بِشَعْرٍ طَاهِرٍ مِنْ غَيْرِ آدَمِيٍّ، وَلَمْ يَأْذَنْهَا فِيهِ زَوْجٌ أَوْ سَيِّدٌ، وَيَجُوزُ رَبْطُ الشَّعْرِ بِخُيُوطِ الْحَرِيرِ الْمُلَوَّنَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُشْبِهُ الشَّعْرَ.
وَيَحْرُمُ أَيْضًا تَجْعِيدُ شَعْرِهَا، وَوَشْرُ أَسْنَانِهَا، وَهُوَ تَحْدِيدُهَا وَتَرْقِيقُهَا، وَالْخِضَابُ بِالسَّوَادِ وَتَحْمِيرُ الْوَجْنَةِ بِالْحِنَّاءِ وَنَحْوُهُ، وَتَطْرِيفُ الْأَصَابِعِ مَعَ السَّوَادِ، وَالتَّنْمِيصُ، وَهُوَ الْأَخْذُ مِنْ شَعْرِ الْوَجْهِ وَالْحَاجِبِ الْمُحَسِّنِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا أَوْ سَيِّدُهَا فِي ذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي تَزْيِينِهَا لَهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا، وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَإِنْ جَرَى فِي التَّحْقِيقِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فِي الْوَصْلِ وَالْوَشْرِ فَأَلْحَقَهُمَا بِالْوَشْمِ فِي الْمَنْعِ مُطْلَقًا.
وَيُكْرَهُ أَنْ يُنْتَفَ الشَّيْبُ مِنْ الْمَحَلِّ الَّذِي لَا يُطْلَبُ مِنْهُ إزَالَةُ شَعْرِهِ، وَيُسَنُّ خَضْبُهُ بِالْحِنَّاءِ وَنَحْوِهِ.
وَيُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ أَوْ الْمَمْلُوكَةِ خَضْبُ كَفِّهَا وَقَدَمِهَا بِذَلِكَ تَعْمِيمًا؛ لِأَنَّهُ زِينَةٌ، وَهِيَ مَطْلُوبَةٌ مِنْهَا لِحَلِيلِهَا، أَمَّا النَّقْشُ وَالتَّطْرِيفُ فَلَا، وَخَرَجَ بِالْمُزَوَّجَةِ وَالْمَمْلُوكَةِ غَيْرُهُمَا فَيُكْرَهُ لَهُ، وَبِالْمَرْأَةِ الرَّجُلُ وَالْخُنْثَى فَيَحْرُمُ الْخِضَابُ عَلَيْهِمَا إلَّا لِعُذْرٍ.
(وَيُعْفَى عَنْ) أَثَرِ (مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ) لِجَوَازِ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْحَجَرِ، وَإِنْ عَرِقَ مَحَلُّ الْأَثَرِ، وَتَلَوَّثَ بِالْأَثَرِ غَيْرُهُ لِعُسْرِ تَجَنُّبِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ
[حاشية الشبراملسي]
الْمَوْجُودَةَ وَقْتَهُ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُ فَلَا نَظَرَ لِانْفِصَالِهِ فِي وَقْتٍ كَانَ يَجُوزُ لَهُ فِيهِ النَّظَرُ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ آدَمِيٍّ) أَيْ أَمَّا الْآدَمِيُّ فَيَحْرُمُ مُطْلَقًا أَذِنَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ لِكَرَامَتِهِ، وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ م ر أَنَّهُ يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَى الْآدَمِيِّ وَلَوْ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ.
أَقُولُ: وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ صَارَ مُحْتَرَمًا، وَتُطْلَبُ مُوَارَاتُهُ بِانْفِصَالِهِ أَوَّلًا، وَعَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَبَقِيَّةِ شُعُورِ الْبَدَنِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ سَيِّدٌ) أَيْ أَوْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى الْإِذْنِ (قَوْلُهُ: رَبْطُ الشَّعْرِ بِالْخُيُوطِ الْحَرِيرِ) ظَاهِرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ الزَّوْجُ أَوْ السَّيِّدُ (قَوْلُهُ: مِمَّا لَا يُشْبِهُ الشَّعْرَ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا أَشْبَهَ الشَّعْرَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ (قَوْلُهُ: مَعَ السَّوَادِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّطْرِيفَ بِنَحْوِ الْحِنَّاءِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِذْنِ (قَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ) أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَيَحْرُمُ تَجْعِيدُ شَعْرِهَا وَوَشْرُ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَا يُطْلَبُ مِنْهُ إزَالَةُ شَعْرِهِ) كَاللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ لِخَبَرِ «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَوْ قِيلَ بِتَحْرِيمِهِ لَمْ يَبْعُدْ.
وَنَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ تَحْرِيمَهُ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ: وَالنَّتْفُ لِلِحْيَةِ الْمَرْأَةِ وَشَارِبِهَا مُسْتَحَبٌّ: أَيْ وَلَوْ خَلِيَّةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُثْلَةٌ فِي حَقِّهَا اهـ شَرْحُ رَوْضِ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ خَضْبُهُ) أَيْ الشَّيْبِ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ) أَيْ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا النَّقْشُ وَالتَّطْرِيفُ فَلَا) أَيْ فَلَا يُسَنُّ بَلْ يَحْرُمُ بِدُونِ الْإِذْنِ إنْ كَانَ بِسَوَادٍ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: فَيُكْرَهُ لَهُ) أَيْ خَضْبُ كَفِّهَا وَقَدَمِهَا بِذَلِكَ، وَبَقِيَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَصْلِ وَالتَّجْعِيدِ وَغَيْرِهِمَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْمُزَوَّجَةِ أَوْ يَحْرُمُ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ فَإِنْ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا أَوْ سَيِّدُهَا فِي ذَلِكَ جَازَ الثَّانِي لِتَخْصِيصِ الْجَوَازِ بِحَالَةِ الْإِذْنِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا وَلِأَنَّهَا تَجُرُّ بِهِ الرِّيبَةُ إلَى نَفْسِهَا (قَوْلُهُ: وَبِالْمَرْأَةِ الرَّجُلُ) أَيْ الْبَالِغُ، أَمَّا الصَّبِيُّ وَلَوْ مُرَاهِقًا فَلَا يَحْرُمُ عَلَى وَلِيِّهِ فِعْلُ ذَلِكَ بِهِ وَلَا تَمْكِينُهُ مِنْهُ، كَمَا لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ إلْبَاسُهُ الْحَرِيرَ، نَعَمْ إنْ خِيفَ مِنْ ذَلِكَ رِيبَةٌ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ فَلَا تَبْعُدُ الْحُرْمَةُ عَلَى الْوَلِيِّ (قَوْلُهُ: الرَّجُلُ وَالْخُنْثَى فَيَحْرُمُ الْخِضَابُ عَلَيْهِمَا) أَيْ: الْحِنَّاءُ تَعْمِيمًا (قَوْلُهُ: إلَّا) أَيْ بِأَنْ لَا يَقُومَ غَيْرُهُ فِي مُدَاوَاةِ جُرْحِهِ مَثَلًا مَقَامَهُ (قَوْلُهُ: لِعُذْرٍ) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يُبَحْ التَّيَمُّمُ.
(قَوْلُهُ: وَيُعْفَى عَنْ مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ اسْتِنْجَاؤُهُ مَعَ كَوْنِهِ بِشَاطِئِ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَرِقَ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: عَرِقَ عَرَقًا مِنْ بَابِ تَعِبَ فَهُوَ عَرْقَانُ.
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَلَمْ يُسْمَعْ لِلْعَرَقِ جَمْعٌ انْتَهَى.
وَفِي الْقَامُوسِ: الْعَرَقُ مُحَرَّكَةٌ وَسَخُ جِلْدِ الْحَيَوَانِ وَيُسْتَعَارُ لِغَيْرِهِ: أَيْ مَجَازًا عَلَاقَتُهُ الْمُشَابَهَةُ (قَوْلُهُ: غَيْرُهُ) أَيْ الْمَحَلِّ (قَوْلُهُ: لِعُسْرِ تَجَنُّبِهِ) قَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْسُرْ تَجَنُّبُهُ كَالْكُمِّ وَالذَّيْلِ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: بِشَعْرٍ طَاهِرٍ مِنْ غَيْرِ آدَمِيٍّ) أَيْ أَمَّا مِنْ الْآدَمِيِّ فَيَحْرُمُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَذِنَ فِيهِ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ أَمْ لَا وَلَوْ مِنْ شَعْرِهَا كَمَا نَقَلَهُ الشِّهَابُ سم عَنْ الشَّارِحِ.
(قَوْلُهُ: وَتَلَوَّثَ بِالْأَثَرِ) إنَّمَا لَمْ يُضْمِرْ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَقَامَ لِلْإِضْمَارِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَى الْعِرْقِ الْمَفْهُومِ مِنْ عِرْقٍ، وَهُوَ لَا يُفِيدُ صَرِيحًا أَنَّ التَّلَوُّثَ بِالْأَثَرِ الْمُحَقَّقِ لَا يَضُرُّ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ
وَالْمَجْمُوعِ هُنَا، وَقَالَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ: إذَا اسْتَنْجَى بِالْأَحْجَارِ وَعَرِقَ مَحَلُّهُ وَسَالَ الْعَرَقُ مِنْهُ وَجَاوَزَهُ وَجَبَ غَسْلُ مَا سَالَ إلَيْهِ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا، إذْ الْأَوَّلُ فِيمَا لَمْ يُجَاوِزْ الصَّفْحَةَ وَالْحَشَفَةَ.
وَالثَّانِي فِيمَا جَاوَزَهُمَا ثُمَّ مَحَلُّ الْعَفْوِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ) (حَمَلَ) فِي صَلَاتِهِ (مُسْتَجْمِرًا) أَوْ مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ مَعْفُوٌّ عَنْهَا كَثَوْبٍ بِهِ دَمُ بَرَاغِيثَ عَلَى مَا سَيَأْتِي، أَوْ حَيَوَانًا تَنَجَّسَ مَنْفَذُهُ بِخُرُوجِ الْخَارِجِ مِنْهُ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (فِي الْأَصَحِّ) إذْ الْعَفْوُ لِلْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ إلَى حَمْلِهِ فِيهَا، بِخِلَافِ حَمْلِ طَاهِرِ الْمَنْفَذِ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا نَظَرٍ لِلْخَبَثِ بِبَاطِنِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْدِنِهِ الْخِلْقِيِّ مَعَ وُجُودِ الْحَيَاةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي دَفْعِهِ كَمَا فِي جَوْفِ الْمُصَلِّي لِحَمْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَامَةَ فِي صَلَاتِهِ،
[حاشية الشبراملسي]
مَثَلًا لَا يُعْفَى عَمَّا لَاقَاهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ حَمَلَ فِي صَلَاتِهِ مُسْتَجْمَرًا) وَمِثْلُ الْحَمْلِ مَا لَوْ تَعَلَّقَ الْمُسْتَجْمِرُ بِالْمُصَلِّي أَوْ الْمُصَلِّي بِالْمُسْتَجْمِرِ فَإِنَّهُ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَيُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ إلَخْ، وَوَجْهُ الْبُطْلَانِ فِيهِمَا اتِّصَالُ الْمُصَلِّي بِمَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِالنَّجَاسَةِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُسْتَنْجِي بِالْمَاءِ إذَا أَمْسَكَ مُصَلِّيًا مُسْتَجْمِرًا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمُسْتَجْمِرِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ بَدَنِهِ مُتَّصِلٌ بِيَدِ الْمُسْتَنْجِي بِالْمَاءِ، وَيَدُهُ مُتَّصِلَةٌ بِبَدَنِ الْمُصَلِّي الْمُسْتَجْمِرِ بِالْحَجَرِ فَصَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمُتَّصِلٍ يُنَجِّسُ، وَهُوَ نَفْسُهُ لَا ضَرُورَةَ لِاتِّصَالِهِ بِهِ.
وَفِي حَجّ: لَوْ غَرَزَ إبْرَةً مَثَلًا بِبَدَنِهِ أَوْ انْغَرَزَتْ فَغَابَتْ أَوْ وَصَلَتْ لِدَمٍ قَلِيلٍ لَمْ يَضُرَّ، أَوْ لِدَمٍ كَثِيرٍ أَوْ لِجَوْفٍ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ لِاتِّصَالِهَا بِنَجِسٍ انْتَهَى.
وَقَالَ سم عَلَيْهِ: وَمَحَلُّ عَدَمِ الصِّحَّةِ حَيْثُ كَانَ طَرَفُهَا بَائِنًا ظَاهِرًا انْتَهَى.
أَقُولُ: وَمَا قَيَّدَ بِهِ قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ فَغَابَتْ.
أَمَّا إذَا غَرَزَهَا عَبَثًا فَتَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ عَمْدًا، وَهُوَ يَضُرُّ (قَوْلُهُ: بِهِ دَمُ بَرَاغِيثَ) وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ حَمْلَ مَنْ جُبِّرَ عَظْمُهُ بِنَجِسٍ حَيْثُ لَمْ يَجِبْ نَزْعُهُ وَلَمْ يَسْتَتِرْ بِلَحْمٍ وَجِلْدٍ طَاهِرٍ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَجَسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ هَذَا صَارَ فِي حُكْمِ الْجُزْءِ فَلَا يَضُرُّ الْحَمْلُ مَعَهُ.
انْتَهَى سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: تَنَجَّسَ مَنْفَذُهُ) أَيْ مَثَلًا (قَوْلُهُ: إذْ الْعَفْوُ لِلْحَاجَةِ) قَالَ حَجّ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَا يَتَخَلَّلُ خِيَاطَةَ الثَّوْبِ مِنْ نَحْوِ الصِّئْبَانِ، وَهُوَ بَيْضُ الْقَمْلِ يُعْفَى عَنْهُ، وَإِنْ فُرِضَتْ حَيَاتُهُ ثُمَّ مَوْتُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِعُمُومِ الِابْتِلَاءِ بِهِ مَعَ مَشَقَّةِ فَتْقِ الْخِيَاطَةِ لِإِخْرَاجِهِ انْتَهَى (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ فِي مَعْدِنِهِ الْخِلْقِيِّ) أَيْ وَمَا دَامَ كَذَلِكَ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا فِي ذَاتِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي جَوْفِ الْمُصَلِّي) قَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ مَا فِي جَوْفِ الْمُصَلِّي حَمْلُهُ ضَرُورِيٌّ لَهُ، وَلَا كَذَلِكَ حَمْلُ مَا فِي بَاطِنِ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا (قَوْلُهُ: لِحَمْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَامَةَ فِي صَلَاتِهِ) قَالَ حَجّ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ فِي آخِرِ بَابِ بُكَائِهِ: وَكَانَتْ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَعِبَارَتُهُ نَصُّهَا: وَأُمَامَةُ هِيَ الَّتِي حَمَلَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَكَانَ إذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ أَعَادَهَا انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي لحج نَفْسِهِ فِي الْفَصْلِ الْآتِي بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَإِلَّا فَتَبْطُلُ بِكَثِيرِهِ لَا قَلِيلِهِ مَا نَصُّهُ: لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ كَحَمْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَامَةَ بِنْتِ زَيْنَبَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عِنْدَ قِيَامِهِ وَوَضْعِهَا عِنْدَ سُجُودِهِ انْتَهَى.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: هُمَا رِوَايَتَانِ، وَأَنَّ الْوَاقِعَةَ مُتَعَدِّدَةٌ، فَوَضَعَهَا تَارَةً عِنْدَ إرَادَةِ الرُّكُوعِ وَتَارَةً عِنْدَ إرَادَةِ السُّجُودِ، عَلَى أَنَّ الرُّكُوعَ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، فَيَجُوزُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الرُّكُوعِ يَضَعُهَا عِنْدَ إرَادَةِ السُّجُودِ وَبَعْدَ مَشْرُوعِيَّةِ الرُّكُوعِ صَارَ يَضَعُهَا عِنْدَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فِيمَا لَمْ يُجَاوِزْ الصَّفْحَةَ وَالْحَشَفَةَ) الْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي لَمْ يُجَاوِزْ الصَّفْحَةَ وَالْحَشَفَةَ يُعْفَى عَمَّا لَاقَى الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا جَاوَزَهُمَا لِعَدَمِ إجْزَاءِ الْحَجَرِ فِيهِ.
وَلِهَذَا فَارَقَ حَمْلُ الْمَذْبُوحِ وَالْمَيِّتِ الطَّاهِرِ الَّذِي لَمْ يَطْهُرْ بَاطِنُهُ وَلَوْ سَمَكًا أَوْ جَرَادًا، وَالثَّانِي لَا تَبْطُلُ فِي حَقِّهِ كَالْمَحْمُولِ لِلْعَفْوِ عَنْ مَحَلِّ الِاسْتِجْمَارِ، وَيَلْحَقُ بِحَمْلِ مَا ذُكِرَ حَمْلُ حَامِلِهِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَالْقِيَاسُ بُطْلَانُهَا أَيْضًا بِحَمْلِهِ مَاءً قَلِيلًا أَوْ مَائِعًا فِيهِ مَيْتَةٌ لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةً، وَقُلْنَا لَا يُنَجَّسُ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ.
وَلَوْ حَمَلَ الْمُصَلِّي بَيْضَةً اسْتَحَالَتْ دَمًا وَحُكِمَ بِنَجَاسَتِهَا أَوْ عُنْقُودًا اسْتَحَالَ خَمْرًا أَوْ قَارُورَةً مُصَمَّمَةَ الرَّأْسِ بِرَصَاصٍ وَنَحْوِهِ فِيهَا نَجَسٌ بَطَلَتْ.
وَيُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ فِي قَبْضِ طَرَفِ شَيْءٍ مُتَنَجِّسٍ فِيهَا أَنَّهُ لَوْ أَمْسَكَ الْمُصَلِّي بَدَنَ مُسْتَجْمِرٍ أَوْ ثَوْبَهُ أَوْ أَمْسَكَ الْمُسْتَجْمِرُ الْمُصَلِّي أَوْ مَلْبُوسَهُ أَنَّهُ يَضُرُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَوْ سَقَطَ طَائِرٌ عَلَى مَنْفَذِهِ نَجَاسَةٌ فِي نَحْوِ مَائِعٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ لِعُسْرِ صَوْنِهِ عَنْهُ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْمُسْتَجْمَعِ فَإِنَّهُ يُنَجِّسُهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِتَضَمُّخِهِ بِالنَّجَاسَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ حُرْمَةُ مُجَامَعَةِ زَوْجَتِهِ قَبْلَ اسْتِنْجَائِهِ بِالْمَاءِ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا حِينَئِذٍ تَمْكِينُهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(وَطِينُ الشَّارِعِ) أَيْ مَحَلُّ الْمُرُورِ
[حاشية الشبراملسي]
إرَادَتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَيِّتُ) قَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِالْمَيِّتِ أَنَّ السَّمَكَ إذَا كَانَ حَيًّا لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِحَمْلِهِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ بِأَنَّ حَرَكَتَهُ حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ وَذَلِكَ يُلْحِقُهُ بِالْمَيْتَةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مَحَلُّ إلْحَاقِ مَا ذُكِرَ إذَا كَانَ وُصُولُهُ لِتِلْكَ الْحَالَةِ بِجِنَايَةٍ، أَوْ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُقْطَعْ بِمَوْتِهِ لِإِمْكَانِ عَوْدِهِ لِلْمَاءِ فَتَدُومُ حَيَاتُهُ لَمْ يُلْحِقُوهُ بِالْمَيْتَةِ لِذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَيُلْحَقُ بِحَمْلِ مَا ذُكِرَ) هَلْ يُلْحَقُ بِذَلِكَ مَنْ وَصَلَ عَظْمَهُ بِنَجِسٍ مَعْذُورٌ فِيهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الضَّرَرِ.
انْتَهَى سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَحُكِمَ بِنَجَاسَتِهَا) أَيْ بِأَنْ فَسَدَتْ وَأَيِسَ مِنْ مَجِيءِ فَرْخٍ مِنْهَا.
اهـ حَجّ.
(قَوْلُهُ: بَطَلَتْ) أَيْ حَالًا فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ أَمْسَكَ الْمُسْتَجْمِرُ الْمُصَلِّي) أَيْ وَلَمْ يُتَّجَهْ حَالًا (قَوْلُهُ: وَلَوْ سَقَطَ طَائِرٌ) أَيْ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ (قَوْلُهُ: عَلَى مَنْفَذِهِ نَجَاسَةٌ مُحَقَّقَةٌ) أَيْ أَوْ مِنْقَارِهِ أَوْ رِجْلِهِ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ (قَوْلُهُ: قَبْلَ اسْتِنْجَائِهِ) أَيْ أَوْ اسْتِنْجَائِهَا (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا حِينَئِذٍ تَمْكِينُهُ) أَيْ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَخْشَ الزِّنَا، وَإِلَّا فَيَجُوزُ كَمَا فِي وَطْءِ الْحَائِضِ عِنْدَ خَوْفِ مَا ذُكِرَ.
(قَوْلُهُ: وَطِينُ الشَّارِعِ) خَرَجَ بِهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ كَالْبَوْلِ الَّذِي بِالشَّوَارِعِ فَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ نَزَلَ كَلْبٌ فِي حَوْضٍ مَثَلًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ وَانْتَفَضَ وَأَصَابَ الْمَارِّينَ شَيْءٌ مِنْهُ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ الْعَفْوُ إلْحَاقًا لَهُ بِطِينِ الشَّوَارِعِ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الِابْتِلَاءُ بِمِثْلِ هَذَا لَيْسَ كَالِابْتِلَاءِ بِطِينِ الشَّوَارِعِ.
وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ شَيْخِنَا الشَّيْخِ سَالِمٍ الشَّبْشِيرِيِّ الْعَفْوُ عَمَّا تَطَايَرَ مِنْ طِينِ الشَّوَارِعِ عَنْ ظَهْرِ الْكَلْبِ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَوْ أَمْسَكَ الْمُصَلِّي بَدَنَ مُسْتَجْمِرٍ أَوْ ثَوْبَهُ أَوْ أَمْسَكَ الْمُسْتَجْمِرُ الْمُصَلِّيَ إلَخْ) فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ أَنَّ مِثْلَهُ مَا لَوْ أَمْسَكَ الْمُسْتَنْجِي بِالْمَاءِ مُصَلِّيًا مُسْتَجْمِرًا بِالْأَحْجَارِ فَتَبْطُلُ صَلَاةُ الْمُصَلِّي الْمُسْتَجْمِرِ بِالْأَحْجَارِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ أَنَّ مَنْ اتَّصَلَ بِطَاهِرٍ مُتَّصِلٍ بِنَجِسٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهُ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ: أَيْ وَقَدْ صَدَقَ عَلَى هَذَا الْمُسْتَنْجِي بِالْمَاءِ الْمُمْسِكِ لِلْمُصَلِّي الْمَذْكُورِ أَنَّهُ طَاهِرٌ مُتَّصِلٌ بِنَجِسٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهُ وَهُوَ بَدَنُ الْمُصَلِّي الْمَذْكُورِ،؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَقَدْ اتَّصَلَ بِالْمُصَلِّي وَهُوَ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ كَمَا لَا يَخْفَى إذْ هُوَ مُغَالَطَةٌ، إذْ لَا خَفَاءَ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الطَّاهِرِ الْمُتَّصِلِ بِالْمُصَلِّي مُتَّصِلًا بِنَجِسٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُصَلِّي، وَهَذَا النَّجِسُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُمْسِكِ الَّذِي هُوَ مَنْشَأُ التَّوَهُّمِ، وَلِأَنَّا إذَا عَفَوْنَا عَنْ مَحَلِّ الِاسْتِجْمَارِ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا الْمُصَلِّي فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ بِالْوَاسِطَةِ أَوْ بِغَيْرِ الْوَاسِطَةِ، وَعَدَمُ الْعَفْوِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِخُصُوصِ الْغَيْرِ بَلْ هُوَ بِالْوَاسِطَةِ أَوْلَى بِالْعَفْوِ مِنْهُ بِعَدَمِهَا الَّذِي هُوَ مَحَلُّ وِفَاقٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَيَلْزَمُ عَلَى مَا قَالَهُ أَنْ تَبْطُلَ صَلَاتُهُ بِحَمْلِهِ لِثِيَابِهِ الَّتِي لَا يَحْتَاجُ إلَى حَمْلِهَا لِصِدْقِ مَا مَرَّ عَلَيْهَا وَلَا أَحْسَبُ أَحَدًا يُوَافِقُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ سَقَطَ طَائِرٌ) أَيْ مَثَلًا وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّهَارَةِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مَحَلِّ الْمُرُورِ) أَيْ الْمُعَدِّ لِذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَارِعًا (الْمُتَيَقِّنُ نَجَاسَتَهُ) وَلَوْ بِإِخْبَارِ عَدْلٍ رِوَايَةً فِيمَا يَظْهَرُ، فَالْمُرَادُ بِالْيَقِينِ مَا يُفِيدُ ثُبُوتَ النَّجَاسَةِ (يُعْفَى مِنْهُ عَمَّا يَتَعَذَّرُ) أَيْ يَتَعَسَّرُ (الِاحْتِرَازُ عَنْهُ غَالِبًا) ، وَإِنْ اخْتَلَطَ بِمُغَلَّظٍ كَمَا رَجَّحَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفَارَقَ دَمُهُ بِالْمَشَقَّةِ أَوْ كَثْرَتِهَا فِي هَذَا دُونَ ذَاكَ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ الِانْتِشَارِ فِي حَوَائِجِهِمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَا يَجِدُ إلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا، فَلَوْ أُمِرُوا بِالْغُسْلِ كُلَّمَا أَصَابَهُمْ ذَلِكَ لَعَظُمَتْ الْمَشَقَّةُ، وَاحْتَرَزَ بِالْمُتَيَقِّنِ النَّجَاسَةَ عَمَّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ اخْتِلَاطُهُ بِهَا كَغَالِبِ الشَّوَارِعِ فَفِيهِ قَوْلَا الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ وَقَدْ مَرَّ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَاءُ الْمَيَازِيبِ الْمَشْكُوكِ فِيهَا، بَلْ اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْجَزْمَ بِطَهَارَتِهِ، وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِطَهَارَةِ الْأَوْرَاقِ الَّتِي تُعْمَلُ وَتُبْسَطُ، وَهِيَ رَطْبَةٌ عَلَى الْحِيطَانِ الْمَعْمُولَةِ بِرَمَادٍ نَجِسٍ
[حاشية الشبراملسي]
عَنْهُ وَفِيهِ وَقْفَةٌ، وَمِثْلُهُ فِي عَدَمِ الْعَفْوِ مَا يَتَطَايَرُ مِنْهُ فِي زَمَنِ الْأَمْطَارِ؛ لِأَنَّهُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالتَّحَفُّظِ مِنْهُ، وَمِثْلُهُ أَيْضًا مَا جَرَتْ عَادَةُ الْكِلَابِ بِهِ مِنْ طُلُوعِهِمْ عَلَى الْأَسْبِلَةِ وَرُقَادِهِمْ فِي مَحَلِّ وَضْعِ الْكِيزَانِ، وَهُنَاكَ رُطُوبَةٌ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ.
وَمِمَّا شَمِلَهُ أَيْضًا طِينُ الشَّارِعِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَ لَهُ مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ أَنَّهُ يَحْصُلُ مَطَرٌ بِحَيْثُ يَعُمُّ الطُّرُقَاتِ، وَمَا يَقَعُ مِنْ الرَّشِّ فِي الشَّوَارِعِ وَتَمُرُّ فِيهِ الْكِلَابُ وَتَرْقُدُ فِيهِ بِحَيْثُ تُتَيَقَّنُ نَجَاسَتُهُ، بَلْ وَكَذَا لَوْ بَالَتْ فِيهِ وَاخْتَلَطَ بَوْلُهَا بِطِينِهِ أَوْ مَائِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِلنَّجَاسَةِ عَيْنٌ مُتَمَيِّزَةٌ فَيُعْفَى مِنْهُ عَمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَلَا يُكَلَّفُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ مِنْهُ خِلَافًا لِمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ ضَعَفَةِ الطَّلَبَةِ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْعَفْوِ عَنْهُ مَا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ فِي الدَّرْسِ عَنْ مَمْشَاةٍ لِمَسْجِدٍ بِرَشِيدَ مُتَّصِلَةٍ بِالْبَحْرِ وَبِالْمَسْجِدِ وَطُولُهَا نَحْوُ مِائَةِ ذِرَاعٍ، ثُمَّ إنَّ الْكِلَابَ تَرْقُدُ، وَهِيَ رَطْبَةٌ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ الْعَفْوِ فِيمَا لَوْ مَشَى عَلَى مَحَلٍّ تَيَقَّنَ نَجَاسَتَهُ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طِينِ الشَّارِعِ بِعُمُومِ الْبَلْوَى فِي طِينِ الشَّارِعِ دُونَ هَذَا إذْ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْمَشْيِ عَلَيْهَا دُونَ الشَّارِعِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَارِعًا) أَيْ الْمَحَلُّ الَّذِي عَمَّتْ الْبَلْوَى بِاخْتِلَاطِهِ بِالنَّجَاسَةِ كَدِهْلِيزِ الْحَمَّامِ وَحَوْلَ الْفَسَاقِي مِمَّا لَا يُعْتَادُ تَطْهِيرُهُ إذَا تَنَجَّسَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ عَمَّا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ غَالِبًا.
أَمَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِحِفْظِهِ وَتَطْهِيرِهِ إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، بَلْ مَتَى تُيُقِّنَتْ نَجَاسَتُهُ وَجَبَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَمِنْهُ مَمْشَاةُ الْفَسَاقِي فَتَنَبَّهْ لَهُ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا يُخَالِفُهُ.
(قَوْلُهُ: يُعْفَى مِنْهُ عَمَّا يَتَعَذَّرُ) أَيْ فَإِنْ صَلَّى فِي الشَّارِعِ الْمَذْكُورِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ حَيْثُ لَا حَائِلَ لِمُلَاقَاتِهِ النَّجَسَ وَلَا ضَرُورَةَ لِلصَّلَاةِ فِيهِ حَتَّى يُعْذَرَ، بِخِلَافِ مَا يُصِيبُ بَدَنَهُ أَوْ ثَوْبَهُ فَيُعْفَى عَنْهُ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ (قَوْلُهُ: أَيْ يَتَعَسَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ) أَيْ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ لِبَاسَ الشِّتَاءِ فِي زَمَنِهِ أَوْ زَمَنِ الصَّيْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ غَسْلَهُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اخْتَلَطَ بِمُغَلَّظٍ) أَيْ وَلَوْ دَمَ كَلْبٍ، وَإِنْ لَمْ يُعْفَ عَنْ الْمَحْضِ مِنْهُ، وَإِنْ قَلَّ (قَوْلُهُ: وَفَارَقَ دَمُهُ) أَيْ حَيْثُ لَا يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ (قَوْلُهُ: فِي هَذَا) أَيْ طِينِ الشَّارِعِ (قَوْلُهُ: دُونَ ذَاكَ) أَيْ دَمِ الْكَلْبِ الْغَيْرِ الْمُخْتَلِطِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ مَرَّ) أَيْ أَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ وَيَحْتَمِلُ النَّجَاسَةَ إلَّا أَنَّا نُقَدِّمُ الْأَصْلَ عَلَى غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: الْمَعْمُولَةِ) أَيْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَوْ بِإِخْبَارِ عَدْلٍ) إنَّمَا احْتَاجَ إلَى هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِمَفْهُومِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يُعْفَى مِنْهُ عَمَّا تَعَذَّرَ إلَخْ لَا لِمَنْطُوقِهِ،؛ لِأَنَّهُ إذَا عُفِيَ عَنْ الْمُتَيَقَّنِ النَّجَاسَةِ فِي ذَلِكَ فَمَظْنُونُهَا أَوْلَى (قَوْلُهُ: وَفَارَقَ دَمُهُ) أَيْ الَّذِي أَصَابَهُ مِنْ غَيْرِ الشَّارِعِ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ إلَخْ) الْأَوْلَى حَذْفُ الْوَاوِ؛ لِأَنَّهُ عِلَّةٌ لِأَصْلِ الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: الْجَزْمُ بِطَهَارَتِهِ) أَيْ وَلَيْسَ فِيهِ قَوْلَا الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ (قَوْلُهُ: بِطَهَارَةِ الْأَوْرَاقِ) أَيْ إذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ نَجَاسَةُ الرَّمَادِ، وَلَكِنَّ الْغَالِبَ فِيهِ النَّجَاسَةُ أَخْذًا مِمَّا عَلَّلَ بِهِ، أَمَّا إذَا تَحَقَّقَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِطَاهِرٍ لَكِنْ يُعْفَى عَنْ الْأَوْرَاقِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ فِي مَعْفُوَّاتِهِ:
وَالنَّسْخُ فِي وَرَقٍ آجُرَّهُ عَجَنُوا ... بِهِ النَّجَاسَةَ عَفْوٌ حَالَ كَتْبَتِهِ
مَا نَجَّسُوا قَلَمًا مِنْهُ وَمَا مَنَعُوا ... مِنْ كَاتِبٍ مُصْحَفًا مِنْ حِبْرِ لِيقَتِهِ
عَمَلًا بِالْأَصْلِ.
نَعَمْ إنْ وُجِدَ سَبَبٌ يُحَالُ عَلَيْهِ كَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الظَّبْيَةِ عُمِلَ بِالظَّنِّ كَمَا تَقَدَّمَ (وَيَخْتَلِفُ) الْمَعْفُوُّ عَنْهُ (بِالْوَقْتِ وَمَوْضِعِهِ مِنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ) فَيُعْفَى فِي الذَّيْلِ وَالرِّجْلِ عَمَّا لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الْكُمِّ وَالْيَدِ، وَبَحْثُ الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرِهِ الْعَفْوُ عَنْ قَلِيلٍ مِنْهُ تَعَلَّقَ بِالْخُفِّ، وَإِنْ مَشَى فِيهِ بِلَا نَعْلٍ، وَخَرَجَ بِالطِّينِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ إذَا بَقِيَتْ فِي الطَّرِيقِ فَلَا يُعْفَى عَنْهَا.
نَعَمْ إنْ عَمَّتْهَا فَلِلزَّرْكَشِيِّ احْتِمَالٌ بِالْعَفْوِ، وَمَيْلُ كَلَامِهِ إلَى اعْتِمَادِهِ كَمَا لَوْ عَمَّ الْجَرَادُ أَرْضَ الْحَرَمِ، وَخَرَجَ بِالْقَلِيلِ الْكَثِيرُ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ لِعَدَمِ عُسْرِ اجْتِنَابِهِ، وَضَابِطُ الْقَلِيلِ هُنَا مَا لَا يُنْسَبُ صَاحِبُهُ لِسَقْطَةٍ عَلَى شَيْءٍ أَوْ كَبْوَةٍ عَلَى وَجْهِهِ أَوْ قِلَّةِ تَحَفُّظٍ، وَتَضْعِيفُ الزَّرْكَشِيّ لَهُ بِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْعُرْفِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ هَذَا ضَبْطُ الْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ.
(وَيُعْفَى) فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ (عَنْ قَلِيلِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ) وَالْقَمْلِ وَالْبَقِّ (وَوَنِيمِ الذُّبَابِ) وَكُلِّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً وَعَنْ قَلِيلِ بَوْلِ الْخُفَّاشِ.
وَالْقِيَاسُ أَنَّ رَوَثَهُ وَبَوْلَ الذُّبَابِ كَذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، إذْ كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ.
وَالْبَقُّ هُوَ الْبَعُوضُ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ شُمُولُهُ لِلْبَقِّ الْمَعْرُوفِ بِبِلَادِنَا (وَالْأَصَحُّ) أَنَّهُ
[حاشية الشبراملسي]
الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ تُعْمَلَ بِالرَّمَادِ.
أَمَّا مَا شُوهِدَ بِنَاؤُهُ بِالرَّمَادِ النَّجِسِ فَإِنَّهُ يُنَجِّسُ مَا أَصَابَهُ إذْ لَا أَصْلَ لِلطَّهَارَةِ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ (قَوْلُهُ: عَمَلًا بِالْأَصْلِ) وَعَلَيْهِ فَلَا تُنَجَّسُ الثِّيَابُ الرَّطْبَةُ الَّتِي تُنْشَرُ عَلَى الْحِيطَانِ الْمَعْمُولَةِ بِالرَّمَادِ عَادَةً لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، وَكَذَا الْيَدُ الرَّطْبَةُ إذَا مَسَّ بِهَا الْحِيطَانَ الْمَذْكُورَةَ (قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ وُجِدَ سَبَبٌ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ عَمَّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ اخْتِلَاطُهُ (قَوْلُهُ: الْعَفْوُ عَنْ قَلِيلٍ مِنْهُ) أَيْ طِينِ الشَّارِعِ، وَعِبَارَةُ حَجّ: وَإِنْ كَثُرَ كَمَا اقْتَضَاهُ قَوْلُ الشَّارِحِ الصَّغِيرِ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُعَدَّ الْمُلَوَّثُ فِي جَمِيعِ أَسْفَلِ الْخُفِّ وَأَطْرَافِهِ قَلِيلًا خِلَافَ مِثْلِهِ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ انْتَهَى: أَيْ أَنَّ زِيَادَةَ الْمَشَقَّةِ تُوجِبُ عَدَّ ذَلِكَ قَلِيلًا، وَإِنْ كَثُرَ عُرْفًا، فَمَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ هُنَا هُوَ الضَّارُّ وَمَا لَا فَلَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِكَثْرَةٍ وَلَا قِلَّةٍ، وَإِلَّا لَعَظُمَتْ الْمَشَقَّةُ جِدًّا، فَمَنْ عَبَّرَ بِالْقَلِيلِ كَالرَّوْضَةِ أَرَادَ مَا ذَكَرْنَاهُ انْتَهَى.
وَعَلَيْهِ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ الشَّارِحِ عَنْ قَلِيلٍ إلَخْ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْقَلِيلِ مَا فِي تَجَنُّبِهِ زِيَادَةُ الْمَشَقَّةِ.
(قَوْلُهُ: بِلَا نَعْلٍ) وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمَشْيِ حَافِيًا ثُمَّ رَأَيْته فِي سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: عَيْنُ النَّجَاسَةِ) وَمِنْهُ تُرَابُ الْمَقَابِرِ الْمَنْبُوشَةِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ عَمَّتْهَا) أَيْ بِحَيْثُ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَلَى الْمَشْيِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا (قَوْلُهُ: بِالْعَفْوِ) أَيْ عَمَّا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ غَالِبًا (قَوْلُهُ: وَمَيْلُ كَلَامِهِ إلَى اعْتِمَادِهِ) مُعْتَمَدٌ.
وَعِبَارَتُهُ عَلَى الْعُبَابِ: أَمَّا لَوْ عَمَّتْ جَمِيعَ الطَّرِيقِ فَالْأَوْجَهُ الْعَفْوُ عَنْهَا، وَقَدْ خَالَفَ فِيهِ حَجّ (قَوْلُهُ: لِسَقْطَةٍ) أَيْ وَلَوْ بِسُقُوطِ مَرْكُوبِهِ وَقَوْلُهُ عَلَى شَيْءٍ فِي نُسْخَةٍ: عَلَى شِقِّهِ، وَمَا فِي الْأَصْلِ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَوَنِيمِ الذُّبَابِ) أَيْ رَوَثُهُ.
انْتَهَى مَنْهَجٌ.
[فَرْعٌ] قَرَّرَ م ر أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ ثَوْبًا فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ لِأَجْلِ تَنْظِيفِهِ مِنْ الْأَوْسَاخِ: أَيْ وَلَوْ نَجَّسَهُ لَمْ يَضُرَّ بَقَاءُ الدَّمِ فِيهِ وَيُعْفَى عَنْ إصَابَةِ هَذَا الْمَاءِ لَهَا فَلْيُتَأَمَّلْ.
انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَيْ أَمَّا إنْ قَصَدَ غَسْلَ النَّجَاسَةِ الَّتِي هِيَ دَمُ الْبَرَاغِيثِ فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَةِ أَثَرِ الدَّمِ مَا لَمْ يَعْسُرْ فَيُعْفَى عَنْ اللَّوْنِ عَلَى مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ عَلَى الْأَوْجَهِ، خِلَافًا لِمَنْ خَصَّ الْمَكَانَ بِالْجَافِّ وَعَمَّمَ فِي الْأَوَّلَيْنِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ) بَلْ بَحْثُ الْعَفْوِ عَنْ وَنِيمٍ بِرَأْسِ كُوزٍ يَمُرُّ عَلَيْهِ مَاءٌ قَلِيلٌ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى.
اهـ حَجّ.
وَسُئِلَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ عَمَّا يَعْتَادُهُ النَّاسُ كَثِيرًا مِنْ تَسْخِينِ الْخُبْزِ فِي الرَّمَادِ النَّجِسِ ثُمَّ إنَّهُمْ يَفُتُّونَهُ فِي اللَّبَنِ وَنَحْوِهِ،
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَيُعْفَى فِي الذَّيْلِ وَالرِّجْلِ) هَذَا تَصْوِيرٌ لِلْمَوْضِعِ وَسَكَتَ عَنْ تَصْوِيرِ الْوَقْتِ.
قَالَ غَيْرُهُ: وَيُعْفَى فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ مَا لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِالْقَلِيلِ الْكَثِيرُ) لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي كَلَامِهِ وَلَا كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ذِكْرُ الْقَلِيلِ حَتَّى يَأْخُذَ هَذَا مُحْتَرَزَهُ (قَوْلُهُ: عَلَى شَيْءٍ) يَعْنِي مِنْ بَدَنِهِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ.
(لَا يُعْفَى عَنْ كَثِيرِهِ) لِنُدْرَتِهِ وَعَدَمِ مَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ (وَلَا) عَنْ (قَلِيلٍ انْتَشَرَ بِعَرَقٍ) لِمُجَاوَزَتِهِ مَحَلَّهُ.
(وَتُعْرَفُ الْكَثْرَةُ) وَضِدُّهَا (بِالْعَادَةِ الْغَالِبَةِ) فَمَا يَغْلِبُ عَادَةً التَّلَطُّخُ بِهِ، وَيَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ عَادَةً قَلِيلٌ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالْبِلَادِ، وَلَا يَبْعُدُ جَرَيَانُ ضَابِطِ طِينِ الشَّارِعِ هُنَا، وَلَوْ شَكَّ فِي شَيْءٍ أَقَلِيلٌ هُوَ أَمْ كَثِيرٌ فَلَهُ حُكْمُ الْقَلِيلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذِهِ النَّجَاسَاتِ الْآتِيَةِ الْعَفْوُ إلَّا إذَا تَيَقَّنَّا الْكَثْرَةَ، وَالثَّانِي الْعَفْوُ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي هَذَا الْجِنْسِ عُسْرُ الِاحْتِرَازِ فَيَلْحَقُ غَيْرُ الْغَالِبِ مِنْهُ بِالْغَالِبِ، كَالْمُسَافِرِ يَتَرَخَّصُ، وَإِنْ لَمْ تَنَلْهُ مَشَقَّةٌ لَا سِيَّمَا وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَمَا يُوجِبُ الْمَشَقَّةَ لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى بِهِ وَلِهَذَا رَجَّحَهُ فَقَالَ (قُلْت: الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ الْعَفْوُ مُطْلَقًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) قَلِيلًا أَمْ كَثِيرًا انْتَشَرَ بِعَرَقٍ أَمْ لَا تَفَاحَشَ، وَغَلَبَ عَلَى الثَّوْبِ أَمْ لَا خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ.
وَسَوَاءٌ أَقَصُرَ كُمَّهُ أَمْ زَادَ عَلَى الْأَصَابِعِ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّ دَمَ الْبَرَاغِيثِ الْحَاصِلَ عَلَى حُصْرِ نَحْوِ الْمَسْجِدِ مِمَّنْ يُنَامُ عَلَيْهَا كَذَرْقِ الطُّيُورِ خِلَافًا لِابْنِ الْعِمَادِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي ثَوْبٍ مَلْبُوسٍ أَصَابَهُ الدَّمُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، فَلَوْ كَانَتْ الْإِصَابَةُ بِفِعْلِهِ قَصْدًا كَأَنْ قَتَلَهَا فِي ثَوْبِهِ
[حاشية الشبراملسي]
فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ حَتَّى مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَسْخِينِهِ فِي الطَّاهِرِ، وَلَوْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ اللَّبَنِ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ انْتَهَى.
كَذَا بِهَامِشٍ، وَهُوَ وَجِيهٌ مَرْضِيٌّ، بَلْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الرَّمَادِ، وَصَارَ مُشَاهَدًا سَوَاءٌ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ بِأَنْ انْفَتَحَ بَعْضُهُ وَدَخَلَ فِيهِ ذَلِكَ كَدُودِ الْفَاكِهَةِ وَالْجُبْنِ، وَمِثْلُهُ الْفَطِيرُ الَّذِي يُدْفَنُ فِي النَّارِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ النَّجِسِ (قَوْلُهُ: قَلِيلًا أَمْ كَثِيرًا إلَخْ) هَلْ هَذَا خَاصٌّ بِمَا ذَكَرَهُ الْمَتْنُ مِنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَنَحْوِهِ أَوْ عَامٌّ فِيهِ وَفِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ بَوْلِ الْخُفَّاشِ وَرَوَثِهِ، وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ تَقْيِيدُ الشَّارِحِ لَهُ بِالْقَلِيلِ بِنَاءً عَلَى كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَيُوَجَّهُ بِعُمُومِ الِابْتِلَاءِ بِهِ، وَقَدْ يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمَنْهَجِ وَوَنِيمِ ذُبَابٍ بِجَعْلِ الْمَعْنَى فِيهِ وَنَحْوِ وَنِيمِ ذُبَابٍ مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى.
وَفِي سم عَلَيْهِ فَرْعٌ: وَقَعَ مِنْ م ر أَنَّهُ وَافَقَ بَعْضَ السَّائِلِينَ عَلَى أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْعَفْوِ مَعَ الِاخْتِلَاطِ بِمَاءِ الْأَكْلِ أَنْ تَكُونَ بِأَصَابِعِهِ أَوْ كَفِّهِ نَجَاسَةٌ مَعْفُوٌّ عَنْهَا فَيَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ أَوْ كَفِّهِ مِنْ إنَاءٍ فِيهِ مَائِعٌ فَلْيُتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ مُشْكِلٌ، وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى جَوَازِ وَضْعِ يَدِهِ فِي نَحْوِ إنَاءٍ لِإِخْرَاجِ مَا فِيهِ مِنْ الْمَأْكُولِ لِيُؤْكَلَ خَارِجَهُ كَإِخْرَاجِ الْإِدَامِ مِنْ إنَائِهِ فِي إنَاءٍ آخَرَ ثُمَّ أَكْلِهِ فَلْيُحْرَرْ.
انْتَهَى.
وَكَتَبَ عَلَى حَجّ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ: لَمْ يَحْتَجْ لِمُمَاسَّتِهِ لَهُ إلَخْ أَخْرَجَ الْمُحْتَاجَ لِمُمَاسَّتِهِ، فَيُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ أَوْ مَائِعٌ أَوْ رَطْبٌ لِإِخْرَاجِ مَا يَحْتَاجُ لِإِخْرَاجِهِ لَمْ يُنَجَّسْ انْتَهَى.
وَمِنْ ذَلِكَ مَاءُ الْمَرَاحِيضِ، وَإِخْرَاجُ الْمَاءِ مِنْ زِيرِ الْمَاءِ مَثَلًا فَتَنَبَّهْ لَهُ (قَوْلُهُ: وَغَابَ عَلَى الثَّوْبِ) أَيْ بِأَنْ عَمَّهُ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ) أَيْ حَيْثُ قَيَّدَ بِمَاءٍ لَمْ يَعُمَّ الثَّوْبَ (قَوْلُهُ: كَذَرْقِ الطُّيُورِ) أَيْ فَيُعْفَى عَنْهُ حَيْثُ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْمَشْيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ رُطُوبَةٌ لَهُ أَوْ لِمَا يُلَاقِيهِ، وَعَمَّ الْمَحَلِّ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ) أَيْ الْعَفْوِ عَنْ الْكَثِيرِ (قَوْلُهُ: فِي ثَوْبٍ مَلْبُوسٍ) أَيْ وَلَوْ لَبِسَهُ لِلتَّجَمُّلِ وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ خَالِيًا مِنْ ذَلِكَ لَا يُكَلَّفُ لُبْسَهُ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا عَفَا عَمَّا فِيهِ مِنْ الدَّمِ صَارَ كَالطَّاهِرِ (قَوْلُهُ: كَأَنْ قَتَلَهَا فِي ثَوْبِهِ) ظَاهِرُهُ، وَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ كَأَنْ قَتَلَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَاجْتَمَعَ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ دَمٌ فِي أَظْفَارِهِ فَيُعْفَى عَنْ الْقَلِيلِ، لَكِنْ سَيَأْتِي بَعْدُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ فَعَلَ فِي صَلَاتِهِ غَيْرَهَا بَطَلَتْ إلَخْ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ قَتْلُهُ لِنَحْوِ قَمْلَةٍ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَحْمِلْ جِلْدَهَا وَلَا مَسَّهُ، وَهِيَ مَيِّتَةٌ، وَإِنْ أَصَابَهُ قَلِيلٌ مِنْ دَمِهَا فَيَتَقَيَّدُ مَا هُنَا بِذَلِكَ فَيُقَالُ مَحَلُّ الْعَفْوِ عَنْ قَلِيلِ دَمِ نَحْوِ الْبَرَاغِيثِ مَا لَمْ يَمَسَّ جِلْدَهَا، وَهِيَ مَيِّتَةٌ: يَعْنِي مَعَ الرُّطُوبَةِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَمِنْ الرُّطُوبَةِ مَا يَعْلَقُ مِنْ دَمِهَا بِأُصْبُعِهِ مَثَلًا، وَمِنْ هُنَا يَتَعَذَّرُ الْعَفْوُ عَنْ الْقَلِيلِ الْحَاصِلِ بِقَتْلِهِ، إذْ لَا يُمْكِنُ عَادَةً قَتْلُ قَمْلَةٍ بِيَدِهِ مِنْ غَيْرِ مُمَاسَّةٍ لِجِلْدِهَا.
وَفِي حَجّ: وَلَوْ حَمَلَ مَيْتَةً لَا دَمَ لَهَا سَائِلَ فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ كَقَمْلٍ قَتَلَهُ فَتَعَلَّقَ جِلْدُهُ بِظُفُرِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، فَمَنْ أَطْلَقَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ فِي الصَّلَاةِ يَتَعَيَّنُ أَنَّ مُرَادَهُ مَا لَمْ يَحْمِلْ جِلْدَهُ.
انْتَهَى.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مُجَرَّدَ مَسِّهِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لَا يَضُرُّ فِي الْعَفْوِ عَنْ دَمِهِ، وَهُوَ قَرِيبٌ؛ لِأَنَّ مَنْشَأَ الْعَفْوِ الْمَشَقَّةُ، وَهِيَ حَاصِلَةٌ فِيمَا لَوْ اشْتَرَطَ فِي الْعَفْوِ عَنْ الدَّمِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَوْ بَدَنِهِ أَوْ حَمَلَ ثَوْبٌ نَحْوَ بَرَاغِيثَ وَصَلَّى فِيهِ أَوْ فَرَشَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ أَوْ كَانَ زَائِدًا عَلَى مَلْبُوسِهِ لَا لِغَرَضٍ مِنْ تَجَمُّلٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُعْفَ إلَّا عَنْ الْقَلِيلِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِمَا.
وَلَوْ نَامَ فِي ثَوْبِهِ فَكَثُرَ فِيهِ دَمُ الْبَرَاغِيثِ الْتَحَقَ بِمَا يَقْتُلُهُ مِنْهَا عَمْدًا لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ مِنْ الْعُرْيِ عِنْدَ النَّوْمِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْعِمَادِ بَحْثًا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ احْتِيَاجِهِ لِلنَّوْمِ فِيهِ، وَإِلَّا عُفِيَ عَنْهُ، ثُمَّ مَحَلُّ الْعَفْوِ هُنَا، وَفِي نَظَائِرِهِ الْآتِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ.
فَلَوْ وَقَعَ الْمُتَلَوِّثُ بِذَلِكَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ، وَلَا فَرْقَ فِي الْعَفْوِ بَيْنَ الْبَدَنِ الْجَافِّ وَالرَّطْبِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلرُّطُوبَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ عَرَقٍ وَنَحْوِ مَاءِ وُضُوءٍ وَغَسْلٍ وَحَلْقٍ أَوْ مَا يَتَسَاقَطُ مِنْ الْمَاءِ حَالَ شُرْبِهِ أَوْ مِنْ الطَّعَامِ حَالَ أَكْلِهِ أَوْ بُصَاقٍ فِي ثَوْبِهِ أَوْ مُمَاسِّ آلَةٍ نَحْوِ فَصَادٍ مِنْ رِيقٍ أَوْ دُهْنٍ وَسَائِرِ مَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَلَا يُكَلَّفُ تَنْشِيفَ الْبَدَنِ لِعُسْرِهِ خِلَافًا لِابْنِ الْعِمَادِ (وَدَمُ الْبَثَرَاتِ) بِالْمُثَلَّثَةِ خُرَّاجٌ صَغِيرٌ (كَالْبَرَاغِيثِ) فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَإِنْ كَثُرَ وَانْتَشَرَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَأُلْحِقَ نَادِرُهُ بِغَالِبِهِ كَمَا مَرَّ مَا لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ، وَإِلَّا فَالْعَفْوُ خَاصٌّ حِينَئِذٍ بِالْقَلِيلِ (وَقِيلَ إنْ عَصَرَهُ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ) لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ وَحُصُولِهِ بِفِعْلِهِ، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْأَصَحَّ الْعَفْوُ عَنْهُ مَعَ الْعَصْرِ وَلَوْ
[حاشية الشبراملسي]
الْقَلِيلِ عَدَمَ الْمَسِّ بَلْ مَعَهُ لَا تَكَادُ تُوجَدُ صُورَةٌ لِلْعَفْوِ.
وَفِي فَتَاوَى الشَّارِحِ مَا نَصُّهُ: سُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَجُلٍ يَقْصَعُ الْقَمْلَ عَلَى ظُفُرِهِ بِفِعْلِهِ فَهَلْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ يُعْفَى عَنْ دَمِهِ لَوْ كَثُرَ كَخَمْسَةٍ إلَى عِشْرِينَ وَالْحَالُ إذَا خَالَطَ الدَّمُ مَعَ الْجِلْدِ وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا هَلْ يُعْفَى عَنْهُ؟ فَأَجَابَ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِ دَمٍ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا كَثِيرِهِ لِكَوْنِهِ بِفِعْلِهِ وَمُمَاسَّةِ الدَّمِ لِلْجِلْدِ لَا تُؤَثِّرُ.
انْتَهَى.
وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِيمَا إذَا مَرَّتْ الْقَمْلَةُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ هَلْ يُعْفَى عَنْهُ أَوْ لَا؟ وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْعَفْوِ؛ لِكَثْرَةِ مُخَالَطَةِ الدَّمِ لِلْجِلْدِ (قَوْلُهُ: أَوْ حَمَلَ نَحْوَ بَرَاغِيثَ) أَيْ لَيْسَ مِنْ لِبَاسِهِ وَلَوْ لِلتَّجَمُّلِ، وَإِنْ كَانَ حَمْلُهُ لِغَرَضٍ كَالْخَوْفِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ احْتِيَاجِهِ) وَمِنْ الْحَاجَةِ أَنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الضَّرَرَ إذَا نَامَ عُرْيَانًا وَلَا يُكَلَّفُ إعْدَادَ ثَوْبٍ لِيَنَامَ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ (قَوْلُهُ: فِي مَاءٍ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَجْ لِذَلِكَ، فَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ لِإِخْرَاجِ مَا فِي الْإِنَاءِ أَوْ الْأَكْلِ مِنْهُ، وَهِيَ مُتَلَوِّثَةٌ بِدَمِ الْبَرَاغِيثِ لَمْ يَضُرَّ كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ سم (قَوْلُهُ: وَغَسْلٍ) وَلَوْ لِلتَّبَرُّدِ (قَوْلُهُ: وَحَلْقٍ) أَيْ وَمَاءِ حَلْقٍ وَلَا يَضُرُّ لُبْسُهُ لِلثَّوْبِ الَّذِي فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ بَعْدَ غُسْلِ التَّبَرُّدِ (قَوْلُهُ: وَسَائِرِ مَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ) مِنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ سم عَلَى حَجّ.
وَمِنْهُ أَيْضًا مَا لَوْ مَسَحَ وَجْهَهُ الْمُبْتَلَّ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَلَيْسَ مِنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ مَاءُ الْوَرْدِ، وَمَاءُ الزَّهْرِ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ إذَا رَشَّ عَلَى ثِيَابِهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ حَاجَةٌ، وَاَلَّذِي يَرُشُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِسَبِيلِ مَنْ مَنَعَ مَنْ يُرِيدُ الرَّشَّ مِنْهُ عَلَيْهِ فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ لِمُدَاوَاةِ عَيْنِهِ مَثَلًا (قَوْلُهُ: وَلَا يُكَلَّفُ تَنْشِيفَ الْبَدَنِ) أَيْ وَلَوْ مِنْ غُسْلٍ قَصَدَ بِهِ مُجَرَّدَ التَّبَرُّدِ أَوْ التَّنَظُّفِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ عَرِقَ بَدَنُهُ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ الْمُبْتَلَّةِ (قَوْلُهُ: خَرَاجٌ) بِالتَّخْفِيفِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ إنْ عَصَرَهُ فَلَا) وَكَالْعَصْرِ مَا لَوْ بِجَرِّهِ أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ لُصُوقًا؛ لِيُخْرِجَ مَا فِيهِ مِنْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لَمْ يُعْفَ إلَّا عَنْ الْقَلِيلِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ قَدْ حَصَلَ مِنْهُ مَسٌّ لِجِلْدِ الْقَمْلَةِ عِنْدَ قَتْلِهَا فِي مَسْأَلَتِهَا كَمَا يَصْدُقُ بِهِ كَلَامُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي لَهُ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَلَوْ فَعَلَ فِي صَلَاتِهِ غَيْرَهَا إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهَا بَطَلَتْ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا قَتَلَهُ لِنَحْوِ قَمْلَةٍ لَمْ يَحْمِلْ جِلْدَهَا وَلَا مَسَّهُ وَهِيَ مَيِّتَةٌ وَإِنْ أَصَابَهُ قَلِيلٌ مِنْ دَمِهَا، إذْ الْكَلَامُ ثَمَّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ إنَّمَا هُوَ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ وَعَدَمِهِ لَا فِي الْعَفْوِ وَعَدَمِهِ، وَالْمَلْحَظُ فِي الْبُطْلَانِ مُمَاسَّةُ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَا يُعْفَى عَنْهَا فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْهُ جِلْدُ الْقَمْلَةِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: وَنَحْوُ مَاءِ وُضُوءٍ إلَخْ) مِنْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مَاءُ الطِّيبِ كَمَاءِ الْوَرْدِ؛ لِأَنَّ الطِّيبَ مَقْصُودٌ شَرْعًا خُصُوصًا فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي هُوَ مَطْلُوبٌ فِيهَا كَالْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالْعَفْوِ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرُوهُ هُنَا خِلَافًا لِمَا فِي الْحَاشِيَةِ (قَوْلُهُ: وَحَلْقٌ) صُورَتُهُ أَنَّ بَلَلَ الرَّأْسِ نَزَلَ عَلَى دَمِ الْبَرَاغِيثِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، فَلَا يُنَافِي مَا يَأْتِي مِنْ عَدَمِ الْعَفْوِ فِي اخْتِلَاطِ دَمِ جُرْحِ الرَّأْسِ بِبَلَلِ الْحَلْقِ
كَانَ كَثِيرًا، وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ.
(وَالدَّمَامِيلُ وَالْقُرُوحُ وَمَوْضِعُ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ قِيلَ كَالْبَثَرَاتِ) فَيُعْفَى عَنْ دَمِهَا، وَإِنْ كَثُرَ عَلَى مَا مَرَّ؛ لِأَنَّهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَالِبَةً لَيْسَتْ نَادِرَةً (وَالْأَصَحُّ) عِنْدَ الرَّافِعِيِّ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِثْلَهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَكْثُرُ كَثْرَتَهَا بَلْ يُقَالُ فِي جُزْئِيَّاتِ دَمِهَا (إنْ كَانَ مِثْلُهُ يَدُومُ غَالِبًا فَكَالِاسْتِحَاضَةِ) أَيْ كَدَمِهَا فَيَلْزَمُهُ الِاحْتِيَاطُ حَسَبِ الْإِمْكَانِ بِأَنْ يُزِيلَ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ وَيَعْصِبَ مَحَلَّ خُرُوجِهِ عِنْدَ إرَادَتِهِ الصَّلَاةَ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ، وَيُعْفَى بَعْدَ الِاحْتِيَاطِ عَمَّا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَلَوْ مِنْ دَمِ اسْتِحَاضَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُعْفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ دَمِ الْمَنَافِذِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يَدُومُ غَالِبًا (فَكَدَمِ الْأَجْنَبِيِّ) يُصِيبُهُ (فَلَا يُعْفَى) عَنْهُ أَيْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ، وَجَعَلَهُ بَعْضُ الشُّرُوحِ رَاجِعًا لِلْأَوَّلِ وَحْدَهُ وَبَعْضُهُمْ لِلثَّانِي وَحْدَهُ وَمَا قُلْنَاهُ أَفْيَدُ.
(وَقِيلَ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ) كَمَا قِيلَ بِهِ فِي دَمِ الْأَجْنَبِيِّ (قُلْت: الْأَصَحُّ أَنَّهَا) أَيْ دَمُ الدَّمَامِيلِ وَالْقُرُوحِ وَمَوْضِعِ الْفَصْدِ وَالْحَجَّامَةِ (كَالْبَثَرَاتِ) فَعُفِيَ عَنْ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا مَا لَمْ يَكُنْ بِفِعْلٍ أَوْ يُجَاوِزُ مَحَلَّهُ.
وَحَاصِلُ مَا فِي الدِّمَاءِ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهَا وَلَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ غَيْرِ نَحْوِ كَلْبٍ، وَكَثِيرِهَا مِنْ نَفْسِهِ مَا لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ أَوْ يُجَاوِزُ مَحَلَّهُ فَيُعْفَى حِينَئِذٍ عَنْ قَلِيلِهَا فَقَطْ.
وَمَا وَقَعَ فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ فِي دَمِ الْبَثَرَاتِ وَنَحْوِهَا مِنْ كَوْنِهِ كَدَمِ الْأَجْنَبِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى مَا حَصَلَ بِفِعْلِهِ أَوْ انْتَقَلَ عَنْ مَحَلِّهِ.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِ الرَّوْضَةِ لَوْ خَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ دَمٌ مُتَدَفِّقٌ، وَلَمْ يُلَوِّثْ بَشَرَتَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ أَنَّهُ إذَا لَوَّثَ أَبْطَلَ: أَيْ إنْ كَثُرَ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الْمُتَوَلِّي: أَيْ وَجَاوَزَ مَحَلَّهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ (وَالْأَظْهَرُ الْعَفْوُ عَنْ قَلِيلِ) دَمِ (الْأَجْنَبِيِّ)
[حاشية الشبراملسي]
الْمِدَّةِ وَانْفَتَحَ بِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَكَدَمِ الْأَجْنَبِيِّ فَلَا يُعْفَى إلَخْ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: اعْلَمْ أَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ أَنَّ نَائِبَ فَاعِلِ يُعْفَى ضَمِيرُ الْمُشَبَّهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِكَوْنِ الْمَقْصُودِ بِالتَّشْبِيهِ بَيَانَ حُكْمِ الْمُشَبَّهِ لِكَوْنِهِ مَجْهُولًا، وَكَوْنُ حُكْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ مَعْلُومًا مُسْتَقِرًّا، إلَّا إنْ كَانَ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ فَلَا يُعْفَى.
وَقِيلَ يُعْفَى عَنْ قَلِيلٍ إنَّمَا هُوَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَصَالَةً فِي دَمِ الْأَجْنَبِيِّ الَّذِي هُوَ الْمُشَبَّهُ بِهِ، وَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ اسْتِدْرَاكُ الْمُصَنِّفِ عَلَى تَرْجِيحِ الْمُحَرَّرِ أَنَّهُ لَا يُعْفَى بِقَوْلِهِ وَالْأَظْهَرُ الْعَفْوُ عَنْ قَلِيلِ الْأَجْنَبِيِّ، فَإِنَّ هَذَا رَدٌّ عَلَى قَوْلِ الْمُحَرَّرِ لَا يُعْفَى، فَهُوَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي دَمِ الْأَجْنَبِيِّ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي يُعْفَى لِلْمُشَبَّهِ بِهِ، وَهُوَ دَمُ الْأَجْنَبِيِّ وَامْتَنَعَ كَوْنُهُ لِلْمُشَبِّهِ أَوْ لَهُمَا.
فَإِنْ قُلْت: التَّشْبِيهُ لَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ بَيَانُ حُكْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ.
قُلْت: الْفَاءُ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ لَا لِلتَّفْرِيعِ وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ: وَإِلَّا فَكَدَمِ الْأَجْنَبِيِّ وَدَمُ الْأَجْنَبِيِّ لَا يُعْفَى عَنْهُ.
وَقِيلَ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ فَيَجْرِي ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرُوا.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ عَلِمْت أَنَّ الصَّوَابَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ كَمَا فَعَلَهُ بِهِ الْمُحَقِّقُ الْمَحَلِّيُّ فَلِلَّهِ دَرُّهُ، وَأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يُصِبْ فِيمَا فَعَلَ وَلَا فِي قَوْلِهِ، وَهَذَا أَوْلَى إلَخْ، وَأَنَّ ذَلِكَ نَشَأَ عَنْ عَدَمِ تَأَمُّلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَسِيَاقِهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: مِنْ الْمُشَبَّهِ) هُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالدَّمَامِيلُ وَالْقُرُوحُ إلَخْ، وَقَوْلُهُ وَالْمُشَبَّهُ بِهِ هُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَكَدَمِ الْأَجْنَبِيِّ.
(قَوْلُهُ: غَيْرَ نَحْوِ كَلْبٍ) أَيْ مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِأَجْنَبِيٍّ لَمْ تَمَسَّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ عَلَى مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ) وَمِنْهُ مَا يَقَعُ مِنْ وَضْعِ لَصُوقٍ عَلَى الدُّمَّلِ لِيَكُونَ سَبَبًا فِي فَتْحِهِ، وَإِخْرَاجِ مَا فِيهِ فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ، وَأَمَّا مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَفْتَحُ رَأْسَ الدُّمَّلِ بِآلَةٍ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْمِدَّةِ فِيهِ مَعَ صَلَابَةِ الْمَحَلِّ ثُمَّ تَنْتَهِي مِدَّتُهُ بَعْدُ فَيَخْرُجُ مِنْ الْمَحَلِّ الْمُنْفَتِحِ دَمٌ كَثِيرٌ، أَوْ نَحْوُ قَيْحٍ فَهَلْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ بِفِعْلِهِ لِتَأَخُّرِ خُرُوجِهِ عَنْ وَقْتِ الْفَتْحِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْفَتْحِ السَّابِقِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِمَا ذُكِرَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ إنْ كَثُرَ) يُتَأَمَّلُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ قَبْلُ وَكَثِيرُهَا مِنْ نَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مَا هُنَا مَفْرُوضٌ فِيمَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَيْ إنْ كَثُرَ) أَيْ بِقَيْدِهِ الْآتِي عَلَى الْأَثَرِ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا مَرَّ قَرِيبًا لَا مُخَالِفٌ لَهُ وَإِنْ أَشَارَ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ إلَى الْمُخَالَفَةِ
مِنْ غَيْرِ نَحْوِ كَلْبٍ وَلَوْ مِنْ نَفْسِهِ بِأَنْ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنْهُ كَمَا أَفَادَهُ الْأَذْرَعِيُّ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِوُقُوعِ الْقَلِيلِ فِي مَحَلِّ الْمُسَامَحَةِ إذْ جِنْسُ الدَّمِ مِمَّا يَتَطَرَّقُ لَهُ الْعَفْوُ، وَالْقَلِيلُ كَمَا فِي الْأُمِّ مَا تَعَافَاهُ النَّاسُ: أَيْ عَدُّوهُ عَفْوًا.
وَالثَّانِي لَا يُعْفَى عَنْهُ مُطْلَقًا لِسُهُولَةِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ، وَشَمِلَ قَوْلُهُ: قَلِيلُ دَمِ الْأَجْنَبِيِّ مَا لَوْ كَانَ الْقَلِيلُ مُتَفَرِّقًا وَلَوْ جُمِعَ لَكَثُرَ، وَهُوَ الرَّاجِحُ: أَمَّا دَمُ الْمُغَلَّظِ مِنْ نَحْوِ كَلْبٍ فَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ لِغِلَظِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْبَيَانِ وَأَقَرَّهُ، بَلْ نُقِلَ عَنْ نَصِّ الْإِمَامِ أَيْضًا وَلَوْ لَطَّخَ نَفْسَهُ بِدَمِ أَجْنَبِيٍّ عَبَثًا لَمْ يُعْفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ لِارْتِكَابِهِ مُحَرَّمًا فَلَا يُنَاسِبُهُ الْعَفْوُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ) وَتَقَدَّمَ فِي النَّجَاسَةِ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا (كَالدَّمِ) فِيمَا ذُكِرَ لِكَوْنِهِمَا دَمًا مُسْتَحِيلًا إلَى نَتِنٍ وَفَسَادٍ (وَكَذَا مَاءُ الْقُرُوحِ وَالْمُتَنَفِّطِ الَّذِي لَهُ رِيحٌ) وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ قِيَاسًا عَلَى الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ (وَكَذَا بِلَا رِيحٍ) وَلَا تَغَيُّرِ لَوْنٍ (فِي الْأَظْهَرِ) قِيَاسًا عَلَى الصَّدِيدِ الَّذِي لَا رَائِحَةَ لَهُ، وَالثَّانِي أَنَّهُ طَاهِرٌ كَالْعَرَقِ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى تَرْجِيحِهِ بِقَوْلِهِ (قُلْت: الْمَذْهَبُ طَهَارَتُهُ) قَطْعًا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِمَا مَرَّ ثُمَّ مَحَلُّ الْعَفْوِ عَنْ سَائِرِ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا يُعْفَى عَنْهُ مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِأَجْنَبِيٍّ.
فَإِنْ اخْتَلَطَ بِهِ وَلَوْ دَمَ نَفْسِهِ كَالْخَارِجِ مِنْ عَيْنِهِ أَوْ لِثَتِهِ أَوْ أَنْفِهِ أَوْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ لَمْ يُعْفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ.
وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ فَجُرِحَ حَالَ حَلْقِهِ وَاخْتَلَطَ دَمُهُ بِبَلِّ الشَّعْرِ أَوْ حَكَّ نَحْوَ دُمَّلٍ حَتَّى أَدْمَاهُ لِيَسْتَمْسِكَ عَلَيْهِ الدَّوَاءَ ثُمَّ
[حاشية الشبراملسي]
لَوْ كَانَ تَدَفُّقُهُ بِفِعْلِهِ بِأَنْ فَتَحَ الدُّمَّلَ فَخَرَجَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ جُمِعَ لَكَثُرَ) لَا يُقَالُ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ: أَيْ بَعْدَ ذِكْرِ الْقُلَّتَيْنِ بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ: وَكَذَا فِي قَوْلٍ نَجِسٌ لَا يُدْرِكُهُ طَرْفٌ فِيمَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ مِنْ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَ أَدْرَكَهُ الطَّرْفُ عُفِيَ عَنْهُ إنْ كَانَ يَسِيرًا عُرْفًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَثُرَ لِإِمْكَانِ مَحَلِّ مَا سَبَقَ عَلَى غَيْرِ الدَّمِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ جِنْسَ الدَّمِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَلَا كَذَلِكَ نَحْوُ الْبَوْلِ: أَيْ فَإِنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، بِخِلَافِ الدَّمِ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ، وَلَوْ كَانَ إذَا جُمِعَ كَثُرَ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الرَّاجِحُ) أَيْ فَيُعْفَى عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ لِغِلَظِهِ) أَيْ مَا لَمْ يَتَنَاهَ فِي الْقِلَّةِ إلَى حَدٍّ لَا يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ الْمُعْتَدِلُ بِنَاءً عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ فِيمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ لَا يُنَجَّسُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مُغَلَّظٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ لَطَّخَ نَفْسَهُ) بِأَنْ مَسَّ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ بِذَلِكَ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: لَطَّخَ ثَوْبَهُ بِالْمِدَادِ وَغَيْرِهِ لَطْخًا مِنْ بَابِ نَفَعَ وَالتَّشْدِيدُ مُبَالَغَةٌ.
انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: وَالصَّدِيدُ) قَالَ فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ: صَدِيدُ الْجُرْحِ: مَاؤُهُ الرَّقِيقُ الْمُخْتَلِطُ بِالدَّمِ قَبْلَ أَنْ تَغْلُظَ الْمِدَّةُ.
انْتَهَى.
وَالْمِدَّةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ (قَوْلُهُ: كَالدَّمِ) أَيْ الْخَارِجِ مِنْ الدَّمَامِيلِ وَالْقُرُوحِ وَالْبَثَرَاتِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِأَجْنَبِيٍّ) خِلَافًا لحج: أَيْ غَيْرُ ضَرُورِيِّ الْحُصُولِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَاءَ الْوُضُوءِ وَنَحْوَهُ لَا يَضُرُّ (قَوْلُهُ: وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ) أَيْ فِي عَدَمِ الْعَفْوِ (قَوْلُهُ: مَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ مِنْ الْعَفْوِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ وَنَحْوِ مَاءِ وُضُوءٍ وَغَسْلٍ وَحَلْقٍ، وَمِنْهُ ثُمَّ وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّهُ ضَرْبٌ عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَحَلْقٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا فَقَدْ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَنْفِيَ عَنْ مَاءِ الْحَلْقِ إذَا أَصَابَ مَا فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ رَأْسِهِ مِنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَنَحْوِهَا قَبْلَ الْحَلْقِ، وَمَا هُنَا مَفْرُوضٌ فِي دَمِ الْجِرَاحَةِ الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِ الْحَلْقِ فَلَا تَخَالُفَ، وَالْأَقْرَبُ الْعَفْوُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الدَّمُ مِنْ الْجُرْحِ أَوْ الْبَرَاغِيثِ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، بَلْ الْعَفْوُ عَنْ هَذَا أَوْلَى مِنْ الْعَفْوِ عَنْ الْبُصَاقِ فِي كُمِّهِ الَّذِي فِيهِ دَمُ الْبَرَاغِيثِ (قَوْلُهُ: حَتَّى أَدْمَاهُ) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ لُصُوقًا مِنْ غَيْرِ حَكٍّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: كَمَا أَفَادَهُ الْأَذْرَعِيُّ) عِبَارَتُهُ وَمَا انْفَصَلَ مِنْ بَدَنِهِ ثُمَّ أَصَابَهُ فَأَجْنَبِيٌّ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي لَا يُعْفَى عَنْهُ مُطْلَقًا) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ فَكَدَمَ الْأَجْنَبِيَّ، فَلَا يُعْفَى بِنَاءً عَلَى مَا سَلَكَهُ هُوَ فِي تَقْرِيرِهِ مِنْ جَعْلِهِ قَوْلَهُ فَلَا يُعْفَى رَاجِعًا إلَى الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ جَمِيعًا، وَكَذَا إنْ جَعَلْنَاهُ رَاجِعًا لِلْمُشَبَّهِ بِهِ كَمَا سَلَكَهُ الْجَلَالُ، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ إنْ جَعَلْنَاهُ رَاجِعًا لِلْمُشَبَّهِ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى تَرْجِيحِهِ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي رَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ إنَّمَا هُوَ طَرِيقَةُ الْقَطْعِ كَمَا أَشَارَ هُوَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ قَطْعًا وَإِنْ كَانَتْ مُوَافَقَةً لِلْقَوْلِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِأَجْنَبِيٍّ) أَيْ
ذَرَّهُ عَلَيْهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(وَلَوْ) (صَلَّى بِنَجَسٍ) غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهُ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ مَكَانِهِ (لَمْ يَعْلَمْهُ) حَالَ ابْتِدَائِهِ لَهَا ثُمَّ عَلِمَ كَوْنَهُ فِيهَا (وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْجَدِيدِ) ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ وَاجِبَةٌ فَلَا تَسْقُطُ بِالْجَهْلِ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْقَدِيمُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ ذَلِكَ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاك أَلْقَيْت نَعْلَيْك فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا» . وَفِي رِوَايَةٍ: خَبَثًا، وَفِي أُخْرَى: قَذَرًا وَأَذًى، وَفِي أُخْرَى: دَمَ حَلَمَةٍ " وَجْهُ الدَّلَالَةِ عَدَمُ اسْتِئْنَافِهِ لِلصَّلَاةِ، وَأَجَابُوا بِأَنَّ الْقَذَرَ هُوَ الشَّيْءُ الْمُسْتَقْذَرُ نَجِسًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ كَالْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ، وَأَيْضًا فَقَدْ يَكُونُ الدَّمُ يَسِيرًا، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ تَنْزِيهًا.
وَقِيلَ إنَّ اجْتِنَابَ النَّجَاسَةِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَمِنْ حِينَئِذٍ وَجَبَ، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ «سَلَا الْجَزُورِ عَلَى ظَهْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ وَلَمْ يَقْطَعْهَا» (وَإِنْ عَلِمَ) بِالنَّجَسِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا (ثُمَّ نَسِيَ) فَصَلَّى ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي وَقْتِهَا أَعَادَهَا فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ (وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ) بِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِهَا لَمَّا عَلِمَ بِهَا.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي فِي وُجُوبِهِ الْقَوْلَانِ لِعُذْرِهِ بِالنِّسْيَانِ وَحَيْثُ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ أَعَادَ حَتْمًا كُلَّ صَلَاةٍ تَيَقَّنَ فِعْلَهَا مَعَ النَّجَاسَةِ، فَإِنْ احْتَمَلَ وُجُودَهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَلَا إذْ الْأَصْلُ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ وَالْأَصْلُ
[حاشية الشبراملسي]
فَاخْتَلَطَ مَا عَلَى اللُّصُوقِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ الدُّمَّلِ وَنَحْوِهِ، وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ اخْتِلَاطَهُ ضَرُورِيٌّ لِلْعِلَاجِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ عَلِمَ كَوْنَهُ) أَيْ وُجُودَهُ (قَوْلُهُ: وَجَبَ الْقَضَاءُ) قَالَ الْمَحَلِّيُّ: وَالْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِي إطْلَاقِ الْإِعَادَةِ عَلَى مَا بَعْدَ الْوَقْتِ تَغْلِيبٌ، إذْ الْإِعَادَةُ فِعْلُ الْعِبَادَةِ ثَانِيًا فِي الْوَقْتِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ حَجّ: الْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ مَا يَشْمَلُ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ.
وَقَالَ سم عَلَيْهِ: وَظَاهِرٌ أَنَّ الْقَضَاءَ فِي الصُّورَتَيْنِ يَعْنِي هَذِهِ، وَمَا بَعْدَهَا عَلَى التَّرَاخِي انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالُوهُ فِي الصَّوْمِ مِنْ أَنَّ مَنْ نَسِيَ النِّيَّةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَوْرًا.
وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا لَوْ لَمْ يَرَ الْهِلَالَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ بِأَنَّهُ فِي تِلْكَ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّحَرِّي إمَّا بِإِمْعَانِ النَّظَرِ أَوْ بِالْبَحْثِ عَنْهُ، فَإِذَا لَمْ يَرَهُ وَلَا أُخْبِرَ بِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ الشَّهْرِ نُسِبَ إلَى تَقْصِيرٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَمْ يُنْسَبْ إلَى تَقْصِيرٍ؛ لِأَنَّهُ مَعَ النِّسْيَانِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ بِالنَّجَاسَةِ مَعْذُورٌ، إذْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنْ ثِيَابِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِيهَا بَلْ يُعْمَلُ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا مِنْ الطَّهَارَةِ (قَوْلُهُ: حَدِيثُ سَلَا إلَخْ) أَيْ حَدِيثُ وَضْعِ سَلَا الْجَزُورِ عَلَى ظَهْرِهِ إلَخْ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَا فِي الْكَرِشِ مِنْ الْقَذَرِ، لَكِنْ فِي الصِّحَاحِ: السَّلَا بِالْفَتْحِ مَقْصُورًا: الْجِلْدَةُ الرَّقِيقَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْوَلَدُ مِنْ الْمَوَاشِي (قَوْلُهُ: كُلُّ صَلَاةٍ تَيَقَّنَ فِعْلَهَا مَعَ النَّجَاسَةِ) أَيْ فَلَوْ فَتَّشَ عِمَامَتَهُ فَوَجَدَ فِيهَا قِشْرُ قَمْلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا تَيَقَّنَ إصَابَتَهُ فِيهَا.
اهـ. شَيْخُنَا زِيَادِيُّ بِهَامِشٍ.
وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْعِمَادِ الْعَفْوُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُؤْمَرُ بِتَفْتِيشِهَا.
أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ الْعَفْوِ عَنْ قَلِيلِ النَّجَاسَةِ الَّذِي يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَيَسِيرِ دُخَانِ النَّجَاسَةِ وَغُبَارِ السِّرْجِينِ وَشَعْرِ نَحْوِ الْحِمَارِ فَقِيَاسُ ذَلِكَ الْعَفْوُ عَنْهُ وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي عُلِمَ وُجُودُهُ فِيهَا، بَلْ الِاحْتِرَازُ فِي هَذَا
[حاشية الرشيدي]
غَيْرِ مَا مَرَّ اسْتِثْنَاؤُهُ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَجْنَبِيِّ غَيْرُ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ فَمَا مَرَّ غَيْرُ أَجْنَبِيٍّ.
(قَوْلُهُ: حَالَ ابْتِدَائِهِ) لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ التَّقْيِيدِ بِالِابْتِدَاءِ وَهَلَّا أَبْدَلَهُ بِقَوْلِهِ فِيهَا أَوْ نَحْوِهِ لِيَصْدُقَ بِمَا إذَا عَلِمَ فِي الْأَثْنَاءِ (قَوْلُهُ: فِي وَقْتِهَا أَوْ قَبْلَهُ) اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَوْ قَبْلَهُ وَمَا صُورَتُهُ
عَدَمُ وُجُودِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَفَضْلُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ مَعَ وَعْدِهِ بِرَفْعِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ عَنْ الْأُمَّةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ، وَفِي الْأَنْوَارِ وَنَحْوِهِ.
وَيَلْزَمُهُ تَعْلِيمُ مَنْ رَآهُ يُخِلُّ بِوَاجِبِ عِبَادَةٍ فِي رَأْيِ مُقَلِّدِهِ كِفَايَةً إنْ كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُ، وَإِلَّا فَعَيْنًا.
نَعَمْ إنْ قُوبِلَ ذَلِكَ بِأُجْرَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا بِهَا فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ رِوَايَةً بِنَحْوِ نَجَسٍ أَوْ كَشْفِ عَوْرَةٍ مُبْطِلٍ لَزِمَهُ قَبُولٌ، أَوْ بِنَحْوِ كَلَامٍ مُبْطِلٍ فَلَا كَمَا يَدُلُّ كَلَامُهُمْ عَلَيْهِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ فِعْلَ نَفْسِهِ لَا مَرْجِعَ فِيهِ لِغَيْرِهِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا لَا يُبْطِلُ سَهْوَهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهُ سَهْوًا مَا هُوَ كَالْفِعْلِ أَوْ الْكَلَامِ الْكَثِيرِ فَيَنْبَغِي قَبُولُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالنَّجِسِ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى نَاسِيًا لِلطَّهَارَةِ أُثِيبَ عَلَى قَصْدِهِ دُونَ فِعْلِهِ وَيَجْرِي ذَلِكَ هُنَا.
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ وَسُنَنِهَا وَمَكْرُوهَاتِهَا
(تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِالنُّطْقِ) عَمْدًا بِكَلَامِ مَخْلُوقٍ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِلُغَةِ الْعَرَبِ (بِحَرْفَيْنِ) وَلَوْ مِنْ حَدِيثٍ قُدْسِيٍّ إنْ
[حاشية الشبراملسي]
أَشَقُّ مِنْ الِاحْتِرَازِ عَنْ دُخَانِ النَّجَاسَةِ وَنَحْوِهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْقَضَاءِ) أَيْ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقُلْنَا بِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى التَّرَاخِي كَمَا مَرَّ عَنْ سم (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُ) أَيْ وَلَمْ يَعْلَمْ: أَيْ الرَّائِي مِنْهُ: أَيْ مِنْ الْغَيْرِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يُرْشِدُهُ لِلصَّوَابِ، وَإِلَّا فَيَصِيرُ فِي حَقِّهِ عَيْنًا؛ لِأَنَّ وُجُودَ مَنْ ذُكِرَ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ قَبُولُهُ) وَلَوْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ عُدُولٌ فِي أَنَّهُ كُشِفَتْ عَوْرَتُهُ أَوْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْمُخْبِرِ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ أَوْ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ؛ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَإِنْ كَثُرَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالنَّجَسِ) هَذَا لَا يُنَاسِبُ فَرْقَهُ السَّابِقَ بِأَنَّ فِعْلَ نَفْسِهِ لَا يَرْجِعُ فِيهِ لِغَيْرِهِ.
وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي أَسْبَابِ الْحَدَثِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ لَا يُنْتَقَضُ طُهْرُهُ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يُرْفَعُ بِالشَّكِّ.
(فَصْلٌ) فِي ذِكْرِ بَعْضِ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ حِكْمَةُ ذِكْرِ هَذَا الْفَصْلِ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا أَنَّهُ إذَا طَرَأَ عَلَيْهَا بَعْدَ اسْتِكْمَالِ الشُّرُوطِ أَبْطَلَهَا (قَوْلُهُ: وَسُنَنِهَا) أَيْ وَبَعْضِ سُنَنِهَا: أَيْ مَا يُسَنُّ فِعْلُهُ فِيهَا أَوَّلُهَا وَلَيْسَ مِنْهَا (قَوْلُهُ: وَمَكْرُوهَاتِهَا) مَعْطُوفٌ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ عَلَى مُبْطِلَاتِ (قَوْلُهُ: بِالنُّطْقِ) أَيْ مِنْ الْجَارِحَةِ الْمَخْصُوصَةِ دُونَ غَيْرِهَا كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ مَثَلًا، فَلَا تَبْطُلُ بِالنُّطْقِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يَظْهَرُ.
وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ الْبُطْلَانُ بِذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ، وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ قَوْلُ الشَّارِحِ مِنْ أَنْفٍ أَوْ فَمٍ.
وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ خَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ عَنْ م ر أَنَّهُ إذَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ قُوَّةَ النُّطْقِ وَصَارَ يَتَمَكَّنُ صَاحِبُهَا مِنْ النُّطْقِ بِهَا اخْتِيَارًا مَتَى أَرَادَ وَيَتْرُكُ ذَلِكَ مَتَى أَرَادَ كَانَ ذَلِكَ كَنُطْقِ اللِّسَانِ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِنُطْقِهِ بِذَلِكَ بِحَرْفَيْنِ.
انْتَهَى.
وَقِيَاسُ مَا ذَكَرَهُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْعُضْوِ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ تِلْكَ الْقُوَّةُ جَمِيعَ أَحْكَامِ اللِّسَانِ حَتَّى لَوْ قَرَأَ بِهِ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ كَفَى، وَكَذَا لَوْ تَعَاطَى بِهِ عَقْدًا أَوْ حَلًّا، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَقْدِ وَالْحَلِّ لَا يَتَقَاعَدُ عَنْ الْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ، وَهِيَ صَرِيحَةٌ مِنْ الْأَخْرَسِ إنْ فَهِمَهَا كُلُّ أَحَدٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مِنْ حَدِيثٍ) إنَّمَا أَخْذُهُ غَايَةٌ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ الْبُطْلَانِ بِهِ؛ لِكَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي وَجْهِ دُخُولِهِ فِي كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَعَلَّهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِكَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ، وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِكَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ مَا شَأْنُهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ الْمَخْلُوقُ، وَالْقُرْآنُ لَمَّا كَانَ مُعْجِزًا خَارِجًا عَنْ طَوْقِ الْبَشَرِ خُصَّ بِكَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ شَارَكَهُ فِيهِ الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ فِي أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ.
[حاشية الرشيدي]
[فَصْلٌ فِي مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ وَسُنَنِهَا وَمَكْرُوهَاتِهَا]
[تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالنُّطْقِ عَمْدًا بِكَلَامِ مَخْلُوقٍ] فَصْلٌ
تَوَالَيَا فِيمَا يَظْهَرُ قِيَاسًا عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْأَفْعَالِ أَفْهَمَا أَوْ لَا، وَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، إذْ أَقَلُّ مَا يُبْنَى مِنْهُ الْكَلَامُ حَرْفَانِ، وَتَخْصِيصُهُ بِمُفْهِمٍ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ لِلنُّحَاةِ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ مُسْلِمٍ «كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ» وَرُوِيَ أَيْضًا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمَنْ قَالَ لِعَاطِسٍ يَرْحَمُك اللَّهُ: إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» (أَوْ حَرْفٌ مُفْهِمٌ) كَقِ مِنْ الْوِقَايَةِ، وَعِ مِنْ الْوَعْيِ، وَفِ مِنْ
[حاشية الشبراملسي]
قَالَ حَجّ: وَكَالْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ مَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ اهـ. وَتَبْطُلُ أَيْضًا بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَإِنْ عُلِمَ عَدَمُ تَبَدُّلِهِمَا كَمَا شَمِلَهُ قَوْلُهُ: م بِحَرْفَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ.
(قَوْلُهُ: أَفْهَمَا أَوْ لَا) أَيْ وَلَوْ كَانَا غَيْر مُسْتَعْمَلَيْنِ كَأَوَعَ.
انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَالْأَوْلَى التَّمْثِيلُ بِنَحْوِ رَذْ مَقْلُوبُ ذَرْ مِنْ الْمُهْمَلَاتِ، وَإِلَّا فَأَوْ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي كَلَامِهِمْ (قَوْلُهُ: إذْ أَقَلُّ مَا يُبْنَى مِنْهُ الْكَلَامُ حَرْفَانِ) عِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ: وَالْكَلَامُ يَقَعُ عَلَى الْمُفْهِمِ وَغَيْرِهِ الَّذِي هُوَ حَرْفَانِ انْتَهَى.
أَقُولُ: قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ حَرْفَانِ: أَيْ بِنَاءً عَلَى مَا اشْتَهَرَ فِي اللُّغَةِ، وَإِلَّا فَفِي الرِّضَى مَا نَصُّهُ: الْكَلَامُ مَوْضُوعٌ لِجِنْسِ مَا كُرِهْت بِهِ سَوَاءٌ كَانَ كَلِمَةً عَلَى حَرْفٍ كَوَاوِ الْعَطْفِ أَوْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَةٍ سَوَاءٌ كَانَ مُهْمَلًا أَمْ لَا، ثُمَّ قَالَ: وَاشْتَهَرَ الْكَلَامُ لُغَةً فِي الْمُرَكَّبِ مِنْ حَرْفَيْنِ فَصَاعِدًا انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ) هَذَا يُفِيدُ أَنَّ مَعْنَى الْقُنُوتِ السُّكُوتُ، وَفِي الْمِصْبَاحِ مَا يُصَرِّحُ بِهِ وَعِبَارَتُهُ: الْقُنُوتُ مَصْدَرُ قَنَتَ مِنْ بَابِ قَعَدَ الدُّعَاءُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ وَدُعَاءُ الْقُنُوتِ» أَيْ دُعَاءُ الْقِيَامِ، وَيُسَمَّى السُّكُوتُ فِي الصَّلَاةِ قُنُوتًا وَمِنْهُ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] . انْتَهَى.
وَفِي الْبَيْضَاوِيِّ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] أَيْ ذَاكِرِينَ انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ: أَيْ عَنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ (قَوْلُهُ: وَرُوِيَ أَيْضًا إلَخْ) أَتَى بِهِ لِبَيَانِ الْمُرَادِ مِنْ الْكَلَامِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: لِمَنْ قَالَ لِعَاطِسٍ) وَاسْمُ الْقَائِلِ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ انْتَهَى شَرْحُ رَوْضٍ (قَوْلُهُ: أَوْ حَرْفٌ مُفْهِمٌ) ظَاهِرُهُ، وَإِنْ أُطْلِقَ فَلَمْ يُقْصَدْ الْمَعْنَى الَّذِي بِاعْتِبَارِهِ صَارَ مُفْهِمًا وَلَا غَيْرَهُ وَقَدْ يُقَالُ: قَصْدُ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَازِمٌ لِشَرْطِ الْبُطْلَانِ، وَهُوَ التَّعَمُّدُ، وَعِلْمِ التَّحْرِيمِ انْتَهَى سم عَلَى حَجّ.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ مِنْ الْوِقَايَةِ عَدَمُ الضَّرَرِ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ تُحْمَلُ عَلَى كَوْنِهَا مِنْ الْوِقَايَةِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْقَافَ الْمُفْرَدَةَ وُضِعَتْ لِلطَّلَبِ، وَالْأَلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ إذَا أُطْلِقَتْ حُمِلَتْ عَلَى مَعَانِيهَا وَلَا تُحْمَلُ عَلَى غَيْرِهَا إلَّا بِقَرِينَةٍ، وَالْقَافُ مِنْ الْفَلَقِ وَنَحْوِهِ جُزْءُ كَلِمَةٍ لَا مَعْنَى لَهَا، فَإِذَا نَوَاهَا عَمِلَ بِنِيَّتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَنْوِهَا حُمِلَتْ عَلَى مَعْنَاهَا الْوَضْعِيِّ.
قَالَ حَجّ: وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِإِبْطَالِ زِيَادَةِ يَا قَبْلَ أَيُّهَا النَّبِيُّ فِي التَّشَهُّدِ أَخْذًا بِظَاهِرِ كَلَامِهِمْ هُنَا، لَكِنَّهُ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَجْنَبِيًّا عَنْ الذِّكْرِ بَلْ يُعَدُّ مِنْهُ، وَمِنْ ثَمَّ أَفْتَى شَيْخُنَا بِأَنَّهُ لَا بُطْلَانَ بِهِ.
انْتَهَى حَجّ، وَأَقَرَّهُ سم.
وَقَوْلُهُ لَا بُطْلَانَ بِهِ: أَيْ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا (قَوْلُهُ: كَقِ مِنْ الْوِقَايَةِ) لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِهَا؛ لِأَنَّ الْفَتْحَ لَحْنٌ، وَهُوَ لَا يَضُرُّ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا لَمْ يُؤَدِّ بِهِ مَا لَا يُفْهَمُ عَلَى مَا يَأْتِي، وَلَوْ قَصَدَ بِالْمُفْهِمِ مَا لَا يُفْهَمُ كَأَنْ قَصَدَ بِقَوْلِهِ: ق الْقَافَ مِنْ الْعَلَقِ أَوْ الْفَلَقِ مَثَلًا قَالَ شَيْخُنَا طب إلَّا أَنَّهُ لَا يَضُرُّ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ نَطَقَ بف قَاصِدًا بِهِ أَوَّلَ حَرْفٍ فِي لَفْظَةِ فِي فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ.
انْتَهَى سم عَلَى حَجّ.
وَلَوْ أَتَى بِحَرْفٍ لَا يُفْهَمُ قَاصِدًا بِهِ مَعْنَى الْمُفْهِمِ هَلْ يَضُرُّ فِيهِ نَظَرٌ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي عَدَمُ الضَّرَرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضُوعًا لِلْإِفْهَامِ، وَنُقِلَ فِي الدَّرْسِ بِبَعْضِ الْهَوَامِشِ عَنْ م ر مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَدْ يُقَالُ بِالضَّرَرِ؛ لِأَنَّ قَصْدَ مَا يُفْهَمُ يَتَضَمَّنُ قَطْعَ النِّيَّةِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا اسْتَعْمَلَ مَا لَا يُفْهَمُ فِي مَعْنَى مَا يُفْهَمُ صَارَ كَالْكَلِمَةِ الْمَجَازِيَّةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ، وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَبُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَضَمُّنِهِ قَطْعَ النِّيَّةِ.
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: إذْ أَقَلُّ مَا يُبْنَى مِنْهُ الْكَلَامُ حَرْفَانِ) أَيْ غَالِبًا كَمَا قَالَ الشِّهَابُ حَجّ احْتِرَازًا عَمَّا وُضِعَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ
الْوَفَاءِ، وَشِ مِنْ الْوَشْيِ (وَكَذَا مَدَّةٌ بَعْدَ حَرْفٍ فِي الْأَصَحِّ) ، وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ إذْ الْمَدُّ أَلِفٌ أَوْ وَاوٌ أَوْ يَاءٌ فَالْمَمْدُودُ فِي الْحَقِيقَةِ حَرْفَانِ.
وَالثَّانِي لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْمَدَّةَ قَدْ تَتَّفِقُ لِإِشْبَاعِ الْحَرَكَةِ وَلَا تُعَدُّ حَرْفَيْنِ، وَفِي الْأَنْوَارِ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالْبَصْقِ إلَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ: أَيْ مَعَ حَرَكَةِ عُضْوٍ يَبْطُلُ تَحْرِيكُهُ ثَلَاثًا كَلِحَى لَا شَفَةَ كَمَا لَا يَخْفَى (وَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّنَحْنُحَ وَالضَّحِكَ وَالْبُكَاءَ) ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خَوْفِ الْآخِرَةِ (وَالْأَنِينَ) وَالتَّأَوُّهَ (وَالنَّفْخَ) مِنْ أَنْفٍ أَوْ فَمٍ (إنْ ظَهَرَ بِهِ) أَيْ بِوَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ (حَرْفَانِ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِوُجُودِ مُنَافِيهَا (وَإِلَّا فَلَا) تَبْطُلُ لِمَا مَرَّ.
وَالثَّانِي لَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ مُطْلَقًا؛ لِكَوْنِهِ لَا يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ كَلَامًا، وَلَا يَتَبَيَّنُ مِنْهُ حَرْفٌ مُحَقَّقٌ فَكَانَ شَبِيهًا بِالصَّوْتِ الْغُفْلِ، وَخَرَجَ بِالضَّحِكِ التَّبَسُّمُ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ لِثُبُوتِهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا (وَيُعْذَرُ فِي يَسِيرِ الْكَلَامِ) عُرْفًا كَمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ فِي ضَبْطِ الْكَلِمَةِ لَا مَا ضَبَطَهَا بِهِ النُّحَاةُ وَاللُّغَوِيُّونَ.
(إنْ سَبَقَ لِسَانُهُ) إلَيْهِ لِعُذْرِهِ بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ النَّاسِي لِعَدَمِ قَصْدِهِ (أَوْ نَسِيَ الصَّلَاةَ) لِعُذْرِهِ أَيْضًا، بِخِلَافِ نِسْيَانِ تَحْرِيمِهِ فِيهَا فَإِنَّهُ كَنِسْيَانِ نَجَاسَةِ نَحْوِ ثَوْبِهِ.
وَلَوْ ظَنَّ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ بِكَلَامِهِ سَاهِيًا ثُمَّ تَكَلَّمَ يَسِيرًا عَمْدًا لَمْ تَبْطُلْ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية الشبراملسي]
[تَنْبِيهٌ] هَلْ يُضْبَطُ النُّطْقُ هُنَا بِمَا مَرَّ فِي نَحْوِ قِرَاءَةِ الْجُنُبِ وَالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ مَا هُنَا أَضْيَقُ فَيَضُرُّ سَمَاعُ حَدِيدِ السَّمْعِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْمُعْتَدِلُ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ.
اهـ حَجّ.
أَقُولُ: الْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى النُّطْقِ وَقَدْ وُجِدَ (قَوْلُهُ: وَكَذَا كَرُهَتْ بَعْدَ حَرْفٍ) أَيْ بِأَنْ أَتَى بِحَرْفٍ مَمْدُودٍ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ زَادَ كَرُهَتْ عَلَى حَرْفٍ قُرْآنِيٍّ وَلَمْ يُغَيِّرْ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ) أَيْ الْحَرْفُ (قَوْلُهُ: لَا تَبْطُلُ بِالْبَصْقِ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ بِهِ حَرْفَانِ أَوْ حَرْفٌ مُفْهِمٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: أَيْ بِوَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ بِالضَّحِكِ حَرْفٌ وَبِالْبُكَاءِ مَثَلًا حَرْفٌ آخَرُ لَا يَضُرُّ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بَلْ الْأَقْرَبُ الضَّرَرُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسَيْنِ؛ لِأَنَّ مَجْمُوعَهُمَا كَلَامٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَ سَبَبُ التَّلَفُّظِ بِهِ كَمَا لَوْ نَطَقَ بِحَرْفَيْنِ لِغَرَضَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ الْأَوْلَى فِي حَلِّ الْمَتْنِ أَنْ يَقُولَ: أَيْ بِمَا ذُكِرَ؛ لِيَشْمَلَ مَا لَوْ كَانَ الْحَرْفَانِ بِسَبَبَيْنِ (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِدُونِ حَرْفَيْنِ أَوْ حَرْفٍ مُفْهِمٍ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) ظَهَرَ حَرْفَانِ أَوْ لَا (قَوْلُهُ: الْغُفْلُ) هُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ وَالْفَاءِ السَّاكِنَةِ كَقُفْلٍ الْمُرَادُ بِهِ الصَّوْتُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ مِنْهُ حُرُوفٌ كَصَوْتِ الْبَهَائِمِ وَصَوْتِ الْمِزْمَارِ (قَوْلُهُ: فَلَا تَبْطُلُ بِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَمِلُ عَلَى حُرُوفٍ (قَوْلُهُ: كَمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ) أَيْ الْعُرْفِ (قَوْلُهُ: وَالنُّحَاةُ وَاللُّغَوِيُّونَ) مِنْ أَنَّهَا لَفْظٌ وُضِعَ لِمَعْنًى مُفْرَدٍ، وَعَلَى عَدَمِ الضَّبْطِ بِمَا ذُكِرَ يَدْخُلُ اللَّفْظُ الْمُهْمَلُ إذَا تَرَكَّبَ مِنْ حَرْفَيْنِ أَوْ كَانَ مَجْمُوعُهُمَا جُزْءَ كَلِمَةٍ.
(قَوْلُهُ: لَمْ تَبْطُلْ) ، وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا كَلَامٌ كَثِيرٌ مُتَوَالٍ، وَإِلَّا بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَقَاعَدُ عَنْ الْكَثِيرِ سَهْوًا، وَهُوَ مُبْطِلٌ، ثُمَّ عَدَمُ الْبُطْلَانِ هُنَا قَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا قَالُوهُ فِي الصَّوْمِ مِنْ الْبُطْلَانِ فِيمَا لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا فَظَنَّ الْبُطْلَانَ فَأَكَلَ عَامِدًا.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَنْ ظَنَّ بُطْلَانَ صَوْمِهِ قَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ فَأَكْلُهُ بَعْدَ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ عَلَيْهِ لِتَحْرِيمِهِ يَدُلُّ عَلَى تَهَاوُنِهِ فَأَبْطَلَ وَلَا كَذَلِكَ الصَّلَاةُ، وَفَرْقٌ أَيْضًا بِأَنَّ جِنْسَ الْكَلَامِ الْعَمْدِ كَالْحَرْفِ الَّذِي لَا يُفْهَمُ مُغْتَفَرٌ فِي الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْأَكْلِ عَمْدًا فَإِنَّهُ غَيْرُ
[حاشية الرشيدي]
كَالضَّمَائِرِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْأَنْوَارِ) عِبَارَتُهُ وَلَوْ بَصَقَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ صَدَرَ صَوْتٌ بِلَا هِجَاءٍ لَمْ تَبْطُلْ، لَكِنْ لَوْ صَدَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ بَطَلَتْ انْتَهَتْ.
وَإِنَّمَا حَمَلَهُ الشَّارِحُ عَلَى مَا إذَا كَانَ مَعَهُ نَحْوُ حَرَكَةِ عُضْوٍ يَبْطُلُ تَحْرِيكُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُنَاسِبُ إلَّا بَحْثَ الْأَفْعَالِ الْآتِي لِأَجْلِ تَقْيِيدِهِ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ ظَهَرَ بِهِ حَرْفَانِ) أَيْ أَوْ حَرْفٌ مُفْهِمٌ أَوْ مَمْدُودٌ كَمَا يُفِيدُهُ صَنِيعُ غَيْرِهِ كَالْبَهْجَةِ (قَوْلُهُ: كَمَا يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي ضَبْطِ الْكَلِمَةِ) فَإِنَّهَا فِيهِ تَشْمَلُ نَحْوَ ضَرَبْتُك
الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، فَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَتَى خَشَبَةً بِالْمَسْجِدِ وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا نَعَمْ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ» . وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ تَكَلَّمَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ، وَهُمْ تَكَلَّمُوا مُجَوِّزِينَ النَّسْخَ ثُمَّ بَنَى هُوَ، وَهُمْ فِيهَا، وَأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ كَانَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ، أَوْ أَنَّ كَلَامَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَ عَلَى حُكْمِ الْغَلَبَةِ لِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ عَلَيْهِمَا (أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ) أَيْ الْكَلَامِ فِيهَا (إنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ) ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَظْهَرُ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ
[حاشية الشبراملسي]
مُغْتَفَرٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْعَصْرَ) عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ أَوْ الْعَصْرَ.
اهـ. وَعَلَيْهِ فَالْوَاوُ هُنَا بِمَعْنَى أَوْ (قَوْلُهُ: ثُمَّ أَتَى خَشَبَةً) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَرِيبَةً مِنْهُ فَوَصَلَ إلَيْهَا بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ، وَأَنْ تَكُونَ بَعِيدَةً لَكِنَّهُ لَمْ يُوَالِ بَيْنَ الْخُطُوَاتِ (قَوْلُهُ: فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ) اسْمُهُ الْخِرْبَاقُ، وَلَيْسَ هُوَ ذَا الشِّمَالَيْنِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ يَدَيْهِ كَانَ بِهِمَا طُولٌ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: وَذُو الْيَدَيْنِ لَقَبُ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَاسْمُهُ الْخِرْبَاقُ بْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ يَاءٍ مُوَحَّدَةٍ وَأَلِفٍ وَقَافٍ، لُقِّبَ بِذَلِكَ لِطُولِهِمَا.
(قَوْلُهُ: قَالُوا نَعَمْ) أَيْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ أَنَّ كَلَامَ إلَخْ، وَلَعَلَّ تَعْبِيرَهُ بِالْجَمْعِ؛ لِكَوْنِ الْمَنْسُوبِ إلَى بَعْضِهِمْ كَالْمَنْسُوبِ إلَى الْكُلِّ (قَوْلُهُ: وَجْهُ الدَّلَالَةِ) قَالَ سم: وَقَدْ اشْتَمَلَتْ قِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ عَلَى إتْيَانِهِ بِسِتِّ كَلِمَاتٍ فَيَضْبِطُ بِهَا الْكَلَامَ الْيَسِيرَ.
اهـ. وَلَعَلَّهُ عَدَّ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ كَلِمَتَيْنِ وَأَمْ نَسِيتَ كَذَلِكَ وَيَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ) أَيْ مَا أَتَى بِهِ فِيهَا، وَإِنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ جِنْسِهِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى صِحَّةُ صَلَاةِ نَحْوِ الْمُبَلِّغِ وَالْفَاتِحِ بِقَصْدِ التَّبْلِيغِ أَوْ الْفَتْحِ فَقَطْ، الْجَاهِلِ بِامْتِنَاعِ ذَلِكَ، وَإِنْ عَلِمَ امْتِنَاعَ جِنْسِ الْكَلَامِ فَتَأَمَّلْ.
اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُهُ بِقَصْدِ التَّبْلِيغِ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ بِأَنْ سَمِعَ الْمَأْمُومُونَ صَوْتَ الْإِمَامِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ حِينَئِذٍ فَيَضُرُّ، وَقَوْلُهُ نَحْوُ الْمُبَلِّغِ: أَيْ كَالْإِمَامِ الَّذِي يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ لِإِعْلَامِ الْمَأْمُومِينَ (قَوْلُهُ: أَيْ الْكَلَامَ فِيهَا) عِبَارَةُ حَجّ: أَيْ مَا أَتَى بِهِ فِيهَا، وَإِنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ جِنْسِهِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ.
اهـ. وَهِيَ تُفِيدُ أَنَّ مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ دُونَ مَا أَتَى بِهِ فِيهَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، بِخِلَافِ إطْلَاقِ الشَّارِحِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ) وَيَظْهَرُ ضَبْطُ الْبُعْدِ بِمَا لَا يَجِدُ مُؤْنَةً يَجِبُ بَذْلُهَا فِي الْحَجِّ تُوَصِّلُهُ إلَيْهِ: أَيْ إلَى مَنْ يَعْرِفُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَا هُنَا أَضْيَقُ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ فَوْرِيٌّ أَصَالَةً، بِخِلَافِ الْحَجِّ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَمْنَعُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ إلَّا الْأَمْرَ الضَّرُورِيَّ لَا غَيْرُ فَيَلْزَمُهُ مَشْيٌ أَطَاقَهُ، وَإِنْ بَعُدَ، وَلَا يَكُونُ نَحْوُ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ عُذْرًا لَهُ، وَيُكَلَّفُ بِبَيْعِ نَحْوِ قِنِّهِ الَّذِي لَا يَضْطَرُّ إلَيْهِ.
اهـ حَجّ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ: وَيَظْهَرُ ضَبْطُ إلَخْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُضْبَطُ بِمَا لَا حَرَجَ فِيهِ: أَيْ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً م ر اهـ. وَيَنْبَغِي أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ عَلِمَ بِوُجُوبِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِالسَّفَرِ.
أَمَّا مَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ، وَرَأَى أَهْلَهُ عَلَى حَالَةٍ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَوْ أَنَّ كَلَامَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إلَخْ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُجِيبَ هُمَا فَقَطْ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لَفْظُهَا «فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَلَمَّا قَالَا كَمَا قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ قَامَ وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ» انْتَهَتْ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ظَاهِرُهَا أَنَّهُمَا قَالَا مِثْلَ قَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ: أَيْ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت، وَهُوَ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَ الشَّارِحِ، وَأَنَّ كَلَامَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَ عَلَى حُكْمِ الْغَلَبَةِ لِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُمَا أَجَابَاهُ بِقَوْلِهِمَا نَعَمْ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِثْلَ مَا قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ مَقُولُ قَوْلِهِمَا: أَيْ إنَّهُمَا قَالَا هَذَا اللَّفْظُ: أَيْ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ فَلَا يُنَافِي جَوَابَ الشَّارِحِ الْمَذْكُورِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَيْ الْكَلَامُ فِيهَا) عِبَارَةُ الشِّهَابِ حَجّ كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: أَيْ مَا أَتَى
عَمَّنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ أَيْضًا لِلْخَبَرِ الْمَارِّ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الضَّابِطَ لِذَلِكَ أَنَّ مَا عُذِرَ الشَّخْصُ لِجَهْلِهِ بِهِ وَخَفَائِهِ عَلَى غَالِبِهِمْ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ تَصْرِيحُهُمْ بِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْنَا إنَّمَا هُوَ تَعَلُّمُ الظَّوَاهِرِ لَا غَيْرُ، وَخَرَجَ بِجَهِلَ تَحْرِيمِهِ مَا لَوْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَ كَوْنَهُ مُبْطِلًا فَتَبْطُلُ بِهِ كَمَا لَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ شُرْبِ الْخَمْرِ دُونَ إيجَابِهِ الْحَدَّ فَإِنَّهُ يُحَدُّ، إذْ حَقُّهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ الْكَفُّ.
وَلَوْ سَلَّمَ إمَامُهُ فَسَلَّمَ مَعَهُ ثُمَّ سَلَّمَ الْإِمَامُ ثَانِيًا فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُومُ قَدْ سَلَّمْت قَبْلَ هَذَا فَقَالَ كُنْت نَاسِيًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؛ لِوُجُودِ الْكَلَامِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْقُدْوَةِ.
وَلَوْ سَلَّمَ مِنْ ثِنْتَيْنِ ظَانًّا تَمَامَ صَلَاتِهِ فَكَالْجَاهِلِ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ (لَا) فِي (كَثِيرِهِ) فَلَا يُعْذَرُ فِيهِ فِيمَا مَرَّ (فِي الْأَصَحِّ) وَتَبْطُلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ نَظْمَهَا، وَهَيْئَتَهَا؛ وَلِأَنَّ السَّبْقَ وَالنِّسْيَانَ فِي الْكَثِيرِ نَادِرٌ.
وَالثَّانِي يُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الْعُذْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُبْطِلَ كَثِيرُهُ لَأُبْطِلَ قَلِيلُهُ كَالْعَمْدِ وَيُرْجَعُ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ لِلْعُرْفِ.
(وَ) يُعْذَرُ (فِي) الْيَسِيرِ عُرْفًا مِنْ (التَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ) مِمَّا مَرَّ كَسُعَالٍ وَعُطَاسٍ، وَإِنْ ظَهَرَ بِهِ حَرْفَانِ، وَلَوْ مِنْ كُلِّ نَحْوِ نَفْخَةٍ (لِلْغَلَبَةِ) لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ، وَهِيَ رَاجِعَةٌ لِلْجَمِيعِ (وَتَعَذُّرُ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ) وَمِثْلُهَا غَيْرُهَا مِنْ الْأَرْكَانِ الْقَوْلِيَّةِ الْوَاجِبَةِ لِلضَّرُورَةِ، وَهَذَا رَاجِعٌ لِلتَّنَحْنُحِ، فَإِنْ كَثُرَ فِي التَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ لِلْغَلَبَةِ وَظَهَرَ بِهِ حَرْفَانِ فَأَكْثَرُ وَكَثُرَ عُرْفًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا قَالَاهُ فِي الضَّحِكِ وَالسُّعَالِ وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُمَا لِقَطْعِ ذَلِكَ نَظْمَ الصَّلَاةِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةٍ لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ مَرَضًا مُزْمِنًا، فَإِنْ صَارَ كَذَلِكَ بِحَيْثُ لَمْ يَخْلُ زَمَنٌ مِنْ
[حاشية الشبراملسي]
ظَنَّ مِنْهَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَّا مَا تَعَلَّمَهُ مِنْهُمْ وَكَانَ فِي الْوَاقِعِ مَا تَعَلَّمَهُ غَيْرُ كَافٍ فَمَعْذُورٌ، وَإِنْ تَرَكَ السَّفَرَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: لِلْخَبَرِ الْمَارِّ) أَيْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ إلَخْ، بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ مِنْ احْتِمَالِ أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ كَانَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ إلَخْ) لَكِنَّ هَذَا الْمَأْخُوذَ لَا يَتَقَيَّدُ بِكَوْنِهِ نَشَأَ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ، وَلَا كَوْنِهِ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: وَيُؤَيِّدُهُ إلَخْ فَلْيُتَأَمَّلْ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ أَنَّ هَذَا مِنْ الظَّوَاهِرِ فَلَا يُعْذَرُ بَعِيدُ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِجَهْلِ تَحْرِيمِهِ مَا لَوْ عَلِمَهُ) وَلَا يُشْكِلُ هَذَا بِمَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا فَظَنَّ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ حِينَ تَكَلَّمَ ثَمَّ عَامِدًا ظَنَّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ فَعُذِرَ بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّهُ حَيْثُ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ فَحَقُّهُ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فَلَمْ يُعْذَرْ (قَوْلُهُ: كُنْت نَاسِيًا) أَيْ نَاسِيًا لِشَيْءٍ مِنْ صَلَاتِي كَبَعْضِ التَّشَهُّدِ مَثَلًا فَتَدَارَكْته وَسَلَّمْت ثَانِيًا (قَوْلُهُ: وَيُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ) أَيْ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ، وَإِلَّا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ فَقَطْ (قَوْلُهُ: فَكَالْجَاهِلِ) أَيْ فَيُعْذَرُ فِي يَسِيرِهِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَقَيَّدَ ذَلِكَ بِمَنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ لِإِمَامِهِ قَدْ سَلَّمْت (قَوْلُهُ: فِيمَا مَرَّ) أَيْ فِيمَا لَوْ سَبَقَ لِسَانَهُ أَوْ نَسِيَ أَوْ جَهِلَهُ.
(قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ) قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ يَتَنَحْنَحُ فَوْرًا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ انْتِظَارُ زَوَالِهِ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إنْ صَبَرَ قَلِيلًا زَالَ عَنْهُ ذَلِكَ الْعَارِضُ بِنَفْسِهِ، وَقِيَاسُ مَا ذَكَرَهُ فِي السُّعَالِ مِنْ وُجُوبِ الِانْتِظَارِ حَيْثُ رَجَى زَوَالُهُ أَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ الْأَوْلَى، وَلَا تَنْقَطِعُ بِهِ الْمُوَالَاةُ (قَوْلُهُ: الْوَاجِبَةِ) الْأَوْلَى إسْقَاطُهُمَا لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ مِنْ الْأَرْكَانِ (قَوْلُهُ: مِنْ الْأَرْكَانِ الْقَوْلِيَّةِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِغَيْرِ الرُّكْنِ، وَإِنْ نَذَرَهُ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِ بَعْدُ إذْ هُوَ سُنَّةٌ فَلَا ضَرُورَةَ إلَخْ خِلَافُهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ هُنَا مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ صَلَاتِهِ، وَالسُّورَةُ وَلَوْ نَذَرَهَا لَا تَتَوَقَّفُ الصِّحَّةُ عَلَيْهَا حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا عَامِدًا مَعَ عِلْمِهِ بِهَا لَمْ تَبْطُلْ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَثُرَ فِي التَّنَحْنُحِ) الْأَوْلَى حَذْفُ فِي (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الْبُطْلَانُ (قَوْلُهُ: مُزْمَنًا) بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ صِفَةٌ لِلْمَرَضِ: أَيْ يَدُومُ زَمَانًا طَوِيلًا.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: زَمِنَ الشَّخْصُ
[حاشية الرشيدي]
بِهِ فِيهَا وَإِنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ جِنْسِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ سَلَّمَ مِنْ ثِنْتَيْنِ) أَيْ وَتَكَلَّمَ يَسِيرًا عَمْدًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْيَسِيرِ عُرْفًا) أَيْ فِي الْغَلَبَةِ بِخِلَافِ تَعَذُّرِ الْقِرَاءَةِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَكَثُرَ عُرْفًا) أَيْ مَا ظَهَرَ مِنْ الْحُرُوفِ (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ لَمْ يَخْلُ زَمَنٌ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يُعْلَمْ خُلُوُّهُ عَنْ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ التَّشْبِيهِ الْآتِي
الْوَقْتِ يَسَعُ الصَّلَاةَ بِلَا نَحْوِ سُعَالٍ مُبْطِلٍ لَمْ تَبْطُلْ كَسَلَسِ الْحَدَثِ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَلَوْ شُفِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْإِسْنَوِيِّ.
نَعَمْ التَّنَحْنُحُ لِلْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ لَا يُبْطِلُهَا، وَإِنْ كَثُرَ، وَلَوْ ظَهَرَ مِنْ إمَامِهِ حَرْفَانِ بِتَنَحْنُحٍ لَمْ يَلْزَمْهُ مُفَارَقَتُهُ حَمْلًا لَهُ عَلَى الْعُذْرِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَحَرُّزُهُ عَنْ الْمُبْطِلِ.
نَعَمْ قَالَ السُّبْكِيُّ: قَدْ تَدُلُّ قَرِينَةُ حَالِهِ عَلَى عَدَمِ عُذْرِهِ فَتَجِبُ مُفَارَقَتُهُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَوْ لَحَنَ فِي الْفَاتِحَةِ لَحْنًا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى وَجَبَتْ مُفَارَقَتُهُ كَمَا لَوْ تَرَكَ وَاجِبًا.
اهـ. وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَثُرَ مَا قَرَأَهُ عُرْفًا فَيَصِيرُ كَلَامًا أَجْنَبِيًّا مُبْطِلًا، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا.
وَالْأَوْجَهُ: أَيْ حَيْثُ لَمْ تَبْطُلْ أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَرْكَعَ بَلْ بَحْثُ بَعْضِهِمْ عَدَمُ اللُّزُومِ بَعْدَ رُكُوعِهِ أَيْضًا لِجَوَازِ سَهْوِهِ كَمَا لَوْ قَامَ لِخَامِسَةٍ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ
[حاشية الشبراملسي]
زَمَنًا وَزَمَانَةً فَهُوَ زَمِنٌ مِنْ بَابِ تَعِبَ، وَهُوَ مَرَضٌ يَدُومُ زَمَانًا طَوِيلًا وَالْقَوْمُ زَمْنَى، مِثْلُ مَرْضَى أَزْمَنَهُ اللَّهُ فَهُوَ مُزْمَنٌ.
(قَوْلُهُ: يَسَعُ الصَّلَاةَ) هَذَا ظَاهِرٌ إنْ عَلِمَ الِانْقِطَاعَ فِي وَقْتٍ يَسَعُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي انْتِظَارِهِ، وَإِلَّا فَمُرَاقَبَةُ مَا يَزُولُ الْمَانِعُ فِيهِ غَايَةٌ مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (قَوْلُهُ: لَمْ تَبْطُلْ) فَإِنْ خَلَا مِنْ الْوَقْتِ زَمَنًا يَسَعُهَا بَطَلَتْ بِعُرُوضِ السُّعَالِ الْكَثِيرِ فِيهَا، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ إنْ خَلَا مِنْ السُّعَالِ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُولُهُ فِي بَقِيَّتِهِ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَا يَسَعُ الصَّلَاةَ وَجَبَتْ الْمُبَادَرَةُ لِلْفِعْلِ، وَأَنَّهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ السَّلَامَةُ مِنْهُ فِي وَقْتٍ يَسَعُ الصَّلَاةَ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا وَجَبَ انْتِظَارُهُ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ السُّعَالِ فِي التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ مَنْ حَصَلَ لَهُ سَبَبٌ كَسُعَالٍ أَوْ نَحْوِهِ يَحْصُلُ مِنْهُ حَرَكَاتٌ مُتَوَالِيَةٌ كَارْتِعَاشِ يَدٍ أَوْ رَأْسٍ، وَلَوْ صَلَّى خَلْفَ إمَامٍ فَوَجَدَهُ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ مَثَلًا فِي صَلَاةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِمَرَضٍ مُزْمِنٍ صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ حَمْلًا، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لِمَرَضٍ مُزْمِنٍ، وَإِلَّا بَطَلَتْ.
وَوَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ كَانَ السُّعَالُ مُزْمِنًا وَلَكِنْ عُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّ الْحَمَّامَ يُسْكِنُ عَنْهُ السُّعَالَ مُدَّةً تَسَعُ الصَّلَاةَ هَلْ يُكَلَّفُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَأَجَبْتُ عَنْهُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ الْأَوَّلُ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ مِنْ وُجُوبِ تَسْخِينِ الْمَاءِ حَيْثُ قَدَرَ عَلَيْهِ إذَا تَوَقَّفَ الْوُضُوءُ بِهِ عَلَى تَسْخِينِهِ حَيْثُ وَجَدَ أُجْرَةَ الْحَمَّامِ فَاضِلَةً عَمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْفِطْرَةِ، وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ فَوَاتُ الْجَمَاعَةِ وَأَوَّلِ الْوَقْتِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ ظَهَرَ مِنْ إمَامِهِ) أَيْ وَلَوْ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ إمَّا نَاسٍ، وَهُوَ مِنْهُ لَا يَضُرُّ أَوْ عَامِدٌ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمُخَالِفِ الَّذِي لَا يُبْطِلُ فِي اعْتِقَادِهِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ السَّهْوِ (قَوْلُهُ: يُغَيِّرُ الْمَعْنَى) كَضَمِّ تَاءِ أَنْعَمْت أَوْ كَسْرِهَا (قَوْلُهُ: أَيْ حَيْثُ لَمْ تَبْطُلْ) أَيْ بِأَنْ كَانَ قَلِيلًا (قَوْلُهُ: بَعْدَ رُكُوعِهِ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ: أَيْ وَيَنْتَظِرُهُ الْمَأْمُومُ فِي الْقِيَامِ فَإِذَا قَامَ مِنْ السُّجُودِ، وَقَرَأَ عَلَى الصَّوَابِ وَافَقَهُ وَأَتَى بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ إنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ عَلَى الصَّوَابِ اسْتَمَرَّ الْمَأْمُومُ فِي الْقِيَامِ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَلَوْ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ، وَسَيَأْتِي هُنَا مَا يُوَافِقُ هَذَا الْبَحْثِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: قَبْلُ وَالْأَوْجَهُ إلَخْ، لِجَوَازِ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ يُفَارِقُهُ حَالًا ثُمَّ تَرَقَّى بِمَا أَوْرَدَهُ مِنْ الْبَحْثِ إلَى أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهُ مُطْلَقًا.
هَذَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ كَانَ مَذْهَبُهُ عَدَمَ الْبُطْلَانِ بِاللَّحْنِ الْمَذْكُورِ فَتَجِبُ مُفَارَقَتُهُ عِنْدَ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْعَوْدَ لِمَا فَوَّتَهُ، وَبَيْنَ مَنْ مَذْهَبُهُ الْبُطْلَانُ إذَا لَمْ يَعُدْ فَإِنَّهُ إذَا تَذَكَّرَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ) وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا قِيلَ فِي الْمُخَالِفِ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَخَلَّ بِرُكْنٍ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: كَسَلَسِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ انْتِظَارُ الْوَقْتِ الَّذِي يَخْلُو فِيهِ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَوْ أَوْقَع الصَّلَاةَ فِي غَيْرِهِ لَمْ تَصِحَّ (قَوْلُهُ: وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْإِسْنَوِيِّ) أَيْ الْقَائِلِ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ فِي الْغَلَبَةِ مُطْلَقًا، وَالضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِ لِلْحَمْلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ وَهَذَا مَحْمُولٌ إلَخْ (قَوْلُهُ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَوْ لَحَنَ فِي الْفَاتِحَةِ لَحْنًا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى وَجَبَ مُفَارَقَتُهُ كَمَا لَوْ تَرَكَ وَاجِبًا) تَتِمَّتُهُ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: لَكِنْ هَلْ يُفَارِقُهُ فِي الْحَالِ أَوْ حَتَّى يَرْكَعَ لِجَوَازِ أَنَّهُ لَحَنَ سَاهِيًا وَقَدْ يَتَذَكَّرُ فَيُعِيدُ الْفَاتِحَةَ، الْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَابِعُهُ فِي فِعْلِ السَّهْوِ انْتَهَى.
وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْحَمْلَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ لَا يُلَاقِيهِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَرْكَعَ) أَيْ خِلَافًا لِمَا اسْتَقَرَّ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ كَمَا مَرَّ: أَيْ وَالصُّورَةُ أَنَّ مَا أَتَى بِهِ لَمْ يَكْثُرْ عُرْفًا بِحَيْثُ يَصِيرُ كَلَامًا
وَلَوْ نَزَلَتْ نُخَامَةٌ مِنْ دِمَاغِهِ إلَى ظَاهِرِ الْفَمِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَابْتَلَعَهَا بَطَلَتْ، فَلَوْ تَشَعَّبَتْ فِي حَلْقِهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ إخْرَاجُهَا إلَّا بِالتَّنَحْنُحِ وَظُهُورِ حَرْفَيْنِ وَمَتَى تَرَكَهَا نَزَلَتْ إلَى بَاطِنِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَنَحْنَحَ وَيُخْرِجَهَا، وَإِنْ ظَهَرَ حَرْفَانِ قَالَهُ فِي رِسَالَةِ النُّورِ.
وَالْأَوْجَهُ شُمُولُ ذَلِكَ لِلصَّائِمِ أَيْضًا نَفْلًا كَانَ أَوْ فَرْضًا (لَا) تَعَذُّرَ (الْجَهْرَ) فَلَا يُعْذَرُ فِي التَّنَحْنُحِ وَلَوْ يَسِيرًا مِنْ أَجْلِهِ (فِي الْأَصَحِّ) إذْ هُوَ سُنَّةٌ فَلَا ضَرُورَةَ لِارْتِكَابِ التَّنَحْنُحِ لَهُ، وَفِي مَعْنَى الْجَهْرِ سَائِرُ السُّنَنِ كَقِرَاءَةِ سُورَةٍ وَقُنُوتٍ وَتَكْبِيرِ انْتِقَالٍ، وَلَوْ مِنْ مُبَلِّغٍ مُحْتَاجٍ لِإِسْمَاعِ الْمَأْمُومِينَ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّهُ عُذْرُ إقَامَةٍ لِشِعَارِ الْجَهْرِ، وَلَوْ جَهِلَ بُطْلَانَهَا بِالتَّنَحْنُحِ مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ عُذِرَ لِخَفَائِهِ عَلَى الْعَوَامّ.
(وَلَوْ) (أُكْرِهَ) الْمُصَلِّي (عَلَى الْكَلَامِ) فِي صَلَاتِهِ وَلَوْ يَسِيرًا (بَطَلَتْ فِي الْأَظْهَرِ) لِنُدْرَتِهِ كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الْحَدَثِ.
وَالثَّانِي
[حاشية الشبراملسي]
فِي اعْتِقَادِ الْمُقْتَدِي دُونَ الْإِمَامِ تَجِبُ مُفَارَقَتُهُ عِنْدَ انْتِقَالِهِ إلَى مَا بَعْدَهُ بِأَنَّ الْمُخَالِفَ الْغَالِبُ أَوْ الْمُحَقَّقُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ لِمَا انْتَقَلَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ اعْتِقَادٍ، وَالْمُوَافِقُ مَتَى تَذَكَّرَ رَجَعَ فَجَازَ انْتِظَارُهُ، وَإِنْ طَالَ جِدًّا لِاحْتِمَالِ عَوْدِهِ بِتَقْدِيرِ تَذَكَّرَهُ احْتِمَالًا قَرِيبًا (قَوْلُهُ: وَجَبَ عَلَيْهِ التَّنَحْنُحُ) أَيْ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ ظَهَرَ حَرْفَانِ) أَيْ أَوْ أَكْثَرُ بَلْ قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ اغْتِفَارِ التَّنَحْنُحِ الْكَثِيرِ لِتَعَذُّرِ الْقِرَاءَةِ عَدَمُ الضَّرَرِ هُنَا مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: قَالَهُ فِي رِسَالَةِ النُّورِ) هِيَ اسْمُ كِتَابٍ لِلشَّافِعِيِّ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ شُمُولُ ذَلِكَ) أَيْ وُجُوبُ التَّنَحْنُحِ وَالْإِخْرَاجِ (قَوْلُهُ: نَفْلًا كَانَ أَوْ فَرْضًا) أَيْ حَيْثُ لَمْ يُرِدْ بِبَلْعِهَا قَطْعَ النَّفْلِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ فَلَا يُعْذَرُ فِي التَّنَحْنُحِ.
أَيْ وَلَوْ كَانَ نَذَرَ الْقِرَاءَةَ جَهْرًا؛ لِأَنَّهَا صِفَةٌ تَابِعَةٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمَنْهَجِ وَتَعَذُّرُ رُكْنٍ قَوْلِيٍّ (قَوْلُهُ: لِإِسْمَاعِ الْمَأْمُومِينَ) أَيْ أَوْ إمَامِ جُمُعَةٍ.
م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ نَعَمْ إنْ تَوَقَّفَ عَلَى جَهْرِهِ سَمَاعُ الْمَأْمُومِينَ بِهِ عُذِرَ، ثُمَّ رَأَيْته قَالَ عَلَى حَجّ مَا نَصُّهُ: وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ الْجُمُعَةِ إذَا تَوَقَّفَتْ مُتَابَعَةُ الْأَرْبَعِينَ عَلَى الْجَهْرِ الْمَذْكُورِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ صَلَاتِهِ عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ الْمُتَابَعَةَ الْوَاجِبَةَ لِاشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى لِصِحَّتِهَا، لَكِنْ لَوْ كَانَ لَوْ اسْتَمَرُّوا فِي الرُّكُوعِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الْجُمُعَةَ زَالَ الْمَانِعُ وَاسْتَغْنَى عَنْ التَّنَحْنُحِ فَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَكَذَا يَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ غَيْرِ الْجُمُعَةِ إذَا تَوَقَّفَ حُصُولُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لِهَذِهِ الْجَمَاعَةِ عَلَى ذَلِكَ اهـ. وَقَوْلُهُ يَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ الْجُمُعَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهَا إمَامُ الْمُعَادَةِ وَالْمَجْمُوعَةِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ بِالْمَطَرِ وَالْمَنْذُورِ فِعْلُهَا جَمَاعَةً، وَيَكْفِي فِي الثَّلَاثِ إسْمَاعُ وَاحِدٍ، فَمَتَى أَمْكَنَهُ إسْمَاعُهُ وَزَادَ فِي التَّنَحْنُحِ لِأَجْلِ إسْمَاعِ غَيْرِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا.
وَقَوْلُهُ: فِيهِ نَظَرٌ الْأَقْرَبُ عَدَمُ وُجُوبِ الِانْتِظَارِ، بِخِلَافِ الْمُبَلِّغِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ صَلَاتِهِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى مُشَارَكَتِهِ لِغَيْرِ الْإِمَامِ فَلَا يُعْذَرُ فِي إسْمَاعِهِمْ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أُكْرِهَ الْمُصَلِّي عَلَى الْكَلَامِ) قَالَ حَجّ: عَلَى نَحْوِ الْكَلَامِ اهـ. وَوَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ جَاءَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ، وَهُوَ يُصَلِّي وَطَلَبَ مِنْهُ تَلْقِينَ الشَّهَادَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِ صَلَاتِهِ هَلْ يُجِيبُهُ أَوْ لَا؟ قُلْت: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ إنْ خَشِيَ فَوَاتَ إسْلَامِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّلْقِينُ وَتَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْشَ فَوَاتَ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وَيُغْتَفَرُ التَّأْخِيرُ لِلْعُذْرِ بِتَلَبُّسِهِ بِالْفَرْضِ فَلَا يُقَالُ فِيهِ رِضَاهُ بِالْكُفْرِ، وَعَلَى هَذَا يَخُصُّ قَوْلُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ فِي الرِّدَّةِ أَنَّ مِنْهَا مَا لَوْ قَالَ لِمَنْ طَلَبَ مِنْهُ تَلْقِينَ الْإِسْلَامِ اصْبِرْ سَاعَةً بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فِي التَّأْخِيرِ كَمَا هُنَا (قَوْلُهُ: لِنُدْرَتِهِ) يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ
[حاشية الرشيدي]
أَجْنَبِيًّا عُرْفًا يَبْطُلُ سَهْوُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ شُمُولُ ذَلِكَ لِلصَّائِمِ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ مَا الْحَاجَةُ إلَى هَذَا، وَكَانَ اللَّائِقُ أَنْ يَقُولَ: وَالْأَوْجَهُ شُمُولُهُ لِلْمُفْطِرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ التَّوَقُّفُ فِيهِ، وَأَمَّا إذَا أَثْبَتْنَا الْوُجُوبَ فِي حَقِّ الْمُفْطِرِ فَلَا يَتَوَقَّفُ فِيهِ حَقُّ الصَّائِمِ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ صَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ، وَعِبَارَةُ الْإِمْدَادِ وَالزَّرْكَشِيِّ جَوَازُهُ: أَيْ وَبَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ جَوَازَ التَّنَحْنُحِ لِلصَّائِمِ لِإِخْرَاجِ نُخَامَةٍ تُبْطِلُ صَوْمَهُ، وَالْأَقْرَبُ جَوَازُهُ لِغَيْرِ الصَّائِمِ أَيْضًا لِإِخْرَاجِ نُخَامَةٍ تُبْطِلُ صَلَاتَهُ بِأَنْ نَزَلَتْ لِحَدِّ الظَّاهِرِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ إخْرَاجُهَا إلَّا بِهِ انْتَهَتْ.
وَالْوُجُوبُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّفْلِ
لَا تَبْطُلُ كَالنَّاسِي.
أَمَّا الْكَثِيرُ فَتَبْطُلُ بِهِ جَزْمًا وَلَيْسَ مِنْهُ غَصْبُ السُّتْرَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ نَادِرٍ وَفِيهِ غَرَضٌ.
(وَلَوْ) (نَطَقَ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ) أَوْ بِذِكْرٍ آخَرَ كَمَا شَمِلَهُ كَلَامُ كَثِيرٍ (بِقَصْدِ التَّفْهِيمِ كَ ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: 12] مُفْهِمًا بِهِ مَنْ يَسْتَأْذِنُهُ فِي أَخْذِ مَا يُرِيدُ أَخْذَهُ وَكَقَوْلِهِ لِمَنْ اسْتَأْذَنَهُ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46] أَوْ لِمَنْ يَنْهَاهُ عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: 29] (إنْ قَصَدَ مَعَهُ) أَيْ التَّفْهِيمَ (قِرَاءَةً لَمْ تَبْطُلْ) ؛ لِأَنَّهُ قُرْآنٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَصَدَ بِهِ الْقُرْآنَ وَحْدَهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ قَصَدَ التَّفْهِيمَ فَقَطْ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا (بَطَلَتْ) ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَكُونُ قُرْآنًا إلَّا بِالْقَصْدِ.
وَمَا تَقَرَّرَ فِي صُورَةِ الْإِطْلَاقِ هُنَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ مَتَى وُجِدَتْ صَرَفَتْهُ إلَيْهَا مَا لَمْ يَنْوِ صَرْفَهُ عَنْهَا، وَفِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَأَثَّرَتْ، وَادَّعَى الْمُصَنِّفُ فِي دَقَائِقِهِ دُخُولَ هَذِهِ الصُّورَةِ فِي قَوْلِهِ، وَإِلَّا نُوزِعَ فِي الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ مَوْرِدَ التَّقْسِيمِ وَقَعَ فِيمَا قَصَدَ بِهِ التَّفْهِيمَ فَلَا يَشْمَلُ قَصْدَ الْقِرَاءَةِ وَحْدَهَا وَلَا الْإِطْلَاقَ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ إذَا عَرَفَ أَنَّ قَصْدَهُ مَعَ الْقِرَاءَةِ لَا يَضُرُّ فَقَصْدُهَا وَحْدَهَا أَوْلَى، وَبِأَنَّ إلَّا تَشْمَلُ نَفْيَ كُلٍّ مِنْ الْمُقَسِّمِ وَقَيْدَ الْمُقَسِّمَ، وَلَعَلَّهُ مَلْحَظُ الْمُصَنِّفِ فِي تَصْرِيحِهِ بِشُمُولِ الْمَتْنِ لِلصُّوَرِ الْأَرْبَعِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ انْتَهَى فِي قِرَاءَتِهِ إلَى تِلْكَ الْآيَةِ أَمْ أَنْشَأَهَا كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ التَّحْقِيقِ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ؛ لِوُجُودِ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي مَحَلِّهَا، وَإِنْ بَحَثَ فِي الْمَجْمُوعِ الْفَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ انْتَهَى فِي قِرَاءَتِهِ إلَيْهَا فَلَا يَضُرُّ، وَإِلَّا فَيَضُرُّ، وَسَوَاءٌ مَا يَصِحُّ لِلتَّخَاطُبِ وَمَا لَا يَصِحُّ لَهُ خِلَافًا لِجَمْعٍ مُتَقَدِّمِينَ.
وَشَمِلَ كَلَامُهُمْ الْفَتْحَ عَلَى الْإِمَامِ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِالذِّكْرِ كَانَ ارْتَجَّ عَلَيْهِ كَلِمَةٌ فِي نَحْوِ التَّشَهُّدِ فَقَالَهَا الْمَأْمُومُ، وَالْجَهْرُ بِتَكْبِيرِ الِانْتِقَالَاتِ مِنْ الْإِمَامِ
[حاشية الشبراملسي]
أَنَّ مِثْلَ الْكَلَامِ مَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الِاسْتِدْبَارِ لِلْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى الْأَكْلِ، وَجَعَلَهُ سم مُفَادًا لِقَوْلِ حَجّ وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى نَحْوِ الْكَلَامِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ (قَوْلُهُ: غَصْبُ السُّتْرَةِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهَا الْغَاصِبُ بِلَا فِعْلٍ مِنْ الْمُصَلِّي كَأَنْ تَكُونَ السُّتْرَةُ مَعْقُودَةً عَلَى الْمُصَلِّي فَيَكْفِهَا الْغَاصِبُ قَهْرًا عَلَيْهِ، أَوْ يُكْرِهُهُ عَلَى أَنْ يَنْزِعَهَا وَيُسَلِّمَهَا لَهُ.
وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْمَدَارَ هُنَا عَلَى كَثْرَةِ وُقُوعِ الْعُذْرِ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ نَادِرٍ إلَى ذَلِكَ لَكِنَّ قِيَاسَ مَا فِي الْوَدِيعَةِ مِنْ ضَمَانِ الْوَدِيعِ إذَا أَكْرَهَهُ الْغَاصِبُ حَتَّى سَلَّمَهُ الْوَدِيعَةَ الْبُطْلَانُ فِيمَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى نَزْعِ السُّتْرَةِ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ غَرَضٌ) أَيْ لِلْغَاصِبِ
(قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا) يَنْبَغِي أَوْ قَصَدَ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ بِأَنْ قَصَدَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ التَّفْهِيمِ وَالْقِرَاءَةِ (قَوْلُهُ: إلَّا بِالْقَصْدِ) أَيْ مَعَ وُجُودِ الصَّارِفِ كَمَا هُنَا (قَوْلُهُ: فَأَثَّرَتْ) أَيْ الْقَرِينَةُ (قَوْلُهُ: نَفْيَ كُلٍّ مِنْ الْمُقْسِمِ) ، وَهُوَ قَوْلُهُ: بِقَصْدِ التَّفْهِيمِ وَقَوْلُهُ وَقَيْدِ الْمُقْسِمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إنْ قَصَدَ مَعَهُ قِرَاءَةً (قَوْلُهُ: وَإِنْ بَحَثَ فِي الْمَجْمُوعِ إلَخْ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ) أَيْ فِي التَّفْصِيلِ الْمَارِّ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِجَمْعٍ مُتَقَدِّمِينَ) أَيْ فَإِنَّهُمْ يَخُصُّونَ التَّفْصِيلَ بِمَا يَصْلُحُ لِلْمُخَاطَبَةِ كَمَا ذَكَرَهُ سم عَلَى الْعُبَابِ.
وَعِبَارَتُهُ قَوْلُهُ: وَلَوْ أَعْلَمَ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ إلَخْ، ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ لَا فَرْقَ فِي نَظْمِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ فِي التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ بَيْنَ مَا يَصْلُحُ لِمُخَاطَبَةِ النَّاسِ وَمَا لَا يَصْلُحُ، لَكِنْ نَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ وَقَالَ إنَّهُ الْمُتَّجَهُ تَخْصِيصُ التَّفْضِيلِ بِمَا يَصْلُحُ لِلْمُخَاطَبَةِ، بِخِلَافِ مَا لَا يَصْلُحُ، وَإِنْ تَجَرَّدَ لِقَصْدِ الْإِفْهَامِ، وَقَدْ سَبَقَ نَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ الْغُسْلِ.
اهـ (قَوْلُهُ: أُرْتِجَ عَلَيْهِ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: أُرْتِجَ عَلَى الْقَارِئِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِرَاءَةِ، إلَى أَنْ قَالَ: وَلَا تَقُلْ ارْتَجَّ عَلَيْهِ بِالتَّشْدِيدِ (قَوْلُهُ: بِتَكْبِيرِ الِانْتِقَالَاتِ) أَيْ
[حاشية الرشيدي]
مَعْنَاهُ الْوُجُوبُ لِأَجْلِ الصِّحَّةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ غَرَضٌ) أَيْ لِلْغَاصِبِ.
(قَوْلُهُ: وَادَّعَى الْمُصَنِّفُ فِي دَقَائِقِهِ دُخُولَ هَذِهِ الصُّورَةِ) أَيْ كَمَا ادَّعَى دُخُولَ صُورَةِ قَصْدِ الْقِرَاءَةِ فَقَطْ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي وَلَعَلَّهُ مَلْحَظُ الْمُصَنِّفِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَلَا يَشْمَلُ قَصْدَ الْقِرَاءَةِ) حَقُّ الْعِبَارَةِ فَلَا يَشْمَلُ الْإِطْلَاقَ كَمَا لَا يَشْمَلُ قَصْدَ الْقِرَاءَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَعَلَّهُ) أَيْ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ لَا خُصُوصَ قَوْلِهِ وَبِأَنْ لَا إلَخْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا قَبْلَ وَإِلَّا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَشْمَلُ صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا بِالْمَنْطُوقِ وَهِيَ مَا إذَا قَصَدَ التَّفْهِيمَ وَالْقِرَاءَةَ، وَالْأُخْرَى بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ الْأَوْلَى وَهِيَ
أَوْ الْمُبَلِّغِ فَيَأْتِي فِيهِمَا التَّفْصِيلُ مِنْ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَاعْتَمَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَخَرَجَ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ مَا لَوْ غَيَّرَ نَظْمَهُ بِقَوْلِهِ يَا إبْرَاهِيمُ سَلَامٌ كُنْ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ مُطْلَقًا.
نَعَمْ إنْ قَصَدَ بِكُلِّ الْقِرَاءَةِ بِمُفْرَدِهَا لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ أَتَى بِهَا مَجْمُوعَةً فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ فِي الْغَرَرِ؛ وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْعَبَّادِيِّ: لَوْ قَالَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا فَلَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: إنْ قَالَ ذَلِكَ مُتَعَمِّدًا مُعْتَقِدًا كَفَرَ.
وَيَأْتِي مِثْلُ مَا تَقَرَّرَ فِيمَا لَوْ وَقَفَ ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا﴾ [البقرة: 102] ثُمَّ سَكَتَ طَوِيلًا: أَيْ زَائِدًا عَلَى سَكْتَةِ تَنَفُّسٍ، وَعَيٍّ فِيمَا يَظْهَرُ، وَابْتَدَأَ بِمَا بَعْدَهَا؛ وَلَوْ قَالَ قَالَ اللَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ تِلَاوَتِهِ أَوْ النَّبِيُّ كَذَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا شَمِلَهُ كَلَامُهُمْ وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي، وَتَبْطُلُ بِمَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ، وَإِنْ بَقِيَ حُكْمُهُ دُونَ عَكْسِهِ.
وَلَوْ قَرَأَ الْإِمَامُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] فَقَالَ الْمَأْمُومُ مِثْلَهُ، أَوْ اسْتَعَنَّا بِاَللَّهِ أَوْ نَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ، فَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ: إنْ كَانَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلتِّلَاوَةِ بَطَلَتْ: أَيْ إنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الدُّعَاءَ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ.
وَحَاصِلُ مَا أَجَابَ بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ إنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ تِلَاوَةً وَلَا دُعَاءً، وَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الدُّعَاءَ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَلِهَذَا اعْتَرَضَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إطْلَاقَ مَا نَقَلَهُ فِيهِ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ:
[حاشية الشبراملسي]
أَوْ التَّحَرُّمُ (قَوْلُهُ: مِنْ الصُّوَرِ) بَيَانٌ لِلتَّفْصِيلِ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ قَصَدَ الْقُرْآنَ أَوْ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ: فِيمَا يَظْهَرُ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: فِي الْغَرَرِ) أَيْ شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ (قَوْلُهُ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ بِأُولَئِكَ إلَخْ الْقِرَاءَةَ مِنْ آيَةٍ أُخْرَى (قَوْلُهُ: وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ) أَيْ الْمَرْوَزِيِّ، وَقَوْلُهُ إلَى أَنْ قَالَ ذَلِكَ إلَخْ مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَيَأْتِي مِثْلُ مَا تَقَرَّرَ) هُوَ قَوْلُهُ: إنْ قَالَ ذَلِكَ إلَخْ (قَوْلُهُ: فِيمَا يَظْهَرُ) أَفْهَمَ أَنَّ قَدْرَ سَكْتَةِ التَّنَفُّسِ وَالْعَيِّ لَا يَضُرُّ مَعَهَا الِابْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهَا مُطْلَقًا.
وَلَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّهُ مَعَ قَصْرِ الزَّمَنِ لَا تُعَدُّ الْكَلِمَاتُ مُنْفَصِلًا بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَطَقَ بِقَوْلِهِ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ بِلَا سُكُوتٍ (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَحَلِّ تِلَاوَتِهِ) احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَوْ قَالَهُ مِنْ تِلَاوَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119] (قَوْلُهُ: وَتَبْطُلُ بِمَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ) وَمِثْلُهُ مُتَعَلِّقَاتُ الْقُرْآنِ الْمَحْذُوفَةُ: أَيْ كَقَوْلِهِ الْحَمْدُ كَائِنٌ لِلَّهِ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا مِنْهُ فَتَبْطُلُ بِالنُّطْقِ بِهَا عَمْدًا، وَإِنْ قَصَدَ أَنَّهَا مُتَعَلِّقُ اللَّفْظِ.
(قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الدُّعَاءَ) أَيْ فَتَبْطُلُ مَعَ الْإِطْلَاقِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ تِلَاوَةً وَلَا دُعَاءً) أَيْ بِأَنْ أَطْلَقَ أَوْ قَصَدَ الْإِخْبَارَ الْمُجَرَّدَ.
[فَرْعٌ] لَوْ قَالَ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ عِنْدَ قِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ م ر يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضُرَّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ آمَنْت بِاَللَّهِ عِنْدَ قِرَاءَةِ مَا يُنَاسِبُهُ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ قَالَ اللَّهُ فَقَطْ فَهَلْ يَضُرُّ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ بِهِ التَّعَجُّبَ ضَرَّ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ بِأَنْ قَصَدَ الثَّنَاءَ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ أَطْلَقَ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّعَجُّبِ كَأَنْ سَمِعَ أَمْرًا غَرِيبًا فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ عِنْدَ سَمَاعِهِ ذَلِكَ ضَرَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَرِينَةٌ لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ لَا اشْتِرَاكَ فِيهِ.
وَوَقَعَ السُّؤَالُ بِالدَّرْسِ عَنْ شَخْصٍ يُصَلِّي فَوَضَعَ آخَرُ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ غَافِلٌ فَانْزَعَجَ لِذَلِكَ وَقَالَ اللَّهُ.
فَأَجَبْت عَنْهُ بِأَنَّ الْأَقْرَبَ فِيهِ الضَّرَرُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنْ سَيَأْتِي لَهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ السَّلَامُ قَاصِدًا اسْمَ اللَّهِ أَوْ الْقُرْآنَ لَمْ تَبْطُلْ.
اهـ. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ بَطَلَتْ.
وَقِيَاسُهُ أَنَّ اللَّهَ مِثْلُهُ.
وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ: فَرْعٌ ضَرَبَتْهُ عَقْرَبٌ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ ضَرَبَتْهُ حَيَّةٌ بَطَلَتْ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَقْرَبَ تُدْخِلُ سُمَّهَا إلَى دَاخِلِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّهَا تَغْرِزُ إبْرَتَهَا فِي دَاخِلِ
[حاشية الرشيدي]
مَا إذَا قَصَدَ الْقِرَاءَةَ فَقَطْ، وَمَا بَعْدَ وَإِلَّا يَشْمَلُ صُورَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ شُمُولِهَا لِنَفْيِ الْقَسَمِ وَالْمُقْسَمِ.
قَرَأَ الْإِمَامُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] فَقَالَ الْمَأْمُومُ مِثْلَهُ أَوَاسْتَعَنَّا بِاَللَّهِ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلتِّلَاوَةِ) هَذَا خَاصٌّ بِإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ عِبَارَةِ الْبَيَانِ الْآتِيَةِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ تِلَاوَةً وَلَا دُعَاءً)
فَرْعٌ: قَدْ اعْتَادَ كَثِيرٌ مِنْ الْعَوَامّ أَنَّهُمْ إذَا سَمِعُوا قِرَاءَةَ الْإِمَامِ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] قَالُوا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] وَهَذَا بِدْعَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَأَمَّا بُطْلَانُ الصَّلَاةِ بِهَا فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: إنْ كَانَ غَيْرَ قَاصِدٍ التِّلَاوَةَ أَوْ قَالَ اسْتَعَنَّا بِاَللَّهِ أَوْ نَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ بَطَلَتْ انْتَهَى.
وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِالْقَوْلِ الْمَذْكُورِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ شَيْئًا وَكَذَا إذَا قَصَدَ بِقَوْلِهِ اسْتَعَنَّا بِاَللَّهِ الثَّنَاءَ أَوْ الذِّكْرَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ التَّحْقِيقِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِمَا، إذْ لَا عِبْرَةَ بِقَصْدِ مَا لَمْ يُفِدْهُ اللَّفْظُ، وَإِنْ قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ: الظَّاهِرُ الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّهُ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ: أَيْ بِاللَّازِمِ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ الْحَقُّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ فِي قُنُوتِ رَمَضَانَ: اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ انْتَهَى.
وَحِينَئِذٍ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ أَطْلُبُ زَوْجَةً أَوْ وَلَدًا أَوْ مَالًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ قَرَأَ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: 1] الْآيَةَ أَوْ نَحْوَهَا مِنْ أَخْبَارِ الْقُرْآنِ وَمَوَاعِظِهِ وَأَحْكَامِهِ حَيْثُ قَصَدَ بِهِ الثَّنَاءَ، وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ الَّذِي لَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ مَا كَانَ مَدْلُولُهُ الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَقَوْلِ الْمُصَلِّي سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ إلَى آخِرِهِ.
وَالْأَوْجَهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فِي نَحْوِ يَا يَحْيَى مُقَارَنَةَ قَصْدِ نَحْوِ الْقِرَاءَةِ، وَلَوْ مَعَ التَّفْهِيمِ لِجَمِيعِ اللَّفْظِ، إذْ عُرُوُّهُ عَنْ بَعْضِهِ يُصَيِّرُ اللَّفْظَ أَجْنَبِيًّا مُنَافِيًا لِلصَّلَاةِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ قَصَدَ مَعَهُ قِرَاءَةً، وَإِنْ كَانَ الْمُرَجَّحُ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْكِنَايَةِ الِاكْتِفَاءَ بِاقْتِرَانِ النِّيَّةِ بِبَعْضِهَا.
(وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ) ، وَإِنْ لَمْ يُنْدَبَا حَيْثُ كَانَا جَائِزَيْنِ وَلَا بِالنَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ مُنَاجَاةٌ لِلَّهِ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ، إلَّا مَا عُلِّقَ مِنْهُ كَاَللَّهُمِ اغْفِرْ لِي إنْ أَرَدْت أَوْ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوْ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَعَلَيَّ كَذَا فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ بَحْثًا فِي النَّذْرِ، وَأُلْحِقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَبَحْثُ الْإِسْنَوِيِّ إلْحَاقُ الْوَصِيَّةِ وَالْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ وَسَائِرِ الْقُرَبِ الْمُنَجَّزَةِ بِالنَّذْرِ، لَكِنْ رَدَّهُ جَمْعٌ بِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى لَفْظٍ، فَالتَّلَفُّظُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ لَهُ بَلْ وَلَا تَحْصُلُ بِهِ، إذْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْقَبْضِ وَبِأَنَّ النَّذْرَ بِنَحْوِ لِلَّهِ مُنَاجَاةٌ لِتَضَمُّنِهِ ذِكْرًا، بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ بِنَحْوِ
[حاشية الشبراملسي]
الْبَدَنِ، وَتُفْرِغُ فِيهَا السُّمَّ إلَى دَاخِلِهِ، وَالسُّمُّ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ فَهُوَ جُزْءٌ مِمَّا مَيْتَتُهُ نَجِسَةٌ، لَكِنَّ حُصُولَ النَّجَاسَةِ فِي دَاخِلِ الْبَدَنِ لَا يُبْطِلُ، وَالْحَيَّةُ تُلْقِي سُمَّهَا عَلَى ظَاهِرِ الْبَدَنِ، وَهُوَ نَجِسٌ وَتَنَجُّسُ ظَاهِرِ الْبَدَنِ مُبْطِلٌ، هَكَذَا ذَكَرُوهُ وَاعْتَمِدْهُ.
م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: لِجَمِيعِ اللَّفْظِ) وَيُحْتَمَلُ الِاكْتِفَاءُ بِالْمُقَارَنَةِ لِأَوَّلِهِ إذَا قَصَدَ حِينَئِذٍ الْإِتْيَانَ بِالْجَمِيعِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
هَذَا مِنْ الْعَالِمِ لِمَا مَرَّ عَنْهُ مِنْ أَنَّ الْجَاهِلَ يُعْذَرُ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ كَانَا جَائِزَيْنِ) يُتَأَمَّلُ التَّقْيِيدُ بِالْجَوَازِ فِي الذِّكْرِ بَعْدَ تَفْسِيرِهِ بِأَنَّهُ مَا دَلَّ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ يُقَالُ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالذِّكْرِ الْمُحَرَّمِ مَا لَوْ اخْتَرَعَ ذِكْرًا غَيْرَ وَارِدٍ فِي مَحَلٍّ مِنْ الصَّلَاةِ وَتَرْجَمَ عَنْهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، كَمَا قِيلَ بِهِ فِيمَا لَوْ اخْتَرَعَ دُعَاءً بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَانْظُرْ هَلْ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ فِي مُقَابَلَةِ مَعْصِيَةٍ ارْتَكَبَهَا كَأَنْ طَلَبَ تَحْصِيلَ امْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا فَلَمَّا حَصَلَتْ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ لِذَلِكَ.
وَأَقُولُ: الْأَقْرَبُ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْهُ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ (قَوْلُهُ: إلَّا مَا عُلِّقَ مِنْهُ) الْأَوْلَى مِنْهُمَا: أَيْ النَّذْرُ وَالدُّعَاءُ لِيُلَاقِيَ قَوْلَهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إلَخْ، وَعَلَيْهِ فَالضَّمِيرُ فِي مِنْهُ رَاجِعٌ لِمَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: وَأُلْحِقَ بِهِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: وَسَائِرِ الْقُرَبِ الْمُنْجَزَةِ) مِنْهَا الْوَقْفُ (قَوْلُهُ: لَكِنْ رَدَّهُ جَمْعٌ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا: أَيْ وَصَلَحَ لِذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
[لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ]
(قَوْلُهُ: إلَّا مَا عَلِقَ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: وَأُلْحِقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ) أَيْ مِنْ تَعْلِيقِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ (قَوْلُهُ: وَبِأَنَّ النَّذْرَ بِنَحْوِ لِلَّهِ مُنَاجَاةٌ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ لِلَّهِ أَبْطَلَ، وَأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِلَفْظِ لِلَّهِ فِي نَحْوِ الْعِتْقِ لَا يَبْطُلُ كَأَنْ قَالَ عَبْدِي حُرٌّ لِلَّهِ ثُمَّ رَأَيْته فِي الْإِمْدَادِ قَالَ عَقِبَ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُنَا مَا لَفْظُهُ: وَقَدْ يُرَدُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِلَّهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ عَلَيَّ كَذَا وَنَحْوِ عَبْدِي حُرٌّ وَلِفُلَانٍ كَذَا
عَبْدِي حُرٌّ، وَالْإِيصَاءُ بِنَحْوِ لِفُلَانٍ كَذَا بَعْدَ مَوْتِي.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّذْرَ إنَّمَا يَكُونُ فِي قُرْبَةٍ فَنَذْرُ اللَّجَاجِ مُبْطَلٌ لِكَرَاهَتِهِ، وَأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا أَتَى بِهِ قَاصِدًا لِلْإِنْشَاءِ لَا الْإِخْبَارِ، وَإِلَّا كَانَ غَيْرَ قُرْبَةٍ فَتَبْطُلُ بِهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ الدُّعَاءُ وَنَحْوُهُ مُحَرَّمًا فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِهِ أَوْ كَانَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُتَرْجَمُ عَنْهُ وَارِدًا أَوْ وَرَدَ، وَهُوَ يُحْسِنُهَا كَمَا مَرَّ ذَلِكَ قُبَيْلَ الرُّكْنِ الثَّانِي عَشَرَ، وَيُتَّجَهُ إلْحَاقُ النَّذْرِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ بِهِمَا فِي ذَلِكَ، وَأَفْتَى بِهِ الْقَفَّالُ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ السَّلَامُ قَاصِدًا اسْمَ اللَّهِ وَالْقُرْآنَ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَمِثْلُهُ الْغَافِرُ وَكَذَا النِّعْمَةُ وَالْعَافِيَةُ بِقَصْدِ الدُّعَاءِ، وَيُشْتَرَطُ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ أَنْ لَا يَتَضَمَّنَ مَا أَتَى بِهِ خِطَابُ مَخْلُوقٍ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلِكٍ وَنَبِيٍّ غَيْرِ نَبِيِّنَا كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (إلَّا أَنْ يُخَاطَبَ) بِهِ (كَقَوْلِهِ لِعَاطِسٍ رَحِمَك اللَّهُ) أَوْ لِغَيْرِهِ نَذَرْت لَك بِكَذَا، أَوْ لِعَبْدِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَك فَتَبْطُلُ بِهِ، وَشَمِلَ ذَلِكَ خِطَابَ مَا لَا يَعْقِلُ كَرَبِّي وَرَبُّك اللَّهُ، أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّك وَشَرِّ مَا فِيك وَشَرِّ مَا دَبَّ عَلَيْك لِلْأَرْضِ، أَوْ آمَنْت بِاَلَّذِي خَلَقَك لِلْهِلَالِ، أَوْ أَلْعَنُك بِلَعْنَةِ اللَّهِ، أَوْ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك لِلشَّيْطَانِ إذَا أَحَسَّ بِهِ، وَرَحِمَك اللَّهُ لِمَيِّتٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَمَا اعْتَمَدَ ذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَدَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ حَيْثُ قَالَ: قُلْت: قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِالدُّعَاءِ لِغَيْرِهِ بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبَةِ كَقَوْلِهِ لِلْعَاطِسِ رَحِمَك اللَّهُ أَوْ يَرْحَمُك اللَّهُ، وَلِمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَيْك السَّلَامُ
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: فَنَذْرُ اللَّجَاجِ) كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أُكَلِّمَ زَيْدًا (قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِهِ) وَمِنْ ذَلِكَ الدُّعَاءُ الْمَنْظُومُ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اهـ حَجّ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم الْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ.
اهـ. أَيْ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ الْمَكْرُوهَيْنِ، وَعَلَيْهِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّذْرِ الْمَكْرُوهِ حَيْثُ بَطَلَتْ بِهِ ثُمَّ ظَفِرْتُ بِفَرْقٍ لِلشَّيْخِ حَمْدَانَ فِي مُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ بَيْنَ بُطْلَانِهَا بِالنَّذْرِ الْمَكْرُوهِ وَعَدَمِهِ بِالْقِرَاءَةِ فِي نَحْوِ الرُّكُوعِ مَعَ كَرَاهَتِهَا فِيهِ وَنَصُّهُ: وَلَك أَنْ تَقُولَ هَذَا لَمَّا انْتَفَتْ فِيهِ الْقُرْبَةُ مِنْ حَيْثُ لَفْظُهُ أَشْبَهَ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ فَأُبْطِلَ، بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا ذُكِرَ بِقَصْدِهَا، وَإِنْ انْتَفَتْ فِيهَا لِلْقُرْبَةِ مِنْ حَيْثُ وَضْعُهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا لَمْ تُخْرِجْ الْقُرْآنَ إلَى شِبْهِ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ.
اهـ.
فَيُمْكِنُ مَجِيئُهُ هُنَا، وَيُقَالُ عُرُوضُ الْكَرَاهَةِ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ كَوْنِهِمَا ذِكْرًا وَدُعَاءً كَالْقِرَاءَةِ (قَوْلُهُ: وَارِدًا) أَيْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ الْغَافِرُ) أَيْ فِي عَدَمِ الضَّرَرِ إنْ قَصَدَ الدُّعَاءَ بِهِمَا
[حاشية الرشيدي]
بَعْدَ مَوْتِي (قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ كَانَ الدُّعَاءُ وَنَحْوُهُ) أَيْ الذِّكْرُ وَصُورَةُ الذِّكْرِ الْحَرَامِ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى أَلْفَاظٍ لَا يُعْرَفُ مَدْلُولُهَا كَمَا يَأْتِي بِهِ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ أَيْ فَتَضُرُّ التَّرْجَمَةُ عَنْهَا (بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ) بَيَانٌ لِمَا أَرَادَهُ مِنْ الْإِشَارَةِ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ وَإِلَّا فَهِيَ تَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا (قَوْلُهُ: وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ) هُوَ تَابِعٌ فِي هَذَا لِلْإِمْدَادِ، وَمُرَادُهُ بِهِ الْوَصِيَّةُ وَالْعِتْقُ وَالصَّدَقَةُ وَسَائِرُ الْقُرَبِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْبُطْلَانِ بِهَا، لَكِنَّ ذَاكَ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَمِيلُ إلَى عَدَمِ الْبُطْلَانِ بِهَا، فَكَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ لَا يُعَبِّرَ بِهِ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمَهُ (قَوْلُهُ: بِهِمَا) أَيْ بِالدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ الذِّكْرُ (قَوْلُهُ: وَالْقُرْآنُ) أَيْ قَاصِدًا كَوْنَهُ مِنْ الْقُرْآنِ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ لَا عَلَى مَا أُضِيفَ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلَكٍ وَنَبِيٍّ) أَيْ أَوْ غَيْرِهِمْ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: لِلشَّيْطَانِ إذَا أَحَسَّ بِهِ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَعْقِلُ، وَمِثْلُهُ فِي الْإِمْدَادِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: وَاسْتَثْنَى الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ مَسَائِلَ: إحْدَاهَا دُعَاءٌ فِيهِ خِطَابٌ لِمَا لَا يَعْقِلُ وَمَثَّلَ لَهُ بِالْأَرْضِ وَالْهِلَالِ.
ثُمَّ قَالَ: ثَانِيَتُهَا إذَا أَحَسَّ بِالشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِقَوْلِهِ أَلْعَنُك بِلَعْنَةِ اللَّهِ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَدَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِخِطَابِ
وَأَشْبَاهُهُ.
وَالْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ فِي السَّلَامِ عَلَى الْمُصَلِّي تُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا، فَيُؤَوَّلُ الْحَدِيثُ: أَيْ الْوَارِدُ بِمُخَاطَبَةِ الشَّيْطَانِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
اهـ. أَيْ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ خُصُوصِيَّةً لَهُ أَوْ أَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ كَانَ نَفْسِيًّا لَا لَفْظِيًّا، وَإِنْ جَرَى جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الصُّوَرِ مِنْ الْبُطْلَانِ، أَمَّا خِطَابُ الْخَالِقِ كَإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَخِطَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ فِي غَيْرِ التَّشَهُّدِ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ حَتَّى لَوْ دَعَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَصْرِهِ مُصَلِّيًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ إجَابَتُهُ وَلَا تَبْطُلُ بِهَا صَلَاتُهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْإِجَابَةِ وَكَثِيرِهَا بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
وَلَا تَجِبُ إجَابَةُ الْأَبَوَيْنِ فِي الصَّلَاةِ بَلْ تَحْرُمُ فِي الْفَرْضِ وَتَبْطُلُ بِهَا، وَتَجُوزُ فِي النَّفْلِ مَعَ بُطْلَانِهَا بِهَا، وَالْأَوْلَى الْإِجَابَةُ فِيهِ إنْ شَقَّ عَلَيْهِمَا عَدَمُهَا كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَلَوْ رَأَى مُشْرِفًا عَلَى هَلَاكٍ كَأَعْمَى أَشْرَفَ عَلَى وُقُوعِهِ فِي نَحْوِ بِئْرٍ وَلَمْ يَحْصُلْ إنْذَارُهُ إلَّا بِالْكَلَامِ وَجَبَ وَتَبْطُلُ بِهِ، خِلَافًا
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: خُصُوصِيَّةً لَهُ) أَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: كَإِيَّاكَ نَعْبُدُ) أَيْ حَيْثُ قَصَدَ بِهِ الدُّعَاءَ أَوْ الْقِرَاءَةَ عَلَى مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَخِطَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَمَّا خِطَابُ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَتَبْطُلُ بِهِ وَتَجِبُ إجَابَتُهُ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ تُسَنَّ م ر اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَنُقِلَ فِي الدَّرْسِ عَنْ الْخَطِيبِ أَنَّهُ تَجِبُ الْإِجَابَةُ وَتَبْطُلُ بِهَا الصَّلَاةُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: فَلَا تَبْطُلُ بِهِ) أَيْ وَمَحَلُّ ذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُبْتَدِئُ بِالْخِطَابِ هُوَ الْمُصَلِّي حَيْثُ كَانَ الْخِطَابُ فِي دُعَاءٍ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ أَمَّا بِغَيْرِ الدُّعَاءِ كَأَنْ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ شَيْءٍ فَتَبْطُلُ بِهِ فِيمَا يَظْهَرُ، فَإِنْ ابْتَدَأَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَضُرَّ الْخِطَابُ فِي جَوَابِهِ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ دَعَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ) بَقِيَ مَا لَوْ قَالَ لَهُ شَخْصٌ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُوك، وَهُوَ فِي مَحَلِّ كَذَا فَذَهَبَ إلَيْهِ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُ الْمُخْبِرِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِالذَّهَابِ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ ثَمَّ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِهِ فِي حَيَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ (قَوْلُهُ: فِي عَصْرِهِ) هَذَا جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ سم (قَوْلُهُ: وَلَا تَبْطُلُ) وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا تَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَصَالِحِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ التَّأْمِينِ وَنَحْوِهِ.
وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ: قَالَ م ر: وَكَذَا الِاسْتِدْبَارُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي إجَابَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَبْطُلَ بِهِ، قَالَ: وَإِذَا انْتَهَى غَرَضُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَمَّ الصَّلَاةَ فِيمَا وَصَلَ إلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعُودَ إلَى مَكَانِهِ الْأَوَّلِ، فَلَوْ كَانَ إمَامًا وَقَدْ تَأَخَّرَ عَنْ الْقَوْمِ بِسَبَبِ الْإِجَابَةِ هَلْ لَهُ أَنْ يَعُودَ لِمَكَانِهِ الْأَوَّلِ؟ قَالَ م ر: يَنْبَغِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ مُفَارَقَتُهُ.
أَقُولُ: قِيَاسُ ذَلِكَ أَنْ تَتَعَيَّنَ الْمُفَارَقَةُ بِمُجَرَّدِ تَأَخُّرِهِ عَنْهُمْ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَأْمُرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالْعَوْدِ لِمَكَانِهِ الْأَوَّلِ فَلَهُمْ الصَّبْرُ إلَى تَبَيُّنِ الْحَالِ، وَانْظُرْ لَوْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ بِأَزْيَدَ مِنْ ثَلَثمِائَةِ ذِرَاعٍ بِوَاسِطَةِ الْإِجَابَةِ عَلَى قِيَاسِ امْتِنَاعِ عَوْدِهِ لَوْ تَأَخَّرَ أَنْ تَجِبَ مُفَارَقَتُهُ أَوْ يَجُوزُ الْبَقَاءُ وَتُغْتَفَرُ الزِّيَادَةُ هُنَا؛ لِأَنَّهَا فِي الدَّوَامِ وَيُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا لَوْ زَالَتْ الرَّابِطَةُ فِي الدَّوَامِ، فِيهِ نَظَرٌ، وَخَرَجَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى السَّيِّدُ عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، قَالَهُ م ر. وَالْكَلَامُ فِي إجَابَتِهِ فِي حَيَاتِهِ وَكَذَا بَعْدَ مَوْتِهِ لِمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ اجْتِمَاعُهُ بِهِ.
اهـ. أَقُولُ: قَوْلُهُ: فِي قِيَاسِ مَا قَدَّمَهُ الضَّرَرُ لَكِنَّ الْأَقْرَبَ عَدَمُ الضَّرَرِ كَمَا لَوْ زَادَتْ الصُّفُوفُ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ فَزَادَتْ الْمَسَافَةُ عَلَى الثَّلَثِمِائَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْإِجَابَةِ) فِي التَّعْبِيرِ بِالْإِجَابَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ زَادَ فِي الْجَوَابِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ لَهُ بِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى الْإِجَابَةُ فِيهِ) أَيْ فِي النَّفْلِ، وَعِبَارَةُ حَجّ: وَلَا تَجِبُ فِي فَرْضٍ مُطْلَقًا بَلْ فِي نَفْلٍ إنْ تَأَذَّيَا بِعَدَمِهَا
[حاشية الرشيدي]
الشَّيْطَانِ كَمَا مَرَّ، وَعِبَارَةُ الْإِمْدَادِ بَعْدَ ذِكْرِهِ نَحْوُ مَا مَرَّ فِي الشَّارِحِ لَفْظُهَا فَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ، وَالْحَدِيثُ الْمُحْتَجُّ بِهِ فِي بَعْضِ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ أَوْ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ، قَالَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ انْتَهَتْ.
لِمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
وَلَوْ أَشَارَ الْأَخْرَسُ فِي صَلَاتِهِ بِكَلَامٍ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ انْعَقَدَ بِهَا نَحْوُ بَيْعِهِ.
وَيُسَنُّ رَدُّ السَّلَامِ بِهَا وَلَوْ مِنْ نَاطِقٍ، وَيَجُوزُ الرَّدُّ بِقَوْلِهِ وَعَلَيْهِ وَالتَّشْمِيتُ بِقَوْلِهِ يَرْحَمُهُ اللَّهُ لِانْتِفَاءِ الْخِطَابِ، وَيُسَنُّ لِمَنْ عَطَسَ أَنْ يَحْمَدَهُ وَيُسْمِعَ نَفْسَهُ خِلَافًا لِمَا فِي الْإِحْيَاءِ وَغَيْرِهِ.
وَلَوْ قَالَ الْمُصَلِّي قَاف أَوْ صَاد أَوْ نُون وَقَصَدَ بِهِ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ بَطَلَتْ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا نَظِيرَ مَا مَرَّ وَبَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هُنَا أَوْ الْقُرْآنَ لَمْ تَبْطُلْ، وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرْفِ غَيْرِ الْمُفْهِمِ الَّذِي لَا تَبْطُلُ بِهِ هُوَ مُسَمَّى الْحَرْفِ لَا اسْمُهُ (وَلَوْ سَكَتَ طَوِيلًا) وَلَوْ بِنَوْمٍ مُمْكِنٌ مَقْعَدُهُ فِي غَيْرِ رُكْنٍ قَصِيرٍ (بِلَا غَرَضٍ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخِلٍّ بِهَيْئَتِهَا.
وَالثَّانِي تَبْطُلُ لِإِشْعَارِهِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا، أَمَّا تَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ فَتَبْطُلُ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الْآتِي، وَاحْتُرِزَ بِالطَّوِيلِ عَنْ الْقَصِيرِ فَلَا يَضُرُّ جَزْمًا وَبِلَا غَرَضٍ عَنْ السُّكُوتِ لِتَذَكُّرِ شَيْءٍ نَسِيَهُ.
(وَيُسَنُّ لِمَنْ) (نَابَهُ شَيْءٌ) فِي صَلَاتِهِ (كَتَنْبِيهِ إمَامِهِ) لِنَحْوِ سَهْوٍ (وَإِذْنِهِ لِدَاخِلٍ) أَيْ مُرِيدِ دُخُولٍ اسْتَأْذَنَهُ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ (وَإِنْذَارِهِ أَعْمَى) أَوْ نَحْوِهِ كَغَافِلٍ وَغَيْرِ مُمَيِّزٍ خَافَ مِنْ وُقُوعِهِ فِي مَحْذُورٍ (أَنْ يُسَبِّحَ) الذَّكَرُ بِقَصْدِ الذِّكْرِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْإِعْلَامِ (وَتُصَفِّقُ الْمَرْأَةُ) أَيْ الْأُنْثَى وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى (بِضَرْبِ) بَطْنِ (الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ الْيَسَارِ) أَوْ عَكْسِهِ أَوْ بِظَهْرِ الْيَمِينِ عَلَى بَطْنِ الْيَسَارِ أَوْ عَكْسِهِ لَا بَطْنٍ عَلَى بَطْنٍ، فَإِنْ صَفَّقَتْ وَلَوْ بِغَيْرِ بَطْنٍ عَلَى بَطْنٍ قَاصِدَةً اللَّعِبَ بِهِ عَامِدَةً عَالِمَةً بَطَلَتْ صَلَاتُهَا، وَاقْتِصَارُ كَثِيرٍ عَلَى ذِكْرِ ذَلِكَ فِي الْبَطْنِ عَلَى الْبَطْنِ لَيْسَ لِإِخْرَاجِ غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَظِنَّةُ اللَّعِبِ؛ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ، وَلِهَذَا أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِبُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ أَقَامَ لِشَخْصٍ أُصْبُعَهُ الْوُسْطَى لَاعِبًا مَعَهُ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ،
[حاشية الشبراملسي]
تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ
[رَدُّ السَّلَامِ فِي الصَّلَاة]
(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ رَدُّ السَّلَامِ) أَيْ يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَرُدَّ السَّلَامَ بِالْإِشَارَةِ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ سَلَامُهُ غَيْرَ مَنْدُوبٍ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ الرَّدُّ بِقَوْلِهِ وَعَلَيْهِ) أَيْ وَلَا تَبْطُلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ لَا خِطَابَ فِيهِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ الدُّعَاءِ، وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْتَعَنَّا بِاَللَّهِ بِأَنَّ نَحْوَ عَلَيْهِ نَقَلَهُ الشَّارِعُ لِلدُّعَاءِ بِدَلِيلِ الِاكْتِفَاءِ بِنَحْوِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِلَا قَصْدٍ.
(قَوْلُهُ: عَطَسَ) مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَفِي لُغَةٍ مِنْ بَابِ قَتَلَ اهـ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ: أَنْ يَحْمَدَهُ) لَكِنْ إذَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْفَاتِحَةِ قَطَعَ الْمُوَالَاةَ (قَوْلُهُ: نَسِيَهُ) أَيْ وَلَوْ كَانَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا.
(قَوْلُهُ: عَلَى ظَهْرِ الْيَسَارِ) وَأَمَّا لَوْ ضَرَبَ بَطْنًا عَلَى بَطْنٍ خَارِجَ الصَّلَاةِ كَالْفُقَرَاءِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا، وَرُجِّحَ مِنْهُمَا التَّحْرِيمُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خُصُوصًا إذَا كَانَ فِي الْمَسَاجِدِ كَمَا يُفْعَلُ الْآنَ مِنْ جَهَلَةِ النَّاسِ كَذَا بِهَامِشٍ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ كَمَا يَقَعُ الْآنَ مِمَّنْ يُرِيدُ أَنْ يُنَادِيَ إنْسَانًا بَعِيدًا عَنْهُ، وَنُقِلَ فِي الدَّرْسِ عَنْ م ر - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ.
وَفِي فَتَاوَى م ر سُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ قَوْلِ الزَّرْكَشِيّ إنَّ التَّصْفِيقَ بِالْيَدِ لِلرِّجَالِ لِلَّهْوِ حَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ هَلْ هُوَ مُسَلَّمٌ أَمْ لَا، وَهَلْ الْحُرْمَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا قُصِدَ التَّشَبُّهُ أَوْ يُقَالُ مَا اخْتَصَّ بِهِ النِّسَاءُ يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ فِعْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّشَبُّهُ بِالنِّسَاءِ.
فَأَجَابَ هُوَ مُسَلَّمٌ حَيْثُ كَانَ لِلَّهْوِ، وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّشَبُّهُ بِالنِّسَاءِ.
وَسُئِلَ عَنْ التَّصْفِيقِ خَارِجَ الصَّلَاةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ إنْ قَصَدَ الرَّجُلُ بِذَلِكَ التَّشَبُّهَ بِالنِّسَاءِ حَرُمَ، وَإِلَّا كُرِهَ.
اهـ. وَعِبَارَةُ حَجّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَيُكْرَهُ عَلَى الْأَصَحِّ الضَّرْبُ بِالْقَضِيبِ عَلَى الْوَسَائِدِ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ حِلُّ ضَرْبِ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى وَلَوْ بِقَصْدِ اللَّعِبِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ طَرِبٍ، ثُمَّ رَأَيْت الْمَاوَرْدِيَّ وَالشَّاشِيَّ وَصَاحِبَيْ الِاسْتِقْصَاءِ وَالْكَافِي أَلْحَقُوهُ بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته وَأَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ خِلَافُ الْقَضِيبِ، وَالْأَصَحُّ مِنْهُ الْحِلُّ فَيَكُونُ هَذَا كَذَلِكَ اهـ.
وَرَأَيْت بِهَامِشِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ مَا نَصُّهُ: وَأَفْتَى شَيْخُنَا ابْنُ الرَّمْلِيِّ بِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ حَيْثُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ اهـ. أَقُولُ: وَقَوْلُهُ فِي صَدْرِ هَذِهِ الْقَوْلَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ظَاهِرُهُ، وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِتَحْسِينِ صِنَاعَةٍ مِنْ إنْشَادٍ وَنَحْوِهِ وَمِنْهُ مَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ عِنْدَ مُلَاعَبَةِ أَوْلَادِهِنَّ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَإِنَّهُ إذَا سَبَّحَ اُلْتُفِتَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» فَلَوْ صَفَّقَ هُوَ وَسَبَّحَتْ هِيَ فَخِلَافُ السُّنَّةِ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ أَوْ فِي الْخَلْوَةِ أَوْ بِحَضْرَةِ الْمَحَارِمِ أَوْ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ فَتُصَفِّقُ؛ لِأَنَّهُ وَظِيفَتُهَا كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ، خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي حَالَةِ خُلُوِّهَا عَنْ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ، وَمَا لَوْ كَثُرَ مِنْهَا وَتَوَالَى وَزَادَ عَلَى الثَّلَاثِ عِنْدَ حَاجَتِهَا فَلَا تَبْطُلُ بِهِ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَفْعِ الْمَارِّ، وَإِنْقَاذِ نَحْوِ الْغَرِيقِ بِأَنَّ الْفِعْلَ فِيهَا خَفِيفٌ، فَأَشْبَهَ تَحْرِيكَ الْأَصَابِعِ فِي سُبْحَةٍ أَوْ حَكٍّ إنْ كَانَتْ كَفُّهُ قَارَّةً كَمَا سَيَأْتِي، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَارَّةٌ أَشْبَهَ تَحْرِيكَهَا لِلْجَرَبِ بِخِلَافِهِ فِي ذَيْنِك، وَقَدْ «أَكْثَرَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - التَّصْفِيقَ حِينَ جَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُصَلِّي بِهِمْ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ» . وَقَوْلُ الْجِيلِيِّ يُعْتَبَرُ فِي التَّصْفِيقِ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى مَرَّتَيْنِ إنْ حُمِلَ عَلَى مَا إذَا حَصَلَ بِهِمَا الْإِعْلَامُ فَظَاهِرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ: لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ التَّنْبِيهُ فِيمَا ذُكِرَ مَنْدُوبٌ لِمَنْدُوبٍ، كَتَنْبِيهِ الْإِمَامِ عَلَى سَهْوِهِ، وَمُبَاحٌ لِمُبَاحٍ كَإِذْنِهِ لِدَاخِلٍ، وَوَاجِبٌ لِوَاجِبٍ كَإِنْذَارِهِ أَعْمَى إنْ تَعَيَّنَ، وَأَشَارَ بِالْأَمْثِلَةِ الثَّلَاثَةِ إلَى أَحْكَامِهِ الْمَذْكُورَةِ.
(وَلَوْ) (فَعَلَ فِي صَلَاتِهِ غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ أَفْعَالِهَا (إنْ كَانَ) الْمَفْعُولُ (مِنْ جِنْسِهَا) أَيْ جِنْسِ أَفْعَالِهَا كَزِيَادَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ لِغَيْرِ مُتَابَعَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ لِتَلَاعُبِهِ.
نَعَمْ لَا يَضُرُّ تَعَمُّدُ جُلُوسِهِ قَلِيلًا بِأَنْ جَلَسَ مِنْ اعْتِدَالِهِ قَدْرَ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ الْمَطْلُوبَةِ بِالْأَصَالَةِ ثُمَّ سَجَدَ، أَوْ جَلَسَ مِنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ لِلِاسْتِرَاحَةِ قَبْلَ قِيَامِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجِلْسَةَ عُهِدَتْ فِي الصَّلَاةِ غَيْرَ رُكْنٍ، بِخِلَافِ نَحْوِ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ فِيهَا إلَّا رُكْنًا فَكَانَ تَأْثِيرُهُ فِي نَظْمِهَا أَشَدَّ.
وَلَوْ انْتَهَى مِنْ قِيَامِهِ إلَى حَدِّ الرُّكُوعِ لِقَتْلِ نَحْوِ حَيَّةٍ لَمْ يَضُرَّ كَمَا قَالَهُ الْخُوَارِزْمِيَّ، وَلَا فِعْلِهِ الْكَثِيرِ لَوْ صَالَتْ عَلَيْهِ وَتَوَقَّفَ دَفْعُهَا
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ إذَا سَبَّحَ) عِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ فَلْيُسَبِّحْ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ (قَوْلُهُ: فَخِلَافُ السُّنَّةِ) أَيْ وَلَيْسَ مَكْرُوهًا (قَوْلُهُ: وَمَا لَوْ كَثُرَ مِنْهَا) وَكَذَا مِنْ الرَّجُلِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِدْلَالُهُ الْآتِي اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ: أَيْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَقَدْ أَكْثَرَ الصَّحَابَةُ (قَوْلُهُ: وَزَادَ عَلَى الثَّلَاثِ) ظَاهِرُهُ، وَإِنْ كَانَ بِضَرْبِ بَطْنٍ عَلَى بَطْنٍ لَكِنْ فِي سم عَلَى حَجّ مَا نَصُّهُ: بَقِيَ مَا لَوْ ضَرَبَ بَطْنًا عَلَى بَطْنٍ لَا بِقَصْدِ خِلَافٍ لَكِنَّهُ كَثُرَ وَتَوَالَى فَيَحْتَمِلُ الْبُطْلَانَ أَنَّهُ فِعْلٌ كَثِيرٌ غَيْرُ مَطْلُوبٍ وَيَحْتَمِلُ عَدَمَهُ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْمَطْلُوبِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْفِعْلَ فِيهَا) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ التَّصْفِيقِ (قَوْلُهُ: فِي سُبْحَةٍ) عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: وَالسُّبْحَةُ جَمْعُهَا سُبَحٍ كَغُرْفَةٍ وَغُرَفٍ (قَوْلُهُ: يُعْتَبَرُ فِي التَّصْفِيقِ) عِبَارَةُ الْمُنَاوِيِّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» نَصُّهَا: وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ بَدَلُ التَّصْفِيقِ التَّصْفِيحُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: بِالْحَاءِ وَبِالْقَافِ فِي آخِرِهِ سَوَاءٌ، يُقَالُ صَفَّقَ بِيَدِهِ وَصَفَّحَ إذَا ضَرَبَ بِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَقِيلَ بِالْحَاءِ الضَّرْبُ بِظَاهِرِ إحْدَاهُمَا عَلَى بَاطِنِ الْأُخْرَى، وَقِيلَ بَلْ بِأُصْبُعَيْنِ مِنْ إحْدَاهُمَا عَلَى صَفْحَةِ الْأُخْرَى لِلْإِنْذَارِ وَالتَّنْبِيهِ وَبِالْقَافِ الضَّرْبُ بِجَمِيعِ إحْدَى الصَّفْحَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى لِلَّهْوِ وَاللَّعِبِ.
اهـ. وَعَلَيْهِ فَلَا دَلِيلَ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهْوِ وَاللَّعِبِ (قَوْلُهُ: فَظَاهِرٌ) قَدْ يُشْكِلُ بِأَنَّ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ سُنَّةٌ فَلَا دَخْلَ لَهُمَا فِي الْإِبْطَالِ، وَالثَّالِثَةَ فِعْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ لَا تَضُرُّ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ إلَّا بِثَلَاثٍ بَعْدَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: إنْ تَعَيَّنَ) أَيْ وَحَرَامٌ لِحَرَامٍ كَالتَّنْبِيهِ لِشَخْصٍ يُرِيدُ قَتْلَ غَيْرِهِ عُدْوَانًا، وَمَكْرُوهٌ لِمَكْرُوهٍ كَالتَّنْبِيهِ لِلنَّظَرِ لِمَكْرُوهٍ.
(قَوْلُهُ: كَزِيَادَةِ رُكُوعٍ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ انْحَنَى إلَى حَدٍّ لَا تُجْزِئُهُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ بِأَنْ صَارَ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبَ مِنْهُ لِلْقِيَامِ عَدَمُ الْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رُكُوعًا وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَأَنَّهُ مَتَى انْحَنَى حَتَّى خَرَجَ مِنْ حَدِّ الْقِيَامِ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَلَوْ لَمْ يَصِلْ إلَى حَدِّ الرُّكُوعِ لِتَلَاعُبِهِ، وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي السُّجُودِ (قَوْلُهُ: مِنْ اعْتِدَالِهِ) أَيْ أَوْ عَقِبَ سَلَامِ إمَامٍ فِي غَيْرِ مَحَلِّ جُلُوسِهِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: الْمَطْلُوبَةِ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: تَقَدَّمَ آخِرَ الْبَابِ السَّابِقِ عَنْ م ر أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الْبُطْلَانُ بِزِيَادَةِ هَذَا الْجُلُوسِ عَلَى قَدْرِ طُمَأْنِينَةِ الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ انْتَهَى مِنْ قِيَامِهِ)
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَلَيْهِ، وَلَا قَتْلِهِ لِنَحْوِ قَمْلَةٍ لَمْ يَحْمِلْ جِلْدَهَا، وَلَا مَسَّهُ، وَهِيَ مَيِّتَةٌ، وَإِنْ أَصَابَهُ قَلِيلٌ مِنْ دَمِهَا.
وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِهِ مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ، وَهِيَ: مَسْبُوقُ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى مِنْ صُلْبِ صَلَاتِهِ فَسَجَدَ مَعَهُ ثُمَّ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ فَأَحْدَثَ وَانْصَرَفَ، قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنُ كَجٍّ: عَلَى الْمَسْبُوقِ أَنْ يَأْتِيَ بِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ مَنْ لَزِمَهُ السَّجْدَتَانِ.
وَنُقِلَ عَنْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ؛ لِأَنَّهُ بِحَدَثِ الْإِمَامِ انْفَرَدَ، فَهِيَ زِيَادَةٌ مَحْضَةٌ بِغَيْرِ مُتَابَعَةٍ، فَكَانَتْ مُبْطِلَةً.
اهـ. وَالثَّانِي أَصَحُّ وَخَرَجَ بِفِعْلِ زِيَادَةِ رُكْنٍ قَوْلِيٍّ غَيْرُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامُ (إلَّا أَنْ يَنْسَى) ؛ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا وَلَمْ يُعِدْ صَلَاتَهُ بَلْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ» ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي صَلَاتِهِ فَهَوَى لِلسُّجُودِ فَلَمَّا وَصَلَ لِحَدِّ الرُّكُوعِ بَدَا لَهُ تَرْكُهُ جَازَ كَقِرَاءَةِ بَعْضِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ.
وَلَوْ سَجَدَ عَلَى خَشِنٍ فَرَفَعَ رَأْسَهُ خَوْفًا مِنْ جَرْحِ جَبْهَتِهِ ثُمَّ سَجَدَ ثَانِيًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ قَدْ تَحَامَلَ عَلَى الْخَشِنِ بِثِقَلِ رَأْسِهِ فِي أَقْرَبِ احْتِمَالَيْنِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ.
ثَانِيهِمَا تَبْطُلُ مُطْلَقًا، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ سَجَدَ عَلَى شَيْءٍ فَانْتَقَلَ عَنْهُ لِغَيْرِهِ بَعْدَ تَحَامُلِهِ عَلَيْهِ وَرَفَعَ رَأْسَهُ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ فَعَلَ قَبْلَ سُجُودٍ مَحْسُوبٍ لَهُ كَأَنْ سَجَدَ عَلَى نَحْوِ يَدِهِ ثُمَّ رَفَعَهَا وَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِهَا كَضَرْبٍ وَمَشْيٍ (فَتَبْطُلُ) صَلَاتُهُ (بِكَثِيرِهِ) فِي غَيْرِ نَفْلِ السَّفَرِ وَشِدَّةِ الْخَوْفِ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ نَظْمَهَا، وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ لَهُ غَالِبًا (لَا قَلِيلُهُ) إنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ لَعِبًا أَخْذًا مِمَّا مَرَّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَعَلَ الْقَلِيلَ وَأَذِنَ فِيهِ، فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، وَغَمَزَ رِجْلَ عَائِشَةَ فِي السُّجُودِ، وَأَشَارَ بِرَدِّ السَّلَامِ، وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَأَمَرَ بِدَفْعِ الْمَارِّ وَأَذِنَ فِي تَسْوِيَةِ الْحَصَى، وَلِأَنَّ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ فِي هَوِيِّهِ مِنْ قِيَامِهِ، وَقَوْلُهُ لَمْ يَضُرَّ: أَيْ وَقَدْ عَادَ مِنْ هَوِيِّهِ إلَى الْقِيَامِ لِيَرْكَعَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَلَا مَسُّهُ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ يَضُرُّ الْحَمْلُ وَالْمَسُّ، وَإِنْ قَصُرَ الزَّمَنُ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ تَعَمُّدَ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ مُضِرٌّ، وَإِنْ قَصُرَ، وَلَكِنْ اعْتَبَرَ سم فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى حَجّ الطُّولَ.
(قَوْلُهُ: وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِهِ) أَيْ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي) هُوَ قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَنْسَى) وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ سَمِعَ الْمَأْمُومُ، وَهُوَ قَائِمٌ تَكْبِيرًا فَظَنَّ أَنَّهُ إمَامُهُ فَرَفَعَ يَدَيْهِ لِلْهَوِيِّ وَحَرَّكَ رَأْسَهُ لِلرُّكُوعِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابُ فَكَفَّ عَنْ الرُّكُوعِ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ النِّسْيَانِ، وَبِذَلِكَ يَسْقُطُ مَا نَظَرَ بِهِ سم فِيهِ فِي حَوَاشِي الْبَهْجَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ تَعَدَّدَتْ الْأَئِمَّةُ بِالْمَسْجِدِ فَسَمِعَ الْمَأْمُومُ تَكْبِيرًا فَظَنَّهُ تَكْبِيرَ إمَامِهِ فَتَابَعَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ خِلَافُهُ فَيَرْجِعُ إلَى إمَامِهِ وَلَا يَضُرُّهُ مَا فَعَلَهُ لِلْمُتَابَعَةِ لِعُذْرِهِ فِيهِ، وَإِنْ كَثُرَ (قَوْلُهُ: جَازَ) أَيْ وَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ لِلْقِيَامِ ثُمَّ يَرْكَعَ ثَانِيًا، وَلَا يَقُومُ مَا أَتَى بِهِ عَنْ هَوِيِّ الرُّكُوعِ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مَبْحَثِ التَّرْتِيبِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ نَسِيَ الرُّكُوعَ فَهَوَى لِلسُّجُودِ ثُمَّ تَذَكَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهَوِيِّهِ وَعَلَيْهِ الْعَوْدُ لِلْقِيَامِ.
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَ قَدْ تَحَامَلَ) ظَاهِرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ فَعَلَ قَبْلَ سُجُودٍ مَحْسُوبٍ لَهُ خِلَافُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ تُمْكِنْهُ الطُّمَأْنِينَةُ بِمَحَلِّهِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: مَا لَوْ فَعَلَ) أَيْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ) أَيْ فَلَا تَبْطُلُ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ ابْتِدَاءً هَذَا الْفِعْلَ، فَإِنْ قَصَدَهُ بَطَلَتْ لِتَلَاعُبِهِ بِمُجَرَّدِ شُرُوعِهِ فِي الْهَوِيِّ (قَوْلُهُ: وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ) أَيْ كَأَنْ قَالَ خَارِجَ الصَّلَاةِ اُقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي صَلَاتِكُمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ، وَهُوَ يُصَلِّي (قَوْلُهُ: فِي تَسْوِيَةِ الْحَصَى) هُوَ بِالْقَصْرِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ مُجَرَّدُ التَّسْوِيَةِ دُونَ الْمَسْحِ وَلَوْ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَسَيَأْتِي مَا يُفِيدُ أَنَّ كَرَاهَةَ مَسْحِ الْحَصَى مَخْصُوصَةٌ
[حاشية الرشيدي]
[لَا تَجِبُ إجَابَةُ الْأَبَوَيْنِ فِي الصَّلَاةِ]
(قَوْلُهُ: قَلِيلٌ مِنْ دَمِهَا) يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مِنْ بَيَانِيَّةً لَا تَبْعِيضِيَّةً إذْ دَمُهَا كُلُّهُ قَلِيلٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِهِ) أَيْ عَنْهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْهُ (قَوْلُهُ: جَازَ) أَيْ فَيَعُودُ لِلْقِيَامِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ جَعْلُهُ عَنْ الرُّكُوعِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ قَدْ تَحَامَلَ)
الْمُصَلِّيَ يَعْسُرُ عَلَيْهِ السُّكُونُ عَلَى هَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ فِي زَمَانٍ طَوِيلٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ التَّعْظِيمِ فَعُفِيَ عَنْ الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يُخِلُّ بِهِ دُونَ الْكَثِيرِ (وَالْكَثْرَةُ) وَالْقِلَّةُ (بِالْعُرْفِ) فَمَا يَعُدُّهُ لِلنَّاسِ قَلِيلًا كَنَزْعِ خُفٍّ وَلُبْسِ ثَوْبٍ فَغَيْرُ ضَارٍّ وَيَحْرُمُ إلْقَاءُ نَحْوِ قَمْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَتْ حَيَّةً وَلَا يَحْرُمُ إلْقَاؤُهَا خَارِجَهُ (فَالْخُطْوَتَانِ) ، وَإِنْ اتَّسَعَتَا حَيْثُ لَا وَثْبَةَ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لِلْإِمَامِ (أَوْ الضَّرْبَتَانِ قَلِيلٌ) لِمَا مَرَّ (وَالثَّلَاثُ كَثِيرٌ) مِنْ ذَلِكَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ (إنْ تَوَالَتْ) ، وَإِنْ كَانَتْ بِقَدْرِ خُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ مُغْتَفَرَةً، وَاضْطَرَبَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي تَعْرِيفِ الْخُطْوَةِ، وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ نَقْلِ رِجْلٍ وَاحِدَةٍ إلَى أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ، فَإِنْ نَقَلَ الْأُخْرَى عُدَّتْ ثَانِيَةً سَوَاءٌ أَسَاوَى بِهَا الْأُولَى أَمْ قَدَّمَهَا عَلَيْهَا أَمْ أَخَّرَهَا عَنْهَا، إذْ الْمُعْتَبَرُ تَعَدُّدُ الْفِعْلِ، وَخَرَجَ بِأَنْ تَوَالَتْ مَا لَوْ تَفَرَّقَتْ بِحَيْثُ تُعَدُّ الثَّانِيَةُ مَثَلًا مُنْقَطِعَةً عَنْ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةُ مُنْقَطِعَةً عَنْ الثَّالِثَةِ فَلَا يَضُرُّ، وَلَوْ فَعَلَ وَاحِدَةً نَاوِيًا الثَّلَاثَ الْمُتَوَالِيَةَ بَطَلَتْ كَمَا قَالَهُ الْعِمْرَانِيُّ، وَقِيَاسُهُ الْبُطْلَانُ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ إذَا أَتَى بِهِ عَلَى قَصْدِ إتْيَانِهِ بِحَرْفَيْنِ، وَلَوْ شَكَّ فِي كَثْرَةِ فِعْلِهِ لَمْ تَبْطُلْ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُهُ.
(وَتَبْطُلُ) (بِالْوَثْبَةِ الْفَاحِشَةِ) هُوَ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ إذْ الْوَثْبَةُ لَا تَكُونُ إلَّا فَاحِشَةً لِمُنَافَاتِهَا الصَّلَاةَ، وَيَلْحَقُ بِهَا مَا فِي مَعْنَاهَا
[حاشية الشبراملسي]
بِكَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ إلْقَاءُ نَحْوِ قَمْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ) ظَاهِرُهُ، وَإِنْ كَانَ تُرَابِيًّا وَمِنْ النَّحْوِ الْبُرْغُوثُ وَالْبَقُّ، وَشَمِلَ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ مَنْشَؤُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ هَوَامِّ الْمَسْجِدِ إعَادَتُهُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ حَيَّةً) أَيْ؛ لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تَمُوتَ فِيهِ أَوْ تُؤْذِي مَنْ بِهِ، بِخِلَافِ إلْقَائِهَا خَارِجَهُ بِلَا أَذًى لِغَيْرِهَا، وَمِثْلُ إلْقَائِهَا مَا لَوْ وَضَعَهَا فِي نَعْلِهِ مَثَلًا وَقَدْ عَلِمَ خُرُوجَهَا مِنْهُ إلَى الْمَسْجِدِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَحْرُمُ إلْقَاؤُهَا) عِبَارَةُ حَجّ: وَأَمَّا إلْقَاؤُهَا أَوْ دَفْنُهَا فِيهِ حَيَّةً فَظَاهِرُ فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ حِلُّهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَاءَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتْفُلُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَيَدْفِنُونَ الْقَمْلَ فِي حَصَاهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْجَوَاهِرِ تَحْرِيمُهُ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ يُونُسَ، وَيُؤَيِّدُهُ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ الْقَمْلَةَ فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَصُرَّهَا فِي ثَوْبِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ» وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ مَدْرَكًا؛ لِأَنَّ مَوْتَهَا فِيهِ، وَإِيذَاءَهَا غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ بَلْ وَلَا غَالِبٍ، وَلَا يُقَالُ رَمْيُهَا فِيهِ تَعْذِيبٌ لَهَا؛ لِأَنَّهَا تَعِيشُ بِالتُّرَابِ، مَعَ أَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً كَدَفْنِهَا، وَهُوَ الْأَمْنُ مِنْ تَوَقُّعِ إيذَائِهَا لَوْ تُرِكَتْ بِلَا رَمْيٍ أَوْ بِلَا دَفْنٍ.
اهـ (قَوْلُهُ: وَاضْطَرَبَ الْمُتَأَخِّرُونَ إلَخْ) عِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: قَالَ فِي الْعُبَابِ: ثُمَّ إمْرَارُ الْيَدِ وَرَدُّهَا بِالْحَكِّ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَكَذَا رَفْعُهَا عَنْ صَدْرِهِ وَوَضْعُهَا عَلَى مَوْضِعِ الْحَكِّ.
اهـ. ثُمَّ قَالَ: وَالْفَرْقُ أَنَّ شَأْنَ الرِّجْلِ إذَا وُضِعَتْ أَنْ تَبْقَى بِخِلَافِ الْيَدِ، قَالَ م ر وَقَضِيَّةُ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّ رَفْعَ الرِّجْلِ عَنْ الْأَرْضِ ثُمَّ وَضْعَهَا عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا مَانِعَ.
(قَوْلُهُ: وَتَبْطُلُ بِالْوَثْبَةِ الْفَاحِشَةِ) أَفْتَى شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأَنَّ حَرَكَةَ جَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْوَثْبَةِ الْفَاحِشَةِ فَتَبْطُلُ بِهَا اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَلَيْسَ مِنْ حَرَكَةِ جَمِيعِ الْبَدَنِ مَا لَوْ مَشَى خُطْوَتَيْنِ.
اهـ. قَالَ م ر فِي فَتَاوِيهِ مَا حَاصِلُهُ: وَلَيْسَ مِنْ الْوَثْبَةِ مَا لَوْ حَمَلَهُ إنْسَانٌ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ.
اهـ. وَظَاهِرُهُ، وَإِنْ طَالَ حَمْلُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ اسْتَمَرَّتْ الشُّرُوطُ مَوْجُودَةً مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ مِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ تَعَلَّقَ بِحَبْلٍ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مَسْأَلَةَ التَّعَلُّقِ إنَّمَا ذَكَرُوهَا فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ الْقِيَامِ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ تَعَلُّقَهُ يُنْسَبُ إلَيْهِ فَهُوَ مِنْ فِعْلِهِ.
[فَرْعٌ] فَعَلَ مُبْطِلًا كَوَثْبَةٍ قَبْلَ تَمَامِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ يَنْبَغِي الْبُطْلَانُ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُ بِتَمَامِ التَّكْبِيرَةِ يَتَبَيَّنُ دُخُولُ الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِ التَّكْبِيرِ وِفَاقًا لَمْ ر، وَخِلَافًا لِمَا رَأَيْت فِي فَتْوَى عَنْ الْخَطِيبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَجُوزَ كَشْفُ عَوْرَتِهِ فِي أَثْنَاءِ التَّكْبِيرَةِ، وَأَنْ يَجُوزَ مُصَاحَبَةُ النَّجَاسَةِ فِي أَثْنَائِهَا.
وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الضَّرَرُ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَزَعًا مِنْ حَيَّةٍ مَثَلًا، وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ، وَأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِهَا صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِيهَا
[حاشية الرشيدي]
أَيْ وَاطْمَأَنَّ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: فَالْخُطْوَتَانِ أَوْ الضَّرْبَتَانِ) أَيْ أَوْ نَحْوُهُمَا وَإِنْ أَوْهَمَ صَنِيعُ الشَّارِحِ خِلَافَهُ
كَالضَّرْبَةِ الْمُفْرِطَةِ (لَا) الْفِعْلِ الْمُلْحَقِ بِالْقَلِيلِ نَحْوَ (الْحَرَكَاتِ الْخَفِيفَةِ الْمُتَوَالِيَةِ كَتَحْرِيكِ أَصَابِعِهِ فِي) نَحْوِ (سُبْحَةٍ أَوْ حَكٍّ فِي الْأَصَحِّ) مَعَ قَرَارِ كَفِّهِ وَنَحْوِ حَلٍّ وَعَقْدٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِغَرَضٍ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ لِمَا مَرَّ، وَلَا تَبْطُلُ أَيْضًا بِتَحْرِيكِ جُفُونِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ، وَلَا بِإِخْرَاجِ لِسَانِهِ كَذَلِكَ، خِلَافًا لِمَا أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ خَفِيفٌ.
وَلَوْ نَهَقَ نَهِيقَ الْحِمَارِ أَوْ صَهَلَ كَالْفَرَسِ أَوْ حَاكَى شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ مِنْ الطَّيْرِ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ ذَلِكَ حَرْفٌ مُفْهَمٌ أَوْ حَرْفَانِ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِلَّا بَطَلَتْ، أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُهُ، وَمَحَلُّ جَمِيعِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِمَا فَعَلَهُ لَعِبًا أَخْذًا مِمَّا مَرَّ، وَخَرَجَ بِالْأَصَابِعِ تَحْرِيكُ الْيَدِ فَيُبْطِلُهَا إنْ كَانَ ثَلَاثًا مُتَوَالِيًا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ جَرَبٌ لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى عَدَمِ الْحَكِّ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ اُبْتُلِيَ بِحَرَكَةٍ اضْطِرَارِيَّةٍ يَنْشَأُ عَنْهَا عَمَلٌ كَثِيرٌ سُومِحَ بِهِ، وَذَهَابُ الْيَدِ وَعَوْدُهَا: أَيْ عَلَى التَّوَالِي مَرَّةً وَاحِدَةً فِيمَا يَظْهَرُ، وَكَذَا رَفْعُهَا ثُمَّ وَضْعُهَا عَلَى مَحَلِّ الْحَكِّ، وَالْأَوْلَى فِي حَقِّهِ التَّحَرُّزُ عَنْ الْأَفْعَالِ الْقَلِيلَةِ الْمُتَوَالِيَةِ، وَيُسْتَحَبُّ الْفِعْلُ الْقَلِيلُ لِقَتْلِ نَحْوِ عَقْرَبٍ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَلَوْ فَتَحَ كِتَابًا وَفَهِمَ مَا فِيهِ أَوْ قَرَأَ فِي مُصْحَفٍ، وَإِنْ قَلَّبَ أَوْرَاقَهُ أَحْيَانَا لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ وَغَيْرُ مُتَوَالٍ وَلَا يُشْعِرُ بِالْإِعْرَاضِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أَفْعَالٌ كَثِيرَةٌ مُتَوَالِيَةٌ فَأَشْبَهَتْ الْخُطُوَاتِ.
(وَسَهْوُ الْفِعْلِ) الْمُبْطِلُ (كَعَمْدِهِ) فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِهِ (فِي الْأَصَحِّ) فَيَبْطُلُ كَثِيرُهُ وَفَاحِشُهُ لِنُدُورِهِ فِيهَا وَلِقَطْعِهِ نَظْمَهَا بِخِلَافِ الْقَوْلِ، وَلِهَذَا فَرَّقَ بَيْنَ عَمْدِهِ وَسَهْوِهِ وَمَشْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ يُحْتَمَلُ التَّوَالِي وَعَدَمُهُ فَهِيَ وَاقِعَةُ حَالٍ فِعْلِيَّةٍ.
وَالثَّانِي وَاخْتَارَهُ فِي التَّحْقِيقِ أَنَّهُ كَعَمْدِ قَلِيلِهِ، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ
[حاشية الشبراملسي]
فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: بِتَحْرِيكِ جُفُونِهِ) وَكَذَا الْآذَانُ إنْ تُصَوِّرَ.
قَالَ م ر: وَلَا يَضُرُّ تَحْرِيكُ الذِّكْرِ، وَإِنْ كَثُرَ مُتَوَالِيًا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الطَّيْرِ) حَالٌ مِنْ الْحَيَوَانِ (قَوْلُهُ: أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ) لَا يَخْفَى إشْكَالُ مَا أَفْتَى بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِصَوْتٍ طَالَ وَاشْتَدَّ ارْتِفَاعُهُ وَاعْوِجَاجُهُ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْبُطْلَانَ حِينَئِذٍ.
اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ جَرَبٌ) قَدْ يُشْكِلُ هَذَا الْمَفْرُوضُ مَعَ الْكَثْرَةِ وَالتَّوَالِي بِالْبُطْلَانِ فِي سُعَالِ الْمَغْلُوبِ إذَا كَثُرَ وَتَوَالَى كَمَا تَقَدَّمَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْفِعْلُ أَوْسَعُ مِنْ اللَّفْظِ، أَوْ يُقَالَ إنَّمَا نَظِيرُ مَا هُنَا الْمُبْتَلَى بِالسُّعَالِ الْمَارُّ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُهُ، وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ اسْتِوَاءَ مَا هُنَا وَمَا هُنَاكَ فِي أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ حَالٌ يَخْلُو مِنْهَا عَنْ ذَلِكَ مُدَّةً تَسَعُ الصَّلَاةَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَنَّهُ يَنْبَغِي وُجُوبُ انْتِظَارِهَا.
اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُهُ: اسْتِوَاءَ مَا هُنَا وَمَا هُنَاكَ: أَيْ بِأَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى مَا إذَا صَارَ عِلَّةً مُزْمِنَةً وَذَاكَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَصْرِفْهُمَا سَوَاءٌ.
اهـ سم عَلَى الْعُبَابِ (قَوْلُهُ: سُومِحَ بِهِ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَخْلُ مِنْهُ زَمَنًا يَسَعُ الصَّلَاةَ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي السُّعَالِ (قَوْلُهُ: التَّحَرُّزُ عَنْ الْأَفْعَالِ الْقَلِيلَةِ) وَكَذَا الْكَثِيرَةِ الْمُتَوَالِيَةِ إذَا كَانَتْ خَفِيفَةً.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ نَصُّهَا: قَوْلُهُ: نَحْوَ الْحَرَكَاتِ إلَخْ، قَالَ فِي الرَّوْضِ: وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ: أَيْ تَرْكُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْفِعْلَاتِ الْخَفِيفَةِ، قَالَ فِي شَرْحِهِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَا يُقَالُ مَكْرُوهٌ لَكِنْ جَزَمَ فِي التَّحْقِيقِ بِكَرَاهَتِهِ، وَهُوَ غَرِيبٌ.
اهـ.
أَقُولُ: لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ غَرِيبٌ نَقْلًا، وَإِلَّا فَالْكَرَاهَةُ فِيهِ هِيَ الْقِيَاسُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مُقَابِلِ الْأَصَحِّ.
(قَوْلُهُ: فِعْلِيَّةٌ) أَيْ وَالِاحْتِمَالُ يُبْطِلُهَا
[حاشية الرشيدي]
[بُطْلَانُ الصَّلَاة بِالْوَثْبَةِ الْفَاحِشَةِ]
قَوْلُهُ: يُحْتَمَلُ التَّوَالِي وَعَدَمُهُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ التَّوَالِيَ مُبْطِلٌ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ، وَهُوَ خِلَافُ صَرِيحِ كَلَامِهِمْ، فَإِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ بَعْدَ سَلَامِهِ تَرْكَ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ يَعُودُ إلَيْهَا وَيَفْعَلُهُ.
مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ وَإِنْ تَكَلَّمَ بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ، فَقَوْلُهُمْ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ صَادِقٌ بِمَا إذَا كَانَ بِفِعْلٍ كَثِيرٍ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ، بَلْ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ لَا يَتَأَتَّى بِدُونِ ذَلِكَ غَالِبًا، خُصُوصًا وَلَمْ يُقَيِّدُوا ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ بِقُرْبِ بَابِ الْمَسْجِدِ.
وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: وَإِنْ مَشَى قَلِيلًا.
لَا يُقَالُ: الْمُرَادُ بِالْقَلِيلِ مَا لَا يَضُرُّ فِي الصَّلَاةِ كَالْخُطْوَةِ وَالْخُطْوَتَيْنِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: يُنَافِيهِ أَخْذُهُمْ لَهُ غَايَةً، إذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا ذُكِرَ لَمْ يَحْتَجَّ لِلنَّصِّ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ أَخْذِهِ غَايَةً إذْ الْغَايَةُ إنَّمَا يُؤْتَى بِهَا فِي أَمْرٍ
وَغَيْرُهُ، وَجَهْلُ التَّحْرِيمِ كَالسَّهْوِ.
(وَتَبْطُلُ) (بِقَلِيلِ الْأَكْلِ) أَيْ الْمَأْكُولِ عُرْفًا، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِنَحْوِ السِّمْسِمَةِ: أَيْ بِوُصُولِهِ إلَى جَوْفِهِ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا عَلَيْهِ لِشِدَّةِ مُنَافَاتِهِ لَهَا مَعَ نُدْرَتِهِ، وَمِثْلُهُ لَوْ وَصَلَ مُفْطِرٌ جَوْفَهُ كَبَاطِنِ أُذُنٍ، وَإِنْ قَلَّ، أَمَّا الْمَضْغُ نَفْسُهُ فَلَا تَبْطُلُ بِقَلِيلِهِ كَبَقِيَّةِ الْأَفْعَالِ (قُلْت: إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا) لِلصَّلَاةِ (أَوْ جَاهِلًا) تَحْرِيمَهُ وَعُذِرَ مَعَهُ فَلَا تَبْطُلُ بِقَلِيلِهِ قَطْعًا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَكَذَا لَوْ جَرَى رِيقُهُ بِبَاقِي طَعَامٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ وَعَجَزَ عَنْ تَمْيِيزِهِ وَمَجِّهِ كَمَا فِي الصَّوْمِ، أَوْ نَزَلَتْ نُخَامَةٌ وَلَمْ يُمْكِنْهُ إمْسَاكُهَا، بِخِلَافِ كَثِيرِهِ عُرْفًا وَلَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا، وَإِنَّمَا لَمْ يُفْطِرْ بِهِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ ذَاتُ أَفْعَالٍ مَنْظُومَةٍ، وَالْكَثِيرُ يَقْطَعُ نَظْمَهَا، وَالصَّوْمُ كَفٌّ وَلِتَلَبُّسِ الْمُصَلِّي بِهَيْئَةٍ يَبْعُدُ مَعَهَا النِّسْيَانُ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِعْلٌ مَعَ وُصُولِ الْمُفْطِرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَلَوْ) (كَانَ بِفَمِهِ سُكَّرَةٌ) فَذَابَتْ (فَبَلِعَ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا (ذَوْبَهَا) مَعَ عَمْدِهِ وَعِلْمِهِ بِتَحْرِيمِهِ أَوْ تَقْصِيرِهِ فِي التَّعَلُّمِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِمَا مَرَّ، وَتَعْبِيرُهُ بِبَلَعَ الْمُشْعِرُ بِقَصْدِهِ وَتَعَمُّدِهِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِيَسُوغُ وَيَذُوبُ: أَيْ يَنْزِلُ لِجَوْفِهِ بِلَا فِعْلٍ لِإِيهَامِهِ الْبُطْلَانَ، وَلَوْ مَعَ نَحْوِ النِّسْيَانِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا تَبْطُلُ لِعَدَمِ الْمَضْغِ.
(وَيُسَنُّ) (لِلْمُصَلِّي) أَنْ يَتَوَجَّهَ (إلَى جِدَارٍ أَوْ سَارِيَةٍ) أَيْ عَمُودٍ (أَوْ عَصَا مَغْرُوزَةٍ) أَوْ هُنَا لِلتَّرْتِيبِ وَفِيمَا قَبْلَهَا لِلتَّخْيِيرِ، فَيُقَدَّمُ الْجِدَارُ أَوَّلًا، وَفِي مَعْنَاهُ السَّارِيَةُ وَنَحْوُهَا ثُمَّ الْعَصَا ثُمَّ الْخَطُّ، فَلَوْ عَدَلَ إلَى مَرْتَبَةٍ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا لَمْ تَحْصُلْ سُنَّةُ الِاسْتِتَارِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ عُسْرَ مَا قَبْلَهَا عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ عَجْزِهِ عَنْهَا (أَوْ بَسَطَ مُصَلِّي) عِنْدَ عَجْزِهِ عَمَّا قَبْلَهُ كَسَجَّادَةِ (أَوْ خَطَّ قُبَالَتَهُ) عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَرْتَبَةِ قَبْلَهَا وَيَكُونُ طُولًا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِجَعْلِهِ عَرْضًا لِخَبَرِ «اسْتَتِرُوا فِي صَلَاتِكُمْ وَلَوْ بِسَهْمٍ» وَخَبَرِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: كَالسَّهْوِ) أَيْ فَتَبْطُلُ بِالْكَثِيرِ مَعَهُ فِي الْأَصَحِّ وَظَاهِرُهُ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، وَغَيْرَ مُخَالِطٍ لِلْعُلَمَاءِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا تَبْطُلُ بِقَلِيلِهِ قَطْعًا) قِيَاسُ مَا فِي الصَّوْمِ الَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا نَقْلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ أَوْ نَسِيَ الصَّلَاةَ إلَخْ بِنَاءً عَلَى مَا فَرَّقْنَا بِهِ ثَانِيًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ هُنَا نَاسِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ وَظَنَّ أَنَّ صَلَاتَهُ بَطَلَتْ بِمَا فَعَلَهُ فَبَلَعَ بَقِيَّةَ الْمَأْكُولِ عَامِدًا الْبُطْلَانُ، وَمُقْتَضَى مَا فَرَّقْنَا بِهِ أَوَّلًا عَدَمُهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ (قَوْلُهُ: وَعَجَزَ عَنْ تَمْيِيزِهِ) أَيْ أَمَّا مُجَرَّدُ الطَّعْمِ الْبَاقِي مِنْ أَثَرِ الطَّعَامِ فَلَا أَثَرَ لَهُ لِانْتِفَاءِ وُصُولِ الْعَيْنِ إلَى جَوْفِهِ، وَلَيْسَ مِثْلُ ذَلِكَ الْأَثَرِ الْبَاقِي بَعْدَ شُرْبِ الْقَهْوَةِ مِمَّا يُغَيَّرُ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ فَيَضُرُّ ابْتِلَاعُهُ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ لَوْنِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بِهِ عَيْنًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِعَدَمِ الضَّرَرِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ اللَّوْنِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اكْتَسَبَهُ الرِّيقُ مِنْ مُجَاوَرَتِهِ لِلْأَسْوَدِ مَثَلًا.
وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ إذَا تَغَيَّرَ بِمُجَاوِرٍ (قَوْلُهُ: أَوْ نَزَلَتْ نُخَامَةٌ وَلَمْ يُمْكِنْهُ إمْسَاكُهَا) أَيْ أَوْ أَمْكَنَهُ وَنَسِيَ كَوْنَهُ فِي صَلَاةٍ أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَ ابْتِلَاعِهَا.
(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي) أَيْ لِمُرِيدِ الصَّلَاةِ وَلَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ النَّعْشُ سَاتِرًا إنْ قَرُبَ مِنْهُ، فَإِنْ بَعُدَ مِنْهُ اُعْتُبِرَ لِحُرْمَةِ الْمُرُورِ أَمَامَهُ سُتْرَةً بِالشُّرُوطِ.
وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنَّ فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ، وَأَنَّ مَرْتَبَةَ النَّعْشِ بَعْدَ الْعَصَا (قَوْلُهُ: أَوْ عَصَا) يُرْسَمُ بِالْأَلِفِ؛ لِأَنَّهُ وَاوِيٌّ.
قَالَ الْفَرَّاءُ: أَوَّلُ لَحْنٍ سُمِعَ.
قَالَ الْغَزِّيِّ: أَيْ بِالْعِرَاقِ هَذِهِ عَصَاتِي، وَإِنَّمَا هِيَ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَصَايَ.
اهـ عَمِيرَةُ.
(قَوْلُهُ: وَنَحْوهَا) أَيْ مِمَّا لَهُ ثَبَاتٌ وَظُهُورٌ كَظُهُورِ السَّارِيَةِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْخَطُّ) أَيْ بَعْدَ السَّجَّادَةِ لِمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: كَسَجَّادَةِ) أَيْ بِفَتْحِ السِّينِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَالْمَحَلِّيِّ
[حاشية الرشيدي]
مُسْتَغْرَبٍ أَوْ لِإِشَارَةٍ إلَى خِلَافٍ، وَالْقَلِيلُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ لَا غَرَابَةَ فِيهِ إذْ لَا يَضُرُّ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ، وَأَيْضًا فَقَدْ قَرَنُوهُ فِي الْغَايَةِ مَعَ أُمُورٍ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهَا وَتُغْتَفَرُ فِيمَا مَرَّ وَهِيَ اسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ وَالْكَلَامُ فَلْيُرَاجَعْ وَلْيُحَرَّرْ
[بُطْلَانُ الصَّلَاة بِقَلِيلِ الْأَكْلِ]
(قَوْلُهُ: أَنْ يَتَوَجَّهَ) أَرَادَ أَنْ يُفِيدَ بِهِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى مُفَادِ الْمَتْنِ وَهُوَ سَنُّ التَّوَجُّهِ إلَى مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْخَطُّ) أَيْ بَعْدَ الْمُصَلِّي
«إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ أَمَامَ وَجْهِهِ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أَمَامَهُ» وَقِيسَ بِالْخَطِّ الْمُصَلِّي، وَقُدِّمَ عَلَى الْخَطِّ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا اسْتَتَرَ بِهِ مِقْدَارَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَرْضٌ كَسَهْمٍ، وَأَنْ لَا يَبْعُدَ عَنْ قَدَمَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِ الْيَدِ، وَهَلْ تُحْسَبُ الثَّلَاثَةُ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ أَوْ مِنْ الْعَقِبِ فِيهِ احْتِمَالٌ، وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ.
وَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يُمِيلَ السُّتْرَةَ عَنْ وَجْهِهِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً وَلَا يَجْعَلُهَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَإِذَا صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ عَلَى الْحُكْمِ الْمَارِّ سُنَّ لَهُ وَكَذَا لِغَيْرِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ تَفَقُّهًا.
(دَفْعُ الْمَارِّ) بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَتَعْبِيرُهُمْ بِالْمُصَلِّي جَرْيٌ عَلَى الْغَالِب،
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ) أَيْ فِي كَمَالِ ثَوَابِهِ (قَوْلُهُ: ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ ارْتِفَاعُ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ قَدْرَ ذَلِكَ، وَامْتِدَادُ الْأَخِيرَيْنِ كَذَلِكَ، لَكِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ حَجّ لِقَدْرِ الْمُصَلِّي وَالْخَطِّ، بَلْ قَضِيَّةُ عِبَارَتِهِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ شَيْءٍ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَكَانَ ارْتِفَاعُ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ بِذَلِكَ فَأَكْثَرَ.
(قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَبْعُدَ عَنْ قَدَمَيْهِ) أَيْ رُءُوسِ أَصَابِعِهِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ) وَجَزَمَ حَجّ بِالثَّانِي، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُصَلِّي قَائِمًا.
أَمَّا الْمُصَلِّي جَالِسًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَلْيَتَيْنِ، وَعِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ مُصَرِّحَةٌ بِذَلِكَ وَبِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْمُسْتَلْقِي بِرَأْسِهِ.
اهـ. وَفِيهِ وَقْفَةٌ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِيهِ بِبُطُونِ الْقَدَمَيْنِ.
ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ عَبْدِ الْحَقِّ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَبِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْجَالِسِ بِالرُّكْبَتَيْنِ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْمُضْطَجِعِ بِالْجُزْءِ الَّذِي يَلِي الْقِبْلَةَ مِنْ مُقَدَّمِ بَدَنِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ جُزْءٌ مُعَيَّنٌ فَيُعْتَدُّ بِوَضْعِهَا فِي مُقَابَلَةِ أَيِّ جُزْءٍ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: يَمْنَةً) ، وَهِيَ الْأَوْلَى، لَكِنْ نُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ الْإِيعَابِ لحج أَنَّ الْأَوْلَى جَعْلُهَا يَسْرَةً، وَفِيهِ وَقْفَةٌ.
وَأَقُولُ: يَنْبَغِي أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ يَمْنَةً لِشَرَفِ الْيَمِينِ (قَوْلُهُ: أَوْ يَسْرَةً) أَيْ إمَالَةً قَلِيلَةً بِحَيْثُ تَسَامَتْ بَعْضُ بَدَنِهِ.
اهـ حَجّ، وَلَا يُبَالِغُ فِي الْإِمَالَةِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ بِهَا عَنْ كَوْنِهَا سُتْرَةً لَهُ (قَوْلُهُ: وَلَا يَجْعَلُهَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ) وَلَيْسَ مِنْ السُّتْرَةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا لَوْ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَاسْتَنَدَ فِي وُقُوفِهِ إلَى جِدَارٍ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سُتْرَةً عُرْفًا (قَوْلُهُ: وَكَذَا لِغَيْرِهِ) أَيْ الَّذِي لَيْسَ فِي صَلَاةٍ.
اهـ حَجّ.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ فِي صَلَاةٍ لَا يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِ الشَّارِحِ فِي كَفِّ الشَّعْرِ وَغَيْرِهِ، وَيُسَنُّ لِمَنْ رَآهُ كَذَلِكَ وَلَوْ مُصَلِّيًا آخَرَ إلَخْ خِلَافُهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ دَفْعَ الْمَارِّ فِيهِ حَرَكَاتٌ فَرُبَّمَا يُشَوِّشُ خُشُوعَهُ، بِخِلَافِ حَلِّ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ.
.
(قَوْلُهُ: دَفْعُ الْمَارِّ) قَالَ م ر لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَهِيمَةِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ دَفْعِ الصَّائِلِ، وَالصَّائِلُ يُدْفَعُ مُطْلَقًا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: قَوْلُهُ: مُطْلَقًا: أَيْ وَلَوْ رَقِيقًا.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ.
فَرْعٌ: حَيْثُ سَاغَ الدَّفْعُ فَتَلِفَ الْمَدْفُوعُ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي يَدِهِ بِمُجَرَّدِ الدَّفْعِ، فَلَوْ تَوَقَّفَ دَفْعُهُ عَلَى دُخُولِهِ فِي يَدِهِ بِأَنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِقَبْضِهِ عَلَيْهِ وَتَحْوِيلِهِ فِي مَكَان إلَى آخَرَ فَهَلْ لَهُ الدَّفْعُ، وَيَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ أَوْ لَا؟ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ حَيْثُ عُدَّ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ ضَمِنَهُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الْجَرِّ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
اهـ. وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي الضَّمَانِ حَيْثُ عُدَّ مِنْ دَفْعِ الصَّائِلِ، فَإِنَّ دَفْعَهُ يَكُونُ بِمَا يُمْكِنُهُ، وَإِنْ أَدَّى إلَى اسْتِيلَاءٍ عَلَيْهِ حَيْثُ تَعَيَّنَ طَرِيقًا فِي الدَّفْعِ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْجَرِّ فَإِنَّ الْجَرَّ لِنَفْعِ الْجَارِّ لَا لِدَفْعِ ضَرَرِ الْمَجْرُورِ (قَوْلُهُ: جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ) شَمِلَ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ الدَّافِعُ مُصَلِّيًا وَأَرَادَ دَفْعَ مَنْ يَمُرُّ بَيْنَ يَدِي غَيْرِهِ؛ وَمِنْهُ مَا لَوْ اقْتَدَى شَخْصٌ بِإِمَامٍ اسْتَتَرَ بِمَا لَا يَكُونُ سُتْرَةً لِلْمَأْمُومِ كَعَصَا مَغْرُوزَةٍ بَيْنَ يَدِي الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومُ لَا يُحَاذِي بَدَنَهُ شَيْءٌ مِنْهَا فَلَهُ دَفْعُ مَنْ أَرَادَ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدِي إمَامِهِ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ دُونَ إمَامِهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يُصَلِّ إلَى سُتْرَةٍ، وَإِنْ كَانَ إمَامُهُ مُصَلِّيًا إلَيْهَا، وَتَقَدَّمَ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَالْمُرَادُ بِالْمُصَلِّي وَالْخَطِّ مِنْهُمَا أَعْلَاهُمَا، وَيَدْفَعُ بِالتَّدْرِيجِ كَالصَّائِلِ، وَإِنْ أَدَّى دَفْعُهُ إلَى قَتْلِهِ، وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِأَفْعَالٍ كَثِيرَةٍ مُتَوَالِيَةٍ، وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُمْ وَلَا يَحِلُّ الْمَشْيُ إلَيْهِ لِدَفْعِهِ لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ الْمُرُورَ مُخْتَلَفٌ فِي تَحْرِيمِهِ وَلَا يُنْكَرُ إلَّا مَا أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ الْإِنْكَارُ حَيْثُ لَمْ يُؤَدِّ إلَى فَوَاتِ مَصْلَحَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ أَدَّى إلَى فَوَاتِهَا أَوْ الْوُقُوعِ فِي مَفْسَدَةٍ أُخْرَى لَمْ يَجِبْ كَمَا قَرَّرُوهُ فِي مَحَلِّهِ، وَهُنَا لَوْ اشْتَغَلَ بِالدَّفْعِ لَفَاتَتْ مَصْلَحَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ وَتَرْكُ الْعَبَثِ فِيهَا، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، وَالْأَسْهَلُ هُوَ الْكَلَامُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ، فَلَمَّا انْتَفَى سَقَطَ وَلَمْ يَجِبْ بِالْفِعْلِ، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ إنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ تَحَقُّقِ ارْتِكَابِ الْمَفْسَدَةِ لَا الْإِثْمِ، وَهَهُنَا لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ غَافِلًا أَوْ أَعْمَى، وَلِأَنَّ إزَالَةَ الْمُنْكَرِ إنَّمَا تَجِبُ إذَا كَانَ لَا يَزُولُ إلَّا بِالنَّهْيِ، وَالْمُنْكَرُ هُنَا يَزُولُ بِانْقِضَاءِ مُرُورِهِ (وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُ الْمُرُورِ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ حِينَئِذٍ: أَيْ عِنْدَ سَنِّ دَفْعِهِ، وَهُوَ فِي صَلَاةٍ صَحِيحَةٍ فِي اعْتِقَادِ الْمُصَلِّي فِيمَا يَظْهَرُ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا.
[حاشية الشبراملسي]
أَنَّ حَجّ قَيَّدَ الْغَيْرَ بِغَيْرِ الْمُصَلِّي.
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْمُصَلِّي وَالْخَطِّ مِنْهُمَا أَعْلَاهُمَا) أَيْ وَعَلَى هَذَا لَوْ صَلَّى عَلَى فَرْوَةٍ مَثَلًا وَكَانَ إذَا سَجَدَ يَسْجُدُ عَلَى مَا وَرَاءَهَا مِنْ الْأَرْضِ لَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ لِتَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ تَقْدِيمِ الْفَرْوَةِ الْمَذْكُورَةِ إلَى مَوْضِعِ جَبْهَتِهِ وَيَحْرُمُ الْمُرُورُ عَلَى الْفَرْوَةِ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ أَعْلَاهُمَا كَذَا فِي الْمَحَلِّيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَضِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ طَالَ الْمُصَلِّي أَوْ الْخَطُّ فَكَانَ بَيْنَ قَدَمِ الْمُصَلِّي وَأَعْلَاهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ لَمْ تَكُنْ سُتْرَةً مُعْتَبَرَةً حَتَّى لَا يَحْرُمَ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ يُعْتَبَرُ مِنْهَا مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ إلَى قَدَمِهِ وَيَجْعَلُهُ سُتْرَةً وَيَلْغَى حُكْمُ الزَّائِدِ، وَقَدْ تَوَقَّفَ م ر فِيهِ، وَمَالَ بِالْفَهْمِ إلَى أَنَّهُ يُقَالُ مَا ذُكِرَ، لَكِنَّ ظَاهِرَ الْمُتَقَوَّلِ الْأَوَّلُ فَلْيُحْرَرْ.
اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّرَدُّدِ ظَاهِرٌ فِيمَا لَوْ بَسَطَ نَحْوَ بِسَاطٍ طَوِيلٍ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
أَمَّا مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الْحُصْرِ الْمَفْرُوشَةِ فِي الْمَسَاجِدِ فَيَنْبَغِي الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ شَيْءٌ مِنْهَا سُتْرَةً حَتَّى لَوْ وَقَفَ فِي وَسَطِ حَصِيرٍ وَكَانَ الَّذِي أَمَامَهُ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ لَمْ يَكْفِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ السُّتْرَةِ تَنْبِيهُ الْمَارِّ عَلَى احْتِرَامِ الْمَحَلِّ بِوَضْعِهَا، وَهَذِهِ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِدَوَامِ فَرْشِهَا فِي الْمَحَلِّ لَمْ يَحْصُلْ بِهَا التَّنْبِيهُ الْمَذْكُورُ (قَوْلُهُ: إلَّا مَا أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ) فِيهِ نَظَرٌ لِمَا فِي السِّيَرِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ إنْكَارُ مَا أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ يَرَى الْفَاعِلُ تَحْرِيمَهُ وَالْمَارُّ هُنَا يَرَى حُرْمَةَ الْمُرُورِ.
(قَوْلُهُ: يَزُولُ بِانْقِضَاءِ مُرُورِهِ) يُتَأَمَّلُ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ: هَذَا جَارٍ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ ضَرْبَ غَيْرِهِ ضَرْبَةً تَعَدِّيًا الْمُنْكَرُ يَزُولُ بِالْفَرَاغِ مِنْ تِلْكَ الضَّرْبَةِ، كَمَا أَنَّ الْحُرْمَةَ هُنَا تَزُولُ بِانْتِهَاءِ الْمُرُورِ، وَقَدْ يُقَالُ: الضَّرْبُ وَنَحْوُهُ مِنْ الْمَعَاصِي لَا يَكْتَفِي فَاعِلُهُ بِمَرَّةٍ كَالسَّيِّدِ إذَا ضَرَبَ عَبْدَهُ عَلَى فِعْلٍ خَالَفَ غَرَضَهُ فِيهِ لَا يَكْتَفِي بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ وَلَا ثِنْتَيْنِ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْمَعَاصِي، بِخِلَافِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدِي الْمُصَلِّي فَإِنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ مَعَهُ الْمُرُورُ وَبِالنَّظَرِ لِذَلِكَ، فَالْمَعَاصِي كُلُّهَا كَأَنَّهَا لَا تَنْقَضِي بِفَعْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَعْصِيَةَ مِنْ شَأْنِهَا أَنَّ الْفَاعِلَ لَهَا لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَرَّةٍ، فَالْمُرُورُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَكَرَّرَ مِنْ فَاعِلِهِ، بِخِلَافِ فَاعِلِ الضَّرْبَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِنَّهُ لَا يُكَرِّرُهَا وَقَدْ يَتَعَدَّى فَيَزِيدُ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُ الْمُرُورِ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: وَيَلْحَقُ بِالْمُرُورِ جُلُوسُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَدُّهُ رِجْلَيْهِ وَاضْطِجَاعُهُ.
اهـ بِالْمَعْنَى.
وَقَوْلُهُ وَمَدُّهُ رِجْلَيْهِ وَمِثْلُهُ مَدُّ يَدِهِ لِيَأْخُذَ مِنْ خِزَانَتِهِ مَتَاعًا؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ وَرُبَّمَا شَوَّشَ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ (قَوْلُهُ: فِي اعْتِقَادِ الْمُصَلِّي) سَيَأْتِي لَهُ فِيمَا لَوْ اخْتَلَفَ اعْتِقَادُ الْمُصَلِّي وَالْمَارِّ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْمُصَلِّي وَالْخَطُّ مِنْهُمَا أَعْلَاهُمَا) لَعَلَّ الْبَاءَ فِيهِ بِمَعْنَى فِي لِيَتَأَتَّى قَوْلُهُ مِنْهُمَا وَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَالْمُرَادُ فِي مَسْأَلَتَيْ الْمُصَلِّي وَالْخَطِّ إلَخْ، وَيَنْحَلُّ الْكَلَامُ إلَى قَوْلِنَا وَالْمُرَادُ مِنْ الْمُصَلِّي وَالْخَطِّ فِي مَسْأَلَتَيْهِمَا أَعْلَاهُمَا (قَوْلُهُ: فِي اعْتِقَادِ الْمُصَلِّي) هُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُصَلِّي غَيْرَ شَافِعِيٍّ وَالْمَارُّ شَافِعِيٌّ، كَأَنْ كَانَ الْمُصَلِّي حَنَفِيًّا مَسَّ امْرَأَةً مَثَلًا وَصَلَّى فَيَحْرُمُ عَلَى الشَّافِعِيِّ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَيْثُ كَانَ لَهُ سُتْرَةٌ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ كَأَنْ
وَلَوْ كَانَتْ السُّتْرَةُ آدَمِيًّا أَوْ بَهِيمَةً أَوْ امْرَأَةً وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاشْتِغَالِ مَا يُنَافِي خُشُوعَهُ فَقِيلَ يَكْفِي، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ نُفُورًا أَوْ امْرَأَةً يَشْتَغِلُ قَلْبُهُ بِهَا لَمْ يُعْتَدَّ بِتِلْكَ السُّتْرَةِ عَلَى مَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ لِكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ إلَيْهَا حِينَئِذٍ.
قَالَ: وَمِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ أَيْضًا مَا لَوْ صَلَّى بَصِيرٌ إلَى شَاخِصٍ مُزَوَّقٍ، هَذَا وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِالسُّتْرَةِ بِالْآدَمِيِّ وَنَحْوِهِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي أَنَّ بَعْضَ الصُّفُوفِ لَا يَكُونُ سُتْرَةً لِبَعْضٍ آخَرَ.
وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ بَلْ يُكْرَهُ.
وَلَوْ اسْتَتَرَ بِسُتْرَةٍ فِي مَكَان مَغْصُوبٍ لَمْ يَحْرُمْ الْمُرُورُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَلَمْ يُكْرَهْ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَسَوَاءٌ فِي حُرْمَةِ الْمُرُورِ مَعَ السُّتْرَةِ أَوَجَدَ الْمَارُّ سَبِيلًا غَيْرَهُ أَمْ لَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ.
نَعَمْ قَدْ يُضْطَرُّ الْمَارُّ إلَى الْمُرُورِ بِحَيْثُ يَلْزَمُهُ الْمُبَادَرَةُ لِأَسْبَابٍ لَا تَخْفَى
[حاشية الشبراملسي]
فِي السُّتْرَةِ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِاعْتِقَادِ الْمُصَلِّي فِي جَوَازِ الدَّفْعِ وَفِي تَحْرِيمِ الْمُرُورِ بِاعْتِقَادِ الْمَارِّ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا فَهَلَّا قَالَ بِمِثْلِهِ هُنَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ امْرَأَةً) ذَكَرَهَا بَعْدَ الْآدَمِيِّ مِنْ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، وَالنُّكْتَةُ فِي ذِكْرِهَا أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مَظِنَّةً لِلِاشْتِغَالِ بِهَا رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِهَا مُطْلَقًا عَلَى هَذَا (قَوْلُهُ: وَمِثْلُ ذَلِكَ) أَيْ فِي عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِهِ (قَوْلُهُ: يَظْهَرُ أَيْضًا إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: إلَى شَاخِصٍ مُزَوَّقٍ) ظَاهِرُهُ، وَإِنْ كَانَ الشَّاخِصُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ وَخَلَا مِنْ أَسْفَلِ الشَّاخِصِ عَنْ التَّزْوِيقِ مَا يُسَاوِي السُّتْرَةَ وَيَزِيدُ عَلَيْهَا فَيَنْتَقِلُ عَنْهُ وَلَوْ إلَى الْخَطِّ حَيْثُ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِمِصْرِنَا فِي مَسَاجِدِهَا كَثِيرًا (قَوْلُهُ: بِالْآدَمِيِّ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِالْآدَمِيِّ بَيْنَ كَوْنِ ظَهْرِهِ لِلْمُصَلِّي أَوْ لَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِالصُّفُوفِ فَإِنَّ ظُهُورَهُمْ إلَيْهِ، وَلَكِنْ قَالَ حَجّ عَطْفًا عَلَى مَا لَا يَكْفِي فِي السُّتْرَةِ: أَوْ بِرَجُلٍ اسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ سُتْرَةٌ (قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ) أَيْ مَا فِي مَعْنَاهُ كَالدَّابَّةِ، وَلَيْسَ مِنْهُ مَا فِيهِ صُوَرٌ، وَإِنْ كُرِهَتْ الصَّلَاةُ لَهُ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَعِبَارَتُهُ: فَرْعٌ: رَضِيَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَتَرَ بِجِدَارٍ عَلَيْهِ تَصَاوِيرُ اُعْتُدَّ بِهِ وَحَرُمَ الْمُرُورُ وَجَازَ الدَّفْعُ وَإِنْ كُرِهَ اسْتِقْبَالُهُ لِمَعْنًى آخَرَ، وَكَذَا لَوْ اسْتَتَرَ بِآدَمِيٍّ مُسْتَقْبِلٍ لَهُ، وَإِنْ كُرِهَ لِمَعْنًى آخَرَ.
اهـ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ إلَى شَاخِصٍ مُزَوَّقٍ وَلِمَا اسْتَوْجَبَهُ مِنْ عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِالسَّتْرِ بِالْآدَمِيِّ (قَوْلُهُ: لَا يَكُونُ سُتْرَةً) لِبَعْضٍ آخَرَ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ حَجّ فَاكْتَفَى بِالصُّفُوفِ.
(قَوْلُهُ: فِي مَكَان مَغْصُوبٍ) أَيْ، وَإِنْ وَقَفَ فِي مَكَان مَمْلُوكٍ لَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ، وَلَوْ قِيلَ بِحُرْمَةِ الْمُرُورِ لَمْ يَبْعُدْ لِكَوْنِ الْمَكَانِ مُسْتَحِقًّا لِلْوَاقِفِ.
وَالتَّعَدِّي إنَّمَا هُوَ بِمُجَرَّدِ وَضْعِ السُّتْرَةِ وَقَوْلُهُ فِي مَكَان مَغْصُوبٍ صِفَةٌ لِلسُّتْرَةِ؛ وَكَذَا لَوْ صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ مَغْصُوبَةٍ.
اهـ حَجّ، وَأَقَرَّهُ سم عَلَيْهِ وَبَالَغَ فِي اعْتِمَادِهِ، وَهُوَ قَرِيبٌ، وَقَوْلُ حَجّ مَغْصُوبَةٍ: أَيْ فَلَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ لَكِنْ عِبَارَتُهُ عَلَى مَنْهَجٍ نَصُّهَا: قَوْلُهُ: وَحَرُمَ مُرُورٌ: أَيْ، وَإِنْ كَانَتْ السُّتْرَةُ مَغْصُوبَةً؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ م ر فَحَرِّرْ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ مَعَ السُّتْرَةِ اهـ. أَقُولُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَقَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالْمَكَانِ أَقْوَى مِنْ الْحَقِّ الْمُتَعَلِّقِ بِالسُّتْرَةِ، فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ حَتَّى تَكُونَ السُّتْرَةُ مَانِعَةً لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُرُورِ فِيهِ، فَاعْتِبَارُهَا يَقْطَعُ حَقَّ الْمَالِكِ مِنْ مَكَانِهِ، بِخِلَافِ السُّتْرَةِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّ الْحَقَّ لِمَالِكِهَا إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهَا فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُهَا عَلَامَةً عَلَى كَوْنِ مَحَلِّهَا مُعْتَبَرًا مِنْ حَرِيمِ الْمُصَلِّي، وَبَقِيَ مَا لَوْ صَلَّى فِي مَكَان مَغْصُوبٍ
[حاشية الرشيدي]
كَانَ الْمُصَلِّي شَافِعِيًّا افْتَصَدَ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَنَفِيِّ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَّا إنْ كَانَتْ الْحُرْمَةُ مَذْهَبَهُ؛ لِأَنَّا لَا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِحُرْمَةٍ لَمْ يَرَهَا مُقَلَّدُهُ، ثُمَّ رَأَيْت الشِّهَابَ حَجّ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَقِيَاسُهُ أَنَّ مَنْ اسْتَتَرَ بِسُتْرَةٍ يَرَاهَا مُقَلَّدُهُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ) هُوَ الشِّهَابُ حَجّ فِي الْإِمْدَادِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ السُّتْرَةِ بِالْآدَمِيِّ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْتَقْبِلْهُ كَمَا شَمِلَهُ الْإِطْلَاقُ، فَإِنْ اسْتَقْبَلَهُ كَانَ مَكْرُوهًا كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: فِي مَكَان مَغْصُوبٍ) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ اسْتَتَرَ كَمَا هُوَ صَرِيحُ فَتَاوَى وَالِدِهِ، خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مِنْ جَعْلِهِ صِفَةً لِلسُّتْرَةِ.
وَعِبَارَةُ الْفَتَاوَى: سُئِلَ عَمَّنْ صَلَّى بِمَكَانٍ مَغْصُوبٍ إلَى سُتْرَةٍ هَلْ يَحْرُمُ الْمُرُورُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ بَلْ وَلَا يُكْرَهُ انْتَهَتْ.
وَهُوَ
كَإِنْذَارِ نَحْوِ مُشْرِفٍ عَلَى الْهَلَاكِ تَعَيَّنَ الْمُرُورُ طَرِيقًا لِإِنْقَاذِهِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالِاسْتِتَارِ الْمَعْلُومِ مِنْ الْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ.
وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ مَعَ السُّتْرَةِ الْمُقَرَّرَةِ.
بِخِلَافِ مَا إذَا فُقِدَتْ أَوْ كَانَتْ وَتَبَاعَدَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ أَوْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ السُّتْرَةِ أَنْ يَظْهَرَ لِصَلَاتِهِ حَرِيمٌ يَضْطَرِبُ فِيهِ فِي حَرَكَاتِهِ وَانْتِقَالَاتِهِ فَإِذَا لَمْ يَسْتَتِرْ فَهُوَ الْمُهْدِرُ لِحُرْمَةِ نَفْسِهِ، وَكَذَا لَوْ قَصَّرَ الْمُصَلِّي بِأَنْ وَقَفَ فِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ أَوْ بِشَارِعٍ أَوْ دَرْبٍ ضَيِّقٍ أَوْ نَحْوِ بَابِ مَسْجِدٍ كَالْمَحَلِّ الَّذِي يَغْلِبُ مُرُورُ النَّاسِ بِهِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ فِي الْمَسْجِدِ كَالْمَطَافِ وَكَأَنْ تَرَكَ فُرْجَةً فِي صَفٍّ أَمَامَهُ فَاحْتِيجَ لِلْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِفُرْجَةِ قَبْلَهُ فَلَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَلَوْ فِي حَرِيمِ الْمُصَلِّي، وَهُوَ قَدْرُ إمْكَانِ سُجُودِهِ خِلَافًا لِلْخُوَارِزْمِيِّ، بَلْ وَلَا يُكْرَهُ عِنْدَ التَّقْصِيرِ.
وَلَا يَجُوزُ الدَّفْعُ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الصُّفُوفُ، وَوَهِمَ مَنْ
[حاشية الشبراملسي]
وَوَضَعَ السُّتْرَةَ فِي غَيْرِهِ وَيَنْبَغِي فِيهِ جَوَازُ الدَّفْعِ اعْتِبَارًا بِالسُّتْرَةِ (قَوْلُهُ: لِإِنْقَاذِهِ) أَيْ أَوْ خَطْفُ نَحْوِ عِمَامَتِهِ وَتَوَقُّفُ إنْقَاذِهَا مِنْ السَّارِقِ عَلَى الْمُرُورِ فَلَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ، بَلْ يَجِبُ فِي إنْقَاذِ نَحْوِ الْمُشْرِفِ وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُصَلِّي الدَّفْعُ إنْ عَلِمَ بِحَالِهِ.
[فَائِدَةٌ] قَالَ حَجّ: وَيُسَنُّ وَضْعُ السُّتْرَةِ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ وَلَا يَسْتَقْبِلُهَا بِوَجْهِهِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَمَعَ ذَلِكَ هِيَ سُتْرَةٌ مُحْتَرَمَةٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلَهُ: وَيُسَنُّ وَضْعُ إلَخْ لَا يَتَأَتَّى فِي الْجِدَارِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَقَدْ يَتَأَتَّى فِيهِ بِأَنْ يَنْفَصِلَ طَرَفُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَحِينَئِذٍ فَهَلْ السُّنَّةُ وُقُوفُهُ عِنْدَ طَرَفِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَشْمَلُ الْمُصَلِّي فَهَلْ السُّنَّةُ وَضْعُهَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَدَمُ الْوُقُوفِ عَلَيْهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَحْتَمِلُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكْفِيَ كَوْنُ بَعْضِهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ قَصَّرَ الْمُصَلِّي إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِدْ مَحَلًّا يَقِفُ فِيهِ إلَّا بَابَ الْمَسْجِدِ لِكَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ مَثَلًا حَرُمَ الْمُرُورُ سُنَّ لَهُ الدَّفْعُ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ حُرْمَةِ الْمُرُورِ لِعُذْرِ كُلٍّ مِنْ الْمَارِّ وَالْمُصَلِّي.
أَمَّا الْمُصَلِّي فَلِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ.
وَأَمَّا الْمَارُّ فَلِاسْتِحْقَاقِهِ الْمُرُورَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ بِتَقْصِيرِ الْمُصَلِّي حَيْثُ لَمْ يُبَادِرْ لِلْمَسْجِدِ بِحَيْثُ يَتَيَسَّرُ لَهُ الْجُلُوسُ فِي غَيْرِ الْمَمَرِّ وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَبُ (قَوْلُهُ: الَّذِي يَغْلِبُ مُرُورُ النَّاسِ بِهِ) وَلَيْسَ مِنْهُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الصَّلَاةِ بِدَاخِلِ رِوَاقِ ابْنِ الْمُعَمِّرِ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مَحَلًّا لِلْمُرُورِ غَالِبًا.
نَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَا لَوْ وَقَفَ فِي مُقَابَلَةِ الْبَابِ (قَوْلُهُ: وَكَأَنْ تَرَكَ فُرْجَةً) يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالتَّرْكِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمَأْمُومِينَ تَقْصِيرٌ كَأَنْ كَمُلَتْ الصُّفُوفُ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ ثُمَّ بَطَلَتْ صَلَاةُ بَعْضٍ مِنْ نَحْوِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْقِطًا لِحُرْمَةِ الْمُرُورِ وَلَا لِسَنِّ الدَّفْعِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ تَحَقُّقِ عُرُوضِ الْفُرْجَةِ وَالشَّكِّ فِيهِ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ وَسَنُّ الدَّفْعِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ مَا يَمْنَعُهُ (قَوْلُهُ: وَلَا يُكْرَهُ عِنْدَ التَّقْصِيرِ) أَيْ أَمَّا مَعَ انْتِفَاءِ
[حاشية الرشيدي]
شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَتْ السُّتْرَةُ فِي غَيْرِ الْمَغْصُوبِ (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) تَعْلِيلٌ لِلْمَتْنِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَحْرُمُ إلَخْ) تَقَدَّمَ مَا يُغْنِي عَنْهُ (قَوْلُهُ: أَوْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهَا) مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ (قَوْلُهُ: أَوْ نَحْوَ بَابِ مَسْجِدِ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ مَا لَمْ يُضْطَرَّ إلَى الْوُقُوفِ فِيهِ بِأَنْ امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ بِالصُّفُوفِ، ثُمَّ رَأَيْت الشَّيْخَ فِي الْحَاشِيَةِ ذَكَرَ ذَلِكَ احْتِمَالًا ثُمَّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ حُرْمَةِ الْمُرُورِ لِعُذْرِ كُلٍّ مِنْ الْمَارِّ وَالْمُصَلِّي.
أَمَّا الْمُصَلِّي فَلِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ، وَأَمَّا الْمَارُّ فَلِاسْتِحْقَاقِهِ الْمُرُورَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ بِتَقْصِيرِ الْمُصَلِّي حَيْثُ لَمْ يُبَادِرْ لِلْمَسْجِدِ بِحَيْثُ يَتَيَسَّرُ لَهُ الْجُلُوسُ فِي غَيْرِ الْمَمَرِّ، وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَبُ انْتَهَى.
وَقَدْ يُقَالُ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الصُّورَةُ أَنَّ الْمَسْجِدَ مُمْتَلِئٌ بِالصُّفُوفِ فَأَيْنَ يَذْهَبُ الْمَارُّ وَالْمَسْجِدُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْمُرُورِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ بِتَقْصِيرِ الْمُصَلِّي إلَخْ فِيهِ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَتْ الصُّورَةُ مَا ذَكَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوفِ بَعْضِ الْمُصَلِّينَ بِالْبَابِ بِالضَّرُورَةِ فَلَا تَقْصِيرَ
ظَنَّ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَمَسْأَلَةِ التَّخَطِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَيَّدَهَا بِصَفَّيْنِ، وَلَوْ أُزِيلَتْ سُتْرَتُهُ حَرُمَ عَلَى مَنْ عَلِمَ بِهَا الْمُرُورُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ، وَقِيَاسُهُ أَنَّ مَنْ اسْتَتَرَ بِسُتْرَةٍ يَرَاهَا مُقَلِّدُهُ وَلَا يَرَاهَا مُقَلِّدُ الْمَارِّ تَحْرِيمُ الْمُرُورِ، وَلَوْ قِيلَ بِاعْتِقَادِ الْمُصَلِّي فِي جَوَازِ الدَّفْعِ وَفِي عَدَمِ تَحْرِيمِ الْمُرُورِ بِاعْتِقَادِ الْمَارِّ لَمْ يَبْعُدْ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَعْلَمْ مَذْهَبَ الْمُصَلِّي، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ سَتْرِهِ حَتَّى عَنْ الْخَطِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ الدَّفْعُ كَمَا رَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ، وَلَوْ صَلَّى بِلَا سُتْرَةٍ فَوَضَعَهَا غَيْرُهُ بِلَا إذْنِهِ اعْتَدَّ بِهَا كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الْأُسْتَاذِ، وَيُكْرَهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ يَسْتَقْبِلُهُ وَيَرَاهُ.
اهـ. وَلَوْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ كَامْرَأَةٍ وَحِمَارٍ وَكَلْبٍ لَمْ تَبْطُلْ.
وَأَمَّا خَبَرُ مُسْلِمٍ «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ وَالْحِمَارُ» فَالْمُرَادُ بِهِ قَطْعُ الْخُشُوعِ لِلشُّغْلِ بِهَا.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّ بَعْضَ الصُّفُوفِ لَا يَكُونُ سُتْرَةً لِبَعْضِهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ.
(قُلْت: يُكْرَهُ) (الِالْتِفَاتُ) فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُصَلِّي ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى فِي جُزْءٍ مِنْهَا بِوَجْهِهِ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «إنَّهُ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» وَوَرَدَ «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» وَلَوْ حَوَّلَ صَدْرَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ بَطَلَتْ، كَمَا لَوْ قَصَدَ بِهِ اللَّعِبَ لَا لِحَاجَةٍ فَلَا يُكْرَهُ، كَمَا لَا يُكْرَهُ مُجَرَّدُ لَمْحِ الْعَيْنِ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي سَفَرٍ فَأَرْسَلَ فَارِسًا فِي الشِّعْبِ مِنْ أَجْلِ الْحَرَسِ، فَجَعَلَ يُصَلِّي، وَهُوَ يَلْتَفِتُ إلَى الشِّعْبِ» (وَرَفَعَ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ) لِخَبَرِ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ
[حاشية الشبراملسي]
التَّقْصِيرِ بِأَنْ لَمْ يَقِفْ فِي مَوْضِعِ مُرُورِ النَّاسِ مَثَلًا فَخِلَافُ الْأَوْلَى.
قَالَ حَجّ: وَهُوَ مُرَادُ مَنْ عَبَّرَ بِالْكَرَاهَةِ فِيهِ، وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَنْظُرُوا لِخِلَافِ الْخُوَارِزْمِيَّ فَيَقُولُونَ بِالْكَرَاهَةِ خُرُوجًا مِنْهُ لِشِدَّةِ ضَعْفِهِ عِنْدَهُمْ لِمُخَالَفَتِهِ لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ.
(قَوْلُهُ: حَرُمَ عَلَى مَنْ عَلِمَ بِهَا) أَيْ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، لَكِنْ لِلْمُصَلِّي دَفْعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَقَاعَدُ عَنْ الصَّبِيِّ وَالْبَهِيمَةِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَبْعُدْ) ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا جَزَمَ بِهِ سم عَلَى حَجّ.
وَعَلَيْهِ فَلَوْ دَفَعَ الْمُصَلِّي الْمُعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الْمُرُورِ مَارًّا لَمْ يَعْتَقِدْهُ فَمَاتَ الْمَدْفُوعُ لَمْ يَضْمَنْهُ الدَّافِعُ لِجَوَازِ مَا فَعَلَهُ بَلْ سُنَّةٌ فِي اعْتِقَادِهِ، لَكِنْ لَوْ تَرَافَعَ الدَّافِعُ، وَوَلَّى الْمَدْفُوعَ إلَى حَاكِمٍ فَالْعِبْرَةُ بِعَقِيدَتِهِ فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: بِلَا إذْنِهِ اُعْتُدَّ بِهَا) أَيْ فَيَنْبَغِي لَهُ وَضْعُهَا حَيْثُ كَانَ لِلْمُصَلِّي عُذْرٌ فِي عَدَمِ الْوَضْعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسَنَّ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى خَيْرٍ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، وَهَلْ يَضْمَنُ الْمُصَلِّي السُّتْرَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إذَا تَلِفَتْ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ إنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَدَلَّتْ قَرِينَةٌ مِنْ الْمَالِكِ، وَلَوْ بِإِشَارَةٍ مِنْهُ عَلَى وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا فَهِيَ عَارِيَّةٌ، فَإِنْ تَلِفَتْ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَلَا ضَمَانَ، وَإِلَّا ضَمِنَ وَلَوْ بِلَا تَقْصِيرٍ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِي وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا فَلَا ضَمَانَ مَا لَمْ يُعَدَّ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهَا لِتَعَدِّيهِ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا بِلَا إذْنٍ، وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَتْ السُّتْرَةُ مِلْكًا لِلْمُصَلِّي وَلَمْ يَضَعْهَا ثُمَّ أَخَذَهَا غَيْرُهُ وَوَضَعَهَا وَتَلِفَتْ هَلْ يَضْمَنُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِتَعَدِّيهِ بِوَضْعِ يَدِهِ بِلَا إذْنٍ، وَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ مَصْلَحَةً تَعُودُ عَلَى الْمُصَلِّي مَا لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ مِنْ الْمُصَلِّي عَلَى الرِّضَا بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ.
(قَوْلُهُ: يَسْتَقْبِلُهُ وَيَرَاهُ) أَيْ وَلَوْ بِحَائِلٍ وَلَوْ كَانَ مَيِّتًا أَيْضًا وَلَا يُعَدُّ سُتْرَةً لَهُ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: فِي جُزْءٍ مِنْهَا) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا) أَيْ بِرَحْمَتِهِ وَرِضَاهُ.
اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ قَصَدَ بِهِ) أَيْ بِالِالْتِفَاتِ بِالْوَجْهِ (قَوْلُهُ: فِي الشِّعْبِ مِنْ أَجْلِ الْحَرَسِ) عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: الشِّعْبُ بِالْكَسْرِ الطَّرِيقُ، وَقِيلَ الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ اهـ (قَوْلُهُ: فَجَعَلَ) أَيْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ إلَخْ) أَيْ مَا حَالُهُمْ وَأَبْهَمَ الرَّافِعَ لِئَلَّا يَنْكَسِرَ خَاطِرُهُ؛ لِأَنَّ النَّصِيحَةَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ فَضِيحَةٌ، وَقَوْلُهُ لَيَنْتَهُنَّ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٌ، وَالْأَصْلُ لَيَنْتَهُونَنَّ، وَقَوْلُهُ عَنْ ذَلِكَ أَيْ عَنْ رَفْعِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَقِيَاسُهُ أَنَّ مَنْ اسْتَتَرَ إلَخْ) أَيْ بِجَامِعِ عَدَمِ التَّقْصِيرِ، إذْ مَنْ أَتَى بِالسُّتْرَةِ الَّتِي كَلَّفَهُ بِهَا مُقَلَّدُهُ لَا يُعَدُّ مُقَصِّرًا (قَوْلُهُ: يَسْتَقْبِلُهُ) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ فِيهِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَنْصُوبُ لِلْمُصَلِّي كَمَا تُصَرِّحُ بِهِ عِبَارَةُ الشِّهَابِ حَجّ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمَرْفُوعَ فِي يَرَاهُ لِلْمُصَلِّي فَلْيُرَاجَعْ.
فِي صَلَاتِهِمْ لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» وَيُكْرَهُ نَظَرُ مَا يُلْهِي عَنْهَا كَثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ لِخَبَرِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ ذَاتُ أَعْلَامٍ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: أَلْهَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
(وَ) يُكْرَهُ (كَفُّ شَعْرِهِ أَوْ ثَوْبِهِ) لِخَبَرِ «أُمِرْت أَنْ لَا أَكْفِتَ الشَّعْرَ أَوْ الثِّيَابَ» وَالْكَفْتُ بِمُثَنَّاةٍ فِي آخِرِهِ هُوَ الْجَمْعُ قَالَ تَعَالَى ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: 25] ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 26] أَيْ جَامِعَةً لَهُمْ، وَمِنْهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنْ يُصَلِّيَ وَشَعْرُهُ مَعْقُوصٌ أَوْ مَرْدُودٌ تَحْتَ عِمَامَتِهِ أَوْ ثَوْبُهُ أَوْ كُمُّهُ مُشَمَّرٌ، وَمِنْهُ شَدُّ الْوَسَطِ وَغَرْزُ الْعَذَبَةِ، وَالْمَعْنَى فِي النَّهْيِ عَنْ كَفِّ ذَلِكَ أَنَّهُ يَسْجُدُ مَعَهُ: أَيْ غَالِبًا، وَلِهَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ وَفِي إبْهَامِهِ الْجِلْدَةُ الَّتِي يَجُرُّ بِهَا الْقَوْسَ، قَالَ: لِأَنِّي آمُرُهُ أَنْ يُفْضِيَ بُطُونَ كَفَّيْهِ إلَى الْأَرْضِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ جَارٍ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَإِنْ اقْتَضَى تَعْلِيلُهُمْ خِلَافَهُ، وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ تَخْصِيصُهُ فِي الشَّعْرِ بِالرَّجُلِ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَفِي الْأَمْرِ بِنَقْضِهَا الضَّفَائِرَ مَشَقَّةٌ وَتَغْيِيرٌ لِهَيْئَتِهَا الْمُنَافِيَةِ لِلتَّجَمُّلِ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ فِي الْإِحْيَاءِ، وَيَنْبَغِي إلْحَاقُ الْخُنْثَى بِهَا، وَيُسَنُّ لِمَنْ رَآهُ كَذَلِكَ، وَلَوْ مُصَلِّيًا آخَرَ أَنْ يَحِلَّهُ حَيْثُ لَا فِتْنَةً.
نَعَمْ لَوْ بَادَرَ شَخْصٌ وَحَلَّ كُمَّهُ الْمُشَمَّرَ وَكَانَ فِيهِ مَالٌ وَتَلِفَ كَانَ ضَامِنًا لَهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَسَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي جَرٍّ آخَرَ مِنْ الصَّفِّ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ رَقِيقٌ.
(وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ) لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ وَلِمُنَافَاتِهِ هَيْئَةَ الْخُشُوعِ (بِلَا حَاجَةٍ) هُوَ رَاجِعٌ لِمَا قَبْلَهُ أَيْضًا فَعِنْدَهَا لَا كَرَاهَةَ كَأَنْ تَثَاءَبَ، بَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ
[حاشية الشبراملسي]
الْبَصَرِ إلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ لَتُخَطَّفَنَّ أَبْصَارُهُمْ بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَأَوْ لِلتَّخَيُّرِ تَهْدِيدًا، وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ.
وَالْمَعْنَى: لَيَكُونَنَّ مِنْكُمْ الِانْتِهَاءُ عَنْ رَفْعِ الْبَصَرِ إلَى السَّمَاءِ أَوْ خَطْفُ الْأَبْصَارِ عِنْدَ رَفْعِهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، أَمَّا رَفْعُ الْبَصَرِ إلَى السَّمَاءِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لِدُعَاءٍ وَنَحْوِهِ فَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ؛ لِأَنَّ السَّمَاءَ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ كَالْكَعْبَةِ قِبْلَةُ الصَّلَاةِ وَكَرِهَهُ آخَرُونَ.
اهـ شَرْحُ الْبُخَارِيِّ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ اهـ زِيَادِيُّ.
وَفِي الشَّيْخِ عَمِيرَةَ فَائِدَةٌ: نَقَلَ الدَّمِيرِيِّ عَنْ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ قَالَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْمُقَ بِبَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ الْوُضُوءِ (قَوْلُهُ: فِي صَلَاتِهِمْ) فَاشْتَدَّ: أَيْ قَوِيَ قَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَيَنْتَهُنَّ.
اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: قَالَ أَلْهَتْنِي إلَخْ) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بَيَانًا لِلْغَيْرِ، وَإِلَّا فَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُشْغِلُهُ شَيْءٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ: إلَى أَبِي جَهْمٍ) هُوَ مُسْلِمٌ صَحَابِيٌّ إنَّمَا أَمَرَ بِدَفْعِهَا لَهُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ عِنْدِهِ: أَيْ وَدَفَعَهَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِنَّمَا طَلَبَ الْأَنبَجانِيَّةَ جَبْرًا لِخَاطِرِهِ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ بِدَفْعِهَا لَهُ رَدَّ هَدِيَّتِهِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: بأَنبَجانيَّتِهِ) هِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَبِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا أَيْضًا كَمَا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ وَنُقِلَ عَنْ النَّوَوِيِّ.
وَأَغْرَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَقَالَ: إنَّمَا هِيَ مَنْبِجَانِيَّةٌ نِسْبَةٌ إلَى مَنْبِجٍ بَلَدٍ مَعْرُوفٍ بِالشَّامِ، وَمَنْ قَالَهَا بِهَمْزَةٍ أَوَّلِهِ فَقَدْ غَيَّرَ، وَنَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ.
(قَوْلُهُ: أَنْ لَا أَكْفِتُ) بَابُهُ ضَرَبَ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ شَدُّ الْوَسَطِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ عَلَى الْجِلْدِ وَلَا يُنَافِيهِ الْعِلَّةُ لِجَوَازِ أَنَّهَا بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ (قَوْلُهُ: أَيْ غَالِبًا) خَرَجَتْ بِهِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهُ لَا سُجُودَ فِيهَا، وَمَعَ ذَلِكَ يُكْرَهُ كَفُّ الشَّعْرِ فِيهَا، لَكِنَّ مُقْتَضَى جَزْمِهِ بِمَا ذُكِرَ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْغَلَبَةِ مَنْقُولٌ وَعَلَيْهِ فَلَا يَظْهَرُ قَوْلُهُ: الْآتِي وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ جَارٍ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنِّي آمُرُهُ أَنْ يُفْضِيَ إلَخْ) هَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ وَفِي يَدِهِ خَاتَمٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ مُبَاشَرَةِ جُزْءٍ مِنْ يَدِهِ لِلْأَرْضِ، وَلَوْ قِيلَ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ فِيهِ لَمْ يَبْعُدْ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ فِي أَنَّ مَنْ لَبِسَهُ لَا يَنْزِعُهُ نَوْمًا وَلَا يَقَظَةً، فَفِي تَكْلِيفِهِ قَلْعَهُ كُلَّ صَلَاةٍ نَوْعُ مَشَقَّةٍ، وَكَذَلِكَ الْجِلْدَةُ فَإِنَّهَا إنَّمَا تُلْبَسُ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا (قَوْلُهُ: فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ) ، وَهَلْ يَجْرِي فِي الطَّوَافِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ لِلْكَفِّ فِي الطَّوَافِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ فِيهِ، وَهِيَ السُّجُودُ مَعَهُ، وَيُحْتَمَلُ الْكَرَاهَةُ أَخْذًا بِعُمُومِ حَدِيثِ.
«الصَّلَاةُ بِمَنْزِلَةِ الطَّوَافِ إلَّا أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ النُّطْقَ» . (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ لِمَنْ رَآهُ إلَخْ) مِنْهُ يُؤْخَذُ سَنُّ الْأَمْرِ بِفِعْلِ السُّنَنِ وَسَنُّ النَّهْيِ عَنْ مُخَالَفَتِهَا، وَإِنْ كَانَ الْآمِرُ وَالنَّاهِي مِنْ الْآحَادِ.
(قَوْلُهُ: لَا كَرَاهَةَ) أَيْ
[حاشية الرشيدي]
[الِالْتِفَاتُ فِي الصَّلَاةِ]
(قَوْلُهُ: وَفِي إبْهَامِهِ الْجِلْدَةُ) بَحَثَ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ أَنَّ مِثْلَهَا الْخَاتَمُ.
وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ التَّخَتُّمَ مَطْلُوبٌ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى
وَضْعُ يَدِهِ عَلَى فِيهِ وَيُسَنُّ الْيُسْرَى وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَرَضُ حَبْسَ الشَّيْطَانِ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ لِاسْتِقْذَارِهِ.
نَعَمْ الْأَوْجَهُ حُصُولُ السُّنَّةِ بِغَيْرِهَا أَيْضًا إذْ لَيْسَ فِيهَا أَذًى حِسِّيٌّ وَالْمَدَارُ فِيمَا يُفْعَلُ بِالْيَمِينِ وَالْيَسَارِ عَلَيْهِ وُجُودًا وَعَدَمًا دُونَ الْمَعْنَوِيِّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ لِتَنْحِيَةِ أَذًى مَعْنَوِيٍّ أَيْضًا بَلْ لِرَدِّ الشَّيْطَانِ كَمَا فِي الْخَبَرِ، فَهُوَ إذَا رَآهَا لَا يَقْرُبُهُ فَأَيُّ وَاحِدَةٍ نَحَّى بِهَا كَفَتْ، لَكِنْ يُوَجَّهُ مَا قَالُوهُ بِأَنَّ مَا كَانَ سَبَبًا لِدَفْعِ مُسْتَقْذَرٍ يُنَاسِبُهُ الْيَسَارُ فَكَانَتْ أَوْلَى، وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِوَضْعِ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى ذَلِكَ سَوَاءٌ أَوَضَعَ ظَهْرَهَا أَوْ بَطْنَهَا، وَيُكْرَهُ التَّثَاؤُبُ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا قَالَ هَا هَا ضَحِكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ» وَلَا تَخْتَصُّ الْكَرَاهَةُ بِالصَّلَاةِ بَلْ خَارِجِهَا كَذَلِكَ، وَيُكْرَهُ النَّفْخُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ عَبَثٌ، وَمَسْحُ نَحْوِ الْحَصَى بِسُجُودِهِ عَلَيْهِ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَلِمُخَالَفَتِهِ التَّوَاضُعَ وَالْخُشُوعَ (وَ) يُكْرَهُ (الْقِيَامُ عَلَى رِجْلٍ) وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لِمُنَافَاتِهِ الْخُشُوعَ فَإِنْ كَانَ بِهِ عُذْرٌ كَوَجَعِ الْأُخْرَى لَمْ تُكْرَهْ.
(وَ) تُكْرَهُ (الصَّلَاةُ حَاقِنًا) بِالنُّونِ أَيْ بِالْبَوْلِ (أَوْ حَاقِبًا) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ: أَيْ بِالْغَائِطِ بِأَنْ يُدَافِعَ ذَلِكَ، أَوْ حَازِقًا بِالْقَافِ: أَيْ مُدَافِعًا لِلرِّيحِ، أَوْ حَاقِمًا بِهِمَا بَلْ السُّنَّةُ تَفْرِيغُ نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْخُشُوعِ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ حَيْثُ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا،
[حاشية الشبراملسي]
وَلَا نَظَرَ إلَى كَوْنِ الْيَدِ لَهَا هَيْئَةٌ مَطْلُوبَةٌ فِي الصَّلَاةِ كَوَضْعِهَا تَحْتَ صَدْرِهِ فِي الْقِيَامِ، وَعَلَى الرُّكْبَةِ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالتَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّ هَذَا زَمَنُهُ قَلِيلٌ فَاغْتُفِرَ؛ وَلِأَنَّ هَذَا يُشْبِهُ دَفْعَ الصَّائِلِ، وَهُوَ عُذْرٌ فِي ارْتِكَابِ مَا لَا يُعْذَرُ فِي فِعْلِهِ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ الْيُسْرَى) وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ بِظَهْرِهَا؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى فِي الدَّفْعِ عَادَةً كَذَا قِيلَ، لَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ: وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِوَضْعِ يَدِهِ الْيُسْرَى إلَخْ، قَدْ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي كَلَامِهِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ الْأَوْجَهُ حُصُولُ السُّنَّةِ بِغَيْرِهَا) أَيْ بِغَيْرِ الْيَسَارِ، وَعِبَارَةُ الْمُنَاوِيِّ عَلَى الْجَامِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ» نَصُّهَا: أَيْ ظَهْرَ كَفِّ يُسْرَاهُ كَمَا ذَكَرَهُ جَمْعٌ، وَيُتَّجَهُ أَنَّهُ الْأَكْمَلُ، وَأَنَّ أَصْلَ السُّنَّةِ يَحْصُلُ بِوَضْعِ الْيَمِينِ، قِيلَ لَكِنَّهُ يَجْعَلُ بَطْنَهُ عَلَى فِيهِ عَكْسِ الْيُسْرَى، ثُمَّ قَالَ: تَنْبِيهٌ: قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ: الْأَمْرُ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى فَمِهِ هَلْ الْمُرَادُ بِهِ وَضْعُهَا عَلَيْهِ إذَا انْفَتَحَ بِالتَّثَاؤُبِ أَوْ وَضْعُهَا عَلَى الْفَمِ الْمُنْطَبِقِ حِفْظًا لَهُ عَنْ الِانْفِتَاحِ بِسَبَبِ ذَلِكَ؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ.
أَقُولُ: قَضِيَّةُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي مَنْعِهِ مِنْ الدُّخُولِ، أَمَّا لَوْ رَدَّهُ فَارْتَدَّ فَلَا حَاجَةَ لِلِاسْتِعَانَةِ بِالْيَدِ مَعَ انْتِفَائِهِ بِدُونِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَهُوَ إذَا رَآهَا) أَيْ يَدَهُ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يُوَجَّهُ مَا قَالُوهُ) أَيْ مِنْ سَنِّ الْيَسَارِ (قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ التَّثَاؤُبُ) أَيْ حَيْثُ أَمْكَنَهُ دَفْعُهُ، وَعِبَارَةُ الْمُنَاوِيِّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ لِلْجَامِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيْطَانِ» نَصُّهَا: وَفِيهِ كَرَاهَةُ التَّثَاؤُبِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَبِهِ صَرَّحَ فِي التَّحْقِيقِ لِلشَّافِعِيَّةِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا أَنْ يَجْرِيَ مَعَهُ، وَإِلَّا فَدَفْعُهُ وَرَدُّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ، وَإِنَّمَا خَصَّ الصَّلَاةَ فِي الرِّوَايَاتِ؛ لِأَنَّهَا أَوْلَى الْأَحْوَالِ بِهِ.
اهـ. قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: وَتَثَاءَبْت بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ وَلَا تَقُلْ تَثَاوَبْت انْتَهَى.
أَيْ فَإِنَّهُ عَامِّيٌّ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ (قَوْلُهُ: وَمَسْحُ نَحْوِ الْحَصَى) ظَاهِرُهُ وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَلِمُخَالَفَتِهِ التَّوَاضُعَ وَالْخُشُوعَ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ تَشْوِيهٌ كَانَ كَأَنْ يَعْلَقَ مِنْ الْمَوْضِعِ تُرَابٌ بِجَبْهَتِهِ أَوْ عِمَامَتِهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ بِضِيقِ الْخُفِّ) عِبَارَةُ حَجّ: أَيْ بِالرِّيحِ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِمَا فِي الشَّارِحِ وَمَا فِي الْقَامُوسِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ حَاقِمًا) أَيْ أَوْ صَافِنًا، وَهُوَ الْوُقُوفُ عَلَى رَجُلٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَوْ صَافِدًا، وَهُوَ الْوُقُوفُ لَاصِقًا لِلْقَدَمَيْنِ (قَوْلُهُ: حَيْثُ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسَعًا) أَيْ فَإِنْ ضَاقَ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ مَعَ ذَلِكَ إلَّا إنْ خَافَ ضَرَرًا لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً،
[حاشية الرشيدي]
فِي حَالِ الصَّلَاةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الَّذِي يَسْتُرُهُ الْخَاتَمُ مِنْ الْيَدِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَسْتُرُهُ الْجِلْدَةُ.
(قَوْلُهُ: فَأَيُّ وَاحِدَةٍ نَحَّى بِهَا) الْأَوْلَى فِي التَّعْبِيرِ أَنْ يُقَالَ: رَدَّ بِهَا أَوْ وَضَعَهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ إذْ لَا تَنْحِيَةَ كَمَا قَرَّرَهُ (قَوْلُهُ: لِدَفْعِ مُسْتَقْذَرٍ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَنْحِيَةً.
وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْفَرْضِ بِطُرُوِّ ذَلِكَ لَهُ فِيهِ إلَّا إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُولُ ضَرَرٍ بِكَتْمِهِ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ فَلَهُ حِينَئِذٍ الْخُرُوجُ مِنْهُ وَتَأْخِيرُهُ عَنْ الْوَقْتِ، وَالْعِبْرَةُ فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ بِوُجُودِهِ عِنْدَ التَّحَرُّمِ، وَيَلْحَقُ بِهِ فِيمَا يَظْهَرُ مَا لَوْ عَرَضَ لَهُ قَبْلَ التَّحَرُّمِ، وَعُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ يَعُودُ لَهُ فِي أَثْنَائِهَا (أَوْ بِحَضْرَةِ) بِتَثْلِيثِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (طَعَامٍ) مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ (يَتُوقُ) بِالْمُثَنَّاةِ أَيْ يَشْتَاقُ (إلَيْهِ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ " لَا صَلَاةَ " أَيْ كَامِلَةً " بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا، وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ " بِالْمُثَلَّثَةِ: أَيْ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَتَوَقَانُ النَّفْسِ فِي غَيْبَةِ الطَّعَامِ بِمَنْزِلَةِ حُضُورِهِ إنْ رَجَى حُضُورَهُ عَنْ قُرْبٍ كَمَا قَيَّدَ بِهِ فِي الْكِفَايَةِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ دَقِيقٍ الْعِيدِ، وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِالتَّوْقِ يُفْهِمُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مَا يَزُولُ بِهِ ذَلِكَ، لَكِنَّ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي الْأَعْذَارِ الْمُرَخِّصَةِ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ أَنَّهُ يَأْكُلُ حَاجَتَهُ بِكَمَالِهَا، وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا.
(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ) (يَبْصُقَ) فِي صَلَاتِهِ أَوْ خَارِجَهَا، وَهُوَ بِالصَّادِ وَالزَّايِ وَالسِّينِ (قِبَلَ وَجْهِهِ) لَكِنْ حَيْثُ كَانَ مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ مُسْتَقْبِلًا كَمَا بَحَثَ بَعْضُهُمْ تَقْيِيدَ ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ مُتَّجِهًا لِلْقِبْلَةِ إكْرَامًا لَهَا (أَوْ عَنْ يَمِينِهِ) لِصِحَّةِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ بَلْ يَبْصُقُ عَنْ يَسَارِهِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي غَيْرِ مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَمَّا فِيهِ فَبُصَاقُهُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ يَسَارِهِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ الْبُصَاقُ عَنْ الْيَمِينِ
[حاشية الشبراملسي]
إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ الْآتِي يُبِيحُ التَّيَمُّمَ قَدْ يَقْتَضِي خِلَافَهُ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيمَا يُؤَدِّي إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ بَيْنَ حُصُولِهِ فِيهَا أَوْ لَا كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْفَرْضِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْفَرْضِ) خَرَجَ بِهِ النَّفَلُ فَلَا يَحْرُمُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، وَإِنْ نَذَرَ إتْمَامَ كُلِّ نَفْلٍ دَخَلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِتْمَامِ لَا يُلْحِقُهُ بِالْفَرْضِ، وَيَنْبَغِي كَرَاهَتُهُ عِنْدَ طُرُوُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: مَا لَوْ عَرَضَ لَهُ قَبْلَ التَّحَرُّمِ) أَيْ فَرَدَّهُ وَعَلِمَ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِالْمُثَنَّاةِ) أَيْ تَحْتَ وَفَوْقَ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَالنَّفْسُ أُنْثَى إنْ أُرِيدَ بِهَا الرُّوحُ قَالَ تَعَالَى ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: 1] ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الشَّخْصُ فَمُذَكَّرٌ، وَجَمْعُ النَّفْسِ أَنْفُسٌ وَنُفُوسٌ مِثْلُ فَلْسٍ وَأَفْلُسٍ وَفُلُوسٍ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يَشْتَاقُ إلَيْهِ) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَدَّ جُوعُهُ وَلَا عَطَشُهُ فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي الْفَاكِهَةِ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ التَّقْيِيدُ بِالشَّدِيدَيْنِ فَاحْذَرْهُ.
وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ عَمِيرَةَ قَوْلُهُ: تَتُوقُ شَامِلٌ لِمَنْ لَيْسَ بِهِ جُوعٌ وَعَطَشٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفَوَاكِهِ وَالْمَشَارِبِ اللَّذِيذَةِ قَدْ تَتُوقُ النَّفْسُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ جُوعٍ وَلَا عَطَشٍ، بَلْ لَوْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ وَحَصَلَ التَّوَقَانُ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ كَامِلَةَ) يَجُوزُ نَصْبُهُ صِفَةً لِصَلَاةَ وَرَفْعُهُ صِفَةً لَهَا بِالنَّظَرِ لِلْمَحَلِّ، وَقَوْلُهُ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ خَبَرٌ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ فِيهِ أَنَّ الْوَاوَ لَا تَدْخُلُ عَلَى الْخَبَرِ، وَلَا عَلَى الصِّفَةِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَهُمْ إلَّا أَنْ تُجْعَلَ جُمْلَةً، وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ حَالًا وَيُقَدَّرُ الْخَبَرُ كَامِلَةً: أَيْ لَا صَلَاةَ كَامِلَةَ حَالَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ.
(قَوْلُهُ: إنْ رَجَى حُضُورَهُ عَنْ قُرْبٍ) أَيْ بِحَيْثُ لَا يَفْحُشُ مَعَهُ التَّأْخِيرُ، وَإِنْ كَانَ تَهَيُّؤُهُ لِلْأَكْلِ إنَّمَا يَتَأَتَّى بَعْدَ مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَقْرَبُ) قَالَ ع بَعْدَ مِثْلِ مَا ذُكِرَ: وَأَمَّا مَا تَأَوَّلَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ مِنْ أَنَّهُ يَأْكُلُ لُقَمًا يَكْسِرُ بِهَا سَوْرَةَ الْجُوعِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: كَلَامُهُ هَذَا يُخَالِفُ الْأَصْحَابَ، وَجَعَلَ الْعُذْرَ قَائِمًا إلَى الشِّبَعِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بَقَاءُ الْكَرَاهَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا إلَى الشِّبَعِ: يَعْنِي مَسْأَلَةَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا.
وَوَجْهُ عَدَمِ اللُّزُومِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَنْقَطِعَ الْكَرَاهَةُ بَعْدَ تَنَاوُلِ مَا يَكْسِرُ سَوْرَةَ الْجُوعِ، وَإِنْ طَلَبَ مِنْهُ اسْتِيفَاءَ الشِّبَعِ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ طَلَبِ اسْتِيفَائِهِ اسْتِمْرَارُ الْكَرَاهَةِ بَعْدَ أَكْلِ اللُّقَمِ.
انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا) أَيْ بِأَنْ يَسَعَهَا كُلَّهَا أَدَاءً بَعْدَ فَرَاغِ الْأَكْلِ.
(قَوْلُهُ: مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ) مُسْتَقْبِلًا: أَيْ خِلَافًا لحج - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: عَنْ يَمِينِهِ أَوْلَى) أَيْ فِي كُمِّهِ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ حُرْمَةِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ.
لَا يُقَالُ: لِمَ قَدَّمَ الْيَمِينَ عَلَى جِهَةِ الْوَجْهِ فِي هَذِهِ
[حاشية الرشيدي]
[الصَّلَاةُ حَاقِنًا بِالْبَوْلِ أَوْ حَاقِبًا بِالْغَائِطِ أَوْ حَازِقًا لِلرِّيحِ]
(قَوْلُهُ: أَيْ يَشْتَاقُ) تَفْسِيرٌ مُرَادٌ مِنْ التَّوْقِ وَإِلَّا فَهُوَ شِدَّةُ الشَّوْقِ.
[كَرَاهَة البصق فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا قِبَلَ وَجْهِهِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ يَسَارِهِ)
إكْرَامًا لِلْمَلَكِ وَلَمْ يُرَاعَ مَلَكُ الْيَسَارِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ أُمُّ الْحَسَنَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا تَنَحَّى عَنْهُ مَلَكُ الْيَسَارِ إلَى فَرَاغِهِ مِنْهَا إلَى مَحَلٍّ لَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَالْبُصَاقُ حِينَئِذٍ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْقَرِينِ، وَهُوَ الشَّيْطَانُ، وَمَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ وَحَكَّ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَلَا يَبْصُقُ فِيهِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّحْقِيقِ لِخَبَرِ «الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» . وَيَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَى فَاعِلِهِ، وَيَحْصُلُ الْغَرَضُ وَلَوْ بِدَفْنِهَا فِي تُرَابِهِ أَوْ رَمْلِهِ، بِخِلَافِ الْمِيَاهِ فَدَلْكُهَا فِيهِ لَيْسَ بِدَفْنٍ بَلْ زِيَادَةٌ فِي تَقْذِيرِهِ، وَيُسَنُّ تَطْيِيبُ مَحَلِّهِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ مِنْهُ مِنْ كَوْنِ الْبَصْقِ مُحَرَّمًا فِيهِ لِلِاخْتِلَافِ فِي تَحْرِيمِهِ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي دَفْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي كَمَا مَرَّ، وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ جَوَازَ الدَّلْكِ إذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ أَصْلًا، وَالْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ الْحُرْمَةَ حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ فِيهِ إنْ بَقِيَ جُرْمُهُ لَا إنْ اسْتَهْلَكَ فِي نَحْوِ مَاءِ مَضْمَضَةٍ وَأَصَابَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِ دُونَ هَوَائِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْفَاعِلُ دَاخِلَهُ أَمْ خَارِجَهُ؛ لِأَنَّ الْمَلْحَظَ التَّقْذِيرُ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي ذَلِكَ كَالْفَصْدِ فِي إنَاءٍ أَوْ عَلَى قُمَامَةٍ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَاجَةٌ وَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ حُرْمَتِهِ فِي هَوَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا مِنْ أَجْزَائِهِ، وَأَنَّ الْفَصْدَ مُقَيَّدٌ بِالْحَاجَةِ إلَيْهِ فِيهِ مَرْدُودٌ وَيَجِبُ إخْرَاجُ نَجِسٍ مِنْهُ فَوْرًا عَيْنًا عَلَى مَنْ عَلِمَ بِهِ
[حاشية الشبراملسي]
الصُّورَةِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: جِهَةُ الْقِبْلَةِ أَعْظَمُ مِنْ غَيْرِهَا فَرُوعِيَتْ (قَوْلُهُ: إكْرَامًا لِلْمَلَكِ) هَذِهِ الْحِكْمَةُ لَا تَظْهَرُ فِي الْبُصَاقِ خَارِجَهَا (قَوْلُهُ: إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْقَرِينِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يُفَارِقُهُ فِي الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَحَكَّ بَعْضَهُ) أَيْ لِتَزُولَ صُورَتُهُ وَلَا يَسْقُطُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْمَسْجِدِ (قَوْلُهُ: وَكَفَّارَتُهَا) أَيْ فَهِيَ دَافِعَةٌ لِابْتِدَاءِ الْإِثْمِ وَدَوَامِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ اهـ زِيَادِيٌّ (قَوْلُهُ: وَيَحْصُلُ الْغَرَضُ) أَيْ، وَهُوَ كَفَّارَتُهَا (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ تَطْيِيبُ مَحَلِّهِ) أَيْ بِنَحْوِ مِسْكٍ أَوْ زَبَادٍ أَوْ بَخُورٍ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ دَفْعُ السَّيِّئَةِ بِفِعْلِ حَسَنَةٍ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ مِنْهُ) أَيْ وَاكْتَفَى بِالدَّفْنِ لِلِاخْتِلَافِ إلَخْ مَحَلُّ عَدَمِ الْوُجُوبِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ بِبَقَائِهِ تَقْدِيرٌ لِلْمَسْجِدِ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: وَلَكِنْ تَجِبُ إزَالَتُهُ: أَيْ الْبُصَاقِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ م ر (قَوْلُهُ: لِلِاخْتِلَافِ فِي تَحْرِيمِهِ) فِيهِ مَا مَرَّ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ لِلِاخْتِلَافِ إلَخْ يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِ الْإِنْكَارِ عَلَى فَاعِلِهِ وَقَدْ صَرَّحَ بِخِلَافِهِ (قَوْلُهُ: وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: يَقْطَعُ الْحُرْمَةَ) وَيُحْتَمَلُ انْقِطَاعُهَا مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ حُكْمٌ بِالْخَطِيئَةِ عَلَى نَفْسِ الْفِعْلِ، فَقَوْلُهُ فِيهِ وَكَفَّارَتُهَا: أَيْ الْخَطِيئَةِ دَفْنُهَا صَرِيحٌ فِي تَكْفِيرِ الْخَطِيئَةِ عَلَى الْفِعْلِ فَتُرْفَعُ الْحُرْمَةُ مُطْلَقًا.
اهـ سم عَلَى حَجّ.
[فَرْعٌ] قَالَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: وَكَذَا يُكْرَهُ عَمَلُ صِنَاعَةٍ فِيهِ: أَيْ فِي الْمَسْجِدِ إنْ كَثُرَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الِاعْتِكَافِ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ خَسِيسَةً تُزْرِي بِالْمَسْجِدِ وَلَمْ يَتَّخِذْ حَانُوتًا يَقْصِدُ فِيهِ بِالْعَمَلِ، وَإِلَّا فَيَحْرُمُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي فَتَاوِيهِ.
اهـ. وَقَيَّدَ م ر قَوْلَهُ: وَلَمْ يَتَّخِذْهُ حَانُوتًا بِمَا إذَا صَارَ ذَلِكَ الِاتِّخَاذُ مُزْرِيًا بِهِ، قَالَ: وَلَا يُنَافِيهِ مُقَابَلَتُهُ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْإِزْرَاءَ فِي الْأَوَّلِ مِنْ ذَاتِ الصَّنْعَةِ بِخِلَافِ الثَّانِي.
[فَرْعٌ] سُئِلَ م ر عَنْ الْوُضُوءِ عَلَى حُصْرِ الْمَسْجِدِ أَيَحْرُمُ؟ فَقَالَ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إزْرَاءً بِهِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَأَصَابَ جُزْءًا) عَطْفٌ عَلَى بَقِيَ لَا عَلَى اسْتَهْلَكَ كَمَا يُتَوَهَّمُ (قَوْلُهُ: فَوْرًا عَيْنًا عَلَى مَنْ عَلِمَ بِهِ) أَيْ فَإِنْ أَخَّرَ حَرُمَ عَلَيْهِ،
[حاشية الرشيدي]
يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا كَانَ عَنْ يَمِينِ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ (قَوْلُهُ: إكْرَامًا لِلْمَلَكِ) إنَّمَا يَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُصَلِّي عَلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الْحِكْمَةِ وَقْفَةً إنْ لَمْ تَكُنْ عَنْ تَوْقِيفٍ، وَعِبَارَةُ الشِّهَابِ حَجّ: وَلَا بُعْدَ فِي مُرَاعَاةِ مِلْكِ الْيَمِينِ دُونَ مِلْكِ الْيَسَارِ إظْهَارًا لِشَرَفِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَيَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَى فَاعِلِهِ) أَيْ بِشَرْطِهِ، وَهُوَ كَوْنُ الْفَاعِلِ
وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ بِهِ وَاضِعَهُ.
وَلَا يَحْرُمُ الْبَصْقُ عَلَى حَصِيرِ الْمَسْجِدِ إنْ أَمِنَ وُصُولَ شَيْءٍ مِنْهُ لَهُ مِنْ حَيْثُ الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ.
(وَ) يُكْرَهُ (وَضْعُ يَدِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي ذَكَرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (عَلَى خَاصِرَتِهِ) مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْ الِاخْتِصَارِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْكُفَّارِ أَوْ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ فِيهَا؛ وَلِأَنَّ إبْلِيسَ أُهْبِطَ مِنْ الْجَنَّةِ كَذَلِكَ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يُرَوِّحَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الصَّلَاةِ وَأَنْ يُفَرْقِعَ أَصَابِعَهُ أَوْ يُشَبِّكَهَا؛ لِأَنَّهُ عَبَثٌ، وَأَنْ يَمْسَحَ وَجْهَهُ فِيهَا وَقَبْلَ انْصِرَافِهِ مِمَّا يَعْلَقُ بِهِ مِنْ نَحْوِ غُبَارٍ (وَ) تُكْرَهُ (الْمُبَالَغَةُ فِي خَفْضِ الرَّأْسِ) عَنْ الظَّهْرِ (فِي رُكُوعِهِ) وَكَذَا خَفْضُهُ عَنْ أَكْمَلِ الرُّكُوعِ، وَإِنْ لَمْ يُبَالِغْ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ.
(وَ) تُكْرَهُ (الصَّلَاةُ فِي الْحَمَّامِ) وَلَوْ فِي مَسْلَخِهِ لِخَبَرِ «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» وَلِأَنَّهُ مَأْوَى الشَّيَاطِينِ عَلَى أَصَحِّ الْعِلَلِ، وَخَرَجَ بِالْحَمَّامِ سَطْحُهَا فَلَا تُكْرَهُ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِهِ عَنْ الزَّبَدِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ
[حاشية الشبراملسي]
فَلَوْ عَلِمَ بِهِ غَيْرُهُ بَعْدُ صَارَتْ فَرْضَ كِفَايَةٍ عَلَيْهِمَا ثُمَّ إنْ أَزَالَهَا الْأَوَّلُ سَقَطَ الْحَرَجُ، وَيَنْبَغِي دَفْعُ الْإِثْمِ عَنْهُ مِنْ أَصْلِهِ عَلَى نَظِيرِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبُصَاقِ أَوْ الثَّانِي سَقَطَ الْحَرَجُ، وَلَمْ تَنْقَطِعْ حُرْمَةُ التَّأْخِيرِ عَنْ الْأَوَّلِ إذْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ مَا يُكَفِّرُهَا (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ بِهِ وَاضِعُهُ) أَيْ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْ هُوَ مُعَدٌّ لِذَلِكَ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ الْبُصَاقُ) أَيْ، وَإِنْ حَرُمَ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ تَقْدِيرَ حَقِّ الْغَيْرِ، وَهُوَ الْمَالِكُ إنْ وَضَعَهَا فِي الْمَسْجِدِ لِمَنْ يُصَلِّي عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ وَقْفٍ وَمَنْ يَنْتَفِعُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً لِلصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ وَضْعُ يَدِهِ) أَيْ جِنْسُهَا الصَّادِقُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: أَنَّهُ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ فِيهَا) وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ مَا نَصُّهُ: ع رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ «الِاخْتِصَارُ فِي الصَّلَاةِ رَاحَةٌ لِأَهْلِ النَّارِ» قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَعْنِي فِعْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَهُمْ أَهْلُ النَّارِ.
اهـ. وَفِي نُسَخٍ مُتَعَدِّدَةٍ إسْقَاطُ لَفْظَةٍ فِيهَا وَعَلَيْهِ فَلَا مُعَارَضَةَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ يُشَبِّكَهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ وَكَذَا خَارِجَهَا إنْ كَانَ مُنْتَظِرًا لَهَا أَوْ مُتَوَجِّهًا إلَيْهَا فِي الطَّرِيقِ كَمَا يَأْتِي فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: وَقَبْلَ انْصِرَافِهِ) أَيْ مِنْ مَحَلِّ صَلَاتِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَاقْتَصَرَ حَجّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ الْحُفَّاظِ عَلَى كَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ.
وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي الْحَمَّامِ وَتُنْدَبُ إعَادَتُهَا وَلَوْ مُنْفَرِدًا لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَكَذَا كُلُّ صَلَاةٍ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّتِهَا يُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا عَلَى وَجْهٍ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ وَلَوْ مُنْفَرِدًا وَخَارِجَ الْوَقْتِ وَمِرَارًا (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِالْحَمَّامِ سَطْحُهَا) أَنَّثَهُ بِاعْتِبَارِ الْبُقْعَةِ، وَإِلَّا فَالْحَمَّامُ مُذَكَّرٌ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ) هِيَ
[حاشية الرشيدي]
يَرَى حُرْمَتَهُ، وَيُحْتَمَلُ وُجُوبُهُ هُنَا مُطْلَقًا لِتَعَدِّي ضَرَرِهِ إلَى الْغَيْرِ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ أَمَّا مِنْ حَيْثُ التَّقْدِيرُ مِمَّا لَا يَمْلِكُهُ فَالْحُرْمَةُ ثَابِتَةٌ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْكُفَّارِ أَوْ الْمُتَكَبِّرِينَ إلَخْ) عِبَارَةُ الشِّهَابِ حَجّ فِي التُّحْفَةِ: وَعِلَّتُهُ أَنَّهُ فِعْلُ الْكُفَّارِ أَوْ الْمُتَكَبِّرِينَ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ الشَّيْطَانِ لِمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ إبْلِيسَ هَبَطَ مِنْ الْجَنَّةِ كَذَلِكَ انْتَهَتْ.
وَقَوْلُهُ: لِمَا صَحَّ أَنَّهُ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ دَلِيلٌ لِكَوْنِهِ فِعْلَ الْكُفَّارِ أَوْ الْمُتَكَبِّرِينَ اللَّذَيْنِ قَالَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا قَائِلٌ، إذْ أَهْلُ النَّارِ هُمْ الْكُفَّارُ وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَالْمُرَادُ أَنَّ هَذَا فِعْلُهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ رِوَايَةُ ابْنِ حِبَّانَ «الِاخْتِصَارُ فِي الصَّلَاةِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ» وَقَوْلُهُ: أَوْ الشَّيْطَانِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْكُفَّارِ وَدَلِيلُهُ مَا بَعْدَهُ، وَفِي نُسَخٍ مِنْ الشَّارِحِ لَفْظُ فِيهَا عَقِبَ قَوْلِهِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ وَهُوَ غَيْرُ صَوَابٍ لِمَا عَلِمْت.
[الْفَرْقَعَةُ فِي الصَّلَاة أَوْ تَشْبِيكُ الْأَصَابِع]
(قَوْلُهُ: وَكَذَا خَفْضُهُ) أَيْ الرَّأْسَ، وَقَوْلُهُ: عَنْ أَكْمَلِ الرُّكُوعِ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالْخَفْضِ فِي أَقَلِّ الرُّكُوعِ لَا يُكْرَهُ، وَكَأَنَّهُ بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ كَالشِّهَابِ حَجّ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَإِلَّا فَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ الَّذِي نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ مُعْتَرِضًا بِهِ تَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ بِالْمُبَالَغَةِ، بَلْ وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُهُ لَيْسَ فِيهِ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِأَكْمَلِ الرُّكُوعِ، وَعِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ فِي الْقُوتِ: قُلْت فَأَفْهَمَ: أَيْ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْخَفْضَ بِدُونِ الْمُبَالَغَةِ لَا يُكْرَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ فِي الْأُمِّ: فَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ عَنْ ظَهْرِهِ أَوْ ظَهْرَهُ عَنْ رَأْسِهِ أَوْ جَافَى ظَهْرَهُ حَتَّى يَكُونَ كَالْمُحْدَوْدَبِ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ انْتَهَى.
وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ كَمَا سَبَقَ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ، وَالْمُبَالَغَةُ أَشَدُّ كَرَاهَةً، إلَى أَنْ قَالَ: فَتَقْيِيدُهُ بِالْمُبَالَغَةِ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ.
فِي الْحَمَّامِ الْجَدِيدِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِانْتِقَاءِ الْعِلَّةِ فِيهَا مَعَ انْتِفَاءِ مَا عَلَّلَ بِهِ أَيْضًا مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ فِيهَا وَاشْتِغَالِ الْقَلْبِ بِمُرُورِ النَّاسِ وَغَلَبَةِ النَّجَاسَةِ فِيهِ إذْ لَا يَصِيرُ مَأْوَى الشَّيَاطِينِ إلَّا بِكَشْفِ الْعَوْرَةِ فِيهِ، وَمِثْلُ الْحَمَّامِ كُلُّ مَحَلِّ مَعْصِيَةٍ (وَ) فِي (الطَّرِيقِ) وَالْبُنْيَانِ وَقْتَ مُرُورِ النَّاسِ بِهِ كَالْمَطَافِ؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ بِخِلَافِ الصَّحْرَاءِ الْخَالِي عَنْ النَّاسِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَقِيلَ لِغَلَبَةِ النَّجَاسَةِ لِلنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَهِيَ أَعْلَاهُ، وَقِيلَ صَدْرُهُ وَقِيلَ مَا بَرَزَ مِنْهُ، وَالْجَمِيعُ مُتَقَارِبٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَلَا يَنْتَفِي الْحُكْمُ بِانْتِفَاءِ بَعْضِهَا.
وَتُكْرَهُ فِي الْأَسْوَاقِ وَالرِّحَابِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْمَسْجِدِ كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ (وَ) فِي (الْمَزْبَلَةِ) أَيْ مَحَلِّ الزِّبْلِ وَنَحْوِهِ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا وَالْمَجْزَرَةِ وَمِثْلُهُ كُلُّ نَجَاسَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا إذَا فَرَشَ عَلَيْهِ طَاهِرًا وَصَلَّى، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِمُلَاقَاتِهِ نَجَسًا فِيهَا، وَإِنَّمَا تُكْرَهُ عَلَى الْحَائِلِ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُحَقَّقَةً وَحَاذَاهَا فَإِنْ بَسَطَهُ عَلَى مَا غَلَبَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ لَمْ تُكْرَهْ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ لِضَعْفِ ذَلِكَ بِالْحَائِلِ.
(وَ) فِي (الْكَنِيسَةِ) ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْكَافِ مُتَعَبَّدُ الْيَهُودِ، وَالْبِيعَةِ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْبَاءِ مُتَعَبَّدُ النَّصَارَى وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَمَاكِنِ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّهَا مَأْوَى الشَّيَاطِينِ، وَيَمْتَنِعُ عَلَيْنَا دُخُولُهَا عِنْدَ مَنْعِهِمْ لَنَا مِنْهُ، وَكَذَا إنْ كَانَ فِيهَا صُوَرٌ مُعَظَّمَةٌ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَ) فِي (عَطَنِ الْإِبِلِ) وَلَوْ طَاهِرًا، وَهِيَ مَا تَنَحَّى إلَيْهِ إذَا شَرِبَتْ لِيَشْرَبَ غَيْرُهَا، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ سِيقَتْ مِنْهُ لِلْمَرْعَى لِخَبَرِ «صَلَّوْا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ» أَيْ فِي مَرَاقِدِهَا «وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ» الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ أَنَّ الْإِبِلَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَشْتَدَّ نِفَارُهَا فَيُشَوِّشُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ مَأْوَى الشَّيَاطِينِ (قَوْلُهُ: كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ) أَيْ خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: كُلُّ مَحَلِّ مَعْصِيَةٍ) كَالصَّاغَةِ وَمَحَلِّ الْمَكْسِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمَعْصِيَةُ مَوْجُودَةً حِينَ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ كَذَلِكَ مَأْوًى لِلشَّيَاطِينِ (قَوْلُهُ: وَالْبُنْيَانِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الطَّرِيقُ فِي الْبُنْيَانِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ كَلَامُ حَجّ وَعِبَارَتُهُ: وَالطَّرِيقُ فِي صَحْرَاءَ أَوْ بُنْيَانٍ وَقْتَ مُرُورِ النَّاسِ بِهِ كَالْمَطَافِ؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ اسْتِقْبَالُهُ كَالْوُقُوفِ بِهِ.
اهـ. وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ: وَمِنْ ثَمَّ إلَخْ أَنَّ حُكْمَ اسْتِقْبَالِ الطَّرِيقِ كَالْوُقُوفِ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ) يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ فِي ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَشْغَلُهُ وَلَوْ احْتِمَالًا، أَمَّا إذَا قُطِعَ بِانْتِفَاءِ ذَلِكَ كَكَوْنِهِ فِي رَحْبَةٍ خَالِيَةٍ لَيْلًا فَلَا كَرَاهَةَ، وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي الْأَسْوَاقِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ مَحَلَّ مَعْصِيَةٍ
[الصَّلَاةُ فِي الْكَنِيسَةِ وَالْبِيعَةِ]
(قَوْلُهُ: وَفِي الْكَنِيسَةِ) وَلَوْ جَدِيدَةً فِيمَا يَظْهَرُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَمَّامِ الْجَدِيدِ بِغِلَظِ أَمْرِهَا لِكَوْنِهَا مُعَدَّةً لِلْعِبَادَةِ الْفَاسِدَةِ فَأَشْبَهَتْ الْخَلَاءَ الْجَدِيدَ بَلْ أَوْلَى مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِمَا) أَيْ مِنْ كُلِّ مَا يُعَظِّمُونَهُ لَهُ (قَوْلُهُ: صُوَرٌ مُعَظَّمَةٌ) أَيْ لَهُمْ.
[الصَّلَاةُ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ]
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ) أَيْ
[حاشية الرشيدي]
[الصَّلَاةُ فِي الْحَمَّامِ]
قَوْلُهُ: كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ) يَعْنِي تَقْيِيدَ الْكَرَاهَةِ بِالْبُنْيَانِ وَنَفْيَهَا فِي الصَّحْرَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ لِلْبُنْيَانِ وَقْتَ مُرُورِ النَّاسِ بِهِ وَبِالنِّسْبَةِ لِلصَّحْرَاءِ الْخَالِي عَنْ النَّاسِ فَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ التَّحْقِيقِ وَإِنَّمَا هُوَ حَمْلٌ مِنْهُ لِكَلَامِ التَّحْقِيقِ وَإِنْ أَوْهَمَ سِيَاقُهُ خِلَافَهُ، وَعِبَارَةُ التَّحْقِيقِ: وَقَارِعَةُ الطَّرِيقِ فِي الْبُنْيَانِ، قِيلَ وَفِي الْبَرِّيَّةِ انْتَهَتْ.
فَحَمَلَهَا الشَّارِحُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ الْغَالِبَ فِي الطَّرِيقِ فِي الْبُنْيَانِ مُرُورُ النَّاسِ بِخِلَافِهِ فِي الصَّحْرَاءِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْمَدَارَ فِي الْكَرَاهَةِ عَلَى كَثْرَةِ مُرُورِ النَّاسِ وَفِي عَدَمِهَا عَلَى عَدَمِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى خُصُوصِ الْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لِغَلَبَةِ النَّجَاسَةِ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ، وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهُ عَقِبَهُ أَوْ تَغْيِيرَ هَذَا الصَّنِيعِ (قَوْلُهُ: لِلنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ) تَعْلِيلٌ لِأَصْلِ الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ) أَيْ مِنْ الْعِلَّتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ وَفِي قَوْلِهِ وَقِيلَ لِغَلَبَةِ النَّجَاسَةِ، وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَ هَذَا عَقِبَهُمَا، عَلَى أَنَّهُ لَا يُلَائِمُ مَا مَرَّ لَهُ مِنْ تَعْوِيلِهِ فِي الْحُكْمِ عَلَى أَوَّلِيهِمَا وَحِكَايَةِ ثَانِيَتِهِمَا بِقِيلَ.
وَعِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ ثُمَّ قِيلَ الْكَرَاهَةُ لِمُرُورِ النَّاسِ وَقِيلَ لِلنَّجَاسَةِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ إلَخْ، وَبِالْجُمْلَةِ فَكَلَامُهُ فِي هَذِهِ السِّوَادَةِ فِي غَايَةِ الْقَلَاقَةِ
الْخُشُوعَ، وَلَا كَذَلِكَ الْغَنَمُ، وَلَا تَخْتَصُّ الْكَرَاهَةُ بِعَطَنِهَا بَلْ مَأْوَاهَا وَمَقِيلِهَا وَمَبَارِكِهَا بَلْ وَسَائِرِ مَوَاضِعِهَا كَذَلِكَ، وَالْكَرَاهَةُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْعَطَنِ أَشَدُّ مِنْ مَأْوَاهَا إذْ نِفَارُهَا فِي الْعَطَنِ أَكْثَرُ.
نَعَمْ لَا كَرَاهَةَ فِي عَطَنِهَا الطَّاهِرُ حَالَ غَيْبَتِهَا عَنْهُ، وَالْبَقَرُ كَالْغَنَمِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ، وَمَتَى كَانَ بِمَحَلِّ الْحَيَوَانِ نَجَاسَةٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا، لَكِنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهَا حِينَئِذٍ لِعِلَّتَيْنِ، وَفِي غَيْرِهَا لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ.
(وَ) فِي (الْمَقْبَرَةِ) بِتَثْلِيثِ الْمُوَحَّدَةِ (الطَّاهِرَةِ) ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ تُنْبَشْ أَوْ نُبِشَتْ وَفُرِشَ عَلَيْهَا طَاهِرٌ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ مَعَ خَبَرِ مُسْلِمٍ «لَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» أَيْ أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَخَبَرِ «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا» وَعِلَّتُهُ مُحَاذَاتُهُ لِلنَّجَاسَةِ سَوَاءٌ مَا تَحْتَهُ أَوْ أَمَامَهُ أَوْ بِجَانِبِهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تَفْتَرِقْ الْكَرَاهَةُ بَيْنَ الْمَنْبُوشَةِ بِحَائِلٍ وَغَيْرِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَقْبَرَةِ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ بِأَنْ دُفِنَ بِهَا أَوَّلُ مَيِّتٍ بَلْ لَوْ دُفِنَ مَيِّتٌ بِمَسْجِدٍ كَانَ كَذَلِكَ، وَتَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْمُحَاذَاةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا لِبُعْدِ الْمَوْتَى عَنْهُ عُرْفًا، وَيُسْتَثْنَى كَمَا قَالَهُ فِي التَّوْشِيحِ مَقَابِرُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ أَيْ إذَا كَانَتْ لَيْسَ فِيهَا مَدْفُونٌ سِوَى نَبِيٍّ أَوْ أَنْبِيَاءَ فَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ كُلَّ أَجْسَادِهِمْ وَلِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مَقَابِرُ شُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ، وَاعْتِرَاضُ الزَّرْكَشِيّ كَلَامَ التَّوْشِيحِ بِأَنَّ تَجْوِيزَ الصَّلَاةِ فِي مَقْبَرَةِ الْأَنْبِيَاءِ ذَرِيعَةٌ إلَى اتِّخَاذِهَا مَسْجِدًا، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ اتِّخَاذِ مَقَابِرِهِمْ مَسْجِدًا وَسَدُّ الذَّرَائِعِ مَطْلُوبٌ لَا سِيَّمَا تَحْرِيمُ اسْتِقْبَالِ رَأْسِ قُبُورِهِمْ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ هُنَا قَصْدُ اسْتِقْبَالِهَا لِتَبَرُّكٍ أَوْ نَحْوِهِ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الصَّلَاةِ إلَيْهَا اسْتِقْبَالُ رَأْسِهِ وَلَا اتِّخَاذُهُ مَسْجِدًا، عَلَى أَنَّ اسْتِقْبَالَ قَبْرِ غَيْرِهِمْ مَكْرُوهٌ أَيْضًا كَمَا أَفَادَهُ خَبَرُ «وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا» فَحِينَئِذٍ الْكَرَاهَةُ لِشَيْئَيْنِ: اسْتِقْبَالُ الْقَبْرِ، وَمُحَاذَاةُ النَّجَاسَةِ.
وَالثَّانِي
[حاشية الشبراملسي]
خُلِقَتْ عَلَى صِفَةٍ تُشْبِهُ الشَّيَاطِينَ مِنْ النُّفُورِ وَالْإِيذَاءِ.
وَعِبَارَةُ حَجّ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ، وَفِي رِوَايَةٍ: إنَّهَا جِنٌّ خُلِقَتْ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْإِبِلَ خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ، بَلْ فِي حَدِيثٍ «إنَّ عَلَى سَنَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا شَيْطَانَيْنِ» وَالصَّلَاةُ تُكْرَهُ فِي مَأْوَى الشَّيَاطِينِ.
اهـ. وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَعْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ: أَلَا تَرَى أَنَّهَا إذَا نَفَرَتْ كَيْفَ تَشْمَخُ بِأَنْفِهَا؟ قَالَ الْقَاضِي: الْمَرَابِضُ جَمْعُ مَرْبِضٍ، وَهُوَ مَأْوَى الْغَنَمِ، وَالْأَعْطَانُ الْمَبَارِكُ، وَالْفَارِقُ أَنَّ الْإِبِلَ كَثِيرَةُ النِّفَارِ فَلَا يَأْمَنُ الْمُصَلِّي فِي أَعْطَانِهَا أَنْ تَنْفِرَ وَتَقْطَعَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ، ثُمَّ قَالَ: وَاسْتُشْكِلَ التَّعْلِيلُ بِكَوْنِهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ بِمَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُصْطَفَى كَانَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَبَيْنَ كَوْنِهَا مُجْتَمِعَةً بِمَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ مِنْ النِّفَارِ الْمُفْضِي إلَى تَشْوِيشِ الْقَلْبِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْكُوبِ مِنْهَا.
اهـ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَعْنَى خَلْقِهَا مِنْ الشَّيَاطِينِ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: وَسَائِرِ مَوَاضِعِهَا كَذَلِكَ) أَيْ، وَإِنْ كَانَتْ مَرْبُوطَةً رَبْطًا وَثِيقًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَحْصُلَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ مِمَّا يُذْهِبُ الْخُشُوعَ.
[الصَّلَاةُ فِي الْمَقْبَرَةِ الطَّاهِرَةِ]
(قَوْلُهُ: وَفُرُشٌ عَلَيْهَا طَاهِرٌ) أَيْ أَوْ نَبَتَ عَلَيْهَا حَشِيشٌ غَطَّاهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِطَهَارَتِهِ (قَوْلُهُ: سِوَى نَبِيٍّ أَوْ أَنْبِيَاءَ) أَيْ وَأَمَّا إذَا دُفِنَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ فِيهَا غَيْرُهُمْ فَإِنْ حَاذَى غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ فِي صَلَاتِهِ كُرِهَ، وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: فَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: يُصَلُّونَ) الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ صَلَاةً بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ كَمَا يُفْعَلُ فِي الدُّنْيَا وَلَا مَانِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أُمُورَ الْآخِرَةِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: ذَرِيعَةً) أَيْ وَسِيلَةً مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ: الذَّرَائِعُ) أَيْ الْوَسَائِلُ الَّتِي تُؤَدِّي إلَى مُحَرَّمٍ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ هُنَا) أَيْ لِلتَّحْرِيمِ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ اسْتِقْبَالَ قَبْرِ غَيْرِهِمْ) أَيْ الْأَنْبِيَاءِ وَشُهَدَاءِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ هُنَا) أَيْ يَشْتَرِط فِي تَحْقِيق الْحُرْمَةِ