فَكَانَ الْأَثَرُ فِيهِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ إلَى فِعْلِهِ بَلْ مَحْضُ صُنْعِهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا امْتَنَعَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى تَكْبِيرِ الشَّجَرَةِ وَتَسْمِينِ الدَّابَّةِ، بِخِلَافِ الطَّحْنِ وَالْقِصَارَةِ، وَأَشَارَ بِالطَّحْنِ وَالْقَصْرِ إلَى ضَابِطِ صُوَرِ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ صُنْعُ مَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ وَيَظْهَرُ فِيهِ أَثَرٌ كَخَبْزِ الدَّقِيقِ وَذَبْحِ الشَّاةِ وَشَيِّ اللَّحْمِ وَضَرْبِ لَبَنٍ مِنْ تُرَابِ الْأَرْضِ وَرِيَاضَةِ الدَّابَّةِ وَتَعْلِيمِ الرَّقِيقِ الْقُرْآنَ أَوْ حِرْفَةً، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ الظُّهُورُ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الدَّابَّةِ وَسِيَاسَتَهَا يُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ وَلَا تَثْبُتُ بِهِ الشَّرِكَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ بِسَبَبِهِ أَثَرٌ عَلَى الدَّابَّةِ (وَلَوْ) (صَبَغَهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي الثَّوْبَ (بِصَبْغِهِ) ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ (فَإِنْ زَادَتْ الْقِيمَةُ) بِسَبَبِ الصَّبْغِ (قَدْرَ قِيمَةِ الصَّبْغِ) كَأَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الثَّوْبِ قَبْلَ الصَّبْغِ أَرْبَعَةً وَالصَّبْغِ دِرْهَمَيْنِ فَصَارَ بَعْدَ الصَّبْغِ يُسَاوِي سِتَّةً (رَجَعَ الْبَائِعُ فِي الثَّوْبِ وَالْمُفْلِسُ شَرِيكٌ بِالصَّبْغِ) فَيُبَاعُ وَيَكُونُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، وَكُلُّ الثَّوْبِ لِلْبَائِعِ وَكُلُّ الصَّبْغِ لِلْمُفْلِسِ كَمَا لَوْ غَرَسَ الْأَرْضَ عَلَى أَرْجَحِ الْوَجْهَيْنِ كَمَا رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْغَصْبِ يَشْهَدُ لَهُ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِارْتِفَاعِ سُوقِ أَحَدِهِمَا فَالزِّيَادَةُ لِمَنْ ارْتَفَعَ سِعْرُ سِلْعَتِهِ، فَلَوْ زَادَتْ بِارْتِفَاعِ سُوقِهِمَا وُزِّعَتْ عَلَيْهِمَا بِالنِّسْبَةِ، وَهَكَذَا فِي صُورَتَيْ الطَّحْنِ وَالْقِصَارَةِ، فَإِذَا سَاوَى الثَّوْبُ قَبْلَ نَحْوِ الصَّبْغِ خَمْسَةً وَارْتَفَعَ سُوقُهُ فَصَارَ يُسَاوِي سِتَّةً وَبِنَحْوِ الصَّبْغِ سَبْعَةً فَلِلْمُفْلِسِ سُبْعٌ، فَإِنْ سَاوَى مَصْبُوغًا سَبْعَةً دُونَ ارْتِفَاعِ سُوقِهِ كَانَ لَهُ سُبْعَانِ (أَوْ) زَادَتْ الْقِيمَةُ (أَقَلَّ) مِنْ قِيمَةِ الصَّبْغِ، وَسِعْرُ الثَّوْبِ بِحَالِهِ كَأَنْ صَارَتْ خَمْسَةً (فَالنَّقْصُ عَلَى الصَّبْغِ) ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَهُ تَتَفَرَّقُ وَتَنْقُصُ وَالثَّوْبُ قَائِمٌ بِحَالِهِ فَيُبَاعُ وَلِلْبَائِعِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الثَّمَنِ وَلِلْمُفْلِسِ خُمُسُهُ، وَإِنْ لَمْ يَزِدْ الثَّوْبُ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لِلْمُفْلِسِ، وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ فَلَا شَيْءَ لِلْبَائِعِ مَعَهُ (أَوْ) زَادَتْ (أَكْثَرَ) مِنْ قِيمَةِ الصَّبْغِ كَأَنْ صَارَتْ تُسَاوِي فِي مِثَالِنَا ثَمَانِيَةً (فَالْأَصَحُّ أَنَّ الزِّيَادَةَ) كُلَّهَا (لِلْمُفْلِسِ) ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِفِعْلِهِ فَيُبَاعُ الثَّوْبُ وَلَهُ نِصْفُ الثَّمَنِ وَالثَّانِي أَنَّهَا لِلْبَائِعِ كَالسِّمَنِ فَيَكُونُ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ وَلِلْمُفْلِسِ رُبْعُهُ.
وَالثَّالِثُ أَنَّهَا تُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ ثُلُثُ الثَّمَنِ وَلِلْمُفْلِسِ ثُلُثُهُ (وَلَوْ اشْتَرَى مِنْهُ الصَّبْغَ) وَصَبَغَ بِهِ ثَوْبًا ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ مَصْبُوغًا عَلَى قِيمَتِهِ قَبْلَ صَبْغِهِ فَيَكُونُ شَرِيكًا لَهُ فِيهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ حِصَّتُهُ عَنْ ثَمَنِ الصَّبْغِ
[حاشية الشبراملسي]
قَلْعَ الصِّبْغِ، وَإِلَّا فَلَهُمْ ذَلِكَ وَغَرَامَةُ أَرْشِ نَقْصِ الثَّوْبِ إنْ نَقَصَ بِالْقَلْعِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الطَّحْنِ وَالْقِصَارَةِ) وَلَوْ أَرَادَ الْبَائِعُ أَخْذَهُ وَدَفْعَ الزِّيَادَةِ لِلْمُفْلِسِ لَمْ يُمَكَّنْ وَإِنْ أَفْهَمَ كَلَامُهُ خِلَافَهُ، كَذَا فِي نُسْخَةٍ، وَلَعَلَّ صُورَتَهُ أَنْ يُرِيدَ الْبَائِعُ الرُّجُوعَ فِي الثَّوْبِ بِلَا بَذْلِ مُقَابِلٍ لِلْقِصَارَةِ وَيُرِيدُ جَعْلَ الثَّوْبِ شَرِكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي بِنِسْبَةِ الزِّيَادَةِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْبَائِعِ أَخْذَ الزِّيَادَةِ وَبَذْلَ الزِّيَادَةِ وَيُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْقَبُولِ، هَذَا وَفِي التَّصْوِيرِ بِمَا ذُكِرَ نَظَرٌ أَيْضًا فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: فَيُبَاعُ) أَيْ وَالْبَائِعُ لَهُ الْحَاكِمُ أَوْ نَائِبُهُ أَوْ الْمُفْلِسُ بِإِذْنِهِ مَعَ الْبَائِعِ (قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ كَانَتْ إلَخْ) مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِ: وَكُلُّ الثَّوْبِ لِلْبَائِعِ إلَخْ، وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا شَرِكَةٌ مُجَاوِرَةٌ لَا شُيُوعٌ، وَلَوْ قَالَ: وَمِنْ فَوَائِدِهِ مَا لَوْ كَانَتْ إلَخْ كَانَ أَظْهَرَ فِي الْمُرَادِ (قَوْلُهُ: وُزِّعَتْ عَلَيْهِمَا بِالنِّسْبَةِ) أَوْ بِارْتِفَاعِ السُّوقِ لَا بِسَبَبِهِمَا فَلَا شَيْءَ لِلْمُفْلِسِ وَيَأْتِي ذَلِكَ فِيمَا مَرَّ مِنْ نَحْوِ الْقِصَارَةِ اهـ حَجّ وَفِي سم يُتَأَمَّلُ قَوْلُهُ لَا بِسَبَبِهِمَا اهـ. وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ ارْتِفَاعَ السُّوقِ إنَّمَا يَكُونُ بِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ، فَمَتَى زَادَتْ قِيمَتُهُمَا عَلَى مَا كَانَتْ قَبْلُ كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِسَبَبِهِمَا، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ اتَّفَقَ شِرَاؤُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ
[حاشية الرشيدي]
الشَّيْخَيْنِ فِي مُطْلَقِ الزِّيَادَةِ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِارْتِفَاعِ سُوقِ أَحَدِهِمَا إلَخْ) هَذَا يَجْرِي فِي جَمِيعِ مَا يَأْتِي أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ، فَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَ هَذَا عَنْ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الْآتِيَةِ.
(قَوْلُهُ: فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ) هُوَ شَامِلٌ لِمَا إذَا سَاوَتْ الزِّيَادَةُ الصَّبْغَ وَلِمَا إذَا نَقَصَتْ عَنْهَا وَلِمَا إذَا زَادَتْ، فَقَوْلُهُ: بَعْدَ وَإِنْ نَقَصَتْ حِصَّتُهُ عَنْ ثَمَنِ الصَّبْغِ إلَخْ هُوَ الصُّورَةُ الْوُسْطَى مِنْ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ، فَالصُّورَةُ فِيهَا أَنَّهُ
فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ شَاءَ قَنَعَ بِهِ وَإِنْ شَاءَ ضَارَبَ بِالْجَمِيعِ أَوْ اشْتَرَى الصَّبْغَ (وَالثَّوْبُ) مِنْ وَاحِدٍ وَصَبَغَهُ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ (رَجَعَ) الْبَائِعُ (فِيهِمَا) أَيْ فِي الثَّوْبِ بِصَبْغِهِ؛ لِأَنَّهُمَا عَيْنُ حَقِّهِ (إلَّا أَنْ لَا تَزِيدَ قِيمَتُهُمَا عَلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ) قَبْلَ الصَّبْغِ بِأَنْ سَاوَتْهَا أَوْ نَقَصَتْ عَنْهَا (فَيَكُونُ فَاقِدًا لِلصَّبْغِ) لِاسْتِهْلَاكِهِ كَمَا مَرَّ فَيُضَارِبُ بِثَمَنِهِ مَعَ الرُّجُوعِ فِي الثَّوْبِ مِنْ جِهَتِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ زَادَتْ وَهُوَ الْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ فَهُوَ مَحَلُّ الرُّجُوعِ فِيهِمَا، فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الصَّبْغِ فَالْمُفْلِسُ شَرِيكٌ بِالزَّائِدِ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ لَمْ يُضَارِبْ بِالْبَاقِي أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْقِصَارَةِ بَلْ إنْ شَاءَ قَنَعَ بِهِ وَإِنْ شَاءَ ضَارَبَ بِثَمَنِهِ (وَلَوْ) (اشْتَرَاهُمَا) أَيْ الثَّوْبَ وَالصَّبْغَ (مِنْ اثْنَيْنِ) الثَّوْبَ مِنْ وَاحِدٍ وَالصَّبْغَ مِنْ آخَرَ وَصَبَغَهُ بِهِ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ وَأَرَادَ بَائِعَاهُ الرُّجُوعَ (فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ) أَيْ الثَّوْبِ (مَصْبُوغًا عَلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ) قَبْلَ الصَّبْغِ بِأَنْ سَاوَتْهُ أَوْ نَقَصَتْ عَنْهُ (فَصَاحِبُ الصَّبْغِ فَاقِدٌ) لَهُ يُضَارِبُ بِثَمَنِهِ صَاحِبَهُ وَصَاحِبُ الثَّوْبِ وَاجِدٌ لَهُ فَيَرْجِعُ فِيهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ كَمَا مَرَّ (وَإِنْ زَادَتْ بِقَدْرِ قِيمَةِ الصَّبْغِ اشْتِرَاكًا) فِي الرُّجُوعِ وَالثَّوْبِ وَعِبَارَةُ الْمُحَرِّرِ فَلَهُمَا الرُّجُوعُ وَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ، وَيَأْتِي فِي كَيْفِيَّةِ الشَّرِكَةِ مَا مَرَّ (وَإِنْ زَادَتْ) وَلَمْ تَفِ بِقِيمَتِهِمَا فَالصَّبْغُ نَاقِصٌ فَإِنْ شَاءَ بَائِعُهُ قَنَعَ بِهِ وَإِنْ شَاءَ ضَارَبَ بِثَمَنِهِ أَوْ زَادَتْ (عَلَى قِيمَتِهِمَا) أَيْ الثَّوْبِ وَالصَّبْغِ جَمِيعًا (فَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُفْلِسَ شَرِيكٌ لَهُمَا) أَيْ الْبَائِعَيْنِ (بِالزِّيَادَةِ) عَلَى قِيمَتِهِمَا، فَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أَرْبَعَةً مَثَلًا وَالصَّبْغِ دِرْهَمَيْنِ وَصَارَتْ قِيمَتُهُ مَصْبُوغًا ثَمَانِيَةً فَالْمُفْلِسُ شَرِيكٌ لَهُمَا بِالرُّبُعِ، وَالثَّانِي لَا شَيْءَ لَهُ وَالزِّيَادَةُ لَهُمَا بِنِسْبَةِ
[حاشية الشبراملسي]
مِثْلِهِ مَعَ عَدَمِ ارْتِفَاعِ السِّعْرِ لِأَحَدِهِمَا (قَوْلُهُ إنْ شَاءَ قَنَعَ بِهِ) أَيْ بِأَنْ يَأْخُذَ مَا يُقَابِلُهُ بَعْدَ بَيْعِ الثَّوْبِ مَصْبُوغًا (قَوْلُهُ: مِنْ جِهَتِهِ) أَيْ الْبَائِعِ فَتُصَدَّقُ جِهَتُهُ بِمَا لَوْ كَانَ الرُّجُوعُ مِنْهُ أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ وَارِثِهِ أَوْ وَلِيِّهِ لَوْ عَقَدَ هُوَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ عَوْدِهِ لِلثَّوْبِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ شَاءَ ضَارَبَ بِثَمَنِهِ) أَيْ الصِّبْغِ (قَوْلُهُ فَلَهُمَا الرُّجُوعُ) أَيْ فَهِيَ أَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ إنَّمَا هِيَ فِي الثَّوْبِ دُونَ الرُّجُوعِ (قَوْلُهُ: مَا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَكُلُّ الثَّوْبِ لِلْبَائِعِ وَكُلُّ الصِّبْغِ لِلْمُفْلِسِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُفْلِسَ شَرِيكٌ لَهُمَا) قَالَ حَجّ: تَنْبِيهٌ لَمْ أَرَ تَصْرِيحًا بِوَقْتِ اعْتِبَارِ قِيمَةِ الثَّوْبِ أَوْ الصِّبْغِ وَلَا بِوَقْتِ اعْتِبَارِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا أَوْ النَّقْصِ عَنْهُمَا فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ، وَاَلَّذِي
[حاشية الرشيدي]
حَصَلَتْ زِيَادَةٌ بِسَبَبِ الصَّبْغِ لَكِنْ نَقَصَ الْمَجْمُوعُ عَنْ مَجْمُوعِ قِيمَتَيْ الثَّوْبِ وَالصَّبْغِ مُنْفَرِدَيْنِ كَمَا لَوْ صَارَ فِي الْمِثَالِ السَّابِقِ فِي كَلَامِهِ يُسَاوِي خَمْسَةً، وَسَكَتَ عَمَّا لَوْ نَقَصَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ بِسَبَبِ الصَّبْغِ أَوْ سَاوَتْ كَمَا لَوْ صَارَ يُسَاوِي ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعًا وَحُكْمُهُمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ الصَّبْغِ مِنْ أَصْلِهَا لَهَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الصَّبْغُ لِلْمُفْلِسِ وَالثَّوْبُ لِبَائِعٍ أَوْ عَكْسُهُ، أَوْ يَكُونَا لِبَائِعٍ وَاحِدٍ أَوْ لِبَائِعَيْنِ، أَمَّا الْأُولَى فَقَدْ مَرَّتْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ صَبَغَهُ بِصِبْغِهِ إلَخْ، وَمَرَّ لَهَا فِيمَا إذَا زَادَ الثَّوْبُ بِسَبَبِ الصَّبْغِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهِيَ مَا إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ قِيمَةِ الصَّبْغِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَهِيَ الْمَذْكُورَةُ هُنَا فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَصَبَغَ بِهِ ثَوْبًا إلَخْ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ فَسَتَأْتِيَانِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْحُكْمُ فِي الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا وَاحِدٌ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ فَإِنْ اشْتَرَى الصَّبْغَ مِنْ بَائِعِ الثَّوْبِ أَوْ مِنْ آخَرَ أَوْ كَانَ الثَّوْبُ لِلْمُفْلِسِ، فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَةُ الثَّوْبِ فَالصَّبْغُ مَفْقُودٌ يُضَارِبُ بِهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ زَادَتْ وَلَمْ تَفِ بِقِيمَتِهَا فَالصَّبْغُ نَاقِصٌ فَإِنْ شَاءَ قَنَعَ بِهِ وَإِنْ شَاءَ ضَارَبَ بِثَمَنِهِ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَيْهِمَا فَالزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: رَجَعَ فِيهِمَا إلَّا أَنْ لَا تَزِيدَ قِيمَتُهُمَا إلَخْ) أَيْ: وَالصُّورَةُ أَنَّهُ لَمْ تَزِدْ الْقِيمَةُ عَلَى مَجْمُوعِ الْقِيمَتَيْنِ بِقَرِينَةِ قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ أَكْثَرَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: يُضَارِبُ بِثَمَنِهِ صَاحِبَهُ) الْأَوْلَى حَذْفُ لَفْظِ صَاحِبِهِ (قَوْلُهُ: فِي الرُّجُوعِ وَالثَّوْبِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: فِي الرُّجُوعِ فِيهِمَا كَمَا بِأَصْلِهِ انْتَهَتْ.
مَالَيْهِمَا، وَلَوْ اتَّفَقَ الْغُرَمَاءُ وَالْمُفْلِسُ عَلَى قَلْعِ الصَّبْغِ وَغَرَامَةِ نَقْصِ الثَّوْبِ جَازَ كَالْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ، وَلِصَاحِبِ الصَّبْغِ الَّذِي اشْتَرَاهُ الْمُفْلِسُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِ الثَّوْبِ قَلْعُهُ وَيَغْرَمُ نَقْصَ الثَّوْبِ، وَلِمَالِكِ الثَّوْبِ قَلْعُهُ مَعَ غُرْمِ نَقْصِ الصَّبْغِ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا أَمْكَنَ قَلْعُهُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَإِلَّا فَيُمْنَعُونَ مِنْهُ، نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ ابْنِ كَجٍّ فِي الْأُولَى وَفِي مَعْنَاهُ الْأَخِيرَتَانِ، وَيَجُوزُ لِلْقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ خَيَّاطٍ وَطَحَّانٍ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى ثَوْبٍ فَقَصَّرَهُ أَوْ صَبَغَهُ أَوْ خَاطَهُ وَحَبٍّ فَطَحَنَهُ حَبْسُ الثَّوْبِ عَلَى الْمَقْصُورِ وَنَحْوِهِ بِوَضْعِهِ عِنْدَ عَدْلٍ حَتَّى يَقْبِضَ أُجْرَتَهُ، كَمَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِصَارَةَ وَنَحْوَهَا عَيْنٌ، وَقَيَّدَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ بِالْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ، وَالْبَارِزِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ بِمَا إذَا زَادَتْ الْقِيمَةُ بِالْقِصَارَةِ، وَإِلَّا فَلَا حَبْسَ بَلْ يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ كَمَا لَوْ عَمِلَ الْمُفْلِسُ فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ ضَارَبَ الْأَجِيرَ بِأُجْرَتِهِ، وَإِلَّا طَالَبَهُ بِهَا، وَزِيَادَةُ الْقِيمَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْخَيَّاطِ تُعْتَبَرُ عَلَى قِيمَتِهِ مَقْطُوعًا الْقَطْعَ الْمَأْذُونَ فِيهِ كَمَا بَحَثَهُ الْجَوْجَرِيُّ لَا صَحِيحًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ وَضْعِهِ عِنْدَ عَدْلٍ هُنَا وَبَيْنَ الْبَائِعِ حَيْثُ يُحْبَسُ الْمَبِيعُ عِنْدَهُ أَنَّ حَقَّهُ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْأَجِيرِ، وَأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي لَمَّا لَمْ يَسْتَقِرَّ كَانَ ضَعِيفًا فَلَمْ يَقْوَ عَلَى انْتِزَاعِهِ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ، بِخِلَافِ مِلْكِ الْمُسْتَأْجَرِ، وَمَتَى تَلِفَ الثَّوْبُ الْمَقْصُورُ وَنَحْوُهُ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ لِلْمُسْتَأْجِرِ سَقَطَتْ أُجْرَتُهُ كَمَا يَسْقُطُ الثَّمَنُ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَقَضِيَّتُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ تَلَفِهِ بِآفَةٍ أَوْ فِعْلِ الْأَجِيرِ، بِخِلَافِ فِعْلِ الْمُسْتَأْجِرِ
[حاشية الشبراملسي]
يَظْهَرُ اعْتِبَارُ وَقْتِ الرُّجُوعِ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الِاحْتِيَاجِ إلَى التَّقْوِيمِ لِيَعْرِفَ مَا لِلْبَائِعِ وَالْمُفْلِسِ، فَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الثَّوْبِ حِينَئِذٍ خَلِيَّةً عَنْ نَحْوِ الصِّبْغِ وَقِيمَةُ نَحْوِ الصِّبْغِ بِهَا حِينَئِذٍ، وَتُعْتَبَرُ الزِّيَادَةُ حِينَئِذٍ هَلْ هِيَ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا، وَلَا يَأْتِي هُنَا مَا مَرَّ فِي تَلَفِ بَعْضِ الْمَبِيعِ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي التَّالِفِ بِأَقَلِّ قِيمَتَيْهِ يَوْمَ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ وَفِي الْبَاقِي بِأَكْثَرِهِمَا بِأَنَّ ذَاكَ فِيهِ فَوَاتُ بَعْضِ الْمَبِيعِ وَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْبَائِعِ، وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصِّبْغَ إنْ كَانَ مِنْ الْمُشْتَرِي فَوَاضِحٌ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَكَذَلِكَ أَوْ مِنْ بَائِعِ الثَّوْبِ فَهُوَ فِي حُكْمِ عَيْنٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ حُكْمًا غَيْرَ الثَّوْبِ، وَمِنْهُ أَنَّهُ مَتَى سَاوَى شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لِبَائِعِهِ إلَّا هُوَ وَإِنْ قَلَّ إنْ أَرَادَهُ وَإِلَّا ضَارَبَ بِقِيمَتِهِ فَتَأَمَّلْهُ اهـ (قَوْلُهُ: مِنْ خَيَّاطٍ وَطَحَّانٍ) أَيْ وَكُلِّ مَنْ فَعَلَ مَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَلِّ، بِخِلَافِ نَحْوِ نَقَّادٍ وَشَيَّالٍ مِنْ كُلِّ مَنْ فَعَلَ مَا لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَلِّ فَلَيْسَ لَهُ حَبْسُ الْمَبِيعِ فَيَجِبُ تَسْلِيمُهُ لِصَاحِبِهِ وَيُطَالِبُهُ بِالْأُجْرَةِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ (قَوْلُهُ: بِوَضْعِهِ عِنْدَ عَدْلٍ) أَيْ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ أَوْ يُقِيمُهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ تَنَازُعِهِمَا، وَلَهُمَا وَضْعُهُ عِنْدَ غَيْرِ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ عِنْدَ عَدْلٍ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَصَّارِ حَبْسُهُ تَحْتَ يَدِهِ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا إلَّا بِرِضَا مَالِكِهِ، وَعَلَيْهِ فَقِيَاسُهُ حَبْسُ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ فِي أَصْلِ الْحَبْسِ دُونَ صِفَتِهِ، فَإِنَّ الْبَائِعَ يَحْبِسُهُ تَحْتَ يَدِهِ وَلَوْ غَيْرَ عَدْلٍ اسْتِدَامَةً لِيَدِهِ الْمُسْتَنِدَةِ لِمِلْكِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ (قَوْلُهُ: وَقَيَّدَهُ) أَيْ جَوَازَ الْحَبْسِ (قَوْلُهُ: بِالْقِصَارَةِ) أَيْ وَنَحْوِهَا كَالْخِيَاطَةِ لَا يُقَالُ: كَثِيرًا مَا يُشَاهَدُ أَنَّ الثَّوْبَ بَعْدَ خِيَاطَتِهِ لَا يُسَاوِي إذَا بِيعَ قِيمَتَهُ قَبْلَ الْخِيَاطَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا إنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ وَصْفٍ يَعْرِضُ لِلثَّوْبِ كَاسْتِعْمَالِهِ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْخِيَاطَةِ وَقَطْعُهُ لِأَجْلِهَا لَا يُورِثُ نَقْصًا، أَلَا تَرَى أَنَّ كَثِيرًا يَجْعَلُ حِرْفَتَهُ شِرَاءَ الْقُمَاشِ وَخِيَاطَتَهُ فَلَوْ كَانَتْ الْخِيَاطَةُ وَالْقَطْعُ لَهَا يُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ لَمَا اتَّخَذُوهُ حِرْفَةً (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ عَمِلَ الْمُفْلِسُ) أَيْ بِنَفْسِهِ وَلَمْ تَزِدْ الْقِيمَةُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ) أَيْ الْمُسْتَأْجِرُ (قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ) أَيْ كَتَلَفِ الْأَحْمَالِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى حَمْلِهَا إلَى مَكَّةَ مَثَلًا وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ (قَوْلُهُ: أَوْ فَعَلَ الْأَجِيرُ) أَيْ وَلَوْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَوْ اتَّفَقَ الْغُرَمَاءُ وَالْمُفْلِسُ إلَخْ) أَيْ: فِيمَا إذَا كَانَ الصَّبْغُ لِلْمُفْلِسِ إذْ لَا سَلَاطَةَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا حِينَئِذٍ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ لِلْقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ وَنَحْوِهِمَا إلَخْ) هَذَا لَيْسَ خَاصًّا بِمَسْأَلَةِ الْمُفْلِسِ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي
فَإِنَّهُ يَكُونُ قَبْضًا لَهُ كَإِتْلَافِ الْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِي إتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَضْمَنُ إتْلَافَهُ، وَالْأَوْجَهُ: أَنَّ الْقِيمَةَ الَّتِي يَضْمَنُهَا الْأَجْنَبِيُّ إنْ زَادَتْ بِسَبَبِ فِعْلِ الْأَجِيرِ لَمْ تَسْقُطْ أُجْرَتُهُ وَإِلَّا سَقَطَتْ.
بَابُ الْحَجْرِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَهُوَ لُغَةً: الْمَنْعُ، وَشَرْعًا: الْمَنْعُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: 6] وَقَوْلُهُ ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: 282] وَقَوْلُهُ ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5] الْآيَاتِ، نَبَّهَ عَلَى الْحَجْرِ بِالِابْتِلَاءِ، وَكَنَّى عَنْ الْبُلُوغِ بِبُلُوغِ النِّكَاحِ، وَالضَّعِيفُ الصَّبِيُّ، وَاَلَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ، وَالسَّفِيهُ الْمُبَذِّرُ، وَإِضَافَةُ الْمَالِ الَّذِي لَهُ بِدَلِيلِ ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: 5] لِوَلِيِّهِ لِتَصَرُّفِهِ فِيهِ، وَصَحَّ مَرْفُوعًا «خُذُوا عَلَى أَيْدِي سُفَهَائِكُمْ» وَالْحَجْرُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الْغَيْرِ، وَ (مِنْهُ حَجْرُ الْمُفْلِسِ) أَيْ الْحَجْرُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ (لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ وَالرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ) فِي الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ (وَالْمَرِيضُ لِلْوَرَثَةِ) فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ حَيْثُ لَا دَيْنَ، وَفِي الْجَمِيعِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ عَلَى مَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ لَكِنْ فِي الرَّوْضَةِ فِي الْوَصَايَا عِنْدَ ذِكْرِ مَا يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ أَنَّ الْمَرِيضَ لَوْ وَفَّى دَيْنَ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ لَمْ يُزَاحِمْهُ غَيْرُهُ إنْ وَفَّى الْمَالُ جَمِيعَ الدُّيُونِ.
وَكَذَا إنْ لَمْ يُوَفِّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ: لَهُمْ مُزَاحَمَتُهُ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِتَقْدِيمِ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ بِدَيْنِهِ لَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ، فَكَلَامُ الزَّرْكَشِيّ
[حاشية الشبراملسي]
عَمْدًا، ثُمَّ إنْ كَانَ قَصَّرَ حَتَّى تَلِفَتْ الْعَيْنُ ضَمِنَهَا وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ) أَيْ مِنْ التَّرَدُّدِ (قَوْلُهُ: لَمْ تَسْقُطْ أُجْرَتُهُ) أَيْ الْأَجِيرِ.
(بَابُ الْحَجْرِ) (قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْحَاءِ) أَيْ وَكَسْرِهَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ) أَيْ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ ع: لَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ عَدَمُ صِحَّةِ قَوْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِسَلْبِ عِبَارَتِهِمَا وَهُوَ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَى الْحَجْرِ اهـ. وَعِبَارَةُ حَجّ: وَشَرْعًا مَنْعٌ مِنْ تَصَرُّفٍ خَاصٍّ بِسَبَبٍ خَاصٍّ اهـ. وَهِيَ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ، وَوَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ قَوْلَهُ: الْمَنْعُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ اللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الْمَجْنُونِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالسَّفِيهِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَصِحُّ مِنْهُ بَعْضُ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ، أَمَّا السَّفِيهُ فَيَصِحُّ مِنْهُ التَّدْبِيرُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْتِ وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَيُعْتَدُّ مِنْهُ بِالْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَنَحْوِهِ فَتَصْحِيحُهُ يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْحَدِّ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: الَّذِي لَهُ) أَيْ الْمُولَى عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: لِوَلِيِّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِإِضَافَةِ (قَوْلُهُ: «خُذُوا عَلَى أَيْدِي سُفَهَائِكُمْ» ) أَيْ بِمَنْعِهِمْ مِنْ التَّصَرُّفِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُوفِ إلَخْ) قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُفْلِسِ أَنَّهُ إذَا اسْتَوَتْ الدُّيُونُ وَطَلَبَ أَرْبَابُهَا مِنْ غَيْرِ الْمَحْجُورِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا ذُكِرَ هُنَا مِنْ عَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهَا جَوَازُ الْإِقْدَامِ (قَوْلُهُ: فَكَلَامُ الزَّرْكَشِيّ إلَخْ) لَعَلَّ عِبَارَةَ الْأَذْرَعِيِّ مُجْمَلَةٌ غَيْرُ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ التَّفْصِيلِ فَلَا يُقَالُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لَمْ تَسْقُطْ أُجْرَتُهُ) اُنْظُرْ لَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَا تَفِي بِالْأُجْرَةِ هَلْ يَسْتَحِقُّ تَمَامَ الْأُجْرَةِ أَوْ قَدْرَ الزِّيَادَةِ فَقَطْ
[بَابُ الْحَجْر]
. (كِتَابُ الْحَجْرِ) . (قَوْلُهُ: وَشَرْعًا: الْمَنْعُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ) أَيْ وَلَوْ فِي شَيْءٍ خَاصٍّ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ الْآتِيَةِ أَوْ أَنَّ مُرَادَهُ تَعْرِيفُ مَقْصُودِ الْبَابِ خَاصَّةً فَهُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ.
(قَوْلُهُ: فَكَلَامُ الزَّرْكَشِيّ) أَيْ التَّابِعِ لِلْأَذْرَعِيِّ
مُفَرَّعٌ عَلَى هَذَا (وَالْعَبْدُ) أَيْ الْقِنُّ (لِسَيِّدِهِ) وَالْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ وَلِلَّهِ تَعَالَى (وَالْمُرْتَدُّ لِلْمُسْلِمِينَ) أَيْ لِحَقِّهِمْ (وَلَهَا أَبْوَابٌ) تَقَدَّمَ بَعْضُهَا وَبَعْضُهَا يَأْتِي، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ مِنْهُ إلَى عَدَمِ انْحِصَارِ هَذَا النَّوْعِ فِيمَا ذَكَرَهُ فَقَدْ أَنْهَاهُ بَعْضُهُمْ إلَى نَحْوِ سَبْعِينَ صُورَةً، بَلْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: هَذَا بَابٌ وَاسِعٌ جِدًّا لَا تَنْحَصِرُ أَفْرَادُ مَسَائِلِهِ وَنَوْعٌ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَمَقْصُودُ الْبَابِ حَجْرُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُبَذِّرِ) بِالْمُعْجَمَةِ وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ، وَحَجْرُ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَعَمُّ مِمَّا بَعْدَهُ، وَزَادَ الْمَاوَرْدِيُّ نَوْعًا ثَالِثًا وَهُوَ مَا شُرِعَ لِلْأَمْرَيْنِ: يَعْنِي مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الْمُكَاتَبُ كَمَا مَرَّ (فَبِالْجُنُونِ تَنْسَلِبُ الْوِلَايَاتُ) الثَّابِتَةُ بِالشَّرْعِ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ أَوْ بِالتَّفْوِيضِ كَالْإِيصَاءِ وَالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَلِ أَمْرَ نَفْسِهِ، فَأَمْرُ غَيْرِهِ أَوْلَى، وَعَبَّرَ بِالِانْسِلَابِ دُونَ الِامْتِنَاعِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ لَا يُفِيدُ السَّلْبَ بِخِلَافِ
[حاشية الشبراملسي]
كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَكَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ إلَخْ؛ لِأَنَّ الزَّرْكَشِيَّ تَبِعَهُ (قَوْلُهُ: مُفَرَّعٌ عَلَى هَذَا) قَدْ يُقَالُ لَا يَتَعَيَّنُ تَفْرِيعُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ وَيُصَوَّرُ كَلَامُهُ بِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ التَّبَرُّعَ لِغَيْرِ الْغُرَمَاءِ امْتَنَعَ ذَلِكَ إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا، وَجَازَ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ مِمَّا زَادَ عَلَى الدَّيْنِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ فَيَكُونُ كَلَامُهُ فِي غَيْرِ تَوْفِيَةِ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ دُونَ بَعْضٍ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى مَنْهَجٍ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ وَالْمَرِيضُ فِي ثُلُثَيْ إلَخْ وَسَيَأْتِي فِي الْوَصَايَا أَنَّهُ لَوْ وَفَّى بَعْضَ الْغُرَمَاءِ لَمْ يُزَاحِمْهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَفِ مَالُهُ بِدَيْنِهِ كَمَا قَالَ الشَّيْخَانِ فَقَوْلُ جَمْعٍ: إنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ تَرِكَتِهِ مُرَادُهُمْ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّبَرُّعَاتِ حَجّ: أَيْ بِخِلَافِ وَفَاءِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِتَقْدِيمِ السَّبَبِ م ر اهـ.
وَهُوَ عَيْنُ مَا قُلْنَاهُ: هَذَا وَأَجَابَ حَجّ هُنَا بِأَنَّ تَقْدِيمَ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ مُجَرَّدُ تَخْصِيصٍ لَا تَبَرُّعَ فِيهِ فَلَا يُرَدُّ عَلَى كَلَامِهِمْ اهـ (قَوْلُهُ: وَالْمُرْتَدُّ لِلْمُسْلِمِينَ) ع مِنْهُ أَيْضًا الْحَجْرُ عَلَى السَّيِّدِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي كَاتَبَهُ وَالْعَبْدُ الْجَانِي وَالْوَرَثَةُ فِي التَّرِكَةِ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ رُبَّمَا تَدْخُلُ فِي عِبَارَةِ الشَّيْخِ، وَأَصْلُهُ وَالْحَجْرُ الْغَرِيبُ وَالْحَجْرُ عَلَى الْبَائِعِ بَعْدَ فَسْخِ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ، وَعَلَى السَّابِي لِلْحَرْبِيِّ فِي مَالِهِ إذَا كَانَ عَلَى الْحَرْبِيِّ دَيْنٌ، وَالْحَجْرُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَعَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَعَلَى السَّيِّدِ فِي نَفَقَةِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ لَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا بَدَلَهَا، وَدَارُ الْمُعْتَدَّةِ بِالْأَقْرَاءِ وَالْحَمْلِ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى بِشَرْطِ الْإِعْتَاقِ، وَعَلَى السَّيِّدِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ، وَعَلَى الْمُؤَجِّرِ فِي الْعَيْنِ الَّذِي اسْتَأْجَرَ شَخْصًا عَلَى الْعَمَلِ فِيهَا كَصِبْغٍ أَوْ قِصَارَةٍ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَيُتَأَمَّلُ مَا قَالَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَجْرِ عَلَى الْبَائِعِ بَعْدَ فَسْخِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ بِالْفَسْخِ خَرَجَ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَصَارَ الثَّمَنُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ وَلَيْسَ الْمَبِيعُ مَرْهُونًا بِهِ فَمَا وَجْهُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِيهِ، وَكَذَا يُتَأَمَّلُ فِي الصُّورَةِ التَّالِيَةِ لَهَا فَإِنَّ مُجَرَّدَ سَبْيِ الْحَرْبِيِّ لَا يَسْتَلْزِمُ دُخُولَ مَالِ الْحَرْبِيِّ فِي يَدِ سَابِيهِ فَمَا مَعْنَى الْحَجْرِ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَالْمُبَذِّرِ) وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ بَلَغَ غَيْرَ مُصْلِحٍ لِدَيْنِهِ مَعَ أَنَّ حُكْمَهُ مَذْكُورٌ فِي الْبَابِ أَيْضًا لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ حَجْرَ الصِّبَا إنَّمَا يَزُولُ بِبُلُوغِهِ رَشِيدًا، فَجَعَلَ مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ مِنْ أَحْكَامِ الصِّبَا وَإِنْ كَانَ التَّحْقِيقُ أَنَّهُ ذَهَبَ حَجْرُ الصِّبَا وَخَلَفَهُ حَجْرُ السَّفَهِ (قَوْلُهُ أَعَمُّ مِمَّا بَعْدَهُ) أَيْ فَإِنَّ الْمَجْنُونَ لَا يُعْتَدُّ بِشَيْءٍ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ أَصْلًا، وَالصَّبِيُّ يُعْتَدُّ بِبَعْضِ تَصَرُّفَاتِهِ كَالْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَإِيصَالِ الْهَدِيَّةِ، وَالْمُبَذِّرُ يُعْتَدُّ بِقَبُولِهِ النِّكَاحَ بِإِذْنٍ مِنْ وَلِيِّهِ وَلَا يُزَوِّجُهُ وَلِيُّهُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَيَصِحُّ تَدْبِيرُهُ لِأَرِقَّائِهِ
(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) مِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ثَمَّ: وَلِلَّهِ الْعِتْقُ وَمَصْلَحَتُهُ تَعُودُ عَلَى الْمُكَاتَبِ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ ثَمَّ: لِسَيِّدِهِ وَلِلَّهِ وَقَوْلُهُ هُنَا: مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: كَالْإِيصَاءِ) بِأَنْ يَكُونَ وَصِيًّا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَالْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ وَلِلَّهِ تَعَالَى) عِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ فَالْحَجْرُ عَلَيْهِ لِسَيِّدِهِ وَلِحَقِّهِ وَلِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلٍ.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ) أَيْ عَلَى مَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: وَعَبَّرَ بِالِانْسِلَابِ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَآثَرَ السَّلْبَ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْمَنْعَ وَلَا عَكْسَ انْتَهَتْ.
لَكِنْ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَتْنِ التَّعْبِيرُ بِالِانْسِلَابِ، وَلَعَلَّهَا الَّتِي شَرَحَ عَلَيْهَا الشَّارِحُ، لَكِنْ فِي عِبَارَتِهِ قُصُورٌ عَنْ تَأْدِيَةِ الْمُرَادِ؛ لِأَنَّ صَرِيحَ قَوْلِهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُفِيدُ السَّلْبَ وَهُوَ خِلَافُ الْمَقْصُودِ
الْأَوَّلِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِحْرَامَ مَانِعٌ مِنْ وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَلَا يَسْلُبُ؛ وَلِهَذَا يُزَوِّجُ الْحَاكِمُ دُونَ الْأَبْعَدِ (وَاعْتِبَارُ الْأَقْوَالِ) لَهُ وَعَلَيْهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا كَالْإِسْلَامِ وَالْمُعَامَلَاتِ لِانْتِفَاءِ قَصْدِهِ وَسُكُوتِهِ عَنْ الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّ مِنْهَا مَا يُعْتَبَرُ كَإِحْبَالِهِ وَإِتْلَافِهِ مَالَ غَيْرِهِ وَتَقْرِيرِ الْمَهْرِ بِوَطْئِهِ وَتَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى إرْضَاعِهِ وَالْتِقَاطِهِ وَاحْتِطَابِهِ وَاصْطِيَادِهِ.
وَعَمْدُهُ عَمْدٌ إنْ كَانَ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ وَمَا لَا يُعْتَبَرُ مِنْهُ كَالصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ، وَلَوْ أَحْرَمَ شَخْصٌ ثُمَّ جُنَّ فَقَتَلَ صَيْدًا لَمْ يَلْزَمْهُ جَزَاؤُهُ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ، وَالصَّبِيُّ كَالْمَجْنُونِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ إلَّا أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِي إذْنِ الدُّخُولِ وَإِيصَالِ الْهَدِيَّةِ، وَيَصِحُّ إحْرَامُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ كَمَا مَرَّ وَتَصِحُّ عِبَادَتُهُ، وَلَهُ إزَالَةُ الْمُنْكَرِ، وَيُثَابُ عَلَيْهِ كَالْبَالِغِ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْغَصْبِ وَأَمَّا إسْلَامُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ صَبِيٌّ فَلِأَنَّ الْأَحْكَامَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ كَانَتْ مَنُوطَةً بِالتَّمْيِيزِ وَأَلْحَقَ الْقَاضِي بِالْمَجْنُونِ النَّائِمَ وَالْأَخْرَسَ الَّذِي لَا يَفْهَمُ، وَنَظَرَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَتَخَيَّلُ أَحَدٌ أَنَّ النَّائِمَ يَتَصَرَّفُ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَبِأَنَّ الْأَخْرَسَ الْمَذْكُورَ غَيْرُ عَاقِلٍ، وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى إقَامَةِ أَحَدٍ مَكَانَهُ فَلْيَكُنْ هُوَ الْحَاكِمَ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ النَّائِمَ يُشْبِهُ الْمَجْنُونَ فِي سَلْبِ اعْتِبَارِ الْأَقْوَالِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَفْعَالِ، فَإِلْحَاقُهُ بِهِ مِنْ حَيْثُ ذَلِكَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَا وَلِيَّ لَهُ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى غَيْرِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ لَا تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ عَلَى أَطْفَالِهِ وَإِنْ لَمْ يُسَمُّوا أَيْتَامًا إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يَكُونُ وَصِيًّا عَلَيْهِمْ فَقَدْ عُلِمَ مِنْ نَفْيِ وِلَايَةِ الْإِيصَاءِ عَنْهُ (قَوْلُهُ: فِي الدِّينِ) بِكَسْرِ الدَّالِ (قَوْلُهُ: كَالْإِسْلَامِ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ فَلَا نَمْنَعُهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَخْذًا مِنْ النَّصِّ، هَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلدُّنْيَا، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْآخِرَةِ فَيَصِحُّ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِهِ قَطْعًا سَوَاءٌ تَلَفَّظَ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَمْ أَضْمَرَهُ عَلَى مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ اهـ شَرْحُ الْإِرْشَادِ الْكَبِيرِ لحج.
وَكَتَبَ بِهَامِشِهِ سم مَا نَصُّهُ: صَرِيحٌ فِي أَنَّ كَلَامَ الْأُسْتَاذِ مُصَوَّرٌ بِالْإِضْمَارِ فَقَطْ، لَكِنْ الَّذِي فِي الْإِسْعَادِ وَغَيْرِهِ تَصْوِيرُهُ بِالْإِضْمَارِ مَعَ الْإِظْهَارِ، وَعِبَارَةُ الْإِسْعَادِ نَصُّهَا: وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَإِذَا أَضْمَرَ الْمُمَيِّزُ الْإِسْلَامَ كَمَا أَظْهَرهُ كَانَ مِنْ الْفَائِزِينَ بِالْجَنَّةِ اهـ.
فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ كَمَا أَظْهَرَهُ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي تَصْوِيرِ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ بِمَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْإِضْمَارِ وَالْإِظْهَارِ، وَفِيمَا قَالَهُ حَجّ وَقْفَةٌ بِأَنَّ كُفْرَهُ مُحَقَّقٌ وَعِبَارَتَهُ لَاغِيَةٌ، وَحَقِيقَةُ الْإِيمَانِ الْمَانِعِ مِنْ الْخُلُودِ فِي الْعَذَابِ التَّصْدِيقُ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ مُنْتَفٍ عَنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَمَا لَيْسَ بِقَصْدٍ لَغْوٌ فَكَيْفَ يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ.
نَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَأَوْلَادِ الْكُفَّارِ فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الْوَارِدُ فِيهِمْ وَالرَّاجِحُ مِنْهُ دُخُولُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ رَأَيْت حَجّ فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ فَرَضَ ذَلِكَ فِي (الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ) لَا فِي الْمَجْنُونِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَالْهَدِيَّةِ) وَالصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ
(قَوْلُهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ جَزَاؤُهُ) أَيْ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ ضَمَانِ مَا أَتْلَفَهُ وَأَشَارَ إلَى إخْرَاجِهِ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا: وَإِتْلَافُهُ مَالَ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَحْرَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي زَمَنِ جُنُونِهِ فَهَلْ حُكْمُهُ كَذَلِكَ أَوْ لَا؟ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ وَلِيَّهُ لَمَّا صَيَّرَهُ مُحْرِمًا الْتَزَمَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهِ فَيَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ، فِيهِ نَظَرٌ.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِنَّمَا تَصِحُّ مُبَاشَرَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِ إلَخْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى فَعَلَ مَحْظُورًا وَهُوَ غَيْرُ مُمَيِّزٍ فَلَا فِدْيَةَ عَلَى أَحَدٍ عَدِمَ الضَّمَانَ، وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ هُنَا أَحْرَمَ ثُمَّ جُنَّ لَيْسَ بِقَيْدٍ فَإِحْرَامُ وَلِيِّهِ عَنْهُ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ: كَالْبَالِغِ) التَّشْبِيهُ فِي أَصْلِ الثَّوَابِ لَا فِي مِقْدَارِهِ، وَإِلَّا فَالصَّبِيُّ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ مِنْ الْفَرَائِضِ أَقَلَّ مِنْ ثَوَابِ نَافِلَةِ الْبَالِغِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ عَدَمُ خِطَابِهِ بِهِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا ثَوَابَ أَصْلًا لِعَدَمِ خِطَابِهِ بِالْعِبَادَةِ لَكِنَّهُ أُثِيبَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الطَّاعَةِ فَلَا يَتْرُكُهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(قَوْلُهُ: النَّائِمِ وَالْأَخْرَسِ) فِي عَدَمِ صِحَّةِ تَصَرُّفِهَا
(قَوْلُهُ: وَنَظَرَ فِيهِ) أَيْ الْإِلْحَاقِ (قَوْلُهُ: وَيُرَدُّ) أَيْ التَّنْظِيرُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ النَّائِمَ (قَوْلُهُ لَا وَلِيَّ لَهُ)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَالصَّبِيُّ كَالْمَجْنُونِ) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الْإِحْبَالُ، وَقَدْ يُقَالُ بِتَأَتِّيهِ مِنْهُ كَمَا سَيُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي الشَّارِحِ
مُطْلَقًا، وَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: لَعَلَّ كَلَامَ الْقَاضِي مَحْمُولٌ عَلَى نَائِمٍ أَحْوَجَ طُولُ نَوْمِهِ إلَى النَّظَرِ فِي أَمْرِهِ وَكَانَ الْإِيقَاظُ يَضُرُّهُ مَثَلًا، وَبِأَنَّ الْأَخْرَسَ الَّذِي لَا يَفْهَمُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُسَمَّى مَجْنُونًا فَهُوَ مُلْحَقٌ بِالْمَجْنُونِ، وَقَوْلُهُ وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَخْ مَحَلُّ نَظَرٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ غَيْرَ عَاقِلٍ كَمَا قَالَهُ فَوَلِيُّهُ وَلِيُّ الْمَجْنُونِ، وَلِهَذَا تَرَدَّدَ الْإِسْنَوِيُّ فِيمَنْ يَكُونُ وَلِيَّهُ، وَبَحَثَ الْجَوْجَرِيُّ أَنَّ مَحَلَّ التَّرَدُّدِ فِيمَنْ عَرَضَ لَهُ هَذَا الْخَرَسُ بَعْدَ بُلُوغِهِ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَبْلُغْ إلَّا كَذَلِكَ فَالظَّاهِرُ الْجَزْمُ بِأَنَّ وَلِيَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةً لِحَجْرِ الصَّبِيِّ؛ إذْ لَا يَرْتَفِعُ الْحَجْرُ عَنْهُ إلَّا بِبُلُوغِهِ رَشِيدًا، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ اهـ. وَقَوْلُهُ الظَّاهِرُ إلَخْ مُحْتَمَلٌ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ التَّرَدُّدِ أَنَّ وَلِيَّهُ وَلِيُّ الْمَجْنُونِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَاضِي، وَصَرِيحُ قَوْلِ الْأَذْرَعِيِّ أَنَّهُ غَيْرُ عَاقِلٍ، وَالْمَجْنُونُ إذَا كَانَ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ كَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِيمَا يَأْتِي نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ التَّتِمَّةِ وَأَقَرَّاهُ وَاعْتَرَضَهُ السُّبْكِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّهُ إنْ زَالَ عَقْلُهُ فَمَجْنُونٌ وَإِلَّا فَهُوَ مُكَلَّفٌ وَتَصَرُّفُهُ صَحِيحٌ فَإِنْ بَذَّرَ فَكَسَفِيهٍ اهـ. وَيُرَدُّ بِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ كَمَالُ التَّمْيِيزِ، أَمَّا أَدْنَاهُ فَلَا يَلْحَقُهُ بِالْمُكَلَّفِ وَلَا بِالْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لَهُمَا فَتَعَيَّنَ إلْحَاقُهُ بِالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ
(وَيَرْتَفِعُ) حَجْرُ الْجُنُونِ (بِالْإِفَاقَةِ) مِنْهُ مِنْ غَيْرِ فَكٍّ وَلَا اقْتِرَانٍ بِشَيْءٍ آخَرَ كَإِينَاسِ رُشْدٍ.
وَقَضِيَّتُهُ عَوْدُ الْوِلَايَاتِ وَاعْتِبَارُ الْأَقْوَالِ.
نَعَمْ الْوِلَايَةُ الْجَعْلِيَّةُ كَالْقَضَاءِ لَا تَعُودُ إلَّا بِوِلَايَةٍ جَدِيدَةٍ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ عَوْدُ الْأَهْلِيَّةِ (وَحَجْرُ
[حاشية الشبراملسي]
مُعْتَمَدٌ
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) طَالَ نَوْمُهُ أَوْ قَصُرَ (قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ التَّرَدُّدِ) هُوَ مِنْ كَلَامِ م ر، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ لَا يَتَقَيَّدُ بِمَنْ خَرَسُهُ أَصْلِيٌّ، وَإِلَّا فَهُوَ عِنْدَ قَوْلِ الْجَوْجَرِيِّ فَإِنَّ الظَّاهِرَ إلَخْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّائِمَ لَا وَلِيَّ لَهُ مُطْلَقًا، وَأَنَّ الْأَخْرَسَ الَّذِي لَا إشَارَةَ لَهُ وَلِيُّهُ وَلِيُّ الْمَجْنُونِ (قَوْلُهُ: مِنْ التَّرَدُّدِ) أَيْ تَرَدُّدِ الْإِسْنَوِيِّ الْمُتَقَدِّمِ
(قَوْلُهُ: أَنَّ وَلِيَّهُ) أَيْ الْأَخْرَسِ سَوَاءٌ كَانَ خَرَسُهُ أَصْلِيًّا أَوْ طَارِئًا
(قَوْلُهُ: وَلِيُّ الْمَجْنُونِ) أَيْ فَوَلِيُّهُ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ ثُمَّ الْوَصِيُّ ثُمَّ الْقَاضِي، وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْوِلَايَةَ تَثْبُتُ عَلَيْهِ لِمَنْ ذُكِرَ وَإِنْ كَانَ لَهُ كِتَابَةٌ أَوْ أَمْكَنَ تَوْكِيلُهُ بِالْإِشَارَةِ.
وَقَالَ فِي الْخَرْسَاءِ: إنَّهَا إنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا إشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ وَلَا كِتَابَةٌ فَالْأَوْجَهُ أَنَّهَا كَالْمَجْنُونَةِ فَيُزَوِّجُهَا الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ ثُمَّ الْحَاكِمُ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ يُشْكَلُ عَلَيْهِمَا مَا ذَكَرَ الشَّارِحُ فِي فَصْلٍ فِي أَرْكَانِ النِّكَاحِ إلَخْ مِنْ قَوْلِهِ وَيَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْأَخْرَسِ وَإِشَارَتُهُ الَّتِي لَا يَخْتَصُّ بِفَهْمِهَا الْفَطِنُ وَكَذَا بِكِتَابَتِهِ عَلَى مَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ إشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ وَتَعَذَّرَ تَوْكِيلُهُ لِاضْطِرَارِهِ حِينَئِذٍ اهـ.
فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا وَلِيَّ لَهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَاكَ إنَّمَا يَتَأَتَّى فِيمَا إذَا كَانَ لَهُ إشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ لِلْفَطِنِ، وَمَا هُنَا فِيمَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ إشَارَةٌ أَصْلًا، أَوْ يُفْرَضُ بِأَنَّ ذَاكَ فِي الْخَرَسِ الْعَارِضِ بَعْدَ الرُّشْدِ وَمَا هُنَا فِي اسْتِمْرَارِ خَرَسٍ مَوْجُودٍ فِي الصِّبَا
(قَوْلُهُ: وَالْمَجْنُونُ) أَيْ وَلَوْ بَالِغًا (قَوْلُهُ: كَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ) أَيْ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ شَرْحُ رَوْضٍ (قَوْلُهُ: فِيمَا يَأْتِي) مِنْهُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ وَعَدَمُ الْمُعَاقَبَةِ عَلَى تَرْكِهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالصَّبِيِّ، لَكِنَّ مُقْتَضَى قَوْلِ شَرْحِ الرَّوْضِ: أَيْ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ أَنَّهُ فِيمَا عَدَا الْمَالَ، كَالْبَالِغِ الْعَاقِلِ فَيُفِيدُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَعِقَابَهُ عَلَى تَرْكِهَا وَأَنَّهُ يُقْتَلُ إذَا قُتِلَ بِشَرْطِهِ وَيُحَدُّ إذَا زَنَى أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ.
وَفِي سم عَلَى حَجّ مَا يُوَافِقُ مَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَعِبَارَتُهُ: قَوْلُهُ كَصَبِيٍّ مُمَيِّزٍ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ مَا يَصِحُّ مِنْ الْمُمَيِّزِ كَالصَّلَاةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ وُجِدَ فِيهِ مَعْنَى التَّمْيِيزِ الَّذِي ضَبَطُوهُ وَهُوَ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَسْتَنْجِي وَحْدَهُ فِي الْجَمِيعِ لَكِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُتَّجَهُ إلَّا كَوْنُهُ مُكَلَّفًا، وَلَا يُتَّجَهُ حَمْلُ مَا نَقَلَاهُ عَنْ التَّتِمَّةِ عَلَيْهِ اهـ.
وَصَرِيحُ قَوْلِ الشَّارِحِ كَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَرُدَّ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ كَمَالُ التَّمْيِيزِ قَصْرُ التَّشْبِيهِ عَلَى صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ فَقَطْ دُونَ بَقِيَّةِ التَّكَالِيفِ
(قَوْلُهُ: كَمَالُ التَّمْيِيزِ) أَيْ الَّذِي ضَبَطَ بِهِ سم عَلَى حَجّ فِيمَا مَرَّ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ إلَخْ
(قَوْلُهُ: بِالْإِفَاقَةِ) أَيْ الصَّافِيَةِ عَنْ الْخَبَلِ الْمُؤَدِّي إلَى حَالَةٍ يُحْمَلُ مِثْلُهَا عَلَى حِدَّةٍ فِي الْخُلُقِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النِّكَاحِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ الْوِلَايَةُ الْجَعْلِيَّةُ كَالْقَضَاءِ) أَيْ وَالْإِمَامَةِ وَالْخَطَابَةِ وَنَحْوِهَا،
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَبِأَنَّ الْأَخْرَسَ الَّذِي لَا يَفْهَمُ إلَخْ) حَقُّ الْعِبَارَةِ وَبِأَنَّ الْأَخْرَسَ الَّذِي لَا يَفْهَمُ لَا يُسَمَّى مَجْنُونًا وَإِنْ أُلْحِقَ بِالْمَجْنُونِ
الصِّبَا) بِكَسْرِ الصَّادِ وَفَتْحِ الْبَاءِ فَشَمِلَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (يَرْتَفِعُ) مِنْ حَيْثُ الصِّبَا بِمُجَرَّدِ بُلُوغِهِ وَمُطْلَقًا (بِبُلُوغِهِ رَشِيدًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] الْآيَةَ، وَالِابْتِلَاءُ الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ، وَالرُّشْدُ ضِدُّ الْغَيِّ كَمَا مَرَّ وَفِي خَبَرِ أَبِي دَاوُد «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ» وَالْمُرَادُ مِنْ إينَاسِ الرُّشْدِ الْعِلْمُ بِهِ، وَأَصْلُ الْإِينَاسِ الْإِبْصَارُ، وَتَعْبِيرُهُ بِرَشِيدًا كَجَمَاعَةٍ لَا يُنَافِي مَنْ عَبَّرَ بِالْبُلُوغِ، إذْ مَنْ زَادَ عَلَى الْبُلُوغِ الرُّشْدَ أَرَادَ الْإِطْلَاقَ الْكُلِّيَّ، وَمَنْ لَمْ يَزِدْهُ أَرَادَ حَجْرَ الصِّبَا.
قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الصِّبَا سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِالْحَجْرِ، وَكَذَا التَّبْذِيرُ، وَأَحْكَامُهُمَا مُتَغَايِرَةٌ، وَمَنْ بَلَغَ مُبَذِّرًا فَحُكْمُ تَصَرُّفِهِ حُكْمُ تَصَرُّفِ السَّفِيهِ لَا حُكْمُ تَصَرُّفِ الصَّبِيِّ اهـ.
وَلَوْ ادَّعَى الرُّشْدَ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَأَنْكَرَهُ وَلِيُّهُ لَمْ يَنْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ، وَلَا يَحْلِفُ الْوَلِيُّ كَالْقَاضِي وَالْقَيِّمِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا أَمِينٌ ادَّعَى انْعِزَالَهُ، وَلِأَنَّ الرُّشْدَ مِمَّا يُوقَفُ عَلَيْهِ بِالِاخْتِبَارِ فَلَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ: وَلِأَنَّ الْأَصْلَ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ يُعَضِّدُ قَوْلَهُ بَلْ الظَّاهِرُ أَيْضًا؛ إذْ الظَّاهِرُ فِيمَنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْبُلُوغِ عَدَمُ الرُّشْدِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي دَوَامِ الْحَجْرِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِرُشْدِهِ.
نَعَمْ سُئِلَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هَلْ الْأَصْلُ فِي النَّاسِ الرُّشْدُ أَوْ ضِدُّهُ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَنْ عُلِمَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ: أَيْ بَعْدَ بُلُوغِهِ اسْتِصْحَابُهُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ رُشْدُهُ بِالِاخْتِبَارِ وَأَمَّا مَنْ جُهِلَ حَالُهُ فَعُقُودُهُ صَحِيحَةٌ كَمَنْ عُلِمَ رُشْدُهُ
(وَالْبُلُوغُ) يَحْصُلُ (بِاسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً) قَمَرِيَّةً تَحْدِيدِيَّةً حَتَّى لَوْ نَقَصَتْ يَوْمًا لَمْ يُحْكَمْ بِبُلُوغِهِ، وَابْتِدَاؤُهَا مِنْ انْفِصَالِ جَمِيعِ الْوَلَدِ لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «عُرِضْت عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْت، وَعُرِضْت عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي وَرَآنِي بَلَغْت» وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ «وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً» : أَيْ طَعَنْت فِيهَا، وَبِقَوْلِهِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَيْ اسْتَكْمَلْتهَا؛ لِأَنَّ غَزْوَةَ أُحُدٍ كَانَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ
[حاشية الشبراملسي]
نَعَمْ يُسْتَثْنَى النَّاظِرُ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَالْحَاضِنَةِ وَالْأَبِ وَالْجَدِّ فَتَعُودُ إلَيْهِمْ الْوِلَايَةُ بِنَفْسِ الْإِفَاقَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةٍ جَدِيدَةٍ وَأُلْحِقَ بِهِمْ الْأُمُّ إذَا كَانَتْ وَصِيَّةً
(قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الصَّادِ) أَيْ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَكَسْرُ الْبَاءِ.
قَالَ حَجّ رَدًّا عَلَى الْإِسْنَوِيِّ: أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِيهِ
(قَوْلُهُ: وَالِامْتِحَانُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ
(قَوْلُهُ: الْعِلْمُ بِهِ) أَيْ لَا تَوَهُّمُهُ (قَوْلُهُ: وَأَصْلُ الْإِينَاسِ) أَيْ اللُّغَوِيُّ
(قَوْلُهُ: مَنْ عَبَّرَ بِالْبُلُوغِ) أَيْ كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ
(قَوْلُهُ: وَهَذَا أَوْلَى) الْإِشَارَةُ إلَى قَوْلِهِ وَمَنْ لَمْ يَزِدْهُ
(قَوْلُهُ: حُكْمَ تَصَرُّفِ السَّفِيهِ) أَيْ مَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ صِحَّةُ نِكَاحِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ وَعَدَمُ صِحَّةِ تَزْوِيجِ وَلِيِّهِ إيَّاهُ بِدُونِ إذْنٍ مِنْهُ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ (قَوْلُهُ: لَمْ يَنْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ) بَقِيَ عَكْسُهُ وَهُوَ مَا لَوْ أَقَرَّ الْوَلِيُّ بِرُشْدِهِ هَلْ يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي.
ثُمَّ رَأَيْته فِي حَجّ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي فَعَلَى الْأَوَّلِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ إلَخْ مَا نَصُّهُ: وَلَا يَقْتَضِي إقْرَارُهُ: أَيْ الْوَلِيِّ بِهِ: أَيْ بِالرُّشْدِ فَكَّ الْحَجْرِ وَإِنْ اقْتَضَى انْعِزَالَهُ، وَحَيْثُ عَلِمَهُ لَزِمَهُ تَمْكِينُهُ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ، لَكِنَّ صِحَّةَ تَصَرُّفِهِ ظَاهِرًا مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى بَيِّنَةٍ بِرُشْدِهِ: أَيْ أَوْ ظُهُورِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ حَيْثُ قَالَ: يُصَدَّقُ الْوَلِيُّ فِي دَوَامِ الْحَجْرِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ مَا لَمْ يَظْهَرْ الرُّشْدُ أَوْ يَثْبُتْ، فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ الصَّبِيِّ فِي مَالِهِ قَبْلَ ثُبُوتِ رُشْدِهِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الظُّهُورِ، وَلَا تَصَرُّفُ الْوَلِيِّ لِاعْتِرَافِهِ بِرُشْدِهِ (قَوْلُهُ: بِقَوْلِهِ) أَيْ قَوْلِ الصَّبِيِّ (قَوْلُهُ: يُعَضِّدُ قَوْلَهُ) أَيْ يُقَوِّي قَوْلَ الْوَلِيِّ (قَوْلُهُ: بَلْ الظَّاهِرُ) أَيْ بَلْ الظَّاهِرُ يُعَضِّدُ قَوْلَ الْوَلِيِّ أَيْضًا (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِرُشْدِهِ) أَيْ فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ بَعْدَ تَصَرُّفِ الْوَلِيِّ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ تَصَرُّفِهِ
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُرِنِي) أَيْ لَمْ يُعْلِمْنِي (قَوْلُهُ: وَرَآنِي) عَطْفُ عِلَّةٍ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَشَمِلَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) اُنْظُرْ مَا وَجْهُ التَّفْرِيعِ عَلَى خُصُوصِ هَذَا التَّفْسِيرِ مَعَ أَنَّ عَكْسَهُ أَظْهَرُ فِي الشُّمُولِ.
(قَوْلُهُ: وَالرُّشْدُ ضِدُّ الْغَيِّ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي الْخُطْبَةِ لَكِنْ هَذَا لَيْسَ الْمُرَادَ هُنَا.
(قَوْلُهُ: وَتَعْبِيرُهُ بِرَشِيدًا) يَعْنِي وَتَقْيِيدُهُ الْبُلُوغَ بِالرُّشْدِ، وَقَوْلُهُ: لَا يُنَافِي مَنْ عَبَّرَ بِالْبُلُوغِ: يَعْنِي مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْبُلُوغِ
.
وَالْخَنْدَقِ فِي جُمَادَى سَنَةَ خَمْسٍ وَقَدْ قَالَ الْقَمُولِيُّ: عَنْ الشَّافِعِيِّ «إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ سَبْعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا وَهُمْ أَبْنَاءُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُمْ بَلَغُوا، وَعُرِضُوا عَلَيْهِ وَهُمْ أَبْنَاءُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَهُمْ، مِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَابْنُ عُمَرَ» (أَوْ خُرُوجُ الْمَنِيِّ) لِوَقْتِ إمْكَانِهِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59] وَخَبَرُ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» . وَالْحُلُمُ الِاحْتِلَامُ، وَهُوَ لُغَةً مَا يَرَاهُ النَّائِمُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا خُرُوجُ الْمَنِيِّ فِي نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَتَعْبِيرُهُ بِالْخُرُوجِ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِالِاحْتِلَامِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي تَحَقُّقَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ، فَلَوْ أَتَتْ زَوْجَةُ الصَّبِيِّ بِوَلَدٍ يَلْحَقُهُ لَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ بِهِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ اللِّعَانِ عَنْ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ، وَالْبُلُوغُ لَا يَكُونُ إلَّا بِتَحَقُّقِهِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَثْبُتُ إيلَادُهُ إذَا وَطِئَ أَمَتَهُ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ فِي ثُبُوتِ إيلَادِهِ وَالْحُكْمِ بِبُلُوغِهِ (وَوَقْتُ إمْكَانِهِ اسْتِكْمَالُ تِسْعِ سِنِينَ) قَمَرِيَّةً بِالِاسْتِقْرَاءِ، وَأَفْهَمَ تَعْبِيرُهُ بِالِاسْتِكْمَالِ أَنَّهَا تَحْدِيدِيَّةٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ وَإِنْ بَحَثَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهَا تَقْرِيبِيَّةٌ كَالْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ ضَبْطٌ لَهُ أَقَلُّ وَأَكْثَرُ فَالزَّمَنُ الَّذِي لَا يَسَعُ أَقَلَّ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ بِخِلَافِ الْمَنِيِّ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى (وَنَبَاتُ) شَعْرِ (الْعَانَةِ) الْخَشِنِ الَّذِي يَحْتَاجُ فِي إزَالَتِهِ إلَى نَحْوِ حَلْقٍ، وَظَاهِرٌ أَنَّهَا اسْمٌ لِلْمُنْبَتِ لَا لِلنَّابِتِ وَفِيهِ خِلَافٌ لِأَهْلِ اللُّغَةِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا النَّابِتُ وَأَنَّ الْمُنْبَتِ شِعْرَةٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِبُلُوغِ وَلَدِ الْكَافِرِ) وَمَنْ جُهِلَ إسْلَامُهُ إذَا كَانَ عَلَى فَرْجٍ وَاضِحٍ أَوْ فَرْجَيْ مُشْكَلٍ مَعًا كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ، وَتَوَقَّفَ الْبُلْقِينِيُّ فِيهِ يُجَابُ عَنْهُ بِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْبُلُوغِ بِالِاحْتِلَامِ فَاشْتُرِطَ كَوْنُهُ عَلَى الْفَرْجَيْنِ كَمَا يُشْتَرَطُ خُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنْهُمَا وَشَمِلَ كَلَامُهُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَهُوَ كَذَلِكَ، خِلَافًا لِلْجُورِيِّ لِمَا صَحَّ عَنْ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى مَعْلُولٍ: أَيْ أَجَازَنِي لِرُؤْيَتِهِ بُلُوغِي
(قَوْلُهُ: سَنَةَ خَمْسٍ) الصَّحِيحُ أَنَّهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا إشْكَالَ فِي جَوَابِ الشَّارِحِ.
أَمَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهَا سَنَةَ خَمْسٍ فَلَا يَتِمُّ الْجَوَابُ بِمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ كَذَا بِهَامِشٍ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِشْكَالَ مُنْدَفِعٌ بِمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهَا فِي سَنَةِ خَمْسٍ أَنَّهُ اسْتَكْمَلَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَأَخَذَ جُزْءًا مِمَّا بَعْدَهَا (قَوْلُهُ: أَوْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ) ضَابِطُهُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَلَوْ أَحَسَّ بِالْمَنِيِّ فِي قَصَبَةِ الذَّكَرِ فَقَبَضَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ حُكِمَ بِبُلُوغِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ لِاخْتِلَافِ مُدْرَكِ الْبَابَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي الْغُسْلِ عَلَى الْخُرُوجِ إلَى الظَّاهِرِ وَفِي الْبُلُوغِ عَلَى الْإِنْزَالِ قَالَهُ م ر.
وَلَا يَرِدُ هَذَا عَلَى قَوْلِهِ السَّابِقِ: إنَّ ضَابِطَهُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مَا يَكُونُ شَأْنُهُ إيجَابَ الْغُسْلِ لَوْ خَرَجَ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ
(قَوْلُهُ: بِوَلَدٍ يَلْحَقُهُ) بِأَنْ بَلَغَ تِسْعَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ مُدَّةَ الْحَمْلِ
(قَوْلُهُ: لَا يَكُونُ إلَّا بِتَحَقُّقِهِ) أَيْ لَا يُحْكَمُ بِهِ إلَّا إلَخْ
(قَوْلُهُ: لَا يَثْبُتُ إيلَادُهُ) أَيْ وَيَثْبُتُ نَسَبُهُ لِإِمْكَانِهِ
(قَوْلُهُ: إذَا وَطِئَ) أَيْ وَثَبَتَ وَطْؤُهُ بِغَيْرِ إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّ لُحُوقَ الْوَلَدِ مِنْ الْأَمَةِ لَا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ الْإِمْكَانِ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِ الْوَطْءِ، بِخِلَافِ لُحُوقِ الْوَلَدِ مِنْ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهَا مُجَرَّدُ الْإِمْكَانِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ وَطْءٌ
(قَوْلُهُ: أَنَّهَا تَحْدِيدِيَّةٌ) أَيْ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ) مُرَادُهُ حَجّ
(قَوْلُهُ: وَالْأَشْهَرُ) أَيْ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ (قَوْلُهُ: كَمَا يُشْتَرَطُ خُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنْهُمَا) وَعَلَيْهِ لَوْ خَرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَاسْتَدْخَلَتْهُ امْرَأَةٌ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لَحِقَهُ احْتِيَاطًا لِلنَّسَبِ وَلَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ كَمَا مَرَّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَلَوْ أَتَتْ زَوْجَةُ الصَّبِيِّ بِوَلَدٍ يَلْحَقُهُ) أَيْ: بِأَنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُ بِأَنْ أَتَتْ بِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْوَطْءِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: فَلَوْ أَتَتْ زَوْجَةُ صَبِيٍّ بَلَغَ تِسْعَ سِنِينَ بِوَلَدٍ لِلْإِمْكَانِ لَحِقَهُ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ) لَعَلَّ مُرَادَهُ فِي الْحَيْضِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرٌ) أَيْ ظَاهِرُ مَا حَلَّ بِهِ الْمَتْنُ مِنْ زِيَادَةِ لَفْظِ شَعْرِ.
(قَوْلُهُ: وَتَوَقَّفَ الْبُلْقِينِيُّ فِيهِ) أَيْ فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ عَلَى الْفَرْجَيْنِ أَخْذًا مِنْ الْجَوَابِ.
(قَوْلُهُ: يُجَابُ عَنْهُ مِمَّا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْبُلُوغِ بِالِاحْتِلَامِ) الَّذِي سَيَأْتِي لِلشَّارِحِ تَصْحِيحٌ أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْبُلُوغِ بِأَحَدِهِمَا (قَوْلُهُ: لِمَا صَحَّ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِلْمَتْنِ
عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ: كُنْت مِنْ سَبْيِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَكَانُوا يَنْظُرُونَ مَنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ، فَكَشَفُوا عَنْ عَانَتِي فَوَجَدُوهَا لَمْ تُنْبِتْ فَجَعَلُونِي فِي السَّبْيِ.
وَوَقْتُ إمْكَانِهِ وَقْتُ إمْكَانِ الِاحْتِلَامِ، وَلَوْ لَمْ يَحْتَلِمْ وَشَهِدَ عَدْلَانِ بِأَنَّ سِنَّهُ دُونَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يُحْكَمْ بِبُلُوغِهِ بِالْإِنْبَاتِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ دَلِيلُ الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ، وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ كَالسُّبْكِيِّ يُتَّجَهُ أَنَّهُ دَلِيلٌ لِلْبُلُوغِ بِأَحَدِهِمَا اهـ.
وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ.
وَيَجُوزُ النَّظَرُ إلَى عَانَةِ مَنْ احْتَجْنَا لِمَعْرِفَةِ بُلُوغِهِ لِلْخَبَرِ الْمَارِّ وَخَرَجَ بِهَا شَعْرُ اللِّحْيَةِ وَالْإِبِطِ فَلَيْسَ دَلِيلًا لِلْبُلُوغِ لِنُدُورِهِمَا دُونَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلِأَنَّ إنْبَاتَهُمَا لَوْ دَلَّ عَلَى الْبُلُوغِ لَمَا كَشَفُوا الْعَانَةَ فِي وَقْعَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، وَفِي مَعْنَاهُمَا الشَّارِبُ وَثِقَلُ الصَّوْتِ وَنُهُودُ الثَّدْيِ وَنُتُوُّ طَرَفِ الْحُلْقُومِ وَانْفِرَاقُ الْأَرْنَبَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ (لَا الْمُسْلِمُ فِي الْأَصَحِّ) فَلَا يَكُونُ عَلَامَةً عَلَى بُلُوغِهِ لِسُهُولَةِ مُرَاجَعَةِ آبَائِهِ وَأَقَارِبِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي الْإِنْبَاتِ فَرُبَّمَا تَعَجَّلَهُ بِدَوَاءٍ دَفْعًا لِلْحَجْرِ وَتَشَوُّفًا لِلْوِلَايَاتِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُفْضِي بِهِ إلَى الْقَتْلِ أَوْ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ، وَهَذَا جَرَى عَلَى الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ؛ إذْ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى وَمَنْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَةُ أَقَارِبِهِ الْمُسْلِمِينَ كَذَلِكَ، وَيُصَدَّقُ وَلَدُ كَافِرٍ سُبِيَ فَادَّعَى الِاسْتِعْجَالَ بِالدَّوَاءِ بِيَمِينِهِ لِدَفْعِ الْقَتْلِ لَا لِإِسْقَاطِ جِزْيَةٍ لَوْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَطُولِبَ بِهَا، وَالْفَرْقُ الِاحْتِيَاطُ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَالَيْنِ وَيَجِبُ تَحْلِيفُهُ فِي الْأُولَى إذَا أَرَادَهُ وَلَا يُشْكَلُ تَحْلِيفُهُ بِأَنَّهُ يَثْبُتُ صِبَاهُ، وَالصَّبِيُّ لَا يَحْلِفُ لِمَنْعِ كَوْنِهِ يُثْبِتُهُ بَلْ هُوَ ثَابِتٌ بِالْأَصْلِ، وَإِنَّمَا الْعَلَامَةُ وَهِيَ الْإِنْبَاتُ عَارِضُهَا دَعْوَاهُ الِاسْتِعْجَالَ فَضَعُفَتْ دَلَالَتُهَا عَلَى الْبُلُوغِ فَاحْتِيجَ لِمُعِينٍ لِمَا عَارَضَهَا، وَأَيْضًا فَالِاحْتِيَاطُ لِحَقْنِ الدَّمِ قَدْ يُوجِبُ مُخَالَفَةَ الْقِيَاسِ، وَلِذَا قُبِلَتْ جِزْيَةُ الْمَجُوسِ مَعَ حُرْمَةِ
[حاشية الشبراملسي]
فِي زَوْجَةِ الصَّبِيِّ (قَوْلُهُ: وَقْتَ إمْكَانِ الِاحْتِلَامِ) أَيْ فَلَوْ أَنْبَتَ قَبْلَ إمْكَانِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ لَمْ يُحْكَمْ بِبُلُوغِهِ
(قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ) أَيْ فَيُحْكَمُ بِبُلُوغِ الصَّبِيِّ وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِعَدَمِ بُلُوغِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ خِلَافُ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَعِبَارَتُهُ قَوْلُهُ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إلَخْ، بَلْ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ بِالْإِنْبَاتِ فَلَا تُعْتَبَرُ الْبَيِّنَةُ اهـ.
وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِيمَا قُلْنَاهُ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ النَّظَرُ إلَى عَانَةِ) أَيْ أَمَّا الْمَسُّ فَلَا، وَلَعَلَّهُ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ كَوْنِهِ يَحْتَاجُ إلَى حَلْقٍ تَكْفِي فِيهِ الرُّؤْيَةُ وَمَحَلُّ جَوَازِ النَّظَرِ حَيْثُ لَمْ يَرْتَكِبْ الْحُرْمَةَ وَيَمَسَّ، فَإِنْ خَالَفَ وَفَعَلَ فَيَنْبَغِي حُرْمَةُ النَّظَرِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْمَسِّ (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ دَلِيلًا لِلْبُلُوغِ) أَيْ فَلَا يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ بِالْبُلُوغِ حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ اسْتِكْمَالُ الْخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً عَلَى نَبَاتِهِمَا بَلْ يُكْتَفَى بِنَبَاتِ الْعَانَةِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا نَبَتَتْ لِحْيَتُهُ بِالْفِعْلِ لَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ بَلْ ذَلِكَ عَلَامَةٌ بِالْأَوْلَى مِنْ نَبَاتِ الْعَانَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لِنُدُورِهِمَا دُونَ خَمْسَةَ عَشْرَ، وَفِي حَجّ مَا يُصَرِّحُ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَعِبَارَتُهُ: وَخَرَجَ بِهَا نَبَاتُ نَحْوِ اللِّحْيَةِ فَلَيْسَ بُلُوغًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّرْحُ الصَّغِيرُ فِي الْإِبِطِ وَأُلْحِقَ بِهِ اللِّحْيَةُ وَالشَّارِبُ بِالْأَوْلَى فَإِنَّ الْبَغَوِيّ أَلْحَقَ الْإِبِطَ بِالْعَانَةِ دُونَهُمَا وَفِي كُلِّ ذَلِكَ نَظَرٌ، بَلْ الشَّعْرُ الْخَشِنُ مِنْ ذَلِكَ كَالْعَانَةِ فِي ذَلِكَ وَأَوْلَى إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهَا: أَيْ الْعَانَةِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ وَهُوَ صَرِيحٌ مِنْهُ فِي أَنَّ اللِّحْيَةَ إذَا نَبَتَتْ لَا يُسْتَدَلُّ بِنَبَاتِهَا عَلَى الْبُلُوغِ حَيْثُ لَمْ تَنْبُتْ عَانَتُهُ وَلَكِنَّهُ نَظَرَ فِيهِ كَمَا تَرَى، فَلَعَلَّ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا أَوْجَهُ
(قَوْلُهُ: وَنُهُودِ الثَّدْيِ) أَيْ ارْتِفَاعِهِ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: نَهَدَ الثَّدْيُ نُهُودًا مِنْ بَابِ قَعَدَ وَمِنْ بَابِ نَفَعَ كَعَبَ وَأَشْرَفَ، وَجَارِيَةٌ نَاهِدٌ وَنَاهِدَةٌ أَيْضًا وَالْجَمْعُ نَوَاهِدُ (قَوْلُهُ: وَانْفِرَاقِ الْأَرْنَبَةِ) أَيْ طَرَفِ الْأَنْفِ
(قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) أَيْ فِي إنْبَاتِ عَانَتِهِمَا عَلَامَةُ وَلَدِ الْكَافِرِ دُونَ الْمُسْلِمِ
(قَوْلُهُ: وَطُولِبَ بِهَا) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ أَوْلَادِ الذِّمِّيِّينَ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالْتِزَامِهِمْ الْجِزْيَةَ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: لَا لِعَدَمِ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ
(قَوْلُهُ: إذَا أَرَادَهُ) أَيْ الْحَلِفَ فَلَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ قُتِلَ لِلْحُكْمِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِنُدُورِهِمَا) أَيْ فَلَمْ يُجْعَلَا مَنَاطًا لِلْحُكْمِ عَلَى الْقَاعِدَةِ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ إنْبَاتَهُمَا لَوْ دَلَّ عَلَى الْبُلُوغِ لَمَا كَشَفُوا إلَخْ)
مُنَاكَحَتِهِمْ عَلَيْنَا.
وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَتَزِيدُ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ (حَيْضًا) لِوَقْتِ إمْكَانِهِ السَّابِقِ بِالْإِجْمَاعِ (وَحَبَلًا) وَعَبَّرَ غَيْرُهُ بِالْوِلَادَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَيْسَ بُلُوغًا، وَإِنَّمَا الْبُلُوغُ بِالْإِنْزَالِ، وَالْوِلَادَةُ الْمَسْبُوقَةُ بِالْحَبَلِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَمِنْ ثَمَّ يُحْكَمُ بِالْبُلُوغِ قَبْلَهَا بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَحْظَةٍ، فَلَوْ أَتَتْ الْمُطَلَّقَةُ بِوَلَدٍ يَلْحَقُ الزَّوْجَ حَكَمْنَا بِالْبُلُوغِ لَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ بِمَا مَرَّ وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إنْ أَمْنَى بِذَكَرِهِ وَحَاضَ مِنْ فَرْجِهِ حُكِمَ بِبُلُوغِهِ، لَا إنْ وُجِدَا أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ لِجَوَازِ أَنْ يَظْهَرَ مِنْ الْآخَرِ مَا يُعَارِضُهُ، كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ: يَنْبَغِي الْحُكْمُ بِبُلُوغِهِ بِأَحَدِهِمَا كَمَا يُحْكَمُ بِالْإِيضَاحِ بِهِ ثُمَّ يُغَيَّرُ إنْ ظَهَرَ خِلَافُهُ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ الْحَقُّ وَسَكَتَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ كَالْحُكْمِ بِالْإِيضَاحِ بِهِ فَفَرَّقَ ابْنُ الرِّفْعَةِ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالْبُلُوغِ بِذَلِكَ وَبَيْنَ الْحُكْمِ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ بِأَنَّ احْتِمَالَ ذُكُورَتِهِ مُسَاوٍ لِاحْتِمَالِ أُنُوثَتِهِ، فَإِذَا ظَهَرَتْ صُورَةُ مَنِيٍّ بِهِ أَوْ حَيْضٍ فِي وَقْتِ إمْكَانِهِ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ الذُّكُورَةُ أَوْ الْأُنُوثَةُ فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا غَايَةَ بَعْدَهُ مُحَقَّقَةٌ تُنْتَظَرُ، وَلَا يُحْكَمُ بِالْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّبَا فَلَا نُبْطِلُهُ عَمَّا يَجُوزُ أَنْ يَظْهَرَ بَعْدَهُ مَا يَقْدَحُ فِي تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ لَنَا غَايَةً تُنْتَظَرُ، وَهِيَ اسْتِكْمَالُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ثُمَّ يُغَيَّرُ فَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: تَغَيُّرُ الْحُكْمِ فِيمَا يُمْكِنُ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي تَبْقَى مَعَهَا الْحَيَاةُ ظَاهِرٌ، لَكِنْ إذَا حَكَمْنَا بِبُلُوغِهِ رَتَّبْنَا عَلَيْهِ أَثَرَهُ مِنْ الْقَتْلِ بِقَوَدٍ وَرِدَّةٍ وَغَيْرِهِمَا مَعَ بَقَاءِ الشَّكِّ فِي الْبُلُوغِ وَفِيهِ بُعْدٌ اهـ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إنْ وَقَعَ ذَلِكَ مَرَّةً لَمْ يُحْكَمْ بِبُلُوغِهِ وَإِنْ تَكَرَّرَ حَكَمْنَا بِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْحَيْضِ عَلَى الْأُنُوثَةِ وَبِالْمَنِيِّ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الذُّكُورَةِ شَرْطُهُ التَّكْرَارُ، وَالْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ اسْتَنَدَا فِي تَصْوِيبِ الْأَخْذِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إلَى الْقِيَاسِ عَلَى الْأَخْذِ بِالذُّكُورَةِ أَوْ الْأُنُوثَةِ فَعُلِمَ أَنَّ صُورَةَ ذَلِكَ فِي التَّكْرَارِ اهـ.
[حاشية الشبراملسي]
بِبُلُوغِهِ بِنَبَاتِ الْعَانَةِ الْمُقْتَضِي لِبُلُوغِهِ وَلَمْ يَأْتِ بِدَافِعٍ (قَوْلُهُ: وَكُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ الْحَبَلُ وَالْوِلَادَةُ (قَوْلُهُ: قَبْلَ الطَّلَاقِ بِمَا مَرَّ) أَيْ بِلَحْظَةٍ، وَإِنْ زَادَتْ الْمُدَّةُ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَسَنَةٍ، وَمَحَلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ اعْتِبَارِ اللَّحْظَةِ قَبْلَ الطَّلَاقِ حَيْثُ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُ بِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِلَّا فَالْمُدَّةُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ مِنْ آخِرِ أَوْقَاتِ إمْكَانِ الِاجْتِمَاعِ (قَوْلُهُ: حُكِمَ بِبُلُوغِهِ) أَيْ أَوْ أَمْنَى بِهِمَا (قَوْلُهُ: بِذَلِكَ) أَيْ بِالْأَحَدِ حَيْثُ لَمْ نَقُلْ بِهِ (قَوْلُهُ: وَبَيْنَ الْحُكْمِ بِالذُّكُورَةِ) أَيْ حَيْثُ قُلْنَا بِهِمَا، وَالْمَعْنَى فَرَّقَ بَيْنَ عَدَمِ الْبُلُوغِ بِالْأَحَدِ وَحُصُولِ الْإِيضَاحِ بِهِ (قَوْلُهُ: وَالْأُنُوثَةِ) أَيْ فَيُحْكَمُ بِذُكُورَتِهِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ آلَةِ الرِّجَالِ وَلَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ، فَإِنَّ سَبَبَ الْحُكْمِ بِذُكُورَتِهِ كَوْنُهُ مَنِيًّا مِنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ وَمَنْ لَازَمَهُ الْبُلُوغُ فَالْحُكْمُ بِإِيضَاحِهِ بِالذُّكُورَةِ بِالْمَنِيِّ الْمَذْكُورِ وَعَدَمِ بُلُوغِهِ لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنًى (قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ لَنَا غَايَةً تُنْتَظَرُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَمْنَى أَوْ حَاضَتْ أَوْ وُجِدَا مِنْ أَحَدِهِمَا وَقُلْنَا بِعَدَمِ الْبُلُوغِ بِذَلِكَ ثُمَّ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمْ يَعْرِضْ مَا يُخَالِفُ مَا ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّا إنَّمَا نَحْكُمُ بِبُلُوغِهِ بَعْدَ بُلُوغِ الْخَمْسَ عَشْرَةَ وَلَا نَقُولُ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ الْحُكْمُ بِبُلُوغِهِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ مَثَلًا، وَعَلَيْهِ فَتَصَرُّفَاتُهُ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ أَوْ الْحَيْضِ وَقَبْلَ بُلُوغِ السِّنِّ الْمَذْكُورِ بَاطِلَةٌ لِلْحُكْمِ بِصِبَاهُ، وَاحْتِمَالُ جَوَازِ عُرُوضِ خِلَافِهِ مُمْكِنٌ وَلَوْ بَعُدَ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: الَّتِي تَبْقَى مَعَهَا الْحَيَاةُ) أَيْ تَمْتَدُّ (قَوْلُهُ: إنْ وَقَعَ ذَلِكَ) أَيْ الْحَيْضُ أَوْ الْمَنِيُّ مِنْ الْخُنْثَى (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ مَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي (قَوْلُهُ: حَسَنٌ) مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى غَرِيبٌ مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ (قَوْلُهُ: فَعُلِمَ)
[حاشية الرشيدي]
هَذَا إنَّمَا يَتَّضِحُ لَوْ كَانَ لِمَنْ كَشَفُوهُ شَعْرُ لِحْيَةٍ أَوْ إبِطٍ.
(قَوْلُهُ: حَكَمْنَا بِالْبُلُوغِ لَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ بِلَحْظَةٍ) أَيْ وَإِنْ زَادَتْ الْمُدَّةُ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ كَالْمُسْتَثْنَى مِمَّا قَبْلَهُ، وَمِنْ ثَمَّ عَبَّرَ الشِّهَابُ حَجّ بَعْدَ قَوْلِهِ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا قَبْلَهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَحْظَةٍ بِقَوْلِهِ مَا لَمْ تَكُنْ مُطْلَقَةً وَتَأْتِي بِوَلَدٍ يَلْحَقُ الْمُطَلِّقَ فَيُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ بِلَحْظَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَحَاضَ مِنْ فَرْجِهِ) أَيْ: أَوْ أَمْنَى مِنْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ كَالْحُكْمِ بِالْإِيضَاحِ) أَيْ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ بِقَوْلِهِ كَمَا يُحْكَمُ بِالِاتِّضَاحِ بِهِ وَكَانَ الْأَوْلَى خِلَافَ هَذَا السِّيَاقِ
فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الْمُتَوَلِّي، وَمَرَّ وُجُوبُ الْغُسْلِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ، فَعَلَيْهِ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْحَيْضِ وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ الذَّكَرِ لَكِنَّ ذَاكَ مَحَلُّهُ مَعَ انْسِدَادِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا
وَيُصَدَّقُ مُدَّعِي الْبُلُوغِ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ الْحَيْضِ بِلَا يَمِينٍ وَلَوْ فِي خُصُومَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَلِأَنَّهُ إنْ صُدِّقَ فَلَا يَحْلِفُ وَإِلَّا فَكَيْفَ يَحْلِفُ مَعَ صِغَرِهِ.
نَعَمْ إنْ كَانَ مِنْ الْغُزَاةِ وَطَلَبَ سَهْمَ الْمُقَاتِلَةِ أَوْ إثْبَاتَ اسْمِهِ فِي الدِّيوَانِ حَلَفَ عِنْدَ التُّهْمَةِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ (وَالرُّشْدُ صَلَاحُ الدِّينِ وَالْمَالِ) جَمِيعًا كَمَا فَسَّرَ بِهِ آيَةَ ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6] ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ، وَهِيَ لِلْعُمُومِ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ الْكَافِرَ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا هُوَ صَلَاحٌ عِنْدَهُمْ فِي الدِّينِ وَالْمَالِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ وَأَقَرَّاهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ صَلَاحَ الدِّينِ بِقَوْلِهِ (فَلَا يَفْعَلُ مُحَرَّمًا يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ) مِنْ كَبِيرَةٍ أَوْ إصْرَارٍ عَنْ صَغِيرَةٍ مَعَ عَدَمِ غَلَبَةِ الطَّاعَاتِ الْمَعَاصِيَ، وَاحْتُرِزَ بِالْمُحَرَّمِ عَمَّا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ لِإِخْلَالِهِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: فَعُلِمَ) أَيْ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: لَكِنْ) اعْتِرَاضٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا مُنَافَاةَ (قَوْلُهُ وَهُوَ مُنْتَفٍ) قَدْ يُمْنَعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِانْسِدَادِهِ عَدَمُ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ لَا انْسِدَادُهُ بِلَحْمَةٍ وَنَحْوِهَا
(قَوْلُهُ: مُدَّعِي الْبُلُوغِ بِالِاحْتِلَامِ) بِخِلَافِ مُدَّعِيهِ بِالسِّنِّ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَكَيْفَ يَحْلِفُ) قَضِيَّةُ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَتْ الدَّعْوَى عَلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ فِي تَصَرُّفٍ صَدَرَ قَبْلَ تَحَقُّقِ الْبُلُوغِ كَأَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ سَنَتَيْنِ مَثَلًا وَكَانَ صَبِيًّا فَادَّعَى هُوَ أَنَّهُ كَانَ بَالِغًا حَلَفَ؛ لِأَنَّ حَلِفَهُ يَنْفِي صِبَاهُ، لَكِنَّهُ إنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَلَا يُقَالُ فِيهِ إنَّ الصَّبِيَّ لَا يَحْلِفُ (قَوْلُهُ: حَلَفَ عِنْدَ التُّهْمَةِ) أَيْ وُجُوبًا (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: قَدْ يُشْكِلُ عَلَى الْعُمُومِ هُنَا أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ كُلِّيَّةٌ بِمَعْنَى أَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، وَلِكُلٍّ مِنْ صَلَاحِ الْمَالِ وَصَلَاحِ الدِّينِ أَفْرَادٌ كَثِيرَةٌ، فَإِنْ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ اقْتَضَى الِاكْتِفَاءَ فِي دَفْعِ الْأَمْوَالِ إلَيْهِمْ بِوُجُودِ أَيِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّلَاحَيْنِ وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِهِمْ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْمَجْمُوعِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فِي الْعَامِّ اقْتَضَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ غَايَةِ كُلٍّ مِنْ الصَّلَاحَيْنِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْأَفْرَادِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. أَقُولُ: وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ التَّعَلُّقُ بِالْمَجْمُوعِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ مَتَى تَحَقَّقَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْمَجْمُوعُ وُجِدَ الرُّشْدُ وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى بُلُوغِ الْغَايَةِ (قَوْلُهُ: مِنْ كَبِيرَةٍ) مُطْلَقًا اهـ حَجّ: أَيْ غَلَبَتْ الطَّاعَاتُ أَوْ لَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُهُ:) أَيْ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الْمُتَوَلِّي) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ فَكُلٌّ مِنْهُمَا ضَعِيفٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: وَمَرَّ وُجُوبُ الْغُسْلِ إلَخْ) حَاصِلُ الْمَقْصُودِ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ عَلَّلُوا الْحُكْمَ بِالْبُلُوغِ بِالْحَيْضِ مِنْ الْفَرْجِ وَالْإِمْنَاءِ مِنْ الذَّكَرِ بِأَنَّهُ إمَّا ذَكَرٌ أَمْنَى أَوْ أُنْثَى حَاضَتْ فَأَبْدَى فِيهِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ سُؤَالًا، حَاصِلُهُ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْغُسْلَ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ، فَحِينَئِذٍ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ الذَّكَرِ وَالْحَيْضِ مِنْ الْفَرْجِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أُنْثَى حَاضَتْ مِنْ فَرْجِهَا وَأَمْنَتْ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مَنِيِّهَا الْمُعْتَادِ: أَيْ فَلَا يَتِمُّ التَّرْدِيدُ فِي تَعْلِيلِهِمْ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ مَحَلَّ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ إذَا انْسَدَّ الْأَصْلِيُّ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا، وَالشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَسْقَطَ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ ثُمَّ ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ فَلَمْ يَظْهَرْ مَعْنَاهُ
. (قَوْلُهُ: مِنْ كَبِيرَةٍ أَوْ إصْرَارٍ عَلَى صَغِيرَةٍ) أَيْ عِنْدَ الْبُلُوغِ بِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ أَنَّهُ لَوْ فَسَقَ: أَيْ بِفِعْلِ الْكَبِيرَةِ أَوْ الْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغِيرَةِ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ الصَّادِقُ ذَلِكَ بِقِلَّةِ الزَّمَنِ بَيْنَ الْبُلُوغِ وَبَيْنَ الْفِسْقِ وَكَثْرَتِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ السَّفَهُ إلَّا فِيمَنْ أَتَى بِالْمُفَسِّقِ مُقَارِنًا لِلْبُلُوغِ، وَحِينَئِذٍ فَالْبُلُوغُ عَلَى السَّفَهِ فِي غَايَةِ النُّدُورِ كَمَا لَا يَخْفَى فَلْيُنْظَرْ هُنَا الِاقْتِضَاءُ
بِالْمُرُوءَةِ كَالْأَكْلِ فِي السُّوقِ فَلَا يَمْنَعُ الرُّشْدَ؛ لِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِالْمُرُوءَةِ لَيْسَ بِحَرَامٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَوْ شَرِبَ النَّبِيذَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ فَفِي التَّحْرِيرِ وَالِاسْتِذْكَارِ إنْ كَانَ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ لَمْ يُؤَثِّرْ، أَوْ تَحْرِيمَهُ فَوَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا التَّأْثِيرُ، وَإِصْلَاحُ الْمَالِ بِقَوْلِهِ (وَلَا يُبَذِّرُ بِأَنْ يُضَيِّعَ الْمَالَ) أَيْ جِنْسَهُ (بِاحْتِمَالِ غَبْنٍ فَاحِشٍ فِي الْمُعَامَلَةِ) وَنَحْوِهَا، وَهُوَ مَا لَا يُحْتَمَلُ غَالِبًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوَكَالَةِ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ كَبَيْعِ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِتِسْعَةٍ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عِنْدَ جَهْلِهِ بِحَالِ الْمُعَامَلَةِ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا وَأَعْطَى أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا كَانَ الزَّائِدُ صَدَقَةً خَفِيَّةً مَحْمُودَةً (أَوْ رَمْيِهِ) أَيْ الْمَالَ وَإِنْ قَلَّ (فِي بَحْرٍ) أَوْ نَارٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (أَوْ إنْفَاقِهِ فِي مُحَرَّمٍ) وَلَوْ صَغِيرَةً لِمَا فِيهِ مِنْ قِلَّةِ الدِّينِ، وَالتَّبْذِيرُ الْجَهْلُ بِمَوَاقِعِ الْحُقُوقِ، وَالسَّرَفُ الْجَهْلُ بِمَقَادِيرِ الْحُقُوقِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي أَدَبِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ يَقْتَضِي تَرَادُفَهُمَا، وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالْإِنْفَاقِ الْإِضَاعَةُ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ فِي الْمُخْرَجِ فِي الطَّاعَةِ إنْفَاقٌ، وَفِي الْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ إضَاعَةٌ وَخُسْرَانٌ وَغُرْمٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ إلْحَاقِ الِاخْتِصَاصِ هُنَا بِالْمَالِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ (وَالْأَصَحُّ أَنَّ صَرْفَهُ) أَيْ الْمَالِ وَإِنْ كَثُرَ (فِي الصَّدَقَةِ وَ) بَاقِي (وُجُوهِ الْخَيْرِ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَهُوَ وَارِدٌ شَائِعٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَالْعِتْقِ (وَالْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِحَالِهِ لَيْسَ بِتَبْذِيرٍ) أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِمَا فِي السَّرَفِ فِي الْخَيْرِ مِنْ غَرَضِ الثَّوَابِ، وَلَا سَرَفَ فِي الْخَيْرِ كَمَا لَا خَيْرَ فِي السَّرَفِ، وَحَقِيقَةُ السَّرَفِ مَا لَا يُكْسِبُ حَمْدًا فِي الْعَاجِلِ وَلَا أَجْرًا فِي الْآجِلِ.
وَقِيلَ يَكُونُ بِذَلِكَ مُبَذِّرًا إنْ بَلَغَ مُفَرِّطًا فِي الْإِنْفَاقِ وَإِنْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْبُلُوغِ مُقْتَصِدًا فَلَا.
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ الْمَالَ يُتَّخَذُ لِيُنْتَفَعَ بِهِ وَيُلْتَذَّ.
وَقِيلَ يَكُونُ تَبْذِيرًا عَادَةً.
وَقَضِيَّةُ مَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ.
نَعَمْ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِالْمُرُوءَةِ لَيْسَ بِحَرَامٍ) وَمِنْ الْإِخْلَالِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى تَرْكِ الرَّوَاتِبِ أَوْ بَعْضِهَا فَتُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ وَلَيْسَتْ مُحَرَّمَةً، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْوَرَقَاتِ الْكَبِيرِ لِلْعَلَّامَةِ سم نَصُّهَا: فَالْوَاجِبُ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، وَالْمُرَادُ بِتَرْكِهِ كَفُّ نَفْسِهِ عَنْهُ، لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ، وَهُوَ فِي النَّهْيِ الْكَفُّ، وَالْمُرَادُ الْعِقَابُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ فَلَا يَرِدُ قِتَالُ أَهْلِ بَلَدٍ اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِ الْأَذَانِ أَوْ الْعِيدِ عَلَى وَجْهٍ مَرْجُوحٍ، وَلَا رَدُّ شَهَادَةِ مَنْ وَاظَبَ عَلَى تَرْكِ رَوَاتِبِ النَّوَافِلِ، عَلَى أَنَّ الْفَزَارِيَّ أَجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمُقَاتَلَةَ لَمْ تَكُنْ عَلَى نَفْسِ التَّرْكِ بَلْ عَلَى لَازِمِهِ، وَهُوَ الْإِخْلَالُ فِي الدِّينِ وَهُوَ حَرَامٌ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَعَلَى الثَّانِي بِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ لَيْسَ عِقَابًا بَلْ هُوَ عَدَمُ أَهْلِيَّةِ مَرْتَبَةٍ شَرْعِيَّةٍ انْتَهَى
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ) أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَحَمِّلًا لِلشَّهَادَةِ (قَوْلُهُ: فَفِي التَّحْرِيرِ) لِلْجُرْجَانِيِّ
(قَوْلُهُ: وَالِاسْتِذْكَارِ) لِلدَّارِمِيِّ
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ) كَالْحَنَفِيِّ
(قَوْلُهُ: أَوْ تَحْرِيمَهُ) كَالشَّافِعِيِّ (قَوْلُهُ: أَيْ جِنْسُهُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَوِّلًا (قَوْلُهُ: كَبَيْعِ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِتِسْعَةٍ) أَيْ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَخَرَجَ الدَّنَانِيرُ فَلَا يُحْتَمَلُ ذَلِكَ فِيهَا
(قَوْلُهُ: وَأَعْطَى) وَلَوْ كَانَ الْمُعْطَى لَهُ غَنِيًّا؛ إذْ لَا تَمْتَنِعُ مُحَابَاتُهُ وَتَجُوزُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ إلَخْ) وَهُوَ ظَاهِرٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّرْفَ فِي الْمَآكِلِ اللَّذِيذَةِ وَنَحْوِهَا لَيْسَ تَبْذِيرًا، وَغَيْرُ ظَاهِرٍ عَلَى أَنَّهُ تَبْذِيرٌ يُحْجَرُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ حَرَامًا
(قَوْلُهُ: فِي الطَّاعَةِ) سَكَتَ عَنْ الْمُبَاحِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالطَّاعَةِ مَا يَشْمَلُهُ
(قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ: أَيْ فَيُلْحَقُ بِالْمَالِ فَيَحْرُمُ إضَاعَةُ مَا يُعَدُّ مُنْتَفَعًا بِهِ مِنْهُ عُرْفًا وَيُحْجَرُ بِسَبَبِهِ (قَوْلُهُ كَالْعِتْقِ) تَصْوِيرٌ لِوُجُوهِ الْخَيْرِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: أَمَّا فِي الْأُولَى) هِيَ الصَّدَقَةُ وَوُجُوهُ الْخَيْرِ
(قَوْلُهُ: مُقْتَصِدًا) أَيْ مُتَوَسِّطًا
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ) هِيَ الْمَطَاعِمُ وَالْمَلَابِسُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَيُلْتَذُّ) أَيْ بِهِ (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ مَا تَقَرَّرَ إلَخْ) وَهَلْ
[حاشية الرشيدي]
مُرَادٌ أَوْ لَا.
(قَوْلُهُ: لَيْسَ بِحَرَامٍ عَلَى الْمَشْهُورِ) وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْحُرْمَةُ مُطْلَقًا.
وَالثَّانِي: إنْ كَانَ قَدْ تَحَمَّلَ شَهَادَةً كَمَا حَكَى ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رَزِينٍ، وَلْيُرَاجَعْ مَا سَيَأْتِي لِلشَّارِحِ فِي الشَّهَادَاتِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ) أَيْ تَبَعًا لِغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ) لَا يُلَاقِي هَذَا تَقْدِيرَهُ لَفْظَ بَاقِي فِي الْمَتْنِ؛ إذْ بِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُجَابُ عَنْ الْمَتْنِ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ الَّذِي قَدَّرَهُ الشَّارِحُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.
(قَوْلُهُ: وَحَقِيقَةُ الصَّرْفِ إلَخْ) هَذَا يُوَافِقُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ مِنْ تَرَادُفِ
إنْ صَرَفَهُ فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاقْتِرَاضِ لَهُ، وَهُوَ لَا يَرْجُو وَفَاءَهُ مِنْ سَبَبٍ ظَاهِرٍ فَحَرَامٌ كَمَا يَأْتِي فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ
(وَيُخْتَبَرُ) مِنْ جِهَةِ الْوَلِيِّ وَلَوْ غَيْرَ أَصْلٍ (رُشْدُ الصَّبِيِّ) فِي الدِّينِ وَالْمَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] أَيْ اخْتَبِرُوهُمْ.
أَمَّا فِي الدِّينِ فَبِمُشَاهَدَةِ حَالِهِ فِي الْعِبَادَاتِ وَتَجَنُّبِ الْمَحْظُورَاتِ وَتَوَقِّي الشُّبُهَاتِ وَمُخَالَطَةِ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَتْ الْأُنْثَى كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَذْكُرُ الْمَرْأَةَ بَعْدُ (وَ) مَا فِي الْمَالِ فَإِنَّهُ (يَخْتَلِفُ بِالْمُرَتَّبِ فَيُخْتَبَرُ وَلَدُ التَّاجِرِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ) أَيْ بِمُقَدَّمَاتِهِمَا فَعَطْفُهُ مَا بَعْدَهُمَا عَلَيْهِمَا مِنْ عَطْفِ الرَّدِيفِ أَوْ الْأَخَصِّ وَذَلِكَ لِمَا يَذْكُرُهُ بَعْدُ مِنْ عَدَمِ صِحَّتِهِمَا مِنْهُ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ (وَالْمُمَاكَسَةِ فِيهِمَا) وَهُوَ طَلَبُ النُّقْصَانِ عَمَّا طَلَبَهُ الْبَائِعُ وَطَلَبُ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا يَبْذُلُهُ الْمُشْتَرِي وَإِذَا اُخْتُبِرَ فِي نَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ كَفَى وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اخْتِبَارِهِ فِي بَاقِيهَا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ، وَوَلَدُ السُّوقَةِ كَوَلَدِ التَّاجِرِ (وَ) يُخْتَبَرُ (وَلَدُ الزُّرَّاعِ) وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ الْمُحَرِّرِ وَالْمُزَارِعِ فَإِنَّهُ الَّذِي يَدْفَعُ أَرْضَهُ لِمَنْ يَزْرَعُهَا وَالزُّرَّاعُ يَتَنَاوَلُهُ كَمَا يَتَنَاوَلُ مَنْ يَزْرَعُ بِنَفْسِهِ (بِالزِّرَاعَةِ وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْقِوَامِ بِهَا) أَيْ إعْطَاؤُهُمْ الْأُجْرَةَ وَهُمْ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الزَّرْعِ مِنْ حَرْثٍ وَحَصْدٍ وَحِفْظٍ (وَ) يُخْتَبَرُ (الْمُحْتَرِفُ) كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِضَبْطِهِ بِالرَّفْعِ لِيُفِيدَ بِهِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالِ الشَّخْصِ بِالِاحْتِرَافِ وَلَوْ مَآلًا لَا بِحِرْفَةِ أَبِيهِ حَيْثُ لَمْ يَرُدَّهَا وَيَصِحُّ جَرُّهُ، وَعَلَيْهِ يَرْجِعُ ضَمِيرُ حِرْفَتِهِ لِلْمُضَافِ إلَيْهِ وَهُوَ سَائِغٌ وَيَكُونُ فَائِدَتَهُ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْكَافِي يُخْتَبَرُ الْوَلَدُ بِحِرْفَةِ أَبِيهِ وَأَقَارِبِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى (بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحِرْفَتِهِ) أَيْ حِرْفَةِ أَبِيهِ إنْ لَمْ يُرَدْ سِوَاهَا فَيُخْتَبَرُ وَلَدُ الْخَيَّاطِ مَثَلًا بِتَقْدِيرِ الْأُجْرَةِ، وَوَلَدُ الْأَمِيرِ وَنَحْوِهِ بِأَنْ يُعْطَى شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِيُنْفِقَهُ فِي مُدَّةِ شَهْرٍ فِي خُبْزٍ وَلَحْمٍ وَمَاءٍ وَنَحْوِهِ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهِ نَفَقَةُ يَوْمٍ فِي مُدَّةِ شَهْرٍ ثُمَّ نَفَقَةُ أُسْبُوعٍ ثُمَّ نَفَقَةُ
[حاشية الشبراملسي]
يُكْرَهُ؟ نَعَمْ قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَهُوَ لَا يَرْجُو وَفَاءَهُ) أَيْ حَالًا، وَالْكَلَامُ مَحَلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ الْمُقْرِضُ بِحَالِهِ اهـ حَجّ
(قَوْلُهُ: وَيُخْتَبَرُ) أَيْ وُجُوبًا (قَوْلُهُ أَيْ اخْتَبِرُوهُمْ) تَفْسِيرُ الِابْتِلَاءِ بِمَا ذُكِرَ قَدْ يُنَافِي مَا مَرَّ لَهُ مِنْ أَنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلَى الْحَجْرِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَمَّا أَمَرَ بِاخْتِبَارِهِمْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ التَّصَرُّفِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ هُوَ الْحَجْرُ (قَوْلُهُ: وَتَوَقِّي الشُّبُهَاتِ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ ارْتَكَبَ الشُّبُهَاتِ لَا يَكُونُ رَشِيدًا وَلَيْسَ مُرَادًا لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ ضَابِطَ صَلَاحِ الدِّينِ أَنْ لَا يَفْعَلَ مُحَرَّمًا يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةُ فِي اسْتِكْشَافِ حَالِ الصَّبِيِّ (قَوْلُهُ: فَيُخْتَبَرُ وَلَدُ التَّاجِرِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّاجِرُ عُرْفًا كَالْبَزَّازِ لَا مَنْ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي وَوَلَدُ السُّوقَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ مِنْ عَطْفِ الرَّدِيفِ) أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُمَاكَسَةِ جَمِيعُ مُقَدِّمَاتِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَقَوْلُهُ أَوْ الْأَخَصُّ: يَعْنِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُقَدِّمَاتِ أَعَمُّ وَأَنَّ الْمُمَاكَسَةَ طَلَبُ الشِّرَاءِ بِدُونِ مَا يَذْكُرُهُ الْبَائِعُ وَالْبَيْعُ بِأَكْثَرَ مِمَّا يَذْكُرُهُ الْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ: كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ) أَيْ ثُمَّ إنْ ظَهَرَ خِلَافُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ النَّوْعِ تَبَيَّنَ عَدَمُ رُشْدِهِ (قَوْلُهُ: أَيْ إعْطَاؤُهُمْ) أَيْ الَّتِي عَيَّنَهَا وَلِيُّهُ لِلدَّفْعِ لِلْعَمَلِ، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِتَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا وَحَيْثُ احْتَاجَ إلَى شِرَاءِ مَا يُنْفِقُهُ عَلَيْهِمْ أَوْ اسْتِئْجَارِ بَعْضِهِمْ عَلَى عَمَلٍ يَعْمَلُهُ اُشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ مِنْ وَلِيِّهِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ بِالْمَعْنَى.
وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُفَرَّعًا عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: لِلْمُضَافِ إلَيْهِ) هُوَ قَوْلُهُ: الزُّرَّاعِ (قَوْلُهُ نَفَقَةَ يَوْمٍ)
[حاشية الرشيدي]
التَّبْذِيرِ وَالسَّرَفِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ
. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَتْ الْأُنْثَى كَذَلِكَ) هَذَا لَا يُوَافِقُ مَا قَدَّمَهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَحَجْرُ الصَّبِيِّ يَرْتَفِعُ بِبُلُوغِهِ رَشِيدًا مِنْ شُمُولِ الصَّبِيِّ لِلْأُنْثَى.
(قَوْلُهُ: أَيْ حِرْفَةَ أَبِيهِ) أَيْ: بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فِيمَا قَدَّمَهُ، لَكِنَّ هَذَا لَا يُنَاسِبُ مَا حَلَّ بِهِ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ الْمُحْتَرِفِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ:
شَهْرٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُفَرَّعًا عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ الْعَقْدَ عَقَدَ الْوَلِيُّ كَمَا سَيَأْتِي وَالْحِرْفَةُ الصَّنْعَةُ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ.
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَنْحَرِفُ إلَيْهَا وَيُخْتَبَرُ مَنْ لَا حِرْفَةَ لِأَبِيهِ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ؛ إذْ لَا يَخْلُو مَنْ لَهُ وَلَدٌ عَنْ ذَلِكَ غَالِبًا
(وَ) تُخْتَبَرُ (الْمَرْأَةُ) (بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَزْلِ وَالْقُطْنِ) مِنْ حِفْظٍ وَغَيْرِهِ، وَالْغَزْلُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَصْدَرِ وَعَلَى الْمَغْزُولِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْمَصْدَرَ: يَعْنِي أَنَّهَا هَلْ تَجْتَهِدُ فِيهِ أَوْ لَا؟ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لِلْمَرْأَةِ الْبَرْزَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ أَوْجَهُ مِنْ قَصْرِ الْأَذْرَعِيِّ لَهُ عَلَى الْمُخَدَّرَةِ.
أَمَّا الْبَرْزَةُ فَفِي بَيْعِ الْغَزْلِ وَشِرَاءِ الْقُطْنِ، وَمَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ كَمَا أَفَادَهُ السُّبْكِيُّ فِيمَنْ يَلِيقُ بِهَا الْغَزْلُ وَالْقُطْنُ.
أَمَّا بَنَاتُ الْمُلُوكِ وَنَحْوِهِمْ فَلَا يُخْتَبَرُونَ بِذَلِكَ بَلْ بِمَا يَعْمَلُهُ أَمْثَالُهُنَّ، وَالْمُخْتَبِرُ الْوَلِيُّ أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى وَلَا يُنَافِيهِ النَّصُّ، عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ وَالْمَحَارِمَ يَخْتَبِرُونَهَا؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ يُتَّهَمُ فِي ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ فَالْأَوْجَهُ الِاكْتِفَاءُ بِأَحَدِهِمَا.
وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا.
وَقَضِيَّةُ هَذَا النَّصِّ عَدَمُ قَبُولِ شَهَادَةِ الْأَجَانِبِ لَهَا بِالرُّشْدِ، وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ خَلِّكَانَ وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ كَمَا قَالَهُ التَّاجُ الْفَزَارِيّ.
قَالَ: وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ الشَّافِعِيُّ لِلطَّرِيقِ الْغَالِبِ فِي الِاخْتِبَارِ دُونَ الزِّيَادَةِ، وَيُؤَيَّدُ ذَلِكَ بِمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّ الشَّاهِدَ عَلَيْهَا لَا يُكَلَّفُ السُّؤَالَ عَنْ كَيْفِيَّةِ تَحَمُّلِهِ عَلَيْهَا مَا لَمْ يَكُنْ عَامِّيًّا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُظَنُّ صِحَّةُ تَحَمُّلِهِ عَلَيْهَا اعْتِمَادًا عَلَى صَوْتِهَا (وَصَوْنُ الْأَطْعِمَةِ عَنْ الْهِرَّةِ) أَيْ الْأُنْثَى، وَالذَّكَرُ مِثْلُهَا فِي ذَلِكَ، وَيُقَالُ لَهُ: هِرٌّ (وَنَحْوُهَا) كَفَأْرَةٍ وَدَجَاجَةٍ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ الضَّبْطُ وَحِفْظُ الْمَالِ وَعَدَمُ الِانْخِدَاعِ وَذَلِكَ قِوَامُ الرُّشْدِ
وَالْخُنْثَى تُخْتَبَرُ بِمَا يُخْتَبَرُ بِهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى لِيَحْصُلَ الْعِلْمُ بِالرُّشْدِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُسْلِمِ (وَيُشْتَرَطُ تَكَرُّرُ الِاخْتِبَارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ) بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ رُشْدُهُ فَلَا يَكْفِي مَرَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ فِيهَا اتِّفَاقًا
(وَوَقْتُهُ) أَيْ الِاخْتِبَارِ (قَبْلَ الْبُلُوغِ) الْآيَةَ ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] وَالْيُتْمُ يَكُونُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَبْلِيَّةِ: الزَّمَنُ الْمُقَارِبُ لِلْبُلُوغِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ رُشْدُهُ لِيُسَلَّمَ إلَيْهِ الْمَالُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ عَنْ الْأَصْحَابِ (وَقِيلَ بَعْدَهُ) لِيَصِحَّ تَصَرُّفُهُ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْحَجْرِ عَلَى الْبَالِغِ الرَّشِيدِ إلَى اخْتِبَارِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَالْمُخَاطَبُ بِالِاخْتِبَارِ عَلَى الْأَوَّلِ كُلُّ وَلِيٍّ، وَعَلَى الثَّانِي وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ.
وَالثَّانِي الْحَاكِمُ فَقَطْ، وَنَسَبَ الْجُورِيُّ الْأَوَّلَ إلَى عَامَّةِ الْأَصْحَابِ وَالثَّانِي إلَى ابْنِ سُرَيْجٍ (فَعَلَى الْأَوَّلِ الْأَصَحُّ) بِالرَّفْعِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ (أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ) لِمَا مَرَّ مِنْ بُطْلَانِ تَصَرُّفِهِ (بَلْ) يُسَلَّمُ إلَيْهِ الْمَالُ، وَ (يُمْتَحَنُ فِي الْمُمَاكَسَةِ، فَإِذَا أَرَادَ الْعَقْدَ عَقَدَ الْوَلِيُّ) وَالثَّانِي يَصِحُّ عَقْدُهُ لِلْحَاجَةِ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَوْ تَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِ الْمُمْتَحِنِ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلِيُّهُ؛ إذْ هُوَ مَأْمُورٌ بِدَفْعِ ذَلِكَ لَهُ
وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يُخْتَبَرُ السَّفِيهُ أَيْضًا، فَإِذَا
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ كُلَّ يَوْمٍ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ) أَيْ دَفْعُ النَّفَقَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ يَنْحَرِفُ) أَيْ يُمَالُ إلَيْهَا (قَوْلُهُ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ الْعِيَالِ
(قَوْلُهُ: الْبَرْزَةِ) أَيْ الْكَثِيرَةِ الْخُرُوجِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ يُتَّهَمُ فِي ذَلِكَ) أَيْ الْإِرَادَةُ دَوَامُ حَجْرِهِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ) أَيْ وَهُوَ قَبُولُ شَهَادَةِ الْأَجَانِبِ (قَوْلُهُ: وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ) أَيْ لِاكْتِفَاءِ بِشَهَادَةِ الْأَجَانِبِ
(قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُسَلِّمِ) وَاسْمُهُ عَلِيٌّ
(قَوْلُهُ: الزَّمَنُ الْمُقَارِبُ لِلْبُلُوغِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْبُلُوغِ هُنَا الْبُلُوغُ بِالسِّنِّ كَكَوْنِ سِنِّهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ مَا يَقْرَبُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ لَنَا بِخِلَافِ الِاحْتِلَامِ
(قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ) أَيْ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ أَنَّ الْمُخْتَبَرَ لَهُ وَلِيُّهُ أَوْ النِّسَاءُ وَالْمَحَارِمُ (قَوْلُهُ وَالثَّانِي) أَيْ وَهُوَ أَنَّ الْمُخْتَبَرَ لَهُ عَلَى الثَّانِي الْحَاكِمُ (قَوْلُهُ: بِدَفْعِ ذَلِكَ لَهُ) كَذَا أَطْلَقُوهُ، وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مُرَاقَبَتُهُ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ إغْفَالُهُ حَامِلًا عَلَى تَضْيِيعِهِ وَإِلَّا ضَمِنَهُ لَمْ يَبْعُدْ اهـ حَجّ.
وَقَدْ تُفْهَمُ الْمُرَاقَبَةُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْقِدَ إلَخْ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْوَلِيَّ يَكُونُ عِنْدَ وَقْتِ الْمُمَاكَسَةِ وَبِهِ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ بِحِرْفَةِ نَفْسِهِ، أَوْ بِحِرْفَةِ أَبِيهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
(قَوْلُهُ: مَنْ لَا حِرْفَةَ لِأَبِيهِ) أَيْ: وَلَا لَهُ
(قَوْلُهُ: أَمَّا الْبَرْزَةُ إلَخْ) هُوَ مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ
ظَهَرَ رُشْدُهُ عَقَدَ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ (فَلَوْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ) لِاخْتِلَالِ صَلَاحِ دِينِهِ وَمَالِهِ (دَامَ الْحَجْرُ) أَيْ جِنْسُهُ وَإِلَّا فَقَدْ انْقَطَعَ حَجْرُ الصَّبِيِّ بِبُلُوغِهِ وَخَلَفَهُ حَجْرُ السَّفَهِ كَمَا مَرَّ فَيَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ مَنْ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ (وَإِنْ بَلَغَ رَشِيدًا انْفَكَّ) الْحَجْرُ عَنْهُ (بِنَفْسِ الْبُلُوغِ) أَوْ غَيْرَ رَشِيدٍ ثُمَّ رَشَدَ فَبِنَفْسِ الرُّشْدِ (وَأُعْطِيَ مَالُهُ) وَلَوْ امْرَأَةً فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهَا حِينَئِذٍ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى إذْنِ الزَّوْجِ (وَقِيلَ يُشْتَرَطُ فَكُّ الْقَاضِي) ؛ لِأَنَّ الرُّشْدَ يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ حَجْرٌ ثَبَتَ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ زَوَالُهُ عَلَى إزَالَةِ الْحَاكِمِ كَحَجْرِ الْجُنُونِ، وَجَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ الِانْفِكَاكِ وَإِعْطَاءِ الْمَالِ إشَارَةً لِرَدِّ مَذْهَبِ مَالِكٍ حَيْثُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ لَهَا إلَّا إنْ تَزَوَّجَتْ وَبَعْدَهُ بِإِذْنِ زَوْجِهَا وَلَا يَنْفُذُ تَبَرُّعُهَا بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مَا لَمْ تَصِرْ عَجُوزًا.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «لَا تَتَصَرَّفُ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا» أَشَارَ الشَّافِعِيُّ لِضَعْفِهِ وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يُحْمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ (فَلَوْ) (بَذَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًا (حُجِرَ) أَيْ حَجَرَ الْحَاكِمُ (عَلَيْهِ) دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَبٍ أَوْ جَدٍّ لِوُقُوعِهِ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا حَجَرَ عَلَيْهِ لِآيَةِ ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5] أَيْ أَمْوَالَهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: 5] وَخَبَرِ «خُذُوا عَلَى أَيْدِي سُفَهَائِكُمْ» نَعَمْ نَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ اسْتِحْبَابَ رَدِّ الْحَاكِمِ أَمْرَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ إلَى أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِعَصَبَاتِهِ لِشَفَقَتِهِمْ، وَيُسْتَحَبُّ الْإِشْهَادُ عَلَى حَجْرِ السَّفِيهِ وَلَوْ رَأَى النِّدَاءَ عَلَيْهِ لِيَجْتَنِبَ فِي الْمُعَامَلَةِ فَعَلَ، وَعَلَى هَذَا لَوْ عَادَ رَشِيدًا لَمْ يَنْفَكَّ إلَّا بِرَفْعِ الْحَاكِمِ كَمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِهِ (وَقِيلَ يَعُودُ الْحَجْرُ بِلَا إعَادَةٍ) كَالْجُنُونِ وَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ صَحِيحٌ، وَهَذَا هُوَ السَّفِيهُ الْمُهْمَلُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَنْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ أَيْضًا، وَهَذَا تَصَرُّفٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَوْ غُبِنَ فِي تَصَرُّفٍ دُونَ آخَرَ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ لِتَعَذُّرِ اجْتِمَاعِ الْحَجْرِ وَعَدَمِهِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ وَلَا حَجْرَ بِشِحَّتِهِ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ الْيَسَارِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَائِلُ بِالْحَجْرِ بِهِ لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَتَهُ بِدَلِيلِ تَعْبِيرِهِ بِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَلَكِنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ مَالِهِ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ إخْفَاءَ مَالِهِ لِشِدَّةِ شُحِّهِ فَيُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَشَدُّ مِنْ التَّبْذِيرِ (وَلَوْ) (فَسَقَ) مَعَ صَلَاحِ تَصَرُّفِهِ فِي مَالِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًا (لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ لَمْ يَحْجُرُوا عَلَى الْفَسَقَةِ، وَالثَّانِي يُحْجَرُ عَلَيْهِ كَالِاسْتِدَامَةِ وَكَمَا لَوْ بَذَّرَ، وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بَيْنَ اسْتِدَامَتِهِ بِالْفِسْقِ الْمُقْتَرِنِ بِالْبُلُوغِ وَبَيْنَ مَا هُنَا بِأَنَّ الْأَصْلَ ثَمَّ بَقَاؤُهُ وَهُنَا ثَبَتَ الْإِطْلَاقُ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجْرِ يَعُودُ التَّبْذِيرُ أَنَّ الْفِسْقَ لَا يَتَحَقَّقُ بِهِ إتْلَافُ الْمَالِ وَلَا عَدَمُهُ بِخِلَافِ التَّبْذِيرِ (وَ) عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَجْرِ الْحَاكِمِ فِي عَوْدِ التَّبْذِيرِ (مَنْ) (حُجِرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ) أَيْ سُوءِ تَصَرُّفٍ (طَرَأَ) (فَوَلِيُّهُ الْقَاضِي) ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُعِيدُ الْحَجْرَ؛ إذْ وِلَايَةُ الْأَبِ وَنَحْوِهِ زَالَتْ فَصَارَ النَّظَرُ لِمَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ الْعَامَّةُ (وَقِيلَ وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ) كَمَا لَوْ بَلَغَ سَفِيهًا، وَإِذَا قُلْنَا بِعَوْدِ الْحَجْرِ بِنَفْسِ السَّفَهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ الْقَاضِي أَيْضًا.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ طَرِيقَيْنِ أَصَحُّهُمَا الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لِلْقَاضِي.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَلَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِسَفَهِ رَجُلٍ: أَيْ أَوْ امْرَأَةٍ وَفَسَّرَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا حِسْبَةً (وَلَوْ طَرَأَ
[حاشية الشبراملسي]
يُعْلَمُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُرَاقِبْهُ ضَمِنَ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ بَلَغَ رَشِيدًا) وَالْمُرَادُ بِبُلُوغِهِ رَشِيدًا أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالرُّشْدِ بِاعْتِبَارِ مَا يَرَى مِنْ أَحْوَالِهِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَظْهَرُ فِيهَا ذَلِكَ عُرْفًا فَلَا يَتَقَيَّدُ بِخُصُوصِ الْوَقْتِ الَّذِي بَلَغَ فِيهِ كَوَقْتِ الزَّوَالِ مَثَلًا (قَوْلُهُ: أَيْ أَمْوَالَهُمْ) هَذَا بَيَانٌ لِحَقِيقَةِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْ اللَّفْظِ، وَإِلَّا فَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْأَوْلِيَاءِ وَأَنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِ إلَيْهِمْ لِتَصَرُّفِهِمْ فِيهِ (قَوْلُهُ: فَعَلَ) أَيْ نَدْبًا (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ السَّفِيهُ الَّذِي بَذَّرَ وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يُنْفَقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ وَلَكِنْ أَرَادَ هَذَا الْقَائِلُ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُنْفَقُ عَلَيْهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَخَافَ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَلَا حَجْرَ بِشِحَّتِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَيُمْنَعُ) أَيْ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، لَكِنْ جَعَلَهُ ع تَفْرِيعًا عَلَى مُقَابِلِ الْأَصَحِّ الْقَائِلِ بِالْحَجْرِ وَمَا قَالَهُ ع ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: ثَبَتَ الْإِطْلَاقُ) أَيْ إطْلَاقُ التَّصَرُّفِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَجْرٍ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَإِذَا قُلْنَا بِعَوْدِ الْحَجْرِ إلَخْ) مَرْجُوحٌ (قَوْلُهُ: وَفَسَّرَا) أَيْ مَا يَحْصُلُ بِهِ السَّفَهُ،
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ إخْفَاءَ مَالِهِ) مِنْ تَتِمَّةِ الضَّعِيفِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَجْرِ الْحَاكِمِ فِي عَوْدِ التَّبْذِيرِ)
جُنُونٌ فَوَلِيُّهُ وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ) وَهُوَ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ (وَقِيلَ) وَلِيُّهُ (الْقَاضِي) وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّصْحِيحَيْنِ أَنَّ السَّفَهَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَاحْتَاجَ إلَى نَظَرِ الْحَاكِمِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ
(وَلَا يَصِحُّ مِنْ) (الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ) حِسًّا أَوْ شَرْعًا (بَيْعٌ) وَلَوْ بِغِبْطَةٍ أَوْ فِي الذِّمَّةِ (وَلَا شِرَاءٌ) وَإِنْ أَذِنَ الْوَلِيُّ وَقَدَّرَ الْعِوَضَ؛ لِأَنَّ تَصْحِيحَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ مَعْنَى الْحَجْرِ، وَلِأَنَّهُمَا إتْلَافٌ أَوْ مَظِنَّةُ الْإِتْلَافِ.
نَعَمْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَهُ إيجَارُ نَفْسِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ لِاسْتِغْنَائِهِ بِمَالِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ التَّطَوُّعَ بِمَنْفَعَتِهِ حِينَئِذٍ فَالْإِجَارَةُ أَوْلَى، بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ عَمَلَهُ؛ إذْ لِوَلِيِّهِ إجْبَارُهُ عَلَى الْكَسْبِ حِينَئِذٍ لِيَرْتَفِقَ بِهِ فِي النَّفَقَةِ فَلَا يَتَعَاطَى إيجَارَ غَيْرِهِ (وَلَا إعْتَاقٌ) حَالَ حَيَاتِهِ وَلَوْ بِعِوَضٍ كَالْكِتَابَةِ لِمَا مَرَّ، فَلَوْ كَانَ بَعْدَ الْمَوْتِ كَتَدْبِيرٍ وَوَصِيَّةٍ صَحَّ، وَيُكَفِّرُ فِي غَيْرِ الْقَتْلِ كَالْيَمِينِ بِالصَّوْمِ كَالْمُعْسِرِ لِئَلَّا يَضِيعَ مَالُهُ، بِخِلَافِ الْقَتْلِ فَإِنَّ الْوَلِيَّ يُعْتِقُ عَنْهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ حَصَلَ بِهِ قَتْلُ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، بِدَلِيلِ مَا حَكَاهُ فِي الْمَطْلَبِ عَنْ الْجُورِيُّ
[حاشية الشبراملسي]
وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُمَا لَوْ لَمْ يُفَسِّرَا لَمْ يُقْبَلْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ
(وَقَوْلُهُ حِسًّا) بِأَنْ بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ بَذَّرَ وَقَوْلُهُ أَوْ شَرْعًا: أَيْ بِأَنْ بَلَغَ سَفِيهًا وَحُجِرَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَذِنَ الْوَلِيُّ) سَيَأْتِي حُكْمُ ذَلِكَ مَعَ الْإِذْنِ فِي الْمَتْنِ فَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَ مَا هُنَا إلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَكَرَهُ هُنَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ إطْلَاقَ الْمَتْنِ شَامِلٌ لَهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ تَصْحِيحَ ذَلِكَ) فِي هَذَا التَّعْلِيلِ وَمَا بَعْدَهُ نَظَرٌ بِالنِّسْبَةِ لِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ لَا يَأْذَنُ لَهُ إلَّا إذَا قَضَتْ الْمَصْلَحَةُ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِعْلُهُ إتْلَافًا وَلَا فِي مَعْنَاهُ، وَيَكْفِي فِي فَائِدَةِ الْحَجْرِ تَوَقُّفُ الصِّحَّةِ إذْنَ الْوَلِيِّ لَوْ قِيلَ بِالصِّحَّةِ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُمَا) أَيْ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ (قَوْلُهُ: نَعَمْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إلَخْ) لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ الْإِجَارَةِ فِي كَلَامِهِ حَتَّى يَسْتَثْنِيَ مِنْهَا مَا ذُكِرَ، وَكَأَنَّ وَجْهَ الِاسْتِثْنَاءِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مِثَالٌ وَأَنَّ الْمَقْصُودَ بُطْلَانُ جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ (قَوْلُهُ لِاسْتِغْنَائِهِ بِمَالِهِ) يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَقْصُودِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلنَّفَقَةِ بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، وَبِغَيْرِ الْمَقْصُودِ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ غَنِيًّا: لَكِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ الْمَقْصُودِ أَنَّهُ مَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ لَهَا وَقَعَ عَادَةً وَبِغَيْرِ التَّافِهِ (قَوْلُهُ: حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ قَصَدَ عَمَلَهُ بِأَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إجْبَارُهُ عَلَى الْكَسْبِ إذَا كَانَ غَنِيًّا بِمَالِهِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ رَاحَةَ الْبَدَنِ قَدْ تَكُونُ مَقْصُودَةً وَالْكَسْبُ غَيْرُ لَازِمٍ، لَكِنْ فِي ع مَا نَصُّهُ: وَلِلْوَلِيِّ إجْبَارُ الصَّبِيِّ وَالسَّفِيهِ عَلَى الْكَسْبِ اهـ. وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَغَيْرِهِ وَبِهِ صَرَّحَ حَجّ فِي الْفَصْلِ الْآتِي (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ تَصْحِيحَ إلَخْ وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ أَوْ مَظِنَّةُ الْإِتْلَافِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَوَصِيَّةٍ) فِي خُرُوجِهَا بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ حَالَ حَيَاتِهِ إلَخْ نُظِرَ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي الْإِعْتَاقِ دُونَ غَيْرِهِ وَالْوَصِيَّةُ بِمَالٍ لِزَيْدٍ لَيْسَتْ إعْتَاقًا، وَقَدْ يُقَالُ هِيَ تُخَرَّجُ بِالْقَيْدِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمُقَيَّدِ أَوْ يُجْعَلُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فَلَوْ كَانَ رَاجِعًا لِلتَّصَرُّفِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ إعْتَاقًا (قَوْلُهُ: كَالْيَمِينِ) أَيْ وَالظِّهَارِ وَالْوِقَاعِ، وَفِي حَجّ مَا يَقْتَضِي خِلَافَهُ، وَأَطَالَ فِي بَيَانِهِ فَرَاجِعْهُ، وَفِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ وَيُكَفِّرُ فِي مُخَيَّرَةٍ بِالصَّوْمِ فَقَطْ اهـ. وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ فِي الْمَرْتَبَةِ لِقَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ بِالْإِعْتَاقِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْقَتْلِ) عَمْدًا أَوْ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ لِحَقِّ اللَّهِ) صِلَةُ يُعْتِقُ (قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ مَا حَكَاهُ) تَوْجِيهٌ لِلتَّعْلِيلِ تَخْصِيصُ الْإِعْتَاقِ بِالْقَتْلِ بِأَنَّ سَبَبَهُ قَتْلُ آدَمِيٍّ إلَخْ
[حاشية الرشيدي]
كَأَنَّهُ إنَّمَا صَرَّحَ بِهَذَا جَرْيًا عَلَى ظَاهِرِ تَعْبِيرِ الْمَتْنِ بِقَوْلِهِ وَمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ إذْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ حُجِرَ عَلَيْهِ بِحَجْرٍ، وَإِلَّا فَمَوْضِعُ الْوَجْهَيْنِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ إذَا قُلْنَا يَعُودُ الْحَجْرُ بِنَفْسِهِ.
قَالَ: أَمَّا إذَا قُلْنَا الْقَاضِي هُوَ الَّذِي يُعِيدُهُ فَهُوَ الَّذِي يَلِي أَمْرَهُ بِلَا خِلَافٍ اهـ. فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ طَرِيقَيْنِ إلَخْ) يُتَأَمَّلُ وَيُرَاجَعُ كَلَامُ غَيْرِهِ
[مَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ]
. (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُمَا إتْلَافٌ) فِيهِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ، وَهُوَ تَابِعٌ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ لِشَرْحِ الرَّوْضِ، لَكِنَّ ذَاكَ إنَّمَا عَلَّلَ بِهِ لِقَوْلِ الرَّوْضِ وَلَا يَصِحُّ مِنْ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ عَقْدٌ مَالِيٌّ فَهُوَ لَيْسَ تَعْلِيلًا لِخُصُوصِ عَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بَلْ لِعُمُومِ الْعَقْدِ الْمَالِيِّ الشَّامِلِ لِجَمِيعِ مَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ إلَخْ) وَجْهُ الِاسْتِدْرَاكِ أَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعٌ لِلْمَنَافِعِ وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ.
(قَوْلُهُ: وَوَصِيَّةٍ) أَيْ: بِالْعِتْقِ كَمَا هُوَ حَقُّ الْمَفْهُومِ؛ إذْ الْكَلَامُ فِي خُصُوصِ الْإِعْتَاقِ فَانْدَفَعَ مَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مِمَّا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مُطْلَقُ الْوَصِيَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَافَ فِي قَوْلِهِ كَتَدْبِيرٍ وَوَصِيَّةٍ اسْتِقْصَائِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ: حَصَلَ بِهِ قَتْلُ آدَمِيٍّ) الْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ حَصَلَ بِهِ (قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ مَا حَكَاهُ فِي الْمَطْلَبِ إلَخْ) اُنْظُرْ مَا وَجْهُ الدَّلَالَةِ
عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا قَرَّرْنَاهُ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ، وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إلَى تَكْفِيرِهِ بِالْمَالِ فِيهَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ فِيمَا ذُكِرَ زَجْرًا لَهُ عَنْ الْقَتْلِ لِتَضَرُّرِهِ بِإِخْرَاجِ مَالِهِ فِي كَفَّارَتِهِ مَعَ عِظَمِ الْقَتْلِ وَتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِحِفْظِ النُّفُوسِ (وَ) لَا (هِبَةَ) مِنْهُ لِمَا مَرَّ بِخِلَافِ الْهِبَةِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَفْوِيتٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْصِيلٌ، وَيَصِحُّ قَبُولُهُ الْهِبَةَ دُونَ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَالِيٌّ، كَذَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي وَهُوَ الْمُعْتَمَد، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ غَيْرُ أَهْلٍ لِتَمَلُّكٍ بِعَقْدٍ وَقَبُولُهُ الْوَصِيَّةَ تَمَلُّكٌ وَلَيْسَ فَوْرِيًّا فَأُنِيطَ بِالْوَلِيِّ وَصَحَّ قَبُولُهُ الْهِبَةَ مُرَاعَاةً لِمَصْلَحَتِهِ لِاشْتِرَاطِ اتِّصَالِ قَبُولِهَا بِإِيجَابِهَا مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ بِمُمَلَّكٍ، وَقَدْ يُوجَدُ إيجَابُهَا مَعَ غَيْبَةِ وَلِيِّهِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِذَا صَحَّحْنَا قَبُولَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُ الْمَوْهُوبِ وَالْمُوصَى بِهِ إلَيْهِ، فَإِنْ سَلَّمَهُمَا إلَيْهِ ضَمِنَ الْمُوصَى بِهِ دُونَ الْمَوْهُوبِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمُوصَى بِهِ بِقَبُولِهِ بِخِلَافِ الْمَوْهُوبِ (وَ) لَا (نِكَاحَ) يَقْبَلُهُ لِنَفْسِهِ (بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِلْمَالِ أَوْ مَظِنَّةُ إتْلَافِهِ، وَقَوْلُهُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ قَالَ الشَّارِحُ: قَيْدٌ فِي الْجَمِيعِ لِرِعَايَةِ الْخِلَافِ الْآتِي لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ فَصَحَّ الْمَفْهُومُ، وَذَهَبَ غَيْرُهُ إلَى عَوْدِهِ لِلنِّكَاحِ خَاصَّةً إذْ هُوَ الَّذِي يَصِحُّ بِالْإِذْنِ دُونَ مَا قَبْلَهُ كَمَا سَيَأْتِي وَهُوَ أَوْضَحُ.
أَمَّا قَبُولُهُ النِّكَاحَ لِغَيْرِهِ بِالْوَكَالَةِ فَصَحِيحٌ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْوَكَالَةِ.
وَأَمَّا الْإِيجَابُ فَلَا مُطْلَقًا لَا أَصَالَةً وَلَا وَكَالَةً وَلَوْ
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إلَخْ) مِنْهُمْ حَجّ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ لِعِصْيَانِهِ بِهِ فَاسْتُحِقَّ التَّغْلِيظُ عَلَيْهِ بِوُجُوبِ الْإِعْتَاقِ (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ تَصْحِيحَ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْهِبَةِ لَهُ) أَيْ فَإِنَّ صِيغَتَهَا مِنْ الْوَاهِبِ الرَّشِيدِ صَحِيحَةٌ مَعَ كَوْنِ الْمُخَاطَبِ بِهَا سَفِيهًا، وَقَوْلُهُ: وَيَصِحُّ إلَخْ بَيَانٌ لِصِحَّةِ قَبُولِهِ وَأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ الْوَلِيِّ (قَوْلُهُ: مَعَ كَوْنِهِ) أَيْ الْقَبُولِ (قَوْلُهُ: لَيْسَ بِمُمَلَّكٍ) أَيْ وَإِنَّمَا يَمْلِكُ فِيهِمَا بِالْقَبْضِ وَهُوَ مِنْ الْوَلِيِّ (قَوْلُهُ: وَإِذَا صَحَّحْنَا قَبُولَ ذَلِكَ) وَهُوَ الرَّاجِحُ مِنْ الْهِبَةِ دُونَ الْوَصِيَّةِ (قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُ الْمَوْهُوبِ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَبُحِثَ فِي الْمَطْلَبِ جَوَازُ تَسْلِيمِ الْمَوْهُوبِ إلَيْهِ إذَا كَانَ ثَمَّ مَنْ يَنْزِعُهُ مِنْهُ عَقِبَ تَسَلُّمِهِ مِنْ وَلِيٍّ أَوْ حَاكِمٍ (قَوْلُهُ: ضَمِنَ الْمُوصِي) أَيْ الدَّافِعُ مِنْ وَارِثِ الْمُوصِي (قَوْلُهُ: بِقَبُولِهِ) أَيْ عَلَى الْمَرْجُوحِ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ إلَّا بِقَبُولِ وَلِيِّهِ، وَيَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْمُوصَى بِهِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْقَبُولَ مِنْ وَلِيِّهِ لَا مِنْهُ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِلْمَالِ) أَيْ بِالْفِعْلِ حَيْثُ يُزَوَّجُ بِلَا مَصْلَحَةٍ (قَوْلُهُ: أَوْ مَظِنَّةُ إتْلَافِهِ) أَيْ إنْ فُرِضَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِانْتِفَاءِ الْمَصْلَحَةِ (قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ) أَيْ الْإِذْنِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَوْضَحُ) بَلْ الْأَوْلَى بِفَرْضِ الْمُصَنِّفِ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ مَعْنًى، وَلَأَدَّى إلَى التَّنَاقُضِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ حَيْثُ اقْتَضَى مَا هُنَا عَدَمَ صِحَّتِهَا قَطْعًا وَمَا يَأْتِي جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِيهَا (قَوْلُهُ: أَمَّا قَبُولُهُ النِّكَاحَ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ لِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: فَصَحِيحٌ) أَيْ إذَا كَانَ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ إذْنِ الْوَلِيِّ وَعَدَمِهِ، وَيُوَافِقُهُ مَا يَأْتِي فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ فِي الْوَكَالَةِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَشُرِطَ فِي الْوَكِيلِ صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ التَّصَرُّفَ غَالِبًا مِنْ قَوْلِهِ وَخَرَجَ بِقَوْلِي غَالِبًا مَا اُسْتُثْنِيَ كَالْمَرْأَةِ فَتَتَوَكَّلُ فِي طَلَاقِ غَيْرِهَا وَالسَّفِيهِ وَالْعَبْدِ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ فَيَتَوَكَّلُ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ وَالسَّيِّدِ اهـ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْإِيجَابُ)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَظَهَرَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ إلَخْ) لَمْ يُمَهِّدْ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ هَذَا فَانْظُرْ مَا وَجْهُ هَذَا التَّعْبِيرِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَالِيٌّ إلَخْ) حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ وَإِنْ كَانَ فِي عِبَارَتِهِ حَزَازَةٌ أَنَّهُ إنَّمَا صَحَّ قَبُولُهُ الْهِبَةَ دُونَ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْوَصِيَّةِ تَصَرُّفٌ مَالِيٌّ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا تُمْلَكُ بِالْقَبُولِ؛ وَلِأَنَّ قَبُولَهَا غَيْرُ فَوْرِيٍّ فَيَتَدَارَكُهُ الْوَلِيُّ بِخِلَافِ الْهِبَةِ فِيهِمَا.
(قَوْلُهُ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِذَا صَحَّحْنَا قَبُولَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبُولَ الْوَصِيَّةِ وَالْمَاوَرْدِيُّ مِنْ الذَّاهِبِينَ إلَى صِحَّتِهَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ مَظِنَّةُ إتْلَافِهِ) لَا وَجْهَ لِهَذَا الْعَطْفِ
بِإِذْنِ الْوَلِيِّ (فَلَوْ) (اشْتَرَى أَوْ اقْتَرَضَ) مِنْ غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ (وَقَبَضَ) بِإِذْنِهِ أَوْ إقْبَاضِهِ (وَتَلِفَ الْمَأْخُوذُ فِي يَدِهِ) قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ لَهُ بِرَدِّهِ (أَوْ أَتْلَفَهُ فَلَا ضَمَانَ فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ) لَكِنَّهُ يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَالرَّوْضَةِ عَدَمُ الضَّمَانِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْإِفْصَاحِ وَحَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَا نُقِلَ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ ضَمَانِهِ بَعْدَ انْفِكَاكِ الْحَجْرِ حَكَاهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَجْهًا وَضَعَّفَاهُ بِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بَاطِنًا لَمْ تَمْتَنِعْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ ظَاهِرًا، وَقَدْ مَرَّ مَا فِي نَظِيرِهِ فِي الصَّبِيِّ فِي بَابِ الْبَيْعِ و.
أَمَّا لَوْ بَقِيَ بَعْدَ رُشْدِهِ ثُمَّ أَتْلَفَهُ ضَمِنَهُ، وَكَذَا لَوْ تَلِفَ وَقَدْ أَمْكَنَهُ رَدُّهُ بَعْدَ رُشْدِهِ، فَلَوْ قَالَ مَالِكُهُ إنَّمَا أَتْلَفَهُ بَعْدَ رُشْدِهِ وَقَالَ: آخِذُهُ بَلْ قَبْلَهُ فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِرُشْدِهِ حَالَ إتْلَافِهِ غَرِمَهُ وَإِلَّا فَالْمُتَبَادَرُ تَصْدِيقُ آخِذِهِ بِيَمِينِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ.
قَالَ: وَكُلُّ ذَلِكَ تَفَقُّهٌ فَتَأَمَّلْهُ اهـ.
وَكُلُّهُ صَحِيحٌ جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ.
أَمَّا قَبْضُهُ ذَلِكَ مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ تَلِفَ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ كَمَا نَقَلَ الْقَطْعَ بِهِ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي الثَّالِثَةِ وِفَاقًا لِتَصْرِيحِ الصَّيْدَلَانِيِّ، وَاقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ عَلَى الشِّرَاءِ وَالْقَرْضِ مِثَالٌ فَلَوْ نَكَحَ وَوَطِئَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هُوَ فِي بَابِ النِّكَاحِ (سَوَاءٌ عُلِمَ حَالُهُ مِنْ عَامِلِهِ أَوْ جُهِلَ) ؛ لِأَنَّ مَنْ عَامَلَهُ سَلَّطَهُ عَلَى إتْلَافِهِ بِإِقْبَاضِهِ وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْهُ قَبْلَ مُعَامَلَتِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ إتْيَانِهِ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ سَوَاءٍ وَبِأَوْ بَدَلَ أَمْ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الرِّدَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَيَصِحُّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ نِكَاحُهُ) عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ أَعَادَهَا ثَمَّ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا مَبْسُوطًا (لَا) (التَّصَرُّفُ الْمَالِيُّ) (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ عِبَارَتَهُ مَسْلُوبَةٌ كَمَا لَوْ أَذِنَ لِصَبِيٍّ.
وَالثَّانِي يَصِحُّ كَالنِّكَاحِ، وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ حِفْظُ الْمَالِ دُونَ النِّكَاحِ.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا عَيَّنَ لَهُ وَلِيُّهُ وَقَدَّرَ لَهُ الثَّمَنَ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ جَزْمًا وَفِيمَا إذَا كَانَ بِعِوَضٍ كَالْبَيْعِ فَلَوْ خَلَا عَنْهُ كَعِتْقٍ وَهِبَةٍ لَمْ يَصِحَّ جَزْمًا أَيْضًا.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ مَا لَوْ انْتَهَى إلَى الضَّرُورَةِ فِي الْمَطَاعِمِ فَيَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا كَمَا بَحَثَهُ الْإِمَامُ، وَمَا لَوْ صَالَحَ عَنْ قِصَاصٍ وَلَوْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ الْعَفْوَ مَجَّانًا فَبَدَلٌ أَوْلَى أَوْ عَلَيْهِ وَلَوْ عَلَى
[حاشية الشبراملسي]
مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ يَقْبَلُهُ فَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ وَهُوَ عِنْدَهُمْ أَوْلَى لِقِلَّةِ الْفَصْلِ
(قَوْلُهُ: أَوْ أَتْلَفَهُ) أَيْ قَبْلَ رُشْدِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ أَمَّا لَوْ بَقِيَ بَعْدَ رُشْدِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَأْثَمُ
(قَوْلُهُ: مِنْ ضَمَانِهِ) أَيْ ضَمَانِهِ بَعْدَ الْحَجْرِ بَدَلَ مَا أَتْلَفَهُ قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَقَامَ) أَيْ الْمَالِكُ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالْمُتَبَادَرُ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْحَادِثَ يُقَدَّرُ بِأَقْرَبِ زَمَانٍ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الضَّمَانِ
(قَوْلُهُ: أَمَّا قَبْضُهُ ذَلِكَ إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: أَوْ تَلِفَ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ) أَيْ أَوْ بِدُونِهَا وَأَمْكَنَهُ الرَّدُّ بَعْدَ رُشْدِهِ كَمَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ: وَكَذَا لَوْ تَلِفَ وَقَدْ أَمْكَنَهُ إلَخْ، وَعِبَارَةُ حَجّ: أَوْ طَالَبَهُ بِهَا الْمَالِكُ فَامْتَنَعَ ثُمَّ تَلِفَتْ كَمَا نَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَاسْتَظْهَرَهُ اهـ.
وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا لَوْ طَالَبَهُ قَبْلَ الرُّشْدِ وَامْتَنَعَ مِنْ الْأَدَاءِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ بِامْتِنَاعِهِ صَارَتْ يَدُهُ عَلَى الْعَيْنِ بِلَا إذْنٍ مِنْ مَالِكِهَا فَتُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْمَغْصُوبَةِ، ثُمَّ رَأَيْته كَذَلِكَ فِي مَتْنِ الرَّوْضِ
(قَوْلُهُ: فَلَوْ نَكَحَ) أَيْ رَشِيدَةً كَمَا يَأْتِي مُخْتَارَةً بِخِلَافِ السَّفِيهَةِ وَالْمُكْرَهَةِ وَنَحْوِهِمَا فَيَجِبُ لَهُنَّ مَهْرُ الْمِثْلِ (قَوْلُهُ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ) أَيْ الْمُصَنِّفِ
(قَوْلُهُ: مَا لَوْ انْتَهَى) أَيْ السَّفِيهُ وَاقْتِصَارُهُ عَلَيْهِ قَدْ يُخْرِجُ الصَّبِيَّ، وَعِبَارَةُ حَجّ: وَبَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ مِثْلَهُ فِي الشِّرَاءِ لِلِاضْطِرَارِ الصَّبِيُّ، وَقَدْ يُقَالُ: الِاضْطِرَارُ مُجَوِّزٌ لِلْأَخْذِ وَلَوْ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَلَا ضَرُورَةَ لِلصِّحَّةِ فِيهِمَا
(قَوْلُهُ: فِي الْمَطَاعِمِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِالطَّعَامِ غَيْرُهُ مِنْ كُلِّ مَا رُغِبَ إلَيْهِ ضَرُورَةً مِنْ نَحْوِ مَلْبُوسٍ وَمَرْكُوبٍ بِحَيْثُ لَوْ تَرَكَهُ لَهَلَكَ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ
[حاشية الرشيدي]
هُنَا وَكَانَ اللَّائِقُ بِالشَّارِحِ أَنْ يُوَزِّعَ التَّعْلِيلَ الَّذِي تَبِعَ فِيهِ شَرْحَ الرَّوْضِ كَمَا مَرَّ فِي كُلِّ مَحَلٍّ بِمَا يُنَاسِبُهُ (قَوْلُهُ: وَكُلُّهُ صَحِيحٌ) اُنْظُرْ هَلْ هُوَ رَاجِعٌ فِي الْأَخِيرَةِ لِلنَّظَرِ أَوْ لِلْمُنْظَرِ فِيهِ .
أَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ صِيَانَةً لِلرُّوحِ وَعَقْدُهُ الْجِزْيَةَ بِدِينَارٍ وَقَبْضُهُ دَيْنَهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ كَمَا رَجَّحَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ، وَمَا لَوْ سَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ: مَنْ رَدَّ عَلَيَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا فَرَدَّهُ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجَعَالَةِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ يَسْتَحِقُّهُ فَالْبَالِغُ أَوْلَى، وَمَا لَوْ وَقَعَ فِي الْأَسْرِ فَفَدَى نَفْسَهُ بِمَالٍ صَحَّ وَمَا لَوْ فَتَحْنَا بَلَدًا لِلسُّفَهَاءِ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لَنَا وَيُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ
(وَلَا يَصِحُّ) (إقْرَارُهُ) بِنِكَاحٍ كَمَا لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ وَلَا (بِدَيْنٍ) فِي مُعَامَلَةٍ أَسْنَدَ وُجُوبَهُ إلَى مَا (قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ) إلَى مَا (بَعْدَهُ) كَالصَّبِيِّ وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ فِي حَالِ الْحَجْرِ (وَكَذَا بِإِتْلَافِ الْمَالِ) أَوْ جِنَايَةٍ تُوجِبُ الْمَالَ (فِي الْأَظْهَرِ) كَدَيْنِ الْمُعَامَلَةِ.
وَالثَّانِي يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَاشَرَ الْإِتْلَافَ يَضْمَنُ، فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ قُبِلَ.
وَرُدَّ بِأَنَّ الصَّبِيَّ يَضْمَنُ بِإِتْلَافِهِ، وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِهِ جَزْمًا، وَأَفْهَمَ تَعْبِيرُهُ بِنَفْيِ الصِّحَّةِ عَدَمَ الْمُطَالَبَةِ بِهِ حَالَ الْحَجْرِ وَبَعْدَ فَكِّهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ، وَيُحْمَلُ الْقَوْلُ بِلُزُومِ ذَلِكَ بَاطِنًا إذَا كَانَ صَادِقًا عَلَى مَا إذَا كَانَ سَبَبُهُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْحَجْرِ أَوْ مُضَمَّنًا لَهُ فِيهِ.
نَعَمْ لَوْ أَقَرَّ بَعْدَ رُشْدِهِ بِأَنَّهُ
[حاشية الشبراملسي]
الْحَاجَةَ إلَى الطَّعَامِ أَكْثَرُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا يُصَرِّحُ بِمَا قَالَهُ شَيْخُنَا حَيْثُ قَالَ فِي الْمَطَاعِمِ وَنَحْوِهَا.
قَالَ حَجّ: وَقَدْ يُقَالُ الِاضْطِرَارُ مُجَوِّزٌ لِلْأَخْذِ وَلَوْ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَلَا ضَرُورَةَ لِلصِّحَّةِ هُنَا فِيهِمَا: أَيْ الصَّبِيِّ وَالسَّفِيهِ وَإِنْ قَطَعَ بِهَا الْإِمَامُ فِي السَّفِيهِ اهـ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّا لَوْ لَمْ نَقُلْ بِالصِّحَّةِ لَامْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ تَسْلِيمِهِ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إلَى الْهَلَاكِ فَقُلْنَا بِالصِّحَّةِ حِفْظًا لِلنُّفُوسِ عَنْ الْهَلَاكِ (قَوْلُهُ: وَعَقْدُهُ الْجِزْيَةَ بِدِينَارٍ) بِأَنْ كَانَ حَرْبِيًّا وَقَبِلَ عَقْدَ الْجِزْيَةِ مِنْ الْإِمَامِ بِدِينَارٍ (قَوْلُهُ: بِإِذْنِ وَلِيِّهِ) شَمِلَ مَا لَوْ قَبَضَهُ فِي غَيْبَةِ وَلِيِّهِ بِإِذْنٍ مِنْهُ فَتُبْرَأُ بِهِ ذِمَّةُ الْمَدِينِ، ثُمَّ إذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ هَلْ يَضْمَنُهُ الْوَلِيُّ لِتَقْصِيرِهِ بِإِذْنِهِ لَهُ فِي الْقَبْضِ وَعَدَمِ مُرَاقَبَتِهِ لَهُ بَعْدَ الْقَبْضِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الْأَوَّلُ لِمَا تَقَدَّمَ اهـ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي سم يَنْبَغِي أَنَّ الْحَاصِلَ إنْ قَبَضَ دُيُونَهُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَلَا يَبْرَأُ الدَّافِعُ وَلَا يَضْمَنُ الْوَلِيُّ مُطْلَقًا.
أَمَّا بِإِذْنِهِ فَيُعْتَدُّ بِهِ وَيَضْمَنُ الْوَلِيُّ إنْ قَصَّرَ بِأَنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ بَعْدَ تَمَكُّنِ الْوَلِيِّ مِنْ نَزْعِهَا وَأَنَّ قَبْضَ أَعْيَانِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ مُعْتَدٌّ بِهِ فَيَبْرَأُ الدَّافِعُ مُطْلَقًا ثُمَّ إنْ قَصَّرَ الْوَلِيُّ ضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ قَبَضَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنْ قَصَّرَ الْوَلِيُّ فِي نَزْعِهَا ضَمِنَ وَإِلَّا ضَمِنَ الدَّافِعُ، وَسَيَأْتِي لِلشَّارِحِ كَلَامٌ يُوَافِقُ ذَلِكَ وَبَيَّنَّا حَاصِلَهُ ثَمَّ فَرَاجِعْهُ اهـ.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ أَنَّ قَبْضَ دُيُونِهِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ أَخْذُهُ مِنْهُ وَرَدُّهُ لِلْمَدْيُونِ ثُمَّ يَسْتَعِيدُهُ مِنْهُ، أَوْ يَأْذَنُ لَهُ فِي دَفْعِهِ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ ثَانِيًا لِيُعْتَدَّ بِقَبْضِهِ، فَلَوْ أَرَادَ التَّصَرُّفَ فِيهِ قَبْلَ رَدِّهِ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَمْ يَصِحَّ، وَكَإِذْنِهِ فِي رَدِّهِ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ إذْنُهُ فِي قَبْضِهِ عَنْ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَيَمْضِي زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْقَبْضُ (قَوْلُهُ: وَمَا لَوْ سَمِعَ قَائِلًا) عِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ فِي الْخَادِمِ: تَصِحُّ الْجَعَالَةُ مَعَهُ وَيَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ التَّعْجِيزِ فِي الصَّبِيِّ اهـ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَقَيَّدُ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ حَتَّى لَوْ قَالَ لَهُ الْمَالِكُ جَاعَلْتُكَ عَلَى رَدِّ عَبْدِي بِكَذَا صَحَّ وَلَزِمَهُ الْمُسَمَّى وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا اكْتَفَى بِالسَّمَاعِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ فَلُزُومُهُ مَعَ السَّمَاعِ مِنْهُ أَوْلَى
(قَوْلُهُ: صَحَّ) مُشْعِرٌ بِأَنَّ هَذَا يَكُونُ بِعَقْدٍ حَتَّى يُوصَفَ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ؛ إذْ غَيْرُ الْعُقُودِ وَالْعِبَادَاتِ لَا تُوصَفُ بِهَا، وَعَلَيْهِ فَمِنْ أَيْ أَنْوَاعِ الْعُقُودِ هَذَا فَتَأَمَّلْ ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ يَمْلِكُ مَا قَبَضَهُ مِنْهُ لَكِنْ سَيَأْتِي فِي السِّيَرِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ (قَوْلُهُ: وَمَا لَوْ فَتَحْنَا بَلَدًا) أَيْ مِنْ بِلَادِ الْكُفَّارِ وَكَانُوا فِي الْوَاقِعِ سُفَهَاءَ
(قَوْلُهُ: أَوْ جِنَايَةٍ) أَيْ سَوَاءٌ أَسْنَدَهُمَا لِمَا قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ لِمَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ مُضَمِّنًا) أَيْ كَإِتْلَافِهِ (قَوْلُهُ: فِيهِ) أَيْ الْحَجْرِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ أَقَرَّ بَعْدَ رُشْدِهِ) وَلَوْ سُئِلَ بَعْدَ رُشْدِهِ هَلْ أَتْلَفَ أَوْ لَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَيَلْزَمُهُ، أَوْ قَبْلَ رُشْدِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ لَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ.
وَالْحَاصِلُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ أَقَرَّ بَعْدَ رُشْدِهِ بِأَنَّهُ كَانَ أَتْلَفَ إلَخْ) أَيْ: وَكَانَ الْمُتْلِفُ غَيْرَ مَأْخُوذٍ بِعَقْدٍ لِيُوَافِقَ مَا مَرَّ فِيمَا لَوْ أَتْلَفَ
كَأَنْ أَتْلَفَ مَالًا لَزِمَهُ الْآنَ قَطْعًا كَمَا نَقَلَهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ عَنْ ابْنِ كَجٍّ (وَيَصِحُّ) إقْرَارُهُ (بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ) لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِمَا بِالْمَالِ وَلِبُعْدِ التُّهْمَةِ، وَسَائِرُ الْعُقُوبَاتِ مِثْلُهُمَا فِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْحَدُّ سَرِقَةً قُطِعَ وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ وَلَوْ عَفَا مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ بَعْدَ إقْرَارِهِ عَلَى مَالٍ ثَبَتَ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِاخْتِيَارِ غَيْرِهِ لَا بِإِقْرَارِهِ
(وَ) يَصِحُّ (طَلَاقُهُ) وَرَجْعَتُهُ (وَخُلْعُهُ) زَوْجَتَهُ وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا (وَ) يَصِحُّ (ظِهَارُهُ) وَإِيلَاؤُهُ (وَنَفْيُهُ النَّسَبَ) لِمَا وَلَدَتْهُ زَوْجَتُهُ (بِلِعَانٍ) أَوْ غَيْرِهِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهَا مَا عَدَا الْخُلْعَ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْمَالِ الَّذِي حُجِرَ لِأَجْلِهِ، وَأَمَّا الْخُلْعُ فَكَالطَّلَاقِ بَلْ أَوْلَى وَهُوَ خَاصٌّ بِالرَّجُلِ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ لَكِنْ يُسَلَّمُ الْمَالُ إلَى وَلِيِّهِ، فَإِنْ كَانَ مِطْلَاقًا سَرَّى جَارِيَةً إنْ احْتَاجَ إلَى الْوَطْءِ، فَإِنْ كَرِهَهَا أُبْدِلَتْ كَمَا سَيَأْتِي مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ قَوْلَهُ بِلِعَانٍ مِثَالٌ وَيَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ النَّسَبَ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِاسْتِيلَادِ
[حاشية الشبراملسي]
أَنَّ مَا بَاشَرَ إتْلَافَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ وَلَمْ يَكُنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَأَنَّ مَا أَقَرَّ بِلُزُومِهِ لَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ يَضْمَنُهُ بَاطِنًا بِخِلَافِ مَا بَاشَرَ إتْلَافَهُ مُسْتَنِدَ الْعَقْدِ لَا يَضْمَنُهُ.
وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا لَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ بِهِ بَيِّنَةٌ ضَمِنَهُ إنْ كَانَ صَادِقًا فِيهِ لَزِمَهُ بَاطِنًا.
وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْهُ بِتَقْدِيرِ إقَامَتِهِ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُ ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا (قَوْلُهُ: كَأَنْ أَتْلَفَ) أَيْ قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ
(قَوْلُهُ: بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ) أَيْ بِمُوجِبِهِمَا (قَوْلُهُ قُطِعَ) فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يُقْطَعُ مَعَ أَنَّ الْقَطْعَ يَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِ الْمَالِكِ الْمَالَ، وَهُنَا لَا طَلَبَ وَأَيْضًا إقْرَارُهُ بِالْمَالِ مَلْغِيٌّ؟ قُلْت: هُنَا طَلَبٌ صُورِيٌّ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ يَطْلُبُ مِنْ الْمُقِرِّ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ: أَيْ الَّذِي قَطَعَ بِسَبَبِهِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَفَا مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ) لَا يُقَالُ: هَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ: وَمَا لَوْ صَالَحَ عَنْ قِصَاصٍ إلَخْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: ذَاكَ مَفْرُوضٌ فِيمَا لَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ وَمَا هُنَا فِي قِصَاصٍ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ، وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ: ثَبَتَ الْمَالُ عَلَى الصَّحِيحِ اهـ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ ع: اُنْظُرْ مَا يُقَابِلُهُ هَلْ هُوَ عَدَمُ ثُبُوتِ الْمَالِ بِالْكُلِّيَّةِ أَمْ لُزُومُ الذِّمَّةِ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي اهـ.
وَصَرِيحُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ الْمُقَابِلَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي كَلَامِهِمْ، وَلَعَلَّ هَذَا حِكْمَةُ عَدَمِ ذِكْرِ الشَّارِحِ لِهَذَا الْخِلَافِ
(قَوْلُهُ: بَعْدَ إقْرَارِهِ) أَيْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: عَلَى مَالٍ) مُتَعَلِّقٌ بِعَفَا
(قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ طَلَاقُهُ) أَيْ مَجَّانًا (قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرُهُ) أَيْ وَهُوَ الْيَمِينُ فِي وَلَدِ الْأَمَةِ وَعَلَيْهِ فَفِي كَلَامِهِ حَذْفٌ وَالْأَصْلُ لِمَا وَلَدَتْهُ زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ (قَوْلُهُ: وَنَحْوِهَا) كَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يُسَلِّمُ الْمَالَ) أَيْ فِي الْخُلْعِ (قَوْلُهُ: إلَى وَلِيِّهِ) أَوْ إلَيْهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ لِمَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ قَبْضِ دَيْنِهِ بِالْإِذْنِ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يُعَلَّقْ بِإِعْطَائِهَا لَهُ كَمَا فِي حَجّ، وَعِبَارَتُهُ: وَمَا عُلِّقَ بِإِعْطَائِهِ كَإِنْ أَعْطَيْتنِي كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا بُدَّ فِي الْوُقُوعِ مِنْ أَخْذِهِ لَهُ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ، وَلَا تَضْمَنُ الزَّوْجَةُ بِتَسْلِيمِهِ لَهُ لِاضْطِرَارِهَا إلَيْهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالْقَبْضِ اهـ (قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ) أَيْ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: أَبْدَلَتْ) أَيْ مَا لَمْ تَصِرْ مُسْتَوْلَدَةً فَإِنْ صَارَتْ كَذَلِكَ وَتَبَرَّمَ بِهَا أُخِذَ لَهُ أُخْرَى وَهَكَذَا (قَوْلُهُ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ) أَيْ وَهُوَ قَوْلُهُ أَوْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) اُنْظُرْ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مَجَّانًا أَوْ قَرْضًا كَمَا فِي اللَّقِيطِ؟ الْأَقْرَبُ الثَّانِي إنْ تَبَيَّنَ لِلْمَجْهُولِ الْمُسْتَلْحِقِ مَالٌ قَبْلَ الِاسْتِلْحَاقِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُنْفِقَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ مَالٍ لَهُ، أَمَّا لَوْ طَرَأَ لَهُ مَالٌ بَعْدُ أَوْ صَارَ الْمُسْتَلْحِقُ لَهُ رَشِيدًا فَلَا يَرْجِعُ عَلَى مَالِهِ بِمَا أُنْفِقَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ ثَمَّ نَفَقَتُهُ مُتَعَلِّقَةً بِمَالِهِ الْحَاصِلِ، وَهَذَا كَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْفَقِيرِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا طَرَأَ لَهُ مَالٌ بَعْدُ وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ: أَيْ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ الْمُؤَدِّيَ إلَى تَفْوِيتِ الْمَالِ عَلَيْهِ لَغْوٌ فَقَبِلَ لِثُبُوتِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ ثُبُوتِ النَّسَبِ لَا يَفُوتُ عَلَيْهِ مَالٌ وَأُلْغِيَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّفَقَةِ حَذَرًا مِنْ التَّفْوِيتِ لِلْمَالِ، وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا رَشَدَ يُطَالِبُ بِالنَّفَقَةِ
[حاشية الرشيدي]
الْمَبِيعَ أَوْ الْمُقْرَضَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ فِيمَا مَرَّ سَلَّطَهُ الْمَالِكُ عَلَى الْإِتْلَافِ
[مَا يَصِحُّ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ]
(قَوْلُهُ: لِمَا وَلَدَتْهُ زَوْجَتُهُ) لَعَلَّهُ سَقَطَ بَعْدَهُ قَوْلُهُ:
أَمَتِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ نَعَمْ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ الْمَوْطُوءَةِ فِرَاشًا لَهُ وَوَلَدَتْ لِمُدَّةِ الْإِمْكَانِ ثَبَتَ الِاسْتِيلَادُ، قَالَهُ السُّبْكِيُّ، لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَثْبُتْ بِإِقْرَارِهِ
(وَحُكْمُهُ فِي الْعِبَادَةِ) الْبَدَنِيَّةِ وَاجِبَةً أَوْ مَنْدُوبَةً (كَالرَّشِيدِ) لِاجْتِمَاعِ الشَّرَائِطِ فِيهِ، أَمَّا مَنْذُورَةُ الْمَالِ كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَلَيْسَ كَالرَّشِيدِ فِيهِ، وَمِثْلُهُ مَا فِيهِ وِلَايَةٌ وَتَصَرُّفٌ مَالِيٌّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (لَكِنْ لَا يُفَرِّقُ الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ) لِمَا تَقَرَّرَ.
نَعَمْ إنْ أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ وَعَيَّنَ لَهُ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ صَحَّ صَرْفُهُ كَنَظِيرِهِ فِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَكَمَا يَجُوزُ لِلْأَجْنَبِيِّ تَوْكِيلُهُ فِيهِ.
نَعَمْ يَنْبَغِي كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْوَلِيِّ أَوْ نَائِبِهِ لِاحْتِمَالِ تَلَفِ الْمَالِ لَوْ خَلَا بِهِ أَوْ دَعْوَاهُ صَرْفَهُ كَاذِبًا، وَالْكَفَّارَةُ وَنَحْوُهَا كَالزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ وَنَذْرُهُ فِي الذِّمَّةِ بِالْمَالِ صَحِيحٌ دُونَ عَيْنِ مَالِهِ وَالْمُرَادُ بِصِحَّةِ نَذْرِهِ فِيمَا ذُكِرَ ثُبُوتُهُ فِي ذِمَّتِهِ إلَى زَوَالِ حَجْرِهِ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ (وَإِذَا) (أَحْرَمَ) حَالَ الْحَجْرِ (بِحَجِّ فَرْضٍ) أَصْلِيٍّ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ مَنْذُورٍ قَبْلَ الْحَجْرِ وَبَعْدَهُ إذَا سَلَكْنَا بِهِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ وَهُوَ الْأَصَحُّ (أَعْطَى الْوَلِيُّ كِفَايَتَهُ لِثِقَةٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي طَرِيقِهِ) وَلَوْ بِأُجْرَةٍ أَوْ يَخْرُجُ الْوَلِيُّ مَعَهُ خَوْفًا مِنْ تَفْرِيطِهِ فِيهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ إذَا أَرَادَ السَّفَرَ لِلْإِحْرَامِ، وَأَنَّ الْعُمْرَةَ كَالْحَجِّ فِيمَا ذُكِرَ.
نَعَمْ إنْ قَصُرَ السَّفَرُ وَرَأَى الْوَلِيُّ دَفْعَهَا لَهُ جَازَ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ بَحْثًا، وَلَوْ فَسَدَ حَجُّهُ الْمَفْرُوضُ بِالْجِمَاعِ فِي حَالِ سَفَهِهِ لَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِيهِ وَالْقَضَاءُ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَيْهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إقْرَارٍ جَدِيدٍ لِثُبُوتِ النَّسَبِ بِإِقْرَارِهِ الثَّابِتِ (قَوْلُهُ: لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) أَيْ لِتَفْوِيتِهِ الْمَالَ عَلَى نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ ثَبَتَ) أَيْ بِبَيِّنَةٍ بِأَنْ شُوهِدَ وَهُوَ يَطَأُ
(قَوْلُهُ: أَمَّا مَنْذُورَةُ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ الْبَدَنِيَّةِ (قَوْلُهُ: كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ) أَيْ وَلَوْ مِنْ مُؤْنَتِهِ
(قَوْلُهُ: لِمَا تَقَرَّرَ) أَيْ مِنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْحَجْرِ عَلَيْهِ حِفْظُ مَالِهِ
(قَوْلُهُ: تَوْكِيلُهُ) أَيْ مَعَ الْمُرَاقَبَةِ الْمَذْكُورَةِ
(قَوْلُهُ: نَعَمْ يَنْبَغِي) أَيْ يَجِبُ
(قَوْلُهُ: أَوْ نَائِبِهِ) فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْوَلِيُّ وَلَا نَائِبُهُ فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ صَرَفَهُ اُعْتُدَّ بِهِ وَإِنْ أَثِمَ بِعَدَمِ الْحُضُورِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ لِلْمَصْلَحَةِ وَإِلَّا ضَمِنَ وَلَا بُدَّ مِنْ الصَّرْفِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَنَحْوُهَا) كَدِمَاءِ الْحَجِّ وَالْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَةِ قَبْلَ الْحَجْرِ
(قَوْلُهُ: فِيمَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ فِي الذِّمَّةِ (قَوْلُهُ إلَى زَوَالِ حَجْرِهِ) فَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ صَرْفُهُ مِنْ مَالِهِ قَبْلَ فَكِّ الْحَجْرِ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ الْوَفَاءُ مِنْ تَرِكَتِهِ إذَا مَاتَ قَبْلَ فَكِّ الْحَجْرِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِثُبُوتِهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَكَتَبَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ إلَى زَوَالِ حَجْرِهِ عَلَيْهِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَذْرِ الْحَجِّ بَعْدَ الْحَجْرِ حَيْثُ يَصِحُّ مِنْهُ وَيَخْرُجُ مَعَهُ مَنْ يُرَاقِبُهُ وَيَصْرِفُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ إلَى رُجُوعِهِ وَلَا يُؤَخَّرُ إلَى فِكَاكِ الْحَجْرِ عَنْهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْحَجُّ الْمُغَلَّبُ فِيهِ الْأَعْمَالُ الْبَدَنِيَّةُ فَلِمَ يُنْظَرُ إلَى الِاحْتِيَاجِ إلَى مَا يَصْرِفُهُ مِنْ الْمَالِ، بِخِلَافِ النَّذْرِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ هُوَ الْمَالُ لَا غَيْرُ
(قَوْلُهُ: أَوْ قَضَاءٍ) أَيْ لِمَا أَفْسَدَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ مُطْلَقًا أَوْ بَعْدَهُ وَكَانَ فَرْضًا عَلَى مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَلَوْ فَسَدَ حَجُّهُ الْمَفْرُوضُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ) أَيْ بِالنَّظَرِ لِأَكْثَرِ مَسَائِلِهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُمْ سَلَكُوا بِهِ مَسْلَكَ جَائِزِ الشَّرْعِ فِي بَعْضِهَا
(قَوْلُهُ: خَوْفًا مِنْ تَفْرِيطِهِ فِيهِ) أَيْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِقَّ أُجْرَةً مِثْلِ خُرُوجِهِ مَعَهُ وَصَرْفِهِ عَلَيْهِ إنْ فَوَّتَ خُرُوجَهُ بِسَبَبِهِ وَكَانَ فَقِيرًا، أَوْ احْتَاجَ بِسَبَبِ الْخُرُوجِ إلَى زِيَادَةٍ يَصْرِفُهَا عَلَى مُؤْنَتِهِ حَضَرًا كَأُجْرَةِ الْمَرْكَبِ وَنَحْوِهَا (قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ قَصُرَ السَّفَرُ) أَيْ بِأَنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ
(قَوْلُهُ: جَازَ) أَيْ فَإِنْ أَتْلَفَهُ أَبْدَلَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَلِيِّ لِجَوَازِ الدَّفْعِ لَهُ، وَمِثْلُهُ بِالْأَوْلَى مَا لَوْ سَرَقَ أَوْ تَلِفَ بِلَا تَقْصِيرٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ فَسَدَ حَجُّهُ الْمَفْرُوضُ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ التَّطَوُّعِ إذَا فَسَدَ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ فَلْيُرَاجَعْ.
وَعِبَارَةُ حَجّ: بِحَجِّ فَرْضٍ، وَلَوْ نَذْرًا بَعْدَ الْحَجْرِ وَقَضَاءٍ وَلَوْ لِمَا أَفْسَدَهُ حَالَ سَفَهِهِ اهـ.
[حاشية الرشيدي]
أَوْ أَمَتُهُ مِنْ الْكَتَبَةِ لِيَتَأَتَّى قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرُهُ
(قَوْلُهُ: الْبَدَنِيَّةِ) هَذَا التَّقْيِيدُ لَا يُنَاسِبُ الِاسْتِدْرَاكَ الْآتِيَ فِي الْمَتْنِ، وَمِنْ ثَمَّ أَبْقَى الشِّهَابُ حَجّ الْمَتْنَ عَلَى إطْلَاقِهِ لَكِنْ قَيَّدَهُ بِالْوَاجِبَةِ وَمُرَادُهُ الْوَاجِبَةُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ بِدَلِيلِ اسْتِدْرَاكِهِ الْمَنْذُورَةَ بَعْدُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الْمَسْنُونَةُ فَمَالِيُّهَا كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لَيْسَ هُوَ فِيهِ كَرَشِيدٍ اهـ. فَأَشَارَ إلَى أَنَّ فِي مَفْهُومِ التَّقْيِيدِ بِالْوَاجِبَةِ
وَيُعْطِيهِ الْوَلِيُّ نَفَقَةَ الْقَضَاءِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ كَلَامِهِ، وَمُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ الْحَجَّ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَى أَدَائِهِ لَهُ حُكْمُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا ادَّعَاهُ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ أَنَّ الصَّوَابَ حَذْفُ اللَّامِ مِنْ ثِقَةٍ؛ لِأَنَّ أَعْطَى يَتَعَدَّى إلَى اثْنَيْنِ بِنَفْسِهِ يُرَدُّ بِجَوَازِ ذَلِكَ لِلتَّقْوِيَةِ (وَإِذَا) (أَحْرَمَ) حَالَ الْحَجْرِ (بِتَطَوُّعٍ) مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِنَذْرٍ بَعْدَ الْحَجْرِ وَقُلْنَا بِسُلُوكِهِ مَسْلَكَ جَائِزِ الشَّرْعِ، وَهُوَ مُقَابِلُ الْأَصَحِّ (وَزَادَتْ مُؤْنَةُ سَفَرِهِ) لِإِتْمَامِ النُّسُكِ أَوْ إتْيَانِهِ بِهِ (عَلَى نَفَقَتِهِ الْمَعْهُودَةِ) فِي الْحَضَرِ (فَلِلْوَلِيِّ مَنْعُهُ) مِنْ الْإِتْمَامِ أَوْ الْإِتْيَانِ بِهِ
صِيَانَةً لِمَالِهِ
، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ صِحَّةُ إحْرَامِهِ بِدُونِ إذْنِ وَلِيِّهِ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ بِاسْتِقْلَالِ السَّفِيهِ (وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَمُحْصَرٍ فَيَتَحَلَّلُ) بِعَمَلِ عُمْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْمُضِيِّ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا هَذَا.
وَالثَّانِي لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِلِقَاءِ الْبَيْتِ كَمَنْ فَقَدَ زَادَهُ وَرَاحِلَتَهُ (قُلْت: وَيَتَحَلَّلُ بِالصَّوْمِ) وَالْحَلْقِ مَعَ النِّيَّةِ (إنْ قُلْنَا لِدَمِ الْإِحْصَارِ بَدَلٌ) وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا فِي الْحَجِّ (؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْمَالِ) فَإِنْ قُلْنَا لَا بُدَّ لَهُ بَقِيَ فِي ذِمَّةِ الْمُحْصَرِ.
قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَيَظْهَرُ بَقَاؤُهُ فِي ذِمَّةِ السَّفِيهِ أَيْضًا (وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ كَسْبٌ قَدْرَ زِيَادَةِ الْمُؤْنَةِ) عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ لَكِنَّهَا لَمْ تَزِدْ (لَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِإِمْكَانِ الْإِتْمَامِ بِدُونِ تَعَرُّضٍ لِلْمَالِ، وَمَا نَظَرَ بِهِ فِي الْمَطْلَبِ فِيمَا إذَا كَانَ عَمَلُهُ مَقْصُودًا بِالْأُجْرَةِ بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ التَّبَرُّعُ بِهِ نَظَرَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يُعَدُّ مَالًا حَاصِلًا فَلَا يَلْزَمُهُ تَحْصِيلُهُ مَعَ غِنَاهُ، بِخِلَافِ الْمَالِ الْمَوْجُودِ فِي يَدِ الْوَلِيِّ وَتَعَجَّبَ الْغَزِّيِّ
[حاشية الشبراملسي]
وَهِيَ شَامِلَةٌ لِمَا أَفْسَدَهُ مِنْ التَّطَوُّعِ حَالَ سَفَهِهِ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ مِنْ الْفَرْضِ مَا لَوْ أَحْرَمَ بِتَطَوُّعٍ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ إتْمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِيهِ صَارَ فَرْضًا اهـ.
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي أَمَّا لَوْ أَحْرَمَ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَيُعْطِيهِ الْوَلِيُّ نَفَقَةَ الْقَضَاءِ) أَيْ وَلَوْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ مِرَارًا وَأَدَّى إلَى نَفَاذِ مَالِهِ (قَوْلُهُ لِلتَّقْوِيَةِ) يُتَأَمَّلُ فَإِنَّ لَامَ التَّقْوِيَةِ هِيَ اللَّامُ الزَّائِدَةُ لِتَقْوِيَةِ الْعَامِلِ الضَّعِيفِ إمَّا بِتَقْدِيمِ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ أَوْ كَوْنِهِ فَرْعًا فِي الْعَمَلِ كَاسْمِ الْفَاعِلِ وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْعَامِلَ فِيهِ أَعْطَى وَهُوَ فِعْلٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ مَعْمُولُهُ (قَوْلُهُ وَإِذَا أَحْرَمَ) أَيْ أَوْ سَافَرَ لِيُحْرِمَ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: فَلِلْوَلِيِّ مَنْعُهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْمَنْعِ وَعَدَمِهِ، وَيَنْبَغِي وُجُوبُهُ عَلَيْهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ صِيَانَةً لِمَالِهِ
(قَوْلُهُ: أَوْ الْإِتْيَانِ بِهِ) قَالَ حَجّ: كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ خِلَافًا لِمَا مَالَ إلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ مِنْ أَصْلِ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى ذَاتِهِ، وَيُرَدُّ مَا عَلَّلَ بِهِ بِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَى ذَاتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يُفْضِي لِضَيَاعِ مَالِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ السَّفَرَ كَذَلِكَ اهـ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ سَفَرًا قَصِيرًا أَوْ خُرُوجًا إلَى تَنَزُّهٍ فِي نَوَاحِي الْبَلَدِ أَوْ خَارِجَهَا بِحَيْثُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ ضَيَاعُ مَالٍ بِوَجْهٍ لَيْسَ لِوَلِيِّهِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ اخْتِلَاطُهُ بِمَنْ لَا تَصْلُحُ مُرَافَقَتُهُمْ وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ (قَوْلُهُ: بِاسْتِقْلَالِ السَّفِيهِ) أَيْ بِالتَّصَرُّفَاتِ الْغَيْرِ الْمَالِيَّةِ بَلْ وَالْمَالِيَّةِ الَّتِي فِيهَا تَحْصِيلٌ كَقَبُولِ الْهِبَةِ
(قَوْلُهُ: فِي ذِمَّةِ السَّفِيهِ) أَيْ عَلَى أَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ وَهُوَ الْمَرْجُوحُ (قَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ) فَإِنْ قُلْت: إذَا قُلْنَا لَا يَمْنَعُهُ فَسَافَرَ وَلَهُ كَسْبٌ يَفِي كَيْفَ يُحَصِّلُهُ مَعَ مَا مَرَّ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ لِنَفْسِهِ مُطْلَقًا أَوْ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ.
قُلْت: إذَا لَمْ يَجُزْ لِلْوَلِيِّ مَنْعُهُ يَلْزَمُهُ أَنَّهُ يُسَافِرُ مَعَهُ لِيُؤَجِّرَهُ لِذَلِكَ الْكَسْبِ أَوْ يُوَكِّلَ مَنْ يُؤَجِّرُهُ لَهُ ثُمَّ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ وَلَوْ عَجَزَ أَثْنَاءَ الطَّرِيقِ فَهَلْ نَفَقَتُهُ حِينَئِذٍ فِي مَالِهِ أَوْ عَلَى الْوَلِيِّ لِإِذْنِهِ؟ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ حَيْثُ حَرُمَ عَلَيْهِ الْمَنْعُ لَا يُعَدُّ مُقَصِّرًا اهـ حَجّ
(قَوْلُهُ: وَتَعَجَّبَ الْغَزِّيِّ) مُرَادُهُ صَاحِبُ مَيْدَانِ الْفُرْسَانِ.
أَقُولُ: وَجْهُ تَعَجُّبِ الْغَزِّيِّ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْفَرْضُ مَا ذُكِرَ لَمْ يُصَدَّقْ أَنَّهُ فَوَّتَ بِالسَّفَرِ عَمْدًا مَقْصُودًا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ لَيْسَ فِي الْحَضَرِ حَتَّى يَفُوتَ بِالسَّفَرِ وَهُوَ يَأْتِي بِهِ فِي السَّفَرِ فَلَا تَفْوِيتَ أَصْلًا وَبِذَلِكَ يُنْظَرُ فِي نَظَرِ
[حاشية الرشيدي]
تَفْصِيلًا.
(قَوْلُهُ: كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ كَلَامِهِ) فِي اقْتِضَائِهِ لِذَلِكَ نَظَرٌ.
(قَوْلُهُ: بِعَمَلِ عُمْرَةٍ) الصَّوَابُ حَذْفُهُ.
[فَصْلٌ فِيمَنْ يَلِي الصَّبِيَّ مَعَ بَيَانِ كَيْفِيَّةِ تَصَرُّفِهِ فِي مَالِهِ] .
مِمَّا ذَكَرَاهُ؛ إذْ الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْكَسْبُ فِي طَرِيقِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَأَتَّى فِي غَيْرِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِمْ.
أَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بِتَطَوُّعٍ قَبْلَ الْحَجْرِ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ إتْمَامِهِ كَانَ كَالْوَاجِبِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا فِي الْحَجِّ.
فَصْلٌ فِيمَنْ يَلِي الصَّبِيَّ مَعَ بَيَانِ كَيْفِيَّةِ تَصَرُّفِهِ فِي مَالِهِ
(وَلِيُّ الصَّبِيِّ) أَيْ الصَّغِيرِ وَلَوْ أُنْثَى (أَبُوهُ) إجْمَاعًا (ثُمَّ جَدُّهُ) أَبُو أَبِيهِ وَإِنْ عَلَا كَوَلَايَةِ النِّكَاحِ؛ وَإِنَّمَا لَمْ يَثْبُتْ بَعْدَهُمَا لِبَاقِي الْعُصْبَةِ كَالنِّكَاحِ لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ فِي الْمَالِ وَكَمَالِهِ فِي النِّكَاحِ، وَتَكْفِي عَدَالَتُهُمَا الظَّاهِرَةُ لِوُفُورِ شَفَقَتِهِمَا، فَإِنْ فَسَقَا نَزَعَ الْحَاكِمُ الْمَالَ مِنْهُمْ كَمَا ذَكَرَاهُ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ وَيَنْعَزِلَانِ بِالْفِسْقِ فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ، وَعَلَيْهِ لَوْ فَسَقَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ اللُّزُومِ لَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ فِي الْأَصَحِّ وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَلَا يُعْتَبَرُ إسْلَامُهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ الْوَلَدُ مُسْلِمًا إذْ الْكَافِرُ يَلِي وَلَدَهُ الْكَافِرَ حَيْثُ كَانَ عَدْلًا فِي دِينِهِ، وَالْأَوْجَهُ بَقَاءُ وَلَايَتِهِ عَلَيْهِ وَإِنَّ تَرَافَعُوا إلَيْنَا كَالنِّكَاحِ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَقِيَاسُ قَوْلِ مَنْ قَالَ فِي وَلَايَةِ الْإِجْبَارِ
[حاشية الشبراملسي]
الشَّارِحِ وَمَا وَجَّهَهُ بِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم حَجّ (قَوْلُهُ: مِمَّا ذَكَرَاهُ) أَيْ صَاحِبُ الْمَطْلَبِ وَالْأَذْرَعِيُّ (قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِمْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَهُ كَسْبُ الزِّيَادَةِ فِي سَفَرِهِ وَإِقَامَتِهِ مَنَعَهُ مِنْ السَّفَرِ وَهُوَ مُشْكِلٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْبِرُهُ عَلَى الْكَسْبِ إذَا كَانَ غَنِيًّا فَمُجَرَّدُ الْإِمْكَانِ لَا يَسْتَلْزِمُ حُصُولَ الْكَسْبِ، فَإِذَا أَرَادَ السَّفَرَ وَكَانَ يَكْسِبُ فِيهِ مَا يَزِيدُ عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ لَا يُعَدُّ تَفْوِيتًا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِ يَتَأَتَّى يَعْنِي يُوجَدُ وَيَحْصُلُ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ سم عَلَى مَنْهَجٍ وَكَانَ يَكْسِبُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ: أَيْ فَإِنَّ مَا يَصْرِفُهُ فِي السَّفَرِ حِينَئِذٍ يُعَدُّ تَفْوِيتًا.
(فَصْلٌ) فِيمَنْ يَلِي الصَّبِيَّ (قَوْلُهُ: مَعَ بَيَانِ إلَخْ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ كَدَعْوَاهُ عَدَمَ التَّصَرُّفِ بِالْمَصْلَحَةِ (قَوْلُهُ: أَيْ الصَّغِيرِ) قَدْ يُوهِمُ تَفْسِيرَ الصَّبِيِّ بِهِ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْهُ وَأَنَّهُ يَشْمَلُ الْأُنْثَى دُونَ الصَّبِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ حَجّ (قَوْلُهُ: وَكَمَالِهِ فِي النِّكَاحِ) أَيْ فَإِنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ بِتَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِمْ بِغَيْرِ الْكُفْءِ فَيَجْتَهِدُونَ فِيمَنْ يَصْلُحُ لِمُوَلِّيَتِهِمْ وَلَا كَذَلِكَ الْآلُ (قَوْلُهُ: وَتَكْفِي عَدَالَتُهُمَا الظَّاهِرَةُ) أَيْ إلَّا إذَا سَجَّلَ الْحَاكِمُ بِبَيْعِهِمَا فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَتِهِمَا الْبَيِّنَةَ بِعَدَالَتِهِمَا م ر. [فَرْعٌ] قَالَ السُّبْكِيُّ: وَلَوْ فَسَقَ الْوَلِيُّ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ انْفِسَاخِهِ، وَيَقُومُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مَقَامَهُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ: وَعَلَيْهِ لَوْ فَسَقَ إلَخْ بَحْثٌ لِلسُّبْكِيِّ وَلَا يَسُوقُهُ مَسَاقَ الْمَنْقُولِ، وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلُهُ: وَتَكْفِي عَدَالَتُهُمَا الظَّاهِرَةُ ظَاهِرُهُ وَلَوْ نُوزِعَا فِي فَصْلِ الْإِيصَاءِ أَنَّهُ إنْ نُوزِعَا لَمْ تَثْبُتْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِلَّا فَلَا، وَعِبَارَتُهُ ثُمَّ قَوْلُهُ: وَيَنْعَزِلَانِ بِالْفِسْقِ: أَيْ وَتَعُودُ لَهُمَا الْوَلَايَةُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ وَلَوْ بِلَا تَوْلِيَةٍ مِنْ الْقَاضِي، وَمِثْلُهُمَا فِي ذَلِكَ الْحَاضِنَةُ وَالنَّاظِرُ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَلَوْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ مِرَارًا، وَالْأُمُّ إذَا كَانَتْ وَصِيَّةً (قَوْلُهُ:: وَالْأَوْجَهُ بَقَاءُ وَلَايَتِهِ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: اُسْتُفْتِيَتْ عَنْ ذِمِّيِّ مَاتَ وَتَرَكَ طِفْلًا وَلَا وَصِيَّ لَهُ هَلْ لِقَاضِي الْمُسْلِمِينَ التَّعَرُّضُ لَهُمْ بِالنَّظَرِ وَنَصْبِ الْقَيِّمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَ أَمْرَهُمْ إلَيْهِ فَتَوَقَّفْت فِي الْإِفْتَاءِ، وَمِلْت إلَى
[حاشية الرشيدي]
فَصْلٌ) فِيمَنْ يَلِي الصَّبِيَّ (قَوْلُهُ: أَيْ الصَّغِيرِ) لَا دَاعِيَ إلَى هَذَا التَّفْسِيرِ فَإِنَّ الصَّبِيَّ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ لَوْ فَسَقَ)
فِي النِّكَاحِ: إنَّ شَرْطَهُمَا عَدَمُ الْعَدَاوَةِ أَنْ يَطَّرِدَ ذَلِكَ فِي وَلَايَةِ الْمَالِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَدْ نُقِلَ فِي بَابِ الْوَصَايَا عَنْ الرُّويَانِيِّ وَآخَرِينَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْوَصِيِّ عَدَمُ الْعَدَاوَةِ.
وَقَضِيَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالصَّبِيِّ أَنَّهُ لَا وَلَايَةَ لِلْمَذْكُورِينَ عَلَى الْأَجِنَّةِ بِالتَّصَرُّفِ، وَصَرَّحَا بِهِ فِي الْفَرَائِضِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَاكِمِ فَقَطْ، فَلَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي فِي الْإِيصَاءِ مِنْ جَوَازِ النَّصْبِ عَلَى الْحَمْلِ لِحَمْلِهِ عَلَى مَنْصُوبِ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ (ثُمَّ وَصِيُّهُمَا) أَيْ وَصِيُّ مَنْ تَأَخَّرَ مَوْتُهُ مِنْهُمَا لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ وَشَرْطُهُ الْعَدَالَةُ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ (ثُمَّ الْقَاضِي) أَيْ الْعَدْلُ الْأَمِينُ لِخَبَرِ «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَلَوْ كَانَ الْيَتِيمُ بِبَلَدٍ وَمَالُهُ بِبَلَدٍ آخَرَ فَوَلِيُّ مَالِهِ قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْوَلَايَةَ عَلَيْهِ تَرْتَبِطُ بِمَالِهِ كَمَالِ الْغَائِبِينَ، لَكِنَّ مَحَلَّهُ فِي تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِالْحِفْظِ وَالتَّعَهُّدِ وَبِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ مِنْ الْغِبْطَةِ اللَّائِقَةِ إذَا أَشْرَفَ عَلَى التَّلَفِ، وَلِقَاضِي بَلَدِهِ الْمُتَّصِفِ بِمَا مَرَّ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ قَاضِي بَلَدِ مَالِهِ إحْضَارَهُ إلَيْهِ عِنْدَ أَمْنِ الطَّرِيقِ لِظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ لَهُ فِيهِ لِيَتَّجِرَ لَهُ فِيهِ أَوْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ عَقَارًا، وَيَجِبُ عَلَى قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ إسْعَافُهُ بِذَلِكَ وَحُكْمُ الْمَجْنُونِ وَمَنْ بَلَغَ سَفِيهًا كَالصَّبِيِّ فِي تَرْتِيبِ الْأَوْلِيَاءِ.
قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ النَّظَرُ فِي مَالِ مَحْجُورِهِمْ وَتَوَلِّي حِفْظِهِ لَهُمْ.
وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِيمَنْ عِنْدَهُ يَتِيمٌ أَجْنَبِيٌّ وَلَوْ سَلَّمَهُ لِحَاكِمٍ خَانَ فِيهِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ لِلضَّرُورَةِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ عِلَّتِهِ أَنَّهُ لَوْ وُلِّيَ عَدْلٌ أَمِينٌ وَجَبَ الرَّفْعُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ وَلَا يَنْقُضُ مَا كَانَ تَصَرَّفَ فِيهِ زَمَنَ الْجَائِرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَلِيًّا شَرْعًا، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْجُرْجَانِيِّ السَّابِقِ مَعَ مَا مَرَّ أَنَّهُ
[حاشية الشبراملسي]
عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِوُجُوهٍ اهـ
(قَوْلُهُ: عَدَمُ الْعَدَاوَةِ) أَيْ الظَّاهِرَةِ
(قَوْلُهُ: عَدَمُ الْعَدَاوَةِ) أَيْ وَلَوْ بَاطِنَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ
(قَوْلُهُ: لَا وَلَايَةَ لِلْمَذْكُورَيْنِ) أَيْ فِيمَا مَرَّ وَيَأْتِي وَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَ مَا ذَكَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ ثُمَّ الْقَاضِي
(قَوْلُهُ: وَصَرَّحَا بِهِ) أَيْ بِنَفْيِ.
الْوَلَايَةِ بِالتَّصَرُّفِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَاكِمِ، وَلَمْ يُصَرِّحَا بِنَفْيِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ
(قَوْلُهُ: لَكِنْ) أَيْ التَّصْرِيحُ
(قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَاكِمِ) أَيْ وَمِثْلُهُ غَيْرُهُ وَمِنْ ثَمَّ وُجِدَ فِي نُسْخَةٍ بَعْدَ قَوْلِ الشَّارِحِ فَقَطْ: قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِثْلُهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ ذَكَرَ ثُمَّ وَصِيُّهُمَا، وَكَأَنَّهُ تَرَكَ قَوْلَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ إلَخْ عَلَى مَا فِي الْأَصْلِ اكْتِفَاءً بِقَوْلِهِ قَبْلُ، وَقَضِيَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالصَّبِيِّ إلَخْ لَكِنْ عَلَى هَذَا يُتَأَمَّلُ قَوْلُهُ فَلَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي إلَخْ، فَإِنَّ مَا هُنَا عَلَى مَا ذَكَرَ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ وَلَايَةِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَغَيْرِهِمَا، وَمَعَ ذَلِكَ كَيْفَ يَتِمُّ قَوْلُهُ لِحَمْلِهِ عَلَى مَنْصُوبِ الْأَبِ وَالْجَدِّ فَلْيُرَاجَعْ، فَإِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِ فَلَا يُنَافِيهِ إلَخْ تَخْصِيصُ عَدَمِ الْوَلَايَةِ بِالْحَاكِمِ فَقَطْ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ وَصِيُّهُمَا) وَلَوْ أُمًّا بَلْ هِيَ أَوْلَى
(قَوْلُهُ: وَشَرْطُهُ) أَيْ الْوَصِيِّ
(قَوْلُهُ: الْعَدَالَةُ) أَيْ الْبَاطِنَةُ كَمَا يَأْتِي لَهُ
(قَوْلُهُ: مِنْ الْغِبْطَةِ) كَبَيْعِهِ وَإِجَارَتِهِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّلَفِ الْأَعَمُّ مِنْ تَلَفِ الْعَيْنِ وَذَهَابِ الْمَنْفَعَةِ وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً، فَلَوْ كَانَ لَهُ عَقَارٌ بِبَلَدِ قَاضِي الْمَالِ دُونَ بَلَدِ الصَّبِيِّ أَجَّرَهُ قَاضِي بَلَدِ مَالِهِ بِالْمَصْلَحَةِ، وَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ مِنْ قَاضِي بَلَدِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِي مَحَلِّ وَلَايَتِهِ وَلَيْسَ بَلَدُ الْمَالِ مِنْهَا
(قَوْلُهُ: وَلِقَاضِي بَلَدِهِ) قَالَ حَجّ: الْمُرَادُ بِبَلَدِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَطَنُهُ وَإِنْ سَافَرَ عَنْهُ بِقَصْدِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ اهـ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ سَافَرَ مِنْ بَلَدِهِ إلَى مَالِهِ لَمْ يَجُزْ لِقَاضِي بَلَدِ الْمَالِ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ غِبْطَةٌ لَائِقَةٌ كَأَنْ أَشْرَفَ عَلَى التَّلَفِ
(قَوْلُهُ: إسْعَافُهُ) أَيْ بِإِرْسَالِهِ إلَيْهِ
(قَوْلُهُ: فِي مَالِ مَحْجُورِهِمْ) أَيْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَذْكُورِينَ
(قَوْلُهُ: وَلَا يَنْقُضُ) أَيْ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ الْوَلِيُّ.
(قَوْلُهُ: أَيْ وَصِيُّ مَنْ تَأَخَّرَ مَوْتُهُ مِنْهُمَا) أَيْ: أَوْ تَقَدَّمَ حَيْثُ كَانَ بِالْآخَرِ مَانِعٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْيَتِيمُ بِبَلَدٍ، وَمَالُهُ بِآخَرَ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَالْعِبْرَةُ بِقَاضِي بَلَدِ الْمَوْلَى: أَيْ: وَطَنِهِ، وَإِنْ سَافَرَ عَنْهُ بِقَصْدِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّصَرُّفِ وَالِاسْتِنْمَاءِ وَبِقَاضِي بَلَدِ مَالِهِ فِي حِفْظِهِ وَتَعَهُّدِهِ وَنَحْوِ بَيْعِهِ وَإِجَارَتِهِ عِنْدَ خَوْفِ هَلَاكِهِ (قَوْلُهُ: وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِيمَنْ عِنْدَهُ يَتِيمٌ أَجْنَبِيٌّ إلَخْ) عِبَارَةُ الْقُوتِ: وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِيمَنْ عِنْدَهُ يَتِيمٌ أَجْنَبِيٌّ لَيْسَ بِوَصِيٍّ عَلَيْهِ وَلَهُ مَالٌ وَلَوْ سَلَّمَهُ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ خَافَ ضَيَاعَهُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ النَّظَرُ فِي أَمْرِهِ وَالتَّصَرُّفُ
لَوْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا قَاضٍ فَاسِقٌ أَوْ غَيْرُ أَمِينٍ كَانَتْ الْوَلَايَةُ لِلْمُسْلِمِينَ: أَيْ لِصُلَحَائِهِمْ وَهُوَ مُتَّجَهٌ (وَلَا تَلِي الْأُمُّ فِي الْأَصَحِّ) قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ.
وَالثَّانِي تَلِي بَعْدَ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَتُقَدَّمُ عَلَى وَصِيِّهِمَا لِكَمَالِ شَفَقَتِهَا، وَمِثْلُهَا فِي عَدَمِ الْوَلَايَةِ سَائِرُ الْعُصْبَةِ كَأَخٍ وَعَمٍّ.
نَعَمْ لَهُمْ الْإِنْفَاقُ مِنْ مَالِ الطِّفْلِ فِي تَأْدِيبِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهِ وَلَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَلِيلٌ فَسُومِحَ بِهِ، وَمَحَلُّهُ عِنْدَ غَيْبَةِ وَلِيِّهِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَتِهِ فِيمَا يَظْهَرُ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَالْمَجْنُونُ وَالسَّفِيهُ كَالصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ، وَمُرَادُهُ بِالْمَجْنُونِ هُنَا مَنْ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ
(وَيَتَصَرَّفُ) لَهُ (الْوَلِيُّ) أَبًا أَوْ غَيْرَهُ (بِالْمَصْلَحَةِ) وُجُوبًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] وَقَوْلُهُ ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220] وَاقْتَضَى كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ امْتِنَاعَ تَصَرُّفٍ اسْتَوَى طَرَفَاهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِانْتِفَاءِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ حِفْظُ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ عَنْ أَسْبَابِ التَّلَفِ وَاسْتِنْمَاؤُهُ قَدْرَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي مُؤْنَةٍ مِنْ نَفَقَةٍ وَغَيْرِهَا إنْ أَمْكَنَ وَلَا تَلْزَمُهُ الْمُبَالَغَةُ، وَلِلْوَلِيِّ بَدَلُ بَعْضِ مَالِ الْيَتِيمِ وُجُوبًا لِتَخْلِيصِ الْبَاقِي عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِيلَاءِ ظَالِمٍ كَمَا يُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِخَرْقِ الْخَضِرِ لِلسَّفِينَةِ، وَلَوْ كَانَ لِلصَّبِيِّ كَسْبٌ لَائِقٌ بِهِ أَجْبَرَهُ الْوَلِيُّ عَلَى الِاكْتِسَابِ لِيَرْتَفِقَ بِهِ فِي ذَلِكَ.
وَيُنْدَبُ شِرَاءُ الْعَقَارِ لَهُ، بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ التِّجَارَةِ عِنْدَ حُصُولِ الْكِفَايَةِ مِنْ رِيعِهِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَمَحَلُّهُ عِنْدَ الْأَمْنِ عَلَيْهِ مِنْ جَوْرِ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ خَرَابٍ لِلْعَقَارِ وَلَمْ يَجِدْ بِهِ ثِقْلَ خَرَاجٍ وَلَهُ السَّفَرُ بِمَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ لِنَحْوِ صِبًا أَوْ جُنُونٍ فِي زَمَنٍ أَمِنَ صُحْبَةَ ثِقَةٍ وَإِنْ لَمْ تَدْعُ لَهُ ضَرُورَةٌ مِنْ نَحْوِ نَهْبٍ؛ إذْ الْمَصْلَحَةُ قَدْ تَقْتَضِي ذَلِكَ إلَّا فِي نَحْوِ بَحْرٍ إنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ عَدَمِهَا.
أَمَّا الصَّبِيُّ فَيَجُوزُ إرْكَابُهُ الْبَحْرَ
[حاشية الشبراملسي]
وَيُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ حَيْثُ يُصَدَّقُ الْوَصِيُّ وَالْقَيِّمُ بِأَنْ ادَّعَى نَفَقَةً لَائِقَةً إلَى آخِرِ مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: كَانَتْ الْوَلَايَةُ لِلْمُسْلِمِينَ) بَلْ عَلَيْهِمْ: أَيْ عِنْدَ عَدَمِ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ وَإِنْ قَلَّ أَوْ غَيْرِهِمَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ تَوَلِّي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ فِي مَالِهِ بِالْغِبْطَةِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَهُمْ الْإِنْفَاقُ) أَيْ وَعَدَمُهُ لَكِنَّ عِبَارَةَ حَجّ: نَعَمْ لِلْعُصْبَةِ مِنْهُمْ: أَيْ الْعَدْلِ عِنْدَ فَقْدِ الْوَلِيِّ الْإِنْفَاقَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ عِنْدَ غَيْبَةِ وَلِيِّهِ) أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَوْ حَضَرَ الْوَلِيُّ وَأَنْكَرَ أَنَّهُمْ أَنْفَقُوا عَلَيْهِ مَا أَخَذُوهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ أَنَّ فِعْلَهُمْ كَانَ بِغَيْرِ الْمَصْلَحَةِ، فَالظَّاهِرُ تَصْدِيقُ الْوَلِيِّ فَعَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ فِيمَا ادَّعَوْهُ (قَوْلُهُ: كَالصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي أَنَّ لِلْعُصْبَةِ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْوَلِيِّ (قَوْلُهُ: مَنْ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ) أَيْ لِيَتَأَتَّى الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ فِي تَأْدِيبِهِ وَتَعْلِيمِهِ
(قَوْلُهُ: وَاسْتِنْمَاؤُهُ إلَخْ) فَلَوْ تُرِكَ اسْتِنْمَاؤُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَصَرَفَ مَالَهُ عَلَيْهِ فِي النَّفَقَةِ فَهَلْ يَضْمَنُهُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَقِيَاسُ مَا يَأْتِي فِيمَا لَوْ تَرَكَ عِمَارَةَ الْعَقَارِ حَتَّى خَرِبَ الضَّمَانُ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ تَرْكَ الْعِمَارَةِ يُؤَدِّي إلَى فَسَادِ الْمَالِ، وَتَرْكُ الِاسْتِنْمَاءِ إنَّمَا يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ التَّحْصِيلِ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ضَيَاعُ الْمَالِ فِي النَّفَقَةِ
(قَوْلُهُ: لِتَخْلِيصِ الْبَاقِي) أَيْ وَإِنْ كَانَ مَا يَبْذُلُهُ كَثِيرًا بِحَيْثُ يَكُونُ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَسْتَرْجِعُهُ مِنْ الظَّالِمِ قَلِيلًا
(قَوْلُهُ: كَمَا يُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ) لَمْ يَقُلْ وَيُسْتَدَلُّ لِذَلِكَ إلَخْ؛ لِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا، وَإِنْ وَرَدَ فِي شَرَعْنَا مَا يُقَرِّرُهُ
(قَوْلُهُ: أَخْبَرَهُ الْوَلِيُّ) أَيْ حَيْثُ احْتَاجَ إلَيْهِ فِي النَّفَقَةِ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: لِيَرْتَفِقَ بِهِ وَقَوْلُهُ فِيمَا مَرَّ: إنَّ وَلِيٍّ السَّفِيهِ يُجْبِرُهُ عَلَى الْكَسْبِ حَيْثُ احْتَاجَ إلَيْهِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُجْبِرُهُ إنْ كَانَ غَنِيًّا وَلَا عَلَى مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِهِ وَفِي حَجّ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ وَلِيَّ الصَّبِيِّ يُجْبِرُهُ عَلَى الْكَسْبِ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا اهـ فَلْيُرَاجَعْ
(قَوْلُهُ: مِنْ رِيعِهِ) أَيْ غَلَّتِهِ
(قَوْلُهُ: فِي زَمَنِ أَمْنٍ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ اُحْتُمِلَ تَلَفُهُ فِي السَّفَرِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ، وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ فِيهِ تَرَدُّدٌ فَلْيُرَاجَعْ، وَالْأَقْرَبُ الْمَفْهُومُ الْمَذْكُورُ حَيْثُ قَوِيَ جَانِبُ الْخَوْفِ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ)
[حاشية الرشيدي]
فِي مَالِهِ لِلضَّرُورَةِ
. (قَوْلُهُ: أَجْبَرَهُ الْوَلِيُّ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ كَانَ مُرَادًا فَلْيُنْظَرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّفِيهِ وَفِي التُّحْفَةِ التَّصْرِيحُ بِمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الشَّارِحِ هُنَا
عِنْدَ غَلَبَتِهَا خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ وَيُفَارِقُ مَالَهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا حَرَّمَ ذَلِكَ فِي الْمَالِ مُنَافَاتُهُ غَرَضَ وَلَايَتِهِ عَلَيْهِ فِي حِفْظِهِ وَتَنْمِيَتِهِ بِخِلَافِهِ هُوَ كَمَا يَجُوزُ إرْكَابُ نَفْسِهِ، وَالصَّوَابُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَدَمُ تَحْرِيمِ إرْكَابِ الْبَهَائِمِ وَالْأَرِقَّاءِ وَالْحَامِلِ عِنْدَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ (وَيَبْنِي دُورَهُ) وَمَسَاكِنَهُ (بِالطِّينِ وَالْآجُرِّ) أَيْ الطُّوبِ الْمُحْرَقِ؛ لِأَنَّ الطِّينَ قَلِيلُ الْمُؤْنَةِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ بَعْدَ النَّقْضِ، وَالْآجُرُّ يَبْقَى (لَا اللَّبِنِ) وَهُوَ مَا لَمْ يُحْرَقْ مِنْ الطُّوبِ (وَالْجِصِّ) أَيْ الْجِبْسِ؛ لِأَنَّ اللَّبِنَ قَلِيلُ الْبَقَاءِ وَيَنْكَسِرُ عِنْدَ النَّقْضِ، وَالْجِصُّ كَثِيرُ الْمُؤْنَةِ وَلَا تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ عِنْدَ النَّقْضِ بَلْ يُلْصَقُ بِالطُّوبِ فَيُفْسِدُهُ، وَتَعْبِيرُهُ كَأَصْلِهِ فِي الْجِصِّ بِالْوَاوِ بِمَعْنَى أَوْ فَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ فِي اللَّبِنِ سَوَاءٌ أَكَانَ مَعَ الطِّينِ أَمْ الْجِصِّ، وَعَلَى الِامْتِنَاعِ فِي الْجِصِّ سَوَاءٌ أَكَانَ مَعَ اللَّبِنِ أَمْ الْآجُرِّ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلِفَهْمِ الْمَنْعِ فِيمَا عَدَاهُمَا، وَالْمَجْنُونُ وَالسَّفِيهُ كَالصَّبِيِّ فِيمَا ذُكِرَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ قَصْرِ الْبِنَاءِ عَلَى الْآجُرِّ وَالطِّينِ هُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَجَرَى عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ جَوَازَ الْبِنَاءِ عَلَى عَادَةِ الْبَلَدِ كَيْفَ كَانَ، وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ الشَّاشِيُّ.
قَالَ فِي الْبَيَانِ بَعْدَ حِكَايَةِ مَا مَرَّ عَنْ النَّصِّ: وَهَذَا فِي الْبِلَادِ الَّتِي يَعِزُّ فِيهَا وُجُودُ الْحِجَارَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ تُوجَدُ الْحِجَارَةُ فِيهِ فَهِيَ أَوْلَى مِنْ الْآجُرِّ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهَا أَكْثَرُ وَأَقَلُّ مُؤْنَةً، وَمَا اشْتَرَطَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهِ أَنْ يُسَاوِيَ كُلْفَتَهُ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَيَانِ فِيهِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: مُنِعَ لِلْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ مُسَاوَاتَهُ لِكُلْفَتِهِ فِي غَايَةِ النُّدُورِ وَكَمَا يَجُوزُ بِنَاءُ عَقَارِهِ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ بِنَائِهِ لَهُ.
نَعَمْ مَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ شِرَاؤُهُ أَحَظَّ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ: إنَّهُ فِقْهٌ ظَاهِرٌ.
(وَلَا) يَشْتَرِي لَهُ مَا يُسْرِعُ فَسَادُهُ وَلَوْ كَانَ مُرْبِحًا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَا (يَبِيعُ عَقَارَهُ) ؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ أَسْلَمُ وَأَنْفَعُ مِمَّا عَدَاهُ (إلَّا لِحَاجَةٍ) مِنْ كِسْوَةٍ وَنَفَقَةٍ وَنَحْوِهِمَا بِأَنْ لَمْ تَفِ غَلَّةُ الْعَقَارِ بِذَلِكَ وَلَمْ يَجِدْ مُقْرِضًا يَنْتَظِرُ مَعَهُ غَلَّةً تَفِي بِالْقَرْضِ، وَلَهُ بَيْعُهُ أَيْضًا لِثِقَلِ خَرَاجٍ أَوْ خَوْفِ خَرَابٍ أَوْ لِكَوْنِهِ بِغَيْرِ بَلَدِ الْيَتِيمِ، وَيَحْتَاجُ لِمُؤْنَةِ مَنْ يُوَجِّهُهُ لِيَجْمَعَ غَلَّتَهُ كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ، وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ أَوْ يَبْنِيَ بِبَلَدِ الْيَتِيمِ مِثْلَهُ أَوْ لِحَاجَةِ عِمَارَةِ أَمْلَاكِهِ وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ الْعَقَارِ (أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ) كَبَيْعِهِ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ وَهُوَ يَجِدُ مِثْلَهُ بِبَعْضِهِ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ بِكُلِّهِ، وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ جَوَازَ بَيْعِهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ دَفْعًا لِرُجُوعِ أَصْلِهِ فِي هِبَتِهِ لَهُ، وَنَظَرَ فِي دُخُولِ هَذِهِ الصُّورَةِ فِي الْغِبْطَةِ، وَالْأَقْرَبُ دُخُولُهَا فِيهَا فَقَدْ فَسَّرَهَا الْجَوْهَرِيُّ بِحُسْنِ الْحَالِ، وَأَفْتَى الْقَفَّالُ بِجَوَازِ بَيْعِ ضَيْعَةِ يَتِيمٍ خَرِبَتْ، وَخَرَاجُهَا يَسْتَأْصِلُ مَالَهُ وَلَوْ بِدِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ لَهُ بَيْعَ كُلِّ مَا خِيفَ هَلَاكُهُ بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ مَا لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ غَصْبُهُ
[حاشية الشبراملسي]
ظَاهِرُهُ وَلَوْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَى السَّفَرِ بِهِ (قَوْلُهُ: عِنْدَ غَلَبَتِهَا) أَيْ السَّلَامَةِ
(قَوْلُهُ: إرْكَابِ الْبَهَائِمِ) أَيْ الَّتِي لِغَيْرِ الصَّبِيِّ الْبَحْرَ
(قَوْلُهُ: عَلَى عَادَةِ الْبَلَدِ) الْوَجْهُ جَوَازُ اتِّبَاعِهَا عِنْدَ الْمَصْلَحَةِ اهـ م ر اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَمِثْلُهُ عَلَى مَنْهَجٍ قَالَ حَجّ: وَهُوَ الْأَوْجَهُ مُدْرَكًا، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَقْتَضِ الْمَصْلَحَةُ الْجَرْيَ عَلَى عَادَةِ الْبَلَدِ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَلَامِهِ هُنَا وَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ سم
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مُسَاوَاتَهُ إلَخْ) أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَكَمَا يَجُوزُ بِنَاءُ عَقَارِهِ) أَيْ الَّذِي تَهَدَّمَ بَعْضُ جُدْرَانِهِ، وَقَوْلُهُ يَجُوزُ ابْتِدَاءً إلَخْ: أَيْ أَنْ يُحْيِيَ لَهُ مَوَاتًا أَوْ يَشْتَرِيَ لَهُ أَرْضًا خَالِيَةً مِنْ الْبِنَاءِ ثُمَّ يُحَدِّثَهُ فِيهَا
(قَوْلُهُ: مَا يُسْرِعُ فَسَادُهُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ أَمْكَنَ بَيْعُهُ عَاجِلًا قَبْلَ خَشْيَةِ فَسَادِهِ، وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بَيْعُهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَخْلَفَ فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ صَدَرَ بِنَاءً عَلَى الْمَصْلَحَةِ الظَّاهِرَةِ وَهُوَ كَافٍ (قَوْلُهُ: إلَّا لِحَاجَةٍ) وَكَبَيْعِ الْعَقَارِ إيجَارُ مَا يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ فِي إيجَارِ مِثْلِهِ، وَالْمُرَادُ: أَنَّ مَا يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَهُ مَا أَوْصَى بِهِ أَوْ كَانَ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِإِجَارَةٍ أَمَّا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي الرُّجُوعُ فِيهِ لِشَرْطِ الْوَاقِفِ (قَوْلُهُ: وَيَحْتَاجُ لِمُؤْنَةِ) أَيْ مُؤْنَةٍ لَهَا وَقْعٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يُحَصِّلُهُ مِنْ الْغَلَّةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ) وَمِثْلُهُ مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي مِصْرنَا مِنْ أَنَّ مَا خَرِبَ مِنْ الْأَوْقَافِ لَا يَعْمُرُ فَتَجُوزُ إجَارَةُ أَرْضِهِ لِمَنْ يَعْمُرُهَا بِأُجْرَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ الْأُجْرَةُ الَّتِي يَأْخُذُهَا وَطَالَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَسْتَأْجِرُ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى النَّاظِرِ صَرْفُهُ فِي مَصَارِفِهِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَوْ بَقِيَ، وَبَحَثَ الْبَالِسِيُّ جَوَازَ بَيْعِ مَالِ تِجَارَتِهِ بِدُونِ رَأْسِ الْمَالِ لِيَشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ مَا هُوَ مَظِنَّةُ الرِّبْحِ، وَنَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ أَنَّ آنِيَةَ الْقِنْيَةِ مِنْ صُفْرٍ وَنَحْوِهِ كَالْعَقَارِ فِيمَا ذُكِرَ، قَالَ: وَمَا عَدَاهُمَا لَا يُبَاعُ أَيْضًا إلَّا لِغِبْطَةٍ أَوْ حَاجَةٍ، لَكِنْ يَجُوزُ لِحَاجَةٍ يَسِيرَةٍ وَرِبْحٍ قَلِيلٍ لَائِقٍ بِخِلَافِهِمَا، وَهُوَ أَوْجَهُ مِمَّا بَحَثَهُ فِي التَّوْشِيحِ مِنْ جَوَازِ بَيْعِهِ بِدُونِ حَاجَةٍ وَبِدُونِ رِبْحٍ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ بِقِيمَتِهِ مَصْلَحَةٌ فَلَا يُشْتَرَطُ زِيَادَتُهُ عَلَيْهَا، وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ الْغِبْطَةَ بِالظَّاهِرَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى بَقِيَّةِ كُتُبِهِمَا، قَالَ الْإِمَامُ: وَضَابِطُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ أَنْ لَا يَسْتَهِينَ بِهَا الْعُقَلَاءُ بِالنِّسْبَةِ إلَى شِرَاءِ الْعَقَارِ.
نَعَمْ لَهُ صَوْغُ حُلِيٍّ لِمُوَلِّيهِ وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ أَوْ جُزْءٌ مِنْهُ وَصَبْغُ ثِيَابٍ وَتَقْطِيعُهَا وَكُلُّ مَا يَرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا أَوْ بَقَائِهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ: الْأَصْلُ، وَهُوَ مَا صَرَّحُوا بِهِ، وَالْوَصِيُّ، وَالْقَيِّمُ كَمَا بَحَثَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَجَرَى عَلَيْهِ أَبُو زُرْعَةَ فَقَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ لِلْقَيِّمِ شِرَاءَ جِهَازٍ مُعْتَادٍ لَهَا مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْقَاضِي فَيَقَعُ لَهَا وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ إذَا لَمْ يُكَذِّبْهُ ظَاهِرُ الْحَالِ، وَلَوْ تَرَكَ عِمَارَةَ عَقَارِهِ أَوْ إيجَارَهُ حَتَّى خَرِبَ مَعَ الْقُدْرَةِ أَثِمَ وَضَمِنَ فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ، وَيُفَارِقُ مَسْأَلَةَ التَّلْقِيحِ بِأَنَّ التَّرْكَ فِيهِمَا يُفَوِّتُ الْمَنْفَعَةَ وَالتَّرْكُ فِيهَا يُفَوِّتُ الْأَجْوَدِيَّةَ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي الْخُلْعِ: إذَا خَالَعَ السَّفِيهُ وَقَبَضَ الْمَالَ وَتَرَكَهُ الْوَلِيُّ فِي يَدِهِ حَتَّى تَلِفَ فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ اهـ: أَيْ وَأَصَحُّهُمَا الضَّمَانُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ عَلَى لُقَطَةِ الصَّبِيِّ.
قَالَ الْقَفَّالُ: وَيَضْمَنُ وَرِقَ الْفِرْصَادِ إذَا تَرَكَهُ حَتَّى فَاتَ وَكَأَنَّهُ قَاسَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَطْعِمَةِ، وَلَوْ امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ لَتَوَقَّعَ زِيَادَةً فَتَلِفَ الْمَالُ فَلَا ضَمَانَ.
قَالَ الْعَبَّادِيُّ: وَلَوْ أَجَّرَ بَيَاضَ أَرْضِ بُسْتَانِهِ بِأُجْرَةٍ وَافِيَةٍ بِمِقْدَارِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَقِيمَةِ الثَّمَرَةِ ثُمَّ سَاقَ عَلَى شَجَرِهِ عَلَى سَهْمٍ مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ لِلْيَتِيمِ، وَالْبَاقِي لِلْمُسْتَأْجِرِ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ: الظَّاهِرُ صِحَّةُ الْمُسَاقَاةِ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهِيَ مَسْأَلَةٌ نَفِيسَةٌ، وَيَمْتَنِعُ عَلَى غَيْرِ الْقَاضِي مِنْ الْأَوْلِيَاءِ إقْرَاضُ شَيْءٍ مِنْ مَالِ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ بِلَا ضَرُورَةٍ مِنْ نَحْوِ نَهْبٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ إرَادَةِ سَفَرٍ يُخَافُ عَلَيْهِ فِيهِ.
أَمَّا الْقَاضِي فَلَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا لِكَثْرَةِ أَشْغَالِهِ.
وَلَا يُقْرِضُهُ إلَّا لِمَلِيءٍ أَمِينٍ وَيَأْخُذُ عَلَيْهِ رَهْنًا إنْ رَأَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً
[حاشية الشبراملسي]
الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: مِنْ صُفْرٍ) اسْمٌ لِلنُّحَاسِ (قَوْلُهُ: وَمَا عَدَاهُمَا) أَيْ آنِيَةَ الْقِنْيَةِ وَالْعَقَارَ (قَوْلُهُ: إلَّا لِغِبْطَةٍ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: مِمَّا بَحَثَهُ فِي التَّوْشِيحِ) لِابْنِ السُّبْكِيّ صَاحِبِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ (قَوْلُهُ: فَيَقَعُ) أَيْ الشِّرَاءُ (قَوْلُهُ: حَتَّى خَرِبَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْرَبْ لَا تَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ الَّتِي فَوَّتَهَا بِعَدَمِ الْإِيجَارِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ سم فَيَضْمَنُ وَإِنْ لَمْ يَخْرَبْ، وَمِثْلُ ذَلِكَ النَّاظِرُ عَلَى الْوَقْفِ (قَوْلُهُ: فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: وَيُفَارِقُ مَسْأَلَةَ التَّلْقِيحِ) أَيْ حَيْثُ قِيلَ فِيهَا بِعَدَمِ الضَّمَانِ (قَوْلُهُ: فِيهِمَا) أَيْ الْعِمَارَةِ وَالْإِجَارَةِ (قَوْلُهُ: وَالتَّرْكُ فِيهَا) أَيْ مَسْأَلَةِ التَّلْقِيحِ (قَوْلُهُ: يُفَوِّتُ الْأَجْوَدِيَّةَ) هُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ فَاتَتْ الْأَجْوَدِيَّةُ كَمَا ذَكَرَهُ، أَمَّا لَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ فَسَادُهُ عِنْدَ عَدَمِ التَّلْقِيحِ اُتُّجِهَ الضَّمَانُ، ثُمَّ قَضِيَّةُ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ إيجَارَ دُورِهِ مُدَّةً تُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ مَعَ تَيَسُّرِ مَنْ يَسْتَأْجِرُ عَدَمَ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ حَاصِلًا وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ سم الضَّمَانُ (قَوْلُهُ: وَقَبْضُ الْمَالِ) أَيْ عَيْنًا وَلَوْ بِلَا إذْنٍ أَوْ دَيْنًا وَأَذِنَ الْوَلِيُّ فِي قَبْضِهِ (قَوْلُهُ: الْفِرْصَادِ) أَيْ التُّوتِ حَيْثُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ يُجْنَى وَيُنْتَفَعُ بِهِ (قَوْلُهُ: لِتَوَقُّعِ زِيَادَةٍ) أَيْ تَوَقُّعًا قَرِيبًا
(قَوْلُهُ: وَقِيمَةُ الثَّمَرَةِ) أَيْ وَقْتُ طُلُوعِهَا وَبَيْعِهَا عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ فِيهِ (قَوْلُهُ: الظَّاهِرُ صِحَّةُ الْمُسَاقَاةِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَلَا يُقْرِضُهُ) أَيْ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: إنْ رَأَى ذَلِكَ إلَخْ) تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الرَّهْنِ الْجَزْمُ بِوُجُوبِ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَضَابِطُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ) أَيْ السَّابِقَةِ فِي تَفْسِيرِ الْغِبْطَةِ الظَّاهِرَةِ، فِي الْمَتْنِ
(قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إلَخْ) لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا جَوَابَ الشَّرْطِ فِي كَلَامِ الْعَبَّادِيِّ؛ لِأَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ.
(قَوْلُهُ: إنْ رَأَى ذَلِكَ) تَقَدَّمَ لَهُ مِثْلُ هَذَا فِي فَصْلِ الْقَرْضِ، لَكِنَّهُ اسْتَوْجَهَ فِي بَابِ الرَّهْنِ الْوُجُوبَ مُطْلَقًا، وَأَوَّلَ عِبَارَةَ الشَّيْخَيْنِ الْمُوَافِقَة لِمَا ذَكَرَهُ هُنَا
وَإِلَّا تَرَكَهُ وَلَا يُودِعُهُ أَمِينًا إلَّا عِنْدَ عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ إقْرَاضِهِ (وَلَهُ بَيْعُ مَالِهِ بِعَرَضٍ وَنَسِيئَةٍ لِلْمَصْلَحَةِ) الَّتِي يَرَاهَا فِيهِمَا كَأَنْ يَكُونَ فِي الْأَوَّلِ رِبْحٌ وَفِي الثَّانِي زِيَادَةٌ لَائِقَةٌ أَوْ خَافَ عَلَيْهِ مِنْ نَهْبٍ أَوْ إغَارَةٍ (وَإِذَا بَاعَ نَسِيئَةً أَشْهَدَ) عَلَى الْبَيْعِ وُجُوبًا (وَارْتَهَنَ بِهِ) أَيْ الثَّمَنِ رَهْنًا وَافِيًا بِهِ وُجُوبًا أَيْضًا، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِنْ مُوسِرٍ ثِقَةٍ، وَقِصَرُ الْأَجَلِ عُرْفًا، وَزِيَادَةٌ لَائِقَةٌ بِهِ، فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ بَطَلَ الْبَيْعُ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَكَانَ ضَامِنًا خِلَافًا لِلْإِمَامِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي مَلِيًّا وَلَا يُجْزَى الْكَفِيلُ عَنْ الِارْتِهَانِ.
نَعَمْ لَا يَلْزَمُ الْأَبَ وَالْجَدَّ الِارْتِهَانُ مِنْ نَفْسِهِمَا وَالدَّيْنُ عَلَيْهِمَا كَأَنْ بَاعَا مَالَهُ لِنَفْسِهِمَا نَسِيئَةً؛ لِأَنَّهُمَا أَمِينَانِ فِي حَقِّهِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ إذَا كَانَ مَلِيًّا، وَإِلَّا فَهُوَ مُضَيِّعٌ، وَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِصِحَّةِ بَيْعِهِمَا مَالَ وَلَدِهِمَا إذَا رَفَعَاهُ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُثْبِتَا أَنَّ بَيْعَهُمَا وَقَعَ بِالْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَّهَمَيْنِ فِي حَقِّ وَلَدِهِمَا وَيَجِبُ إثْبَاتُهُمَا الْعَدَالَةَ لِيُسَجَّلَ لَهُمَا فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ، كَمَا يَجِبُ إثْبَاتُ عَدَالَةِ الشُّهُودِ لِيُحْكَمَ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَصَحَّ بِخِلَافِ مَا فِي شُهُودِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِي جَوَازِ تَرْكِ الْحَاكِمِ لَهُمَا عَلَى الْوَلَايَةِ وَهَذَا فِي طَلَبِهِمَا مِنْهُ التَّسْجِيلَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي ثُبُوتَهُ عِنْدَهُ وَالثُّبُوتُ يَحْتَاجُ لِلتَّزْكِيَةِ، وَنَظَرُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَمْنَعُ الشُّرَكَاءَ مِنْ قِسْمَةِ دَارٍ بِأَيْدِيهِمْ وَلَا يُجِيبُهُمْ إلَيْهَا إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ بِمِلْكِهَا لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَسْتَدْعِي الْحُكْمَ وَهُوَ يَحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ بِالْمِلْكِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَصِيِّ وَالْأَمِينِ فَإِنَّهُ يَجِبُ إقَامَتُهُمَا الْبَيِّنَةَ بِالْمَصْلَحَةِ وَبِعَدَالَتِهِمَا.
وَلَا يَبِيعُ الْوَصِيُّ مَالَ نَحْوِ طِفْلٍ لِنَفْسِهِ
[حاشية الشبراملسي]
الرَّهْنِ مُطْلَقًا، فَقَوْلُهُ هُنَا تَرَكَهُ: أَيْ الْقَرْضَ كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ ثَمَّ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ فَلَوْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي الْقَرْضِ وَرَضِيَ بِاقْتِرَاضِهِ مِنْ وَلِيِّهِ مُوسِرٌ ثِقَةٌ لَكِنْ امْتَنَعَ مِنْ الرَّهْنِ لَمْ يَجُزْ الْإِقْرَاضُ وَإِنْ فَاتَتْ الْمَصْلَحَةُ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا تَرَكَهُ) قَالَ حَجّ: فَإِنْ تَرَكَ وَاحِدًا مِمَّا ذَكَرَ بَطَلَ الْبَيْعُ إلَّا إذَا تَرَكَ الرَّهْنَ وَالْمُشْتَرِي مُوسِرٌ عَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا، وَقَالَ السُّبْكِيُّ: لَا اسْتِثْنَاءَ وَضَمِنَ.
نَعَمْ إنْ بَاعَهُ لِمُضْطَرٍّ لَا رَهْنَ مَعَهُ جَازَ، وَكَذَا لَوْ تَحَقَّقَ تَلَفُهُ وَأَنَّهُ لَا يُحْفَظُ إلَّا بِبَيْعِهِ مِنْ مُعَيَّنٍ بِأَدْنَى ثَمَنٍ قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْقَفَّالِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَوْلَى عَلَى مَا قَالَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ أَنْ لَا يَرْتَهِنَ فِي الْبَيْعِ لِنَحْوِ نَهْبٍ إذَا خَشِيَ عَلَى الْمَرْهُونِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْفَعُهُ لِحَنَفِيٍّ وَيَضْمَنُهُ لَهُ، وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْوَلِيَّ بَعْدَ الرُّشْدِ اسْتِخْلَاصُ دُيُونِ الْمُولَى كَعَامِلِ الْقِرَاضِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَبِحَ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ مَأْذُونٌ لَهُ مِنْ الْمَالِكِ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الشَّرْعِ وَأَيَّدَهُ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ فَرَاجِعْهُ
(قَوْلُهُ: وَالدَّيْنُ عَلَيْهِمَا) أَيْ وَالْحَالُ
(قَوْلُهُ: إذَا كَانَ مَلِيًّا) أَيْ كُلٌّ مِنْ الْأَبِ وَالْجَدِّ
(قَوْلُهُ: وَيَحْكُمُ الْقَاضِي) أَيْ فِي صُورَةِ شِرَائِهِمَا مِنْ أَنْفُسِهِمَا
(قَوْلُهُ: إذَا رَفَعَاهُ) أَيْ الْأَمْرَ فِي الْمَالِ يُتَأَمَّلُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ سَبْقِ دَعْوَى وَلَيْسَ هُنَا مَنْ يَدَّعِي عَلَيْهِمَا حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِلْحُكْمِ، وَقَدْ يُقَالُ بِالِاكْتِفَاءِ بِرَفْعِهِمَا مِنْ أَنْفُسِهِمَا لِيَكُونَ ذَلِكَ وَسِيلَةً لِصَرْفِ الثَّمَنِ الَّذِي يَدْفَعَانِهِ فِي مَصَالِحِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَيُصَوَّرُ
[حاشية الرشيدي]
وَفِي الْقَرْضِ.
(قَوْلُهُ: الْمُصَنِّفُ وَارْتَهَنَ) أَيْ إنْ أَمِنَ عَلَى الرَّهْنِ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ قَالَ: فَالْأَوْلَى إذَا خَافَ عَلَى الرَّهْنِ أَنْ لَا يَرْتَهِنَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ وَيَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى حَاكِمٍ يَرَى سُقُوطَ الدَّيْنِ بِتَلَفِ الْمَرْهُونِ.
(قَوْلُهُ: وُجُوبًا) أَيْ: وَلَوْ قَاضِيًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْإِمَامِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ بِالصِّحَّةِ حِينَئِذٍ.
(قَوْلُهُ: وَيَجِبُ إثْبَاتُهُمَا الْعَدَالَةَ لِيُسَجِّلَ) أَيْ لِيَحْكُمَ إذْ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ التَّسْجِيلِ كَمَا فِي التُّحْفَةِ كَشَرْحِ الرَّوْضِ وَإِنْ أَوْهَمَ صَنِيعُ الشَّارِحِ خِلَافَهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْأَبِ وَالْجَدِّ عَلَى إثْبَاتِ أَنَّهُ وَقَعَ بِالْمَصْلَحَةِ، وَيَتَوَقَّفُ عَلَى إثْبَاتِ عَدَالَتِهِمَا كَمَا يُعْلَمُ بِمُرَاجَعَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ كَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَاكَ فِي جَوَازِ تَرْكِ الْحَاكِمِ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِلِاكْتِفَاءِ بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ؛ لِبَقَائِهِمَا عَلَى الْوِلَايَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ عِبَارَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا هُنَا فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ.
وَلَا مَالَ نَفْسِهِ لَهُ وَلَا يَقْتَصُّ لَهُ وَلِيُّهُ، وَلَوْ أَبًا فَشَمَلَ مَا لَوْ وَرِثَهُ وَمَا لَوْ جَنَى عَلَى طَرْفِهِ، وَلَا يَعْفُو عَنْ قِصَاصٍ إلَّا فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ الْفَقِيرِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ أَبًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجِنَايَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ لِلصَّبِيِّ غَايَةً تُنْتَظَرُ بِخِلَافِ الْجُنُونِ، وَلَا يُكَاتِبُ رَقِيقَهُ وَلَا يُدَبِّرُهُ وَلَا يُعَلِّقُ عِتْقَهُ عَلَى صِفَةٍ وَلَا يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ وَلَوْ بِعِوَضٍ وَلَا يَصْرِفُ مَالَهُ فِي الْمُسَابِقَةِ وَلَا يَشْتَرِي لَهُ إلَّا مِنْ ثِقَةٍ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مَنْعُ شِرَاءِ الْجَوَارِي لَهُ لِلتِّجَارَةِ لَغَرَرِ الْهَلَاكِ وَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ لَهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ (وَيَأْخُذُ لَهُ بِالشُّفْعَةِ أَوْ يَتْرُكُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ) الَّتِي رَآهَا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِفِعْلِهَا وَيَتْرُكُ الْأَخْذَ عِنْدَ عَدَمِهَا، وَإِنْ عُدِمَتْ فِي التَّرْكِ أَيْضًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ كَغَيْرِهِ، قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَالنَّصُّ يُفْهِمُهُ، وَالْآيَةُ تَشْهَدُ لَهُ: يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ قَطَعُوا هُنَا بِوُجُوبِ أَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ وَحَكَوْا وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا بِيعَ شَيْءٌ بِغِبْطَةٍ هَلْ يَجِبُ شِرَاؤُهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ وَفِي الْإِهْمَالِ تَفْوِيتٌ، وَالتَّفْوِيتُ مُمْتَنِعٌ، بِخِلَافِ الِاكْتِسَابِ فَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ وُجُودِ الْغِبْطَةِ وَكَمُلَ الْمَحْجُورُ أَخَذَهَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْوَلِيِّ حِينَئِذٍ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ وَلَايَتِهِ فَلَا يَفُوتُ بِتَصَرُّفِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَهَا لِعَدَمِ الْغِبْطَةِ وَلَوْ فِي الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ مَعًا، وَلَوْ كَانَتْ الشُّفْعَةُ لِلْوَلِيِّ بِأَنْ بَاعَ شِقْصًا لِلْمَحْجُورِ وَهُوَ شَرِيكُهُ فِيهِ فَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ بِهَا؛ إذْ لَا تُؤْمَنُ مُسَامَحَتُهُ فِي الْبَيْعِ لِرُجُوعِ الْمَبِيعِ إلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ، أَمَّا إذَا اشْتَرَى لَهُ شِقْصًا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ فَلَهُ الْأَخْذُ؛ إذْ لَا تُهْمَةَ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ، أَمَّا هُمَا فَلَهُمَا الْأَخْذُ مُطْلَقًا، وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ كَالرَّافِعِيِّ بِالْمَصْلَحَةِ دُونَ الْغِبْطَةِ أَوْلَى لِعُمُومِهَا؛ إذْ الْغِبْطَةُ كَمَا مَرَّ بَيْعٌ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْقِيمَةِ لَهَا وَقْعٌ، وَالْمَصْلَحَةُ لَا تَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ لِصِدْقِهَا بِنَحْوِ شِرَاءِ مَا يُتَوَقَّعُ فِيهِ الرِّبْحُ وَبَيْعُ مَا يُتَوَقَّعُ فِيهِ الْخُسْرَانُ؛ لِأَنَّ عِبَارَتَهُ تُفِيدُ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ عَلَى الْوَلِيِّ بَيْعٌ خَالٍ عَنْ نَفْعٍ وَضَرَرٍ لَا الَّذِي فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ فِيهِ إلَى الْغِبْطَةِ، وَلَوْ أَخَذَ الْوَلِيُّ مَعَ الْمَصْلَحَةِ فَكَمُلَ الْمَحْجُورُ، وَأَرَادَ الرَّدَّ لَمْ يُمْكِنْ، وَلَوْ ادَّعَى عَلَى غَيْرِ الْأَصْلِ تَرْكَ الْأَخْذِ مَعَ الْمَصْلَحَةِ أَوْ التَّصَرُّفِ بِدُونِهِمَا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ، بِخِلَافِ الْأَصْلِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ لِانْتِفَاءِ اتِّهَامِهِ.
.
(وَيُزَكِّي مَالَهُ) وَبَدَنَهُ فَوْرًا حَتْمًا؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ كَمَا مَرَّ فِي الزَّكَاةِ (وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ)
[حاشية الشبراملسي]
ذَلِكَ بِمَا إذَا ادَّعَى عَلَيْهِمَا حِسْبَةً بِأَنَّهُمَا أَخَذَا مَالَ مَحْجُورِهِمَا وَتَصَرَّفَا فِيهِ لِأَنْفُسِهِمَا.
(قَوْلُهُ: مَا لَوْ وَرِثَهُ) أَيْ وَرِثَ الصَّبِيُّ الْقِصَاصَ (قَوْلُهُ: وَلَا يَشْتَرِيَ لَهُ إلَّا مِنْ ثِقَةٍ)
أَيْ خَوْفًا مِنْ خُرُوجِهِ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا بِعَيْبٍ أَخْفَاهُ الْبَائِعُ وَقَدْ لَا يَتَأَتَّى التَّدَارُكُ بَعْدُ فَلَوْ خَالَفَ بَطَلَ
(قَوْلُهُ: لِغَرَرِ الْهَلَاكِ) قَضِيَّةُ هَذِهِ الْعِلَّةِ جَرَيَانُ ذَلِكَ فِي الْحَيَوَانِ مُطْلَقًا، وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَعِبَارَتُهُ: وَلَا يَظْهَرُ جَوَازُ شِرَاءِ الْحَيَوَانِ لَهُ لِلتِّجَارَةِ لِغَرَرِ الْهَلَاكِ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَرَكَهَا) أَيْ الشُّفْعَةَ: أَيْ الْأَخْذَ بِهَا
(قَوْلُهُ: بِأَنْ بَاعَ) أَيْ الْأَجْنَبِيُّ
(قَوْلُهُ: لَهُ الْأَخْذُ بِهَا) أَيْ لِنَفْسِهِ
(قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا اشْتَرَى لَهُ) أَيْ لِلطِّفْلِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الْوَلِيُّ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) بَاعَ لَهُ أَوْ أَخَذَ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ ادَّعَى) لَا يُقَالُ: سَيَأْتِي هَذَا فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ ادَّعَى بَعْدَ بُلُوغِهِ إلَخْ.
لِأَنَّا نَقُولُ: مَا هُنَا أَعَمُّ لَا يَأْتِي فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: صُدِّقَ) أَيْ الصَّبِيُّ.
(قَوْلُهُ: وَيُزَكِّي مَالَهُ وَبَدَنَهُ إلَخْ) إنْ كَانَ مَذْهَبُهُ ذَلِكَ وَافَقَ مَذْهَبَ الْوَلِيِّ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ فَالِاحْتِيَاطُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْقَفَّالُ أَنْ يَحْسِبَ زَكَاتَهُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيُخْبِرَهُ بِهَا، أَوْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ لِقَاضٍ يَرَى وُجُوبَهَا
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: فَشَمِلَ مَا لَوْ وَرِثَهُ) مُرَادُهُ بِهِ تَصْوِيرُ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ مَعَ بَقَاءِ الْوِلَايَةِ (قَوْلُهُ: إلَّا مِنْ ثِقَةٍ) أَيْ فَقَدْ يَخْرُجُ الْبَيْعُ مُسْتَحَقًّا.
(قَوْلُهُ: لِلْمَحْجُورِ) وَصْفٌ لِلشِّقْصِ أَيْ بَاعَ ذَلِكَ لِأَجْنَبِيٍّ (قَوْلُهُ: إذْ الْغِبْطَةُ كَمَا مَرَّ بَيْعٌ بِزِيَادَةٍ إلَخْ) الَّذِي مَرَّ لَيْسَ هُوَ قَصْرَ الْغِبْطَةِ عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا الَّذِي مَرَّ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَاصَدَقَاتِهَا (قَوْلُهُ: أَوْ التَّصَرُّفَ بِدُونِهِمَا) يَعْنِي الْآخِذَ بِالشُّفْعَةِ إذْ غَيْرُهُ سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ بَعْضُهُ
فِي طَعَامٍ وَكِسْوَةٍ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ فِي يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ، فَإِنْ قَصَرَ أَثِمَ أَوْ أَسْرَفَ ضَمِنَ وَأَثِمَ، وَيَخْرُجُ عَنْهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ إنْ لَمْ يُطْلَبْ مِنْهُ ذَلِكَ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا مَرَّ فِي الْفَلَسِ مَعَ أَنَّ الدَّيْنَ الْحَالَّ لَا يَجِبُ وَفَاؤُهُ إلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ مَعَ أَنَّ الْأَرْشَ دَيْنٌ؛ لِأَنَّ ذَاكَ ثَبَتَ بِالِاخْتِيَارِ فَتَوَقَّفَ وُجُوبُ أَدَائِهِ عَلَى طَلَبِهِ بِخِلَافِ مَا هُنَا، وَيُنْفِقُ عَلَى قَرِيبِهِ بَعْدَ الطَّلَبِ مِنْهُ كَمَا ذَكَرَاهُ لِسُقُوطِهَا بِمُضِيِّ الزَّمَانِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ مَجْنُونًا أَوْ طِفْلًا أَوْ زَمِنًا يَعْجَزُ عَنْ الْإِرْسَالِ، وَلَا وَلِيَّ لَهُ خَاصٌّ لَمْ يَحْتَجْ إلَى طَلَبٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَكَلَامُهُمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَلِيٌّ خَاصٌّ اُعْتُبِرَ طَلَبُهُ فِيمَا يَظْهَرُ، وَكَالصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ الْمَجْنُونُ وَالسَّفِيهُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَلِيُّ فِي مَالِ مَحْجُورِهِ نَفَقَةً وَلَا أُجْرَةً، فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا وَاشْتَغَلَ بِسَبَبِهِ عَنْ الِاكْتِسَابِ أَخَذَ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْأُجْرَةِ وَالنَّفَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6] وَلِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَالِ مَنْ لَا تُمْكِنُ مُوَافَقَتُهُ فَجَازَ لَهُ الْأَخْذُ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَعَامِلِ الصَّدَقَاتِ، وَكَالْأَكْلِ غَيْرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمُؤَنِ وَإِنَّمَا خُصَّ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ وُجُوهِ الِانْتِفَاعَاتِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْحَاكِمِ، أَمَّا هُوَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِعَدَمِ اخْتِصَاصِ وَلَايَتِهِ بِالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ حَتَّى أَمِينِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ، وَلَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِالْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ الْحَاكِمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إذَا نَقَصَ أَجْرُ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ أَوْ الْأُمِّ إذَا كَانَتْ وَصِيَّةً عَنْ نَفَقَتِهِمْ وَكَانُوا فُقَرَاءَ يُتِمُّونَهَا مِنْ مَالِ مَحْجُورِهِمْ؛ لِأَنَّهَا إذَا وَجَبَتْ بِلَا عَمَلٍ فَمَعَهُ أَوْلَى، وَلَا يَضْمَنُ الْمَأْخُوذُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ عَمَلِهِ، وَلِلْوَلِيِّ خَلْطُ مَالِهِ بِمَالِ الصَّبِيِّ وَمُوَاكَلَتُهُ لِلْإِرْفَاقِ حَيْثُ كَانَ لِلصَّبِيِّ فِيهِ حَظٌّ، وَيَظْهَرُ ضَبْطُهُ بِأَنْ تَكُونَ كُلْفَتُهُ مَعَ الِاجْتِمَاعِ أَقَلَّ مِنْهَا مَعَ الِانْفِرَادِ، وَلَهُ الضِّيَافَةُ وَالْإِطْعَامُ مِنْهُ حَيْثُ فَضَلَ لِلْمَوْلَى قَدْرُ حَقِّهِ، وَكَذَا خَلْطُ أَطْعِمَةِ أَيْتَامٍ إنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ فِيهِ
وَيُسَنُّ لِلْمُسَافِرِينَ خَلْطُ أَزْوَادِهِمْ وَإِنْ تَفَاوَتَ أُكُلُهُمْ
[حاشية الشبراملسي]
فَيُلْزِمَهُ بِهَا حَتَّى لَا يَرْفَعَ بَعْدُ لِحَنَفِيٍّ يُغَرِّمُهُ إيَّاهَا اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِالِاحْتِيَاطِ جَوَازُ الْإِخْرَاجِ حَالًا، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ كَيْفَ يُضَيِّعُ مَالَهُ فِيمَا لَا يَرَى وُجُوبَهُ عَلَيْهِ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالِاحْتِيَاطِ وُجُوبُ ذَلِكَ حِفْظًا لِمَالِ الْمُولَى عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ) أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ لِمِثْلِهِ وَإِنْ زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ وَتَعَدَّدَ مِنْ نَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ مِنْ التَّوَسُّعَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَالْأَعْيَادِ وَنَحْوِهَا مِنْ مَطْعَمٍ وَمَلْبَسٍ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَاكَ ثَبَتَ بِالِاخْتِيَارِ) وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ أَتْلَفَ مَالًا لِغَيْرِهِ أَوْ تَعَدَّى بِاسْتِعْمَالِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُ الْبَدَلِ لِمَا أَتْلَفَهُ وَأُجْرَةُ مَا اسْتَعْمَلَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ صَاحِبُهُ
(قَوْلُهُ: بَعْدَ الطَّلَبِ مِنْهُ) أَيْ الْقَرِيبِ، فَلَوْ لَمْ يَطْلُبْ وَصَرَفَ لَهُ ضَمِنَ (قَوْلُهُ: أَوْ زَمِنًا) أَيْ وَكَذَا لَوْ كَانَ عَاقِلًا قَادِرًا عَلَى الطَّلَبِ وَاضْطُرَّ وَلَمْ يَطْلُبْ فَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ إعْطَاؤُهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: وَلَا وَلِيَّ لَهُ) أَيْ أَوْ لَهُ وَلِيٌّ خَاصٌّ وَلَمْ يَطْلُبْ
(قَوْلُهُ: أَخَذَ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ) الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْوَلِيِّ وَخَرَجَ بِهِ غَيْرُهُ كَالْوَكِيلِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مُوَكِّلُهُ شَيْئًا عَلَى عَمَلِهِ فَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ لِمَا يَأْتِي أَنَّ الْوَلِيَّ جَازَ لَهُ الْأَخْذُ؛ لِأَنَّهُ: أَيْ أَخْذَهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ مَنْ لَا تُمْكِنُ مُوَافَقَتُهُ، وَهُوَ يُفْهِمُ عَدَمَ جَوَازِ أَخْذِ الْوَكِيلِ لِإِمْكَانِ مُرَاجَعَةِ مُوَكِّلِهِ فِي تَقْدِيرِ شَيْءٍ لَهُ أَوْ عَزْلِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ امْتِنَاعُ مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ اخْتِيَارِ شَخْصٍ حَاذِقٍ لِشِرَاءِ مَتَاعٍ فَيَشْتَرِيهِ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ لِحِذْقِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَيَأْخُذُ لِنَفْسِهِ تَمَامَ الْقِيمَةِ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَفَرَّهُ لِحِذْقِهِ وَبِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ أَيْضًا زَمَنًا كَانَ يُمْكِنُهُ فِيهِ الِاكْتِسَابُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ مَا بَقِيَ لِمَالِكِهِ لِمَا ذَكَرَ مِنْ إمْكَانِ مُرَاجَعَةِ إلَخْ، فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ كَثِيرًا (قَوْلُهُ مِنْ الْأُجْرَةِ) وَمَحَلُّ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَقَلِّ فِي الْأُجْرَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَبًا وَلَا جَدًّا وَلَا أُمًّا كَمَا يَأْتِي
(قَوْلُهُ: أَقَلَّ مِنْهَا) أَيْ وَلَوْ بِقَدْرٍ يَسِيرٍ
(قَوْلُهُ: وَالْإِطْعَامُ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا خَلَطَ.
.
(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ إلَخْ) إنَّمَا سُنَّ ذَلِكَ لِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الِاسْتِئْنَاسِ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: خَلْطُ أَزْوَادِهِمْ) لَعَلَّهُ عِنْدَ الْأَكْلِ مَثَلًا بِأَنْ يَضَعَ كُلٌّ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ زَادِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ الْخَلْطِ، فَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرُوهُ فِي الْحَجِّ مِنْ طَلَبِ عَدَمِ الْمُشَارَكَةِ فَلْيُرَاجَعْ
حَيْثُ كَانَ فِيهِمْ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ.
، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ تَقْدِيمُ مُوَلِّيهِ فِي الشِّرَاءِ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ تَضَجَّرَ الْأَبُ وَإِنْ عَلَا فَلَهُ الرَّفْعُ إلَى الْحَاكِمِ لِيُنَصِّبَ قَيِّمًا بِأُجْرَةٍ مِنْ مَالِ مَحْجُورِهِ، وَيُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ إنْ فَقَدَ مُتَبَرِّعًا، وَلَهُ أَنْ يُنَصِّبَ غَيْرَهُ بِهَا بِنَفْسِهِ وَيُنْفِقُ الْوَلِيُّ أَيْضًا عَلَى حَيَوَانِهِ وَيَسْتَأْجِرُ مَنْ يُعَلِّمُهُ الْوَاجِبَ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ حِرْفَةٍ لَائِقَةٍ (فَإِنْ) (ادَّعَى) الصَّغِيرُ (بَعْدَ بُلُوغِهِ) أَوْ الْمَجْنُونُ بَعْدَ إفَاقَتِهِ أَوْ الْمُبَذِّرُ بَعْدَ رُشْدِهِ (عَلَى الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ بَيْعًا) لِمَالِهِ وَلَوْ غَيْرَ عَقَارٍ (بِلَا مَصْلَحَةٍ) وَلَا بَيِّنَةٍ كَمَا بِأَصْلِهِ وَحَذَفَهُ لِوُضُوحِهِ (صُدِّقَا بِالْيَمِينِ) ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَّهَمَيْنِ لِوُفُورِ شَفَقَتِهِمَا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ قَبُولُ قَوْلِ الْأُمِّ إنْ كَانَتْ وَصِيَّةً، وَكَذَا مَنْ فِي مَعْنَاهَا كَآبَائِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ (وَإِنْ ادَّعَاهُ عَلَى الْوَصِيِّ أَوْ الْأَمِينِ) أَيْ مَنْصُوبِ الْقَاضِي (صُدِّقَ هُوَ بِيَمِينِهِ) لِلتُّهْمَةِ فِي حَقِّهِمَا، وَمَحَلُّ مَا ذُكِرَ فِي غَيْرِ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ، أَمَّا فِيهَا فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ قَبُولُ قَوْلِهِمَا لِعُسْرِ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِمَا فِيهَا وَدَعْوَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْوَلِيِّ كَدَعْوَاهُ عَلَى الْوَلِيِّ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ إنْ اشْتَرَى مِنْ غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ لَا إنْ اشْتَرَى مِنْهُمَا، وَلَوْ أَقَامَ مَنْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ مِنْ الْوَلِيِّ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ حُكِمَ لَهُ بِهَا وَلَوْ بَعْدَ الْحَلِفِ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالدَّعْوَى عَلَى الْقَاضِي وَلَوْ قَبْلَ عَزْلِهِ
[حاشية الشبراملسي]
الْأَكْلِ وَالْوَحْشَةِ بِانْفِرَادِهِمْ وَلِلْبَرَكَةِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ تَضَجَّرَ الْأَبُ) قَالَ حَجّ: وَلِلْأَبِ وَالْجَدِّ اسْتِخْدَامُ مَحْجُورِهِ فِيمَا لَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ وَلَا يَضُرُّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ عَلَى الْأَوْجَهِ، خِلَافًا لِمَنْ جَزَمَ بِأَنَّ لَهُ ضَرْبَهُ عَلَيْهِ وَإِعَارَتَهُ لِذَلِكَ وَلِخِدْمَةِ مَنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ مَا يَنْفَعُهُ دِينًا أَوْ دُنْيَا وَإِنْ قُوبِلَ بِأُجْرَةٍ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي أَوَّلَ الْعَارِيَّةِ وَبَحْثُ أَنَّ عِلْمَ رِضَا الْوَلِيِّ كَإِذْنِهِ، وَأَنَّ لِلْوَلِيِّ إيجَارَهُ بِنَفَقَتِهِ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ إنْ عَلِمَ أَنَّ لَهُ فِيهَا مَصْلَحَةً لِكَوْنِ نَفَقَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَتِهِ عَادَةً وَأَفْتَى الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ لَوْ اسْتَخْدَمَ ابْنَ بِنْتِهِ لَزِمَهُ أُجْرَتُهُ إلَى بُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ، وَإِنْ لَمْ يُكْرِهْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ بِمَنَافِعِهِ الْمُقَابَلَةِ بِالْعِوَضِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تَجِبْ أُجْرَةُ الرَّشِيدِ إلَّا إنْ أَكْرَهَهُ، وَيَجْرِي هَذَا فِي غَيْرِ الْجَدِّ كَالْأُمِّ اهـ. وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ كَالْأُمِّ أَنَّهُ لَا يَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْأَبِ وَأَبِيهِ، وَقَدْ يَقْتَضِي قَوْلُهُ قَبْلَ الْأَبِ وَالْجَدِّ إلَخْ خِلَافَهُ فِيمَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ، ثُمَّ رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ مِنْ حَجّ فِي غَيْرِ الْجَدِّ لِلْأُمِّ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ، وَقَوْلُهُ وَلِلْأَبِ اسْتِخْدَامُ مَحْجُورِهِ إلَخْ يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُرِدْ تَرْبِيَتَهُ وَتَدْرِيبَهُ عَلَى الْأُمُورِ لِيَعْتَادَهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ وَلِخِدْمَةٍ إلَخْ، ثُمَّ قَضِيَّةُ قَوْلِهِ بِمَا لَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ أَنَّهُ لَوْ اسْتَخْدَمَهُ فِيمَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ لَزِمَتْهُ وَإِنْ لَمْ يُكْرِهْهُ لَكِنَّهُ بِوَلَايَتِهِ عَلَيْهِ إذَا قَصَدَ بِإِنْفَاقِهِ عَلَيْهِ جَعْلَ النَّفَقَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْأُجْرَةِ اللَّازِمَةِ لَهُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ وُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَوْ كَسْبٌ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَهَذَا بِوُجُوبِ الْأُجْرَةِ لَهُ صَارَ لَهُ مَالٌ، أَمَّا الْإِخْوَةُ إذَا وَقَعَ مِنْهُمْ اسْتِخْدَامٌ لِبَعْضِهِمْ وَجَبَتْ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِمْ لِلصِّغَارِ مِنْهُمْ إذَا اسْتَخْدَمُوهُمْ وَلَمْ تَسْقُطْ عَنْهُمْ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ وَلَايَةُ التَّمْلِيكِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الِاسْتِخْدَامِ وَعَدَمِهِ صُدِّقَ مُنْكِرُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَطَرِيقُ مَنْ أَرَادَ الْخَلَاصَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ وَيَسْتَأْجِرَ إخْوَتَهُ الصِّغَارَ بِأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَيَسْتَأْذِنَهُ فِي صَرْفِ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِمْ فَيَبْرَأَ بِذَلِكَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي عَدَمِ بَرَاءَةِ الْأَخِ مَثَلًا مَا لَوْ كَانَ لِإِخْوَتِهِ جَامَكِيَّةٌ مَثَلًا، وَأَخَذَ مَا يَتَحَصَّلُ مِنْهَا وَصَرَفَهُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَبْرَأُ مِنْ ذَلِكَ وَطَرِيقُهُ الرَّفْعُ إلَى الْحَاكِمِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ ادَّعَى) الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ هُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ لَا يُعْلَمُ مِمَّا قَدَّمَهُ (قَوْلُهُ: صُدِّقَ هُوَ) أَيْ الصَّغِيرُ (قَوْلُهُ: قَبُولُ قَوْلِهِمَا) أَيْ الْوَصِيِّ وَالْأَمِينِ (قَوْلُهُ: لِعُسْرِ الْإِشْهَادِ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: وَمَالَ م ر إلَى التَّفْصِيلِ بَيْنَ مَا يَعْسُرُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ كَأَنْ جَلَسَا فِي حَانُوتٍ لِيَبِيعَا شَيْئًا فَشَيْئًا فَيُقْبَلَ قَوْلُهُمَا مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ لِعُسْرِهِ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يَعْسُرَ كَمَا لَوْ أَرَادَ بَيْعَ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ) أَيْ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الْأَذْرَعِيِّ.
[بَابُ الصُّلْحِ وَمَا يُذْكَرُ مَعَهُ مِنْ التَّزَاحُمِ عَلَى الْحُقُوقِ وَالتَّنَازُعِ فِيهَا] .
كَالدَّعْوَى عَلَى الْوَصِيِّ وَالْأَمِينِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ التَّنْبِيهِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ الْفَزَارِيّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ.
.
بَابُ الصُّلْحِ
وَمَا يُذْكَرُ مَعَهُ مِنْ التَّزَاحُمِ عَلَى الْحُقُوقِ وَالتَّنَازُعِ فِيهَا (وَالصُّلْحُ لُغَةً: قَطْعُ النِّزَاعِ.
وَشَرْعًا عَقْدٌ يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ) : (صُلْحٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَبَيْنَ الْإِمَامِ وَالْبُغَاةِ، وَبَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ الشِّقَاقِ، وَصُلْحٌ فِي الْمُعَامَلَةِ) ، وَهُوَ مَقْصُودُ الْبَابِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128] وَمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا
[حاشية الشبراملسي]
مِقْدَارٍ كَبِيرٍ جُمْلَةً بِثَمَنٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشْهَادِ اهـ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) عِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: قَوْلُهُ وَلَوْ بَعْدَ عَزْلِهِ إلَخْ الْمُعْتَمَدُ قَبُولُهُ بِيَمِينِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى وَلَايَتِهِ لَا إنْ كَانَ مَعْزُولًا م ر اهـ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ) أَيْ حَيْثُ قَالَ آخِرًا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِلَا تَحْلِيفٍ وَلَوْ بَعْدَ عَزْلِهِ اهـ مَنْهَجٌ.
(بَابُ الصُّلْحِ)
لَوْ عَبَّرَ بِكِتَابٍ كَانَ أَوْضَحَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَا قَبْلَهُ، وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَيُقَالُ الصُّلْحُ جَائِزٌ وَجَائِزَةٌ، وَهُوَ رُخْصَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ هِيَ الْحُكْمُ الْمُتَغَيِّرُ إلَيْهِ السَّهْلُ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِتَسْمِيَتِهَا رُخْصَةً التَّغَيُّرُ بِالْفِعْلِ بَلْ وُرُودُ الْحُكْمِ عَلَى خِلَافِ مَا تَقْتَضِيهِ الْأُصُولُ الْعَامَّةُ كَافٍ فِي كَوْنِهِ رُخْصَةً كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ مَتْنِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَشَرْحِهِ، وَنُقِلَ فِي الدَّرْسِ عَنْ الْعُبَابِ الْجَزْمُ بِمَا قُلْنَاهُ فَرَاجِعْهُ
(قَوْلُهُ: وَالتَّنَازُعُ فِيهَا) أَيْ: وَمَا يُذْكَرُ مَعَهُمَا كَالْجِدَارِ بَيْنَ الْمَالِكَيْنِ
(قَوْلُهُ: وَالصُّلْحُ لُغَةً قَطْعُ النِّزَاعِ) عِبَارَةُ الشَّيْخِ عُمَيْرَةَ: لُغَةً وَعُرْفًا اهـ.
أَقُولُ: وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الشَّارِحُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ اللُّغَةَ فِي شَيْءٍ، وَجَرَوْا هُنَا عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ أَعَمُّ مِنْ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ: أَيْ فَيَكُونُ الشَّرْعِيُّ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ اللُّغَوِيِّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ قَطْعُ النِّزَاعِ لَيْسَ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ قَطْعِ النِّزَاعِ فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ وَإِنْ اتَّحَدَا بِحَسَبِ التَّحَقُّقِ وَالْوُجُودِ: أَيْ فَالْمَكَانُ الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْعَقْدُ يَتَحَقَّقُ فِيهِ قَطْعُ النِّزَاعِ وَلَا عَكْسٌ، فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ بِحَسَبِ التَّحَقُّقِ وَتَبَايُنٌ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ، وَقَوْلُهُ ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128] هِيَ مُخَرَّجَةٌ عَلَى سَبَبٍ وَهُوَ الشِّقَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كَانَتْ عَيْنَ الْأَوْلَى فَلَمْ يَكُنْ نَصًّا فِي الْمُدَّعَى هُنَا.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَغْلَبِيَّةٌ، وَالْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ الْعُدُولُ عَنْ الضَّمِيرِ إلَى الِاسْمِ الظَّاهِرِ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ عُمُومُ اللَّفْظِ لَا خُصُوصُ السَّبَبِ
(قَوْلُهُ: وَبَيْنَ الْإِمَامِ وَالْبُغَاةِ) لِمَ خَصَّ الْإِمَامَ وَهَلَّا عُمِّمَ كَالْأَوَّلِ فَقَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالْبُغَاةِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: وَيُجَابُ
[حاشية الرشيدي]
(بَابُ الصُّلْحِ) (قَوْلُهُ: وَصُلْحٌ فِي الْمُعَامَلَةِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْقُوتِ وَعَلَى: أَيْ وَيَقَعُ عَلَى الصُّلْحِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالدَّعَاوَى وَالْخُصُومَاتِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.
صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا» أَيْ كَأَنْ كَانَ عَلَى نَحْوِ خَمْرٍ «أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» أَيْ كَأَنْ لَا يَتَصَرَّفُ فِي الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ، وَالْكُفَّارُ كَالْمُسْلِمِينَ، وَخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِانْقِيَادِهِمْ إلَى الْأَحْكَامِ غَالِبًا، وَلَفْظُهُ يَتَعَدَّى إلَى الْمَتْرُوكِ بِمِنْ وَعَنْ وَلِلْمَأْخُوذِ بِعَلَى وَالْبَاءِ غَالِبًا.
(هُوَ قِسْمَانِ) : (أَحَدُهُمَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا صُلْحٌ عَلَى إقْرَارٍ) أَوْ حُجَّةٍ أُخْرَى (فَإِنْ جَرَى عَلَى عَيْنِ غَيْرِ الْمُدَّعَاةِ) كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ دَارًا فَأَقَرَّ لَهُ بِهَا وَصَالَحَهُ عَنْهَا بِمُعَيَّنٍ كَثَوْبٍ (فَهُوَ بَيْعٌ) لِلْمُدَّعَاةِ مِنْ الْمُدَّعِي لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِلَفْظِ الصُّلْحِ) وَيُسَمَّى صُلْحَ الْمُعَاوَضَةِ (تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ) أَيْ الْبَيْعِ (كَالشُّفْعَةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ) وَخِيَارِ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ (وَمُنِعَ تَصَرُّفُهُ) فِي الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ (قَبْلَ قَبْضِهِ وَاشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ إنْ اتَّفَقَا) أَيْ الْمُصَالَحُ عَنْهُ، وَالْمُصَالَحُ عَلَيْهِ (فِي عِلَّةِ الرِّبَا) وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ كَاشْتِرَاطِ التَّسَاوِي إذَا كَانَ جِنْسًا رِبَوِيًّا وَاشْتِرَاطِ الْقَطْعِ فِي بَيْعِ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ وَجَرَيَانِ التَّحَالُفِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ وَفَسَادِهِ بِالْغَرَرِ، وَالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَالْجَهْلِ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْبَيْعِ يَصْدُقُ عَلَى ذَلِكَ.
أَمَّا إذَا صَالَحَهُ عَلَى دَيْنٍ فَإِنْ كَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَهُوَ بَيْعٌ أَيْضًا أَوْ عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا مَثَلًا مَوْصُوفًا بِصِفَةِ السَّلَمِ فَهُوَ سَلَمٌ، وَسَكَتَ الشَّيْخَانِ عَنْ ذَلِكَ لِظُهُورِهِ، قَالَهُ الشَّارِحُ جَوَابًا عَمَّا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ فَإِنْ جَرَى عَلَى غَيْرِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ لِيَشْمَلَ مَا لَوْ كَانَ عَلَى عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ.
وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَحْسُنْ إطْلَاقُ كَوْنِهِ بَيْعًا بَلْ فِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ.
وَمَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ فَهُوَ سَلَمٌ: أَيْ حَقِيقَةً إنْ كَانَ بِلَفْظِهِ وَإِلَّا فَهُوَ سَلَمٌ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً (أَوْ) جَرَى الصُّلْحُ مِنْ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ (عَلَى مَنْفَعَةٍ) لِغَيْرِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ
[حاشية الشبراملسي]
بِأَنَّ الْقَائِمَ فِي الصُّلْحِ عَنْ أَهْلِ الْعَدْلِ نَائِبُ الْإِمَامِ فَكَأَنَّ الصُّلْحَ وَاقِعٌ مِنْهُ فَالْمُرَادُ الْإِمَامُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا (قَوْلُهُ: أَيْ كَأَنْ لَا يَتَصَرَّفَ إلَخْ) أَيْ وَكَأَنْ صَالَحَ زَوْجَتَهُ عَمَّا تَدَّعِيهِ عَلَيْهِ وَأَقَرَّ لَهَا بِهِ عَلَى أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ حُجَّةٍ أُخْرَى) عَبَّرَ بِهَا لِتَشْمَلَ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ فَإِنَّهُمَا حُجَّةٌ لَا بَيِّنَةٌ وَمِنْ الْحُجَّةِ عِلْمُ الْقَاضِي
(قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا صَالَحَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي وَهُوَ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ عَلَى عَيْنٍ
(قَوْلُهُ: عَلَى دَيْنٍ) أَيْ فِي ذِمَّةِ الْمُقِرِّ كَأَنْ يَقُولَ: صَالَحْتُك مِمَّا تَدَّعِيهِ عَلَى كَذَا فِي ذِمَّتِي
(قَوْلُهُ: فَهُوَ بَيْعٌ أَيْضًا) وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي بَابِ السَّلَمِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي النَّقْدَيْنِ إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ غَيْرَهُمَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: يُمْكِنُهُ حَمْلُ ذَاكَ عَلَى مَا إذَا جَرَى الْعَقْدُ بِلَفْظِ السَّلَمِ خَاصَّةً وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَمْ يُحْمَلْ عَلَى السَّلَمِ مَعَ صَلَاحِيَّتِهِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي النَّقْدِ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْلَمًا فِيهِ بَلْ يَكُونُ ثَمَنًا، وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ الصُّلْحِ مُحْتَمِلًا لِلْبَيْعِ وَغَيْرِهِ حُمِلَ عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ كَمَا تَقَرَّرَ
(قَوْلُهُ: فَهُوَ سَلَمٌ) أَيْ إنْ جَرَى بِلَفْظِ السَّلَمِ وَإِلَّا فَهُوَ بَيْعٌ فِي الذِّمَّةِ كَمَا يَأْتِي
(قَوْلُهُ: وَسَكَتَ الشَّيْخَانِ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ قَوْلِهِ عَلَى دَيْنٍ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَهُوَ سَلَمٌ حُكْمًا) قَدْ يُفْهِمُ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ السَّلَمِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا مَرَّ لَهُ فِي السَّلَمِ مِنْ أَنَّ الْعَقْدَ إذَا وَقَعَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْبَيْعِ دُونَ السَّلَمِ، وَقَالَ حَجّ: إنَّ الْبَيْعَ إذَا أُطْلِقَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ لِمُقَابِلِ السَّلَمِ لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا، فَهُوَ أَعَنَى الْبَيْعَ لَا يَخْرُجُ عَنْ مَوْضُوعِهِ لِغَيْرِهِ، فَإِذَا نَافَى لَفْظُهُ مَعْنَاهُ غَلَبَ لَفْظُهُ؛ لِأَنَّهُ الْأَقْوَى.
وَأَمَّا لَفْظُ الصُّلْحِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ شَرْعًا لِعُقُودٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِحَسَبِ الْمَعْنَى لَا غَيْرُ، فَلَيْسَ لَهُ مَوْضُوعٌ خَاصٌّ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ لَفْظُهُ حَتَّى يَغْلِبَ فِيهِ فَتَعَيَّنَ فِيهِ تَحْكِيمُ الْمَعْنَى لَا غَيْرُ اهـ.
فَيُحْتَمَلُ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَالشَّرْطُ الْفَاسِدُ) أَيْ الْمُفْسِدُ.
(قَوْلُهُ: وَالْجَهْلُ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ ذِكْرِ الْغَرَرِ.
(قَوْلُهُ: جَوَابًا عَمَّا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى الْمُصَنِّفِ) أَيْ: الْمُوَافِقَةُ عِبَارَتُهُ لِبَقِيَّةِ كُتُبِهِ وَلِكُتُبِ الرَّافِعِيِّ، وَمِنْ ثَمَّ جَعَلَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ الْجَوَابَ عَنْ سُكُوتِ الشَّيْخَيْنِ مُطْلَقًا لَا عَنْ خُصُوصِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ) يَعْنِي مَفْهُومَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ عَلَى عَيْنٍ وَالتَّفْصِيلُ هُوَ كَوْنُ الدَّيْنِ تَارَةً يَكُونُ بَيْعًا وَتَارَةً يَكُونُ سَلَمًا.
..
كَخِدْمَةِ عَبْدٍ شَهْرًا (فَإِجَارَةٌ تَثْبُتُ أَحْكَامُهَا) أَيْ الْإِجَارَةِ فِي ذَلِكَ لِصِدْقِ حَدِّ الْإِجَارَةِ عَلَيْهِ.
أَمَّا لَوْ صَالَحَ عَلَى مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ فَهِيَ إعَارَةٌ تَثْبُتُ أَحْكَامُهَا، فَإِنْ عَيَّنَ مُدَّةً فَإِعَارَةٌ مُؤَقَّتَةٌ وَإِلَّا فَمُطْلَقَةٌ (أَوْ) جَرَى الصُّلْحُ (عَلَى بَعْضِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ) كَرُبُعِهَا (فَهِبَةٌ لِبَعْضِهَا) الْبَاقِي (لِصَاحِبِ الْيَدِ) عَلَيْهَا (فَتَثْبُتُ أَحْكَامُهَا) أَيْ الْهِبَةِ الْمُقَرَّرَةِ فِي بَابِهَا مِنْ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ وَغَيْرِهِ لِصِدْقِ حَدِّهَا، فَتَصِحُّ فِي الْبَعْضِ الْمَتْرُوكِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَشَبَهِهِمَا (وَلَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْبَيْعِ) لَهُ لِعَدَمِ الثَّمَنِ (وَالْأَصَحُّ) (صِحَّتُهُ بِلَفْظِ الصُّلْحِ) كَصَالَحْتُكَ عَنْ الدَّارِ عَلَى رُبُعِهَا؛ لِأَنَّ الْخَاصِّيَّةَ الَّتِي يَفْتَقِرُ إلَيْهَا لَفْظُ الصُّلْحِ هِيَ سَبْقُ الْخُصُومَةِ وَقَدْ حَصَلَتْ وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ يَتَضَمَّنُ الْمُعَاوَضَةَ وَلَا عِوَضَ هُنَا لِلْمَتْرُوكِ.
وَمُحَالٌ أَنْ يُقَابِلَ الْإِنْسَانُ مِلْكَهُ بِمُلْكِهِ، وَحَمْلُهُ الْأَوَّلَ عَلَى الْهِبَةِ تَنْزِيلًا لِهَذَا اللَّفْظِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ كَلَفْظِ التَّمْلِيكِ وَيُسَمَّى هَذَا صُلْحَ الْحَطِيطَةِ (وَلَوْ قَالَ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ خُصُومَةٍ: صَالِحْنِي عَنْ دَارِك) مَثَلًا (بِكَذَا) فَأَجَابَهُ (فَالْأَصَحُّ بُطْلَانُهُ) لِاسْتِدْعَاءِ لَفْظِ الصُّلْحِ سَبْقَ الْخُصُومَةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ عِنْدَ حَاكِمٍ أَمْ لَا.
وَالثَّانِي يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ، فَإِنْ اسْتَعْمَلَاهُ وَنَوَيَا الْبَيْعَ كَانَ كِنَايَةً مِنْ غَيْرِ شَكٍّ كَمَا قَالَاهُ وَإِنْ رَدَّهُ فِي الْمَطْلَبِ (وَلَوْ) (صَالَحَ مِنْ دَيْنٍ) يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ (عَلَى) غَيْرِهِ (عَيْنٍ) أَوْ دَيْنٍ وَلَوْ مَنْفَعَةً كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ (صَحَّ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ سَوَاءٌ أَعُقِدَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ أَمْ الصُّلْحِ أَمْ الْإِجَارَةِ.
[حاشية الشبراملسي]
أَنَّ الشَّارِحَ تَبِعَ حَجّ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ صَالَحَ عَلَى مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ) كَأَنْ صَالَحَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْهَا عَلَى أَنْ يَسْكُنَهَا سَنَةً
(قَوْلُهُ: فَهِيَ إعَارَةٌ إلَخْ) وَمِنْهُ جَوَازُ الرُّجُوعِ فِيهَا مَتَى شَاءَ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ
(قَوْلُهُ: فَهِبَةٌ لِبَعْضِهَا) كَأَنَّ صُورَتَهُ أَنْ يَقُولَ وَهَبْتُك نِصْفَهَا وَصَالَحْتُك عَلَى الْبَاقِي.
وَصُورَةُ الْبَيْعِ بِعْتُك نِصْفَهَا وَصَالَحْتُك عَلَى الْبَاقِي اهـ.
قَالَ الشَّيْخُ عُمَيْرَةُ: قَالَ السُّبْكِيُّ: لَوْ قَالَ وَهَبْتُك نِصْفَهَا عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي النِّصْفَ الْآخَرَ فَسَدَ كَنَظِيرِهِ مِنْ الْإِبْرَاءِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ
(قَوْلُهُ: لِصَاحِبِ الْيَدِ) أَيْ مَثَلًا (قَوْلُهُ: بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ صَالَحْتُك مِنْ هَذِهِ الدَّارِ عَلَى نِصْفِهَا لَا يَكُونُ هِبَةً لِبَاقِيهَا، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ فَإِنَّ الصِّيغَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ رَضِيَ مِنْهَا بِبَعْضِهَا وَتَرَكَ بَاقِيَهَا، وَيُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي كَ صَالَحْتُكَ عَنْ الدَّارِ عَلَى رُبُعِهَا (قَوْلُهُ: وَشِبْهِهِمَا) كَالرُّقْبَى وَالْعُمْرَى (قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ) أَيْ فِيمَا إذَا جَرَى عَلَى بَعْضِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ
(قَوْلُهُ: وَحَمَلَهُ الْأَوَّلُ عَلَى الْهِبَةِ) أَيْ فَتَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهَا مِنْ تَوَقُّفِ الْمِلْكِ عَلَى الْقَبْضِ فَيَجُوزُ لِلْمُصَالِحِ الرُّجُوعُ عَنْ الصُّلْحِ إذَا لَمْ يُوجَدْ قَبْضٌ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ الْمُصَالَحُ عَنْهَا بِيَدِ الْمُقِرِّ اُعْتُبِرَ إذْنُ الْمُصَالَحِ لَهُ فِي الْقَبْضِ وَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْقَبْضُ
(قَوْلُهُ: وَيُسَمَّى هَذَا صُلْحَ الْحَطِيطَةِ إلَخْ) أَيْ: الصُّلْحُ مِنْ الْمُدَّعَى بِهِ عَلَى بَعْضِهِ
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ سَبْقِ خُصُومَةٍ) أَيْ: وَلَوْ مَعَ غَيْرِ الْمُصَالِحِ كَمَا يَأْتِي فِيمَا لَوْ قَالَ الْأَجْنَبِيُّ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: صَالِحْنِي عَنْ الدَّارِ الَّتِي بِيَدِك لِفُلَانٍ بِكَذَا لِنَفْسِي فَإِنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى مَا يَأْتِي اكْتِفَاءً بِالْمُخَاصَمَةِ السَّابِقَةِ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ
(قَوْلُهُ: صَالِحْنِي عَنْ دَارِك) وَخَرَجَ بِهِ مَا لَوْ قَالَ لِغَرِيمِهِ بِلَا خُصُومَةٍ أَبْرِئْنِي مِنْ دَيْنِك عَلَيَّ بِأَنْ قَالَهُ اسْتِيجَابًا لِطَلَبِ الْبَرَاءَةِ فَأَبْرَأهُ جَازَ عُبَابٌ اهـ عَلَى مَنْهَجٍ
(قَوْلُهُ: سَوَاءٌ أَكَانَتْ عِنْدَ حَاكِمٍ أَمْ لَا) يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِصِحَّةِ الصُّلْحِ مِنْ وُقُوعِ الْخُصُومَةِ عِنْدَ غَيْرِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ فَلَا تَكْفِي الْمُنَاكَرَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، فَمَتَى سَبَقَ بَيْنَهُمَا تَنَازُعٌ ثُمَّ جَرَى الصُّلْحُ بِلَفْظِهِ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَعْدَ خُصُومَةٍ، وَيُمْكِنُ شُمُولُ قَوْلِهِ أَمْ لَا لِذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَنَوَيَا الْبَيْعَ) أَيْ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ لَفْظُ الصُّلْحِ مِنْ الْإِجَارَةِ وَغَيْرِهَا الْآتِي فِيمَا يَظْهَرُ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ، وَلِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: صَالِحْنِي عَنْ دَارِك بِكَذَا
(قَوْلُهُ: كَانَ كِنَايَةً إلَخْ) مُعْتَمَدٌ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَمَّا مَا لَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ كَدَيْنِ السَّلَمِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ صِحَّةُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، وَمَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يُعَبِّرَ بِغَيْرٍ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ عَيْنٍ تُنَافِي التَّفْصِيلَ الْآتِيَ لِقَوْلِهِ: فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ عَيْنًا إلَى قَوْلِهِ أَوْ دَيْنًا أَجَابَ عَنْهُ الشَّارِحُ بِمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ قَالَ السُّبْكِيُّ: إنَّهُ يُوجَدُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُحَرَّرِ عَلَى عِوَضٍ وَهُوَ الصَّوَابُ اهـ (فَإِنْ) (تَوَافَقَا) أَيْ الدَّيْنُ الْمُصَالَحُ عَنْهُ وَالْعِوَضُ الْمُصَالَحُ عَلَيْهِ (فِي عِلَّةِ الرِّبَا) كَأَنْ صَالَحَ عَنْ ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ (اُشْتُرِطَ قَبْضُ الْعِوَضِ فِي الْمَجْلِسِ) حَذَرًا مِنْ الرِّبَا، فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِهِ بَطَلَ الصُّلْحُ، وَتَعَيُّنُهُ فِي الْعَقْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْأَصَحِّ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَوَافَقْ الْمُصَالَحُ عَنْهُ الدَّيْنُ وَالْمُصَالَحُ عَلَيْهِ فِي عِلَّةِ الرِّبَا كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ فَجَعَلَهُ مُنْقَطِعًا عَنْ الْأَوَّلِ مُمَثِّلًا عَنْ فِضَّةٍ بِحِنْطَةٍ أَوْ ثَوْبٍ (فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ عَيْنًا لَمْ يُشْتَرَطْ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ فِي الْأَصَحِّ) كَمَا لَوْ بَاعَ ثَوْبًا بِدَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ لَا يُشْتَرَطُ قَبْضُ الثَّوْبِ فِي الْمَجْلِسِ.
وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْعِوَضَيْنِ دَيْنٌ فَيُشْتَرَطُ قَبْضُ الْآخَرِ فِي الْمَجْلِسِ كَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ (أَوْ) كَانَ الْعِوَضُ (دَيْنًا) كَصَالَحْتُكَ عَنْ الدَّرَاهِمِ الَّتِي عَلَيْك بِكَذَا (اُشْتُرِطَ تَعْيِينُهُ فِي الْمَجْلِسِ) لَيَخْرُجَ عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ (وَفِي قَبْضِهِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَجْهَانِ) أَصَحُّهُمَا (عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ) فَإِنْ كَانَ رِبَوِيَّيْنِ اُشْتُرِطَ لِمَا سَبَقَ فِي الِاسْتِبْدَالِ عَنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ مَنْفَعَةً فَقَبْضُهَا بِقَبْضِ مَحَلِّهَا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيُتَّجَهُ تَخْرِيجُ اشْتِرَاطِهِ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ صَالَحَ عَلَى عَيْنٍ.
(وَإِنْ صَالَحَ مِنْ دَيْنٍ عَلَى بَعْضِهِ) كَثَمَنِهِ (فَهُوَ إبْرَاءٌ عَنْ بَاقِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَاهُ فَثَبَتَ فِيهِ أَحْكَامُهُ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ انْقِسَامُ الصُّلْحِ عَنْ الدَّيْنِ إلَى مُعَاوَضَةٍ وَحَطِيطَةٍ كَالْعَيْنِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ عَدَمَ اشْتِرَاطِ قَبْضِ الْبَاقِي فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا الْعَقْدَ مُعَاوَضَةً بَلْ إبْرَاءً، وَهَلْ يَعُودُ الدَّيْنُ إذَا امْتَنَعَ الْمُبَرَّأُ مِنْ أَدَاءِ الْبَاقِي أَمْ لَا؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عَدَمُ عَوْدِهِ.
.
(وَيَصِحُّ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ وَالْحَطِّ وَنَحْوِهِمَا) كَالْإِسْقَاطِ وَالْهِبَةِ وَالْحَطِّ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: كَدَيْنِ السَّلَمِ) أَيْ كَالْمَبِيعِ فِي الذِّمَّةِ حَيْثُ عَقَدَهَا عَلَيْهِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي بَابِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَإِنْ ذَكَرَ سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْهُ هُنَا جَوَازُ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُ وَكَنُجُومِ الْكِتَابَةِ (قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ) هُوَ قَوْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الصَّوَابُ) أَيْ لِشُمُولِهِ لِلدَّيْنِ (قَوْلُهُ: اشْتَرَطَ) أَيْ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ (قَوْلُهُ: اشْتِرَاطُهُ) أَيْ الْقَبْضِ (قَوْلُهُ: فِيمَا لَوْ صَالَحَ عَلَى عَيْنٍ) وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فَكَذَا هُنَا.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الصُّلْحَ (قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ) أَيْ الْإِبْرَاءِ (قَوْلُهُ: مِنْ أَدَاءِ الْبَاقِي) أَيْ حَالًا أَوْ مَآلًا
(قَوْلُهُ: وَالْحَطِّ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْحَطِّ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ صِحَّةُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ) اُنْظُرْ مَا وَجْهُ صِحَّتِهَا مِمَّا قَرَّرَهُ؛ فَإِنَّ غَايَةَ مَا قَرَّرَهُ أَنَّهُ أَتَى بِحُكْمٍ خَارِجِيٍّ كَانَ مِنْ حَقِّ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ لِيُوَافِقَ عِبَارَتَهُ الْآتِيَةَ، وَبِفَرْضِ صِحَّتِهَا بِهِ فَمَا الدَّاعِي إلَى قَوْلِهِ وَمَا اُعْتُرِضَ بِهِ إلَخْ فَبَعْدَ التَّنَزُّلِ، وَأَنَّ مَا قَرَّرَهُ مُصَحِّحٌ لِعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ جَوَابًا ثَانِيًا عَنْ الِاعْتِرَاضِ وَأَجَابَ الشِّهَابُ حَجّ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالْعَيْنِ هُنَا مَا يُقَابِلُ الْمَنْفَعَةَ الشَّامِلَةَ لِلْعَيْنِ وَالدَّيْنِ بِدَلِيلِ تَقْسِيمِهِ الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ إلَى عَيْنٍ وَدَيْنٍ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْعَيْنَ فِي الْأَمْرَيْنِ تَارَةً وَفِي مُقَابِلِ الدَّيْنِ أُخْرَى، وَذَلِكَ مَجَازٌ عُرْفِيٌّ دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يَقَعُ فِي عِبَارَاتِهِمْ كَثِيرًا.
قَالَ: فَإِنْ قُلْت: فَمَا وَجْهُ الْمُقَابَلَةِ بِالْمَنْفَعَةِ مَعَ الصِّحَّةِ فِيهَا أَيْضًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ؟ قُلْت: لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا التَّفْرِيعُ الَّذِي قَصَدَهُ مِنْ التَّوَافُقِ فِي عِلَّةِ الرِّبَا تَارَةً وَعَدَمِهَا أُخْرَى (قَوْلُهُ: فَجَعَلَهُ مُنْقَطِعًا عَنْ الْأَوَّلِ) أَيْ: حَيْثُ قَيَّدَ الْمُصَالَحَ عَنْهُ بِالدَّيْنِ كَمَا هُوَ وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ وَأَطْلَقَ فِي الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ فَشَمِلَ الدَّيْنَ وَالْعَيْنَ فَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُرْتَبِطٍ بِمَا قَبْلَهُ وَإِنْ اقْتَضَاهُ السِّيَاقُ، لَكِنَّ الشَّارِحَ هُنَا جَعَلَ الْقَطْعَ عَنْ الْأَوَّلِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، فَإِنْ تَوَافَقَا إلَخْ حَيْثُ عَبَّرَ فِي الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ وَهَذَا لَمْ يَسْلُكْهُ الشَّارِحُ الْجَلَالُ
. (قَوْلُهُ: عَدَمُ اشْتِرَاطِ قَبْضِ الْبَاقِي) يَعْنِي مَا يَأْخُذُهُ الْمُدَّعِي وَهُوَ الثَّمَنُ فِي مِثَالِهِ.
وَالتَّرْكِ وَالْإِحْلَالِ وَالتَّحْلِيلِ وَالْعَفْوِ وَالْوَضْعِ، وَلَا يُشْتَرَطُ حِينَئِذٍ الْقَبُولُ عَلَى الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ أَقُلْنَا الْإِبْرَاءُ تَمْلِيكٌ أَمْ إسْقَاطٌ (وَ) يَصِحُّ (بِلَفْظِ الصُّلْحِ) وَحْدَهُ (فِي الْأَصَحِّ) كَ صَالَحْتُكَ مِنْ الْأَلْفِ الَّذِي لِي عَلَيْك عَلَى خَمْسِمِائَةٍ.
وَيُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَبُولُهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمَا وَلَا يَصِحُّ هَذَا الصُّلْحُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ الْبُطْلَانِ فِيمَا لَوْ كَانَتْ الْخَمْسُمِائَةِ الْمُصَالَحُ بِهَا مُعَيَّنَةً، وَرَجَّحَهُ الْقَاضِي وَالْإِمَامُ وَقَطَعَ بِهِ الْقَفَّالُ وَصَوَّبَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ، يُخَالِفُهُ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْبَغَوِيّ وَالْخُوَارِزْمِيّ وَالْمُتَوَلِّي، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ أَصْلِ الرَّوْضَةِ مِنْ الصِّحَّةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ مِنْ الْأَلْفِ عَلَى بَعْضِهِ إبْرَاءٌ لِلْبَعْضِ وَاسْتِيفَاءٌ لِلْبَاقِي فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِهِ (وَلَوْ) (صَالَحَ مِنْ) دَيْنٍ (حَالٍّ عَلَى مُؤَجَّلٍ مِثْلِهِ) جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً (أَوْ عَكْسٌ) أَيْ صَالَحَ مِنْ مُؤَجَّلٍ عَلَى حَالٍّ مِثْلِهِ كَذَلِكَ (لَغَا) الصُّلْحُ؛ إذْ هُوَ مِنْ الدَّائِنِ وَعُدَّ فِي الْأُولَى بِإِلْحَاقِ الْأَجَلِ، وَصِفَةُ الْحُلُولِ لَا يَصِحُّ إلْحَاقُهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ وَعُدَّ مِنْ الْمَدْيُونِ بِإِسْقَاطِ الْأَجَلِ وَهُوَ لَا يَسْقُطُ وَالصِّحَّةُ وَالتَّكْسِيرُ كَالْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ (فَإِنْ عُجِّلَ) الدَّيْنُ (الْمُؤَجَّلُ صَحَّ الْأَدَاءُ) وَسَقَطَ الْأَجَلُ لِصُدُورِ الْإِيفَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ مِنْ أَهْلِهِمَا.
وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يُؤَدِّ عَلَى ظَنِّ صِحَّةِ الصُّلْحِ وَوُجُوبِ التَّعْجِيلِ وَإِلَّا لَمْ يَسْقُطْ فَلَهُ الِاسْتِرْدَادُ كَمَا قَالُوهُ.
وَمَحَلُّهُ فِيمَا لَوْ شَرَطَ بَيْعًا فِي بَيْعٍ وَأَتَى بِالثَّانِي عَلَى ظَنِّ الصِّحَّةِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: تَضَافَرَتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ فَلْتَكُنْ الْفَتْوَى بِهِ (وَلَوْ صَالَحَ مِنْ عَشَرَةٍ حَالَّةٍ عَلَى خَمْسَةٍ مُؤَجَّلَةٍ بَرِئَ مِنْ خَمْسَةٍ وَبَقِيَتْ خَمْسَةٌ حَالَّةٌ) ؛ لِأَنَّهُ صَالَحَ بِحَطِّ الْبَعْضِ وَوَعَدَ بِتَأْجِيلِ الْبَاقِي، وَالْوَعْدُ لَا يَلْزَمُ وَالْحَطُّ صَحِيحٌ (وَلَوْ عَكَسَ) بِأَنْ صَالَحَ مِنْ عَشَرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ عَلَى خَمْسَةٍ حَالَّةٍ (لَغَا) الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْحُلُولِ لَا يَصِحُّ إلْحَاقُهَا وَالْخَمْسَةُ الْأُخْرَى إنَّمَا تَرَكَهَا فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْحُلُولُ لَا يَصِحُّ التَّرْكُ، وَالصِّحَّةُ وَالتَّكْسِيرُ كَالْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ.
وَقَضِيَّةُ مَا تَقَرَّرَ
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: أَمْ إسْقَاطٌ) مُعْتَمَدٌ
(قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ) أَيْ الْإِبْرَاءُ
(قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ) هِيَ قَوْلُهُ كَ صَالَحْتُكَ مِنْ الْأَلْفِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ هَذَا الصُّلْحُ) أَيْ الصُّلْحُ مِنْ دَيْنٍ عَلَى بَعْضِهِ
(قَوْلُهُ: وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ) حَيْثُ قَالَ مِنْ دَيْنٍ عَلَى بَعْضِهِ إذْ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ عَدَمُ التَّعْيِينِ لِلْمُصَالَحِ بِهِ
(قَوْلُهُ: مُعَيَّنَةً) أَيْ بِالْمَجْلِسِ
(قَوْلُهُ: مِثْلُهُ كَذَلِكَ) أَيْ جِنْسًا وَقَدْرًا إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَمْ يَسْقُطْ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: قَالَ م ر: وَيَنْشَأُ مِنْ هَذَا مَسْأَلَةٌ تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى، وَهِيَ مَا لَوْ وَقَعَ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةٌ ثُمَّ صَدَرَ بَيْنَهُمَا تَصَادُقٌ مَبْنِيٌّ عَلَى تِلْكَ الْمُعَامَلَةِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الْآخَرِ شَيْئًا مَعَ ظَنِّهِمَا صِحَّةَ الْمُعَامَلَةِ ثُمَّ بَانَ فَسَادُهَا تَبَيَّنَ فَسَادُ التَّصَادُقِ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْحَاكِمِ
(قَوْلُهُ: فَلَهُ الِاسْتِرْدَادُ) ع لَوْ أَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ اسْتِرْدَادٍ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ رَدِّهِ وَإِعَادَتِهِ يُتَأَمَّلُ ذَلِكَ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّرَاضِي كَأَنَّهُ مَلَّكَهُ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ بِمَالِهِ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ لِلْغَاصِبِ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ فِيمَا لَوْ إلَخْ) لَا يَظْهَرُ هَذَا التَّقْيِيدُ لِمَا الْكَلَامُ فِيهِ؛ إذْ هُوَ فِي خُصُوصِ الصُّلْحِ، فَلَعَلَّ فِي الْعِبَارَةِ سَقْطًا.
وَمَعَ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ رَدُّ هَذَا التَّفْصِيلِ بِأَنَّ مَحَلَّهُ فِي الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ دُونَ غَيْرِهِ فَيَكُونُ الْقَبْضُ صَحِيحًا مُطْلَقًا، ثُمَّ رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ إسْقَاطَ لَفْظَةِ وَمَحَلُّهُ
(قَوْلُهُ: وَالصِّحَّةُ إلَخْ) لَا تَكْرَارَ فِيهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ مَا مَرَّ اتَّفَقَ الْمُصَالَحُ مِنْهُ وَالْمُصَالَحُ عَنْهُ وَاخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ وَمَا هُنَا اخْتَلَفَا قَدْرًا وَصِفَةً
(قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ مَا تَقَرَّرَ) مِنْ أَنَّهُ لَوْ صَالَحَ مِنْ عَشَرَةٍ حَالَّةٍ عَلَى خَمْسَةٍ مُؤَجَّلَةٍ إلَخْ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: أَيْ فِي التَّفْصِيلِ الْمُفَرِّقِ بَيْنَ الصُّلْحِ مِنْ الْمُؤَجَّلِ عَلَى الْحَالِّ وَعَكْسِهِ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ) أَيْ: فِي قَوْلِهِ عَلَى بَعْضِهِ.
(قَوْلُهُ: وَصِفَةُ الْحُلُولِ) صَوَابُهُ وَصِفَةُ التَّأْجِيلِ
.
عَدَمُ الْفَرْقِ فِيهِ بَيْنَ الرِّبَوِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِصَاحِبِ الْجَوَاهِرِ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ انْقِسَامُ الصُّلْحِ إلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ: بَيْعٍ، وَإِجَارَةٍ، وَعَارِيَّةٍ، وَهِبَةٍ، وَسَلَمٍ، وَإِبْرَاءٍ.
وَيُزَادُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَكُونُ خُلْعًا كَ صَالَحْتُكَ مِنْ كَذَا عَلَى أَنْ تُطَلِّقَنِي طَلْقَةً، وَمُعَاوَضَةً مِنْ دَمِ الْعَمْدِ كَ صَالَحْتُكَ مِنْ كَذَا عَلَى مَا تَسْتَحِقُّهُ عَلَى مِنْ قِصَاصٍ، وَجَعَالَةٍ كَصَالَحْتُكَ مِنْ كَذَا عَلَى رَدٍّ بِعَبْدِي، وَفِدَاءٍ كَقَوْلِهِ لِحَرْبِيٍّ صَالَحْتُك مِنْ كَذَا عَلَى إطْلَاقِ هَذَا الْأَسِيرِ، وَفَسْخًا كَأَنْ صَالَحَ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ، وَتَرَكَهَا الْمُصَنِّفُ كَكَثِيرٍ لِأَخْذِهَا مِنْ الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ أَهْمَلَهَا الْأَصْحَابُ وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَيْهِمْ جَزْمًا.
(النَّوْعُ الثَّانِي الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ) أَوْ السُّكُوتُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَطْلَبِ عَنْ سُلَيْمٍ الرَّازِيّ وَغَيْرِهِ، وَلَا حُجَّةَ لِلْمُدَّعِي كَأَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ شَيْئًا فَأَنْكَرَ أَوْ سَكَتَ ثُمَّ صَالَحَ عَنْهُ (فَيَبْطُلُ إنْ جَرَى عَلَى نَفْسِ الْمُدَّعِي) كَأَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ دَارًا فَيُصَالِحَهُ عَلَيْهَا بِأَنْ يَجْعَلَهَا لِلْمُدَّعِي أَوْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا تَصْدُقُ بِهِ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ بَاطِلٌ فِيهِمَا؛ إذْ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ التَّمْلِيكِ مَعَ ذَلِكَ لِاسْتِلْزَامِهِ أَنْ يَمْلِكَ الْمُدَّعِي مَالًا يَمْلِكُهُ أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا يَمْلِكُهُ، وَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ أَنْكَرَ الْخُلْعَ وَالْكِتَابَةَ ثُمَّ تَصَالَحَا عَلَى شَيْءٍ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ خَبَرَ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَوَارِيثَ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا: اقْتَسِمَا ثُمَّ تَوَخَّيَا الْحَقَّ ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ لْيُحْلِلْ كُلٌّ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ» ؛ لِأَنَّهُ قَسَمَهَا بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ كَوْنِهَا فِي يَدِهِمَا وَلَا مُرَجِّحَ، وَأَمَّا التَّحْلِيلُ مَعَ الْجَهْلِ فَمِنْ بَابِ الْوَرَعِ؛ لِأَنَّهُ أَقْصَى مَا يُمْكِنُ حِينَئِذٍ، بِخِلَافِ جَهْلِ مَا يُمْكِنُ اسْتِكْشَافُهُ، وَالْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ كَالْإِقْرَارِ، وَكَذَا قِيَامُ بَيِّنَةٍ بَعْدَ الْإِنْكَارِ فَيَصِحُّ الصُّلْحُ بَعْدَهَا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَاسْتِشْكَالُ
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: عَدَمُ الْفَرْقِ إلَخْ) فِيهِ تَفْصِيلٌ كَمَا يُفْهَمُ مِمَّا نَقَلَهُ حَجّ عَنْ الْجَوَاهِرِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى أَنْ تُطَلِّقَنِي) أَيْ فَيُقْبَلَ بِقَوْلِهِ: صَالَحْتُكَ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ طَلَّقْتُك، وَلَا حَاجَةَ إلَى إنْشَاءِ عَقْدٍ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ
(قَوْلُهُ: وَفَسْخًا) وَالْقِيَاسُ: صِحَّةُ كَوْنِهِ حَوَالَةً أَيْضًا بِأَنْ يَقُولَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمُدَّعَى صَالَحْتُك مِنْ الْعَيْنِ الَّتِي تَدَّعِيهَا عَلَى عَلَى كَذَا حَوَالَةً عَلَى زَيْدٍ مَثَلًا.
(قَوْلُهُ: فَيَبْطُلُ) أَيْ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ «إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ إنْ كَذَبَ فَقَدْ اسْتَحَلَّ مَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ صَدَقَ فَقَدْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَالَهُ الَّذِي هُوَ حَلَالٌ: أَيْ بِصُورَةِ الْعَقْدِ، فَلَا يُقَالُ لِلْإِنْسَانِ تَرَكَ بَعْضَ حَقِّهِ اهـ حَجّ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ فَقَدْ حَرُمَ إلَخْ قَدْ يُنَاقَشُونَ بِأَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِمُعَامَلَةٍ صَحِيحَةٍ صَدَرَتْ بِاخْتِيَارِهِ كَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ الصَّحِيحَةِ الْمُخْتَارَةِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْمُتَعَامِلَيْنِ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَا بَذَلَهُ فِي تِلْكَ الْمُعَامَلَةِ، وَالْمُعَامَلَةُ هُنَا صَحِيحَةٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ الصَّالِحُ عَلَى الْإِقْرَارِ، فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَا بَذَلَهُ فِي تِلْكَ الْمُعَامَلَةِ، وَالْمُعَامَلَةُ هُنَا صَحِيحَةٌ عِنْدَ الْمُخَالِفِينَ فَهِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الصَّحِيحَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الصُّلْحُ عَلَى الْإِقْرَارِ فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَالَهُ بِمَا أَخَذَهُ عِوَضًا عَنْهُ إلَخْ اهـ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ع بِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ كُلٌّ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ يَبِيعُ مَا لَا يَمْلِكُهُ أَيْ حَيْثُ كَانَ غَيْرَ مُحَقَّقٍ فِي إنْكَارِهِ وَالْمُشْتَرِي يَشْتَرِي مَا يَمْلِكُهُ: أَيْ حَيْثُ كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ
(قَوْلُهُ: مَعَ ذَلِكَ) أَيْ الْإِنْكَارِ
(قَوْلُهُ: وَقِيَاسًا إلَخْ) لَعَلَّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ
(قَوْلُهُ: فَيَصِحُّ الصُّلْحُ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ تَعْدِيلِهَا وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِالْمِلْكِ: قَالَ سم عَلَى حَجّ:
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِاسْتِلْزَامِهِ أَنْ يَمْلِكَ الْمُدَّعِي مَا لَا يَمْلِكُهُ أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا يَمْلِكُهُ) أَيْ: إنْ كَانَ الْمُدَّعِي كَاذِبًا فِيهِمَا: فَإِنْ كَانَ صَادِقًا انْعَكَسَ الْحَالُ، فَلَوْ قَالَ؛ لِاسْتِلْزَامِهِ أَنْ يَمْلِكَ الشَّخْصُ مَا يَمْلِكُهُ أَوْ مَا لَا يَمْلِكُهُ لَشَمِلَهُمَا، عَلَى أَنَّ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرًا لَا يَخْفَى، إذْ لَا مَحْذُورَ فِي كَوْنِ الشَّخْصِ يَمْلِكُ مَا لَا يَمْلِكُهُ بِوَاسِطَةِ الصُّلْحِ كَغَيْرِهِ فَلْيُحَرَّرْ
الْغَزَالِيِّ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّ لَهُ سَبِيلًا إلَى الطَّعْنِ يُرَدُّ بِأَنَّ الْعُدُولَ إلَى الْمُصَالَحَةِ يَدُلُّ عَلَى عَجْزِهِ عَنْ إبْدَاءِ طَاعِنٍ، وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ عَيْنًا فَقَالَ: رَدَدْتهَا إلَيْكَ ثُمَّ صَالَحَهُ فَإِنْ كَانَتْ أَمَانَةً بِيَدِهِ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ لِقَبُولِ قَوْلِهِ فَيَكُونُ صُلْحًا عَلَى الْإِنْكَارِ، وَإِلَّا فَقَوْلُهُ فِي الرَّدِّ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِالضَّمَانِ هَذَا مَا فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيّ، وَلَهُ احْتِمَالَانِ بِالْبُطْلَانِ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ لَمْ يُقِرَّ أَنَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَيُرَدُّ بِمِثْلِ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْعُدُولَ إلَى الْمُصَالَحَةِ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ ضَمَانِهِ، وَلِلْمُدَّعِي الْمُحِقِّ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَذَلَهُ فِي الصُّلْحِ عَلَى إنْكَارٍ، لَكِنْ إنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى كَانَ ظَافِرًا فَفِيهِ مَا يَأْتِي فِي الظُّفُرِ، وَلَوْ أَنْكَرَ فَصُولِحَ ثُمَّ أَقَرَّ لَمْ يُفِدْ إقْرَارُهُ صِحَّةَ الصُّلْحِ السَّابِقِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ مِنْ سَبْقِ الْإِقْرَارِ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ يَنْبَغِي الصِّحَّةُ لِاتِّفَاقِهِمَا، عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ جَرَى بِشُرُوطِهِ فِي عِلْمِهِمَا أَوْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَعُلِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا لَوْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ، فَإِنَّ الشَّرْطَ وَهُوَ الْمِلْكُ مَوْجُودٌ ثَمَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بِخِلَافِهِ هُنَا؛ إذْ الْإِقْرَارُ إخْبَارٌ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُودُ مُخْبِرٍ بِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَوْ تَنَازَعَا فِي جَرَيَانِهِ عَلَى إنْكَارٍ أَوْ إقْرَارٍ صُدِّقَ مُدَّعِي الْإِنْكَارِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَقْدِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ وَالْغَالِبَ جَرَيَانُ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَالْغَالِبُ صُدُورُهُ عَلَى الصِّحَّةِ فَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ مُدَّعِيهَا، وَيُغْتَفَرُ جَرَيَانُهُ عَلَى غَيْرِ إقْرَارٍ فِيمَا لَوْ اصْطَلَحَ الْوَرَثَةُ فِيمَا وُقِفَ بَيْنَهُمْ كَمَا سَيَأْتِي إذَا لَمْ يَبْذُلْ أَحَدٌ عِوَضًا مِنْ خَالِصِ مِلْكِهِ، وَفِيمَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَمَاتَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ أَوْ طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ أَوْ التَّعْيِينِ وَوَقَفَ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُنَّ فَاصْطَلَحْنَ، وَفِيمَا لَوْ تَدَاعَيَا وَدِيعَةً عِنْدَ آخَرَ فَقَالَ لَا أَعْلَمُ لِأَيِّكُمَا هِيَ أَوْ دَارًا فِي يَدِهِمَا وَأَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً
[حاشية الشبراملسي]
وَخَرَجَ بِبُعْدِهَا مَا لَوْ أُقِيمَتْ بَعْدَهُ فَلَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا كَمَا لَوْ أَقَرَّ بَعْدَهُ كَمَا سَيَأْتِي، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أُقِيمَتْ بَعْدَ الصُّلْحِ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ مُقِرًّا قَبْلَ الصُّلْحِ فَإِنَّ الصُّلْحَ صَحِيحٌ، فَعُلِمَ الْفَرْقُ فِي الْبَيِّنَةِ بَعْدَ الصُّلْحِ بَيْنَ الشَّاهِدَةِ بِنَفْسِ الْحَقِّ فَلَا يَكُونُ الصُّلْحُ صَحِيحًا، وَالشَّاهِدَةُ بِالْإِقْرَارِ قَبْلَهُ فَيَكُونُ صَحِيحًا م ر. وَفِي شَرْحِ الْعُبَابِ: وَلَوْ أُقِيمَتْ بَيِّنَةٌ بَعْدَ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ بِأَنَّهُ مَلَّكَهُ وَقْتَهُ فَهَلْ تَلْحَقُ بِالْإِقْرَارِ؟ قَالَ الْجُورِيُّ: تُلْحَقُ بِهِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيهَا لَا فِيهِ اهـ. أَقُولُ: قَدْ تُمْنَعُ الْأَوْلَوِيَّةُ بِأَنَّ شَرْطَ الصُّلْحِ الْإِقْرَارُ، وَهُوَ مُنْتَفٍ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ كَانَ الْمُدَّعِي مُحِقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَمْلِكُ الصُّلْحَ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا بِذَلِكَ بَلْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ مِنْ بَابِ الظَّفَرِ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، فَلَعَلَّ مُرَادَ الْجُورِيُّ مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْإِقْرَارِ أَنَّهُ يَأْتِي فِيهِ إشْكَالُ الْغَزَالِيِّ مِنْ أَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الطَّعْنِ فِي الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ صِحَّةُ الصُّلْحِ (قَوْلُهُ: ذَلِكَ) أَيْ الصُّلْحِ فِيمَا لَوْ أُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَتْ أَمَانَةً) أَيْ بِغَيْرِ رَهْنٍ وَإِجَارَةٍ عَلَى مَا يُفِيدُهُ التَّعْلِيلُ (قَوْلُهُ: وَلَهُ احْتِمَالَانِ) كَانَ الْأَظْهَرُ أَنْ يَقُولَ وَلَهُ احْتِمَالٌ، ثُمَّ رَأَيْته كَذَلِكَ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (قَوْلُهُ: فَصُولِحَ) أَيْ أَوْقَعَ الصُّلْحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ عَلَى شَيْءٍ (قَوْلُهُ: فِيمَا وُقِفَ بَيْنَهُمْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إرْثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَاجِزًا إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا مِقْدَارَ مَا لِكُلٍّ إمَّا لِعَدَمِ الْقِسْمَةِ أَوْ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ مَا لِكُلٍّ شَرْعًا لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى اسْتِثْنَائِهِ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ دَارًا فِي يَدِهِمَا) أَيْ تَدَاعَيَا دَارًا فِي إلَخْ (قَوْلُهُ: وَأَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً) قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا لَوْ تَصَالَحَا بِلَا بَيِّنَةٍ لَمْ يَصِحَّ، وَعَلَيْهِ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ إقَامَةِ الْبَيِّنَتَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَسَاقَطَانِ وَيَبْقَى مُجَرَّدُ الْيَدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَوَابِ عَنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ تَخَاصَمَا فِي مِيرَاثٍ»
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَتْ أَمَانَةً بِيَدِهِ) أَيْ وَكَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الَّذِي ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ الَّتِي يُقْبَلُ قَوْلُهُ: فِي رَدِّهَا إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَوَقَفَ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُنَّ) الْأَوْلَى بَيْنَهُمَا
ثُمَّ اصْطَلَحَا، وَلَا يُنَافِي مَا عَبَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ تَعْبِيرَ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا بِقَوْلِهَا عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعِي كَأَنْ يُصَالِحَهُ عَنْ الدَّارِ بِثَوْبٍ أَوْ دَيْنٍ فَقَدْ قَالَ الشَّارِحُ: وَكَأَنَّ نُسْخَةَ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْمُحَرَّرِ عَيْنٌ فَعَبَّرَ عَنْهَا بِالنَّفْسِ، وَلَمْ يُلَاحَظْ مُوَافَقَةُ مَا فِي الشَّرْحِ فَهُمَا مَسْأَلَتَانِ حُكْمُهُمَا وَاحِدٌ اهـ.
وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ دَفْعُ اعْتِرَاضِ مَنْ قَالَ: إنَّ الصَّوَابَ التَّعْبِيرُ بِالْغَيْرِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَلِهَذَا ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الرَّاءَ تَصَحَّفَتْ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِالنُّونِ فَعَبَّرَ عَنْهَا بِالنَّفْسِ.
لَا يُقَالُ: التَّعْبِيرُ بِالنَّفْسِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ عَلَى وَالْبَاءَ يَدْخُلَانِ عَلَى الْمَأْخُوذِ وَمِنْ وَعَنْ عَلَى الْمَتْرُوكِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَأَيْضًا فَالْمُدَّعَى الْمَذْكُورُ مَأْخُوذٌ وَمَتْرُوكٌ بِاعْتِبَارَيْنِ غَايَتُهُ أَنَّ إلْغَاءَ الصُّلْحِ فِي ذَلِكَ لِلْإِنْكَارِ وَلِفَسَادِ الصِّيغَةِ بِاتِّحَادِ الْعِوَضَيْنِ (وَكَذَا) يَبْطُلُ الصُّلْحُ (إنْ جَرَى عَلَى بَعْضِهِ) أَيْ الْمُدَّعَى كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي يَصِحُّ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّ الْبَعْضَ مُسْتَحَقٌّ لِلْمُدَّعِي، وَلَكِنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي جِهَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَاخْتِلَافُهُمَا فِي الْجِهَةِ لَا يَمْنَعُ الْأَخْذَ.
وَرُدَّ بِأَنَّهُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الدَّافِعِ وَالْقَابِضِ فِي الْجِهَةِ الْمُصَدَّقُ الدَّافِعُ، وَهُوَ يَقُولُ: إنَّمَا بَذَلْت لِدَفْعِ الْأَذَى لِئَلَّا يَرْفَعَنِي إلَى قَاضٍ وَيُقِيمَ عَلَيَّ شُهُودَ زُورٍ، وَالْبَذْلُ لِهَذِهِ الْجِهَةِ بَاطِلٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ مَحَلِّ الْوَجْهَيْنِ مَا لَوْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ دَيْنًا وَصَالَحَ مِنْهُ عَلَى بَعْضِهِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ جَزْمًا؛ لِأَنَّ التَّصْحِيحَ إنَّمَا هُوَ بِتَقْدِيرِ الْهِبَةِ، وَإِيرَادُهَا عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ مُمْتَنَعٌ (وَقَوْلُهُ) بَعْدَ إنْكَارِهِ (صَالِحْنِي عَنْ الدَّارِ) مَثَلًا (الَّتِي تَدَّعِيهَا) (لَيْسَ إقْرَارًا فِي الْأَصَحِّ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ قَطْعَ الْخُصُومَةِ فَقَطْ، وَالثَّانِي نَعَمْ لِتَضَمُّنِهِ الِاعْتِرَافَ كَمَا لَوْ قَالَ: مَلِّكْنِي وَدُفِعَ بِمَا مَرَّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الصُّلْحُ بَعْدَ هَذَا الْتِمَاسَ صُلْحِ إنْكَارٍ، أَمَّا لَوْ قَالَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً قَبْلَ إنْكَارِهِ كَانَ بَاطِلًا جَزْمًا، وَلَوْ قَالَ: بِعْنِي أَوْ هَبْنِي أَوْ مَلِّكْنِي الْمُدَّعَى بِهِ أَوْ زَوِّجْنِيهَا أَوْ أَبْرِئْنِي مِنْهُ فَإِقْرَارٌ لَا أَجِّرْنِي أَوْ أَعِرْنِي عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ؛ إذْ الْإِنْسَانُ قَدْ يَسْتَعِيرُ مِلْكَهُ وَيَسْتَأْجِرُهُ مِنْ مُسْتَأْجِرِهِ وَمِنْ الْمُوصَى لَهُ بِمَنْفَعَتِهِ.
نَعَمْ يَظْهَرُ كَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ أَنَّهُ إقْرَارٌ بِأَنَّهُ
[حاشية الشبراملسي]
بِأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِكَوْنِهَا فِي يَدِهِمَا فَيُقَالُ بِمِثْلِهِ هُنَا
(قَوْلُهُ: ثُمَّ اصْطَلَحَا) أَيْ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِمَا
(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ) أَيْ فِي أَوَّلِ التَّرْجَمَةِ بِقَوْلِهِ: غَالِبًا وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْإِشَارَةِ الذِّكْرُ
(قَوْلُهُ: وَإِيرَادُهَا) أَيْ الْهِبَةِ
(قَوْلُهُ: مُمْتَنِعٌ) وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِالصِّحَّةِ لَكَانَ إبْرَاءً وَهُوَ مِمَّا فِي الذِّمَّةِ صَحِيحٌ
(قَوْلُهُ: كَانَ بَاطِلًا جَزْمًا) الْجَزْمُ هُنَا قَدْ يُخَالِفُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ السَّابِقَ، وَلَوْ قَالَ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ خُصُومَةٍ: صَالِحْنِي عَنْ دَارِك بِكَذَا فَالْأَصَحُّ بُطْلَانُهُ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مَفْرُوضٌ فِي صِحَّةِ الصُّلْحِ وَفَسَادِهِ، وَمَا هُنَا فِي صِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَبُطْلَانِهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ حَجّ هُنَا، أَمَّا قَوْلُهُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً قَبْلَ إنْكَارِهِ فَلَيْسَ إقْرَارًا قَطْعًا
(قَوْلُهُ: فَإِقْرَارٌ) هَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ عَيْنًا كَمَا هُوَ الْفَرْضُ فَلَوْ كَانَ دَيْنًا فَهُوَ بَاطِلٌ مُطْلَقًا اهـ حَجّ بِالْمَعْنَى.
وَعِبَارَتُهُ: وَكَذَا قَوْلُهُ لِمُدَّعَى عَلَيْهِ أَلْفٌ: صَالِحْنِي مِنْهَا عَلَى خَمْسِمِائَةٍ وَهَبْنِي خَمْسَمِائَةٍ أَوْ أَبْرِئْنِي مِنْ خَمْسِمِائَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرَتَّبَ بِهِ قَطْعُ الْخُصُومَةِ لَا غَيْرُ اهـ.
وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ فِيمَا سَبَقَ وَيُسْتَثْنَى مِنْ مَحَلِّ الْوَجْهَيْنِ
(قَوْلُهُ: لَا أَجِّرْنِي) أَيْ فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالْعَيْنِ.
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لَا يُقَالُ إلَخْ) لَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا السُّؤَالِ مِنْ حَيْثُ سِيَاقُهُ مِنْ الْقَلَاقَةِ.
(قَوْلُهُ: جَرَى عَلَى الْغَالِبِ) أَيْ فَالْمَعْنَى: أَيْ مِنْ أَوْ عَنْ نَفْسِ الْمُدَّعِي: أَيْ عَلَى غَيْرِهِ: أَيْ وَحَذَفَهُ لِوُضُوحِهِ وَلِعِلْمِهِ مِنْ الْمَعْطُوفِ وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ مَعَ الْمَتْنِ: إنْ جَرَى عَلَى هِيَ هُنَا بِمَعْنَى عَنْ أَوْ مِنْ لِمَا مَرَّ أَنَّ كَوْنَ عَلَى وَالْبَاءِ لِلْمَأْخُوذِ وَعَنْ وَمِنْ لِلْمَتْرُوكِ أَغْلَبِيٌّ نَفْسَ الْمُدَّعَى عَلَى غَيْرِهِ كَأَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِدَارٍ أَوْ دَيْنٍ فَأَنْكَرَ ثُمَّ تَصَالَحَا عَلَى نَحْوِ قِنٍّ، وَيَصِحُّ كَوْنُهَا عَلَى بَابِهَا وَالتَّقْدِيرُ: إنْ جَرَى عَلَى نَفْسِ الْمُدَّعِي عَنْ غَيْرِهِ وَدَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الْمَأْخُوذِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي مَتْرُوكًا، وَيَصِحُّ مَعَ عَدَمِ هَذَا التَّقْدِيرِ أَيْضًا، وَغَايَتُهُ أَنَّ الْبُطْلَانَ فِيهِ لِأَمْرَيْنِ: كَوْنِهِ عَلَى إنْكَارٍ، وَعَدَمِ الْعِوَضِيَّةِ فِيهِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: وَأَيْضًا فَالْمُدَّعِي الْمَذْكُورُ إلَخْ) هَذَا هُوَ الَّذِي سَلَكَهُ هُوَ فِي حَلِّ الْمَتْنِ.
(قَوْلُهُ: مَأْخُوذٌ وَمَتْرُوكٌ بِاعْتِبَارَيْنِ) أَيْ: فَعَلَى عَلَى بَابِهَا لِلِاعْتِبَارِ الثَّانِي
.