وَجَوَاهِرَ مُنْطَبِعَةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ وَحَدِيدٍ فَلَا يُجْزِئُ وَيُجْزِئُ حَجَرُ نُورَةٍ لَمْ يُطْبَخْ بِخِلَافِ مَا طُبِخَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُسَمَّى حَجَرًا بَلْ نُورَةً وَقَدْ مَرَّ آنِفًا (وَأَنْ يُسَمَّى رَمْيًا) فَلَا يَكْفِي الْوَضْعُ فِي الْمَرْمَى؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الرَّمْيُ فَلَا بُدَّ مِنْ صِدْقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ، وَيُفَارِقُ مَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِوَضْعِ الْيَدِ مَبْلُولَةً عَلَى الرَّأْسِ بِأَنَّ مَبْنَى الْحَجِّ عَلَى التَّعَبُّدِ وَبِأَنَّ الْوَاضِعَ هُنَا لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الرَّمْي بِخِلَافِ مَا هُنَاكَ فِيهِمَا، وَذِكْرِهِ اشْتِرَاطَ الرَّمْيِ هُنَا مَعَ فَهْمِهِ مِمَّا مَرَّ فِي قَوْلِهِ: وَيُشْتَرَطُ رَمْيُ السَّبْعِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ ذَلِكَ سِيقَ لِبَيَانِ التَّعَدُّدِ لَا لِلْكَيْفِيَّةِ فَنَصَّ عَلَيْهِ هُنَا احْتِيَاطًا وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا قَصْدُ الْجَمْرَةِ بِالرَّمْيِ، فَلَوْ رَمَى إلَى غَيْرِهَا كَأَنْ رَمَى فِي الْهَوَاءِ فَوَقَعَ فِي الْمَرْمَى لَمْ يَكْفِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ رَمَى إلَى الْعَلَمِ الْمَنْصُوبِ فِي الْجَمْرَةِ أَوْ الْحَائِطِ الَّتِي بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَأَصَابَهُ ثُمَّ وَقَعَ فِي الْمَرْمَى لَا يُجْزِئُ، قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِيهِ بِفِعْلِهِ مَعَ قَصْدِ الرَّمْيِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَالثَّانِي مِنْ احْتِمَالَيْهِ أَقْرَبُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ بَعْضُهُمْ مُدَّعِيًا أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى تَعْلِيلِ الْإِجْزَاءِ فِيهِ، كَمَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَوْ رَمَى إلَى غَيْرِ الْمَرْمَى فَوَقَعَ فِيهِ يُجْزِئُ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِخِلَافِهِ فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي الْمَرْمَى حَدًّا مَعْلُومًا غَيْرَ أَنَّ كُلَّ جَمْرَةٍ عَلَيْهَا عَلَمٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْمِيَ تَحْتَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا يَبْعُدُ عَنْهُ احْتِيَاطًا وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْجَمْرَةُ مُجْتَمَعُ الْحَصَى لَا مَا سَالَ مِنْ الْحَصَى، فَمَنْ أَصَابَ مُجْتَمَعَهُ أَجْزَأَهُ، وَمَنْ أَصَابَ سَائِلَهُ لَمْ يُجْزِهِ، وَمَا حَدَّ بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَنَّ مَوْضِعَ الرَّمْيِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ إلَّا فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا وَجْهٌ وَاحِدٌ، وَرَمْيُ كَثِيرِينَ مِنْ أَعْلَاهَا بَاطِلٌ قَرِيبٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.
(وَالسُّنَّةُ) فِي رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ وَغَيْرِهِ (أَنْ يَرْمِيَ) الْجَمْرَةَ لَا بِحَجَرٍ كَبِيرٍ وَلَا صَغِيرٍ جِدًّا بَلْ (بِقَدْرِ حَصَى الْخَذْفِ) وَهُوَ دُونَ الْأُنْمُلَةِ طُولًا وَعَرْضًا فِي قَدْرِ الْبَاقِلَا، فَلَوْ رَمَى بِأَكْبَرَ مِنْهُ أَوْ بِأَصْغَرَ كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ وَهَيْئَةُ الْحَذْفِ أَنْ يَضَعَ الْحَصَى عَلَى بَطْنِ إبْهَامِهِ وَيَرْمِيَهُ بِرَأْسِ السَّبَّابَةِ وَيُسَنُّ أَنْ يَرْمِيَ رَاجِلًا لَا رَاكِبًا إلَّا فِي يَوْمِ السَّفَرِ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَرْمِيَ رَاكِبًا لِيَنْفِرَ عَقِبَهُ، وَأَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَأَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ عُلْوٍ، وَأَنْ يَدْنُوَ مِنْ الْجَمْرَةِ فِي رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُهُ حَصَى الرَّامِينَ، (وَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْحَجَرِ فِي الْمَرْمَى) فَلَا يَضُرُّ تَدَحْرُجُهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ فِيهِ لِحُصُولِ اسْمِ الرَّمْيِ (وَلَا كَوْنُ الرَّامِي خَارِجًا عَنْ الْجَمْرَةِ) فَلَوْ وَقَفَ فِي بَعْضِهَا وَرَمَى إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْهَا صَحَّ لِمَا مَرَّ مِنْ حُصُولِ اسْمِ الرَّمْيِ، وَلَوْ رَمَى بِحَجَرٍ فَأَصَابَ شَيْئًا كَأَرْضٍ أَوْ مَحْمَلٍ فَارْتَدَّ إلَى الْمَرْمَى لَا بِحَرَكَةِ مَا أَصَابَهُ أَجْزَأَهُ لِحُصُولِهِ فِي الْمَرْمَى بِفِعْلِهِ بِلَا مُعَاوَنَةٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ ارْتَدَّ بِحَرَكَةِ مَا أَصَابَهُ، وَيُشْتَرَطُ إصَابَةُ الْمَرْمَى يَقِينًا، فَلَوْ شَكَّ فِيهَا لَمْ يَكْفِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُقُوعِ فِيهِ وَبَقَاءُ الرَّمْيِ عَلَيْهِ وَصَرْفُ الرَّمْيِ بِالنِّيَّةِ لِغَيْرِ الْحَجِّ كَأَنْ رَمَى إلَى شَخْصٍ أَوْ دَابَّةٍ فِي الْجَمْرَةِ كَصَرْفِ الطَّوَافِ بِهَا إلَى غَيْرِهِ فَيَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ بَحَثَ فِي الْمُهِمَّاتِ إلْحَاقَ الرَّمْيِ
[حاشية الشبراملسي]
بِالْأَمْثَلِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَجَوَاهِرُ مُنْطَبِعَةٌ) أَيْ بِالْفِعْلِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي مِنْ احْتِمَالَيْهِ) هُوَ قَوْلُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ (قَوْلُهُ: فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ) مِنْ كَلَامِ الْمُنَظِّرِ (قَوْلُهُ: قَرِيبٌ مِمَّا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ فَمَنْ أَصَابَ مُجْتَمَعَهُ أَجْزَأَهُ
(قَوْلُهُ: لَا بِحَرَكَةِ مَا أَصَابَهُ أَجْزَأَهُ) أَيْ إنْ غَلَبَ ظَنُّهُ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فَإِنْ شَكَّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكْفِي (قَوْلُهُ: كَصَرْفِ الطَّوَافِ)
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ) أَيْ قَائِلًا ذَلِكَ الْمُدَّعَى فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ.
ِ (قَوْلُهُ: وَهَيْئَةُ الْحَذْفِ) أَيْ وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ أَيْضًا، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ وَيُكْرَهُ بِأَكْبَرَ وَأَصْغَرَ مِنْهُ وَبِهَيْئَةِ الْحَذْفِ لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْهَا الشَّامِلِ لِلْحَجِّ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَصَرْفُ الرَّمْيِ بِالنِّيَّةِ لِغَيْرِ الْحَجِّ كَأَنْ رَمَى إلَى شَخْصٍ إلَخْ) الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا قَصْدُ الْجَمْرَةِ بِالرَّمْيِ فَلَوْ رَمَى إلَى غَيْرِهَا إلَخْ أَنَّهُ هُنَا رَمَى إلَى الْجَمْرَةِ، لَكِنْ صُرِفَ هَذَا الرَّمْيُ عَنْ رَمْيِ الْحَجِّ بِقَصْدِهِ
بِالْوُقُوفِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ وَحْدَهُ كَرَمْيِ الْعَدُوِّ فَأَشْبَهَ الطَّوَافَ بِخِلَافِ الْوُقُوفِ، وَأَمَّا السَّعْيُ فَالظَّاهِرُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ أَخْذًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَالْوُقُوفِ.
(وَمَنْ) (عَجَزَ عَنْ الرَّمْيِ) لِعِلَّةٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهَا قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِ الرَّمْيِ كَمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا فِيمَا يَظْهَرُ (اسْتَنَابَ) مَنْ يَرْمِي عَنْهُ وُجُوبًا كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ فَاضِلَةٍ عَمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْفِطْرَةِ فِيمَا يَظْهَرُ حَلَالًا كَانَ النَّائِبُ أَوْ مُحْرِمًا إذْ الِاسْتِنَابَةُ جَائِزَةٌ فِي النُّسُكِ، فَكَذَلِكَ فِي أَبْعَاضِهِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ الْعَجْزُ الَّذِي يَنْتَهِي إلَى الْيَأْسِ كَمَا فِي اسْتِنَابَةِ الْحَجِّ، وَلَا فَرْقَ فِي الْحَبْسِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِحَقٍّ أَوْ لَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، لَكِنْ شَرَطَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنْ يُحْبَسَ بِحَقٍّ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ بَاطِلٌ نَقْلًا وَمَعْنًى، وَصُورَةُ الْمَحْبُوسِ بِحَقٍّ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ قَوَدٌ لِصَغِيرٍ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَبْلُغَ، وَمَا أَشْبَهَهَا وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْ النَّصِّ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الَّذِي فِي الْحَاوِي وَالتَّتِمَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرِهَا، وَسَيَأْتِي فِي الْحَصْرِ أَنَّهُ إذَا حُبِسَ بِحَقٍّ لَا يُبَاحُ لَهُ التَّحَلُّلُ، قَالَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا إذْ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ فِي حَقِّ عَاجِزٍ عَنْ أَدَائِهِ وَمَفْهُومُ النَّصِّ وَغَيْرِهِ فِي حَقِّ قَادِرٍ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ إنْ اسْتَنَابَ مَنْ قَدْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ أَوْ حَلَالًا فَرَمَى عَنْهُ وَقَعَ عَنْهُ كَمَا فِي طَوَافِ الْحَامِلِ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ النَّائِبُ لَمْ يَرْمِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَوْ بَعْضَ الْجَمَرَاتِ فَرَمَى وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ رَمْيَهُ يَقَعُ عَنْهُ دُونَ الْمُسْتَنِيبِ كَالْحَجِّ.
لَكِنْ يُخَالِفُ مَا مَرَّ فِي الطَّوَافِ عَنْ الْغَيْرِ إذَا كَانَ مُحْرِمًا فَإِنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْغَيْرِ إذَا نَوَاهُ لَهُ، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الطَّوَافَ لَمَّا كَانَ مِثْلَ الصَّلَاةِ أَثَّرَتْ فِيهِ نِيَّةُ الصَّرْفِ إلَى غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الرَّمْيِ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَبِيهًا بِالصَّلَاةِ، وَقِيَاسُ السَّعْيِ أَنْ يَكُونَ كَالرَّمْيِ وَيَحْتَمِلُ إلْحَاقَهُ بِالطَّوَافِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ طَوَافًا بِقَوْلِهِ ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] وَإِذَا اسْتَنَابَ عَنْهُ مَنْ رَمَى أَوْ حَلَالًا سُنَّ لَهُ أَنْ يُنَاوِلَهُ الْحَصَى، وَيُكَبِّرَ كَذَلِكَ إنْ أَمْكَنَهُ وَإِلَّا تَنَاوَلَهَا النَّائِبُ وَكَبَّرَ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَنْعَزِلُ نَائِبُهُ فِي الرَّمْيِ عَنْهُ بِإِغْمَائِهِ وَالْمَجْنُونُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ، فَيُجْزِئُهُ رَمْيُهُ عَنْهُ، وَلَوْ بَرِئَ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ فَيَنْصَرِفُ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ وَحْدَهُ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لِصَرْفِ الطَّوَافِ فَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ كَالْوُقُوفِ) أَيْ فَلَا يَقْبَلُ الصَّرْفَ وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ عَنْ الْكَافِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ قَصَدَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَهُمَا إلَخْ فَمَا قَدَّمَهُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ
(قَوْلُهُ: وَمَا أَشْبَهَهَا) كَأَنْ حُبِسَتْ الْحَامِلُ لِقَوَدٍ حَتَّى تَضَعَ (قَوْلُهُ: وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ) أَيْ فَيَرْمِي عَنْ الْمُسْتَنِيبِ بَعْدُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الرَّمْيِ فَإِنَّهُ إلَخْ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ وَصَرْفُ الرَّمْيِ بِالنِّيَّةِ إلَخْ،
[حاشية الرشيدي]
الشَّخْصَ الَّذِي هُوَ فِيهَا مَثَلًا، وَأَمَّا هُنَاكَ فَإِنَّهُ رَمَى إلَى غَيْرِ الْجَمْرَةِ وَإِنْ وَقَعَ فِيهَا.
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ هُنَاكَ صَرَفَهُ عَنْ الْمَرْمِيِّ وَهُنَا صَرَفَهُ عَنْ الرَّمْيِ: أَيْ الْمُعْتَبَرِ
(قَوْلُهُ: وَصُورَةُ الْمَحْبُوسِ بِحَقٍّ) أَيْ الَّذِي لَهُ الِاسْتِنَابَةُ بِأَنْ يَكُونَ عَاجِزًا عَنْهُ، وَهُوَ الْحَقُّ الْمُرَادُ فِي كَلَامِ الْمَجْمُوعِ لَا الْحَقُّ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ مَا فِي النَّصِّ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَأْتِي، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ جَمْعِ وَالِدِهِ الْآتِي، وَكَانَ الْأَصْوَبُ تَأْخِيرَ هَذَا إلَى مَا هُنَاكَ وَجَعْلَهُ مِثَالًا فِي كَلَامِ وَالِدِهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ) يَعْنِي مَا شَرَطَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ أَيْضًا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ عِبَارَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ وَنَصُّهَا: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَوْ بِحَقٍّ بِالِاتِّفَاقِ، لَكِنْ شَرَطَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنْ يُحْبَسَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَذَكَرَ أَنَّ الْبَنْدَنِيجِيَّ حَكَاهُ عَنْ النَّصِّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الَّذِي فِي الْحَاوِي إلَخْ (قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي فِي الْمُحْصَرِ) هَذَا مِنْ الزَّرْكَشِيّ تَقْوِيَةٌ لِكَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُحْصَرِ.
(قَوْلُهُ: إذْ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ فِي حَقِّ عَاجِزٍ) يَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِالْإِضَافَةِ، فَحَقٌّ هُنَا بِغَيْرِ مَعْنَى الْحَقِّ فِيمَا تَقَدَّمَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: بِالنِّسْبَةِ لِعَاجِزٍ عَنْ أَدَائِهِ، وَيَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِالتَّنْوِينِ فَيَكُونُ الْحَقُّ بِمَعْنَاهُ الْمُتَقَدِّمِ، لَكِنْ يَتَعَيَّنُ فِي عَاجِزِ الرَّفْعِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي حَقٍّ هُوَ عَاجِزٌ عَنْ أَدَائِهِ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْجَرُّ حِينَئِذٍ وَصْفًا لِلْحَقِّ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ الْآتِي فِي حَقِّ قَادِرٍ عَلَى ذَلِكَ
مِنْ عُذْرِهِ فِي الْوَقْتِ بَعْدَ الرَّمْيِ لَمْ تَلْزَمْهُ إعَادَتُهُ لَكِنَّهَا تُسَنُّ، وَيُفَارِقُ نَظِيرَهُ فِي الْحَجِّ بِأَنَّ الرَّمْيَ تَابِعٌ وَيُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ بِخِلَافِ الْحَجِّ فِيهِمَا وَبِأَنَّ الرَّمْيَ عَلَى الْفَوْرِ وَقَدْ ظَنَّ الْعَجْزَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ وَالْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي أَمَّا إغْمَاءُ النَّائِبِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَكَلَامُهُمْ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَوْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّ أَيَّامَ الرَّمْيِ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ
وَلَوْ عَجَزَ الْأَجِيرُ عَلَى عَيْنِهِ عَنْ الرَّمْيِ هَلْ يَسْتَنِيبُ هُنَا لِلضَّرُورَةِ أَوْ لَا كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْأَقْرَبَ الثَّانِي وَيُرِيقُ دَمًا، وَمَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ شُرُوطِ الرَّمْيِ وَمُسْتَحَبَّاتِهِ يَأْتِي فِي رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ (وَإِذَا) (تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ) أَوْ يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا (تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي الْأَيَّامِ) مِنْهَا (فِي الْأَظْهَرِ) بِالنَّصِّ فِي الرِّعَاءِ وَأَهْلِ السِّقَايَةِ وَبِالْقِيَاسِ فِي غَيْرِهِمْ، إذْ لَوْ كَانَتْ بَقِيَّةُ الْأَيَّامِ غَيْرُ صَالِحَةٍ لِلرَّمْيِ لَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ فِيهَا بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَالْمُتَدَارَكُ أَدَاءً كَمَا مَرَّ، وَلَوْ تَدَارَكَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ لَيْلًا أَجْزَأَهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْأَوَّلِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ وَالْمَنَاسِكِ وَاقْتَضَاهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَبِالثَّانِي ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي شَامِلِهِ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَالْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِمَا وَإِنْ جَزَمَ ابْنُ الْمُقْرِي تَبَعًا لِجَمْعٍ بِخِلَافِهِ فِيهِمَا، إذْ جُمْلَةُ أَيَّامِ الرَّمْيِ بِلَيَالِيِهَا كَوَقْتٍ وَاحِدٍ، وَكُلُّ يَوْمٍ لِرَمْيِهِ وَقْتُ اخْتِيَارٍ لَكِنْ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ رَمْيِ كُلِّ يَوْمٍ عَنْ زَوَالِ شَمْسِهِ كَمَا مَرَّ، وَيَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَمْيِ يَوْمِ التَّدَارُكِ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَلَوْ خَالَفَ وَقَعَ عَنْ الْمَتْرُوكِ، فَلَوْ رَمَى إلَى كُلِّ جَمْرَةٍ أَرْبَعَ عَشَرَةَ حَصَاةً سَبْعًا عَنْ أَمْسِهِ وَسَبْعًا عَنْ يَوْمِهِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ يَوْمِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي النَّائِبِ أَنْ يَرْمِيَ عَنْ نَفْسِهِ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ قَبْلَ مُنِيبِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَمَا اقْتَضَاهُ هَذَا الْكَلَامُ الْمَارُّ مِنْ جَوَازِ رَمْيِ يَوْمَيْنِ وَوُقُوعِهِ أَدَاءً بِالتَّدَارُكِ لَا يُشْكِلُ بِقَوْلِهِمْ لَيْسَ لِلْمَعْذُورِينَ أَنْ يَدَعُوا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَأَنَّهُمْ يَقْضُونَ مَا فَاتَهُمْ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي تَارِكِ الرَّمْيِ فَقَطْ وَهُنَاكَ فِي تَارِكِهِ مَعَ الْمَبِيتِ بِمِنًى، وَالتَّعْبِيرُ بِالْقَضَاءِ لَا يُنَافِي الْأَدَاءَ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ (وَلَا دَمَ) مَعَ التَّدَارُكِ سَوَاءٌ أَجَعَلْنَاهُ أَدَاءً أَمْ قَضَاءً لِحُصُولِ الِانْجِبَارِ بِالْمَأْتِيِّ بِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ (فَعَلَيْهِ دَمٌ) فِي رَمْيِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ يَوْمِ النَّحْرِ مَعَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِاتِّحَادِ جِنْسِ الرَّمْيِ فَأَشْبَهَ حَلْقَ الرَّأْسِ، وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ اضْطِرَابًا وَاخْتِلَافًا أَشَارَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَالْمَذْهَبُ تَكْمِيلُ الدَّمِ فِي ثَلَاثِ حَصَيَاتٍ) لِوُقُوعِ الْجَمْعِ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ أَزَالَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ» وَقِيلَ إنَّمَا يُكْمِلُ فِي وَظِيفَةِ جَمْرَةٍ كَمَا يُكْمِلُ فِي وَظِيفَةِ جَمْرَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ، وَفِي الْحَصَاةِ أَوْ الْحَصَاتَيْنِ عَلَى الطَّرِيقَيْنِ الْأَقْوَالُ فِي حَلْقِ الشَّعْرَةِ وَالشَّعْرَتَيْنِ أَظْهَرُهَا أَنَّ فِي الْحَصَاةِ الْوَاحِدَةِ مُدَّ طَعَامٍ وَالثَّانِي دِرْهَمًا وَالثَّالِثُ ثُلُثَ دَمٍ عَلَى الْأَوَّلِ وَسُبْعَهُ عَلَى الثَّانِي.
(وَإِذَا) (أَرَادَ) بَعْدَ قَضَاءِ مَنَاسِكِهِ (الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ) لِسَفَرٍ وَلَوْ مَكِّيًّا طَوِيلٍ أَوْ قَصِيرٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ (طَافَ لِلْوَدَاعِ) طَوَافًا كَامِلًا بِرَكْعَتَيْهِ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ طَافَ لِلْوَدَاعِ» وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خَبَرَ «لَا يَنْفِرُ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» أَيْ الطَّوَافُ بِهِ فَلَا وَدَاعَ عَلَى مُرِيدِ الْإِقَامَةِ وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بَعْدَهُ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَلَا عَلَى مُرِيدِ السَّفَرِ قَبْلَ فَرَاغِ الْأَعْمَالِ، وَلَا عَلَى الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ الْخَارِجِ لِلتَّنْعِيمِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا فِيمَنْ
[حاشية الشبراملسي]
إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّرْفِ لِغَيْرِ أَعْمَالِ الْحَجِّ بِخِلَافِ مَا هُنَا (قَوْلُهُ: حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ) أَيْ إلَى أَنْ يَخْرُجَ إلَخْ
(قَوْلُهُ: قَبْلَ فَرَاغِ الْأَعْمَالِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ لَهَا وَهَذَا عُلِمَ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ
[حاشية الرشيدي]
فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ الْإِضَافَةُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(قَوْلُهُ وَبِالثَّانِي ابْنُ الصَّبَّاغِ) الْمُنَاسِبُ وَبِهِ فِي الثَّانِي ابْنُ الصَّبَّاغِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: بَعْدَ قَضَاءِ مَنَاسِكِهِ) أَيْ إنْ كَانَ فِي مَنَاسِكَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي الْمَنَاسِكِ، وَإِلَّا فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ
خَرَجَ لِحَاجَةٍ ثُمَّ يَعُودُ، وَمَا مَرَّ عَنْ الْمَجْمُوعِ فِيمَنْ أَرَادَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فِيمَنْ خَرَجَ إلَى مَنْزِلِهِ أَوْ مَحَلٍّ يُقِيمُ فِيهِ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْعُمْرَانِيِّ وَغَيْرِهِ فَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا.
وَلَوْ نَفَرَ مِنْ مِنًى وَلَمْ يَطُفْ الْوَدَاعَ جَبَرَ بِالدَّمِ لِتَرْكِهِ نُسُكًا وَاجِبًا، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى بَلَدِهِ مِنْ مِنًى لَزِمَهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَإِنْ كَانَ قَدْ طَافَهُ قَبْلَ عَوْدِهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ (وَلَا يَمْكُثُ بَعْدَهُ) مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ رَكْعَتَيْهِ وَالدُّعَاءِ الْمَحْبُوبِ عَقِبَهُ عِنْدَ الْمُلْتَزِمِ وَإِتْيَانِ زَمْزَمَ وَالشُّرْبِ مِنْ مَائِهَا لِخَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ، فَإِنْ مَكَثَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ أَوْ حَاجَةٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِالسَّفَرِ كَالزِّيَارَةِ وَالْعِيَادَةِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ فَعَلَيْهِ إعَادَتُهُ، لَا إنْ اشْتَغَلَ بِرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ أَوْ بِأَسْبَابِ الْخُرُوجِ كَشِرَاءِ الزَّادِ وَأَوْعِيَتِهِ وَشَدِّ الرَّحْلِ أَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّاهَا مَعَهُمْ كَمَا فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ، قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَتَقَدَّمَ فِي الِاعْتِكَافِ أَنَّ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ إذَا لَمْ يُعَرِّجْ لَهَا لَا تَقْطَعُ الْوَلَاءَ بَلْ يُغْتَفَرُ صَرْفُ قَدْرِهَا فِي سَائِرِ الْأَغْرَاضِ، وَكَذَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَيَجْرِي ذَلِكَ هُنَا بِالْأَوْلَى، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ، وَلَوْ مَكَثَ مُكْرَهًا بِأَنْ ضُبِطَ أَوْ هُدِّدَ بِمَا يَكُونُ إكْرَاهًا فَهَلْ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ مَكَثَ مُخْتَارًا فَيَبْطُلُ الْوَدَاعُ أَوْ نَقُولُ الْإِكْرَاهُ يَسْقُطُ إثْرَ هَذَا اللُّبْثِ، فَإِذَا أَطْلَقَ وَانْصَرَفَ فِي الْحَالِ جَازَ وَلَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، وَمِثْلُهُ لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ عَقِبَ الْوَدَاعِ أَوْ جُنَّ لَا بِفِعْلِهِ الْمَأْثُومِ بِهِ، وَالْأَوْجَهُ لُزُومُ الْإِعَادَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إنْ تَمَكَّنَ مِنْهَا وَإِلَّا فَلَا، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَلَا الْعُمْرَةِ كَمَا قَالَاهُ بَلْ هُوَ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ خِلَافًا لِأَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ أَوْ لَا وَفِي أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُ الْأَجِيرَ فِعْلُهُ أَوْ لَا، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَطْوِفَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ طَوَافٍ يَخُصُّهُ، حَتَّى لَوْ أَخَّرَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَفَعَلَهُ بَعْدَ أَيَّامٍ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ عَقِبَهُ لَمْ يَكْفِ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَثْنَاءِ تَعْلِيلِ (وَهُوَ وَاجِبٌ) لِخَبَرِ «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ» (يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ) وُجُوبًا كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ (وَفِي قَوْلٍ سُنَّةٍ لَا يُجْبَرُ) بِدَمٍ كَطَوَافِ الْقُدُومِ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ تَحِيَّةُ الْبُقْعَةِ فَلَيْسَ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ وَلِذَلِكَ يَدْخُلُ تَحْتَ غَيْرِهِ، وَفِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ نَفْيُ الْخِلَافِ فِي الْجَبْرِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا خِلَافًا لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْكِتَابِ (فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ فَخَرَجَ) مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنًى (بِلَا وَدَاعٍ) عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِوُجُوبِهِ (وَعَادَ) بَعْدَ خُرُوجِهِ (قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ) مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنًى وَطَافَ لِلْوَدَاعِ (سَقَطَ الدَّمُ) ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ وَكَمَا لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ، وَلَا يُنَافِي التَّعْلِيلَ بِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ بِتَسْوِيَتِهِمْ السَّفَرَ الطَّوِيلَ وَالْقَصِيرَ فِي وُجُوبِ الْوَدَاعِ إذْ سَفَرُهُ هُنَا لَمْ يَتِمَّ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَلَوْ نَفَرَ مِنْ مِنًى) أَيْ بِأَنْ أَرَادَ التَّوَجُّهَ إلَى مَنْزِلِهِ (قَوْلُهُ: نُسُكًا وَاجِبًا) أَيْ عِبَادَةً وَاجِبَةً، وَلَا يُنَافِي مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْهَا إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ نُسُكًا مُسْتَقِلًّا (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ لَا يَنْصَرِفُ أَحَدٌ (قَوْلُهُ: أَنَّ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ تَعَذَّرَ وَتَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي تَعَدُّدِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي الِاعْتِكَافِ (قَوْلُهُ: لَا يَفْعَلُهُ الْمَأْثُومُ بِهِ) أَيْ الَّذِي لَحِقَهُ بِهِ إثْمٌ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ لُزُومُ الْإِعَادَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَلَوْ مَكَثَ مُكْرَهًا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ) أَيْ طَوَافُ الْوَدَاعِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ غَيْرِهِ)
[حاشية الرشيدي]
مَكَّةَ وَلَوْ حَلَالًا بِقَيْدِهِ الْآتِي بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ الْآتِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَلَا الْعُمْرَةِ فَتَنَبَّهْ
(قَوْلُهُ: لِخَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ) دَلِيلٌ لِمَا فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: لَا إنْ اشْتَغَلَ بِرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ) هَذَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَرْتَضِي مَا فِي الْمُهِمَّاتِ بِدَلِيلِ اقْتِصَارِهِ عَلَى مُجَرَّدِ نَقْلِهِ عَنْهَا بَعْدَ جَزْمِهِ بِأَنَّ الْعِبَادَةَ وَنَحْوَهَا تَضُرُّ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ وَفِي أَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَجِيرَ فِعْلُهُ) أَيْ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ بِحَيْثُ إذَا تَرَكَهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِسْطٍ مِنْ الْأُجْرَةِ وَإِلَّا فَهُوَ وَاجِبٌ مُطْلَقًا كَمَا عُلِمَ
لِعَوْدِهِ بِخِلَافِهِ هُنَاكَ، أَمَّا لَوْ عَادَ لِيَطُوفَ فَمَاتَ قَبْلَ الطَّوَافِ لَمْ يَسْقُطْ الدَّمُ (أَوْ) عَادَ (بَعْدَهَا) وَطَافَ (فَلَا) يَسْقُطُ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِاسْتِقْرَارِهِ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ، وَلَا يَجِبُ الْعَوْدُ عَلَى مَنْ وَصَلَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ لِلْمَشَقَّةِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَصِلْهَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ، وَإِنْ خَرَجَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لِطَوَافِ الْوَدَاعِ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ بُلُوغَهَا كَمُجَاوَزَتِهَا وَقَدْ صُرِّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ يَسْقُطُ كَالْحَالَةِ الْأُولَى.
(وَلِلْحَائِضِ النَّفْرُ بِلَا) طَوَافِ (وَدَاعٍ) لِلْخَبَرِ الْمَارِّ، وَخَبَرِ عَائِشَةَ «أَنَّ صَفِيَّةَ حَاضَتْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَنْصَرِفَ بِلَا وَدَاعٍ» نَعَمْ إنْ طَهُرَتْ قَبْلَ مُفَارَقَةِ بُنْيَانِ مَكَّةَ لَزِمَهَا الْعَوْدُ لِتَطُوفَ، بِخِلَافِ مَا إذَا طَهُرَتْ خَارِجَ مَكَّةَ وَلَوْ فِي الْحَرَمِ النُّفَسَاءُ كَالْحَائِضِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَوْ رَجَعَتْ لِحَاجَةٍ بَعْدَمَا طَهُرَتْ اتَّجَهَ وُجُوبُ الطَّوَافِ وَهَلْ يَلْحَقُ الْمَعْذُورُ لِخَوْفِ ظَالِمٍ أَوْ فَوْتِ رُفْقَةٍ بِالْحَائِضِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلطَّبَرِيِّ؛ لِأَنَّ الرُّخَصَ لَا تُقَاسُ، وَالْأَظْهَرُ الْإِلْحَاقُ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ وَبَحَثَ لُزُومَ الْفِدْيَةِ قَالَ: لِأَنَّ مَنْعَ الْحَائِضِ الْمَسْجِدَ عَزِيمَةٌ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ، أَمَّا الْمُتَحَيِّرَةُ فَلَهَا أَنْ تَطُوفَ، فَلَوْ لَمْ تَطُفْ لِلْوَدَاعِ فَلَا دَمَ عَلَيْهَا لِلْأَصْلِ كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ، وَالْمُسْتَحَاضَةُ غَيْرُ الْمُتَحَيِّرَةِ لَا عَوْدَ عَلَيْهَا إنْ نَفَرَتْ فِي حَيْضِهَا، فَإِنْ نَفَرَتْ فِي طُهْرِهَا لَزِمَهَا الْعَوْدُ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَمَنْ حَاضَتْ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ تَبْقَى عَلَى إحْرَامِهَا وَإِنْ مَضَى عَلَيْهَا أَعْوَامٌ نَعَمْ لَوْ عَادَتْ إلَى بَلَدِهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ عَادِمَةَ النَّفَقَةِ وَلَمْ يُمْكِنْهَا الْوُصُولُ لِلْبَيْتِ الْحَرَامِ كَانَ حُكْمُهَا كَالْمُحْصَرِ فَتَتَحَلَّلُ بِذَبْحِ شَاةٍ وَتُقَصِّرُ وَتَنْوِي التَّحَلُّلَ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَأُيِّدَ بِكَلَامٍ فِي الْمَجْمُوعِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ شَافِعِيَّةً تُقَلِّدُ الْإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ أَوْ أَحْمَدَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَهُ فِي أَنَّهَا تَهْجُمُ وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَلْزَمُهَا بَدَنَةٌ وَتَأْثَمُ بِدُخُولِهَا الْمَسْجِدَ حَائِضًا، وَيُجْزِيهَا هَذَا الطَّوَافُ عَنْ الْفَرْضِ لِمَا فِي بَقَائِهَا عَلَى الْإِحْرَامِ مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ الْمَتْبُوعِ بِرَكْعَتَيْهِ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ مَا لَمْ يُؤْذِ أَوْ يَتَأَذَّ بِزِحَامٍ أَوْ غَيْرِهِ وَأَنْ يَكُونَ حَافِيًا وَأَنْ لَا يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلَى سَقْفِهِ وَلَا يَنْظُرَ إلَى أَرْضِهِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ وَحَيَاءً مِنْهُ، وَأَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقْصِدَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يَمْشِيَ بَعْدَ دُخُولِهِ الْبَابَ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَأَنْ يَدْعُوَ فِي جَوَانِبِهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُسَنُّ لِمَنْ فَرَغَ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُلْتَزَمَ فَيُلْصِقُ بَطْنَهُ وَصَدْرَهُ بِحَائِطِ الْبَيْتِ وَيَبْسُطُ يَدَيْهِ عَلَى الْجِدَارِ فَيَجْعَلُ الْيُمْنَى مِمَّا يَلِي الْبَابَ وَالْيُسْرَى مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَيَدْعُوَ بِمَا أَحَبَّ: أَيْ بِالْمَأْثُورِ وَغَيْرِهِ، لَكِنَّ الْمَأْثُورَ أَفْضَلُ وَمِنْهُ: اللَّهُمَّ الْبَيْتَ بَيْتُك وَالْعَبْدَ عَبْدُك وَابْنُ أَمَتِك، حَمَلْتنِي عَلَى مَا سَخَّرْت لِي مِنْ خَلْقِك حَتَّى صَيَّرْتنِي
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ وَفِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ إلَخْ (قَوْلُهُ وَلَا يَجِبُ الْعَوْدُ) يُشْعِرُ بِجَوَازِهِ وَبِتَقْدِيرِهِ فَلَا فَائِدَةَ لَهُ لِعَدَمِ سُقُوطِ الدَّمِ بِالْعَوْدِ نَعَمْ تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ عَلَى مُقَابِلِ الصَّحِيحِ
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الرُّخَصَ لَا تُقَاسُ) الَّذِي فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَجَرَى عَلَيْهِ سم تَبَعًا لَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ دُخُولُ الْقِيَاسِ فِيهَا.
(قَوْلُهُ: فَلَا دَمَ عَلَيْهَا لِلْأَصْلِ) أَيْ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَعَدَمِ لُزُومِ الدَّمِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ عَادَتْ) أَيْ شَرَعَتْ فِي الْعَوْدِ لِبَلَدِهَا (قَوْلُهُ: فَتَتَحَلَّلُ بِذَبْحِ شَاةٍ) أَيْ وَيَبْقَى الطَّوَافُ فِي ذِمَّتِهَا إلَى أَنْ تَعُودَ فَتُحْرِمَ وَتَأْتِيَ بِهِ فَإِنْ مَاتَتْ وَلَمْ تَعُدْ حَجَّ عَنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
[مَسْأَلَةٌ] قَالَ الشَّيْخُ مَنْصُورٌ الطَّبَلَاوِيُّ: سُئِلَ شَيْخِنَا سم عَنْ امْرَأَةٍ شَافِعِيَّةِ الْمَذْهَبِ طَافَتْ لِلْإِفَاضَةِ بِغَيْرِ سُتْرَةٍ مُعْتَبَرَةٍ جَاهِلَةً بِذَلِكَ أَوْ نَاسِيَةٍ ثُمَّ تَوَجَّهَتْ إلَى بِلَادِ الْيَمَنِ فَنَكَحَتْ شَخْصًا ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهَا فَسَادُ طَوَافِهَا فَأَرَادَتْ أَنْ
[حاشية الرشيدي]
مِمَّا مَرَّ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الرُّخَصَ لَا تُقَاسُ) لَعَلَّهُ سَقَطَ قَبْلَهُ مِنْ النُّسَخِ أَحَدُهُمَا لَا يُلْحَقُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْكَتَبَةِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الرُّخَصَ لَا تُقَاسُ) هَذِهِ طَرِيقَةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا قَدْ يُنَافِي مَا سَيَأْتِي عَقِبَهُ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ
فِي بَلَدِك، وَبَلَّغْتنِي بِنِعْمَتِك حَتَّى أَعَنْتَنِي عَلَى قَضَاءِ مَنَاسِكِك، فَإِنْ كُنْت رَضِيت عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وَإِلَّا فَمُنَّ عَلَيَّ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِك دَارِي وَيَبْعُدَ عَنْهُ مَزَارِي، هَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إنْ أَذِنْت لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِك وَلَا بَيْتِك وَلَا رَاغِبٍ عَنْك وَلَا عَنْ بَيْتِك، اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي وَارْزُقْنِي الْعَمَلَ بِطَاعَتِك مَا أَبْقَيْتنِي، وَمَا زَادَ فَحَسِّنْ فِيهِ، وَقَدْ زِيدَ: وَاجْمَعْ لِي خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّك قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ.
ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلَوْ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ اُسْتُحِبَّ لَهَا الْإِتْيَانُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ تَمْضِي، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا كَلَامًا فِي أَنَّ الْمُوَدِّعَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ يَخْرُجُ، وَقَالَ بَعْضُ الْعَصْرِيِّينَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ بَنِي سَهْمٍ وَيُسَنُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الِاعْتِمَارُ وَالطَّوَافِ تَطَوُّعًا وَأَنْ يَزُورَ الْأَمَاكِنَ الْمَشْهُورَةَ بِالْفَضْلِ بِمَكَّةَ وَهِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا.
وَأَنْ يُكْثِرَ النَّظَرَ إلَى الْبَيْتِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: إنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ رَحْمَةٍ تَنْزِلُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ وَحِكْمَةُ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهَا السَّرَّاجُ الْبُلْقِينِيُّ ظَاهِرَةٌ، إذْ الطَّائِفُونَ جَمَعُوا بَيْنَ ثَلَاثٍ: طَوَافٍ وَصَلَاةٍ وَنَظَرٍ فَصَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ سِتُّونَ، وَالْمُصَلُّونَ فَاتَهُمْ الطَّوَافُ فَصَارَ لَهُمْ أَرْبَعُونَ، وَالنَّاظِرُونَ فَاتَهُمْ الطَّوَافُ وَالصَّلَاةُ فَصَارَ لَهُمْ عِشْرُونَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الصَّدَقَةِ وَأَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْقُرُبَاتِ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ هُنَاكَ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَنُقِلَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ يُسْتَجَابُ الدُّعَاءَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا بِمَكَّةَ: فِي الطَّوَافِ وَالْمُلْتَزَمِ وَتَحْتَ الْمِيزَابِ وَفِي الْبَيْتِ وَعِنْدَ زَمْزَمَ وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفِي السَّعْيِ وَخَلْفَ الْمَقَامِ وَفِي عَرَفَاتٍ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَعِنْدَ الْجَمَرَاتِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي فِي نُسُكٍ أَوْ لَا.
(وَيُسَنُّ شُرْبُ مَاءِ زَمْزَمَ) ؛ لِأَنَّهَا مُبَارَكَةٌ طَعَامُ طَعْمٍ وَشِفَاءُ سَقَمٍ وَيُسَنُّ أَنْ يَشْرَبَهُ لِمَطْلُوبِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ عِنْدَ شُرْغبِهِ، وَأَنْ يَتَضَلَّعَ مِنْهُ، وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ شُرْبِهِ: اللَّهُمَّ إنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» وَأَنَا أَشْرَبُهُ لِكَذَا، وَيَذْكُرُ مَا يُرِيدُ دِينًا وَدُنْيَا، اللَّهُمَّ فَافْعَلْ بِي، ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى وَيَشْرَبُ وَيَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا
[حاشية الشبراملسي]
تُقَلِّدَ أَبَا حَنِيفَةَ فِي صِحَّتِهِ لِتَصِيرَ بِهِ حَلَالًا وَتَتَبَيَّنَ صِحَّةَ النِّكَاحِ، وَحِينَئِذٍ فَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ وَتَتَضَمَّنُ صِحَّةَ التَّقْلِيدِ بَعْدَ الْعَمَلِ؟ فَأَفْتَى بِالصِّحَّةِ وَأَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، وَلَمَّا سَمِعْتُ عَنْهُ ذَلِكَ اجْتَمَعْتُ بِهِ فَإِنِّي كُنْت أَحْفَظُ عَنْهُ خِلَافَهُ فِي الْعَامِ الَّذِي قَبْلَهُ فَقَالَ: هَذَا هُوَ الَّذِي أَعْتَقِدُهُ مِنْ الصِّحَّةِ، وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ أَيْضًا تَبَعًا لَهُ وَهُوَ مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ وَأَشْبَاهُهَا، وَمُرَادُهُ بِأَشْبَاهِهَا كُلُّ مَا كَانَ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مَثَلًا وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى بَعْضِ الْمَذَاهِبِ الْمُعْتَبَرَةِ، فَإِذَا فَعَلَهُ عَلَى وَجْهٍ فَاسِدٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَصَحِيحٍ عِنْدَ غَيْرِهِ ثُمَّ عَلِمَ بِالْحَالِ جَازَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ الْقَائِلَ بِصِحَّتِهِ فِيمَا مَضَى وَفِيمَا يَأْتِي فَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ جِدًّا، وَيَنْبَغِي أَنَّ إثْمَ الْإِقْدَامِ بَاقٍ حَيْثُ فَعَلَهُ عَالِمًا (قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ تَنْأَى) أَيْ تَبْعُدَ (قَوْلُهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ
(قَوْلُهُ: وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ إلَخْ) هَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ وَتَقَدَّمَ لِلشَّارِحِ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ: بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ) هَذَا رَأْيٌ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ خَاصَّةٌ بِالصَّلَاةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا بِمَكَّةَ) وَتَوَابِعِهَا لِمَا يَأْتِي مِنْ عَدِّ عَرَفَاتٍ وَمَا بَعْدَهَا (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ الْجَمَرَاتِ) أَيْ الثَّلَاثِ
(قَوْلُهُ: مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ) هُوَ شَامِلٌ لِمَا لَوْ شَرِبَهُ بِغَيْرِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَقَالَ بَعْضُ الْعَصْرِيِّينَ) مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ (قَوْلُهُ: بِمَكَّةَ) أَيْ غَالِبًا، وَإِلَّا فَسَيَأْتِي أَنَّ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ عَرَفَاتٌ وَمَا بَعْدَهَا.
كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إذَا شَرِبَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، فَقَدْ شَرِبَهُ جَمَاعَةٌ وَمِنْ الْعُلَمَاءِ فَنَالُوا مَطْلُوبَهُمْ وَيُسَنُّ الدُّخُولُ إلَى الْبِئْرِ وَالنَّظَرِ فِيهَا، وَأَنْ يَنْزِعَ مِنْهَا بِالدَّلْوِ الَّذِي عَلَيْهَا وَيَشْرَبَ، وَأَنْ يَنْضَحَ مِنْهُ عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَصَدْرِهِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَأَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْ مَائِهَا وَيَسْتَصْحِبَ مِنْهُ مَا أَمْكَنَهُ لِلِاتِّبَاعِ، وَأَنْ يَشْرَبَ مِنْ نَبِيذِ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ مَا لَمْ يُسْكِرْ، وَأَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ بِمَكَّةَ، وَأَنْ يَنْصَرِفَ تِلْقَاء وَجْهِهِ مُسْتَدْبِرَ الْبَيْتِ كَمَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ وَصَوَّبَهُ فِي مَجْمُوعِهِ، وَيُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ إلَى أَنْ يَغِيبَ عَنْهُ كَالْمُتَحَزِّنِ الْمُتَأَسِّفِ عَلَى فِرَاقِهِ وَيَقُولُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ: اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ
(وَ) يُسَنُّ (زِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا جَائِزَةٌ لِغَيْرِ زَائِرِهِ وَخَبَرُ «مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَمْ تَنْزِعْهُ حَاجَةٌ إلَّا زِيَارَتِي كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَخَبَرُ «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا يُبَلِّغُنِي وَكُفِيَ أَمْرَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ وَكُنْت لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَزِيَارَةُ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَهَمِّ الْقُرُبَاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَ نُسُكًا لَكِنَّهَا مُتَأَكِّدَةٌ فِيمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ) إذْ الْغَالِبُ عَلَى الْحَجِيجِ وُرُودُهُمْ مِنْ آفَاقٍ بَعِيدَةٍ، فَإِذَا قَرُبُوا مِنْ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ يَقْبُحُ تَرْكُهُمْ الزِّيَارَةَ، وَلِخَبَرِ «مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي» فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِهَا لِلْحَاجِّ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَحُكْمُ الْمُعْتَمِرِ كَالْحَاجِّ فِي تَأَكُّدِهَا لَهُ وَتُسَنُّ زِيَارَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَزِيَارَةُ الْخَلِيلِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ بِالْحَجِّ.
وَيُسَنُّ لِمَنْ قَصَدَ الْمَدِينَةَ الشَّرِيفَةَ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُكْثِرَ فِي طَرِيقِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَزِيدُ فِيهَا إذَا أَبْصَرَ أَشْجَارَهَا مَثَلًا وَيَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَهُ بِهَذِهِ الزِّيَارَةِ وَيَتَقَبَّلَهَا مِنْهُ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ دُخُولِهِ كَمَا مَرَّ وَيَلْبَسَ أَنْظَفَ ثِيَابِهِ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَصَدَ الرَّوْضَةَ وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ وَصَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ
[حاشية الشبراملسي]
مَحِلِّهِ (قَوْلُهُ: إذَا شَرِبَهُ يَقُولُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالشَّارِبِ نَفْسِهِ فَلَا يَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ تَعَدِّي ذَلِكَ إلَى الْغَيْرِ، فَإِذَا شَرِبَهُ إنْسَانٌ بِقَصْدِ وَلَدِهِ وَأَخِيهِ مَثَلًا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ إذَا شَرِبَهُ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ.
وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الشَّوْبَرِيِّ مَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَاهُ فَلْيُرَاجَعْ، وَعِبَارَتُهُ فِي هَوَامِشِ فَتْوَى حَجّ الْفِقْهِيَّةِ الْكُبْرَى نَصَّهَا عِنْدَ قَوْلِهِ «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» إلَخْ: هَلْ وَلَوْ كَانَ طَلَبُ التَّحْصِيلِ بِهِ لِغَيْرِ شَارِبِهِ بِأَنْ شَرِبَهُ لِيَحْصُلَ لِوَلَدِهِ الْعِلْمُ أَوْ الشِّفَاءُ أَوْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَنْ يَكُونُ لَهُ وِلَايَةٌ أَوْ وَكَالَةٌ بِأَنْ وَكَّلَ فِي ذَلِكَ وَبَيْنَ غَيْرِ مَنْ ذَكَرَ وَلَيْسَ مُوَافِقًا لِمَا نُقِلَ عَنْهُ (قَوْلُهُ: فَقَدْ شَرِبَهُ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَيُسَنُّ أَنْ يَشْرَبَهُ لِمَطْلُوبِهِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: لَمْ تَنْزِعْهُ حَاجَةٌ) أَيْ تُهْمَةٌ (قَوْلُهُ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا يُبَلِّغُنِي إلَخْ) قَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ بِلَا وَاسِطَةِ الْمَلِكِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ يَسْمَعُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَبْرِ بِلَا وَاسِطَةٍ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا، فَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا هُنَا عَلَى أَنَّهُ يُبَلِّغُ مَعَ السَّمَاعِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْجَوْهَرِ الْمُنَظَّمِ فِي زِيَارَةِ الْقَبْرِ الْمُعَظَّمِ مَا نَصُّهُ: تَنْبِيهٌ: يُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الظَّاهِرَةِ التَّعَارُضِ بِبَادِئِ الرَّأْيِ وَأَحَادِيثَ أُخَرَ وَرَدَتْ بِمَعْنَاهَا أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبَلَّغُ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ إذَا صَدَرَا مِنْ بُعْدٍ وَيَسْمَعُهُمَا إذَا كَانَ عِنْدَ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَإِنْ وَرَدَ أَنَّهُ يُبَلَّغُهُمَا هُنَا أَيْضًا كَمَا مَرَّ، إذْ لَا مَانِعَ أَنَّ مَنْ عِنْدَ قَبْرِهِ يُخَصُّ بِأَنَّ الْمَلِكَ يُبَلِّغُ صَلَاتَهُ وَسَلَامَهُ مَعَ سَمَاعِهِ لَهُمَا إشْعَارًا بِمَزِيدِ خُصُوصِيَّتِهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِ وَالِاسْتِمْدَادِ لَهُ بِذَلِكَ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، إذْ الْمُقَيَّدُ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْمُطْلَقِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ وَاجِبٌ حَيْثُ أَمْكَنَ، وَأَفْتَى النَّوَوِيُّ فِيمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْمَعُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ هَلْ يَحْنَثُ؟ بِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْحِنْثِ لِلشَّكِّ فِي ذَلِكَ وَالْوَرَعُ أَنَّهُ يَلْتَزِمُ الْحِنْثَ اهـ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِجَنْبِ الْمِنْبَرِ وَشَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ فَرَاغِهِمَا عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَبْرَ الشَّرِيفَ فَيَسْتَقْبِلُ رَأْسَهُ وَيَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ وَيَبْعُدَ عَنْهُ نَحْوَ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ وَيَقِفُ نَاظِرًا إلَى أَسْفَلَ مَا يَسْتَقْبِلُهُ فِي مَقَامِ الْهَيْبَةِ وَالْإِجْلَالِ فَارِغَ الْقَلْبِ مِنْ عَلَائِقِ الدُّنْيَا وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَبَرِ «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» وَأَقَلُّ السَّلَامِ عَلَيْهِ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ تَأَدُّبًا مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ إلَى صَوْبِ يَمِينِهِ قَدْرَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّ رَأْسَهُ عِنْدَ مَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ قَدْرَ ذِرَاعٍ آخَرَ فَيُسَلِّمُ عَلَى عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ الشَّرِيفَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتَاهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مَوْقِفِهِ الْأَوَّلِ قُبَالَةَ وَجْهِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَتَوَسَّلُ بِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلْيَسْتَشْفِعْ بِهِ إلَى رَبِّهِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ شَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَأْتِيَ سَائِرَ الْمَشَاهِدِ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ نَحْوُ ثَلَاثِينَ مَوْضِعًا يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْمَدِينَةَ.
وَيُسَنُّ زِيَارَةُ الْبَقِيعِ وَقُبَاءَ، وَأَنْ يَأْتِيَ بِئْرَ أَرِيسٍ فَيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْآبَارِ السَّبْعَةِ وَقَدْ نَظَّمَهَا بَعْضُهُمْ، فَقَالَ:
أَرِيسٌ وَغَرْسٌ رُومَةٌ وَبُضَاعَةٌ ... كَذَا بَصَّةٌ قُلْ بِئْرُ جَامِعِ الْعِهْنِ
وَيَنْبَغِي الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِهِ فَالصَّلَاةُ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ، وَلْيَحْذَرْ مِنْ الطَّوَافِ بِقَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ الصَّلَاةِ دَاخِلَ الْحُجْرَةِ بِقَصْدِ تَعْظِيمِهِ وَيُكْرَهُ إلْصَاقُ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ بِجِدَارِ الْقَبْرِ كَرَاهَةً شَدِيدَةً وَمَسْحُهُ بِالْيَدِ وَتَقْبِيلُهُ، بَلْ الْأَدَبُ أَنْ يَبْعُدَ عَنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَيَاتِهِ وَيُسَنُّ أَنْ يَصُومَ بِالْمَدِينَةِ مَا أَمْكَنَهُ، وَأَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى جِيرَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُقِيمِينَ وَالْغُرَبَاءِ بِمَا أَمْكَنَهُ، وَإِذَا أَرَادَ السَّفَرَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُوَدِّعَ الْمَسْجِدَ بِرَكْعَتَيْنِ، وَيَأْتِيَ الْقَبْرَ الشَّرِيفَ وَيُعِيدَ السَّلَامَ الْأَوَّلَ وَيَقُولَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَسِّرْ لِي الْعَوْدَ إلَى الْحَرَمَيْنِ سَبِيلًا سَهْلًا وَارْزُقْنِي الْعَفْوَ
[حاشية الشبراملسي]
وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ (قَوْلُهُ: وَشُكْرُ اللَّهِ) أَيْ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لَوْ قَالَ لَهُ إنْسَانٌ: سَلِّمْ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ كَمَا يَجِبُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى مَنْ قَالَ لَهُ سَلِّمْ عَلَى فُلَانٍ أَوْ يُفَرِّقَ؟ وَالْفَرْقُ أَقْرَبُ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّلَامِ بَيْنَ النَّاسِ التَّوَدُّدُ وَالْمَحَبَّةُ، وَالْمُرَادُ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشَّفَاعَةُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ عِنْدَهُ اهـ كَذَا بِهَامِشٍ عَنْ حَجّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ.
وَعِبَارَتُهُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالدُّرِّ الْمُنَظَّمِ فِي زِيَارَةِ الْقَبْرِ الْمُعَظَّمِ نَصُّهَا: وَأَمَّا إرْسَالُ السَّلَامِ إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْقَصْدُ مِنْهُ الِاسْتِمْدَادُ مِنْهُ وَعَوْدُ الْبَرَكَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَتَرْكُهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا عَدَمُ اكْتِسَابِ فَضِيلَةٍ لِلْغَيْرِ فَلَمْ يَكُنْ لِتَحْرِيمِهِ سَبَبٌ يَقْتَضِيهِ فَاتَّجَهَ أَنَّ ذَلِكَ التَّبْلِيغَ سُنَّةٌ لَا وَاجِبٌ.
فَإِنْ قُلْت: صَرَّحُوا بِأَنَّ تَفْوِيتَ الْفَضَائِلِ عَلَى الْغَيْرِ حَرَامٌ كَإِزَالَةِ دَمِ الشَّهِيدِ قُلْت: هَذَا اشْتِبَاهٌ، إذْ فَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَ عَدَمِ اكْتِسَابِ الْفَضِيلَةِ لِلْغَيْرِ وَتَفْوِيتِ الْفَضِيلَةِ الْحَاصِلَةِ عَلَى الْغَيْرِ فَمِنْ ثَمَّ حَرُمَ هَذَا التَّفْوِيتُ وَلَمْ يَحْرُمْ بِتَرْكِ ذَلِكَ الِاكْتِسَابِ فَافْهَمْهُ اهـ.
وَفِيمَا عَلَّلَ بِهِ وَقْفَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ لَيْسَ شَافِعًا بَلْ مَأْمُورٌ بِالتَّبْلِيغِ لِمَنْ يَشْفَعُ، فَحَيْثُ الْتَزَمَ ذَلِكَ وَلَمْ يُؤَدِّهِ فَالْقِيَاسُ وُجُوبُ التَّبْلِيغِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ الْتَزَمَ إيصَالَهَا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي) أَيْ نُطْقِي فَلَا يُرَدُّ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ (قَوْلُهُ وَتَقْبِيلُهُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّعْظِيمَ، لَكِنْ مَرَّ فِي الْجَنَائِزِ بَعْدَ نَقْلِ كَرَاهَةِ تَقْبِيلِ التَّابُوتِ مَا نَصُّهُ: نَعَمْ إنْ قَصَدَ بِتَقْبِيلِ أَضْرِحَتِهِمْ التَّبَرُّكَ لَمْ يُكْرَهْ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَيَحْتَمِلُ مَجِيءَ ذَلِكَ هُنَا، وَيَحْتَمِلُ الْفَرْقَ بِأَنَّهُمْ حَافَظُوا عَلَى التَّبَاعُدِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالنَّصَارَى هُنَا حَيْثُ بَالَغُوا فِي تَعْظِيمِ عِيسَى حَتَّى ادَّعَوْا فِيهِ مَا ادَّعَوْا، وَمِنْ ثَمَّ حَذَّرُوا كُلَّ التَّحْذِيرِ مِنْ الصَّلَاةِ دَاخِلَ الْحُجْرَةِ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ.
.
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَرُدَّنَا إلَى أَهْلِنَا سَالِمِينَ غَانِمِينَ وَيَنْصَرِفُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَلَا يَمْشِي الْقَهْقَرَى، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ اسْتِصْحَابَ شَيْءٍ مِنْ الْأُكَرِ الْمَعْمُولَةِ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمَيْنِ وَلَا مِنْ الْأَبَارِيقِ وَالْكِيزَانِ الْمَعْمُولَةِ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ الْبِدَعِ تَقَرُّبُ الْعَوَامّ بِأَكْلِ التَّمْرِ الصَّيْحَانِيِّ فِي الرَّوْضَةِ.
.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَبَيَانِ أَوْجُهِ أَدَائِهِمَا مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (أَرْكَانُ الْحَجِّ خَمْسَةٌ) بَلْ سِتَّةٌ: أَحَدُهَا (الْإِحْرَامُ بِهِ) أَيْ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِيهِ لِخَبَرِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَ) ثَانِيهَا (الْوُقُوفُ) بِعَرَفَةَ إجْمَاعًا لِخَبَرِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» (وَ) ثَالِثُهَا (الطَّوَافُ) بِالْكَعْبَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] وَالْمُرَادُ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ (وَ) رَابِعُهَا (السَّعْيُ) بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِخَبَرِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فِي السَّعْيِ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْعَوْا فَإِنَّ السَّعْيَ قَدْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ» (وَ) خَامِسُهَا (الْحَلْقُ) أَوْ التَّقْصِيرُ (إذَا جَعَلْنَاهُ نُسُكًا) وَهُوَ الْمَشْهُورُ لِتَوَقُّفِ التَّحَلُّلِ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ جَبْرِ تَرْكِهِ بِدَمٍ كَالطَّوَافِ وَسَادِسُهَا التَّرْتِيبُ فِي مُعْظَمِ هَذِهِ الْأَرْكَانِ
[حاشية الشبراملسي]
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَبَيَانِ أَوْجُهِ أَدَائِهِمَا مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]
َ (قَوْلُهُ أَيْ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِيهِ) ع قَدَّرَهُ فِيمَا سَبَقَ بِالدُّخُولِ فِي النُّسُكِ وَعَدَلَ هُنَا إلَى نِيَّةِ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ الْمُلَائِمُ لِلرُّكْنِيَّةِ، وَفِي سم عَلَى حَجّ: فَرْعٌ: هَلْ يَأْتِي فِيمَنْ لَمْ يُمَيِّزْ الْفُرُوضَ مِنْ السُّنَنِ مَا تَقَرَّرَ فِي نَحْوِ الصَّلَاةِ حَتَّى لَوْ اعْتَقَدَ بِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ نَفْلًا لَمْ يَصِحَّ: أَوْ يُفَرِّقُ بِأَنَّ النُّسُكَ شَدِيدُ التَّعَلُّقِ وَلِهَذَا لَوْ نَوَى بِهِ النَّفَلَ وَقَعَ عَنْ نُسُكِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ يَتَّجِهُ الْفَرْقُ فَيَصِحُّ مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ وَلَا اعْتَقَدَ بِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ نَفْلًا فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
أَقُولُ: الْأَقْرَبُ عَدَمُ الْفَرْقِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ حَجّ أَوَّلُ الْحَجِّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَشَرْطُ صِحَّتِهِ الْإِسْلَامُ إلَخْ، عَلَى أَنَّهُ اعْتَرَضَ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَيْضًا الْوَقْتُ وَالنِّيَّةُ وَالْعِلْمُ وَالْكَيْفِيَّةُ حَتَّى لَوْ جَرَتْ أَفْعَالُ النُّسُكِ مِنْهُ اتِّفَاقًا لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا، لَكِنْ رَدَّ ذِكْرَ النِّيَّةِ بِأَنَّهَا رُكْنٌ وَيُرَدُّ ذِكْرُ الْوَقْتِ بِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ صَرِيحِ كَلَامِهِ الْآتِي فِي الْمَوَاقِيتِ، وَذَكَرَ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ تَعَاطِي الْأَفْعَالِ كَفَى فَلَيْسَ شَرْطًا لِانْعِقَادِ الْإِحْرَامِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ بَلْ يَكْفِي لِانْعِقَادِهِ تَصَوُّرُهُ بِوَجْهٍ اهـ.
وَوَجْهُ التَّأْيِيدِ أَنَّ قَوْلَهُ بِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ تَعَاطِي الْأَفْعَالِ كَفَى، صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِلْمُ بِالْكَيْفِيَّةِ لَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَلَا بَعْدَهُ لَمْ يَكْفِ، وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ عَيْنُ مَا يُعْتَبَرُ فِي الصَّلَاةِ بِلَا فَرْقٍ غَايَتُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الصَّلَاةِ حَالُ النِّيَّةِ، وَفِي الْحَجِّ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فِي السَّعْيِ) ع هَذَا الْحَدِيثُ ضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ: قَالَ السُّبْكِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَالدَّلِيلُ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ مَعَ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الْحَدِيثِ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مُبَيِّنٌ لِمَا وَقَعَ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ إنَّ الصَّفَا إلَخْ، وَبَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ الْآيَاتِ يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ بِالْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ (قَوْلُهُ: وَسَادِسُهَا التَّرْتِيبُ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجِ: قَوْلُهُ وَسَادِسُهَا
[حاشية الرشيدي]
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (قَوْلُهُ مَعَ عَدَمِ جَبْرِ تَرْكِهِ بِدَمٍ) أَيْ حَتَّى لَا يَرِدَ نَحْوُ الرَّمْيِ.
بَحَثَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَإِنْ عَدَّهُ فِي الْمَجْمُوعِ شَرْطًا بِأَنْ يُقَدِّمَ الْإِحْرَامَ عَلَى الْجَمِيعِ وَيُؤَخِّرَ السَّعْيَ عَنْ طَوَافِ رُكْنٍ أَوْ قُدُومٍ، وَيُقَدِّمَ الْوُقُوفَ عَلَى طَوَافِ الرُّكْنِ وَالْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ لِلِاتِّبَاعِ مَعَ خَبَرِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَلَا تُجْبَرُ) هَذِهِ الْأَرْكَانُ وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا (بِدَمٍ) بَلْ يَتَوَقَّفُ الْحَجُّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِجَمِيعِ أَرْكَانِهَا وَأَمَّا وَاجِبَاتُهُ فَخَمْسَةٌ أَيْضًا: الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَالرَّمْيُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَالْمَبِيتُ بِلَيَالِي مِنًى وَاجْتِنَابُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ وَأَمَّا طَوَافُ الْوَدَاعِ فَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ، فَعَلَى هَذَا لَا يُعَدُّ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فَهَذِهِ تُجْبَرُ بِدَمٍ وَتُسَمَّى بَعْضًا وَغَيْرُهَا يُسَمَّى هَيْئَةً (وَمَا سِوَى الْوُقُوفِ) مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ (أَرْكَانٌ فِي الْعُمْرَةِ أَيْضًا) لِشُمُولِ الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ لَهَا، نَعَمْ التَّرْتِيبُ مُعْتَبَرٌ فِي جَمِيعِ أَرْكَانِهَا فَيَجِبُ تَأْخِيرُ الْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ عَنْ سَعْيِهَا وَوَاجِبُ الْعُمْرَةِ شَيْئَانِ: الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَاجْتِنَابُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ.
(وَيُؤَدِّي النُّسُكَانِ عَلَى) ثَلَاثَةِ (أَوْجُهٍ) فَقَطْ وَلِهَذَا عَبَّرَ بِجَمْعِ الْقِلَّةِ وَوَجْهُ الْحَصْرِ فِي الثَّلَاثَةِ أَنَّ الْإِحْرَامَ إنْ كَانَ بِالْحَجِّ أَوَّلًا فَالْإِفْرَادُ، أَوْ بِالْعُمْرَةِ فَالتَّمَتُّعُ، أَوْ بِهِمَا مَعًا فَالْقِرَانُ عَلَى تَفْصِيلٍ وَشُرُوطٍ لِبَعْضِهَا سَتَأْتِي، وَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِنُسُكٍ عَلَى حِدَتِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ النُّسُكَانِ بِالتَّثْنِيَةِ، أَمَّا أَدَاءُ النُّسُكِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَعَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَأَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ فَقَطْ، أَوْ عُمْرَةٍ فَقَطْ (أَحَدُهُمَا الْإِفْرَادُ) الْأَفْضَلُ وَيَحْصُلُ (بِأَنْ يَحُجَّ) أَيْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِهِ وَيَفْرُغَ مِنْهُ (ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ) مِنْ عَامِهِ (كَإِحْرَامِ الْمَكِّيِّ) بِأَنْ يَخْرُجَ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ فَيُحْرِمَ بِهَا (وَيَأْتِيَ بِعَمَلِهَا) أَمَّا غَيْرُ الْأَفْضَلِ فَلَهُ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَأْتِيَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ فِي سَنَةٍ، الثَّانِيَةُ أَنْ يَعْتَمِرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ الْمِيقَاتِ عَلَى مَا يَأْتِي وَأَمَّا الْإِفْرَادُ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ.
(الثَّانِي الْقِرَانُ) الْأَكْمَلُ وَيَحْصُلُ (بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا)
[حاشية الشبراملسي]
التَّرْتِيبُ إلَخْ، أَقُولُ: لِي هُنَا شُبْهَةٌ وَهِيَ أَنَّ شَأْنَ رُكْنِ الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ انْعَدَمَ انْعَدَمَ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّهُ إذَا حَلَقَ قَبْلَ الْوُقُوفِ ثُمَّ وَقَفَ وَأَتَى بِبَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ حَصَلَ الْحَجُّ وَكَانَ الْحَلْقُ سَاقِطًا لِعَدَمِ إمْكَانِهِ وَإِنْ أَثِمَ بِفِعْلِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَتَفْوِيتِهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْحَجُّ مَعَ انْتِفَاءِ التَّرْتِيبِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
أَقُولُ: وَيُمْكِنُ انْدِفَاعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِأَنْ يُقَالَ: الْحَلْقُ إنَّمَا سَقَطَ لِعَدَمِ شَعْرٍ بِرَأْسِهِ لَا لِتَقَدُّمِهِ عَلَى الْوُقُوفِ؛ لِأَنَّ حَلْقَهُ قَبْلَهُ لَمْ يَقَعْ رُكْنًا، وَالْإِثْمُ إنَّمَا هُوَ لِتَرَفُّهِهِ بِإِزَالَةِ الشَّعْرِ قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَهَذَا كَمَا لَوْ اعْتَمَرَ وَحَلَقَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ عَقِبَهُ.
فَلَمْ يَكُنْ بِرَأْسِهِ شَعْرٌ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْحَلْقِ فَإِنَّ الْحَلْقَ سَاقِطٌ عَنْهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِحَلْقِ الْعُمْرَةِ بَلْ لِعَدَمِ شَعْرٍ يُزِيلُهُ (قَوْلُهُ: الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ) أَيْ كَوْنُ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ، أَمَّا نَفْسُ الْإِحْرَامِ فَرُكْنٌ كَمَا مَرَّ اهـ
(قَوْلُهُ: وَيُؤَدَّى النُّسُكَانِ) أَيْ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِنُسُكٍ) أَيْ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (قَوْلُهُ: أَوْ عُمْرَةٍ) أَيْ وَبِعَدَمِهَا عَلَى الْإِتْيَانِ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَأْتِيَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ فِي سَنَةٍ) أَيْ ثُمَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أُخْرَى (قَوْلُهُ: فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ) قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ أَحَدُهَا الْإِفْرَادُ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ يَأْتِيَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ التَّفْصِيلِ وَبَيَانِ أَفْضَلِيَّتِهِ
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مَعًا) أَيْ وَسَوَاءٌ قَدَّمَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ أَمْ لَا كَمَا هُوَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِنُسُكٍ عَلَى حِدَتِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ إلَخْ) أَيْ حَقِيقَةً، وَإِلَّا فَهُوَ إفْرَادٌ مَجَازِيٌّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشِّهَابُ حَجّ كَغَيْرِهِ وَسَيُعْلَمُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ أَمَّا غَيْرُ الْأَفْضَلِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَأَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ فَقَطْ أَوْ عُمْرَةٍ فَقَطْ) أَيْ وَلَا يَأْتِي بِالْآخَرِ مِنْ عَامِهِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْإِفْرَادُ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ) صَوَابُهُ فَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ، إذْ الْآتِي إنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ ذِكْرِ أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ، وَأَمَّا بَيَانُهُ فَهُوَ الَّذِي مَرَّ عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا مِنْ أَصْلِهِ
مَعًا (مِنْ الْمِيقَاتِ) لِلْحَجِّ وَغَيْرُ الْأَكْمَل أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ وَإِنْ لَزِمَهُ الدَّمُ فَتَقْيِيدُهُ بِالْمِيقَاتِ لِكَوْنِهِ أَكْمَلُ لَا لِكَوْنِ الثَّانِي لَا يُسَمَّى قِرَانًا (وَيَعْمَلُ عَمَلَ الْحَجِّ) فَقَطْ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْحَجِّ أَكْثَرُ (فَيَحْصُلَانِ) وَيَدْخُلُ عَمَلُ الْعُمْرَةِ فِي عَمَلِ الْحَجِّ فَيَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ لِخَبَرِ «مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ عَنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» وَهَذِهِ الصُّورَةُ الْأَصْلِيَّةُ لِلْقِرَانِ ثُمَّ ذَكَرَ غَيْرَهَا بِقَوْلِهِ (وَإِنْ) (أَحْرَمَ بِعُمْرَةِ) صَحِيحَةٍ (فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ) أَحْرَمَ (بِحَجٍّ قَبْلَ) الشُّرُوعِ فِي (الطَّوَافِ) (كَانَ قَارِنًا) إجْمَاعًا فَيَكْفِيهِ عَمَلُ الْحَجِّ لِخَبَرِ عَائِشَةَ «أَنَّهَا أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: مَا شَأْنُك؟ قَالَتْ: حِضْت وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحِلَّ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَهِلِّي بِالْحَجِّ، فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ حَتَّى إذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ حَلَلْت مِنْ حَجِّك وَعُمْرَتِك جَمِيعًا» وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ فِي أَشْهُرِهِ صَحَّ وَكَانَ قَارِنًا كَمَا صَحَّحَهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ عَمَّا لَوْ طَافَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوْ شَرَعَ فِيهِ وَلَوْ بِخُطْوَةٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِاتِّصَالِ إحْرَامِهَا بِمَقْصُودِهِ وَهُوَ أَعْظَمُ أَفْعَالِهَا فَلَا يَنْصَرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهَا؛ وَلِأَنَّهُ أَخَذَ فِي التَّحَلُّلِ الْمُقْتَضِي لِنُقْصَانِ الْإِحْرَامِ فَلَا يَلِيقُ بِهِ إدْخَالُ الْإِحْرَامِ الْمُقْتَضِي لِفَوَاتِهِ، وَلَوْ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِنِيَّةِ الطَّوَافِ فَفِي صِحَّةِ الْإِدْخَالِ وَجْهَانِ: أَوْجَهُهُمَا كَمَا بَحَثَهُ فِي الْمَجْمُوعِ الْجَوَازُ إذْ هُوَ مُقَدِّمَتُهُ لَا بَعْضُهُ، وَعُلِمَ مِنْ تَقْيِيدِ الْعُمْرَةِ بِالصَّحِيحَةِ أَنَّهُ لَوْ أَفْسَدَ الْعُمْرَةَ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ بِهِ فَاسِدًا وَهُوَ الْأَصَحُّ وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ صَحَّ إحْرَامُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ حَتَّى يَتَعَيَّنَ الْمَنْعُ فَصَارَ كَمَنْ أَحْرَمَ وَتَزَوَّجَ وَلَمْ يَدْرِ هَلْ كَانَ إحْرَامُهُ قَبْلَ تَزَوُّجِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَزَوُّجُهُ (وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ) وَهُوَ إدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ (فِي الْجَدِيدِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ شَيْئًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ يَسْتَفِيدُ بِهِ الْوُقُوفَ وَالرَّمْيَ وَالْمَبِيتَ؛ وَلِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ إدْخَالُ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ كَفِرَاشِ النِّكَاحِ مَعَ فِرَاشِ الْمِلْكِ لِقُوَّتِهِ عَلَيْهِ جَازَ
[حاشية الشبراملسي]
ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ (قَوْلُهُ: الْأَكْمَلُ) احْتَرَزَ بِهِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ فَتَقْيِيدُهُ بِالْمِيقَاتِ (قَوْلُهُ وَاحِدٌ عَنْهُمَا) أَيْ لِحُصُولِهِمَا، قَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ: وَهَلْ هُمَا: أَيْ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا أَوْ لِلْحَجِّ فَقَطْ وَالْعُمْرَةُ لَا حُكْمَ لَهَا لِانْغِمَارِهَا أَيْ فِي الْحَجِّ؟ لَمْ يُصَرِّحْ الْأَصْحَابُ بِذَلِكَ، لَكِنَّ الْأَقْرَبَ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ الثَّانِي اهـ سم (قَوْلُهُ: فَقَالَ مَا شَأْنُك) أَيْ أَيُّ شَيْءٍ شَأْنُك؟ فَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ (قَوْلُهُ: وَعُمْرَتُك جَمِيعًا) أَيْ وَعَلَيْهِ فَالْعُمْرَةُ الَّتِي أَمَرَهَا بِالْخُرُوجِ فِيهَا إلَى التَّنْعِيمِ كَانَتْ تَطَوُّعًا (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَوْ أَفْسَدَ) أَيْ بِأَنْ جَامَعَ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ بِهِ فَاسِدًا) أَيْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِيهِ ثُمَّ قَضَاؤُهُ مِنْ قَابِلٍ (قَوْلُهُ: قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ) أَيْ الطَّوَافِ (قَوْلُهُ: صَحَّ إحْرَامُهُ) أَيْ بِالْحَجِّ وَيَبْرَأُ بِذَلِكَ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَقَدْ يُقَالُ: قِيَاسُ مَا مَرَّ مِنْ أَنْ أَحْرَمَ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ وَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ مَا أَحْرَمَ بِهِ أَنْ يَنْوِيَ الْقِرَانَ وَلَا يَبْرَأَ بِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَيَمْتَنِعُ إدْخَالُهَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي إحْرَامِ نَفْسِهِ هَلْ قَرَنَ أَوْ أَحْرَمَ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ حَيْثُ لَا يَبْرَأُ مِنْ الْعُمْرَةِ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ هُنَا مِنْ الْحَجِّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ بَعْدَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، فَلَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يُقَالَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَلَا يَنْصَرِفُ) أَيْ الْإِحْرَامُ (قَوْلُهُ وَعُلِمَ مِنْ تَقْيِيدِ الْعُمْرَةِ بِالصَّحِيحَةِ أَنَّهُ لَوْ أَفْسَدَ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ خُصُوصَ الِانْعِقَادِ فَاسِدًا لَمْ يُعْلَمْ مِنْ هَذَا التَّقْيِيدِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ الْأَصْوَبُ عَدَمَ التَّقْيِيدِ لِيَشْمَلَ الْمَتْنُ الْقِرَانَ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ كَمَا صَنَعَ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ) أَيْ فِي الطَّوَافِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ) يَعْنِي أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا أَتَى بِهِ مِنْ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَقَعَ جَائِزًا (قَوْلُهُ: لِقُوَّتِهِ) أَيْ فِرَاشِ النِّكَاحِ
إدْخَالُهُ عَلَيْهِ دُونَ الْعَكْسِ حَتَّى لَوْ نَكَحَ أُخْتَ أَمَتِهِ جَازَ وَطْؤُهَا بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَالْقَدِيمُ الْجَوَازُ، وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ كَعَكْسِهِ فَيَجُوزُ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي أَسْبَابِ تَحَلُّلِهِ وَيَجُوزُ الْقِرَانُ بِمَكَّةَ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَى الْحِلِّ تَغْلِيبًا لِلْحَجِّ مَعَ أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ بِوُقُوفِ عَرَفَةَ.
(الثَّالِثُ التَّمَتُّعُ) وَيَحْصُلُ (بِأَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ) فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ) أَوْ غَيْرِهِ (وَيَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يُنْشِئُ حَجًّا مِنْ مَكَّةَ) أَوْ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ أَوْ مِنْ مِثْلِ مَسَافَتِهِ أَوْ مِيقَاتٍ أَقْرَبَ مِنْهُ، وَسُمِّيَ مُتَمَتِّعًا لِتَمَتُّعِ صَاحِبِهِ بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ بَيْنَهُمَا أَوْ لِتَمَتُّعِهِ بِسُقُوطِ الْعَوْدِ إلَى الْمِيقَاتِ لِلْحَجِّ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ بَلَدِهِ وَمِنْ مَكَّةَ مِثَالٌ لَا قَيْدٌ (وَأَفْضَلُهَا) أَيْ أَوْجُهُ أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ الْمُتَقَدِّمَةِ (الْإِفْرَادُ) إنْ اعْتَمَرَ عَامَهُ فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْهُ كَانَ الْإِفْرَادُ مَكْرُوهًا إذْ تَأْخِيرُهَا عَنْهُ مَكْرُوهٌ، وَالْمُرَادُ بِالْعَامِ مَا بَقِيَ مِنْ الْحِجَّةِ الَّذِي هُوَ شَهْرُ حَجِّهِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ السُّبْكِيّ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا لَوْ اعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَيُسَمَّى إفْرَادًا أَيْضًا وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيُّ، وَكَانَ مُرَادُهُمَا أَنَّهُ يُسَمَّى بِذَلِكَ حَيْثُ إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ الْمُوجِبِ لِلدَّمِ، وَإِلَّا فَمُطْلَقُ التَّمَتُّعِ يَشْمَلُ ذَلِكَ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ، بَلْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى تَمَتُّعًا (وَبَعْدَهُ التَّمَتُّعُ وَبَعْدَ التَّمَتُّعِ الْقِرَانُ) ؛ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَأْتِي بِعَمَلَيْنِ كَامِلَيْنِ غَيْرِ أَنَّهُ لَا يُنْشِئُ لَهُمَا مِيقَاتَيْنِ، وَأَمَّا الْقَارِنُ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِعَمَلٍ وَاحِدٍ مِنْ مِيقَاتٍ وَاحِدٍ (وَفِي قَوْلٍ التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ) وَمُنْشَأُ الْخِلَافِ اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ فِي إحْرَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ صَحَّ عَنْ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ» وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ قَرَنَ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ تَمَتَّعَ» وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ رُوَاتَهُ أَكْثَرُ وَبِأَنَّ جَابِرًا مِنْهُمْ أَقْدَمُ صُحْبَةً وَأَشَدُّ عِنَايَةً بِضَبْطِ الْمَنَاسِكِ وَأَفْعَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ لَدُنْ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى أَنْ تَحَلَّلَ، وَبِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اخْتَارَهُ أَوَّلًا كَمَا يَأْتِي، وَبِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَبِأَنَّ الْمُفْرِدَ لَمْ يَرْبَحْ مِيقَاتًا وَلَا اسْتَبَاحَ الْمَحْظُورَاتِ كَالْمُتَمَتِّعِ، وَلِانْدِرَاجِ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ تَحْتَ الْحَجِّ كَالْقَارِنِ فَهُوَ أَشُقُّ عَمَلًا، وَأَمَّا تَمَنِّيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت
[حاشية الشبراملسي]
قُوِّيَ جَانِبُ الْبَرَاءَةِ بِكَوْنِ الْأَصْلِ عَدَمُ الطَّوَافِ عَنْ الْعُمْرَةِ فَصَحَّ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ (قَوْلُهُ: جَازَ وَطْؤُهَا) أَيْ أُخْتِ أَمَتِهِ
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْعَامِ) أَيْ الَّذِي يُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْعُمْرَةِ عَنْهُ (قَوْلُهُ: وَلِانْدِرَاجِ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ) لَعَلَّهُ وَلَا إدْرَاجَ إلَخْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ كَلَامَ الْمَتْنِ مَعَ أَنَّ التَّمَتُّعَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي التَّمَتُّعِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِي تَأْدِيَةِ النُّسُكَيْنِ، فَهُوَ نَظِيرُ تَقْيِيدِهِ الْإِفْرَادَ بِالْأَفْضَلِ وَالْقِرَانَ بِالْأَكْمَلِ (قَوْلُهُ: وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا لَوْ اعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ إلَخْ) هُوَ تَابِعٌ فِي هَذَا التَّعْبِيرِ لِلْإِمْدَادِ، لَكِنَّ شُمُولَ الْإِرْشَادِ لِمَا ذَكَرَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ صَوَّرَ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ مَا سِوَاهُمَا إفْرَادٌ فَشَمِلَ ذَلِكَ فَصَحَّ لِلْإِمْدَادِ مَا قَالَهُ، بِخِلَافِ مَا فِي الْكِتَابِ فَإِنَّهُ صَوَّرَ الْإِفْرَادَ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ لَا شُمُولَ فِيهَا (قَوْلُهُ: أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ بَلَدِهِ وَمِنْ مَكَّةَ مِثَالٌ لَا قَيْدٌ) هُمَا قَيْدَانِ لِلتَّمَتُّعِ الْمُوجِبِ لِلدَّمِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ فِي تَأْدِيَةِ النُّسُكَيْنِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَأَفْضَلُهَا الْإِفْرَادُ) أَيْ الْمُتَقَدِّمُ فِي كَلَامِهِ الَّذِي هُوَ الْأَفْضَلُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الشَّارِحِ إنْ اعْتَمَرَ مِنْ عَامِهِ لِأَنَّهُ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ.
(قَوْلُهُ: وَبِأَنَّ الْمُفْرِدَ لَمْ يَرْبَحْ مِيقَاتًا وَلَا اسْتَبَاحَ الْمَحْظُورَاتِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْإِمْدَادِ: وَبِأَنَّ الْمُفْرِدَ لَمْ يَرْبَحْ مِيقَاتًا وَلَا اسْتِبَاحَةَ الْمَحْظُورَاتِ كَالْمُتَمَتِّعِ وَلَا انْدِرَاجَ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ تَحْتَ الْحَجِّ كَالْقَارِنِ انْتَهَتْ.
فَلَعَلَّ اسْتَبَاحَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ بِكَسْرِ التَّاءِ مَصْدَرًا مَفْعُولًا لِيَرْبَحْ وَأَسْقَطَتْ الْكَتَبَةُ أَلِفًا بَعْدَ كَلِمَةِ لَا مِنْ قَوْلِهِ وَلَا انْدِرَاجَ: أَيْ وَلَا رَبِحَ اسْتَبَاحَ الْمَحْظُورَاتِ وَلَا رَبِحَ انْدِرَاجَ إلَخْ فَتَرْجِعُ لِكَلَامِ الْإِمْدَادِ (قَوْلُهُ: فَلِتَطْيِيبِ قُلُوبِ أَصْحَابِهِ) أَيْ بَعْضِهِمْ وَهْم الَّذِينَ تَمَتَّعُوا كَمَا يُعْلَمُ
مَا سُقْت الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَةً» فَلِتَطْيِيبِ قُلُوبِ أَصْحَابِهِ لِمَا حَزِنُوا عَلَى عَدَمِ مُوَافَقَتِهِ عِنْدَ أَمْرِهِ لَهُمْ بِالِاعْتِمَارِ لِعَدَمِ الْهَدْيِ وَالْمُوَافَقَةِ لِتَحْصِيلِهَا هَذَا الْمَعْنَى أَهَمُّ عِنْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ فَضِيلَةٍ خَاصَّةٍ بِالنُّسُكِ.
وَلِلْمُصَنَّفِ فِي مَجْمُوعِهِ كَلَامٌ فِي حَجِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَجُّ أَصْحَابِهِ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ لِنَفَاسَتِهِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالْمُنَازَعَةِ فِيهِ حَيْثُ قَالَ: الصَّوَابُ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ» ، وَخُصَّ بِجَوَازِهِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِلْحَاجَةِ، وَبِهَذَا يَسْهُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، فَعُمْدَةُ رُوَاةِ الْإِفْرَادِ وَهُمْ الْأَكْثَرُ أَوَّلَ الْإِحْرَامَ وَرُوَاةَ الْقِرَانِ آخِرَهُ، وَمَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ أَرَادَ التَّمَتُّعَ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ انْتِفَاعٌ وَقَدْ انْتَفَعَ بِالِاكْتِفَاءِ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعْتَمِرْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ عُمْرَةً مُفْرَدَةً، وَلَوْ جُعِلَتْ حَجَّتُهُ مُفْرَدَةً لَكَانَ غَيْرَ مُعْتَمِرٍ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ الْحَجَّ وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ فَانْتَظَمَتْ الرِّوَايَاتُ فِي حَجَّتِهِ فِي نَفْسِهِ.
وَأَمَّا الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَكَانُوا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ أَحْرَمُوا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجٍّ وَمَعَهُمْ هَدْيٌ، وَقِسْمٌ بِعُمْرَةٍ وَفَرَغُوا مِنْهَا ثُمَّ أَحْرَمُوا بِحَجٍّ، وَقِسْمٌ بِحَجٍّ مِنْ غَيْرِ هَدْيٍ مَعَهُمْ أَمَرَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْلِبُوهُ عُمْرَةً، وَهُوَ مَعْنَى فَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ وَهُوَ خَاصٌّ بِالصَّحَابَةِ، أَمَرَهُمْ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَيَانِ مُخَالَفَةِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ إيقَاعَهَا فِيهِ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ، كَمَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ لِذَلِكَ وَدَلِيلُ التَّخْصِيصِ خَبَرُ أَبِي دَاوُد عَنْ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ فَقَالَ: بَلْ لَكُمْ خَاصَّةً» فَانْتَظَمَتْ فِي إحْرَامِهِمْ أَيْضًا، فَمَنْ رَوَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَارِنِينَ أَوْ مُتَمَتِّعِينَ أَوْ مُفْرِدِينَ أَرَادَ بَعْضَهُمْ وَهُمْ الَّذِينَ عُلِمَ مِنْهُمْ ذَلِكَ وَظُنَّ أَنَّ الْبَقِيَّةَ مِثْلُهُمْ، وَكَرِهَ جَمْعٌ تَسْمِيَةَ حَجِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَرَدَّهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ نَابِذٌ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِنَحْوِ مَا مَرَّ فِي تَسْمِيَةِ الطَّوَافِ شَوْطًا وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ تَبَعًا لِلْبَارِزِيِّ أَنَّ الْقَارِنَ الَّذِي اعْتَمَرَ قَبْلَ قِرَانِهِ أَوْ بَعْدَهُ يَكُونُ قِرَانُهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَقْصُودِهِ مَعَ زِيَادَةِ عُمْرَةٍ أُخْرَى كَمُتَيَمِّمٍ يَرْجُو الْمَاءَ آخِرَ الْوَقْتِ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ أَوَّلَهُ ثُمَّ بِالْوُضُوءِ آخِرَهُ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يُلَاقِي مَا نَحْنُ فِيهِ إذْ الْكَلَامُ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ كَيْفِيَّاتِ أَدَاء النُّسُكَيْنِ الْمُسْقِطِ لِطَلَبِهِمَا لَا بَيْنَ أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ فَقَطْ وَأَدَائِهِمَا مَعَ زِيَادَةِ نُسُكٍ مُتَطَوِّعٍ بِهِ، وَيُرَدُّ أَيْضًا بِأَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ كَلَامَهُمْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ نَقُولُ الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ حَتَّى مِنْ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِلْحَاجَةِ) أَيْ وَهِيَ مُشَارَكَةُ أَصْحَابِهِ فِيمَا أَتَوْا بِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ الْمُنَبَّهِ عَلَى جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مَعَ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا لَا يُزَاحِمُونَ بِهَا الْحَجَّ فِي وَقْتِ إمْكَانِهِ (قَوْلُهُ فَانْتَظَمَتْ) أَيْ الرَّوِيَّاتُ (قَوْلُهُ: بِنَحْوِ مَا مَرَّ) لَمْ يَتَقَدَّمْ
[حاشية الرشيدي]
مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: عِنْدَ أَمْرِهِ) تَعْلِيلٌ فِي الْمَعْنَى لِعَدَمِ الْمُوَافَقَةِ.
يَعْنِي إنَّمَا كَانَ عَدَمُ مُوَافَقَتِهِمْ لَهُ لِأَجْلِ أَمْرِهِ لَهُمْ بِالِاعْتِمَادِ (قَوْلُهُ: وَالْمُوَافَقَةُ لِتَحْصِيلِهَا هَذَا الْمَعْنَى إلَخْ) أَيْ فَمُوَافَقَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ فِي التَّمَتُّعِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَطَيُّبِ قُلُوبِهِمْ أَهَمُّ عِنْدَهُ مِنْ فَضِيلَةٍ خَاصَّةٍ بِالنُّسُكِ وَهِيَ الْإِفْرَادُ الَّذِي أَتَى بِهِ وَلِذَلِكَ تَمَنَّى مُوَافَقَتَهُمْ (قَوْلُهُ: كَمَا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ» ) صَوَابُهُ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِنَحْوِ مَا مَرَّ إلَخْ) هُوَ تَابِعٌ فِي هَذَا لِلْإِمْدَادِ، لَكِنَّ ذَاكَ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ فِي كَلَامِهِ ثَمَّ بِخِلَافِ الشَّارِحِ، وَعِبَارَتُهُ ثَمَّ أَعْنِي الْإِمْدَادَ وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ كَرَاهَةُ تَسْمِيَةِ الطَّوْفَةِ شَوْطًا وَدَوْرًا إذْ لَمْ يَرِدْ لِأَنَّ الشَّوْطَ الْهَلَاكُ، ثُمَّ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِوُرُودِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي، وَلَوْ ثَبَتَ رَفْعُهُ جَازَ حَمْلُهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ كَتَسْمِيَةِ الْعِشَاءِ عَتَمَةً مَعَ كَرَاهَتِهِ.
وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ إلَّا لِدَلِيلٍ خَاصٍّ، وَكَوْنُ الشَّوْطِ الْهَلَاكَ لَا يَقْتَضِي بِمُجَرَّدِهِ كَرَاهَةً انْتَهَتْ
الْقِرَانِ مَعَ الْعُمْرَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ فِي فَضِيلَةِ الِاتِّبَاعِ مَا يَرْبُو عَلَى زِيَادَةٍ فِي الْعَمَلِ كَمَا لَا يَخْفَى مِنْ فُرُوعٍ ذَكَرُوهَا، وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ أَنَّ مَنْ اسْتَنَابَ وَاحِدًا لِلْحَجِّ وَآخَرَ لِلْعُمْرَةِ لَا تَحْصُلُ لَهُ كَيْفِيَّةُ الْإِفْرَادِ الْفَاضِلِ؛ لِأَنَّ كَيْفِيَّةَ الْإِفْرَادِ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ.
(وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] وَالْمَعْنَى فِي إيجَابِ الدَّمِ كَوْنُهُ رَبِحَ مِيقَاتًا، إذْ لَوْ كَانَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوَّلًا مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ لَكَانَ يَحْتَاجُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْحَجِّ إلَى خُرُوجِهِ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ لِيُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ، وَإِذَا تَمَتَّعَ اسْتَغْنَى عَنْ الْخُرُوجِ لِكَوْنِهِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ، وَالْوَاجِبُ شَاةٌ مُجْزِئَةٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ سُبْعِ بَدَنَةٍ أَوْ سُبْعِ بَقَرَةٍ، وَكَذَا جَمِيعُ الدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ فِي الْحَجِّ إلَّا جَزَاءَ الصَّيْدِ كَمَا سَيَأْتِي مَبْسُوطًا (بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] إذْ اسْمُ إشَارَةٍ لِلْهَدْيِ وَالصَّوْمِ عِنْدَ فَقْدِهِ، وَلِمَنْ مَعْنَاهُ عَلَى مَنْ (وَحَاضِرُوهُ مِنْ) مَسَاكِنِهِمْ (دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ) ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ لَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَتُهُ اتِّفَاقًا بَلْ الْحَرَمُ عِنْدَ قَوْمٍ وَمَكَّةُ عِنْدَ آخَرِينَ، وَحَمْلُهُ عَلَى مَكَّةَ أَقَلُّ تَجَوُّزًا مِنْ حَمْلِهِ عَلَى جَمِيعِ الْحَرَمِ (قُلْت: الْأَصَحُّ مِنْ الْحَرَمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) إذْ كُلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ اللَّهُ فِيهِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَهُوَ الْحَرَمُ إلَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] فَهُوَ نَفْسُ الْكَعْبَةِ، فَإِلْحَاقُ هَذَا بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ أَوْلَى، وَالْقَرِيبُ مِنْ الشَّيْءِ يُقَالُ إنَّهُ حَاضِرُهُ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: 163] أَيْ قَرِيبَةً مِنْهُ.
وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرْبَحُوا مِيقَاتًا: أَيْ عَامًا لِأَهْلِهِ وَلِمَنْ مَرَّ بِهِ فَلَا يَشْكُلُ بِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ أَوْ الْحَرَمِ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ إذَا عَنَّ لَهُ النُّسُكَ ثُمَّ فَاتَهُ وَإِنْ رَبِحَ مِيقَاتًا بِتَمَتُّعِهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِيقَاتًا عَامًّا لِأَهْلِهِ وَلِمَنْ مَرَّ بِهِ، وَلَا يَشْكُلُ أَيْضًا بِأَنَّهُمْ جَعَلُوا مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَالْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ فِي هَذَا وَلَمْ يَجْعَلُوهُ فِي مَسْأَلَةِ الْإِسَاءَةِ وَهُوَ إذَا كَانَ مَسْكَنُهُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ الْحَرَمِ وَجَاوَزَهُ وَأَحْرَمَ كَالْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ حَتَّى لَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ كَالْمَكِّيِّ إذَا أَحْرَمَ مِنْ سَائِرِ بِقَاعِ مَكَّةَ بَلْ أَلْزَمُوهُ الدَّمَ وَجَعَلُوهُ مُسِيئًا كَالْآفَاقِيِّ؛ لِأَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ مَكَّةَ مِمَّا ذُكِرَ تَابِعٌ لَهَا وَالتَّابِعُ لَا يُعْطَى حُكْمَ الْمَتْبُوعِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ وَلِأَنَّهُمْ عَمِلُوا بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَهُنَا لَا يَلْزَمُهُ دَمٌ لِعَدَمِ إسَاءَتِهِ لِعَدَمِ عَوْدِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَاضِرِينَ بِمُقْتَضَى الْآيَةِ، وَهُنَاكَ يَلْزَمُهُ دَمٌ لِإِسَاءَتِهِ بِمُجَاوَزَتِهِ مَا عُيِّنَ لَهُ بِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ: وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ، عَلَى أَنَّ الْمَسْكَنَ الْمَذْكُورَ كَالْقَرْيَةِ بِمَنْزِلَةِ مَكَّةَ فِي جَوَازِ الْإِحْرَامِ مِنْ سَائِرِ بِقَاعِهِ وَعَدَمِ جَوَازِ مُجَاوَزَتِهِ بِلَا إحْرَامٍ لِمُرِيدِ النُّسُكِ، فَلَوْ كَانَ لِلْمُتَمَتِّعِ مَسْكَنَانِ بَعِيدٌ وَقَرِيبٌ اُعْتُبِرَ فِي كَوْنِهِ مِنْ الْحَاضِرِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ كَثْرَةُ إقَامَتِهِ بِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ إنْ اسْتَوَتْ إقَامَتُهُ بِهِمَا اُعْتُبِرَ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ، فَإِنْ كَانَ
[حاشية الشبراملسي]
لَهُ ثَمَّ جَوَابٌ عَنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَاقِطًا فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ (قَوْلُهُ: مَا يَرْبُو) أَيْ يَزِيدُ (قَوْلُهُ: مِنْ فُرُوعٍ ذَكَرُوهَا) مِنْهَا مَنْ صَلَّى لِلْوَتْرِ ثَلَاثًا أَفْضَلُ مِمَّنْ صَلَّى عَشْرًا (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ كَيْفِيَّةَ الْإِفْرَادِ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ) هَذَا ظَاهِرٌ إنْ وَقَعَا مَعًا أَوْ تَقَدَّمَتْ الْعُمْرَةُ عَلَى الْحَجِّ.
أَمَّا لَوْ تَأَخَّرَتْ الْعُمْرَةُ عَنْ الْحَجِّ فَفِي عَدَمِ حُصُولِ الْإِفْرَادِ الْفَاضِلِ لَهُ نَظَرٌ
(قَوْلُهُ: إلَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ) أَيْ فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ مِثْلُ مَا قَتَلَهُ مِنْ الصَّيْدِ: أَيْ وَإِلَّا دَمُ الْجِمَاعِ الْمُفْسِدِ فَإِنَّهُ بَدَنَةٌ (قَوْلُهُ: وَلِمَنْ) أَيْ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ﴾ [البقرة: 196] وَقَوْلُهُ وَلِمَنْ مُبْتَدَأٌ؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ وَعَلَى مَنْ خَبَرُ الثَّانِي وَالثَّانِي وَخَبَرُهُ خَبَرُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ لِأَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ مَكَّةَ مِمَّا ذَكَرَ تَابِعٌ لَهَا إلَخْ) هَذَا لَا يُلَاقِي الْإِشْكَالَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ الْإِشْكَالُ بَيْنَ مَكَّةَ وَمَا هُنَا حَتَّى يُجَابَ عَنْهُ بِمَا ذَكَرَ، بَلْ الْإِشْكَالُ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِخَارِجِ مَكَّةَ.
وَحَاصِلُهُ لِمَ جَعَلُوا إحْدَاهُمَا كَمَكَّةَ فِي أَنَّ سَائِرَ بِقَاعِهَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَلَمْ يَجْعَلُوا الْأُخْرَى كَذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ لِأَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ مَكَّةَ مِمَّا ذَكَرَ تَابِعٌ إلَخْ مَوْجُودٌ فِي كِلَا الْمَسْأَلَتَيْنِ فَلَمْ يَنْدَفِعْ الْإِشْكَالُ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُمْ عَمِلُوا بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إلَخْ) حَاصِلُ
أَهْلُهُ بِأَحَدِهِمَا وَمَالُهُ بِالْآخَرِ اُعْتُبِرَ بِمَكَانِ الْأَهْلِ، ذَكَرَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ.
قَالَ وَالْمُرَادُ بِالْأَهْلِ الزَّوْجَةُ وَالْأَوْلَادُ الَّذِينَ تَحْتَ حِجْرِهِ دُونَ الْآبَاءِ وَالْإِخْوَةِ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ اُعْتُبِرَ بِعَزْمِ الرُّجُوعِ إلَى أَحَدِهِمَا لِلْإِقَامَةِ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ فِيمَا خَرَجَ مِنْهُ، قَالَ فِي الذَّخَائِرِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ وَاسْتَوَيَا فِي كُلِّ شَيْءٍ اُعْتُبِرَ بِمَوْضِعِ إحْرَامِهِ، وَلِغَرِيبٍ مُسْتَوْطِنٍ فِي الْحَرَمِ أَوْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ حُكْمُ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَيَلْزَمُ الدَّمُ آفَاقِيًّا تَمَتَّعَ نَاوِيًا الِاسْتِيطَانَ بِمَكَّةَ وَلَوْ بَعْدَ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيطَانَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَعَلَّلَهُ فِي الذَّخَائِرِ بِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ.
أَمَّا الْعَوْدُ أَوْ الدَّمُ فِي إحْرَامِ سُنَّتِهِ فَلَا يَسْقُطُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ (وَأَنْ تَقَعَ عُمْرَتُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ سَنَتِهِ) أَيْ الْحَجِّ فَلَوْ وَقَعَتْ قَبْلَ أَشْهُرِهِ وَأَتَمَّهَا وَلَوْ فِي أَشْهُرِهِ ثُمَّ حَجَّ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ لِعَدَمِ جَمْعِهِ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْحَجِّ فَأَشْبَهَ الْمُفْرَدَ وَأَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ، فَمَنْ لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ الَّذِي اعْتَمَرَ فِيهِ لَا دَمَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَرَّرَ الْمُتَمَتِّعُ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهَلْ يَتَكَرَّرُ الدَّمُ أَمْ لَا؟ أَفْتَى الرِّيمِيُّ صَاحِبُ التَّفْقِيهِ الَّذِي هُوَ شَرْحُ التَّنْبِيهِ بِالتَّكَرُّرِ، وَأَفْتَى بَعْضُ مَشَايِخِ النَّاشِرِيِّ بِعَدَمِهِ قَالَ: وَهُوَ الظَّاهِرُ (وَأَنْ لَا يَعُودَ لِإِحْرَامِ الْحَجِّ إلَى الْمِيقَاتِ) الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ لِلْعُمْرَةِ أَوْ مِيقَاتٍ آخَرَ وَلَوْ أَقْرَبَ إلَى مَكَّةَ مِنْ مِيقَاتِ عُمْرَتِهِ أَوْ إلَى مِثْلِ مَسَافَةِ مِيقَاتِهَا، فَإِذَا عَادَ إلَيْهِ وَأَحْرَمَ مِنْهُ بِالْحَجِّ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ إذْ الْمُقْتَضِي لِلُزُومِهِ رِبْحُ مِيقَاتٍ وَقَدْ زَالَ بِعَوْدِهِ لَهُ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الدَّمِ نِيَّةُ التَّمَتُّعِ وَلَا وُقُوعُ النُّسُكَيْنِ عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَلَا بَقَاؤُهُ حَيًّا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَوْ خَرَجَ الْمُتَمَتِّعُ لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ وَأَحْرَمَ خَارِجَهَا وَلَمْ يَعُدْ إلَى الْمِيقَاتِ وَلَا إلَى مَسَافَتِهِ وَلَا إلَى مَكَّةَ لَزِمَهُ دَمٌ أَيْضًا لِلْإِسَاءَةِ الْحَاصِلَةِ بِخُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ مَعَ عَدَمِ عَوْدِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ الْمَذْكُورَةَ مُعْتَبَرَةٌ لِوُجُوبِ الدَّمِ وَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي تَسْمِيَتِهِ تَمَتُّعًا.
(وَوَقْتُ وُجُوبِ الدَّمِ) عَلَيْهِ (إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ) ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ الْأَصَحُّ جَوَازُ ذَبْحِهِ إذَا فَرَغَ مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَا يَتَأَقَّتُ ذَبْحُهُ بِوَقْتٍ كَسَائِرِ دِمَاءِ الْجُبْرَانَاتِ (وَ) لَكِنَّ (الْأَفْضَلَ ذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ) لِلِاتِّبَاعِ وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ فِيهِ، وَلَوْلَا هَذَانِ لَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ وَالْإِمْكَانِ كَالزَّكَاةِ.
(فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ) حِسًّا بِأَنْ فَقَدَهُ وَثَمَنَهُ أَوْ شَرْعًا بِأَنْ وَجَدَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ أَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ أَوْ إلَى ثَمَنِهِ أَوْ غَابَ عَنْهُ مَالُهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ (فِي مَوْضِعِهِ) وَهُوَ الْحَرَمُ سَوَاءٌ أَقَدَرَ عَلَيْهِ بِبَلَدِهِ أَمْ بِغَيْرِهِ أَمْ لَا، بِخِلَافِ
[حاشية الشبراملسي]
الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ ذَكَرَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ) بَقِيَ مَا لَوْ كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَالٌ بِلَا أَهْلٍ أَوْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَهْلٌ وَلَا مَالَ لَهُ أَوْ لَيْسَ لَهُ أَهْلٌ وَلَا مَالٌ فِي أَحَدِهِمَا، وَالْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ أَنَّهُ كَمَا اسْتَوَيَا فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ إلَخْ (قَوْلُهُ: دُونَ الْآبَاءِ وَالْإِخْوَةِ) أَيْ وَالْأَوْلَادِ الرُّشَدَاءِ عَلَى مَا أَفْهَمَهُ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ قَبْلُ: تَحْتَ حِجْرِهِ (قَوْلُهُ: أَفْتَى الرِّيمِيُّ) بِفَتْحِ الرَّاءِ إلَى رَيْمَةَ نَاحِيَةٌ بِالْيَمَنِ اهـ أَنْسَابٌ.
وَعِبَارَةُ الْقَامُوسِ: وَرَيْمَةٌ بِالْفَتْحِ: مِخْلَافٌ بِالْيَمَنِ وَحِصْنٌ بِالْيَمَنِ اهـ (قَوْلُهُ قَالَ) أَيْ النَّاشِرِيُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: وَلَا وُقُوعُ النُّسُكَيْنِ عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ) أَيْ بَلْ يَجِبُ وَإِنْ كَانَ النُّسُكَانِ عَنْ اثْنَيْنِ غَيْرِ الْمُحْرِمِ أَوْ أَحَدُهُمَا لِلْمُحْرِمِ وَالْآخَرُ لِغَيْرِهِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْفَصْلِ بَيَانُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّمُ (قَوْلُهُ: لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ) أَيْ فَلَا يَسْتَقِرُّ قَبْلَهُ فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَلَا إلَى مَسَافَتِهِ) نُسْخَةٌ مُسَامَتِهِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْلَا هَذَانِ) هُمَا قَوْلُهُ لِلِاتِّبَاعِ وَقَوْلُهُ وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافٍ إلَخْ
(قَوْلُهُ: بِأَنْ وَجَدَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّ بِحَيْثُ يَتَغَابَنُ بِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ لَكِنْ يَنْبَغِي وُجُوبُهُ بِزِيَادَةٍ لَا يَتَغَابَنُ بِهَا (قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ) وَيَظْهَرُ أَنْ يَأْتِيَ هُنَا مَا ذَكَرُوهُ فِي الْكَفَّارَةِ مِنْ ضَابِطِ الْحَاجَةِ وَمِنْ اعْتِبَارِ سِنِّهِ أَوْ
[حاشية الرشيدي]
هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ الْحُكْمَ تَعَبُّدِيٌّ عَمَلًا بِالدَّلِيلِ فَلَا يُسْأَلُ عَنْ مَعْنَاهُ (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الذَّخَائِرِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَخْ) هُوَ مُقَابِلٌ لِمَا قَبْلَهُ لَا عَيْنُهُ، لَكِنَّ عِبَارَةَ الشِّهَابِ حَجّ: ثُمَّ مَا خَرَجَ مِنْهُ ثُمَّ مَا أَحْرَمَ مِنْهُ انْتَهَتْ
كَفَّارَةِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ يَخْتَصُّ ذَبْحُهُ بِالْحَرَمِ دُونَ الْكَفَّارَةِ (صَامَ) بَدَلَهُ حَتْمًا (عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [البقرة: 196] أَيْ الْهَدْيَ ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] أَيْ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهِ فَيَمْتَنِعُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الدَّمِ، إذْ الصَّوْمُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَامْتَنَعَ تَقْدِيمُهَا عَلَى وَقْتِهَا كَالصَّلَاةِ، وَالدَّمُ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ كَالزَّكَاةِ، وَلَوْ عَدِمَ الْهَدْيُ فِي الْحَالِ وَعُلِمَ وُجُودُهُ قَبْلَ فَرَاغِ الصَّوْمِ فَلَهُ الصَّوْمُ فِي الْأَظْهَرِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَعْجِزْ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَوْ رَجَا وُجُودَهُ جَازَ لَهُ الصَّوْمُ وَفِي اسْتِحْبَابِ انْتِظَارِهِ مَا مَرَّ فِي التَّيَمُّمِ وَلَكِنْ (تُسْتَحَبُّ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ) ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ فِطْرُهُ كَمَا مَرَّ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ فَيُحْرِمُ قَبْلَ سَادِسِ الْحِجَّةِ وَيَصُومُهُ وَتَالِيَيْهِ، وَإِذَا أَحْرَمَ فِي زَمَنٍ يَسَعُ الثَّلَاثَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ تَقْدِيمُهَا عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَصَى وَصَارَتْ قَضَاءً، وَإِنْ أَخَّرَ الطَّوَافَ وَصَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ نَادِرٌ فَلَا يَكُونُ مُرَادًا مِنْ الْآيَةِ، وَلَيْسَ السَّفَرُ عُذْرًا فِي تَأْخِيرِ صَوْمِهَا؛ لِأَنَّ صَوْمَهَا يَتَعَيَّنُ إيقَاعُهُ فِي الْحَجِّ بِالنَّصِّ، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَلَا يَكُونُ السَّفَرُ عُذْرًا، بِخِلَافِ رَمَضَانَ فَلَا يَجُوزُ صَوْمُهَا فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَالتَّشْرِيقِ كَمَا مَرَّ، وَإِذَا فَاتَهُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَجِّ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ بِزَمَنٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ إذْ لَا يَجِبُ تَحْصِيلُ سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَحُجَّ فِي هَذَا الْعَامِ، وَيُسَنُّ لِلْمُوسِرِ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ ثَامِنُ الْحِجَّةِ لِلِاتِّبَاعِ، وَهَذَا الصَّوْمُ تَرْكٌ لَا يُتَصَوَّرُ فِي تَرْكِ الرَّمْيِ وَلَا فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ وَلَا فِي الْفَوَاتِ، فَيَجِبُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي الرَّمْيِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْإِمْكَانِ بَعْدَ الْوُجُوبِ (وَ) صَامَ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ (سَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى) وَطَنِهِ وَ (أَهْلِهِ) (فِي الْأَظْهَرِ) إنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ إلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] وَخَبَرُ «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ» فَلَا يَجُوزُ صَوْمُهَا فِي الطَّرِيقِ لِذَلِكَ، فَلَوْ أَرَادَ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ صَامَهَا بِهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَالثَّانِي إذَا فَرَغَ مِنْ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ بِالرُّجُوعِ فَكَأَنَّهُ بِالْفَرَاغِ رَجَعَ عَمَّا كَانَ مُقْبِلًا عَلَيْهِ (وَيُنْدَبُ تَتَابُعُ) الْأَيَّامِ (الثَّلَاثَةِ) أَدَاءً أَوْ قَضَاءً (وَ) كَذَا (السَّبْعَةُ) بِالرَّفْعِ بِخَطِّهِ، وَيُنْدَبُ تَتَابُعُهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِيهِ مُبَادَرَةً لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ.
نَعَمْ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ سَادِسِ الْحِجَّةِ لَزِمَهُ أَنْ يُتَابِعَ فِي الثَّلَاثَةِ لِضِيقِ الْوَقْتِ لَا لِلتَّتَابُعِ نَفْسِهِ (وَلَوْ) (فَاتَهُ الثَّلَاثَةُ فِي الْحَجِّ) بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ) قَضَاؤُهَا لِمَا مَرَّ (وَأَنْ يُفَرِّقَ فِي قَضَائِهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبْعَةِ) بِقَدْرِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يَوْمِ النَّحْرِ، وَالتَّشْرِيقِ، وَمُدَّةُ إمْكَانِ السَّيْرِ إلَى أَهْلِهِ عَلَى الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ كَمَا فِي الْأَدَاءِ، فَلَوْ صَامَ عَشَرَةً وَلَاءً حَصَلَتْ الثَّلَاثَةُ
[حاشية الشبراملسي]
الْعُمُرِ الْغَالِبِ وَقْتَ الْأَدَاءِ إلَّا الْوُجُوبُ اهـ حَجّ اهـ زِيَادِيٌّ (قَوْلُهُ: مَا مَرَّ فِي التَّيَمُّمِ) أَيْ فَإِنْ تَيَقَّنَ وُجُودَهُ فَانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَالتَّعْجِيلُ أَفْضَلُ (قَوْلُهُ: فَيُحْرِمُ قَبْلَ سَادِسِ الْحِجَّةِ) أَيْ وَالْأَوْلَى لَهُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا) أَيْ وَلَوْ مُسَافِرًا كَمَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَيْسَ السَّفَرُ عُذْرًا فِي تَأْخِيرِ صَوْمِهَا (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَحُجَّ فِي هَذَا الْعَامِ) أَيْ يُمْكِنُ (قَوْلُهُ: إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ) أَيْ وَإِنْ بَعُدَ وَطَنُهُ كَالْمَغَارِبَةِ مَثَلًا (قَوْلُهُ: صَامَهَا) أَيْ السَّبْعَةَ وَجَازَ الشُّرُوعُ فِيهَا عَقِبَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حَيْثُ صَامَ الثَّلَاثَةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَإِلَّا صَامَ الثَّلَاثَةَ ثُمَّ السَّبْعَةَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ (قَوْلُهُ: وَيُنْدَبُ تَتَابُعُهَا أَيْضًا) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَيْ يُنْدَبُ إلَخْ؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ تَفْسِيرٌ لِلتَّشْبِيهِ الْمُفَادِ بِقَوْلِهِ وَكَذَا السَّبْعَةُ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ كَمَا يُنْدَبُ تَتَابُعُ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ يُنْدَبُ تَتَابُعُ الْعَشَرَةِ بِأَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ إلَّا بِمُدَّةِ السَّيْرِ إلَى أَهْلِهِ (قَوْلُهُ: بِقَدْرِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) أَيْ فَلَوْ اسْتَوْطَنَ مَكَّةَ وَلَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ فَرَقَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ (قَوْلُهُ: وَمُدَّةُ إمْكَانِ السَّيْرِ إلَى أَهْلِهِ عَلَى الْعَادَةِ) أَقُولُ: وَمِنْ ذَلِكَ إقَامَةُ الْحُجَّاجِ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَعْمَالِ الْحَجِّ لِقَضَاءِ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا كَمَا مَرَّ) كَذَا فِي النُّسَخِ بِالْكَافِ وَلَعَلَّ صَوَابَهُ لِمَا مَرَّ بِاللَّامِ
يُعْتَدُّ بِالْبَقِيَّةِ لِعَدَمِ التَّفْرِيقِ.
.
وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ التَّفْرِيقُ (وَعَلَى الْقَارِنِ دَمٌ) لِوُجُوبِهِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ بِالنَّصِّ وَفِعْلُ الْمُتَمَتِّعِ أَكْثَرُ مِنْ فِعْلِ الْقَارِنِ فَإِذَا لَزِمَهُ الدَّمُ قَارَنَ أَوْلَى لِخَبَرِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَبَحَ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكُنَّ قَارِنَاتٍ» (كَدَمِ التَّمَتُّعِ) فِي أَحْكَامِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ جِنْسًا وَسِنًّا وَبَدَلًا عِنْدَ الْعَجْزِ؛ لِأَنَّهُ فَرْعٌ عَنْ دَمِ التَّمَتُّعِ (قُلْت) كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ (بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ) الْقَارِنُ (مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وَمَرَّ بَيَانُ حَاضِرِيهِ وَأَنْ لَا يَعُودَ قَبْلَ الْوُقُوفِ لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ عَنْ الْمِيقَاتِ فَإِنْ عَادَ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) ؛ لِأَنَّ دَمَ الْقِرَانِ فَرْعٌ عَنْ دَمِ التَّمَتُّعِ وَدَمُ التَّمَتُّعِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْحَاضِرِ فَفَرْعُهُ كَذَلِكَ، وَذِكْرُ هَذَا الشَّرْطِ إيضَاحٌ، وَإِلَّا فَتَشْبِيهُهُ بِدَمِ التَّمَتُّعِ كَمَا مَرَّ يُغْنِي عَنْهُ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ اثْنَانِ آخَرَ أَحَدُهُمَا لِحَجٍّ وَالْآخَرُ لِعُمْرَةٍ فَتَمَتَّعَ عَنْهُمَا أَوْ اعْتَمَرَ أَجْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ حَجَّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَمَتَّعَ بِالْإِذْنِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي الْأُولَى وَمِنْ الْمُسْتَأْجِرِ فِي الثَّانِيَةِ فَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْآذِنَيْنِ أَوْ الْآذِنُ وَالْأَجِيرُ نِصْفُ الدَّمِ إنْ أَيْسَرَا وَإِنْ أَعْسَرَا أَوْ أَحَدُهُمَا فِيمَا يَظْهَرُ فَالصَّوْمُ عَلَى الْأَجِيرِ، أَوْ تَمَتَّعَ بِلَا إذْنٍ مِمَّنْ ذَكَرَ لَزِمَهُ دَمَانِ دَمٌ لِلتَّمَتُّعِ وَدَمٌ لِأَجْلِ الْإِسَاءَةِ بِمُجَاوَزَتِهِ الْمِيقَاتَ، وَلَوْ وَجَدَ الْمُتَمَتِّعُ الْفَاقِدُ لِلْهَدْيِ الْهَدْيَ بَيْنَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَالصَّوْمِ لَزِمَهُ الْهَدْيُ لَا إنْ وَجَدَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الصَّوْمِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
.
بَابُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ أَيْ الْمُحَرَّمَاتِ بِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ كَخَبَرِ «سُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ إلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ
[حاشية الشبراملسي]
حَوَائِجِهِمْ، فَإِذَا أَقَامَ بِمَكَّةَ فَرَقَ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَبِقَدْرِ السَّيْرِ الْمُعْتَادِ إلَى أَهْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّوَجُّهُ إلَيْهِمْ بِدُونِ خُرُوجِ الْحَاجِّ فَهِيَ ضَرُورِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُ كَالْإِقَامَةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي الطَّرِيقِ وَمِنْ ذَلِكَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ لِدُورِهِ الْمَعْرُوفَةِ فَيُفَرِّقُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ فَرْعٌ عَنْ دَمِ التَّمَتُّعِ) أَيْ مَبْنِيٌّ عَلَى دَمِ التَّمَتُّعِ (قَوْلُهُ: لِأَجْلِ الْإِسَاءَةِ إلَخْ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَعُدْ لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ (قَوْلُهُ: لَا إنْ وَجَدَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ إلَخْ) أَيْ وَإِذَا فَعَلَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ فَهَلْ يَسْقُطُ بَقِيَّتُهُ لِفِعْلِهِ مَا هُوَ الْأَصْلُ وَيَقَعُ مَا فَعَلَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ عَجَزَ عَنْ الْإِعْتَاقِ فِي كَفَّارَةِ الْوِقَاعِ أَوْ الظِّهَارِ وَشَرَعَ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْإِعْتَاقِ فَفَعَلَهُ فَإِنَّ مَا صَامَهُ يَقَعُ نَفْلًا مُطْلَقًا.
(بَابُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ) أَيْ الْمُحَرَّمَاتُ بِهِ [فَائِدَةٌ] مُحَصِّلُ مَا فِي حَاشِيَةِ الْإِيضَاحِ لِلشَّارِحِ أَنَّ كُلًّا مِنْ إتْلَافِ الْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَمِ وَمِنْ الْجِمَاعِ فِي الْحَجِّ
[حاشية الرشيدي]
لِخَبَرِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَبَحَ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ» ) لَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْهُ وَاوُ الْعَطْفِ قَبْلَ لَفْظِ لِخَبَرِ مِنْ الْكَتَبَةِ وَكَأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُقَدِّمْهُ عَلَى الْقِيَاسِ كَمَا صَنَعَ فِي التُّحْفَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِي أَنَّ الذَّبْحَ عَنْ الْقِرَانِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ إلَّا لِمُجَرَّدِ الِاسْتِئْنَاسِ لِلْقِيَاسِ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْهُ بَعْدَ تَصْدِيرِهِ الْقِيَاسَ الْمَارَّ بِقَوْلِهِ وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ إلَخْ (قَوْلُهُ فَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْآذِنَيْنِ) أَيْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ أَوْ الْآذِنُ وَالْأَجِيرُ.
[بَابُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ]
فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا يَلْبَسُ مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ، وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» وَإِنَّمَا وَقَعَ الْجَوَابُ عَمَّا لَا يَلْبَسُ؛ لِأَنَّهُ مَحْصُورٌ بِخِلَافِ مَا يَلْبَسُ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ إذْ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ، وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي السُّؤَالُ عَمَّا لَا يَلْبَسُ، وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْجَوَابِ مَا يُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ السُّؤَالَ صَرِيحًا لِخَبَرِ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُبْسِ الْقُمُصِ وَالْأَقْبِيَةِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ وَالْخِفَافِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ النَّعْلَيْنِ» وَقَدْ عَدَّ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الرَّوْنَقِ وَاللُّبَابِ عِشْرِينَ شَيْئًا، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ الْبُلْقِينِيُّ فِي تَدْرِيبِهِ، وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ: إنَّهَا عَشْرَةٌ: أَيْ وَالْبَاقِيَةُ مُتَدَاخِلَةٌ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ بَالَغَ فِي اخْتِصَارِ أَحْكَامِ الْحَجِّ لَا سِيَّمَا هَذَا الْبَابُ وَأَتَى فِيهِ بِصِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَى حَصْرِ الْمُحَرَّمَاتِ فِيمَا ذَكَرَهُ، وَالْمُحَرِّرُ سَالِمٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ: يَحْرُمُ فِي الْإِحْرَامِ أُمُورٌ مِنْهَا كَذَا وَكَذَا اهـ.
وَالْمُصَنِّفُ عَدَّهَا سَبْعَةً فَقَالَ (أَحَدُهَا سَتْرُ بَعْضِ رَأْسِ الرَّجُلِ) وَإِنْ قَلَّ كَبَيَاضِ خَلْفِ أُذُنِهِ فَيَجِبُ كَشْفُ جَمِيعِهِ مِنْهُ مَعَ كَشْفِ جُزْءٍ مِمَّا يُحَاذِيهِ مِنْ الْجَوَانِبِ، إذْ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَلَيْسَتْ الْأُذُنُ مِنْ الرَّأْسِ خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ فِيهِ، وَلَوْ جَاوَزَ شَعْرُ رَأْسِهِ حَدَّهُ بِحَيْثُ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ سَتْرُهُ هُنَا كَمَا يُجْزِئُ تَقْصِيرُهُ أَوْ لَا كَمَا لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؟ مَحَلُّ احْتِمَالٍ، وَالْأَوْجَهُ الثَّانِي (بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا) عُرْفًا وَإِنْ لَمْ يُحِطْ بِهِ كَقَلَنْسُوَةٍ وَطِينٍ وَمَرْهَمٍ وَحِنَّاءَ ثَخِينٍ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي خَرَّ عَنْ بَعِيرِهِ مَيِّتًا: لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» بِخِلَافِ مَا لَا يُعَدُّ سَاتِرًا كَخَيْطٍ شَدَّهُ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَرِيضًا كَالْعِصَابَةِ وَمَحْمُولٌ كَقُفَّةِ وَضَعَهَا عَلَى رَأْسِهِ لَا بِقَصْدِ السِّتْرِ وَإِلَّا لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ كَمَا جَزَمَ بِهِ جَمْعٌ وَمُقْتَضَاهُ الْحُرْمَةُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَحْوَ الْقُفَّةِ لَوْ اسْتَرْخَى عَلَى رَأْسِهِ بِحَيْثُ صَارَ كَالْقَلَنْسُوَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ يُحْمَلُ يَحْرُمُ وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ سِتْرَهُ، فَإِنْ انْتَفَى شَرْطٌ مِمَّا ذَكَرَ لَمْ يَحْرُمْ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ، وَمَاءٍ غَطَسَ فِيهِ وَلَوْ كَدِرًا أَوْ طِينًا وَحِنَّاءَ رَقِيقَيْنِ وَلَبَنٍ وَعَسَلٍ رَقِيقٍ وَهَوْدَجٍ اسْتَظَلَّ بِهِ وَإِنْ مَسَّهُ أَوْ قَصَدَ السِّتْرَ بِذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ وَفَارَقَ نَحْوَ الْقُفَّةِ بِأَنَّ تِلْكَ يُقْصَدُ السِّتْرُ بِهَا عُرْفًا بِخِلَافِ هَذِهِ وَنَحْوِهَا، وَتَوَسَّدَ وِسَادَةً أَوْ عِمَامَةً وَسَتَرَهُ بِمَا لَا يُلَاقِيهِ كَأَنْ رَفَعَهُ بِنَحْوِ عُودٍ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ غَيْرِهِ وَإِنْ قَصَدَ السِّتْرَ فِيمَا يَظْهَرُ، وَإِنَّمَا عَدَّ نَحْوَ الْمَاءِ الْكَدِرِ سَاتِرًا فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ ثَمَّ عَلَى مَا مَنَعَ إدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ وَهُنَا عَلَى السَّاتِرِ الْعُرْفِيِّ وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ إدْرَاكَهَا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ السِّتْرُ بِالزُّجَاجِ هُنَا كَغَيْرِهِ، فَانْدَفَعَ مَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ اتِّحَادِ الْبَابَيْنِ، وَمَا بَنَاهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ السَّاتِرَ الرَّقِيقَ الَّذِي يَحْكِي الْبَشَرَةَ لَا يَضُرُّ هُنَا فَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ هُنَا بِأَنَّهُ يَضُرُّ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا فِي نُكَتِ النَّسَائِيّ مِمَّا يَقْتَضِي ضَعْفَهُ، وَلَوْ شَدَّ خِرْقَةً عَلَى جُرْحٍ بِرَأْسِهِ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ بِخِلَافِهِ فِي الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْبَدَنِ وَأَفْهَمَتْ عِبَارَتُهُ جَوَازَ
[حاشية الشبراملسي]
كَبِيرَةٌ، وَأَنَّ بَقِيَّةَ الْمُحَرَّمَاتِ صَغِيرَةٌ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُهُ وَمِنْ الْجِمَاعِ ظَاهِرُهُ وَلَوْ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَجِّ قَدْ يُخْرِجُ الْعُمْرَةَ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ الثَّانِي) وَعَلَيْهِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّقْصِيرِ أَنَّ الْبَشَرَةَ هُنَا هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالْحُكْمِ كَالْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَ تَقْصِيرُهُ؛ لِأَنَّهُ مَنُوطٌ بِالشَّعْرِ لَا الْبَشَرَةِ فَلَمْ يُشْبِهْ مَا نَحْنُ فِيهِ حَجّ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا لَا يُعَدُّ سَاتِرًا كَخَيْطٍ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قُصِدَ بِهِ السِّتْرُ وَيَدُلُّ لَهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ نَحْوِ الْقُفَّةِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ كَقُفَّةٍ) وَمِثْلُ الْقُفَّةِ فِيمَا ذَكَرَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى رَأْسِهِ بِقَصْدِ السِّتْرِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ) أَيْ بِأَنْ قَصَدَ السِّتْرَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْحَمْلِ (قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَاهُ) أَيْ مُقْتَضَى قَوْلِهِ وَإِلَّا لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ (قَوْلُهُ: مِمَّا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَإِنْ انْتَفَى شَرْطٌ مِمَّا ذَكَرَ) أَيْ بِأَنْ لَمْ تَسْتَرْخِ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ يُحْمَلُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ شَدَّ خِرْقَةً عَلَى جُرْحٍ بِرَأْسِهِ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ حُرْمَةٍ كَمَا يَأْتِي
سَتْرِ وَجْهِهِ، وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَخَبَرُ مُسْلِمٍ فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ» قَالَ السُّهَيْلِيُّ: ذِكْرُ الْوَجْهِ فِيهِ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ.
قَالَ فِي الشَّامِلِ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَجِبُ كَشْفُهُ مِنْ الْوَجْهِ لِتَحَقُّقِ كَشْفِ الرَّأْسِ وَصَحَّ خَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ (إلَّا) سِتْرَ بَعْضِ رَأْسِ الرَّجُلِ أَوْ كُلِّهِ (لِحَاجَةٍ) مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مُدَاوَاةٍ كَأَنْ جُرِحَ رَأْسُهُ فَشَدَّ عَلَيْهِ خِرْقَةً فَيَجُوزُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] نَعَمْ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ كَمَا مَرَّ قِيَاسًا عَلَى الْحَلْقِ بِسَبَبِ الْأَذَى (وَلُبْسِ الْمَخِيطِ) كَقَمِيصٍ وَخُفٍّ وَقُفَّازٍ وَخِبَاءٍ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ يَدَيْهِ مِنْ كُمِّهِ وَخَرِيطَةٍ لِخِضَابِ لِحْيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقُفَّازَيْنِ وَسَرَاوِيلَ وَتُبَّانٍ (وَالْمَنْسُوجِ) كَدِرْعٍ مِنْ زَرَدٍ سَوَاءٌ أَكَانَ السَّاتِرُ خَاصًّا بِمَحَلِّ السَّتْرِ كَكِيسِ اللِّحْيَةِ أَوْ لَا، كَأَنْ سَتَرَ بِبَعْضِهِ بَعْضَ الْبَدَنِ عَلَى وَجْهٍ جَائِزٍ وَبِبَعْضِهِ الْآخَرِ بَعْضَهُ عَلَى وَجْهٍ مُمْتَنِعٍ، كَإِزَارٍ شَقَّهُ نِصْفَيْنِ وَلَفَّ عَلَى سَاقٍ نِصْفَهُ بِعَقْدٍ أَوْ خَيْطٍ وَإِنْ لَمْ يَلُفَّ النِّصْفَ الْآخَرَ عَلَى السَّاقِ الْآخَرِ فِيمَا يَظْهَرُ وَإِنْ أَوْهَمَ تَعْبِيرُهُمَا كَغَيْرِهِمَا بِقَوْلِهِمْ أَوْ شَقَّهُ نِصْفَيْنِ وَلَفَّ كُلَّ نِصْفٍ عَلَى سَاقٍ وَعَقَدَهُ خِلَافَهُ (وَالْمَعْقُودُ) كَجُبَّةِ لَبَدٍ سَوَاءً فِي ذَلِكَ الْمُتَّخَذُ مِنْ قُطْنٍ وَكَتَّانٍ وَغَيْرِهِمَا لِلْخَبَرِ السَّابِقِ (فِي سَائِرِ) أَيْ جَمِيعِ أَجْزَاءِ (بَدَنِهِ) وَالْمُعْتَبَرُ فِي اللُّبْسِ الْعَادَةُ فِي كُلِّ مَلْبُوسٍ إذْ بِهِ يَحْصُلُ التَّرَفُّهُ، فَلَوْ ارْتَدَى بِالْقَمِيصِ أَوْ الْقَبَاءِ أَوْ الْتَحَفَ بِهِمَا أَوْ ائْتَزَرَ بِالسَّرَاوِيلِ فَلَا فِدْيَةَ، كَمَا لَوْ ائْتَزَرَ بِإِزَارٍ لَفَّقَهُ مِنْ رِقَاعٍ أَوْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي سَاقَيْ الْخُفِّ، وَيَلْحَقُ بِهِ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ فِي إحْدَى رِجْلَيْهِ أَوْ أَلْقَى قَبَاءً أَوْ فَرَجِيَّة عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ قَامَ أَوْ قَعَدَ لَمْ يَسْتَمْسِكْ عَلَيْهِ إلَّا بِمَزِيدِ أَمْرٍ، وَلَوْ زَرَّ الْإِزَارَ أَوْ خَاطَهُ حَرُمَ نَصَّ عَلَيْهِ أَوْ عَقَدَهُ بِتِكَّةٍ فِي حُجْزَةِ لِحَاجَةِ إحْكَامِهِ فَلَا، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، وَلَهُ شَدُّهُ بِخَيْطٍ وَلَوْ مَعَ عَقْدِ الْإِزَارِ لِحَاجَةِ ثُبُوتِهِ، بِخِلَافِ عَقْدِ الْإِزَارِ فِي عُرًى إنْ تَقَارَبَتْ وَعَقْدُ الرِّدَاءِ كَذَلِكَ وَإِنْ تَبَاعَدَتْ وَعَقْدُ طَرَفَيْ رِدَائِهِ بِخَيْطٍ أَوْ دُونَهُ أَوْ خَلَّلَهُمَا بِخِلَالٍ كَمَا مَرَّ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْهَا لِشِبْهِهِ بِالسَّرَاوِيلِ أَوْ الْمَخِيطِ مِنْ حَيْثُ اسْتِمْسَاكِهِ بِنَفْسِهِ، وَفَارَقَ الْإِزَارُ الرِّدَاءَ فِيمَا ذَكَرَ بِأَنَّ الْأَزْرَارَ الْمُتَبَاعِدَةَ تُشْبِهُ الْعَقْدَ وَهُوَ فِيهِ مُمْتَنِعٌ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إلَيْهِ غَالِبًا بِخِلَافِ الْإِزَارِ، وَلَهُ شَدُّ طَرَفِ إزَارِهِ فِي طَرَفِ رِدَائِهِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ، وَلَهُ بِلَا حَاجَةِ تَقْلِيدٍ نَحْوُ سَيْفٍ وَشَدُّ نَحْوُ هِمْيَانٍ وَمِنْطَقَةٍ وَلَفُّ عِمَامَةٍ بِوَسَطِهِ وَلَا يَعْقِدُهَا وَلُبْسُ خَاتَمٍ وَإِدْخَالُ يَدِهِ فِي كُمٍّ
[حاشية الشبراملسي]
كَوْنِهِ يُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا أَوْ لَا يُعَدُّ وَقَصَدَ بِنَحْوِ الْقُفَّةِ السِّتْرَ (قَوْلُهُ: وَمَاءٌ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَخَيْطٍ شَدَّهُ (قَوْلُهُ: إلَّا لِحَاجَةٍ) وَيَظْهَرُ ضَبْطُهَا فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا لَا يُطَاقُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ عَادَةً وَإِنْ لَمْ يُبَحْ التَّيَمُّمُ كَحَرٍّ وَبَرْدٍ إلَخْ اهـ حَجّ وَبِبَعْضِ الْهَوَامِشِ الصَّحِيحَةِ عَنْ سم مَا نَصُّهُ: سَأَلْت بَعْضَ شُيُوخِ الْحِجَازِ عَنْ الْمُحْرِمِ إذَا لَبِسَ عِمَامَتَهُ لِلْعُذْرِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ نَزْعُهَا لِأَجْلِ مَسْحِ كُلِّ الرَّأْسِ وَهَلْ تَكَرُّرُ ذَلِكَ لَلسُّنَّةِ وَهَلْ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ لِلنَّزْعِ وَالتَّكْرَارِ، أَوْ لِلنَّزْعِ فَقَطْ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ نَزْعُهَا لِذَلِكَ وَلَهُ التَّكْرِيرُ، وَتَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ لِلنَّزْعِ وَلَا تَلْزَمُهُ لِلتَّكْرِيرِ فِي الْوُضُوءِ الْوَاحِدِ اهـ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ قَرِيبٌ (قَوْلُهُ: وَتُبَّانٌ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: وَالتُّبَّانُ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ سِرْوَالٌ صَغِيرٌ مِقْدَارُ شِبْرٍ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ وَقَدْ يَكُونُ لِلْمَلَّاحِينَ اهـ (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَلُفَّ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: مِنْ بَابِ رَدِّ (قَوْلُهُ: أَوْ الْقَبَاءَ) بِأَنْ وَضَعَ أَسْفَلَهُ عَلَى عَاتِقِيهِ اهـ حَجّ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ غِشَاءً عَلَى عَاتِقِيهِ وَبِطَانَتُهُ إلَى خَارِجٍ كَانَ سَاتِرًا فَتَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ وَهُوَ قَرِيبٌ (قَوْلُهُ: وَيَلْحَقُ بِهِ) أَيْ إدْخَالُ رِجْلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ زَرَّ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بِزِرٍّ وَاحِدٍ أَوْ أَزْرَارٍ مُتَبَاعِدَةٍ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ إنَّمَا يَضُرُّ زَرُّهُ بِالْأَزْرَارِ إنْ تَقَارَبَتْ فِي عُرًى بِخِلَافِ الْمُتَبَاعِدَةِ فَلَعَلَّ مَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: أَوْ عَقَدَهُ بِتِكَّةٍ) التِّكَّةُ بِكَسْرِ التَّاءِ وَالْحُجْزَةُ بِإِثْبَاتِ الْجِيمِ كَمَا هُنَا وَبِحَذْفِهَا كَمَا فِي الْمُهَذَّبِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْمُجْمَلِ وَالصِّحَاحِ وَآخَرُونَ وَهِيَ الَّتِي تُجْعَلُ فِيهَا التِّكَّةُ اهـ مَجْمُوعٌ لِلنَّوَوِيِّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ فِيهِ) أَيْ الرِّدَاءِ (قَوْلُهُ: هِمْيَانٌ) اسْمٌ لِكِيسِ الدَّرَاهِمِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَوْ زَرَّ الْإِزَارَ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي قَرِيبًا بِأَنْ تَكُونَ فِي عُرًى مُتَقَارِبَةٍ، فَالْإِطْلَاقُ هُنَا لِلِاتِّكَالِ عَلَى مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ أَوْ خَلَّلَهُمَا بِخِلَالٍ كَمَا مَرَّ) لَمْ يَمُرَّ لَهُ هَذَا.
مُنْفَصِلٍ عَنْهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ جَوَازُ الِاحْتِبَاءِ بِحَبْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَقَدْ أَبْدَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ حِكْمَةً فِي تَحْرِيمِ لُبْسِ الْمَخِيطِ وَغَيْرِهِ مِمَّا مُنِعَ مِنْهُ الْمُحْرِمُ وَهِيَ خُرُوجُ الْإِنْسَانِ عَنْ عَادَتِهِ فَيَكُونَ مُذَكِّرًا لَهُ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ فَيَشْتَغِلَ بِهَا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَخَرِيطَةُ اللِّحْيَةِ لَا تَدْخُلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ اللِّحْيَةَ لَا تَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْبَدَنِ (إلَّا إذَا) كَانَ لُبْسُهُ لِحَاجَةٍ كَحَرٍّ وَبَرْدٍ فَيَجُوزُ مَعَ الْفِدْيَةِ أَوْ (لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ) أَيْ الْمَخِيطِ وَنَحْوِهِ فَيَجُوزُ لَهُ مِنْ غَيْرِ فِدْيَةٍ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ الَّتِي لَا يَتَأَتَّى الِاتِّزَارُ بِهَا عِنْدَ فَقْدِ الْإِزَارِ، فَإِنْ تَأَتَّى حَرُمَ لُبْسُهُ حِينَئِذٍ وَلُبْسُ خُفٍّ قُطِعَ أَسْفَلُ كَعْبَيْهِ أَوْ مُكَعَّبٍ: أَيْ مَدَاسٍ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالزُّرْمُوزَةِ، أَوْ زُرْبُولٍ لَا يَسْتُرُ الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ اسْتَتَرَ ظَهْرُ الْقَدَمَيْنِ لِمَا صَحَّ مِنْ «قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خُطْبَةِ عَرَفَاتٍ السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ وَالْخِفَافُ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ» أَيْ مَعَ قَطْعِ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ بِقَرِينَةِ الْخَبَرِ الْمَارِّ، وَالْأَصْلُ فِي مُبَاشَرَةِ الْجَائِزِ نَفْيُ الضَّمَانِ وَاسْتِدَامَةُ لُبْسِ ذَلِكَ بَعْدَ قُدْرَتِهِ عَلَى النَّعْلِ وَالْإِزَارُ مُوجِبَةٌ لِلدَّمِ وَخَرَجَ بِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْوَاجِدُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ لُبْسُ ذَلِكَ لِلْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّعْلِ التَّاسُومَةُ وَمِثْلُهَا قَبْقَابٌ لَمْ يَسْتُرْ سَيْرُهُ جَمِيعَ الْأَصَابِعِ، أَمَّا الْمَدَاسُ الْمَعْرُوفُ الْآنَ فَيَجُوزُ لُبْسُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحِيطٍ بِالْقَدَمِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَأَتَّى مِنْ السَّرَاوِيلِ إزَارٌ أَوْ لَا لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ بِجَعْلِهِ إزَارًا فِي بَعْضِ صُوَرِهِ وَلِتَأَتِّي الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ النَّعْلِ بَعْدَ قَطْعِهِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ، وَلِوُرُودِ الْأَمْرِ بِقَطْعِهِ وَجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِسُهُولَةِ أَمْرِهِ وَالْمُسَامَحَةِ فِيهِ بِخِلَافِ السَّرَاوِيلِ فَسَقَطَ الْقَوْلُ بِإِشْكَالِهِ، وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ جَوَازِ قَطْعِهِ إذَا وُجِدَ الْمُكَعَّبُ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ إزَارًا مِثْلَهُ قِيمَةً وَجَبَ إنْ لَمْ يَمْضِ زَمَنٌ تَبْدُو فِيهِ عَوْرَتُهُ وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَوْ بِيعَ مِنْهُ إزَارٌ أَوْ نَعْلٌ نَسِيئَةً أَوْ وُهِبَا لَهُ وَلَوْ مِنْ أَصْلٍ أَوْ فَرْعٍ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ أَوْ أُعِيرَ لَهُ لَزِمَهُ.
وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ يَجِيءُ حِينَئِذٍ فِي الشِّرَاءِ نَسِيئَةً، وَفِي قَرْضِ الثَّمَنِ مَا مَرَّ فِي التَّيَمُّمِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ لُبْسُ الْخُفِّ الْمَقْطُوعِ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ وَهُوَ بَعِيدٌ، بَلْ الْأَوْجَهُ عَدَمُهُ إلَّا لِحَاجَةٍ كَخَشْيَةِ تَنَجُّسِ رِجْلَيْهِ أَوْ نَحْوِ بَرْدٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ كَوْنِ الْحَفَاءِ غَيْرَ لَائِقٍ بِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ مَا تَقَرَّرَ بَيْنَ الْبَالِغِ وَالصَّبِيِّ إلَّا أَنَّ الْإِثْمَ يَخْتَصُّ بِالْمُكَلَّفِ، وَيَأْثَمُ الْوَلِيُّ إذَا أَقَرَّ الصَّبِيَّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا بَيْنَ طُولِ زَمَنِ اللُّبْسِ وَقِصَرِهِ (وَوَجْهُ الْمَرْأَةِ) وَلَوْ أَمَةً كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ (كَرَأْسِهِ) أَيْ الرَّجُلِ فِي حُرْمَةِ السَّتْرِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: جَوَازَ الِاحْتِبَاءِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: عِنْدَ فَقْدِ الْإِزَارِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ بِفَتْقِهِ وَفِي حَجّ أَنَّ مَحَلَّ جَوَازِ ذَلِكَ إنْ نَقَصَ بِفَتْقِهِ وَإِلَّا وَجَبَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اسْتَتَرَ ظَهْرُ الْقَدَمَيْنِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ اسْتَتَرَ الْعَقِبُ وَعَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَطْعِ مَا يَسْتُرُ الْأَصَابِعَ مِنْ الزُّرْمُوزَةِ أَوْ الزُّرْبُورِ (قَوْلُهُ: وَاسْتِدَامَةُ لُبْسِهِ) أَيْ وَإِنْ قَلَّتْ (قَوْلُهُ: مُوجِبَةٌ لِلدَّمِ) أَيْ وَحُرْمَةُ الِاسْتِدَامَةِ كَمَا يَأْتِي فِي سَاتِرِ وَجْهِ الْمَرْأَةِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَسْتُرْ سَيْرُهُ جَمِيعَ الْأَصَابِعِ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا سَتَرَ جَمِيعَ الْأَصَابِعِ ضَرَّ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ حُرْمَةِ الزُّرْمُوزَةِ مَعَ أَنَّهَا سَاتِرَةٌ لِظَهْرِ الْقَدَمِ مَعَ جَمِيعِ الْأَصَابِعِ إلَّا أَنْ يُعَلَّلَ مَا مَرَّ بِمَا إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا فَاغْتُفِرَ لُبْسُهَا لِلْحَاجَةِ بِخِلَافِ مَا هُنَا، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ مَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْمَدَاسُ الْمَعْرُوفُ الْآنَ) وَهُوَ مَا يَكُونُ اسْتِمْسَاكُهُ بِسُيُورٍ عَلَى الْأَصَابِعِ (قَوْلُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ فِي النَّسِيئَةِ لِأَجَلٍ يُوسِرُ فِيهِ كَأَنْ أُجِّلَ مُدَّةً يَصِلُ فِيهَا إلَى مَالِهِ وَقِيَاسُ مَا فِي التَّيَمُّمِ خِلَافُهُ ثُمَّ رَأَيْتُ قَوْلَهُ وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَفِي فَرْضِ الثَّمَنِ مَا مَرَّ فِي التَّيَمُّمِ) أَيْ فَيَجِبُ حَيْثُ كَانَ لِأَجَلٍ مَعَ زِيَادَةٍ تَلِيقُ بِالْأَجَلِ وَكَانَ مُوسِرًا وَقْتَ حُلُولِهَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَوْ مُكَعَّبٍ إلَخْ) أَيْ وَالصُّورَةُ أَنَّهُ فَاقِدٌ لِلنَّعْلِ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اسْتَتَرَ ظَهْرُ الْقَدَمَيْنِ) أَيْ وَلَوْ مَعَ الْأَصَابِعِ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهَا قَبْقَابٌ) أَيْ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: وَلِتَأَتِّي الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ النَّعْلِ إلَخْ) تُرَاجَعُ لَهُ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ، وَعِبَارَةُ الْإِمْدَادِ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَأْتِيَ مِنْ السَّرَاوِيلِ أَزْرَارٌ أَوْ لَا لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ بِجَعْلِهِ أَزْرَارًا فِي بَعْضِ صُوَرِهِ وَفَارَقَ الْخُفُّ لِلْأَمْرِ بِقَطْعِهِ وَلِجَرَيَانِ الْعَادَةِ إلَى آخِرِ مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ جَوَازِ قَطْعِهِ) أَيْ
لِوَجْهِهَا أَوْ بَعْضِهِ إلَّا لِحَاجَةٍ فَيَجُوزُ مَعَ الْفِدْيَةِ، وَعَلَى الْحُرَّةِ أَنْ تَسْتُرَ مِنْهُ مَا لَا يَتَأَتَّى سِتْرُ جَمِيعِ رَأْسِهَا إلَّا بِهِ احْتِيَاطًا لِلرَّأْسِ، إذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُ سِتْرِهِ إلَّا بِسِتْرِ قَدْرٍ يَسِيرٍ مِمَّا يَلِيهِ مِنْ الْوَجْهِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى سِتْرِهِ بِكَمَالِهِ لِكَوْنِهِ عَوْرَةً أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى كَشْفِ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الْوَجْهِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْأَمَةَ لَا تَسْتُرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَأْسَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَهُوَ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْإِسْعَادِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْمَجْمُوعِ: مَا ذُكِرَ فِي إحْرَامِ الْمَرْأَةِ وَلُبْسِهَا لَمْ يُفَرِّقُوا فِيهِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ وَشَذَّ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَحَكَى وَجْهًا أَنَّ الْأَمَةَ كَالرَّجُلِ، وَوَجْهَيْنِ فِي الْمُبَعَّضَةِ هَلْ هِيَ كَالْأَمَةِ أَوْ كَالْحُرَّةِ اهـ.
وَعَلَى ظَاهِرِ الْمَجْمُوعِ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِالرَّأْسِ حَتَّى مِنْ الْأَمَةِ أَكْثَرُ، وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تُرْخِيَ عَلَى وَجْهِهَا ثَوْبًا مُتَجَافِيًا عَنْهُ بِنَحْوِ خَشَبَةٍ وَإِنْ لَمْ يُحْتَجْ لِذَلِكَ لِحَرٍّ وَفِتْنَةٍ، فَإِنْ وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ فَأَصَابَ وَجْهَهَا فَإِنْ رَفَعَتْهُ فَوْرًا فَلَا فِدْيَةَ وَإِلَّا أَثِمَتْ وَوَجَبَتْ، وَلَا يَبْعُدُ جَوَازُ السِّتْرِ مَعَ الْفِدْيَةِ حَيْثُ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِ نَظَرِ مُحْرِمٍ (وَلَهَا) أَيْ لِلْمَرْأَةِ (لُبْسُ الْمَخِيطِ) وَغَيْرِهِ فِي الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ (إلَّا الْقُفَّازَ) فَلَيْسَ لَهَا سِتْرُ الْكَفَّيْنِ وَلَا أَحَدِهِمَا بِهِ (فِي الْأَظْهَرِ) لِلْخَبَرِ الْمَارِّ؛ وَلِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الذَّكَرِ مَلْبُوسُ عُضْوٍ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ فَأَشْبَهَهُ خُفُّ الرَّجُلِ وَخَرِيطَةُ لِحْيَتِهِ، إذْ هُوَ شَيْءٌ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ يُحْشَى بِقُطْنٍ وَيَكُونُ لَهُ مَا يُزَرُّ بِهِ عَلَى السَّاعِدَيْنِ مِنْ الْبَرْدِ وَتَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ فِي يَدَيْهَا، وَمُرَادُ الْفُقَهَاءِ مَا يَشْمَلُ الْمَحْشُوَّ وَالْمَزْرُورَ وَغَيْرَهُمَا وَبِكَوْنِهِ مَلْبُوسَ عُضْوٍ غَيْرِ عَوْرَةٍ فِي الصَّلَاةِ فَارَقَ خُفَّهَا وَأُلْحِقَتْ الْأَمَةُ بِالْحُرَّةِ احْتِيَاطًا، وَخَرَجَ بِهِ سِتْرُ يَدِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِهِ كَكُمٍّ وَخِرْقَةٍ لَفَتَّهَا عَلَيْهَا بِشَدٍّ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا صَحَّحَاهُ فَيَجُوزُ لَهَا جَمِيعُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُحْتَجْ لِخِطَابٍ وَنَحْوِهِ؛ وَلِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْقُفَّازِ عَلَيْهَا مَا مَرَّ وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ هُنَا، وَالرَّجُلُ مِثْلُهَا فِي مُجَرَّدِ لَفِّ الْخِرْقَةِ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ سَتْرُ وَجْهِهِ مَعَ رَأْسِهِ وَتَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ، وَلَيْسَ لَهُ سَتْرُ وَجْهِهِ مَعَ كَشْفِ رَأْسِهِ خِلَافًا لِمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إذْ لَا نُوجِبُهَا بِالشَّكِّ نَعَمْ لَوْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْأَجَانِبِ جَازَ لَهُ كَشْفُ رَأْسِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيُسَنُّ أَنْ يَسْتَتِرَ بِالْمَخِيطِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ رَجُلًا وَيُمْكِنُهُ سِتْرُهُ بِغَيْرِهِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: لَا خِلَافَ أَنَّا نَأْمُرُهُ بِالسَّتْرِ وَلُبْسِ الْمَخِيطِ كَمَا نَأْمُرُهُ بِأَنْ يَسْتَتِرَ فِي صَلَاتِهِ كَالْمَرْأَةِ.
وَفِي أَحْكَامِ الْخَنَاثَى لِابْنِ الْمُسْلِمِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتُرَ رَأْسَهُ وَأَنْ يَكْشِفَ وَجْهَهُ وَأَنْ يَسْتُرَ بَدَنَهُ إلَّا الْمَخِيطَ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ كَالْإِسْنَوِيِّ وَمَا قَالَهُ حَسَنٌ اهـ.
وَلَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ عَنْ الْمَجْمُوعِ.
(الثَّانِي) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ (اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ) لِلْمُحْرِمِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ أَخْشَمَ بِمَا يُقْصَدُ مِنْهُ رِيحُهُ غَالِبًا وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ كَمِسْكٍ وَعُودٍ وَكَافُورٍ وَوَرْسٍ وَزَعْفَرَانٍ وَرَيْحَانٍ وَوَرْدٍ وَيَاسَمِينٍ وَنَرْجِسَ وَآسٍ وَسَوْسَنٍ وَمَنْثُورٍ وَنَمَّامٍ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُتَطَيَّبُ بِهِ وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الطِّيبُ وَشَرْطُ الرَّيَاحِينِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ رَأْسَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَوَجَبَتْ) أَيْ وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَلَا يَبْعُدُ جَوَازُ السِّتْرِ) أَيْ بَلْ يَنْبَغِي وُجُوبُهُ وَلَا يُنَافِيهِ التَّعْبِيرُ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ جَوَازٌ بَعْدَ مَنْعٍ فَيَصْدُقَ بِالْوَاجِبِ (قَوْلُهُ: وَالرَّجُلُ مِثْلُهَا فِي مُجَرَّدِ لَفٍّ) أَيْ فِي لَفِّهَا مَعَ الشَّدِّ فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ مِنْ حُرْمَةِ شَدِّ نِصْفِ الْإِزَارِ بِسَاقِهِ (قَوْلُهُ: إذْ لَا نُوجِبُهَا بِالشَّكِّ) وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ سَتَرَ وَجْهَهُ وَلَبِسَ الْمَخِيطَ فِي إحْرَامٍ وَاحِدٍ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ لِتَحَقُّقِ مُوجِبِهَا هُنَا أَيْضًا اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَلَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ عَنْ الْمَجْمُوعِ) أَيْ فَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمَجْمُوعِ
[حاشية الرشيدي]
الْخُفِّ.
(قَوْلُهُ: مِمَّا يُتَطَيَّبُ بِهِ وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الطَّيِّبُ) عِبَارَةُ الْإِمْدَادِ مَعَ مَتْنِ الْإِرْشَادِ بَعْدَ كَلَامٍ ذَكَرَهُ نَصُّهَا: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ التَّطَيُّبَ إنَّمَا يَحْرُمُ بِمَا يُقْصَدُ رِيحُهُ: أَيْ بِأَنْ يَكُونَ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ ذَلِكَ بِالتَّطَيُّبِ بِهِ أَوْ بِاِتِّخَاذِ الطِّيبِ مِنْهُ أَوْ يَظْهَرُ فِيهِ هَذَا الْغَرَضُ كَزَعْفَرَانٍ وَوَرْدٍ وَيَاسَمِينٍ وَوَرْسٍ وَهُوَ أَشْهَرُ طِيبٍ فِي بِلَادِ الْيَمَنِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُلِّ مَا يُطْلَبُ
كَوْنُهَا رَطْبَةً وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ النَّصِّ أَنَّ الْكَاذِيَ بِالْمُعْجَمَةِ وَلَوْ يَابِسًا طِيبٌ وَلَعَلَّهُ أَنْوَاعٌ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ نَوْعٍ إذَا رُشَّ عَلَيْهِ مَاءٌ ظَهَرَ رِيحُهُ، وَمِثْلُهُ الْفَاغِيَةُ وَهِيَ ثَمَرُ الْحِنَّاءِ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ رَطْبَةً فِيمَا يَظْهَرُ وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ حُرْمَةُ مَا هُوَ طِيبٌ بِنَفْسِهِ بِالْأَوْلَى كَدُهْنِ بَنَفْسَجٍ أَوْ وَرْدٍ أَوْ يَاسَمِينٍ أَوْ آسٍ أَوْ كَاذِيٍّ، وَالْمُرَادُ بِهِ نَحْوُ شَيْرَجٍ يُطْرَحُ فِيهِ ذَلِكَ، أَمَّا لَوْ طُرِحَ نَحْوُ الْبَنَفْسَجِ عَلَى نَحْوِ السِّمْسِمِ أَوْ اللَّوْزِ فَأَخَذَ رَائِحَتَهُ ثُمَّ اُسْتُخْرِجَ دُهْنُهُ فَلَا حُرْمَةَ فِيهِ وَلَا فِدْيَةَ، وَسَوَاءٌ فِي حُرْمَةِ مَا ذُكِرَ أَكَانَ اشْتِمَالُهُ لِذَلِكَ (فِي) مَلْبُوسِهِ مِنْ (ثَوْبِهِ) أَوْ غَيْرِهِ كَخُفٍّ أَوْ نَعْلٍ لِلْخَبَرِ الْمَارِّ (أَوْ) فِي (بَدَنِهِ) قِيَاسًا عَلَى ثَوْبِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَلَوْ بَاطِنًا بِأَكْلٍ أَوْ إسْعَاطٍ أَوْ احْتِقَانٍ فَيَجِبُ مَعَ التَّحْرِيمِ فِي ذَلِكَ الْفِدْيَةُ إذَا كَانَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ الطِّيبِ، فَلَوْ شَدَّ نَحْوَ مِسْكٍ أَوْ عَنْبَرٍ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ أَوْ وَضَعَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي جَيْبِهَا أَوْ لَبِسَتْ حُلِيًّا مَحْشُوًّا بِهِ حَرُمَ كَمَا يَأْتِي، وَلَا يَضُرُّ وَضْعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى هَيْئَتِهِ الْمُعْتَادَةِ، وَشَمُّهُ وَلَا شَمُّ مَاءِ الْوَرْدِ إذْ التَّطَيُّبُ بِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَحْوُ مِسْكٍ إنَّمَا يَكُونُ بِصَبِّهِ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ وَلَا حَمْلُ الْعُودِ وَأَكْلُهُ وَالْإِلْصَاقُ بِبَاطِنِ الْبَدَنِ كَهُوَ بِظَاهِرِهِ، فَلَوْ كَانَ فِي مَأْكُولٍ بَقِيَ فِيهِ رِيحُ الطِّيبِ أَوْ طَعْمُهُ حَرُمَ؛ لِأَنَّ الرِّيحَ هُوَ الْغَرَضُ الْأَعْظَمُ مِنْ الطِّيبِ وَالطَّعْمُ مَقْصُودٌ مِنْهُ أَيْضًا، بِخِلَافِ اللَّوْنِ وَحْدَهُ، وَمِنْهُ إدْخَالُهُ فِي الْإِحْلِيلِ وَالِاكْتِحَالِ بِنَحْوِ إثْمِدٍ مُطَيَّبٍ وَلَوْ خَفِيَتْ رَائِحَةُ الطِّيبِ لِنَحْوِ غُبَارٍ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَصَابَهُ مَاءٌ فَاحَتْ حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْ رَائِحَةِ النَّجَاسَةِ بَعْدَ غَسْلِهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ إزَالَةُ الْعَيْنِ وَقَدْ حَصَلَتْ.
وَالْقَصْدُ مِنْ الطِّيبِ الرَّائِحَةُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ مِنْ الطِّيبِ كَغَيْرِهِ إذَا ظَهَرَ لَهُ رِيحٌ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا تَطَيُّبَ بِفَاكِهَةٍ كَتُفَّاحٍ وَسَفَرْجَلٍ وَأُتْرُجٍّ وَنَارِنْجٍ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا تُقْصَدُ لِلْأَكْلِ غَالِبًا، وَلَا بِنَحْوِ دَوَاءٍ كَقُرُنْفُلٍ وَقِرْفًا وَسُنْبُلَ وَدَارِ صِينِيٍّ وَعَفْصٍ وَحَبٍّ مُحْلَبٍ وَمُصْطَكَا وَسَائِرِ الْأَبَازِيرِ الطَّيِّبَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا غَالِبًا التَّدَاوِي بِهَا، وَلَا بِنَحْوِ زَهْرِ بَادِيَةٍ كَشِيحٍ وَقَيْصُومٍ وَشَقَائِقَ إذْ لَا يُقْصَدُ مِنْهَا الطِّيبُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كَوْنُ الْبُعَيْثِرَانِ طِيبًا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَنْبَتٌ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: أَوْ كَاذِي) وَدُهْنُ أُتْرُجٍّ بِأَنْ أُغْلِيَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ الْأُتْرُجُّ غَيْرَ طِيبٍ إذْ لَا تَلَازُمَ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَشَمَّهُ) أَيْ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَخْذِهَا بِيَدِهِ وَشَمِّهَا أَوْ وَضْعِ أَنْفِهِ عَلَيْهَا لِلشَّمِّ كَمَا شَرَطَهُ ابْنُ كَجٍّ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ وَلَا حَمْلُ الْعُودِ وَأَكْلُهُ) قَدْ يُنَافِي هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي جَعْلِ ضَابِطِ مَا يَحْرُمُ التَّطَيُّبَ بِهِ أَنَّهُ كُلُّ مَا تُقْصَدُ رَائِحَتُهُ كَالْمِسْكِ وَالْعُودِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ بِأَكْلٍ أَوْ إسْعَاطٍ أَوْ احْتِقَانٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ أَكْلَ الْعُودِ لَمَّا لَمْ يُعَدَّ مِنْ التَّطَيُّبِ بِهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي اسْتِعْمَالِهِ لَمْ يَحْرُمْ (قَوْلُهُ: وَالْإِلْصَاقُ بِبَاطِنِ الْبَدَنِ) وَهُوَ دَاخِلُ الْجَوْفِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ وَأَكْلُهُ (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) أَيْ التَّطَيُّبُ (قَوْلُهُ: عَنْ رَائِحَةِ النَّجَاسَةِ) أَيْ حَيْثُ عَسُرَ زَوَالُهَا
[حاشية الرشيدي]
لِلتَّطَيُّبِ وَاِتِّخَاذِ الطِّيبِ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ طِيبًا، وَرَيْحَانٌ فَارِسِيٌّ وَغَيْرُهُ، وَنَرْجِسُ وَآسٌ وَسَوْسَنٌ وَمَنْثُورٌ وَنَمَّامٌ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُتَطَيَّبُ بِهِ وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الطِّيبِ انْتَهَى الْمَقْصُودُ مِنْهَا، وَبِهَا تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ الْخَلَلِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ السِّوَادَةِ لَفْظُ الْإِمْدَادِ مَعَ مَتْنِهِ إلَّا قَلِيلًا (قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ) عِبَارَةُ الْإِمْدَادِ: وَعُلِمَ بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ حُرْمَةُ إلَخْ وَمُرَادُهُ بِالنَّوْعَيْنِ مَا قَدَّمَهُمَا فِيمَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ فِي الْقَوْلَةِ السَّابِقَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَضُرُّ وَضْعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَخْ) سَقَطَ قَبْلَهُ كَلَامٌ هُوَ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ مِنْ النُّسَخِ، وَعِبَارَةُ الْإِمْدَادِ بَعْدَ قَوْلِهِ كَمَا يَأْتِي نَصُّهَا: وَشَمُّ نَحْوِ الْوَرْدِ تَطَيُّبٌ إنْ أَلْصَقَهُ بِأَنْفِهِ وَلَا تَضُرُّ مُمَاسَّتُهُ لِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ وَلَا جُلُوسُهُ بِدُكَّانٍ وَكَانَ يَقْصِدُ شَمَّ ذَلِكَ وَلَا وَضْعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَخْ (قَوْلُهُ وَالْإِلْصَاقُ بِبَاطِنِ الْبَدَنِ إلَخْ) أَيْ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْإِمْدَادِ: وَلَا بِنَحْوِ زَهْرِ بَادِيَةٍ كَشِيحٍ وَقَيْصُومٍ وَشَقَائِقَ وَإِذْخِرٍ وَخِزَامًا إذْ لَا يُقْصَدُ مِنْهَا الطِّيبُ وَإِلَّا لَاسْتُنْبِتَتْ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ إلَخْ، فَلَعَلَّ قَوْلَهُ وَإِلَّا لَاسْتُنْبِتَتْ سَقَطَ مِنْ النُّسَخِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْأَخْذِ، ثُمَّ قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَالْمَدَارُ فِي الِاسْتِنْبَاتِ عَلَى مَا مِنْ شَأْنِهِ
وَمِثْلُهَا نَحْوُ الْعُصْفُرِ وَالْحِنَّاءِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ لَوْنُهَا وَنَوْرُ نَحْوِ التُّفَّاحِ وَالْأُتْرُجِّ وَالنَّارِنْجِ وَالْكُمَّثْرَى بِجَامِعِ عَدَمِ قَصْدِ الطِّيبِ مِنْهُ وَلَا بِنَحْوِ بَانٍ وَدُهْنِهِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ عَنْ النَّصِّ وَاعْتَمَدَهُ، وَأَطْلَقَ الْجُمْهُورُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طِيبٌ، وَحَمَلَ الشَّيْخَانِ الْخِلَافَ عَلَى تَوَسُّطٍ ذَكَرَهُ جَمَاعَاتٌ، وَنَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ عَنْ النَّصِّ وَهُوَ أَنَّ دُهْنَ الْبَانِ الْمَنْشُوشِ وَهُوَ الْمَغْلِيِّ فِي الطِّيبِ طِيبٌ وَغَيْرَ الْمَنْشُوشِ لَيْسَ بِطِيبٍ، وَالْإِغْلَاءُ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى الطَّرْحِ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي دُهْنِ الْبَنَفْسَجِ، وَأَيَّدَهُ الْقُونَوِيُّ بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْأَدْهَانُ نَوْعَانِ: دُهْنُ طِيبٍ مِثْلُ الْبَانِ الْمَنْشُوشِ بِطِيبٍ، وَدُهْنٌ لَيْسَ بِطِيبٍ مِثْلُ سَلِيخَةِ الْبَانِ غَيْرُ مَنْشُوشٍ.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ تَبَعًا لِابْنِ الْمُلَقِّنِ: إنَّمَا يَأْتِي هَذَا الْحَمْلُ فِي دُهْنِ الْبَانِ دُونَ الْبَانِ نَفْسِهِ فَالْخِلَافُ فِيهِ مُحَقَّقٌ، وَرَدَّهُ الْجَوْجَرِيُّ بِأَنَّ هَذَا الدُّهْنَ كَمَا يَكُونُ إذَا أُغْلِيَ فِيهِ الطِّيبُ طِيبًا، كَذَلِكَ الْبَانُ إذَا أُغْلِيَ فِي الطِّيبِ الَّذِي هُوَ دُهْنٌ كَمَاءِ الْوَرْدِ يَكُونُ طِيبًا ثُمَّ نَظَرَ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا تَعَلُّقَ لَهُمَا بِالطِّيبِ أَصْلًا فَإِنَّ نَحْوَ الشَّيْرَجِ إذَا أُغْلِيَ فِيهِ الْوَرْدُ يَصِيرُ طِيبًا بِوَاسِطَةِ الْوَرْدِ، أَوْ أُلْقِيَ السِّمْسِمُ فِي مَاءِ الْوَرْدِ وَأُغْلِيَ يَصِيرُ طِيبًا فَكَيْفَ يَتَّضِحُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُمَا طِيبَانِ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ فِي الْبَانِ مَحْسُوسٌ، وَقَدْ يُقَالُ قَدْ نَقَلَا عَنْ اتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ فِي دُهْنِ الْبَنَفْسَجِ أَنَّهُ طِيبٌ، وَقَدْ قَطَعَ الدَّارِمِيُّ، وَأَقَرَّاهُ فِي دُهْنِ الْأُتْرُجِّ: أَنَّهُ مِثْلُهُ مَعَ كَوْنِ الْأُتْرُجِّ لَيْسَ بِطِيبٍ قَطْعًا، فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ دُهْنُ الْبَانِ كَذَلِكَ لِلْخِلَافِ فِي أَنَّ الْبَانَ طِيبٌ، فَالتَّحْقِيقُ تَأْوِيلُ كَلَامِهِمَا بِأَنْ يُقَالَ مُرَادُهُمَا بِالطِّيبِ الْمَغْلِيِّ فِي الطِّيبِ الْبَانُ، وَأَبْرَزَ الضَّمِيرَ لِنُكْتَةِ تَسْمِيَتِهِ طِيبًا إذْ هِيَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، فَحِينَئِذٍ يُطَابِقُ مَا قَالَاهُ فِي الْبَنَفْسَجِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِدُهْنِهِ مَا أُغْلِيَ فِيهِ، وَعَلَى نَظِيرِهِ فِي دُهْنِ الْبَانِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْجُمْهُورِ لَا أَنَّهَا تُرَوَّحُ سِمْسِمُهُ بِهِ.
وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ وَإِمَامِهِ وَمَا رَدَّ بِهِ عَلَى أَبِي زُرْعَةَ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ كَلَامَهُمَا غَيْرُ مُتَأَتٍّ فِي الْبَانِ وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِيهِ أَنَّهُ طِيبٌ نَعَمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ يَحْمِلُ عَلَى يَابِسٍ لَا يَظْهَرُ رِيحُهُ بِرَشِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ.
وَيَعْتَبِرُ لِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِشَيْءٍ مِمَّا مَرَّ كَوْنَ الْمُحْرِمِ عَامِدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ وَبِالْإِحْرَامِ وَبِكَوْنِهِ طِيبًا وَإِنْ جَهِلَ وُجُوبَ الْفِدْيَةِ فِي كُلِّ أَنْوَاعِهِ أَوْ جَهِلَ الْحُرْمَةَ فِي بَعْضِهَا مُخْتَارًا عَاقِلًا إلَّا السَّكْرَانَ لِحُرْمَةِ التَّطَيُّبِ حِينَئِذٍ، بِخِلَافِ النَّاسِي وَإِنْ كَثُرَ مِنْهُ قِيَاسًا عَلَى أَكْلِهِ فِي الصَّوْمِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الصَّلَاةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى أَفْعَالٍ مُتَجَدِّدَةٍ مُبَايِنَةٍ لِلْعِبَادَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ فَوُقُوعُ الْفِعْلِ مَعَ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِمَزِيدِ التَّقْصِيرِ، بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ مُجَرَّدُ اسْتِدَامَةِ التَّجَرُّدِ الَّذِي يَقَعُ فِي الْعَادَةِ كَثِيرًا فَهَيْئَتُهُ غَيْرُ مُذَّكَّرَةٍ كَهَيْئَتِهَا، بَلْ قَدْ لَا يُوجَدُ تَذَكُّرٌ أَصْلًا كَمَا لَوْ كَانَ غَيْرَ مُتَجَرِّدٍ، وَبِخِلَافِ الْجَاهِلِ بِالتَّحْرِيمِ أَوْ بِكَوْنِهِ طِيبًا فَلَا حُرْمَةَ وَلَا فِدْيَةَ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوجِبْ الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ لَبِسَ مُطَيَّبًا جَاهِلًا.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَلَوْ ادَّعَى فِي زَمَانِنَا الْجَهْلَ بِتَحْرِيمِ الطِّيبِ وَاللُّبْسِ فَفِي قَبُولِهِ وَجْهَانِ اهـ.
وَالْأَوْجَهُ عَدَمُهُ إنْ كَانَ مُخَالِطًا لِلْعُلَمَاءِ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ عَادَةً وَإِلَّا قُبِلَ، وَلَوْ لَطَّخَهُ غَيْرُهُ بِطِيبٍ فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْمُلَطِّخِ: أَيْ وَكَذَا عَلَيْهِ إنْ تَوَانَى فِي إزَالَتِهِ، وَتَجِبُ بِنَقْلِ طِيبٍ أَحْرَمَ بَعْدَهُ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ لَا إنْ انْتَقَلَ بِوَاسِطَةِ نَحْوِ عَرَقٍ أَوْ حَرَكَةٍ، وَتَجِبُ أَيْضًا بِسَبَبِ مَسِّ طِيبٍ كَأَنْ دَاسَهُ عَالِمًا بِهِ وَبِلَزْقِ عَيْنِهِ بِهِ وَعَبِقَتْ بِهِ الْعَيْنُ أَوْ عَبِقَتْ بِهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ فَعَلِمَ وَتَوَانَى فِي قَلْعِهِ لَا إنْ مَسَّهُ وَقَدْ عَلِمَ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَمِثْلُهَا) أَيْ زُهُورُ الْبَادِيَةِ (قَوْلُهُ: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا) أَيْ الْبَانَ وَدُهْنَهُ (قَوْلُهُ: وَأَبْرَزَ الضَّمِيرَ) اُنْظُرْ أَيَّ مَوْضِعٍ أَرَادَ بِإِبْرَازِ الضَّمِيرِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: وَإِنَّمَا أَبْدَلَ الضَّمِيرَ بِالظَّاهِرِ فِي قَوْلِهِ مِثْلَ الْبَانِ الْمَنْشُوشِ بِالطِّيبِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ الظَّاهِرُ عَلَى مُقْتَضَى الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ دُهْنِ الْبَانِ الْمَنْشُوشِ بِهِ (قَوْلُهُ: لِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِشَيْءٍ مِمَّا مَرَّ) أَيْ وَمِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَلَوْ لَطَّخَهُ غَيْرُهُ بِطِيبٍ) أَيْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الْحَلْقِ، وَلَلْمُحْرِم مُطَالَبَةُ الْمُطَيِّبِ بِالْفِدْيَةِ أَخْذًا مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَعَبِقَتْ بِهِ) الْعَبَقُ مَصْدَرُ عَبِقَ بِهِ الطِّيبُ: أَيْ لَزِقَ وَبَابُهُ طَرِبَ اهـ مُخْتَارٌ.
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَبَقَ رِيحِهِ فَقَطْ بِأَنْ عَلِمَ بِهِ وَظَنَّ كَوْنَهُ يَابِسًا لَا يَعْبَقُ بِهِ عَيْنُهُ وَكَانَ رَطْبًا وَعَبِقَتْ بِهِ فَدَفَعَهُ فَوْرًا فَلَا فِدْيَةَ كَمَا رَجَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا أَثَرَ بِعَبَقِ الرِّيحِ فَقَطْ بِنَحْوِ مَسِّهِ وَهُوَ يَابِسٌ أَوْ جُلُوسِهِ فِي دُكَّانِ عَطَّارٍ أَوْ عِنْدَ مُتَجَمِّرٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَطْيِيبًا، بِخِلَافِ احْتِوَائِهِ عَلَى مِجْمَرَةٍ بِأَنْ يَجْعَلَهَا تَحْتَهُ؛ لِأَنَّ التَّطَيُّبَ بِهِ لَيْسَ إلَّا بِذَلِكَ، لَكِنْ جَزَمَ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ طَرَحَهُ فِي نَارٍ أَمَامَهُ وَلَمْ يَجْعَلْهُ تَحْتَهُ حَرُمَ، وَلَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّهُ مَتَى عَبِقَتْ الْعَيْنُ بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ حَرُمَ وَإِنْ كَانَ أَمَامَهُ وَمَتَى عَبِقَ الرِّيحُ فَقَطْ فَلَا وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ، وَالْمَاءُ الْمُبَخَّرُ كَالثَّوْبِ فِيمَا ذَكَرَ، وَتَجِبُ بِنَوْمٍ أَوْ جُلُوسٍ أَوْ وُقُوفٍ بِفِرَاشٍ أَوْ مَكَان مُطَيَّبٍ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَبِسَبَبِ تَوَانٍ فِي دَفْعِ مَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الطِّيبِ بِنَفْضٍ أَوْ غَيْرِهِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَلَوْ كَانَ الْمُلْقَى رِيحًا، إذْ الِاسْتِدَامَةُ هُنَا كَالِابْتِدَاءِ بِخِلَافِ الْإِيمَانِ، وَإِنَّمَا جَازَ الدَّفْعُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ اسْتَلْزَمَ الْمُمَاسَّةَ وَطَالَ زَمَنُهَا؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ الْإِزَالَةُ.
وَمِنْ ثَمَّ جَازَ لَهُ نَزْعُ الثَّوْبِ مِنْ رَأْسِهِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَقُّهُ وَإِنْ تَعَدَّى بِلُبْسِهِ كَمَا اقْتَصَّاهُ إطْلَاقُهُمْ، وَظَاهِرُ تَعْبِيرِهِمْ بِلَمْ يَلْزَمْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَإِنْ نَقَصَتْ بِذَلِكَ قِيمَتُهُ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ مُبَادَرَتَهُ لِلْخُرُوجِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ قَطَعَتْ النَّظَرَ عَنْ كَوْنِهِ إضَاعَةَ مَالٍ.
نَعَمْ الْأَوْلَى أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يُزِيلُهُ حَيْثُ لَا تَرَاخِيَ فِيهِ.
أَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ لِنَحْوِ زَمَانَةٍ وَفَقْدِ مَنْ يُزِيلُهُ أَوْ أُجْرَتِهِ بِأَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ شَيْءٌ مِمَّا يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ فِي الْفِطْرَةِ أَوْ كَوْنُهَا زَائِدَةً عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَلَا فِدْيَةَ، وَلَوْ تَوَقَّفَتْ إزَالَتُهُ عَلَى الْمَاءِ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَكْفِيهِ لِلْوُضُوءِ فَإِنْ كَفَى مَاؤُهُ لِإِزَالَتِهِ تَوَضَّأَ بِهِ ثُمَّ أَزَالَهُ وَإِلَّا قَدَّمَهُ، وَإِطْلَاقُ جَمْعٍ كَنَصِّ الْأُمِّ تَقْدِيمَ إزَالَتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الشِّقِّ الْأَخِيرِ أَوْ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ الْمَاءُ، وَلَا تَجِبُ بِحَمْلِ مِسْكٍ فِي فَارَةٍ لَمْ تُشَقَّ عَنْهُ أَوْ وَرْدٍ فِي نَحْوِ مِنْدِيلٍ وَإِنْ شَمَّ الرِّيحَ أَوْ قَصَدَ التَّطَيُّبَ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ إذْ لَا يُعَدُّ بِذَلِكَ مُتَطَيِّبًا، فَإِنْ فُتِحَتْ الْخِرْقَةُ أَوْ شُقَّتْ الْفَارَةُ وَجَبَتْ كَمَا قَالُوهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الشَّيْخَانِ، وَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ أَنَّ حَمْلَ الْفَارَةِ الْمَشْقُوقَةِ أَوْ الْمَفْتُوحَةِ لِمُجَرَّدِ النَّقْلِ لَا يَضُرُّ غَيْرُ بَعِيدٍ إنْ لَمْ يَشُدَّهَا فِي ثَوْبِهِ وَقَصَرَ الزَّمَنُ بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ مُتَطَيِّبًا، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ مُجَرَّدَ مَسِّ الْيَابِسِ لَا يَضُرُّ إلَّا إنْ لَزِقَ بِهِ عَيْنُهُ أَوْ حَمَلَهُ بِنَحْوِ يَدِهِ أَوْ خِرْقَةٍ غَيْرِ مَشْدُودَةٍ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ النَّقْلَ بِشَرْطِهِ الْمَارِّ.
وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ لِمَنْ طَهُرَتْ مِنْ نَحْوِ حَيْضٍ، وَهِيَ مُحْرِمَةٌ أَنْ تَسْتَعْمِلَ قَلِيلَ قُسْطٍ، أَوْ أَظْفَارٍ لِإِزَالَةِ الرِّيحِ الْكَرِيهِ لَا لِلتَّطَيُّبِ كَالْمُعْتَدَّةِ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ أَمْرَ الطِّيبِ أَخَفُّ لِوُجُوبِ إزَالَتِهِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعِدَّةِ لَا الْإِحْرَامِ، لَكِنَّ فِي بَابِ الْغُسْلِ مَنَعَ الْمُحْرِمَةَ مِنْ الطِّيبِ مُطْلَقًا، وَفِي الْجَوَاهِرِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ شِرَاءُ الطِّيبِ وَمَخِيطٍ وَأَمَةٍ اهـ.
وَبِمَا أَطْلَقَهُ فِي الْأَمَةِ أَفْتَى الْبَارِزِيُّ، لَكِنْ قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: يُكْرَهُ لَهُ شِرَاؤُهَا، وَظَاهِرُهُ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَنْ لِلْخِدْمَةِ وَالتَّسَرِّي وَوُجِّهَ بِأَنَّهَا بِالْقَصْدِ تَتَأَهَّلُ لِلْفِرَاشِ (وَدُهْنُ شَعْرِ الرَّأْسِ) لِلْمُحْرِمِ (أَوْ اللِّحْيَةِ) وَلَوْ لِامْرَأَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَيِّبًا كَسَمْنٍ وَزُبْدٍ وَشَحْمٍ وَشَمْعٍ ذَائِبَيْنِ وَمُعْتَصَرٍ مِنْ نَحْوِ حَبٍّ كَزَيْتٍ وَشَيْرَجٍ، وَأَلْحَقَ بِهِمَا الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ سَائِرَ شُعُورِ الْوَجْهِ قَالَ: وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَاعْتَمَدَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ خِلَافًا لِقَوْلِ ابْنِ النَّقِيبِ: لَا يَلْحَقُ بِهَا الْحَاجِبُ وَالْهُدْبُ وَمَا يَلِي الْوَجْهَ اهـ.
قِيلَ وَمَا قَالَهُ فِي الْأَخِيرِ ظَاهِرٌ، وَمِثْلُهُ شَعْرُ الْخَدِّ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَيُوَجَّهُ) أَيْ الْجَوَازُ (قَوْلُهُ: مِمَّا يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ فِي الْفِطْرَةِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَاضِلًا عَنْ دِينِهِ وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ فَيُشْتَرَطُ هُنَا فَضْلُهُ عَنْ الدِّينِ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْفِطْرَةِ (قَوْلُهُ: عَلَى الشِّقِّ الْأَخِيرِ) هُوَ قَوْلُهُ وَإِلَّا قَدَّمَهُ (قَوْلُهُ: مِنْ الطِّيبِ مُطْلَقًا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: يُكْرَهُ لَهُ شِرَاؤُهَا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ) مُعْتَمَدٌ، وَعِبَارَةُ حَجّ: إلَّا شَعْرَ الْخَدِّ وَالْجَبْهَةِ، وَيُوَجَّهُ بِمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: وَمَا قَالَهُ فِي الْأَخِيرِ ظَاهِرٌ) هُوَ قَوْلُهُ وَمَا يَلِي الْوَجْهَ (قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ) .
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَإِلَّا قَدَّمَهُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاءُ الْوُضُوءِ بَعْدُ لِلْوُضُوءِ يَكْفِي الْإِزَالَةُ لِلتَّطَيُّبِ وَكَانَ يَكْفِي إزَالَتُهُ إنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ قَدَّمَ إزَالَةَ التَّطَيُّبِ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ شَعْرُ الْخَدِّ) مِنْ تَمَامِ الْقِيلِ وَالْقَائِلُ هُوَ الشِّهَابُ حَجّ فِي إمْدَادِهِ
إذْ لَا يُقْصَدُ تَنْمِيَتُهُمَا بِحَالٍ، وَسَوَاءٌ فِي الشَّعْرِ أَكَانَ كَثِيرًا أَمْ قَلِيلًا إذْ التَّحْرِيمُ مَنُوطٌ بِمَا يَصْدُقُ بِهِ التَّزَيُّنُ فَإِنَّهُمْ عَلَّلُوهُ بِمَا فِيهِ مِنْ التَّزَيُّنِ الْمُنَافِي لِحَالِ الْمُحْرِمِ.
فَإِنَّ الْحَاجَّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْمُحَرَّرِ وَالْكِتَابِ وَالْأَنْوَارِ وَغَيْرِهَا دُهْنُ شَعْرِ الرَّأْسِ أَوْ اللِّحْيَةِ انْتَهَى.
فَظَاهِرُهَا شُمُولُ الْجَمِيعِ، وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ فَالشَّعْرُ جَمْعٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ، وَعِبَارَةُ كَثِيرِينَ: وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْهُنَ رَأْسَهُ أَوْ لِحْيَتَهُ، كَذَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَسَوَاءٌ أَيْضًا الرَّأْسُ وَاللِّحْيَةُ الْمَحْلُوقَانِ وَغَيْرُهُمَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَزْيِينِ الشَّعْرِ وَتَنْمِيَتِهِ الْمُنَافِيَيْنِ لِخَبَرِ «الْمُحْرِمُ أَشْعَثُ أَغْبَرُ» أَيْ شَأْنُهُ الْمَأْمُورُ بِهِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ اللَّبَنِ وَإِنْ كَانَ يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ السَّمْنُ، أَمَّا رَأْسُ الْأَقْرَعِ وَالْأَصْلَعِ وَذَقَنُ الْأَمْرَدِ فَلَا لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا حَرُمَ تَطْيِيبُ الْأَخْشَمِ وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى هُنَا مُنْتَفٍ بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ، فَإِنَّ الْمَعْنَى فِيهِ التَّرَفُّهُ بِالطِّيبِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَطَيِّبُ أَخْشَمَ عَلَى أَنَّ لَطِيفَةَ الشَّمِّ قَدْ يَبْقَى مِنْهَا بَقِيَّةٌ وَإِنْ قُلْت؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَزُلْ وَإِنَّمَا عَرَضَ مَانِعٌ فِي طَرِيقِهَا فَحَصَلَ الِانْتِفَاعُ بِالشَّمِّ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ قَلَّ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُ الرَّأْسِ أَصْلَعَ جَازَ دَهْنُهُ هُوَ فَقَطْ دُونَ الْبَاقِي وَخَرَجَ بِالرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِمَا مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْبَدَنِ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا وَسَائِرُ شُعُورِهِ وَأَكْلُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصِيبَ اللِّحْيَةَ أَوْ الشَّارِبَ أَوْ الْعَنْفَقَةَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَجَعَلَهُ فِي شَجَّةٍ بِنَحْوِ رَأْسِهِ لِمَا مَرَّ وَفَارَقَ حُرْمَةَ الْإِسْعَاطِ بِالطِّيبِ بِأَنَّ الْقَصْدَ هُنَا تَنْمِيَةُ الشَّعْرِ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ بِوَجْهٍ وَهُنَاكَ ظُهُورُ الرَّائِحَةِ وَهِيَ تَظْهَرُ بِالْجُشَاءِ وَغَيْرِهِ، وَالْمَحْرَمُ هُنَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ، أَمَّا خَضْبُ شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ بِحِنَّاءٍ رَقِيقٍ وَنَحْوِهِ فَلَا يُوجِبُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ وَلَا فِي مَعْنَاهُ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الدُّهْنَ عَقِبَ الطِّيبِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى بِجَامِعِ التَّرَفُّهِ مِنْ غَيْرِ إزَالَةِ عَيْنٍ، وَإِلَّا فَهُوَ قِسْمٌ مُسْتَقِلٌّ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ فِي الدَّهْنِ بَيْنَ الْمُطَيِّبِ وَغَيْرِهِ.
الدَّهْنُ بِفَتْحِ الدَّالِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّدْهِينِ وَتَعْبِيرُهُ بِأَوْ يُفِيدُ التَّنْصِيصَ عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى انْفِرَادِهِ (وَلَا يُكْرَهُ غَسْلُ بَدَنِهِ وَرَأْسِهِ بِخَطْمِيٍّ وَنَحْوِهِ) كَسِدْرٍ مِنْ غَيْرِ نَتْفِ شَعْرٍ إذْ الْقَصْدُ مِنْهُ إزَالَةُ الْوَسَخِ لَا التَّنْمِيَةُ.
نَعَمْ الْأَوْلَى تَرْكُهُ، وَاكْتِحَالٌ بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ لَيْسَ فِيهِ زِينَةٌ كَالتُّوتْيَا، بِخِلَافِ مَا فِيهِ زِينَةٌ كَالْإِثْمِدِ فَيُكْرَهُ إلَّا لِحَاجَةِ رَمَدٍ وَنَحْوِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَالْكَرَاهَةُ فِي الْمَرْأَةِ أَشَدُّ، وَلِلْمُحْرِمِ احْتِجَامٌ وَفَصْدٌ مَا لَمْ يَقْطَعْ بِهِمَا شَعْرًا وَلَمْ يُضْطَرَّ إلَيْهِمَا حِينَئِذٍ، وَإِنْشَادُ شِعْرٍ مُبَاحٍ، وَنَظَرٌ فِي مِرْآةٍ وَتَسْرِيحُ شَعْرِهِ بِرِفْقٍ خَشْيَةَ الِانْتِتَافِ الْمُوجِبِ لِلدَّمِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ شَكَّ هَلْ نَتَفَ الْمُشْطُ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ حَالَ التَّسْرِيحِ أَوْ اُنْتُتِفَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ.
نَعَمْ يُكْرَهُ حَكُّ شَعْرِهِ لَا جَسَدِهِ بِأَظْفَارِهِ لَا بِأَنَامِلِهِ وَتَسْرِيحُهُ وَتَفْلِيَتُهُ.
(الثَّالِثُ) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ (إزَالَةُ الشَّعْرِ) مِنْ الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِ بِحَلْقٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ إحْرَاقٍ أَوْ قَصٍّ أَوْ نُورَةٍ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مُحْرِمٍ آخَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] وَقِيسَ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ مِثْلَ مَا يَلِي الْوَجْهَ عَلَى هَذَا الْقِيلِ (قَوْلُهُ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ) هَذَا التَّأْوِيلُ يَقْتَضِي جَوَازَ مَا دُونَ الثَّلَاثِ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ عَلَى مَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ وَسَوَاءٌ إلَخْ (قَوْلُهُ وَمَا أُلْحِقَ بِهِمَا) أَيْ مِنْ بَقِيَّةِ شُعُورِ الْوَجْهِ عَلَى مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَأَكْلُهُ) .
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَظَاهِرُهَا شُمُولُ الْجَمِيعِ) أَيْ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ الْمَارِّ، وَمُرَادُهُ بِالْقَلِيلِ مَا يَشْمَلُ الشَّعْرَةَ وَبَعْضَهَا وَإِنْ كَانَ خِلَافَ ظَاهِرِ عِبَارَتِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ السُّؤَالِ الَّذِي أَجَابَ عَنْهُ وَالِدُهُ بِمَا ذَكَرَ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي دَهْنِ الشَّعْرِ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ أَوْ يَحْصُلُ بِالْوَاحِدَةِ أَوْ بَعْضِهَا كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ اهـ. ثُمَّ إنَّ فِي فَهْمِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْإِفْتَاءِ الْمَذْكُورِ حَزَازَةٌ
(قَوْلُهُ: أَوْ مُحْرِمٌ آخَرُ) لَا خَفَاءَ أَنَّ حُرْمَةَ حَلْقِ شَعْرِ الْمُحْرِمِ الْآخَرِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِإِحْرَامِ نَفْسِهِ، بَلْ هِيَ مِنْ حَيْثُ إحْرَامُ الْمَحْلُوقِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَلَالَ الْحَالِقَ كَذَلِكَ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا يَأْتِي
بِشَعْرِ الرَّأْسِ شَعْرُ سَائِرِ الْجَسَدِ لَا إنْ أَبَانَهُ مَعَ جِلْدِهِ وَإِنْ حَرُمَتْ إبَانَةُ الْجِلْدِ مِنْ حَيْثِيَّةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ.
نَعَمْ تُسَنُّ الْفِدْيَةُ وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الظُّفُرُ (أَوْ الظُّفُرُ) مِنْ يَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ أَوْ مِنْ مُحْرِمٍ آخَرَ قَلْمًا أَوْ غَيْرَهُ قِيَاسًا عَلَى الْحَلْقِ بِجَامِعِ التَّرَفُّهِ وَالْمُرَادُ بِالظُّفُرِ وَالشَّعْرِ الْجِنْسُ فَيَصْدُقُ بِالْوَاحِدِ وَبِبَعْضِهِ (وَتَكْمُلُ الْفِدْيَةُ فِي) إزَالَةِ (ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ جَمْعُ شَعْرَةٍ بِسُكُونِهَا وَلَاءً (أَوْ) إزَالَةُ (ثَلَاثَةِ أَظْفَارٍ) كَذَلِكَ بِأَنْ اتَّحَدَ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ وَحُكْمُ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِ حُكْمُهَا كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى حَتَّى لَوْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ وَشَعْرَ بَدَنِهِ وَلَاءً أَوْ أَزَالَ أَظْفَارَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ كَذَلِكَ لَزِمَهُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ فِعْلًا وَاحِدًا، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ النَّاسِي لِلْإِحْرَامِ وَالْجَاهِلُ بِالْحُرْمَةِ لِعُمُومِ الْآيَةِ كَسَائِرِ الْإِتْلَافَاتِ، وَهَذَا بِخِلَافِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ فِي التَّمَتُّعِ بِاللُّبْسِ وَالطِّيبِ وَالدُّهْنِ وَالْجِمَاعِ وَمُقَدَّمَاتِهِ لِاعْتِبَارِ الْعِلْمِ وَالْقَصْدِ فِيهِ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِيهَا.
نَعَمْ لَوْ أَزَالَهَا مَجْنُونٌ أَوْ مُغْمَى عَلَيْهِ أَوْ صَبِيٌّ غَيْرُ مُمَيِّزٍ لَمْ تَلْزَمْهُ الْفِدْيَةُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ الْجَاهِل وَالنَّاسِي أَنَّهُمَا يَعْقِلَانِ فِعْلَهُمَا فَنُسِبَا إلَى تَقْصِيرٍ بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ، عَلَى أَنَّ الْجَارِيَ عَلَى قَاعِدَةِ الْإِتْلَافِ وُجُوبُهَا عَلَيْهِمْ أَيْضًا، وَمِثْلُهُمْ فِي ذَلِكَ النَّائِمُ، وَلَوْ حَلَقَ مُحْرِمٌ أَوْ حَلَالٌ رَأْسَ مُحْرِمٍ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ فَالدَّمُ عَلَى الْحَالِقِ كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِنَائِمٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ غَيْرِ مُمَيِّزٍ أَوْ مُغْمَى عَلَيْهِ إذْ هُوَ الْمُقَصِّرُ؛ وَلِأَنَّ الشَّعْرَ فِي يَدِ الْمُحْرِمِ كَالْوَدِيعَةِ لَا الْعَارِيَّةِ، وَضَمَانُ الْأُولَى مُخْتَصٌّ بِالْمُتْلِفِ وَلِلْمَحْلُوقِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْمُودَعَ لَا يُخَاصَمُ؛ لِأَنَّ نُسُكَهُ يَتِمُّ بِأَدَائِهِ وَلِوُجُوبِهِ بِسَبَبِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ لِلزَّوْجَةِ مُطَالَبَةُ زَوْجِهَا بِإِخْرَاجِ فِطْرَتِهَا؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ فِي مُقَابَلَةِ إتْلَافِ جُزْءٍ مِنْهُ فَسَاغَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِخِلَافِ الْفِطْرَةِ، وَلَوْ أَخْرَجَهُ الْمَحْلُوقُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْحَالِقِ لَمْ يَسْقُطُ، بِخِلَافِ قَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ شَبِيهَةٌ بِالْكَفَّارَةِ.
أَمَّا لَوْ كَانَ بِأَمْرِهِ أَوْ مَعَ سُكُوتِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى الدَّفْعِ فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ لِتَفْرِيطِهِ فِيمَا عَلَيْهِ حِفْظُهُ؛ وَلِأَنَّهُمَا وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي الْحُرْمَةِ فِي صُورَةِ الْأَمْرِ فَقَدْ انْفَرَدَ الْمَحْلُوقُ بِالتَّرَفُّهِ، وَمَحَلُّ قَوْلِهِمْ الْمُبَاشَرَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأَمْرِ مَا لَمْ يَعُدْ النَّفْعُ عَلَى الْآمِرِ، أَلَا تَرَى
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ الدُّهْنَ
(قَوْلُهُ: لَا إنْ أَبَانَهُ مَعَ جِلْدِهِ) وَقِيَاسُ مَا ذُكِرَ عَدَمُ التَّحَلُّلِ بِهِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وُجُوبُهَا عَلَيْهِمْ أَيْضًا) لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ خُفِّفَ عَنْهُ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَالسَّبَبُ فِي خُرُوجِ ذَلِكَ عَنْ الْقَاعِدَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ) أَفْهَمَ أَنَّهُ إنْ حَلَقَهُ بِاخْتِيَارِهِ كَانَ الدَّمُ عَلَى الْمَحْلُوقِ وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي كَلَامِهِ (قَوْلُهُ: فَالدَّمُ عَلَى الْحَالِقِ) أَيْ مَعَ إثْمِهِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْحَالِقِ لَمْ يَسْقُطْ) اُنْظُرْ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْفِطْرَةِ عَنْ سَمِّ عَلَى مَنْهَجٍ فِيمَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا وَأَخْرَجَتْ الزَّوْجَةُ عَنْ نَفْسِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ مِنْ أَنَّهَا لَا رُجُوعَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا مُتَبَرِّعَةٌ؛ وَلِأَنَّهَا عَلَى الزَّوْجِ كَالْحَوَالَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْمُحِيلُ لَوْ أَدَّى بِغَيْرِ إذْنِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ انْتَهَى.
فَإِنَّ مَفْهُومَهُ السُّقُوطُ عَنْ الزَّوْجِ وَالْحَالُ أَنَّهَا أَدَّتْ بِغَيْرٍ إذْنٍ مِنْهُ، وَلَعَلَّهُ أَنَّ الصَّوْمَ ثَمَّ مُعَلَّقٌ عَلَى إخْرَاجِ الْفِطْرَةِ فَلَهَا غَرَضٌ فِي ذَلِكَ لِرَفْعِ صَوْمِهَا، وَبِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَتْ الْفِطْرَةُ عَلَيْهَا أَصَالَةً وَتَحَمَّلَهَا الزَّوْجُ عَنْهَا سِيَّمَا إذَا قُلْنَا إنَّ تَحَمُّلَهُ مِنْ بَابِ الضَّمَانِ فَإِنَّ الْفِطْرَةَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ تَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِهَا حَتَّى يَدْفَعَهَا الزَّوْجُ صَحَّ إخْرَاجُهَا عَنْ نَفْسِهَا لِمُلَاقَاةِ الْوُجُوبِ لَهَا ابْتِدَاءً، بِخِلَافِ الْحَالِقِ فَإِنَّ ضَمَانَهُ لِبَدَلِ الشَّعْرِ مِنْ قَبِيلِ ضَمَانِ مَا أَتْلَفَهُ، فَالضَّمَانُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ خَاصَّةً وَلَمْ يَتَعَلَّقْ مِنْهُ أَثَرٌ بِالْمَحْلُوقِ فَقَوِيَ شَبَهُهُ بِالْكَفَّارَةِ، وَهِيَ لَوْ أَخْرَجَهَا غَيْرُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِلَا إذْنٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِانْتِفَاءِ النِّيَّةِ وَهِيَ لَا تَصِحُّ بِدُونِهَا (قَوْلُهُ فَقَدْ انْفَرَدَ الْمَحْلُوقُ) وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحَالِقَ لَا يُطَالَبُ بِشَيْءٍ فَلَيْسَ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَعُدْ النَّفْعُ عَلَى الْآمِرِ) بِهَذَا فَارَقَ مَا لَوْ جَرَحَهُ غَيْرُهُ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ دَفْعِهِ حَيْثُ لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْ الْجَارِحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ مَنْفَعَةٌ تَعُودُ عَلَى الْمَجْرُوحِ وَإِنَّمَا يَلْحَقُهُ بِهِ.
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِتَكْمِيلِ الْفِدْيَةِ، أَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى فِدْيَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَمْرٌ آخَرُ (قَوْلُهُ: لِاعْتِبَارِ الْعِلْمِ وَالْقَصْدِ فِيهِ) يُشْبِهُ الْمُصَادَرَةَ.
أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ الْغَاصِبُ قَصَّابًا بِذَبْحِ شَاةٍ غَصَبَهَا لَمْ يَضْمَنْهَا إلَّا الْغَاصِبُ: أَيْ ضَمَانًا مُسْتَقِرًّا وَإِلَّا فَهُوَ طَرِيقٌ فِيهِ، وَلَوْ طَارَتْ نَارٌ إلَى شَعْرِهِ فَأَحْرَقَتْهُ وَأَطَاقَ الدَّفْعَ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ أَزَالَ الْمُحْرِمُ ذَلِكَ مِنْ حَلَالٍ لَمْ تَجِبُ فِدْيَةٌ عَلَى الْمُحْرِمِ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ إذْ لَا حُرْمَةَ لِشَعْرِهِ مِنْ حَيْثُ الْإِحْرَامُ.
وَاسْتُثْنِيَ مِنْ إطْلَاقِ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى الْحَالِفِ مَا لَوْ أَمَرَ حَلَالٌ حَلَالًا بِحَلْقِ مُحْرِمٍ نَائِمٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْآمِرِ إنْ جَهِلَ الْحَالِقُ أَوْ أُكْرِهَ أَوْ أَكَانَ أَعْجَمِيًّا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ طَاعَةِ آمِرِهِ وَإِلَّا فَعَلَى الْحَالِقِ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أَمَرَ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالٌ مُحْرِمًا أَوْ عَكْسُهُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ، وَصَرِيحُ مَا تَقَرَّرَ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا مَعْذُورَيْنِ فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْحَالِقِ، وَقِيَاسُهُ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا غَيْرَ مَعْذُورَيْنِ أَنْ تَكُونَ عَلَى الْحَالِقِ أَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَالْأَظْهَرُ أَنَّ فِي) إزَالَةِ (الشَّعْرَةِ) الْوَاحِدَةِ أَوْ الظُّفُرِ الْوَاحِدِ أَوْ بَعْضِ شَيْءٍ مِنْ أَحَدِهِمَا (مُدَّ طَعَامٍ وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ) أَوْ الظُّفُرَيْنِ (مُدَّيْنِ) إذْ تَبْعِيضُ الدَّمِ فِيهِ عَسِرٌ، وَالشَّارِعُ قَدْ عَدَلَ الْحَيَوَانَ بِالْإِطْعَامِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ، وَالشَّعْرَةُ الْوَاحِدَةُ هِيَ النِّهَايَةُ فِي الْقِلَّةِ، وَالْمُدُّ أَقَلُّ مَا وَجَبَ فِي الْكَفَّارَاتِ فَقُوبِلَتْ الشَّعْرَةُ بِهِ، وَالثَّانِي فِي الشَّعْرَةِ دِرْهَمٌ وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ دِرْهَمَانِ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ كَانَتْ تُقَوَّمُ فِي عَصْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَاعْتُبِرَتْ تِلْكَ الْقِيمَةُ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِلتَّوْزِيعِ.
وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَخْتَارَ أُدُمًا أَوْ لَا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، خِلَافًا لِلْعِمْرَانِيِّ فَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى رَدِّ التَّقْيِيدِ الْمَذْكُورِ جَمْعٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْبُلْقِينِيِّ وَابْنِ الْعِمَادِ وَتَمَسَّكُوا بِإِطْلَاقِ الشَّيْخَيْنِ (وَلِلْمَعْذُورِ) فِي الْحَلْقِ لِإِيذَاءِ قُمَّلٍ أَوْ وَسَخٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (أَنْ يَحْلِقَ وَيَفْتَدِيَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: 196] الْآيَةَ، وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ فِي أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: اُدْنُ، فَدَنَوْت مِنْهُ، فَقَالَ: اُدْنُ، فَدَنَوْت، فَقَالَ: أَيُؤْذِيك هَوَامُّ رَأْسِك؟ قَالَ ابْنُ عَوْفٍ: وَأَظُنُّهُ قَالَ نَعَمْ، قَالَ: فَأَمَرَنِي بِفِدْيَةٍ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نَسْكِ نَسِيكَةٍ» قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَكَذَا يَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ فِي كُلِّ مُحْرِمٍ أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ إلَّا لُبْسَ السَّرَاوِيلِ وَالْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ سِتْرَ الْعَوْرَةِ وَوِقَايَةَ الرِّجْلِ عَنْ النَّجَاسَةِ مَأْمُورٌ بِهِمَا فَخَفَّفَ فِيهِمَا وَالْحَصْرُ فِيمَا قَالَهُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ مَمْنُوعٌ، فَقَدْ اسْتَثْنَى صُوَرًا لَا فِدْيَةَ فِيهَا كَإِزَالَةِ شَعْرٍ نَبَتَ فِي بَاطِنِ عَيْنٍ وَتَضَرَّرَ بِهِ وَكَقَتْلِ صَيْدٍ صَائِلٍ وَحَيَوَانٍ مُؤْذٍ وَكَقَطْعِ مَا انْكَسَرَ مِنْ ظُفُرِهِ وَتَأَذَّى بِهِ فَقَطَعَ الْمُؤْذِي مِنْهُ فَقَطْ، وَإِنَّمَا لَزِمَتْهُ فِي حَلْقِ الشَّعْرِ لِكَثْرَةِ الْقَمْلِ؛ لِأَنَّ الْأَذَى حَصَلَ مِنْ غَيْرِ الْمُزَالِ بِخِلَافِهِ هُنَا، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ طَالَ شَعْرُ حَاجِبِهِ أَوْ رَأْسِهِ وَغَطَّى عَيْنَيْهِ جَازَ لَهُ قَطْعُ الْمُغَطِّي فَقَطْ وَلَا فِدْيَةَ.
(الرَّابِعُ) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ
[حاشية الشبراملسي]
الضَّرَرُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَهُوَ) أَيْ الْقَصَّابُ طَرِيقٌ فِيهِ وَمَحَلُّ عَدَمِ الْقَرَارِ عَلَى الْقَصَّابِ حَيْثُ جَهِلَ الْغَصْبَ وَإِلَّا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ الْإِحْرَامُ) أَمَّا مِنْ حَيْثُ التَّصَرُّفُ فِي بَدَنِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَيَحْرُمُ وَيُعَزَّرُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ (قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي إزَالَةِ الشَّعْرَةِ (قَوْلُهُ: لِإِيذَاءِ قُمَّلٍ إلَخْ) أَيْ لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا مَرَّ فِي نَحْوِ الْمُنْكَسِرِ وَشَعْرِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ فَاكْتَفَى فِيهِ بِأَدْنَى تَأَذٍّ بِخِلَافِ هَذَا وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تَجِبْ هُنَاكَ فِدْيَةٌ انْتَهَى حَجّ (قَوْلُهُ أَنْ يَحْلِقَ) مِنْ بَابِ ضَرَبَ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَتَضَرَّرَ بِهِ) وَلَوْ أَدْنَى ضَرَرٍ انْتَهَى حَجّ (قَوْلُهُ وَتَأَذَّى) أَيْ وَإِنْ قَلَّ التَّأَذِّي انْتَهَى حَجّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَالشَّعْرَةُ الْوَاحِدَةُ هِيَ النِّهَايَةُ فِي الْقِلَّةِ) مُرَادُهُ بِالشَّعْرَةِ هُنَا مَا يَشْمَلُ بَعْضَهَا (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْعِمْرَانِيِّ) أَيْ فِي تَقْيِيدِهِ ذَلِكَ بِمَا إذَا اخْتَارَ الدَّمَ، فَإِنْ اخْتَارَ صَوْمًا وَجَبَ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ إطْعَامًا فَصَاعٌ أَوْ صَاعَانِ (قَوْلُهُ التَّقْيِيدُ الْمَذْكُورُ) يَعْنِي الْمَعْلُومَ مِمَّا ذَكَرَ (قَوْلُهُ وَحَيَوَانٍ مُؤْذٍ) أَيْ كَالْقَمْلِ، لَكِنَّ اسْتِثْنَاءَ هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي أُبِيحَ بَلْ هُوَ حَلَالٌ مُطْلَقًا
(الْجِمَاعُ) بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْمُحْرِمِ إحْرَامًا مُطْلَقًا أَوْ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا وَلَوْ بِبَهِيمَةٍ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ بِذَكَرٍ مُتَّصِلٍ أَوْ بِمَقْطُوعٍ وَلَوْ مِنْ بَهِيمَةٍ أَوْ بِقَدْرِ الْحَشَفَةِ مِنْ فَاقِدِهَا حَتَّى يَحْرُمَ عَلَى الْمَرْأَةِ الْحَلَالِ تَمْكِينُ الْمُحْرِمِ مِنْهُ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْحَلَالِ أَيْضًا حَالَ إحْرَامِ الْمَرْأَةِ مَا لَمْ يُرِدْ بِهِ تَحْلِيلَهَا بِشَرْطِهِ الْآتِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ [البقرة: 197] أَيْ فَلَا تَرْفُثُوا وَلَا تَفْسُقُوا، فَلَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ، إذْ لَوْ بَقِيَ عَلَى الْخَبَرِ امْتَنَعَ وُقُوعُهُ فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّ إخْبَارَ اللَّهِ صِدْقٌ قَطْعًا مَعَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ كَثِيرًا.
وَالْأَصْلُ فِي النَّهْيِ الْفَسَادُ، وَالرَّفَثُ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْجِمَاعِ وَتَحْرُمُ بِهِ مُقَدِّمَاتُهُ أَيْضًا كَقُبْلَةٍ وَنَظَرٍ وَلَمْسٍ وَمُعَانَقَةٍ بِشَهْوَةٍ وَلَوْ مَعَ عَدَمِ إنْزَالٍ أَوْ مَعَ حَائِلٍ، وَلَا دَمَ فِي النَّظَرِ بِشَهْوَةٍ وَالْقُبْلَةِ بِحَائِلٍ وَإِنْ أَنْزَلَ، بِخِلَافِ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ فَإِنَّ فِيهَا الدَّمَ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ إنْ بَاشَرَ عَمْدًا بِشَهْوَةٍ وَالِاسْتِمْنَاءِ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الدَّمِ فِيهِ مِنْ الْإِنْزَالِ.
وَفِي الْأَنْوَارِ أَنَّهَا تَجِبُ فِي تَقْبِيلِ الْغُلَامِ بِشَهْوَةٍ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَصْوِيرِ الْمُصَنِّفِ فِيمَنْ قَبَّلَ زَوْجَتَهُ لِوَدَاعٍ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ الْإِكْرَامَ أَوْ أَطْلَقَ فَلَا فِدْيَةَ أَوْ لِلشَّهْوَةِ أَثِمَ وَفَدَى، وَيَنْدَرِجُ دَمُ الْمُبَاشَرَةِ فِي بَدَنَةِ الْجِمَاعِ الْوَاقِعِ بَعْدَهَا: أَيْ أَوْ بَدَلَهَا، وَكَذَا فِي شَاتِهِ كَالْوَاقِعِ بَعْدَ الْجِمَاعِ الْمُفْسِدِ أَوْ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ فِيمَا يَظْهَرُ سَوَاءٌ أَطَالَ الزَّمَنُ بَيْنَ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْجِمَاعِ أَمْ قَصَرَ، وَذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى حُرْمَةِ الْعَقْدِ الْآتِي بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا تَدْعُو إلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ أَكْثَرَ مِنْهُ، أَمَّا حَيْثُ لَا شَهْوَةَ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا فِدْيَةَ اتِّفَاقًا (وَتَفْسُدُ بِهِ الْعُمْرَةُ) الْمُفْرَدَةُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، أَمَّا غَيْرُ الْمُفْرَدَةِ فَهِيَ تَابِعَةٌ لِلْحَجِّ صِحَّةً وَفَسَادًا (وَكَذَا) يَفْسُدُ (الْحَجُّ) بِالْجِمَاعِ الْمَذْكُورِ (قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ) سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَهُوَ إجْمَاعٌ أَوْ بَعْدَهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَسَوَاءٌ أَفَاتَهُ الْحَجُّ أَمْ لَا كَمَا فِي الْأُمِّ، وَلَوْ كَانَ الْمُجَامِعُ فِي النُّسُكِ رَقِيقًا أَمْ صَبِيًّا مُمَيِّزًا، إذْ عَمْدُ الصَّبِيِّ عَمْدٌ وَالرَّقِيقُ مُكَلَّفٌ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ النُّسُكُ مُتَطَوَّعًا بِهِ أَمْ مَفْرُوضًا بِنَذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ كَالْأَجِيرِ.
أَمَّا النَّاسِي وَالْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمُ وَالْمُكْرَهُ وَالْجَاهِلُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشْئِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَلَا يَفْسُدُ بِجِمَاعِهِمْ، وَلَوْ جَامَعَ بَعْدَ الْإِفْسَادِ لَزِمَهُ شَاةٌ.
وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ يَفْسُدُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ مُجَامِعًا وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَوْ أَحْرَمَ حَالَ نَزْعِهِ انْعَقَدَ صَحِيحًا عَلَى أَوْجَهِ الْأَوْجُهِ؛ لِأَنَّ النَّزْعَ لَيْسَ بِجِمَاعٍ، وَكَذَا رَدُّهُ فَإِنَّهَا إذَا وُجِدَتْ أَثْنَاءَ الْعُمْرَةِ أَوْ الْحَجِّ وَلَوْ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ تُفْسِدُهُ وَإِنْ قَصُرَ زَمَنُهَا لِمُنَافَاتِهَا لَهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَلَا يُشْكِلْ هَذَا بِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ ارْتَدَّ فِي أَثْنَاءِ وُضُوئِهِ لَمْ يَبْطُلْ مَا مَضَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ كَمَّلَ بِنِيَّةٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يُكْمِلُ هُنَا؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ يُمْكِنُ تَوْزِيعُهَا عَلَى أَعْضَائِهِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ بُطْلَانِ بَعْضِهَا بُطْلَانُ كُلِّهَا، بِخِلَافِهَا فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَوْزِيعُهَا عَلَى أَجْزَائِهِ فَكَانَ الْمُنَافِي لَهَا مُبْطِلًا لَهَا مِنْ أَصْلِهَا فَنَاسَبَ فَسَادُهُ بِهَا مُطْلَقًا، وَقَوْلُهُ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ قَيْدٌ فِي الْحَجِّ خَاصَّةً كَمَا تَقَرَّرَ، إذْ الْعُمْرَةُ لَيْسَ لَهَا إلَّا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ كَمَا مَرَّ (وَتَجِبُ بِهِ) أَيْ الْجِمَاعِ الْمُفْسِدِ لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَلَوْ نَفْلًا لَا بِرِدَّةٍ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَتَحْرُمُ بِهِ مُقَدِّمَاتُهُ) أَيْ وَيَجِبُ فِيهَا الدَّمُ عَلَى مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَنْزَلَ) أَيْ وَإِنْ تَعَمَّدَ وَعَلِمَ الْإِنْزَالَ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: الْجِمَاعُ الْوَاقِعُ بَعْدَهَا) مَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ بَعْدَ الْجِمَاعِ لَا يَنْدَرِجُ دَمُهَا فِي بَدَنَةِ الْجِمَاعِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَنَقَلَ بِالدَّرْسِ عَنْ سَمِّ عَلَى الْغَايَةِ التَّصْرِيحَ بِهِ (قَوْلُهُ: أَمَّا حَيْثُ لَا شَهْوَةَ) أَيْ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: فَلَا يَفْسُدُ بِجِمَاعِهِمْ) أَيْ بِالْجِمَاعِ مِنْ الرَّجُلِ وَبِدُخُولِ الْحَشَفَةِ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ شَاةٌ) وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ النَّزْعَ لَيْسَ بِجِمَاعٍ) أَيْ حَيْثُ قَصَدَ بِالنَّزْعِ التَّرْكَ قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ فِي الصَّوْمِ (قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ كَمَّلَ بِنِيَّةٍ) جَدِيدَةٍ غَيْرِ الْأُولَى
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَوْ بِمَقْطُوعٍ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ: أَيْ بِأَنْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرًا مَقْطُوعًا فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا وَيَفْسُدُ حَجُّهَا وَإِنْ كَانَتْ لَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْفِدْيَةُ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَالِاسْتِمْنَاءُ) أَيْ وَبِخِلَافِ الِاسْتِمْنَاءِ (قَوْلُهُ: قِيَاسًا عَلَى حُرْمَةِ الْعَقْدِ الْآتِي) دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَتَحْرُمُ مُقَدِّمَاتُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: تُفْسِدُهُ) بِمَعْنَى تُبْطِلُهُ
(بَدَنَةً) مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَتْ أَوْ أُنْثَى لِفَتْوَى جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْرَفَ لَهُمْ مُخَالِفٌ، وَخَرَجَ بِالْمُفْسِدِ مَا لَوْ جَامَعَ فِي الْحَجِّ بَيْنَ التَّحْلِيلَيْنِ أَوْ ثَانِيًا بَعْدَ جِمَاعِهِ الْأُولَى قَبْلَ التَّحَلُّلَيْنِ فَتَجِبُ بِهِ شَاةٌ وَالْوُجُوبُ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الرَّجُلِ دُونَهَا، وَإِنْ فَسَدَ نُسُكُهَا بِأَنْ كَانَتْ مُحْرِمَةً مُمَيِّزَةً مُخْتَارَةً عَامِدَةً عَالِمَةً بِالتَّحْرِيمِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الصَّوْمِ فَهِيَ عَنْهُ فَقَطْ سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَاطِئُ زَوْجًا أَمْ سَيِّدًا أَمْ وَاطِئًا بِشُبْهَةٍ أَمْ زَانِيًا، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ عَلَى لُزُومِ الْبَدَنَةِ لَهَا طَرِيقَةٌ مَرْجُوحَةٌ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَدَنَةَ حَيْثُ أُطْلِقَتْ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ أَوْ الْفِقْهِ فَالْمُرَادُ بِهَا كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ الْبَعِيرُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَشَرْطُهَا سِنٌّ يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ: تُطْلَقُ عَلَى الْبَعِيرِ وَالْبَقَرَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَا مَرَّ فَإِنَّ الْبَقَرَةَ لَا تُجْزِئُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْبَدَنَةِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْبَقَرَةِ أَيْضًا فَسَبْعُ شِيَاهٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا قَوَّمَ الْبَدَنَةَ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ بِسِعْرِ مَكَّةَ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، كَذَا نَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ نَصِّ الْمُخْتَصَرِ وَعَنْ الْقَاضِيَيْنِ أَبِي الطَّيِّبِ وَالْحُسَيْنِ، وَفِي شَرْحِ السُّبْكِيّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِسِعْرِ مَكَّةَ حَالَ الْوُجُوبِ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ وَابْنُ النَّقِيبِ، وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي الشَّرْحَيْنِ وَلَا فِي الرَّوْضَةِ، وَيَشْتَرِي بِهِ طَعَامًا وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئْ أَنْ يَدْفَعَ الْوَاجِبَ إلَى ثَلَاثَةٍ إنْ قَدَرَ، وَالْمُرَادُ بِالطَّعَامِ الْمُجْزِئِ فِي الْفِطْرَةِ، فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلٍّ مُدٍّ يَوْمًا (وَ) يَجِبُ عَلَى مَنْ أَفْسَدَ نُسُكَهُ بِوَطْءٍ لَا بِرِدَّةٍ (الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ) بِأَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ مُعْتَبَرَاتِهِ وَيَجْتَنِبَ سَائِرَ مَنْهِيَّاتِهِ وَإِلَّا لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ أَيْضًا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] إذْ هُوَ يَشْمَلُ الْفَاسِدَ أَيْضًا، وَبِهِ أَفْتَى جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ لِلْخُرُوجِ مِنْهَا بِالْفَسَادِ إذْ لَا حُرْمَةَ لَهَا بَعْدَهُ.
نَعَمْ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ بَقِيَّةَ النَّهَارِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ لِحُرْمَةِ زَمَانِهِ كَمَا مَرَّ، أَمَّا مَا فَسَدَ بِالرِّدَّةِ فَلَا يَجِبُ إتْمَامُهُ وَإِنْ أَسْلَمَ فَوْرًا؛ لِأَنَّهَا أَحْبَطَتْهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ فِيهَا كَفَّارَةٌ (وَ) يَجِبُ مَعَ الْإِتْمَامِ وَالْكَفَّارَةِ (الْقَضَاءُ) اتِّفَاقًا (وَإِنْ كَانَ نُسُكَهُ تَطَوُّعًا) مِنْ صَبِيٍّ أَوْ قِنٍّ لِفَتْوَى الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ؛ وَلِأَنَّ إحْرَامَ الصَّبِيِّ صَحِيحٌ وَتَطَوُّعَهُ كَتَطَوُّعِ الْبَالِغِ فِي اللُّزُومِ بِالشُّرُوعِ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَإِيجَابُهُ عَلَيْهِ لَيْسَ إيجَابَ تَكْلِيفٍ بَلْ مَعْنَاهُ تَرَتُّبُهُ فِي ذِمَّتِهِ كَغَرَامَةِ مَا أَتْلَفَ، وَلَوْ كَانَ مَا فَسَدَ بِالْجِمَاعِ قَضَاءً وَجَبَ قَضَاءُ الْمَقْضِيِّ لَا الْقَضَاءِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ عَشْرَ مَرَّاتٍ وَأَفْسَدَ الْجَمِيعَ لَزِمَهُ قَضَاءٌ وَاحِدٍ عَنْ الْأَوَّلِ وَكَفَّارَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَشْرِ، وَيَلْزَمُ الْمُفْسِدَ فِي الْقَضَاءِ الْإِحْرَامُ مِمَّا أَحْرَمَ مِنْهُ فِي الْأَدَاءِ مِنْ مِيقَاتٍ أَوْ قَبْلَهُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَلَوْ غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا لَزِمَهُ فِي الْقَضَاءِ الْإِحْرَامُ مِنْهُ إلًّا إنْ سَلَكَ فِيهِ غَيْرَ طَرِيقِ الْأَدَاءِ فَإِنَّهُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَتْ مُحْرِمَةً مُمَيِّزَةً مُخْتَارَةً) أَيْ فَلَوْ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ نَاسِيَةً أَوْ جَاهِلَةً لَمْ يَفْسُدْ نُسُكُهَا (قَوْلُهُ: كَمَا فِي كَفَّارَةِ الصَّوْمِ فَهِيَ عَنْهُ) لِلصَّيْمَرِيِّ مَا لَوْ كَانَ حَلَالًا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لِكَوْنِهِ مَجْنُونًا وَعِبَارَةُ حَجّ: وَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ وَهُوَ الرَّجُلُ خَاصَّةً كَمَا بَسَطَتْهُ فِي الْحَاشِيَةِ إنْ كَانَ زَوْجًا مُكَلَّفًا مُحْرِمًا وَإِلَّا فَعَلَيْهَا حَيْثُ لَمْ يُكْرِهَا كَمَا لَوْ زَنَتْ أَوْ مَكَّنَتْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ اهـ.
وَعِبَارَةُ سَمِّ عَلَى مَنْهَجٍ قَالَ مَرَّ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ غَيْرَ مُحْرِمٍ زَوْجًا أَوْ أَجْنَبِيًّا كَالصَّوْمِ اهـ (قَوْلُهُ: وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَفِي شَرْحِ السُّبْكِيّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِسِعْرِ مَكَّةَ إلَخْ) قَالَ حَجّ بَعْدَمَا ذَكَرَ وَأَوْجَهُ مِنْهُمَا اعْتِبَارُ حَالَةِ الْأَدَاءِ كَمَا يَأْتِي فِي الْكَفَّارَاتِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا) وَهَلْ الْعِبْرَةُ فِي قِيمَةِ الطَّعَامِ بِوَقْتِ الْأَدَاءِ أَوْ بِسِعْرِ مَكَّةَ غَالِبَ الْأَحْوَالِ كَمَا اُعْتُبِرَ ذَلِكَ فِي قِيمَةِ الْبَدَنَةِ أَمْ وَقْتَ الْوُجُوبِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ اعْتِبَارُ غَالِبِ الْأَحْوَالِ (قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَإِيجَابُهُ) أَيْ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ أَيْ الصَّبِيِّ (قَوْلُهُ: وَجَبَ قَضَاءُ الْمَقْضِيِّ) .
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُحْرِمُ مِنْ قَدْرِ مَسَافَةِ الْإِحْرَامِ فِي الْأَدَاءِ إنْ لَمْ يَكُنْ جَاوَزَ فِيهِ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَإِلَّا أَحْرَمَ مِنْ قَدْرِ مَسَافَةِ الْمِيقَاتِ، وَعَلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ أَفْرَدَ الْحَجَّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ ثُمَّ أَفْسَدَهَا كَفَاهُ أَنْ يُحْرِمَ فِي قَضَائِهَا مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ وَأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ سُلُوكُ طَرِيقِ الْأَدَاءِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ قَدْرِ مَسَافَتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ فِي الْقَضَاءِ أَنْ يُحْرِمَ فِي الزَّمَنِ الَّذِي أَحْرَمَ فِيهِ بَلْ لَهُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ وَالتَّقْدِيمُ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ الْإِحْرَامُ فِيهِ وَفَارَقَ الْمَكَانَ فَإِنَّهُ يَنْضَبِطُ بِخِلَافِ الزَّمَانِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ) أَيْ قَضَاءُ الْفَاسِدِ (عَلَى الْفَوْرِ) لِقَوْلِ جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ كَأَنْ يَأْتِيَ بِالْعُمْرَةِ عَقِبَ التَّحَلُّلِ وَتَوَابِعِهِ وَبِالْحَجِّ فِي سَنَتِهِ إنْ أَمْكَنَهُ بِأَنْ يَحْصُرَهُ الْعَدُوُّ بَعْدَ الْإِفْسَادِ فَيَتَحَلَّلَ ثُمَّ يَزُولَ الْحَصْرُ وَبِأَنْ يَرْتَدَّ بَعْدَهُ أَوْ يَتَحَلَّلَ كَذَلِكَ لِمَرَضٍ شُرِطَ التَّحَلُّلُ بِهِ ثُمَّ يُشْفَى وَالْوَقْتُ بَاقٍ فَيَشْتَغِلُ بِالْقَضَاءِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَتَى بِهِ مِنْ قَابِلٍ، وَلَا يُشْكِلُ تَسْمِيَةُ مَا ذُكِرَ قَضَاءً وَإِنْ وَقَعَ فِي وَقْتِهِ وَهُوَ الْعُمُرُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ هُنَا مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ يُونُسَ إنَّهُ أَدَاءٌ لَا قَضَاءٌ؛ وَلِأَنَّهُ بِالْإِحْرَامِ بِالْأَدَاءِ تَضِيقُ وَقْتِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ فَإِنَّهَا لَا تَتَضَيَّقُ وَإِنْ قَالَ جَمْعٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا لَمْ يَتَعَيَّنْ بِالشُّرُوعِ فِيهَا فَلَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهَا بَعْدَ الْإِفْسَادِ مُوقِعًا لَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا وَالنُّسُكُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ تَضَيَّقَ وَقْتُهُ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً فَإِنَّهُ يَنْتَهِي بِوَقْتِ الْفَوَاتِ فَكَانَ فِعْلُهُ فِي السُّنَّةِ الثَّانِيَةِ خَارِجَ وَقْتِهِ فَصَحَّ وَصْفُهُ بِالْقَضَاءِ، وَلَوْ خَرَجَتْ الْمَرْأَةُ لِقَضَاءِ نُسُكِهَا لَزِمَ الزَّوْجَ زِيَادَةُ نَفَقَةِ السَّفَرِ مِنْ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ ذَهَابًا وَإِيَابًا؛ لِأَنَّهَا غَرَامَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ فَلَزِمَتْهُ كَالْكَفَّارَةِ وَلَوْ غَضِبَتْ لَزِمَهُ الْإِنَابَةُ عَنْهَا مِنْ مَالِهِ، وَمُؤْنَةُ الْمَوْطُوءَةِ بِزِنًا أَوْ شُبْهَةٍ عَلَيْهَا، وَأَمَّا نَفَقَةُ الْحَضَرِ فَلَا تَلْزَمُ الزَّوْجَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا، وَيُسَنُّ افْتِرَاقُهُمَا مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ إلَى أَنْ يَفْرَعَ التَّحَلُّلَانِ وَافْتِرَاقُهُمَا فِي مَكَانِ الْجِمَاعِ آكَدُ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهِ، وَلَوْ أَفْسَدَ مُفْرِدُ نُسُكِهِ فَتَمَتَّعَ فِي الْقَضَاءِ أَوْ قَرَنَ جَازَ وَكَذَا عَكْسُهُ، وَلَوْ أَفْسَدَ الْقَارِنُ نُسُكَهُ لَزِمَهُ بَدَنَةٌ وَاحِدَةٌ لِانْغِمَارِ الْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ وَلَزِمَهُ دَمٌ لِلْقِرَانِ الَّذِي أَفْسَدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَ بِالشُّرُوعِ فَلَا يَسْقُطُ بِالْإِفْسَادِ وَلَزِمَهُ دَمٌ آخَرُ لِلْقِرَانِ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِالْإِفْسَادِ فِي الْقَضَاءِ وَلَوْ أَفْرَدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالْإِفْرَادِ، وَلَوْ فَاتَ الْقَارِنَ الْحَجُّ لِفَوَاتِ الْوُقُوفِ فَاتَتْ الْعُمْرَةُ تَبَعًا لَهُ وَلَزِمَهُ دَمَانِ دَمٌ لِلْفَوَاتِ وَدَمٌ لِأَجْلِ الْقِرَانِ وَفِي الْقَضَاءِ دَمٌ ثَالِثٌ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي كَالْأَدَاءِ.
(الْخَامِسُ) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ (اصْطِيَادُ كُلِّ)
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ وَهُوَ الْأَصْلِيُّ حَجًّا كَانَ أَوْ عُمْرَةً (قَوْلُهُ وَيَلْزَمُهُ فِي الْقَضَاءِ إلَخْ) قِيلَ وَكَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ الْقَاضِي يَلْزَمُ الْأَجِيرَ رِعَايَةُ زَمَنِ الْأَدَاءِ أَنَّ هَذَا حَقٌّ آدَمِيٌّ.
وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى وُقُوعِ الْقَضَاءِ لِلْمَيِّتِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَضَاءَ هُنَا مَعْنَاهُ) أَيْ الْمُرَادُ بِهِ مَعْنَاهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ خَرَجَتْ الْمَرْأَةُ لِقَضَاءِ نُسُكِهَا) أَيْ الَّذِي أَفْسَدَهُ الزَّوْجُ بِوَطْئِهِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهَا غَرَامَةٌ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا جَوَابُ مَا تَوَقَّفَ فِيهِ سَمِّ فِيمَا تَقَدَّمَ مِمَّا حَاصِلُهُ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مُخْتَارَةً فَهِيَ مُقَصِّرَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَى الزَّوْجِ وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهَا.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنْ تَخْتَارَ الْأَوَّلَ، وَنَقُولُ هَذِهِ الْغَرَامَةُ لَمَّا نَشَأَتْ مِنْ الْجِمَاعِ الَّذِي هُوَ فِعْلُهُ لَزِمَتْهُ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ لُزُومِ الزَّوْجِ مَاءُ غُسْلِهَا مِنْ الْجَنَابَةِ حَيْثُ حَصَلَتْ بِجِمَاعِهِ (قَوْلُهُ: وَافْتِرَاقُهُمَا فِي مَكَانِ الْجِمَاعِ) أَيْ الْمُفْسِدِ لِلْحَجِّ الْأَوَّلِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ سُلُوكُ طَرِيقِ الْأَدَاءِ) لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهُ بَلْ هُوَ رَاجِعٌ لِأَصْلِ الْحُكْمِ: أَيْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ إلَّا إنْ سَلَكَ فِيهِ غَيْرَ طَرِيقِ الْأَدَاءِ إلَخْ أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْلُكَ فِي الْقَضَاءِ غَيْرَ طَرِيقِ الْأَدَاءِ، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ قَدْرِ مَسَافَتِهِ (قَوْلُهُ مِنْ قَدْرِ مَسَافَتِهِ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ جَاوَزَ فِي الْأَدَاءِ الْمِيقَاتَ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: كَأَنْ يَأْتِيَ بِالْعُمْرَةِ عَقِبَ التَّحَلُّلِ) الْكَافُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعُمْرَةِ اسْتِقْصَائِيَّةٌ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَنْتَهِي بِوَقْتِ الْفَوَاتِ إلَخْ) هُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا لَوْ قَضَاهُ مِنْ قَابِلٍ وَالْمُدَّعَى أَعَمُّ كَمَا مَرَّ.
صَيْدٍ (مَأْكُولٍ بَرِّيٍّ) مِنْ طَيْرٍ أَوْ غَيْرِهِ كَبَقَرِ وَحْشٍ وَجَرَادٍ وَكَذَا إوَزٍّ، لَكِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْبَطُّ الَّذِي لَا يَطِيرُ مِنْ الْإِوَزِّ لَا جَزَاءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ (قُلْت) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ (وَكَذَا مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَأْكُولِ الْبَرِّيِّ الْوَحْشِيِّ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِ أُصُولِهِ وَإِنْ بَعُدَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ (وَمِنْ غَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ وَحِمَارٍ أَهْلِيٍّ وَبَيْنَ شَاةٍ وَظَبْيٍ أَوْ بَيْنَ ضَبُعٍ وَذِئْبٍ؛ لِأَنَّهُ الِاحْتِيَاطُ، وَمِنْ ثَمَّ غَلَبَ حُكْمُ الْبَرِّ فِيمَا لَوْ كَانَ يَعِيشُ فِيهِ وَفِي الْبَحْرِ كَمَا يَأْتِي، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الزَّكَوِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْمُوَاسَاةِ، وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ الْبَحْرِيُّ وَهُوَ مَا لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْبَحْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96] وَلَوْ كَانَ الْبَحْرُ فِي الْحَرَمِ، وَكَالْبَحْرِ الْغَدِيرِ وَالْبِئْرِ وَالْعَيْنِ إذْ الْمُرَادُ بِهِ الْمَاءُ، فَإِنْ عَاشَ فِي الْبَرِّ أَيْضًا فَبَرِّيٌّ كَطَيْرِهِ الَّذِي يَغُوصُ فِيهِ إذْ لَوْ تُرِكَ فِيهِ لَهَلَكَ، وَالْإِنْسِيُّ كَنَعَمٍ وَإِنْ تَوَحَّشَ إذْ لَا يُسَمَّى صَيْدًا وَغَيْرُ الْمَأْكُولِ، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ ذَلِكَ مِنْهُ مَا هُوَ مُؤْذٍ طَبْعًا فَيُنْدَبُ قَتْلُهُ كَالْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ فَقَدْ صَحَّ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ خَمْسٍ فَوَاسِقَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَأُلْحِقَ بِهَا الْأَسَدُ وَالنَّمِرُ وَالذِّئْبُ وَالدُّبُّ وَالنَّسْرُ وَالْعُقَابُ وَالْبُرْغُوثُ وَالْبَقُّ وَالزُّنْبُورُ وَكُلُّ مُؤْذٍ.
وَلَا يُكْرَهُ تَنْحِيَةُ قَمْلٍ عَنْ بَدَنِ مُحْرِمٍ أَوْ ثِيَابِهِ، بَلْ بَحَثَ بَعْضُهُمْ سَنَّ قَتْلِهِ كَالْبُرْغُوثِ، نَعَمْ قُمَّلُ رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ يُكْرَهُ التَّعَرُّضُ لَهُ لِئَلَّا يَنْتِفَ الشَّعْرَ، فَإِنْ قَتَلَهُ فَدَى الْوَاحِدَةَ وَلَوْ بِلُقْمَةٍ نَدْبًا وَقَوْلُهُمْ لَا يُكْرَهُ تَنْحِيَتُهُ صَرِيحٌ فِي جَوَازِ رَمْيِهِ حَيًّا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَسْجِدٍ وَكَالْقَمْلِ الصِّئْبَانِ وَهُوَ بِيضُهُ، وَمِنْهُ مَا يَنْفَعُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَكَذَا إوَزٌّ) مُعْتَمَدٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْبَطِّ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْمُوَاسَاةِ) أَيْ وَمَا هُنَا مِنْ بَابِ ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ (قَوْلُهُ: إذْ لَوْ تُرِكَ فِيهِ لَهَلَكَ) يُتَأَمَّلْ قَوْلُهُ إذْ لَوْ تُرِكَ فِيهِ إلَخْ، فَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِمَا أَنَّهُ إذَا تُرِكَ فِي أَحَدِهِمَا عَلَى الدَّوَامِ اسْتَمَرَّ حَيًّا، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ يَعِيشُ فِيهِ أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّهُ إذَا نَزَلَ الْمَاءَ لَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْمَوْتُ كَغَيْرِهِ مِنْ الطُّيُورِ بَلْ يَمْكُثُ مُدَّةً لَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِهَا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ إذَا تُرِكَ فِيهِ دَائِمًا يَمُوتُ (قَوْلُهُ: وَالْإِنْسِيُّ كَنَعَمٍ) دَخَلَ فِيهِ الْبَقَرُ (بِنَوْعَيْهِ قَوْلُهُ وَغَيْرُ الْمَأْكُولِ) إنَّمَا أَخْرَجَ غَيْرَ الْمَأْكُولِ مِنْ الْأَقْسَامِ الْآتِيَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِهَا لِلْعِلْمِ بِحُكْمِهِ مِمَّا مَرَّ وَهُوَ حُرْمَةُ التَّعَرُّضِ لَهُ إنْ تَوَلَّدَ بَيْنَ بَرِّيٍّ وَوَحْشِيٍّ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ، فَكَانَ الْأَوْلَى عَدَمَ ذِكْرِهِ (قَوْلُهُ: وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) عِبَارَةُ حَجّ: بَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ قَتْلُ الْعَقُورِ اهـ. وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ حَجّ عَلَى حَالَةِ الصِّيَالِ فَيُوَافِقَ مَا أَفْتَى بِهِ مَرَّ (قَوْلُهُ: وَكُلُّ مُؤْذٍ) وَمِنْهُ الْقَمْلُ فَيُنْدَبُ قَتْلُهُ (قَوْلُهُ: وَلَا يُكْرَهُ تَنْحِيَةُ قَمْلٍ عَنْ بَدَنِ مُحْرِمٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بِمَحَلٍّ كَثُرَ شَعْرُهُ كَالْعَانَةِ وَالصَّدْرِ وَالْإِبْطِ، وَقِيَاسُ الْكَرَاهَةِ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ الْكَرَاهَةُ هُنَا إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ هَذَا يَنْدُرُ انْتِتَافُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: بَلْ بَحَثَ بَعْضُهُمْ) جَزَمَ بِهِ حَجّ (قَوْلُهُ: صَرِيحٌ فِي جَوَازِ رَمْيِهِ حَيًّا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَسْجِدٍ) أَيْ وَهُوَ كَذَلِكَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: مَأْكُولٍ بَرِّيٍّ) أَوْ وَحْشِيٍّ وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ ذِكْرِ الِاصْطِيَادِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ حَجّ وَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يَذْكُرَهُ لِيَتَأَتَّى لَهُ ذِكْرُ مَفْهُومِهِ الْآتِي (قَوْلُهُ: لَكِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَطُّ إلَخْ) عِبَارَةُ الْإِمْدَادِ كَالْقُوتِ وَكَذَا إوَزٌّ، لَكِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنْ نَهَضَ بِجَنَاحِهِ وَإِلَّا فَكَالدَّجَاجِ قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَهُوَ الْقِيَاسُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْبَطُّ الَّذِي لَا يَطِيرُ مِنْ الْإِوَزِّ لَا جَزَاءَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ غَلَبَ حُكْمُ الْبَرِّ فِيمَا لَوْ كَانَ يَعِيشُ فِيهِ وَفِي الْبَحْرِ) اُنْظُرْ مَعَ مَا يَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ أَنَّ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ غَيْرُ مَأْكُولٍ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هُنَا مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ فَلْيُنْظَرْ مَا صُورَتُهُ وَسَيَأْتِي مَا فِي طَيْرِ الْمَاءِ قَرِيبًا (قَوْلُهُ: وَغَيْرُ الْمَأْكُولِ وَالْمُتَوَلَّدِ مِنْهُ) أَيْ وَخَرَجَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ مِنْهُ مَا هُوَ مُؤْذٍ إلَخْ لَعَلَّهُ سَقَطَ قَبْلَ لَفْظِ فَإِنَّ مِنْ النُّسَّاخِ.
وَعِبَارَةُ الْإِمْدَادِ: وَغَيْرُ الْمَأْكُولِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ فَإِنَّ مِنْهُ مَا هُوَ مُؤْذٍ إلَخْ (قَوْلُهُ وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْمَأْكُولِ بِأَنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ أَبَوَيْهِ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَسْجِدٍ)
وَيَطِيرُ كَصَقْرٍ وَبَازٍ فَلَا يُسَنُّ قَتْلُهُ وَلَا يُكْرَهُ، وَمِنْهُ مَا لَا يَظْهَرُ فِيهِ نَفْعٌ وَلَا ضَرَرَ كَخَنَافِسَ وَجِعْلَانٍ وَسَرَطَانٍ وَرَخَمَةٍ فَيُكْرَهُ قَتْلُهُ، وَيَحْرُمُ قَتْلُ النَّمْلِ السُّلَيْمَانِيِّ وَالنَّحْلِ وَالْخُطَّافِ وَالضُّفْدُعُ وَالْهُدْهُدُ وَالْقِرْدُ، أَمَّا غَيْرُ السُّلَيْمَانِيِّ وَهُوَ الصَّغِيرُ الْمُسَمَّى بِالذَّرِّ فَيَجُوزُ قَتْلُهُ بِغَيْرِ الْإِحْرَاقِ كَمَا فِي الْمُهِمَّاتِ عَنْ الْبَغَوِيّ وَالْخَطَّابِيِّ، وَكَذَا بِالْإِحْرَاقِ إنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِهِ، وَخَرَجَ مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ وَحْشِيٍّ غَيْرِ مَأْكُولٍ وَإِنْسِيٍّ مَأْكُولٍ كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ ذِئْبٍ وَشَاةٍ، وَمَا تَوَلَّدَ بَيْنَ غَيْرِ مَأْكُولَيْنِ أَحَدُهُمَا وَحْشِيٍّ كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ حِمَارٍ وَذِئْبٍ فَلَا يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِشَيْءٍ مِنْهَا، وَالْمَشْكُوكِ فِي تَوَحُّشِهِ أَوْ أَكْلِهِ أَوْ أَكَلَ أَوْ تَوَحَّشَ أَحَدُ أُصُولِهِ نَعَمْ يُنْدَبُ فِدَاؤُهُ (وَكَذَا يَحْرُمُ ذَلِكَ) الِاصْطِيَادُ الْمَذْكُورُ (فِي الْحَرَمِ عَنْ الْحَلَالِ) وَلَوْ كَافِرًا مُلْتَزِمًا لِلْإِجْمَاعِ الْمُسْتَنِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: 96] أَيْ أَخْذُهُ " مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَلِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ «إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ» الْحَدِيثَ، وَقِيسَ بِمَكَّةَ بَاقِي الْحَرَمِ وَبِالتَّنْفِيرِ غَيْرُهُ مِنْ نَحْوِ الْإِمْسَاكِ وَالْجَرْحِ بِالْأَوْلَى.
(فَإِنْ أَتْلَفَ) مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ (صَيْدًا) مِمَّا ذُكِرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا (ضَمِنَهُ) بِمَا يَأْتِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: 95] الْآيَةَ، وَقِيسَ بِالْمُحْرِمِ الْحَلَالِ فِي الْحَرَمِ، وَلَا فَرْقَ فِي الضَّمَانِ بَيْنَ النَّاسِي لِلْإِحْرَامِ أَوْ كَوْنِهِ فِي الْحَرَمِ وَجَاهِلِ الْحُرْمَةِ وَإِنْ عُذِرَ بِقُرْبِ إسْلَامٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَقَيَّدَ الْمُتَعَمِّدَ فِي الْآيَةِ وَمِنْكُمْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَيَحْرُمَ التَّعَرُّضُ لِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ مِنْ لَبَنٍ وَبَيْضٍ وَشَعْرٍ وَيَضْمَنُهَا بِالْقِيمَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ فِي وَرَقِ شَجَرِ الْحَرَمِ جَزَاءً؛ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ الشَّجَرَ، وَجَزُّ الشَّعْرِ يَضُرُّ الْحَيَوَانَ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَلَوْ حَصَلَ مَعَ تَعَرُّضِهِ لِنَحْوِ اللَّبَنِ نَقْصٌ فِي الصَّيْدِ ضَمِنَهُ أَيْضًا، فَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَمَّنْ حَلَبَ عَنْزًا مِنْ الظِّبَاءِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ: تَقُومُ الْعَنْزُ بِلَبَنٍ وَبِلَا لَبَنٍ وَيَنْظُرُ نَقْصَ مَا بَيْنَهُمَا فَيَتَصَدَّقُ بِهِ وَهَذَا النَّصُّ لَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الضَّمَانِ بِحَالَةِ النَّقْصِ كَمَا فَهِمَهُ الْإِسْنَوِيُّ بَلْ هُوَ لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ التَّقْوِيمِ وَمَعْرِفَةِ الْمَغْرُومِ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ فِيمَا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: فَلَا يُسَنُّ قَتْلُهُ وَلَا يُكْرَهُ) أَيْ فَيَكُونُ مُبَاحًا (قَوْلُهُ: فَيُكْرَهُ قَتْلُهُ) قَضِيَّتُهُ جَوَازُ قَتْلِ الْكَلْبِ الَّذِي لَا نَفْعَ فِيهِ وَلَا ضَرَرَ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّارِحِ حُرْمَةُ قَتْلِهِ، وَعِبَارَتُهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ نَصُّهَا: وَخَرَجَ بِالْمُحْتَرَمِ الْحَرْبِيُّ وَالْمُرْتَدُّ وَالزَّانِي الْمُحْصَنُ وَتَارِكُ الصَّلَاةِ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَأَمَّا غَيْرُ الْعَقُورِ فَمُحْتَرَمٌ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَمِثْلُ غَيْرِ الْعَقُورِ الْهِرَّةُ فَيَحْرُمُ قَتْلُهَا (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ قَتْلُ النَّمْلِ السُّلَيْمَانِيِّ) هَذَا الْقِسْمُ لَمْ يُجْعَلُ لَهُ ضَابِطًا يُعْلَمُ مِنْهُ كُلُّ مَا يَحْرُمُ، بَلْ قَضِيَّةُ التَّقْسِيمِ السَّابِقِ عَدَمُ حُرْمَةِ قَتْلِ مَا ذُكِرَ إذْ غَايَتُهُ أَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ وَلَا ضَرَرَ وَقَدْ جَعَلَ قَتْلَهُ مَكْرُوهًا (قَوْلُهُ: وَالْخُطَّافِ) أَيْ الْمُسَمَّى بِعُصْفُورِ الْجَنَّةِ (قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ قَتْلُهُ) بَلْ يُنْدَبُ لِكَوْنِهِ مِنْ الْمُؤْذِيَاتِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يُنْدَبُ فِدَاؤُهُ) أَيْ بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ وَإِلَّا فَبِقِيمَتِهِ عَلَى مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: لَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ) أَيْ لَا يُقْطَعُ، قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: يُقَالُ عَضَدَ الشَّجَرَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ قَطَعَهُ وَعَضَّدَهُ مِنْ بَابِ نَصَرَ أَعَانَهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَضْمَنُهَا بِالْقِيمَةِ) هَذَا وَاضِحٌ فِيمَا لَهُ قِيمَةٌ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ هَلْ تَسْقُطُ أَوْ لَا؟ الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَيَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ قِيمَتُهُ فِي مَحَلِّ الْإِتْلَافِ وَزَمَانِهِ (قَوْلُهُ: وَمَعْرِفَةُ الْمَغْرُومِ) أَيْ فَلَوْ لَمْ تَنْقُصْ الْأُمُّ قُوِّمَ اللَّبَنُ مُسْتَقِلًّا وَغَرِمَ قِيمَتَهُ.
[حاشية الرشيدي]
لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ مَا صَرَّحَ بِهِ كَلَامُهُمْ الْمَذْكُورُ وَإِنَّمَا هُوَ تَقْيِيدٌ لَهُ مِنْ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: لِلْإِجْمَاعِ الْمُسْتَنِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 96] إلَخْ) هُوَ دَلِيلٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا مَرَّ الْخَامِسُ اصْطِيَادُ كُلِّ مَأْكُولٍ إلَخْ، وَقَوْلُهُ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَيَحْرُمُ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ عَلَى الْحَلَالِ.
(قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: 95] إلَخْ) لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ لِلْحَلَالِ بِالْحَرَمِ، فَهُوَ إنَّمَا قِيسَ عَلَى الْمُحْرِمِ كَمَا يَأْتِي وَبِهِ تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِهِ الْآتِي (قَوْلُهُ: وَمِنْكُمْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ) أَيْ وَإِلَّا فَالْكَافِرُ حُكْمُهُ كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ، وَصَرَّحَ الشِّهَابُ حَجّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ كَالشَّارِحِ وَمِنْكُمْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ
وَمَحَلُّ ضَمَانِ الْبَيْضِ مَا لَمْ يَكُنْ مَذَرًا أَوْ مَذَرًا مِنْ النَّعَامِ، وَإِنْ كَانَ مَذَرًا مِنْهُ ضَمِنَ قِشْرَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ قِيمَةً إذْ يُنْتَفَعُ بِهِ، بِخِلَافِ الْمَذَرِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ كَسَرَهُ عَنْ فَرْخٍ فَمَاتَ وَجَبَ مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ أَوْ طَارَ وَسَلِمَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، وَلَوْ نَفَّرَهُ عَنْ بَيْضِهِ أَوْ أَحْضَنَ بَيْضَهُ دَجَاجَةٌ وَفَسَدَ بِبَعْضِ الصَّيْدِ ضَمِنَهُ حَتَّى لَوْ تَفَرَّخَ كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ حَتَّى يَمْتَنِعَ، فَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ مَمْلُوكًا لَزِمَهُ مَعَ الضَّمَانِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الضَّمَانُ لِلْآدَمِيِّ وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ بِرِضَاهُ كَعَارِيَّةٍ، لَكِنَّ الْمَغْرُومَ لِحَقِّ اللَّهِ مَا يَأْتِي مِنْ الْمِثْلِ ثُمَّ الْقِيمَةِ، وَالْمَغْرُومُ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ الْقِيمَةُ مُطْلَقًا.
وَقَدْ أَلْغَزَ ابْنُ الْوَرْدِيِّ بِذَلِكَ فَقَالَ:
عِنْدِي سُؤَالٌ حَسَنٌ مُسْتَظْرَفٌ ... فَرْعٌ عَلَى أَصْلَيْنِ قَدْ تَفَرَّعَا
قَابِضُ شَيْءٍ بِرِضَا مَالِكِهِ ... وَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ وَالْمِثْلَ مَعًا
وَخَرَجَ بِمَا مَرَّ الصَّيْدُ الْمَمْلُوكُ فِي الْحَرَمِ بِأَنْ صَادَهُ فِي الْحِلِّ فَمَلَكَهُ ثُمَّ دَخَلَ بِهِ الْحَرَمَ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى حَلَالٍ، التَّعَرُّضُ لَهُ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَكْلٍ أَوْ ذَبْحٍ، بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ لِإِحْرَامِهِ، وَيَزُولُ مِلْكُ الْمُحْرِمِ عَنْ صَيْدٍ أَحْرَمَ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ بِإِحْرَامِهِ فَيَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ، وَإِنْ تَحَلَّلَ حَتَّى لَوْ قَتَلَهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ ضَمِنَهُ وَيَصِيرُ مُبَاحًا فَلَا غُرْمَ لَهُ إذَا قَتَلَ أَوْ أَرْسَلَ، وَمَنْ أَخَذَهُ وَلَوْ قَبْلَ إرْسَالِهِ وَلَيْسَ مُحْرِمًا مَلَكَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِلدَّوَامِ فَتَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ كَاللِّبَاسِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَلَوْ مَاتَ فِي يَدِهِ ضَمِنَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إرْسَالِهِ إذَا كَانَ يُمْكِنُهُ إرْسَالُهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَلَوْ أَحْرَمَ أَحَدُ مَالِكَيْهِ تَعَذَّرَ إرْسَالُهُ فَيَلْزَمُهُ رَفْعُ يَدِهِ عَنْهُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَمْ يُوجِبُوا عَلَيْهِ السَّعْيَ فِي مِلْكِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ لِيُطْلِقَهُ لَكِنْ تَرَدَّدُوا فِي أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ هَلْ يَضْمَنُ نَصِيبَهُ اهـ.
تَرَدَّدَ الزَّرْكَشِيُّ فِيمَا لَوْ كَانَ يَمْلِكُ الصَّبِيُّ صَيْدًا هَلْ يَلْزَمُ الْوَلِيَّ إرْسَالُهُ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ كَمَا يَغْرَمُ قِيمَةَ النَّفَقَةِ الزَّائِدَةِ بِالسَّفَرِ؟ وَالْأَوْجَهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ مَحْظُورَاتِ إحْرَامِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مَذَرًا مِنْهُ) أَيْ مِنْ النَّعَامِ (قَوْلُهُ: أَوْ طَارَ وَسَلِمَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ) أَيْ بَدَلَ الْفَرْخِ أَمَّا الْبَيْضُ فَإِنْ كَانَ مِنْ النَّعَامِ ضَرَّ قِشْرَهُ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: حَتَّى يَمْتَنِعَ) أَيْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ فَرْعٌ عَلَى أَصْلَيْنِ) أَيْ قَاعِدَتَيْنِ (قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ قَتَلَهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ) وَانْظُرْ هَلْ يَصِيرُ مَيْتَةً كَمَذْبُوحِ الْمُحْرِمِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِانْتِفَاءِ إحْرَامِ الذَّابِحِ وَكَوْنِ الصَّيْدِ لَيْسَ حَرَمِيًّا (قَوْلُهُ: فَتَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ) أَيْ بِإِحْرَامِ مَالِكِهِ فَلَا غُرْمَ بِإِرْسَالِ غَيْرِهِ لَهُ أَوْ قَتْلِهِ (قَوْلُهُ فَيَلْزَمُهُ رَفْعُ يَدِهِ عَنْهُ) أَيْ وَعَلَيْهِ فَالْقِيَاسُ أَنَّ الشَّرِيكَ غَيْرَ الْمُحْرِمِ لَهُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِ بِتَمَامِهِ فَيَمْلِكُهُ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا أَرَادَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ وَمَنْ أَخَذَهُ وَلَوْ قَبْلَ إرْسَالِهِ وَلَيْسَ مُحْرِمًا مَلَكَهُ وَأَمَّا لَوْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ غَيْرُ الشَّرِيكِ فَيَصِيرُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّرِيكِ الْقَدِيمِ (قَوْلُهُ فِي مِلْكِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ) بِأَنْ يَتَمَلَّكَهُ مِنْهُ (قَوْلُهُ لِيُطْلِقَهُ) أَيْ مَالِكُهُ (قَوْلُهُ: هَلْ يَضْمَنُ نَصِيبَهُ) الظَّاهِرُ عَدَمُ الضَّمَانِ لِعَدَمِ اسْتِيلَائِهِ عَلَى حِصَّةِ شَرِيكِهِ لَكِنْ قَالَ سَمِّ عَلَى حَجّ مَا نَصُّهُ: قَالَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ: وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ مِنْهُ أَخْذًا مِمَّا قَرَّرْته آنِفًا أَنَّهُ يَضْمَنُ نَصِيبَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ إزَالَةُ مِلْكِهِ عَنْ نَصِيبِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَتَعْبِيرُ الْإِمَامِ بِلُزُومِ الدَّفْعِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، إذْ الْأَصْلُ فِي مُبَاشَرَةِ مَا لَا يَجُوزُ الْفِدْيَةُ، وَلَا نَظَرَ لِمَا ذَكَرَ مِنْ عَدَمِ تَأَتِّي إطْلَاقِ حِصَّتِهِ عَلَى مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ إزَالَةُ مِلْكِهِ عَنْ نَصِيبِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَلَوْ بِنَحْوِ وَقْفِهِ فَلَا يُقَالُ قَدْ لَا يَجِدُ مَنْ يَهَبُهُ لَهُ أَوْ يَرْضَى بِشِرَائِهِ مَثَلًا.
(قَوْلُهُ: وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي خُرُوجِهِ
[حاشية الرشيدي]
لَكِنْ لَك مَنْعُهُ بِأَنَّ الْآيَةَ فِي خُصُوصِ الْمُحْرِمِ وَعَامَّةٌ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَيَصِيرُ مُبَاحًا) يَعْنِي يَسْتَمِرُّ عَلَى إبَاحَتِهِ الْمُسْتَصْحَبَةِ مِنْ حَالِ الْإِحْرَامِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِلدَّوَامِ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ فَيَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ
وَيَغْرَمُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُوَرِّطُ لَهُ فِي ذَلِكَ وَمَنْ مَاتَ عَنْ صَيْدٍ وَلَهُ قَرِيبٌ مُحْرِمٌ وَرِثَهُ كَمَا يَمْلِكُهُ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ إلَّا بِإِرْسَالِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَيَجِبُ إرْسَالُهُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ، وَلَوْ بَاعَهُ صَحَّ وَضَمِنَ الْجَزَاءَ مَا لَمْ يُرْسِلْ حَتَّى لَوْ مَاتَ فِي يَدِ الْمُشْتَرَى لَزِمَ الْبَائِعَ الْجَزَاءُ، وَفَرَّقَ ابْنُ الْمُقْرِي بَيْنَ مَا كَانَ فِي مِلْكِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ حَيْثُ تَوَقَّفَ عَلَى الْإِرْسَالِ بِأَنَّهُ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ قَهْرًا بِالْإِرْثِ فَلَا يَزُولُ قَهْرًا، وَدُخُولُهُ فِي الْإِحْرَامِ رِضًا بِزَوَالِ مِلْكِهِ.
وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ الْجَوْجَرِيُّ مِنْ كَوْنِ الْمَمْلُوكِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْإِرْثِ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ بِالْإِحْرَامِ قَهْرًا مَعَ أَنَّهُ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ قَهْرًا، فَكَوْنُهُ فِي الْإِحْرَامِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ، وَمِنْ أَنَّ دُخُولَهُ فِي الْإِحْرَامِ رِضًا بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَمَّا فِي مِلْكِهِ وَعَمَّا سَيَمْلِكُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ يُرَدُّ بِمَنْعِ مَا ذَكَرَهُ إذْ الِابْتِدَاءُ أَقْوَى مِنْ الدَّوَامِ، فَكَانَ ابْتِدَاءُ طُرُوُّ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمَمْلُوكِ وَلَوْ بِالْإِرْثِ مُزِيلًا لِمِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا تَجَدَّدَ حَالَ الْإِحْرَامِ بِنَحْوِ الْإِرْثِ فَإِنَّ الْإِحْرَامَ ضَعْفٌ عَنْ مَنْعِ دُخُولِهِ فِي الْمِلْكِ فَلْيَضْعُفَ عَنْ إزَالَةِ الْمِلْكِ بَعْدَ وُجُودِهِ بِالْأَوْلَى.
وَقَوْلُهُ دُخُولُهُ فِي الْإِحْرَامِ إلَخْ مَمْنُوعٌ أَيْضًا إذْ مَا سَيَمْلِكُهُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ وَلَا مَظْنُونٍ غَالِبًا فَلَا أَثَرَ لِهَذَا الرِّضَا إنْ سَلِمَ وُجُودُهُ، وَكَمَا مَنَعَ الْإِحْرَامُ دَوَامَ الْمِلْكِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَهُ اخْتِيَارًا كَشِرَاءٍ وَهِبَةٍ وَقَبُولِ وَصِيَّةٍ وَحِينَئِذٍ فَيَضْمَنُهُ بِقَبْضٍ نَحْوَ شِرَاءٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ لَا نَحْوَ هِبَةٍ، ثُمَّ إنْ أَرْسَلَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْمَالِكِ وَسَقَطَ الْجَزَاءُ بِخِلَافِهِ فِي الْهِبَةِ لَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ كَالصَّحِيحِ فِي الضَّمَانِ، وَالْهِبَةُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، وَإِنْ رَدَّهُ لِمَالِكِهِ سَقَطَتْ الْقِيمَةُ وَضَمِنَهُ بِالْجَزَاءِ حَتَّى يُرْسِلَهُ فَيَسْقُطَ ضَمَانُ الْجَزَاءِ، وَلَوْ بَاعَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ لَكِنْ يَبْقَى حَقُّهُ حَتَّى يَتَحَلَّلَ فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ فِيهِ كَمَا نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ فَيَكُونَ تَعَذُّرُ الرُّجُوعِ فِي الْحَالِ عُذْرًا فِي التَّأْخِيرِ، وَعَلَيْهِ لَوْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ بِثَمَنِ الصَّيْدِ الَّذِي بَاعَهُ قَبْلُ عَيْبًا كَانَ لَهُ الرَّدُّ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ، وَشَرْطُ الضَّمَانِ فِيمَا مَرَّ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ كَوْنُ الصَّائِدِ مُمَيِّزًا لِيَخْرُجَ الْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمُ وَالطِّفْلُ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، وَمَنْ انْقَلَبَ عَلَى فَرْخٍ وَضَعَهُ الصَّيْدُ فِي فِرَاشِهِ جَاهِلًا بِهِ وَأَتْلَفَهُ.
وَالسَّبَبُ فِي خُرُوجِ ذَلِكَ عَنْ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ حَقُّ اللَّه تَعَالَى فَفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ وَغَيْرِهِ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى: أَيْ أَصَالَةً وَفِي بَعْضِ حَالَاتِهِ، إذْ مِنْهَا الصِّيَامُ فَلَا نَظَرَ لِكَوْنِ الْفِدْيَةِ تُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ، ثُمَّ
[حاشية الشبراملسي]
عَنْ مِلْكِهِ بِالْإِحْرَامِ (قَوْلُهُ: وَمَنْ مَاتَ) أَيْ شَخْصٌ غَيْرُ مُحْرِمٍ (قَوْلُهُ: وَرِثَهُ) أَيْ الْمُحْرِمُ (قَوْلُهُ: حَيْثُ تَوَقَّفَ إلَخْ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَتَوَقَّفْ زَوَالُ مِلْكِهِ عَلَى إرْسَالٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ حَيْثُ إلَخْ، وَلَعَلَّ فِي الْعِبَارَةِ سَقْطًا، وَالْأَصْلُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ حَيْثُ لَمْ يَتَوَقَّفْ زَوَالُ مِلْكِهِ عَلَى إرْسَالٍ وَبَيْنَ مَا دَخَلَ فِي مِلْكِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ (قَوْلُهُ: وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ) أَيْ عَلَى الْفَرْقِ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ لَوْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ بِثَمَنِ الصَّيْدِ) : أَيْ الْمُعَيَّنِ فِي الْعَقْدِ أَمَّا مَا فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَتَوَقَّفُ رَدُّهُ عَلَى التَّحَلُّلِ، وَلَيْسَ رَدُّهُ فَوْرِيًّا؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالتَّرَاضِي (قَوْلُهُ: وَضْعُهُ الصَّيْدَ فِي فِرَاشِهِ) أَيْ أَوْ وَقَعَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: وَفِي بَعْضِ حَالَاتِهِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ كَانَ الصَّيْدُ حَقًّا لِلَّهِ مَعَ أَنَّ بَدَلَهُ يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ؟ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ وَجَبَ أَصَالَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَقَدْ جَعَلَهُ الشَّارِعُ لِلْفُقَرَاءِ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِدَفْعِ مَا مَلَكَهُ لِلْفُقَرَاءِ، وَمِنْ ثَمَّ لَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِمْ كَالْوَكِيلِ فِي الْقَبْضِ إذَا أَسْقَطَ الدَّيْنَ عَنْ الْمَدِينِ، وَهَذَا الْجَوَابُ يَطَّرِدُ فِي كُلِّ مَا وَجَبَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ أَحْرَمَ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ) التَّشْبِيهُ فِي مُجَرَّدِ وُجُوبِ الْإِرْسَالِ (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ مَاتَ فِي يَد الْمُشْتَرِي لَزِمَ الْبَائِعَ الْجَزَاءُ) كَأَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْ الضَّمَانِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهَا فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَحِينَئِذٍ فَيَضْمَنُهُ بِقَبْضٍ بِنَحْوِ شِرَاءٍ إلَخْ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ وَإِنْ قَبَضَهُ بِشِرَاءٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ لَا هِبَةٍ وَأَرْسَلَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْمَالِكِ وَإِنْ رَدَّهُ لِمَالِكِهِ سَقَطَتْ الْقِيمَةُ لَا الْجَزَاءُ مَا لَمْ يُرْسِلْ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: بِثَمَنِ الصَّيْدِ) أَيْ الْمُعَيَّنِ (قَوْلُهُ: مِنْهَا الصِّيَامُ) بَيَانٌ لِبَعْضِ حَالَاتِهِ
ضَمَانُ السَّيِّدِ هُنَا: إمَّا بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ أَوْ وَضْعِ يَدٍ، فَالْأَوَّلُ كَالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ، وَالثَّانِي هُوَ مَا أَثَّرَ فِي التَّلَفِ وَلَمْ يُحَصِّلْهُ فَيَضْمَنَ مَا تَلِفَ مِنْ الصَّيْدِ بِنَحْوِ صِيَاحِهِ أَوْ وُقُوعِ حَيَوَانٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ عَلَيْهِ أَوْ وُقُوعِهِ بِشَبَكَةٍ نَصَبَهَا فِي الْحَرَمِ أَوْ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَإِنْ نَصَبَهَا بِمِلْكِهِ أَوْ وَقَعَ الصَّيْدُ بِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَ التَّحَلُّلِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْبَغَوِيّ، قَالَ لِتَعَدِّيهِ حَالَ نَصْبِهَا، وَأَخَذَ مِنْهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ لَوْ نَصَبَهَا بِغَيْرِ الْحَرَمِ وَهُوَ حَلَالٌ لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهَا وَإِنْ أَحْرَمَ؛ وَلَوْ أَرْسَلَ مُحْرِمٌ كَلْبًا مُعَلَّمًا عَلَى صَيْدٍ أَوْ حَلَّ رِبَاطَهُ وَالسَّيِّدُ حَاضِرٌ ثُمَّ أَوْ غَائِبٌ ثُمَّ ظَهَرَ فَقَتَلَهُ ضَمِنَ كَحَلَالٍ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ، وَكَذَا يَضْمَنُ لَوْ انْحَلَّ رِبَاطُهُ بِتَقْصِيرِهِ فِي الرَّبْطِ فَقَتَلَ صَيْدًا حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا ثُمَّ ظَهَرَ، وَفَارَقَ مَا ذُكِرَ عَدَمَ الضَّمَانِ بِإِرْسَالِ الْكَلْبِ لِقَتْلِ آدَمِيٍّ بِأَنَّ الْكَلْبَ مُعَلَّمٌ لِلِاصْطِيَادِ فَاصْطِيَادُهُ بِإِرْسَالِهِ كَاصْطِيَادِهِ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ مُعَلَّمًا لِقَتْلِ الْآدَمِيِّ فَلَمْ يَكُنْ الْقَتْلُ مَنْسُوبًا إلَى الْمُرْسِلِ بَلْ إلَى اخْتِيَارِ الْكَلْبِ، وَلِهَذَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا غَيْرَ مُعَلَّمٍ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَعَزَاهُ إلَى نَصِّهِ فِي الْإِمْلَاءِ، وَحَكَاهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ فَقَطْ، ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ اهـ. قَالَ فِي الْخَادِمِ: قَضِيَّةُ إطْلَاقِ غَيْرِهِمْ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْمُعَلَّمِ وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّ كَلَامِ هَؤُلَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْكَلْبُ ضَارِبًا، وَقَضِيَّةُ الْفَرْقِ السَّابِقِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْكَلْبُ مُعَلَّمًا لِقَتْلِ الْآدَمِيِّ فَأُرْسِلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ ضَمِنَ كَالضَّارِي، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَوْ اسْتَرْسَلَ كَلْبٌ فَزَادَ عَدْوُهُ بِإِغْرَاءِ مُحْرِمٍ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الِاسْتِرْسَالِ لَا يَنْقَطِعُ بِالْإِغْرَاءِ وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْهُ بِحَفْرِ بِئْرٍ حَفَرَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ بِالْحَفْرِ كَأَنْ حَفَرَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ، أَوْ وَهُوَ حَلَالٌ فِي الْحَرَمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِهِ كَأَنْ حَفَرَهَا بِمِلْكِهِ، أَوْ مَوَاتٍ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ لَا تَخْتَلِفُ فَصَارَ كَنَصْبِ شَبَكَةٍ فِيهِ فِي مِلْكِهِ، بِخِلَافِ حُرْمَةِ الْمُحْرِمِ فَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْ ذَلِكَ بِمَا حَفَرَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ بِغَيْرِ عُدْوَانٍ كَمَا لَوْ تَلِفَ بِهِ بَهِيمَةٌ أَوْ آدَمِيٌّ، وَلَوْ دَلَّ الْمُحْرِمُ آخَرَ عَلَى صَيْدٍ لَيْسَ فِي يَدِهِ فَقَتَلَهُ أَوْ أَعَانَهُ بِآلَةٍ أَوْ نَحْوِهَا أَثِمَ وَلَا ضَمَانَ، أَوْ بِيَدِهِ وَالْقَاتِلُ حَلَالٌ ضَمِنَ الْمُحْرِمُ؛ لِأَنَّ حِفْظَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَلَوْ رَمَاهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ فَأَصَابَهُ بَعْدَهُ أَوْ عَكْسٌ ضَمِنَ تَغْلِيبًا الْإِحْرَامِ فِيهِمَا وَإِنَّمَا أُهْدِرَ مُسْلِمٌ رَمَاهُ فَارْتَدَّ لِتَقْصِيرِهِ، وَلَوْ رَمَى صَيْدًا فَنَفَذَ مِنْهُ إلَى صَيْدٍ آخَرَ ضَمِنَهُمَا وَالثَّالِثُ التَّعَدِّي
[حاشية الشبراملسي]
لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَغَيْرِهِمَا.
(قَوْلُهُ: إمَّا بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ) أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الشَّرْطَ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَمْسَكَهُ مُحْرِمٌ حَتَّى قَتَلَهُ حَلَالٌ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِهِ عَلَى الْقَاتِلِ (قَوْلُهُ: أَصَابَهُ) صِفَةُ حَيَوَانٍ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ: أَيْ عَلَى الصَّيْدِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَوْ نَصَبَهَا بِغَيْرِ الْحَرَمِ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ صَاحَ لِدَفْعِ صَائِلٍ مَثَلًا فَمَاتَ صَيْدٌ أَوْ رَمَى سَهْمًا لِبَعِيرٍ نَدَّ فَوَقَعَ الْبَعِيرُ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ عَدَمُ الضَّمَانِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ أَوْ وُقُوعُ حَيَوَانٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ عَلَيْهِ أَنَّ تِلْكَ مُصَوَّرَةٌ بِمَا إذَا تَعَدَّى الْمُحْرِمُ بِرَمْيِ الْحَيَوَانِ بِالسَّهْمِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي وَلَوْ تَلِفَ بِهِ فِي نِفَارِهِ صَيْدٌ ضَمِنَهُ أَيْضًا، بِخِلَافِ هَذِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهَا بِرَمْيِ السَّهْمِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَحْرَمَ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: فَقَتَلَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: وَعَزَاهُ إلَى نَصِّهِ) أَيْ الشَّافِعِيِّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ اسْتَرْسَلَ كَلْبٌ) أَيْ بِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ أَثِمَ وَلَا ضَمَانَ) عَلَى الدَّالِّ وَالْمُعِينِ.
وَأَمَّا الْمَدْلُولُ وَالْمُعَانُ، فَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا ضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: أَوْ بِيَدِهِ) أَيْ الدَّالِّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَوْ سَبَبٍ) مُرَادُهُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الشَّرْطَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ أَمْثِلَتِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُتَعَدٍّ) مَفْهُومُهُ سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي فِي الْحَلَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا أَنَّهُ إنْ كَانَ مُحْرِمًا وَحَفَرَ فِي الْحَرَمِ لَا يَضْمَنُ إلَّا إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا وَلَيْسَ مُرَادًا إذْ كَيْفَ يَضْمَنُ الْحَلَالُ بِالْحَفْرِ فِي الْحَرَمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا وَلَا يَضْمَنُ الْمُحْرِمُ بِالْحَفْرِ فِي الْحَرَمِ إلَّا مَعَ التَّعَدِّي مَعَ تَعَدُّدِ الْمُقْتَضِي فِيهِ وَسَيَأْتِي
بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ فَيَضْمَنَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ بِتَلَفٍ حَصَلَ لَهُ وَهُوَ فِي يَدِهِ وَلَوْ بِنَحْوِ وَدِيعَةٍ كَالْغَاصِبِ أَوْ بِمَا فِي يَدِهِ كَأَنْ تَلِفَ بِنَحْوِ رَفْسِ مَرْكُوبِهِ كَمَا لَوْ هَلَكَ بِهِ آدَمِيٌّ أَوْ بَهِيمَةٌ، وَلَوْ كَانَ مَعَ الرَّاكِبِ سَائِقٌ وَقَائِدٌ فَالْأَوْجَهُ اخْتِصَاصُ الضَّمَانِ بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ، وَلَا يَضْمَنَ مَا تَلِفَ بِإِتْلَافِ بَعِيرِهِ وَإِنْ فَرَّطَ أَخْذًا مِمَّا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَأَقَرَّهُ، أَنَّهُ لَوْ حَمَلَ مَا يُصَادُ بِهِ فَانْفَلَتَ بِنَفْسِهِ وَقُتِلَ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ فَرَّطَ وَفَارَقَ انْحِلَالَ رِبَاطِ الْكَلْبِ بِتَقْصِيرِهِ بِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الرَّبْطِ غَالِبًا دَفْعُ الْأَذَى فَإِذَا انْحَلَّ بِتَقْصِيرِهِ فَوَّتَ الْغَرَضَ بِخِلَافِ حَمْلِهِ، وَلَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَأَخْطَأَهُ أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ كَلْبًا فَلَمْ يَقْتُلْهُ أَثِمَ وَلَا جَزَاءَ، وَلَوْ كَانَ الْمُتْلِفُ لِمَا فِي يَدِ الْمُحْرِمِ مُحْرِمًا ضَمِنَ وَكَانَ ذُو الْيَدِ طَرِيقًا عَلَى الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ حَلَالًا فَإِنَّ الضَّامِنَ وَهُوَ ذُو الْيَدِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُتْلِفِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ضَمَانِ الصَّيْدِ وَلَوْ أُكْرِهَ مُحْرِمٌ عَلَى قَتْلِهِ ضَمِنَهُ وَرَجَعَ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى مُكْرِهِهِ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ فِي يَدِهِ إنْ كَانَ أَخَذَهُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّيْدِ لَا إنْ أَخَذَهُ لِمَصْلَحَتِهِ كَمُدَاوَاتِهِ أَوْ تَخْلِيصِهِ مِنْ نَحْوِ سَبُعٍ أَوْ هِرَّةٍ اخْتَطَفَتْهُ فَمَاتَ فِي يَدِهِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: لِأَنَّهُ قَصَدَ الْمَصْلَحَةَ فَجُعِلَتْ يَدُهُ يَدَ وَدِيعَةٍ كَمَا لَوْ أَخَذَ الْمَغْصُوبُ مِنْ الْغَاصِبِ لِيَرُدَّهُ إلَى مَالِكِهِ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ وَكَانَ الْغَاصِبُ حَرْبِيًّا أَوْ رَقِيقًا لِلْمَالِكِ، وَلَا يُنَافَى هَذَا قَوْلَهُمَا أَنَّ الْوَدِيعَ يَضْمَنُ كَمَا مَرَّ، إذْ مَعْنَى هَذَا أَنَّ قَصْدَهُ مَصْلَحَةَ الصَّيْدِ أَخْرَجَ الْيَدَ عَنْ وَضْعِهَا الْأَصْلِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَلْحَقَهَا بِيَدِ الْوَدِيعِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ، فَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِ الرَّافِعِيِّ فَجُعِلَتْ يَدُهُ يَدَ وَدِيعَةٍ أَنَّ يَدَهُ صَارَتْ كَالْيَدِ الْمُسْتَوْدَعَةِ صَيْدًا بَلْ كَالْمُسْتَوْدَعَةِ غَيْرَهُ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَلَا يَضْمَنُ أَيْضًا بِإِتْلَافِهِ لِمَا صَالَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ لِأَجْلِ دَفْعٍ لَهُ عَنْ نَفْسٍ مُحْتَرَمَةٍ أَوْ عُضْوٍ كَذَلِكَ أَوْ مَالٍ بَلْ أَوْ اخْتِصَاصٍ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الصِّيَالَ أَلْحَقَهُ بِالْمُؤْذِيَاتِ، وَلَوْ قَتَلَهُ لِلدَّفْعِ رَاكِبُهُ الصَّائِلُ عَلَيْهِ ضَمِنَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ دَفْعُ رَاكِبِهِ إلَّا بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّ الْأَذَى لَيْسَ مِنْهُ كَمَا فِي إيجَابِ الْفِدْيَةِ بِحَلْقِ شَعْرِ رَأْسِهِ لِإِيذَاءِ الْقُمَّلِ.
نَعَمْ يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى الرَّاكِبِ وَلَا ضَمَانَ وَلَا إثْمَ بِقَتْلِ جَرَادٍ عَمَّ طَرِيقَهُ، وَلَمْ يَطَأْ إلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَطْئِهِ؛ لِأَنَّهُ مُلْجَأٌ إلَى ذَلِكَ فَأَشْبَهَ دَفْعَهُ لِصِيَالِهِ، وَكَالْجَرَادِ مَا لَوْ بَاضَ بِفِرَاشِهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَّا بِالتَّعَرُّضِ لِبَيْضِهِ فَإِذَا نَحَّاهُ وَفَسَدَ لَمْ يَضْمَنْهُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ فَالْأَوْجَهُ اخْتِصَاصُ الضَّمَانِ بِالْأَوَّلِ) أَيْ الرَّاكِبِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَضْمَنُ) أَيْ الْمُحْرِمُ وَقَوْلُهُ لِمَا تَلِفَ: أَيْ مِنْ الصَّيْدِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ فَرَّطَ) أَيْ أَوْ أَغْرَاهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أُكْرِهَ مُحْرِمٌ عَلَى قَتْلِهِ) أَيْ الصَّيْدِ، وَقَوْلُهُ ضَمِنَهُ: أَيْ الْمُحْرِمُ (قَوْلُهُ عَلَى مُكْرِهِهِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ الْمُكْرَهُ حَلَالًا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْحَلَالَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ضَمَانِ الصَّيْدِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُنَافِي هَذَا) أَيْ عَدَمُ الضَّمَانِ فِيمَا لَوْ أَخَذَ الصَّيْدَ لِمَصْلَحَتِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ اخْتِصَاصٌ) أَيْ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الصِّيَالَ أَلْحَقَهُ بِالْمُؤْذِيَاتِ) وَعَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ الْحَيَوَانُ مَأْكُولًا وَصَادَفَ أَنْ دَفَعَهُ بِآلَةٍ قَطَعَتْ حُلْقُومَهُ وَمَرِيئَهُ فَهَلْ يَكُونُ مَيْتَةً أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ ثُمَّ رَأَيْت سَمِّ عَلَى حَجّ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ وَكَتَبَ عَلَى مَيْتَةٍ مَرَّ، ثُمَّ رَأَيْت قَوْلَ الشَّارِحِ الْآتِي وَمَذْبُوحُ الْمُحْرِمِ إلَخْ وَمَا يَأْتِي بِهَامِشِهِ عَنْ حَجّ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى الرَّاكِبِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الرَّاكِبَ بِصِيَالِهِ أَلْجَأَهُ إلَى قَتْلِ الْمَرْكُوبِ فَيَضْمَنُ (قَوْلُهُ: وَلَا إثْمَ بِقَتْلِ جَرَادٍ) أَيْ وَلَوْ وَجَدَ
[حاشية الرشيدي]
أَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ لَا تَخْتَلِفُ (قَوْلُهُ فَيَضْمَنُ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ) أَيْ بِالْجَزَاءِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: أَوْ بِمَا فِي يَدِهِ) لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى بِتَلَفٍ أَوْ وَهُوَ فِي يَدِهِ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الصَّيْدَ الَّذِي رَفَسَتْهُ دَابَّتُهُ مَثَلًا إلَّا إنْ كَانَ الصَّيْدُ فِي يَدِهِ أَيْضًا، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْحُكْمَ أَعَمُّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ بِتَلَفٍ إلَخْ تَفْسِيرًا لِوَضْعِ الْيَدِ وَيَدَّعِي أَنَّ رَفْسَ الدَّابَّةِ مَثَلًا وَضْعُ يَدٍ بِالْقُوَّةِ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ: وَيَضْمَنُ الصَّيْدَ بِالْيَدِ أَوْ بِاَلَّذِي فِيهَا انْتَهَتْ
وَمِنْهُ يُؤْخَذُ تَنْفِيرُهُ إذَا أَضَرَّ بِأَكْلِهِ مَتَاعَهُ مَثَلًا أَوْ بِبَوْلِهِ، وَيَضْمَنُ حَلَالٌ فَرْخًا حَبَسَ أُمَّهُ حَتَّى تَلِفَ وَالْفَرْخُ فِي الْحَرَمِ دُونَ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ حَبْسَهَا جِنَايَةٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَضْمَنُهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ الْحِلِّ أَوْ هِيَ فِي الْحَرَمِ دُونَهُ ضَمِنَهُمَا، أَمَّا هُوَ فَكَمَا لَوْ رَمَاهُ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ، وَأَمَّا هِيَ فَلِكَوْنِهَا فِي الْحَرَمِ وَالْفَرْخُ، مِثَالٌ إذْ كُلُّ صَيْدٍ وَوَلَدُهُ كَذَلِكَ إذَا كَانَ يَتْلَفُ لِانْقِطَاعِ مُتَعَهِّدِهِ وَخَرَجَ بِالْحَلَالِ الْمُحْرِمُ فَيَضْمَنُ مُطْلَقًا، وَلَوْ نَفَّرَ مُحْرِمٌ صَيْدًا وَلَوْ فِي الْحِلِّ أَوْ نَفَّرَهُ حَلَالٌ فِي الْحَرَمِ فَهَلَكَ بِسَبَبِ التَّنْفِيرِ بِنَحْوِ صَدْمَةٍ أَوْ أَخْذِ سَبُعٍ أَوْ قَتْلِ حَلَالٍ لَهُ فِي الْحِلِّ ضَمِنَهُ وَيَسْتَمِرُّ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَسْكُنَ، وَلَوْ تَلِفَ بِهِ فِي نِفَارِهِ صَيْدٌ آخَرُ ضَمِنَهُ أَيْضًا، وَيَضْمَنُ حَلَالٌ أَيْضًا بِإِرْسَالِهِ وَهُوَ فِي الْحِلِّ إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ أَيْضًا سَهْمًا مَرَّ فِي الْحَرَمِ فَأَصَابَهُ وَقَتَلَهُ أَوْ بِإِرْسَالِهِ وَهُمَا فِي الْحِلِّ أَيْضًا كَلْبًا مُعَلَّمًا تَعَيَّنَ الْحَرَمُ عِنْدَ الْإِرْسَالِ لِطَرِيقِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ الطَّرِيقَ الْمَأْلُوفَةَ؛ لِأَنَّهُ أَلْجَأَهُ إلَى الدُّخُولِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ؛ لِأَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا وَلَا كَذَلِكَ السَّهْمُ.
وَلَوْ دَخَلَ صَيْدٌ رُمِيَ إلَيْهِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ فِي الْحِلِّ الْحَرَمَ فَقَتَلَهُ السَّهْمُ فِيهِ ضَمِنَهُ، وَكَذَا لَوْ أَصَابَ صَيْدًا فِيهِ كَانَ مَوْجُودًا فِيهِ قَبْلَ رَمْيِهِ إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ، وَلَا يَضْمَنُ مُرْسِلُ الْكَلْبِ بِذَلِكَ إلَّا إنْ عَدِمَ الصَّيْدُ مَلْجَأً غَيْرَ الْحَرَمِ عِنْدَ هَرَبِهِ.
وَنَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا أَوْ سَهْمًا مِنْ الْحِلِّ إلَى صَيْدٍ فِيهِ فَوَصَلَ إلَيْهِ فِي الْحِلِّ وَتَحَامَلَ الصَّيْدُ بِنَفْسِهِ أَوْ نَقَلَ الْكَلْبُ لَهُ فِي الْحَرَمِ فَمَاتَ فِيهِ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ احْتِيَاطًا لِحُصُولِ قَتْلِهِ فِي الْحَرَمِ، وَلَوْ رَمَى فِي الْحِلِّ صَيْدًا كُلَّهُ أَوْ قَوَائِمَهُ فِي الْحَرَمِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهَا أَوْ عَكْسَهُ ضَمِنَهُ تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَضْمَنْ مَنْ سَعَى مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ أَوْ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحِلِّ، لَكِنْ سَلَكَ فِي أَثْنَاءِ سَعْيِهِ الْحَرَمَ فَقَتَلَ الصَّيْدَ مِنْ الْحِلِّ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الصَّيْدِ مِنْ حِينِ الرَّمْيِ أَوْ نَحْوِهِ لَا مِنْ حِينِ السَّعْيِ، فَإِنْ أَخْرَجَ يَدَهُ مِنْهُ وَنَصَبَ شَبَكَةً لَمْ يَضْمَنْ مَا يَنْعَقِلُ بِهَا، وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ الْحَرَمِ وَرَمَى إلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِ غَيْرِ قَوَائِمِهِ فِي الْحَرَمِ كَرَأْسِهِ إنْ أَصَابَ مَا فِي الْحِلِّ وَإِلَّا ضَمِنَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ، هَذَا فِي الْقَائِمِ فَغَيْرُهُ الْعِبْرَةُ بِمُسْتَقَرِّهِ، وَلَوْ كَانَ نِصْفُهُ فِي الْحِلِّ وَنِصْفُهُ فِي الْحَرَمِ حَرُمَ
[حاشية الشبراملسي]
طَرِيقًا غَيْرَهُ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ يُؤْخَذُ تَنْفِيرُهُ) أَيْ جَوَازُ تَنْفِيرِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: إذَا أَضَرَّ بِأَكْلِهِ مَتَاعَهُ إلَخْ) عِبَارَةُ حَجّ: فِي جُمْلَةِ مَا يَجُوزُ التَّنْفِيرُ لِأَجْلِهِ أَوْ كَانَ يُنَجِّسُ مَتَاعَهُ بِمَا يَنْقُصُ قِيمَتُهُ لَوْ لَمْ يُنَفِّرْهُ، فَأَفْهَمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَنْقُصُ قِيمَتُهُ لَمْ يَجُزْ تَنْفِيرُهُ وَإِطْلَاقُ الشَّارِحِ يُخَالِفُهُ وَفِي سَمِّ عَلَى مَنْهَجٍ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ مَا نَصُّهُ: وَهَلْ يَلْحَقُ بِذَلِكَ أَيْضًا مَا لَوْ اسْتَوْطَنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَام وَصَارَ يُلَوِّثُ الْمَسْجِدَ بِرَوْثِهِ فَيَجُوزُ تَنْفِيرُهُ عَنْ الْمَسْجِدِ صَوْنًا لَهُ عَنْ رَوْثِهِ وَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ بِشَرْطِهِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. أَقُولُ: الْأَقْرَبُ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَلَوْ مَعَ الْعَفْوِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا تُوجَدُ شُرُوطُهُ وَتَقْذِيرُ الْمَسْجِدِ مِنْهُ صِيَالٌ عَلَيْهِ فَيُمْنَعَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءً أَخَذَ أُمَّهُ مِنْ الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ كَانَتْ أُمُّهُ فِي الْحَرَمِ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: وَيَسْتَمِرُّ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَسْكُنَ) أَيْ فَلَوْ انْفَلَتَ وَلَمْ يَعْرِفْ لَهُ حَالًا بَعْدُ فَيَنْبَغِي عَدَمُ الضَّمَانِ لِكَوْنِهِ الْأَصْلَ (قَوْلُهُ: كَلْبًا مُعَلَّمًا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِإِرْسَالِ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِكَلَامٍ الْمَاوَرْدِيُّ السَّابِقِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْهُ عَدَمُ الضَّمَانِ (قَوْلُهُ: ضَمِنَهُ) وَإِنْ أَصَابَهُ السَّهْمُ خَارِجَ الْحَرَمِ (قَوْلُهُ: كَانَ مَوْجُودًا فِيهِ) أَيْ وَاسْتَمَرَّ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَدَخَلَ بَعْدَ الرَّمْيِ صَيْدُ الْحَرَمِ فَأَصَابَهُ السَّهْمُ فِي مُرُورِهِ فَلَا ضَمَانَ لِعَدَمِ تَقْصِيرِ الرَّامِي، إلَّا أَنَّ هَذَا يُشْكِلُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ قَوْلُ الشَّارِحِ فَقَتَلَهُ السَّهْمُ فِيهِ ضَمِنَهُ (قَوْلُهُ تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَقَتَلَهُ السَّهْمُ فِيهِ) إنْ كَانَتْ الصُّورَةُ أَنَّ السَّهْمَ أَصَابَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ فَسَيَأْتِي فِيمَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ، وَإِنْ كَانَتْ الصُّورَةُ أَنَّهُ إنَّمَا أَصَابَهُ فِي الْحَرَمِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَصْلِهَا لِعِلْمِهَا بِالْأَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَيَضْمَنُ حَلَالٌ أَيْضًا بِإِرْسَالِهِ وَهُوَ فِي الْحِلِّ إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ أَيْضًا سَهْمًا مَرَّ فِي الْحَرَمِ فَلْتُحَرَّرْ.
كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ.
وَيَضْمَنُ الْمُحْرِمُ وَمَنْ بِالْحَرَمِ الصَّيْدَ بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَمِ لَا مِنْ نَوْعِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] وَالْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ تَقْرِيبًا لَا تَحْقِيقًا وَفِي الصُّورَةِ لَا فِي الْقِيمَةِ، فَيَفْدِي الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ وَالصَّحِيحَ وَالْمَرِيضَ وَالسَّمِينَ وَالْهَزِيلَ وَالْمَعِيبَ بِمِثْلِهِ رِعَايَةً لِلْمُمَاثَلَةِ الَّتِي اقْتَضَتْهَا الْآيَةُ، وَأَيْضًا كَمَا اُعْتُبِرَتْ الْمُمَاثَلَةُ الصُّورِيَّةُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْأَجْنَاسِ فَكَذَلِكَ تُعْتَبَرُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْأَسْنَانِ وَالصِّفَاتِ وَلَوْ أَعْوَرَ يَمِينٍ بِيَسَارٍ، وَلَا يُؤَثِّرُ اخْتِلَافُ نَوْعِ الْعَيْبِ، وَيُجْزِئُ الذَّكَرُ عَنْ الْأُنْثَى وَعَكْسُهُ وَالذَّكَرُ أَفْضَلُ، وَفِي الْحَامِلِ حَامِلٌ وَلَا تُذْبَحُ بَلْ تُقَوَّمُ بِمَكَّةَ مَحَلَّ ذَبْحِهَا، وَيَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهَا طَعَامًا أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، فَإِنْ أَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَمَاتَتْ فَكَقَتْلِ الْحَامِلِ، وَإِنْ عَاشَتْ ضَمِنَ نَقْصَهَا أَوْ حَيًّا أَوْ مَاتَا ضَمِنَهُمَا أَوْ مَاتَ دُونَهَا وَضَمِنَ نَقْصَهَا وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مِثْلَ الصَّيْدِ مِنْ النَّعَمِ يُعْرَفُ إمَّا بِنَصٍّ أَوْ بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَاحْتِيجَ إلَى بَيَانِ مَا نُقِلَ إلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ (فَفِي) إتْلَافِ (النَّعَامَةِ) بِفَتْحِ النُّونِ ذَكَرًا كَانَتْ أَوْ أُنْثَى (بَدَنَةٌ) كَمَا حَكَمَ بِهِ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةُ فَلَا تُجْزِئُ بَقَرَةٌ وَلَا سَبْعُ شِيَاهٍ أَوْ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ تُرَاعَى فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ كَمَا مَرَّ.
(وَفِي) وَاحِدٍ مِنْ (بَقَرِ الْوَحْشِ وَ) فِي وَاحِدٍ مِنْ (حِمَارِهِ) أَيْ الْوَحْشِ (بَقَرَةٌ) أَيْ وَاحِدٌ مِنْ الْبَقَرِ (وَ) فِي (الْغَزَالِ عَنْزٌ) وَهِيَ أُنْثَى الْمَعْزِ الَّتِي تَمَّ لَهَا سَنَةٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: وَفِي الظَّبْيِ تَيْسٌ إذْ الْعَنْزُ إنَّمَا هُوَ وَاجِبُ الظَّبْيَةِ: أَيْ أَصَالَةً لَكِنَّهُمْ جَرَوْا فِي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ عَلَى وَفْقِ الْأَثَرِ الْآتِي، وَوَلَدُ الظَّبْيَةِ يُسَمَّى غَزَالًا مِنْ وِلَادَتِهِ إلَى أَنْ يَقْوَى وَيَطْلُعَ قَرْنَاهُ ثُمَّ يُسَمَّى الذَّكَرُ ظَبْيًا وَالْأُنْثَى ظَبْيَةً، وَهُمَا اللَّذَانِ وَاجِبُهُمَا الْعَنْزُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ أَمَّا الْغَزَالُ فَوَاجِبُهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا جَدْيٌ أَوْ جَفْرٌ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ جِسْمُ الصَّيْدِ وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَعَنَاقٌ أَوْ جَفْرَةٌ ذَلِكَ لِمَا صَحَّ أَنَّ عُمَرَ قَضَى فِي الْكُلِّ بِذَلِكَ إلَّا الْوَبْرَ فَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمَا حَكَمَا فِيهِ بِشَاةٍ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ حُرْمَةِ الْحَرَمِ
(قَوْلُهُ: وَلَا يُؤَثِّرُ اخْتِلَافُ نَوْعِ الْعَيْبِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ اخْتِلَافُ مَحَلِّهِ حَيْثُ اتَّحَدَ نَوْعُهُ.
وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ حُرْمَةٌ عَطْفًا عَلَى مَا يُجْزِئُ: وَالْمَعِيبُ بِالْمَعِيبِ إذَا اتَّحَدَ جِنْسُ الْعَيْبِ كَالْعَوَرِ وَإِنْ كَانَ عَوَرُ أَحَدِهِمَا فِي الْيَمِينِ وَالْآخَرُ فِي الْيَسَارِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ كَالْعَوَرِ وَالْجَرَبِ فَلَا (قَوْلُهُ: فَكَقَتْلِ الْحَامِلِ) أَيْ فَتُضْمَنُ بِحَامِلٍ مِثْلِهَا لَكِنْ لَا تُذْبَحُ (قَوْلُهُ: أَنَّهُمَا حَكَمَا فِيهِ بِشَاةٍ) ضَعِيفٌ وَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّ فِيهِ جَلُولَاءَ فَمَا نُقِلَ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ مَذْهَبُهُمَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مِثْلَ الصَّيْدِ مِنْ النَّعَمِ يُعْرَفُ إمَّا بِنَصٍّ إلَخْ) لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ تَقْرِيرُ هَذَا وَهُوَ إنَّمَا سَيَأْتِي بَعْدُ وَعُذْرُهُ أَنَّهُ تَابِعٌ لِلْإِمْدَادِ، لَكِنَّ ذَاكَ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَقْرِيرُ هَذَا فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: فَفِي إتْلَافِ النَّعَامَةِ إلَخْ) مُرَادُهُ بِالْإِتْلَافِ هُنَا مَا يَشْمَلُ نَحْوَ التَّلَفِ فِي الْيَدِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ وَفِي الظَّبْيِ تَيْسٌ إلَخْ) هُوَ تَابِعٌ فِي هَذَا لِلْإِمْدَادِ لَكِنَّ عِبَارَةَ الْإِرْشَادِ: وَفِي الظَّبْيِ عَنْزٌ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ الْإِمْدَادُ عَقِبَهَا: وَالْأَوْلَى إلَخْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَابِعٌ فِي هَذِهِ السِّوَادَةِ بِلَفْظِهَا لِلْإِمْدَادِ مَعَ أَنَّ بَعْضَهَا غَيْرُ مُنَاسِبٍ هُنَا وَبَعْضُهَا غَيْرُ صَوَابٍ كَمَا يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَثَرَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَفْقَ الْأَثَرِ الْآتِي هُوَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ وَفِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفَرَةٍ اهـ.
ثُمَّ إنَّهُ تَابِعٌ فِي هَذَا التَّعْبِيرِ لِلْإِمْدَادِ، وَالصَّوَابُ إسْقَاطُ قَوْلِهِ هُنَا فِي الْكُلِّ أَوْ تَأْخِيرُ الْأَثَرِ عَمَّا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ وَفِي الظَّبْيِ تَيْسٌ) أَيْ أَوْ عَنْزٌ كَمَا عُلِمَ مِنْ جَوَازِ الْأُنْثَى عَنْ الذَّكَرِ وَعَكْسُهُ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ أَصَالَةً، وَإِنَّمَا قَالَ وَالْأَوْلَى وَلَمْ يَقُلْ وَالصَّوَابُ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالْغَزَالِ الظَّبْيَةَ تَجَوُّزًا، وَلَوْ قَالَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ وَفِي الظَّبْيِ عَنْزٌ لَكَانَ أَنْسَبَ، لَكِنَّ عُذْرَهُ مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: إلَّا الْوَبَرَ) هُوَ تَابِعٌ فِيهِ لِلْإِمْدَادِ أَيْضًا، لَكِنَّ الْوَبَرَ مَذْكُورٌ فِي مَتْنِ الْإِرْشَادِ لَا هُنَا (قَوْلُهُ: بِمَا
(وَ) فِي (الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ) وَهِيَ أُنْثَى الْمَعْزِ إذَا قَوِيَتْ مَا لَمْ تَبْلُغْ سَنَةً كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَحْرِيرِهِ وَغَيْرِهِ، وَفِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَنَّهَا أُنْثَى الْمَعْزِ مِنْ حِينِ تُولَدُ حَتَّى تَرْعَى (وَ) فِي (الْيَرْبُوعِ) أَوْ الْوَبْرِ بِإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ (جَفْرَةٌ) وَهِيَ أُنْثَى الْمَعْزِ إذَا بَلَغَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَفَصَلَتْ عَنْ أُمِّهَا وَالذَّكَرُ جَفْرٌ؛ لِأَنَّهُ جَفَرَ جَنْبَاهُ: أَيْ عَظُمَا، قَالَ بَعْدَ تَفْسِيرِ الْعَنَاقِ وَالْجَفْرَةُ بِمَا ذُكِرَ: هَذَا مَعْنَاهُمَا لُغَةً، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْجَفْرَةِ هُنَا مَا دُونَ الْعَنَاقِ إذْ الْأَرْنَبُ خَيْرٌ مِنْ الْيَرْبُوعِ اهـ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْيَرْبُوعِ غَيْرُ جَفْرَةٍ؛ لِأَنَّهَا بِمُقْتَضَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ وَإِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ سِنِّ الْعَنَاقِ وَادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ وَالدَّلِيلُ.
قَالَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْجَفْرَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا دُونَ الْعَنَاقِ، إذْ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِهَا مَا فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّحْرِيرِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي الضَّبُعِ كَبْشٌ وَالثَّعْلَبِ شَاةٌ وَالضَّبِّ وَأُمِّ حُبَيْنٍ جَدْيٌ.
(وَمَا لَا نَقْلَ فِيهِ) مِنْ الصَّيْدِ عَنْ السَّلَفِ (يَحْكُمُ بِمِثْلِهِ) مِنْ النَّعَمِ (عَدْلَانِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] أَيْ وَلَوْ ظَاهِرًا أَوْ بِلَا اسْتِبْرَاءِ سَنَةٍ فِيمَا يَظْهَرُ أَوْ كَانَا قَاتِلَيْهِ خَطَأً أَوْ لِاضْطِرَارٍ لَا تَعَدِّيًا، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُمَا فَقِيهَيْنِ بِهَذَا الْبَابِ فَطِنَيْنِ، وَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ اسْتِحْبَابَ الْفِقْهِ مَحْمُولٌ عَلَى زِيَادَتِهِ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ فَلَا يَجُوزُ بِقَوْلِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ حُكْمَهُ اشْتِرَاطُ ذُكُورِيَّتِهِمَا وَحُرِّيَّتِهِمَا وَهُوَ كَذَلِكَ، أَمَّا قَاتَلَاهُ عُدْوَانًا مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ فَلَا يَحْكُمَانِ لِفِسْقِهِمَا إلَّا إنْ تَابَا وَأَصْلَحَا، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي كَوْنِ ذَلِكَ كَبِيرَةً، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إتْلَافُ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا فَائِدَةٍ، فَقَوْلُ الْقُونَوِيِّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِفِسْقٍ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَوْ حَكَمَ عَدْلَانِ بِالْمِثْلِ وَآخَرَانِ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِمِثْلٍ آخَرَ قُدِّمَ مَنْ حَكَمَ بِالْمِثْلِ فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّ مَعَهُمَا زِيَادَةَ عِلْمٍ بِمَعْرِفَةِ دَقِيقِ الشَّبَهِ وَيُخَيَّرُ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا فِي اخْتِلَافِ الْمُفْتِينَ، وَعُلِمَ أَنَّهُ لَوْ حَكَمَ صَحَابِيٌّ وَسَكَتَ الْبَاقُونَ عُمِلَ بِهِ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ حُكْمِ عَدْلَيْنِ.
وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ غَيْرِ صَحَابِيٍّ مَعَ سُكُوتِ الْبَاقِينَ (وَ) وَجَبَ (فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ) مِمَّا لَا نَقْلَ فِيهِ كَالْجَرَادِ وَبَقِيَّةِ الطُّيُورِ غَيْرِ الْحَمَامِ سَوَاءٌ أَكَانَ أَكْبَرَ جُثَّةً مِنْهُ أَمْ أَصْغَرَ أَمْ مِثْلَهُ (الْقِيمَةُ) عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمُتَقَوِّمَاتِ وَقَدْ حَكَمَتْ الصَّحَابَةُ بِهَا فِي الْجَرَادِ، أَمَّا مَا لَا مِثْلَ لَهُ مِمَّا فِيهِ نَقْلٌ وَهُوَ الْحَمَامُ وَالْمُرَادُ مَا عَبَّ وَهَدَرَ كَالْفَوَاخِتِ وَالْيَمَامِ وَالْقُمْرِيِّ وَكُلِّ ذِي طَوْقٍ، سَوَاءً اتَّفَقَا ذُكُورَةً أَمْ أُنُوثَةً أَمْ اخْتَلَفَا شَاةً مِنْ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ بِحُكْمِ الصَّحَابَةِ وَمُسْتَنِدُهُ تَوْقِيفٌ بَلَغَهُمْ وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ إيجَابُ الْقِيمَةِ، وَلَوْ أَتْلَفَ مُحْرِمَانِ قَارِنَانِ صَيْدًا وَجَبَ عَلَيْهِمَا جَزَاءٌ وَاحِدٌ لِاتِّحَادِ الْمُتْلَفِ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ أَسْبَابُ الْجَزَاءِ بِتَعَدُّدِ الْجَمَاعَةِ الْمُتْلِفِينَ، وَكَوْنُهُمْ قَارِنِينِ وَكَوْنُهُ فِي الْحَرَمِ كَمَا يَتَّحِدُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَحْرِيرِهِ وَغَيْرِهِ) مِنْهُ الْمَجْمُوعُ (قَوْلُهُ: وَفِي الضَّبُعِ كَبْشٌ) عِبَارَةُ حَجّ: الضَّبُعُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى عِنْدَ جَمْعٍ وَلِلْأُنْثَى فَقَطْ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَأَمَّا الذَّكَرُ فَضِبْعَانٌ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لِاضْطِرَارٍ لَا تَعَدِّيًا) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمُحْرِمَ الْمُضْطَرَّ إذَا ذَبَحَ صَيْدًا لِاضْطِرَارِهِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ كَمَا تَجِبُ عَلَى الْمُضْطَرِّ بَدَلَ مَا أَكَلَهُ مِنْ طَعَامِ غَيْرِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَهْجَةِ وَشَرْحِهَا وَسَيَأْتِي أَنَّ مَذْبُوحَهُ لِذَلِكَ لَا يَكُونُ مَيْتَةً بَلْ يَحِلُّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا إنْ تَابَا وَأَصْلَحَا) أَيْ فَيُحَكَّمَانِ بِهِ حَالًا وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى اسْتِبْرَاءٍ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ حَكَمَ عَدْلَانِ) أَيْ بِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي اخْتِلَافِ الْمُفْتِينَ) أَيْ الْمُجْتَهِدِينَ أَمَّا غَيْرُهُمَا فَيَنْبَغِي أَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ فِي إصَابَةِ الْمَنْقُولِ أَخَذَ بِقَوْلِهِ وَإِلَّا لَمْ يَأْخُذْ بِقَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتَّعَارُضِ بِلَا مُرَجِّحٍ (قَوْلُهُ: مَا عَبَّ) بَابُهُ رَدَّ قَالَهُ فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ (وَقَوْلُهُ وَهَدَرَ) مُضَارِعُهُ يَهْدِرُ بِالْكَسْرِ (قَوْلُهُ: وَالْقُمْرِيُّ) هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ (قَوْلُهُ: شَاةٌ مِنْ ضَأْنٍ) أَيْ فَفِيهِ شَاةٌ مِنْ
[حاشية الرشيدي]
ذَكَرَ) يَعْنِي بِمَا هُنَا فِي الْجَفَرَةِ وَبِمَا مَرَّ عَنْ أَصْلِ الرَّوْضَةِ فِي الْعَنَاقِ أَمَّا عَلَى مَا مَرَّ فِيهِ عَنْ التَّحْرِيرِ وَغَيْرِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الْمُرَادِ
(قَوْلُهُ: شَاةٌ مِنْ ضَأْنٍ) لَعَلَّهُ سَقَطَ قَبْلَ لَفْظِ فِيهِ مِنْ الْكَتَبَةِ (قَوْلُهُ: وَكَوْنُهُمْ) أَيْ الصَّيْدِ وَالْقَارِنَانِ،
تَغْلِيظُ الدِّيَةِ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ أَسْبَابُهُ، بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهَا تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْقَاتِلِينَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَجَزَّأُ، وَلَوْ قَتَلَهُ حَلَالٌ وَمُحْرِمٌ لَزِمَ الْمُحْرِمَ نِصْفُ الْجَزَاءِ فَقَطْ، إذْ شَرِيكُ الْحَلَالِ يَلْزَمُهُ بِقِسْطِهِ بِحَسَبِ الرُّءُوسِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ التَّوْزِيعَ هُنَا عَلَى الرُّءُوسِ فِي الْجِرَاحَاتِ وَالضَّرَبَاتِ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي فِي الْجِنَايَاتِ فِي الضَّرَبَاتِ؛ لِأَنَّهَا ثَمَّ يَظْهَرُ تَأْثِيرُهَا فَأَمْكَنَ التَّوْزِيعُ عَلَيْهَا بِخِلَافِهِ هُنَا، إذْ الصَّيْدُ لَيْسَ لَهُ سَطْحُ بَدَنٍ تَظْهَرُ فِيهِ الضَّرَبَاتُ فَاسْتَوَى فِيهِ الْجَارِحُ وَالضَّارِبُ، أَوْ أَتْلَفَ مُحْرِمَانِ قَارِنَانِ أَحَدَ امْتِنَاعَيْ نَعَامَةٍ وَجَبَ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا عَلَيْهِمَا بَلْ بَعْضُ الِامْتِنَاعِ كَذَلِكَ فَيَجِبُ النَّقْصُ لِإِجْزَاءٍ كَامِلٍ، وَلَوْ جَرَحَ ظَبْيًا وَانْدَمَلَ جُرْحُهُ بِلَا أَزْمَانٍ فَنَقَصَ عُشْرُ قِيمَتِهِ فَعَلَيْهِ عُشْرُ شَاةٍ شَاةً لَا عَشَرَةُ قِيمَتِهَا، فَإِنْ بَرِئَ وَلَا نَقْصَ فِيهِ، فَالْأَرْشُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَالْحُكُومَةِ إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْآدَمِيِّ، فَيُقَدِّرُ الْحَاكِمُ فِيهِ شَيْئًا بِاجْتِهَادِهِ مُرَاعِيًا فِي الِاجْتِهَادِ مِقْدَارَ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْوَجَعِ، وَعَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ أَرْشُهُ.
وَلَوْ أَزْمَنَ صَيْدًا لَزِمَهُ جَزَاؤُهُ كَامِلًا، فَإِنْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ فَعَلَى الْقَاتِلِ جَزَاؤُهُ مُزْمِنًا، أَوْ قَتَلَهُ الْمُزْمِنُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، أَوْ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ مُزْمِنًا، وَلَوْ جَرَحَ صَيْدًا فَغَابَ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا وَشَكَّ أَمَاتَ بِجُرْحِهِ أَمْ بِحَادِثٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غَيْرُ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ عَمَّا زَادَ.
وَمَذْبُوحُ الْمُحْرِمِ مِنْ الصَّيْدِ مَيْتَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَهُ وَإِنْ تَحَلَّلَ وَلَا لِغَيْرِهِ إنْ كَانَ حَلَالًا كَصَيْدٍ حَرَمِيٍّ ذَبَحَهُ حَلَالٌ فَيَكُونُ مَيْتَةً؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَمْنُوعٌ مِنْ الذَّبْحِ لِمَعْنًى فِيهِ كَالْمَجُوسِيِّ، فَإِنْ كَانَ الْمَذْبُوحُ مَمْلُوكًا لَزِمَهُ أَيْضًا الْقِيمَةُ لِمَالِكِهِ، وَلَوْ كَسَرَ أَحَدُهُمَا بَيْضَ صَيْدٍ أَوْ قَتَلَ جَرَادًا حُرِّمَ عَلَيْهِ تَغْلِيظًا كَمَا نَقَلَهُ فِي الْبَيْضِ الْمُصَنِّفُ فِي مَجْمُوعِهِ عَنْ جَمْعٍ وَالْقَطْعُ بِهِ عَنْ آخَرِينَ، وَقَالَ بَعْدَهُ بِأَوْرَاقٍ: إنَّهُ الْأَصَحُّ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ دُونَ الْحَلَالِ،
[حاشية الشبراملسي]
الضَّأْنِ إلَخْ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهَا إجْزَاؤُهَا فِي الْأُضْحِيَّةِ.
أَقُولُ: وَقِيَاسُ قَوْلِهِمْ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ فِي الصَّيْدِ أَنَّ فِي الْكَبِيرِ كَبِيرَةٌ وَفِي الصَّغِيرِ صَغِيرَةٌ أَنَّهُ يَجِبُ هُنَا فِي الْحَمَامَةِ الْكَبِيرَةِ شَاةٌ مُجْزِئَةٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَفِي الْحَمَامَةِ الصَّغِيرَةِ شَاةٌ صَغِيرَةٌ غَيْر مُجْزِئَة فِي الْأُضْحِيَّةِ (قَوْلُهُ: لَزِمَ الْمُحْرِمَ نِصْفُ الْجَزَاءِ) أَيْ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَلَالِ (قَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُ سَطْحُ بَدَنٍ إلَخْ) أَيْ غَالِبًا (قَوْلُهُ: أَحَدَ امْتِنَاعَيْ نَعَامَةٍ) وَهُوَ الْعَدْوُ وَالطَّيَرَانُ (قَوْلُهُ: وَجَبَ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا) وَقِيَاسُ مَا يَأْتِي فِي الظَّبْيِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَا لَزِمَهُمَا جُزْءَ بَدَنَةٍ نِسْبَتُهَا إلَيْهِ كَنِسْبَةِ مَا نَقَصَ مِنْ الْقِيمَةِ لِجُمْلَتِهَا (قَوْلُهُ: مِقْدَارَ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْوَجَعِ) أَيْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْدَارٌ أَصْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَتِهِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَحِلُّ لَهُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ اُضْطُرَّ، وَعِبَارَةُ حَجّ: وَمَذْبُوحُ الْمُحْرِمِ وَمَنْ بِالْحَرَمِ لِصَيْدٍ لَمْ يُضْطَرَّ أَحَدُهُمَا لِذَبْحِهِ مَيْتَةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَمَفْهُومُ لَمْ يُضْطَرَّ الْمَذْكُورُ أَنَّهُ لَوْ ذَبَحَهُ لِلِاضْطِرَارِ حَلَّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ حَلَالًا) أَيْ أَوْ مُحْرِمًا بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَسَرَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الْمُحْرِمُ وَالْحَلَالُ بِالْحَرَمِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَوْجَهُ دُونَ الْحَلَالِ) أَيْ فَيَحِلُّ لَهُ تَنَاوُلُ مَا كَسَرَهُ الْمُحْرِمُ مِنْ الْبَيْضِ وَإِنْ حَرُمَ
[حاشية الرشيدي]
وَفِي نُسَخٍ كَوْنُهُ بِالْإِفْرَادِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ الصُّورَةَ فِيمَا مَرَّ بِالْحَرَمِ وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ الْكَتَبَةِ بِدَلِيلِ مَا هُنَا (قَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُ سَطْحُ بَدَنٍ) أَيْ لَا يَظْهَرُ بَدَنُهُ لِاسْتِتَارِهِ بِالرِّيشِ أَوْ نَحْوِهِ (قَوْلُهُ: حَرُمَ عَلَيْهِ تَغْلِيظًا) أَيْ أَكْلُهُ (قَوْلُهُ: كَمَا نَقَلَهُ فِي الْبَيْضِ الْمُصَنِّفُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْإِمْدَادِ: وَلَوْ كَسَرَ أَحَدُهُمَا بَيْضَ صَيْدٍ أَوْ قَتَلَ جَرَادًا حَرُمَ عَلَيْهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ لَا عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا نَقَلَ فِي الْمَجْمُوعِ تَصْحِيحَهُ فِي الْبَيْضِ عَنْ جَمْعٍ وَالْقَطْعُ بِهِ عَنْ آخَرِينَ، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَوْرَاقٍ: إنَّهُ أَصَحُّ، لَكِنْ قَالَ هُنَا: إنَّ الْأَشْهَرَ الْحُرْمَةُ.
وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ إبَاحَةَ ذَلِكَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى فِعْلٍ بِدَلِيلِ حِلِّ ابْتِلَاعِهِ بِدُونِهِ، ثُمَّ رَأَيْت الْقَمُولِيَّ جَرَى عَلَى الثَّانِي فَقَالَ: إذَا حَلَبَ الْمُحْرِمُ لَبَنَ صَيْدِ حَرَمٍ عَلَى غَيْرِهِ كَكَسْرِ الْبَيْضِ وَغَيْرِهِ، وَغَيْرُهُ اعْتَرَضَهُ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَيْضِ وَجْهٌ فَقَدْ صَوَّبَ فِي الْمَجْمُوعِ حِلَّهُ انْتَهَتْ.
وَبِهَا يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فَإِنَّ كَلَامَ الْمَجْمُوعِ كُلَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْغَيْرِ عَكْسُ مَا صَنَعَهُ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: دُونَ الْحَلَالِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ