نهاية المحتاج إلى شرح المنهاجصفحات 167-206

كِتَابُ الطَّهَارَةِ

صفحات 167-206

فَلَوْ وَضَعَ عَلَى جَائِفَةٍ بِبَطْنِهِ دَوَاءً فَوَصَلَ جَوْفَهُ أَفْطَرَ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بَاطِنَ الْأَمْعَاءِ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ.
وَيُمْكِنُ دَفْعُ ذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ: إنَّمَا قُيِّدَ بِالْبَاطِنِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَأْتِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ

(وَالتَّقْطِيرُ فِي بَاطِنِ الْأُذُنِ) وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى الدِّمَاغِ (وَ) بَاطِنُ (الْإِحْلِيلِ) وَهُوَ مَخْرَجُ الْبَوْلِ مِنْ الذَّكَرِ وَاللَّبَنِ مِنْ الثَّدْيِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى الْمَثَانَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْ الْحَشَفَةَ أَوْ الْحَلَمَةَ (مُفْطِرٌ) (فِي الْأَصَحِّ) لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى مُسَمَّى الْجَوْفِ.
وَالثَّانِي لَا اعْتِبَارَ بِالْإِحَالَةِ وَالْحَلْقُ مُلْحَقٌ بِالْجَوْفِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ حَالَةَ الِاسْتِنْجَاءِ لِأَنَّهُ مَتَى أَدْخَلَ طَرَفَ أُصْبُعِهِ دُبُرَهُ أَفْطَرَ وَمِثْلُهُ فَرْجُ الْأُنْثَى، وَلَوْ طَعَنَ نَفْسَهُ أَوْ طَعَنَهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ فَوَصَلَ السِّكِّينُ جَوْفَهُ أَوْ أَدْخَلَ فِي إحْلِيلِهِ أَوْ أُذُنِهِ عُودًا أَوْ نَحْوَهُ فَوَصَلَ إلَى الْبَاطِنِ أَفْطَرَ، وَلَوْ ابْتَلَعَ لَيْلًا طَرَفَ خَيْطٍ وَأَصْبَحَ صَائِمًا فَإِنْ ابْتَلَعَهُ أَوْ نَزَعَهُ أَفْطَرَ وَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، فَطَرِيقُهُ فِي صِحَّتِهِمَا أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْهُ آخَرُ وَهُوَ غَافِلٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَافِلًا وَتَمَكَّنَ مِنْ دَفْعِ النَّازِعِ أَفْطَرَ، إذْ النَّزْعُ مُوَافِقٌ لِغَرَضِ النَّفْسِ فَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ فِي حَالَةِ تَمَكُّنِهِ مِنْ دَفْعِهِ وَبِهَذَا فَارَقَ مَنْ طَعَنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَتَمَكَّنَ مِنْ مَنْعِهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَدْ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ عَارِفٌ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَيُرِيدُ الْخَلَاصَ فَطَرِيقُهُ أَنْ يُجْبِرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى نَزْعِهِ وَلَا يُفْطِرُ لِأَنَّهُ كَالْكُرْهِ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَبِلَ إنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِالنَّزْعِ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يَبْعُدْ تَنْزِيلًا لِإِيجَابِ الشَّرْعِ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَطَأَهَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَوَجَدَهَا حَائِضًا لَا يَحْنَثُ بِتَرْكِ الْوَطْءِ مَرْدُودٌ بِمَنْعِ الْقِيَاسِ، إذْ الْحَيْضُ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ إلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ، وَحَيْثُ لَمْ يَتَّفِقْ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ يَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُهُ أَوْ ابْتِلَاعُهُ مُحَافَظَةً عَلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّ حُكْمَهَا أَغْلَظُ مِنْ حُكْمِ الصَّوْمِ لِقَتْلِ تَارِكِهَا دُونَهُ وَلِهَذَا لَا تُتْرَكُ الصَّلَاةُ بِالْعُذْرِ بِخِلَافِهِ.
قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: هَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يَتَأَتَّ لَهُ

[حاشية الشبراملسي]

اسْمٌ لِلدَّوَاءِ نَفْسِهِ

(قَوْلُهُ: وَالتَّقْطِيرُ فِي بَاطِنِ الْأُذُنِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ: لِأَنَّهُ نَافِذٌ إلَى دَاخِلِ قِحْفِ الرَّأْسِ وَهُوَ جَوْفٌ اهـ. وَقَوْلُهُ إلَى الدِّمَاغِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الدِّمَاغُ كَكِتَابٍ مُخُّ الرَّأْسِ أَوْ أُمُّ الْهَامِ أَوْ أُمُّ الرَّأْسِ أَوْ أُمُّ الدِّمَاغِ جُلَيْدَةٌ رَقِيقَةٌ كَخَرِيطَةٍ هُوَ فِيهَا اهـ. وَقَالَ أَيْضًا: الْقِحْفُ بِالْكَسْرِ الْعَظْمُ فَوْقَ الدِّمَاغِ وَمَا انْفَلَقَ مِنْ الْجُمْجُمَةِ فَبَانَ وَلَا يُدْعَى قِحْفًا حَتَّى يَبِينَ أَوْ يَنْكَسِرَ مِنْهُ شَيْءٌ اهـ (قَوْلُهُ: وَاللَّبَنِ مِنْ الثَّدْيِ) أَيْ لِأَنَّ الثَّدْيَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْإِحْلِيلُ لُغَةً، وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ: وَالْإِحْلِيلُ مَخْرَجُ الْبَوْلِ وَمَخْرَجُ اللَّبَنِ مِنْ الضَّرْعِ وَالثَّدْيِ (قَوْلُهُ: وَالْحَلْقِ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ وَالْحَلْقُ الْحُلْقُومُ (قَوْلُهُ: دُبُرَهُ) أَيْ بِأَنْ جَاوَزَ بِهِ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الدُّبُرِ وَقُبُلِ الْمَرْأَةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ ابْتَلَعَ لَيْلًا إلَخْ) وَبَحَثَ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ نَزْعُ قُطْنَةٍ مِنْ بَاطِنِ إحْلِيلِهِ أَدْخَلَهَا لَيْلًا اهـ حَجّ.
وَيُفْهِمُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا مَرَّ وَعَنْ وُصُولِ عَيْنٍ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْجَوْفِ لَا يُفْطِرُ إلَّا الْقَيْءُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ (قَوْلُهُ: أَنْ يَنْزِعَهُ آخَرُ وَهُوَ غَافِلٌ) أَيْ فَلَا يَكُونُ هُوَ سَبَبًا فِي نَزْعِهِ، فَلَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِقَلْعِهِ مِنْهُ بَعْدَ غَفْلَتِهِ بَطَلَ صَوْمُهُ (قَوْلُهُ: مَنْ طَعَنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ حَيْثُ لَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ، قَالَ حَجّ: إذْ لَا فِعْلَ لَهُ وَإِنَّمَا نَزَّلُوا تَمَكُّنَ الْمُحْرِمِ مِنْ الدَّفْعِ عَنْ الشَّعْرِ مَنْزِلَةَ فِعْلِهِ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ فَلَزِمَهُ الدَّفْعُ عَنْهَا بِخِلَافِ مَا هُنَا.
نَعَمْ يُشْكَلُ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ لَهُ لَوْ حَلَفَ لَيَأْكُلَن ذَا الطَّعَامَ غَدًا فَأَتْلَفَهُ مَنْ قَدَرَ عَلَى انْتِزَاعِهِ مِنْهُ وَهُوَ سَاكِتٌ حَنِثَ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمَلْحَظَ ثُمَّ تَفْوِيتَ الْبِرِّ بِاخْتِيَارِهِ وَسُكُوتِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ عُرْفًا أَنَّهُ فَوَّتَهُ وَهُنَا تَعَاطِي مُفْطِرٍ وَهُوَ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ عُرْفًا وَلَا شَرْعًا أَنَّهُ تَعَاطَاهُ، وَفِيمَا مَرَّ فِيمَا إذَا جَرَتْ النُّخَامَةُ بِنَفْسِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَجِّهَا إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنْ ثُمَّ فَاعِلًا يُحَالُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ فَلَمْ يُنْسَبْ لِسَاكِتٍ شَيْءٌ بِخِلَافِ نُزُولِ النُّخَامَةِ، وَأَيْضًا فَمِنْ شَأْنِ دَفْعِ الطَّاعِنِ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ هَلَاكٌ أَوْ نَحْوُهُ فَلَمْ يُكَلَّفْ الدَّفْعَ وَإِنْ قَدَرَ، بِخِلَافِ مَا عَدَاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قُدْرَتُهُ عَلَى دَفْعِهِ كَفِعْلِهِ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ مَسْأَلَةُ النُّخَامَةِ وَتَقْيِيدُهُمْ عَدَمَ الْفِطْرِ بِفِعْلِ الْغَيْرِ بِالْمُكْرَهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ ذَهَبَ إلَى الْحَاكِمِ وَأَجْبَرَهُ بِذَلِكَ فَأَكْرَهَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ الْحَاكِمُ بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا فَهَلْ الذَّهَابُ لِلْحَاكِمِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوُجُوبِ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ لَا يُسَاعِدُهُ (قَوْلُهُ: مُحَافَظَةً عَلَى الصَّلَاةِ)

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قَطْعُ الْخَيْطِ مِنْ حَدِّ الظَّاهِرِ مِنْ الْفَمِ، فَإِنْ تَأَتَّى وَجَبَ الْقَطْعُ وَابْتِلَاعُ مَا فِي حَدِّ الْبَاطِنِ وَإِخْرَاجُ مَا فِي الظَّاهِرِ، وَإِذَا رَاعَى مَصْلَحَةَ الصَّلَاةِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْتَلِعَهُ وَلَا يُخْرِجَهُ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَنَجُّسِ فَمِهِ

(وَشَرْطُ الْوَاصِلِ كَوْنُهُ فِي مَنْفَذٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ كَمَا ضَبَطَهُ الْمُصَنِّفُ كَالْمَدْخَلِ وَالْمَخْرَجِ (مَفْتُوحٌ فَلَا يَضُرُّ وُصُولُ الدُّهْنِ) إلَى الْجَوْفِ (بِتَشَرُّبِ الْمَسَامِّ) وَهِيَ ثُقَبُ الْبَدَنِ (وَلَا) يَضُرُّ (الِاكْتِحَالُ وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ) أَيْ الْكُحْلِ (بِحَلْقِهِ) كَمَا لَا يَضُرُّ الِانْغِمَاسُ فِي الْمَاءِ وَإِنْ وَجَدَ أَثَرَهُ بِبَاطِنِهِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَا يُكْرَهُ الِاكْتِحَالُ لَهُ.
وَالْمَسَامُّ جَمْعُ سَمٍّ بِتَثْلِيثِ السِّينِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَمَسَامُّ الْجَسَدِ ثُقَبُهُ (وَكَوْنُهُ) أَيْ الْوَاصِلِ (بِقَصْدٍ، فَلَوْ وَصَلَ جَوْفَهُ ذُبَابٌ أَوْ بَعُوضَةٌ أَوْ غُبَارُ الطَّرِيقِ وَغَرْبَلَةُ الدَّقِيقِ لَمْ يُفْطِرْ) وَإِنْ أَمْكَنَهُ اجْتِنَابُ ذَلِكَ بِإِطْبَاقِ الْفَمِ أَوْ غَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ، بَلْ لَوْ فَتَحَ فَاهُ عَمْدًا حَتَّى دَخَلَ جَوْفَهُ لَمْ يُفْطِرْ أَيْضًا لِأَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْ جِنْسِهِ، وَشَبَّهَهُ الشَّيْخَانِ بِالْخِلَافِ فِي الْعَفْوِ عَنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ الْمَقْتُولَةِ عَمْدًا، وَقَضِيَّتُهُ تَصْحِيحُ أَنْ مَحَلَّ عَدَمِ الْإِفْطَارِ بِهِ: أَيْ عِنْدَ

[حاشية الشبراملسي]

وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِقَلْعِهِ أَوْ ابْتِلَاعِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهَلْ هُوَ فَوْرِيٌّ أَوْ لَا، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ صَوْمٌ بِعُذْرٍ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ فَوْرًا أَنَّ الْقَضَاءَ هُنَا عَلَى التَّرَاخِي إذَا قُلْنَا بِهِ

(قَوْلُهُ: كَمَا ضَبَطَهُ الْمُصَنِّفُ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: نَوَافِذُ الْإِنْسَانِ كُلُّ شَيْءٍ يُوصِلُ إلَى النَّفْسِ فَرَحًا أَوْ تَرَحًا كَالْأُذُنَيْنِ وَاحِدُهَا نَافِذٌ وَالْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ مَنَافِذُ وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ قِيَاسًا فَإِنَّ الْمَنْفِذَ مِثْلُ (مَسْجِدٍ) مَوْضِعُ نُفُوذِ الشَّيْءِ اهـ. وَضَبْطُهُ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْضًا وَلَمْ يَعْزُهُ، وَعَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مَا فِي الْمِصْبَاحِ مِنْ قَوْلِهِ مِثْلُ مَسْجِدٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَافَقَ مَا هُنَا وَإِنْ كَانَ بِكَسْرِهَا خَالَفَهُ فَلْيُرَاجَعْ، وَفِي الْقَامُوسِ: وَالْمَسْجَدُ كَمَسْكَنٍ الْجَبْهَةُ وَالْآرَابُ السَّبْعَةُ مَسَاجِدُ.
وَالْمَسْجِدُ مَعْرُوفٌ وَيُفْتَحُ (قَوْلُهُ: فَلَا يُكْرَهُ الِاكْتِحَالُ لَهُ) لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا فِي الْحِلْيَةِ، وَقَدْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ لِقُوَّةِ خِلَافِ مَالِكٍ فِيهِ اهـ حَجّ.
أَقُولُ: قُوَّةُ الْخِلَافِ لَا تُنَاسِبُ كَوْنَهُ خِلَافَ الْأَوْلَى بَلْ تُؤَيَّدُ الْكَرَاهَةُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ فِي عَدَمِ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ لِأَنَّ عَدَمَ الْمُرَاعَاةِ خِلَافُ الْأَوْلَى (قَوْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي غُبَارِ الطَّرِيقِ بَيْنَ الطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ مَرَّ سم خِلَافًا لِحَجِّ وَالزِّيَادِيِّ حَيْثُ قَيَّدَاهُ بِالطَّاهِرِ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى الْبَهْجَةِ أَيْضًا قَوْلُهُ وَغُبَارِ الطَّرِيقِ الْأَوْجَهُ اشْتِرَاطُ طَهَارَتِهِ فَإِنْ كَانَ نَجِسًا أَفْطَرَ مَرَّ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ لِغِلَظِ أَمْرِ النَّجَاسَةِ وَلِنُدْرَةِ حُصُولِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّاهِرِ.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ نَصُّهَا: وَقَوْلُهُ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ غُبَارِ الطَّرِيقِ الطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ اعْتَمَدَهُ مَرَّ.
وَقَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ فِيهِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ يُتَّجَهُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ الْقَلِيلُ الْحَاصِلُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ مَرَّ، وَالثَّانِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ غَسْلُ الْفَمِ مِنْهُ حِينَئِذٍ فَوْرًا أَوْ يُعْفَى عَنْهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ جَزَمَ بَعْضُهُمْ: أَيْ الْخَطِيبُ فِي شَرْحِهِ بِوُجُوبِ الْغَسْلِ فَوْرًا فَلْيُرَاجَعْ، فَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا فَذَاكَ وَإِلَّا فَلَا يَبْعُدُ الْعَفْوُ.
نَعَمْ إنْ تَعَمَّدَ فَتْحَ فَاهُ لِيَدْخُلَ فَفِي الْعَفْوِ عَلَى هَذَا نَظَرٌ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ إلَخْ وَالْأَوْجَهُ الْفِطْرُ فِي النَّجِسِ.
أَقُولُ: هَذَا يُعَارِضُ اعْتِمَادَ مَرَّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ قَرِيبًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ تَأَمَّلْ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ دَمِيَتْ لِثَتُهُ وَبَصَقَ حَتَّى صَفَّى رِيقَهُ ثُمَّ ابْتَلَعَهُ أَفْطَرَ وَقَدْ يُفَرَّقُ اهـ. وَقَوْلُهُ وَإِلَّا فَلَا يَبْعُدُ الْعَفْوُ، أَقُولُ: الْأَوْجَهُ وُجُوبُ الْغَسْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْقُولًا، إذْ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ عَدَمِ الْفِطْرِ وَوُجُوبِ الْغَسْلِ.
وَقَوْلُهُ أَقُولُ هَذَا يُعَارِضُ إلَخْ.
أَقُولُ: لَا مُعَارَضَةَ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا دَخَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَمَا هُنَا مَفْرُوضٌ فِيمَا لَوْ فَتَحَ فَاهُ حَتَّى دَخَلَ وَهُوَ بِاخْتِيَارِهِ فَيَضُرُّ (قَوْلُهُ: حَتَّى دَخَلَ جَوْفَهُ لَمْ يُفْطِرْ)

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَمَسَامُّ الْجَسَدِ ثُقْبُهُ) تَقَدَّمَ مَا يُغْنِي عَنْهُ

التَّعَمُّدِ إذَا كَانَ قَلِيلًا، وَلَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ عَدَمُ الْفَرْقِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَلَوْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي الْمَاءِ فَدَخَلَ جَوْفَهُ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ سَدَّ فَاهُ لَمْ يَدْخُلْ أَفْطَرَ لِقَوْلِ الْأَنْوَارِ: وَلَوْ فَتَحَ فَاهُ فِي الْمَاءِ فَدَخَلَ جَوْفَهُ أَفْطَرَ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ مَا مَرَّ إنَّمَا عُفِيَ عَنْهُ لِعُسْرٍ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَفِيهِ لَوْ وَضَعَ شَيْئًا فِيهِ عَمْدًا: أَيْ لِغَرَضٍ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي وَابْتَلَعَهُ نَاسِيًا لَمْ يُفْطِرْ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الدَّارِمِيِّ لَوْ كَانَ بِفِيهِ أَوْ أَنْفِهِ مَاءٌ فَحَصَلَ لَهُ نَحْوُ عُطَاسٍ فَنَزَلَ بِهِ الْمَاءُ جَوْفَهُ أَوْ صَعِدَ لِدِمَاغِهِ لَمْ يُفْطِرْ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي مِنْ الْفِطْرِ بِسَبْقِ الْمَاءِ الَّذِي وَضَعَهُ فِي فِيهِ لِأَنَّ الْعُذْرَ هُنَا أَظْهَرُ وَقَدْ مَرَّ عَدَمُ فِطْرِهِ بِالرَّائِحَةِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْأَنْوَارِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ وُصُولَ الدُّخَانِ الَّذِي فِيهِ رَائِحَةُ الْبَخُورِ أَوْ غَيْرِهِ إلَى الْجَوْفِ لَا يُفْطِرُ بِهِ وَإِنْ تَعَمَّدَ فَتْحَ فِيهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَبِهِ أَفْتَى الشَّمْسُ الْبِرْمَاوِيُّ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَيْنًا: أَيْ عُرْفًا، إذْ الْمَدَارُ هُنَا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ مُلْحَقَةً بِالْعَيْنِ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ ظُهُورَ الرِّيحِ وَالطَّعْمِ مُلْحَقٌ بِالْعَيْنِ فِيهِ لَا هُنَا، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ انْفِصَالُ عَيْنٍ هُنَا، وَلَوْ خَرَجَتْ مُقْعَدَةُ الْمَبْسُورِ ثُمَّ عَادَتْ لَمْ يُفْطِرْ، وَكَذَا إنْ أَعَادَهَا عَلَى الْأَصَحِّ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ كَمَا لَا يَبْطُلُ طُهْرُ الْمُسْتَحَاضَةِ بِخُرُوجِ الدَّمِ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَالْخُوَارِزْمِيّ، وَيُوَجَّهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ كَالرِّيقِ إذَا ابْتَلَعَهُ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنْ الْفَمِ عَلَى اللِّسَانِ وَبِهِ يُفَارِقُ مَا لَوْ أَكَلَ جُوعًا، وَجَمَعَ الْمُصَنِّفُ الذُّبَابَ وَأَفْرَدَ الْبَعُوضَةَ تَبَعًا لِنَظْمِ الْآيَةِ أَوْ لِأَنَّ الْبَعُوضَةَ لَمَّا كَانَتْ أَصْغَرَ جِرْمًا مِنْ الذُّبَابَةِ وَأَسْرَعَ دُخُولًا مِنْهَا مَعَ أَنَّ جَمْعَ الذُّبَابِ مَعَ كِبَرِ جِرْمِهِ وَنُدْرَةِ دُخُولِهِ بِالنِّسْبَةِ لَهَا لَا يَضُرُّ عُلِمَ أَنَّ جَمْعَ الْبَعُوضِ لَا يَضُرُّ بِالْأَوْلَى فَأَفْرَدَ الْبَعُوضَ وَجَمَعَ الذُّبَابَ لِفَهْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الثَّانِي بِالْأَوْلَى.

(وَلَا يُفْطِرُ بِبَلْعِ رِيقِهِ) الصَّرْفُ (مِنْ مَعْدِنِهِ) أَيْ مَحَلِّهِ وَهُوَ الْفَمُ جَمِيعُهُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا نَبَعَ لِتَلْيِينِ مَأْكُولٍ أَوْ تَرْطِيبِ لِسَانٍ أَوْ تَسْهِيلِ نُطْقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ، وَاحْتُرِزَ بِرِيقِهِ عَمَّا لَوْ مَصَّ رِيقَ غَيْرِهِ وَبَلَعَهُ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ جَزْمًا (فَلَوْ خَرَجَ عَنْ الْفَمِ) وَلَوْ إلَى ظَاهِرِ الشَّفَةِ لَا عَلَى

[حاشية الشبراملسي]

قَالَ سم عَلَى بَهْجَةِ بَعْدَ مِثْلَ مَا ذُكِرَ عَنْ وَالِدِ الشَّارِحِ: وَفِي الْعُبَابِ الْجَزْمُ بِالْفِطْرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (قَوْلُهُ: عَدَمُ الْفَرْقِ) أَيْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ لَوْ فَتَحَ فَاهُ عَمْدًا (قَوْلُهُ: وَفِيهِ) أَيْ الْأَنْوَارِ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ) فِي أَخْذِ هَذَا مِمَّا مَرَّ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَيَّدَ عَدَمَ الْفِطْرِ ثُمَّ بِوُصُولِ الرِّيحِ بِالشَّمِّ، وَمَا هُنَا لَيْسَ بِالشَّمِّ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَنِدْ هُنَا لِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ بَلْ نَقَلَهُ عَنْ الْبِرْمَاوِيِّ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ لِمَا تَقَرَّرَ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ شُرْبَ مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِالدُّخَانِ لَا يُفْطِرُ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْعُرْفِ هُنَا فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى عَيْنًا، كَمَا أَنَّ الدُّخَانَ الْمُخْتَلِطَ بِالْبَخُورِ لَا يُسَمَّاهُ وَلَا يُنَافِيهِ عَدُّهُمْ الدُّخَانَ عَيْنًا فِي بَابِ النَّجَاسَةِ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ اخْتِلَافِ مَلْحَظِ الْبَابَيْنِ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِذَلِكَ أَوَّلًا ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ قَصَبَةً مِمَّا يُشْرَبُ فِيهِ وَكَسَرَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَرَاهُ مَا تَجَمَّدَ مِنْ أَثَرِ الدُّخَانِ فِيهَا وَقَالَ لَهُ هَذَا عَيْنٌ، فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ حَيْثُ كَانَ عَيْنًا يُفْطِرُ.
وَنَاقَشَ فِي ذَلِكَ بَعْضَ تَلَامِذَتِهِ أَيْضًا بِأَنَّ مَا فِي الْقَصَبَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ الرَّمَادِ الَّذِي يَبْقَى مِنْ أَثَرِ النَّارِ لَا مِنْ عَيْنِ الدُّخَانِ الَّذِي يَصِلُ إلَى الدِّمَاغِ، وَقَالَ: الظَّاهِرُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّارِحِ مِنْ عَدَمِ الْإِفْطَارِ بِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، غَيْرَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ هُنَا وَإِنْ تَعَمَّدَ فَتْحَ فِيهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ قَدْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ ابْتَلَعَهُ أَفْطَرَ وَعَدَمُ تَسْمِيَتِهِ عَيْنًا يَقْتَضِي عَدَمَ الْفِطْرِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا إنْ أَعَادَهَا) أَيْ وَإِنْ تَوَقَّفَتْ إعَادَتُهَا عَلَى دُخُولِ شَيْءٍ مِنْ أُصْبُعِهِ (قَوْلُهُ: بَعْدَ انْفِصَالِهِ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ لِكَثْرَةِ الِابْتِلَاعِ بِهِ

(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُفْطِرُ جَزْمًا) قَالَ حَجّ: وَمَا جَاءَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَمُصُّ لِسَانَ عَائِشَةَ وَهُوَ صَائِمٌ» وَاقِعَةُ حَالٍ فِعْلِيَّةٌ مُحْتَمِلَةٌ أَنْ يَمُصَّهُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ وَجَمَعَ الْمُصَنِّفُ الذُّبَابَ) فِي أَدَبِ الْكَاتِبِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ أَنَّ الذُّبَابَ مُفْرَدٌ وَجَمْعُهُ ذِبَّانٌ كَغُرَابٍ وَغِرْبَانٍ، وَعَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ بَلْ لَا وَجْهَ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَعِبَارَةُ الْبَيْضَاوِيِّ فِي الْآيَةِ: وَالذُّبَابُ مِنْ الذَّبِّ لِأَنَّهُ يُذَبُّ وَجَمْعُهُ أَذِبَّةٌ

اللِّسَانِ (ثُمَّ رَدَّهُ) إلَيْهِ بِلِسَانِهِ أَوْ غَيْرِهِ (وَابْتَلَعَهُ أَوْ بَلَّ خَيْطًا بِرِيقِهِ وَرَدَّهُ إلَى فَمِهِ) كَمَا يُعْتَادُ عِنْدَ الْفَتْلِ (وَعَلَيْهِ رُطُوبَةٌ تَنْفَصِلُ) وَابْتَلَعَهَا (أَوْ ابْتَلَعَ رِيقَهُ مَخْلُوطًا بِغَيْرِهِ) الطَّاهِرُ كَمَنْ فَتَلَ خَيْطًا مَصْبُوغًا تَغَيَّرَ بِهِ رِيقُهُ: أَيْ وَلَوْ بِلَوْنٍ أَوْ رِيحٍ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ إطْلَاقِهِمْ إنْ انْفَصَلَتْ عَيْنٌ مِنْهُ لِسُهُولِهِ التَّحَرُّزِ عَنْ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ كَمَا فِي الْأَنْوَارِ مَا لَوْ اسْتَاكَ وَقَدْ غَسَلَ السِّوَاكَ وَبَقِيَتْ فِيهِ رُطُوبَةٌ تَنْفَصِلُ وَابْتَلَعَهَا، وَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْخَيْطِ مَا يَنْفَصِلُ لِقِلَّتِهِ أَوْ عَصْرِهِ أَوْ لِجَفَافِهِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ (أَوْ مُتَنَجِّسًا) كَمَنْ دَمِيَتْ لِثَتُهُ أَوْ أَكَلَ شَيْئًا نَجِسًا وَلَمْ يَغْسِلْ فَمَه حَتَّى أَصْبَحَ (أَفْطَرَ) فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى رَدِّ الرِّيقِ وَابْتِلَاعِهِ، وَيُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْ ابْتِلَاعِ الْمَخْلُوطِ وَالْمُتَنَجِّسِ مِنْهُ

وَلَوْ أَخْرَجَ اللِّسَانَ وَعَلَيْهِ الرِّيقُ ثُمَّ رَدَّهُ وَابْتَلَعَ مَا عَلَيْهِ لَمْ يُفْطِرْ لِأَنَّ اللِّسَانَ كَيْفَ تَقَلَّبَ مَعْدُودٌ مِنْ دَاخِلِ الْفَمِ فَلَمْ يُفَارِقْ مَا عَلَيْهِ مَعْدِنُهُ، (وَلَوْ عَمَّتْ بَلْوَى شَخْصٍ بِدَمِي لِثَتِهِ بِحَيْثُ يَجْرِي دَائِمًا أَوْ غَالِبًا) سُومِحَ بِمَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَيَكْفِي بَصْقُهُ وَيُعْفَى عَنْ أَثَرِهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى تَكْلِيفِهِ غَسْلَهُ جَمِيعَ نَهَارِهِ، إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ يَجْرِي دَائِمًا أَوْ يَتَرَشَّحُ، وَرُبَّمَا إذَا غَسَلَهُ زَادَ جَرَيَانُهُ كَذَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ فِقْهٌ ظَاهِرٌ (وَلَوْ جَمَعَ رِيقَهُ فَابْتَلَعَهُ لَمْ يُفْطِرْ فِي الْأَصَحِّ) كَابْتِلَاعِهِ مُتَفَرِّقًا مِنْ مَعْدِنِهِ.
وَالثَّانِي يُفْطِرُ لِخِفَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ وَسَوَاءٌ أَجَمَعَهُ بِشَيْءٍ كَالْعِلْكِ أَمْ لَا، (وَاحْتُرِزَ بِجَمْعِهِ عَمَّا لَوْ اُجْتُمِعَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ) فَلَا يَضُرُّ قَطْعًا.

(وَلَوْ) (سَبَقَ مَاءُ الْمَضْمَضَةِ أَوْ الِاسْتِنْشَاقِ إلَى جَوْفِهِ) الْمَعْرُوفِ أَوْ دِمَاغِهِ (فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إنْ بَالَغَ) فِي ذَلِكَ (أَفْطَرَ) لِأَنَّ الصَّائِمَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا كَمَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ (وَإِلَّا فَلَا) يُفْطِرُ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مَأْمُورٍ بِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ بِخِلَافِ حَالَةِ الْمُبَالَغَةِ لِمَا مَرَّ، (وَبِخِلَافِ سَبْقِ مَائِهِمَا غَيْرِ الْمَشْرُوعَيْنِ كَأَنْ جَعَلَ الْمَاءَ فِي فَمِهِ أَوْ أَنْفِهِ لَا لِغَرَضٍ) وَبِخِلَافِ

[حاشية الشبراملسي]

ثُمَّ يَمُجَّهُ أَوْ يَمُصَّهُ وَلَا رِيقَ بِهِ (قَوْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ إطْلَاقِهِمْ) أَقُولُ: أَيْ فَائِدَةً لِلْمُبَالَغَةِ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ بِلَوْنٍ أَوْ رِيحٍ مَعَ قَوْلِهِ إنْ انْفَصَلَتْ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ إنْ انْفَصَلَتْ عَيْنٌ مِنْهُ) أَفْهَمُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ ابْتِلَاعُهُ مُتَغَيِّرًا بِلَوْنٍ أَوْ رِيحٍ حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ انْفِصَالُ عَيْنٍ مِنْ نَحْوِ الصِّبْغِ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِ بَعْدُ وَخَرَجَ بِذَلِكَ إلَخْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَيْنِ هُنَا مَا يَنْفَصِلُ مِنْ الرِّيقِ الْمُتَّصِلِ بِالْخَيْطِ، وَعَلَيْهِ فَمَتَى ظَهَرَ فِيهِ تَغَيُّرٌ ضَرَّ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ انْفِصَالُ شَيْءٍ مِنْ الصِّبْغِ لَكِنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّيحِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَغْسِلْ فَمَه حَتَّى أَصْبَحَ أَفْطَرَ) أَيْ وَإِنْ كَانَ خَيَّاطًا كَمَا قَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ خِلَافًا لِمَا فِي الدَّمِيرِيِّ عَنْ الْفَارِقِيِّ فِي م ر انْتَهَى سم عَلَى حَجّ

(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَخْرَجَ اللِّسَانَ) هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا لَا عَلَى اللِّسَانِ فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِالْمَفْهُومِ (قَوْلُهُ وَابْتَلَعَ مَا عَلَيْهِ) بَقِيَ مَا لَوْ أَخْرَجَ لِسَانَهُ وَعَلَيْهِ نَحْوُ نِصْفِ فِضَّةٍ وَعَلَى النِّصْفِ مِنْ أَعْلَى رِيقٌ ثُمَّ رَدَّهُ إلَى فَمِهِ فَهَلْ يُفْطِرُ أَوْ لَا لِأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْ مَعِدَتَهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ مَا يُوَافِقُ مَا قُلْنَاهُ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ، لَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ عَلَى اللِّسَانِ قَدْ يَقْتَضِي خِلَافَهُ لِأَنَّ مَا عَلَى ظَاهِرِ النِّصْفِ لَيْسَ عَلَى اللِّسَانِ فِي الْحَقِيقَةِ (قَوْلُهُ: مِنْ دَاخِلِ الْفَمِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فِيمَا يَظْهَرُ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ مَصُّ لِسَانِ حَلِيلَتِهِ مَثَلًا

(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ حَالَةِ الْمُبَالَغَةِ) قَالَ حَتَّى: وَيَظْهَرُ ضَبْطُهَا بِأَنْ يَمْلَأَ فَمَه أَوْ أَنْفَهُ مَاءً بِحَيْثُ يَسْبِقُ غَالِبًا إلَى الْجَوْفِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم: قَدْ يُقَالُ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ ضَرَرُ السَّبْقِ بِالْمُبَالَغَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَإِنْ لَمْ يَمْلَأْ فَمَه أَوْ أَنْفَهُ كَمَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: لَا لِغَرَضٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ لَا يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ فِي سَبْقِ مَاءِ التَّبَرُّدِ مِنْ الضَّرَرِ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَأْمُورٍ بِهِ

[حاشية الرشيدي]

وَذِبَّانٌ

(قَوْلُهُ: إنْ انْفَصَلَتْ مِنْهُ عَيْنٌ) عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْعَيْنِ لَا عَلَى لَوْنٍ وَلَا عَلَى رِيحٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْغَايَةِ، بَلْ هِيَ تُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ عَلَى أَنَّ اللَّوْنَ فِي الرِّيقِ لَا يَكُونُ إلَّا عَيْنًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ

(قَوْلُهُ: الْمَعْرُوفُ) أَيْ الْبَطْنُ وَمَا هُوَ طَرِيقٌ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ لِأَنَّ مَاءَ الْمَضْمَضَةِ لَا يَصِلُ إلَّا إلَى ذَلِكَ وَلِيَتَأَتَّى عَطْفُ الدِّمَاغِ عَلَيْهِ

سَبْقِ مَاءِ غَسْلِ التَّبَرُّدِ وَالْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ مِنْ الْمَضْمَضَةِ أَوْ الِاسْتِنْشَاقِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِذَلِكَ بَلْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الرَّابِعَةِ، وَخَرَجَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ (سَبْقُ مَاءِ الْغُسْلِ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ جَنَابَةٍ أَوْ مِنْ غُسْلٍ مَسْنُونٍ) فَلَا يُفْطِرُ بِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ أُذُنَيْهِ فِي الْجَنَابَةِ وَنَحْوِهَا فَسَبَقَ الْمَاءُ إلَى جَوْفِهِ مِنْهُمَا لَا يُفْطِرُ وَلَا نَظَرَ إلَى إمْكَانِ إمَالَةِ الرَّأْسِ بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُ شَيْءٌ لِعُسْرِهِ، وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ عَادَتَهُ أَنَّهُ يَصِلُ الْمَاءُ مِنْهُ إلَى جَوْفِهِ أَوْ دِمَاغِهِ بِالِانْغِمَاسِ وَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ الِانْغِمَاسُ وَيُفْطِرُ قَطْعًا.
نَعَمْ مَحَلُّهُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الْغُسْلِ لَا عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَإِلَّا فَلَا يُفْطِرُ فِيمَا يَظْهَرُ، (وَكَذَا لَا يُفْطِرُ بِسَبْقِهِ مِنْ غَسْلِ نَجَاسَةٍ بِفِيهِ وَإِنْ بَالَغَ فِيهَا، وَقِيلَ يُفْطِرُ) مُطْلَقًا لِأَنَّ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْجَوْفِ بِفِعْلِهِ، وَقِيلَ لَا يُفْطِرُ مُطْلَقًا لِأَنَّ وُصُولَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
وَأَصْلُ الْخِلَافِ نَصَّانِ مُطْلَقَانِ بِالْإِفْطَارِ وَعَدَمِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْأَوَّلَ عَلَى حَالِ الْمُبَالَغَةِ وَالثَّانِي عَلَى حَالِ عَدَمِهَا، وَالْأَصَحُّ حِكَايَةُ قَوْلَيْنِ فَقِيلَ هُمَا فِي الْحَالَيْنِ، وَقِيلَ هُمَا فِيمَا إذَا بَالَغَ، فَإِنْ لَمْ يُبَالِغْ لَمْ يُفْطِرْ قَطْعًا، وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّهُمَا فِيمَا إذَا لَمْ يُبَالِغْ فَإِنْ بَالَغَ أَفْطَرَ قَطْعًا وَلَوْ كَانَ نَاسِيًا لِلصَّوْمِ لَمْ يُفْطِرْ بِحَالٍ (وَلَوْ) (بَقِيَ طَعَامٌ بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَجَرَى بِهِ رِيقُهُ) مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ (لَمْ يُفْطِرْ إنْ عَجَزَ عَنْ تَمْيِيزِهِ وَمَجِّهِ) لِعُذْرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَعْجِزْ وَوَصَلَ إلَى جَوْفِهِ فَيُفْطِرُ لِتَقْصِيرِهِ (وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخِلَالُ لَيْلًا إذَا عَلِمَ بَقَايَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ يَجْرِي بِهَا رِيقُهُ نَهَارًا وَلَا يُمْكِنُهُ التَّمْيِيزُ وَالْمَجُّ) الْأَوْجَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُخَاطَبُ بِوُجُوبِ التَّمْيِيزِ وَالْمَجِّ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمَا فِي حَالِ الصَّوْمِ فَلَا يَلْزَمُهُ تَقْدِيمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَكَّدَ لَهُ ذَلِكَ لَيْلًا، وَأَشَارَ الْأَذْرَعِيُّ إلَى أَنَّ مَحَلَّ إيجَابِهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْفِطْرِ مِمَّا

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَالْمَرَّةُ الرَّابِعَةُ) أَيْ يَقِينًا بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ هَلْ أَتَى بِاثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ فَزَادَ أُخْرَى فَالْمُتَّجَهُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ دُخُولُ مَائِهَا سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِذَلِكَ) قَضِيَّتُهُ تَخْصِيصُ الْغَرَضِ الْمُسَوِّغِ لِوَضْعِهِ فِي فَمِهِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ مَنْعَ الْإِفْطَارِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، وَعَلَيْهِ فَلْيُتَأَمَّلْ مَعْنَى الْغَرَضِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ الْأَنْوَارِ فِيمَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ وَفِيهِ لَوْ وَضَعَ شَيْئًا فِي فِيهِ عَمْدًا: أَيْ لِغَرَضٍ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي، ثُمَّ رَأَيْت سم عَلَى حَجّ ضَوَّرَهُ بِمَا لَوْ وَضَعَهُ لِنَحْوِ الْحِفْظِ وَكَانَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِوَضْعِهِ فِي الْفَمِ اهـ. وَيَنْبَغِي أَنَّ مِنْ النَّحْوِ مَا لَوْ وَضَعَ الْخُبْزَ فِي فَمِهِ لِمَضْغِهِ لِنَحْوِ الطِّفْلِ حَيْثُ احْتَاجَ إلَيْهِ أَوْ وَضَعَ شَيْئًا فِي فَمِهِ لِمُدَاوَاةِ أَسْنَانِهِ بِهِ حَيْثُ لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ لِدَفْعِ غَثَيَانٍ خِيفَ مِنْهُ الْقَيْءُ.
[فَرْعٌ] أَكَلَ أَوْ شَرِبَ لَيْلًا كَثِيرًا وَعُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ إذَا أَصْبَحَ حَصَلَ لَهُ جُشَاءٌ يَخْرُجُ بِسَبَبِهِ مَا فِي جَوْفِهِ هَلْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ كَثْرَةُ مَا ذُكِرَ أَوْ لَا، وَهَلْ إذَا خَالَفَ وَخَرَجَ مِنْهُ يُفْطِرُ أَمْ لَا فِيهِ نَظَرٌ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ كَثْرَةِ ذَلِكَ لَيْلًا، وَإِذَا أَصْبَحَ وَحَصَلَ لَهُ الْجُشَاءُ الْمَذْكُورُ يَلْفِظُهُ وَيَغْسِلُ فَمَه وَلَا يُفْطِرُ وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ مِرَارًا كَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي قَوْلِهِ: وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخِلَالُ لَيْلًا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ لَوْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، فَحَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ سَبْقُ الْمَاءِ بِالِانْغِمَاسِ أَفْطَرَ بِوُصُولِ الْمَاءِ إلَى جَوْفِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَبِخِلَافِ سَبْقِ مَاءِ غَسْلِ التَّبَرُّدِ إلَخْ خِلَافُهُ لِأَنَّ الِانْغِمَاسَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، وَيُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ حَجّ، وَكَذَا دُخُولُهُ جَوْفَ مُنْغَمِسٍ مِنْ نَحْوِ فَمِهِ أَوْ أَنْفِهِ لِكَرَاهَةِ الْغَمْسِ فِيهِ كَالْمُبَالَغَةِ وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يُعْتَدْ أَنَّهُ يَسْبِقُهُ وَإِلَّا أَثِمَ وَأَفْطَرَ قَطْعًا (قَوْلُهُ: عَدَمُ الْوُجُوبِ) أَيْ لَكِنَّهُ يُنْدَبُ خُرُوجًا

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ وَالْمَرَّةُ الرَّابِعَةُ) هِيَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ غَيْرُ الْمَشْرُوعَيْنِ (قَوْلُهُ: وَأَشَارَ الْأَذْرَعِيُّ إلَى أَنَّ مَحَلَّ إيجَابِهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْفِطْرِ) لَفْظُ عِنْدَ فِي كَلَامِهِ خَبَرُ إنَّ وَقَوْلُهُ مِمَّا مُتَعَلِّقٌ بِالْفِطْرِ: أَيْ فَالْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الْفِطْرِ بِمَا ذُكِرَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّخْلِيلُ، وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِالْفِطْرِ مِمَّا تَعَذَّرَ تَمْيِيزُهُ وَمَجَّهُ وَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يُمَهِّدَ لِهَذَا مَا يُوَضِّحُهُ

تَعَذَّرَ تَمْيِيزُهُ وَمَجُّهُ، وَقَدْ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْعَجْزِ عَنْ التَّمْيِيزِ وَالْمَجِّ فِي حَالَةِ صَيْرُورَتِهِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ (وَلَوْ أَوْجَرَ مُكْرَهًا لَمْ يُفْطِرْ) لِانْتِفَاءِ الْفِعْلِ وَالْقَصْدِ مِنْهُ وَالْإِيجَارُ صَبُّ الْمَاءِ فِي حَلْقِهِ، وَحُكْمُ سَائِرِ الْمُفْطِرَاتِ حُكْمُ الْإِيجَارِ، وَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَأُوجِرَ مُعَالَجَةً لَمْ يُفْطِرْ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ صُبَّ فِي حَلْقِهِ وَهُوَ نَائِمٌ فَكَمَا لَوْ أُوجِرَ قَالَهُ فِي الْكَافِي (فَإِنْ) (أُكْرِهَ حَتَّى أَكَلَ) أَوْ شَرِبَ (أَفْطَرَ فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهُ حَصَلَ مِنْ فِعْلِهِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فَأَفْطَرَ بِهِ كَمَا لَوْ أَكَلَ لِدَفْعِ الْمَرَضِ أَوْ الْجُوعِ (قُلْت: الْأَظْهَرُ لَا يُفْطِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) كَمَا فِي الْحِنْثِ وَلِأَنَّ أَكْلَهُ لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ فَأَشْبَهَ النَّاسِيَ، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْأَكْلِ وَنَحْوِهِ لِدَرْءِ الضَّرَرِ كَمَا مَرَّ وَفَارَقَ الْأَكْلَ لِدَفْعِ الْجُوعِ بِأَنَّ الْإِكْرَاهَ قَادِحٌ فِي اخْتِيَارِهِ، بِخِلَافِ الْجُوعِ لَا يَقْدَحُ فِيهِ بَلْ يَزِيدُهُ تَأْثِيرًا، وَظَاهِرًا إطْلَاقهمْ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْرُمَ عَلَيْهِ الْفِطْرُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ أَوْ يَجِبَ عَلَيْهِ لَا لِلْإِكْرَاهِ بَلْ لِخَشْيَةِ التَّلَفِ مِنْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إنْقَاذُ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ غَرَقٍ أَوْ نَحْوِهِ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إلَّا بِالْفِطْرِ فَأُكْرِهَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ وَهُوَ آثِمٌ بِالِامْتِنَاعِ لِغَيْرِ الْإِكْرَاهِ بَلْ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْهَادِي لِلْكُنْدَرِيِّ الْمِصْرِيِّ مِنْ أَنَّهُ (لَوْ فَاجَأَهُ الْقُطَّاعُ فَابْتَلَعَ الذَّهَبَ خَوْفًا عَلَيْهِ) فَهُوَ كَالْمُكْرَهِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ

(وَإِنْ أَكَلَ نَاسِيًا لَمْ يُفْطِرْ) لِخَبَرِ «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» وَفِي رِوَايَةٍ صَحَّحَهَا ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ «وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ» نَصَّ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَعُلِمَ غَيْرُهَا بِالْأَوْلَى (إلَّا أَنْ يَكْثُرَ) فَيُفْطِرَ بِهِ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ النِّسْيَانَ مَعَ الْكَثْرَةِ نَادِرٌ وَلِهَذَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالْكَلَامِ الْكَثِيرِ نَاسِيًا.
قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: وَالْكَثِيرُ كَثَلَاثِ لُقَمٍ (قُلْت: الْأَصَحُّ لَا يُفْطِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِعُمُومِ الْحَدِيثِ وَفَارَقَ الصَّلَاةَ بِأَنَّ لَهَا هَيْئَةً تُذَكِّرُ الْمُصَلِّي أَنَّهُ فِيهَا فَيُنْكِرُ ذَلِكَ فِيهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ (وَالْجِمَاعُ كَالْأَكْلِ عَلَى الْمَذْهَبِ) فِي أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِالنِّسْيَانِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُفْطِرَاتِ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي جِمَاعِ الْمُحْرِمِ نَاسِيًا وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَهُ هَيْئَةٌ يَتَذَكَّرُ بِهَا الْإِحْرَامُ فَإِذَا نَسِيَ كَانَ مُقَصِّرًا بِخِلَافِ الصَّائِمِ.

(وَ) شَرْطُهُ أَيْضًا الْإِمْسَاكُ (عَنْ الِاسْتِمْنَاءِ) وَهُوَ اسْتِخْرَاجُ الْمَنِيِّ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ مُحْرِمًا

[حاشية الشبراملسي]

مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ فِي حَالَةِ صَيْرُورَتِهِ) أَيْ جَرَيَانِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: فَأُوجِرَ مُعَالَجَةً) أَيْ لِيُعَالَجَ بِمَا يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ مِنْ الدَّوَاءِ (قَوْلُهُ: لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ) هُوَ ظَاهِرٌ إنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ عَيْنَيْنِ كَأَنْ قِيلَ لَهُ إنْ لَمْ تَأْكُلْ مِنْ هَذَا قَتَلْتُك، أَوْ إنْ لَمْ تَأْكُلْ مِنْ هَذَا قَتَلْتُك وَعُلِمَ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ مِنْ الْأَكْلِ قَتَلَهُ فَأَكَلَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَهَلْ يُفْطِرُ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ قِيلَ لَهُ طَلِّقْ إحْدَى زَوْجَتَيْك فَطَلَّقَ إحْدَاهُمَا حَيْثُ وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ لِأَنَّ فِيهِ اخْتِيَارًا لِمَا فَعَلَهُ أَوْ لَا يُفْطِرَا بِذَلِكَ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَيْسَ مِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِهِمَا مَعًا فَابْتَدَأَ بِأَحَدِهِمَا فَلَا يُفْطِرُ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ إلَّا ذَلِكَ (قَوْلُهُ قُلْت الْأَظْهَرُ لَا يُفْطِرُ) أَيْ وَإِنْ أَكَلَ ذَلِكَ بِشَهْوَةٍ فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: لِدَرْءِ الضَّرَرِ) هَذَا التَّعْلِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مُكَلَّفٌ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ السُّبْكِيّ آخِرًا فِي غَيْرِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ (قَوْلُهُ: وَفَارَقَ الْأَكْلَ لِدَفْعِ الْجُوعِ) أَيْ حَيْثُ يُفْطِرُ بِهِ، وَقَوْلُهُ قَادِحٌ فِي اخْتِيَارِهِ: أَيْ فَإِنَّ الْمُكْرَهَ يَفْعَلُ لِلْإِكْرَاهِ وَدَفْعِ الْعُقُوبَةِ فَلَا اخْتِيَارَ لَهُ فِي الْفِعْلِ بِخِلَافِ الْجَائِعِ فَإِنَّ جُوعَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى اخْتِيَارِ الْأَكْلِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: غَيْرُ صَحِيحٍ) أَيْ فَيُفْطِرُ بِبَلْعِهِ الذَّهَبَ

(قَوْلُهُ: وَالْكَثِيرُ كَثَلَاثِ لُقَمٍ) قَالَ حَجّ: وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُمْ عَدُّوا الثَّلَاثَ كَلِمَاتٍ وَالْأَرْبَعَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْقَلِيلِ (قَوْلُهُ: وَفَارَقَ الصَّلَاةَ) أَيْ حَيْثُ تَبْطُلُ بِالْكَثِيرِ نَاسِيًا دُونَ الْقَلِيلِ (قَوْلُهُ وَالْجِمَاعُ كَالْأَكْلِ) لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُفْطِرَ بِهِ تَنْفِيرًا عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اهـ. كَذَا رَأَيْته بِهَامِشٍ بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ: أَيْ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الزِّنَا لَا يُبِيحُهُ بِخِلَافِهِ عَلَى الْأَكْلِ وَنَحْوِهِ ثُمَّ رَأَيْته فِي الشَّيْخِ عَمِيرَةَ (قَوْلُهُ فِي أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِالنِّسْيَانِ) أَيْ وَلَا بِالْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ أَيْضًا.

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

كَانَ كَإِخْرَاجِهِ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ كَإِخْرَاجِهِ بِيَدِ زَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ (فَيُفْطِرُ بِهِ) لِأَنَّهُ إذَا أَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ بِلَا إنْزَالٍ فَبِالْإِنْزَالِ بِمُبَاشَرَةٍ فِيهَا نَوْعُ شَهْوَةٍ أَوْلَى وَمَحَلُّهُ حَيْثُ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا مُخْتَارًا (وَكَذَا) (خُرُوجُ الْمَنِيِّ بِلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ وَمُضَاجَعَةٍ) بِلَا حَائِلٍ يُفْطِرُ بِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ بِحَائِلٍ وَإِنْ رَقَّ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ، وَمِثْلُهُ لَمْسُ مَا لَا يُنْقِضُ لَمْسُهُ كَمُحْرِمٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَلَا يُفْطِرُ بِلَمْسِهِ وَإِنْ أَنْزَلَ حَيْثُ فَعَلَ ذَلِكَ لِنَحْوِ شَلْقَةٍ أَوْ كَرَامَةٍ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ كَلَمْسِ الْعُضْوِ الْمُبَانِ: أَيْ وَإِنْ اتَّصَلَ بِحَرَارَةِ الدَّمِ حَيْثُ لَمْ يُخَفْ مِنْ قَطْعِهِ مَحْذُورُ تَيَمُّمٍ وَإِلَّا أَفْطَرَ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ حَكَّ ذَكَرَهُ لِعَارِضِ سَوْدَاءَ أَوْ حَكَّةٍ فَأَنْزَلَ لَمْ يُفْطِرْ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مُبَاشَرَةٍ مُبَاحَةٍ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فَلَوْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إذَا حَكَّهُ أَنْزَلَ فَالْقِيَاسُ الْفِطْرُ، وَأَنَّهُ لَوْ قَبَّلَهَا وَفَارَقَهَا سَاعَةً ثُمَّ أَنْزَلَ فَإِنْ كَانَتْ الشَّهْوَةُ مُسْتَصْحَبَةً وَالذَّكَرُ قَائِمًا حَتَّى أَنْزَلَ أَفْطَرَ وَإِلَّا فَلَا، قَالَهُ فِي الْبَحْرِ: وَأَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي الْوَاضِحِ فَلَا يَضُرُّ إمْنَاءُ الْمُشْكِلِ بِأَحَدِ فَرْجَيْهِ وَإِنْ حَصَلَ مِنْ وَطْءٍ لِاحْتِمَالِ زِيَادَتِهِ.
نَعَمْ (لَوْ أَمْنَى مِنْ فَرْجِ الرِّجَالِ عَنْ مُبَاشَرَةٍ وَرَأَى الدَّمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ فَرْجِ النِّسَاءِ وَاسْتَمَرَّ إلَى أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَيْضِ بَطَلَ صَوْمُهُ) لِأَنَّهُ أَفْطَرَ يَقِينًا بِالْإِنْزَالِ أَوْ الْحَيْضِ، وَمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ كَخُرُوجِهِ مِنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ مَحَلُّهُ إذَا انْسَدَّ الْأَصْلِيُّ، وَلَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَأَمْذَى وَلَمْ يُمْنِ لَمْ يُفْطِرْ قَطْعًا كَالْبَوْلِ، وَعُلِمَ مِنْ قِيَاسِ مَا مَرَّ مِنْ الْبِنَاءِ عَلَى لَمْسِ مَا لَا يُنْقَضُ أَنَّهُ لَوْ لَمَسَ الْفَرْجَ بَعْدَ انْفِصَالِهِ وَأَنْزَلَ إنْ بَقِيَ اسْمُهُ أَفْطَرَ وَإِلَّا فَلَا، وَبِهِ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (لَا الْفِكْرُ وَالنَّظَرُ بِشَهْوَةٍ) إذْ هُوَ إنْزَالٌ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: فَيُفْطِرُ بِهِ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ بِحَائِلٍ أَمْ لَا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ بِقَصْدِ إخْرَاجِهِ أَشْبَهَ الْجِمَاعَ وَهُوَ مُفْطِرٌ وَلَوْ مَعَ الْحَائِلِ، وَسَيَأْتِي عَنْ سم عَلَى ابْن حَجّ مَا يُصَرِّحُ بِهِ (قَوْلُهُ عَالِمًا مُخْتَارًا) أَيْ فَلَوْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ بِالْقِيلِ الْمَارِّ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ أَوْ مُكْرَهًا لَمْ يُفْطِرْ (قَوْلُهُ: بِلَا حَائِلٍ) قَيْدٌ فِيمَا بَعْدِ كَذَا خَاصَّةً (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ بِحَائِلٍ) أَيْ فَلَا يُفْطِرُ بِهِ، قَالَ سم عَلَى حَجّ: وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِالْمُضَاجَعَةِ وَنَحْوِهَا إخْرَاجَ الْمَنِيِّ، فَإِنْ قَصَدَ ذَلِكَ أَفْطَرَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ اسْتِمْنَاءٌ مُحَرَّمٌ اهـ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ لَمْسُ مَا لَا يُنْقِضُ لَمْسُهُ) وَمِنْهُ الْأَمْرَدُ وَبِهِ صَرَّحَ حَجّ: أَيْ حَيْثُ أَرَادَ بِهِ الشَّفَقَةَ أَوْ الْكَرَامَةَ وَإِلَّا أَفْطَرَ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي لِلشَّارِحِ، وَمِنْهُ أَيْضًا الشَّعْرُ وَالسِّنُّ وَالظُّفْرُ (قَوْلُهُ: كَلَمْسِ الْعُضْوِ الْمُبَانِ) وَخَرَجَ بِالْعُضْوِ مَا زَادَ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مَا قِيلَ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِلَمْسِهِ، وَمِثْلُ مَا زَادَ مَا لَوْ كَانَ الْعُضْوُ ذَكَرًا مُبَانًا أَوْ فَرْجَ امْرَأَةٍ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: فَلَوْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ) اُنْظُرْ لَوْ ظَنَّهُ سم عَلَى بَهْجَةٍ، وَقَدْ يُقَالُ مُرَادُهُ بِالْعِلْمِ الظَّنُّ لِأَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ لَا يُعْلَمُ بِوُقُوعِهِ وَلَا تَقَدُّمِهِ بَلْ حَيْثُ عَبَّرُوا فِيهِ بِالْعِلْمِ أَرَادُوا الظَّنَّ الْقَوِيَّ (قَوْلُهُ: فَالْقِيَاسُ الْفِطْرُ) مُعْتَمَدٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ يَصِلْ إلَى حَدٍّ لَمْ يَقْدِرْ مَعَهُ عَلَى تَرْكِ الْحَكِّ (قَوْلُهُ: بِأَحَدِ فَرْجَيْهِ) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ خَرَجَ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَلَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ فَيَضُرُّ لِتَحَقُّقِ خُرُوجِهِ مِنْ فَرْجٍ أَصْلِيٍّ (قَوْلُهُ: لَمْ يُفْطِرْ قَطْعًا كَالْبَوْلِ) أَيْ عِنْدَنَا وَإِلَّا فَنُقِلَ عَنْ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فَلَوْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ إلَخْ) هَذَا مِنْ عِنْدِ الشَّارِحِ تَقْيِيدًا لِكَلَامِ الْمَجْمُوعِ، وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ وَأَنَّهُ لَوْ قَبَّلَهَا إلَخْ مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشِّهَابَ حَجّ قَيَّدَ كَلَامَ الْأَذْرَعِيِّ بِمَا إذَا أَطَاقَ الصَّبْرَ لِمَا مَرَّ مِنْ اغْتِفَارِهِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِطَاقَةِ وَإِنْ كَثُرَ (قَوْلُهُ: وَمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ: أَيْ فَلَا يُقَالُ بِالْفِطْرِ هُنَا إذْ غَايَتُهُ أَنَّهُ مَنِيٌّ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ وَلَهُ حُكْمُ مَا خَرَجَ مِنْ طَرِيقِهِ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاجَعَ مَا مَرَّ فِيمَنْ انْكَسَرَ صُلْبُهُ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ

مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ فَأَشْبَهَ الِاحْتِلَامَ وَإِنْ كَانَ تَكَرُّرُهُ بِشَهْوَةٍ حَرَامًا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ وَتَهْيِئَتِهِ لِلْخُرُوجِ بِسَبَبِ اسْتِدَامَةِ النَّظَرِ فَاسْتَدَامَهُ أَنَّهُ يُفْطِرُ قَطْعًا وَكَذَا لَوْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ التَّرَدُّدُ إذَا بَدَرَهُ الْإِنْزَالُ وَلَمْ يَعْلَمْهُ مِنْ نَفْسِهِ

(وَتُكْرَهُ) (الْقُبْلَةُ) فِي الْفَمِ وَغَيْرِهِ (لِمَنْ حُرِّكَتْ شَهْوَتُهُ) لِخَبَرِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ فِي الْقُبْلَةِ لِلشَّيْخِ وَهُوَ صَائِمٌ وَنَهَى عَنْهَا الشَّابَّ وَقَالَ: الشَّيْخُ يَمْلِكُ إرْبَهُ وَالشَّابُّ يُفْسِدُ صَوْمَهُ» فَفَهِمْنَا مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ دَائِرٌ مَعَ تَحْرِيكِ الشَّهْوَةِ وَعَدَمِهَا (وَالْأَوْلَى لِغَيْرِهِ تَرْكُهَا) حَسْمًا لِلْبَابِ إذْ قَدْ يَظُنُّهَا غَيْرَ مُحَرِّكَةٌ وَهِيَ مُحَرِّكَةٌ، وَلِأَنَّ الصَّائِمَ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَرْكُ الشَّهَوَاتِ مُطْلَقًا، وَضَابِطُ تَحْرِيكِ الشَّهْوَةِ خَوْفُ الْإِنْزَالِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ (قُلْت: هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ فِي الْأَصَحِّ، اللَّهُ أَعْلَمُ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا لِإِفْسَادِ الْعِبَادَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ إذَا كَانَ فِي فَرْضٍ إذْ النَّفَلُ يَجُوزُ قَطْعُهُ بِمَا شَاءَ وَالْمُعَانَقَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ بِالْيَدِ كَالتَّقْبِيلِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَعَدَلَ هُنَا، وَفِي الرَّوْضَةِ عَنْ قَوْلِ أَصْلَيْهِمَا تَحَرَّكَ إلَى حُرِّكَتْ لِمَا يَخْفَى ظَاهِرٌ لِأَنَّ (حُرِّكَتْ) مَاضٍ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ جَرَّبَ نَفْسَهُ وَعَرَفَ مِنْهَا ذَلِكَ بِخِلَافِ تَحَرَّكَ فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَا ذُكِرَ لِصَلَاحِيَّتِهِ لِلْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ

(وَلَا يُفْطِرُ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ) لِمَا صَحَّ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» ، وَقِيسَ بِالْحِجَامَةِ الْفَصْدُ، وَخَبَرُ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» مَنْسُوخٌ بِالْأَوَّلِ أَوْ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَيُعَضِّدُهُ أَيْضًا الْقِيَاسُ وَيُكْرَهَانِ لَهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، وَجَزَمَ فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فَقَدْ قَالَ فِي الْأُمِّ: وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ.
اهـ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ مَا فِي الرَّوْضَةِ

(وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ لَا يَأْكُلَ آخِرَ النَّهَارِ إلَّا بِيَقِينٍ) لِيَأْمَنَ الْغَلَطَ وَذَلِكَ بِأَنْ يَرَى الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ، (فَإِنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُرُوبِ حَائِلٌ فَبِظُهُورِ اللَّيْلِ مِنْ الْمَشْرِقِ) لِخَبَرِ «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» (وَيَحِلُّ) الْأَكْلُ آخِرَهُ (بِالِاجْتِهَادِ) بِوِرْدٍ وَنَحْوِهِ (فِي الْأَصَحِّ) كَوَقْتِ الصَّلَاةِ.
وَالثَّانِي لَا لِإِمْكَانِ الصَّبْرِ إلَى الْيَقِينِ وَيَجِبُ إمْسَاكُ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ لِيَتَحَقَّقَ الْغُرُوبُ (وَيَجُوزُ) الْأَكْلُ (إذَا ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ) بِالِاجْتِهَادِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ (وَلَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ) أَمْسَكَ كَمَا مَرَّ (قُلْت: وَكَذَا لَوْ شَكَّ) فِيهِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ (وَلَوْ) (أَكَلَ بِاجْتِهَادٍ أَوَّلًا) أَيْ أَوَّلَ الْيَوْمِ (أَوْ آخِرًا) أَيْ آخِرَ الْيَوْمِ (وَبَانَ الْغَلَطُ) (بَطَلَ صَوْمُهُ) لِتَحَقُّقِهِ خِلَافَ مَا ظَنَّهُ (وَلَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ) ، فَإِنْ لَمْ يَبِنْ الْغَلَطُ بِأَنْ بَانَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَّهُ أَوْ لَمْ يَبِنْ لَهُ خَطَأٌ وَلَا إصَابَةٌ صَحَّ صَوْمُهُ (أَوْ بِلَا ظَنٍّ) بِأَنْ هَجَمَ وَهُوَ جَائِزٌ فِي آخِرِ اللَّيْلِ حَرَامٌ فِي آخِرِ النَّهَارِ (وَلَمْ يَبِنْ الْحَالُ صَحَّ إنْ وَقَعَ فِي أَوَّلِهِ) يَعْنِي آخِرَ اللَّيْلِ (وَبَطَلَ فِي آخِرِهِ) أَيْ آخِرِ النَّهَارِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِيهِمَا إذْ الْأَصْلُ بَقَاءُ اللَّيْلِ فِي الْأُولَى وَالنَّهَارِ فِي الثَّانِيَةِ.
قَالَ الشَّارِحُ:

[حاشية الشبراملسي]

الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لَوْ مَسَّ بِشَهْوَةٍ فَأَمْذَى بَطَلَ صَوْمُهُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ تَكَرُّرُهُ بِشَهْوَةٍ) خَرَجَ بِهِ عَدَمُ التَّكَرُّرِ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ فَإِنْ كَانَ يُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ حَرُمَ قِيَاسًا عَلَى الْقُبْلَةِ الْآتِيَةِ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ وَتَهْيِئَتِهِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُفْطِرُ قَطْعًا) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَظْهَرُ التَّرَدُّدُ إذَا بَدَرَهُ الْإِنْزَالُ) قَالَ سم عَلَى بَهْجَةٍ بَعْدَ مَا ذُكِرَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ ذَلِكَ فِي الضَّمِّ بِحَائِلٍ مَرَّ.
نَعَمْ اُعْتُرِضَ مَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ مُنَافٍ لِتَزْيِيفِهِمْ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ إنْ اعْتَادَ الْإِنْزَالَ بِالنَّظَرِ أَفْطَرَ

(قَوْلُهُ: خَوْفَ الْإِنْزَالِ) أَيْ فَلَا يَضُرُّ انْتِصَابُ الذَّكَرِ وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ مَذْيٌ

(قَوْلُهُ: «احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» ) وَلَيْسَ هُوَ مَكْرُوهًا فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كُرِهَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ بَلْ فِعْلُهُ الْمَكْرُوهُ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ، (قَوْلُهُ لَا يُخَالِفُ مَا فِي الرَّوْضَةِ) أَيْ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ خِلَافُ الْأَوْلَى، بَلْ هُمَا بِمَعْنًى عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ

(قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَبِنْ لِلْغَلَطِ) هَلْ يَجِبُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ عَلِمَ ذَلِكَ) يَعْنِي خُرُوجَ الْمَنِيِّ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ

(قَوْلُهُ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ مَا فِي الرَّوْضَةِ) أَيْ لِأَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى مِنْ الْمَكْرُوهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ كَرَاهَتَهُ خَفِيفَةٌ

وَلَا مُبَالَاةَ بِالتَّسَمُّحِ فِي هَذَا الْكَلَامِ بِظُهُورِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ: أَيْ وَهُوَ أَنَّهُ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى عَدَمِ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَأَكَلَ أَوْ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأَكَلَ، وَإِنْ بَانَ الْغَلَطُ قَضَى فِيهِمَا أَوْ الصَّوَابُ صَحَّ صَوْمُهُ فِيهِمَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ إذَا تَرَكَ الِاجْتِهَادَ فَأَصَابَهَا أَنَّهُ هُنَاكَ شَكَّ فِي شَرْطِ انْعِقَادِ الْعِبَادَةِ وَهَهُنَا شَكَّ فِي فَسَادِهَا بَعْدَ انْعِقَادِهَا

(وَلَوْ) (طَلَعَ الْفَجْرُ) الصَّادِقُ (وَفِي فَمِهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ) (صَحَّ صَوْمُهُ) وَإِنْ سَبَقَ مِنْهُ شَيْءٌ إلَى جَوْفِهِ لِانْتِفَاءِ الْفِعْلِ وَالْقَصْدِ وَلَوْ أَمْسَكَهُ فِي فِيهِ فَكَمَا لَوْ لَفَظَهُ لَكِنَّهُ لَوْ سَبَقَهُ شَيْءٌ مِنْهُ إلَى جَوْفِهِ أَفْطَرَ كَمَا لَوْ وَضَعَهُ فِي فِيهِ نَهَارًا فَسَبَقَ إلَى جَوْفِهِ كَمَا مَرَّ (وَكَذَا لَوْ) (كَانَ) طُلُوعُ الْفَجْرِ (مُجَامِعًا فَنَزَعَ فِي الْحَالِ) أَيْ عَقِبَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِمَا عَلِمَ بِهِ صَحَّ صَوْمُهُ إذَا كَانَ قَاصِدًا بِنَزْعِهِ تَرْكَ الْجِمَاعِ لَا التَّلَذُّذَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ وَاعْتَمَدَهُ غَيْرُهُمْ وَإِنْ أَنْزَلَ لِتَوَلُّدِهِ مِنْ مُبَاشَرَةٍ مُبَاحَةٍ، وَلِأَنَّ النَّزْعَ تَرْكٌ لِلْجِمَاعِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَهُوَ لَابِسُهُ فَنَزَعَهُ حَالًا، وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ أَنْ يُحِسَّ وَهُوَ مَجَامِعُ بِتَبَاشِيرِ الصُّبْحِ فَيَنْزِعُ بِحَيْثُ يُوَافِقُ آخِرُ النَّزْعِ ابْتِدَاءَ الطُّلُوعِ (فَإِنْ مَكَثَ) بَعْدَ الطُّلُوعِ مُجَامِعًا (بَطَلَ) أَيْ لَمْ يَنْعَقِدْ لِوُجُودِ الْمُنَافِي كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُجَامِعًا، لَكِنْ لَمْ يُنَزِّلُوا مَنْعَ الِانْعِقَادِ مَنْزِلَةَ الْإِفْسَادِ بِخِلَافِهِ هُنَا، وَيُفَرَّقُ أَنَّ النِّيَّةَ هُنَا مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فَكَأَنَّ الصَّوْمَ انْعَقَدَ ثُمَّ أُفْسِدَ بِخِلَافِهَا ثُمَّ وَلِهَذَا لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ بِاسْتِدَامَتِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ كَالْجَامِعِ بَعْدَ الطُّلُوعِ بِجَامِعِ مَنْعِ الصِّحَّةِ بِجِمَاعٍ أَثِمَ بِهِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ، بِخِلَافِ اسْتِمْرَارِ مُعَلَّقِ الطَّلَاقِ بِالْوَطْءِ لَا يَجِبُ فِيهِ الْمَهْرُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ ابْتِدَاءَ فِعْلِهِ هُنَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ فَتَعَلَّقَتْ بِآخِرِهِ لِئَلَّا يَخْلُوَ جِمَاعُ نَهَارِ رَمَضَانَ عَنْهَا وَالْوَطْءُ ثُمَّ غَيْرُ خَالٍ عَنْ مُقَابَلَةِ الْمَهْرِ إذْ الْمَهْرُ فِي النِّكَاحِ يُقَابِلُ جَمِيعَ الْوَطَآتِ.
نَعَمْ إنْ اسْتَدَامَ لِظَنِّ أَنَّ

[حاشية الشبراملسي]

عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَمَّا يَبِينُ غَلَطُهُ أَوْ عَدَمُهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّ الْأَصْلَ صِحَّةُ صَوْمِهِ (قَوْلُهُ: فَأَصَابَهَا إلَخْ) أَيْ حَيْثُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَقَالَ حَجّ: وَالْمُرَادُ يَبْطُلُ صَوْمُهُ، وَصَحَّ هُنَا الْحُكْمُ بِهِمَا وَإِلَّا فَالْمَدَارُ عَلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ

(قَوْلُهُ: وَإِنْ سَبَقَ مِنْهُ شَيْءٌ) غَايَةٌ وَيُعْلَمُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالسَّبْقِ أَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ فِيهِ (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ كَأَنْ جَعَلَ الْمَاءَ فِي فَمِهِ أَوْ أَنْفِهِ إلَخْ، وَعَلَيْهِ فَيُقَيَّدُ مَا هُنَا بِمَا لَوْ وَضَعَهُ فِي فِيهِ لَا لِغَرَضٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ لِحَمْلِ مَا فِيهِ عَلَى مَا لَوْ وَضَعَهُ لِغَرَضٍ (قَوْلُهُ: إذَا كَانَ قَاصِدًا بِنَزْعِهِ تَرْكَ الْجِمَاعِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ لَا التَّلَذُّذَ خِلَافُهُ، وَيُمْكِنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّلَذُّذِ مَا عَدَا قَصْدَ التَّرْكِ فَيَدْخُلُ فِيهِ حَالَةُ الْإِطْلَاقِ اسْتِصْحَابًا لِمَا هُوَ مَقْصُودُهُ مِنْ الْجِمَاعِ فَيَبْطُلُ صَوْمُهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ مَكَثَ بَعْدَ الطُّلُوعِ مُجَامِعًا بَطَلَ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ اللَّيْلِ إلَّا مَا يَسَعُ الْإِيلَاجَ لَا النَّزْعَ فَعَنْ ابْنِ خَيْرَانَ مَنْعُ الْإِيلَاجِ وَعَنْ غَيْرِهِ جَوَازُهُ اهـ. وَقَالَ الزِّيَادِيُّ: وَقَيَّدَ الْإِمَامُ ذَلِكَ بِمَا إذَا ظَنَّ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْجِمَاعِ أَنَّهُ بَقِيَ مَا يَسَعُهُ: فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ ذَلِكَ أَفْطَرَ وَإِنْ نَزَعَ مَعَ الْفَجْرِ لِتَقْصِيرِهِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ لَمْ يُنَزِّلُوا) أَيْ فِي الْإِحْرَامِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ اسْتِمْرَارِ مُعَلِّقِ الطَّلَاقِ) كَأَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ (قَوْلُهُ: جَمِيعَ الْوَطَآتِ) أَيْ وَمِنْ جَمِيعِ ابْتِدَاءِ الْفِعْلِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: أَيْ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ) كَذَا فِي النُّسَخِ وَلَمْ أَفْهَمْ مَعْنَاهُ هُنَا (قَوْلُهُ: وَإِنْ بَانَ الْغَلَطُ قُضِيَ فِيهِمَا إلَخْ) مَفْهُومُ الْمَتْنِ

(قَوْلُهُ: إذَا كَانَ قَاصِدًا بِنَزْعِهِ تَرْكَ الْجِمَاعِ لَا التَّلَذُّذِ) سَكَتَ عَمَّا لَوْ أَطْلَقَ وَرُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي وَلِأَنَّ النَّزْعَ تَرْكٌ لِلْجِمَاعِ إلَخْ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ، وَوَجْهُ فَهْمِهِ مِنْهُ أَنَّ النَّزْعَ مَوْضُوعُهُ التُّرْكُ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ مَوْضُوعِهِ إلَّا بِقَصْدِ التَّلَذُّذِ فَلْيُرَاجَعْ.

صَوْمَهُ بَطَلَ وَإِنْ نَزَعَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ هَتْكَ الْحُرْمَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَصَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، (أَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِطُلُوعِهِ حَتَّى طَلَعَ بِأَنْ عَلِمَ بَعْدَ الِاسْتِدَامَةِ فَمَكَثَ أَوْ نَزَعَ حَالًا) فَإِنَّهُ وَإِنْ أَفْطَرَ لِأَنَّ بَعْضَ النَّهَارِ مَضَى وَهُوَ مَجَامِعُ فَأَشْبَهَ الْغَالِطَ بِالْأَكْلِ لَكِنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَمَّا قِيلَ: كَيْفَ يَعْلَمُ الْفَجْرَ بِمُجَرَّدِ طُلُوعِهِ وَطُلُوعُهُ الْحَقِيقِيُّ يَتَقَدَّمُ عَلَى عِلْمِنَا بِهِ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مَسْأَلَةٌ وُضِعَتْ عَلَى التَّقْدِيرِ وَلَا يَلْزَمُ وُقُوعُهَا، وَالثَّانِي أَنَّا إنَّمَا تَعَبَّدْنَا بِمَا تَطْلُعُ عَلَيْهِ وَلَا مَعْنَى لِلصُّبْحِ إلَّا ظُهُورُ الضَّوْءِ لِلنَّاظِرِ وَمَا قَبْلَهُ لَا حُكْمَ لَهُ، فَالْعَارِفُ بِالْأَوْقَاتِ وَمَنَازِلِ الْقَمَرِ يُدْرِكُ أَوَّلَ الصُّبْحِ الْمُعْتَبَرِ زَادَ فِي الرَّوْضَةِ.
قُلْت: هَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ.

فَصْلٌ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ مِنْ حَيْثُ الْفَاعِلِ وَالْوَقْتِ

(الْإِسْلَامُ) فَلَا يَصِحُّ صَوْمُ الْكَافِرِ أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا وَلَوْ نَاسِيًا لِلصَّوْمِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: تَضَمَّنَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ لَوْ ارْتَدَّ بِقَلْبِهِ نَاسِيًا لِلصَّوْمِ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي يَوْمِهِ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ، وَلَا أَحْسِبُ الْأَصْحَابَ يَسْمَحُونَ بِهِ وَلَا أَنَّهُ أَرَادَهُ وَإِنْ شَمِلَهُ لَفْظُهُ اهـ. وَقَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْإِسْلَامُ جَمِيعَ النَّهَارِ أَنَّهُ يُفْطِرُ هُنَا (وَالْعَقْلُ) أَيْ التَّمْيِيزُ فَلَا يَصِحُّ صَوْمُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ كَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ وَلَوْ بِشُرْبِ دَوَاءٍ لَيْلًا كَالصَّلَاةِ (وَالنَّقَاءُ عَنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ) إجْمَاعًا فَلَا يَصِحُّ صَوْمُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا الْإِمْسَاكُ كَمَا قَالَهُ فِي الْأَنْوَارِ (جَمِيعَ النَّهَارِ) هُوَ قَيْدٌ فِي الْأَرْبَعَةِ فَلَوْ طَرَأَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ رِدَّةٌ أَوْ جُنُونٌ أَوْ حَيْضٌ أَوْ نِفَاسٌ بَطَلَ صَوْمُهُ كَمَا لَوْ جُنَّ فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ، (وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ مَا بَطَلَ صَوْمُهَا أَيْضًا) كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّحْقِيقِ (وَلَا يَضُرُّ النَّوْمُ الْمُسْتَغْرِقُ) لِلنَّهَارِ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِبَقَاءِ أَهْلِيَّةِ الْخِطَابِ مَعَهُ إذْ النَّائِمُ يَتَنَبَّهُ إذَا نُبِّهَ، وَلِهَذَا يَجِبُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ بِالنَّوْمِ دُونَ الْفَائِتَةِ بِالْإِغْمَاءِ.
وَالثَّانِي يَضُرُّ كَالْإِغْمَاءِ (وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا يَضُرُّ إذَا أَفَاقَ لَحْظَةً مِنْ نَهَارِهِ) أَيْ لَحْظَةً كَانَتْ اكْتِفَاءً بِالنِّيَّةِ مَعَ الْإِفَاقَةِ فِي جُزْءٍ لِأَنَّهُ فِي الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْعَقْلِ فَوْقَ النَّوْمِ وَدُونَ الْجُنُونِ، فَلَوْ قُلْنَا إنَّ الْمُسْتَغْرِقَ مِنْهُ لَا يَضُرُّ كَالنَّوْمِ لَأَلْحَقْنَا الْأَقْوَى

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَإِنْ نَزَعَ) غَايَةً (قَوْلُهُ: فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) أَيْ وَإِنْ بَطَلَ صَوْمُهُ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ: حَاصِلُهُ أَنَّ مَدَارَ الْبُطْلَانِ عَلَى الْمُكْثِ بَعْدَ الطُّلُوعِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِهِ وَمَدَارُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُكْثِ بَعْدَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ.

(فَصْلُ شَرْطِ الصَّوْمِ) (قَوْلُهُ: أَنَّهُ يُفْطِرُ هُنَا) أَيْ فِيمَا لَوْ ارْتَدَّ بِقَلْبِهِ نَاسِيًا (قَوْلُهُ أَيْ التَّمْيِيزُ) الْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ هُنَا بِالْغَرِيزَةِ وَإِنْ فُسِّرَ بِالتَّمْيِيزِ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ (قَوْلُهُ وَإِنْ طَرَأَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ رِدَّةٌ) أَيْ وَلَوْ نَاسِيًا كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: لِبَقَاءِ أَهْلِيَّةِ الْخِطَابِ مَعَهُ) أَيْ وَيُثَابُ عَلَى صِيَامِهِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ إذَا أَفَاقَ لَحْظَةً) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْإِغْمَاءُ بِفِعْلِهِ وَفِي حَجّ تَقْيِيدُ عَدَمِ الضَّرَرِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ فَإِنْ كَانَ بِفِعْلِهِ بَطَلَ صَوْمُهُ (قَوْلُهُ فَلَوْ قُلْنَا إنَّ الْمُسْتَغْرِقَ) أَيْ الْإِنْمَاءَ الْمُسْتَغْرِقَ إلَخْ

[حاشية الرشيدي]

[فَصْلٌ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ مِنْ حَيْثُ الْفَاعِلِ وَالْوَقْتِ] (فَصْلٌ شَرْطُ الصَّوْمِ الْإِسْلَامُ) (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ الْفَاعِلُ وَالْوَقْتُ) ذِكْرُ الْوَقْتِ هُنَا لَا يُنَاسِبُ كَوْنَ الْإِسْلَامِ وَمَا بَعْدَهُ مِمَّا يَرْجِعُ لِلْفَاعِلِ فَقَطْ هُوَ الْخَبَرَ مَعَ عَدَمِ عَطْفِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَقْتِ عَلَيْهِ وَمِنْ ثَمَّ اقْتَصَرَ الْمُحَقِّقُ الْمَحَلِّيُّ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ الْفَاعِلُ، وَأَمَّا الشِّهَابُ حَجّ فَلَمَّا أَرَادَ إفَادَةَ أَنَّ الْفَصْلَ مَعْقُودٌ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَقْتِ أَيْضًا حَلَّ الْمَتْنَ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ مَعَهُ ذَلِكَ، وَعِبَارَتُهُ مَعَ الْمَتْنِ: فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الصَّوْمِ مِنْ حَيْثُ الْفَاعِلُ وَالْوَقْتُ، وَكَثِيرٌ مِنْ سُنَنِهِ وَمَكْرُوهَاتِهِ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ مِنْ حَيْثُ الزَّمَنُ قَابِلِيَّةُ الْوَقْتِ وَمِنْ حَيْثُ الْفَاعِلُ الْإِسْلَامُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ نَاسِيًا لِلصَّوْمِ) أَيْ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ كَالْأَكْلِ أَوْ

بِالْأَضْعَفِ، وَلَوْ قُلْنَا إنَّ اللَّحْظَةَ مِنْهُ تَضُرُّ كَالْجُنُونِ لَأَلْحَقْنَا الْأَضْعَفَ بِالْأَقْوَى، فَتَوَسَّطْنَا وَقُلْنَا إنَّ الْإِفَاقَةَ فِي لَحْظَةٍ كَافِيَةٌ، وَالثَّانِي يَضُرُّ مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ لَا يَضُرُّ إذَا أَفَاقَ أَوَّلَ النَّهَارِ.
وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا: لَوْ شَرِبَ دَوَاءً لَيْلًا فَزَالَ عَقْلُهُ نَهَارًا فَفِي التَّهْذِيبِ إنْ قُلْنَا لَا يَصِحُّ الصَّوْمُ فِي الْإِغْمَاءِ فَهَهُنَا أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيُعْلَمُ مِنْهُ الصِّحَّةُ فِي شُرْبِ الدَّوَاءِ: أَيْ إذَا أَفَاقَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلَعَلَّهُ فَهِمَ أَنَّ كَلَامَ الْبَغَوِيّ فِيمَا لَا يُزِيلُ الْعَقْلَ رَأْسًا بَلْ يَغْمُرُهُ كَالْإِغْمَاءِ مَعَ أَنَّ كَلَامَهُ مَفْرُوضٌ فِيمَا يُزِيلُهُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْتَغْرِقِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ بَطَلَ صَوْمُهُ كَمَا لَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ، وَقِيلَ لَا كَمَا لَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ نُسُكِهِ؛ وَلَوْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ لَيْلًا وَبَقِيَ سُكْرُهُ جَمِيعَ النَّهَارِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَإِنْ صَحَّا فِي بَعْضِهِ فَهُوَ كَالْإِغْمَاءِ فِي بَعْضِ النَّهَارِ قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ، وَيُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ أَنَّ عَقْلَهُ هُنَا لَمْ يَزُلْ

(وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ الْعِيدِ) أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ وَلَوْ عَنْ وَاجِبٍ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ (وَكَذَا التَّشْرِيقُ فِي الْجَدِيدِ) وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ الْأَضْحَى لِمَا صَحَّ مِنْ النَّهْيِ عَنْ صِيَامِهَا (وَلَوْ كَانَ صَوْمُهَا لِمُتَمَتِّعٍ عَادِمٍ لِلْهَدْيِ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْهُ) ، وَفِي الْقَدِيمِ لَهُ صِيَامُهَا عَنْ الثَّلَاثَةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْحَجِّ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ فِيهَا

(وَلَا يَحِلُّ) (التَّطَوُّعُ) بِالصَّوْمِ (يَوْمَ الشَّكِّ بِلَا سَبَبٍ) يَقْتَضِي صَوْمَهُ لِقَوْلِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحُوهُ.
قِيلَ وَالْمَعْنَى فِيهِ الْقُوَّةُ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ، وَضَعَّفَهُ السُّبْكِيُّ بِعَدَمِ كَرَاهَةِ صَوْمِ شَعْبَانَ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ إدْمَانَ الصَّوْمِ يُقَوِّي النَّفْسَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي صَوْمِ شَعْبَانَ إضْعَافٌ بَلْ تَقْوِيَةٌ، بِخِلَافِ صَوْمِ يَوْمٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يُضْعِفُ النَّفْسَ عَمَّا بَعْدَهُ فَيَكُونُ فِيهِ افْتِتَاحٌ لِلْعِبَادَةِ مَعَ كَسَلٍ وَضَعْفٍ وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ، وَمِنْ ثَمَّ حَرُمَ الصَّوْمُ بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ بِلَا سَبَبٍ مِمَّا يَأْتِي إنْ لَمْ يَصِلْهُ بِمَا قَبْلَهُ لِخَبَرِ «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ (لَوْ صَامَ الْخَامِسَ عَشْرَ وَتَالِيَهُ ثُمَّ أَفْطَرَ السَّابِعَ عَشَرَ) حَرُمَ عَلَيْهِ صَوْمُ الثَّامِنَ عَشَرَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ صَوْمُ يَوْمٍ بَعْدَ النِّصْفِ لَمْ يُوصَلْ بِمَا قَبْلَهُ (فَلَوْ صَامَهُ) تَطَوُّعًا مِنْ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: بَطَلَ صَوْمُهُ) أَيْ فَلَا يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الصَّائِمِينَ فِي الْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ بَلْ يُسْتَعْمَلُ الطِّيبُ وَنَحْوُهُ فِي كَفَنِهِ مِمَّا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ لِلصَّائِمِ (قَوْلُهُ: فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ) أَيْ فَلَا يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْهَا ثَوَابُ الصَّلَاةِ وَلَكِنْ يُثَابُ عَلَى مُجَرَّدِ الذِّكْرِ فَقَطْ، وَلَا حُرْمَةَ عَلَيْهِ حَيْثُ أَحْرَمَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُهَا (قَوْلُهُ: وَبَقِيَ سُكْرُهُ جَمِيعَ النَّهَارِ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ تَعَدَّى بِسُكْرِهِ أَمْ لَا وَبِهِ صَرَّحَ سم عَلَى بَهْجَةٍ وَصَرَّحَ بِمِثْلِهِ أَيْضًا فِي الْإِغْمَاءِ فَلْيُرَاجَعْ

(قَوْلُهُ: مَا صَحَّ مِنْ النَّهْيِ عَنْ صِيَامِهَا) قَالَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ وَفِي مُسْلِمٍ «إنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» اهـ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَيُرْوَى أَيْ قَوْلُهُ وَشُرْبٌ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَهُمَا بِمَعْنًى وَالْفَتْحُ أَقَلُّ اللُّغَتَيْنِ وَبِهَا قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: 55] وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: أَيْ الْإِبِلِ الَّتِي بِهَا الْهُيَامُ: أَيْ بِضَمِّ الْهَاءِ وَهُوَ دَاءٌ يُشْبِهُ الِاسْتِسْقَاءَ جَمْعُ أَهْيَمُ وَهَيْمَاءُ يُرِيدُ أَنَّهَا أَيَّامٌ لَا يَجُوزُ صَوْمُهَا

(قَوْلُهُ: حَرُمَ عَلَيْهِ صَوْمُ الثَّامِنَ عَشَرَ) أَيْ فَشَرْطُ الْجَوَازِ

[حاشية الرشيدي]

الْجِمَاعِ أَوْ نَحْوِهِمَا مِمَّا يَنْفَعُ فِيهِ النِّسْيَانُ (قَوْلُهُ: وَيُعْلَمُ مِنْهُ الصِّحَّةُ فِي شُرْبِ الدَّوَاءِ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ: إنَّ هَذَا هُوَ مَوْضُوعُ كَلَامِ الْبَغَوِيّ إذْ صُورَتُهُ أَنَّهُ أَفَاقَ بَعْضَ النَّهَارِ وَإِلَّا لَمْ تَأْتِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَصْلِهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَلْيُرَاجَعْ أَصْلُ كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ (قَوْلُهُ: وَلَعَلَّهُ فَهِمَ أَنَّ كَلَامَ الْبَغَوِيّ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْفَهْمَ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ فِي كَلَامِ الْبَغَوِيّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى الْإِغْمَاءِ وَلَمْ يَجْعَلْ الْمُقْتَضِي لِلْبُطْلَانِ بِهِ حَيْثُ جَعَلْنَا الْإِغْمَاءَ غَيْرَ مُبْطِلٍ، إلَّا أَنَّهُ بِفِعْلِهِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْبَغَوِيّ تَجَوَّزَ فِي قَوْلِهِ فَزَالَ عَقْلُهُ فَعَبَّرَ بِالزَّوَالِ عَنْ التَّغْطِيَةِ، عَلَى أَنَّ حَمْلَ الزَّوَالِ فِي كَلَامِهِ حَقِيقَتُهُ يُنَافِيهِ حِكَايَةُ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا قُلْنَا إنَّ الْإِغْمَاءَ لَا يَضُرُّ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلَوْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ لَيْلًا) شَمِلَ مَا إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا، وَبِهِ صَرَّحَ الشِّهَابُ سم

غَيْرِ سَبَبٍ (لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ) كَيَوْمِ الْعِيدِ بِجَامِعِ التَّحْرِيمِ.
وَالثَّانِي يَصِحُّ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلصَّوْمِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا سَيَأْتِي عَقِبَهُ، وَالْخِلَافُ كَالْخِلَافِ فِي الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ

(وَلَهُ) (صَوْمُهُ عَنْ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ) الْمُسْتَقَرُّ فِي ذِمَّتِهِ وَالْكَفَّارَةُ فَيَحِلُّ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ مُسَارَعَةً إلَى بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ كَنَظِيرِهِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا تُقَدِّمُوا أَيْ لَا تَتَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» وَقِيسَ بِالْوِرْدِ الْبَاقِي بِجَامِعِ السَّبَبِ، وَلَا يُشْكَلُ الْخَبَرُ بِخَبَرِ «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ» لِتَقَدُّمِ النَّصِّ عَلَى الظَّاهِرِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَلَوْ أَخَّرَ صَوْمًا لِيُوقِعَهُ يَوْمَ الشَّكِّ فَقِيَاسُ كَلَامِهِمْ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا تَحْرِيمُهُ، (وَشَمِلَ إطْلَاقُهُ قَضَاءَ الْمُسْتَحَبِّ) وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِمْ بِجَوَازِ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ وَإِنْ كَانَتْ نَافِلَةً.
وَصُورَةُ قَضَاءِ الْمُسْتَحَبِّ هُنَا أَنْ يَشْرَعَ فِي صَوْمِ نَفْلٍ ثُمَّ يُفْسِدُهُ فَإِنَّهُ يُسَنُّ قَضَاؤُهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُهُ احْتِيَاطًا لِرَمَضَانَ إذْ لَا فَائِدَةَ لَهُ لِعَدَمِ وُقُوعِهِ عَنْهُ فَلَا احْتِيَاطَ، وَلَا يَصِحُّ نَذْرُ يَوْمِ الشَّكِّ كَنَذْرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالْعِيدَيْنِ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ (وَكَذَا لَوْ وَافَقَ عَادَةَ تَطَوُّعِهِ) سَوَاءٌ أَكَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ أَمْ يَصُومُ يَوْمًا مُعَيَّنًا كَالِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ أَوْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا فَوَافَقَ صَوْمُهُ يَوْمَ الشَّكِّ فَلَهُ صِيَامُهُ لِلْخَبَرِ الْمَارِّ، وَتَثْبُتُ عَادَتُهُ الْمَذْكُورَةُ بِمَرَّةٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -،

[حاشية الشبراملسي]

أَنْ يَصِلَ الصَّوْمَ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ، فَمَتَى أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي حَرُمَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَلَمْ يَنْعَقِدْ مَا لَمْ يُوَافِقْ عَادَةً لَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ صَامَ شَعْبَانَ كُلَّهُ بِقَصْدِ أَنْ لَا يَصُومَ الْيَوْمَ الْأَخِيرَ أَوْ النِّصْفَ كُلَّهُ بِهَذَا الْقَصْدِ ثُمَّ عِنْدَ آخِرِ الشَّهْرِ عَنَّ لَهُ صِيَامُهُ فَهَلْ يَصِحُّ صَوْمُهُ نَظَرًا لِاتِّصَالِ الصَّوْمِ بِمَا قَبْلَهُ أَوْ لَا يَصِحُّ نَظَرًا لِلْقَصْدِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا نَظَرَ لِهَذَا الْقَصْدِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ رَفَضَ النِّيَّةَ نَهَارًا (قَوْلُهُ: فِي وَقْتِ النَّهْيِ) وَالرَّاجِحُ مِنْهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ

(قَوْلُهُ: وَلَهُ صَوْمُهُ عَنْ الْقَضَاءِ) وَلَوْ مَنْدُوبًا كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: إلَّا رَجُلًا) عِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ إلَّا رَجُلٌ اهـ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا جَائِزٌ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ وَالْأَفْصَحُ الرَّفْعُ لَكِنْ تُرَاجَعُ الرِّوَايَةُ (قَوْلُهُ: وَلَا يُشْكَلُ الْخَبَرُ) أَيْ حَيْثُ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْوُرُودِ وَنَحْوِهِ بِقَوْلِهِ إلَّا رَجُلٌ إلَخْ، وَدَلَّ خَبَرُ إذَا انْتَصَفَ عَلَى امْتِنَاعِهِ لِإِطْلَاقِهِ وَقَوْلُهُ لِتَقَدُّمِ النَّصِّ: أَيْ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى الظَّاهِرِ: أَيْ خَبَرِ إذَا انْتَصَفَ اهـ سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ أَخَّرَ صَوْمًا) أَيْ وَلَوْ وَاجِبًا (قَوْلُهُ: فَقِيَاسُ كَلَامِهِمْ) مُعْتَمَدٌ: أَيْ بَلْ وَقِيَاسُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ تَحَرَّى تَأْخِيرَهُ لِيُوقِعَهُ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ شَعْبَانَ حَرُمَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَلَمْ يَنْعَقِدْ (قَوْلُهُ وَشَمِلَ إطْلَاقُهُ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يُقَيِّدْ الْقَضَاءَ بِالْوَاجِبِ (قَوْلُهُ: وَصُورَةُ قَضَاءِ الْمُسْتَحَبِّ) يُتَأَمَّلُ قَصْرُهُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، فَإِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِمْ يُنْدَبُ قَضَاءُ النَّفْلِ الْمُؤَقَّتِ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ بَلْ مِثْلُهَا عَاشُورَاءُ وَتَاسُوعَاءُ وَغَيْرُهَا (قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ نَذْرُ يَوْمِ الشَّكِّ) أَيْ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَكٌّ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِذَلِكَ وَقْتُ النَّذْرِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ كَالْخَمِيسِ الْآتِي مَثَلًا ثُمَّ طَرَأَ شَكٌّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَبَيَّنَ عَدَمُ انْعِقَادِ نَذْرِهِ فَلَا يَصِحُّ صَوْمُهُ (قَوْلُهُ: وَتَثْبُتُ عَادَتُهُ الْمَذْكُورَةُ) وَعَلَيْهِ فَلَوْ صَامَ فِي أَوَّلِ شَعْبَانَ يَوْمَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ ثُمَّ أَفْطَرَ بَاقِيَهُ فَوَافَقَ يَوْمُ الشَّكِّ يَوْمًا لَوْ أَدَامَ الْأَوَّلَ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ وَفِطْرِ يَوْمٍ لَوَقَعَ يَوْمُ الشَّكِّ مُوَافِقًا لِيَوْمِ الصَّوْمِ صَحَّ صَوْمُهُ وَمِثْلُهُ مَا لَوْ صَامَ يَوْمًا قَبْلَ الِانْتِصَافِ عَلِمَ أَنَّهُ يُوَافِقُ آخِرَ شَعْبَانَ وَاتَّفَقَ أَنَّ آخِرَ شَعْبَانَ حَصَلَ فِيهِ شَكٌّ فَلَا يَحْرُمُ صَوْمُهُ لِأَنَّهُ صَارَ عَادَةً لَهُ (قَوْلُهُ بِمَرَّةٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا إلَى آخِرِ عُمْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِي فَتَاوَى وَلَدِ الشَّارِحِ

[حاشية الرشيدي]

فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ خِلَافًا لِلشِّهَابِ حَجّ

(قَوْلُهُ وَصُورَةُ قَضَاءِ الْمُسْتَحَبِّ هُنَا أَنْ يَشْرَعَ فِي صَوْمِ نَفْلٍ ثُمَّ يُفْسِدُهُ) أَيْ مَثَلًا وَإِلَّا فَتَصْوِيرُهُ لَا يَنْحَصِرُ فِي ذَلِكَ، إذْ الْمُسْتَحَبُّ الْمُؤَقَّتُ يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ مُطْلَقًا كَصَوْمِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ (قَوْلُهُ: وَتَثْبُتُ عَادَتُهُ الْمَذْكُورَةُ بِمَرَّةٍ) أَيْ بِأَنْ يَصُومَ نَظِيرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ نِصْفِ شَعْبَانَ الْأَوَّلِ ثُمَّ يَمْنَعَهُ مِنْ صَوْمِهِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مَانِعٌ لَمْ يَزُلْ إلَّا فِي يَوْمِ الشَّكِّ، وَإِلَّا فَالصَّوْمُ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْهُ مُطْلَقًا بِلَا سَبَبٍ مَمْنُوعٌ

وَيَجِبُ أَنْ يُفْطِرَ بَيْنَ الصَّوْمَيْنِ نَفْلًا أَوْ فَرْضًا، إذْ الْوِصَالُ حَرَامٌ وَهُوَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ وَلَا يَتَنَاوَلُ بِاللَّيْلِ مَطْعُومًا عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَقَضِيَّتُهُ (أَنَّ الْجِمَاعَ وَنَحْوَهُ لَا يَمْنَعُ الْوِصَالَ) . قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَعْنَى لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْوِصَالِ لِلضَّعْفِ: أَيْ عَنْ الصِّيَامِ وَنَحْوِهِ مِنْ الطَّاعَاتِ، وَتَرْكُ الْجِمَاعِ وَنَحْوِهِ لَا يُضْعِفُ بَلْ يُقَوِّي، لَكِنْ قَالَ فِي الْبَحْرِ: هُوَ أَنْ يَسْتَدِيمَ جَمِيعَ أَوْصَافِ الصَّائِمِينَ، وَذَكَرَ الْجُرْجَانِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ نَحْوَهُ قَالَ: وَتَعْبِيرُ الرَّافِعِيِّ: أَيْ وَغَيْرِهِ بِأَنْ يَصُومَ يَوْمَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْإِمْسَاكِ كَتَارِكِ النِّيَّةِ لَا يَكُونُ امْتِنَاعُهُ لَيْلًا مِنْ تَعَاطِي الْمُفْطِرِ وِصَالًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ صَوْمَيْنِ إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ

(وَهُوَ) أَيْ يَوْمُ الشَّكِّ (يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ) (إذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ) وَلَمْ يَعْلَمْ مَنْ رَآهُ (أَوْ شَهِدَ بِهَا صِبْيَانٌ أَوْ عَبِيدٌ أَوْ فَسَقَةٌ) أَوْ نِسَاءٌ وَظَنَّ صَدِّقْهُمْ،، أَوْ عَدْلٌ وَلَمْ يَكْتَفِ بِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ لِعَدَمِ ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنْهُ.
نَعَمْ مَنْ (اعْتَقَدَ صِدْقَ مَنْ قَالَ إنَّهُ رَآهُ مِمَّنْ ذُكِرَ يَصِحُّ مِنْهُ صَوْمُهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ) كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ، وَمَرَّ صِحَّةُ نِيَّةِ مُعْتَقِدِ ذَلِكَ وَلَوْ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ مِمَّنْ ذَكَرَ وُقُوعَ الصَّوْمِ عَنْ رَمَضَانَ إذَا تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْهُ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ مَا ذُكِرَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثِ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ، وَأُجِيبَ عَمَّا زَعَمَهُ أَيْضًا بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى فِيهَا نَظَرٌ، وَأَجَابَ الْعِرَاقِيُّ عَنْ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ بِأَنَّ كَلَامَهُمْ هُنَاكَ فِيمَا إذَا تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ وَهُنَا فِيمَا إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ، فَلَيْسَ الِاعْتِمَادُ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي الصَّوْمِ بَلْ فِي النِّيَّةِ فَقَطْ، فَإِذَا نَوَى اعْتِمَادًا عَلَى قَوْلِهِمْ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَيْلًا كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ أُخْرَى: أَلَا تَرَاهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ الشَّهْرُ وَإِنَّمَا ذَكَرُوهُ فِيمَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي النِّيَّةِ اهـ. وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِي يَوْمِ الشَّكِّ فِي عُمُومِ النَّاسِ لَا فِي أَفْرَادِهِمْ، فَيَكُونُ شَكًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ مَنْ ظُنَّ صِدْقُهُمْ وَهُوَ أَكْثَرُ النَّاسِ دُونَ أَفْرَادِ؛ مَنْ اعْتَقَدَ صِدْقَهُمْ

[حاشية الشبراملسي]

مَا يُخَالِفُهُ وَنَصُّهَا: سُئِلَ الشَّيْخُ الرَّمْلِيُّ هَلْ الْعِبْرَةُ بِعَادَتِهِ الْقَدِيمَةِ أَوْ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَادَتِهِ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ لَا الْقَدِيمَةِ، وَكَتَبَ سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ قَوْلُهُ بِأَنْ اعْتَادَ إلَخْ قَدْ يُسْتَشْكَلُ تَصْوِيرُ الْعَادَةِ ابْتِدَاءً لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الصَّوْمِ بَعْدَ النِّصْفِ بِلَا سَبَبٍ مُمْتَنِعٌ فَيَحْتَاجُ لِعَادَةٍ وَيُنْقَلُ الْكَلَامُ إلَيْهَا فَيَتَسَلْسَلُ، وَيُجَابُ بِأَنْ يُصَوِّرَ ذَلِكَ بِمَا إذَا صَامَ الِاثْنَيْنِ مَثَلًا قَبْلَ النِّصْفِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ صَوْمَهُ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ صَارَ عَادَةً لَهُ، وَلَوْ اخْتَلَفَتْ عَادَتُهُ كَأَنْ اعْتَادَ الِاثْنَيْنِ فِي عَامٍ وَالْخَمِيسَ فِي آخَرَ فَهَلْ يُعْتَبَرُ الْأَخِيرُ أَوْ نَقُولُ كُلٌّ صَارَ عَادَةً لَهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الثَّانِي.
نَعَمْ إنْ عَزَمَ عَلَى هَجْرِ أَحَدِهِمَا وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ اهـ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا نُقِلَ عَنْ إفْتَاءِ وَالِدِ الشَّارِحِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَيَجِبُ أَنْ يُفْطِرَ) بَيَانُ فَائِدَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الْوِصَالُ (قَوْلُهُ: لَكِنْ قَالَ فِي الْبَحْرِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ) أَيْ فَلَا فَرْقَ فِي حُرْمَةِ الْوِصَالِ بَيْنَ كَوْنِهِ بَيْنَ صَوْمَيْنِ وَأَنْ لَا

(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكْتَفِ بِهِ) أَيْ عَلَى الْمَرْجُوحِ السَّابِقِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ تَبَيَّنَ لَيْلًا كَوْنَهُ مِنْ رَمَضَانَ) قَالَ سم عَلَى شَرْحِ الْبَهِيَّةِ، قَوْلُهُ لَيْلًا يُتَّجَهُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ التَّبَيُّنَ نَهَارًا كَذَلِكَ، وَلَعَلَّ اقْتِصَارَ الشَّارِحِ عَلَى قَوْلِهِ لَيْلًا لِيَتَأَتَّى قَوْلُهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ أُخْرَى

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَمَرَّ صِحَّةُ نِيَّةِ مُعْتَقِدِ ذَلِكَ) أَيْ ظَانِّهِ كَمَا مَرَّ تَفْسِيرُهُ بِهِ فِي كَلَامِهِ وَهُوَ الَّذِي يَنْتَفِي بِهِ التَّنَافِي.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ كَمَا قَرَّرَهُ حَجّ فِي مَبْحَثِ النِّيَّةِ أَنَّ ظَنَّ صِدْقِ هَؤُلَاءِ مُصَحِّحٌ لِلنِّيَّةِ فَقَطْ، ثُمَّ إنْ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ بِشَهَادَةٍ مُعْتَبَرَةٍ صَحَّ صَوْمُهُ اعْتِمَادًا عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ فَهُوَ يَوْمُ شَكٍّ يَحْرُمُ صَوْمُهُ، هَذَا إذَا لَمْ يَعْتَقِدْ صِدْقَهُمْ، فَإِنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ بِأَنْ وَقَعَ الْجَزْمُ بِخَبَرِهِمْ؛ صَحَّ الصَّوْمُ اعْتِمَادًا عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ: كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ) يَعْنِي التَّنَافِي وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَإِنْ زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ كَلَامَهُمْ هُنَاكَ) يَعْنِي فِي مَبْحَثِ النِّيَّةِ فَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ مَوْضِعَيْنِ فَقَطْ عَلَى أَنَّهُ هُوَ عَيْنُ الْجَمْعِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَهُ (قَوْلُهُ: فَإِذَا نَوَى اعْتِمَادًا عَلَى قَوْلِهِمْ) أَيْ بِأَنْ كَانَ الْوَاقِعُ مُجَرَّدَ الظَّنِّ كَمَا عُلِمَ (قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ مَنْ ظَنَّ صِدْقَهُمْ)

لِوُثُوقِهِ بِهِمْ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَكٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ رَآهُ مِنْ الْفُسَّاقِ وَالْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ بَلْ هُوَ رَمَضَانُ فِي حَقِّهِمْ قَطْعًا وَمَرَّ أَنَّ الْجَمْعَ فِي الصِّبْيَانِ وَنَحْوِهِمْ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَالِاثْنَانِ كَذَلِكَ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّ يَوْمَ الشَّكِّ يَحْصُلُ بِمَا ذُكِرَ سَوَاءٌ أَطْبَقَ الْغَيْمُ أَمْ لَا، لَكِنْ قَيَّدَهُ صَاحِبُ الْبَهْجَةِ تَبَعًا لِلطَّاوُسِيِّ وَالْبَارِزِيِّ وَالْقُونَوِيِّ بِعَدَمِ إطْبَاقِ الْغَيْمِ فَمَعَ إطْبَاقِهِ لَا يُورِثُ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ الشَّكَّ وَالْأَوَّلُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ أَوْجَهُ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ تَبِعَ فِيهِ مَنْ ذُكِرَ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّمْثِيلِ وَقَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى كَثِيرًا بِثُبُوتِ هِلَالِ الْحِجَّةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَثَلًا ثُمَّ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ وَظُنَّ صِدْقُهُمْ وَلَمْ يَثْبُتْ فَهَلْ يُنْدَبُ صَوْمُ يَوْمِ السَّبْتِ لِكَوْنِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى تَقْدِيرِ كَمَالِ ذِي الْقَعْدَةِ أَمْ يَحْرُمُ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ يَوْمَ الْعِيدِ؟ وَقَدْ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِالثَّانِي لِأَنَّ دَفْعَ مَفْسَدَةِ الْحَرَامِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْمَنْدُوبِ (وَلَيْسَ إطْبَاقُ الْغَيْمِ) لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ (بِشَكٍّ) لِأَنَّا تَعَبَّدْنَا فِيهِ بِإِكْمَالِ الْعِدَّةِ فَلَا يَكُونُ هُوَ يَوْمُ شَكٍّ بَلْ يَكُونُ مِنْ شَعْبَانَ لِلْخَبَرِ الْمَارِّ، (وَلَا أَثَرَ لِظَنِّنَا رُؤْيَتَهُ لَوْلَا السَّحَابُ لِبُعْدِهِ عَنْ الشَّمْسِ وَلَوْ كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً) وَتَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَلَمْ يَتَحَدَّثْ بِرُؤْيَتِهِ فَلَيْسَ بِيَوْمِ شَكٍّ، وَقِيلَ هُوَ يَوْمُ شَكٍّ، وَلَوْ كَانَ فِي السَّمَاءِ قِطَعُ سَحَابٍ يُمْكِنُ أَنْ يُرَى الْهِلَالُ مِنْ خِلَالِهَا وَأَنْ يَخْفَى تَحْتَهَا وَلَمْ يَتَحَدَّثْ بِرُؤْيَتِهِ فَقِيلَ هُوَ يَوْمُ شَكٍّ وَقِيلَ لَا، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: الْأَصَحُّ لَيْسَ بِشَكٍّ

(وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ) بِتَنَاوُلِ شَيْءٍ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ، وَقَضِيَّتُهُ عَدَمُ حُصُولِ سُنَّةِ التَّعْجِيلِ بِالْجِمَاعِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إضْعَافِ الْقُوَّةِ وَالضَّرَرِ، وَمَحَلُّ النَّدْبِ إذَا تَحَقَّقَ الْغُرُوبُ أَوْ ظَنَّهُ بِأَمَارَةٍ لِخَبَرِ «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، (وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهُ إنْ قَصَدَ ذَلِكَ وَرَأَى أَنَّ فِيهِ فَضِيلَةً) وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ، وَفِيهِ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَتَمَضْمَضَ بِمَاءٍ وَيَمُجُّهُ وَأَنْ يَشْرَبَهُ وَيَتَقَيَّأَهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ، قَالَ: وَكَأَنَّهُ شُبِّهَ بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِكَوْنِهِ يُزِيلُ الْخَلُوفَ اهـ. وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ إنَّهُ إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ كَرَاهَةَ السِّوَاكِ لَا تَزُولُ بِالْغُرُوبِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ يُرَدُّ بِأَنَّ الظَّاهِرَ تَأْتِيهِ مُطْلَقًا لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا (وَيُسَنُّ الْفِطْرُ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: فَالِاثْنَانِ كَذَلِكَ) وَمِثْلُهُمَا الْوَاحِدُ كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ هُوَ يَوْمُ شَكٍّ) اُنْظُرْ مَا فَائِدَةُ الْخِلَافِ مَعَ أَنَّهُ يَحْرُمُ صَوْمُهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، إذْ بِفَرْضِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَكٍّ هُوَ يَوْمٌ مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ شَعْبَانَ وَصَوْمُهُ حَرَامٌ ثُمَّ رَأَيْت سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ قَالَ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ وَإِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ حَرُمَ الصَّوْمُ إلَخْ، هَذَا قَدْ يُوجِبُ أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِيَوْمِ الشَّكِّ لِأَنَّهُ مَعَ الْوَاصِلِ بِمَا قَبْلَهُ يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ وَغَيْرِهِ، وَمَعَ عَدَمِ الْوَصْلِ يَمْتَنِعُ صَوْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ تُجْعَلَ الْخُصُوصِيَّةُ أَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْلِ يَحْرُمُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ جِهَتَيْنِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا: فَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي التَّعَالِيقِ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ كَانَ الْيَوْمُ الْفُلَانِيُّ يَوْمَ شَكٍّ فَعَبْدِي حُرٌّ أَوْ نَحْوُهُ فَيُؤَاخَذُ بِذَلِكَ حَيْثُ قُلْنَا إنَّهُ شَكٌّ

(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ) يَنْبَغِي سَنُّ ذَلِكَ وَلَوْ مَارًّا بِالطَّرِيقِ، وَلَا تَنْخَرِمُ مُرُوءَتُهُ بِهِ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ مِنْ طَلَبِ الْأَكْلِ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَوْ مَارًّا بِالطَّرِيقِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُحْتَمَلٌ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: أَوْ ظَنَّهُ بِأَمَارَةٍ) قَدْ يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي جَوَازِ الْفِطْرِ إذَا ظَنَّ الْغُرُوبَ بِالِاجْتِهَادِ وَهُوَ مُقْتَضٍ لِنَدْبِ التَّأْخِيرِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ) أَيْ الصَّائِمَ (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَشْرَبَهُ) أَيْ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْفِطْرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا) أَيْ وَهُوَ أَنَّ السِّوَاكَ مُسْتَحَبٌّ وَلَا يُكْرَهُ إلَّا لِسَبَبٍ وَقَدْ زَالَ بِخِلَافِ الْمَضْمَضَةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَطْلُوبَةً فَإِزَالَةُ

[حاشية الرشيدي]

يَعْنِي: اعْتَقَدَهُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا بَعْدَهُ

(قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ عَدَمُ حُصُولِ سُنَّةِ التَّعْجِيلِ بِالْجِمَاعِ) وَقَضِيَّتُهُ أَيْضًا عَدَمُ حُصُولِهَا بِالِاسْتِقَاءَةِ، أَوْ إدْخَالِ نَحْوِ عُودٍ فِي أُذُنِهِ، أَوْ إحْلِيلِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْلِيلِ يَأْبَى ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ قَضِيَّةَ تَعْبِيرِهِ بِلَفْظِ كَمَا فِي نَقْلِهِ كَلَامَ الْجَوَاهِرِ الْمُؤْذِنَةِ بِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَهُ وَهُوَ لَهُ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ

عَلَى تَمْرٍ، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَجِدْهُ (فَمَاءٌ) لِخَبَرِ «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلْيُفْطِرْ عَلَى التَّمْرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ التَّمْرَ فَعَلَى الْمَاءِ فَإِنَّهُ طَهُورٌ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَوَرَدَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَا حُسْوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» ، وَقَضِيَّةُ هَذَا الْخَبَرِ تَقْدِيمُ الرُّطَبِ عَلَى التَّمْرِ وَأَنَّ السُّنَّةَ تَثْلِيثُ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ مِنْ رُطَبٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا اقْتَضَاهُ فِي الثَّانِي نَصُّ حَرْمَلَةَ وَتَصْرِيحُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِهِ فِي الْمَاءِ وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ بِتَمْرٍ إذْ هُوَ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ وَتَعْبِيرُ جَمْعٍ بِتَمْرِهِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا أَصْلُ السُّنَّةِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ هُوَ بِمَكَّةَ وَغَيْرُهُ خِلَافًا لِلْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ (وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ) لِخَبَرِ «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السَّحُورَ» وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ السُّحُورِ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى عَلَى الْعِبَادَةِ وَصَحَّ «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قُمْنَا إلَى الصَّلَاةِ وَكَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسِينَ آيَةً» وَفِيهِ ضَبْطٌ لِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ سُنَّةُ التَّأْخِيرِ وَيُسَنُّ السَّحُورُ أَيْضًا لِخَبَرِ «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» وَلِخَبَرِ الْحَاكِمِ فِي صَحِيحِهِ «اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ وَبِقَيْلُولَةِ النَّهَارِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ» وَالسَّحُورُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمَأْكُولُ وَبِضَمِّهَا الْأَكْلُ حِينَئِذٍ وَيَحْصُلُ بِقَلِيلِ الْمَطْعُومِ وَكَثِيرِهِ لِخَبَرِ «تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجَرْعَةِ مَاءٍ» وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ، وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِهِ إذَا رَجَا بِهِ مَنْفَعَةً أَوْ لَمْ يَخْشَ بِهِ ضَرَرًا كَمَا قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ، وَلِهَذَا قَالَ الْحَلِيمِيُّ: إذَا كَانَ شَبْعَانَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَسَحَّرَ لِأَنَّهُ فَوْقَ الشِّبَعِ اهـ. وَمُرَادُهُ إكْثَارُ الْأَكْلِ وَمَحَلُّهُ أَيْضًا (مَا لَمْ يَقَعْ فِي شَكٍّ) بِأَنْ يَتَرَدَّدَ فِي بَقَاءِ اللَّيْلِ وَحِينَئِذٍ فَتَرْكُهُ أَوْلَى لِخَبَرِ «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك»

(وَلْيَصُنْ لِسَانَهُ عَنْ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ) وَنَحْوِهِمَا مِنْ مُشَاتَمَةٍ وَسَائِرَ جَوَارِحِهِ عَنْ الْجَرَائِمِ فَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِارْتِكَابِهَا، بِخِلَافِ ارْتِكَابِ مَا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ مِنْ حَيْثُ الصَّوْمِ كَالِاسْتِقَاءَةِ، وَإِنَّمَا طُلِبَ الْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ

[حاشية الشبراملسي]

الْخَلُوفِ بِهَا تُعَدُّ عَيْنًا حَيْثُ لَا غَرَضَ (قَوْلُهُ عَلَى تَمْرٍ) وَلْيُنْظَرْ هَلْ يُقَدَّمُ اللَّبَنُ عَلَى الْعَسَلِ.
أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ الْعَسَلُ لِأَنَّهُمْ نَظَرُوا لِلْحُلْوِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ بَعْدَ فَقْدِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا وَرَدَ، وَكَتَبَ سم عَلَى مَنْهَجِ عَمِيرَةَ: قِيلَ الْحِكْمَةُ كَوْنُهُ مَدْخُولَ النَّارِ وَقِيلَ تَفَاؤُلًا بِالْحَلَاوَةِ وَقِيلَ لِنَفْعِ الْبَصَرِ اهـ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمَاءٌ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: وَفِي حُصُولِهِ بِنَحْوِ مِلْحٍ وَمَاءِ مِلْحٍ نَظَرٌ، وَكَذَا بِنَحْوِ تُرَابٍ وَحَجَرٍ لَا يَضُرُّ وَالْحُصُولُ مُحْتَمَلٌ اهـ. أَقُولُ: أَشَارَ بِقَوْلِهِ مُحْتَمَلٌ إلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ أَيْضًا بِعَدَمِ الْحُصُولِ، وَيُوَجَّهُ أَنَّ الْغَرَضَ الْمَطْلُوبَ مِنْ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ بِإِزَالَةِ حَرَارَةِ الصَّوْمِ بِمَا يُصْلِحُ الْبَدَنَ وَهُوَ مُنْتَفٍ مَعَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ تَنَاوُلَ التُّرَابِ وَالْمَدَرِ مَعَ انْتِفَاءِ الضَّرَرِ مَكْرُوهٌ فَلَا يَنْبَغِي حُصُولُ السُّنِّيَّةِ بِهِ (قَوْلُهُ: عَلَى التَّمْرِ) أَيْ وَعَلَى الْعَجْوَةِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ) أَيْ حَيْثُ قَالَ: يُقَدِّمُ مَنْ بِمَكَّةَ مَاءَ زَمْزَمَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ فَوْقَ الشِّبَعِ) أَيْ مَا يَأْكُلُهُ مَثَلًا

(قَوْلُهُ: فَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ) أَيْ ثَوَابُهُ.
[فَرْعٌ] لَوْ تَابَ هَلْ يَسْلَمُ الصَّوْمُ مِنْ النَّقْصِ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَيُحْتَمَلُ بَقَاؤُهُ وَأَنْ يَكُونَ غَايَتُهَا دَفْعَ الْإِثْمِ خَادِم

[حاشية الرشيدي]

لَا يَعْتَمِدُ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ فَلْيُرَاجَعْ مُخْتَارُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ لَمْ يَجِدْهُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ عَلَى الْمَاءِ مَعَ وُجُودِ التَّمْرِ لَا تَحْصُلُ لَهُ سُنَّةُ الْفِطْرِ عَلَى الْمَاءِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِهِ إذَا رَجَا مَنْفَعَةً) اُنْظُرْهُ مَعَ مَا مَرَّ وَيَأْتِي مِنْ حُصُولِ السُّنَّةِ بِالْقَلِيلِ كَالْكَثِيرِ (قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَخْشَ بِهِ ضَرَرًا) هُوَ كَذَا بِأَوْ فِي النُّسَخِ وَلَعَلَّهُ تَحْرِيفٌ مِنْ الْكَتَبَةِ، وَإِلَّا فَاَلَّذِي فِي الْقُوتِ عَنْ تَجْرِيدِ التَّجْرِيدِ وَلَمْ يَخْشَ بِالْوَاوِ وَهِيَ الْأَصْوَبُ كَمَا لَا يَخْفَى، لَكِنَّ قَضِيَّتَهُ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ إلَّا إذَا رَجَا مَنْفَعَةً

(قَوْلُهُ: فَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِارْتِكَابِهَا) هُوَ بِالْفَاءِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَهُوَ الَّذِي أَلْجَأَ الشَّيْخَ فِي الْحَاشِيَةِ إلَى ضَبْطِ يُبْطِلُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ فَيَكُونُ فَاعِلُهُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلَى الصَّائِمِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا بَعْدَهُ لَا يُلَائِمُهُ، لَكِنْ هُوَ فِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ بَدَلَ

وَشَرَابَهُ» وَلِخَبَرِ الْحَاكِمِ فِي صَحِيحِهِ «لَيْسَ الصِّيَامُ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَطْ الصِّيَامُ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ» وَلِأَنَّهُ يُحْبِطُ الثَّوَابَ، فَالْمُرَادُ أَنَّ كَمَالَ الصَّوْمِ إنَّمَا يَكُونُ بِصِيَانَتِهِ عَنْ اللَّغْوِ وَالْكَلَامِ الرَّدِيءِ لَا أَنَّ الصَّوْمَ يَبْطُلُ بِهِمَا فَإِنْ شَتَمَهُ أَحَدٌ فَلْيَقُلْ إنِّي صَائِمٌ لِخَبَرِ «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يَجْهَلُ، فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إنِّي صَائِمٌ إنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ» يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ بِنِيَّةِ وَعْظِ الشَّاتِمِ وَدَفْعِهِ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ جَمْعٍ وَصَحَّحَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنَّ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ فَحَسَنٌ.
وَقَالَ: إنَّهُ يُسَنُّ تَكْرَارُهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إمْسَاكِ صَاحِبِهِ.
عَنْهُ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُهُ مَرْدُودٌ بِالْخَبَرِ الْمَارِّ (وَنَفْسُهُ عَنْ الشَّهَوَاتِ) مِنْ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ وَالْمَشْمُومَاتِ وَالْمَلَابِسِ إذْ ذَلِكَ سِرُّ الصَّوْمِ وَمَقْصُودُهُ الْأَعْظَمُ لِتَنْكَسِرَ نَفْسُهُ عَنْ الْهَوَى وَتَقْوَى عَلَى التَّقْوَى بِكَفِّ جَوَارِحِهِ عَنْ تَعَاطِي مَا يَشْتَهِيهِ.
قَالَ فِي الدَّقَائِقِ: وَلَا يَمْتَنِعُ هَذَا الْعَطْفُ لِأَنَّ النَّوْعَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الْأَمْرِ بِهِمَا، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَمْرُ إيجَابٍ، وَالثَّانِي اسْتِحْبَابٌ اهـ. وَالْأَوْجَهُ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَمَا تَمَحَّلَهُ الشَّارِحُ لِعِبَارَةِ الرَّافِعِيِّ بَعِيدٌ.
قَالَهُ فِي الْأَنْوَارِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ بِحَقِّ الْخَتْمِ الَّذِي عَلَى فَمِي.

(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ) وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ (قَبْلَ الْفَجْرِ) لِيُؤَدِّيَ الْعِبَادَةَ عَلَى الطَّهَارَةِ وَلِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْقَائِلِ بِوُجُوبِهِ، لَكِنْ نُقِلَ عَنْهُ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ، وَخَشْيَةً مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِ الْأُذُنِ أَوْ الدُّبُرِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَغْسِلَ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ إنْ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ الْغُسْلُ الْكَامِلُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَقِيَاسُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ اسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ إلَى الِاغْتِسَالِ عَقِبَ الِاحْتِلَامِ نَهَارًا.
قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ: يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ دُخُولُ الْحَمَّامِ: يَعْنِي مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لِجَوَازِ أَنْ يَضُرَّهُ فَيُفْطِرُ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهَذَا لِمَنْ يَتَأَذَّى بِهِ دُونَ مَنْ اعْتَادَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ حَيْثُ انْتِفَاءِ الضَّرَرِ أَمَّا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَرَفُّهٌ لَا يُنَاسِبُ الصَّائِمَ فَمَرْدُودٌ (وَأَنْ يَحْتَرِزَ عَنْ الْحِجَامَةِ) وَالْفَصْدِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِمَا كَمَا مَرَّ (وَالْقُبْلَةِ) وَلَيْسَ مُكَرَّرًا مَعَ مَا مَرَّ إذْ

[حاشية الشبراملسي]

اهـ عَمِيرَةَ (قَوْلُهُ: لَيْسَ الصِّيَامُ مِنْ الْأَكْلِ) أَيْ بِأَنْ يَتْرُكَهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ فَحَسَنٌ) . [فَائِدَةٌ] قَالَ حَجّ فِي فَتَاوِيهِ الْحَدِيثِيَّةِ: هَلْ الذِّكْرُ اللِّسَانِيُّ أَفْضَلُ أَوْ غَيْرُهُ؟ وَعِبَارَتُهُ: وَالذِّكْرُ الْخَفِيُّ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ مَا هُوَ بِالْقَلْبِ فَقَطْ وَمَا هُوَ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلَا يَسْمَعُهُ غَيْرُهُ وَمِنْهُ «خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ» أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الرِّيَاءُ، وَأَمَّا حَيْثُ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ فَلَا يُعَدُّ بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِمَا فِي قَلْبِهِ عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَئِمَّتِنَا وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: لَا ثَوَابَ فِي ذِكْرِ الْقَلْبِ وَحْدَهُ وَلَا مَعَ اللِّسَانِ حَيْثُ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ، وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا ثَوَابَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الذِّكْرِ الْمَخْصُوصِ، أَمَّا اشْتِغَالُ الْقَلْبِ بِذَلِكَ وَتَأَمَّلْهُ لِمَعَانِيهِ وَاسْتِغْرَاقِهِ فِي شُهُودِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ بِمُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ الْبَيْهَقِيّ «الذِّكْرُ الَّذِي لَا تَسْمَعُهُ الْحَفَظَةُ يَزِيدُ عَلَى الذِّكْرِ الَّذِي تَسْمَعُهُ الْحَفَظَةُ سَبْعِينَ ضِعْفًا» اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: عَنْ الْهَوَى) بِالْقَصْرِ (قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ بِحَقِّ الْخَتْمِ إلَخْ) وَمِثْلُهُ الْخَاتَمُ الَّذِي عَلَى فَمِ الْعِبَادِ وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ

(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَغْسِلَ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ) أَيْ قَبْلَ الْفَجْرِ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْجَنَابَةِ (قَوْلُهُ: وَقِيَاسُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ) هُوَ قَوْلُهُ لِيُؤَدِّيَ الْعِبَادَةَ عَلَى

[حاشية الرشيدي]

الْفَاءِ وَلَا غُبَارَ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ إلَخْ) هَذَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ وَإِنْ أَوْهَمَهُ كَلَامُهُ وَحَاصِلُ الْمُرَادِ مِنْهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ عَدَلَ إلَى قَوْلِهِ وَلْيَصُنْ لِسَانَهُ فَاللَّامُ الْأَمْرِ عَنْ عِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ الْمُفِيدَةِ لِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ لِمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الدَّقَائِقِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ لَا مَسْنُونٌ.
وَأَجَابَ عَنْهُ الشَّارِحُ الْجَلَالُ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الِاسْتِحْبَابَ مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، قَالَ: فَلَا حَاجَةَ إلَى عُدُولِ الْمِنْهَاجِ عَمَّا فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، وَاسْتَبْعَدَهُ الشَّارِحُ هُنَا بِمَا تَرَى

(قَوْلُهُ: أَمَّا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَرَفُّهٌ لَا يُنَاسِبُ الصَّائِمَ فَمَرْدُودٌ) فِي هَذَا الرَّدِّ نَظَرٌ لَا يَخْفَى لِأَنَّ التَّرَفُّهَ إنَّمَا هُوَ

الْأَوَّلُ فِي حُكْمِهَا وَهُنَا فِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَرْكُهَا (وَذَوْقُ الطَّعَامِ) أَوْ غَيْرِهِ خَوْفَ الْوُصُولِ إلَى حَلْقِهِ أَوْ تَعَاطِيهِ لِغَلَبَةِ شَهْوَتِهِ نَعَمْ إنْ احْتَاجَ إلَى مَضْغِ نَحْوِ خُبْزٍ لِطِفْلِ لَمْ يُكْرَهْ (وَالْعِلْكُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمَضْغُ وَبِكَسْرِهَا الْمَعْلُوكُ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الرِّيقَ، فَإِنْ ابْتَلَعَهُ أَفْطَرَ فِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ، وَإِنْ أَلْقَاهُ عَطَّشَهُ وَمِنْ ثَمَّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ مَا يَتَفَتَّتُ، أَمَّا هُوَ فَإِنْ تَيَقَّنَ وُصُولَ بَعْضِ جُرْمِهِ عَمْدًا إلَى جَوْفِهِ أَفْطَرَ وَحِينَئِذٍ يَحْرُمُ مَضْغُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا شَكَّ أَوْ وَصَلَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ لِأَنَّهُ مُجَاوِرٌ، وَكَالْعِلْكِ فِي ذَلِكَ اللِّبَانُ الْأَبْيَضُ فَإِنْ كَانَ لَوْ أَصَابَهُ الْمَاءُ يَبِسَ وَاشْتَدَّ كُرِهَ مَضْغُهُ وَإِلَّا حَرُمَ.
قَالَهُ الْقَاضِي

(وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ) أَيْ عَقِبَ (فِطْرِهِ: «اللَّهُمَّ لَك صُمْت وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت» ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ، وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَانَ يَقُولُ حِينَئِذٍ «اللَّهُمَّ ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» (وَأَنْ يُكْثِرَ الصَّدَقَةَ) وَالْجُودَ وَزِيَادَةَ التَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِيَالِ وَالْإِحْسَانَ إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَالْجِيرَانِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ تَفْرِيغُ قُلُوبِ الصَّائِمِينَ وَالْقَائِمِينَ لِلْعِبَادَةِ بِدَفْعِ حَاجَتِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ سُنَّ أَنْ يُفْطِرَهُمْ بِأَنْ يُعَشِّيَهُمْ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ» فَإِنْ عَجَزَ عَنْ عَشَائِهِمْ فَطَّرَهُمْ بِشَرْبَةٍ أَوْ تَمْرَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا

(وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانِ) فِي كُلِّ مَكَان غَيْرِ نَحْوِ الْحَشِّ حَتَّى الْحَمَّامِ وَالطَّرِيقِ إنْ لَمْ يَلْتَهِ عَنْهَا بِأَنْ أَمْكَنَهُ تَدَبُّرُهَا لِخَبَرِ «إنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَلْقَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ» وَهِيَ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى غَيْرِهِ وَيَقْرَأَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ وَالتِّلَاوَةُ فِي الْمُصْحَفِ أَفْضَلُ، وَيُسَنُّ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَالْجَهْرُ إنْ أَمِنَ الرِّيَاءَ وَلَمْ يُشَوِّشْ عَلَى نَحْوِ مُصَلٍّ أَوْ نَائِمٍ (وَأَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ) أَيْ فِي رَمَضَانَ وَأَنْ يُكْثِرَ مِنْ ذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ.
رَوَاهُ الشَّيْخَانِ: وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِصَوْنِ النَّفْسِ عَنْ ارْتِكَابِ مَا لَا يَلِيقُ (لَا سِيَّمَا) بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا أَوْلَى، بِالْحُكْمِ مِمَّا قَبْلَهَا لَا مُسْتَثْنًى بِهَا، وَالسِّيُّ بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيدِ الْمِثْلُ وَمَا مَوْصُولَةٌ أَوْ زَائِدَةٌ وَيَجُوزُ رَفْعُ مَا بَعْدَهَا عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ

[حاشية الشبراملسي]

الطَّهَارَةُ (قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ احْتَاجَ) قَضِيَّةُ اقْتِصَارِهِ عَلَى ذَلِكَ كَرَاهَةُ ذَوْقِ الطَّعَامِ لِغَرَضِ إصْلَاحِهِ لِمُتَعَاطِيهِ، وَيَنْبَغِي عَدَمُ كَرَاهَتِهِ لِلْحَاجَةِ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مُفْطِرٌ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَعْرِفُ إصْلَاحَهُ مِثْلُ الصَّائِمِ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ مَا يَتَفَتَّتُ) أَيْ فِي عِلْكِ مَا لَا يَتَفَتَّتُ (قَوْلُهُ وَكَالْعِلْكِ ذَلِكَ) أَيْ فِي ذَلِكَ التَّفْصِيلِ (قَوْلُهُ اللِّبَانُ الْأَبْيَضُ) وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالشَّامِ (قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ لَوْ أَصَابَهُ الْمَاءُ يَبِسَ) أَيْ مَاءُ الْفَمِ وَهُوَ الرِّيقُ أَوْ مَا يُدْخِلُهُ فَمَه لِإِيبَاسِهِ (قَوْلُهُ: وَاشْتَدَّ كُرْهُ) أَيْ بِحَيْثُ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ

(قَوْلُهُ: كَانَ يَقُولُ) أَيْ فَيَجْمَعُ الصَّائِمُ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: وَأَنْ يُكْثِرَ الصَّدَقَةَ إلَخْ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ يُعَالِجَ نَفْسَهُ عَلَى جَعْلِ ذَلِكَ كَالطَّبِيعَةِ لَهُ بِاعْتِيَادِهِ لِلصَّدَقَةِ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ

(قَوْلُهُ: وَيَقْرَأُ غَيْرَهُ) أَيْ وَلَوْ غَيَّرَ مَا قَرَأَهُ الْأَوَّلُ، فَمِنْهُ مَا يُسَمَّى بِالْمُدَارَسَةِ الْآنَ وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا فِي كَلَامِهِمْ بِالْإِدَارَةِ (قَوْلُهُ: وَالتِّلَاوَةُ) أَيْ وَإِنْ قَوِيَ حِفْظُهُ لِأَنَّهُ يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ النَّظَرِ فِي الْمُصْحَفِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَذْهَبْ خُشُوعُهُ وَتَدَبُّرُهُ

[حاشية الرشيدي]

خِلَافُ السُّنَّةِ لَا مَكْرُوهٌ (قَوْلُهُ: وَذَوْقُ الطَّعَامِ) وَهُوَ مَكْرُوهٌ بِدَلِيلِ الِاسْتِدْرَاكِ الْآتِي، وَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يَذْكُرَ حُكْمَ الْكَرَاهِيَةِ هُنَا تَمْهِيدًا لِلِاسْتِدْرَاكِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَيَقَّنَ وُصُولَ بَعْضِ جِرْمِهِ عَمْدًا) قَدْ يُقَالُ: قِيَاسُ مَا مَرَّ فِيمَا لَوْ وَضَعَ مَاءً فِي فَمِهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ مِنْ الْفِطْرِ مُطْلَقًا أَنَّهُ يُفْطِرُ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ

(قَوْلُهُ: وَمَا مَوْصُولَةٌ أَوْ زَائِدَةٌ) أَيْ أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ كَمَا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُنَزَّلُ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي عَنْ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ وَيَجُوزُ رَفْعُ مَا بَعْدَهَا: أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ، أَوْ مَوْصُوفَةٌ، وَقَوْلُهُ وَنَصْبُهُ: أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ

وَنَصْبُهُ وَجَرُّهُ وَهُوَ الْأَرْجَحُ عَلَى الْإِضَافَةِ (فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ) فَهِيَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ لِلِاتِّبَاعِ، «وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ» وَيُسَنُّ أَنْ يَمْكُثَ مُعْتَكِفًا إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ وَأَنْ يَعْتَكِفَ قَبْلَ دُخُولِ الْعَشْرِ فَفِيهَا لَا فِي غَيْرِهَا كَمَا نَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَيْهِ اتِّفَاقَ الْفُقَهَاءِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ الْآتِي.

فَصْلٌ فِي شُرُوطِ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَمَا يُبِيحُ تَرْكَ صَوْمِهِ (شَرْطُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ) وَالْإِسْلَامُ وَلَوْ فِيمَا مَضَى كَالصَّلَاةِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَسَكْرَانَ وَكَافِرٍ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ فِي الصَّلَاةِ لِخَبَرِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» (وَإِطَاقَتُهُ) لَهُ صِحَّةً وَإِقَامَةً أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ لَا يُطِيقُهُ حِسًّا أَوْ شَرْعًا لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَعَلَى مُسَافِرٍ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي وَوُجُوبُهُ عَلَيْهِمَا، وَعَلَى السَّكْرَانِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْحَائِضِ وَنَحْوِهَا عِنْدَ مَنْ عَبَّرَ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ وُجُوبَ انْعِقَادِ سَبَبٍ كَمَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي الْأُصُولِ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمْ كَمَا سَيَأْتِي، وَمَنْ أَلْحَقَ بِهِمْ الْمُرْتَدَّ فِي ذَلِكَ فَقَدْ سَهَا فَإِنَّ

[حاشية الشبراملسي]

بِقِرَاءَتِهِ فِي الْمُصْحَفِ وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ أَفْضَلَ (قَوْلُهُ: وَنَصْبُهُ) أَيْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ لِمَحْذُوفٍ وَهُوَ صِلَةٌ لِمَا: أَيْ لَا سِيَّ الَّذِي أَعْنِيهِ أَوْ أُرِيدُهُ زَيْدًا (قَوْلُهُ: وَشَدَّ الْمِئْزَرَ) كِنَايَةٌ عَنْ التَّهَيُّؤِ لِلْعِبَادَةِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا بِهِمَّةٍ وَنَشَاطٍ

(فَصْلٌ) فِي شُرُوطِ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ (قَوْلُهُ وَمَا يُبِيحُ تَرْكَ صَوْمِهِ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ الْإِمْسَاكِ وَالْفِدْيَةِ (قَوْلُهُ: وَالْبُلُوغُ) أَيْ وَالنَّقَاءُ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ أَيْضًا، فَالْجُنُونُ وَالصِّبَا وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ مَانِعَةٌ مِنْ الْوُجُوبِ، بَلْ مَا عَدَا الصِّبَا مَانِعٌ مِنْ الصِّحَّةِ إنْ تَقَدَّمَ عَلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَمُبْطِلٌ لِلصَّوْمِ إنْ طَرَأَ عَلَيْهِ.
لَا يُقَالُ: لَا يُتَصَوَّرُ بُطْلَانُ الصَّوْمِ بِطُرُوِّ النِّفَاسِ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالْوِلَادَةِ وَهِيَ مُبْطِلَةٌ لِلصَّوْمِ، فَالنِّفَاسُ إنَّمَا حَصَلَ بَعْدَ بُطْلَانِهِ لِأَنَّهُ الدَّمُ الْخَارِجُ بَعْدَ فَرَاغِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِمَا لَوْ أَلْقَتْ وَلَدًا جَافًّا فَبَطَلَ بِهِ صَوْمُهَا ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ نَهَارًا وَهِيَ صَائِمَةٌ قَبْلَ مُضِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّهُ نِفَاسٌ، وَالْأَحْكَامُ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ رُؤْيَةِ الدَّمِ وَمُدَّةُ النِّفَاسِ مَحْسُوبَةٌ مِنْ الْوِلَادَةِ، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا نَوَتْ الصَّوْمَ بَعْدَ الْوِلَادَةِ حُكِمَ بِصِحَّتِهِ وَيَبْطُلُ بِرُؤْيَتِهِ الدَّمَ نَهَارًا وَيُعْتَدُّ بِمَا فَعَلَتْهُ مِنْ الْعِبَادَةِ مِنْ صَوْمٍ وَغَيْرِهِ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ أَوْ يُصَوَّرُ أَيْضًا بِمَا لَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا جَافًّا لَيْلًا ثُمَّ نَوَتْ الصَّوْمَ وَطَرَقَهَا الدَّمُ نَهَارًا فَإِنَّ أَحْكَامَ النِّفَاسِ إنَّمَا تَتَرَتَّبُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ (وَجَرُّهُ) أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا زَائِدَةٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَا فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَمَّا فِيهَا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَوْنُ مَا مَوْصُولَةً وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ صِلَتُهَا فَلَا مَحَلَّ لَهُ مِنْ الْإِعْرَابِ، وَالتَّقْدِيرُ لَا مِثْلُ الِاعْتِكَافِ الَّذِي فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ.

[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَمَا يُبِيحُ تَرْكَ صَوْمِهِ]

(فَصْلٌ) فِي شُرُوطِ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ (قَوْلُهُ: وَسَكْرَانُ) أَيْ بِلَا تَعَدٍّ وَسَكَتَ عَنْ مُحْتَرَزِ الْبُلُوغِ (قَوْلُهُ وَوُجُوبُهُ عَلَيْهِمَا) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْمَرِيضِ الَّذِي هُوَ مُحْتَرَزُ الصِّحَّةِ وَإِلَى الْمُسَافِرِ، لَكِنَّ لَفْظَ الْمَرِيضِ سَاقِطٌ مِنْ نُسَخِ الشَّارِحِ وَلَعَلَّهُ مِنْ الْكَتَبَةِ فَإِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي عِبَارَةِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ مَا هُنَا بِالْحَرْفِ (قَوْلُهُ: وَمَنْ أَلْحَقَ بِهِمْ الْمُرْتَدَّ) تَعْرِيضٌ بِالْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ كَمَا سَيَأْتِي لَهُ

وُجُوبَهُ عَلَيْهِ وُجُوبُ تَكْلِيفٍ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ كَلَامِ الشَّارِحِ بِأَنَّ وُجُوبَ انْعِقَادِ السَّبَبِ فِي حَقِّهِ لَا يُنَافِي الْقَوْلَ بِكَوْنِ الْخِطَابِ لَهُ خِطَابَ تَكْلِيفٍ (وَيُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ لِسَبْعٍ إذَا أَطَاقَ) وَمَيَّزَ وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهِ لِعَشْرٍ لِيَتَمَرَّنَ عَلَيْهِ وَالصَّبِيَّةُ كَالصَّبِيِّ، وَالْأَمْرُ وَالضَّرْبُ وَاجِبَانِ عَلَى الْوَلِيِّ كَمَا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ خِلَافًا لِلْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا

(وَيُبَاحُ تَرْكُهُ لِلْمَرِيضِ إذَا وَجَدَ بِهِ ضَرَرًا) شَدِيدًا وَهُوَ مَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ وَإِنْ تَعَدَّى بِسَبَبِهِ بِأَنْ تَعَاطِي لَيْلًا مَا يُمْرِضُهُ نَهَارًا قَصْدًا وَفَارَقَ مَنْ شَرِبَ مُجَنِّنًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِيهِ تَسَبُّبٌ بِمَا يُؤَدِّي لِلْإِسْقَاطِ وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ تَسَبُّبٌ إلَّا بِمَا يُؤَدِّي إلَى التَّأْخِيرِ وَهُوَ أَخَفُّ فَلَمْ يُضَيِّقْ فِيهِ كَذَا قِيلَ وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فِي الْحَقِيقَةِ وَشَمِلَ الضَّرَرُ مَا لَوْ زَادَ مَرَضُهُ أَوْ خَشِيَ مِنْهُ طُولَ الْبُرْءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] وَعَلَى الْمَرِيضِ مِنْ حَيْثُ خَفَّ مَرَضُهُ بِحَيْثُ لَا يُبَاحُ مَعَهُ تَرْكُ الصَّوْمِ أَنْ يَنْوِيَ قُبَيْلَ الْفَجْرِ، فَإِنْ عَادَ لَهُ الْمَرَضُ كَالْحُمَّى أَفْطَرَ وَإِلَّا فَلَا، إنْ عُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهَا سَتَعُودُ لَهُ عَنْ قُرْبٍ، وَأَفْتَى الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْحَصَّادِينَ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ فِي رَمَضَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ، ثُمَّ مَنْ لَحِقَهُ مِنْهُمْ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ أَفْطَرَ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ كَانَ الْمَرَضُ مُطْبِقًا فَلَهُ تَرْكُ النِّيَّةِ مِنْ اللَّيْلِ.
قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: وَلَا أَثَرَ لِلْمَرَضِ الْيَسِيرِ كَصُدَاعٍ وَوَجَعِ الْأُذُنِ وَالسِّنِّ إلَّا أَنْ يَخَافَ الزِّيَادَةَ بِالصَّوْمِ فَيُفْطِرَ، وَمَنْ خَافَ الْهَلَاكَ لِتَرْكِ الْأَكْلِ حَرُمَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ.
قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى

[حاشية الشبراملسي]

عَلَى رُؤْيَةِ الدَّمِ كَمَا ذَكَرَهُ وَإِنْ حَسِبَتْ الْمُدَّةَ مِنْ الْوِلَادَةِ (قَوْلُهُ: كَمَا الْإِشَارَةُ إلَيْهِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ فِيمَا مَضَى (قَوْلُهُ: حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا) لَعَلَّهُ يَقُولُ بِوُجُوبِ الضَّرَرِ لِلصَّلَاةِ وَلَا يَجِبُ لِلصَّوْمِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى الصَّبِيِّ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ

(قَوْلُهُ: وَيُبَاحُ تَرْكُهُ) وَيَنْبَغِي قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِخْبَارِ طَبِيبٍ عَدْلٍ مُسْلِمٍ وَإِلَّا فَلَا يُبَاحُ لَهُ التَّرْكُ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِقِيَامِ الْمَرَضِ وَتَأْثِيرِهِ فِي الْبَدَنِ فَيُدْرَكُ الْأَلَمُ الْحَاصِلُ بِالصَّوْمِ الْمُقْتَضِي لِلْفِطْرِ هُنَا بِخِلَافِهِ، ثُمَّ فَإِنَّ أَلَمَ الْغُسْلِ الْحَاصِلِ مِنْ الْوُضُوءِ إنَّمَا يَحْصُلُ بَعْدَهُ فَاحْتِيجَ فِيهِ لِلسُّؤَالِ (قَوْلُهُ: وَنُظِرَ فِيهِ) وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ لُزُومَ الْقَضَاءِ لِلْمَجْنُونِ إذَا تَعَدَّى إنَّمَا هُوَ لِلتَّغْلِيظِ وَإِلَّا فَأَصْلُ الْجُنُونِ لَا قَضَاءَ مَعَهُ لِانْتِفَاءِ تَكْلِيفِهِ، بِخِلَافِ الْمَرَضِ فَإِنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ مُطْلَقًا.
وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّهُ فَصْلٌ فِي الْمَجْنُونِ بَيْنَ التَّعَدِّي بِسَبَبِ الْجُنُونِ وَعَدَمِهِ، وَعُمِّمَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمَرِيضِ بِمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: حَيْثُ خَفَّ مَرَضُهُ) أَيْ قُبَيْلَ الْفَجْرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَطْبَقَ مَرَضُهُ أَوْ كَانَ وَقْتَ الْفَجْرِ مَحْمُومًا فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ النِّيَّةُ (قَوْلُهُ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْحَصَّادِينَ) وَمِثْلُهُمْ غَيْرُهُمْ مِنْ سَائِرِ الْعَمَلَةِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ مَنْ لَحِقَهُ مِنْهُمْ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ يَحْصُدُ لِنَفْسِهِ أَوْ بِأُجْرَةٍ أَوْ تَبَرُّعًا وَإِنْ لَمْ يَنْحَصِرْ الْأَمْرُ فِيهِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الْمُرْضِعَةِ إنْ خَافَ عَلَى الْمَالِ إنْ صَامَ وَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ لَيْلًا أَوْ لَمْ يُغْنِهِ فَيُؤَدِّي لِتَلَفِهِ أَوْ نَقْصِهِ نَقْصًا لَا يَتَغَابَنُ بِهِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَسَيَأْتِي فِي إنْقَاذِ الْمُحْتَرَمِ مَا يُؤَيِّدُهُ خِلَافًا لِمَنْ أَطْلَقَ فِي نَحْوِ الْحَصَادِ الْمَنْعُ وَلِمَنْ أَطْلَقَ الْجَوَازُ اهـ حَجّ.
وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تُبَحْ التَّيَمُّمُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ حَجّ: إنْ خَافَ عَلَى الْمَالِ إنْ صَامَ، وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِمُبِيحِ التَّيَمُّمِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْمَرَضُ مُطْبِقًا) أَيْ أَوْ كَانَ مَحْمُومًا وَقْتَ الْفَجْرِ اهـ مُحَلًّى (قَوْلُهُ لِتَرْكِ الْأَكْلِ) أَيْ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مَثَلًا (قَوْلُهُ حَرُمَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُخَفْ الْهَلَاكُ لَكِنْ خَافَ بُطْءَ الْبُرْءِ أَوْ الشَّيْنَ الْفَاحِشَ

[حاشية الرشيدي]

التَّصْرِيحُ بِهِ

(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ) هُوَ مُخَالِفٌ فِي هَذَا لِلشِّهَابِ حَجّ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ شَرْطًا لِوُجُوبِ الْفِطْرِ لَا لِمُجَرَّدِ إبَاحَتِهِ (قَوْلُهُ: وَنَظَرَ فِيهِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ) هَذَا النَّظَرُ لَا يُلَاقِي غَرَضَ الْفَارِقِ، فَإِنَّ غَرَضَهُ أَنَّ مَنْ تَعَاطَى مَا يُمْرِضُهُ لِيُفْطِرَ لَمْ نُعَامِلْهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ وَنُلْزِمْهُ الصَّوْمَ بَلْ أَبَحْنَا لَهُ الْفِطْرَ.
وَمَنْ تَعَاطَى الْمُجَنِّنَ لِيَسْقُطَ عَنْهُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ عَامَلْنَاهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ وَأَلْزَمْنَاهُ الْقَضَاءَ (قَوْلُهُ ثُمَّ مَنْ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تُبِحْ التَّيَمُّمَ، وَلَعَلَّ الْأَذْرَعِيَّ يَرَى مَا رَآهُ الشِّهَابُ حَجّ، وَقِيَاسُ طَرِيقَةِ الشَّارِحِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنَّهَا تُبِيحُ التَّيَمُّمَ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَخَافَ الزِّيَادَةَ) .

وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ.
فَإِنْ صَامَ فَفِي انْعِقَادِهِ احْتِمَالَانِ، أَوْجَهُهُمَا انْعِقَادُهُ مَعَ الْإِثْمِ وَلِمَنْ غَلَبَهُ الْجُوعُ أَوْ الْعَطَشُ حُكْمُ الْمَرِيضِ

(وَ) يُبَاحُ (تَرْكُهُ لِلْمُسَافِرِ سَفَرًا طَوِيلًا مُبَاحًا) سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ رَمَضَانَ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ نَذْرًا وَلَوْ تَعَيَّنَ أَوْ كَفَّارَةً أَوْ قَضَاءً، بِخِلَافِ السَّفَرِ الْقَصِيرِ وَسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ لِمَا مَرَّ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ قِيَاسًا عَلَى الْمُحْصَرِ يُرِيدُ التَّحَلُّلَ وَلِيَتَمَيَّزَ الْفِطْرُ الْمُبَاحُ مِنْ غَيْرِهِ، وَبَحَثَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ تَقْيِيدَ الْفِطْرِ بِهِ بِمَنْ يَرْجُو إقَامَةً يَقْضِي فِيهَا، بِخِلَافِ مُدِيمِ السَّفَرِ أَبَدًا لِأَنَّ فِي تَجْوِيزِ الْفِطْرِ لَهُ تَغْيِيرَ حَقِيقَةِ الْوُجُوبِ بِخِلَافِ الْقَصْرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ الزَّرْكَشِيُّ، وَمِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ مَا لَوْ كَانَ الْمُسَافِرُ يُطِيقُ الصَّوْمَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى أَنْ يَقْضِيَهُ لِمَرَضٍ مَخُوفٍ أَوْ غَيْرِهِ

(وَلَوْ) (أَصْبَحَ) الْمُقِيمُ (صَائِمًا فَمَرِضَ) (أَفْطَرَ) لِوُجُودِ الْمَعْنَى الْمُحَوِّجِ إلَى الْفِطْرِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَلِمَا صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْطَرَ بَعْدَ الْعَصْرِ بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ يَقْدَحُ مَاءً لِمَا قِيلَ لَهُ إنَّ النَّاسَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ» (وَإِنْ سَافَرَ فَلَا) يُفْطِرُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ اجْتَمَعَ فِيهَا الْحَضَرُ وَالسَّفَرُ فَغَلَّبْنَا جَانِبَ الْحَضَرِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَلَوْ نَوَى لَيْلًا ثُمَّ سَافَرَ وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ سَافَرَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ امْتَنَعَ الْفِطْرُ أَيْضًا لِلشَّكِّ فِي مُبِيحِهِ، فَإِنْ فَارَقَ الْعُمْرَانَ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ سُورٍ، وَالسُّورُ إنْ كَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَهُ الْفِطْرُ، وَشَمِلَ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ جَوَازَ الْفِطْرِ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ مَا لَوْ نَذَرَ إتْمَامَهُ، وَبِهِ صَرَّحَ

[حاشية الشبراملسي]

أَوْ زِيَادَةَ الْمَرَضِ لَمْ يَحْرُمْ لَكِنْ تَقَدَّمَ مَعَ ذَلِكَ حُرْمَةُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَعَلَيْهِ فَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ لِلْمَاءِ بَدَلًا تُفْعَلُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا فَمُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ الْمُؤَدِّي لِلضَّرَرِ مَعَ إمْكَانِ الْعُدُولِ عَنْهُ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّ الْإِفْطَارَ يُؤَدِّي إلَى تَأْخِيرِ الْعِبَادَةِ عَنْ وَقْتِهَا وَإِنْ أَمْكَنَ الْقَضَاءُ، لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ أَنَّهُ مَتَى خَافَ مَرَضًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ وَجَبَ الْفِطْرُ، وَيُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ حَجّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُبَاحُ تَرْكُهُ لِلْمَرِيضِ: أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا وَجَدَ بِهِ ضَرَرًا شَدِيدًا بِحَيْثُ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ خَوْفِ الْمَرَضِ أَوْ زِيَادَتِهِ مَا لَوْ قَدِمَ الْكُفَّارُ بَلْدَةً مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مَثَلًا وَاحْتَاجُوا فِي دَفْعِهِمْ إلَى الْفِطْرِ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْقِتَالِ إلَّا بِهِ جَازَ لَهُمْ، بَلْ قَدْ يَجِبُ إنْ تَحَقَّقُوا تَسَلُّطَ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ

(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مُدِيمِ السَّفَرِ) قَالَ حَجّ: وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ فَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ اهـ. وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّ لِلصَّوْمِ بَدَلًا وَهُوَ الْإِطْعَامُ فَبِتَقْدِيرِ فِطْرِهِ لَا يَفُوتُ النَّذْرُ (قَوْلُهُ: تَغْيِيرَ حَقِيقَةِ الْوُجُوبِ) قَدْ يُقَالُ لَا يَلْزَمُ مِنْ فِطْرِهِ ذَلِكَ لِجَوَازِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّفَرِ فَقَدْ يُصَادِفُ أَنَّ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ مَشَقَّةً قَوِيَّةً كَشِدَّةِ حَرٍّ فَيُفْطِرُ وَيَقْضِيهِ فِي زَمَنٍ لَيْسَ فِيهِ تِلْكَ الْمَشَقَّةُ كَزَمَنِ الشِّتَاءِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ) وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِسَبَبِ الصَّوْمِ ضَرَرٌ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ وَإِلَّا جَازَ لَهُ الْفِطْرُ بَلْ وَجَبَ

(قَوْلُهُ: «أَفْطَرَ بَعْدَ الْعَصْرِ» ) لَا يُقَالُ: إنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَصَلَ لَهُ مَرَضٌ أَفْطَرَ لِأَجْلِهِ لِأَنَّا نَقُولُ: يَجُوزُ أَنَّ فِطْرَهُ لِسَبَبٍ آخَرَ اتَّفَقَ حُصُولُهُ إذْ ذَاكَ وَيَحْصُلُ مَعَهُ الْمَقْصُودُ لِأَنَّهُ جَعَلَ فِطْرَهُ سَبَبًا لِفِطْرِ النَّاسِ لِلْمَشَقَّةِ الْحَاصِلَةِ لَهُمْ، هَذَا وَقَدْ يُقَالُ إنْ كَانُوا مُسَافِرِينَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال بِمَا ذُكِرَ عَلَى أَنَّ طُرُوُّ الْمَرَضِ يُبِيحُ الْفِطْرَ لِأَنَّ السَّفَرَ فِي نَفْسِهِ مُبِيحٌ وَإِنْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَائِمًا، وَجَعَلَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فِطْرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا ذُكِرَ دَلِيلًا لِجَوَازِ الْفِطْرِ لِلْمُقِيمِ الَّذِي نَوَى لَيْلًا ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الْفَجْرِ (قَوْلُهُ: بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ) هُوَ مَوْضِعٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ عُسْفَانَ قَامُوسٌ (قَوْلُهُ: مَا لَوْ نَذَرَ إتْمَامَهُ) أَيْ إتْمَامَ رَمَضَانَ

[حاشية الرشيدي]

قِيَاسُ مَا مَرَّ لِلشَّارِحِ أَنَّ الْمُرَادَ زِيَادَةُ الْمَرَضِ لَا زِيَادَةُ مُجَرَّدِ الْوَجَعِ

(قَوْلُهُ قِيَاسًا عَلَى الْمُحْصَرِ يُرِيدُ التَّحَلُّلَ وَلِيَتَمَيَّزَ الْفِطْرُ إلَخْ) لَا مَحَلَّ لَهُ هُنَا وَإِنَّمَا مَحَلُّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ الْآتِي نَعَمْ يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ التَّرَخُّصِ نِيَّتُهُ فَإِنَّ هَذَيْنِ تَعْلِيلَانِ لَهُ كَمَا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ

(قَوْلُهُ وَلِمَا صَحَّ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْطَرَ بَعْدَ الْعَصْرِ» إلَخْ) مَحَلُّهُ بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ الْآتِي

وَلَوْ أَصْبَحَ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ صَائِمَيْنِ ثُمَّ أَرَادَ الْفِطْرَ جَازَ كَمَا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ

الرُّويَانِيُّ لِأَنَّ إيجَابَ الشَّرْعِ أَقْوَى مِنْهُ وَلَا كَرَاهَةَ فِي التَّرَخُّصِ فِيمَا مَرَّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
نَعَمْ يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ التَّرَخُّصِ نِيَّتُهُ كَالْمُحْصَرِ يُرِيدُ التَّحَلُّلَ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي فَصْلِ الْكَفَّارَةِ وَذَكَرَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَاعْتَمَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ خِلَافًا لِمَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ

(وَلَوْ أَصْبَحَ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ صَائِمَيْنِ ثُمَّ أَرَادَ الْفِطْرَ جَازَ) لَهُمَا لِدَوَامِ عُذْرِهِمَا (فَلَوْ أَقَامَ) الْمُسَافِرُ (وَشُفِيَ) الْمَرِيضُ (حَرُمَ) عَلَيْهِمَا (الْفِطْرُ عَلَى الصَّحِيحِ) لِانْتِفَاءِ الْمُبِيحِ.
وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ اعْتِبَارًا بِأَوَّلِ الْيَوْمِ، وَلِهَذَا لَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفِطْرُ (وَإِذَا أَفْطَرَ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ قَضَيَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] التَّقْدِيرُ: فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ (وَكَذَا الْحَائِضُ) إجْمَاعًا وَالنُّفَسَاءُ فِي ذَلِكَ مِثْلُهَا (وَالْمُفْطِرُ بِلَا عُذْرٍ) لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ عَلَى الْمَعْذُورِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى (وَتَارِكُ النِّيَّةِ) الْوَاجِبَةِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لِتَوَقُّفِ صِحَّتِهِ عَلَيْهَا.
وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ لَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَغَيْرِهِ تَعْجِيلًا لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَقَدْ يَجِبُ بِطَرِيقِ الْعَرْضِ وَذَلِكَ فِي صُورَتَيْنِ ضِيقِ الْوَقْتِ وَتَعَمُّدِ التَّرْكِ، وَرُدَّ بِمَنْعِ تَسْمِيَتِهِ تَتَابُعًا، إذْ لَوْ وَجَبَ لَزِمَ كَوْنُهُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ كَصَوْمِ الْكَفَّارَةِ وَإِنَّمَا يُسَمَّى هَذَا وَاجِبًا مُضَيِّقًا، وَقَدْ يَمْنَعُ الْأَوَّلُ الْمُلَازَمَةَ وَيُسْنَدُ الْمَنْعُ بِأَنَّهُ قَدْ يَجِبُ وَلَا يَكُونُ شَرْطًا كَمَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ ذَلِكَ تَتَابُعًا كَوْنُهُ وَاجِبًا مُضَيِّقًا

(وَيَجِبُ قَضَاءُ مَا فَاتَ بِالْإِغْمَاءِ) لِأَنَّهُ نَوْعُ مَرَضٍ فَانْدَرَجَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: 184] الْآيَةَ، وَإِنَّمَا سَقَطَ قَضَاءُ الصَّلَاةِ لِتَكَرُّرِهَا وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُكَلَّفِ (وَالرِّدَّةُ) لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْوُجُوبَ بِالْإِسْلَامِ وَقَدَرَ عَلَى الْأَدَاءِ فَهُوَ كَالْمُحْدِثِ (دُونَ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ) بِالْإِجْمَاعِ لِمَا فِي وُجُوبِهِ مِنْ التَّنْفِيرِ عَنْ الْإِسْلَامِ (وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ) لِارْتِفَاعِ الْقَلَمِ عَنْهُمَا، وَلَوْ ارْتَدَّ ثُمَّ جُنَّ أَوْ سَكِرَ ثُمَّ جُنَّ فَالْأَصَحُّ فِي الْمَجْمُوعِ فِي الْأُولَى قَضَاءُ الْجَمِيعِ وَفِي الثَّانِيَةِ أَيَّامُ السُّكْرِ لِأَنَّ حُكْمَ الرِّدَّةِ مُسْتَمِرٌّ بِخِلَافِ السُّكْرِ

(وَلَوْ) (بَلَغَ) الصَّبِيُّ بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلصِّبْيَةِ كَمَا مَرَّ (بِالنَّهَارِ صَائِمًا) بِأَنْ نَوَى لَيْلًا (وَجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ بِلَا قَضَاءٍ) لِصَيْرُورَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ ثُمَّ نَذَرَ إتْمَامَهُ، وَلَوْ جَامَعَ بَعْدَ بُلُوغِهِ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ (وَلَوْ) (بَلَغَ) الصَّبِيُّ (فِيهِ) أَيْ النَّهَارِ (مُفْطِرًا أَوْ أَفَاقَ) فِيهِ الْمَجْنُونُ (أَوْ أَسْلَمَ) فِيهِ الْكَافِرُ (فَلَا قَضَاءَ) عَلَيْهِمْ (فِي الْأَصَحِّ) لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ زَمَنٍ يَسَعُ الْأَدَاءَ وَالتَّكْمِيلَ

[حاشية الشبراملسي]

وَبَقِيَ مَا لَوْ نَذَرَ الْمُسَافِرُ فِي السَّفَرِ صَوْمَ تَطَوُّعٍ هَلْ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إنْ كَانَ صَوْمُهُ أَفْضَلَ بِأَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فِيهِ مَشَقَّةٌ أَصْلًا انْعَقَدَ نَذْرُهُ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: فِي جَوَازِ التَّرَخُّصِ نِيَّتُهُ) مَفْهُومُهُ الْإِثْمُ إذَا لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ

(قَوْلُهُ وَقَدْ يُمْنَعُ الْأَوَّلُ) هُوَ قَوْلُهُ وَقَدْ يَجِبُ بِطَرِيقِ الْعَرْضِ وَقَوْلُهُ الْمُلَازَمَةُ هِيَ قَوْلُهُ إذْ لَوْ وَجَبَ لَزِمَ إلَخْ

(قَوْلُهُ: وَيَجِبُ قَضَاءُ مَا فَاتَ بِالْإِغْمَاءِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ بِهِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ (قَوْلُهُ: دُونَ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ) أَيْ فَلَوْ خَالَفَ وَقَضَاهُ لَمْ يَنْعَقِدْ قِيَاسًا عَلَى مَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَضَاهَا لَا تَنْعَقِدُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى حَجّ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ طَوِيلٍ مَا نَصُّهُ: ثُمَّ نَقَلَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ إفْتَاءً بِأَنَّ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةَ فِي الْكُفْرِ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا وَلَا يُسْتَحَبُّ اهـ. وَقِيَاسُهُ عَدَمُ صِحَّةِ قَضَاءِ مَا فَاتَ مِنْ الصَّوْمِ فِي الْكُفْرِ، وَقَدَّمْنَا فِي فَصْلٍ إنَّمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَنْ إفْتَاءِ السُّيُوطِيّ صِحَّةَ قَضَاءِ الْكَافِرِ الصَّلَاةَ، وَقِيَاسُهُ صِحَّةُ قَضَاءِ الصَّوْمِ اهـ (قَوْلُهُ عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ صَاحِبِهِمَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ ارْتَدَّ ثُمَّ جُنَّ) بَقِيَ مَا لَوْ قَارَنَ الْجُنُونُ الرِّدَّةَ بِأَنْ قَارَنَ قَوْلُهُ الْمُكَفِّرُ الْجُنُونَ فَهَلْ يَغْلِبُ الْجُنُونُ أَوْ الرِّدَّةُ أَوْ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالِارْتِدَادِ فِيهِ نَظَرٌ، كَذَا بِهَامِشٍ عَنْ بَعْضِهِمْ.
أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيَّنُ الثَّالِثُ لِأَنَّ جُنُونَهُ حَيْثُ قَارَنَ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ السَّابِقِ عَلَى الرِّدَّةِ لِأَنَّ مُقَارَنَتَهُ لَمَّا ارْتَدَّ بِهِ تُمْنَعُ مِنْ قَصْدِهِ لِمَا فَعَلَهُ حَالَةَ الْفِعْلِ وَالْقَصْدُ السَّابِقُ عَلَى الْفِعْلِ لَا أَثَرَ لَهُ (قَوْلُهُ: فِي الْأُولَى) هِيَ مَسْأَلَةُ الِارْتِدَادِ، وَقَوْلُهُ وَفِي الثَّانِيَةِ هِيَ مَسْأَلَةُ السُّكْرِ.

(قَوْلُهُ: لِصَيْرُورَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ) وَهَلْ يُثَابُ عَلَى جَمِيعِهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ أَوْ يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ فِي زَمَنِ الصِّبَا ثَوَابَ الْمَنْدُوبِ وَمَا فَعَلَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّ الصَّوْمَ وَإِنْ كَانَ خَصْلَةً وَاحِدَةً لَا يَتَبَعَّضُ لَكِنَّ الثَّوَابَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهَا

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

عَلَيْهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْرَكَ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ رَكْعَةً ثُمَّ جُنَّ.
وَالثَّانِي يَجِبُ الْقَضَاءُ لِإِدْرَاكِهِمْ جُزْءًا مِنْ وَقْتِ الْفَرْضِ وَلَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ إلَّا بِيَوْمٍ فَيَكْمُلُ كَمَا يَصُومُ فِي الْجَزَاءِ عَنْ بَعْضِ مُدٍّ يَوْمًا (وَلَا يَلْزَمُهُمْ) يَعْنِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ (إمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ فِي الْأَصَحِّ) لِإِفْطَارِهِمْ بِعُذْرٍ فَأَشْبَهُوا الْمُسَافِرَ وَالْمَرِيضَ.
وَالثَّانِي يَلْزَمُهُمْ لِإِدْرَاكِهِمْ وَقْتَ الْإِمْسَاكِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكُوا وَقْتَ الصَّوْمِ.
نَعَمْ يُسْتَحَبُّ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ.
وَيُسَنُّ لِمَنْ زَالَ عُذْرُهُ إخْفَاءُ الْفِطْرِ عِنْدَ مَنْ يُجْهَلُ حَالُهُ لِئَلَّا يَتَعَرَّضَ لِلتُّهْمَةِ وَالْعُقُوبَةِ، وَعُلِمَ مِنْ نَدْبِ الْإِمْسَاكِ أَنَّهُ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِي جِمَاعِ مُفْطِرَةٍ كَصَغِيرَةٍ وَمَجْنُونَةٍ وَكَافِرَةٍ وَحَائِضٍ اغْتَسَلَتَا لِأَنَّهُمَا مُفْطِرَانِ فَأَشْبَهَا الْمُسَافِرِينَ وَالْمَرْضَى

(وَيَلْزَمُ) الْإِمْسَاكُ (مَنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ) عُقُوبَةً لَهُ وَمُعَارَضَةً لِتَقْصِيرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْفِطْرِ الْفِطْرُ الشَّرْعِيُّ فَيَشْمَلُ الْمُرْتَدَّ (أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ) مِنْ اللَّيْلِ لِأَنَّ نِسْيَانَهُ يُشْعِرُ بِتَرْكِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الْعِبَادَةِ فَهُوَ ضَرْبُ تَقْصِيرٍ (لَا مُسَافِرًا وَمَرِيضًا زَالَ عُذْرُهُمَا بَعْدَ الْفِطْرِ) بِأَنْ أَكَلَا: أَيْ لَا يَلْزَمُهُمَا الْإِمْسَاكُ لَكِنْ يُنْدَبُ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، فَإِنْ أَكَلَا فَلِيُخْفِيَاهُ كَيْ لَا يَتَعَرَّضَا لِلتُّهْمَةِ وَعُقُوبَةِ السُّلْطَانِ كَمَا مَرَّ (وَلَوْ زَالَ) عُذْرُهُمَا (قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَا وَلَمْ يَنْوِيَا فَكَذَا فِي الْمَذْهَبِ) أَيْ لَا يَلْزَمُهُمَا الْإِمْسَاكُ لِأَنَّ تَارِكَ النِّيَّةِ مُفْطِرٌ حَقِيقَةً فَكَانَ كَمَا لَوْ أَكَلَ.
وَقِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ، وَمُرَادُهُ بِقَبْلِ أَنْ يَأْكُلَا مَا يَحْصُلُ بِهِ الْفِطْرُ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يَنْوِيَا عَمَّا لَوْ نَوَيَا فَأَصْبَحَا صَائِمَيْنِ فَيَلْزَمُ الْإِمْسَاكُ، وَلَوْ طَهُرَتْ نَحْوُ حَائِضٍ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ لَمْ يَلْزَمْهَا الْإِمْسَاكُ (وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُ) الْإِمْسَاكُ (مِنْ أَكَلَ يَوْمِ الشَّكِّ ثُمَّ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ) . وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ لِأَنَّ صَوْمَهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ إلَّا أَنَّهُمْ جَهِلُوهُ، ثُمَّ إنْ ثَبَتَ قَبْلَ نَحْوِ أَكْلِهِمْ نُدِبَ لَهُمْ نِيَّةُ الصَّوْمِ: أَيْ الْإِمْسَاكُ لِيَتَمَيَّزَ عَمَّنْ أَمْسَكَ غَافِلًا، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ إذَا قَدِمَ بَعْدَ الْإِفْطَارِ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الْأَكْلُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ كَمَا مَرَّ، وَمُرَادُهُ بِيَوْمِ الشَّكِّ هُنَا يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ سَوَاءٌ أَكَانَ تَحْدُثُ بِرُؤْيَتِهِ أَمْ لَا، بِخِلَافِ يَوْمِ الشَّكِّ الَّذِي يَحْرُمُ صَوْمُهُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي لَا لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِعُذْرٍ فَأَشْبَهَ الْمُسَافِرَ إذَا قَدِمَ بَعْدَ الْإِفْطَارِ وَرُدَّ بِمَا مَرَّ وَالْمَأْمُومُ بِالْإِمْسَاكِ يُثَابُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي صَوْمٍ شَرْعِيٍّ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَإِنَّمَا أُثِيبَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَامَ بِوَاجِبٍ، وَلَوْ ارْتَكَبَ فِيهِ مَحْظُورًا لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَى الْإِثْمِ،

[حاشية الشبراملسي]

يُمْكِنُ تَبْعِيضُهُ، وَنَظِيرُهُ مَا مَرَّ فِي الْجَمَاعَةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَارَنَ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ فَاتَتْ الْفَضِيلَةُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ

(قَوْلُهُ: وَمُعَارَضَةً) عَطْفُ مُغَايِرٍ (قَوْلُهُ: فَيَلْزَمُ الْإِمْسَاكُ) أَيْ الْإِتْمَامُ (قَوْلُهُ: لَمْ يَلْزَمْهَا الْإِمْسَاكُ) وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي الْمُسَافِرِ نَدْبُ الْإِمْسَاكِ (قَوْلُهُ: نُدِبَ لَهُمْ نِيَّةُ الصَّوْمِ) أَيْ الْإِمْسَاكُ لِيَتَمَيَّزَ عَمَّنْ أَمْسَكَ غَافِلًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ نِيَّةُ الصَّوْمِ الْحَقِيقِيِّ لَكِنْ إذَا كَانَ فِي وَقْتٍ تَصِحُّ فِيهِ النِّيَّةُ فِي بَعْضِ الْمَذَاهِبِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي صَوْمٍ شَرْعِيٍّ) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الصَّائِمِينَ فَيُكْرَهُ لَهُ شَمُّ الرَّيَاحِينِ وَنَحْوِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ كَرَاهَةُ السِّوَاكِ فِي حَقِّهِ بَعْدَ الزَّوَالِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِيهِ.

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: اغْتَسَلَتَا) كَذَا فِي النُّسَخِ، وَالْأَصْوَبُ اغْتَسَلَتْ: أَيْ الْحَائِضُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمَا مُفْطِرَانِ) اُنْظُرْ مَا مَرْجِعُ ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَاطِئَ وَالْمَوْطُوءَةَ لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَأَشْبَهَا الْمُسَافِرِينَ وَالْمَرْضَى إذْ لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي نَحْوِ الصَّبِيَّةِ وَالْمَجْنُونَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَصْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: لَكِنَّ ضَمِيرَ التَّثْنِيَةِ فِيهِ رَاجِعٌ لِلْمَرِيضِ إذَا شُفِيَ وَالْمُسَافِرِ إذَا حَضَرَ، فَقَوْلُهُ فِيهِ فَأَشْبَهَا الْمُسَافِرِينَ إلَخْ: أَيْ مَنْ قَامَ بِهِ السَّفَرُ وَالْمَرَضُ بِالْفِعْلِ

(قَوْلُهُ: لَكِنْ يُنْدَبُ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ) هَذَا شَمِلَهُ قَوْلُهُ فِيمَا مَرَّ.
وَيُسَنُّ لِمَنْ زَالَ عُذْرُهُ نَهَارًا إخْفَاءُ الْفِطْرِ (قَوْلُهُ: أَيْ الْإِمْسَاكُ) قَدْ يُقَالُ: إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ نِيَّةُ الْإِمْسَاكِ فَمَا وَجْهُ تَقْيِيدِ اسْتِحْبَابِ النِّيَّةِ بِكَوْنِ الثُّبُوتِ قَبْلَ نَحْوِ الْأَكْلِ، هَذَا وَالْمَشْهُورُ إبْقَاءُ نِيَّةِ الصَّوْمِ عَلَى ظَاهِرِهَا لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ بِوُجُوبِهَا حِينَئِذٍ: أَيْ إذَا كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ

وَكَلَامُهُ يُفْهِمُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَأْكُلْ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، لَكِنْ قَدْ يَتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ قَضِيَّةُ نَقْلِ ابْنِ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَاَلَّذِي قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا بَانَ مِنْ رَمَضَانَ قَبْلَ الْأَكْلِ فَإِنْ بَانَ بَعْدَهُ فَإِنْ قُلْنَا الْإِمْسَاكُ لَا يَجِبُ هُنَاكَ أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْوُجُوبُ (وَإِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ مِنْ خَوَاصِّ رَمَضَانَ) لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلِأَنَّهُ اُخْتُصَّ بِفَضَائِلَ لَمْ يُشَارِكْهُ غَيْرُهُ فِيهَا إذْ هُوَ سَيِّدُ الشُّهُورِ وَيَوْمٌ مِنْهُ أَفْضَلُ مِنْ يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ (بِخِلَافِ النَّذْرِ وَالْقَضَاءِ) وَالْكَفَّارَةِ فَلَا إمْسَاكَ عَلَى مُتَعَدٍّ فِيهَا لِانْتِفَاءِ شَرَفِ الْوَقْتِ كَمَا لَا كَفَّارَةَ فِيهَا.

فَصْلٌ فِي فِدْيَةِ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ (مَنْ) (فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ رَمَضَانَ) أَوْ غَيْرِهِ مِنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ بِعُذْرٍ (فَمَاتَ قَبْلَ إمْكَانِ الْقَضَاءِ) كَأَنْ اسْتَمَرَّ مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا أَوْ مُرْضِعًا إلَى قَابِلٍ (فَلَا تَدَارُكَ لَهُ) بِفِدْيَةٍ وَلَا قَضَاءٍ (وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ) مَا دَامَ عُذْرُهُ بَاقِيًا وَإِنْ اسْتَمَرَّ سِنِينَ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْأَدَاءِ بِالْعُذْرِ عَلَى الْقَضَاءِ بِهِ أَوْلَى، أَمَّا غَيْرُ الْمَعْذُورِ وَهُوَ الْمُتَعَدِّي بِالْفِطْرِ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ وَيُتَدَارَكُ عَنْهُ بِالْفِدْيَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ النَّذْرِ فِي نَذْرِ صَوْمِ الدَّهْرِ

(وَإِنْ) (مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ) مِنْ الْقَضَاءِ وَلَمْ يَقْضِ (لَمْ يَصُمْ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي الْجَدِيدِ) أَيْ لَا يَصِحُّ إذْ الصَّوْمُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فِي الْحَيَاةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالصَّلَاةِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا فَاتَ بِعُذْرٍ أَمْ بِغَيْرِهِ، وَعُلِمَ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالْمَوْتِ عَدَمُ صِحَّةِ الصَّوْمِ عَنْ حَيٍّ تَعَذَّرَ

[حاشية الشبراملسي]

فَصْلٌ) فِي فِدْيَةِ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ

(قَوْلُهُ: فِي فِدْيَةِ الصَّوْمِ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ كَعَدَمِ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ عَمَّنْ مَاتَ وَقَوْلُهُ الْوَاجِبُ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لَا لِلِاحْتِرَازِ (قَوْلُهُ: بِعُذْرٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ رَمَضَانَ (قَوْلُهُ: وَلَا قَضَاءَ) هَذَا قَدْ يُخَالِفُ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ لِهَرَمٍ أَوْ عَجْزٍ عَنْ صَوْمٍ وَاجِبٍ لِزَمَانَةٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ مُدٌّ لِكُلِّ يَوْمٍ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَا يَأْتِي فِيمَنْ لَا يَرْجُو الْبُرْءَ وَمَا هُنَا فِي خِلَافِهِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى مَنْهَجٍ مَا نَصُّهُ: لَا يُشْكَلُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ الشَّيْخُ اللَّهُمَّ إذَا مَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ وَلِأَنَّ وَاجِبَهُ أَصَالَةُ الْفِدْيَةِ بِخِلَافِ هَذَا ذَكَرَ الْفَرْقَ الْقَاضِي اهـ (قَوْلُهُ بَاقِيًا) أَيْ إلَى مَوْتِهِ (قَوْلُهُ: بِالْفِدْيَةِ) زَادَ حَجّ أَوْ الصَّوْمِ

(قَوْلُهُ: وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ) أَيْ وَقَدْ فَاتَ بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ أَثِمَ كَمَا أَفْهَمَهُ الْمَتْنُ وَصَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ، وَأَجْرَوْا ذَلِكَ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ وَجَبَ قَضَاؤُهَا وَأَخَّرَهُ مَعَ التَّمَكُّنِ إلَى أَنْ مَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ وَإِنْ ظَنَّ السَّلَامَةَ فَيَعْصِي مِنْ آخِرِ زَمَنِ الْإِمْكَانِ كَالْحَجِّ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَعْلَمْ الْآخَرُ كَانَ التَّأْخِيرُ لَهُ مَشْرُوطًا بِسَلَامَةِ

[حاشية الرشيدي]

لَا يُجْزِئُهُ عَنْ صِيَامِ ذَلِكَ الْيَوْمِ إلَّا إنْ قَلَّدَهُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَكَلَامُهُ يُفْهِمُ) أَيْ مَفْهُومُهُ مُوَافَقَةُ أَوْلَوِيٍّ.

[فَصْلٌ فِي فِدْيَةِ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ] (فَصْلٌ) فِي فِدْيَةِ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ (قَوْلُهُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: إلَى قَابِلٍ) صَوَابُهُ إلَى الْمَوْتِ وَهُوَ سَبْقُ نَظَرٍ مِنْ مَسْأَلَةِ التَّأْخِيرِ الْآتِيَةِ إلَى مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ وَكَذَا قَوْلُهُ الْآتِي مَا دَامَ عُذْرُهُ بَاقِيًا إلَخْ، وَسَيُعِيدُ الْعِبَارَتَيْنِ بِلَفْظِهِمَا فِي مَسْأَلَةِ التَّأْخِيرِ (قَوْلُهُ: وَيُتَدَارَكُ عَنْهُ بِالْفِدْيَةِ) اُنْظُرْ هَلْ يُتَدَارَكُ عَنْهُ بِالصَّوْمِ أَيْضًا عَلَى الْقَدِيمِ الْآتِي

(قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالْمَوْتِ إلَخْ) فِي هَذَا السِّيَاقِ تَهَافُتٌ، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يُؤَخِّرَ هَذَا عَنْ حِكَايَةِ الْقَدِيمِ ثُمَّ يَقُولُ: وَعُلِمَ مِنْ فَرْضِ الْخِلَافِ فِي الْمَيِّتِ أَنَّ الْحَيَّ إلَخْ.

صَوْمُهُ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَلَوْ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ، وَادَّعَى فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ إجْمَاعٌ (بَلْ يُخْرَجُ مِنْ تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ) فَاتَهُ صَوْمُهُ (مُدُّ طَعَامٍ) مِنْ غَالِبِ قُوتِ بَلَدِهِ وَالْقَدِيمُ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْإِطْعَامُ بَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ الصَّوْمُ عَنْهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِخَبَرِ «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» وَسَيَأْتِي تَرْجِيحُهُ هَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ مَاتَ مُسْلِمًا، فَإِنْ ارْتَدَّ وَمَاتَ لَمْ يُصَمْ عَنْهُ وَيَتَعَيَّنُ الْإِطْعَامُ قَطْعًا (وَكَذَا النَّذْرُ وَالْكَفَّارَةُ) بِأَنْوَاعِهَا فِي تَدَارُكِهِمَا الْقَوْلَانِ وَتَقْيِيدُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ الْكَفَّارَةَ بِالْقَتْلِ غَرِيبٌ بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ (قُلْت: الْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَعَبَّرَ عَنْهُ فِي التَّصْحِيحِ بِالْمُخْتَارِ وَفِي الرَّوْضَةِ (بِالصَّوَابِ) وَأَنَّهُ الَّذِي يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِهِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَلَيْسَ لِلْجَدِيدِ حُجَّةٌ مِنْ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ بِالْإِطْعَامِ ضَعِيفٌ اهـ. وَنَقَلَ الْبَنْدَنِيجِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأَمَالِي أَيْضًا فَقَالَ: إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ قُلْت بِهِ، وَالْأَمَالِي مِنْ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَوْ وَقَفَ الشَّافِعِيُّ عَلَى جَمِيعِ طُرُقِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَتَظَاهُرِهَا لَمْ يُخَالِفْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُخْتَارُ وَالْمُفْتَى بِهِ (وَالْوَلِيُّ) الَّذِي يَصُومُ عَلَى الْقَدِيمِ (كُلُّ قَرِيبٍ) أَيْ أَيُّ قَرِيبٍ كَانَ (عَلَى الْمُخْتَارِ) لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَلْيِ بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَهُوَ الْقُرْبُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا وَلَا وَلِيَّ مَالٍ وَلَا عَاصِبًا.
وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي خَادِمِهِ اشْتِرَاطُ بُلُوغِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْآذِنِ وَالْمَأْذُونِ لَهُ الْحُرِّيَّةُ فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّ الْقِنَّ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الصَّوْمِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ، وَيُؤَيِّدُهُ

[حاشية الشبراملسي]

الْعَاقِبَةِ، بِخِلَافِ الْمُؤَقَّتِ الْمَعْلُومِ الطَّرَفَيْنِ لِأَنَّهُ أَثِمَ فِيهِ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ زَمَنِ إمْكَانِ أَدَائِهِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ أَخْبَرَ بِهِ مَعْصُومٌ وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم عَلَى حَجّ فِي الْعُبَابِ.
[فَرْعٌ] لَا يُصَامُ عَنْ حَيٍّ وَإِنْ أَيِسَ مِنْهُ، قَالَ فِي شَرْحِهِ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ خِلَافًا لِجَمْعِ قَوْلِ الْإِمَامِ، وَتَبِعَهُ الشَّيْخَانِ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ وَأَفْطَرَ مُتَعَدِّيًا الظَّاهِرُ أَنَّ وَلِيَّهُ يَصُومُ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ اهـ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ إجْمَاعٌ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: مِنْ غَالِبِ قُوتِ بَلَدِهِ) قَالَ حَجّ وَيُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ فِي الْفِطْرَةِ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالْبَلَدِ الَّتِي يُعْتَبَرُ غَالِبُ قُوتِهَا الْمَحَلُّ الَّذِي هُوَ فِيهِ عِنْدَ أَوَّلِ مُخَاطَبَتِهِ بِالْقَضَاءِ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ) قَالَ حَجّ: وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُسَنُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِطْعَامِ وَهُوَ بَعِيدٌ كَيْفَ وَفِي إجْزَائِهِ الْخِلَافُ الْقَوِيُّ وَالْإِطْعَامُ لَا خِلَافَ فِيهِ فَالْوَجْهُ أَنَّ الْإِطْعَامَ أَفْضَلُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: لَمْ يُصَمْ عَنْهُ) أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ الْآنَ (قَوْلُهُ: وَيَتَعَيَّنُ الْإِطْعَامُ) أَيْ مِمَّا خَلْفَهُ (قَوْلُهُ: وَتَقْيِيدُ الْحَاوِي إلَخْ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي الزِّيَادِيِّ وَعِبَارَتِهِ، أَمَّا كَفَّارَةُ ظِهَارٍ فَالْإِطْعَامُ فِيهِ وَاجِبٌ أَصَالَةً لَا بَدَلًا لِخُصُوصِ الْمَوْتِ اهـ. أَيْ بَلْ لِعَجْزِهِ عَنْ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ حَيْثُ عَجَزَ عَنْهُ انْتَقَلَ لِلْإِطْعَامِ وَلَوْ فِي الْحَيَاةِ، وَوَجْهُ الْمُخَالَفَةِ أَنَّ مَا هُنَا يُفِيدُ أَنَّ الصَّوْمَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ إلَى الْمَوْتِ وَبِمَوْتِهِ يَجِبُ الْإِطْعَامُ فِي تَرِكَتِهِ بَدَلًا عَنْ الصَّوْمِ أَوْ يَصُومُ الْوَلِيُّ عَنْهُ عَلَى الْخِلَافِ.
وَمَا فِي الزِّيَادِيِّ يُفِيدُ أَنَّ الْإِطْعَامَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ: أَيْ وَالْوِقَاعُ أَصْلٌ لَا بَدَلٌ (قَوْلُهُ: وَتَظَاهُرِهَا) التَّظَاهُرُ التَّعَاوُنُ اهـ مُخْتَارٌ.
وَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا (قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُخْتَارُ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: أَيُّ قَرِيبٍ كَانَ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يُعْرَفَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَيُعَدُّ فِي الْعَادَةِ قَرِيبًا لَهُ شوبرى اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ رَقِيقًا.
وَعِبَارَةُ حَجّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ مَاتَ إلَخْ: نَعَمْ لَوْ قِيلَ فِي حُرُمَاتٍ وَلَهُ قَرِيبٌ رَقِيقٌ لَهُ الصَّوْمُ عَنْهُ لَمْ يَبْعُدْ لِأَنَّ الْمَيِّتَ أَهْلٌ لِلْإِنَابَةِ عَنْهُ، وَأَيْ فِي كَلَامِهِ بِالرَّفْعِ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ لِكُلِّ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا) أَيْ بِالْقَرَابَةِ الْخَاصَّةِ كَابْنِ الْخَالِ وَقَوْلُهُ وَلَا وَلِيَّ مَالٍ: أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ وَصِيًّا وَلَا قَيِّمًا مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقِنَّ إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْآذِنِ وَالْمَأْذُونِ) كَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ الْمَتْنِ الْآتِي

مَا يَأْتِي مِنْ اشْتِرَاطِ بُلُوغِ مَنْ يَحُجُّ عَنْ الْغَيْرِ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَتْ حُرِّيَّتُهُ ثُمَّ لِأَنَّ الْقِنَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ ثَمَّ كَالصَّبِيِّ بِخِلَافِهِ هُنَا (وَلَوْ صَامَ أَجْنَبِيٌّ) عَلَى هَذَا الْقَوْلِ (بِإِذْنِ الْوَلِيِّ صَحَّ) وَوَقَعَ عَنْ الْمَيِّتِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِأُجْرَةٍ وَهِيَ عِنْدَ اسْتِئْجَارِ الْوَارِثِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ دُونَهُمَا لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ الْمَارِّ وَخَبَرِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِامْرَأَةٍ قَالَتْ لَهُ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ فَقَالَ لَهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: صُومِي عَنْ أُمِّك» . قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهَذَا يُبْطِلُ احْتِمَالَ وِلَايَةِ الْمَالِ وَالْعُصُوبَةِ اهـ. وَبِمَا يُبْطِلُ الْإِرْثَ خَبَرُ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد «أَنَّ امْرَأَةً رَكِبَتْ الْبَحْرَ فَنَذَرَتْ إنْ نَجَّاهَا اللَّهُ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا فَلَمْ تَصُمْ حَتَّى مَاتَتْ، فَجَاءَتْ قَرَابَةٌ لَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: صُومِي عَنْهَا» فَعَدَمُ اسْتِفْصَالِهِ عَنْ إرْثِهَا وَعَدَمِهِ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ، وَفِي الْمَجْمُوعِ أَيْضًا مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ لَوْ صَامَ عَنْهُ بِالْإِذْنِ ثَلَاثُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ وَهُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي اعْتَقَدَهُ، وَلَكِنْ لَمْ أَرَ فِيهِ كَلَامًا لِأَصْحَابِنَا اهـ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَأَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْأُسْتَاذِ تَفَقُّهًا، وَيَشْهَدُ لَهُ نَظِيرُهُ فِي الْحَجِّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ: أَيْ فِيمَا إذَا وَجَبَ صِيَامٌ بَدَلًا عَنْ أَمْدَادٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصُومَ فَإِنَّهُ إذَا صَامَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ بِعَدَدِ الْأَمْدَادِ أَجْزَأَهُ.
وَاسْتَشْهَدَ لَهُ الْبَارِزِيُّ أَيْضًا بِمَا لَوْ اُسْتُؤْجِرَ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَاحِدٌ وَآخَرُ لِنَذْرٍ وَآخَرُ لِقَضَاءٍ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَسَوَاءٌ فِي جَوَازِ فِعْلِ الصَّوْمِ أَكَانَ قَدْ وَجَبَ فِيهِ التَّتَابُعُ أَمْ لَا لِأَنَّ التَّتَابُعَ إنَّمَا وَجَبَ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ لِمَعْنًى لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الْقَرِيبِ، وَلِأَنَّهُ الْتَزَمَ صِفَةً زَائِدَةً عَلَى أَصْلِ الصَّوْمِ فَسَقَطَتْ بِمَوْتِهِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ اسْتِوَاءُ مَأْذُونِ الْمَيِّتِ وَالْقَرِيبِ فَلَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ.
أَمَّا إذَا لَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً

[حاشية الشبراملسي]

وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّوْمِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ صَامَ أَجْنَبِيٌّ) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ أَذِنَ الْأَجْنَبِيُّ الْمَأْذُونُ لَهُ لِأَجْنَبِيٍّ آخَرَ فَلَا يُعْتَدُّ بِإِذْنِهِ (قَوْلُهُ: بِإِذْنِ الْوَلِيِّ) أَيْ السَّابِقِ الَّذِي يَصُومُ عَلَى الْقَدِيمِ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ فَيَصْدُقُ بِكُلِّ قَرِيبٍ وَإِنْ بَعُدَ وَلَمْ يَكُنْ وَارِثًا، وَقَدْ يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ بَعُدَ وَلَوْ قَامَ بِالْقَرِيبِ مَا يَمْنَعُ الْإِذْنَ كَصِبَا إلَخْ حَيْثُ لَمْ يُعَبِّرْ فِيهِ بِالْوَلِيِّ، وَيُحْتَمَلُ تَخْصِيصُ الْوَلِيِّ هُنَا بِمَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْمَالِ كَالْأَبِ وَالْجَدِّ لِلْمَيِّتِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْوَلِيِّ هُنَا وَتَقْيِيدُهُ لِلْوَلِيِّ فِيمَا مَرَّ بِقَوْلِهِ الَّذِي يَصُومُ عَلَى الْقَدِيمِ، لَكِنْ يَمْنَعُ هَذَا الِاحْتِمَالُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِذْنِ إلَخْ (قَوْلُهُ: مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) وَمَحَلُّ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ جَائِزًا أَوْ غَيْرَهُ وَاسْتَأْجَرَ بِإِذْنِ بَاقِي الْوَرَثَةِ وَإِلَّا كَانَ مَا زَادَ عَلَى مَا يَخُصُّهُ تَبَرُّعًا مِنْهُ فَلَا تَعَلُّقَ لِشَيْءٍ مِنْهُ بِالتَّرِكَةِ (قَوْلُهُ: فَقَالَ لَهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلًا قَالَ لِامْرَأَةٍ إلَخْ، ثُمَّ رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ إسْقَاطَ قَوْلِهِ فَقَالَ لَهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمِثْلُهُ فِي الْمَحَلِّيِّ (قَوْلُهُ: وَبِمَا يُبْطِلُ الْإِرْثَ) أَيْ يُبْطِلُ اشْتِرَاطَ كَوْنِ مَنْ يَصُومُ عَنْ الْمَيِّتِ وَارِثًا (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ فِي جَوَازِ فِعْلِ الصَّوْمِ) أَيْ الْوَاقِعِ مِنْ جَمَاعَةٍ فِي يَوْمٍ عَنْ شَخْصٍ (قَوْلُهُ: صِفَةٍ زَائِدَةٍ) هِيَ التَّتَابُعُ (قَوْلُهُ: وَالْقَرِيبِ) أَيْ نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: فَلَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا) أَيْ لِأَنَّ الْقَرِيبَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَيِّتِ فَكَأَنَّهُ أَذِنَ لَهُمَا، وَعَلَيْهِ فَلَوْ صَامَ عَنْ الْمَيِّتِ قَدْرَ مَا عَلَيْهِ فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ مُرَتَّبًا وَقَعَ الْأَوَّلُ عَنْهُ وَالثَّانِي نَفْلًا لِلصَّائِمِ، وَلَوْ وَقَعَا مَعًا احْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ وَقَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَنْ الْمَيِّتِ لَا بِعَيْنِهِ وَالْآخَرُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَهِيَ عِنْدَ اسْتِئْجَارِ الْوَارِثِ إلَخْ) خَرَجَ بِالْوَارِثِ غَيْرُهُ فَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَسَيَأْتِي مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ لِلْوَارِثِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ إذَا صَامَ (قَوْلُهُ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ إلَخْ) اسْتِدْلَالٌ لِأَصْلِ مَسْأَلَةِ الصِّيَامِ عَلَى الْقَدِيمِ وَأَخَّرَهُ إلَى هُنَا حَتَّى تَمَّمَ الْمَسْأَلَةَ (قَوْلُهُ: فَعَدَمُ اسْتِفْصَالِهِ عَنْ إرْثِهَا وَعَدَمُهُ) أَيْ أَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ كَوْنِهَا إرْثَهُ أَوْ هُنَاكَ مَنْ يَحْجُبُهَا لَا عَنْ سَبَبِ إرْثِهَا مِنْ كَوْنِهَا بِالْبِنْتِيَّةِ أَوْ الْأُخْتِيَّةِ مَثَلًا فَلَا يُقَالُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ جِهَةَ قَرَابَتِهَا (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ الْتِزَامُ صِفَةٍ زَائِدَةٍ) فِي التَّعْبِيرِ بِالِالْتِزَامِ تَسَاهُلٌ (قَوْلُهُ فَسَقَطَتْ بِمَوْتِهِ) مُجَرَّدُ دَعْوَى لَمْ يُقَدِّمْ عَلَيْهَا دَلِيلًا، وَلَعَلَّ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ سَاقِطٌ مِنْ النُّسَخِ مِنْ الْكَتَبَةِ

فَلَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ إطْعَامٌ وَلَا صَوْمٌ بَلْ يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ.
وَيَنْبَغِي نَدْبُهُ لِمَنْ عَدَّ الْوَرَثَةَ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ إذَا يُخَلِّفُ تَرِكَةً أَوْ خَلَّفَهَا وَتَعَدَّى الْوَارِثُ بِتَرْكِ ذَلِكَ (لَا مُسْتَقِلًّا فِي الْأَصَحِّ) فَلَا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنًى وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، وَفَارَقَ نَظِيرُهُ فِي الْحَجِّ بِأَنَّ لَهُ بَدَلًا وَهُوَ الْإِطْعَامُ وَبِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ فِي الْحَيَاةِ فَضُيِّقَ فِيهِ بِخِلَافِ الْحَجِّ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِالْإِطْعَامِ لِأَنَّهُ مَحْضُ مَالٍ كَالدَّيْنِ أَوْ يُفَرَّقُ بِأَنَّهُ هُنَا بَدَلٌ عَمَّا لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ؟ الْأَقْرَبُ لِكَلَامِهِمْ وَجَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ الثَّانِي.
وَلَوْ قَامَ بِالْقَرِيبِ مَا يَمْنَعُ الْإِذْنَ كَصِبًا وَجُنُونٍ، أَوْ امْتَنَعَ الْأَهْلُ مِنْ الْإِذْنِ أَوْ الصَّوْمِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ قَرِيبٌ أَذِنَ الْحَاكِمُ فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا لِمَنْ اسْتَوْجَهَ عَدَمَهُ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيُقْتَصَرُ فِيهِ فَتَتَعَيَّنُ الْفِدْيَةُ، وَلَوْ قَالَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ أَنَا أَصُومُ وَآخُذُ الْأُجْرَةَ جَازَ، أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ نُطْعِمُ وَبَعْضُهُمْ نَصُومُ أُجِيبَ الْأَوَّلُونَ كَمَا رَجَّحَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَابْنُ الْعِمَادِ لِأَنَّ إجْزَاءَ الطَّعَامِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وَيُؤَيِّدُ إجَابَةَ مَنْ طَلَبَ التَّكْفِينَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ تَكْمِيلًا لِحَقِّ الْمَيِّتِ، وَلَوْ تَعَدَّدَ الْوَارِثُ وَلَمْ يَصُمْ عَنْهُ قَرِيبٌ وُزِّعَتْ عَلَيْهِمْ الْأَمْدَادُ عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ ثُمَّ مَنْ خَصَّهُ شَيْءٌ لَهُ إخْرَاجُهُ وَالصَّوْمُ عَنْهُ وَيُجْبَرُ الْكَسْرُ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ يَوْمًا لَمْ يَجُزْ تَبْعِيضُ وَاجِبِهِ صَوْمًا وَإِطْعَامًا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يَصِحُّ كَمَا يُوَفَّى دَيْنُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ

(وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوْ اعْتِكَافٌ لَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ عَنْهُ وَلَا فِدْيَةَ لَهُ) لِعَدَمِ وُرُودِهَا بَلْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَنْهُ.
نَعَمْ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ

[حاشية الشبراملسي]

عَنْ الصَّائِمِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ) وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الصَّوْمُ لِكَوْنِ الْمَيِّتِ لَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً يَتَعَلَّقُ بِهَا الْوَاجِبُ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجِبْ الصَّوْمُ عَلَى وَارِثِ مَنْ خَلَّفَ تَرِكَةً، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ سَقَطَ التَّعَلُّقُ بِالتَّرِكَةِ بِصَوْمِهِ (قَوْلُهُ: وَفَارَقَ نَظِيرَهُ فِي الْحَجِّ) أَيْ حَيْثُ يَصِحُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ بِلَا إذْنٍ مِنْ الْمَيِّتِ وَلَا مِنْ الْقَرِيبِ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ لَهُ) أَيْ الصَّوْمَ (قَوْلُهُ: فِي الْحَيَاةِ) أَيْ بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَقْبَلُهَا حَيْثُ كَانَ الْمُسْتَنِيبُ مَغْصُوبًا (قَوْلُهُ وَهَلْ لَهُ) أَيْ لِلْأَجْنَبِيِّ (قَوْلُهُ: أَذِنَ الْحَاكِمُ) أَيْ وُجُوبًا لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لِلْمَيِّتِ وَالْحَاكِمُ يَجِبُ عَلَيْهِ رِعَايَتُهَا وَالْكَلَامُ فِيمَا لَوْ اسْتَأْذَنَهُ مَنْ يَصُومُ أَوْ يُطْعِمُ عَنْ الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ: فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا) لِمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ: فَإِنْ قَامَ بِالْقَرِيبِ مَا يَمْنَعُ الْإِذْنَ كَصِبًا وَجُنُونٍ أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِذْنِ وَالصَّوْمِ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَرِيبٌ فَهَلْ يَأْذَنُ الْحَاكِمُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَوْجَهُ الْمَنْعُ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ فَتَتَعَيَّنُ الْفِدْيَةُ اهـ كَلَامُ شَرْحِ الرَّوْضِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ وَالْأَوْجَهُ الْمَنْعُ إلَخْ الْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَأْذَنُ لَهُ وَيَسْتَأْجِرُ مِنْ التَّرِكَةِ مَرَّ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَنْ اسْتَوْجَبَهُ) مَشَى عَلَيْهِ حَجّ (قَوْلُهُ: فَيُقْتَصَرُ فِيهِ) أَيْ عَلَى الْوَارِدِ (قَوْلُهُ: وَآخُذُ الْأُجْرَةَ جَازَ) أَيْ حَيْثُ رَضِيَ بِذَلِكَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ إلَخْ (قَوْلُهُ: أُجِيبَ الْأَوَّلُونَ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِقَدْرِ حِصَّتِهِمْ فَقَطْ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ ثُمَّ مَنْ خَصَّهُ شَيْءٌ لَهُ إخْرَاجُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ إجْزَاءَ الْإِطْعَامِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْإِطْعَامَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّوْمِ وَبِهِ صَرَّحَ حَجّ حَيْثُ قَالَ: فَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ يُسَنُّ أَنَّهُ: أَيْ الصَّوْمُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِطْعَامِ، وَهُوَ بَعِيدٌ كَيْفَ وَفِي إجْزَائِهِ الْخِلَافُ وَالْإِطْعَامُ لَا خِلَافَ فِيهِ فَالْوَجْهُ أَنَّ الْإِطْعَامَ أَفْضَلُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ تَبْعِيضٌ) أَيْ فَالطَّرِيقُ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى صَوْمٍ وَاحِدٍ أَوْ يُخْرِجُوا مُدَّ طَعَامٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ إجْبَارُهُمْ عَلَى الْفِدْيَةِ أَوْ أَخْذُ مُدٍّ مِنْ تَرِكَتِهِ وَإِخْرَاجُهُ

(قَوْلُهُ: لِعَدَمِ وُرُودِهَا) أَيْ وَهَلْ تُسَنُّ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ فِي الصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ حَجّ الْآتِي قَرِيبًا

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: فَيُقْتَصَرُ فِيهِ) عِبَارَةُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ: وَهُوَ الَّذِي عَرَّضَ بِهِ الشَّارِحُ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَيُجْبَرُ الْكَسْرُ) أَيْ فِي الصَّوْمِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ تَبْعِيضُ وَاجِبِهِ صَوْمًا وَإِطْعَامًا) وَلَعَلَّ الْمَانِعَ مِنْ وُقُوعِ الصَّوْمِ الَّذِي صَامَهُ مَنْ خَصَّهُ الصَّوْمُ عَنْ الْمَيِّتِ كَوْنُهُ نَوَاهُ عَنْ خُصُوصِ حِصَّتِهِ

صَائِمًا اعْتَكَفَ عَنْهُ وَلِيُّهُ صَائِمًا.
قَالَهُ فِي التَّهْذِيبِ، وَمِثْلُهُ رَكْعَتَا الطَّوَافِ فَيَجُوزُ تَبَعًا لِلْحَجِّ (وَفِي الِاعْتِكَافِ قَوْلٌ) أَنَّهُ يَعْتَكِفُ عَنْهُ قِيَاسًا عَلَى الصَّوْمِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كُفَّ وَمُنِعَ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ)

(وَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ الْمُدِّ) عَنْ كُلِّ يَوْمٍ (عَلَى مَنْ) (أَفْطَرَ) مِنْ رَمَضَانَ (لِكِبَرٍ) كَأَنْ صَارَ شَيْخًا هَرَمًا لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ فِي زَمَنِ الْأَزْمَانِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ إيقَاعُهُ فِيمَا يُطِيقُهُ فِيهِ، وَمِثْلُهُ كُلُّ عَاجِزٍ عَنْ صَوْمٍ وَاجِبٍ سَوَاءٌ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ لِزَمَانَةٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَوْ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ تَلْحَقُهُ وَلَمْ يَتَكَلَّفْهُ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] أَيْ لَا يُطِيقُونَهُ أَوْ يُطِيقُونَهُ حَالَ الشَّبَابِ ثُمَّ يَعْجِزُونَ عَنْهُ حَالَ الْكِبَرِ، أَوْ يُطِيقُونَهُ: أَيْ يُكَلَّفُونَهُ فَلَا يُطِيقُونَهُ كَمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذِكْرِ قَضَاءٍ إذَا قَدَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لِسُقُوطِ الصَّوْمِ عَنْهُ وَعَدَمُ مُخَاطَبَتِهِ بِهِ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ أَنَّ الْفِدْيَةَ وَاجِبَةٌ فِي حَقِّهِ ابْتِدَاءً لَا بَدَلًا عَنْ الصَّوْمِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ مَا لَمْ يَصِحَّ نَذْرُهُ وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْفِطْرِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ، بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْحَجِّ عَنْ مَغْضُوبٍ قَدَرَ بَعْدُ لِأَنَّهُ خُوطِبَ بِالْحَجِّ، وَلَوْ تَكَلَّفَ الصَّوْمَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ كَمَا لَوْ تَكَلَّفَ مَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجُمُعَةُ فِعْلَهَا حَيْثُ أَجْزَأَتْهُ عَنْ وَاجِبِهِ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ قِيَاسُ مَا صَحَّحُوهُ مِنْ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْفِدْيَةِ ابْتِدَاءُ عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِالصَّوْمِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمَا أَنَّ مَنْ ذُكِرَ إذَا عَجَزَ عَنْ الْفِدْيَةِ ثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ كَالْكَفَّارَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَا بَحَثَهُ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي هُنَا عَكْسُهُ كَالْفِطْرَةِ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ حَالَ التَّكْلِيفِ بِالْفِدْيَةِ وَلَيْسَتْ فِي مُقَابَلَةِ جِنَايَةٍ وَنَحْوِهَا رُدَّ بِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى الْمَالِيَّ إذَا عَجَزَ عَنْهُ الْعَبْدُ وَقْتَ الْوُجُوبِ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى جِهَةِ الْبَدَلِ إذَا كَانَ بِسَبَبٍ مِنْهُ وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ إذْ سَبَبُهُ فِطْرُهُ بِخِلَافِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَلَوْ أَخَّرَ نَحْوُ الْهَرَمِ الْفِدْيَةَ عَنْ السَّنَةِ الْأُولَى لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِلتَّأْخِيرِ، وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِلْحَامِلِ أَوْ الْمُرْضِعِ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: اعْتَكَفَ عَنْهُ وَلِيُّهُ صَائِمًا) أَيْ جَازَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَقِيَ الِاعْتِكَافُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ: وَفِي الِاعْتِكَافِ قَوْلُهُ) قَالَ حَجّ: وَفِي الصَّلَاةِ قَوْلٌ أَيْضًا أَنَّهَا تُفْعَلُ عَنْهُ أَوْصَى بِهَا أَوْ لَا.
حَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُ عَنْ إِسْحَاقَ وَعَطَاءٍ لِخَبَرٍ فِيهِ لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ، بَلْ نَقَلَ ابْنُ بُرْهَانَ عَنْ الْقَدِيمِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْوَلِيَّ: أَيْ إنْ خَلَّفَ تَرِكَةً أَنْ يُصَلِّيَ عَنْهُ كَالصَّوْمِ، وَوَجَّهَ عَلَيْهِ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ صَلَاةٍ مُدًّا، وَاخْتَارَ جَمْعٌ مِنْ مُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ الْأَوَّلَ.
وَفَعَلَ بِهِ السُّبْكِيُّ عَنْ بَعْضِ أَقَارِبِهِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ أَنَّ نَقْلَ جَمْعِ شَافِعِيَّةٍ وَغَيْرِهِمْ الْإِجْمَاعَ فِي الْمَنْعِ الْمُرَادُ بِهِ إجْمَاعُ الْأَكْثَرِ، وَقَوْلُهُ وَاخْتَارَ جَمْعٌ مِنْ مُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ الْأَوَّلَ: أَيْ أَنَّ الصَّلَاةَ تُفْعَلُ عَنْهُ

(قَوْلُهُ: لِكِبَرٍ) تَعْبِيرُهُ بِالْكِبَرِ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ وَعَجَزَ مَعَهُ عَنْ الصَّوْمِ وَلَمْ يَبْلُغْ سِنَّ الْكِبَرِ وَأَفْطَرَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُدُّ بَلْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْهُ، ثُمَّ إنْ اسْتَمَرَّ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ أُخْرِجَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ يَقْتَضِيه قَوْلُ الشَّارِحِ أَوَّلَ الْفَصْلِ وَعُلِمَ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالْمَوْتِ عَدَمُ صِحَّةِ الصَّوْمِ عَنْ حَيٍّ إلَخْ، لَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ الْآتِي وَمِثْلُهُ كُلُّ عَاجِزٍ عَنْ صَوْمٍ وَاجِبٍ إلَخْ يَقْتَضِي خِلَافَهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ (قَوْلُهُ: أَوْ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ تَلْحَقُهُ) لَمْ يُبَيِّنْ ضَابِطَ الْمَشَقَّةِ هُنَا الْمُبِيحَةِ لِلْفِدْيَةِ وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي الْمَرَضِ أَنَّهَا الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا مَحْذُورٌ تَيَمَّمَ (قَوْلُهُ: أَيْ لَا يُطِيقُونَهُ) أَيْ فَلَا مَقْدِرَةَ، فَإِنْ قُلْت: أَيُّ قَرِينَةٍ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ؟ قُلْت: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وُجِدَتْ عِنْدَ النُّزُولِ قَرِينَةٌ حَالِيَّةٌ فُهِمَ مِنْهَا ذَلِكَ، وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ بَقَائِهَا فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذِكْرِ قَضَاءٍ) أَيْ وَإِنْ كَانَتْ الْفِدْيَةُ بَاقِيَةً فِي ذِمَّتِهِ (قَوْلُهُ لَمْ يَصِحَّ نَذْرُهُ) أَيْ لِعَجْزِهِ عَنْهُ حَالَ النَّذْرِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ خُوطِبَ بِالْحَجِّ) وَيَقَعُ الْحَجُّ الْأَوَّلُ لِلنَّائِبِ وَيَسْتَرِدُّ مِنْهُ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ مِنْ الْأُجْرَةِ (قَوْلُهُ: وَمَا بَحَثَهُ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي هُنَا عَكْسُهُ) أَيْ وَهُوَ عَدَمُ ثُبُوتِهَا فِي ذِمَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَخْرَجَ)

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ خُوطِبَ بِالْحَجِّ) أَيْ ابْتِدَاءً فَلَا يُقَالُ إنَّ كَوْنَهُ مُخَاطَبًا بِالْحَجِّ هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ

الِاثْنَيْنِ تَعْجِيلُ فِدْيَةِ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَلَهُمْ تَعْجِيلُ فِدْيَةِ يَوْمٍ فِيهِ أَوْ فِي لَيْلَتِهِ وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ الْمَنْعُ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ لِأَجْلِ نَفْسِهِ بِعُذْرٍ فَأَشْبَهَ الْمُسَافِرَ وَالْمَرِيضَ إذَا مَاتَا قَبْلَ انْقِضَاءِ السَّفَرِ وَالْمَرَضِ وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الشَّيْخَ لَا يَتَوَقَّعُ زَوَالَ عُذْرِهِ بِخِلَافِهِمَا

(وَأَمَّا) (الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ فَإِنْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا) مِنْ الصَّوْمِ (عَلَى نَفْسَيْهِمَا) وَلَوْ مَعَ وَلَدَيْهِمَا تَغْلِيبًا لِلْمُسْقِطِ وَعَمَلًا بِالْأَصْلِ مِنْ حُصُولِ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ بِالصَّوْمِ كَالضَّرَرِ الْحَاصِلِ مِنْ الصَّوْمِ لِلْمَرِيضِ (وَجَبَ) عَلَيْهِمَا (الْقَضَاءُ بِلَا فِدْيَةٍ) كَالْمَرِيضِ الْمَرْجُوِّ الْبُرْءِ (أَوْ عَلَى الْوَلَدِ) وَحْدَهُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِهَا بِأَنْ خَافَتْ الْحَامِلُ مِنْ إسْقَاطِهِ وَخَافَتْ الْمُرْضِعُ مِنْ أَنْ يَقِلَّ اللَّبَنُ فَيَهْلِكُ الْوَلَدُ (لَزِمَتْهُمَا) مَعَ الْقَضَاءِ (الْفِدْيَةُ فِي الْأَظْهَرِ) فِي مَالِهِمَا وَإِنْ كَانَتَا مُسَافِرَتَيْنِ أَوْ مَرِيضَتَيْنِ، نَعَمْ إنْ أَفْطَرَتَا لِأَجْلِ السَّفَرِ أَوْ الْمَرَضِ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا وَكَذَا إنْ أُطْلِقَتَا فِي الْأَصَحِّ ثُمَّ الْكَلَامُ فِي الْحُرَّةِ أَمَّا الْقِنَّةُ فَسَتَأْتِي وَفِي غَيْرِ الْمُرْضِعِ الْمُتَحَيِّرَةِ، وَأَمَّا هِيَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا لِلشَّكِّ وَكَذَا الْحَامِلُ الْمُتَحَيِّرَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ تَحِيضُ، ثُمَّ مَحَلُّ مَا ذُكِرَ فِي الْمُتَحَيِّرَةِ إذَا أَفْطَرَتْ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَقَلَّ، فَإِنْ أَفْطَرَتْ أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ لِمَا زَادَ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مَا يُحْتَمَلُ فَسَادُهُ بِالْحَيْضِ حَتَّى لَوْ أَفْطَرَتْ كُلَّ رَمَضَانَ لَزِمَهَا مَعَ الْقَضَاءِ فِدْيَةُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، نَبَّهَ عَلَيْهِ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ، وَشَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْمُسْتَأْجَرَةَ لِلْإِرْضَاعِ، وَإِنَّمَا لَزِمَهَا وَلَمْ يَلْزَمْ الْأَجِيرَ دَمُ التَّمَتُّعِ لِأَنَّ الدَّمَ ثَمَّ مِنْ تَتِمَّةِ الْحَجِّ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُسْتَأْجَرِ وَهُنَا الْفِطْرُ مِنْ تَتِمَّةِ إيصَالِ الْمَنَافِعِ اللَّازِمَةِ لِلْمُرْضِعِ، وَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ مَا ذُكِرَ فِي الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْمُتَطَوِّعَةِ إذَا لَمْ تُوجَدْ مُرْضِعَةٌ مُفْطِرَةٌ أَوْ صَائِمَةٌ لَا يَضُرُّهَا الْإِرْضَاعُ، مَحْمُولٌ فِي الْمُسْتَأْجَرَةِ عَلَى مَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا احْتِيَاجُهَا إلَى الْإِفْطَارِ قَبْلَ الْإِجَارَةِ، وَإِلَّا فَالْإِجَارَةُ لِلْإِرْضَاعِ لَا تَكُونُ إلَّا إجَارَةَ عَيْنٍ، وَلَا يَجُوزُ

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَتَيْنِ مَثَلًا لِأَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ فِدْيَةَ السَّنَةِ الْأُولَى فِيهَا لَمْ يَكُنْ تَأْخِيرٌ حَتَّى يُقَالَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِلتَّأْخِيرِ (قَوْلُهُ: الْآتِيَيْنِ تَعْجِيلُ) أَيْ وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِمَا عَجَّلَهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْآخِذُ بِكَوْنِهَا مُعَجَّلَةً أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِيمَا لَوْ أَخْرَجَ غَيْرَ الْجِنْسِ فَإِنَّهُ يُسْتَرَدُّ مِنْهُ مُطْلَقًا لِفَسَادِ الْقَبْضِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ كُلُّ مَا لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعَ وَكَانَ قَبْضُهُ فَاسِدًا، وَكَذَا لَوْ عَجَّلَ لَيْلًا الْفِطْرَ لِلْكِبَرِ أَوْ الْمَرَضِ ثُمَّ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ وَصَامَ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ التَّعْجِيلِ فَيَتَبَيَّنُ عَدَمُ وُقُوعِ مَا عَجَّلَهُ الْمَوْقِعَ وَيَسْتَرِدُّهُ عَلَى مَا مَرَّ

(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْحَامِلُ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْحَمْلُ مِنْ زِنًا أَوْ بِغَيْرِ آدَمِيٍّ وَلَا فَرْقَ فِي الرَّضِيعِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا أَوْ حَيَوَانًا مُحْتَرَمًا ثُمَّ رَأَيْته فِي الزِّيَادِيِّ (قَوْلُهُ مِنْ حُصُولِ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ) أَيْ مِنْ كُلِّ ضَرَرٍ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ حَجّ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي فِي اعْتِمَادِ الْخَوْفِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إخْبَارِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ عَدْلٍ وَلَوْ عَدْلَ رِوَايَةٍ أَخْذًا مِمَّا قِيلَ فِي التَّيَمُّمِ (قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى الْوَلَدِ) أَيْ وَلَوْ حَرْبِيًّا عَلَى الْأَوْجَهِ لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الزَّرْكَشِيّ اهـ إيعَابٌ.
وَقَوْلُهُ وَلَوْ حَرْبِيًّا: أَيْ بِأَنْ اُسْتُؤْجِرَتْ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ لِإِرْضَاعِ وَلَدِ حَرْبِيٍّ مَثَلًا (قَوْلُهُ: فَيَهْلَكُ الْوَلَدُ) مِثْلُ الْهَلَاكِ غَيْرُهُ مِمَّا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَكَذَا إنْ أُطْلِقَتَا) أَيْ بِأَنْ لَمْ يُرِيدَا بِالْفِطْرِ خُصُوصَ الْوَلَدِ وَلَا السَّفَرَ أَوْ الْمَرَضَ (قَوْلُهُ: وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ لِمَا زَادَ) أَيْ عَلَى سِتَّةَ عَشْرَ (قَوْلُهُ: كُلَّ رَمَضَانَ) أَيْ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ (قَوْلُهُ الْمُسْتَأْجَرَةَ) وَكَذَا الْمُتَبَرِّعَةُ اهـ حَجّ.
وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ لِلْإِرْضَاعِ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي قَوْلِهِ وَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ إلَخْ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا) أَيْ فَلَا يَجُوزُ لَهَا حَيْثُ عَلِمَتْ بِذَلِكَ الْإِيجَارِ وَتَبْطُلُ الْإِجَارَةُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: مِنْ حُصُولِ مَرَضٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خَوْفًا، وَقَوْلُهُ كَالضَّرَرِ وَصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ ضَرَرًا كَالضَّرَرِ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْقِنَّةُ فَسَتَأْتِي) اُنْظُرْ أَيْنَ تَأْتِي (قَوْلُهُ: وَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ مَا ذُكِرَ) يَعْنِي جَوَازَ الْفِطْرِ (قَوْلُهُ: وَيُتَدَارَكُ عَنْهُ بِالْفِدْيَةِ) اُنْظُرْ هَلْ يُتَدَارَكُ عَنْهُ بِالصَّوْمِ أَيْضًا عَلَى الْقَدِيمِ الْآتِي (قَوْلُهُ: مَحْمُولٌ فِي الْمُسْتَأْجِرَةِ عَلَى مَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا إلَخْ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ لِعَدَمِ قُدْرَتِهَا عَلَى تَسْلِيمِ الْمَنْفَعَةِ شَرْعًا، وَخَرَجَ بِذَلِكَ

إبْدَالُ الْمُسْتَوْفَى مِنْهُ فِيهَا وَالْفِطْرُ فِيمَا ذُكِرَ جَائِزٌ بَلْ وَاجِبٌ إنْ خِيفَ نَحْوُ هَلَاكِ الْوَلَدِ وَلَا تَتَعَدَّدُ الْفِدْيَةُ بِتَعَدُّدِ الْأَوْلَادِ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الصَّوْمِ، بِخِلَافِ الْعَقِيقَةِ لِأَنَّهَا فِدَاءٌ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ لَا يَلْزَمُهُمَا كَالْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ لِأَنَّ فِطْرَهُمَا لِعُذْرٍ، وَقِيلَ يَجِبُ عَلَى الْمُرْضِعِ دُونَ الْحَامِلِ لِأَنَّ فِطْرَهَا لِمَعْنًى فِيهَا كَالْمَرِيضِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْمُرْضِعِ) فِي إيجَابِ الْفِدْيَةِ مَعَ الْقَضَاءِ

(مَنْ) (أَفْطَرَ لِإِنْقَاذِ) مُحْتَرَمٍ (مُشْرِفٍ عَلَى هَلَاكٍ) بِغَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ عَلَى إتْلَافِ عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَتِهِ أَخْذًا مِنْ نَظَائِرِهِ وَتَوَقَّفَ الْإِنْقَاذُ عَلَى الْفِطْرِ فَأَفْطَرَ وَلَمْ تَكُنْ امْرَأَةً مُتَحَيِّرَةً لِأَنَّهُ فِطْرٌ ارْتَفَقَ بِهِ شَخْصَانِ وَإِنْ وَجَبَ كَمَا مَرَّ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ النَّفْسِ وَالْمَالِ، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ كَمَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ عَدَمُ لُزُومِ ذَلِكَ فِي الْمَالِ وَلَوْ مَالَ غَيْرِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ حَيَوَانًا وَإِنْ كَانَ الْقَفَّالُ فَرَضَهُ فِي مَالِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ فِطْرٌ ارْتَفَقَ بِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَمِ وَلَوْ بَهِيمَةً فَإِنَّهُ ارْتَفَقَ بِهِ شَخْصَانِ، وَمَحَلُّهُ فِي مُنْقِذٍ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ لَوْلَا الْإِنْقَاذُ.
أَمَّا مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ لِعُذْرٍ كَسَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَفْطَرَ فِيهِ لِلْإِنْقَاذِ وَلَوْ بِلَا نِيَّةِ التَّرَخُّصِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ، وَيُتَّجَهُ تَقْيِيدُهُ بِمَا مَرَّ آنِفًا فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ وَالثَّانِي لَا يُلْحَقُ بِهِمَا لِأَنَّ إيجَابَ الْفِدْيَةِ مَعَ الْقَضَاءِ بَعِيدٌ مِنْ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِهِ فِي حَقِّ الْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ لِوُرُودِ الْأَخْبَارِ بِهِ فَبَقِيَ مَا عَدَاهُمَا عَلَى الْأَصْلِ وَالْفِطْرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَاجِبٌ كَمَا مَرَّ إنْ لَمْ يُمْكِنْ تَخْلِيصُهُ إلَّا بِهِ (لَا الْمُتَعَدِّي بِفِطْرِ رَمَضَانَ بِغَيْرِ جِمَاعٍ) فَلَا يُلْحَقُ بِهَا لِعَدَمِ وُرُودِهِ وَفَارَقَ لُزُومَهَا لِلْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ بِمَا مَرَّ وَبِأَنَّ الْفِدْيَةَ غَيْرُ مُتَقَيِّدَةٍ بِالْإِثْمِ بَلْ إنَّمَا هِيَ حِكْمَةٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّدَّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَفْحَشُ مِنْ الْوَطْءِ مَعَ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، وَفَارَقَ ذَلِكَ أَيْضًا لُزُومَ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَفِي الْقَتْلِ عَمْدًا عُدْوَانًا بِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وَالْكَفَّارَةُ فِيهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَيُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ أَوْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ بِخِلَافِهَا فِي تَيْنِكَ.
نَعَمْ يَلْزَمُهُ التَّعْزِيرُ

(وَمَنْ) (أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ) أَوْ شَيْئًا مِنْهُ (مَعَ إمْكَانِهِ) بِأَنْ كَانَ صَحِيحًا مُقِيمًا (حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ) (لَزِمَهُ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ) وَهُوَ آثِمٌ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ لِخَبَرٍ فِيهِ ضَعِيفٍ لَكِنَّهُ رُوِيَ

[حاشية الشبراملسي]

لَوْ صَدَرَتْ مِنْهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِعَجْزِهَا عَنْ تَسْلِيمِ مَنْفَعَةِ نَفْسِهَا بِوُجُودِ مَنْ لَا يَضُرُّهَا الْإِرْضَاعُ (قَوْلُهُ: بِمَا مَرَّ آنِفًا) أَيْ بِأَنْ أَفْطَرَ لِنَحْوِ السَّفَرِ لَا لِلْإِنْقَاذِ، وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ أَوَّلًا لِلْإِنْقَاذِ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ (قَوْلُهُ: وَالْمُرْضِعُ) أَيْ وَذَلِكَ بِأَنْ أَفْطَرَتْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا عَلَى مَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

(قَوْلُهُ بِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ ارْتَفَقَ بِهِ شَخْصَانِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يَلْزَمُهُ) أَيْ الْمُتَعَدِّي

(قَوْلُهُ: صَحِيحًا مُقِيمًا) أَيْ وَحُرًّا لِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: أَمَّا الْقِنُّ إلَخْ، وَلَا فَرْقَ فِي الْحُرِّ بَيْنَ كَوْنِهِ حُرَّ الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِ الِاحْتِرَازِ بِالْحُرِّ عَنْ الرَّقِيقِ لِأَنَّهُ لَا تَرِكَةَ لَهُ فَيُخْرَجُ عَنْ الْمُبَعَّضِ مِمَّا خَلَّفَهُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ كَمَا

[حاشية الرشيدي]

مَا إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهَا مَا ذُكِرَ فَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ وَيَجُوزُ لَهَا الْفِطْرُ، بَلْ يَجِبُ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهَا دَفْعُ الطِّفْلِ لِغَيْرِهَا، وَهَذَا مَوْضُوعُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَهُوَ حَاصِلُ قَوْلِهِ وَإِلَّا فَالْإِجَارَةُ إلَخْ

(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ فِطْرٌ ارْتَفَقَ بِهِ شَخْصَانِ) هَذَا وَجْهُ إلْحَاقِهِ بِالْمَوْضِعِ فَهُوَ الْجَامِعُ فِي الْقِيَاسِ لَا حِكْمَةُ إيجَابِ الْفِدْيَةِ، وَإِلَّا فَسَيَأْتِي أَنَّ الْفِدْيَةَ حِكْمَةٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا.
لَا يُقَالُ: يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ تَعَبُّدِيٌّ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ تَعَبُّدِيًّا.
لِأَنَّا نَقُولُ: الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ إنَّمَا هُوَ إنَاطَةُ الْحُكْمِ بِخُصُوصِ هَذِهِ الْعِلَّةِ فَالْحُكْمُ مُعَلَّلٌ لَا تَعَبُّدِيٌّ فَهُوَ كَالطَّعْمِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ كَمَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ عَدَمُ لُزُومِ ذَلِكَ) أَيْ الْفِدْيَةِ (قَوْلُهُ: فَأَفْطَرَ فِيهِ لِلْإِنْقَاذِ) لَيْسَ فِي كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ فَيَجِبُ حَذْفُهُ لِذَلِكَ وَلِيَتَأَتَّى قَوْلُهُ بَعْدُ وَيَتَّجِهُ تَقْيِيدُهُ بِمَا مَرَّ آنِفًا فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ، وَنَصُّ عِبَارَةِ الْأَذْرَعِيِّ: وَكُلُّ مَا سَبَقَ فِي مُنْقِذٍ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ لَوْلَا الْإِنْقَاذُ أَمَّا لَوْ كَانَ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ لِعُذْرِ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَلَا شَكَّ فِيهِ إذَا نَوَى الْفِطْرَ بِذَلِكَ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ وَالْكَفَّارَةُ فِيهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ) يَعْنِي الْفِدْيَةَ

مَوْقُوفًا عَلَى رَاوِيهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَيُعَضِّدُهُ إفْتَاءُ سِتَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ وَلِتَعَدِّيهِ بِحُرْمَةِ التَّأْخِيرِ حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا جَازَ تَأْخِيرُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ إلَى مَا بَعْدَ صَلَاةٍ أُخْرَى مِثْلِهَا بَلْ إلَى سِنِينَ، لِأَنَّ تَأْخِيرَ الصَّوْمِ إلَى رَمَضَانَ آخَرَ تَأْخِيرٌ إلَى زَمَنٍ لَا يَقْبَلُهُ وَلَا يَصِحُّ فِيهِ فَهُوَ كَتَأْخِيرِهِ عَنْ الْوَقْتِ، بِخِلَافِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقْتَضِي مَجِيءَ الْحُكْمِ فِيمَا هُوَ قُبَيْلَ عِيدِ النَّحْرِ إذْ التَّأْخِيرُ إلَيْهِ تَأْخِيرٌ لِزَمَنٍ لَا يَقْبَلُهُ لِأَنَّ الْمُرَادَ تَأْخِيرُهُ إلَى زَمَنٍ هُوَ نَظِيرُهُ لَا يَقْبَلُهُ فَانْتَفَى الْعِيدُ عَلَى أَنَّ إيرَادَ ذَلِكَ غَفْلَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ فِي الْإِشْكَالِ مِثْلُهَا، وَخَرَجَ بِإِمْكَانِهِ مَا لَوْ أَخَّرَهُ بِعُذْرٍ كَأَنْ اسْتَمَرَّ مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا أَوْ مُرْضِعًا إلَى قَابِلٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِالتَّأْخِيرِ مَا دَامَ الْعُذْرُ بَاقِيًا وَإِنْ اسْتَمَرَّ سِنِينَ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْأَدَاءِ بِالْعُذْرِ فَفِي الْقَضَاءِ بِهِ أَوْلَى، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا كَغَيْرِهِمَا، وَصَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ بَيْنَ مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ بِعُذْرٍ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ تَبَعًا لِمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ التَّهْذِيبِ وَأَقَرَّهُ أَنَّ التَّأْخِيرَ لِلسَّفَرِ حَرَامٌ، وَقَضِيَّتُهُ لُزُومُهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُرْمَةِ الْفِدْيَةُ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمَا أَنَّهُ لَوْ شَفَى أَوْ أَقَامَ مُدَّةً تَمَكَّنَ فِيهَا مِنْ الْقَضَاءِ ثُمَّ سَافَرَ فِي شَعْبَانَ مَثَلًا وَلَمْ يَقْضِ فِيهِ لُزُومُ الْفِدْيَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ، وَأَخَذَ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ التَّأْخِيرَ جَهْلًا أَوْ نِسْيَانًا عُذْرٌ فَلَا فِدْيَةَ بِهِ، وَسَبَقَهُ لِذَلِكَ الرُّويَانِيُّ لَكِنْ خَصَّهُ بِمَنْ أَفْطَرَ بِعُذْرٍ، وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْفَرْقِ، وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ سُقُوطَ الْإِثْمِ بِهِ دُونَ الْفِدْيَةِ وَمِثْلُهُمَا الْإِكْرَاهُ كَمَا فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ وَمَوْتُهُ أَثْنَاءَ يَوْمٍ يَمْنَعُ تَمَكُّنَهُ فِيهِ (وَالْأَصَحُّ تَكَرُّرُهُ) أَيْ الْمُدِّ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ (بِتَكَرُّرِ السِّنِينَ) لِأَنَّ الْحُقُوقَ الْمَالِيَّةَ لَا تَتَدَاخَلُ بِخِلَافِهِ فِي نَحْوِ الْهَرَمِ لَا يَتَكَرَّرُ بِذَلِكَ لِانْتِفَاءِ التَّقْصِيرِ.
أَمَّا الْقِنُّ فَلَا تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ قَبْلَ الْعِتْقِ بِتَأْخِيرِ الْقَضَاءِ كَمَا أَخَذَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي نَظِيرِهِ، لِأَنَّ هَذِهِ فِدْيَةٌ مَالِيَّةٌ لَا مَدْخَلَ لِلصَّوْمِ

[حاشية الشبراملسي]

تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الْمُدِّ لِكُلِّ يَوْمٍ بَيْنَ كَوْنِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةً أَمْ لَا: أَيْ وَلَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا أَوْ مُرْضِعًا أَخْذًا مِمَّا مَرَّ وَيَأْتِي (قَوْلُهُ: قَضَاءِ الصَّلَاةِ) أَيْ حَيْثُ فَاتَتْهُ بِعُذْرٍ (قَوْلُهُ: إذْ التَّأْخِيرُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى يَوْمِ عِيدِ النَّحْرِ (قَوْلُهُ: لَا يَقْبَلُهُ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِإِمْكَانِهِ مَا لَوْ أَخَّرَهُ بِعُذْرٍ كَأَنْ اسْتَمَرَّ إلَخْ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مِنْهُ مَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَعْبَانَ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَفَاتَتْهُ شَيْءٌ مِنْ رَمَضَانَ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ قَضَائِهِ حَتَّى دَخَلَ شَعْبَانُ فَيُعْذَرُ فِي تَأْخِيرِ قَضَاءِ رَمَضَانَ إلَى شَوَّالٍ مَثَلًا لِأَنَّ صَوْمَ شَعْبَانَ اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ بِالنَّذْرِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِ صَوْمِهِ عَنْ الْقَضَاءِ (قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي لُزُومِ الْفِدْيَةِ بِالتَّأْخِيرِ (قَوْلُهُ بَيْنَ مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: أَنَّ التَّأْخِيرَ) أَيْ تَأْخِيرَ قَضَاءِ رَمَضَانَ بِسَبَبِ السَّفَرِ (قَوْلُهُ: أَنَّ التَّأْخِيرَ جَهْلًا) وَمُرَادُهُ الْجَهْلُ بِحُرْمَةِ التَّأْخِيرِ وَإِنْ كَانَ مُخَالِطًا لِلْعُلَمَاءِ لِخَفَاءِ ذَلِكَ لَا بِالتَّكَرُّرِ فَلَا يُعْذَرُ لِجَهْلِهِ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِيمَا لَوْ عَلِمَ حُرْمَةَ التَّنَحْنُحِ وَجَهِلَ الْبُطْلَانَ بِهِ اهـ حَجّ اهـ زِيَادِيٌّ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْفَرْقِ) أَيْ بَيْنَ مَنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ وَغَيْرِهِ، فَكُلٌّ مِنْ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ عُذْرٌ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ سُقُوطَ الْإِثْمِ بِهِ) أَيْ الْجَهْلِ (قَوْلُهُ: وَمَوْتُهُ أَثْنَاءَ يَوْمٍ) أَيْ وَلَوْ كَانَ مُفْطِرًا لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ (قَوْلُهُ: يُمْنَعُ تَمَكُّنُهُ فِيهِ) أَيْ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا فِي تَكَرُّرِ الْفِدْيَةِ (قَوْلُهُ بِتَكَرُّرِ السِّنِينَ) أَيْ بِقَيْدِهِ الْمَارِّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ الْإِمْكَانُ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: فَرْعٌ: إذَا تَكَرَّرَ التَّأْخِيرُ هَلْ يُعْتَبَرُ الْإِمْكَانُ فِي كُلِّ عَامٍ أَمْ يَكْفِي لِتَكَرُّرِ الْفِدْيَةِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: غَفْلَةً عَنْ قَوْلِهِمْ فِي الْإِشْكَالِ) أَيْ الْمُقَدَّرِ فِي قَوْلِهِ وَإِنَّمَا جَازَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى مَا بَعْدَ صَلَاةٍ أُخْرَى مِثْلِهَا إذْ هُوَ جَوَابٌ عَنْ إشْكَالٍ مُقَدَّرٍ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي عَدَمِ لُزُومِ الْفِدْيَةِ فِي التَّأْخِيرِ لِعُذْرٍ (قَوْلُهُ: إنَّ التَّأْخِيرَ لِلسَّفَرِ حَرَامٌ) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ الْفَوَاتُ لِغَيْرِ عُذْرٍ (قَوْلُهُ وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ سُقُوطَ الْإِثْمِ بِهِ) الضَّمِيرُ لِمَا ذَكَرَ مِنْ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْقِنُّ إلَخْ) كَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ قَيَّدَ فِيمَا مَرَّ لُزُومَ الْفِدْيَةِ بِالْحُرِّ، وَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ النُّسَخِ وَإِلَّا

فِيهَا وَالْعَبْدُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا لَكِنْ هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ عِتْقِهِ؟ وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ.
وَقِيلَ نَعَمْ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ وَلَزِمَتْ ذِمَّةُ عَاجِزٍ وَمَا فَرَّقَ بِهِ الْبَغَوِيّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْفِدْيَةِ وَقْتَ الْفِطْرِ بِخِلَافِ الْحُرِّ صَحِيحٌ، وَإِنْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْكَفَّارَةِ بِوَقْتِ الْأَدَاءِ لَا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ لِظُهُورِ الْفَرْقِ وَهُوَ أَنَّ الْمُكَفِّرَ ثُمَّ أَهْلٌ لِلْوُجُوبِ فِي حَالَتَيْهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ وَصْفُهُ بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّهُ غَيْرُ أَهْلٍ لِالْتِزَامِ الْفِدْيَةِ وَقْتَ الْوُجُوبِ وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا تَتَكَرَّرُ كَالْحُدُودِ.

(وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَوْ) (أَخَّرَ الْقَضَاءَ) أَيْ قَضَاءَ رَمَضَانَ (مَعَ إمْكَانِهِ فَمَاتَ) (أُخْرِجَ مِنْ تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّانِ مُدٌّ لِلْفَوَاتِ) مَا لَمْ يَصُمْ عَنْهُ أَحَدٌ كَمَا أُمِرَ (وَمُدٌّ لِلتَّأْخِيرِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُوجَبٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ فَكَذَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ.
وَالثَّانِي يَكْفِي مُدٌّ وَهُوَ لِلْفَوَاتِ، وَعُلِمَ أَنَّهُ مَتَى تَحَقَّقَ الْفَوَاتُ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ وَلَمْ يَدْخُلْ رَمَضَانُ فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَمَاتَ لِبَوَاقِي خَمْسٍ مِنْ شَعْبَانَ لَزِمَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ مُدًّا عَشَرَةٌ لِأَصْلِ الصَّوْمِ وَخَمْسَةٌ لِلتَّأْخِيرِ لِأَنَّهُ لَوْ عَاشَ لَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا قَضَاءُ خَمْسَةٍ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ لُزُومُ الْفِدْيَةِ حَالًا عَمَّا لَا يَسَعُهُ، وَهُوَ مَا صَوَّبَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا بَعْدُ مِنْ عَدَمِ اللُّزُومِ حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَانُ كَمَنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ غَدًا فَتَلِفَ بِغَيْرِ إتْلَافِهِ قَبْلَ الْغَدِ فَلَا يَحْنَثُ، وَأَخَذَ ابْنُ الْعِمَادِ بِالْقَضِيَّةِ الثَّانِيَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَ صُورَةِ الْمَيِّتِ وَالْحَيِّ بِأَنَّ الْأَزْمِنَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ يُقَدَّرُ حُضُورُهَا بِالْمَوْتِ كَمَا يَحِلُّ الْأَجَلُ بِهِ، وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي الْحَيِّ إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَى تَعْجِيلِ الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ فِي حَقِّهِ، وَلَوْ عَجَّلَ فِدْيَةَ التَّأْخِيرِ لِيُؤَخِّرَ الْقَضَاءَ مَعَ الْإِمْكَانِ أَجْزَأَتْهُ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْهَرَمِ وَالزَّمِنِ وَمَنْ اشْتَدَّتْ مَشَقَّةُ الصَّوْمِ عَلَيْهِ لِتَأْخِيرِ الْفِدْيَةِ إذَا أَخَّرَهَا عَنْ السَّنَةِ الْأُولَى

(وَمَصْرِفُ الْفِدْيَةِ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ) دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ مُسْتَحَقِّي الزَّكَاةِ لِأَنَّ الْمِسْكِينَ ذُكِرَ فِي الْآيَةِ وَالْخَبَرِ وَالْفَقِيرُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهُ أَوْ دَاخِلٌ فِيهِ إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا إذَا

[حاشية الشبراملسي]

وُجُودُ الْإِمْكَانِ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُ الْبَغَوِيّ أَنَّ الْمُتَعَدِّي بِالْفِطْرِ لَا يُعْذَرُ بِالسَّفَرِ فِي الْقَضَاءِ اهـ. الَّذِي تَحَرَّرَ فِي مَجْلِسٍ مَرَّ مَعَهُ بِحَضْرَةِ الْعَلَّامَةِ الطَّبَلَاوِيِّ الْأَوَّلِ

(قَوْلُهُ: مَعَ إمْكَانِهِ) وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْإِمْكَانِ مَا لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّهُ لَا يَصُومُ قَبْلَ رَمَضَانَ لِتَقْصِيرِهِ بِالْيَمِينِ فَتَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ إذَا أَخَّرَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا صَوَّبَهُ الزَّرْكَشِيُّ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: فَلَا يَحْنَثُ) أَيْ قَبْلَ الْغَدِ (قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ عَلَى الْهَرَمِ) تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي قَوْلِهِ بِخِلَافِهِ

[حاشية الرشيدي]

فَلَا مَوْقِعَ لِلتَّعْبِيرِ بِأَمَّا هُنَا

(قَوْلُهُ: وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا بَعْدُ مِنْ عَدَمِ اللُّزُومِ إلَخْ) أَيْ بِأَنَّهُ مَاتَ هُنَا عَاصِيًا بِالتَّأْخِيرِ وَتَحَقَّقَ الْيَأْسُ بِفَوَاتِ الْبَعْضِ فَلَزِمَهُ بَدَلُهُ بِخِلَافِهِ ثُمَّ فِيهِمَا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِجَوَازِ مَوْتِهِ قَبْلَ الْغَدِ فَلَا يَحْنَثُ، هَذَا نَصُّ عِبَارَةِ الْإِمْدَادِ الَّذِي مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ إلَى آخِرِ السِّوَادَةِ عِبَارَتُهُ بِالْحَرْفِ إلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ مِنْهَا مَا ذَكَرْته، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا بَعْدُ مِنْ عَدَمِ اللُّزُومِ إلَخْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْ الصِّيَامِ وَأَنَّ الزَّرْكَشِيَّ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ وَأَنَّ تَصْوِيبَهُ فِي خُصُوصِ مَسْأَلَةِ الْمَيِّتِ مَعَ أَنَّ مَا ذَكَرَ مِنْ الْفَرْقِ إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالْحَلْقِ، وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ وَأَخَذَ ابْنُ الْعِمَادِ بِالْقَضِيَّةِ الثَّانِيَةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الزَّرْكَشِيَّ غَيْرُ قَائِلٍ بِالْفَرْقِ وَكُلُّ ذَلِكَ تَنَاقُضٌ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ وَأَخَذَ ابْنُ الْعِمَادِ بِالْقَضِيَّةِ الثَّانِيَةِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْقَضِيَّةَ الثَّانِيَةَ إنَّمَا هِيَ عَدَمُ اللُّزُومِ مُطْلَقًا، وَابْنُ الْعِمَادِ لَا يَقُولُ بِعَدَمِ اللُّزُومِ مُطْلَقًا بَلْ إنَّمَا يَقُولُ بِهِ فِي الْحَيِّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَاقِي الْكَلَامِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي هَذَا السِّيَاقِ مُؤَاخَذَاتٌ لَا تَخْفَى، وَحَاصِلُ مَا فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ لَمَّا ذَكَرَا الْمَسْأَلَةَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ لِبَوَاقِي خَمْسٍ مِنْ شَعْبَانَ الَّتِي مَرَّتْ الْمُقْتَضِيَةُ لُزُومَ الْفِدْيَةِ فِي تَرِكَتِهِ حَالًا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ وَاللَّفْظُ لِلرَّوْضَةِ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَمَضَانِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ قَضَاءُ جَمِيعِ الْفَائِتِ فَهَلْ تَلْزَمُهُ فِي الْحَالِ الْفِدْيَةُ عَمَّا لَا يَسَعُهُ الْوَقْتُ أَمْ لَا تَلْزَمُهُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ رَمَضَانَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ غَدًا فَتَلِفَ

ذُكِرَ مُنْفَرِدًا يَشْمَلُ الْآخَرَ وَلَا يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (وَلَهُ) (صَرْفُ أَمْدَادٍ) مِنْهَا (إلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ) بِخِلَافِ الْمُدِّ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى شَخْصَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ مُدٍّ كَفَّارَةٌ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجُزْ إعْطَاؤُهُ مِنْ أَمْدَادِ الْكَفَّارَةِ الْوَاحِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ مُدٍّ، أَمَّا إعْطَاءُ دُونَ الْمُدِّ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ مُدٍّ كَامِلٍ فَيَمْتَنِعُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ صَوْمِ يَوْمٍ وَهُوَ لَا يَتَبَعَّضُ، بِخِلَافِهِ فِي كَفَّارَةِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ أَصْلٌ، وَأَيْضًا فَالْمَغْرُومُ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ بِلَا ضَرُورَةٍ بِخِلَافِهِ هُنَا (وَجِنْسُهَا) أَيْ الْفِدْيَةِ (جِنْسُ الْفِطْرَةِ) الَّتِي مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَمَرَّ فِيهَا أَنَّ الْمُدَّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْكَيْلُ لَا الْوَزْنُ.

[حاشية الشبراملسي]

فِي نَحْوِ الْهَرَمِ إلَخْ

(قَوْلُهُ: وَلَهُ صَرْفُ أَمْدَادٍ) التَّعْبِيرُ بِهِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ صَرْفَهُ لِأَشْخَاصٍ مُتَعَدِّدِينَ أَوْلَى وَهُوَ كَذَلِكَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ أَنَّ سَدَّ جَوْعَةِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَفْضَلُ مِنْ سَدِّ جَوْعَةِ وَاحِدٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمُنَاوِيِّ عَلَى مَنْظُومَةِ الْأَكْلِ لِابْنِ الْعِمَادِ قَبْلَ قَوْلِهِ وَإِنْ دَعَوْت صُوفِيًّا إلَخْ مَا نَصُّهُ: فَائِدَةٌ: لَوْ سَدَّ جَوْعَةَ مِسْكِينٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ هَلْ أَجْرُهُ كَأَجْرِ مَنْ سَدَّ جَوْعَةَ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ؟ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا فَقَدْ يَكُونُ فِي الْجَمْعِ وَلِيٌّ وَقَدْ حَثَّ اللَّهُ عَلَى الْإِحْسَانِ لِلصَّالِحِينَ وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي وَاحِدٍ، وَلِأَنَّهُ يُرْجَى مِنْ دُعَاءِ الْجَمْعِ مَا لَا يُرْجَى مِنْ دُعَاءِ الْوَاحِدِ، وَمِنْ ثَمَّ أَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ دَفْعَ الزَّكَاةِ إلَى الْأَصْنَافِ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ أَنْوَاعٍ مِنْ الْمَفَاسِدِ وَجَلْبِ أَنْوَاعٍ مِنْ الْمَصَالِحِ، إنَّ دَفْعَ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ نَوْعٌ مُخَالِفٌ لِدَفْعِ الرِّقِّ عَنْ الْمُكَاتَبِ وَالْغُرْمِ عَنْ الْغَارِمِ وَالْغُرْبَةِ وَالِانْقِطَاعِ عَنْ ابْنِ السَّبِيلِ اهـ (قَوْلُهُ: مِنْهَا إلَى شَخْصٍ) أَيْ وَلَهُ نَقْلُهَا أَيْضًا لِأَنَّ حُرْمَةَ النَّقْلِ خَاصَّةٌ بِالزَّكَاةِ بِخِلَافِ الْكَفَّارَاتِ (قَوْلُهُ: فَيُمْتَنَعُ) أَيْ فِي الدُّونِ وَفِيمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ (قَوْلُهُ: وَجِنْسُهَا) قَالَ الْقَفَّالُ: وَيُعْتَبَرُ فَضْلُهَا عَمَّا يُعْتَبَرُ ثَمَّ.
اهـ حَجّ أَقُولُ: يُتَأَمَّلُ هَذَا مَعَ كَوْنِ الْفَرْضِ أَنَّهُ مَاتَ وَأَنَّ الْوَاجِبَ تَعَلَّقَ بِالتَّرِكَةِ وَبَعُدَ التَّعَلُّقُ بِالتَّرِكَةِ، فَأَيُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ يَحْتَاجُ فِي إخْرَاجِ الْكَفَّارَةِ إلَى زِيَادَةِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْهُ، بَلْ الْقِيَاسُ أَنْ يُقَالَ: يُعْتَبَرُ الْوُجُوبُ الْإِخْرَاجُ فَضْلُ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ مُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ، وَيُقَدَّمُ ذَلِكَ عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ إنْ فُرِضَ أَنَّ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا.
نَعَمْ مَا ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ فِيمَا لَوْ أَفْطَرَ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ

[حاشية الرشيدي]

قَبْلَ الْغَدِ هَلْ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ أَمْ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ انْتَهَى.
وَقَضِيَّةُ التَّشْبِيهِ بِمَسْأَلَةِ الْحَلِفِ عَدَمُ اللُّزُومِ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مَفْرُوضَةٌ فِي الْحَيِّ كَمَا لَا يَخْفَى، فَرَمَاهُمَا الْإِسْنَوِيُّ كَالسُّبْكِيِّ بِالتَّنَاقُضِ فِي ذَلِكَ، فَالزَّرْكَشِيُّ صَوَّبَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا أَوَّلًا مِنْ اللُّزُومِ حَالًا: أَيْ فِي مَسْأَلَتَيْ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ وَفَرَّقَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْ الصَّوْمِ وَالْحَلِفِ، وَأَمَّا ابْنُ الْعِمَادِ فَاعْتَمَدَ كُلًّا مِنْ الْقَضِيَّتَيْنِ وَفَرَّقَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ بَعْدَ سَوْقِ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ، وَإِثْبَاتِ التَّنَاقُضِ بَيْنَهُمَا وَنِسْبَتِهِ لِلسُّبْكِيِّ وَالْإِسْنَوِيِّ نَصُّهَا: وَرَدَّهُ أَيْ مَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ وَالْإِسْنَوِيُّ وَابْنُ الْعِمَادِ بِأَنْ لَا مُخَالَفَة فَإِنَّ الْأَزْمِنَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ بِقَدْرِ حُضُورِهَا بِالْمَوْتِ كَمَا يَحِلُّ الْأَجَلُ بِهِ، وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي الْحَيِّ إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَى تَعْجِيلِ الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ فِي حَقِّهِ وَالزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّ الصَّوَابَ هُوَ الْأَوَّلُ: أَيْ لُزُومُ الْفِدْيَةِ فِي الْحَالِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّشْبِيهِ بِمَسْأَلَةِ الرَّغِيفِ خِلَافُهُ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ صُورَتَيْ الصَّوْمِ وَصُورَةِ الْيَمِينِ بِأَنَّهُ مَاتَ هُنَا عَاصِيًا بِالتَّأْخِيرِ فَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ صُورَةِ الْيَمِينِ، وَبِأَنَّهُ هُنَا قَدْ تَحَقَّقَ الْيَأْسُ بِفَوَاتِ الْبَعْضِ فَلَزِمَهُ بَدَلُهُ بِخِلَافِهِ فِي الْيَمِينِ لِجَوَازِ مَوْتِهِ قَبْلَ الْغَدِ فَلَا يَحْنَثُ انْتَهَتْ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْفَرْقَ الْأَوَّلَ مِنْ فَرْقَيْ الزَّرْكَشِيّ قَاصِرٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ وَبِهَذَا تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ كَالْإِمْدَادِ.

فَصْلٌ فِي مُوجِبِ كَفَّارَةِ الصَّوْمِ (تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِ صَوْمِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ) يَقِينًا وَخَرَجَ بِهِ الْوَطْءُ فِي أَوَّلِهِ إذَا صَامَهُ بِالِاجْتِهَادِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ مِنْهُ أَوْ فِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ حَيْثُ جَازَ فَبَانَ مِنْ رَمَضَانَ (بِجِمَاعٍ) وَلَوْ لِوَاطًا وَإِتْيَانَ بَهِيمَةٍ أَوْ مَيِّتٍ وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ (أَثِمَ بِهِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ) أَيْ لِأَجْلِهِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ هَلَكْتُ، قَالَ: وَمَا أَهْلَكَكَ؟ قَالَ وَاقَعْتُ امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟ قَالَ لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ لَا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ لَا، ثُمَّ جَلَسَ، فَأَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَقٍ» وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ مِكْتَلٌ يُنْسَجُ مِنْ خُوصِ النَّخْلِ، «فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذَا، فَقَالَ: عَلَى أَفْقَرَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَك» وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «فَأَعْتِقْ رَقَبَةً فَصُمْ شَهْرَيْنِ فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» بِلَفْظِ الْأَمْرِ.
وَرِوَايَةُ

[حاشية الشبراملسي]

[فَصْلٌ فِي مُوجِبِ كَفَّارَةِ الصَّوْمِ]

ِ) (قَوْلُهُ: كَفَّارَةِ الصَّوْمِ) أَيْ وَبَيَانُهَا وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِهِ) أَيْ بِقَوْلِهِ يَقِينًا (قَوْلُهُ: حَيْثُ جَازَ) أَيْ بِأَنْ أَخْبَرَهُ مَوْثُوقٌ بِهِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَصَامَ اعْتِمَادًا عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِجِمَاعٍ) قَدْ يَخْرُجُ مَا لَوْ قَارَنَ الْجِمَاعَ مُفْطِرٌ آخَرُ كَأَكْلٍ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَلَمْ يَتَمَحَّضْ الْجِمَاعُ لِلْهَتْكِ اهـ سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ.
فَلَوْ أَوْلَجَ فِي فَرْجٍ مَقْطُوعٍ هَلْ يَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَيَفْسُدُ الصَّوْمُ كَمَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ أَوْ لَا وَيُفَرَّقُ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمَدَارَ هُنَا عَلَى مُسَمَّى الْجِمَاعِ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِيهِ، بِخِلَافِ الْغُسْلِ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ مَنُوطٌ بِمُسَمَّى الْفَرْجِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ لِوَاطًا) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْجِمَاعَ يَشْمَلُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ قَالَ فِي الْإِيعَابِ بَعْدَ تَعْبِيرِ الْمَتْنِ بِالْجِمَاعِ الْأَوْلَى بِوَطْءٍ لِيَشْمَلَ اللِّوَاطَ وَإِتْيَانَ الْبَهِيمَةِ وَالْمَيْتَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ تَفْسِيرُ مُرَادٍ فَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِيعَابِ (قَوْلُهُ: لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ جَاءَ رَجُلٌ) وَاسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الْبَيَاضِيُّ (قَوْلُهُ: قَالَ «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ؟» ) أَيْ تَسْتَطِيعُ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ (قَوْلُهُ «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ؟» ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ) هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ وَاللُّغَةِ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ ثُمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ كَثِيرٌ مِنْ شُيُوخِنَا وَغَيْرُهُمْ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ، قَالَ: وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ، وَيُقَالُ الْعَرَقُ الزَّبِيلُ بِفَتْحِ الزَّايِ مِنْ غَيْرِ نُونٍ وَالزِّنْبِيلُ بِكَسْرِ الزَّايِ وَزِيَادَةِ نُونٍ، وَيُقَالُ لَهُ الْقُفَّةُ وَالْمِكْتَلُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقٍ وَالسَّفِيفَةُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءَيْنِ.
قَالَ الْقَاضِي: قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: تُسَمَّى زِنْبِيلًا لِأَنَّهُ يُحْمَلُ فِيهِ الزِّبْلُ، وَالْعَرَقُ عِنْدَ الْفُقَهَاء مَا يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَهُوَ سِتُّونَ مُدًّا لِسِتِّينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ اهـ شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ.
وَأَمَّا الْفَرَقُ بِالْفَاءِ وَالرَّاءِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ فَهُوَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ مِكْيَالٌ يُقَالُ إنَّهُ يَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا (قَوْلُهُ: مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) وَهُمَا الْحَرَّتَانِ أَيْ الْجَبَلَانِ الْمُحِيطَانِ بِالْمَدِينَةِ وَفِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا

[حاشية الرشيدي]

[مَصْرِفُ فِدْيَةُ الصَّوْم]

(فَصْلٌ فِي مُوجِبِ كَفَّارَةِ الصَّوْمِ) (قَوْلُهُ: يَقِينًا) يَعْنِي ظَنًّا مُسْتَنِدًا إلَى رُؤْيَةٍ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: أَوْ فِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ إلَخْ) سَيَأْتِي أَنَّهُ يُورِدُ ذَلِكَ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَيُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّهُ خَارِجٌ بِقَيْدِ الْإِفْسَادِ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِ الشَّارِحِ يَقِينًا هُنَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنَّمَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ إنْ جَعَلَ قَوْلَهُ مِنْ رَمَضَانَ وَصْفًا لِيَوْمٍ، فَإِنْ جُعِلَ وَصْفًا لِصَوْمٍ لَمْ يَرِدْ فَتَأَمَّلْ.

«أَنَّهُ كَانَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا» كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ «أَنَّهُ كَانَ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا» وَسَتَأْتِي الْقُيُودُ مَشْرُوحَةً فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
وَأُورِدَ عَلَى هَذَا الضَّابِطِ أُمُورٌ أَحَدُهَا إذَا جَامَعَ الْمُسَافِرُ وَنَحْوُهُ امْرَأَتَهُ فَفَسَدَ صَوْمُهَا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ بِإِفْسَادِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ فَيَنْبَغِي التَّقْيِيدُ بِصَوْمِ نَفْسِهِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إذَا لَمْ تَلْزَمْ بِإِفْسَادِهَا صَوْمَهَا بِالْجِمَاعِ كَمَا يَأْتِي فَبِالْأَوْلَى إفْسَادُ غَيْرِهَا لَهُ.

الثَّانِي لَوْ ظَنَّ غُرُوبَ الشَّمْسِ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ فَجَامَعَ ثُمَّ بَانَ نَهَارًا فَلَا كَفَّارَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْهَتْكَ.
قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ إلَّا الْإِمَامُ فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى النَّاسِي يُوجِبُهَا هَهُنَا.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مُفَرَّعًا عَلَى تَجْوِيزِ الْإِفْطَارِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَإِلَّا فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَفَاءً بِالضَّابِطِ الْمَذْكُورِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيِّ مُصَرَّحٌ بِالْمَعْصِيَةِ وَعَدَمِ الْكَفَّارَةِ، قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهَا تُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ كَالْحَدِّ.
قَالَ: وَلَوْ بَانَ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ خَرَجَ وَلَا قَضَاءَ فَلَا يَصِحُّ الْحَمْلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ اهـ. وَيُجَابُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ بِأَنَّهَا إنَّمَا سَقَطَتْ بِالشُّبْهَةِ وَهِيَ عَدَمُ تَحَقُّقِ الْمُوجِبِ عِنْدَ الْجِمَاعِ الْمُعْتَضِدِ بِأَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ لَا تَجْوِيزَ الْإِفْطَارِ لِأَنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ.

الثَّالِثُ لَوْ شَكَّ فِي النَّهَارِ هَلْ نَوَى لَيْلًا أَمْ لَا ثُمَّ جَامَعَ فِي حَالِ الشَّكِّ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ نَوَى فَإِنَّهُ يَبْطُلُ صَوْمُهُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا قَبْلَهُ.
الرَّابِعُ إذَا نَوَى صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ عَنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ ثُمَّ أَفْسَدَهُ نَهَارًا بِجِمَاعٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ بَعْدَ الْإِفْسَادِ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ أَثِمَ بِهِ لِأَجْلِ الصَّوْمِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ عَنْ رَمَضَانَ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مُفْطِرٌ حَقِيقَةً لِتَبَيُّنِ عَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِهِ مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ وَعَنْهُ أَيْضًا لِانْتِفَاءِ نِيَّتِهِ لَهُ.

الْخَامِسُ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى عَكْسِ الضَّابِطِ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مَجَامِعُ فَاسْتَدَامَ فَإِنَّ الْأَصَحَّ فِي الْمَجْمُوعِ عَدَمُ انْعِقَادِ صَوْمِهِ.
وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُفْسِدْ صَوْمًا، وَيُجَابُ بِعَدَمِ وُرُودِهِ إنْ فَسَّرَ الْإِفْسَادَ بِمَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ تَجَوُّزًا بِخِلَافِ تَفْسِيرِهِ بِمَا يَرْفَعُهُ، عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُفْسِدْهُ فَهُوَ فِي مَعْنَى مَا يُفْسِدُهُ فَكَأَنَّهُ انْعَقَدَ ثُمَّ فَسَدَ، وَزَادَ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ تَامٌّ احْتِرَازًا عَنْ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تُفْطِرُ بِدُخُولِ شَيْءٍ مِنْ الذَّكَرِ فَرْجَهَا وَلَوْ دُونَ

[حاشية الشبراملسي]

الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا بَيْنَ طُنُبَيْ الْمَدِينَةِ» وَهُوَ تَثْنِيَةٌ طُنُبٍ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ أَحَدُ أَطْنَابِ الْخَيْمَةِ وَاسْتَعَارَهُ لِلطَّرَفِ، وَقَوْلُهُ (أَهْلُ) هُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَحْوَجُ وَبَيْنَ لَابَتَيْهَا حَالٌ وَيَجُوزُ كَوْنُ مَا حِجَازِيَّةً أَوْ تَمِيمِيَّةً، فَعَلَى الْأَوَّلِ أَحْوَجُ مَنْصُوبٌ وَعَلَى الثَّانِي مَرْفُوعٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ خَبَرًا مُقَدَّمًا وَأَهْلُ مُبْتَدَأٌ وَأَحْوَجُ صِفَةٌ لِأَهْلُ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى هَذَا رَفْعُ أَحْوَجَ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ، وَيَسْتَوِي عَلَى هَذَا الْحِجَازِيَّةُ وَالتَّمِيمِيَّةُ لِسَبْقِ الْخَبَرِ

(قَوْلُهُ: خَرَجَ) أَيْ مِنْ الصَّوْمِ

(قَوْلُهُ وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا قَبْلَهُ) هُوَ قَوْلُهُ وَيُجَابُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ بِأَنَّهَا إلَخْ

(قَوْلُهُ: إنْ فَسَّرَ الْإِفْسَادَ بِهِمَا يُمْنَعُ الِانْعِقَادُ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِمَا يَشْمَلُ مَعَ الِانْعِقَادِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَكَأَنَّهُ انْعَقَدَ إلَخْ)

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ: وَسَتَأْتِي الْقُيُودُ) يَعْنِي مَفْهُومَاتُهَا (قَوْلُهُ يُجَابُ بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إذَا لَمْ تَلْزَمْ بِإِفْسَادِهَا صَوْمَهَا إلَخْ) فِي هَذَا الْجَوَابِ تَسْلِيمُ الْإِيرَادِ، وَلَا يَخْفَى انْدِفَاعُهُ بِقَيْدِ الْجِمَاعِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ مَعَ أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى مَا قَالَهُ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي الْحُدُودِ بِالْمَفَاهِيمِ

(قَوْلُهُ حَرِجَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ أَثِمَ (قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ الْحَمْلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ) هَذَا مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ فَالضَّمِيرُ فِي ذِكْرِهِ لِلرَّافِعِيِّ الَّذِي تَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ: أَيْ حَيْثُ كَانَ كَلَامُ الْقَاضِي مُصَرِّحًا بِالْإِثْمِ فَلَا يَصِحُّ مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ.
(قَوْلُهُ: وَيُجَابُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ بِأَنَّهَا إنَّمَا سَقَطَتْ بِالشُّبْهَةِ إلَخْ) هَذَا الْجَوَابُ لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: لَا تَجْوِيزُ الْإِفْطَارِ) أَيْ الَّذِي بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ فِيمَا مَرَّ وَهَذَا لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْجَوَابِ

(قَوْلُهُ إنْ فُسِّرَ الْإِفْسَادُ بِمَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ تَجَوُّزًا) فِيهِ أَنَّ الضَّوَابِطَ تُصَانُ عَنْ التَّجَوُّزِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُ إلَخْ

الْحَشَفَةِ.
وَالتَّامُّ يَحْصُلُ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، فَإِذَا مَكَّنَتْهُ مِنْهُ فَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ دُونَهَا وَزَيَّفَهُ كَثِيرٌ بِخُرُوجِ ذَلِكَ الْجِمَاعِ إذْ الْفَسَادُ فِيهِ بِغَيْرِهِ وَبِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ فَسَادُ صَوْمِهَا بِالْجِمَاعِ بِأَنْ يُولِجَ فِيهَا نَائِمَةً أَوْ نَاسِيَةً أَوْ مُكْرَهَةً ثُمَّ تَسْتَيْقِظُ أَوْ تَتَذَكَّرُ أَوْ تَقْدِرُ عَلَى الدَّفْعِ وَتَسْتَدِيمُ فَفَسَادُهُ فِيهَا بِالْجِمَاعِ، إذْ اسْتِدَامَةُ الْوَطْءِ هُنَا وَطْءٌ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا فِي الْخَبَرِ إلَّا الرَّجُلُ الْمُجَامِعُ مَعَ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ وَلِأَنَّهَا غُرْمٌ مَالِيٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ فَيَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ الْوَاطِئِ كَالْمَهْرِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْطُوءَةِ فِي الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ وَلَا عَلَى الرَّجُلِ الْمَوْطُوءِ لِمَا نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ (فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى نَاسٍ) أَوْ جَاهِلٍ تَحْرِيمَهُ أَوْ مُكْرَهٍ لِأَنَّ صَوْمَهُ لَمْ يَفْسُدْ بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ، وَقَدْ اُحْتُرِزَ عَنْهُ بِإِفْسَادٍ بَلْ لَا كَفَّارَةَ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مُفْسِدًا لِانْتِفَاءِ الْإِثْمِ، وَلَوْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ وَجَهِلَ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ وَجَبَتْ قَطْعًا

(وَلَا مُفْسِدَ غَيْرُ رَمَضَانَ) مِنْ نَحْوِ نَذْرٍ وَقَضَاءٍ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ أَفْضَلُ الشُّهُورِ وَمَخْصُوصٌ بِفَضَائِلَ لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهَا غَيْرُهُ فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ اُحْتُرِزَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مِنْ رَمَضَانَ (أَوْ بِغَيْرِ جِمَاعٍ) كَأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ لِوُرُودِ النَّصِّ فِي الْجِمَاعِ وَهُوَ أَغْلَظُ مِنْ غَيْرِهِ وَقَدْ اُحْتُرِزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ بِجِمَاعٍ (وَلَا) عَلَى صَائِمٍ (مُسَافِرٍ جَامَعَ بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْثَمْ لِوُجُودِ الْقَصْدِ مَعَ الْإِبَاحَةِ (وَكَذَا بِغَيْرِهَا فِي الْأَصَحِّ) لِإِبَاحَةِ الْإِفْطَارِ لَهُ فَصَارَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْكَفَّارَةِ، وَالثَّانِي تَلْزَمُهُ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ لَا تَحْصُلُ بِدُونِ قَصْدِهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى الْعَصْرِ فَإِنْ كَانَ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ جَمَعَ وَإِلَّا فَلَا، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْفِطْرَ يَحْصُلُ بِلَا نِيَّةٍ بِدَلِيلِ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلَا كَذَلِكَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ، وَالْمَرِيضُ فِي ذَلِكَ كَالْمُسَافِرِ، وَقَدْ اُحْتُرِزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ أَثِمَ، إذْ كَلَامُهُ فِي آثِمٍ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ بِحَالٍ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ جِمَاعِ الصَّبِيِّ (وَلَا عَلَى مَنْ ظَنَّ) وَقْتَ الْجِمَاعِ (اللَّيْلَ) فَجَامَعَ (فَبَانَ نَهَارًا) لِانْتِفَاءِ الْإِثْمِ (وَلَا عَلَى مَنْ جَامَعَ) عَامِدًا (بَعْدَ الْأَكْلِ نَاسِيًا وَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ بِهِ) أَيْ الْأَكْلُ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ وَقَوْلُهُ نَاسِيًا مُتَعَلِّقٌ بِالْأَكْلِ (وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ بُطْلَانَ صَوْمِهِ) بِهَذَا الْجِمَاعِ كَمَا لَوْ جَامَعَ عَلَى ظَنِّ بَقَاءِ اللَّيْلِ فَبَانَ خِلَافُهُ.
وَالثَّانِي لَا يَبْطُلُ كَمَا لَوْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ نَاسِيًا ثُمَّ تَكَلَّمَ عَامِدًا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَالْفَرْقُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ هُنَا صَائِمٌ وَقْتَ الْجِمَاعِ

[حاشية الشبراملسي]

مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَزَيَّفَهُ كَثِيرٌ) أَيْ أَفْسَدَهُ (قَوْلُهُ: إذْ اسْتِدَامَةُ الْوَطْءِ إلَخْ) اُنْظُرْهُ مَعَ مَا قَرَّرُوهُ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ وَعِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ ثُمَّ: وَاسْتِدَامَةُ طِيبٍ لَيْسَتْ تَطْيِيبًا فِي الْأَصَحِّ وَكَذَا وَطْءٌ وَصَوْمٌ وَصَلَاةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّ اسْتِدَامَةَ الْجِمَاعِ لَهَا حُكْمُ الْجِمَاعِ هُنَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي النَّزْعِ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ قَصْدُ التَّرْكِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ اهـ سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ، وَكَتَبَ بِهَامِشِهِ الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ مَا نَصُّهُ: عِبَارَةُ الْأَمْدَادِ فِي بَابِ الظِّهَارِ وَاسْتِمْرَارِ الْوَطْءِ وَطْءٌ: أَيْ فِي الْحُرْمَةِ لَا مُطْلَقًا لِمَا يَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ اهـ. وَهِيَ تُؤَيِّدُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُحَشَّى مِنْ الْحَمْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَوْ جَاهِلِ تَحْرِيمِهِ) أَيْ وَقَدْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ صَوْمَهُ لَمْ يَفْسُدْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلِمَ بِالتَّحْرِيمِ) شَمِلَ مَا لَوْ عَلِمَ بِالتَّحْرِيمِ وَجَهِلَ إبْطَالَهُ لِلصَّوْمِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ اُحْتُرِزَ عَنْهُ) أَيْ عَمَّا ذُكِرَ

(قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ غُرُوبِ الشَّمْسِ) أَيْ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِمُجَرَّدِ غُرُوبِهَا وَإِنْ لَمْ يَتَعَاطَ مُفْطِرًا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُفْطِرُ عَلَى حَارٍّ وَلَا عَلَى بَارِدٍ لَمْ يَحْنَثْ بِتَنَاوُلِ أَحَدِهِمَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لِأَنَّهُ حُكِمَ بِفِطْرِهِ قَبْلَ التَّنَاوُلِ، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي تِلْكَ الْحِنْثِ لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ (قَوْلُهُ: عَنْ جِمَاعِ الصَّبِيِّ) عِبَارَةُ سم

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: إذْ كَلَامُهُ فِي آثِمٍ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ بِحَالٍ) يُقَالُ عَلَيْهِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ جِمَاعِ الصَّبِيِّ) أَيْ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ هُنَا صَائِمٌ وَقْتَ الْجِمَاعِ إلَخْ) فِي هَذَا الْفَرْقِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَمَا فِي

وَهُنَاكَ غَيْرُ مُصَلٍّ فِي حَالَةِ الْكَلَامِ.
أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِهِ ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمِهِ فَيُفْطِرُ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ جَزْمًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الَّذِي ظَنَّ الْفِطْرَ فِي مَسْأَلَتِنَا فَجَامَعَ إنْ عَلِمَ وُجُوبَ الْإِمْسَاكِ عَنْ الْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ فَإِثْمُهُ لَا بِسَبَبِ الصَّوْمِ فَيَخْرُجُ بِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ وَإِنْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ خَرَجَ بِقَوْلِهِ أَثِمَ بِهِ.

(وَلَا) عَلَى (مَنْ زَنَى نَاسِيًا) لِلصَّوْمِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْثَمْ بِسَبَبِ الصَّوْمِ، وَهَذَا دَاخِلٌ فِيمَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ (وَلَا نَاسٍ) ، فَعَدَمُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ فِطْرِهِ، لَا جَرَمَ أَنَّ الرَّافِعِيَّ فَرَّعَهُ فِي الشَّرْحِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْجِمَاعَ نَاسِيًا مُفْسِدٌ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ بَيَانًا لِمَا اُحْتُرِزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ لِأَنَّ الْإِثْمَ بِسَبَبِ الزِّنَا خَاصَّةً (وَلَا) عَلَى (مُسَافِرٍ أَفْطَرَ بِالزِّنَا مُتَرَخِّصًا) لِأَنَّ الْفِطْرَ جَائِزٌ لَهُ وَإِثْمُهُ بِسَبَبٍ الزِّنَا لَا بِالصَّوْمِ فَيَكُونُ أَيْضًا بَيَانًا لِمَا بَيَّنَ بِهِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ مُتَرَخِّصًا مِثَالٌ لَا قَيْدٌ، فَلَوْ لَمْ يَنْوِ التَّرْخِيصَ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ

(وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الزَّوْجِ عَنْهُ) دُونَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهَا زَوْجَةَ الْمُجَامِعِ مَعَ مُشَارَكَتِهَا لَهُ فِي السَّبَبِ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ «هَلَكْت وَأَهْلَكْت» وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا لَبَيَّنَهُ كَمَا مَرَّ (وَفِي قَوْلٍ عَنْهُ وَعَنْهَا) أَيْ يَلْزَمُهُمَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَيَتَحَمَّلُهَا الزَّوْجُ، وَعَلَى هَذَا قِيلَ يَجِبُ كَمَا قَالَ الْمَحَامِلِيُّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهَا ثُمَّ يَتَحَمَّلُ الزَّوْجُ مَا وَجَبَ عَلَيْهَا، وَقِيلَ يَجِبُ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ تَامَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَلَكِنْ يَحْمِلُهَا الزَّوْجُ عَنْهَا ثُمَّ يَتَدَاخَلَانِ وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الرَّافِعِيِّ (وَفِي قَوْلٍ عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ أُخْرَى) قِيَاسًا عَلَى الرَّجُلِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي السَّبَبِ وَالْإِثْمِ كَحَدِّ الزِّنَا وَمَحَلُّ هَذَا فِي غَيْرِ الْمُتَحَيِّرَةِ.
أَمَّا هِيَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، وَمَحَلُّ هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ إذَا مَكَّنَتْهُ طَائِعَةً عَالِمَةً، فَلَوْ كَانَتْ مُفْطِرَةً أَوْ نَائِمَةً صَائِمَةً فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا قَطْعًا وَلَا يَبْطُلُ صَوْمُهَا، وَمَحَلُّ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا مِنْ أَصْلِهِ إذَا لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ لِكَوْنِهِمَا مُعْسِرَيْنِ أَوْ مَمْلُوكَيْنِ لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ صَوْمُ شَهْرَيْنِ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْبَدَنِيَّةَ لَا تُتَحَمَّلُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ أَوْ الْإِطْعَامِ وَهِيَ مِنْ

[حاشية الشبراملسي]

عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ: قَوْلُهُ كَجِمَاعِ الْمُسَافِرِ إلَخْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ: أَيْ بِقَوْلِهِ أَثِمَ بِهِ لِلصَّوْمِ مَا لَوْ جَامَعَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ صَبِيٌّ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ بَالِغًا عِنْدَ الْجِمَاعِ لِعَدَمِ إثْمِهِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافًا لِتَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ حَالِهِ، وَقَدْ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَسْأَلَةُ ظَنِّ بَقَاءِ اللَّيْلِ اهـ. وَكَتَبَ بِهَامِشِهِ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ: اعْتِقَادُ الصَّبِيِّ لَا يُبِيحُ الْجِمَاعَ فِي رَمَضَانَ، وَسُقُوطُ الْإِثْمِ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ لَا يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ كَمَا يُمْنَعُ مِنْ الزِّنَا فَالْوَجْهُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ، وَلَا تَأْيِيدَ فِيمَا ذَكَرَهُ لِلْفَرْقِ الظَّاهِرِ بَيْنَ إبَاحَةِ الْإِقْدَامِ وَعَدَمِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ زَانِيًا حِينَئِذٍ اهـ. أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الصَّبِيَّ حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ بِبُلُوغِهِ لَا إثْمَ عَلَيْهِ كَمَنْ ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ بَلْ هَذَا أَوْلَى لِعُسْرِ مَعْرِفَةِ الْبُلُوغِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَعْرِفَةِ بَقَاءِ اللَّيْلِ لِسُهُولَةِ الْبَحْثِ عَنْهَا، وَأَمَّا ثَانِيًا فَحُرْمَةُ الْفِطْرِ لَا تَسْتَلْزِمُ الْكَفَّارَةَ كَمَا يَأْتِي فِي ظَنِّ دُخُولِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَمَعَ ذَلِكَ إذَا جَامَعَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ وَإِنْ حَرُمَ جِمَاعُهُ، وَأَمَّا كَوْنُهُ يُحَدُّ حَيْثُ زَنَى ظَانًّا صِبَاهُ فَبَانَ خِلَافُهُ فَوَجْهُهُ أَنَّ الزِّنَا مَعْصِيَةٌ فِي نَفْسِهِ وَمِنْ ثَمَّ يَمْنَعُهُ مِنْهُ الْحَاكِمُ وَيُؤَدَّبُ عَلَيْهِ، وَفِطْرُ الصَّبِيِّ لَيْسَ فِي نَفْسِهِ مَعْصِيَةٌ وَأَمْرُ وَلِيِّهِ لَهُ بِهِ وَضَرْبُهُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ لِيَعْتَادَهُ فَلَا يَتْرُكُهُ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ فِي كِتَابِ الزِّنَا بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَحُدَّ الْمُحْصَنُ بِقَوْلِهِ نَعَمْ لَوْ أَوْلَجَ ظَانًّا أَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ فَبَانَ كَوْنُهُ بَالِغًا وَجَبَ الْحَدُّ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ (قَوْلُهُ: وَهُنَاكَ غَيْرُ مُصَلٍّ إلَخْ) أَيْ لِخُرُوجِهِ بِالسَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ ظَاهِرًا فَلَا يُقَالُ إنَّ سَلَامَهُ لَغْوٌ لِكَوْنِهِ نَاسِيًا فَهُوَ بَاقٍ فِي صَلَاتِهِ كَمَا أَنَّ الْجَامِعَ صَائِمٌ بَعْدَ أَكْلِهِ (قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِهِ) أَيْ بِالْأَكْلِ

(قَوْلُهُ أَوْ نَائِمَةً) أَيْ أَوْ مُكْرَهَةً (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ) هُوَ قَوْلُهُ وَفِي قَوْلٍ عَنْهُ وَعَنْهَا

[حاشية الرشيدي]

حَاشِيَةِ الشَّيْخِ لَا يَدْفَعُهُ

(قَوْلُهُ: فِي قَوْلِهِ وَلَا نَاسٍ) صَوَابُهُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى نَاسٍ (قَوْلُهُ: بَيَانًا لِمَا بَيَّنَ بِهِ الَّذِي قَبْلَهُ) صَوَابُهُ لِمَا بَيَّنَهُ بِاَلَّذِي قَبْلَهُ

(قَوْلُهُ: وَفِي قَوْلٍ عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ أُخْرَى) أَيْ وَيَتَحَمَّلُهَا الزَّوْجُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ صَاحِبِ الْمُعَايَاةِ (قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ) أَيْ فِي الْكَفَّارَةِ (قَوْلُهُ: لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ صَوْمُ شَهْرَيْنِ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ

أَهْلِ الصِّيَامِ فَأَعْتَقَ أَوْ أَطْعَمَ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُمَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ أَمَةً فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْعِتْقُ عَنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا إذَا كَانَتْ زَوْجَةً كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَى الزَّوْجِ.
أَمَّا الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ وَالْمَزْنِيُّ بِهَا فَلَا يُتَحَمَّلُ عَنْهَا قَطْعًا وَتَجِبُ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ مَجْنُونًا لَمْ يَلْزَمْهَا شَيْءٌ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَيَلْزَمُهَا عَلَى الثَّانِي لِأَنَّ الزَّوْجَ غَيْرُ أَهْلٍ لِلتَّحَمُّلِ هَذَا وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ وُجُوبِ شَيْءٍ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا

(وَتَلْزَمُ مَنْ) (انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَجَامَعَ فِي يَوْمِهِ) بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الصَّوْمِ وَإِنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ كَمَا مَرَّ لِأَنَّهُ هَتَكَ حُرْمَةِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ عِنْدَهُ بِإِفْسَادِهِ صَوْمَهُ بِالْجِمَاعِ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْأَيَّامِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مِثْلَهُ مَنْ صَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ لِمَا مَرَّ مِنْ وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، فَإِنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ لَزِمَهُ الْفِطْرُ وَيُخْفِيهِ نَدْبًا فِيمَا يَظْهَرُ فَإِنْ شَهِدَ فَرُدَّ ثُمَّ أَفْطَرَ لَمْ يُعْذَرْ وَإِنْ أَفْطَرَ ثُمَّ شَهِدَ رُدَّ وَعُزِّرَ، وَاسْتَشْكَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّ صِدْقَهُ مُحْتَمَلٌ وَالْعُقُوبَةُ تُدْرَأُ بِدُونِ هَذَا.
قَالَ: وَلِمَ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مَنْ عُلِمَ دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ وَمَنْ يُعْلَمُ مِنْهُ ضِدُّ ذَلِكَ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ لِرَمَضَانَ مَعَ وُجُودِ قَرِينَةِ التُّهْمَةِ اقْتَضَى وُجُوبَ التَّشْدِيدِ فِيهِ وَعَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّالِحِ وَغَيْرِهِ.

(وَمَنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ لَزِمَهُ كَفَّارَتَانِ) سَوَاءٌ أَكَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ قَبْلَ الثَّانِي أَمْ لَا لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ فَلَا تَتَدَاخَلُ كَفَّارَتَاهُمَا كَحَجَّتَيْنِ جَامَعَ فِيهِمَا، بِخِلَافِ الْحُدُودِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْإِسْقَاطِ فَإِنْ تَكَرَّرَ الْجِمَاعُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَلَا تَعَدُّدَ وَإِنْ كَانَ لِأَرْبَعِ زَوْجَاتٍ عَلَى الْمَذْهَبِ.
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِمَا وَيَتَحَمَّلُهَا فَعَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ (وَحُدُوثُ السَّفَرِ) وَلَوْ طَوِيلًا (بَعْدَ الْجِمَاعِ لَا يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ) لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ فَيَتَحَقَّقُ هَتْكُ حُرْمَتِهِ، وَلِأَنَّ طُرُوَّهُ لَا يُبِيحُ الْفِطْرَ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيمَا وَجَبَ مِنْ الْكَفَّارَةِ (وَكَذَا الْمَرَضُ) عَلَى الْمَذْهَبِ لِهَتْكِهِ حُرْمَةَ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَتَجِبُ عَلَيْهَا) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا) أَيْ حُرَّةٌ أَوْ أَمَةٌ زَوْجَةٌ أَوْ غَيْرُهَا

(قَوْلُهُ: وَتَلْزَمُ مَنْ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ) خَرَجَ بِهِ الْحَاسِبُ وَالْمُنَجِّمُ إذَا دَلَّ الْحِسَابُ عِنْدَهُمَا عَلَى دُخُولِ رَمَضَانَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَيَقَّنَا بِذَلِكَ دُخُولَ الشَّهْرِ فَأَشْبَهَا مَا لَوْ اجْتَهَدَ مَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى شَهْرٍ فَصَامَهُ وَجَامَعَ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ مِنْ وُجُوبِ الصَّوْمِ) يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ ظَنَّ بِالِاجْتِهَادِ دُخُولَ رَمَضَانَ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ مَعَ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ اهـ سم.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ تَصْدِيقَ الرَّائِي أَقْوَى مِنْ الِاجْتِهَادِ لِأَنَّهُ بِتَصْدِيقِهِ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الرَّائِي وَالرَّائِي مُتَيَقِّنٌ فَمَنْ صَدَّقَهُ مِثْلُهُ حُكْمًا وَلَا كَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ.
هَذَا وَمَا ذُكِرَ مِنْ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ هُنَا قَدْ يُخَالِفُهُ عُمُومُ قَوْلِهِ السَّابِقِ أَوْ فِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ حَيْثُ جَازَ إلَخْ

(قَوْلُهُ: وَحُدُوثُ السَّفَرِ) لَوْ حَدَثَ وُصُولُهُ إلَى مَحَلٍّ مُخْتَلِفِ الْمَطْلَعِ مَعَ مَحَلِّهِ فَوَجَدَ أَهْلَهُ مُعَيِّدِينَ عَيَّدَ مَعَهُمْ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ، كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ لِتَبَيُّنِ عَدَمِ وُجُوبِ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَيْهِ بَلْ عَدَمُ جَوَازِهِ اهـ. فَلَوْ عَادَ لِمَحَلِّهِ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ فَهَلْ يَتَبَيَّنُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّهَا إنَّمَا كَانَتْ سَقَطَتْ لِصَيْرُورَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلِّ الْمُنْتَقَلِ إلَيْهِ بِوُصُولِهِ إلَيْهِ وَقَدْ لَغَا ذَلِكَ بِعَوْدِهِ فِي يَوْمِهِ إلَى مَحَلِّهِ، إذْ قَدْ يَتَبَيَّنُ بِعَوْدِهِ إلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حُكْمِهِ وَمُجَرَّدُ الْوُصُولِ إلَى الْمُنْتَقَلِ إلَيْهِ مَعَ عَدَمِ اسْتِكْمَالِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ فِيهِ لَا يَصْلُحُ شُبْهَةً لِسُقُوطِ الْكَفَّارَةِ

[حاشية الرشيدي]

الْمُتَوَلِّي، أَمَّا عَلَى تَفْسِيرِ الْمَحَامِلِيِّ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ شَهْرًا فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ مَجْنُونًا لَمْ يَلْزَمْهَا شَيْءٌ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ) أَيْ إذَا لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الصَّوْمِ.
أَمَّا إذَا كَانَا مِنْ أَهْلِهِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَلْزَمُهَا الصَّوْمُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فَلْيُرَاجَعْ

(قَوْلُهُ: فَإِنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ إلَخْ) هَذَا اسْتِطْرَادٌ وَإِلَّا فَهُوَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ

(قَوْلُهُ: أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا وَيَتَحَمَّلُهَا) يَعْنِي الْقَوْلَ الثَّانِيَ، وَوَجْهُهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ عَنْ صَاحِبِ الْمُعَايَاةِ أَنَّ وَاحِدَةً عَنْ وَطْئِهِ الْأَوَّلِ عَنْهُ وَعَنْهَا وَثَلَاثًا عَنْ الْبَاقِيَاتِ لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ يُوجِبُ تَحَمُّلَ الْبَاقِي.
قَالَ: وَيَلْزَمُهُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ خَمْسُ كَفَّارَاتٍ كَفَّارَتَانِ عَنْهُ وَعَنْهَا بِالْوَطْءِ الْأَوَّلِ: أَيْ وَالثَّلَاثُ عَنْ الْبَاقِيَاتِ

الصَّوْمِ بِذَلِكَ، وَالثَّانِي تَسْقُطُ لِأَنَّ حُدُوثَ الْمَرَضِ يُبِيحُ الْفِطْرَ فَيَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ الصَّوْمَ لَمْ يَقَعْ وَاجِبًا، وَمِثْلُ طُرُوِّ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ الرِّدَّةُ، فَلَوْ ارْتَدَّ بَعْدَ جِمَاعِهِ فِي يَوْمِهِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ التَّغْلِيظُ عَلَيْهِ فَلَا يُنَاسِبُهُ التَّخْفِيفُ وَتَسْقُطُ إذَا جُنَّ أَوْ مَاتَ يَوْمَ الْجِمَاعِ لِأَنَّهُ بِطُرُوِّ ذَلِكَ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي صَوْمٍ لِمُنَافَاتِهِ لَهُ، وَلَوْ سَافَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ جُنُونٌ أَوْ مَوْتٌ فَالظَّاهِرُ أَيْضًا سُقُوطُ الْإِثْمِ.
قَالَ النَّاشِرِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْقُطَ عَنْهُ إثْمُ تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ سَقَطَ عَنْهُ إثْمُ عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِهَا كَمَا إذَا وَطِئَ زَوْجَتَهُ ظَانًّا أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ وَمَا ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ

(وَيَجِبُ) عَلَى الْوَاطِئِ (مَعَهَا) أَيْ الْكَفَّارَةِ (قَضَاءُ يَوْمِ الْإِفْسَادِ) (عَلَى الصَّحِيحِ) لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ عَلَى الْمَعْذُورِ فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَلِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ الْأَعْرَابِيَّ» ، وَالثَّانِي لَا يَجِبُ لِجَبْرِ الْخَلَلِ بِالْكَفَّارَةِ (وَهِيَ) يَعْنِي كَفَّارَةَ الْوِقَاعِ فِي رَمَضَانَ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ» وَكَفَّارَةُ الظِّهَارِ مُرَتَّبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّ فِيهَا صَوْمًا مُتَتَابِعًا فَكَانَتْ مُرَتَّبَةً كَالْقَتْلِ وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ ذُكِرَ فِيهَا الْأَغْلَظُ أَوَّلًا وَهُوَ الْعِتْقُ فَكَانَتْ مُرَتَّبَةً بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى تَرْتِيبِهَا بِقَوْلِهِ (عِتْقُ رَقَبَةٍ) مُؤْمِنَةٍ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) هَا (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) صَوْمَهُمَا (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) أَوْ فَقِيرًا لِلْخَبَرِ الْمَارِّ أَوَّلَ الْفَصْلِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى صِفَتِهَا فِي كِتَابِ الْكَفَّارَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ وَجَدَ الرَّقَبَةَ نُدِبَ لَهُ عِتْقُهَا، وَلَوْ شَرَعَ فِي الْإِطْعَامِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ نُدِبَ لَهُ (فَلَوْ عَجَزَ عَنْ الْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعِ خِصَالِهَا الْمَذْكُورَةِ (اسْتَقَرَّتْ) الْكَفَّارَةُ (فِي ذِمَّتِهِ فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الْأَعْرَابِيَّ بِأَنْ يُكَفِّرَ بِمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ مَعَ إخْبَارِهِ بِعَجْزِهِ فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِهَا فِي الذِّمَّةِ كَمَا مَرَّ إيضَاحُهُ، وَالثَّانِي لَا بَلْ تَسْقُطُ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ (فَإِذَا قَدَرَ عَلَى خَصْلَةٍ) مِنْهَا (فَعَلَهَا) كَمَا لَوْ

[حاشية الشبراملسي]

مَعَ تَعَدِّيهِ الْإِفْسَادَ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ الْأَوَّلُ.
وَلَوْ بَيَّتَ النِّيَّةَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ لِعَدَمِ ثُبُوتِ هِلَالِ شَوَّالٍ وَأَصْبَحَ صَائِمًا فَثَبَتَ شَوَّالٌ نَهَارًا، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ مُخَالِفٍ لِلْأَوَّلِ فِي الْمَطْلَعِ، أَهْلُهُ صِيَامٌ مِنْ غَيْرِ تَنَاوُلِ مُفْطِرٍ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِ فَهَلْ يُحْسَبُ لَهُ صَوْمُ هَذَا الْيَوْمِ لِأَنَّهُ بِانْتِقَالِهِ إلَيْهِ صَارَ وَاجِبُهُ الصَّوْمُ وَقَدْ شَرَعَ فِيهِ بِنِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ وَثُبُوتُ شَوَّالٍ قَبْلَ انْتِقَالِهِ لَا يُفْسِدُ نِيَّتَهُ وَصَوْمَهُ لِزَوَالِ أَثَرِ الثُّبُوتِ فِي حَقِّهِ بِانْتِقَالِهِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الْأَوَّلُ اهـ سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ (قَوْلُهُ: لَمْ تَسْقُطْ الْكَفَّارَةُ بِلَا خِلَافٍ) أَيْ وَإِنْ اتَّصَلَ بِهَا الْجُنُونُ فِيمَا يَظْهَرُ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ: لِمُنَافَاتِهِ لَهُ) بَقِيَ مَا لَوْ شَرِبَ دَوَاءً لَيْلًا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُجَنِّنُهُ فِي النَّهَارِ ثُمَّ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ جَامَعَ ثُمَّ حَصَلَ الْجُنُونُ مِنْ ذَلِكَ الدَّوَاءِ فَهَلْ تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِالصَّوْمِ حِينَ التَّعَاطِي.
وَبَقِيَ مَا لَوْ تَعَدَّى بِالْجُنُونِ نَهَارًا بَعْدَ الْجِمَاعِ كَأَنْ أَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ شَاهِقٍ فَجُنَّ بِسَبَبِهِ هَلْ تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ فِيهِ أَيْضًا سُقُوطُ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَعَدَّى بِهِ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمَ يَوْمٍ لِأَنَّهُ بِجُنُونِهِ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ الصَّوْمِ وَإِنْ أَثِمَ بِالسَّبَبِ الَّذِي صَارَ بِهِ مَجْنُونًا (قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرَهُ) أَيْ النَّاشِرِيُّ

(قَوْلُهُ: ذُكِرَ فِيهَا الْأَغْلَظُ) لَعَلَّهُ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَارِّ «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ بِهِ رَقَبَةً» (قَوْلُهُ: نُدِبَ لَهُ عِتْقُهَا) أَيْ وَيَتْرُكُ صَوْمَ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ وَيَقَعُ لَهُ مَا صَامَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: نُدِبَ لَهُ) أَيْ وَسَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ قَرِيبًا فَيَتْرُكُ مَا بَقِيَ مِنْ الْإِطْعَامِ وَيَقَعُ لَهُ مَا أَطْعَمَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا (قَوْلُهُ فِي الْأَظْهَرِ) زَادَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ وَلِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى الْمَالِيَّةَ إذَا عَجَزَ عَنْهَا وَقْتَ وُجُوبِهَا، فَإِنْ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ فِيهَا صَوْمًا مُتَتَابِعًا إلَخْ) اُنْظُرْ مَا الدَّاعِي إلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى كَفَّارَةِ الظِّهَارِ هُنَا مَعَ أَنَّ لَهَا مَحَلًّا يَخُصُّهَا، وَمَعَ أَنَّ رِوَايَاتِ حَدِيثِ الْبَابِ كَافِيَةٌ فِي الْمَقْصُودِ هُنَا وَالْأَمْرُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى الْقِيَاسِ (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ إيضَاحُهُ) الَّذِي مَرَّ إنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ لَفْظِ الْحَدِيثِ وَلَمْ يُقَدِّمْ لَهُ إيضَاحًا.

كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا حَالَ الْوُجُوبِ، وَكَلَامُ التَّنْبِيهِ يَقْتَضِي أَنَّ الثَّابِتَ فِي ذِمَّتِهِ هُوَ الْخَصْلَةُ الْأَخِيرَةُ، وَكَلَامُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إحْدَى الْخِصَالِ الثَّلَاثِ وَأَنَّهَا مُخَيَّرَةٌ، وَكَلَامُ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا الْكَفَّارَةُ وَأَنَّهَا مُرَتَّبَةٌ فِي الذِّمَّةِ وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، ثُمَّ إنْ قَدَرَ عَلَى خَصْلَةٍ فَعَلَهَا أَوْ أَكْثَرَ رَتَّبَ (وَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ الْعُدُولَ عَنْ الصَّوْمِ إلَى الْإِطْعَامِ لِشِدَّةِ الْغُلْمَةِ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ وَلَامٍ سَاكِنَةٍ شِدَّةُ الْحَاجَةِ لِلنِّكَاحِ، لِأَنَّ حَرَارَةَ الصَّوْمِ وَشِدَّةَ الْغُلْمَةِ قَدْ يُفْضِيَانِ بِهِ إلَى الْوِقَاعِ وَلَوْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ الشَّهْرَيْنِ وَذَلِكَ مُقْتَضٍ لِاسْتِئْنَافِهِمَا وَفِيهِ حَرَجٌ شَدِيدٌ، وَالثَّانِي لَا لِقُدْرَتِهِ عَلَى الصَّوْمِ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الْعُدُولُ عَنْهُ كَصَوْمِ رَمَضَانَ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ) (لَا يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ صَرْفُ كَفَّارَتِهِ إلَى عِيَالِهِ) الَّذِينَ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ كَالزَّكَوَاتِ وَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْخَبَرِ «أَطْعِمْهُ أَهْلَك» فَفِي الْأُمِّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ بِفَقْرِهِ صَرَفَهُ لَهُ صَدَقَةً أَوْ أَنَّهُ مَلَّكَهُ إيَّاهُ وَأَمَرَهُ بِالتَّصَدُّقِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِفَقْرِهِ أَذِنَ لَهُ فِي صَرْفِهَا لَهُمْ لِلْإِعْلَامِ بِإِنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ الْكِفَايَةِ أَوْ أَنَّهُ تَطَوُّعٌ بِالتَّكْفِيرِ عَنْهُ، وَسَوَّغَ لَهُ صَرْفَهَا لِأَهْلِهِ إعْلَامًا بِأَنَّ لِغَيْرِ الْمُكَفِّرِ التَّطَوُّعَ بِالتَّكْفِيرِ عَنْهُ بِإِذْنِهِ وَأَنَّ لَهُ صَرْفَهَا لِأَهْلِ الْمُكَفَّرِ عَنْهُ: أَيْ وَلَهُ فَيَأْكُلُ هُوَ وَهُمْ مِنْهَا كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَحَاصِلُ الِاحْتِمَالَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَنَّهُ صَرَفَ لَهُ ذَلِكَ تَطَوُّعًا.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ احْتَرَزَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ صَرْفُ كَفَّارَتِهِ إلَى عِيَالِهِ لِأَنَّ الصَّارِفَ فِيهَا إنَّمَا هُوَ الْأَجْنَبِيُّ.
نَعَمْ يَبْقَى الْكَلَامُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْعَدَدِ الْمَصْرُوفِ إلَيْهِ فَيَجُوزُ كَوْنُ عَدَدِ الْأَهْلِ سِتِّينَ مِسْكِينًا.

بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ التَّطَوُّعُ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» وَفِي الْحَدِيثِ «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وَالصَّحِيحُ تَعَلُّقُ الْغُرَمَاءِ بِهِ كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ، وَحِينَئِذٍ فَتَخْصِيصُهُ بِكَوْنِهِ لَهُ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ الرِّيَاءِ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَالٍ تَزِيدُ عَلَى خَمْسِينَ قَوْلًا (يُسَنُّ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ) لِمَا

[حاشية الشبراملسي]

كَانَتْ لَا لِسَبَبٍ مِنْ الْعَبْدِ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ لَمْ تَسْتَقِرَّ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبٍ مِنْهُ اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِدْيَةِ الْحَلْقِ أَمْ لَا كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَالْيَمِينِ وَالْجِمَاعِ وَدَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ اهـ. وَتَقَدَّمَ نَحْوُهُ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ الْمُدِّ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ إلَخْ وَمَا بَحَثَهُ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي هُنَا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ حَرَجٌ شَدِيدٌ) وَوَرَدَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أُمِرَ الْمُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ «قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ أَتَيْت إلَّا مِنْ الصَّوْمِ؟ فَأَمَرَهُ بِالْإِطْعَامِ» اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ كَوْنُ عَدَدِ الْأَهْلِيِّ) أَيْ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِمْ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ.

(بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ)

(قَوْلُهُ: التَّطَوُّعُ: التَّقَرُّبُ إلَخْ) أَيْ شَرْعًا (قَوْلُهُ «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) أَيْ الْجِهَادِ وَفِيهِ دَلَالَةُ فَضْلِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ (قَوْلُهُ: كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ) أَيْ فُرُوضِهَا وَسُنَنِهَا وَمَا ضُوعِفَ مِنْهَا (قَوْلُهُ يُسَنُّ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ) سُئِلَ

[حاشية الرشيدي]

[بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ] قَوْلُهُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ) الَّذِي فِي التُّحْفَةِ كَالدَّمِيرِيِّ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ؟ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ رَجُلٌ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ ظَلَمَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَانْتَهَكَ عِرْضَ هَذَا، وَيَأْتِي وَلَهُ صَلَاةٌ وَزَكَاةٌ وَصَوْمٌ، قَالَ: فَيَأْخُذُ هَذَا بِكَذَا، إلَى أَنْ قَالَ: وَهَذَا بِصَوْمِهِ»

صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَحَرَّى صَوْمَهُمَا وَقَالَ إنَّهُمَا يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيُسَنُّ أَيْضًا الْمُحَافَظَةُ عَلَى صَوْمِهِمَا وَالْمُرَادُ عَرْضُهَا عَلَى اللَّهِ، وَأَمَّا رَفْعُ الْمَلَائِكَةِ لَهَا فَإِنَّهُ بِاللَّيْلِ مَرَّةً وَبِالنَّهَارِ مَرَّةً، وَرَفْعُهَا فِي شَعْبَانَ، الثَّابِتُ بِخَبَرِ أَحْمَدَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ إكْثَارِهِ الصَّوْمَ فِي شَعْبَانَ فَقَالَ: إنَّهُ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ الْأَعْمَالِ جُمْلَةً، وَسُمِّيَ الِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ ثَانِي الْأُسْبُوعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُ الْأَحَدُ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ، لَكِنْ الَّذِي صَوَّبَهُ السُّهَيْلِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ السَّبْتُ وَهُوَ الْأَصَحُّ.

(وَ) صَوْمُ يَوْمِ (عَرَفَةَ) وَهُوَ تَاسِعُ الْحِجَّةِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» وَالْمُرَادُ بِالسَّنَةِ الَّتِي قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ السَّنَةُ الَّتِي تَتِمُّ بِفَرَاغِ شَهْرِهِ وَبِالسَّنَةِ الَّتِي بَعْدَهُ السَّنَةُ أَوَّلُهَا الْمُحَرَّمُ الَّذِي يَلِي الشَّهْرَ الْمَذْكُورَ، إذْ الْخِطَابُ الشَّرْعِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى عُرْفِ الشَّرْعِ وَعُرْفُهُ فِيهَا مَا ذَكَرْنَاهُ وَلِكَوْنِ السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهُ لَمْ تَتِمَّ إذْ بَعْضُهَا مُسْتَقْبَلٌ كَالسَّنَةِ الَّتِي بَعْدَهُ أَتَى مَعَ الْمُضَارِعِ بِأَنَّ الْمَصْدَرِيَّةِ الَّتِي تُخَلِّصُهُ لِلِاسْتِقْبَالِ، وَإِلَّا فَلَوْ تَمَّتْ الْأُولَى كَانَ الْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرَ فِيهَا بِلَفْظِ الْمَاضِي: قَالَ الْإِمَامُ: (وَالْمُكَفَّرُ الصَّغَائِرُ دُونَ الْكَبَائِرِ) . قَالَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ: وَهَذَا مِنْهُ تَحَكُّمٌ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَالْحَدِيثُ عَامٌّ وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ لَا يُحْجَرُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» : هَذَا قَوْلٌ عَامٌّ يُرْجَى أَنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلِلتَّكْفِيرِ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا الْغُفْرَانُ وَالثَّانِي الْعِصْمَةُ حَتَّى لَا يُعْصَى، ثُمَّ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّكْفِيرِ مَحَلُّهُ فِيمَنْ لَهُ صَغَائِرُ وَإِلَّا زِيدَ فِي حَسَنَاتِهِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ لِأَنَّ صَوْمَهُ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ كَمَا مَرَّ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الدُّعَاءَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» وَأَمَّا خَبَرُ «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ يَوْمِ

[حاشية الشبراملسي]

الشَّيْخُ الرَّمْلِيُّ عَنْ الْأَفْضَلِ هَلْ هُوَ صَوْمُ الْخَمِيسِ أَوْ الِاثْنَيْنِ؟ فَأَجَابَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأَنَّ صَوْمَ الِاثْنَيْنِ أَفْضَلُ اهـ. كَذَا رَأَيْته بِهَامِشٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ فِيهِ بَعْثَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَمَاتَهُ وَسَائِرَ أَطْوَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

(قَوْلُهُ: عَرَفَةَ) وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: «أَنَّ الْوُحُوشَ فِي الْبَادِيَةِ تَصُومُهُ» حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ أَخَذَ لَحْمًا وَذَهَبَ بِهِ إلَى الْبَادِيَةِ وَرَمَاهُ لِنَحْوِ الْوُحُوشِ فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ تَأْكُلْ وَصَارَتْ تَنْظُرُ إلَى الشَّمْسِ وَتَنْظُرُ إلَى اللَّحْمِ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ أَقْبَلَتْ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ.
اهـ كَذَا بِهَامِشٍ صَحِيحٍ (قَوْلُهُ: أَحْتَسِبُ) أَيْ أَرْجُو وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ احْتَسَبَ الْأَجْرَ عَلَى اللَّهِ ادَّخَرَهُ عِنْدَهُ لَا يَرْجُو ثَوَابَ الدُّنْيَا وَقَوْلُهُ عَلَى اللَّهِ هِيَ بِمَعْنًى مِنْ (قَوْلُهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي) أَيْ بِأَنْ يَقُولَ احْتَسَبَ (قَوْلُهُ وَالْمُكَفَّرُ الصَّغَائِرُ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَلِلتَّكْفِيرِ تَأْوِيلَانِ) أَيْ إذَا وَقَعَتْ الذُّنُوبُ (قَوْلُهُ: أَحَدُهُمَا الْغُفْرَانُ) أَيْ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا زِيدَ فِي حَسَنَاتِهِ) أَيْ وَيُخَفَّفُ مِنْ إثْمِ كَبَائِرِهِ (قَوْلُهُ وَيَوْمُ عَرَفَةَ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ) أَيْ حَتَّى مِنْ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ حَجّ أَوَّلَ كِتَابِ الصَّوْمِ: أَيْ لَا مِنْ جَمِيعِهِ وَلَا مِنْ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْهُ

[حاشية الرشيدي]

[صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ]

قَوْلُهُ: وَلِكَوْنِ السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهُ لَمْ تَتِمَّ إلَخْ) يُعَارِضُ هَذَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبَّرَ بِمِثْلِ هَذَا التَّعْبِيرِ فِي خَبَرِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ مَعَ أَنَّ السَّنَةَ فِيهِ قَدْ مَضَى جَمِيعُهَا بَلْ وَزِيَادَةً، وَالْوَجْهُ أَنَّ حِكْمَةَ التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ فِيهِمَا كَوْنُ التَّفْكِيرِ مُطْلَقًا مُسْتَقْبَلٌ بِالنِّسْبَةِ لِوَقْتِ تَرْغِيبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَوْمِهِمَا لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَى الصَّوْمِ الَّذِي سَيُفْعَلُ لِتَرْغِيبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْمَاضِي هُنَا غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا لَا يَخْفَى، فَالْمُضَارِعُ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ لِأَدَاءِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ مَا ذَكَرَ مِنْ التَّكْفِيرِ مَحَلُّهُ فِيمَنْ لَهُ صَغَائِرُ) هَذَا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَخْتَارُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَلَمْ يُبَالِ بِمَا رُدَّ بِهِ مِمَّا مَرَّ

جارٍ التحميل