنْ قَبِلَهُ إلَى الْمُحْيِي ثُمَّ يَكُونُ لُقَطَةً.
(قَوْلُهُ: وَقَرَّبَهُ) الظَّاهِرُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِمَعْدِنِهِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَسَمَكَةً أُخِذَتْ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْبَحْرِ
فِي أَرْضِ الْغَيْرِ فَنَبَتَ يَمْلِكُهُ مَالِكُهَا، قَالَهُ جَمْعٌ.
وَمِنْ اللُّقَطَةِ أَنْ يُبَدِّلَ نَعْلَهُ بِغَيْرِهِ فَيَأْخُذَهَا وَلَا يَحِلُّ لَهُ اسْتِعْمَالُهَا إلَّا بَعْدَ تَعْرِيفِهَا بِشَرْطِهِ أَوْ تَحَقَّقَ إعْرَاضَ الْمَالِكِ عَنْهَا، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَهَا تَعَمَّدَ أَخْذَ نَعْلِهِ جَازَ لَهُ بَيْعُ ذَلِكَ ظَفَرًا بِشَرْطِهِ وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ أَخْذِهَا فِي الْجُمْلَةِ لِأَحَادِيثَ فِيهَا يَأْتِي بَعْضُهَا مَعَ أَنَّ الْآيَاتِ الشَّامِلَةَ لِلْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ تَشْمَلُهَا، وَعَقَّبَهَا لِلْهِبَةِ لِأَنَّ كُلًّا تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ وَغَيْرُهُ لِإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ لِأَنَّ كُلًّا تَمْلِيكٌ مِنْ الشَّارِعِ، وَيَصِحُّ تَعْقِيبُهَا لِلْقَرْضِ لِأَنَّ تَمَلُّكَهَا اقْتِرَاضٌ مِنْ الشَّارِعِ.
وَأَرْكَانُهَا: لَاقِطٌ، وَمَلْقُوطٌ، وَلَقْطٌ.
وَسَتَعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ وَفِي اللَّقْطِ مَعْنَى الْأَمَانَةِ، إذْ لَا يَضْمَنُهَا، وَالْوِلَايَةُ عَلَى حِفْظِهَا كَالْوَلِيِّ فِي مَالِ الْمَحْجُورِ وَالِاكْتِسَابُ بِتَمَلُّكِهَا بِشَرْطِهِ، وَهُوَ الْمُغَلَّبُ فِيهَا.
(يُسْتَحَبُّ الِالْتِقَاطُ لِوَاثِقٍ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْبِرِّ، بَلْ قَالَ جَمْعٌ يُكْرَهُ تَرْكُهُ لِئَلَّا تَقَعَ فِي يَدِ خَائِنٍ (وَقِيلَ يَجِبُ) حِفْظُ الْمَالِ الْآدَمِيِّ كَنَفْسِهِ.
وَرُدَّ بِأَنَّهَا أَمَانَةٌ أَوْ كَسْبٌ وَكُلٌّ مِنْهُمَا غَيْرُ وَاجِبٍ ابْتِدَاءً، وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ وُجُوبِهَا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُ، وَلَوْ تَرَكَهَا تَلِفَتْ صَحِيحٌ قِيَاسًا عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْوَدِيعَةِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ مَالِكَهَا مَوْجُودٌ يَنْظُرُ لَهَا بِخِلَافِ مَا هُنَا، وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِيهَا أَنَّ شَرْطَ وُجُوبِهَا أَنْ يَبْذُلَ لَهَا الْمَالِكُ أُجْرَةَ عَمَلِهِ وَحِرْزِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى هُنَا لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْمَالِكِ مِنْ بَذْلِ ذَلِكَ مَعَ حُضُورِهِ يُعَدُّ بِهِ مُضَيِّعًا لِمَالِهِ فَانْتَفَى الْحَرَجُ عَنْ غَيْرِهِ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ مَا سَيَأْتِي فِي الْجَعَالَةِ فِيمَا لَوْ مَاتَ رَفِيقُهُ وَتَرَكَ مَالًا وَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ طَرِيقًا لِحِفْظِهِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ تَفْرِيعَهُ عَلَى قَوْلِ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا وَهْمٌ، إذْ فَرْقٌ بَعِيدٌ بَيْنَ قَوْلِهِمْ لَا يَجِبُ أَخْذُهَا وَإِنْ خَافَ ضَيَاعَهَا وَقَوْلِنَا تَعَيَّنَ أَخْذُهَا طَرِيقًا لِحِفْظِهَا.
نَعَمْ خَصَّ الْغَزَالِيُّ الْوُجُوبَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ تَعَبٌ فِي حِفْظِهَا وَلَا يَضْمَنُ وَإِنْ أَثِمَ بِالتَّرْكِ (وَلَا يُسْتَحَبُّ
[حاشية الشبراملسي]
أَوْ وَقَوْلُهُ وَسَمَكَةٍ عَطْفٌ عَلَى الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: أَنْ يُبَدِّلَ نَعْلَهُ بِغَيْرِهِ) عَمْدًا أَوْ غَيْرَهُ، وَالْأَوْلَى بِغَيْرِهَا لِأَنَّ النَّعْلَ مُؤَنَّثَةٌ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ وَبِهِ عَبَّرَ حَجّ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَهَا تَعَمَّدَ) أَيْ وَكَذَا لَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ حَيْثُ تَعَذَّرَ أَخْذُهَا مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: جَازَ لَهُ بَيْعُ ذَلِكَ) أَيْ وَلَا يَحِلُّ لَهُ اسْتِعْمَالُهَا (قَوْلُهُ: ظَفَرًا بِشَرْطِهِ) وَهُوَ تَعَذُّرُ وُصُولِهِ إلَى حَقِّهِ، ثُمَّ إنْ وَفَّى بِقَدْرِ حَقِّهِ فَذَاكَ وَإِلَّا ضَاعَ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ كَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بَقِيَّةِ الدُّيُونِ (قَوْلُهُ: وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ أَخْذِهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ كُلًّا تَمْلِيكٌ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ، إذْ الْحَاصِلُ مِنْ الْمُلْتَقِطِ تَمَلُّكٌ وَلَيْسَ مِنْ الْمَالِكِ فِيهَا تَمْلِيكٌ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ عَبَّرَ بِالتَّمْلِيكِ نَظَرًا لِأَنَّ الشَّرْعَ أَقْرَضَهَا لِلْمُلْتَقِطِ فَكَأَنَّهُ مَلَّكَهُ إيَّاهَا اهـ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ بِالْمَعْنَى.
(قَوْلُهُ لِئَلَّا تَقَعَ فِي يَدِ خَائِنٍ) أَيْ وَلِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا.
(قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ وُجُوبِهَا) الْأَوْلَى تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ اسْمٌ لِلْعَيْنِ وَالْمُرَادُ هُنَا اللَّقْطُ.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُ) أَيْ أَوْ كَانَ وَخَشِيَ ضَيَاعَهَا إذَا تَرَكَهَا.
(قَوْلُهُ: صَحِيحٌ) أَيْ خِلَافًا لحج حَيْثُ قَالَ وَرُدَّ بِأَنَّ شَرْطَ الْوُجُوبِ ثَمَّ أَنْ يَبْذُلَ لَهُ الْمَالِكُ أُجْرَةَ عَمَلِهِ وَحِرْزِهِ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَالِكَهَا) أَيْ الْوَدِيعَةِ.
(قَوْلُهُ: وَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ طَرِيقًا لِحِفْظِهِ) أَيْ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ حَمْلُهُ مَجَّانًا اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَظَاهِرُهُ وَإِنْ خَلَّفَ تَرِكَةً وَوَرَثَةً وَتَمَكَّنَ مِنْ مُرَاجَعَةِ الْحَاكِمِ وَمِنْ الْإِشْهَادِ، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ وَيُقَالُ.
بِأَنَّ لَهُ مُرَاجَعَةَ الْحَاكِمِ أَوْ الْإِشْهَادَ وَالرُّجُوعَ بِمَا يَصْرِفُهُ عَلَى الْحَمْلِ قِيَاسًا عَلَى مَا قَالُوهُ فِي الْمُضْطَرِّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ لَهُ بِلَا مُقَابِلٍ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُنَا تَعَيَّنَ أَخْذُهَا) إذْ مَعْنَى الْأَوَّلِ عَدَمُ الْحَرَجِ فِي التَّرْكِ وَمَعْنَى الثَّانِي وُجُوبُ الْأَخْذِ وَتَرْكُ الْوَاجِبِ مَا تَمَّ.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ خَصَّ الْغَزَالِيُّ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ، وَقَوْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ تَعَبٌ: أَيْ عَادَةً، وَقَوْلُهُ وَلَا يَضْمَنُ: أَيْ اللُّقَطَةَ:
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: إنْ تَبَدَّلَ نَعْلُهُ بِغَيْرِهِ) هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِنَعْلِ غَيْرِهِ وَإِلَّا فَالنَّعْلُ مُؤَنَّثَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ أَخْذِهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ
(قَوْلُهُ: إذْ فَرْقٌ بَعِيدٌ بَيْنَ قَوْلِهِمْ إلَخْ) أَيْ فَقَوْلُنَا بِالْوُجُوبِ إذَا تَعَيَّنَ أَخْذُهَا طَرِيقًا لَا يُنَافِي قَوْلَ الْقَائِلِينَ بِالصَّحِيحِ لَا يَجِبُ أَخْذُهَا وَإِنْ خَافَ إلَخْ إذْ التَّعْيِينُ الْمَذْكُورُ أَخَصُّ مِنْ خَوْفِ الضَّيَاعِ.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ خَصَّ الْغَزَالِيُّ الْوُجُوبَ)
لِغَيْرِ وَاثِقٍ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ) مَعَ عَدَمِ فِسْقِهِ خَشْيَةَ الضَّيَاعِ أَوْ طُرُوُّ الْخِيَانَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِخَائِفٍ عَلَى نَفْسِهِ يُفَارِقُ هَذَا لِأَنَّ الْخَوْفَ أَقْوَى فِي التَّوَقُّعِ، رَدَّهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا: أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَدَارَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَوْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ مَا يَتَوَلَّدُ عَنْهُ عَنْ قُرْبٍ وَلَوْ احْتِمَالًا ضَيَاعُهَا (وَيَجُوزُ لَهُ) مَعَ ذَلِكَ الِالْتِقَاطُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ خِيَانَتَهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ وَعَلَيْهِ الِاحْتِرَازُ، أَمَّا إذَا عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبُولُهَا كَالْوَدِيعَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ سُرَاقَةَ.
وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ خَشْيَةَ اسْتِهْلَاكِهَا.
(وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا لَا تَحْرِيمًا الِالْتِقَاطُ (لِفَاسِقٍ) لِأَنَّهُ قَدْ يَخُونُ فِيهَا (وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِشْهَادُ عَلَى الِالْتِقَاطِ) كَالْوَدِيعَةِ إذَا قَبِلَهَا.
نَعَمْ يُسْتَحَبُّ وَلَوْ لِعَدْلٍ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ بِهِ مِنْ الْخِيَانَةِ وَوَارِثُهُ مِنْ أَخْذِهَا اعْتِمَادًا لِظَاهِرِ الْيَدِ، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي خَبَرِ زَيْدٍ، وَأَمْرُهُ بِهِ فِي خَبَرِ غَيْرِهِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، يُرَدُّ بِأَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى الْوَدِيعَةِ أَوْجَبَ حَمْلَهُ عَلَى النَّدْبِ، لَا سِيَّمَا وَصَرَفَهُ عَلَى الْوُجُوبِ مَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ عَلَيْهَا ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوَيْ عَدْلٍ» فَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْعَدْلَيْنِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْوُجُوبِ وَإِلَّا لَمْ يَكْفِ الْعَدْلُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ وَيَذْكُرُ فِي الْإِشْهَادِ بَعْضَ صِفَاتِهَا وَلَا يَسْتَوْعِبُهَا فَإِنْ خَالَفَ كُرِهَ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ.
وَلَوْ خَافَ عَلَيْهَا مِنْهُ عِلْمَ ظَالِمٍ بِهَا وَأَخْذَهُ لَهَا امْتَنَعَ، وَإِنَّمَا وَجَبَ فِي اللَّقِيطِ لِأَنَّ أَمْرَ النَّسَبِ أَهَمُّ، وَيُسَنُّ الْكِتَابَةُ عَلَيْهَا أَنَّهَا لُقَطَةٌ (وَ) الْمَذْهَبُ (أَنَّهُ يَصِحُّ) (الْتِقَاطُ الْفَاسِقِ) وَالْمُرْتَدِّ إنْ قُلْنَا: لَا يَزُولُ مِلْكُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالسَّفِيهُ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَكْرَارٌ مَعَ مَا مَرَّ فِي وَقَوْلِهِ وَيُكْرَهُ لِفَاسِقٍ إذْ مُرَادُهُ بِالصِّحَّةِ هُنَا أَنَّ أَحْكَامَ اللُّقْطَةِ هَلْ تَثْبُتُ لَهُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: لِغَيْرِ وَاثِقٍ بِأَمَانَةٍ) أَيْ وَيَكُونُ مَكْرُوهًا خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ حَرَّمَهُ.
(قَوْلُهُ: فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا ضَاعَتْ عَلَى مَالِكِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ حَيْثُ عَلِمَ ذَلِكَ وَكَانَ وَاثِقًا بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَخْذُهَا، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُرْمَةِ أَخْذِهَا لِأَنَّ ذَاكَ مَفْرُوضٌ فِي الْأَمِينِ وَهَذَا فِي غَيْرِهِ، وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ وَحُرْمَةِ الْخِيَانَةِ فِيهَا لَمْ يَبْعُدْ.
(قَوْلُهُ: قَبُولُهَا) أَيْ بِمَعْنَى أَخْذِهَا وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ كَانَ أَنْسَبَ، وَبِهِ عَبَّرَ حَجّ.
(قَوْلُهُ لِفَاسِقٍ) أَيْ وَلَوْ بِنَحْوِ تَرْكِ صَلَاةٍ وَإِنْ عُلِمَتْ أَمَانَتُهُ فِي الْأَمْوَالِ كَمَا شَمِلَهُ إطْلَاقُهُمْ اهـ حَجّ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ تَابَ لَا يُكْرَهُ لَهُ وَإِنْ لَمْ تَمْضِ مُدَّةُ الِاسْتِبْرَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِانْتِفَاءِ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْخِيَانَةِ حَالَ الْأَخْذِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لِعَدْلٍ) أَيْ وَلَوْ لِمُلْتَقِطٍ عَدْلٍ وَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ فِيمَنْ يُشْهِدُهُ بِالْمَسْتُورِ قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ، وَقَدْ يُقَالُ بِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِالْمَسْتُورِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مَعَ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَالنِّكَاحِ بِأَنَّ النِّكَاحَ يَشْتَهِرُ غَالِبًا بَيْنَ النَّاسِ فَاكْتَفَى فِيهِ بِالْمَسْتُورِ، وَالْغَرَضُ مِنْ الْإِشْهَادِ هُنَا الِامْتِنَاعُ مِنْ الْخِيَانَةِ فِيهَا وَجَحْدِ الْوَارِثِ لَهَا فَلَمْ تَكْتَفِ بِالْمَسْتُورِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا) أَيْ الْخَصْلَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا فِي الْخَبَرِ الثَّانِي وَهِيَ الْإِشْهَادُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ خَالَفَ كُرِهَ) أَيْ وَلَا يَضْمَنُ وَسَيَأْتِي لِلشَّارِحِ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا لَوْ اسْتَوْعَبَ الْأَوْصَافَ فِي التَّعْرِيفِ حَيْثُ يَضْمَنُ بِحَصْرِ الشُّهُودِ وَعَدَمِ تُهْمَتِهِمْ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ خَافَ عَلَيْهَا مِنْهُ) أَيْ الْإِشْهَادِ.
(قَوْلُهُ: امْتَنَعَ) أَيْ وَضَمِنَ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ نَقْلًا عَنْ م ر: إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ اسْتِيعَابَهَا لِلشُّهُودِ يُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِهَا حَرُمَ وَضَمِنَ، وَيُحْمَلُ الْكَلَامُ عَلَى
[حاشية الرشيدي]
اعْلَمْ أَنَّ الْوُجُوبَ الَّذِي خَصَّهُ الْغَزَالِيُّ لَيْسَ مَذْكُورًا فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ التُّحْفَةِ، وَعِبَارَتِهَا: وَقَالَ جَمْعٌ: بَلْ نُقِلَ عَنْ الْجُمْهُورِ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ضَيَاعُهَا لَوْ تَرَكَهَا وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ وَخَصَّهُ الْغَزَالِيُّ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ تَعِبَ فِي حِفْظِهَا إلَخْ.
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ الَّذِي خَصَّهُ الْغَزَالِيُّ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ وُجُوبِهَا إلَخْ إذْ الْبَعْضُ هُوَ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْغَزَالِيِّ بِكَثِيرٍ
(قَوْلُهُ؛ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَالْوَدِيعَةِ فَهُوَ عِلَّةٌ ثَانِيَةٌ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ وَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَهُ عَلَى قَوْلِهِ نَعَمْ إلَخْ
وَإِنْ مَنَعْنَاهُ الْأَخْذَ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
(وَ) الْتِقَاطُ (الصَّبِيِّ) وَالْمَجْنُونِ حَيْثُ كَانَ لَهُمَا تَمْيِيزٌ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ فِي الثَّانِي، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهَا الِاكْتِسَابُ لَا الْأَمَانَةُ وَالْوِلَايَةُ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ رَدُّ قَوْلِ الْأَذْرَعِيِّ الْمُرَادُ بِالْفَاسِقِ مَنْ لَا يُوجِبُ فِسْقُهُ حَجْرًا عَلَيْهِ فِي مَالِهِ.
(وَ) الْتِقَاطُ (الذِّمِّيِّ) وَالْمُعَاهَدِ وَالْمُؤْمِنِ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ (فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فِي دِينِهِ فِيمَا يَظْهَرُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي تَخْرِيجُهُ عَلَى أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهَا الِاكْتِسَابُ فَيَصِحُّ أَوْ الْأَمَانَةُ وَالْوِلَايَةُ فَلَا، وَخَرَجَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ دَارُ الْحَرْبِ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ مَرَّ (ثُمَّ الْأَظْهَرُ) بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْتِقَاطِ الْفَاسِقِ، وَمِثْلُهُ فِيمَا يَأْتِي الْكَافِرُ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إلَّا الْعَدْلَ فِي دِينِهِ (أَنَّهُ يُنْزَعُ) الْمُلْتَقَطُ (مِنْ الْفَاسِقِ) وَإِنْ لَمْ يُخْشَ ذَهَابُهُ مِنْهُ (وَيُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ) لِأَنَّهُ لَا تُقَرُّ يَدُهُ عَلَى مَالِ وَلَدِهِ فَمَالُ غَيْرِهِ أَوْلَى وَالْمُتَوَلِّي لِلنَّزْعِ وَالْوَضْعِ الْحَاكِمُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
وَالثَّانِي لَا يُنْزَعُ وَلَكِنْ يُضَمُّ إلَيْهِ عَدْلٌ مُشْرِفٌ (وَ) الْأَظْهَرُ لَهُ (أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِتَعْرِيفِهِ) كَالْكَافِرِ (بَلْ يُضَمُّ إلَيْهِ) عَدْلٌ (رَقِيبٌ) عِنْدَ تَعْرِيفِهِ لِئَلَّا يَخُونَ فِيهِ وَالثَّانِي يُعْتَدُّ مِنْ غَيْرِ رَقِيبٍ، ثُمَّ إذَا أَتَمَّ التَّعْرِيفَ فَلَهُ التَّمَلُّكُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِغُرْمِهَا إذَا جَاءَ مَالِكُهَا وَمُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَذَا أُجْرَةُ الْمَضْمُونِ إلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ، وَلَوْ ضَعُفَ الْأَمِينُ عَنْهَا عَضَّدَهُ الْحَاكِمُ بِأَمِينٍ يَقْوَى بِهِ عَلَى حِفْظِهَا وَتَعْرِيفِهَا وَلَا يَنْزِعُهَا مِنْهُ.
(وَيَنْزِعُ) حَتْمًا (الْوَلِيُّ لُقَطَةَ الصَّبِيِّ) وَالْمَجْنُونِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ حِفْظًا لِحَقِّهِ وَحَقِّ الْمَالِكِ وَتَكُونُ يَدُهُ نَائِبَةً عَنْهُ، وَيَسْتَقِلُّ بِذَلِكَ وَيُعْرَفُ وَيُرَاجِعُ الْحَاكِمَ فِي مُؤْنَةِ التَّعْرِيفِ لِيَقْتَرِضَ أَوْ يَبِيعَ لَهُ جُزْءًا مِنْهَا، وَيُفَارِقُ هَذَا مَا يَأْتِي مِنْ كَوْنِ مُؤْنَةِ التَّعْرِيفِ عَلَى الْمُتَمَلِّكِ بِوُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ لِمَالِ نَحْوِ الصَّبِيِّ مَا أَمْكَنَ وَلَا يُعْتَدُّ بِتَعْرِيفِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
[حاشية الشبراملسي]
غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ اهـ. وَقَوْلُهُ وَيُحْمَلُ الْكَلَامُ: أَيْ يُسَنُّ الْإِشْهَادُ.
(قَوْلُهُ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ فِي الثَّانِي) أَيْ الْمَجْنُونِ.
(قَوْلُهُ: وَالْتِقَاطُ الذِّمِّيِّ) وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ هَلْ يَصِحُّ الْتِقَاطُ الذِّمِّيِّ لِلْمُصْحَفِ أَمْ لَا؟ وَالْجَوَابُ: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ بِالثَّانِي لِأَنَّ صِحَّةَ الْتِقَاطِهِ تَسْتَدْعِي جَوَازَ تَمَلُّكِهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي فِي الْتِقَاطِ الْأَمَةِ الَّتِي تَحِلُّ لَهُ مِنْ الِامْتِنَاعِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ الذِّمِّيُّ.
(قَوْلُهُ: فَفِيهَا تَفْصِيلٌ مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ نَعَمْ مَا وُجِدَ بِدَارِ حَرْبٍ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: إلَّا الْعَدْلَ فِي دِينِهِ) أَيْ فَلَا تُنْزَعُ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: الْحَاكِمُ) أَيْ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَثِمَ، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ وَلَا يَضْمَنُ وَإِنْ أَثِمَ بِالتَّرْكِ عَدَمُ الضَّمَانِ، وَقِيَاسُ مَا يَأْتِي مِنْ ضَمَانِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ حَيْثُ لَمْ يُنْتَزَعْ مِنْهُ وَلَوْ حَاكِمًا الضَّمَانَ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ بِصِحَّةِ الْتِقَاطِ الْفَاسِقِ، وَكَوْنِهِ أَهْلًا لِلضَّمَانِ وَعَدَمِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ مِنْ الْحَاكِمِ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَإِنَّ الْوِلَايَةَ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ فَكَأَنَّ مَا فِي يَدِ الصَّبِيِّ فِي يَدِ وَلِيِّهِ فَيَضْمَنُ بِعَدَمِ مُرَاعَاةِ حِفْظِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَبُ، وَيَصَّدَّقُ فِي بَيَانِ قِيَمِهَا إذَا ذَكَرَهَا وَإِنْ لَمْ تَسْبِقْ رُؤْيَتُهُ لَهَا وَلَكِنَّهُ عَلِمَ بِهَا وَلَمْ يَنْتَزِعْهَا مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ عَلَى الْقَاعِدَةِ (قَوْلُهُ: لَا يُعْتَدُّ بِتَعْرِيفِهِ) أَيْ مُسْتَقِلًّا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَلْ يُضَمُّ إلَيْهِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَلَهُ التَّمَلُّكُ) أَيْ الْفَاسِقُ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ قَوْلُهُ ثُمَّ إذَا تَمَّ التَّعْرِيفُ تَمَلَّكَهَا هَذَا يُشْكِلُ فِي الْمُرْتَدِّ، بَلْ يَنْبَغِي تَوَقُّفُ تَمَلُّكِهِ عَلَى عَوْدِهِ إلَى الْإِسْلَامِ فَلْتُرَاجَعْ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ) أَيْ وُجُوبًا، وَقَوْلُهُ وَمُؤْنَتُهُ أَيْ التَّعْرِيفُ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ أَيْ الْمُلْتَقَطِ وَلَوْ غَيْرَ فَاسِقٍ.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ) قَيْدٌ فِي أُجْرَةِ الْمَضْمُومِ إلَى الْمُلْتَقِطِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ فَصْلُهُ عَمَّا قَبْلَهُ بِكَذَا، وَقَوْلُهُ عَضَّدَهُ الْحَاكِمُ: أَيْ وُجُوبًا، وَقَوْلُهُ بِأَمِينٍ يَقْوَى بِهِ: أَيْ وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي أُجْرَةِ الرَّقِيبِ الْمَضْمُومِ إلَيْهِ أَنَّ الْأُجْرَةَ هُنَا عَلَى الْمُلْتَقِطِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ.
(قَوْلُهُ: حِفْظًا لِحَقِّهِ) أَيْ الثَّابِتِ لَهُ شَرْعًا بِمُجَرَّدِ الِالْتِقَاطِ حَيْثُ كَانَ مُمَيِّزًا لِمَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَفِيهَا تَفْصِيلٌ مَرَّ) الَّذِي مَرَّ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ أَنَّهُ إذَا وَجَدَهُ بِدَارِ حَرْبٍ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمٌ وَقَدْ دَخَلَهَا بِغَيْرِ أَمَانٍ فَغَنِيمَةٌ أَوْ بِأَمَانٍ فَلُقَطَةٌ فَانْظُرْهُ بِالنِّسْبَةِ لِلذِّمِّيِّ وَنَحْوِهِ وَرَاجِعْ بَابَ قَسْمَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
نَعَمْ صَرَّحَ الدَّارِمِيُّ بِصِحَّةِ تَعْرِيفِ الصَّبِيِّ بِحَضْرَةِ الْوَلِيِّ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا مَرَّ فِي الْفَاسِقِ مَعَ الْمُشْرِفِ، وَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ صِحَّةِ تَعْرِيفِ الْمُرَاهِقِ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ كَذِبُهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ، بِخِلَافِ السَّفِيهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَعْرِيفُهُ لِأَنَّهُ يُوثَقُ بِقَوْلِهِ دُونَهُمَا (وَيَتَمَلَّكُهَا لِلصَّبِيِّ) أَوْ نَحْوِهِ (إذَا رَأَى ذَلِكَ) مَصْلَحَةً لَهُ وَذَلِكَ (حَيْثُ يَجُوزُ الِاقْتِرَاضُ لَهُ) لِأَنَّ تَمَلُّكَهُ إيَّاهَا فِي مَعْنَى الِاقْتِرَاضِ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ حَفِظَهَا أَوْ سَلَّمَهَا لِلْحَاكِمِ وَلِلْوَلِيِّ وَغَيْرِهِ أَخْذُهَا مِنْ غَيْرِ مُمَيِّزٍ عَلَى وَجْهِ الِالْتِقَاطِ لِيُعَرِّفَهَا وَيَتَمَلَّكَهَا وَيَبْرَأُ الصَّبِيُّ حِينَئِذٍ مِنْ الضَّمَانِ (وَيَضْمَنُ) فِي مَالِ نَفْسِهِ وَلَوْ حَاكِمًا فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ (إنْ قَصَّرَ فِي انْتِزَاعِهِ) أَيْ الْمُلْتَقَطِ مِنْ الْمَحْجُورِ (حَتَّى تَلِفَ) أَوْ أُتْلِفَ (فِي يَدِ الصَّبِيِّ) أَوْ نَحْوِهِ لِتَقْصِيرِهِ كَمَا لَوْ قَصَّرَ فِي حِفْظِ مَا احْتَطَبَهُ ثُمَّ يُعَرِّفُ التَّالِفَ، فَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ بِأَنْ لَمْ يُعْلِمْ بِهَا الْوَلِيَّ فَأَتْلَفَهَا نَحْوُ الصَّبِيِّ ضَمِنَهَا فِي مَالِهِ دُونَ الْوَلِيِّ، وَإِنْ لَمْ يُتْلِفْهَا لَمْ يَضْمَنْهَا أَحَدٌ، وَإِنَّ تَلِفَتْ بِتَقْصِيرٍ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْوَلِيُّ بِهَا حَتَّى كَمُلَ الْأَخْذُ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَخَذَهَا حَالَ كَمَالِهِ سَوَاءٌ اسْتَأْذَنَ الْحَاكِمَ فَأَقَرَّهَا فِي يَدِهِ أَمْ لَا كَمَا هُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ لِلصَّيْمَرِيِّ يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ.
(وَالْأَظْهَرُ بُطْلَانُ) (الْتِقَاطِ الْعَبْدِ) أَيْ الْقِنِّ إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ وَلَمْ يَنْهَهُ، وَإِنْ نَوَى سَيِّدُهُ لِأَنَّهُ يَعْرِضُهُ لِلْمُطَالَبَةِ بِبَدَلِهَا لِوُقُوعِ الْمِلْكِ لَهُ وَلِأَنَّ فِيهِ شَائِبَةَ وِلَايَةٍ وَتَمَلُّكٍ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِمَا، وَبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَحْوِ الْفَاسِقِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ انْتَفَتْ عَنْهُ الشَّائِبَةُ الْأُولَى فِيهِ أَهْلِيَّةُ الشَّائِبَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُغَلَّبَ مَعْنَى الِاكْتِسَابِ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ قَالَ لَهُ الْتَقِطْ عَنْ نَفْسِك فِيمَا يَظْهَرُ، وَالثَّانِي صِحَّتُهُ وَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ.
أَمَّا إذَا أَذِنَ لَهُ وَلَوْ فِي مُطْلَقِ الِاكْتِسَابِ فَيَصِحُّ وَإِنْ نَهَاهُ لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا (وَلَا يُعْتَدُّ بِتَعْرِيفِهِ) إذَا بَطَلَ
[حاشية الشبراملسي]
يَأْتِي أَنَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ لَاحِقٌ لَهُ (قَوْلُهُ: نَعَمْ صَرَّحَ الدَّارِمِيُّ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ.
(قَوْلُهُ: مِنْ صِحَّةِ تَعْرِيفِ الْمُرَاهِقِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ ضَمِّ أَحَدٍ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ السَّفِيهِ) أَيْ الَّذِي سَبَبُ سَفَهِهِ التَّبْذِيرُ، بِخِلَافِ مَنْ سَبَبُ سَفَهِهِ عَدَمُ صَلَاحِ الدِّينِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِتَعْرِيفِهِ إنْ فَسَقَ بِمَا هُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَصِحُّ) أَيْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ اهـ خَطِيبٌ.
وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ الْوَلِيِّ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ إذْنَ الْوَلِيِّ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا فِيهِ تَفْوِيتٌ عَلَى السَّفِيهِ، وَمُجَرَّدُ تَعْرِيفِهِ لَا تَفْوِيتَ فِيهِ وَهُوَ طَرِيقٌ إلَى تَمَلُّكِهِ فَفِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ.
(قَوْلُهُ: دُونَهُمَا) أَيْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ يَجُوزُ) أَيْ بِأَنْ كَانَ ثَمَّ ضَرُورَةٌ لِلِاقْتِرَاضِ (قَوْلُهُ: مِنْ الضَّمَانِ) أَيْ الْمُتَعَلِّقِ بِوَلِيِّهِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِ الصَّبِيِّ وَلَوْ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَقَوْلُهُ وَيَضْمَنُ: أَيْ الْوَلِيُّ.
(قَوْلُهُ: مَا احْتَطَبَهُ) أَيْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِلصَّبِيِّ.
(قَوْلُهُ: ضَمِنَهَا فِي مَالِهِ) أَيْ فَلَوْ ظَهَرَ مَالِكُهَا وَادَّعَى أَنَّ الْوَلِيَّ عَلِمَ بِهَا وَقَصَّرَ فِي انْتِزَاعِهَا حَتَّى أَتْلَفَهَا الصَّبِيُّ صُدِّقَ الْوَلِيُّ فِي عَدَمِ التَّقْصِيرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِلْمِ وَعَدَمُ الضَّمَانِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ تَلِفَتْ) غَايَةً (قَوْلُهُ: بِتَقْصِيرٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ مُمَيِّزًا.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَيَبْرَأُ الصَّبِيُّ حِينَئِذٍ مِنْ الضَّمَانِ خِلَافُهُ فَإِنَّ التَّعْبِيرَ بِنَفْيِ الضَّمَانِ عَنْهُ حَيْثُ انْتَزَعَهَا الْوَلِيُّ يُشْعِرُ بِضَمَانِهَا لَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِنَفْيِ الضَّمَانِ عَنْهُ فِيمَا مَرَّ الضَّمَانُ الْمُتَوَقَّعُ بِإِتْلَافِهِ لَهَا لَوْ بَقِيَتْ فِي يَدِهِ أَوْ نَفْيُ الضَّمَانِ الْمُتَعَلِّقِ بِوَلِيِّهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
(قَوْلُهُ: سَوَاءٌ اسْتَأْذَنَ) أَيْ الصَّبِيُّ بَعْدَ كَمَالِهِ.
(قَوْلُهُ: بُطْلَانُ الْتِقَاطِ الْعَبْدِ) أَيْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ الْعَبْدَ، وَقَوْلُهُ: يَعْرِضُهُ: أَيْ السَّيِّدُ، وَقَوْلُهُ وَلِأَنَّ فِيهِ: أَيْ الِالْتِقَاطِ، وَقَوْلُهُ الشَّائِبَةُ الْأُولَى: أَيْ الْوِلَايَةُ، وَقَوْلُهُ الشَّائِبَةُ الثَّانِيَةُ: أَيْ التَّمَلُّكُ، وَقَوْلُهُ وَمِثْلُهُ: أَيْ فِي بُطْلَانِ الِالْتِقَاطِ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا أَذِنَ لَهُ إلَخْ) أَفْتَى شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ فِي عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بِصِحَّةِ الْتِقَاطِهِ بِإِذْنِ أَحَدِهِمَا اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنَّهَا لِلشَّرِيكَيْنِ وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا أَحَدُهُمَا الْآذِنُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُبَعَّضَ حَيْثُ لَا مُهَايَأَةَ يَصِحُّ الْتِقَاطُهُ بِغَيْرِ إذْنٍ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ السَّفِيهِ) فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَعْرِيفُهُ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْوَلِيَّ يُعَرِّفُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ
الْتِقَاطُهُ لِأَنَّ يَدَهُ ضَامِنَةٌ، وَحِينَئِذٍ لَا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ وَلَوْ لِسَيِّدِهِ بِإِذْنِهِ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الْتِقَاطُهُ فَهُوَ مَالٌ ضَائِعٌ (فَلَوْ أَخَذَهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ (سَيِّدُهُ) أَوْ غَيْرُهُ مِنْهُ (كَانَ الْتِقَاطًا) مِنْ الْآخِذِ فَيُعَرِّفُهُ وَيَتَمَلَّكُهُ وَيَسْقُطُ عَنْ الْعَبْدِ الضَّمَانُ وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُقِرَّهُ فِي يَدِهِ وَيَسْتَحْفِظَهُ إيَّاهُ إنْ كَانَ أَمِينًا وَإِلَّا ضَمِنَهُ لِتَعَدِّيهِ بِإِقْرَارِهِ مَعَهُ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ وَرَدَّهُ إلَيْهِ، وَيَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِسَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَمِنْهَا رَقَبَةُ الْعَبْدِ فَيُقَدَّمُ صَاحِبُهَا بِرَقَبَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ تَعَلَّقَ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ فَقَطْ، وَلَوْ عَتَقَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ جَازَ لَهُ تَمَلُّكُهَا إنْ بَطَلَ الِالْتِقَاطُ وَإِلَّا فَهُوَ كَسْبُ قِنِّهِ فَلَهُ أَخْذُهُ ثُمَّ تَعْرِيفُهُ ثُمَّ تَمَلُّكُهُ (قُلْت: الْمَذْهَبُ صِحَّةُ الْتِقَاطِ الْمُكَاتَبِ كِتَابَةً صَحِيحَةً) لِأَنَّهُ كَالْحُرِّ فِي الْمِلْكِ وَالتَّصَرُّفِ فَيُعَرِّفُ وَيَتَمَلَّكُ مَا لَمْ يَعْجَزْ قَبْلَ التَّمَلُّكِ وَإِلَّا أَخَذَهَا الْحَاكِمُ لَا السَّيِّدُ وَحَفِظَهَا لِمَالِكِهَا، أَمَّا الْمُكَاتَبُ كِتَابَةً فَاسِدَةً فَكَالْقِنِّ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا يَصِحُّ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّبَرُّعِ وَالْحِفْظِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ فَهُوَ كَالْقِنِّ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ كَالْحُرِّ وَلَوْ عَرَّفَهَا ثُمَّ تَمَلَّكَهَا وَتَلِفَتْ فَبَدَلُهَا فِي كَسْبِهِ وَهَلْ يُقَدَّمُ بِهَا مَالِكُهَا عَلَى الْغُرَمَاءِ وَجْهَانِ: أَوْجَهُهُمَا لَا، وَأَجْرَاهُمَا الزَّرْكَشِيُّ فِي الْحُرِّ الْمُفْلِسِ أَوْ الْمَيِّتِ.
(وَ) الْمَذْهَبُ صِحَّةُ الْتِقَاطِ (مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ) لِأَنَّهُ كَالْحُرِّ فِيمَا ذُكِرَ (وَهِيَ) أَيْ اللُّقَطَةُ (لَهُ وَلِسَيِّدِهِ) يُعَرِّفَانِهَا وَيَتَمَلَّكَانِهَا بِحَسَبِ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ إنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ (فَإِنْ كَانَتْ) بَيْنَهُمَا (مُهَايَأَةٌ) بِالْهَمْزِ: أَيْ مُنَاوَبَةٌ (فَلِصَاحِبِ النَّوْبَةِ) مِنْهُمَا الَّتِي وُجِدَتْ اللُّقَطَةُ فِيهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهَا وَتَمَلُّكِهَا (فِي الْأَظْهَرِ) بِنَاءً عَلَى دُخُولِ الْكَسْبِ النَّادِرِ فِي الْمُهَايَأَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَالثَّانِي تَكُونُ بَيْنَهُمَا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ دُخُولِهِ فِيهَا، وَلَوْ تَخَلَّلَ مُدَّةَ تَعْرِيفِ الْمُبَعَّضِ نَوْبَةُ السَّيِّدِ وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ أَنَابَ مَنْ يُعَرِّفُ عَنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ، فَإِنْ تَنَازَعَا فِيمَنْ وُجِدَتْ فِي يَدِهِ صُدِّقَ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِيَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهِيَ بَيْنَهُمَا فِيمَا يَظْهَرُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ كُلٌّ لِلْآخَرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ فِي يَوْمِ نَوْبَةِ سَيِّدِهِ كَالْقِنِّ فَيَحْتَاجُ إلَى إذْنِهِ وَفِي نَوْبَةِ نَفْسِهِ كَالْحُرِّ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُهَايَأَةٌ اتَّجَهَ عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ إلَى إذْنٍ تَغْلِيبًا لِلْحُرِّيَّةِ (وَكَذَا حُكْمُ
[حاشية الشبراملسي]
اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ يَدَهُ ضَامِنَةٌ) أَيْ فَيَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِرَقَبَتِهِ عَلَى مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَيَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِسَائِرِ أَمْوَالِهِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّعَلُّقِ بِأَمْوَالِ السَّيِّدِ أَنَّهُ يُطَالَبُ فَيُؤَدِّي مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ التَّعَلُّقَ بِأَعْيَانِهَا حَتَّى يَمْتَنِعَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لِعَدَمِ الْحَجْرِ، وَقَوْلُهُ فَيُقَدَّمُ صَاحِبُهَا بِرَقَبَتِهِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الضَّمَانَ يَتَعَلَّقُ بِكُلٍّ مِنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَالسَّيِّدِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَالْعُبَابِ عَلَى مَا نَقَلَهُ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْهُمَا.
(قَوْلُهُ: جَازَ لَهُ) أَيْ لِلْعَبْدِ.
(قَوْلُهُ: إنْ بَطَلَ) أَيْ إنْ قُلْنَا بِبُطْلَانِهِ لِعَدَمِ إذْنِ السَّيِّدِ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: أَخَذَهَا الْحَاكِمُ لَا السَّيِّدُ) قَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ: لِأَنَّ الْتِقَاطَ الْمُكَاتَبِ لَا يَقَعُ لِسَيِّدِهِ وَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ: يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الِالْتِقَاطَ اكْتِسَابٌ وَاكْتِسَابُ الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ عِنْدَ عَجْزِهِ زَكَرِيَّا اهـ.
وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا لَمْ يَصِحَّ الْتِقَاطُهُ كَانَ لِسَيِّدِهِ وَلِغَيْرِهِ أَخْذُ مَا بِيَدِهِ وَيَكُونُ لُقَطَةً بِيَدِ الْآخِذِ وَمَعَ ذَلِكَ الْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَرَّفَهَا) أَيْ الْمُكَاتَبُ، وَقَوْلُهُ وَهَلْ يَقْدُمُ بِهَا أَيْ اللُّقَطَةِ.
(قَوْلُهُ: بِحَسَبِ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ) الْمُتَبَادِرِ تَعَلُّقُهُ بِكُلٍّ مِنْ الْفِعْلَيْنِ قَبْلَهُ، وَعَلَيْهِ فَيُعَرِّفُ السَّيِّدُ نِصْفَ سَنَةٍ وَالْمُبَعَّضُ نِصْفًا، وَيُوَافِقُهُ مَا يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ فِي الْأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَنَّهُ لَوْ الْتَقَطَ اثْنَانِ لُقَطَةً عَرَّفَهَا كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَ سَنَةٍ.
قَالَ سم عَلَى حَجّ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَصِحُّ الْتِقَاطُ الْمُبَعَّضِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُهَايَأَةٌ، وَكَذَا إنْ كَانَتْ فِي نَوْبَةِ نَفْسِهِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى السَّيِّدِ فَإِقْرَارُهَا فِي يَدِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ تَخَلَّلَ مُدَّةَ إلَخْ) أَيْ كَأَنْ كَانَ يَخْدُمُ سَيِّدَهُ جُمُعَةً مَثَلًا وَيَشْتَغِلُ لِنَفْسِهِ مِثْلَهَا فَاتَّفَقَ وُقُوعُ نَوْبَةِ السَّيِّدِ فِي زَمَنِ التَّعْرِيفِ.
(قَوْلُهُ: فِيمَنْ وُجِدَتْ فِي يَدِهِ) لَعَلَّهُ فِي نَوْبَتِهِ (قَوْلُهُ: فَيَحْتَاجُ إلَى إذْنِهِ) أَيْ حَتَّى لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَا تَصِحُّ لَا لِلسَّيِّدِ وَلَا لَهُ، وَإِنْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: جَازَ لَهُ) أَيْ لِلْعَبْدِ
سَائِرِ النَّادِرِ) أَيْ بَاقِيهِ (مِنْ الْأَكْسَابِ) الْحَاصِلَةِ لِلْمُبَعَّضِ كَالْهِبَةِ بِأَنْوَاعِهَا وَالْوَصِيَّةِ وَالرِّكَازِ وَالصَّدَقَةِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُهَايَأَةِ اخْتِصَاصُ كُلٍّ بِمَا وَقَعَ فِي نَوْبَتِهِ (وَ) مِنْ (الْمُؤَنِ) كَأُجْرَةِ حَجَّامٍ وَطَبِيبٍ إلْحَاقًا لِلْغُرْمِ بِالْغُنْمِ وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْكَسْبِ وَالْمُؤَنِ بِوَقْتِ الِاحْتِيَاجِ لِلْمُؤَنِ وَإِنْ وُجِدَ سَبَبُهَا فِي نَوْبَةِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْكَسْبِ بِوَقْتِ وُجُودِهِ وَفِي الْمُؤَنِ بِوَقْتِ وُجُودِ سَبَبِهَا كَالْمَرَضِ (إلَّا أَرْشَ الْجِنَايَةِ) مِنْهُ أَوْ عَلَيْهِ الْوَاقِعَةِ فِي نَوْبَةِ أَحَدِهِمَا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) فَلَا تَدْخُلُ لِتَعَلُّقِهِ بِالرَّقَبَةِ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ، وَاعْتِرَاضُ بَعْضِهِمْ حَمْلَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا عَلَى الثَّانِيَةِ بِأَنَّهَا مَبْحُوثَةٌ لِمَنْ بَعْدَهُ فَكَيْفَ تَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ كَلَامَهُ حَيْثُ صَلَحَ لَهَا تَبَيَّنَ أَنَّهَا غَيْرُ مَبْحُوثَةٍ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ.
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ لقط الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ وَتَعْرِيفِهَا (الْحَيَوَانُ الْمَمْلُوكُ) وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مَوْسُومًا أَوْ مُقَرَّطًا مَثَلًا (الْمُمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ) كَنَمِرٍ وَفَهْدٍ وَذِئْبٍ وَمَا نُوزِعَ بِهِ مِنْ كَوْنِ هَذِهِ مِنْ كِبَارِهَا.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِحَمْلِهَا عَلَى صِغَارِهَا أَخْذًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الصِّغَرَ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ، فَهَذِهِ وَإِنْ كَبُرَتْ فِي نَفْسِهَا هِيَ صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَسَدِ وَنَحْوِهِ (بِقُوَّةٍ كَبَعِيرٍ وَفَرَسٍ) وَحِمَارٍ وَبَغْلٍ وَبَقَرٍ (أَوْ بِعَدْوٍ كَأَرْنَبٍ وَظَبْيٍ أَوْ طَيَرَانٍ كَحَمَامٍ) وَهُوَ كُلّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ كَقَمَرِيٍّ وَيَمَامٍ
[حاشية الشبراملسي]
نَوَى نَفْسَهُ وَبَقِيَ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي نَوْبَتِهِ فِي أَنْ يَلْتَقِطَ لِنَفْسِهِ هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْبُطْلَانُ لِتَنْزِيلِهِ فِي نَوْبَةِ سَيِّدِهِ مَنْزِلَةَ كَامِلِ الرِّقِّ.
(قَوْلُهُ: وَالصَّدَقَةُ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ) الْمُرَادُ بِالصَّدَقَةِ أَنَّ مَا مَلَكَهُ بِبَعْضِهِ الْحُرِّ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ بِشَرْطِ النِّصَابِ، وَكَذَا تَلْزَمُهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ إذَا وَقَعَتْ فِي نَوْبَتِهِ، وَلَهُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مِمَّا مَلَكَهُ وَلَهُ قَبُولُهَا، لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَقْبَلُ زَكَاةَ الْفِطْرِ لِأَنَّ شَرْطَ قَبُولِ الزَّكَاةِ الْحُرِّيَّةُ الْكَامِلَةُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كِتَابِ تَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ.
(قَوْلُهُ: بِوَقْتِ الِاحْتِيَاجِ) رَاجِعٌ لِلْمُؤَنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْكَسْبُ فَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِوَقْتِ وُجُودِهِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ الْآتِيَ إنْ كَانَ ظَاهِرُ إلَخْ صَرِيحٌ فِي رُجُوعِهِ لَهُمَا، وَعَلَيْهِ فَلْيُتَأَمَّلْ مَعْنَى وَقْتِ الِاحْتِيَاجِ بِالنِّسْبَةِ لِلْكَسْبِ، وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِمَا لَوْ نُصِبَتْ شَبَكَةٌ فِي نَوْبَتِهِ أَوْ هَيَّأَ مَجْرَى الْمَاءِ أَوْ وَحَّلَ أَرْضَهُ لِصَيْدٍ وَدَخَلَ الصَّيْدُ فِي غَيْرِ نَوْبَتِهِ (قَوْلُهُ عَلَى الثَّانِيَةِ) هِيَ قَوْلُهُ أَوْ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: مَبْحُوثَةٌ لِمَنْ بَعْدَهُ) أَيْ وَهُوَ الزَّرْكَشِيُّ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ لقط الْحَيَوَانِ.
(قَوْلُهُ: وَتَعْرِيفُهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ كَدَفْعِهَا لِلْقَاضِي.
(قَوْلُهُ: مَوْسُومًا) الظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا يَحْتَاجُ لِلْعَلَامَةِ فِي نَحْوِ الطَّيْرِ دُونَ الْمَاشِيَةِ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا مَمْلُوكَةً اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُ سم فِي نَحْوِ الطَّيْرِ: أَيْ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ كَالْوُحُوشِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ مُقَرَّطًا) أَيْ فِي أُذُنِهِ قُرْطٌ، وَهُوَ هُنَا: الْحَلْقَةُ مُطْلَقًا لَا مَا يُعَلَّقُ فِي شَحْمَةِ الْأُذُنِ خَاصَّةً الَّذِي هُوَ مَعْنَاهُ، وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ: الْقُرْطُ الَّذِي يُعَلَّقُ فِي شَحْمَةِ الْأُذُنِ، وَالْجَمْعُ قِرَطَةٌ بِوَزْنِ عِنَبَةٍ وَقِرَاطٌ بِالْكَسْرِ كَرُمْحٍ وَرِمَاحٍ.
(قَوْلُهُ: كَبَعِيرٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مَعْقُولًا، وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ فَكُّ عِقَالِهِ إذَا لَمْ يَأْخُذْهُ لِيَرِدَ الشَّجَرَ وَالْمَاءَ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْجَوَازُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، بَلْ لَا يَبْعُدُ الْوُجُوبُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ وُرُودِ الْمَاءِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَزَكَاةِ الْفِطْرِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ سَائِرِ النَّادِرِ.
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ لُقَطُ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ]
(إنْ وُجِدَ بِمَفَازَةٍ) وَلَوْ آمِنَةٌ، وَهِيَ الْمُهْلِكَةُ.
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ عَلَى الْقَلْبِ تَفَاؤُلًا كَمَا قِيلَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ.
بَلْ مِنْ فَازَ هَلَكَ وَنَجَا فَهُوَ ضِدٌّ فَهِيَ مُفْعِلَةٌ مِنْ الْهَلَاكِ (فَلِلْقَاضِي) أَوْ نَائِبِهِ (الْتِقَاطُهُ لِلْحِفْظِ) لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَى أَمْوَالِ الْغَائِبِينَ، وَلَا يَلْزَمُهُ وَإِنْ خَشِيَ ضَيَاعَهُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ، بَلْ قَالَ السُّبْكِيُّ: إذَا لَمْ يَخْشَ ضَيَاعَهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ، وَالْأَذْرَعِيُّ يَجِبُ الْجَزْمُ بِتَرْكِهِ عِنْدَ اكْتِفَائِهِ بِالرَّعْيِ وَالْأَمْنِ عَلَيْهِ وَلَوْ أَخَذَهُ احْتَاجَ لِلْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ قَرْضًا عَلَى مَالِكِهِ وَاحْتَاجَ مَالِكُهُ لِإِثْبَاتِ مِلْكِهِ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حِمًى، قَالَ الْقَاضِي: بَاعَهُ وَحَفِظَ ثَمَنَهُ لِأَنَّهُ الْأَنْفَعُ، نَعَمْ يَنْتَظِرُ صَاحِبَهُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ إنْ جَوَّزَ حُضُورَهُ، وَالْأَوْجَهُ تَخْيِيرُ الْحَاكِمِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ مَعَ رِعَايَةِ الْأَصْلَحِ أَخْذًا مِنْ إلْزَامِهِ بِالْعَمَلِ بِهِ فِي مَالِ الْغَائِبِ (وَكَذَا لِغَيْرِهِ) مِنْ الْآحَادِ أَخْذُهُ لِلْحِفْظِ مِنْ الْمَفَازَةِ (فِي الْأَصَحِّ) صِيَانَةً لَهُ مِنْ أَخْذِ خَائِنٍ، وَمِنْ ثَمَّ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي زَمَنِ الْخَوْفِ قَطْعًا.
وَالثَّانِي لَا إذْ لَا وِلَايَةَ لِلْآحَادِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ.
أَمَّا إذَا أَمِنَ عَلَيْهِ: أَيْ يَقِينًا امْتَنَعَ أَخْذُهُ قَطْعًا كَمَا فِي الْوَسِيطِ، وَمَحِلُّهُ كَمَا اعْتَمَدَهُ فِي الْكِفَايَةِ إنْ لَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ وَإِلَّا جَازَ لَهُ أَخْذُهُ قَطْعًا وَيَكُونُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ (وَيَحْرُمُ) عَلَى الْكُلِّ (الْتِقَاطُهُ) زَمَنَ الْأَمْنِ مِنْ الْمَفَازَةِ (لِلتَّمَلُّكِ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ، وَقِيسَ بِهَا غَيْرُهَا بِجَامِعِ إمْكَانِ عَيْشِهَا مِنْ غَيْرِ رَاعٍ إلَى وُجُودِ مَالِكِهَا لَهَا لِتَطَلُّبِهِ ذَلِكَ، فَإِنْ أَخَذَ ضَمِنَهُ وَلَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِرَدِّهِ لِلْحَاكِمِ.
أَمَّا زَمَنُ النَّهْبِ فَيَجُوزُ الْتِقَاطُهُ لِلتَّمَلُّكِ قَطْعًا فِي الصَّحْرَاءِ وَغَيْرِهَا.
وَتَقْيِيدُ بَعْضِهِمْ ذَلِكَ بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ أَمْتِعَةٌ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ أَخْذُهَا إلَّا بِأَخْذِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ حِينَئِذٍ أَخْذَهُ لِلتَّمَلُّكِ تَبَعًا لَهَا، وَلِأَنَّ وُجُودَهَا عَلَيْهِ وَهِيَ ثَقِيلَةٌ يَمْنَعُهُ مِنْ وُرُودِ الْمَاءِ وَالشَّجَرِ وَالْفِرَارِ مِنْ السِّبَاعِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأَمْتِعَةِ الْخَفِيفَةِ وَالثَّقِيلَةِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ إذْ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ أَخْذِهَا وَأَخْذِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَخْذِهَا وَهِيَ عَلَيْهِ وَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ فَيَتَخَيَّرُ فِي أَخْذِهَا بَيْنَ التَّمَلُّكِ وَالْحِفْظِ وَهُوَ لَا يَأْخُذُهُ إلَّا لِلْحِفْظِ، وَدَعْوَى أَنَّ وُجُودَهَا ثَقِيلَةً عَلَيْهِ صَيَّرَهُ كَغَيْرِ الْمُمْتَنِعِ مَمْنُوعَةٌ، وَخَرَجَ بِالْمَمْلُوكِ غَيْرُهُ كَكَلْبٍ يُقْتَنَى فَيَحِلُّ الْتِقَاطُهُ، وَلَهُ الِاخْتِصَاصُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ
[حاشية الشبراملسي]
وَالشَّجَرِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ) قِيَاسُ مَا مَرَّ مِنْ الْوُجُوبِ عَلَى الْمُلْتَقِطِ إنْ عَلِمَ ضَيَاعَهَا لَوْ لَمْ يَأْخُذْهَا وُجُوبُهُ عَلَى الْقَاضِي إنْ عَلِمَ ذَلِكَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ تَرَكَهَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: بِتَرْكِهِ) أَيْ الْأَخْذَ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ تَخْيِيرُ الْحَاكِمِ) أَيْ وَإِذَا اخْتَارَ حِفْظَهُ وَتَعْرِيفَهُ فَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ السَّابِقِ احْتَاجَ لِلْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ قَرْضًا عَلَى مَالِكِهِ أَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ: أَيْ الْآتِيَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: بِالْعَمَلِ بِهِ) أَيْ الْأَصْلَحُ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْوَسِيطِ) تَقَدَّمَ مِثْلُهُ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ فِيمَا لَوْ اكْتَفَى بِالرَّعْيِ، وَانْظُرْ هَلْ مَا هُنَا يُغْنِي عَنْ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ أَمْ لَا، وَقَدْ يُقَالُ بِالثَّانِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَذْرَعِيَّ قَالَ: لَا يُشْتَرَطُ تَيَقُّنُ الْأَمْنِ بَلْ يُكْتَفَى بِالْعَادَةِ الْغَالِبَةِ فِي مَحِلِّهِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَخَذَهُ) أَيْ لِلتَّمَلُّكِ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَهُ مَا لَوْ أَطْلَقَ.
(قَوْلُهُ: إلَّا بِرَدِّهِ لِلْحَاكِمِ) هُوَ ظَاهِرٌ إنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ غَيْرَ الْحَاكِمِ، فَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ الْحَاكِمَ فَهَلْ يَكْفِي فِي زَوَالِ الضَّمَانِ عَنْهُ جَعْلُ يَدِهِ لِلْحِفْظِ مِنْ الْآنَ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى قَاضٍ وَلَوْ نَائِبَهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْعَبْدِ مِنْ أَنَّهُ إذَا عَتَقَ جَازَ لَهُ تَمَلُّكُهَا إنْ بَطَلَ الِالْتِقَاطُ وَإِلَّا فَهُوَ كَسْبُ قِنِّهِ.
(قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَمْتِعَةٌ) وَمِنْ الْأَمْتِعَةِ الَّتِي عَلَيْهِ أَيْضًا الْبَرْذَعَةُ وَنَحْوُهَا مِنْ كُلِّ مَا عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: مَمْنُوعَةٌ) أَيْ لِأَنَّا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: بَلْ مَنْ فَازَ هَلَكَ وَنَجَا) كَانَ الْأَوْلَى بَلْ مَنْ فَازَ هَلَكَ إذْ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ كَنَجَا فَهُوَ ضِدٌّ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْهَلَاكِ) كَانَ الْأَوْلَى مِنْ الْفَوْزِ بِمَعْنَى الْهَلَاكِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ تَخْيِيرُ الْحَاكِمِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ) أَيْ: الِالْتِقَاطِ وَالتَّرْكِ وَالْبَيْعِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّلَاثَةُ الْآتِيَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِفَسَادِهِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا أَمِنَ) كَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرَ بِغَيْرِ أَمَّا هُنَا.
(قَوْلُهُ: وَتَقْيِيدُ بَعْضِهِمْ إلَخْ) كَانَ الْأَصْوَبُ أَنْ يَقُولَ: وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إلَخْ، لِيَكُونَ مَا سَيَحْكِيهِ
بَعْدَ تَعْرِيفِهِ سَنَةً، وَالْبَعِيرُ الْمُقَلَّدُ تَقْلِيدَ الْهَدْيِ يَأْخُذُهُ وَاجِدُهُ فِي أَيَّامِ مِنًى وَيُعَرِّفُهُ، فَإِنْ خَافَ خُرُوجَ وَقْتِ النَّحْرِ نَحَرَهُ وَفَرَّقَهُ.
وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُ الْحَاكِمِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَجْوِيزِهِمْ ذَلِكَ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ مَعَ كَوْنِ الْمِلْكِ لَا يَزُولُ بِهِ مَعَ قُوَّةِ الْقَرِينَةِ الْمُغَلَّبَةِ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ هَدْيٌ مَعَ التَّوْسِعَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَعَدَمِ تُهْمَةِ الْوَاجِدِ فَإِنَّ الْمَصْلَحَةَ لَهُمْ لَا لَهُ فَانْدَفَعَ مَا لِبَعْضِ الشُّرَّاحِ هُنَا، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ مَالِكُهُ وَأَنْكَرَ كَوْنَهُ هَدْيًا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَسْتَقِرُّ عَلَى الذَّابِحِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ حَيًّا وَمَذْبُوحًا لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَوَّتَهُ بِذَبْحِهِ وَيَسْتَقِرُّ عَلَى الْآكِلِينَ بَدَلُ اللَّحْمِ وَالذَّابِحُ طَرِيقٌ، وَالْأَوْجَهُ جَوَازُ تَمَلُّكِ مَنْفَعَةِ مَوْقُوفٍ لَمْ يُعْلَمْ مُسْتَحِقُّهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهَا لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَهِيَ مِنْ حَيِّزِ الْأَمْوَالِ الْمَمْلُوكَةِ، وَجَوَازُ تَمَلُّكِ مَنْفَعَةِ مُوصًى بِهَا كَذَلِكَ كَرَقَبَتِهِ لِأَنَّهُمَا مَمْلُوكَانِ، الرَّقَبَةُ لِلْوَارِثِ وَالْمَنْفَعَةُ لِلْمُوصَى لَهُ وَإِنْ رَجَّحَ الزَّرْكَشِيُّ مَنْ تَرَدَّدَ لَهُ عَدَمُ جَوَازِ تَمَلُّكِهِمَا (وَإِنْ وَجَدَهُ) أَيْ الْحَيَوَانَ الْمَذْكُورَ (بِقَرْيَةٍ) مَثَلًا أَوْ مَا يُقَارِبُهَا عُرْفًا بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ فِي مُهْلِكَةٍ فِيمَا يَظْهَرُ (فَالْأَصَحُّ جَوَازُ الْتِقَاطِهِ) فِي غَيْرِ الْحَرَمِ وَالْأَخْذِ بِقَصْدِ الْخِيَانَةِ (لِلتَّمَلُّكِ) لِتَطَرُّقِ أَيْدِي الْمُجْتَازِينَ عَلَيْهِ هُنَا دُونَ الْمَفَازَةِ لِنُدْرَةِ طُرُوقِهَا وَلِاعْتِيَادِ إرْسَالِهَا فِيهَا بِلَا رَاعٍ فَلَا يَكُونُ ضَالَّةً، بِخِلَافِ الْعُمْرَانِ.
وَالثَّانِي الْمَنْعُ كَالْمَفَازَةِ لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ، وَرُدَّ بِأَنَّ سِيَاقَهُ يَقْتَضِي الْمَفَازَةَ بِدَلِيلِ " دَعْهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ "، وَقَدْ يَمْتَنِعُ التَّمَلُّكُ كَالْبَعِيرِ الْمُقَلَّدِ وَكَمَا لَوْ دَفَعَهَا لِلْقَاضِي مُعْرِضًا عَنْهَا ثُمَّ عَادَ لِإِعْرَاضِهِ الْمُسْقِطِ لِحَقِّهِ (وَمَا لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا) أَيْ صِغَارُ السِّبَاعِ (كَشَاةٍ) وَعِجْلٍ وَفَصِيلٍ وَكَثِيرِ إبِلٍ وَخَيْلٍ (يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ) لِلْحِفْظِ وَ (لِلتَّمَلُّكِ فِي الْقَرْيَةِ) وَنَحْوِهَا (وَالْمَفَازَةِ) زَمَنَ أَمْنٍ وَنَهْبٍ وَلَوْ لِغَيْرِ الْقَاضِي كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الْخَبَرِ وَصَوْنًا لَهُ عَنْ الضَّيَاعِ (وَيَتَخَيَّرُ آخِذُهُ) أَيْ الْمَأْكُولِ لِلتَّمَلُّكِ (مِنْ مَفَازَةٍ) بَيْنَ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ (فَإِنْ شَاءَ عَرَّفَهُ) وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ (وَتَمَلُّكُهُ) بَعْدَ التَّعْرِيفِ كَغَيْرِهِ (أَوْ بَاعَهُ) بِإِذْنِ الْحَاكِمِ إنْ وَجَدَهُ (وَحَفِظَ ثَمَنَهُ) كَالْآكِلِ بَلْ أَوْلَى (وَعَرَّفَهَا) أَيْ اللُّقَطَةَ الَّتِي بَاعَهَا لَا الثَّمَنَ وَلِذَا أَنَّثَ الضَّمِيرَ هُنَا لِئَلَّا يُوهِمَ عَوْدَهُ إلَى الثَّمَنِ وَذَكَرَهُ فِي أَكْلِهِ لِعَدَمِ الْإِيهَامِ فِيهِ (ثُمَّ تَمَلَّكَهُ) أَيْ الثَّمَنَ (أَوْ)
[حاشية الشبراملسي]
لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كَوْنَهَا عَلَيْهِ يَمْنَعُهُ مِنْ الرَّعْيِ وَوُرُودِ الْمَاءِ وَدَفْعِ السِّبَاعِ.
(قَوْلُهُ: مَعَ التَّوْسِعَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا أَيْضًا فَلَا يَمْنَعُهُ فَقْرُهُ مِنْ ذَبْحِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْحَامِلَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ مِنْهُ بِالْفَقْرِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا لِاتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبَضِ كَمَا قِيلَ بِمِثْلِهِ فِيمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي دَفْعِ صَدَقَةٍ لِلْفُقَرَاءِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ قَدْرًا يَأْخُذُهُ مِنْهَا فَطَرِيقُهُ إذَا أَرَادَ الدَّفْعَ لَهُ أَنْ يُقَدِّرَ لَهُ قَدْرًا وَيَدْفَعَهُ لَهُ (قَوْلُهُ: وَيَسْتَقِرُّ عَلَى الْآكِلِينَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ جَارٍ وَإِنْ تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَتُهُ عَادَةً، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ حَالَ الذَّابِحِ كَحَالِ مَنْ غَصَبَ مَالَ غَيْرِهِ يَظُنُّهُ مَالَهُ ثُمَّ غَصَبَ مِنْهُ وَتَعَذَّرَ انْتِزَاعُهُ فَإِنَّهُ طَرِيقٌ فِي الضَّمَانِ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ الْآخِذُ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: مَنْفَعَةُ مَوْقُوفٍ) أَيْ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ.
أَمَّا غَيْرُهَا فَلَا لِعَدَمِ انْطِبَاقِ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ عَلَيْهَا إذْ هِيَ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمُحْرَزَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَمْرَهَا لِأَمِينِ بَيْتِ الْمَالِ (قَوْلُهُ: الرَّقَبَةُ) بَدَلٌ مِنْ الضَّمِيرِ أَوْ مُبْتَدَأٌ (قَوْلُهُ: وَالْأَخْذُ) أَيْ وَغَيْرُ الْأَخْذِ إلَخْ (قَوْلُهُ: إنْ وَجَدَهُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ بَاعَهُ اسْتِقْلَالًا اهـ مَحَلِّيٌّ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإِشْهَادِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِشْهَادُ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ وَأَنَّ
[حاشية الرشيدي]
عَنْهُ مَقُولَ الْقَوْلِ إذْ لَيْسَ كُلُّهُ تَقْيِيدًا وَيَزِيدُ لَفْظُ قَالَ قَبْلَ قَوْلِهِ وَإِلَّا الْآتِي.
(قَوْلُهُ: قُوَّةُ الْقَرِينَةِ) خَبَرُ لَعَلَّ قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي عَنْهُ نَظِيرُهُ بِمَا فِيهِ مُرَادُهُ بِذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَإِذَا أَكَلَ لَزِمَهُ تَعْرِيفُ الْمَأْكُولِ إنْ وَجَدَهُ بِعُمْرَانٍ لَا صَحْرَاءَ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ، خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقِيلَ إنْ وَجَدَهُ فِي عُمْرَانٍ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَهُوَ تَابِعٌ فِي التَّعْبِيرِ بِمَا ذَكَرَهُ هُنَا لِلشِّهَابِ حَجّ، وَذَاكَ نَسَبُ مَا سَيَأْتِي لِلْإِمَامِ وَعَقَّبَهُ بِمُنَازَعَةٍ لِلْأَذْرَعِيِّ، وَهِيَ الَّتِي أَرَادَهَا بِقَوْلِهِ هُنَا بِمَا فِيهِ وَأَهْمَلَهُ الشَّارِحُ ثَمَّ وَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي لِلشَّارِحِ ثُمَّ إنَّهُ يَعْتَمِدُ كَلَامَ الْإِمَامِ.
.
تَمَلَّكَهُ حَالًا ثُمَّ (أَكَلَهُ) إنْ شَاءَ إجْمَاعًا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ نَظِيرَ مَا يَأْتِي فِيمَا يُسْرِعُ فَسَادُهُ (وَغَرِمَ قِيمَتَهُ) يَوْمَ تَمَلُّكِهِ لَا أَكْلِهِ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ آخِرَ الْبَابِ (إنْ ظَهَرَ مَالِكُهُ) وَلَا يَجِبُ فِي هَذِهِ الْخَصْلَةِ تَعْرِيفُهُ عَلَى الظَّاهِرِ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَسَيَأْتِي عَنْهُ نَظِيرُهُ بِمَا فِيهِ، وَعُلِّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا يُرَادُ لِلتَّمَلُّكِ وَقَدْ وَقَعَ قَبْلَ الْأَكْلِ وَاسْتَقَرَّ بِهِ بَدَلُهُ فِي الذِّمَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَلْزَمْهُ إفْرَازُهُ بَلْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِأَنَّ بَقَاءَهُ بِذِمَّتِهِ أَحْفَظُ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُ بَعْضِهِ لِلْإِنْفَاقِ لِئَلَّا تَسْتَغْرِقَ النَّفَقَةُ بَاقِيَهُ وَلَا الِاسْتِقْرَاضُ عَلَى الْمَالِكِ لِذَلِكَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي هَرَبِ الْجِمَالِ أَنَّهُ ثَمَّ يَتَعَذَّرُ بَيْعُ الْعَيْنِ ابْتِدَاءً لِتَعَلُّقِ الْإِجَارَةِ بِهَا وَعَدَمِ الرَّغْبَةِ فِيهَا غَالِبًا حِينَئِذٍ وَلَا كَذَلِكَ اللُّقَطَةُ، وَلَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ إلَّا إذَا أَذِنَ لَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ إمْكَانِ مُرَاجَعَتِهِ، وَإِلَّا كَأَنْ خَافَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَالِهِ فِيمَا يَظْهَرُ أَشْهَدَ عَلَى أَنَّهُ يُنْفِقُ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ وَالْأُولَى أَوْلَى لِحِفْظِ الْعَيْنِ بِهَا عَلَى مَالِكِهَا، ثُمَّ الثَّانِيَةُ لِتَوَقُّفِ اسْتِبَاحَةِ الثَّمَنِ عَلَى التَّعْرِيفِ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهَا أَحْظَ لِلْمَالِكِ وَإِلَّا تَعَيَّنَ كَمَا قَالَهُ الْمَالِكُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي، وَزَادَ أَيْضًا رَابِعَةً وَهِيَ تَمَلُّكُهَا حَالًا لِيَسْتَبْقِيَهَا حَيَّةٌ لِدَرٍّ وَنَسْلٍ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْأَكْلِ وَلَهُ إبْقَاؤُهُ لِمَالِكِهِ أَمَانَةً إنْ تَبَرَّعَ بِإِنْفَاقِهِ وَلَوْ أَعْيَا بَعِيرٌ مَثَلًا فَتَرَكَهُ فَقَامَ بِهِ غَيْرُهُ حَتَّى عَادَ كَحَالِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِشَيْءٍ إلَّا إنْ اسْتَأْذَنَ الْحَاكِمَ فِي الْإِنْفَاقِ، أَوْ أَشْهَدَ عِنْدَ فَقْدِهِ أَنَّهُ يُنْفِقُ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ،
[حاشية الشبراملسي]
الْمُغَلَّبَ فِي اللُّقَطَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ الْكَسْبُ وَلَكِنْ يَنْبَغِي اسْتِحْبَابُهُ (قَوْلُهُ: وَلَا يَجِبُ فِي هَذِهِ الْخَصْلَةِ) هِيَ قَوْلُهُ أَوْ تَمْلِكُهُ حَالًا.
(قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي عَنْهُ) أَيْ فِي الْمَفَازَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُ بَعْضِهِ) لَوْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ مِمَّا تُؤَجَّرُ لِحِمْلٍ مَثَلًا هَلْ يَجُوزُ لَهُ إيجَارُهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لِلْمَالِكِ، وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ عَبْدًا وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ اللَّاقِطُ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ عَبْدٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ حُرٌّ هَلْ لَهُ الرُّجُوعُ بِمَا أَنْفَقَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّهُ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ عَلَى السَّيِّدِ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ عَلَيْهِ، وَالْعَبْدُ نَفْسُهُ لَمْ يَقْصِدْ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ حَتَّى يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي عَدَمِ الرُّجُوعِ مَا إذَا بِيعَ ثُمَّ ظَهَرَ الْمَالِكُ وَقَالَ كُنْت أَعْتَقْته لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ: لَوْ ظَهَرَ مَالِكُهُ وَقَالَ لَهُ كُنْتُ أَعْتَقْتُهُ مَثَلًا قَبْلَ تَصَرُّفِهِ صُدِّقَ وَبَانَ فَسَادُهُ ثُمَّ لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ وَأَقَرَّ بِبَقَاءِ الرِّقِّ لِيَأْخُذَ الثَّمَنَ فَهَلْ يُقْبَلُ؟ وَجْهَانِ اهـ.
أَقُولُ: الْأَقْرَبُ عَدَمُ الْقَبُولِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَلِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْعِتْقِ وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ لَهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: لِئَلَّا تَسْتَغْرِقَ النَّفَقَةُ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ بَعْدَ مِثْلِ مَا ذَكَرَ: وَأَقُولُ: هَذَا التَّعْلِيلُ مَوْجُودٌ فِي إنْفَاقِهِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ ثُمَّ بِالْإِشْهَادِ مَعَ أَنَّهُ جَائِزٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ أَوْرَدْت ذَلِكَ عَلَى م ر فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَوْ جُوِّزَ الْقَرْضُ عَلَى الْمَالِكِ فَرُبَّمَا يَقْتَرِضُ وَيَتْلَفُ الْحَيَوَانُ أَوْ مَا اقْتَرَضَهُ بِلَا تَقْصِيرٍ فَيَبْقَى الْقَرْضُ دَيْنًا عَلَى الْمَالِكِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَلَا كَذَلِكَ فِي إنْفَاقِهِ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الْحَالِ شَيْئًا فَشَيْئًا اهـ.
أَقُولُ: هَذَا الْفَرْقُ إنَّمَا يَأْتِي فِيمَا لَوْ اقْتَرَضَ جُمْلَةً لِيَصْرِفَهَا عَلَى الْحَيَوَانِ.
أَمَّا لَوْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرَ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى الْحَيَوَانِ كَانَ كَمَا لَوْ أَنْفَقَ بِنَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: عِنْدَ إمْكَانِ مُرَاجَعَتِهِ) أَيْ مِنْ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ، وَهِيَ مَا دُونَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَجِبُ طَلَبُ الْمَاءِ مِنْهُ بِأَنْ كَانَ بِحَدِّ الْقُرْبِ (قَوْلُهُ أَوْ عَلَى مَالِهِ) أَيْ وَإِنْ قَلَّ.
(قَوْلُهُ: أَشْهَدَ عَلَى أَنَّهُ يُنْفِقُ) أَيْ فَإِنْ فَقَدَ الشُّهُودَ فَلَا رُجُوعَ لِأَنَّهُ نَادِرٌ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ فِي الْعُمْرَانِ دُونَ الْمَفَازَةِ.
(قَوْلُهُ: بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ) عِبَارَةُ حَجّ: أَوْ نَوَاهُ عِنْدَ فَقْدِ الشُّهُودِ لِأَنَّ فَقْدَهُمْ هُنَا غَيْرُ نَادِرٍ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ آخِرَ الْإِجَارَةِ اهـ.
وَقَوْلُهُ وَالْأَوْلَى: أَيْ مِنْ الْخِصَالِ.
(قَوْلُهُ: وَنَسْلٌ) فَإِنْ ظَهَرَ مَالِكُهَا فَازَ بِهَا الْمُلْتَقِطُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَوْلَى) قَضِيَّتُهُ امْتِنَاعُ هَذِهِ الْخَصْلَةِ فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ، وَيَكَادُ يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ بَعْدُ، وَلَوْ كَانَ الْحَيَوَانُ غَيْرَ مَأْكُولٍ فَفِيهِ الْخَصْلَتَانِ الْأُولَيَانِ، وَلَكِنْ نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ جَوَازُ تَمَلُّكِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلِاسْتِبْقَاءِ أَيْضًا، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي
جَوَازِ أَكْلِ الْمَأْكُولِ فِي الصَّحْرَاءِ عَدَمُ تَيَسُّرِ مَنْ يَشْتَرِيهِ ثُمَّ غَالِبًا، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَمْلِكْهُ) أَيْ ثُمَّ إنْ اسْتَعْمَلَهُ لَزِمَتْهُ أُجْرَتُهُ، ثُمَّ إنْ ظَهَرَ مَالِكُهُ فَظَاهِرٌ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خِلَافًا لِأَحْمَدَ وَاللَّيْثِ فِي كَوْنِهِ يَمْلِكُهُ وَلِمَالِكٍ فِي الرُّجُوعِ بِمَا صَرَفَهُ، وَمَنْ أَخْرَجَ مَتَاعًا غَرِقَ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَمَا نُقِلَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِنْ مِلْكِهِ لَهُ رُدَّ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ (فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْعُمْرَانِ) أَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا (فَلَهُ الْخَصْلَتَانِ الْأُولَيَانِ لَا الثَّالِثَةُ) وَهِيَ الْأَكْلُ (فِي الْأَصَحِّ) لِسُهُولَةِ الْبَيْعِ هُنَا لَا ثَمَّ وَالْمَشَقَّةُ نَقْلُهَا إلَى الْعُمْرَانِ، وَقَضِيَّتُهُ امْتِنَاعُ الْأَكْلِ فِيمَا مَرَّ لَوْ نَقَلَهَا إلَى الْعُمْرَانِ.
وَالثَّانِي لَهُ الْأَكْلُ أَيْضًا كَمَا فِي الصَّحْرَاءِ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلَ بِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْأَكْلُ فِي الصَّحْرَاءِ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَجِدُ فِيهَا مَنْ يَشْتَرِيهِ بِخِلَافِ الْعُمْرَانِ، وَمُرَادُهُ بِالْعِمْرَانِ الشَّارِعُ وَالْمَسَاجِدُ وَنَحْوُهَا لِأَنَّهَا مَعَ الْمَوَاتِ مُحَالُ اللُّقَطَةِ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يَلْتَقِطَ) فِي زَمَنِ الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ وَلَوْ لِلتَّمَلُّكِ (عَبْدًا) أَيْ قِنًّا (لَا يُمَيِّزُ) وَمُمَيِّزًا فِي زَمَنِ الْخَوْفِ لَا الْأَمْنِ لِأَنَّهُ يَسْتَدِلُّ عَلَى سَيِّدِهِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَتْ أَمَةً يَحِلُّ لَهُ التَّمَتُّعُ بِهَا امْتَنَعَ الْتِقَاطُهَا لِلتَّمَلُّكِ وَيَجُوزُ لِلْحِفْظِ، فَإِنْ لَمْ تَحِلَّ لَهُ لِنَحْوِ تَمَجُّسٍ أَوْ مَحْرَمِيَّةٍ جَازَ مُطْلَقًا، وَحَيْثُ جَازَ الْتِقَاطُ الْقِنِّ فَفِيهِ الْخَصْلَتَانِ الْأُولَيَانِ، وَيُنْفِقُ مِنْ كَسْبِهِ إنْ كَانَ وَإِلَّا فَكَمَا مَرَّ وَصَوَّرَ الْفَارِقِيُّ مَعْرِفَةَ رِقِّهِ دُونَ مَالِكِهِ بِأَنْ يَكُونَ بِهِ عَلَامَةٌ دَالَّةٌ عَلَى الرِّقِّ كَعَلَامَةِ الْحَبَشَةِ وَالزِّنْجِ، وَنَظَرَ فِيهِ غَيْرُهُ ثُمَّ صَوَّرَهُ بِمَا إذَا عَرَفَ رِقَّهُ أَوَّلًا وَجَهِلَ مَالِكُهُ ثُمَّ وَجَدَهُ ضَالًّا، وَلَوْ تَمَلَّكَهُ ثُمَّ تَصَرَّفَ فِيهِ فَظَهَرَ مَالِكُهُ وَادَّعَى عِتْقَهُ أَوْ نَحْوَ بَيْعِهِ قَبْلَهُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَبَطَلَ التَّصَرُّفُ.
(وَيُلْتَقَطُ غَيْرُ الْحَيَوَانِ) مِنْ الْجَمَادِ كَالنَّقْدِ وَغَيْرِهِ حَتَّى الِاخْتِصَاصِ كَمَا مَرَّ (فَإِنْ كَانَ يُسْرِعُ فَسَادُهُ كَهَرِيسَةٍ) وَرُطَبٍ لَا يَتَتَمَّرُ وَعِنَبٍ لَا يَتَزَبَّبُ تَخَيَّرَ بَيْنَ خَصْلَتَيْنِ فَقَطْ (فَإِنْ شَاءَ بَاعَهُ) بِإِذْنِ الْحَاكِمِ إنْ وَجَدَهُ وَلَمْ يَخَفْ مِنْهُ وَإِلَّا اسْتَقَلَّ بِهِ فِيمَا يَظْهَرُ (وَعَرَّفَهُ) بَعْدَ بَيْعِهِ لَا ثَمَنَهُ (لِيَتَمَلَّكَ الثَّمَنَ) وَهَذِهِ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ (وَإِنْ شَاءَ تَمَلَّكَهُ) بِاللَّفْظِ لَا النِّيَّةِ هُنَا وَفِيمَا مَرَّ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (فِي الْحَالِ وَأَكَلَهُ) لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلْهَلَاكِ، وَتَعَيَّنَ فِعْلُ الْأَحَظِّ مِنْهُمَا نَظِيرَ مَا يَأْتِي، وَالْأَقْرَبُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ
[حاشية الشبراملسي]
وَإِلَّا فَهَلْ يَكُونُ مِنْ الْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَقِيَاسُ مَا مَرَّ أَوَّلَ الْبَابِ فِيمَا لَوْ أَلْقَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا فِي حِجْرِهِ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ الْأَوَّلُ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَخْرَجَ مَتَاعًا غَرِقَ لَمْ يَتَمَلَّكْهُ) أَيْ وَيَكُونُ لِمَالِكِهِ إنْ رُجِيَتْ مَعْرِفَتُهُ وَإِلَّا فَلُقَطَةٌ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي اللُّؤْلُؤِ وَقِطْعَةِ الْعَنْبَرِ.
وَفِي سم عَلَى حَجّ: فَرْعٌ: هَلْ يَلْتَقِطُ الْمُبَعَّضُ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ وَلَا يَبْعُدُ الْجَوَازُ (قَوْلُهُ وَقَضِيَّتُهُ امْتِنَاعُ الْأَكْلِ إلَخْ) وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَفَازَةِ وَالْعُمْرَانِ أَنَّ الْعُمْرَانَ مَظِنَّةٌ لِلِاتِّهَامِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ بِخِلَافِ الْمَفَازَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَسَاجِدُ وَنَحْوُهَا) أَيْ كَالْمَقْبَرَةِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالرِّبَاطِ.
(قَوْلُهُ: جَازَ مُطْلَقًا) أَيْ لِلتَّمَلُّكِ وَالْحِفْظِ، ثُمَّ لَوْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا لِمِلْكِهِ لَهَا أَوْ يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ الْتِقَاطِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُرَاجَعْ مِنْ بَابِ الْقَرْضِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى حَجّ فِي بَابِ الْقَرْضِ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ وَنَحْوُ مَجُوسِيَّةٍ إلَخْ لَوْ أَسْلَمَتْ نَحْوُ الْمَجُوسِيَّةِ بَعْدَ اقْتِرَاضِهَا فَهَلْ يَجُوزُ وَطْؤُهَا أَمْ يَمْتَنِعُ لِوُجُودِ الْمَحْذُورِ وَهُوَ احْتِمَالُ رَدِّهَا بَعْدَ الْوَطْءِ فَيُشْبِهُ إعَارَتَهَا لِلْوَطْءِ؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ.
وَفِي حَوَاشِي الرَّوْضِ لِوَالِدِ الشَّارِحِ: لَوْ أَسْلَمَتْ نَحْوُ الْمَجُوسِيَّةِ لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ وَيَمْتَنِعُ الْوَطْءُ (قَوْلُهُ: وَيُنْفِقُ) أَيْ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ مِنْ كَسْبِهِ إنْ كَانَ، هَلَّا ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي الْحَيَوَانِ أَيْضًا بِأَنْ يُؤَجَّرَ وَيُنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَتِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنَّهُمْ إنَّمَا تَرَكُوهُ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْحَيَوَانِ الَّذِي يُلْتَقَطُ عَدَمُ تَأَتِّي إيجَارِهِ فَلَوْ فُرِضَ إمْكَانُ إيجَارِهِ كَانَ كَالْعَبْدِ.
(قَوْلُهُ: بِمَا إذَا عَرَفَ رِقَّهُ) أَيْ أَوْ أُخْبِرَ بِأَنَّهُ رَقِيقٌ لِأَنَّهُ يُقْبَلُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ إذَا كَانَ بَالِغًا (قَوْلُهُ: وَبَطَلَ التَّصَرُّفُ) هُوَ وَاضِحٌ فِيمَا لَوْ ادَّعَى عِتْقَهُ أَوْ وَقَفَهُ.
أَمَّا إذَا ادَّعَى بَيْعَهُ فَقَدْ يُقَالُ يَصِحُّ تَصَرُّفُ الْمُلْتَقِطِ فِيهِ وَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ لِمُشْتَرِيهِ مِنْ الْمَالِكِ وَقْتَ الْبَيْعِ وَإِنْ كَانَتْ فَوْقَ ثَمَنِهِ.
(قَوْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ) أَيْ وَلَا يَجِبُ الْإِشْهَادُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا (قَوْلُهُ: وَأَكْلُهُ) قِيَاسُ مَا مَرَّ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ إذَا تَمَلَّكَهُ لَا يَتَعَيَّنُ أَكْلُهُ بَلْ إنْ شَاءَ أَكَلَهُ وَإِنْ شَاءَ جَفَّفَهُ وَادَّخَرَهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَوْ نَحْوَ بَيْعِهِ) كَذَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَانْظُرْ مَا الصُّورَةُ مَعَ أَنَّ بَيْعَهُ لَا يَمْنَعُ بَيْعَ الْمُلْتَقَطِ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُهُ عَلَى مَالِكِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَائِعَ أَمْ الْمُشْتَرِي
(قَوْلُهُ:: كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ) أَيْ: فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ فَهُوَ هُنَا مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ
أَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِعَمَلِ الْأَحَظِّ فِي ظَنِّهِ بَلْ يُرَاجِعُ الْحَاكِمَ وَيَمْتَنِعُ إمْسَاكُهُ لِتَعَذُّرِهِ (وَقِيلَ إنْ وَجَدَهُ فِي عُمْرَانٍ وَجَبَ الْبَيْعُ) لِتَيَسُّرِهِ وَامْتَنَعَ الْأَكْلُ نَظِيرَ مَا مَرَّ، وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِأَنَّ هَذَا يَفْسُدُ قَبْلَ وُجُودِ مُشْتَرٍ، وَإِذَا أَكَلَ لَزِمَهُ تَعْرِيفُ الْمَأْكُولِ إنْ وَجَدَهُ بِعُمْرَانٍ لَا صَحْرَاءَ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ، وَلَا يَجِبُ إفْرَازُ الْقِيمَةِ الْمَغْرُومَةِ مِنْ مَالِهِ.
نَعَمْ لَا بُدَّ مِنْ إفْرَازِهَا عِنْدَ تَمَلُّكِهَا لِأَنَّ تَمَلُّكَ الدَّيْنِ لَا يَصِحُّ، قَالَهُ الْقَاضِي (وَإِنْ أَمْكَنَ بَقَاؤُهُ بِعِلَاجٍ كَرُطَبٍ يَتَجَفَّفُ) أَيْ يُمْكِنُ تَجْفِيفُهُ وَلَبَنٍ يَصِيرُ أَقِطًا وَجَبَ رِعَايَةُ الْأَغْبَطِ لِلْمَالِكِ (فَإِنْ كَانَتْ الْغِبْطَةُ فِي بَيْعِهِ بِيعَ) جَمِيعُهُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ بِالْقَيْدِ الْمَارِّ (أَوْ) كَانَتْ الْغِبْطَةُ (فِي تَجْفِيفِهِ) أَوْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ (وَتَبَرَّعَ بِهِ الْوَاجِدُ) أَوْ غَيْرُهُ (جَفَّفَهُ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ أَحَدٌ (بِيعَ بَعْضُهُ) بِقَدْرِ مَا يُسَاوِي التَّجْفِيفَ (لِتَجْفِيفِ الْبَاقِي) طَلَبًا لِلْأَحَظِّ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَإِنَّمَا بَاعَ كُلَّ الْحَيَوَانِ لِئَلَّا يَأْكُلَ كُلَّهُ كَمَا مَرَّ.
(وَمَنْ أَخَذَ لُقَطَةً لِلْحِفْظِ أَبَدًا) وَهُوَ أَهْلٌ لِلِالْتِقَاطِ لِذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَيْ بِأَنْ كَانَ ثِقَةً (فَهِيَ) كَدَرِّهَا وَنَسْلِهَا (أَمَانَةٌ بِيَدِهِ) لِأَنَّهُ يَحْفَظُهَا لِمَالِكِهَا فَأَشْبَهَ الْمُودَعَ وَمِنْ ثَمَّ ضَمِنَهَا لَوْ قَصَّرَ كَأَنْ تَرَكَ تَعْرِيفَهَا عَلَى مَا يَأْتِي وَمَحِلُّهُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَسَيَأْتِي عَنْ النُّكَتِ وَغَيْرِهَا مَا يُصَرِّحُ بِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ مُعْتَبَرٌ فِي تَرْكِهِ: أَيْ كَأَنْ خَشِيَ مِنْ ظَالِمٍ أَخْذَهَا أَوْ جَهِلَ وُجُوبَهُ وَعُذِرَ فِيمَا يَظْهَرُ (فَإِنْ دَفَعَهَا إلَى الْقَاضِي لَزِمَهُ الْقَبُولُ) حِفْظًا لَهَا عَلَى صَاحِبِهَا لِأَنَّهُ يَنْقُلُهَا إلَى أَمَانَةٍ أَقْوَى، وَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الضَّرَرِ لِإِمْكَانِ رَدِّهَا لِمَالِكِهَا مَعَ الْتِزَامِهِ الْحِفْظَ، وَكَذَا لَوْ أَخَذَهَا لِلتَّمَلُّكِ ثُمَّ تَرَكَهُ وَرَدَّهَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ وَمَعْلُومٌ عَدَمُ جَوَازِ دَفْعِهَا لِقَاضٍ غَيْرِ أَمِينٍ وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ وَأَنَّ الدَّافِعَ لَهُ يَضْمَنُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَفَّالُ (وَلَمْ يُوجِبْ الْأَكْثَرُونَ التَّعْرِيفَ)
[حاشية الشبراملسي]
لِنَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: بَلْ يُرَاجِعُ الْحَاكِمَ) أَيْ مَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُ وَإِلَّا اُسْتُعْمِلَ بِعَمَلِ الْأَحَظِّ حَيْثُ عَرَفَهُ وَإِلَّا رَاجَعَ مَنْ يَعْرِفُ الْأَحَظَّ وَعَمِلَ بِخَبَرِهِ، وَلَوْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ مُخْبِرَانِ قَدَّمَ أَعْلَمَهُمَا، فَإِنْ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ أَخَذَ بِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ كَذَا أَحَظُّ لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ بِمَعْرِفَةِ وَجْهِ الْأَحَظِّيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ: إنْ وَجَدَهُ فِي عُمْرَانٍ) وَالْمُرَادُ بِالْعُمْرَانِ هُنَا نَحْوُ الْمَدْرَسَةِ وَالْمَسْجِدِ وَالشَّارِعِ إذْ هُمَا وَالْمَوَاتُ مَحَالُّ اللُّقَطَةِ لَا غَيْرُ كَمَا مَرَّ اهـ حَجّ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ وَنَحْوَهُ مِنْ كُلِّ مَا كَانَ مَظِنَّةً لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ كَالْحَمَّامِ وَالْقَهْوَةِ وَالْمَرْكَبِ.
(قَوْلُهُ: بِالْقَيْدِ الْمَارِّ) هُوَ قَوْلُهُ إنْ وَجَدَهُ وَلَمْ يَخَفْ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: بِقَدْرِ مَا يُسَاوِي التَّجْفِيفُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَى التَّجْفِيفِ لِيَرْجِعَ بِشَرْطِهِ فَلْيُرَاجَعْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: وَلَا مَانِعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ الْمَذْكُورِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إلْزَامُ ذِمَّةِ الْغَيْرِ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ حَيْثُ أَمْكَنَ بَيْعُ جُزْءٍ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَمَحِلُّهُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ إلَخْ) قَضِيَّةُ فَرْضِ مَا ذَكَرَ فِيمَنْ أَخَذَ لِلْحِفْظِ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ لَا لِذَلِكَ لَمْ يُعْذَرْ فِي تَرْكِ التَّعْرِيفِ وَلَا فِي اعْتِقَادِ حَمْلِهَا لَهُ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ، بَلْ يَنْبَغِي كُفْرُ مَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ لِلُّقَطَةِ وَقَعَ، فَإِنَّ وُجُوبَ تَعْرِيفِهَا مِمَّا لَا يَخْفَى فَلَا يُعْذَرُ مَنْ اعْتَقَدَ جَوَازَهُ، فَمَا يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنْ الْعَامَّةِ مِنْ أَنَّ مَنْ وَجَدَ شَيْئًا جَازَ لَهُ أَخْذُهُ مُطْلَقًا لَا يُعْذَرُ فِيهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِاعْتِقَادِهِ ذَلِكَ لِتَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ السُّؤَالِ عَنْ مِثْلِهِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ دَفَعَهَا) أَيْ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: مَعَ الْتِزَامِهِ) أَيْ الْوَدِيعِ.
(قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ) أَيْ بَلْ قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ حُرْمَتُهُ حَيْثُ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فِيهَا.
(قَوْلُهُ: وَأَنَّ الدَّافِعَ لَهُ يَضْمَنُهَا) أَيْ يَكُونُ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ وَالْقَرَارِ عَلَى مَنْ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ مِنْهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُوجِبْ الْأَكْثَرُونَ) ضَعِيفٌ
[حاشية الرشيدي]
الْأَذْرَعِيِّ، وَكَلَامُهُ إنَّمَا هُوَ فِي تِلْكَ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ) هَذَا وَإِنْ كَانَ مَفْرُوضًا فِيمَا إذَا أَخَذَ لِلْحِفْظِ إلَّا أَنَّ مِثْلَهُ الْمَأْخُوذَ لِلتَّمْلِيكِ كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ يَنْقُلُهَا إلَى أَمَانَةٍ أَقْوَى) يُحْتَمَلُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَاضِي إذْ هُوَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِاللُّزُومِ: أَيْ؛ لِأَنَّهُ بِقَبُولِهِ يَنْقُلُهَا إلَى أَمَانَةٍ أَقْوَى وَهُوَ مُسْتَوْدَعُ الشَّرْعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْمُلْتَقِطِ: أَيْ إنَّمَا لَزِمَ الْقَاضِيَ الْقَبُولُ؛ لِأَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَنْقُلُهَا
فِي غَيْرِ لُقَطَةِ الْحَرَمِ (وَالْحَالَةُ هَذِهِ) أَيْ كَوْنُهُ أَخَذَهَا لِلْحِفْظِ لِأَنَّ الشَّرْعَ إمَّا أَوْجَبَهُ لِأَجْلِ أَنَّ لَهُ التَّمَلُّكَ بَعْدَهُ، وَقَالَ الْأَقَلُّونَ يَجِبُ: أَيْ حَيْثُ لَمْ يَخَفْ أَخْذَ ظَالِمٍ لَهَا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي لِئَلَّا يَفُوتَ حَقُّ الْمَالِكِ بِكَتْمِهَا، وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَقَوَّاهُ، وَاخْتَارَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ لِأَنَّ الْمَالِكَ قَدْ لَا يُمْكِنُهُ إنْشَادُهَا لِنَحْوِ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ، وَيُمْكِنُ الْمُلْتَقِطَ التَّخَلُّصُ عَنْ الْوُجُوبِ بِالدَّفْعِ لِلْقَاضِي الْأَمِينِ فَيَضْمَنُ بِتَرْكِ التَّعْرِيفِ وَلَا يَرْتَفِعُ بِهِ ضَمَانُهَا لَوْ بَدَا لَهُ بَعْدُ، قَالَ: وَلَا يَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ فِي مَالِهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ نَقَلَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ الْمُؤْنَةَ تَابِعَةٌ لِلْوُجُوبِ، وَلَوْ بَدَا لَهُ قَصْدُ التَّمَلُّكِ أَوْ الِاخْتِصَاصِ عَرَّفَهَا سَنَةً مِنْ حِينَئِذٍ وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا عَرَّفَهُ قَبْلَهُ.
أَمَّا إذَا أَخَذَهَا لِلتَّمَلُّكِ أَوْ الِاخْتِصَاصِ فَيَلْزَمُهُ التَّعْرِيفُ جَزْمًا (فَلَوْ قَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ أَخْذَهَا لِلْحِفْظِ وَكَذَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلتَّمَلُّكِ (خِيَانَةً لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا) بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ (فِي الْأَصَحِّ) فَإِنْ انْضَمَّ لِذَلِكَ الْقَصْدِ اسْتِعْمَالٌ أَوْ نَقْلٌ مِنْ مَحِلٍّ لِآخَرَ ضَمِنَ كَالْمُودَعِ فِيهِمَا.
وَالثَّانِي يَصِيرُ ضَامِنًا بِذَلِكَ، وَإِذَا ضَمِنَ فِي الْأَثْنَاءِ بِخِيَانَةٍ ثُمَّ أَقْلَعَ وَأَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَ وَيَتَمَلَّكَ جَازَ وَخَرَجَ بِالْأَثْنَاءِ مَا فِي قَوْلِهِ (وَإِنْ أَخَذَ بِقَصْدِ خِيَانَةٍ فَضَامِنٌ) لِقَصْدِهِ الْمُقَارِنِ لَأَخْذِهِ وَيَبْرَأُ بِالدَّفْعِ لِحَاكِمٍ أَمِينٍ (وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ أَنْ يُعَرِّفَ وَيَتَمَلَّكَ) أَوْ يَخْتَصَّ بَعْدَ التَّعْرِيفِ (عَلَى الْمَذْهَبِ) نَظَرًا لِلِابْتِدَاءِ كَالْغَاصِبِ، وَفِي وَجْهٍ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِي لَهُ ذَلِكَ نَظَرًا لِوُجُودِ صُورَةِ الِالْتِقَاطِ (وَإِنْ أَخَذَ لِيُعَرِّفَ وَيَتَمَلَّكَ) بَعْدَ التَّعْرِيفِ (فَأَمَانَةٌ) بِيَدِهِ (مُدَّةَ التَّعْرِيفِ وَكَذَا بَعْدَهَا مَا لَمْ يَخْتَرْ التَّمَلُّكَ فِي الْأَصَحِّ) كَمَا قَبْلَ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ.
وَالثَّانِي وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ تَصِيرُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ إذَا كَانَ عَزَمَ التَّمَلُّكَ مُطَّرِدًا كَالْمُسْتَامِ، وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْمُسْتَامَ مَأْخُوذٌ لَحَظِّ آخِذِهِ حَالَ الْأَخْذِ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ، وَلَوْ أَخَذَهُ لَا بِقَصْدِ حِفْظٍ وَلَا تَمَلُّكٍ أَوْ لَا بِقَصْدِ خِيَانَةٍ وَلَا أَمَانَةٍ أَوْ بِقَصْدِ أَحَدِهِمَا وَنَسِيَهُ فَأَمَانَةٌ وَلَهُ تَمَلُّكُهَا بِشَرْطِهِ اتِّفَاقًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الِاخْتِصَاصِ أَمِينًا مَا لَمْ يَتْلَفْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ تَلِفَ فَلَا ضَمَانَ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي الْغَصْبِ (وَ) عَقِبَ الْأَخْذِ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ (يَعْرِفُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ نَدْبًا كَمَا
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ) أَيْ بَلْ تَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ عَرَّفَهَا سَنَةً مِنْ حِينَئِذٍ) أَيْ وَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ مِنْ الْآنَ، ثُمَّ إنْ كَانَ اقْتَرَضَ عَلَى مَالِكِهَا مُؤْنَةَ تَعْرِيفِ مَا مَضَى فَهَلْ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا اقْتَرَضَ لِغَرَضِ الْمَالِكِ أَوْ لَا لِرُجُوعِهَا إلَيْهِ آخِرًا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَدُّوا بِتَعْرِيفِهِ السَّابِقِ وَلَمْ يُرَتِّبُوا الْحُكْمَ عَلَيْهِ مَعَ قَصْدِ التَّمَلُّكِ بَلْ أَوْجَبُوا اسْتِئْنَافَ التَّعْرِيفِ فَابْتِدَاءُ أَخْذِهِ لِلتَّمَلُّكِ كَأَنَّهُ مِنْ الْآنَ أَوْ لَا نَظَرَ إلَى مَا قَبْلَهُ.
(قَوْلُهُ: وَأَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: فَلَوْ وَقَعَتْ الْخِيَانَةُ فِي أَثْنَاءِ التَّعْرِيفِ ثُمَّ أَقْلَعَ فَهَلْ يُبْنَى أَوْ يُسْتَأْنَفُ اهـ؟ أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ قَصْدَ الْخِيَانَةِ لَمْ يُبْطِلْ أَصْلَ اللُّقَطَةِ فَلَا يَبْطُلُ حُكْمُ مَا بُنِيَ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: مُطَّرِدًا) أَيْ مُسْتَمِرًّا (قَوْلُهُ: يَكُونُ فِي الِاخْتِصَاصِ أَمِينًا) وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ كَانَ كَلْبًا فِي جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَعَدَمِهِ وَفِي جَوَازِ التَّقْصِيرِ فِي حِفْظِهِ وَعَدَمِهِ فَقَبْلَ اخْتِصَاصِهِ بِهِ لَا يَجُوزُ بِهِ الِانْتِفَاعُ وَلَا التَّقْصِيرُ فِي حِفْظِهِ وَيَجُوزَانِ بَعْدَ الِاخْتِصَاصِ.
[حاشية الرشيدي]
إلَى أَمَانَةٍ أَقْوَى فَلَزِمَ الْقَاضِيَ مُرَافَقَتُهُ عِنْدَ الرَّفْعِ إلَيْهِ حِفْظًا لِمَالِ الْغَائِبِ الَّذِي هُوَ مِنْ وَظَائِفِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَلِفَ فَلَا ضَمَانَ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مَفْهُومُ الْقَيْدِ فِي قَوْلِهِ مَا لَمْ يَتْلَفْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَفِيهِ أَنَّ حُكْمَ الْمَنْطُوقِ وَمَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ وَاحِدٌ فِي كَلَامِهِ وَهُوَ لَا يُصَارُ إلَيْهِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ الَّتِي تَصَرَّفَ فِيهَا بِمَا ذُكِرَ نَصُّهَا: وَقَضِيَّةُ كَلَامِ شَارِحٍ هُنَا أَنَّهُ يَكُونُ أَمِينًا فِي الِاخْتِصَاصِ مَا لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ فَيَضْمَنُهُ حِينَئِذٍ كَمَا فِي التَّمَلُّكِ وَهُوَ غَفْلَةٌ عَمَّا مَرَّ فِي الْغَصْبِ أَنَّ الِاخْتِصَاصَ يُحَرِّمُ غَصْبَهُ وَلَا يَضْمَنُ إنْ تَلِفَ أَوْ أَتْلَفَ انْتَهَتْ.
وَحَمَلَ الشَّيْخُ فِي حَاشِيَتِهِ مَعْنَى الْأَمَانَةِ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ لِمَا
قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ خِلَافًا لِابْنِ الرِّفْعَةِ مَحِلَّ الْتِقَاطِهَا وَ (جِنْسَهَا وَصِفَتَهَا) الشَّامِلَ لِنَوْعِهَا (وَقَدْرَهَا) بِعَدٍّ أَوْ وَزْنٍ أَوْ كَيْلٍ أَوْ ذَرْعٍ (وَعِفَاصَهَا) أَيْ وِعَاءَهَا تَوَسُّعًا إذْ أَصْلُهُ جِلْدٌ يَلْبِسُ رَأْسَ الْقَارُورَةِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ تَبَعًا لِلْخَطَّابِيِّ، لَكِنَّ عِبَارَةَ الْقَامُوسِ مُصَرِّحَةٌ بِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْوِعَاءِ الَّذِي فِيهِ النَّفَقَةُ جِلْدًا أَوْ خِرْقَةً وَغِلَافِ الْقَارُورَةِ وَالْجِلْدِ الَّذِي يُغَطَّى رَأْسُهَا بِهِ (وَوِكَاءَهَا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَبِالْمَدِّ: أَيْ خَيْطَهَا الْمَشْدُودَ بِهِ لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَعْرِفَةِ هَذَيْنِ وَقِيسَ بِهِمَا غَيْرُهُمَا لِئَلَّا تَخْتَلِطَ بِغَيْرِهَا وَلِيُعْرَفَ صِدْقُ وَاصِفِهَا، وَيُسْتَحَبُّ تَقْيِيدُهَا بِالْكِتَابَةِ كَمَا مَرَّ خَوْفَ النِّسْيَانِ، أَمَّا عِنْدَ تَمَلُّكِهَا فَالْأَوْجَهُ وُجُوبُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ لِيُعْلَمَ مَا يَرُدُّهُ لِمَالِكِهَا لَوْ ظَهَرَ (ثُمَّ) بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ ذَلِكَ (يُعَرِّفُهَا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وُجُوبًا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَهَا كَمَا مَرَّ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَلِّمَهَا لَهُ، وَيَكُونُ الْمُعَرِّفُ عَاقِلًا غَيْرَ مَشْهُورٍ بِالْخَلَاعَةِ وَالْمُجُونِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ إنْ وُثِقَ بِقَوْلِهِ وَلَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُمْ ثُمَّ عَدَمُ وُجُوبِ فَوْرِيَّةِ التَّعْرِيفِ وَهُوَ مَا صَحَّحَاهُ، لَكِنْ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إلَى وُجُوبِ الْفَوْرِيَّةِ وَاعْتَمَدَهُ الْغَزَالِيُّ.
قِيلَ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ جَوَازُ التَّعْرِيفِ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ كَعِشْرِينَ سَنَةً وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِذَلِكَ عَدَمُ الْفَوْرِيَّةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالِالْتِقَاطِ انْتَهَى.
وَالْأَوْجَهُ مَا تَوَسَّطَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ عَدَمُ جَوَازِ تَأْخِيرِهِ عَنْ زَمَنٍ تُطْلَبُ فِيهِ عَادَةً وَيَخْتَلِفُ بِقِلَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا، وَوَافَقَهُ الْبُلْقِينِيُّ فَقَالَ: يَجُوزُ التَّأْخِيرُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ فَوَاتُ مَعْرِفَةِ الْمَالِكِ بِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ انْتَهَى.
وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ فِي النِّهَايَةِ بِمَا يُفِيدُ ذَلِكَ، وَفِي نُكَتِ الْمُصَنِّفِ كَالْجِيلِيِّ أَنَّهُ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَخْذُ ظَالِمٍ لَهَا حَرُمَ التَّعْرِيفُ وَكَانَتْ أَمَانَةً بِيَدِهِ أَبَدًا: أَيْ فَلَا يَتَمَلَّكُهَا بَعْدَ السَّنَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْغَزَالِيُّ، وَهُوَ أَوْجَهُ مِمَّا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَنَّهُ لَوْ خَشِيَ مِنْ التَّعْرِيفِ اسْتِئْصَالَ مَالِهِ عُذِرَ فِي تَرْكِهِ وَلَهُ تَمَلُّكُهَا بَعْدَ السَّنَةِ (فِي الْأَسْوَاقِ) عِنْدَ قِيَامِهَا (وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ) عِنْدَ خُرُوجِ النَّاسِ مِنْهَا لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى وُجْدَانِهَا،
[حاشية الشبراملسي]
فَرْعٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا يُوجَدُ مِنْ الْأَمْتِعَةِ وَالْمَصَاغِ فِي عُشِّ الْحِدَأَةِ وَالْغُرَابِ وَنَحْوِهِمَا مَا حُكْمُهُ؟ وَالْجَوَابُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لُقَطَةٌ فَيُعَرِّفُهُ وَاجِدُهُ سَوَاءٌ كَانَ مَالِكَ النَّخْلِ وَنَحْوِهِ أَوْ غَيْرَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَاَلَّذِي أَلْقَتْ الرِّيحُ فِي دَارِهِ أَوْ حِجْرِهِ، وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ أَنَّهُ لَيْسَ بِلُقَطَةٍ، وَلَعَلَّهُ الْأَقْرَبُ فَيَكُونُ مِنْ الْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ أَمْرُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي يُغَطِّي رَأْسَهَا) أَيْ فَإِطْلَاقُ الْعِفَاصِ عَلَى الْوِعَاءِ حَقِيقَةٌ.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَلِّمَهَا لَهُ) أَيْ وَإِنْ كَانَ أَمِينًا لِأَنَّ الْمُلْتَقِطَ كَالْوَدِيعِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ لَهُ تَسْلِيمُ الْوَدِيعَةِ لِغَيْرِهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: بِالْخَلَاعَةِ وَالْمُجُونِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَفِي الْمُخْتَارِ: الْمُجُونُ أَنْ لَا يُبَالِيَ الْإِنْسَانُ بِمَا صَنَعَ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ مَا تَوَسَّطَ الْأَذْرَعِيُّ) مُعْتَمَدٌ.
(قَوْلُهُ: بِمَا يُفِيدُهُ ذَلِكَ) وَعَلَيْهِ فَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ أَيْ صَرِيحًا.
(قَوْلُهُ: وَكَانَتْ أَمَانَةً) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ حَيَوَانًا وَانْظُرْ مَاذَا يَفْعَلُ فِي مُؤْنَتِهِ هَلْ تَكُونُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْمَالِ الضَّائِعِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا قِيلَ فِي الْمَالِ الضَّائِعِ مِنْ أَنَّ أَمْرَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ فَيَدْفَعُهُ لَهُ لِيَحْفَظَهُ إنْ رَجَا مَعْرِفَةَ صَاحِبِهِ، وَيُصْرَفُ مَصْرِفَ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ إنْ لَمْ يُرْجَ، وَهَذَا إنْ كَانَ نَاظِرُ بَيْتِ الْمَالِ أَمِينًا وَإِلَّا دَفَعَهُ لِثِقَةٍ يَصْرِفُهُ مَصَارِفَ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ إنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمُلْتَقِطُ مَصَارِفَهُ وَإِلَّا صَرَفَهُ بِنَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَتَمَلَّكُهَا بَعْدَ السَّنَةِ) أَيْ وَلَوْ أَيِسَ مِنْ مَالِكِهَا
[حاشية الرشيدي]
رَأَى أَنَّ الِاخْتِصَاصَ لَا يُضْمَنُ وَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا فِيهَا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَصْلِ مَأْخَذِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ عِبَارَةُ الْقَامُوسِ إلَخْ) قَصْدُهُ بِذَلِكَ تَعَقُّبُ حَصْرِ الْخَطَّابِيِّ لِمَعْنَى الْعِفَاصِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَلَيْسَ قَصْدُهُ أَنَّ الْعِفَاصَ فِيمَا فَسَّرَهُ هُوَ بِهِ مِنْ الْوِعَاءِ حَقِيقِيٌّ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ: لِئَلَّا تَخْتَلِطَ بِغَيْرِهَا) كَأَنَّهُ عِلَّةٌ لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِهَذَا لَمْ يَعْطِفْهُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلْيَعْرِفْ صِدْقَ وَاصِفِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِأَمْرِهِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ) يَعْنِي الْمُصَنِّفَ
وَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ لَا تَحْرِيمًا خِلَافًا لِجَمْعٍ مَعَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِمَسْجِدٍ كَإِنْشَادِهَا فِيهِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّاشِيُّ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَمَلُّكُ لُقَطَةِ الْحَرَمِ، فَالتَّعْرِيفُ فِيهِ مَحْضُ عِبَادَةٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّ الْمُعَرِّفَ فِيهِ مُتَّهَمٌ بِقَصْدِ التَّمَلُّكِ، وَبِهِ يُرَدُّ عَلَى مَنْ أَلْحَقَ بِهِ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى وَعَلَى تَنْظِيرِ الْأَذْرَعِيِّ فِي تَعْمِيمِ ذَلِكَ لِغَيْرِ أَيَّامِ الْمَوْسِمِ (وَنَحْوِهَا) مِنْ الْمَحَافِلِ وَالْمَجَامِعِ وَمَحَالِّ الرِّجَالِ وَلِيَكُنْ أَكْثَرُهُ بِمَحِلِّ وُجُودِهَا وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمُسَافَرَةُ بِهَا بَلْ يَدْفَعُهَا لِمَنْ يُعَرِّفُهَا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ وَإِلَّا ضَمِنَ.
نَعَمْ لِمَنْ وَجَدَهَا بِالصَّحْرَاءِ تَعْرِيفُهَا لِمَقْصِدِهِ قَرُبَ أَمْ بَعُدَ اسْتَمَرَّ أَمْ تَغَيَّرَ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ أَقْرَبُ الْبِلَادِ لِمَحِلِّهَا وَاخْتِيرَ وَإِنْ جَازَتْ بِهِ قَافِلَةٌ تَبِعَهَا وَعَرَّفَهَا، وَلَوْ وَجَدَ بِبَيْتِهِ دِرْهَمًا مَثَلًا وَجَوَّزَ كَوْنَهُ لِمَنْ يَدْخُلُهُ عَرَّفَهُ لَهُمْ لِلْمُقَرِّ، قَالَهُ الْقَفَّالُ.
وَيَجِبُ فِي غَيْرِ الْحَقِيرِ الَّذِي لَا يَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ أَنْ يُعَرَّفَ (سَنَةً) مِنْ وَقْتِ التَّعْرِيفِ تَحْدِيدًا لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ فِيهِ لِأَنَّ السَّنَةَ لَا تَتَأَخَّرُ فِيهَا الْقَوَافِلُ غَالِبًا كَالذِّمِّيِّ فِيهَا الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَرِّفْ سَنَةً لَضَاعَتْ الْأَمْوَالُ عَلَى أَرْبَابِهَا، وَلَوْ جَعَلَ التَّعْرِيفَ أَبَدًا لَامْتَنَعَ مِنْ الْتِقَاطِهَا فَكَانَتْ السُّنَّةُ مَصْلَحَةً لِلْفَرِيقَيْنِ، وَلَوْ الْتَقَطَ اثْنَانِ لُقَطَةً عَرَّفَهَا كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَ سَنَةٍ لِأَنَّ قِسْمَتَهَا إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ التَّمَلُّكِ لَا قَبْلَهُ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ إنَّهُ الْأَشْبَهُ، وَإِنْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ يُعَرِّفُهَا كُلٌّ سَنَةً لِأَنَّهُ فِي النِّصْفِ كَلُقَطَةٍ كَامِلَةٍ، وَقَدْ يَجِبُ التَّعْرِيفُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سَنَتَيْنِ بِأَنْ يُعَرِّفَ سَنَةً قَاصِدًا حِفْظَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّعْرِيفَ حِينَئِذٍ وَاجِبٌ ثُمَّ يُرِيدُ التَّمَلُّكَ فَيَلْزَمُهُ مِنْ حِينَئِذٍ سَنَةٌ أُخْرَى، وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِيعَابُ السَّنَةِ بَلْ يَكُونُ (عَلَى الْعَادَةِ) زَمَنًا وَمَحِلًّا وَقَدْرًا (يُعَرِّفُ أَوَّلًا كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ طَرَفَيْ النَّهَارِ) أُسْبُوعًا (ثُمَّ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً) طَرَفَهُ إلَى أَنْ يُتِمَّ أُسْبُوعًا آخَرَ (ثُمَّ كُلَّ أُسْبُوعٍ) مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ: أَيْ إلَى أَنْ يُتِمَّ سَبْعَةَ أَسَابِيعَ أَخْذًا مِمَّا قَبْلَهُ (ثُمَّ) فِي كُلِّ (شَهْرٍ) مَرَّةً بِحَيْثُ لَا يَنْسَى أَنَّ الْأَخِيرَ تَكْرَارٌ لِلْأَوَّلِ وَزِيدَ فِي الْأَزْمِنَةِ الْأُوَلِ؛ لِأَنَّ تَطَلُّبَ الْمَالِكِ فِيهَا أَكْثَرُ وَتَحْدِيدَ الْمَرَّتَيْنِ وَمَا بَعْدَهُمَا بِمَا ذُكِرَ أَوْجَهُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ، مُرَادُهُمْ أَنَّهُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ يُعَرِّفُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ وَفِي مِثْلِهَا كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً وَفِي مِثْلِهَا كُلَّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً وَفِي مِثْلِهَا كُلَّ شَهْرٍ مَرَّةً،
وَالْأَقْرَبُ أَنَّ هَذَا التَّحْدِيدَ كُلَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ لَا الْوُجُوبِ كَمَا يُفْهِمُهُ مَا يَأْتِي أَنَّهُ تَكْفِي سَنَةٌ مُفَرَّقَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ التَّفْرِيقُ بِقَيْدِهِ الْآتِي (وَلَا تَكْفِي سَنَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ) كَأَنْ يُعَرِّفَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ عَامًا (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ السَّنَةِ فِي الْخَبَرِ التَّوَالِي، وَكَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا سَنَةً (قُلْت: الْأَصَحُّ يَكْفِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ، وَكَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَالْحَلِفِ بِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ الِامْتِنَاعُ وَالزَّجْرُ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ بِدُونِ التَّوَالِي، وَمَحِلُّ هَذَا كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنْ لَا يُفْحِشَ التَّأْخِيرَ بِحَيْثُ يَنْسَى التَّعْرِيفَ الْأَوَّلَ وَإِلَّا وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ وَاعْتَبَرَ الْإِمَامُ وُجُوبَ بَيَانِ مَحِلِّ وُجْدَانِهَا فِي التَّعْرِيفِ كَمَا مَرَّ، وَلَوْ مَاتَ الْمُلْتَقِطُ أَثْنَاءَ التَّعْرِيفِ بَنَى وَارِثُهُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَالْعِرَاقِيُّ
[حاشية الشبراملسي]
كَمَا هُوَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَقَوْلُهُ وَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا: أَيْ التَّعْرِيفُ.
(قَوْلُهُ: لُقَطَةِ الْحَرَمِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ الْتَقَطَهَا قَبْلَ وُصُولِهِ الْحَرَمَ وَأَرَادَ تَعْرِيفَهَا فِيهِ كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ مُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ خِلَافُهُ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: مَحْضُ عِبَادَةٍ) أَيْ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: بِإِذْنِ الْحَاكِمِ) أَيْ فِي الدَّفْعِ.
(قَوْلُهُ: بِمَقْصِدِهِ) أَيْ بَلَدِهِ، وَقَوْلُهُ قَرُبَ أَمْ بَعُدَ مُعْتَمَدٌ.
(قَوْلُهُ: وَكَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا سَنَةً) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَبَرُّ بِتَرْكِ تَكْلِيمِهِ سَنَةً مُتَفَرِّقَةً بَلْ لَا بُدَّ لِعَدَمِ الْحِنْثِ مِنْ تَرْكِ تَكْلِيمِهِ سَنَةً كَامِلَةً.
(قَوْلُهُ: بَيَانُ مَحِلِّ وُجْدَانِهَا) عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ زَمَانُ بَدَلَ مَحِلٍّ: أَيْ بِأَنْ يَقُولَ فِي تَعْرِيفِهِ مَنْ ضَاعَتْ لَهُ لُقَطَةٌ بِمَحِلِّ كَذَا.
(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَلْيَكُنْ أَكْثَرُهُ بِمَحِلِّ وُجُودِهَا، وَقَوْلُهُ رَادًّا قَوْلَ شَيْخِهِ:
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) أَيْ: فِي لُقَطَتِهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ مَا بَعْدَهُ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: مِنْ وَقْتِ التَّعْرِيفِ) قَدْ يُقَالُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ أَنْ يُعَرِّفَ، (قَوْلُهُ: وَمَحَلًّا) اُنْظُرْ مَا مَعْنَاهُ هُنَا (قَوْلُهُ: إلَى أَنْ يُتِمَّ سَبْعَةَ أَسَابِيعَ) التَّعْبِيرُ بِيُتِمَّ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يُحْسَبُ مِنْ السَّبْعَةِ الْأُسْبُوعَانِ الْأَوَّلَانِ (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ لَا يَنْسَى أَنَّ الْأَخِيرَ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْحَيْثِيَّةَ هُنَا
رَادًّا قَوْلَ شَيْخِهِ إنَّ الْأَقْرَبَ الِاسْتِئْنَافُ، كَمَا لَا يَبْنِي عَلَى حَوْلِ مُوَرِّثِهِ فِي الزَّكَاةِ بِحُصُولِ الْمَقْصُودِ هُنَا لَا ثَمَّ لِانْقِطَاعِ حَوْلِ اسْتَرْقِهِ بِخُرُوجِ الْمِلْكِ عَنْهُ بِمَوْتِهِ فَيَسْتَأْنِفُ الْوَارِثُ الْحَوْلَ لِابْتِدَاءِ مِلْكِهِ (وَيَذْكُرُ) نَدْبًا (بَعْضَ أَوْصَافِهَا) فِي التَّعْرِيفِ جِنْسَهَا أَوْ عِفَاصَهَا أَوْ وِكَائِهَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِيعَابُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ لِئَلَّا يَعْتَمِدَهَا كَاذِبٌ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ لِاحْتِمَالِ رَفْعِهِ إلَى حَاكِمٍ يُلْزِمُ الدَّفْعَ بِالصِّفَاتِ وَيُفَارِقُ جَوَازَ اسْتِيفَائِهَا فِي الْإِشْهَادِ بِحَصْرِ الشُّهُودِ وَعَدَمِ تُهْمَتِهِمْ (وَلَا يَلْزَمُ مُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ إنْ أَخَذَ لِحِفْظٍ) أَوْ لَا لِحِفْظٍ وَلَا لِتَمَلُّكٍ أَوْ اخْتِصَاصٍ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ لِلْمَالِكِ (بَلْ يُرَتِّبُهَا الْقَاضِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) قَرْضًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، لَكِنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِمَا أَنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَاعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (أَوْ يَقْتَرِضُ) مِنْ الْمُلْتَقِطِ أَوْ غَيْرِهِ (عَلَى الْمَالِكِ) أَوْ يَأْمُرُ الْمُلْتَقِطَ بِهِ لِيَرْجِعَ عَلَى الْمَالِكِ أَوْ يَبِيعَ جُزْءًا مِنْهَا إنْ رَآهُ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي هَرَبِ الْجِمَالِ فَيَجْتَهِدُ، وَيُلْزِمُهُ فِعْلَ الْأَحَظِّ لِلْمَالِكِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَا ذُكِرَ فَمُتَبَرِّعٌ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَوْجَبْنَا التَّعْرِيفَ أَمْ لَا عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ السُّبْكِيُّ وَالْعِرَاقِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ جَمْعٍ، لَكِنَّ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا إنْ أَوْجَبْنَاهُ فَعَلَيْهِ الْمُؤْنَةُ وَإِلَّا فَلَا
(وَإِنْ أَخَذَهَا) غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ (لِلتَّمَلُّكِ) أَوْ الِاخْتِصَاصِ ابْتِدَاءً أَوْ فِي الْأَثْنَاءِ وَلَوْ بَعْدَ لَقْطِهِ لِحِفْظٍ (لَزِمَهُ) مُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ وَإِنْ لَمْ يَتَمَلَّكْ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحِفْظَ لَهُ فِي ظَنِّهِ وَقْتَ التَّعْرِيفِ (وَقِيلَ إنْ لَمْ يَتَمَلَّكْ فَعَلَى الْمَالِكِ) لِعَوْدِ الْفَائِدَةِ لَهُ، وَعَبَّرَ عَنْ حِكَايَةِ هَذَا فِي الرَّوْضَةِ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ: إنْ ظَهَرَ الْمَالِكُ فَعَلَيْهِ وَهُوَ الْأَوْلَى لِيَشْمَلَ ظُهُورَهُ بَعْدَ التَّمَلُّكِ، أَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ فَلَا يُخْرِجُ وَلِيُّهُ مُؤْنَتَهُ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ رَأَى التَّمَلُّكَ يَسْتَرْقِيَهُ لَهُ بَلْ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ لِيَبِيعَ جُزْءًا مِنْهَا لِمُؤْنَتِهِ وَإِنْ نَازَعَ الْأَذْرَعِيُّ فِيهِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْحَقِيرَ) قِيلَ هُوَ دِينَارٌ وَقِيلَ دِرْهَمٌ وَقِيلَ وَزْنُهُ وَقِيلَ دُونَ نِصَابِ السَّرِقَةِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمَا عَدَمُ تَقْرِيرِهِ بَلْ مَا يُظَنُّ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يُكْثِرُ أَسَفَهُ عَلَيْهِ وَلَا يَطُولُ طَلَبُهُ لَهُ غَالِبًا (لَا يُعَرِّفُ سَنَةً) لِأَنَّ فَاقِدَهُ لَا يَتَأَسَّفُ عَلَيْهِ سَنَةً.
وَالثَّانِي يُعَرِّفُ سَنَةً لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَأَطَالَ جَمْعٌ فِي تَرْجِيحِهِ بِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِمَا بِتَعْرِيفِ الِاخْتِصَاصِ سَنَةً ثُمَّ يَخْتَصُّ بِهِ، وَدُفِعَ بِأَنَّ الْكَلَامَ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ فِي اخْتِصَاصِ عَظِيمِ الْمَنْفَعَةِ يَكْثُرُ أَسَفُ فَاقِدِهِ عَلَيْهِ سَنَةً غَالِبًا (بَلْ) الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ إلَّا (زَمَنًا يَظُنُّ أَنَّ فَاقِدَهُ يُعْرِضُ عَنْهُ) بَعْدَهُ (غَالِبًا) وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ فَدَانِقُ الْفِضَّةِ حَالًا وَالذَّهَبُ نَحْوُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَبِمَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَهُ الدَّالَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ انْدَفَعَ مَا قِيلَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لَا يُعْرِضُ عَنْهُ أَوْ إلَى زَمَنٍ يَظُنُّ أَنَّ فَاقِدَهُ يُعْرِضُ عَنْهُ فَيَجْعَلُ ذَلِكَ الزَّمَنَ غَايَةً لِتَرْكِ التَّعْرِيفِ لَا ظَرْفًا
[حاشية الشبراملسي]
الْبُلْقِينِيِّ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ لِلْمَالِكِ) فِيهِ نَظَرٌ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ أَوْ لَا لِحِفْظٍ إلَخْ فَإِنَّ لَهُ فِيهَا التَّمَلُّكَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ عَلَى مَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ قَبْلُ وَلَهُ تَمَلُّكُهَا بِشَرْطِهِ اتِّفَاقًا، لَكِنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الْآتِي بَعْدَ قَصْدِهِ تَمَلُّكَهَا أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِتَعْرِيفِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ فَيُقَرِّبُ شَبَهَهَا بِمَنْ الْتَقَطَ لِلْحِفْظِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِمَا إلَخْ) مُعْتَمَدٌ سم عَنْ م ر.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمَالِكِ) أَيْ فَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ الْمَالِكُ كَانَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ فَيَبِيعُهَا وَكِيلُ بَيْتِ الْمَالِ وَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ بِمَا أُخِذَ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: فَمُتَبَرِّعٌ) أَيْ إنْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ وَإِلَّا فَيَضْمَنُ بَدَلَ مَا أَنْفَقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَهُ.
(قَوْلُهُ: بَلْ مَا يَظُنُّ أَنَّ صَاحِبَهُ إلَخْ) أَيْ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ فَلَا يُرَدُّ أَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ يَكُونُ شَدِيدَ الْبُخْلِ فَيَدُومُ أَسَفُهُ عَلَى التَّافِهِ (قَوْلُهُ وَبِمَا قَرَّرْنَا) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ إلَخْ
[حاشية الرشيدي]
حَيْثِيَّةُ تَعْلِيلٍ لَا حَيْثِيَّةُ تَقْيِيدٍ (قَوْلُهُ: رَادًّا) أَيْ الْعِرَاقِيَّ وَشَيْخَهُ الْبُلْقِينِيَّ (قَوْلُهُ: بِحُصُولِ الْمَقْصُودِ) مُتَعَلِّقٌ بِرَادًا (قَوْلُهُ: فَيَجْتَهِدُ) أَيْ: الْقَاضِي (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَنْفَقَ) أَيْ: الْمُلْتَقِطُ (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ فِي الْمَتْنِ مِنْ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ.
(قَوْلُهُ: انْدَفَعَ مَا قِيلَ الْأَوْلَى إلَخْ) قَالَ الشِّهَابُ سم: لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَدْفَعُ دَعْوَى الْفَسَادِ لَا الْأَوْلَوِيَّةِ
لِلتَّعْرِيفِ، وَلِهَذَا أَشَارَ الشَّارِحُ لِرَدِّهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ الزَّمَنِ وَمَحِلُّ مَا تَقَرَّرَ فِي الْمُتَمَوَّلِ، أَمَّا غَيْرُهُ كَحَبَّةِ زَبِيبٍ فَإِنَّهُ يَسْتَبِدُّ وَاجِدُهُ بِهِ وَلَوْ فِي حَرَمِ مَكَّةَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَقَدْ سَمِعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْ يَنْشُدُ فِي الطَّوَافِ زَبِيبَةً: فَقَالَ: إنَّ مِنْ الْوَرَعِ مَا يَمْقُتُهُ اللَّهُ، وَرَأَى «تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لَوْلَا أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لَأَكَلْتهَا» وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ بِكَوْنِ الْإِمَامِ يَلْزَمُهُ أَخْذُ الْمَالِ الضَّائِعِ لِحِفْظِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إعْرَاضَ مَالِكِهَا عَنْهَا وَخُرُوجَهَا عَنْ مِلْكِهِ فَهِيَ الْآنَ مُبَاحَةٌ فَتَرَكَهَا لِمَنْ يُرِيدُ تَمَلُّكَهَا مُشِيرًا بِهِ إلَى ذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَخْذُ سَنَابِلِ الْحَصَّادِينَ الَّتِي اُعْتِيدَ الْإِعْرَاضُ عَنْهَا، وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ: يَنْبَغِي تَخْصِيصُهُ بِمَا لَا زَكَاةَ فِيهِ أَوْ لِمَنْ يَحِلُّ لَهُ كَالْفَقِيرِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْأَوْجَهَ اغْتِفَارُ ذَلِكَ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، وَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ لِمَنْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ اعْتَرَضَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي نَحْوِ الْكَسْرِ مِمَّا قَدْ يُقْصَدُ وَسَبَقَتْ الْيَدُ إلَيْهِ بِخِلَافِ السَّنَابِلِ، وَأُلْحِقَ بِهَا أَخْذُ مَاءٍ مَمْلُوكٍ آبِقَا بِهِ عَادَةً كَمَا مَرَّ.
(فَصْلٌ) فِي تَمَلُّكِهَا وَغُرْمِهَا وَمَا يَتْبَعُهَا (إذَا عَرَّفَ اللُّقَطَةَ) بَعْدَ قَصْدِهِ تَمَلُّكَهَا (سَنَةً) أَوْ دُونَهَا فِي الْحَقِيرِ جَازَ لَهُ تَمَلُّكُهَا وَلَوْ هَاشِمِيًّا أَوْ فَقِيرًا إلَّا فِي صُوَرٍ مَرَّتْ كَأَنْ أَخَذَ لِلْخِيَانَةِ أَوْ أَعْرَضَ عَنْهُ أَوْ كَانَتْ أَمَةً تَحِلُّ لَهُ، وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ: يَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهَا ثُمَّ تُبَاعُ وَيَتَمَلَّكُ ثَمَنَهَا نَظِيرَ مَا مَرَّ فِيمَا يَتَسَارَعُ فَسَادُهُ مَرْدُودٌ، إذْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ هَذَا مَانِعُهُ عَرَضِيٌّ وَهِيَ مَانِعُهَا ذَاتِيٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْبِضْعِ فَاخْتَصَّ بِمَزِيدِ احْتِيَاطٍ وَإِذَا أَرَادَهُ (لَمْ يَمْلِكْهَا حَتَّى يَخْتَارَهُ بِلَفْظٍ) مِنْ نَاطِقٍ صَرِيحٍ فِيهِ
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَسْتَبِدُّ وَاجِدُهُ) هَلْ يَمْلِكُ بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ أَوْ يَتَوَقَّفُ الْمِلْكُ عَلَى قَصْدِ التَّمَلُّكِ أَوْ عَلَى لَفْظٍ أَوْ لَا يَمْلِكُهُ لِعَدَمِ تَمَوُّلِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَى تَمَلُّكٍ لِأَنَّهُ مِمَّا يُعْرَضُ عَنْهُ وَمَا يُعْرَضُ عَنْهُ أَطْلَقُوا أَنَّهُ يُمْلَكُ بِالْأَخْذِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: اغْتِفَارُ ذَلِكَ) أَيْ اغْتِفَارُ أَخْذِهِ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ الزَّكَاةُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ السَّنَابِلِ) أَيْ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَقْصُودَةً بَلْ أَرْبَابُهَا يُعْرِضُونَ عَنْهَا وَيَقْصِدُهَا غَيْرُهُمْ بِالْأَخْذِ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ جَمْعُهَا لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ وَإِنْ أَمْكَنَ وَكَانَ لَهَا وَقْعٌ وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: وَقَدْ يُقَالُ إنْ كَانَ لَهَا وَقْعٌ وَسَهُلَ جَمْعُهَا بِحَيْثُ لَوْ اُسْتُؤْجِرَ مَنْ يَجْمَعُهَا كَانَ لِلْبَاقِي بَعْدَ الْأُجْرَةِ وَقْعٌ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا.
(فَصْلٌ) فِي تَمَلُّكِهَا وَغُرْمِهَا (قَوْلُهُ: بَعْدَ قَصْدِهِ تَمَلُّكَهَا) قَضِيَّةُ التَّقْيِيدِ بِمَا ذَكَرَ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ لَا بِقَصْدِ حِفْظٍ وَلَا تَمَلُّكٍ ثُمَّ عَرَّفَ قَبْلَ قَصْدِ التَّمَلُّكِ لَا يُعْتَدُّ بِتَعْرِيفِهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَعْرَضَ عَنْهُ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَلَوْ دَفَعَهَا لِلْحَاكِمِ وَتَرَكَ تَعْرِيفَهَا وَتَمَلُّكَهَا ثُمَّ اسْتَقَالَ: أَيْ طَلَبَ مِنْ الْحَاكِمِ إقَالَتَهُ مِنْهَا لِيُعَرِّفَهَا وَيَتَمَلَّكَهَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَقَدْ يَمْتَنِعُ التَّمَلُّكُ كَالْبَعِيرِ الْمُقَلَّدِ وَكَمَا لَوْ دَفَعَهَا لِلْقَاضِي مُعْرِضًا إلَخْ.
(قَوْلُهُ: يَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهَا) أَيْ الْأَمَةَ الَّتِي تَحِلُّ لَهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ) أَيْ: مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[فَصْلٌ فِي تَمَلُّكِ وَغُرْم اللُّقَطَةَ]
(فَصْلٌ) فِي تَمَلُّكِهَا وَغُرْمِهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ هَاشِمِيًّا) أَيْ: وَلَا يُقَالُ إنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا مِنْ صَدَقَةِ فَرْضٍ، وَقَوْلُهُ: أَوْ فَقِيرًا: أَيْ وَلَا يُقَالُ
(كَتَمَلَّكْتُ) أَوْ كِنَايَةٍ مَعَ النِّيَّةِ كَمَا هُوَ قِيَاسُ سَائِرِ الْأَبْوَابِ (وَنَحْوِهِ) كَأَخَذْتُهُ أَوْ إشَارَةُ أَخْرَسَ مُفْهِمَةٌ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَبَحَثَ النَّجْمُ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الِاخْتِصَاصِ الَّذِي كَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَنْقُلَهُ لِنَفْسِهِ (وَقِيلَ: تَكْفِي النِّيَّةُ) أَيْ تَجْدِيدُ قَصْدِ التَّمَلُّكِ لِانْتِفَاءِ الْمُعَاوَضَةِ وَالْإِيجَابِ (وَقِيلَ يَمْلِكُهَا بِمُضِيِّ السَّنَةِ) بَعْدَ التَّعْرِيفِ اكْتِفَاءً بِقَصْدِ التَّمَلُّكِ السَّابِقِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ فَمَنْ الْتَقَطَ لِلْحِفْظِ دَائِمًا وَقُلْنَا بِوُجُوبِ التَّعْرِيفِ وَعَرَّفَ سَنَةً فَبَدَا لَهُ التَّمَلُّكُ لَا يَأْتِي فِيهِ هَذَا الْوَجْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ، وَإِنْ لَمْ تُوجِبْ التَّعْرِيفَ عَلَيْهِ فَعَرَّفَ ثُمَّ بَدَا لَهُ قَصْدُ التَّمَلُّكِ لَا يُعْتَدُّ بِمَا عَرَّفَ مِنْ قَبْلُ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَنَّهُ لَوْ عَرَّفَهُ مُدَّةً قَبْلَ قَصْدِ تَمَلُّكِهِ ثُمَّ قَصَدَهُ اعْتَدَّ بِمَا مَضَى، وَبَنَى عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ وَهُوَ وُجُوبُ التَّعْرِيفِ وَالْمُعْتَمَدُ الِاسْتِئْنَافُ فِيهِ أَيْضًا (فَإِنْ تَمَلَّكَهَا) أَيْ اللُّقَطَةَ وَلَمْ يَظْهَرْ مَالِكُهَا فَلَا مُطَالَبَةَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ كَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَوْ (فَظَهَرَ الْمَالِكُ) وَهِيَ بَاقِيَةٌ بِحَالِهَا (وَاتَّفَقَا عَلَى رَدِّ عَيْنِهَا) أَوْ بَدَلِهَا (فَذَاكَ) ظَاهِرٌ إذْ الْحَقُّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا، وَيَجِبُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ رَدُّهَا لِمَالِكِهَا إذَا عَلِمَهُ وَلِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لَازِمٌ
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: كَتَمَلَّكْتُ) هَلْ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ التَّمَلُّكِ مَعْرِفَتُهَا حَتَّى لَوْ جُهِلَتْ لَهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُرَاجَعْ، وَلَا يَبْعُدُ الِاشْتِرَاطُ وَهِيَ نَظِيرُ الْقَرْضِ بَلْ قَالُوا إنَّ مِلْكَهَا مِلْكُ قَرْضٍ فَلْيُنْظَرْ هَلْ يَمْلِكُ الْقَرْضَ الْمَجْهُولُ م ر.
[فَرْعٌ] قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَلَدَ اللُّقَطَةِ كَاللُّقَطَةِ إنْ كَانَتْ حَامِلًا بِهِ عِنْدَ الْتِقَاطِهَا وَانْفَصَلَ مِنْهَا قَبْلَ تَمَلُّكِهَا وَيَمْلِكُهُ تَبَعًا لِأُمِّهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَمْلِكُ بَعْدَ التَّعْرِيفِ لِأُمِّهِ: أَيْ وَيَتَمَلَّكُهَا اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: قَوْلُ سم وَلَا يَبْعُدُ الِاشْتِرَاطُ قَدْ يُسْتَفَادُ الِاشْتِرَاطُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ السَّابِقِ أَمَّا عِنْدَ تَمَلُّكِهَا فَالْأَوْجَهُ وُجُوبُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ مَا يَرُدُّهُ لِمَالِكِهَا لَوْ ظَهَرَ، وَقَوْلُهُ أَيْضًا هَلْ يَمْلِكُ الْقَرْضَ الْمَجْهُولُ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْقَرْضَ الْمَجْهُولُ لِتَعَذُّرِ رَدِّ مِثْلِهِ مَعَ الْجَهْلِ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ وَانْفَصَلَ مِنْهَا قَبْلَ تَمَلُّكِهَا أَنَّهَا لَوْ حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ الِالْتِقَاطِ وَانْفَصَلَ قَبْلَ التَّمَلُّكِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ تَبَعًا لِأُمِّهِ، وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِتَمَلُّكِ أُمِّهِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَمَلُّكٍ لَهُ بِخُصُوصِهِ، وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنَّ مَا حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ الِالْتِقَاطِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ قَبْلَ التَّمَلُّكِ أَنَّهُ يَتْبَعُهَا فِي التَّمَلُّكِ كَمَا يَتْبَعُهَا فِي الْبَيْعِ.
(قَوْلُهُ: كَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَنْقُلَهُ) أَيْ بِأَنْ يَقُولَ نَقَلْت الِاخْتِصَاصَ بِهِ إلَيَّ (قَوْلُهُ: فَلَا مُطَالَبَةَ إلَخْ) لَوْ تَمَلَّكَ مَا يُسْرِعُ فَسَادُهُ فِي الْحَالِ وَأَكَلَهُ ثُمَّ عَرَّفَهُ وَلَمْ يَتَمَلَّكْ الْقِيمَةَ هَلْ تَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ أَيْضًا فِي الْآخِرَةِ أَوْ لَا فِيهِ نَظَرٌ، وَيَتَّجِهُ الثَّانِي اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ بَعْدَ مِثْلِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحِلُّهُ إذَا غَرِمَ عَلَى رَدِّهَا أَوْ رَدِّ بَدَلِهَا إذَا ظَهَرَ مَالِكُهَا، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّهُ حَيْثُ أَتَى بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ التَّعْرِيفِ وَتَمَلَّكَ صَارَتْ عَنْ جُمْلَةِ أَكْسَابِهِ، وَعَدَمُ نِيَّتِهِ رَدَّهَا إلَى مَالِكِهَا لَا يُزِيلُ مِلْكَهُ وَإِنْ أَثِمَ بِهِ، وَعَلَى مَا قَالَهُ شَيْخُنَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهِ مَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ رَدًّا وَلَا عَدَمَهُ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ بَاقِيَةٌ بِحَالِهَا) لَوْ كَانَ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهَا ثُمَّ عَادَ فَالْمُتَّجِهُ أَنَّهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَزُلْ م ر اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بَدَلِهَا) هَلْ يُشْتَرَطُ إيجَابٌ وَقَبُولٌ بِالْقِيَاسِ الِاشْتِرَاطُ إنْ كَانَ الْمِلْكُ يُنْتَقَضُ بِمُجَرَّدِ ظُهُورِ الْمَالِكِ، وَيَدُلُّ عَلَى انْتِقَاضِ الْمِلْكِ بِمُجَرَّدِ ظُهُورِ الْمَالِكِ وُجُوبُ الرَّدِّ لِلْمَالِكِ حَيْثُ عَلِمَ قَبْلَ طَلَبِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَدْ يُقَالُ: قَوْلُهُ إنْ كَانَ الْمِلْكُ يُنْتَقَضُ إلَخْ إنَّمَا يَقْتَضِي عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ فَلْيُرَاجَعْ مِنْ نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ
[حاشية الرشيدي]
إنَّ الْفَقِيرَ لَا يَقْدِرُ عَلَى بَدَلِهَا عِنْدَ ظُهُورِ مَالِكِهَا هَكَذَا ظَهَرَ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: أَنْ يَنْقُلَهُ لِنَفْسِهِ) أَيْ بِلَفْظٍ وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ، وَبَحْثُ ابْنِ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الِاخْتِصَاصِ كَكَلْبٍ وَخَمْرٍ مُحْتَرَمَيْنِ مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى نَقْلِ الِاخْتِصَاصِ، الَّذِي كَانَ لِغَيْرِهِ لِنَفْسِهِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ) يَعْنِي كَلَامَهُ الْأَخِيرَ حَيْثُ قَيَّدَ فِيهِ الْحُكْمَ بِمَا إذَا لَمْ نُوجِبْ التَّعْرِيفَ عَلَيْهِ