نهاية المحتاج إلى شرح المنهاجصفحات 233-272

(قَوْلُهُ: لُغَةً الْقَصْدُ) أَوْ كَثْرَتُهُ إلَى مَنْ يُعَظِّمُ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُوَافِقَ لِلْغَالِبِ إلَخْ) أَيْ وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ مُبَايِنًا لِلُّغَوِيِّ لَكِنْ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ، وَعِبَارَةُ حَجّ اعْتِرَاضًا عَلَى تَفْسِيرِهِ بِالْأَفْعَالِ لَكِنْ يُعَكَّرُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ يَجِبُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ بِزِيَادَةٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٌ هُنَا إلَّا أَنْ يُقَال: إنَّ ذَلِكَ أَغْلَبِيٌّ أَوْ أَنَّ مِنْهَا النِّيَّةَ، وَهِيَ مِنْ جُزَيْئَاتِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَنَظِيرُهُ الصَّلَاةُ الشَّرْعِيَّةُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ اهـ. يُعْنَى فَيَكُونُ إطْلَاقُ الْحَجِّ عَلَى الْأَفْعَالِ مَجَازًا مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ جُزْئِهِ، وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ: أَيْ قَصْدُ الْكَعْبَةِ إلَى آخِرِهِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ) أَيْ قَوْلُهُ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ) بَلْ مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا وَحَجَّ خِلَافًا لِمَنْ اسْتَثْنَى هُودًا وَصَالِحًا اهـ زِيَادِي وحج.
وَقَوْلُهُ مَا مِنْ نَبِيٍّ شَمِلَ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِهِ صَرَّحَ السُّيُوطِيّ فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةُ بِالْإِعْلَامِ بِحُكْمِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَقَالَ عِيسَى مَعَ بَقَاءِ نُبُوَّتِهِ مَعْدُودٌ فِي أُمَّةِ النَّبِيِّ وَدَاخِلٌ فِي زُمْرَةِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ حَيٌّ مُؤْمِنًا بِهِ وَمُصَدِّقًا، وَكَانَ اجْتِمَاعُهُ بِهِ مَرَّاتٍ فِي غَيْرِ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ مِنْ جُمْلَتِهَا بِمَكَّةَ.
رَوَى ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ «أَنَسٍ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إذْ رَأَيْنَا بَرْدًا وَيَدًا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا الْبَرْدُ الَّذِي رَأَيْنَا وَالْيَدُ؟ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُمُوهُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ سَلَّمَ عَلَيَّ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ «أَنَسٍ قَالَ كُنْت أَطُوفُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوْلَ الْكَعْبَةِ إذْ رَأَيْته صَافَحَ شَيْئًا وَلَا نَرَاهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاك صَافَحْت شَيْئًا وَلَا نَرَاهُ، قَالَ: ذَاكَ أَخِي عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ انْتَظَرْته حَتَّى قَضَى طَوَافَهُ فَسَلَّمْت عَلَيْهِ» اهـ بِحُرُوفِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ) قَالَ الزِّيَادِيُّ: وَالْحَجُّ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ حَتَّى التَّبَعَاتِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إنَّ مَاتَ فِي حَجِّهِ أَوْ بَعْدِهِ وَقَبْلِ تُمَكِّنْهُ مِنْ أَدَائِهَا (قَوْلُهُ: لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَالِ) وَهُوَ مَا يَجِبُ أَوْ يُنْدَب مِنْ الدِّمَاءِ الْآتِيَةِ.

[حاشية الرشيدي]

كِتَابُ الْحَجِّ (قَوْلُهُ وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذِهِ أَرْكَانٌ لِلْمَقْصُودِ إلَخْ) هَذَا الْجَوَابُ لِلشِّهَابِ حَجّ فِي إمْدَادِهِ، وَلَكِنْ قَالَ الشِّهَابُ سم: إنَّهُ تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ.

«أَنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا حَجَّ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا يَطُوفُونَ قَبْلَكَ بِهَذَا الْبَيْتِ بِسَبْعَةِ آلَافِ سَنَةٍ» وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ إلَّا عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ لَكِنْ قَالَ جَمْعٌ: إنَّهُ غَرِيبٌ، بَلْ وَجَبَ عَلَى غَيْرِهَا أَيْضًا.
.

ثُمَّ النُّسُكُ: إمَّا فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى مَنْ لَمْ يَحُجَّ بِشَرْطِهِ أَوْ كِفَايَةٍ لِلْأَحْيَاءِ أَوْ تَطَوُّعٍ وَيُتَصَوَّرُ فِي الْأَرِقَّاءِ وَالصِّبْيَانِ، إذْ فَرْضُ الْكِفَايَةِ لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ.
نَعَمْ لَوْ تَطَوَّعَ مِنْهُمْ مَنْ تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ احْتَمَلَ أَنْ يَسْقُطَ بِفِعْلِهِمْ الْحَرَجُ عَنْ الْمُكَلَّفِينَ كَمَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، لَكِنْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي إيضَاحِهِ اعْتِبَارُ التَّكْلِيفِ فِيمَنْ يَسْقُطُ بِفِعْلِهِ الْفَرْضُ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يُشْتَرَطُ لِعَدَدِ الْمُحَصِّلِينَ لِهَذَا الْفَرْضِ قَدْرٌ مَخْصُوصٌ، بَلْ الْفَرْضُ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا فِي الْجُمْلَةِ مِنْ بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً (هُوَ فَرْضٌ) أَيْ مَفْرُوضٌ بِالشَّرَائِطِ الْآتِيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: 97] الْآيَةَ، وَلِخَبَرِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ إنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ وَفُرِضَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ كَمَا صَحَّحَاهُ فِي السِّيَرِ وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ هُنَا بِأَنَّهُ سَنَةَ خَمْسٍ، وَجَمَعَ بَيْن الْكَلَامَيْنِ بِأَنَّ الْفَرِيضَةَ قَدْ تَنْزِلُ وَيَتَأَخَّرُ الْإِيجَابُ عَلَى الْأُمَّةِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14] فَإِنَّهَا آيَةٌ مَكِّيَّةٌ، وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ مَدَنِيَّةٌ، وَلَا يَجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ سِوَى مَرَّةِ فِي الْعُمْرِ، وَيَجِبُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِعَارِضٍ كَنَذْرٍ وَقَضَاءٍ عِنْدَ إفْسَادِ التَّطَوُّعِ.

(وَكَذَا الْعُمْرَةُ) فَرْضٌ (فِي الْأَظْهَرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] أَيْ ائْتُوا بِهِمَا تَامَّيْنِ، وَلِخَبَرِ «عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: نَعَمْ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: بَلْ وَجَبَ عَلَى غَيْرِهَا) مُعْتَمَدٌ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ أَوَّلًا وَهُوَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ مَنْدُوبًا

(قَوْلُهُ: فِي الْأَرِقَّاءِ وَالصَّبِيَّانِ) أَيْ وَالْمَجَانِينِ عَلَى مَا يَأْتِي (قَوْله اعْتِبَارُ التَّكْلِيفِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ) وَحَجّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا وَقَبْلَ الْهِجْرَةِ حُجَجًا لَا يُدْرَى عَدَدُهَا، وَتَسْمِيَةُ هَذِهِ حُجَجًا إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلَى قَوَانِينِ الْحَجِّ الشَّرْعِيِّ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ النَّسِيءِ وَغَيْرِهِ بَلْ قِيلَ فِي حَجَّةِ أَبِي بَكْرٍ فِي التَّاسِعَةِ ذَلِكَ لَكِنْ الْوَجْهُ خِلَافُهُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَأْمُرُ إلَّا بِحَجٍّ شَرْعِيٍّ، وَكَذَا يُقَال فِي الثَّامِنَةِ الَّتِي أَمَرَ فِيهَا عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدَ أَمِيرَ مَكَّةَ وَبَعْدَهَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ لَا غَيْرُ اهـ حَجّ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلُهُ: وَحَجَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ قَضِيَّةُ صَنِيعِهِ أَنَّ حَجَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَعْدَ النُّبُوَّةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ لَمْ يَكُنْ حَجًّا شَرْعِيًّا، وَهُوَ مُشَكِّلٌ جِدًّا اهـ. وَقَدْ يُقَالُ لَا إشْكَالَ فِيهِ لِأَنَّ فِعْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ النُّبُوَّةِ قَبْلَ فَرْضِهِ لَمْ يَكُنْ شَرْعِيًّا بِهَذَا الْوَجْهِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، فَيُحْمَلُ قَوْلَ حَجّ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلَى قَوَانِينِ الشَّرْعِ إلَخْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى قَوَانِينِ الشَّرْعِ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ.
وَأَمَّا فِعْلُهُ قَبْلَ الْمَبْعَثِ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِوَحْيٍ بَلْ بِإِلْهَامٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَكُنْ شَرْعِيًّا بِهَذَا الْمَعْنَى لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْعٍ إذْ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مَصُونًا كَسَائِرِ أَفْعَالِهِ عَنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ الْبَاطِلَةِ.
(وَقَوْلُهُ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ) يُشَكِّلُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ مَكَّةَ إنَّمَا فُتِحَتْ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ، فَبَعَثَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ لِيَحُجَّ بِالنَّاسِ فِي التَّاسِعَةِ وَحَجَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْعَاشِرَةِ، وَقَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ الْمُسْلِمُونَ مُتَمَكِّنِينَ مِنْ الْحَجِّ إلَّا أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِمَا أَجَابَ بِهِ الشَّارِحُ عَنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ الْفَرْضِيَّةَ قَدْ تَنْزِلُ وَيَتَأَخَّرُ الْإِيجَابُ، لَكِنْ فِي كَلَامِ الزِّيَادِيِّ مَا يُخَالِفُ هَذَا الْجَوَابَ حَيْثُ قَالَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَقْوَالِ بِأَنَّ الْفَرْضَ وَقَعَ سَنَةَ خَمْسِ، وَالطَّلَبُ إنَّمَا تَوَجَّهَ سَنَةُ سِتٍّ، وَبَعَثَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ سَنَةِ تِسْعٍ فَحَجَّ بِالنَّاسِ اهـ. وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ أَيْضًا عَنْ كَلَامِ الزِّيَادِيِّ بِأَنَّهُ يَشْتَرِطُ لِوُجُوبِ الْمُبَاشَرَةِ الِاسْتِطَاعَةُ كَمَا يَأْتِي وَهِيَ لَمْ تَحْصُلْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَعَدَمُ فِعْلِهِمْ لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِمْ لَا لِعَدَمِ الطَّلَبِ

(قَوْلُهُ: «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» ) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِيَتِمَّ بِهَا الِاسْتِدْلَال فَإِنَّ ظَاهِرَهَا وُجُوبُ الْإِتْمَامِ إذَا شَرَعَ وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُوبُ الشَّرْعِ، فَإِنَّ الْمَعْنَى

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ.
وَأَمَّا خَبَرُ «سُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ قَالَ: لَا وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك» فَضَعِيفٌ اتِّفَاقًا.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَا يُغْتَرُّ بِقَوْلِ التِّرْمِذِيِّ فِيهِ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلَا يُغْنِي عَنْهَا الْحَجُّ وَإِنْ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا أَغْنَى الْغُسْلُ عَنْ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ إذْ هُوَ الْأَصْلُ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِ، وَإِنَّمَا حَطَّ عَنْهُ إلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ تَخْفِيفًا، فَأَغْنَى عَنْ بَدَنِهِ، وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ أَصْلَانِ.
وَالْعُمْرَةُ لُغَةً: الزِّيَارَةُ.
وَشَرْعًا: قَصْدُ الْبَيْتِ لِلْأَفْعَالِ الْآتِيَةِ أَوْ نَفْسِ الْأَفْعَالِ كَمَا مَرَّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهَا سُنَّةٌ لِلْخَبَرِ الْمَارِّ وَلَا تَجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فِي الْعُمْرِ سِوَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَسُمِّيَتْ عُمْرَةً؛ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِي الْعُمْرِ كُلِّهِ وَصَحَّ «عَنْ سُرَاقَةَ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ عُمْرَتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ: لَا بَلْ لِلْأَبَدِ» أَوْ وُجُوبُهُمَا مِنْ حَيْثُ الْأَدَاءِ عَلَى التَّرَاخِي فَلِمَنْ وَجَبَا عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ تَأْخِيرُهُمَا بَعْدَ سَنَةِ الْإِمْكَانِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ فُرِضَ سَنَةَ سِتٍّ وَلَمْ يَحُجَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا سَنَةَ عَشْرٍ وَمَعَهُ مَيَاسِيرُ لَا عُذْرَ بِهِمْ، وَقِيسَ بِهِ الْعُمْرَةُ وَتَضْيِيقُهُمَا بِنَذْرٍ أَوْ خَوْفِ عَضْبٍ أَوْ تَلَفِ مَالٍ أَوْ قَضَاءِ عَارِضٍ، ثُمَّ مَحَلُّ جَوَازِ التَّأْخِيرِ إنْ عَزَمَ عَلَى فِعْلِهِمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمَا الرِّدَّةُ بَعْدَهُمَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ إلَّا إنْ اتَّصَلَتْ بِالْمَوْتِ وَإِنْ أَحْبَطَتْ ثَوَابَ الْعَمَلِ مُطْلَقًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْأُمِّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ

[حاشية الشبراملسي]

يَصِيرُ عَلَيْهِ إنْ شَرَعْتُمْ فَأَتَمُّوا (قَوْلُهُ: قَالَ لَا وَأَنْ تَعْتَمِرَ) بِفَتْحِ أَنْ الْمَصْدَرِيَّةِ وَهِيَ وَمَا بَعْدهَا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ خَيْرٌ، وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ وَإِنْ تَعْتَمِرَ فَهُوَ أَفْضَلُ فَهِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ شَرْطِيَّةٌ وَجَوَابُهَا قَوْلُهُ فَهُوَ أَفْضَلُ فَلَعَلَّ الرِّوَايَةَ مُخْتَلِفَةٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى أَعْمَالِهَا (قَوْلُهُ: إذْ هُوَ) أَيْ الْغُسْلُ (قَوْلُهُ: فِي حَقِّ الْمُحَدِّثِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُحَدِّثَ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُحَدِّثْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غُسْلٌ مَا دَامَتْ طَهَارَتُهُ بَاقِيَةٌ، وَمِنْهُ يَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ كَانَ الْغُسْلُ وَاجِبًا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ لِكُلِّ صَلَاةٍ الْمُرَادُ بِهَا عَلَى الْمُحَدِّثِ (قَوْلُهُ: لُغَةً الزِّيَارَةُ) وَقِيلَ الْقَصْدُ إلَى مَكَان عَامِرَ اهـ شَرْحُ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ (قَوْلُهُ: فَقَالَ رَجُلٌ) هُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ، هَكَذَا رَأَيْته بِهَامِشِ صَحِيحٍ ثُمَّ رَأَيْته فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنْيَّةِ فِي النَّوْعِ السَّادِسِ فِي حَجِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (قَوْلُهُ: حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا) أَيْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ «لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَ» ) أَيْ الْحَجُّ، وَفِي الْمَنْهَجِ لَوَجَبَتْ: أَيْ الْخَصْلَةُ أَوْ الْفَرِيضَةُ، ثُمَّ قَوْلُهُ «لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ مُعَلَّقًا عَلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ فَلَا يُقَالُ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُشَرِّعٌ لَا مُوجِبٌ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ «لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ» أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ: أَيْ مُقْتَضَاهَا وَهُوَ الْوُجُوبُ عَلَى كُلٍّ كُلَّ عَامٍ، وَلَعَلَّهُ كَانَ الْوُجُوبُ عَلَى كُلٍّ كُلَّ عَامٍ مُعَلَّقًا عَلَى قَوْلِهِ نَعَمْ، وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ مِنْ الْحَدِيثِ وَسِيَاقُهُ، فَمَا يُقَالُ مِنْ أَنَّهُ وَاجِبٌ كُلَّ عَامٍ عَلَى الْكِفَايَةِ فَكَيْفَ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ وُجُوبِهِ كُلَّ عَامٍ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ نَعَمْ لَوَجَبَ لَا مَنْشَأَ لَهُ إلَّا الْوَهْمُ فَلْيَتَأَمَّلْ اهـ (قَوْلُهُ: وَمَعَهُ مَيَاسِيرُ لَا عُذْرَ بِهِمْ) فِيهِ أَنَّ مَكَّةَ إنَّمَا فُتِحَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَكَّنُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ الْحَجِّ فِي السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ نَعَمْ فِي عَدَمِ حَجِّهِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعٍ دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ (قَوْلُهُ أَوْ تَلِفَ مَالٌ) بِقَرِينَةٍ وَلَوْ ضَعِيفَةٌ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: إنْ عَزَمَ عَلَى فِعْلِهِمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ) وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَزْمُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ خَطَبَنَا إلَخْ) هَذَا لَا دَلِيلَ فِيهِ لِلْعُمْرَةِ فَكَانَ الصَّوَابُ ذِكْرَهُ عَقِبَ قَوْلِهِ فِي الْحَجِّ وَلَا يَجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ سِوَى مَرَّةٍ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ الْأَدَاءُ) أَيْ أَمَّا مِنْ حَيْثُ التَّعَلُّقُ فَهُوَ حَاصِلٌ بِالتَّكْلِيفِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ عَلَى

إعَادَتُهُمَا إذَا عَادَ لِلْإِسْلَامِ.
.

ثُمَّ لَهُمَا مَرَاتِبُ خَمْسٌ: صِحَّةٌ مُطْلَقَةٌ وَصِحَّةٌ مُبَاشِرَةٌ وَوُقُوعٌ عَنْ النَّذْرِ أَوْ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَوُجُوبِهِمَا، وَلِكُلِّ مَرْتَبَةٍ شُرُوطٌ، فَيُشْتَرَطُ مَعَ الْوَقْتِ الْإِسْلَامُ وَحْدَهُ لِلصِّحَّةِ وَمَعَ التَّمْيِيزِ لِلْمُبَاشَرَةِ وَمَعَ التَّكْلِيفِ لِلنَّذْرِ وَمَعَ الْحُرِّيَّةِ لِوُقُوعِهِ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ وَمَعَ الِاسْتِطَاعَةِ لِلْوُجُوبِ، وَقَدْ شَرَعَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ فَقَالَ (وَشَرْطُ صِحَّتِهِ) أَيْ صِحَّةُ مَا ذَكَرَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (الْإِسْلَامُ) فَقَطْ فَلَا يَصِحَّانِ مِنْ كَافِرٍ وَلَا عَنْهُ أَصْلِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْعِبَادَةِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ جَمْعٍ صِحَّةُ حَجِّ مُسْلِمٍ بِالتَّبَعِيَّةِ، وَإِنْ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ اعْتِقَادُهُ مِنْهُ لَغْوٌ.
نَعَمْ إنْ اعْتَقَدَهُ مَعَ إحْرَامِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ كَنِيَّةِ الْإِبْطَالِ، وَهِيَ هُنَا تُؤَثِّرُ فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الدَّوَامِ وَبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِ الرُّويَانِيِّ بِالْبُطْلَانِ وَقَوْلِ وَالِدِهِ بِالصِّحَّةِ، وَعَلَّلَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا قَالَهُ بِمَا يُفْهَمُ مِمَّا تَقَرَّرَ، وَتَوَقُّفُهَا عَلَى دُخُولِ الْوَقْتِ مَعْلُومٌ مِنْ كَلَامِهِ الْآتِي فِي الْمَوَاقِيتِ وَعَلَى مَعْرِفَةِ الْأَعْمَالِ وَالْعِلْمِ بِهَا بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَالِمًا أَنَّهُ يَفْعَلُهَا عَنْ النُّسُكِ، فَلَوْ جَرَتْ اتِّفَاقًا لَمْ يَصِحَّ مَرْدُودٌ فِيهِمَا بِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْأَوَّلِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ لِإِمْكَانِ الْعِلْمِ بِهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ هُنَا تَعْيِينُ الْمَنْوِيِّ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِيهِمَا وَفِي الثَّانِي بِأَنَّ غَيْرَ الْإِحْرَامِ مِنْ الْأَرْكَانِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ تَخُصُّهُ فَالْوَاجِبُ فِيهِ عَدَمُ الصَّارِفِ لَا الْقَصْدُ.

(فَلِلْوَلِيِّ) أَيْ وَلِيِّ الْمَالِ (أَنْ يُحْرِمَ عَنْ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ) ؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ إذْ لَا نِيَّةَ لَهُ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَرَفَعَتْ امْرَأَةٌ إلَيْهِ صَبِيًّا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ» وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «فَأَخَذَتْ بِعَضُدِ صَبِيٍّ وَرَفَعَتْهُ مِنْ مِحَفَّتِهَا» وَالْغَالِبُ أَنَّ مَنْ يُحْمَلُ بِعَضُدِهِ وَيُخْرَجُ مِنْ الْمِحَفَّةِ لَا تَمْيِيزَ لَهُ، وَيُكْتَبُ لِلصَّبِيِّ ثَوَابُ مَا عَمِلَهُ مِنْ الطَّاعَاتِ وَلَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ إجْمَاعًا.

(وَ) أَنْ يُحْرِمَ (عَنْ الْمَجْنُونِ) الْوَلِيُّ قِيَاسًا عَلَى الصَّبِيِّ سَوَاءٌ أَبَلَغَ مَجْنُونًا أَمْ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ، وَسَوَاءٌ أَحَجَّ الْوَلِيُّ عَنْ نَفْسِهِ أَمْ أَحْرَمَ عَنْهَا أَمْ لَا فَيَنْوِي الْوَلِيُّ بِقَلْبِهِ جَعْلَ كُلٍّ مِنْهُمَا مُحْرِمًا أَوْ يَقُولُ أَحْرَمْت عَنْهُمَا، وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُمَا وَلَا مُوَاجَهَتُهُمَا بِالْإِحْرَامِ وَلَا يَصِيرُ الْوَلِيُّ بِذَلِكَ مُحْرِمًا

وَيَجُوزُ لِلْوَلِيِّ الْإِحْرَامُ عَنْ الْمُمَيِّزِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى غَيْرِ الْمُمَيِّزِ دَفْعًا لِمَا عَسَاهُ أَنْ يُتَوَهَّمَ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الْإِحْرَامِ عَنْهُ لِمُنَافَاةِ حَالِهِ الْعِبَادَاتِ، وَلَوْ أَذِنَ لِلْمُمَيَّزِ فِي الْإِحْرَامِ جَازَ فَإِنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَمُرَادُهُ بِالصَّبِيِّ الْجِنْسُ الصَّادِقُ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ عَدَمَ صِحَّةِ إحْرَامِ غَيْرِ الْوَلِيِّ كَالْجَدِّ مَعَ وُجُودِ الْأَبِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ بِهِ مَانِعٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا

[حاشية الشبراملسي]

الْحَجِّ فِي أَوَّلِ سِنِي الْيَسَارِ

(قَوْلُهُ: أَوْ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) هِيَ الرَّابِعَةُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ فَيَشْتَرِطُ إلَخْ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعَبِّرَ بِالْوَاوِ (قَوْلُهُ: فَيَشْتَرِطُ مَعَ الْوَقْتِ) أَيْ الْمَعْلُومِ مِنْ بَابِ الْمَوَاقِيتِ الْآتِي (قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ اعْتَقَدَهُ مَعَ إحْرَامِهِ) يَخْرُجُ مَا لَوْ اعْتَقَدَهُ مَعَ إحْرَامِ وَلِيِّهِ فَلَا أَثَرَ لَهُ (قَوْلُهُ: وَهِيَ هُنَا تُؤَثِّرُ إلَخْ) وَمِثْلُ ذَلِكَ الصَّوْمُ وَالِاعْتِكَافُ فَلَا يَنْقَطِعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِنِيَّةِ الْإِبْطَالِ (قَوْلُهُ مَرْدُودٌ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْأَعْمَالِ وَالْعِلْمِ

(قَوْلُهُ: أَيْ وَلِيِّ الْمَالَ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ لِأَنَّ فِيهِ مَعُونَةً عَلَى حُصُولِ الثَّوَابِ لِلصَّبِيِّ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَنْدُوبٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ إحْرَامَهُ عَنْهُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَجْرِيدِهِ مِنْ الثِّيَابِ (قَوْلُهُ: وَلَك أَجْرٌ) أَيْ عَلَى تَرْبِيَتِهِ فَلَا يُنَافَى أَنَّ الْأُمَّ لَا وِلَايَةَ لَهَا أَوْ يُقَالُ يَجُوزُ أَنَّهَا كَانَتْ وَصِيَّةٌ (قَوْلُهُ: ثَوَابُ مَا عَمِلَهُ) أَيْ أَوْ عَمِلَهُ بِهِ وَلِيُّهُ حَجّ

(قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ) لَكِنَّهُ يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ عَنْهُمَا فِي غِيبَتِهِمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَرْتَكِبَا شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ لِعَدَمِ عِلْمِهِمَا وَيُمَكَّنُ الْوَلِيُّ مِنْ مَنَعَهُمَا اهـ سم فِي شَرْحِ الْغَايَةِ (قَوْلُهُ: حُضُورُهُمَا) أَيْ وَلَوْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ ثُمَّ بَعُدَ ذَلِكَ عَلَى وَلِيِّهِ إحْضَارُهُ لِأَعْمَالِ الْحَجِّ فَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا تَرَتَّبَ عَلَى مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَوْ مُنِعَ مِنْ الْوُصُولِ

(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَذِنَ لِلْمُمَيِّزِ) أَيْ الْوَلِيُّ مِنْ أَبٍ أَوْ جَدٍّ إلَخْ

[حاشية الرشيدي]

مَا يَأْتِي.

[شُرُوط صِحَّة الْحَجّ وَالْعُمْرَة]

(قَوْلُهُ: أَوْ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) هِيَ الرُّتْبَةُ الرَّابِعَةُ وَتُفَارِقُ مَا قَبْلَهَا فِي الرَّقِيقِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ شَرَعَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ) أَيْ مَا عَدَا صُورَةَ النَّذْرِ

(قَوْلُهُ أَوْ يَقُولُ أَحْرَمْت عَنْهُمَا) أَيْ بِقَلْبِهِ أَيْضًا

مَا أَوْهَمَهُ ظَاهِرُ الْخَبَرِ الْمَارِّ مِنْ جَوَازِ إحْرَام الْأُمِّ عَنْهُ فَأَجَابُوا عَنْهُ بِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا وَصِيَّةً، أَوْ أَنَّ الْأَجْرَ الْحَاصِلَ لَهَا بِاعْتِبَارِ أَجْرِ الْحَمْلِ وَالنَّفَقَةِ لِعَدَمِ التَّصْرِيحِ فِي الْخَبَرِ بِأَنَّهَا أَحْرَمَتْ عَنْهُ، أَوْ أَنَّ الْوَلِيَّ أَذِنَ لَهَا فِي الْإِحْرَامِ عَنْ الصَّبِيِّ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ.

وَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ الْوَلِيُّ ثُمَّ أَعْطَاهُ لِمَنْ يَحْضُرُ بِهِ النُّسُكَ صَحَّ جَزْمًا، وَيُعْلَمُ مِنْ اعْتِبَارِ وِلَايَةِ الْمَالِ عَدَمُ صِحَّةِ إحْرَامِهِ عَنْ مُغْمًى عَلَيْهِ كَمَرِيضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ بِسَبَبِ الْإِغْمَاءِ.

قَالَ الْإِمَامُ: وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ عَبْدِهِ الْبَالِغِ: أَيْ الْعَاقِلِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُحْرِمُ عَنْ الصَّغِيرِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ: وَقَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ: الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَتَزْوِيجِهِ، وَالْإِسْنَوِيُّ رَأَيْتُ فِي الْأُمِّ الْجَزْمَ بِالصِّحَّةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالصَّغِيرِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ كَلَامَ الْأُمِّ مَحْمُولٌ كَمَا أَفَادَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَهُوَ مَا فَهِمَهُ السُّبْكِيُّ، وَبِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَمَنْعَ تَزْوِيجِهِ بِأَنَّ الْمَدَارَ هُنَا عَلَى تَحْصِيلِ الثَّوَابِ فَسُومِحَ بِهِ مَا لَمْ يُسَامَحْ بِهِ ثَمَّ، وَمِنْ ثَمَّ جَازَ لِنَحْوِ الْوَصِيِّ هُنَا الْإِحْرَامُ عَنْ الصَّبِيِّ لَا تَزْوِيجُهُ، وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ يَأْذَنُ لَقِنِّهِ أَوْ يُحْرِمُ عَنْهُ حَيْثُ جَازَ إحْجَامُهُ.

ثُمَّ إذَا جَعَلَ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ مُحْرِمًا بِإِحْرَامِ الْوَلِيِّ أَوْ مَأْذُونِهِ أَوْ بِإِحْرَامِهِ وَهُوَ مُمَيِّزٌ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ فَعَلَى الْوَلِيِّ مَنْعُهُ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَعَلَيْهِ إحْضَارُهُ الْمَوَاقِفَ كُلَّهَا وُجُوبًا فِي الْوَاجِبَةِ وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبَةِ كَعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ لِإِمْكَانِ فِعْلِهَا مِنْهُ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ) أَيْ عَنْهُ أَوْ بِسَبَبِهِ (قَوْلُهُ: وَيَعْلَمُ مِنْ اعْتِبَارِ إلَخْ) أَيْ الْمَارِّ فِي قَوْلِهِ أَيْ وَلِيُّ الْمَالِ (قَوْلُهُ عَنْ مُغْمًى عَلَيْهِ) يَنْبَغِي تَخْصِيصُهُ بِمَا إذَا رَجَى زَوَالَهُ عَنْ قُرْبٍ، وَالْأَصَحُّ إحْرَامُهُ عَنْهُ كَالْمَجْنُونِ عَلَى مَا يُفِيدُهُ التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ فَإِنَّ مَحِلَّهِ حَيْثُ رَجَى زَوَالَهُ عَنْ قُرْبٍ

(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ عَبْدِهِ) وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَحْرَمَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ بِلَا إذْنٍ هَلْ يَصِحُّ إحْرَامُهُ وَلِلسَّيِّدِ تَحْلِيلُهُ أَمْ لَا لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْ الْفِعْلِ بِلَا إذْنٍ؟ جَزَمَ بِالصِّحَّةِ سم فِي شَرْحِ الْغَايَةِ حَيْثُ قَالَ: يَصِحُّ مُبَاشَرَةُ الْعَبْدِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ سَيِّدُهُ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْإِحْصَارِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: أَنْ يُحْرِمَ عَنْ عَبْدِهِ الْبَالِغِ) وَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِي الْمُبَعَّضِ الصَّغِيرِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَظِيرُ مَا يَأْتِي فِي النِّكَاحِ، وَحِينَئِذٍ فَيُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَسَيِّدُهُ مَعًا لَا أَحَدُهُمَا وَإِنْ كَانَتْ مُهَايَأَةً إذْ لَا دَخْلَ لَهَا إلَّا فِي الْأَكْسَابِ وَمَا يَتْبَعُهَا كَزَكَاةِ الْفِطْرِ لِإِنَاطَتِهَا بِمَنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ وَتَحْتَمِلُ صِحَّةُ إحْرَامِ أَحَدِهِمَا عَنْهُ وَلِلسَّيِّدِ إذَا كَانَ الْمُحْرِمَ الْوَلِيُّ تَحْلِيلُهُ.
وَالْأَوَّلُ الْأَقْرَبُ اهـ حَجّ وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم.
قَوْلُهُ وَالْأَقْرَبُ قَدْ يَسْتَشْكِلُ، الْأَوَّلُ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَتَأَتَّى إحْرَامُهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا جَائِزَ أَنْ يُرَادَ بِهِ جَعْلُ جُمْلَتِهِ مُحْرِمًا إذْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إذْ وِلَايَتُهُ عَلَى بَعْضِ الْجُمْلَةِ لَا عَلَى كُلِّهَا، وَلَا جَعْلُ بَعْضِهِ مُحْرِمًا إذْ إحْرَامُ بَعْضِ الشَّخْصِ دُونَ بَعْضٍ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ إذْنُ أَحَدِهِمَا لِلْآخِرِ فِي الْإِحْرَامِ عَنْهُ لِيَكُونَ إحْرَامُهُ عَنْ جُمْلَتِهِ بِوِلَايَتِهِ وَوِلَايَةُ مُوكِلِهِ اهـ. أَقُولُ: أَوْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنْ يَتَقَارَنَا فِي الصِّيغَةِ بِأَنْ يُوقِعَاهَا مَعًا (قَوْلُهُ: لِنَحْوِ الْوَصِيِّ) أَيْ وَاحِدًا كَانَ أَوْ مُتَعَدِّدًا ثُمَّ فِي التَّعَدُّدِ إنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَقِلًّا صَحَّ إحْرَامُ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا إنَّ تَرَتَّبَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُ أَحَدِهِمَا إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ فَيَكُونُ مُبَاشِرًا عَنْ نَفْسِهِ وَوَكِيلًا عَنْ الْآخِرِ، وَلَهَا الْإِذْنُ لِثَالِثٍ يُحْرِمُ عَنْ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَيَكُونُ وَكِيلًا عَنْهُمَا فِي الْإِحْرَامِ (قَوْلُهُ يَأْذَنُ لِقِنِّهِ) أَيْ الصَّبِيِّ (قَوْلُهُ: جَازَ إحْجَاجُهُ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يُفَوِّتْ مَصْلَحَةً عَلَى الصَّبِيِّ وَإِلَّا لَزِمَ عَلَيْهِ غُرْمُ زِيَادَةٍ عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ

(قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ إحْضَارِهِ الْمَوَاقِفَ كُلَّهَا) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا أَحْضَرَهُ الْأَجْنَبِيُّ لَا يُعْتَدُّ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ) لَمْ يَمُرَّ لَهُ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ قَدَّمَ أَوْ مَأْذُونُهُ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَلِلْوَلِيِّ كَمَا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ أَوْ أَنَّهُ ذَكَرَهُ هُنَاكَ وَسَقَطَ مِنْ الْكَتَبَةِ

(قَوْلُهُ: حَيْثُ جَازَ إحْجَاجُهُ) أَيْ الْعَبْدِ بِأَنْ لَمْ يُفَوِّتْ مَصْلَحَةً عَلَى الصَّبِيِّ، وَإِلَّا لَزِمَ عَلَيْهِ غُرْمُ زِيَادَةٍ عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا

وَلَا يُغْنِي حُضُورُهُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا كَمَا ذَكَرَ أَمْرَهُ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِ النُّسُكِ كَغُسْلٍ وَتَجَرُّدٍ عَنْ مَخِيطٍ وَلُبْسِ إزَارٍ وَرِدَاءٍ أَوْ غَيْرِهَا وَإِنَابَةٍ عَنْهُ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ فَيُنَاوِلُهُ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ الْحَجَرَ لِيَرْمِيَ بِهِ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا رَمَى عَنْهُ بَعْدَ رَمْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَإِلَّا وَقَعَ لِلرَّامِي وَإِنْ نَوَى بِهِ الصَّبِيَّ.
وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ: يُسَنُّ وَضْعُ الْحَصَاةِ فِي يَدِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيَرْمِي بِهَا، وَإِلَّا فَيَأْخُذُهَا مِنْ يَدِهِ ثُمَّ يَرْمِي بِهَا، وَلَوْ رَمَاهَا عَنْهُ ابْتِدَاءً جَازَ، وَكَذَلِكَ إذَا قَدَرَ عَلَى الطَّوَافِ أَوْ السَّعْيِ عَلَّمَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا طَافَ وَسَعَى، وَلَوْ أَرْكَبَهُ دَابَّةً اُشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا إنْ كَانَ الرَّاكِبُ غَيْرَ مُمَيَّزٍ، وَلَا يَكْفِي السَّعْيُ وَالطَّوَافُ مِنْ غَيْرِ اسْتِصْحَابِهِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُمَا بِهِ بَعْدَ فِعْلِهِمَا عَنْ نَفْسِهِ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الرَّمْيِ، إذْ مَبْنَى الْحَجِّ عَلَى عَدَمِ التَّبَرُّعِ بِهِ مَعَ قِيَامِ الْفَرْضِ، وَلَوْ تَبَرَّعَ وَقَعَ فَرْضًا لَا تَبَرُّعًا، وَيُصَلِّي عَنْ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ اسْتِحْبَابًا، وَيُشْتَرَطُ لِلطَّوَافِ طَهَارَتُهُ مِنْ الْخَبَثِ وَسَتْرُ عَوْرَتِهِ، وَكَذَا وُضُوءُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيِّزًا كَمَا اعْتَمَدَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيُغْتَفَرُ صِحَّةُ وُضُوئِهِ هُنَا لِلضَّرُورَةِ كَمَا اُغْتُفِرَ صِحَّةُ طُهْرِ مَجْنُونَةٍ انْقَطَعَ حَيْضُهَا لِتَحِلَّ لِحَلِيلِهَا، وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّشْبِيهِ أَنَّ الْوَلِيَّ يَنْوِي عَنْهُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ طُهْرِ الْوَلِيِّ وَسَتْرِ عَوْرَتِهِ أَيْضًا

وَإِذَا صَارَ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ مُحْرِمًا غَرِمَ وَلِيُّهُ دُونَهُ زِيَادَةَ نَفَقَةٍ احْتَاجَ إلَيْهَا بِسَبَبِ النُّسُكِ فِي السَّفَرِ وَغَيْرِهِ عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ إذْ هُوَ الْمَوْقِعُ لَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا يَغْرَمُ مَا يَجِبُ بِسَبَبِهِ كَدَمِ قِرَانٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ فَوَاتٍ، وَكَفِدْيَةِ شَيْءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ كَفِدْيَةِ جَمَاعَةٍ وَحَلْقِهِ وَقَلْمِهِ وَلُبْسِهِ

[حاشية الشبراملسي]

بِذَلِكَ وَبِهِ صَرَّحَ حَجّ (قَوْلُهُ: وَلَا يُغْنِي حُضُورُهُ) أَيْ الْوَلِيُّ وَقَوْلُهُ عَنْهُ أَيْ الصَّبِيِّ (قَوْلُهُ لِيُرْمَى بِهِ إلَخْ) أَفْهَمَ أَنَّهُ لَوْ اسْتَقَلَّ بِالرَّمْيِ بِنَفْسِهِ لَا يَكْفِي وَهُوَ قِيَاسُ مَا يَأْتِي فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ (قَوْلُهُ: بَعْدَ رَمْيِهِ إلَخْ) قَضَيْتُهُ أَنَّ الْمُنَاوَلَةَ لَا يُشْتَرَطُ لِلِاعْتِدَادِ بِهَا كَوْنُ الْمُنَاوِلِ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ، وَبَحَثَ حَجّ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ مُنَاوَلَةَ الْحَجَرِ مِنْ مُقَدَّمَاتِ الرَّمْيِ فَتُعْطَى حُكْمُهُ اهـ (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَوَى بِهِ الصَّبِيُّ) قَضَيْته أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الصَّرْفُ وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ عَنْ الرَّامِي لِصَرْفِهِ إيَّاهُ بِقَصْدِ الرَّمْيِ عَنْ الصَّبِيِّ (قَوْلُهُ فِي يَدِهِ) أَيْ الصَّبِيِّ (قَوْلُهُ: اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ إلَخْ) أَيْ الْوَلِيُّ وَمِثْلُهُ مَأْذُونُهُ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُمَا) أَيْ السَّعْيَ وَالطَّوَافَ (قَوْلُهُ: بَعْدَ فِعْلِهِمَا عَنْ نَفْسِهِ) قَضَيْته اشْتِرَاطُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُبَاشِرًا لِلْأَعْمَالِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ لَمَّا اُشْتُرِطَتْ مُصَاحَبَةُ الْوَلِيِّ لَهُ نَزَلَتْ مَنْزِلَةُ فِعْلِهِ، وَقَدْ يَشْكُلُ عَلَى هَذَا مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا حَمَلَ مُحْرِمًا لَمْ يَطُفْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَدَخَلَ وَقْتُ طَوَافِهِ وَنَوَاهُ الْحَامِلُ لِلْمَحْمُولِ وَقَعَ لِلْمَحْمُولِ ثُمَّ يَطُوفُ الْحَامِلُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الطِّفْلَ لَمَّا لَمْ يُعْتَدُّ بِإِحْرَامِهِ مُسْتَقِلًّا أُلْغِيَ فِعْلُهُ وَنَزَلَ فِعْلُ الْحَامِلِ مَنْزِلَةَ فِعْلِ الْمَحْمُولِ فَلَوْ أَوْقَعْنَاهُ عَنْ الطِّفْلِ لَزِمَ إلْغَاءُ فِعْلِ الْحَامِلِ مَعَ أَنَّ الْقَصْدَ إنَّمَا هُوَ فِعْلُهُ بِخِلَافِ مَا سَيَأْتِي فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ وَتَعَارَضَ فِعْلَاهُمَا غَلَبَ جَانِبُ الْمَحْمُولِ فَأُلْغِيَ مَعَهُ فِعْلُ الْحَامِلِ عَلَى نَفْسِهِ لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الدَّابَّةِ أَوْ أَنَّ مَا هُنَا مُصَوِّرٌ بِمَا لَوْ أَطْلَقَ وَمَا يَأْتِي مُصَوِّرٌ بِمَا إذَا قَصَدَ الْمَحْمُولَ وَحْدَهُ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْجَوَابَ مَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ ثُمَّ مِنْ قَوْلِهِ وَسَوَاءٌ فِي الصَّغِيرِ حَمَلَهُ وَلِيُّهُ الَّذِي أَحْرَمَ عَنْهُ أَمْ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ: وَكَذَا وُضُوءُهُ إلَخْ) وَإِذَا وَضَّأَهُ الْوَلِيُّ وَالْحَالَةُ مَا ذُكِرَ ثُمَّ بَلَغَ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ وَهُوَ بِطَهَارَةِ الْوَلِيِّ أَوْ كَانَ مَجْنُونًا فَأَفَاقَ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمَا نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهَا لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُعْتَدٌّ بِهَا أَوْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُصَلِّيَ بِهَا؟ تُرَدَّدَ فِيهِ سم عَلَى حَجّ ثُمَّ قَالَ: يُحْتَمَلُ الْأَوَّلُ وَيُحْتَمَلُ الثَّانِي وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ اهـ. أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الشَّارِعَ نَزَّلَ فِعْلَ وَلِيِّهِ مَنْزِلَةَ فِعْلِهِ فَاعْتَدَّ بِهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ بِهِ (قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ مِنْ طُهْرِ الْوَلِيِّ) اُنْظُرْ الْحِكْمَةَ فِي اشْتِرَاطِهِمَا مِنْ الْوَلِيِّ مَعَ أَنَّهُ آلَةٌ لِلطَّوَافِ بِغَيْرِهِ فَهُوَ كَالدَّابَّةِ، وَقَدْ يُقَالُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا اُشْتُرِطَتْ مُصَاحَبَتُهُ لَهُ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْمُبَاشَرَةِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: كَمَا يَغْرَمُ مَا يَجِبُ بِسَبَبِهِ إلَخْ) أَيْ وَهُوَ مُمَيِّزٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَاصِلِ

وَتَطَيُّبِهِ سَوَاءٌ أَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ أَمْ فَعَلَهُ بِهِ الْوَلِيُّ وَلَوْ لِحَاجَةِ الصَّبِيِّ لِمَا مَرَّ مَعَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قِيلَ لَهُ نِكَاحًا؛ لِأَنَّ الْمَنْكُوحَةَ قَدْ تَفُوتُ، وَالنُّسُكُ يُمْكِنُ تَأْخِيرُهُ إلَى الْبُلُوغِ، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ لُزُومِ جَمِيعِ ذَلِكَ لِلْوَلِيِّ إذَا كَانَ مُمَيِّزًا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا صُرِّحَا بِهِ كَغَيْرِهِمَا خِلَافًا لِمَا فِي الْإِسْعَادِ تَبَعًا لِلْإِسْنَوِيِّ، وَمَا فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ أَنَّ فِدْيَةَ الْحَلْقِ وَالْقَلْمِ عَلَى الْمُمَيِّزِ لَعَلَّهُ فَرَّعَهُ عَلَى مَرْجُوحٍ وَهُوَ صِحَّةُ إحْرَامِهِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ لِيُوَافِقَ كَلَامَهُمْ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ تَبَعًا لِلزَّرْكَشِيِّ بِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى الصَّبِيِّ ثُمَّ تَحَمَّلَهَا عَنْهُ الْوَلِيُّ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْأَصَحَّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَكُونُ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ بَلْ فِي الْمَجْمُوعِ هُنَا أَنَّهَا فِي مَالِ الْوَلِيِّ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا فِي الْإِسْعَادِ عَلَى التَّفْرِيعِ الْمَارِّ، وَلَا يُنَافِي مَا قَرَّرْنَاهُ قَوْلُهُمْ يَضْمَنُ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ الصَّيْدَ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ فِي غَيْرِ مَحْرَمٍ بِأَنْ أَتْلَفَهُ فِي الْحَرَمِ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنْ الْوَلِيِّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى فَعَلَ مَحْظُورًا وَهُوَ غَيْرُ مُمَيِّزٍ فَلَا فِدْيَةَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ مُمَيِّزٍ بِأَنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ نَاسِيًا فَكَذَلِكَ، وَمِثْلُهُ الْجَاهِلُ الْمَعْذُورُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَإِنْ تَعَمَّدَ أَوْ حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا وَلَوْ سَهْوًا فَالْفِدْيَةُ فِي مَالِ الْوَلِيِّ، وَفَارَقَ الْوُجُوبَ هُنَا فِي مَالِ الْوَلِيِّ أُجْرَةُ تَعْلِيمِهِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ حَيْثُ وَجَبَتْ فِي مَالِ الصَّبِيِّ بِأَنَّ مَصْلَحَةَ التَّعْلِيمِ كَالضَّرُورَةِ وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْهَا الْوَلِيُّ فِي الصَّغِيرِ احْتَاجَ إلَى اسْتِدْرَاكِهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ بِخِلَافِ الْحَجِّ، وَلَوْ فَعَلَ بِهِ أَجْنَبِيٌّ وَلَوْ لِحَاجَةٍ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ كَالْوَلِيِّ، وَيُفْسَدُ حَجُّ الصَّبِيِّ بِجِمَاعِهِ الَّذِي يُفْسَدُ بِهِ حَجُّ الْكَبِيرِ (وَإِنَّمَا تَصِحُّ مُبَاشَرَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِ الْمُمَيِّزِ) وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ رَقِيقًا كَبَقِيَّةِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ (وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ) وَعُمْرَتِهِ بِالْمُبَاشَرَةِ أَوْ النِّيَابَةِ (إذَا بَاشَرَهُ) الْمُسْلِمُ (الْمُكَلَّفُ) أَيْ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ (الْحُرُّ) وَإِنْ لَمْ يُكَلَّفْ بِالْحَجِّ إذْ هُوَ مُكَلَّفٌ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَيُجْزِي) (حَجُّ الْفَقِيرِ) وَكُلُّ عَاجِزٍ حَيْثُ اجْتَمَعَ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ وَالتَّكْلِيفُ كَمَا لَوْ تَكَلَّفَ الْمَرِيضُ حُضُورَ الْجُمُعَةِ أَوْ الْغَنِيُّ خَطَرَ الطَّرِيقِ وَحَجَّ.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ تَعْبِيرَهُ بِالْمُبَاشَرَةِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ إذْ النِّيَابَةُ عَنْ غَيْرِهِ لِمَوْتٍ أَوْ عَضْبٍ كَذَلِكَ، وَلَوْ تَكَلَّفَ الْفَقِيرُ الْحَجَّ وَأَفْسَدَهُ ثُمَّ قَضَاهُ كَفَاهُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ تَكَلَّفَ وَأَحْرَمَ بِنَفْلٍ وَقَعَ عَنْ فَرْضِهِ أَيْضًا فَلَوْ أَفْسَدَهُ ثُمَّ قَضَاهُ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ (دُونَ حَجِّ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ) إذَا كَمَّلَا بَعْدَهُ إجْمَاعًا لِخَبَرِ «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حِجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عَتَقَ فَعَلَيْهِ حِجَّةٌ أُخْرَى» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْحَجَّ وَظِيفَةُ الْعُمْرِ لَا تَكَرُّرَ فِيهِ فَاعْتُبِرَ وُقُوعُهُ فِي حَالَةِ الْكَمَالِ، فَإِنْ كَمُلَا قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ بِالْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ وَهُمَا فِي الْمَوْقِفِ وَأَدْرَكَا زَمَنًا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْوُقُوفِ أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ عَادَا لَهُ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهِ أَجْزَأَهُمَا لِخَبَرِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مُعْظَمَ الْحَجِّ فَصَارَ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا لَوْ قِيلَ لَهُ نِكَاحًا) أَيْ فَإِنَّ مُؤَنَ النِّكَاحِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ دُونَ الْوَلِيِّ (قَوْلُهُ وَلَوْ لِحَاجَةٍ) كَأَنْ رَآهُ بَرْدَانًا مَثَلًا فَأَلْبَسَهُ (قَوْلُهُ لَزِمَتْهُ) أَيْ الْأَجْنَبِيُّ (قَوْلُهُ: الَّذِي يَفْسُدُ بِهِ حَجّ الْكَبِيرُ) أَيْ بِأَنْ كَانَ عَامِدًا عَالَمًا مُخْتَارًا، وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ مِنْ مَالِ الْوَلِيِّ إذَا تَعَمَّدَ الْحَلْقُ أَوْ الْقَلَمُ إلَخْ وُجُوبُ الْقَضَاءِ هُنَا أَيْضًا مِنْ مَالِ الْوَلِيِّ (قَوْلُهُ: الْحُرُّ) أَيْ وَلَوْ بِالتَّبَيُّنِ وَإِنْ كَانَ حَالَ الْفِعْلِ قِنًّا ظَاهِرًا اهـ حَجّ وَمِثْلُهُ مَا لَوْ كَانَ صَبِيًّا ظَاهِرًا وَتَبَيَّنَ بُلُوغُهُ كَمَا شَمْلَهُ عُمُومُ قَوْلِهِ وَلَوْ بِالتَّبَيُّنِ (قَوْلُهُ وَلَوْ تُكَلَّفَ وَأَحْرَمَ بِنَفْلٍ) اُنْظُرْ مَا صُورَتُهُ، وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِأَنْ يَقْصِدَ حَجًّا

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: أَوْ النِّيَابَةُ) عَطْفُ هَذَا عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِالْمُبَاشَرَةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الشَّرْطَيْنِ الْآتِيَيْنِ شَرْطَانِ فِي الْمَحْجُوجِ عَنْهُ وَيُصَرِّحُ بِهِ أَيْضًا قَوْلُهُ الْآتِي، وَإِنْ لَمْ يُكَلَّفْ بِالْحَجِّ إذْ هُوَ مُكَلَّفٌ فِي الْجُمْلَةِ وَحِينَئِذٍ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إذَا بَاشِرَهُ قَوْلُهُ أَوْ أَنَابَ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا فَهِمَهُ الشِّهَابُ حَجّ مِنْ جَعْلِ الشَّرْطَيْنِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ شَرْطَيْنِ فِي الْمُبَاشِرِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا يُعْلَمُ بِمُرَاجَعَةِ كَلَامِهِ فِي تُحْفَتِهِ (قَوْلُهُ إذْ النِّيَابَةُ عَنْ غَيْرِهِ لِمَوْتٍ أَوْ عَضْبٍ كَذَلِكَ) هَذَا لَا يَصِحُّ تَرْتِيبُهُ عَلَى أَنَّ تَعْبِيرَ الْمُصَنِّفِ بِالْمُبَاشَرَةِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَلَا مَا قَدَّمَهُ هُوَ فِي حَلِّ الْمَتْنِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، فَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: إذْ مَنْ وَقَعَتْ الِاسْتِنَابَةُ عَنْهُ لِمَوْتٍ أَوْ عَضْبٍ كَذَلِكَ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ) كَانَ الْأَصْوَبَ

كَمَا لَوْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُدْرِكْ الْوُقُوفَ وَيُعِيدُ مَنْ ذَكَرَ السَّعْيَ إنْ كَانَ قَدْ سَعَى بَعْدَ الْقُدُومِ لِوُقُوعِهِ فِي حَالِ النُّقْصَانِ وَيُخَالِفُ الْإِحْرَامَ فَإِنَّهُ مُسْتَدَامٌ بَعْدَ الْكَمَالِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ إجْزَاؤُهُ عَنْ فَرْضِهِ أَيْضًا إذَا تَقَدَّمَ الطَّوَافُ أَوْ الْحَلْقُ وَأَعَادَهُ بَعْدَ إعَادَةِ الْوُقُوفِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ تَجِبُ إعَادَتُهُ لِتَبَيُّنِ وُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَلَوْ كَمَّلَ مَنْ ذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَمَّلَ قَبْلَهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ: أَيْ وَيُعِيدُ مَا مَضَى قَبْلَ كَمَالِهِ، بَلْ لَوْ كَمَّلَ بَعْدَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ كَفَى فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا لَوْ أَعَادَ الْوُقُوفَ بَعْدَ الْكَمَالِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الرَّوْضِ، وَالطَّوَافُ فِي الْعُمْرَةِ كَالْوُقُوفِ فِي الْحَجِّ اهـ. وَوُقُوعُ الْكَمَالِ فِي أَثْنَاءِ الْعُمْرَةِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَارِّ، وَالطَّوَافُ فِيهَا كَالْوُقُوفِ فِي الْحَجِّ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ بِإِتْيَانِهِ بِالْإِحْرَامِ فِي حَالِ النَّقْصِ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَى الْمِيقَاتِ كَامِلًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ وَلَا إسَاءَةَ، وَفَارَقَ الْكَافِرَ الْآتِيَ إذَا لَمْ يَعُدْ إلَى الْمِيقَاتِ بِأَنَّهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى إزَالَةِ نَقْصِهِ حِينَ مَرَّ بِهِ، وَحَيْثُ أَجْزَأَهُ مَا أَتَى بِهِ عَنْ فَرْضِ الْإِسْلَامِ وَقَعَ إحْرَامُهُ أَوَّلًا تَطَوُّعًا، وَانْقَلَبَ عَقِبَ الْكَمَالِ فَرْضًا عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْمَجْمُوعِ.
.

وَفِيهِ عَنْ الدَّارِمِيِّ: لَوْ فَاتَ الصَّبِيَّ الْحَجُّ فَإِنْ بَلَغَ قَبْلَ الْفَوَاتِ فَعَلَيْهِ حِجَّةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالْقَضَاءِ، أَوْ بَعْدَهُ لَزِمَهُ حَجَّتَانِ حِجَّةٌ لِلْفَوَاتِ وَأُخْرَى لِلْإِسْلَامِ، وَيَبْدَأُ بِحِجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ أَفْسَدَ الْحُرُّ الْبَالِغُ قَبْلَ الْوُقُوفِ حَجَّهُ ثُمَّ فَاتَهُ أَجْزَأَتْهُ وَاحِدَةٌ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالْفَوَاتِ وَالْقَضَاءِ، وَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ لِلْإِفْسَادِ وَأُخْرَى لِلْفَوَاتِ.
وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ جَمْعٍ مِنْ الْأَصْحَاب مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ دَمٍ عَلَى الرَّقِيقِ قَيَّدَهُ الزَّرْكَشِيُّ بَحْثًا بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَضَاءٌ عَنْ وَاجِبِ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ أَفْسَدَهُ وَإِلَّا وَجَبَ، قَالَ: بَلْ يَنْبَغِي وُجُوبُهُ إذَا قَدَرَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُعَلَّقَةِ هِيَ عَلَيْهَا تَنْزِيلًا لِلْمُتَوَقَّعِ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ، وَاسْتَظْهَرَ

[حاشية الشبراملسي]

غَيْرَ الْقَضَاءِ فَيَكُونُ نَفْلًا مِنْ حَيْثُ الِابْتِدَاءِ وَوَاجِبًا مِنْ حَيْثُ حُصُولِ إحْيَاءِ الْكَعْبَةِ بِهِ فَيَلْغُو ذَلِكَ الْقَصْدُ وَيَقَعُ عَنْ الْقَضَاءِ (قَوْلُهُ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ) أَيْ وَقَعَ عَنْ فَرْضِهِ (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يُدْرِكْ) أَيْ كُلٌّ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ (قَوْلُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ إجْزَاؤُهُ) أَيْ الْحَجِّ (قَوْلُهُ: إذَا تَقَدَّمَ الطَّوَافُ أَوْ الْحَلْقُ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُمَا لَوْ تَقَدَّمَا وَأَعَادَهُمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ لَا يُجْزِئُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فَكَانَ حَجَّهُ ثَمَّ فِي حَالَةِ نُقْصَانِهِ، لَكِنْ فِي حَجّ مَا نَصُّهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجْزِيهِ عَوْدُهُ وَلَوْ بَعْدَ التَّحَلُّلَيْنِ وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَهُمَا وَهُوَ مُحْتَمَلٌ فَيُعِيدُ مَا فَعَلَهُ بَعْدَ وُقُوفِهِ لِيَقَعَ فِي حَالِ الْكَمَالِ، وَعَلَيْهِ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ إحْرَامُهُ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ فَلْيُرَاجَعْ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالطَّوَافِ تُجْزِئُ إعَادَتُهُمَا وَيُعْتَدُّ بِهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَقَوْلُهُ الطَّوَافُ: أَيْ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرٌ أَنَّهُ تَجِبُ إعَادَتُهُ) أَيْ فَلَوْ لَمْ يُعِدْ اسْتَقَرَّتْ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فِي ذِمَّتِهِ لِتَفْوِيتِهِ لَهَا مَعَ إمْكَانِ الْفِعْلِ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ بِهِ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَمَّلَ قَبْلَهُ) أَيْ فَيَكْفِيهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَتِهِ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ بَعْدَ: أَيْ وَيُعِيدُ مَا مَضَى قَبْلَ كَمَالِهِ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ شَرْحًا لِكَلَامِ الْمَجْمُوعِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ حَجّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: إنَّ الْمُتَّجَهَ الِاكْتِفَاءُ بِمَا أَدْرَكَهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَتِهِ، فَلَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ أَيْ وَيُعِيدُ إلَخْ صَرْفٌ لِكَلَامِ الْمَجْمُوعِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَهُ أَنَّ مَا فَعَلَهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ حَيْثُ لَمْ يُعِدْهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ (قَوْلُهُ: عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَارِّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ كَمَّلَ مَنْ ذَكَرَ إلَخْ

(قَوْلُهُ: لَوْ فَاتَ الصَّبِيَّ الْحَجُّ) أَيْ بِأَنْ أَحْرَمَ بِهِ وَفَاتَهُ الْوُقُوفُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ (قَوْلُهُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ دَمٍ عَلَى الرَّقِيقِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ إذَا قَدَرَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ) أَيْ بِأَنْ عَلَّقَ سَيِّدُهُ إعْتَاقَهُ عَلَى مَا يُمَكِّنهُ فِعْلُهُ أَوْ كَانَ مُكَاتَبًا وَقَدَرَ عَلَى

[حاشية الرشيدي]

أَنْ يَقُولَ أَوْ نَفَرًا، ثُمَّ عَادَ لِأَنَّ هَذَا قَسِيمُ قَوْلِهِ وَهُمَا فِي الْمَوْقِفِ لَا قَسِيمُ قَوْلِهِ قَبْلَ الْخُرُوجِ وَقْتَ الْوُقُوفِ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ (قَوْلُهُ: إذَا تَقَدَّمَ الطَّوَافُ أَوْ الْحَلْقُ) أَيْ عَلَى الْكَمَالِ، وَكَذَا لَوْ تَقَدَّمَا مَعًا كَمَا فِي التُّحْفَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَمَّلَ مَنْ ذُكِرَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ) يَعْنِي فِي الْعُمْرَةِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: فَهُوَ كَمَا لَوْ كَمَّلَ قَبْلَهُ) أَيْ فَتُجْزِئُهُ عُمْرَتُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ (قَوْلُهُ: وَيُعِيدُ مَا مَضَى) أَيْ مِنْ الطَّوَافِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَوُقُوعُ الْكَمَالِ فِي أَثْنَاءِ الْعُمْرَةِ إلَخْ) هَذَا فِيهِ نَوْعُ تَكْرَارٍ مَعَ مَا قَبْلَهُ إلَّا أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْهُ

(قَوْلُهُ: وَلَوْ فَاتَ الصَّبِيَّ الْحَجُّ) يَعْنِي مَنْ أَحْرَمَ صَبِيًّا لِيَتَأَتَّى قَوْلُهُ فَإِنْ

الشَّيْخُ بَحْثَهُ الثَّانِيَ دُونَ الْأَوَّلِ، وَقَدْ يَسْتَبْعِدُ الثَّانِيَ أَيْضًا إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى هَذَا التَّنْزِيلِ.
نَعَمْ يُؤَيِّدُهُ الْفَرْقُ الْمُتَقَدِّمُ بَيْنَ الْكَافِرِ وَغَيْرِهِ، إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِفُحْشِ الْكُفْرِ وَمُنَافَاتِهِ لِلْعِبَادَةِ بِذَاتِهِ فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُ بِهِ.
.

قَالَ: وَسَكَتَ الرَّافِعِيُّ عَنْ إفَاقَةِ الْمَجْنُونِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالصَّبِيِّ فِي حُكْمِهِ انْتَهَى.
وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلهمْ لَوْ خَرَجَ بِهِ وَلِيُّهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْفَرْضِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَفَاقَ وَأَحْرَمَ وَأَتَى بِالْأَرْكَانِ مُفِيقًا أَجْزَأَهُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَسَقَطَ عَنْ الْوَلِيِّ زِيَادَةُ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْهَا وَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْوَلِيِّ ذَلِكَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمُتَوَلِّي: إذْ لَيْسَ لَهُ السَّفَرُ بِهِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِفَاقَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ لِسُقُوطِ الزِّيَادَةِ عَنْ الْوَلِيِّ لَا لِلْوُقُوعِ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ كَنَظِيرِهِ فِي الصَّبِيِّ، وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ: إنْ كَانَ مُدَّةُ إفَاقَةِ مَنْ يُجَنُّ وَيُفِيقُ يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ الْحَجِّ وَوُجِدَتْ فِيهَا الشُّرُوطُ الْبَاقِيَةُ لَزِمَهُ الْحَجُّ وَإِلَّا فَلَا هَذَا، وَاَلَّذِي فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مُفِيقًا وَقْتَ الْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ وَالسَّعْيِ.

وَلَوْ أَحْرَمَ كَافِرٌ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَزِمَهُ دَمٌ إنْ حَجَّ مِنْ سَنَتِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَمِثْلُهُ فِيمَا ذَكَرَ الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ كَمَا نُقِلَ عَنْ النَّصِّ.

(وَشَرْطُ) أَيْ وَشُرُوطِ (وُجُوبِهِ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (الْإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ) إجْمَاعًا، وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: 97]

[حاشية الشبراملسي]

تَوْفِيَةِ النُّجُومِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُسْتَبْعَدُ الثَّانِي) هُوَ الْمُتَعَمَّدُ

(قَوْلُهُ: لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِفَاقَةِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ إلَخْ (قَوْلُهُ: فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ) هُوَ مَا قَبْلُ إلَّا فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا لَمْ يَجْزِهِ عَنْهَا (قَوْلُهُ: مُفِيقًا وَقْتَ الْإِحْرَامِ) هُوَ ضَعِيفٌ أَوْ يُقَالُ هَذَا مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا لَمْ يُحْرِمْ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَيَأْتِي بِالْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ أَبِي الدَّمِ

(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَحْرَمَ كَافِرٌ مِنْ الْمِيقَاتِ) أَيْ بِأَنْ تَلَبَّسَ بِإِحْرَامٍ بَاطِلٍ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ فِيمَا ذَكَرَ الصَّبِيُّ) يُتَأَمَّلُ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَفَارَقَ الْكَافِرُ الْآتِي إلَخْ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ السَّابِقِ وَقَدْ يُسْتَبْعَدُ إلَخْ، ثُمَّ رَأَيْت بِهَامِشِ نُسْخَةٍ وَعَلَيْهِ تَصْحِيحُ مَا نَصَّهُ: أَيْ إذَا جَازُوا مَعَ الْإِرَادَةِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ لِأَنَّهُ فِيمَا إذَا كَانَ بِدُونِ إذْنِهِ اهـ. وَبِهِ يَنْدَفِعُ التَّنَافِي فِي الْمُجَاوَزَةِ لَكِنْ يَبْقَى الْكَلَامُ فِيمَا لَوْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ ثُمَّ بَلَغَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ إحْرَامُهُ بِدُونِ إذْنِ الْوَلِيِّ، وَيُمْكِنُ

[حاشية الرشيدي]

بَلَغَ قَبْلَ الْفَوَاتِ

(قَوْلُهُ: وَسَكَتَ الرَّافِعِيُّ عَنْ إفَاقَةِ الْمَجْنُونِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ عَنْهُ) أَيْ هَلْ يُجْزِئُهُ الْحَجُّ مَثَلًا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي نِسْبَةِ السُّكُوتِ فِي هَذَا لِلرَّافِعِيِّ غَفْلَةٌ عَمَّا سَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ عَنْ الشَّيْخَيْنِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ حَجّ (قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالصَّبِيِّ فِي حُكْمِهِ) يَعْنِي تَفْصِيلَهُ الْمُتَقَدِّمَ أَوَائِلَ السِّوَادَةِ وَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَ هَذَا عِنْدَهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِفَاقَةِ إلَخْ) هُوَ وَجْهُ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ وَهُوَ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ لَا تَقْبَلُهُ الْعِبَارَةُ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ حَجّ (قَوْلُهُ: فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ) أَيْ شِقِّ الْمَنْطُوقِ (قَوْلُهُ: هَذَا وَاَلَّذِي فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ إلَخْ) أَيْ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ عَقِبَ كَلَامِ ابْنِ أَبِي الدَّمِ وَهُوَ كَمَا قَالَ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ الشَّارِحِ

(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَحْرَمَ كَافِرٌ مِنْ الْمِيقَاتِ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ إحْرَامَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ (قَوْلُهُ: ثُمَّ أَسْلَمَ) أَيْ وَأَحْرَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِمَا (قَوْلُهُ: فَلَا يُنَافِيهِ مَا مَرَّ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ لَا جَامِعَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ حَتَّى يُحْكَمَ بَيْنَهُمَا بِالتَّنَافِي الْمُحْوِجِ إلَى الْجَوَابِ، لِأَنَّ مَا مَرَّ لَا مُجَاوَزَةَ فِيهِ لِلْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ شَرْعِيٍّ، إذْ صُورَتُهُ أَنَّهُ أَحْرَمَ إحْرَامًا شَرْعِيًّا مِنْ الْمِيقَاتِ لَكِنْ فِي حَالِ نَقْصِهِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الدَّمُ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ كَوْنِهِ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ وَلَا إسَاءَةَ، وَأَمَّا مَا هُنَا فَصُورَتُهُ أَنَّهُ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ أَيْ إذَا جَاوَزَ إلَخْ إنَّمَا هُوَ مُلْحَقٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَيَأْتِي لَهُ فِي الْبَابِ الْآتِي تَصْحِيحُ إطْلَاقِ عَدَمِ لُزُومِ الدَّمِ لِلصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَبَعًا لِابْنَيْ شُهْبَةَ وَقَاسِمٍ فَلْيُحَرَّرْ.

فَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ أَصْلِيٍّ وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ بِهِمَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ وَهُوَ مُعْسِرٌ بَعْدَ اسْتِطَاعَتِهِ فِي الْكُفْرِ فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لَهَا، بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ فَإِنَّ النُّسُكَ يَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ بِاسْتِطَاعَتِهِ فِي الرِّدَّةِ، وَلَا عَلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ كَبَقِيَّةِ الْعِبَادَاتِ، وَلَا عَلَى مَنْ فِيهِ رِقٌّ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مُسْتَحَقَّةٌ فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ وَلَا عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ لِمَفْهُومِ الْآيَةِ (وَهِيَ) أَيْ الِاسْتِطَاعَةُ (نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا اسْتِطَاعَةُ مُبَاشَرَةٍ) لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِنَفْسِهِ (وَلَهَا شُرُوطٌ) سَبْعَةٌ يُؤْخَذُ غَالِبُهَا مِنْ كَلَامِهِ، وَقَدْ عَدَّ أَرْبَعَةً مِنْهَا فَقَالَ (أَحَدُهَا وُجُودُ الزَّادِ) الَّذِي يَكْفِيهِ وَلَوْ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ (وَأَوْعِيَتُهُ) وَلَوْ سُفْرَةٍ إذَا احْتَاجَ لِذَلِكَ (وَمُؤْنَةٌ) أَيْ كُلْفَةُ (ذَهَابِهِ) لِمَكَّةَ (وَإِيَابِهِ) أَيْ رُجُوعِهِ مِنْهَا إلَى مَحَلِّهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ (وَقِيلَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِبَلَدِهِ) بِهَاءِ الضَّمِيرِ (أَهْلٌ) أَيْ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ كَزَوْجَةٍ وَقَرِيبٍ (وَعَشِيرَةٌ) أَيْ أَقَارِبٌ، وَلَوْ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ: أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا (لَمْ يُشْتَرَطْ) فِي حَقِّهِ (نَفَقَةُ الْإِيَابِ) الْمَذْكُورَةُ مِنْ الزَّادِ وَغَيْرِهِ إذْ الْمَحَالُّ كُلُّهَا فِي حَقِّهِ سَوَاءٌ، وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ لِمَا فِي الْغُرْبَةِ مِنْ الْوَحْشَةِ، وَالْوَجْهَانِ جَارِيَانِ أَيْضًا فِي الرَّاحِلَةِ لِلرُّجُوعِ، وَالْمُؤْنَةُ تَشْمَل الزَّادَ وَأَوْعِيَتَهُ فَذِكْرُهَا بَعْدَهُمَا مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ عِنْدَ عَدَمِ مَسْكَنٍ لَهُ بِبَلَدِهِ وَوَجَدَ فِي الْحِجَازِ حِرْفَةً تَقُومُ بِمُؤْنَتِهِ وَإِلَّا اُشْتُرِطَتْ مُؤْنَةُ الْإِيَابِ جَزْمًا، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْمَعَارِفِ وَالْأَصْدِقَاءِ لِتَيَسُّرِ اسْتِبْدَالِهِمْ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ (فَلَوْ) لَمْ يَجِدْ مَا ذَكَرَ وَلَكِنْ (كَانَ يَكْسِبُ) فِي سَفَرِهِ (مَا يَفِي بِزَادِهِ) أَيْ بِمُؤْنَتِهِ (وَسَفَرُهُ طَوِيلٌ) مَرْحَلَتَانِ فَأَكْثَرُ (لَمْ يُكَلَّفْ الْحَجَّ) وَإِنْ كَانَ يَكْسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ لِاحْتِمَالِ انْقِطَاعِ كَسْبِهِ لِعَارِضِ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ انْقِطَاعِهِ فَالْجَمْعُ بَيْنَ تَعَبِ السَّفَرِ وَالْكَسْبِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ (وَإِنْ قَصُرَ) السَّفَرُ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ عَلَى دُونِ مَرْحَلَتَيْنِ (وَهُوَ يَكْسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ) أَيْ أَيَّامِ الْحَجِّ (كُلِّفَ) الْحَجَّ بِأَنْ يَخْرُجَ لَهُ حِينَئِذٍ

[حاشية الشبراملسي]

تَخْصِيصُ قَوْلِهِ وَمِثْلُهُ فِيمَا ذُكِرَ الصَّبِيُّ بِمَا لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَيَخْرُجُ مَا لَوْ أَحْرَمَ مِنْهُ ثُمَّ كَمَّلَ بَعْدَهُ

(قَوْلُهُ: فَلَا يَجِبُ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا عَلَى مَنْ فِيهِ رِقٌّ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُبَعَّضُ، وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ وَنَوْبَةُ الْمُبَعَّضِ فِيهَا تَسَعُ الْحَجَّ فَلَا يَتِمُّ قَوْلُهُ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مُسْتَحَقَّةٌ إلَخْ، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَسْتَحِقُّ مَنَافِعَهُ فِي نَوْبَةِ الْحُرِّيَّةِ كَذَا بِهَامِشٍ عَنْ شَيْخِنَا الْحَلَبِيِّ.
أَقُولُ: وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ لَا تَلْزَمُ بَلْ لِأَحَدِ الْمُتَهَايِئِينَ الرُّجُوعُ وَلَوْ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْآخِرِ وَيَغْرَمُ لَهُ حِصَّةُ مَا اسْتَوْفَاهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ، وَعَلَيْهِ فَمُجَرَّدُ الْمُهَايَأَةِ لَا تُفَوِّتُ اسْتِحْقَاقِ الْمَنْفَعَةِ بَلْ يَجُوزُ رُجُوعُ السَّيِّدِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ حِصَّتِهِ وَيُمْنَعُ الْمُبَعَّضُ مِنْ اسْتِقْلَالِهِ بِالْكَسْبِ فِي حِصَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَلَهَا شُرُوطٌ سَبْعَةٌ) ظَاهِرُهُ بَلْ صَرِيحُهُ كَسَائِرِ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِقُدْرَةِ وَلِيِّ عَلَى الْوُصُولِ إلَى مَكَّةَ وَعَرَفَةَ فِي لَحْظَةِ كَرَامَةٍ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِالْأَمْرِ الظَّاهِرِ الْعَادِيِّ، فَلَا يُخَاطِبُ ذَلِكَ الْوَلِيُّ بِالْوُجُوبِ إلَّا إنْ قَدَرَ كَالْعَادَةِ، ثُمَّ رَأَيْت مَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ وَهُوَ مَا سَأَذْكُرُهُ أَوَاخِرُ الرَّهْنِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي قَبْضِهِ مِنْ الْإِمْكَانِ الْعَادِيِّ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِمَا يُمْكِنُ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ.
اهـ حَجّ.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: قَوْلُهُ وَلَا فَرْضَ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ لَوْ كَانَ هَذَا مِنْ أَرْبَابِ الْخُطْوَةِ فَاخْتَارَ شَيْخُنَا الطَّبَلَاوِيُّ وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَيْهِ اهـ. وَالْأَقْرَبُ مَا قَالَهُ حَجّ (قَوْلُهُ: عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ) قَالَ حَجّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَحِكْمَةُ ذِكْرِ الْخَاصِّ وُرُودُهُ فِي الْخَبَرِ الَّذِي صَحَّحَهُ جَمْعٌ وَضَعَّفَهُ آخَرُونَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سُئِلَ عَنْ السَّبِيلِ فِي الْآيَةِ فَقَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» . [فَرْعٌ اسْتِطْرَادِيٌّ] وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا يَقَعُ كَثِيرًا فِي مُخَاطَبَاتِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِنْ قَوْلِهِمْ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ يَا حَاجَّ فُلَانٍ تَعْظِيمًا لَهُ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ لَا؟ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الظَّاهِرَ الْحُرْمَةُ لِأَنَّهُ كَذَبَ، إنَّ مَعْنَى يَا حَاجُّ: يَامَنَ أَتَى بِالنُّسُكِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ.
نَعَمْ إنْ أَرَادَ بِيَا حَاجُّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ وَقَصَدَ بِهِ مَعْنًى صَحِيحًا، كَأَنْ أَرَادَ بِيَا حَاجُّ يَا قَاصِدَ التَّوَجُّهِ إلَى كَذَا كَالْجَمَاعَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَلَا حُرْمَةَ (قَوْلُهُ وَهُوَ يَكْسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ) أَيْ كَسْبًا لَائِقًا بِهِ لِأَنَّ فِي تَعَاطِيهِ غَيْرِ

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

لِاسْتِغْنَائِهِ بِكَسْبِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يَكْسِبُ كِفَايَةَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ لِانْقِطَاعِهِ عَنْ الْكَسْبِ أَيَّامَ الْحَجِّ.
وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ أَخْذًا مِنْ التَّعْلِيلِ السَّابِقِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَيَسَّرَ لَهُ الْكَسْبُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ خُرُوجِهِ، وَالْإِسْنَوِيُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَقْدِرُ فِي الْحَضَرِ عَلَى أَنْ يَكْسِبَ فِي يَوْمٍ مَا يَكْفِيهِ لَهُ وَلِلْحَجِّ لَزِمَهُ إنْ قَصُرَ السَّفَرُ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا أَلْزَمُوهُ بِهِ فِي السَّفَرِ فَفِي الْحَضَرِ أَوْلَى وَكَذَا إنْ طَالَ لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ كَسْبَهُ فِي الْحَضَرِ تَحْصِيلٌ لِسَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ كَمَا يَأْتِي فَلَا يُكَلَّفُ الْكَسْبَ فِي الْحَضَرِ مُطْلَقًا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ فِي السَّفَرِ بِأَنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ مُسْتَطِيعًا فِي السَّفَرِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ وَلَوْ قَبْلَ تَحْصِيلِ الْكَسْبِ، وَهَذَا لَا يُعَدُّ مُسْتَطِيعًا لَهُ إلَّا بَعْدَ حُصُولِ الْكَسْبِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ فِي السَّفَرِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُهُ لِمَا مَرَّ، وَأَيْضًا؛ فَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْكَسْبُ لِإِيفَاءِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فَلَأَنْ لَا يَجِبَ لِإِيفَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى.
وَقَدْ نَقَلَ الْخُوَارِزْمِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ اكْتِسَابِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ، وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا فِيمَا إذَا قَصُرَ السَّفَرُ وَكَانَ يَكْسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ كَمَا مَرَّ، وَأَيَّامُ الْحَجِّ سِتَّةٌ إذْ هِيَ مِنْ زَوَالِ سَابِعِ الْحِجَّةِ إلَى زَوَالِ ثَالِثَ عَشَرِهِ، وَقَوْلُ الْمَجْمُوعِ إنَّهَا سَبْعَةٌ مَعَ تَحْدِيدِهِ بِذَلِكَ فِيهِ اعْتِبَارُ الطَّرَفَيْنِ، وَاسْتَنْبَطَ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ التَّعْلِيلِ بِانْقِطَاعِهِ عَنْ الْكَسْبِ أَيَّامَ الْحَجِّ أَنَّهَا مِنْ خُرُوجِ النَّاسِ غَالِبًا وَهُوَ مِنْ أَوَّلِ الثَّامِنِ إلَى آخِرِ الثَّالِثَ عَشَرَ وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَنْفِرْ النَّفْرَ الْأَوَّلَ، وَمَا ادَّعَاهُ فِي الْإِسْعَادِ مِنْ كَوْنِ تَقْدِيرِهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ النَّقِيبِ أَقْرَبُ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَ أَعْمَالِ الْحَجِّ تَمَتُّعًا وَإِفْرَادًا مُمْكِنٌ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالْمُرَادُ بِالْأَعْمَالِ الْأَرْكَانِ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ مَدْخَلًا فِي التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ، وَالْقَارِنُ يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُ أَعْمَالِهِمَا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ النَّحْرِ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُكْتَسَبَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ لَا يَجِدُ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ، وَلِأَنَّ إلْزَامَ الْكَسْبِ لَهُ يَوْمَ الثَّامِنِ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ سُنَنًا كَثِيرَةً، وَفِي الْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ إنْ لَمْ يَنْفِرْ يَفُوتُ عَلَيْهِ أَيْضًا الرَّمْيُ فِي الْوَقْتِ الْفَاضِلِ وَتَحْصِيلُ سُنَنِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي يَفُوتُ فِيهَا نَحْوُ ثُلُثِ النَّهَارِ فَكَانَ اعْتِبَارُ السِّتَّةِ أَوْلَى، وَيَظْهَرُ فِي الْعُمْرَةِ الِاكْتِفَاءُ بِمَا يَسَعُ أَفْعَالُهَا غَالِبًا وَهُوَ نَحْوُ ثُلُثَيْ يَوْمٍ.

(الثَّانِي) مِنْ شُرُوطِ الِاسْتِطَاعَةِ (وُجُودُ الرَّاحِلَةِ) الصَّالِحَةِ لِمِثْلِهِ بِشِرَاءٍ أَوْ اسْتِئْجَارٍ بِثَمَنٍ أَوْ أُجْرَةِ مِثْلٍ لَا بِزِيَادَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ وَقَدَرَ عَلَيْهَا أَوْ رُكُوبِ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ إنْ قَبِلَهُ أَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ وَصَحَّحْنَاهُ أَوْ مُوصًى بِمَنْفَعَتِهِ إلَى ذَلِكَ، وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ عَلَى مَنْ حَمَلَهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَأَهْلِ وَظَائِفِ الرَّكْبِ مِنْ الْقُضَاةِ أَوْ غَيْرِهِمْ وَمَحَلُّ ذَلِكَ (لِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ) فَأَكْثَرَ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ.
نَعَمْ يُسَنُّ لَهُ الْمَشْيُ حِينَئِذٍ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ،

[حاشية الشبراملسي]

اللَّائِقِ بِهِ عَارًا وَذُلًّا شَدِيدًا أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِي النَّفَقَاتِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَكْتَسِبُ بِغَيْرِ لَائِقٍ بِهِ كَانَ لِزَوْجَتِهِ الْفَسْخُ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ خُرُوجِهِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ فِي الْحَضَرِ مُطْلَقًا) أَيْ قَصُرَ السَّفَرُ أَوْ طَالَ

(قَوْلُهُ: الصَّالِحَةِ) عِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ: وَإِنْ لَمْ تَلِقْ بِهِ، وَمِثْلُهُ فِي حَجّ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَوْ رُكُوبٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِشِرَاءِ (قَوْلُهُ: إنْ قَبِلَهُ) وَهَلْ يَجِبُ الْقَبُولُ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ أَوَّلًا لِمَا فِي قَبُولِ الْوَقْفِ مِنْ الْمِنَّةِ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِمَالٍ وَمَاتَ الْمُوصِي هَلْ يَجِبُ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ أَوَّلًا لِمَا تَقَدَّمَ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ فِيهِمَا عَدَمُ الْوُجُوبِ لِمَا ذَكَرَ، وَيَحْتَمِلُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ لِأَنَّ الْوَقْفَ يَصِيرُ مِلْكًا لِلَّهِ تَعَالَى وَيَنْتَقِلُ عَنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ وَاخْتِلَالُ شَرْطٍ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ فَتَضْعُفُ الْمِنَّةُ فِيهِ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الْمُوصَى بِهِ مِلْكًا مُطْلَقًا فَأَشْبَهَ الْهِبَةَ (قَوْلُهُ: وَصَحَّحْنَاهُ) أَيْ عَلَى الْمَرْجُوحِ (قَوْلُهُ: عَلَى مَنْ حَمَلَهُ الْإِمَامُ) أَيْ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إذَا حَمَلَهُ الْإِمَامُ

[حاشية الرشيدي]

[شُرُوط وُجُوب الْحَجّ وَالْعُمْرَة]

قَوْلُهُ أَوْ مُوصًى بِمَنْفَعَتِهِ إلَى ذَلِكَ) الظَّاهِرُ أَنَّ مَرْجِعَ الْإِشَارَةِ سَقَطَ مِنْ الْكَتَبَةِ، فَإِنَّ الْعِبَارَةَ لِلْإِمْدَادِ وَلَفْظُهَا بَعْدَ

وَمُقْتَضَى كَلَامِ الرَّافِعِيِّ عَدَمُ الْفَرْقِ فِي اسْتِحْبَابِ الْمَشْيِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَهُوَ كَذَلِكَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: لَا يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ الْخُرُوجُ مَاشِيَةً لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، وَرُبَّمَا تَظْهَرُ لِلرِّجَالِ عِنْدَ مَشْيِهَا وَلِوَلِيِّهَا عَلَى الْأَوَّلِ مَنْعُهَا كَمَا قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ.
وَالرُّكُوبُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ لِلِاتِّبَاعِ، وَالْأَفْضَلُ أَيْضًا لِمَنْ قَدَرَ أَنْ يَرْكَبَ عَلَى الْقَتَبِ وَالرَّحْلِ فِعْلَ ذَلِكَ، وَأَصْلُ الرَّاحِلَةِ النَّاقَةُ الصَّالِحَةُ لِلْحَمْلِ وَتُطْلَقُ عَلَى مَا يُرْكَبُ مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُرَادُهُمْ هُنَا، وَأَلْحَقَ الطَّبَرِيُّ بِهَا كُلَّ دَابَّةٍ اُعْتِيدَ الْحَمْلُ عَلَيْهَا مِنْ نَحْوِ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَإِنَّمَا يُعْتَادُ ذَلِكَ فِي مَرَاحِلَ يَسِيرَةٍ دُونَ الْمَسَافَةِ الشَّاسِعَةِ إذْ لَا يَقْوَى عَلَيْهَا إلَّا الْإِبِلُ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَسَافَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّوَابِّ فَلْيُعْتَبَرْ قُدْرَتُهُ عَلَى الدَّابَّةِ اللَّائِقَةِ لَهَا، وَإِنَّمَا اعْتَبَرُوا مَسَافَةَ الْقَصْرِ هُنَا مِنْ مَبْدَإِ سَفَرِهِ إلَى مَكَّةَ لَا إلَى الْحَرَمِ عَكْسَ مَا اعْتَبَرُوهُ فِي حَاضِرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْمُتَمَتِّعِ رِعَايَةً لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِمَا (فَإِنْ لَحِقَهُ بِالرَّاحِلَةِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ) بِأَنْ تَكُونَ كَالْمَشَقَّةِ بَيْنَ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ، وَالْأَقْرَبُ ضَبْطُهَا بِمُبِيحِ تَيَمُّمٍ (اُشْتُرِطَ وُجُودُ مَحْمِلٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَهُوَ خَشَبٌ وَنَحْوُهُ يُجْعَلُ فِي جَانِبِ الْبَعِيرِ لِلرُّكُوبِ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ بِعِوَضِ مِثْلٍ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، فَإِنْ أُلْحِقَ مَنْ ذُكِرَ فِي رُكُوبِ الْمَحْمِلِ الْمَشَقَّةُ الْمَذْكُورَةُ اُعْتُبِرَ فِي حَقِّهِ الْكَنِيسَةُ، وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ الْآنَ بِالْمَحَارَةِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوبِ فِيهَا فَمِحَفَّةٌ، فَإِنْ عَجَزَ فَسَرِيرٌ يَحْمِلُهُ رِجَالٌ وَإِنْ بَعُدَ مَحَلُّهُ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مُؤَنِ ذَلِكَ، وَأَنَّهَا فَاضِلَةٌ عَمَّا يَأْتِي، أَمَّا الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمَا وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُمَا، وَتَقْيِيدُ الْأَذْرَعِيُّ مَا ذَكَرَ فِيهِمَا بِمَنْ لَا يَلِيقُ بِهَا رُكُوبُهَا بِدُونِهِ أَوْ كَانَتْ تَمَشَّى وَإِلَّا فَكَالرِّجْلِ مَحَلُّ نَظَرٍ، إذْ الْأُنْثَى مَأْمُورَةٌ بِالسِّتْرِ مَا أَمْكَنَ فَلَا نَظَرَ لِعَادَتِهَا (وَاشْتُرِطَ) فِي حَقِّ رَاكِبِ الْمَحْمِلِ وَنَحْوِهِ أَيْضًا (شَرِيكٌ يَجْلِسُ فِي الشِّقِّ الْآخَرِ) يَكُونُ عَدْلًا تَلِيقُ بِهِ مُجَالَسَتُهُ لَيْسَ بِهِ نَحْوُ بَرَصٍ وَلَا جُذَامٍ، وَيُوَافِقُهُ عَلَى الرِّضَا بِالرُّكُوبِ بَيْنَ الْمَحْمِلَيْنِ عِنْدَ نُزُولِهِ لِنَحْوِ قَضَاءِ حَاجَةٍ فِيمَا يَظْهَرُ فِي الْكُلِّ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلَا وُجُوبَ وَإِنْ وَجَدَ مُؤْنَةَ الْمَحْمِلِ بِتَمَامِهِ إذْ بَذْلُ الزَّائِدِ خُسْرَانٌ لَا مُقَابِلَ لَهُ كَمَا فِي الْوَسِيطِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ زَادٍ وَغَيْرِهِ إذَا أَمْكَنَتْ الْمُعَادَلَةُ بِهِ، يَقُومُ مَقَامَ الشَّرِيكِ، وَرَجَّحَ ابْنُ الْعِمَادِ تَعَيُّنَ الشَّرِيكِ إذْ الْمُعَادَلَةُ بِغَيْرِهِ لَا تَقُومُ مَقَامَهُ فِي السُّهُولَةِ عِنْدَ النُّزُولِ وَالرُّكُوبِ، وَرَجَّحَ الزَّرْكَشِيُّ الْأَوَّلَ بِأَنَّهُ ظَاهِرُ النَّصِّ وَكَلَامُ الْجُمْهُورِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ إنْ سَهُلَتْ الْمُعَادَلَةُ بِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَخْشَ مَيْلًا وَرَأَى مَنْ يُمْسِكُهُ لَهُ لَوْ مَالَ عِنْدَ نُزُولِهِ

[حاشية الشبراملسي]

يَنْبَغِي وُجُوبُ السُّؤَالِ إذَا ظَنَّ الْإِجَابَةَ (قَوْلُهُ وَلِوَلِيِّهَا عَلَى الْأَوَّلِ) هُوَ قَوْلُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: وَأُلْحِقَ الطَّبَرِيُّ بِهَا) أَيْ وَكَانَتْ تَلِيقُ بِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ (الصَّالِحَةُ لِمِثْلِهِ) (قَوْلُهُ: مِنْ نَحْوِ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ) وَإِنْ لَمْ يَلِقْ بِهِ زِيَادِي وَحَجَّ.
أَقُولُ: وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْحَجُّ لَا بَدَّلَ لَهُ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ، وَيُفَرَّقُ بَيْن ذَلِكَ وَبَيْنَ الْعَادِلِ الْآتِي حَيْثُ اُشْتُرِطَتْ فِيهِ اللِّيَاقَةُ بِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الضَّرَرُ بِمُجَالَسَتِهِ بِخِلَافِ الدَّابَّةِ (قَوْله الشَّاسِعَةِ) هُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالسِّينِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ: أَيْ الْبَعِيدَةِ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: بِالْمَحَارَةِ) أَيْ وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ الْآنَ بِالشُّقَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَا جُذَامٍ) قَالَ الزِّيَادِيُّ: وَلَا شَدِيدُ الْعَدَاوَةِ لَهُ فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الْوَلِيمَةِ، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ هُنَا أَعْظَمُ بِطُولِ مُصَاحَبَتِهِ (قَوْلُهُ: يَقُومُ مَقَامَ الشَّرِيكِ) مُعْتَمَدٌ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلِهِ وَصَحَّحْنَاهُ أَوْ عَلَى الْحَمْلِ إلَى مَكَّةَ أَوْ مُوصًى إلَخْ (قَوْلُهُ: فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ) أَيْ وُجُودُ الْمَحْمَلِ (قَوْلُهُ وَتَقْيِيدُ الْأَذْرَعِيِّ إلَخْ) عِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَنْ لَا يَلِيقُ بِهَا رُكُوبُهَا أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهَا، أَمَّا غَيْرُهَا فَالْأَشْبَهُ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ

لِنَحْوِ قَضَاءِ حَاجَةٍ اكْتَفَى بِهَا؛ وَإِلَّا فَالْأَقْرَبُ، تَعَيُّنُ الشَّرِيكِ.

(وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) أَيْ مَكَّةَ (دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى الْمَشْيِ) (يَلْزَمُهُ الْحَجُّ) لِانْتِفَاءِ الْمَشَقَّةِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ وُجُودُ الرَّاحِلَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَأَشْعَرَ تَعْبِيرَهُ بِالْمَشْيِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَبْوُ وَالزَّحْفُ وَإِنْ أَطَاقَهُمَا وَهُوَ كَذَلِكَ (فَإِنْ ضَعُفَ) عَنْ الْمَشْيِ بِأَنْ عَجَزَ أَوْ لَحِقَهُ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ (فَكَالْبَعِيدِ) عَنْ مَكَّةَ فَيُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ مَا مَرَّ (وَيُشْتَرَطُ) (كَوْنُ) مَا ذَكَرَ مِنْ (الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ) مَعَ مَا يُعْتَبَرُ مَعَهُمَا (فَاضِلَيْنِ عَنْ دَيْنِهِ) وَلَوْ مُؤَجَّلًا أَوْ أُمْهِلَ بِهِ رَبُّهُ سَوَاءٌ أَكَانَ لِآدَمَ أَمْ لِلَّهِ تَعَالَى كَنَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ فِي ذِمَّةِ غَيْرِهِ وَأَمْكَنَ تَحْصِيلُهُ فِي الْحَالِ فَكَالْحَاصِلِ عِنْدَهُ وَإِلَّا فَكَالْمَعْدُومِ (وَ) عَنْ (مُؤْنَةِ) أَيْ كُلْفَةِ (مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ مُدَّةُ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ) عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِهِ وَبِهِمْ مِنْ كِسْوَةٍ وَمَسْكَنٍ وَخَادِمٍ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ وَإِعْفَافِ الْأَبِ، وَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ وَثَمَنِ الْأَدْوِيَةِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهَا لِئَلَّا يَضِيعُوا فَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» وَمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُهُمَا مِنْ جَوَازِ الْحَجِّ عِنْدَ فَقْدِ مُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ لِجَعْلِهَا ذَلِكَ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ لَيْسَ بِمُرَادٍ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ حَتَّى يَتْرُكَ لَهُمْ نَفَقَةَ الذَّهَابِ وَالْإِيَابِ وَإِلَّا فَيَكُونُ مُضَيِّعًا لَهُمْ كَمَا فِي الِاسْتِذْكَارِ وَغَيْرِهِ (وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ) أَيْ جَمِيعِ مَا مَرَّ (فَاضِلًا) أَيْضًا (عَنْ مَسْكَنِهِ) اللَّائِقِ بِهِ الْمُسْتَغْرِقِ لِحَاجَتِهِ (وَ) عَنْ (عَبْدٍ) يَلِيقُ بِهِ وَ (يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِخِدْمَتِهِ) لِمَنْصِبٍ أَوْ، عَجْزٍ كَمَا يَبْقَيَانِ فِي الْكَفَّارَةِ.
وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ بَلْ يُبَاعَانِ قِيَاسًا عَلَى الدَّيْنِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيَأْتِي هُنَا مَا إذَا تَضَيَّقَ عَلَيْهِ الْحَجُّ لِخَوْفِ عَضْبٍ أَوْ قَضَاءٍ عَلَى الْفَوْرِ هَلْ يَبْقَيَانِ كَالْحَجِّ لِلتَّرَاخِي أَوْ لَا كَالدَّيْنِ وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَتْ الدَّارُ مُسْتَغْرِقَةً لِحَاجَتِهِ وَكَانَتْ مَسْكَنَ مِثْلِهِ، وَالْعَبْدُ يَلِيقُ بِهِ، فَلَوْ كَانَا نَفِيسَيْنِ لَا يَلِيقَانِ بِهِ لَزِمَهُ إبْدَالُهَا بِلَائِقٍ إنْ وَفَّى الزَّائِدُ بِمُؤْنَةٍ نُسُكِهِ وَمِثْلُهُمَا الثَّوَابُ النَّفِيسُ، وَشَمِلَ كَلَامُهُمْ الْمَأْلُوفَيْنِ، وَفَارَقَ نَظِيرَهُ فِي الْكَفَّارَةِ بِأَنَّ لَهَا بَدَلًا فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُنْتَقَضُ بِالْمَرْتَبَةِ الْأَخِيرَةِ بِخِلَافِ الْحَجِّ، وَلَوْ أَمْكَنَ بَيْعُ بَعْضِ الدَّارِ بِأَنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا يَكْفِيهِ وَلَوْ غَيْرُ نَفِيسَةٍ وَوَفَّى ثَمَنَهُ بِمُؤْنَةِ نُسُكِهِ لَزِمَهُ أَيْضًا، وَأَلْحَقَ الْإِسْنَوِيُّ بَحْثًا الْأَمَةَ النَّفِيسَةَ الَّتِي لِلْخِدْمَةِ بِالْعَبْدِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْخِدْمَةِ بِأَنْ كَانَتْ لِلِاسْتِمْتَاعِ فَكَالْعَبْدِ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ؛ لِأَنَّ الْعَلَقَةَ فِيهَا كَالْعَلَقَةِ فِيهِ، وَأَيَّدَهُ الشَّيْخُ بِمَا يَأْتِي فِي حَاجَةِ النِّكَاحِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَكَلَامُهُمْ يَشْمَلُ الْمَرْأَةَ الْمَكْفِيَّةَ بِإِسْكَانِ الزَّوْجِ وَإِخْدَامِهِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ لِاحْتِمَالِ انْقِطَاعِ الزَّوْجِيَّةِ فَتَحْتَاجُ إلَيْهِمَا، وَكَذَا الْمَسْكَنُ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: يَلْزَمُهُ الْحَجُّ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَلِقْ بِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مُؤَجَّلًا) قَالَ الْمَحَلِّيِّ: لِأَنَّهُ إذَا صَرَفَ مَا مَعَهُ إلَى الْحَجِّ فَقَدْ يَحِلُّ الْأَجَلُ وَلَا يَجِدُ مَا يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ وَقَدْ تَخْتَرِمُهُ الْمُنْيَةُ فَتَبْقَى ذِمَّتُهُ مَرْهُونَةٌ اهـ. أَقُولُ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ إذَا صَرَفَ إلَخْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ جِهَةٌ يَرْجُو الْوَفَاءَ مِنْهَا عِنْدَ حُلُولِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: حَتَّى يَتْرُكَ لَهُمْ إلَخْ) هَذَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجِهَادِ مِنْ أَنَّ الْمُتَّجَهَ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ لَهُمْ نَفَقَةَ يَوْمِ الْخُرُوجِ جَازَ سَفَرُهُ وَعِبَارَتُهُ ثُمَّ بَعْدُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا كِفَايَةٌ فِي الْأَصَحِّ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ لَزِمَتْهُ كِفَايَةُ أَصْلِهِ احْتَاجَ لِإِذْنِهِ إنْ لَمْ يُنِبْ مَنْ يُمَوِّنُهُ مِنْ مَالٍ حَاضِرٍ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ الْفَرْعَ لَوْ لَزِمَتْ أَصْلُهُ مُؤْنَتَهُ اُمْتُنِعَ سَفَرُهُ إلَّا بِإِذْنِ فَرْعِهِ إنْ لَمْ يُنَبْ كَمَا مَرَّ، ثُمَّ بُحِثَ أَنَّهُ لَوْ أَدَّى نَفَقَةَ يَوْمٍ حَلَّ لَهُ السَّفَرُ فِيهِ كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ بَعْضُهُمْ اهـ. وَفِي كَلَامِ الزِّيَادِيِّ أَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَمَّا فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ فَلَا يُكَلَّفُ بِدَفْعِهَا لِأَنَّهَا تَجِبُ يَوْمًا بِيَوْمٍ أَوْ فَصْلًا بِفَصْلٍ، وَعَلَيْهِ فَمَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ بَاطِنًا، وَمَا فِي السِّيَرِ عَنْ الْبُلْقِينِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ ظَاهِرًا (قَوْلُهُ: هَلْ يَبْقَيَانِ كَالْحَجِّ إلَخْ) وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمَتْنِ تَبْقِيَّتُهُمَا (قَوْله فَتَحْتَاجُ إلَيْهِمَا)

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ) جَزَمَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ لِلْبَهْجَةِ بِمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ.

لِأَهْلِ بُيُوتِ الْمَدَارِسِ وَنَحْوَ الرُّبُطِ اهـ. وَرَدَّهُ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّ الْمُتَّجَهَ أَنَّ هَؤُلَاءِ مُسْتَطِيعُونَ لِاسْتِغْنَائِهِمْ فِي الْحَالِ فَإِنَّهُ الْمُعْتَبَرُ، وَلِهَذَا تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْغَنِيِّ لَيْلَةَ الْعِيدِ فَقَطْ وَمَا ذَكَرَهُ حَسَنٌ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ، فَجَزَمَ الْجَوْجَرِيُّ بِمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، وَفِي الْمَجْمُوعِ، لَا يَلْزَمُ الْفَقِيهَ بَيْعُ كُتُبِهِ لِحَاجَتِهِ لَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ كِتَابٍ نُسْخَتَانِ فَيَلْزَمُهُ بَيْعُ إحْدَاهُمَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ يَأْتِي هُنَا مَا يَأْتِي فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ فِيمَا لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَبْسَطُ، وَالْأُخْرَى أَوْجَزُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ بَيْعِ كُتُبِ تَارِيخٍ فِيهِ مَحْضُ الْحَوَادِثِ أَوْ شِعْرٌ لَيْسَ فِيهِ وَعْظٌ وَسِلَاحُ الْجُنْدِيِّ وَآلَةُ الْمُحْتَرَفِ كَذَلِكَ كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الْأُسْتَاذِ، وَثَمَنُ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ مِمَّا ذَكَرَ كَهُوَ فَلَهُ صَرْفُهُ فِيهِ

وَالْحَاجَةُ إلَى النِّكَاحِ لَا تَمْنَعُ الْوُجُوبَ وَلَا الِاسْتِقْرَارَ وَإِنْ خَافَ الْعَنَتَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ الْمَلَاذِّ، نَعَمْ تَقْدِيمُهُ عَلَى النُّسُكِ لِأَجْلِ خَوْفِ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَا أَوْلَى، لِأَنَّ حَاجَةَ النِّكَاحِ نَاجِزَةٌ وَالْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي، وَمَعَ ذَلِكَ إذَا مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ يُقْضَى مِنْ تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَأْخِيرٌ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ أَمَّا غَيْرُ خَائِفِ الْعَنَتِ فَتَقْدِيمُ الْحَجِّ لَهُ أَوْلَى (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ يَلْزَمُهُ صَرْفُ مَالِ تِجَارَتِهِ إلَيْهِمَا) أَيْ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، وَثَمَنُ ضَيْعَتِهِ الَّتِي يَسْتَغِلُّهَا إلَى الْمُؤَنِ وَإِنْ بَطَلَتْ تِجَارَتُهُ وَمُسْتَغِلَّاتُهُ كَمَا يَلْزَمُ صَرْفُهَا فِي دَيْنِهِ بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ لِمَا مَرَّ، وَفَارَقَ الْمَسْكَنَ وَالْخَادِمَ بِاحْتِيَاجِهِ لَهُمَا حَالًا وَمَا نَحْنُ فِيهِ يُتَّخَذُ ذَخِيرَةً لِلْمُسْتَقْبَلِ وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ مَا ذُكِرَ لِئَلَّا يَلْتَحِقَ بِالْمَسَاكِينِ، وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ الْمَسْكَنِ وَالْعَبْدِ (قَوْلُهُ: إنَّ هَؤُلَاءِ) أَيْ أَهْلَ بُيُوتِ الْمَدَارِسِ (قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرَهُ) أَيْ ابْنُ الْعِمَادِ مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: فِيمَا لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أُبْسَطُ إلَخْ) وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ نُسْخَةٌ مِنْ كِتَابٍ نَفِيسَةٍ وَكَانَ يُمْكِنُهُ بَيْعُهَا وَتَحْصِيلُ نُسْخَةٍ تَقُومُ مَقَامُهَا بِبَعْضِ ثَمَنِهَا هَلْ يُكَلَّفُ بَيْعُهَا وَالْحَالَةُ مَا ذُكِرَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيمَا لَوْ كَانَ الْمَسْكَنُ وَالْعَبْدُ نَفِيسَيْنِ لَا يَلِيقَانِ بِهِ حَيْثُ لَزِمَهُ إبْدَالُهُمَا إلَخْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ حَيْثُ اسْتَوَيَا فِي إفَادَةِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْكِتَابِ، فَلَوْ كَانَتْ النَّفِيسَةُ بِخَطِّ مَنْ يُوثَقُ بِهِ أَوْ ضَبْطَهُ أَوْ بِتَصْحِيحَاتٍ مُعْتَمَدَةٍ خَلَتْ عَنْهَا الْأُخْرَى لَمْ يُكَلَّفْ بَيْعُ النَّفِيسَةِ (قَوْلُهُ: وَآلَةُ الْمُحْتَرَفِ كَذَلِكَ) أَيْ فَلَا يُكَلَّفُ؛ بَيْعُهَا، وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَأْتِي فِي مَالِ التِّجَارَةِ بِأَنَّ الْمُحْتَرِفَ مُحْتَاجٌ إلَى الْآلَةِ حَالًا، بِخِلَافِ مَالِ التِّجَارَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فِي الْحَالِ

(قَوْلُهُ: وَمَعَ ذَلِكَ إذَا مَاتَ إلَخْ) وَهَلْ يَتَبَيَّنُ عِصْيَانُهُ مِنْ آخَرِ سِنِي الْإِمْكَانِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ.
ثُمَّ رَأَيْت سم عَلَى حَجّ صَرَّحَ بِمَا قُلْنَاهُ نَقْلًا عَنْ مَرَّ وَعِبَارَتُهُ: لَوْ قَدِمَ النِّكَاحُ وَمَاتَ عَقِبَ سَنَةِ التَّمَكُّنِ عَصَى وَفَسَقَ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ وَإِنَّ كَانَ بِسَبَبِ تَقْدِيمِ النِّكَاحِ الْمَطْلُوبِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ مَرَّ اهـ بِحُرُوفِهِ.
لَكِنْ فِي حَوَاشِي الرَّوْضِ لِوَالِدِ الشَّارِحِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَأْثَمُ كَمَا فِي قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَأْذُونًا فِيهِ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ.
[تَنْبِيهٌ] قِيَاسُ مَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَدِينِ النُّزُولُ عَنْ وَظَائِفِهِ بِعِوَضٍ إذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ لِغَرَضِ وَفَاءِ الدَّيْنِ وُجُوبُ الْحَجِّ عَلَى مَنْ بِيَدِهِ وَظَائِفُ أَمْكَنَهُ النُّزُولُ عَنْهَا بِمَا يَكْفِيهِ لِلْحَجِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا هِيَ، وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْحَجُّ بِمَوْقُوفٍ لِمَنْ يَحُجُّ وَجَبَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحِلَّهُ حَيْثُ لَا يَلْحَقُهُ مِنْهُ مَشَقَّةٌ فِي تَحْصِيلِهِ مِنْ نَحْوِ نَاظِرِ الْوَقْفِ وَإِلَّا فَلَا وُجُوبَ مَرَّ.
وَفِي فَتَاوَى الْجَلَالِ السُّيُوطِيّ: رَجُلٌ لَا مَالَ لَهُ وَلَهُ وَظَائِفُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ النُّزُولُ عَنْهَا بِمَالٍ لِيَحُجَّ؟ الْجَوَابُ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ هُوَ مِثْلُ بَيْعِ الضَّيْعَةِ الْمُعَدَّةِ لِلنَّفَقَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُعَاوَضَةٌ مَالِيَّةٌ، وَالنُّزُولُ عَنْ الْوَظَائِفِ إنْ صَحَّحْنَاهُ مِثْلَ التَّبَرُّعَاتِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَالْأَقْرَبُ مَا قَالَهُ مَرَّ.
وَمِثْلُ الْوَظَائِفِ الْجَوَامِكِ وَالْمَحِلَّاتِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَيْهِ إذَا انْحَصَرَ الْوَقْفُ فِيهِ وَكَانَ لَهُ وِلَايَةُ الْإِيجَارِ فَيُكَلَّفُ إيجَارُهُ مُدَّةً تَفِي بِمُؤَنِ الْحَجِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي شَرْطِ الْوَاقِفِ مَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ، وَظَاهِرُهُ فِي النُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ وَلَوْ تَعَطَّلَتْ الشَّعَائِرُ بِنُزُولِهِ عَنْهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَصْحِيحُ عِبَادَةُ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: يُتَّخَذُ ذَخِيرَةً) الذَّخِيرَةُ بِالْمُعْجَمَةِ وَاحِدَةُ الذَّخَائِرِ وَفِعْلُهُ ذَخَرَ يَذْخَرُ بِالْفَتْحِ

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَغَيْرِهِ شَامِلٌ لَمَنْ لَا كَسْبَ لَهُ أَيْضًا وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِيهِ بُعْدٌ.
قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: مَنْ اسْتَطَاعَ الْحَجَّ وَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى أَفْلَسَ فَعَلَيْهِ الْخُرُوجُ إلَى الْحَجِّ، وَإِنْ عَجَزَ لِلْإِفْلَاسِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْتَسِبَ قَدْرَ الزَّادِ، فَإِنْ عَجَزَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ الزَّكَاةَ وَالصَّدَقَةَ وَيَحُجَّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَمَاتَ مَاتَ عَاصِيًا اهـ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ النُّسُكَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِهِ إذْ لَا يَتَضَيَّقُ إلَّا بِوُجُودِ مُسَوِّغِ ذَلِكَ، فَمُرَادُهُمْ بِمَا ذُكِرَ اسْتِقْرَارُ الْوُجُوبِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي، وَحِينَئِذٍ فَالْأَوْفَقُ لِكَلَامِهِمْ فِي الدِّينِ عَدَمُ وُجُوبِ سُؤَالِ الصَّدَقَةِ وَنَحْوِهَا وَعَدَمُ وُجُوبِ الْكَسْبِ عَلَيْهِ لِأَجْلِهِ مَا لَمْ يَتَضَيَّقْ.

(الثَّالِثُ) مِنْ شُرُوطِ الِاسْتِطَاعَةِ (أَمْنُ الطَّرِيقِ) وَلَوْ ظَنًّا بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ (فَلَوْ خَافَ) فِي طَرِيقِهِ (عَلَى نَفْسِهِ) أَوْ عُضْوٍ أَوْ بَضْعٍ (أَوْ مَالِهِ) وَلَوْ يَسِيرًا.
نَعَمْ يَنْبَغِي كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ بَحْثًا تَقْيِيدُهُ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلنَّفَقَةِ وَالْمُؤَنِ، فَلَوْ أَرَادَ اسْتِصْحَابَ مَالٍ خَطِيرٍ لِلتِّجَارَةِ وَكَانَ الْخَوْفُ لِأَجْلِهِ لَمْ يَكُنْ عُذْرًا وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ أَمِنَ عَلَيْهِ لَوْ تَرَكَهُ فِي بَلَدِهِ (سَبُعًا أَوْ عَدُوًّا أَوْ رَصَدِيًّا) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِهَا وَهُوَ مَنْ يَرْصُدُ: أَيْ يَرْقُبُ مَنْ يَمُرُّ لِيَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا (وَلَا طَرِيقَ) لَهُ (سَوَاءٌ لَمْ يَجِبْ) عَلَيْهِ (الْحَجُّ) أَوْ الْعُمْرَةُ لِحُصُولِ الضَّرَرِ وَلِهَذَا جَازَ التَّحَلُّلُ بِذَلِكَ كَمَا يَأْتِي، وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ الْخَوْفُ الْعَامُّ، وَكَذَا الْخَاصُّ فِي الْأَرْجَحِ، فَلَوْ اخْتَصَّ الْخَوْفُ بِوَاحِدٍ لَمْ يُقْضَ مِنْ تَرِكَتِهِ، خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ النَّصِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكِفَايَةِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّمِنِ وَالنِّكَاحِ حَيْثُ لَا تَمْنَعُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ الْوُجُوبَ كَمَا يَأْتِي؛ لِأَنَّ الزَّمِنَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْحَجِّ بِنَائِبِهِ بِخِلَافِ هَذَا، وَبِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ النِّكَاحَ مِنْ الْمَلَاذِّ فَلَمْ تَكُنْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ مَانِعَةٌ لِإِمْكَانِ الْحَجِّ مَعَهَا بِخِلَافِ هَذَا، وَسَوَاءٌ فِيمَنْ خَافَ مِنْهُ أَكَانَ مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا.
.

نَعَمْ إنْ كَانُوا كُفَّارًا وَأَطَاقَ الْخَائِفُونَ مُقَاوَمَتَهُمْ اُسْتُحِبَّ لَهُمْ الْخُرُوجُ لِلنُّسُكِ وَمُقَاتَلَتُهُمْ لِيَنَالُوا ثَوَابَ النُّسُكِ وَالْجِهَادِ أَوْ مُسْلِمِينَ فَلَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ قِتَالُ الْكُفَّارِ عِنْدَ عَدَمِ زِيَادَتِهِمْ عَلَى مِثْلَيْنَا؛ لِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ وَهَذَا بِخِلَافِهِ، وَمَحَلُّ عَدَمِ الْوُجُوبِ إذَا كَانَ هُوَ الْمُعْطِي لِلْمَالِ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ وَجَبَ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ لِلْمِنَّةِ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ لَكِنْ أَطَالَ ابْنُ الْعِمَادِ فِي رَدِّهِ، وَقَوْلُ الْجَوْجَرِيِّ: بَذْلُهُ عَنْ الْجَمِيعِ يُضَعِّفُ الْمِنَّةَ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّ فَرْدٍ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْوُجُوبَ وَاضِحٌ وَإِنْ قِيلَ بِمَنْعِهِ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنَّ مَنْ بَذَلَ مَالًا لِرَكْبٍ يَشْتَرُونَ بِهِ مَاءً لِطَهَارَتِهِمْ يَلْزَمُهُمْ الْقَبُولُ وَكَلَامُهُمْ يَأْبَاهُ، وَحِينَئِذٍ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَالَ الْمَبْذُولَ لِلطَّهَارَةِ يَدْخُلُ تَحْتَ يَدِهِمْ وَلَهُمْ التَّصَرُّفُ فِيهِ فَقَوِيَتْ الْمِنَّةُ، وَلَا كَذَلِكَ الْمَبْذُولُ فِي دَفْعِ مَنْ ذَكَرَ عَنْهُمْ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي يَدِهِمْ، وَيُكْرَهُ إعْطَاؤُهُ مَالًا وَلَوْ مُسْلِمًا لَكِنْ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، إذْ لَا حَاجَةَ لِارْتِكَابِ الذُّلِّ حِينَئِذٍ بِخِلَافِهِ بَعْدَهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنْ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ التَّحَلُّلِ، فَعُلِمَ أَنَّ إطْلَاقَ الرَّافِعِيِّ وَالْمُصَنِّفِ الْكَرَاهَةَ هُنَا لَا يُنَافِي تَخْصِيصَهُمَا لَهَا بِالْكَافِرِ فِي بَابِ الْإِحْصَارِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحَلُّهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَهَذَا قَبْلَهُ كَمَا تَقَرَّرَ، أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ آمِنٌ لَزِمَهُ سُلُوكُهُ وَلَوْ أَبْعَدَ مِنْ الْأَوَّلِ

(وَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ) (رُكُوبِ الْبَحْرِ) بِسُكُونِ الْحَاءِ وَيَجُوزُ فَتْحَهَا لِمَنْ لَا لَهُ طَرِيقٌ

[حاشية الشبراملسي]

فِيهِمَا ذُخْرًا بِالضَّمِّ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَتَضَيَّقْ) أَيْ بِأَنْ خَافَ الْعَضَبُ أَوْ الْمَوْتُ

(قَوْلُهُ إذَا كَانَ هُوَ الْمُعْطِي لِلْمَالِ) إطْلَاقُهُ الْمَالَ يَشْمَلُ الْيَسِيرَ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ أَوْ مَالُهُ وَلَوْ يَسِيرًا (قَوْلُهُ: كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ إعْطَاؤُهُ) أَيْ الرَّصَدِيُّ

(قَوْلُهُ لِمَنْ لَا لَهُ طَرِيقٌ إلَخْ) أَيْ لِمَنْ لَا طَرِيقَ لَهُ يُمَكِّنُهُ التَّوَصُّلُ مِنْهَا إلَى مَكَّةَ بِأَنْ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ) عِبَارَةُ الْإِمْدَادِ وَمَعَ أَمْنٍ لَائِقٍ بِالسَّفَرِ وَمِثْلُهُ فِي التُّحْفَةِ

(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ قِتَالُ الْكُفَّارِ) أَيْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَكَانَ حَقُّ الْمَقَامِ الْإِضْمَارَ لِأَنَّ الْإِظْهَارَ مُوهِمٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْبُرُوا بِلَادَنَا أَمَّا إذَا عَبَرُوهَا فَتَجِبُ مُقَاتَلَتُهُمْ مُطْلَقًا كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ، لَا جَرَمَ عَلَّلَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْحُجَّاجِ عَدَمُ اجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ وَضَعْفُ جَانِبِهِمْ فَلَوْ كُلِّفُوا الْوُقُوفَ لَهُمْ كَانُوا طُعْمَةً لَهُمْ وَذَلِكَ يَبْعُدُ وُجُوبُهُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِهِ بَعْدَهُ لَا يُكْرَهُ)

غَيْرُهُ وَلَوْ عَلَى امْرَأَةٍ وَجَبَانٍ (إنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ) فِي رُكُوبِهِ كَسُلُوكِ طَرِيقِ الْبَرِّ عِنْدَ غَلَبَتِهَا، فَإِنْ غَلَبَ الْهَلَاكُ لِخُصُوصِ ذَلِكَ الْبَحْرِ أَوْ لِهَيَجَانِ الْأَمْوَاجِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَوْ اسْتَوَيَا حَرُمَ الرُّكُوبُ لِلْحَجِّ كَغَيْرِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْغَزْوِ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ بِشَرْطِ عَدَمِ عِظَمِ الْخَطَرِ فِيهِ بِحَيْثُ تَنْدُرُ النَّجَاةُ وَإِلَّا حَرُمَ حَتَّى لِلْغَزْوِ، فَإِنْ رَكِبَ لِلْحَجِّ أَيْ فِي غَيْرِ الْحَالَةِ الْأَخِيرَةِ فِيمَا يَظْهَرُ وَمَا بَيْنَ يَدَيْهِ أَكْثَرُ مِمَّا قَطَعَهُ فَلَهُ الرُّجُوعُ لِقُرْبِهِ مِنْ مَقْصِدِهِ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ اسْتَوَيَا وَوَجَدَ بَعْدَ الْحَجِّ طَرِيقًا آخَرَ فِي الْبَرِّ فِيمَا إذَا كَانَ لَهُ وَطَنٌ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلَيْهِ لَزِمَهُ التَّمَادِي لِاسْتِوَاءِ الْجِهَتَيْنِ فِي حَقِّهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْكَثْرَةِ وَالتَّسَاوِي الْمُتَبَادَرِ مِنْهُ النَّظَرُ إلَى الْمَسَافَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْخَوْفِ فِي جَمِيعِ الْمَسَافَةِ، أَمَّا لَوْ اخْتَلَفَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ وَغَيْرِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ أَمَامَهُ أَقَلَّ مَسَافَةٍ لَكِنَّهُ أَخْوَفُ أَوْ هُوَ الْمَخُوفُ لَا يَلْزَمُهُ التَّمَادِي وَإِنْ كَانَ أَطْوَلَ مَسَافَةً وَلَكِنَّهُ سَلِيمٌ وَخَلَّفَ الْمَخُوفَ وَرَاءَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا يُقَالُ: الْخُرُوجُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: عَارَضَهُ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ وَهُوَ قَصْدُ النُّسُكِ مَعَ تَضْيِيقِهِ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي، عَلَى أَنَّا نَمْنَعُ دَوَامَ الْمَعْصِيَةِ إذْ هِيَ فِي ابْتِدَاءِ الرُّكُوبِ فَقَطْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ فِي الْأَوَّلِ لَهُ الرُّجُوعُ، وَفَارَقَ مَا هُنَا جَوَازُ تَحَلُّلِ مُحْصَرٍ أَحَاطَ بِهِ الْعَدُوُّ مُطْلَقًا بِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَحْبُوسٌ، وَعَلَيْهِ فِي مُصَابَرَةِ الْإِحْرَامِ مَشَقَّةٌ، بِخِلَافِ رَاكِبِ الْبَحْرِ وَلَوْ مُحْرِمًا فَلَا يَكُونُ كَالْمُحْصَرِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ الرُّجُوعِ مَعَ أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ فِيمَنْ خَشِيَ الْعَضْبَ أَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَضَاقَ وَقْتُهُ أَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ أَوْ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِمَا ذُكِرَ اسْتِقْرَارُ الْوُجُوبِ.
نَعَمْ لَوْ نُذِرَتْ السَّلَامَةُ مِنْهُ فَالْأَوْجَهُ وُجُوبُ الرُّجُوعِ فِي حَالَةِ جَوَازِهِ فِي غَيْرِهَا وَخَرَجَ بِالْبَحْرِ أَيْ الْمِلْحِ إذْ هُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ الْأَنْهَارِ الْعَظِيمَةِ كَسَيْحُونَ وَجَيْحُونَ وَالدِّجْلَةِ فَيَجِبُ رُكُوبُهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْمُقَامَ فِيهَا لَا يَطُولُ وَخَطَرُهَا لَا يَعْظُمُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَطْعِهَا طُولًا أَوْ عَرْضًا وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ وَتَبِعَهُ فِي الْإِسْعَادِ؛ وَلِأَنَّ جَانِبَهَا قَرِيبٌ يُمْكِنُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ سَرِيعًا بِخِلَافِهِ فِي الْبَحْرِ.
نَعَمْ يَظْهَرُ إلْحَاقُهَا بِالْبَحْرِ فِي زَمَنِ زِيَادَتِهَا وَشِدَّةِ هَيَجَانِهَا وَغَلَبَةِ الْهَلَاكِ فِيهَا إذَا رَكِبَهَا طُولًا وَيُمْكِنُ حَمَلَ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَجْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانُ أَحْكَامِ إرْكَابِ الصَّبِيِّ وَمَالِهِ وَالْبَهِيمَةِ وَالرَّقِيقِ وَرُكُوبِ الْحَامِلِ الْبَحْرَ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ يَجِبُ مُطْلَقًا لَا يَجِبُ مُطْلَقًا يَجِبُ فِي الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَإِذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ اُسْتُحِبَّ عَلَى الْأَصَحِّ إنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ تَفْرِيعٌ عَلَى مُقَابِل الْأَظْهَرِ.

(وَ) الْأَظْهَرُ (أَنَّهُ تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْبَذْرَقَةِ) بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَذَالٍ سَاكِنَةٍ وَمُهْمَلَةٍ عَجَمِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ

[حاشية الشبراملسي]

لَا يَكُونَ لَهُ طَرِيقٌ أَصْلًا غَيْرُ الْبَحْرِ أَوْ لَهُ طَرِيقٌ لَكِنْ تَعَذَّرَ سُلُوكُهُ إمَّا لِعَدُوٍّ أَوْ لِقِلَّةِ مَا يَصْرِفُهُ فِي مُؤَنِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رُكُوبُ الْبَحْرِ الْآنَ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ حِينَئِذٍ نَظِيرُ مَا لَوْ كَانَ لَهُ طَرِيقَانِ خَافَ مِنْ سَلُّوك أَحَدِهِمَا وَأَمْكَنَهُ فِي الْآخِرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ سُلُوكُهُ وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ) أَيْ مَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ مَنَعَ مِنْ الذَّهَابِ وَالْعَوْدِ أَوْ الذَّهَابِ فَقَطْ (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ) أَيْ قَوْلُهُ أَوْ عَرَضًا

[حاشية الرشيدي]

أَيْ لِلْمُسْلِمِ بِدَلِيلِ التَّعْلِيلِ وَمَا بَعْدَهُ

(قَوْلُهُ: لِقُرْبِهِ مِنْ مَقْصِدِهِ) هَذَا مُقَدَّمٌ مِنْ تَأْخِيرٍ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: وَمَا بَيْنَ يَدَيْهِ أَكْثَرُ مِمَّا قَطَعَهُ فَلَهُ الرُّجُوعُ أَوْ أَقَلُّ أَوْ اسْتَوَيَا، إلَى أَنْ قَالَ: لَزِمَهُ التَّمَادِي لِقُرْبِهِ مِنْ مَقْصِدِهِ فِي الْأَوَّلِ وَاسْتِوَاءِ الْجِهَتَيْنِ فِي حَقِّهِ فِي الثَّانِي (قَوْلُهُ: لِأَنَّا نَقُولُ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ إلَخْ) لَعَلَّ الْأَوْلَى الْجَوَابُ بِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْمَعْصِيَةِ يَتَحَقَّقُ بِخُرُوجِهِ مِنْ الْبَحْرِ وَهُوَ كَمَا يَحْصُلُ بِعَوْدِهِ يَحْصُلُ بِمُضِيِّهِ إلَى مَقْصِدِهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مُحْرِمًا) غَرَضُهُ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ الَّذِي أَرَادَهُ بِقَوْلِهِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ حَيْثُ قَالَ: نَعَمْ إنْ كَانَ مُحْرِمًا كَانَ كَالْمُحْصَرِ

(قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْبَذْرَقَةِ) أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجْدَانِهَا فِي وُجُوبِ الْحَجِّ

وَهِيَ الْخِفَارَةُ الَّتِي يَأْمَنُ مَعَهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مَنْ آهَبَ النُّسُكَ فَاشْتُرِطَ فِي وُجُوبِهِ الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا إنْ طُلِبَتْ وَكَانَتْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ لَا أَكْثَرَ، وَهَذَا مَا صَحَّحَاهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ لَا تَجِبُ أُجْرَتُهُ؛ لِأَنَّهُ خُسْرَانٌ لِدَفْعِ الظُّلْمِ، وَلِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا زَادَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ وَأُجْرَتِهِ، حَمَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخِفَارَةِ مَا يَأْخُذُهُ الرَّصَدِيُّ قَالَ: فَإِنْ أَرَادُوا الْخِفَارَةَ أَيْضًا كَانَ الْأَصَحُّ خِلَافَ مَا ذَكَرُوهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ أَطَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْأَخْذِ بِإِطْلَاقِهِمْ مِنْ عَدَمِ الْوُجُوبِ.

(وَيُشْتَرَطُ) فِي وُجُوبِ النُّسُكِ (وُجُودُ الْمَاءِ وَالزَّادِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُعْتَادِ حَمْلُهَا مِنْهَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ) فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْهُمَا كَأَنْ كَانَ زَمَنُ جَدْبٍ وَخَلَا بَعْضُ الْمَنَازِلِ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ انْقَطَعَتْ الْمِيَاهُ أَوْ وُجِدَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ النُّسُكُ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْمِلْ ذَلِكَ مَعَهُ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ حَمَلَهُ عَظُمَتْ الْمُؤْنَةُ.
نَعَمْ تُغْتَفَرُ الزِّيَادَةُ الْيَسِيرَةُ وَلَا يَجْرِي فِيهِ كَمَا قَالَهُ الدَّمِيرِيّ الْخِلَافُ فِي شِرَاءِ مَاءِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ لَهَا بَدَلًا بِخِلَافِ الْحَجِّ (وَهُوَ) أَيْ ثَمَنُ الْمِثْلِ (الْقَدْرُ اللَّائِقُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ) وَإِنْ غَلَتْ الْأَسْعَارُ، وَيَجِبُ حَمْلُ الْمَاءِ وَالزَّادِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ كَحَمْلِ الزَّادِ مِنْ الْكُوفَةِ إلَى مَكَّةَ وَحَمْلُ الْمَاءِ مَرْحَلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَكَانَ هَذَا عَادَةُ طَرِيقِ الْعِرَاقِ، وَإِلَّا فَعَادَةُ الشَّامِ حَمْلُهُ غَالِبًا بِمَفَازَةِ تَبُوكَ وَهِيَ عَلَى ضَعْفِ ذَلِكَ اهـ وَالضَّابِطُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْعُرْفُ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّوَاحِي فِيمَا يَظْهَرُ، وَإِلَّا فَجَرَتْ عَادَةُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ عَلَى حَمْلِهِ إلَى الْعَقَبَةِ (وَ) وُجُودُ (عَلَفِ الدَّابَّةِ) بِفَتْحِ اللَّامِ (فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ) وَلَا يُشْتَرَطُ حَمْلُهُ مَعَهُ لِعِظَمِ تَحَمُّلِ الْمُؤْنَةِ، وَبَحَثَ فِي الْمَجْمُوعِ اعْتِبَارَ الْعَادَةِ فِيهِ كَالْمَاءِ، وَسَبْقُهُ إلَيْهِ سَلِيمٌ، وَاعْتَمَدَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا فِي الْمِنْهَاجِ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَدِمَ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ جَازَ لَهُ الرُّجُوعُ، وَلَوْ جَهِلَ مَانِعَ الْوُجُوبِ مِنْ نَحْوِ وُجُودِ عَدُوٍّ أَوْ عَدَمِ زَادٍ اسْتَصْحَبَ الْأَصْلَ وَعَمِلَ بِهِ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا وَجَبَ الْخُرُوجُ، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْمَانِعِ، وَيَتَبَيَّنُ وُجُوبُ الْخُرُوجِ بِتَبَيُّنِ عَدَمِ الْمَانِعِ، فَلَوْ ظَنَّهُ فَتَرَكَ الْخُرُوجَ مِنْ أَجْلِهِ ثُمَّ بَانَ عَدَمُهُ لَزِمَهُ النُّسُكُ.
وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ النُّسُكِ أَيْضًا كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَئِمَّةِ وَصَوَّبَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ تَمَكُّنَهُ مِنْ السَّيْرِ إلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْهُودِ بِأَنْ يَبْقَى مِنْ الزَّمَنِ عِنْدَ وُجُودِ الزَّادِ وَنَحْوِهِ مِقْدَارٌ يَفِي بِذَلِكَ، فَلَوْ احْتَاجَ إلَى قَطْعِ أَكْثَرَ مِنْ مَرْحَلَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، فَلَوْ مَاتَ لَمْ يُقْضَ مِنْ تَرِكَتِهِ.
وَذَهَبَ ابْنُ الصَّلَاحِ إلَى أَنَّهُ شَرْطٌ لِاسْتِقْرَارِهِ فِي ذِمَّتِهِ لَا لِوُجُوبِهِ بَلْ مَتَى وُجِدَتْ الِاسْتِطَاعَةُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهِ لَزِمَهُ فِي الْحَالِ كَالصَّلَاةِ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَسَعُهَا وَتَسْتَقِرُّ فِي الذِّمَّةِ بِمُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِعْلُهَا فِيهِ، وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِإِمْكَانِ تَتْمِيمِهَا بَعْدَهُ بِخِلَافِ الْحَجِّ، وَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ رُفْقَةٍ تَخْرُجُ مَعَهُ ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ، فَإِنْ تَقَدَّمُوا بِحَيْثُ زَادَتْ أَيَّامُ السَّفَرِ أَوْ تَأَخَّرُوا بِحَيْثُ احْتَاجَ أَنْ يَقْطَعَ مَعَهُمْ فِي يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ مَرْحَلَةٍ فَلَا وُجُوبَ لِزِيَادَةِ الْمُؤْنَةِ فِي الْأَوَّلِ وَتَضَرُّرَهُ فِي الثَّانِي وَمَحَلُّ اعْتِبَارِ الرُّفْقَةِ عِنْدَ خَوْفِ الطَّرِيقِ، فَإِنْ كَانَتْ آمِنَةً بِحَيْثُ لَا يَخَافُ فِيهَا الْوَاحِدُ لَزِمَهُ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَهِيَ الْخِفَارَةُ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: خَفَرْت الرَّجُلَ حَمِيَّتُهُ وَأَجَرْته مِنْ طَالِبِهِ فَأَنَا خَفِيرٌ، وَالِاسْمُ الْخِفَارَةُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا وَالْخِفَارَةُ مُثَلَّثَةٌ الْخَاءِ جُعْلُ الْخَفِيرِ (قَوْلُهُ: لَا أَكْثَرَ) أَيْ وَإِنَّ قُلْت الزِّيَادَةُ

(قَوْلُهُ: وَخَلَا بَعْضُ إلَخْ) أَيْ وَالْحَالُ (قَوْلُهُ نَعَمْ يُغْتَفَرُ الزِّيَادَةُ إلَخْ) اُنْظُرْ مَا ضَابِطُهَا، وَلَعَلَّهُ مَا يُعَدُّ عَدَمِ بَذْلِهِ فِي تَحْصِيلِ مِثْلِ هَذَا الْغَرَضِ بِالنِّسْبَةِ لِدَافِعِهِ رُعُونَةً، وَاغْتِفَارُ الزِّيَادَةِ الْيَسِيرَةِ هُنَا يُشَكِّلُ بِمَا مَرَّ لِلشَّارِحِ فِي ثَمَنِ الرَّاحِلَةِ وَأُجْرَتِهَا إذَا زَادَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ وَإِنْ قَلَّتْ الزِّيَادَةُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَاءَ وَالزَّادَ لِكَوْنِهِمَا لَا تَقُومُ الْبِنْيَةُ بِدُونِهِمَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُمَا سَفَرًا وَلَا حَضَرًا لَمْ تَعُدْ الزِّيَادَةُ الْيَسِيرَةُ خُسْرَانًا بِخِلَافِ الرَّاحِلَةِ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ النُّسُكُ) أَيْ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ، وَكَذَا لَوْ افْتَقَرَ بَعْدَ حَجَّتِهِمْ وَقَبْلَ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ وَعَمِلَ بِهِ إنْ وُجِدَ) أَيْ الْأَصْلُ مِنْ وُجُودِ الْمَانِعِ أَوْ عَدَمِهِ، وَقَوْلُهُ وَإِلَّا أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ

وَإِنْ اسْتَوْحَشَ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَفَارَقَ التَّيَمُّمَ وَغَيْرَهُ بِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لِمَا هُنَا بِخِلَافِهِ ثُمَّ، وَتُعْتَبَرُ الِاسْتِطَاعَةُ الْمَارَّةُ فِي الْوَقْتِ، فَلَوْ اسْتَطَاعَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ افْتَقَرَ فِي شَوَّالٍ فَلَا اسْتِطَاعَةَ، وَكَذَا لَوْ افْتَقَرَ بَعْدَ حَجِّهِمْ وَقَبْلَ الرُّجُوعِ لِمَنْ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ الْإِيَابُ.

(وَ) يُشْتَرَطُ (فِي) وُجُوبِ نُسُكِ (الْمَرْأَةِ) زِيَادَةٌ عَلَى مَا مَرَّ فِي الرَّجُلِ لَا لِلِاسْتِقْرَارِ (أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا زَوْجٌ أَوْ مَحْرَمٌ) بِنَسَبٍ أَوْ غَيْرِهِ لِتَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهَا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا» وَلِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» وَلَمْ يُحْمَلْ هَذَا الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ نَحْوِ الْبَرِيدِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ وَهُوَ لَا يُخَصِّصُهُ، وَيَكْفِي الْمَحْرَمُ الذَّكَرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثِقَةً فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْوَازِعَ الطَّبِيعِيَّ أَقْوَى مِنْ الشَّرْعِيِّ، وَمِثْلُهُ عَبْدَهَا الثِّقَةَ إنْ كَانَتْ ثِقَةً أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحِلُّ لَهُ نَظَرُهَا وَالْخَلْوَةُ بِهَا حِينَئِذٍ كَمَا يَأْتِي فِي النِّكَاحِ، وَالْمَمْسُوحُ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ.
وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ مُرَاهِقًا أَوْ أَعْمَى لَهُ وَجَاهَةٌ وَفِطْنَةٌ بِحَيْثُ تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا مَعَهُ كَفَى فِيمَا يَظْهَرُ.
وَاشْتِرَاطُ الْعَبَّادِيُّ الْبَصَرَ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا فِطْنَةَ مَعَهُ، وَإِلَّا فَكَثِيرٌ مِنْ الْعُمْيَانِ أَعْرَفُ بِالْأُمُورِ وَأَدْفَعُ لِلتُّهَمِ وَالرِّيَبِ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْبُصَرَاءِ، وَالْأَوْجَهُ اشْتِرَاطُ مُصَاحَبَةِ مَنْ يَخْرُجُ مَعَهَا لَهَا بِحَيْثُ يَمْنَعُ تَطَلُّعَ أَعْيُنَ الْفَجَرَةِ إلَيْهَا وَإِنْ بَعُدَ عَنْهَا قَلِيلًا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْأَمْرَدِ الْجَمِيلِ خُرُوجُ مَنْ يَأْمَنُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ مَعَهُ مِنْ قَرِيبٍ وَنَحْوِهِ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ (أَوْ نِسْوَةٌ) بِكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا جَمْعُ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهَا (ثِقَاتٌ) جَمَعْنَ صِفَاتِ الْعَدَالَةِ وَإِنْ كُنَّ إمَاءً، سَوَاءٌ الْعَجَائِزُ وَغَيْرُهُنَّ، وَمِنْ ثَمَّ جَازَ خَلْوَةُ رَجُلٍ بِامْرَأَتَيْنِ وَلَا عَكْسَ، وَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ مِنْ عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِغَيْرِ الثِّقَاتِ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ الْمَحَارِمِ.
أَمَّا فِيهِنَّ فَلَا عَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ فِي الذُّكُورِ.
نَعَمْ إنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ حَمْلُهُنَّ لَهَا عَلَى مَا هُنَّ عَلَيْهِ اُعْتُبِرَ فِيهِنَّ الثِّقَةُ أَيْضًا.
وَيُتَّجَهُ الِاكْتِفَاءُ بِالْمُرَاهِقَاتِ عِنْدَ حُصُولِ الْأَمْنِ بِهِنَّ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ اعْتِبَارَ ثَلَاثٍ غَيْرَهَا، لَكِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ: يَكْفِي اثْنَتَانِ غَيْرُهَا، وَهُوَ الْأَوْجَهُ لِانْقِطَاعِ الْأَطْمَاعِ بِاجْتِمَاعِهِنَّ، وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيُّ: تَكْفِي الْوَاحِدَةُ فِي الْوُجُوبِ مَرْدُودٌ وَإِنْ أَطَالَ فِيهِ وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، ثُمَّ اعْتِبَارُ الْعَدَدِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوُجُوبِ الَّذِي كَلَامُنَا فِيهِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِجَوَازِ خُرُوجِهَا فَلَهَا ذَلِكَ مَعَ وَاحِدَةٍ لِفَرْضِ الْحَجِّ كَمَا فِي شَرْحَيْ الْمُهَذَّبِ وَمُسْلِمٍ، وَمِثْلُهُ الْعُمْرَةُ، وَكَذَا وَحْدَهَا إذَا أَمِنَتْ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ مَا دَلَّ مِنْ الْأَخْبَارِ عَلَى جَوَازِ سَفَرِهَا وَحْدَهَا.
أَمَّا سَفَرُهَا وَإِنْ قَصُرَ لِغَيْرِ فَرْضٍ فَحَرَامٌ مَعَ النِّسْوَةِ مُطْلَقًا.
وَعَلَيْهِ حَمَلَ الشَّافِعِيُّ الْخَبَرَ السَّابِقَ، وَفَارَقَ الْوَاجِبَ غَيْرَهُ بِأَنَّ مَصْلَحَةَ تَحْصِيلِهِ اقْتَضَتْ الِاكْتِفَاءَ بِأَدْنَى مَرَاتِبِ مَظِنَّةِ الْأَمْنِ، بِخِلَافِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَاحْتِيطَ مَعَهُ فِي تَحْصِيلِ الْأَمْنِ.
وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ كَالْمَرْأَةِ حَتَّى فِي النِّسَاءِ الْأَجْنَبِيَّاتِ لِجَوَازِ خَلْوَةِ رَجُلٍ

[حاشية الشبراملسي]

الرُّجُوعِ خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ مَاتَ بَعْدَ حَجَّتِهِمْ وَقَبْلَ الرُّجُوعِ فَإِنَّ الْحَجَّ يَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ

(قَوْلُهُ: لَا لِلِاسْتِقْرَارِ) أَيْ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا وَلَا يَسْتَقِرُّ (قَوْلُهُ: يَوْمَيْنِ) وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ فِي أَبِي دَاوُد بَدَلُ الْيَوْمَيْنِ «بَرِيدًا» شَرْحُ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ (قَوْلُهُ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: أَوْ مَحْرَمٌ اهـ شَرْحُ مَنْهَجِهِ (قَوْلُهُ: وَلَمَّا صَحَّ إلَخْ) إنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بَعْدَ الْأُولَى لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْأُولَى لَيْسَتْ مُتَّفِقًا عَلَيْهَا، وَأَخَّرَهَا لِقِلَّتِهَا وَعَدَمِ شُمُولِهَا لِلزَّوْجِ.
وَقَوْلُهُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ: أَيْ ذِي مَحْرَمِيَّةٍ، وَإِلَّا فَلَا يَظْهَرُ لِقَوْلِهِ صَاحِبُ مَحْرَمٍ مَعْنَى إذْ ذِي بِمَعْنَى صَاحِبٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْوَازِعَ) أَيْ الْمَيْلَ (قَوْلُهُ وَلَا عَكَسَ) أَيْ لَا يَجُوزُ خَلْوَةُ رَجُلَيْنِ بِامْرَأَةٍ (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَصُرَ لِغَيْرِ فَرْضٍ إلَخْ) وَمِنْهُ خُرُوجُهُنَّ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ حَيْثُ

[حاشية الرشيدي]

[مَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ نُسُكِ الْمَرْأَةِ]

قَوْلُهُ لَا لِلِاسْتِقْرَارِ) مُتَعَلِّقٌ بِوُجُوبٍ (قَوْلُهُ: أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا زَوْجٌ أَوْ مَحْرَمٌ) أَيْ بِأَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ خَرَجَتْ لَخَرَجَ مَعَهَا مَنْ ذَكَرَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذِكْرَ نَحْوِ الْبَرِيدِ إلَخْ) فِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَقِبَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الْمَارَّةِ مَا لَفْظُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ فِي أَبِي دَاوُد بَدَلَ الْيَوْمَيْنِ بَرِيدًا، فَكَأَنَّهَا سَقَطَتْ مِنْ الْكَتَبَةِ مِنْ نُسَخِ الشَّارِحِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ

بِنِسْوَةٍ ثِقَاتٍ لَا مَحْرَمَ لَهُ فِيهِنَّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ مُعْتَرِضًا بِهِ قَوْلَ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ بِالْحُرْمَةِ، وَبِهِ اسْتَغْنَى عَنْ تَضْعِيفِ مَا قَدَّمَهُ عَنْ الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ حُرْمَةِ ذَلِكَ عَلَى الْخُنْثَى؛ لِأَنَّهُ إذَا بَيَّنَ جَوَازَ خَلْوَةِ الرَّجُلِ بِهِنَّ فَالْخُنْثَى الَّذِي يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ أُنْثَى بِالْجَوَازِ أَوْلَى فَانْدَفَعَ مَا فِي الْإِسْعَادِ.
وَلَوْ تَطَوَّعَتْ بِحَجٍّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَمَاتَ فَلَهَا إتْمَامُهُ كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ: أَيْ إنْ أَمِنَتْ عَلَى نَفْسِهَا فِي الْمُضِيِّ وَحَرُمَ عَلَيْهَا التَّحَلُّلَ حِينَئِذٍ وَإِلَّا جَازَ لَهَا التَّحَلُّلُ، وَظَاهِرُ تَعْبِيرِهِ بِالْإِتْمَامِ لُزُومُ الرُّجُوعِ لَهَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ إحْرَامِهَا، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ بِشَرْطِ أَنْ تَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهَا فِي الرُّجُوعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهَا الْإِحْرَامَ مُطْلَقًا (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ مُحْرِمٍ) أَوْ نَحْوِهِ (لِإِحْدَاهُنَّ) لِانْقِطَاعِ الْأَطْمَاعِ بِاجْتِمَاعِهِنَّ وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنُوبُهُنَّ أَمْرٌ فَيَسْتَعِنَّ بِهِ.

(وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ) (تَلْزَمُهَا أُجْرَةُ الْمَحْرَمِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ) مَعَهَا (إلَّا بِهَا) وَهِيَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَوَجَدْتَهَا فَاضِلَةً عَمَّا مَرَّ كَأُجْرَةِ الْبَذْرَقَةِ وَأَوْلَى بِاللُّزُومِ لِرُجُوعِ ذَلِكَ إلَى مَعْنًى فِيهَا، فَكَانَ شَبِيهًا بِمُؤْنَةِ الْحَمْلِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ وَأُجْرَةِ الزَّوْجِ كَالْمَحْرَمِ كَمَا فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْأَوْجَهُ إلْحَاقُ النِّسْوَةِ فِي ذَلِكَ بِالْمَحْرَمِ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ، وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ الْحَجُّ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ فَرْضًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَلَوْ امْتَنَعَ مَحْرَمُهَا مِنْ الْخُرُوجِ بِالْأُجْرَةِ لَمْ يُجْبَرْ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ حَدِّ الزِّنَا، وَمِثْلُهُ الزَّوْجُ فِي ذَلِكَ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ قَدْ أَفْسَدَ حَجَّهَا وَوَجَبَ عَلَيْهَا الْإِحْجَاجُ بِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَلَوْ كَانَ عَبْدُهَا مَحْرَمًا لَهَا أَجْبَرَتْهُ عَلَى الْخُرُوجِ، وَفَائِدَةُ لُزُومِ الْأُجْرَةِ مَعَ كَوْنِ النُّسُكِ عَلَى التَّرَاخِي عِصْيَانُهَا بِالْمَوْتِ وَوُجُوبُ قَضَائِهِ مِنْ تَرَكْتهَا أَوْ تَكُونُ قَدْ نَذَرَتْ الْحَجَّ فِي سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ خَشِيَتْ الْعَضْبَ، فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهَا نُسُكٌ.

(الرَّابِعُ) مِنْ شُرُوطِ الِاسْتِطَاعَةِ (أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ) أَوْ نَحْوِهَا (بِلَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ) فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهَا أَصْلًا أَوْ ثَبَتَ فِي مَحْمَلٍ بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ لِكِبَرٍ أَوْ نَحْوِهِ لَوْ يَكُنْ مُسْتَطِيعًا بِنَفْسِهِ.
نَعَمْ تُغْتَفَرُ مَشَقَّةٌ تُحْتَمَلُ عَادَةً.

(وَعَلَى الْأَعْمَى الْحَجُّ) أَيْ النُّسُكُ (إنْ وَجَدَ) مَعَ مَا مَرَّ (قَائِدًا) يَقُودُهُ وَيَهْدِيهِ وَيُعِينُهُ عِنْدَ حَاجَتِهِ لِذَلِكَ (وَهُوَ) فِي حَقِّهِ (كَالْمَحْرَمِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ) فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ، وَالْأَوْجَهُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَكِّيًّا وَأَحْسَنَ الْمَشْيِ بِالْعَصَا وَلَا يَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ فِي الْجُمُعَةِ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ عَنْ مَكَانِ الْجُمُعَةِ غَالِبًا، وَلَوْ أَمْكَنَ مَقْطُوعُ الْأَطْرَافِ الثُّبُوتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ لَزِمَهُ بِشَرْطِ وُجُودِ مُعِينٍ لَهُ، وَالْمُرَادُ بِالرَّاحِلَةِ هُنَا الْبَعِيرُ بِمَحْمَلٍ أَوْ غَيْرِهِ، خِلَافُ الرَّاحِلَةِ فِيمَا مَرَّ فَإِنَّهَا الْبَعِيرُ الْخَالِي عَنْ الْمَحْمَلِ.

(وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ كَغَيْرِهِ) فِي وُجُوبِ النُّسُكِ عَلَيْهِ وَلَوْ بِنَحْوِ نَذْرٍ قَبْلَ الْحَجْرِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ بَعْدَهُ أَوْ نَفْلٍ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الْحَجْرِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ النَّفَقَةِ حِينَئِذٍ بِسَبَبِ السَّفَرِ تَكُونُ فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ فَيَصِحُّ إحْرَامُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ (لَكِنْ لَا يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِ) لِئَلَّا يُضَيِّعَهُ (بَلْ يَخْرُجُ مَعَهُ الْوَلِيُّ) بِنَفْسِهِ إنْ شَاءَ لِيُنْفِقَ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ (أَوْ يُنَصِّبَ شَخْصًا لَهُ) ثِقَةً يَنُوبُ عَنْ الْوَلِيِّ وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ مُتَبَرِّعًا كَافِيًا لِيُنْفِقَ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ أُجْرَتَهُ كَأُجْرَةِ مَنْ يَخْرُجُ مَعَ الْمَرْأَةِ، وَشَمِلَ ذَلِكَ مَا لَوْ قَصُرَتْ مُدَّةُ السَّفَرِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُسَلِّمَهُ نَفَقَةَ أُسْبُوعٍ فَأُسْبُوعٍ إذَا كَانَ لَا يُتْلِفُهَا؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ فِي الْحَضَرِ يُرَاقِبُهُ، فَإِنْ أَتْلَفَهَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ السَّفَرِ فَرُبَّمَا أَتْلَفَهَا وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فَيَضِيعَ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ إذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَإِنْ تَبَرَّعَ الْوَلِيُّ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ السَّفِيهَ مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ فَلَا مَنْعَ مِنْهُ.

(النَّوْعُ الثَّانِي

[حاشية الشبراملسي]

كَانَ خَارِجُ السُّوَرِ وَلَوْ بِإِذْنِ الزَّوْجِ (قَوْلُهُ بِشَرْطٍ أَنْ تَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهَا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ

(قَوْلُهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْجَاجُ) وَهُوَ الرَّاجِحُ

(قَوْلُهُ: وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَسَفَهٍ إلَخْ) مَفْهُومُهُ أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ بِفَلْسٍ لَيْسَ كَذَلِكَ فَيُمْنَعُ مِنْهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِأَمْوَالِهِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْحَاجُّ فَوْرِيًّا بِأَنْ أَفْسَدَ الْحَجَّ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ بِالْفَلْسِ فَلِيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجُهُ أَنَّ أُجْرَتَهُ)

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَأَعْطَاهُ السَّفِيهُ مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ) هَذَا الْقَيْدُ لِلْوَاقِعِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ إذْ لَا يَتَأَتَّى تَمْلِيكُهُ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبُولُهُ التَّمْلِيكَ وَالْوَلِيُّ

اسْتِطَاعَةُ تَحْصِيلِهِ) أَيْ الْحَجِّ لَا بِالْمُبَاشَرَةِ بَلْ (بِغَيْرِهِ فَمَنْ مَاتَ) غَيْرُ مُرْتَدٍّ (وَفِي ذِمَّتِهِ حَجٌّ) وَاجِبٌ مُسْتَقِرٌّ وَلَوْ بِنَحْوِ نَذْرٍ بِأَنْ تَمَكَّنَ بَعْدَ قُدْرَتِهِ عَلَى فِعْلِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَذَلِكَ بَعْدَ انْتِصَافِ لَيْلَةِ النَّحْرِ وَمَضَى إمْكَانُ الرَّمْيِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ إنْ دَخَلَ الْحَاجُّ بَعْدَ الْوُقُوفِ ثُمَّ مَاتَ أَثِمَ وَلَوْ شَابًّا، وَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ الْقَافِلَةُ وَ (وَجَبَ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ) وَزَادَ عَلَى الْمُحَرَّرِ قَوْلُهُ (مِنْ تَرِكَتِهِ) وَلَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا يُقْضَى مِنْهَا دَيْنُهُ سَوَاءٌ فِي الْمُتَصَرِّفِ فِيهَا أَكَانَ وَارِثًا أَمْ وَصِيًّا أَمْ حَاكِمًا، وَالْعُمْرَةُ إذَا اسْتَقَرَّتْ كَالْحَجِّ فِيمَا تَقَرَّرَ وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ اُسْتُحِبَّ لِوَارِثِهِ الْحَجُّ عَنْهُ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ وَلِأَجْنَبِيٍّ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْوَارِثُ وَيَبْرَأُ بِهِ الْمَيِّتُ وَفَارَقَ الصَّوْمَ حَيْثُ تُوَقَّفَ عَلَى إذْنٍ مِنْهُ بِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ بِخِلَافِ الْحَجِّ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا صَحَّ «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ» وَمَا صَحَّ أَيْضًا «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا، وَأَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضَيْتَهُ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ فَاقْضُوا حَقَّ اللَّهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» فَشَبَّهَ الْحَجَّ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ فَوَجَبَ أَنْ يُعْطَى حُكْمُهُ، أَمَّا الْمُرْتَدُّ فَلَا تَصِحُّ الْإِنَابَةُ عَنْهُ، وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِتَرِكَتِهِ إذْ الْمُرْتَدُّ لَا تَرِكَةَ لَهُ لِتَبَيُّنِ زَوَالِ مِلْكِهِ بِالرِّدَّةِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهَا وُقُوعُهَا لِلْمُسْتَنَابِ عَنْهُ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ، وَبِهِ فَارَقَ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ مِنْ تَرِكَتِهِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ وَفِي ذِمَّتِهِ حَجُّ التَّطَوُّعِ فَلَا تَلْزَمُ فِيهِ نِيَابَةٌ عَنْ الْمَيِّتِ، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ اعْتِبَارِ إمْكَانِ الرَّمْيِ هُوَ مَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ التَّهْذِيبِ وَأَقَرَّهُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَا بُدَّ مِنْ زَمَنِ الْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ وَيُعْتَبَرُ الْأَمْنُ فِي السَّيْرِ إلَى مَكَّةَ لِلطَّوَافِ لَيْلًا اهـ. وَهُوَ مَرْدُودٌ إذْ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى زَمَنٍ يَخُصُّهُ؛ لِأَنَّ تَقْصِيرَ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ أَوْ حَلْقَهَا أَوْ نَتْفَهَا كَافٍ، وَيُمْكِنُ فِعْلُهُ وَهُوَ سَائِرٌ إلَى مَكَّةَ فَيَنْدَرِجُ زَمَنُهُ فِي زَمَنِ السَّيْرِ إلَيْهَا، وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ النُّسُكِ سِنِينَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ حَتَّى مَاتَ أَوْ عُضِبَ عَصَى مِنْ آخَرِ سِنِي الْإِمْكَانِ فَيَتَبَيَّنُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ عَضْبِهِ فِسْقُهُ فِي الْأَخِيرَةِ بَلْ وَفِيمَا بَعْدَهَا فِي الْمَعْضُوبِ إلَى أَنْ يَفْعَلَ عَنْهُ فَلَا يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُنْقَضُ مَا شَهِدَ بِهِ فِي الْأَخِيرَةِ بَلْ وَفِيمَا بَعْدَهَا فِي الْمَعْضُوبِ إلَى مَا ذَكَرَ كَمَا فِي نَقْضِ الْحُكْمِ بِشُهُودٍ بَانَ فِسْقُهُمْ، وَعَلَى كُلٍّ مَنْ الْوَارِثِ أَوْ الْمَعْضُوبِ الِاسْتِنَابَةُ فَوْرًا لِلتَّقْصِيرِ.
.

نَعَمْ لَوْ بَلَغَ مَعْضُوبًا جَازَ لَهُ تَأْخِيرُ الِاسْتِنَابَةِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ (وَالْمَعْضُوبُ) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ مِنْ الْعَضْبِ وَهُوَ الْقَطْعُ كَأَنَّهُ قُطِعَ عَنْ كَمَالِ الْحَرَكَةِ وَبِصَادٍ مُهْمَلَةٍ كَأَنَّهُ قُطِعَ عَصَبُهُ وَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ (الْعَاجِزُ عَنْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ) حَالًا وَمَآلًا لِكِبَرٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَهُوَ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ فِي مَعْنَى التَّفْسِيرِ لِلْمَعْضُوبِ وَلَيْسَتْ خَبَرًا لَهُ بَلْ الْخَبَرُ جُمْلَتَا الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فِي قَوْلِهِ (إنْ

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ أُجْرَةُ كُلٍّ مِنْ الْوَلِيِّ أَوْ مَنْصُوبِهِ

(قَوْلُهُ: مِنْ تَرِكَتِهِ) وَلَا يَشْتَرِطُ فِيمَنْ يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ مُسَاوَاتُهُ لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ فِي الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ فَيَكْفِي حَجُّ الْمَرْأَةِ عَنْ الرَّجُلِ كَعَكْسِهِ أَخْذًا مِنْ الْحَدِيثِ الْآتِي (قَوْله إذْ الْمُرْتَدُّ لَا تَرِكَةَ لَهُ) أَيْ مَوْرُوثٌ عَنْهُ، وَإِلَّا فَلَوْ خَلَّفَ مَالًا قُضِيَ مِنْهُ دِينُهُ وَمَا فَضَلَ يَكُونُ فَيْئًا (قَوْلُهُ: مِنْ آخِرِ سِنِي الْإِمْكَانِ) وَالْعِصْيَانُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ وَقْتِ خُرُوجِ قَافِلَةِ بَلَدِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ

(قَوْلُهُ: جَازَ لَهُ تَأْخِيرُ الِاسْتِنَابَةِ) أَيْ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَسْتَنِبْ عَصَى مِنْ آخِرِ سِنِي الْإِمْكَانِ (قَوْلُهُ الْعَاجِزُ عَنْ الْحَجِّ) هَلْ يَكْفِي فِي الْعَجْزِ عِلْمُهُ مِنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ أَوْ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى

[حاشية الرشيدي]

لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَلَّى لَهُ الطَّرَفَيْنِ

(قَوْلُهُ: وَذَلِكَ) يَعْنِي الْمَوْتَ وَكَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَ هَذِهِ الْإِشَارَةِ لِإِيهَامِهَا (قَوْلُهُ: إنْ دَخَلَ الْحَاجُّ) يَعْنِي إلَى مَكَّةَ، وَهُوَ قَيْدٌ فِي الِاكْتِفَاءِ بِمُضِيِّ إمْكَانِ الرَّمْيِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ مَاتَ) الصَّوَابُ حَذْفُهُ (قَوْلُهُ: أَثِمَ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ حَيْثُ جَعَلَ هَذَا جَوَابَ الشَّرْطِ فِي الْمَتْنِ أَنْ يَزِيدَ وَاوًا مِنْهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَجَبَ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ

وَجَدَ أُجْرَةَ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ) أَيْ مِثْلُ مُبَاشَرَةٍ فَمَا دُونُهَا (لَزِمَهُ) الْحَجُّ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ بِغَيْرِهِ إذْ الِاسْتِطَاعَةُ كَمَا تَكُونُ بِالنَّفْسِ تَكُون بِبَذْلِ الْمَالِ وَطَاعَةِ الرِّجَالِ، وَلِهَذَا يُقَالُ لِمَنْ لَا يُحْسِنُ الْبِنَاءَ: إنَّكَ مُسْتَطِيعٌ بِنَاءَ دَارِكَ إذَا كَانَ مَعَهُ مَا يَفِي بِبِنَائِهَا، وَإِذَا صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ أَقَلَّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ كَانَ بِمَكَّةَ لَزِمَهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ لِقِلَّةِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ، فَإِذَا انْتَهَى حَالُهُ لِشِدَّةِ الضَّنَا إلَى حَالَةٍ لَا يَحْتَمِلُ مَعَهَا الْحَرَكَةَ بِحَالٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الِاسْتِنَابَةُ فِي ذَلِكَ كَمَا بَحَثَهُ السُّبْكِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَعْضُوبُ سِوَى أُجْرَةَ مَاشٍ، وَالسَّفَرُ طَوِيلٌ لَزِمَهُ اسْتِئْجَارُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِالْمَشْيِ لَوْ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ إذْ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي مَشْيِ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَكُنْ أَصْلًا أَوْ فَرْعًا فَلَا يَلْزَمُهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي فِي الْمُطَاعِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فَحَجَّ عَنْهُ ثُمَّ شُفِيَ لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَمْ يَقَعْ عَنْهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجِيرُ أُجْرَةً كَمَا رَجَّحَاهُ هُنَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّهُ الصَّوَابُ وَإِنْ رَجَّحَا قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ اسْتِحْقَاقَهُ.

(وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا) أَيْ الْأُجْرَةِ السَّابِقَةِ (فَاضِلَةٌ عَنْ الْحَاجَاتِ) (الْمَذْكُورَةُ فِيمَنْ حَجَّ بِنَفْسِهِ) وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهَا (لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ نَفَقَةُ الْعِيَالِ) وَلَا غَيْرُهَا مِنْ مُؤْنَتِهِمْ (ذَهَابًا وَإِيَابًا) لِإِقَامَتِهِ عِنْدَهُمْ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ تَحْصِيلِ مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَتِهِمْ.
نَعَمْ يَشْتَرِطُ كَوْنِ الْأُجْرَةِ فَاضِلَةً عَنْ مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَتِهِمْ يَوْمَ الِاسْتِئْجَارِ (وَلَوْ) وَجَدَ دُونَ الْأُجْرَةِ وَرَضِيَ الْأَجِيرُ بِهِ لَزِمَهُ الِاسْتِئْجَارُ لِاسْتِطَاعَتِهِ، وَالْمِنَّةُ فِيهِ دُونَ الْمِنَّةِ فِي الْمَالِ فَلَوْ لَمْ يَجِدْ أُجْرَةً وَ (بَذَلَ) بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ أَعْطَى لَهُ (وَلَدُهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ مَالًا لِلْأُجْرَةِ لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ.
وَالثَّانِي يَجِبُ كَبَذْلِ الطَّاعَةِ وَالْأَبُ كَالِابْنِ فِي أَصَحِّ احْتِمَالَيْ الْإِمَامِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ كَانَ الْوَلَدُ الْمُطِيعُ عَاجِزًا عَنْ الْحَجِّ أَيْضًا وَقَدَرَ عَلَى أَنْ يَسْتَأْجِرَ لَهُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَبَذَلَ لَهُ ذَلِكَ وَجَبَ الْحَجُّ عَنْ الْمَبْذُولِ لَهُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَجَمَاعَةٍ.
وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ تَصْحِيحِ الْمُتَوَلِّي: لَوْ اسْتَأْجَرَ الْمُطِيعُ إنْسَانًا لِلْحَجِّ عَنْ الْمُطَاعِ الْمَعْضُوبِ فَالْمَذْهَبُ لُزُومُهُ إنْ كَانَ الْمُطِيعُ وَلَدًا لِتَمَكُّنِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُطِيعُ أَجْنَبِيًّا فَوَجْهَانِ اهـ. وَالْأَوْجَهُ عَدَمِ اللُّزُومِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَاعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ،

[حاشية الشبراملسي]

إخْبَارِ طَبِيبٍ عَدْلٍ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَقِيَاسُ نَظَائِرِهِ مِنْ التَّيَمُّمِ وَنَحْوِهِ الثَّانِي، وَقَدْ يُقَالُ: بَلْ الْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ إنَّمَا اُحْتِيجَ لِإِخْبَارِ الطَّبِيبِ ثُمَّ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ كَالْوُضُوءِ، بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّهُ عَمَلٌ بِمُقْتَضَى الْوُجُوبُ إذْ خُوطِبَ بِهِ عِنْدَ وُجُودِ شُرُوطِهِ وَقَدْ وُجِدَتْ، وَالتَّضْيِيقُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ تَرْكُ وَاجِبٍ بَلْ وَلَا مَطْلُوبٍ وَإِنَّمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَعْجِيلُ مَا طُلِبَ مِنْهُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي الْعُبَابِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إخْبَارِ طَبِيبَيْنِ عَدْلَيْنِ (قَوْلُهُ: بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ) أَيْ فَلَا يُكَلَّفُ الزِّيَادَةُ وَإِنْ قَلَّتْ قِيَاسًا عَلَى أُجْرَةِ الرَّاحِلَةِ وَيَسْتَرِدُّ مِنْهُ الْأُجْرَةَ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَقَعْ عَنْهُ) أَيْ وَيَقَعُ عَنْ الْأَجِيرِ

(قَوْلُهُ: لَوْ كَانَ الْوَلَدُ الْمُطِيعُ عَاجِزًا) فُهِمَ أَنَّ الْقَادِرَ إذَا بَذَلَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ قَبُولُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ اللُّزُومِ) أَيْ عَدَمُ لُزُومِ قَبُولِ ذَلِكَ مِنْ الْوَلَدِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ فِيهِمَا وَالْكَلَامُ فِي الْوَلَدِ الْقَادِرِ لِمَا مَرَّ

[حاشية الرشيدي]

وَلَعَلَّهُ زَادَهَا وَسَقَطَتْ مِنْ الْكَتَبَةِ

(قَوْلُهُ: وَبَذَلَ لَهُ) أَيْ الْأَجِيرُ (قَوْلُهُ لَوْ كَانَ الْوَلَدُ الْمُطِيعُ عَاجِزًا) قَالَ فِي التُّحْفَةِ: أَوْ قَادِرًا اهـ. وَأَخَذَ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ بِمَفْهُومِ هَذَا الْقَيْدِ ثُمَّ اسْتَظْهَرَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِحَسَبِ مَا فَهِمَ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَا قَالَهُ فِي التُّحْفَةِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: عَلَى الْمَبْذُولِ لَهُ) اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ الْمَبْذُولِ لِأَجْلِهِ (قَوْلُهُ وَفِي الْمَجْمُوعِ إلَخْ) صَدْرُ مَا فِي الْمَجْمُوعِ هُوَ مَا فِي الْبَيَانِ وَإِنَّمَا سَاقَهُ بَعْدَهُ لِبَيَانِ حُكْمِ الْأَجْنَبِيِّ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ) أَيْ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فَهُوَ فِي الْأَجْنَبِيِّ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مِنْ رُجُوعِهِ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ وَعِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ.
وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي تَعْلِيقِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ إنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَبُولُ الْمَالِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إذَا قَالَ رَجُلٌ لِلْمَعْضُوبِ ائْذَنْ لِي حَتَّى أَسْتَأْجِرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْك يَلْزَمُ كَمَا بَذَلَ لَهُ الطَّاعَةَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ لِأَنَّهُ فِي ضِمْنِهِ تَقْلِيدُ مِنَّةِ الْمَالِ اهـ وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَادَّعَى

وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ أَبِي حَامِدٍ لُزُومَهُ وَكَالْوَلَدِ فِي هَذَا الْوَالِدُ (وَلَوْ بَذَلَ الْوَلَدُ) وَإِنْ سَفَلَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (الطَّاعَةَ) فِي فِعْلِ النُّسُكِ بِنَفْسِهِ (وَجَبَ قَبُولُهُ) وَهُوَ الْإِذْنُ لَهُ ذَلِكَ لِحُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ مَعَ خِفَّةِ الْمِنَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِ، فَإِنْ امْتَنَعَ لَمْ يَأْذَنْ عَنْهُ الْحَاكِمُ فِي الْأَصَحِّ إذْ مَبْنَى الْحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي، كَذَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، وَوَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ الْحَاكِمَ يَلْزَمُهُ بِالْإِنَابَةِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ وَلَمْ نَرَ مَنْ قَالَ بِهِ، وَالْمُدْرِكُ فِي الْإِنَابَةِ وَالِاسْتِئْجَارِ وَاحِدٌ، وَاعْتَرَضَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي خَادِمِهِ (وَكَذَا الْأَجْنَبِيُّ) لَوْ بَذَلَ الطَّاعَةَ يَجِبُ قَبُولُهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِمَا ذُكِرَ وَالْأَبُ وَالْأُمُّ وَالْأَخُ فِي بَذْلِ الطَّاعَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَالثَّانِي لَا لِكَوْنِ الْوَلَدِ بَضْعَةٌ مِنْهُ فَنَفْسُهُ كَنَفْسِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَمَحَلُّ اللُّزُومِ إذَا وُثِقَ بِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ حَجٌّ وَلَوْ نَذْرًا وَكَانُوا مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُمْ فَرْضُ الْإِسْلَامِ وَلَا عَضْبَ بِهِمْ.
وَلَوْ تَوَسَّمَ طَاعَةَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَزِمَهُ سُؤَالُهُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَنْوَارِ وَغَيْرِهِ وَلَا يَلْزَمُ الْوَلَدَ طَاعَتُهُ، بِخِلَافِ إعْفَافِهِ لِعَدَمِ الضَّرَرِ عَلَى الْوَالِدِ هُنَا بِامْتِنَاعِ وَلَدِهِ مِنْ الْحَجِّ إذْ هُوَ حَقُّ الشَّرْعِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْهُ لَمْ يَأْثَمْ وَلَمْ يُكَلَّفْ بِهِ بِخِلَافِهِ ثُمَّ فَإِنَّهُ لِحَقِّ الْوَالِدِ وَضَرَرِهِ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ النَّفَقَةَ.
قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَمَتَى كَانَ الْأَصْلُ وَإِنْ عَلَا أَوْ الْفَرْعُ وَإِنْ سَفَلَ مَاشِيًا أَوْ مُعَوِّلًا عَلَى الْكَسْبِ أَوْ السُّؤَالِ وَلَوْ رَاكِبًا أَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَمِنْ الْأَجْنَبِيِّ مُغَرِّرًا بِنَفْسِهِ بِأَنْ يَرْكَبَ مَفَازَةً لَا كَسْبَ بِهَا وَلَا سُؤَالَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولٌ فِي ذَلِكَ لِمَشَقَّةِ مَشْيِ مَنْ ذُكِرَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَشْيِ الْأَجْنَبِيِّ، وَالْكَسْبُ قَدْ يَنْقَطِعُ وَالسَّائِلُ قَدْ يُمْنَعُ وَالتَّغْرِيرُ بِالنَّفْسِ حَرَامٌ، وَمَرَّ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْمَشْيِ وَالْكَسْبِ فِي يَوْمٍ كِفَايَةُ أَيَّامٍ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ فَيَظْهَرُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وُجُوبُ الْقَبُولِ فِي الْمَكِّيِّ وَنَحْوِهِ، وَحَيْثُ أَجَابَ الْمُطَاعُ لَمْ يَرْجِعْ، وَكَذَا الْمُطِيعُ إنْ أَحْرَمَ، وَلَوْ مَاتَ الْمُطِيعُ أَوْ الْمُطَاعُ أَوْ رَجَعَ الْمُطِيعُ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ إمْكَانِ الْحَجِّ سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْمُطَاعُ أَمْ لَا كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ اسْتَقَرَّ الْوُجُوبُ فِي ذِمَّةِ الْمُطَاعِ وَإِلَّا فَلَا، وَاقْتِضَاءُ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ أَنَّ الِاسْتِقْرَارَ إنَّمَا هُوَ فِي ذِمَّةِ الْمُطِيعِ غَيْرُ مُرَادٍ وَإِنْ اغْتَرَّ بِهِ فِي الْإِسْعَادِ إذْ كَيْفَ يَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ مَعَ جَوَازِ الرُّجُوعِ كَمَا مَرَّ، وَوُجُوبُ قَبُولِ الْمُطِيعِ خَاصٌّ بِالْمَعْضُوبِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْحَاوِي، فَلَوْ تَطَوُّعَ آخَرُ عَنْ مَيِّتٍ بِفِعْلِ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْوَارِثِ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ الِاسْتِقْلَالَ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ كَمَا مَرَّ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَوْ مَنْ يُطِيعُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِطَاعَتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمَا اسْتَشْكَلَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالِاسْتِطَاعَةِ وَلَا اسْتِطَاعَةَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمَالِ وَالطَّاعَةِ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ: إمَّا اسْتِطَاعَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُبَاشَرَةِ وَهَذِهِ مُنْتَفِيَةٌ مَعَ الْجَهْلِ وَإِمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلِاسْتِقْرَارِ وَهِيَ غَيْرُ مُنْتَفِيَةٍ فِيهِ

وَتَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي نُسُكِ التَّطَوُّعِ كَمَا فِي النِّيَابَةِ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا أَوْصَى بِهِ وَلَوْ كَانَ النَّائِبُ فِيهِ صَبِيًّا مُمَيِّزًا أَوْ عَبْدًا، بِخِلَافِ الْفَرْضِ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ التَّطَوُّعِ بِالنُّسُكِ لِأَنْفُسِهِمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ بِالنَّفَقَةِ وَهِيَ الْكِفَايَةُ كَمَا يَجُوزُ بِالْإِجَارَةِ وَالْجَعَالَة وَإِنْ اسْتَأْجَرَ بِهَا لَمْ يَصِحَّ لِجَهَالَةِ الْعِوَضِ، وَلَوْ قَالَ مَعْضُوبٌ: مَنْ حَجَّ عَنِّي فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَمَنْ حَجَّ عَنْهُ مِمَّنْ سَمِعَهُ أَوْ سَمِعَ مَنْ أَخْبَرَهُ عَنْهُ اسْتَحَقَّهَا وَإِنْ

[حاشية الشبراملسي]

فِي الْعَاجِزِ (قَوْلُهُ: بَضْعَةٌ مِنْهُ) بِفَتْحِ الْبَاءِ، قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: وَالْبَضْعَةُ بِالْفَتْحِ: الْقِطْعَةُ مِنْ اللَّحْمِ وَالْجَمْعُ بَضْعٌ مِثْلَ تَمْرَةٌ وَتَمْرٌ، وَقِيلَ بِضَعٌ مِثْلُ بَدْرَةٍ وَبَدَرٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ تَوَسَّمْ) أَيْ جَوَّزَ (قَوْلُهُ: وَحَيْثُ أَجَابَ الْمُطَاعُ لَمْ يَرْجِعْ) أَيْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ حَتَّى لَوْ رَجَعَ وَتَرَتَّبَ عَلَى رُجُوعِهِ امْتِنَاعُ الْمُطِيعِ مِنْ الْفِعْلِ تَبَيَّنَ عِصْيَانُهُ وَاسْتِقْرَارُ الْحَجِّ فِي ذِمَّتِهِ (قَوْلُهُ وَهِيَ غَيْرُ مُنْتَفِيَةٌ فِيهِ) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ لِعُذْرِهِ

(قَوْلُهُ: أَوْ سَمِعَ مَنْ أَخْبَرَهُ عَنْهُ) أَيْ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ

[حاشية الرشيدي]

الرُّويَانِيُّ أَنَّ الْمَذْهَبَ مَا قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ اهـ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْمُطَاعُ أَمْ لَا) هَذَا لَا يُنَافِيهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ حَجُّهُ عَنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي مُجَرَّدِ الِاسْتِقْرَارِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَوُجُوبُ قَبُولِ الْمُطِيعِ) الْمَصْدَرُ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ.

أَحْرَمَ عَنْهُ اثْنَانِ مُرَتَّبًا اسْتَحَقَّهَا الْأَوَّلُ، فَإِنْ أَحْرَمَا مَعًا أَوْ جُهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا مَعَ جَهْلِ سَبْقِهِ أَوْ بِدُونِهِ وَقَعَ حَجُّهُمَا عَنْهُمَا وَلَا شَيْءَ لَهُمَا عَلَى الْقَائِلِ إذَا لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَلَوْ عَلِمَ سَبْقَ أَحَدِهِمَا ثُمَّ نَسِيَ وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى قِيَاسِ نَظَائِرِهِ وَلَوْ كَانَ الْعِوَضُ مَجْهُولًا كَقَوْلِهِ مَنْ حَجَّ عَنِّي فَلَهُ ثَوْبٌ وَقَعَ الْحَجُّ عَنْهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ.
وَالِاسْتِئْجَارُ فِيمَا مَرَّ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا إجَارَةُ عَيْنٍ كَاسْتَأْجَرْتُكَ عَنِّي أَوْ عَنْ مَيِّتِي هَذِهِ السَّنَةَ، فَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَ السَّنَةِ الْأُولَى لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ وَإِنْ أَطْلَقَ صَحَّ وَحَمَلَ عَلَى السَّنَةِ الْحَاضِرَةِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُ إلَى مَكَّةَ إلَّا لِسَنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَالْأُولَى مِنْ سِنِي إمْكَانِ الْوُصُولِ، وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ قُدْرَةُ الْأَجِيرِ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ وَاتِّسَاعِ الْمُدَّةِ لَهُ وَالْمَكِّيُّ وَنَحْوُهُ يَسْتَأْجِرُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَالثَّانِي ذِمَّةٌ كَقَوْلِهِ أَلْزَمْت ذِمَّتَكَ تَحْصِيلَ حِجَّةٍ، وَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ فِي هَذَا الضَّرْبِ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنْ أَطْلَقَ حُمِلَ عَلَى الْحَاضِرَةِ فَيَبْطُلُ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، وَلَا يُشْتَرَطُ قُدْرَتُهُ عَلَى السَّفَرِ لِإِمْكَانِ الِاسْتِنَابَةِ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ وَلَوْ قَالَ أَلْزَمْت ذِمَّتَكَ لِتَحُجَّ عَنِّي بِنَفْسِك صَحَّ، وَتَكُونُ إجَارَةَ عَيْنٍ عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ هُنَا عَنْ الْبَغَوِيّ، وَقَالَ الْإِمَامُ بِبُطْلَانِهَا وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ وَصَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، لِأَنَّ الدِّينِيَّةَ مَعَ الرَّبْطِ بِمُعَيَّنٍ مُتَنَاقِضَانِ كَمَنْ أَسْلَمَ فِي ثَمَرِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ وَإِنْ أُجِيبَ عَنْهُ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ، وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ أَعْمَالِ الْحَجِّ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ مِنْ أَرْكَانٍ وَوَاجِبَاتٍ وَسُنَنٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُطَّ التَّفَاوُتُ لِمَا فَوَّتَهُ مِنْ السُّنَنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَا يَجِبُ ذِكْرُ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ، وَتُحْمَلُ حَالَةُ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ لِلْقِرَانِ فَالدَّمُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْأَجِيرِ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ لِلْقِرَانِ مُعْسِرًا فَالصَّوْمُ الَّذِي هُوَ بَدَلُ الدَّمِ عَلَى الْأَجِيرِ، وَجِمَاعُ الْأَجِيرِ يُفْسِدُ الْحَجَّ وَتَنْفَسِخُ بِهِ إجَارَةُ الْعَيْنِ لَا الذِّمَّةِ لِعَدَمِ اخْتِصَاصِهَا بِزَمَنٍ، وَيَنْقَلِبُ فِيهِمَا الْحَجَّ لِلْأَجِيرِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ الْمَطْلُوبَ لَا يَحْصُلُ بِالْحَجِّ الْفَاسِدِ فَانْقَلَبَ لَهُ كَمُطِيعِ الْمَعْضُوبِ إذَا جَامَعَ فَسَدَ حَجُّهُ وَانْقَلَبَ لَهُ وَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدٍ وَالْكَفَّارَةُ، وَيَلْزَمهُ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَ الْقَضَاءِ عَنْ نَفْسِهِ بِحَجٍّ آخَرَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي عَامٍ آخَرَ أَوْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ أَوْ غَيْرِهِ وَلِلْمُسْتَأْجَرِ الْخِيَارُ فِيهِمَا عَلَى التَّرَاخِي لِتَأَخُّرِ الْمَقْصُودِ، وَلَوْ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ بِمَالٍ حَرَامٍ عَصَى وَسَقَطَ فَرْضُهُ.
.

بَابُ الْمَوَاقِيتِ لِلنُّسُكِ زَمَانًا وَمَكَانًا جَمْعُ مِيقَاتٍ وَهُوَ لُغَةً: الْحَدُّ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا زَمَانُ الْعِبَادَةِ وَمَكَانُهَا، وَقَدْ بَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ (وَقْتُ) إحْرَامِ

[حاشية الشبراملسي]

صِدْقُهُ (قَوْلُهُ: مَعَ جَهْلٍ سَبَقَهُ) أَيْ بِأَنْ احْتَمَلَ السَّبَقَ وَالْمَعِيَّةَ، وَقَوْلُهُ أَوْ بِدُونِهِ: أَيْ بِأَنْ عَلِمَ السَّبَقَ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَ السَّابِقِ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي ذِمَّةٌ) أَيْ إجَارَةُ ذِمَّةٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِنَّ أُجِيبَ عَنْهُ) أَيْ الِاعْتِرَاضُ (قَوْلُهُ: حَتَّى يَحُطَّ التَّفَاوُتَ) أَيْ الْمُسَمَّى بِاعْتِبَارِ الْقِسْطِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ (قَوْلُهُ عَلَى الْأَجِيرِ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الصَّوْمَ يَقَعُ بَعْضُهُ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ لَا يَتَأَتَّى مِنْ الْمُسْتَأْجَرِ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ مَعْضُوبٌ وَأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَكَّةَ.

[بَابُ الْمَوَاقِيتِ لِلنُّسُكِ زَمَانًا وَمَكَانًا]

[الْمِيقَات الزَّمَانِيّ]

(بَابُ الْمَوَاقِيتِ) (قَوْلُهُ: وَهُوَ لُغَةً: الْحَدُّ) وَلَمْ يَقُلْ وَاصْطِلَاحًا لِعَدَمِ اخْتِصَاصِ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ بِمَا ذَكَرَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ مَعْنَاهُ اصْطِلَاحًا (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهِ) أَيْ شَرْعًا، وَعِبَارَةُ حَجّ: وَشَرْعًا هُنَا زَمَنُ الْعِبَادَةِ وَمَكَانُهَا (قَوْلُهُ: وَمَكَانُهَا)

[حاشية الرشيدي]

بَابُ الْمَوَاقِيتِ) (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الْحَجُّ الْمُضَافُ إلَيْهِ أَشْهُرٌ

(الْحَجِّ) لِمَكِّيٍّ أَوْ غَيْرِهِ (شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ) بِفَتْحِ الْقَافِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِقُعُودِهِمْ عَنْ الْقِتَالِ فِيهِ (وَعَشْرُ لِيَالٍ) بِالْأَيَّامِ بَيْنَهَا وَهِيَ تِسْعَةٌ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ: أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَتِسْعٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَمَنْ لَمْ يُدْرِكْهُ إلَى الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ.
وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ دَاوُد بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْأَيَّامَ فَلْيَقُلْ وَتِسْعَةٌ أَوْ اللَّيَالِي فَهِيَ عَشْرٌ.
وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي جَمِيعًا وَغَلَبَ التَّأْنِيثُ فِي الْعَدَدِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: وَلَيْسَ فِيهِ جَوَابٌ عَنْ السُّؤَالِ وَهُوَ إخْرَاجُ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ، وَالْأَحْسَنُ الْجَوَابُ بِإِرَادَةِ الْأَيَّامِ، وَلَا يُحْتَاجُ لِذِكْرِ التَّاءِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ مَعَ ذِكْرِ الْمَعْدُودِ فَمَعَ حَذْفِهِ يَجُوزُ الْأَمْرَانِ.
ذَكَرَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَالسُّؤَالُ مَعَهُ بَاقٍ فِي إخْرَاجِ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ اهـ. وَأَفَادَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ جَوَابُ السُّؤَالِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ جَوَابٌ عَنْهُ ثَانٍ، وَأَمَّا اللَّيْلَةُ الْعَاشِرَةُ فَقَدْ أَفَادَهَا قَوْلُهُ فَمَنْ لَمْ يُدْرِكْهُ إلَى آخِرِهِ (مِنْ ذِي الْحِجَّةَ) بِكَسْرِ الْحَاء أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوُقُوعِ الْحَجِّ فِيهِ، وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] بِذَلِكَ: أَيْ وَقْتُ الْإِحْرَامِ بِهِ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ إذْ فِعْلُهُ لَا يَحْتَاجُ لِأَشْهُرٍ، وَأَطْلَقَهَا عَلَى شَهْرَيْنِ وَبَعْضَ شَهْرٍ تَغْلِيبًا أَوْ إطْلَاقًا لِلْجَمْعِ عَلَى مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ صِحَّةُ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ مَعَ ضِيقِ زَمَنِ الْوُقُوفِ عَنْ إدْرَاكِهِ

[حاشية الشبراملسي]

قَالَ حَجّ: فَإِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ حَقِيقِيٌّ إلَّا عِنْدَ مَنْ يَخُصُّ التَّوْقِيتَ بِالْحَدِّ لِلْوَقْتِ فَتُوَسِّعَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ) أَيْ آخِرِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِلْحَجِّ عَلَى مَعْنَى أَنَّ مُعْظَمَهُ عَرَفَةُ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحَجُّ عَرَفَةَ» (قَوْلُهُ: وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ دَاوُد) أَيْ اعْتَرَضَ مَا فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ مِنْ قَوْلِهِ وَتِسْعٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (قَوْلُهُ: وَالْأَحْسَنُ الْجَوَابُ) الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْجَوَابِ وَمَا تَقَدَّمَهُ أَنَّ الْمُرَادَ عَلَى الْأَوَّلِ بِالتِّسْعِ الْأَيَّامُ مَعَ اللَّيَالِيِ، وَعَلَى هَذَا الْأَيَّامُ وَحْدَهَا وَاللَّيَالِي مَسْكُوتٌ عَنْهَا فَلَا يَكُونُ فِي كَلَامِهِ إخْرَاجٌ لِلَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ لِعَدَمِ ذِكْرِ اللَّيَالِيِ وَحُكْمُهَا يُعْلَمُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ حَقِيقَةُ قَوْلِ الشَّارِحِ وَالسُّؤَالُ مَعَهُ بَاقٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا) قَالَ حَجّ: مَا بَيْنَ مُنْتَهَى غُرُوبِ آخَرِ رَمَضَانَ وَفَجْرُ النَّحْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ فَيَصِحُّ إحْرَامُهُ بِهِ فِيهِ وَإِنْ انْتَقَلَ بَعْدَهُ إلَى بَلَدٍ أُخْرَى تُخَالِفُ مَطْلِعَ تِلْكَ وَوَجَدَهُمْ صِيَامًا عَلَى الْأَوْجُهِ، لِأَنَّ وُجُوبُ مُوَافَقَتِهِ لَهُمْ فِي الصَّوْمِ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانُ حَجِّهِ الَّذِي انْعَقَدَ لِشِدَّةِ تَثَبُّتِ الْحَجِّ وَلُزُومِهِ، بَلْ قَالَ فِي الْخَادِمِ نَقْلًا عَنْ غَيْرِهِ: لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لَوْ جَامَعَ فِي الثَّانِيَةِ وَإِنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ.
قَالَ: وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ فِطْرَةٌ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، وَعَلَى هَذَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ فِيهِ إعْطَاءَ لَهُ حُكْمَ شَوَّالٍ.
اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَفَّارَةِ قَرِيبٌ لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَفِي الْفِطْرَةِ يَتَعَيَّنُ فَرْضُهُ فِيمَا إذَا حَدَّثَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ فِي الْبَلَدِ الْأَوَّلِ قَبْلَ غُرُوبِ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَإِلَّا فَالْوَجْهُ لُزُومِهَا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِيهَا بِمَحِلِّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، وَأَمَّا الْإِحْرَامُ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ عَدَمُ صِحَّته لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ انْتَقَلَ إلَيْهَا صَارَ مِثْلَهُمْ فِي الصَّوْمِ، فَكَذَا الْحَجُّ لِأَنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا وَلَا تُرَدُّ الْكَفَّارَةُ لِمَا

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ) أَيْ فِي مَقَامِ اخْتِصَارِ كَلَامِ الْمُهِمَّاتِ فَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالسُّؤَالُ مَعَهُ بَاقٍ لِأَنَّهُ تَعَقُّبٌ مِنْهُ لِكَلَامِ صَاحِبِ الْمُهِمَّاتِ فَانْدَفَعَ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ التَّنَافِي فِي طَرَفَيْ كَلَامِهِ.
(قَوْلُهُ: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ جَوَابٌ عَنْ السُّؤَالِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ جَوَابَيْ الْأَصْحَابِ وَصَاحِبِ الْمُهِمَّاتِ وَاحِدٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشِّقِّ الْأَوَّلِ مِنْ شِقَّيْ التَّرْدِيدِ فِي كَلَامِ ابْنِ دَاوُد، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْأَصْحَابَ يَقُولُونَ حَذَفَ التَّاءَ تَغْلِيبًا لِلَّيَالِيِ الْمُرَادَةِ مَعَ الْأَيَّامِ، فَالْمُرَادُ بِاللَّيَالِيِ فِي كَلَامِهِمْ لَيَالِي تِلْكَ الْأَيَّامِ التِّسْعَةِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ وَالِدِ الشَّارِحِ وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ لِأَنَّ الْمُسْتَشْكِلَ لَمْ يَسْأَلْ عَنْهَا، خِلَافُ مَا يُوهِمُهُ قَوْلُ ابْنِ الْعِرَاقِيِّ، وَالسُّؤَالُ بَاقٍ مَعَهُ إلَخْ، وَصَاحِبُ الْمُهِمَّاتِ يَقُولُ: حَذَفَ التَّاءَ لِحَذْفِ الْمَعْدُودِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ فِي هَذِهِ الْقَوْلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا يُعْلَمُ مَا وَقَعَ فِي

كَأَنْ أَحْرَمَ بِهِ فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ زَمَنِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مَا يَصِحُّ مَعَهُ إدْرَاكُهُ، وَبِهِ صَرَّحَ الرُّويَانِيُّ قَالَ: وَهَذَا بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْجُمُعَةِ لِبَقَاءِ الْحَجِّ حَجًّا بِفَوَاتِ الْوُقُوفِ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ اهـ. وَمُرَادُهُمْ أَنَّ هَذَا وَقْتُهُ مَعَ إمْكَانِهِ فِي بَقِيَّةِ الْوَقْتِ حَتَّى لَوْ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ لَمْ يَنْعَقِدْ الْحَجُّ بِلَا شَكٍّ.
قَالَهُ فِي الْخَادِمِ قَالَ: وَفِي انْعِقَادِهِ عُمْرَةً تَرَدُّدٌ وَالْأَرْجَحُ نَعَمْ.

وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ الْحَجَّ إنْ كَانَتْ مِنْ شَوَّالٍ وَإِلَّا فَعُمْرَةٌ فَبَانَتْ مِنْ شَوَّالٍ فَحَجٌّ وَإِلَّا فَعُمْرَةٌ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ يَعْتَقِدُ تَقَدُّمَهُ عَلَى وَقْتِهِ فَبَانَ فِيهِ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ أَخْطَأَ الْوَقْتَ كُلُّ الْحَجِيجِ فَهَلْ يُغْتَفَرُ كَخَطَأِ الْوُقُوفِ أَوْ يَنْعَقِدُ عُمْرَةً؟ وَجْهَانِ، أَوْفَقُهُمَا الثَّانِي أَخْذًا بِعُمُومِ كَلَامِهِمْ، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْغَلَطَ ثَمَّ يَقَعُ كَثِيرًا فَاقْتَضَتْ الْحَاجَةُ بَلْ الضَّرُورَةُ الْمُسَامَحَةُ بِهِ، وَهُنَا لَا يَقَعُ إلَّا نَادِرًا فَلَمْ يُغْتَفَرْ وَلَوْ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَجِيجِ الْعَامِّ، وَأَيْضًا فَالْغَلَطُ هُنَا إنَّمَا يَنْشَأُ عَنْ تَقْصِيرٍ بِخِلَافِهِ ثَمَّ، فَإِنَّهُ يَنْشَأُ عَنْ كَوْنِ الْهِلَالِ غُمَّ عَلَيْهِمْ وَلَا حِيلَةَ لَهُمْ فِي دَفْعِهِ، وَأَيْضًا فَالْغَلَطُ هُنَا إنْ كَانَ بِتَقْدِيمِ الْعِبَادَةِ عَلَى وَقْتِهَا فَهُوَ كَالْوُقُوفِ فِي الثَّامِنِ، وَإِنْ كَانَ بِتَأْخِيرِهَا عَنْهُ فَهُوَ كَالْوُقُوفِ فِي الْحَادِي عَشَرَ وَسَيَأْتِي أَنَّهُمَا لَا يُجْزِئَانِ (وَفِي لَيْلَةِ النَّحْرِ) وَهِيَ الْعَاشِرَةُ (وَجْهٌ) أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ اللَّيَالِيَ تَبَعٌ لِلْأَيَّامِ وَيَوْمُ النَّحْرِ لَا يَصِحُّ فِيهِ الْإِحْرَامُ فَكَذَا لَيْلَتُهُ (فَلَوْ) (أَحْرَمَ بِهِ) أَيْ الْحَجِّ حَلَالٌ (فِي غَيْرِ وَقْتِهِ) كَرَمَضَانَ أَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا (انْعَقَدَ) إحْرَامُهُ بِذَلِكَ (عُمْرَةً) مُجْزِئَةً عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ (عَلَى الصَّحِيحِ) سَوَاءٌ أَكَانَ عَالِمًا أَمْ جَاهِلًا لِشِدَّةِ تَعَلُّقِ الْإِحْرَامِ وَلُزُومِهِ، فَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ الْوَقْتُ مَا أَحْرَمَ بِهِ انْصَرَفَ؛ لِمَا يَقْبَلُهُ وَهُوَ الْعُمْرَةُ، وَلِأَنَّهُ إذَا بَطَلَ قَصْدُ الْحَجِّ فِيمَا إذَا نَوَاهُ بَقِيَ مُطْلَقُ الْإِحْرَامِ، وَالْعُمْرَةُ تَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ كَمَا مَرَّ، وَالثَّانِي لَا يَنْعَقِدُ عُمْرَةً كَمَا لَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَتَحَلَّلَ بِأَعْمَالِ عُمْرَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّمَانَيْنِ لَيْسَ وَقْتًا لِلْحَجِّ، فَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بِحَجٍّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ حَجًّا لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ وَلَا عُمْرَةً،

[حاشية الشبراملسي]

عَلِمْت اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: مَا يَصِحُّ مَعَهُ) أَيْ مَا يَتَأَتَّى مَعَهُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْجُمُعَةِ) أَيْ فَإِنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا (قَوْلُهُ وَمُرَادُهُمْ أَنَّ هَذَا) قَدْ يَتَوَقَّفُ فِي أَنَّ هَذَا مُرَادُهُمْ بَعْدَ فَرْضِ الْكَلَامِ فِيمَنْ أَحْرَمَ فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْوُقُوفُ فَلْيُتَأَمَّلْ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: كَلَامُ الرُّويَانِيِّ مَفْرُوضٌ فِيمَنْ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ الْوُقُوفُ لِمَانِعٍ قَامَ بِخُصُوصِهِ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِمَكَّةَ أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهَا لَيْلَةَ النَّحْرِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْوُقُوفَ لِمَا قَامَ بِهِ مِنْ الْمَانِعِ مَعَ إمْكَانِ الْوُقُوفِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ لِمَنْ أَحْرَمَ ثَمَّةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَ الْخَادِمِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الرُّويَانِيِّ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ إذْ هُوَ مَفْرُوضٌ فِيمَنْ أَمْكَنَهُ لَا مُطْلَقًا

(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَعُمْرَةٌ) هَذَا يُشْكَلُ بِنَظِيرِهِ فِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ حَيْثُ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ رَمَضَانَ إذَا نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ فِي شَعْبَانَ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْهُ وَإِلَّا فَنَفْلٌ فَبَانَ مِنْ رَمَضَانَ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ صَلَاحِيَةُ الْوَقْتِ لِكُلٍّ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلَا يَرُدُّ أَنَّ الصَّوْمَ صَالِحٌ لِوُقُوعِهِ عَنْ رَمَضَانَ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْهُ لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ أَشَدُّ تَعَلُّقًا بِالزَّمَانِ (قَوْلُهُ وَلَوْ أَخْطَأَ الْوَقْتَ) أَيْ وَقْتَ دُخُولِ وَقْتِ الْحَجِّ (قَوْلُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ) أَيْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِأَعْمَالِهَا (قَوْلُهُ: وَتَحَلَّلَ) يُتَأَمَّلُ وَجْهُ التَّحَلُّلِ وَأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ

[حاشية الرشيدي]

حَاشِيَةِ الشَّيْخِ هُنَا (قَوْلُهُ: وَمُرَادُهُمْ أَنَّ هَذَا وَقْتُهُ إلَخْ) اُنْظُرْ مَا مُرَادُ الشَّارِحِ بِسِيَاقِ هَذَا عَقِبَ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ هَلْ مُرَادُهُ تَعَقُّبُهُ بِهِ أَوْ مُجَرَّدُ إثْبَاتِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَهُمَا أَوْ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ، وَحِينَئِذٍ فَمَا وَجْهُ الْمُغَايِرَةِ وَمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ لَا يَشْفِي فَلْيُحَرَّرْ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الْآتِي مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ لِكَلَامِ الرُّويَانِيِّ.

(قَوْلُهُ: وَأَيْضًا فَالْغَلَطُ هُنَا إلَخْ) قَدْ يُقَالُ هَذَا فَرْقٌ بِالْحُكْمِ إذْ حَاصِلُهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ هُنَا مُطْلَقًا بِخِلَافِهِ فِي خَطَإِ الْوُقُوفِ وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُدَّعَى الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَالْفَرْقُ إنَّمَا يَكُونُ بِشَيْءٍ يَرْجِعُ إلَى الْمَعْنَى كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَهُوَ كَالْوُقُوفِ فِي الثَّامِنِ) هَذَا التَّشْبِيهُ كَاَلَّذِي بَعْدَهُ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْإِحْرَامِ مِنْ أَصْلِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُدَّعَى مِنْ انْعِقَادِهِ عُمْرَةً

لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَدْخُلُ عَلَى الْعُمْرَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ.
وَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَهُوَ عُمْرَةٌ، أَوْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ ثُمَّ شَكَّ هَلْ كَانَ إحْرَامُهُ فِي أَشْهُرِهِ أَمْ قَبْلَهَا قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: كَانَ حَجًّا؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ إحْرَامَهُ الْآنَ وَشَكَّ فِي تَقَدُّمِهِ.
قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَالْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ لِلْعُمْرَةِ جَمِيعُ السَّنَةِ كَمَا قَالَ (وَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْتٌ لِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ) وَجَمِيعُ أَفْعَالِهَا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ فِي ذِي الْقِعْدَةِ: أَيْ فِي ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ، وَأَنَّهُ اعْتَمَرَ عُمْرَةً فِي رَجَبٍ» كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَإِنْ أَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ عَائِشَةُ، وَأَنَّهُ قَالَ: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حِجَّةً» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا «حِجَّةٌ مَعِي» وَرُوِيَ «أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ وَفِي شَوَّالٍ» فَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى عَدَمِ التَّأْقِيتِ، وَقَدْ يُمْتَنَعُ الْإِحْرَامُ بِهَا فِي أَوْقَاتٍ كَمَا لَوْ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ وَقَدْ مَرَّ أَوْ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ إذْ الْعُمْرَةُ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِ أَوْ أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ نَفْرِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ فَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِعَمَلِهَا، وَلِأَنَّ بَقَاءَ أَثَرِ الْإِحْرَامِ كَبَقَائِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ وَمَنْ سَقَطَا عَنْهُ: أَيْ وَلَمْ يَنْفِرْ فَتَعْبِيرٌ كَثِيرٌ بِمِنًى إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ، وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ حَجَّتَانِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مَا فِي الْأُمِّ وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَحَكَى فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَتَصْوِيرُ الزَّرْكَشِيّ وُقُوعَهُمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ مَرْدُودٌ، أَمَّا إحْرَامُهُ بِهَا بَعْدَ نَفْرِهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَصَحِيحٌ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَإِنْ بَقِيَ وَقْتُ الرَّمْيِ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ خَرَجَ مِنْ الْحَجِّ وَصَارَ كَمَا لَوْ مَضَى وَقْتُ الرَّمْيِ، وَلَا يُكْرَهُ تَكْرِيرُهَا بَلْ يُسَنُّ الْإِكْثَارُ مِنْهَا «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ فِي عَامٍ مَرَّتَيْنِ» وَكَذَلِكَ عَائِشَةُ وَابْنُ عُمَرَ، وَيَتَأَكَّدُ فِي رَمَضَانَ وَفِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهِيَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَالْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَيْسَتْ كَفَضْلِهَا فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْأَفْضَلَ فِعْلُ الْحَجِّ فِيهَا وَشُغْلُ الزَّمَنِ بِالِاعْتِمَارِ أَفْضَلُ مِنْ صَرْفِ قَدْرِهِ فِي الطَّوَافِ عَلَى الْأَصَحِّ.
.

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْمَكَانِ فَقَالَ (وَالْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ لِلْحَجِّ) وَلَوْ بِقِرَانٍ (فِي حَقِّ مَنْ بِمَكَّةَ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا (نَفْسُ مَكَّةَ) لِلْخَبَرِ الْآتِي (وَقِيلَ كُلُّ الْحُرُمِ) ؛ لِأَنَّ مَكَّةَ وَسَائِرَ الْحَرَمِ فِي الْحُرْمَةِ سَوَاءٌ، فَلَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ بُنْيَانِ مَكَّةَ وَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهَا إلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ أَسَاءَ عَلَى الْأَوَّلِ وَلَزِمَهُ دَمٌ دُونَ الثَّانِي.
نَعَمْ بَحَثَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتِهَا فَلَا إسَاءَةَ وَلَا دَمَ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاةِ سَائِرِ الْمَوَاقِيتِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ، وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَاعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ مَحَلَّ الْإِسَاءَةِ فِيمَا ذَكَرَ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَى مِيقَاتٍ، فَإِنْ عَادَ إلَيْهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ وَلَمْ يَصِلْ فِي خُرُوجِهِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الدَّمُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَصَلَ إلَيْهَا فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِوُصُولِهِ لِمِيقَاتِ الْآفَاقِيِّ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ، وَسَيُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي أَنَّ مَنْ مَسْكَنُهُ بَعْدَ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ وَلِأَنَّ بَقَاءَ أَثَرِ الْإِحْرَامِ إلَخْ (قَوْلُهُ بِمِنًى) أَيْ حَيْثُ قَالُوا وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا بِمِنًى (قَوْلُهُ: وَتَصْوِيرُ الزَّرْكَشِيُّ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ يَأْتِيَ مَكَّةَ نِصْفَ اللَّيْلَةِ وَيَطُوفُ وَيَسْعَى بَعْدَ الْوُقُوفِ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مِنًى لِحُصُولِ التَّحَلُّلَيْنِ بِمَا فَعَلَهُ، وَوَجْهُ رَدِّهِ بَقَاءُ أَثَرِ الْإِحْرَامِ الْمَانِعِ مِنْ حَجِّهِ الْحِجَّةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الْمَبِيتِ بِمِنًى وَرَمْيُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (قَوْلُهُ: لَيْسَتْ كَفَضْلِهَا فِي غَيْرِهَا) أَيْ بَلْ فَضْلُهَا فِيهَا دُونَهُ فِي غَيْرِهَا كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَفْضَلَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَشُغْلُ الزَّمَنِ بِالِاعْتِمَارِ أَفْضَلُ) أَيْ لِأَنَّهَا لَا تَقَعُ مِنْ الْمُكَلَّفِ الْحُرِّ إلَّا فَرْضًا وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ التَّطَوُّعِ اهـ حَجّ

(قَوْلُهُ: وَلَا دَمَ) خِلَافًا لحج حَيْثُ قَالَ: عَلَيْهِ دَمٌ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ أَيْ فِي ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ مُتَفَرِّقَاتٍ (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ حَجَّتَانِ) مَعْطُوفٌ عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ (قَوْلُهُ: وَيَتَأَكَّدُ فِي رَمَضَانَ وَفِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ يُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي مِنْ أَفْضَلِيَّتِهِ الْإِفْرَادُ عَلَى التَّمَتُّعِ أَنَّ مَحَلَّ التَّأَكُّدِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِيمَنْ لَمْ يُرِدْ الْحَجَّ فِي عَامِهِ فَلْيُرَاجَعْ.

[الْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ]

(قَوْلُهُ: فَإِنْ عَادَ إلَيْهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ إلَخْ) هَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ فَلَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ بُنْيَانِ مَكَّةَ وَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهَا إلَخْ فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا لَوْ وَصَلَ إلَيْهَا) أَيْ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ

الْمِيقَاتِ وَلَوْ فِي الْحَرَمِ يَكُونُ مَحَلُّهُ مِيقَاتُهُ، وَالْأَفْضَلُ لِلْمَكِّيِّ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَسْجِدِ سُنَّةَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ يَأْتِيَ إلَى بَابِ دَارِهِ وَيُحْرِمَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ عَقِبَ الصَّلَاةِ بَلْ عِنْدَ الْخُرُوجِ إلَى عَرَفَاتٍ ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ، فَانْدَفَعَ اسْتِشْكَالُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ بِالْإِحْرَامِ مِنْ بَابِ دَارِهِ وَلَا يُسَنُّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الطَّرَفِ الْأَبْعَدِ مِنْ مَكَّةَ لِيَقْطَعَ الْبَاقِيَ مُحْرِمًا، بِخِلَافِ مَنْ مِيقَاتُهُ قَرْيَتُهُ أَوْ حِلَّتُهُ لِأَنَّ ذَاكَ يَقْصِدُ مَكَانًا أَشْرَفَ مِمَّا هُوَ بِهِ وَهَذَا بِعَكْسِهِ.

(وَأَمَّا غَيْرُهُ) وَهُوَ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ عِنْدَ إرَادَتِهِ الْحَجَّ فَمِيقَاتُهُ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ النَّوَاحِي (فَمِيقَاتُ الْمُتَوَجِّهِ مِنْ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ) وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِأَبْيَارِ عَلِيٍّ وَهُوَ عَلَى نَحْوِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَتَصْحِيحُ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ لَعَلَّهُ بِاعْتِبَارِ أَقْصَى عُمْرَانِ الْمَدِينَةِ وَحَدَائِقِهَا مِنْ جِهَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ، وَالرَّافِعِيُّ أَنَّهَا عَلَى مِيلٍ لَعَلَّهُ بِاعْتِبَارِ عُمْرَانِهَا الَّذِي كَانَ مِنْ جِهَةِ الْحُلَيْفَةِ وَهِيَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ (وَ) الْمُتَوَجِّهُ (مِنْ الشَّامِ) بِالْهَمْزِ وَالْقَصْرِ، وَيَجُوزُ تَرْكُ الْهَمْزِ وَالْمَدِّ مَعَ فَتْحِ الشِّينِ ضَعِيفٌ وَأَوَّلُهُ نَابُلُسْ وَآخِرُهُ الْعَرِيشُ.
قَالَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ غَيْرُهُ: حَدُّهُ طُولًا مِنْ الْعَرِيشِ إلَى الْفُرَاتِ وَعَرْضًا مِنْ جَبَلِ طَيٍّ مِنْ نَحْوِ الْقِبْلَةِ إلَى بَحْرِ الرُّومِ وَمَا سَامَتَ ذَلِكَ مِنْ الْبِلَادِ، وَهُوَ مُذَكِّرٌ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَ) مِنْ (مِصْرَ) وَهِيَ الْمَدِينَةُ الْمَعْرُوفَةُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ وَحَدُّهَا طُولًا مِنْ بَرْقَةَ الَّتِي فِي جَنُوبِ الْبَحْرِ الرُّومِيِّ إلَى أَيْلَةَ وَمَسَافَةُ ذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَعَرْضُهُ مِنْ مَدِينَةِ أُسْوَانَ وَمَا سَامَتَهَا مِنْ الصَّعِيدِ الْأَعْلَى إلَى رَشِيدٍ وَمَا حَاذَاهَا مِنْ مَسَاقِطِ النِّيلِ فِي بَحْرِ الرُّومِ وَمَسَافَةُ ذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، سُمِّيَتْ بِاسْمِ مَنْ سَكَنَهَا أَوَّلًا وَهُوَ مِصْرُ بْنُ بَيْصَرَ بْنِ نُوحٍ (وَ) مِنْ (الْمَغْرِبِ الْجُحْفَةُ) قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَقَدْ خَرِبَتْ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَهَا وَهِيَ عَلَى سِتِّ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ، وَقَوْلُ الْمَجْمُوعِ عَلَى ثَلَاثٍ لَعَلَّهُ بِسَيْرِ الْبِغَالِ النَّفِيسَةِ (وَمِنْ تِهَامَةَ الْيَمَنِ) بِكَسْرِ التَّاءِ اسْمٌ لِكُلِّ مَا نَزَلَ عَنْ نَجْدٍ مِنْ بِلَادِ الْحِجَازِ وَالْيَمَنُ إقْلِيمٌ مَعْرُوفٌ (يَلَمْلَمُ) وَيُقَالُ لَهُ أَلَمْلَمُ وَهُوَ أَصْلُهُ قُلِبَتْ الْهَمْزَةُ يَاءً وَيُرَمْرِمُ بِرَاءَيْنِ وَهِيَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ (وَ) مِنْ (نَجْدٍ الْيَمَنُ) (وَ) نَجْدٌ (الْحِجَازُ قَرْنُ) بِسُكُونِ الرَّاءِ وَيُقَالُ لَهُ قَرْنُ الْمَنَازِلِ وَقَرْنُ الثَّعَالِبِ وَهُوَ جَبَلٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَغَلَطَ الْجَوْهَرِيُّ فِي أَنَّ رَاءَهُ مُحَرَّكَةٌ وَأَنَّ إلَيْهِ يُنْسَبُ أَوَيْسُ الْقَرَنِيُّ إذْ هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى قَرَنٍ قَبِيلَةٌ مِنْ مُرَادٍ كَمَا فِي مُسْلِمٍ، وَنَجْدٌ فِي الْأَصْلِ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ، وَيُسَمَّى الْمُنْخَفِضُ غَوْرًا، وَحَيْثُ أَطْلَقَ نَجْدٌ فَالْمُرَادُ نَجْدُ الْحِجَازِ (وَمِنْ الْمَشْرِقِ) الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ (ذَاتُ عِرْقٍ) وَهِيَ قَرْيَةٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ وَقَدْ خَرِبَتْ، وَفَوْقَهَا وَادٍ يُقَالُ لَهُ الْعَقِيقُ، وَالْأَوْلَى لِهَؤُلَاءِ الْإِحْرَامُ مِنْهُ لِلِاحْتِيَاطِ، وَلِمَا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ» لَكِنْ رَدَّهُ فِي الْمَجْمُوعِ فَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَالْأَصْلُ فِي الْمَوَاقِيتِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ»

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ) أَيْ نَدْبًا وَلَوْ مَكِّيًّا (قَوْلُهُ: قَرْيَتُهُ أَوْ حِلَّتُهُ) أَيْ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ الطَّرَفِ الْأَبْعَدِ

(قَوْلُهُ: ذُو الْحُلَيْفَةِ) قَالَ حَجّ: تَصْغِيرُ حَلَفَةَ بِفَتْحِ أَوَّلِيهِ وَاحِدَةُ الْحُلَفَاءِ نَبَاتٌ مَعْرُوفٌ اهـ. وَقَالَ فِي الْمُخْتَارِ: كَقَصَبَةِ وَطَرَفَةِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: حَلِفَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ اهـ (قَوْلُهُ: مِنْ مَدِينَةِ أُسْوَانَ) قَالَ فِي لُبِّ الْأَلْبَابِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْوَاوِ وَسُكُونِ السِّينِ بَلَدٌ بِصَعِيدِ مِصْرَ قُلْت: الصَّحِيحُ ضَمُّ أَوَّلِهِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى لِهَؤُلَاءِ)

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: بِالْإِحْرَامِ مِنْ بَابِ دَارِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِشْكَالٍ

(قَوْلُهُ: وَالْمَدُّ مَعَ فَتْحِ الشَّيْنِ) أَيْ وَمَعَ الْهَمْزِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَحْدَهَا طُولًا) أَيْ حَدُّ إقْلِيمِهَا وَمَا يُنْسَبُ إلَيْهَا (قَوْلُهُ: ابْنُ بَيْصَرِ بْنِ نُوحٍ) عِبَارَةُ الدَّمِيرِيِّ، ابْنُ بَيْصَرِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ فَلَعَلَّ قَوْلَهُ ابْنِ سَامٍ سَقَطَ مِنْ الشَّرْحِ مِنْ النُّسَّاخِ (قَوْلُهُ: لِكُلِّ مَا نَزَلَ عَنْ نَجْدٍ مِنْ بِلَادِ الْحِجَازِ) كَذَا فِي النُّسَخِ،

وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ وَقَالَ: هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ " زَادَ الشَّافِعِيُّ " وَلِأَهْلِ الْمَغْرِبِ الْجُحْفَةَ " وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا لَكِنْ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَتَوْقِيتُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ اجْتِهَادٌ مِنْهُ وَافَقَ النَّصَّ، وَقَوْلُ الْبَارِزِيِّ إحْرَامُ الْحَاجِّ الْمِصْرِيِّ مِنْ رَابِغٍ الْمُحَاذِيَةِ لِلْجُحْفَةِ مُشْكِلٌ، وَكَانَ يَنْبَغِي إحْرَامُهُمْ مِنْ بَدْرٍ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْبُرُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ مِيقَاتٌ لِأَهْلِهِ، كَمَا أَنَّ الشَّامِيَّ يُحْرِمُ مِنْ الْحُلَيْفَةِ وَلَا يَصْبِرُ لِلْجُحْفَةِ مَرْدُودٌ لِمُخَالَفَتِهِ النَّصَّ؛ وَلِأَنَّ أَهْلَ الشَّامِ يَمُرُّونَ عَلَى مِيقَاتٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ بِخِلَافِ أَهْلِ مِصْرَ، وَلَا أَثَرَ لِلْمُحَاذَاةِ مَعَ تَعْيِينِ مِيقَاتٍ لَهُمْ عَلَى أَنَّ بَدْرًا لَيْسَ مِيقَاتًا لِأَهْلِهِ بَلْ مِيقَاتُهُمْ الْجُحْفَةُ كَمَا يَأْتِي، وَالْعِبْرَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ بِالْبُقْعَةِ لَا بِمَا بَنَى وَلَوْ قَرِيبًا مِنْهَا بِنَقْضِهَا وَإِنْ سُمِّيَ بِاسْمِهَا: وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ الْأَجِيرُ فَإِنْ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِ الْمَنُوبِ عَنْهُ، فَإِنْ مَرَّ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْمِيقَاتِ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعٍ بِإِزَائِهِ إذَا كَانَ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الْمِيقَاتِ مِنْ مَكَّةَ، حَكَاهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْفُورَانِيِّ وَأَقَرَّهُ وَقْتَ أَقَتَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَوَاقِيتَ عَامَ حَجِّهِ.

(وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ) وَهُوَ طَرَفُهُ الْأَبْعَدُ عَنْ مَكَّةَ لَا مِنْ وَسَطِهِ وَلَا آخِرِهِ لِيَقْطَعَ الْبَاقِيَ مُحْرِمًا.
قَالَ السُّبْكِيُّ: إلَّا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهَذَا حَقٌّ إنْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَسْجِدَ هُوَ الْمَوْجُودُ آثَارُهُ الْيَوْمَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ هُوَ (وَيَجُوزُ مِنْ آخِرِهِ) لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا لَا يَنْتَهِي إلَى مِيقَاتٍ) مِمَّا ذُكِرَ (فَإِنْ حَاذَى) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ سَامَتَ (مِيقَاتًا) مِنْهَا يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْبَرِّ أَمْ فِي الْبَحْرِ لَا مِنْ ظَهْرِهِ أَوْ وَجْهِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَرَاءَهُ وَالثَّانِي أَمَامَهُ (أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتِهِ) لِمَا صَحَّ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدَّ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ لَمَّا قَالُوا لَهُ: إنَّ قَرْنًا الْمُؤَقَّتُ لِأَهْلِ نَجْدٍ جَوْرٌ: أَيْ مَائِلٌ عَنْ طَرِيقِنَا وَإِنْ أَرَدْنَاهُ شَقَّ عَلَيْنَا وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْمِيقَاتُ أَوْ مَوْضِعُ مُحَاذَاتِهِ تَحَرَّى إنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ عِلْمٍ وَلَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ فِي التَّحَرِّي إلَّا أَنْ يَعْجِزَ عَنْهُ كَالْأَعْمَى.
وَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَسْتَظْهِرَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ حَاذَاهُ أَوْ أَنَّهُ فَوْقَهُ.
نَعَمْ بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ إنْ تَحَيَّرَ فِي اجْتِهَادِهِ لَزِمَهُ الِاسْتِظْهَارُ إنْ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ أَوْ كَانَ قَدْ تَضَيَّقُ عَلَيْهِ (أَوْ) حَاذَى (مِيقَاتَيْنِ) عَلَى التَّرْتِيبِ أَحْرَمَ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ مَعًا أَحْرَمَ مِنْ أَقْرَبِهِمَا إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْآخِرُ أَبْعَدَ إلَى مَكَّةَ إذْ لَوْ كَانَ أَمَامَهُ مِيقَاتٌ فَإِنَّهُ مِيقَاتُهُ وَإِنْ حَاذَى مِيقَاتًا أَبْعَدَ فَكَذَا مَا هُوَ بِقُرْبِهِ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ إلَيْهِ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مُحَاذَاةِ أَبْعَدِهِمَا مِنْ مَكَّةَ) وَإِنْ حَاذَى

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ أَهْلُ الْمَشْرِقِ (قَوْلُهُ وَقَالَ هُنَّ لَهُنَّ) أَيْ لِأَهْلِهِنَّ وَلِمَنْ إلَخْ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُمْ يَعْبُرُونَ) أَيْ يَمُرُّونَ (قَوْلُهُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِ الْمَنُوبِ عَنْهُ) أَيْ أَوْ مَا قُيِّدَ بِهِ مِنْ أَبْعَدِ كَمَا يَعْلَمُ مِنْ كِتَابِ الْوَصِيَّةِ اهـ شَرْحُ مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: فَإِنْ جَاوَزَهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ إنْ أَحْرَمَ مَنْ مِثْلُهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَفِي حَجّ مَا يُوَافِقُهُ.
أَمَّا لَوْ عُيِّنَ لَهُ مَكَانُ لَيْسَ مِيقَاتًا لِأَحَدٍ كَأَنَّ قِيلَ لَهُ أَحْرِمْ مِنْ مِصْرَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ بِمُجَاوَزَتِهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ اللُّزُومِ لَكِنْ يُحَطُّ قِسْطٌ مِنْ الْمُسَمَّى بِاعْتِبَارِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، فَإِنْ كَانَتْ أُجْرَةُ مِثْلِ الْمُدَّةِ بِتَمَامِهَا مِنْ مِصْرَ مَثَلًا عَشَرَةٌ وَمِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ تِسْعَةٌ حَطَّ مِنْ الْمُسْمَى عَشَرَةٌ (قَوْلُهُ: عَامُ حَجِّهِ) وَكَانَ فِي السُّنَّةِ الْعَاشِرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ

(قَوْلُهُ: جَوْرُ) أَيْ مَائِلٌ عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ بِالرَّاءِ، وَفِي الصِّحَاحِ الْجَوْرُ الْمَيْلُ.

[حاشية الرشيدي]

وَصَوَابُهُ كَمَا فِي الدَّمِيرِيِّ: لِكُلِّ مَا نَزَلَ عَنْ نَجْدٍ إلَى بِلَادِ الْحِجَازِ (قَوْلُهُ: اجْتِهَادٌ مِنْهُ وَافَقَ النَّصَّ) مُرَادُهُ بِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا وَقَعَ لِلْأَصْحَابِ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّ ذَلِكَ بِالنَّصِّ أَوْ بِاجْتِهَادِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَمَا حَكَاهُ الْأَذْرَعِيُّ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ فِي الْمَعْنَى، لَكِنَّ اسْتِدْلَالَهُ فِيمَا يَأْتِي لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَإِنْ حَاذَى مِيقَاتًا أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتِهِ بِقَوْلِهِ لِمَا صَحَّ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدَّ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ إلَخْ، صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَيْسَ إلَّا بِاجْتِهَادِ عُمَرَ،

الْأَقْرَبَ إلَيْهَا أَوَّلًا كَأَنْ كَانَ الْأَبْعَدُ مُنْحَرِفًا أَوْ وَعِرًا، فَلَوْ جَاوَزَهُمَا مُرِيدًا لِلنُّسُكِ وَلَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَ الْمُحَاذَاةِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْأَبْعَدِ أَوْ إلَى مِثْلِ مَسَافَتِهِ سَقَطَ الدَّمُ أَوْ إلَى الْآخِرِ لَمْ يَسْقُطْ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ إلَيْهَا وَإِلَيْهِ أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتِهَا إنْ لَمْ يُحَاذِ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخِرِ وَإِلَّا فَمِنْ مُحَاذَاةِ الْأَوَّلِ وَلَا يَنْتَظِرُ مُحَاذَاةَ الْآخِرِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَارِّ عَلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ أَنْ يُؤَخِّرَ إحْرَامَهُ إلَى الْجُحْفَةِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ فَإِنْ شَاءَ أَحْرَمَ مِنْ الْمَوْضِعِ الْمُحَاذِي لِأَبْعَدِهِمَا وَإِنْ شَاءَ لِأَقْرَبِهِمَا.

(وَإِنْ لَمْ يُحَاذِ) مِيقَاتًا مِمَّنْ سَبَقَ كَالْجَائِي مِنْ الْبَحْرِ مِنْ جِهَةِ سَوَاكِنَ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُحَاذِي مِيقَاتًا، فَقَوْلُ ابْنُ يُونُسَ وَمَنْ تَبِعَهُ: الْمُرَادُ بِعَدَمِ الْمُحَاذَاةِ فِي عِلْمِهِ دُونَ نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّ الْمَوَاقِيتَ تَعُمُّ جِهَاتِ مَكَّةَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُحَاذِيَ أَحَدَهَا مَرْدُودٌ (أَحْرَمَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ) إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْمَوَاقِيتِ أَقَلَّ مَسَافَةً مِنْ هَذَا الْمِقْدَارِ

(وَمَنْ مَسْكَنُهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ) لِلنُّسُكِ (مَسْكَنُهُ) مِنْ قَرْيَةٍ أَوْ حِلَّةٍ لِمَا مَرَّ فِي الْخَبَرِ «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ» هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مِيقَاتٌ آخَرُ، وَإِلَّا كَأَهْلِ بَدْرٍ وَالصَّفْرَاءِ فَإِنَّهُمْ بَعْدَ الْحُلَيْفَةِ وَقَبْلَ الْجُحْفَةِ فَمِيقَاتُهُمْ الثَّانِي وَهُوَ الْجُحْفَةُ.

(وَمَنْ بَلَغَ) يَعْنِي جَاوَزَ (مِيقَاتًا) مِنْ الْمَوَاقِيتِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا أَوْ مَوْضِعًا جَعَلْنَاهُ مِيقَاتًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِيقَاتًا أَصْلِيًّا (غَيْرُ مُرِيدٍ نُسُكًا ثُمَّ أَرَادَهُ فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُهُ) وَلَا يُكَلَّفُ الْعَوْدَ إلَى الْمِيقَاتِ لِلْخَبَرِ الْمَارِّ (وَمَنْ بَلَغَهُ) أَيْ وَصَلَ (مُرِيدًا) نُسُكًا (لَمْ تَجُزْ مُجَاوَزَتُهُ) إلَى جِهَةِ الْحَرَمِ (بِغَيْرِ إحْرَامٍ) إجْمَاعًا وَيَجُوزُ إلَى جِهَةِ الْيَمْنَةِ أَوْ الْيَسْرَةِ وَيُحْرِمُ مِنْ مِثْلِ مِيقَاتِ بَلَدِهِ أَوْ أَبْعَدَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (فَإِنْ) خَالَفَ وَ (فَعَلَ) مَا مُنِعَ مِنْهُ بِأَنْ جَاوَزَهُ إلَى جِهَةِ الْحَرَمِ (لَزِمَهُ الْعَوْدُ لِيُحْرِمَ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ وَقَدْ أَمْكَنَهُ تَدَارَكَهُ فَيَأْتِي بِهِ، وَقَوْلُهُ مِنْهُ مِثَالٌ فَلَوْ عَادَ إلَى مِثْلِ مَسَافَتِهِ مِنْ مِيقَاتٍ آخَرَ جَازَ.
قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ تَجْوِيزُهُمْ فِي قَضَاءِ الْمُفْسِدِ تَرْكَ الْمِيقَاتِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ فِي الْأَدَاءِ مَعَ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَالْإِحْرَامُ مِنْ مِثْلِ مَسَافَتِهِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَا يَجِبُ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ إلَى الْعَوْدِ؛ لِأَنَّا إذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّ الْعَوْدَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ يُسْقِطُ الدَّمَ كَانَ لَهُ الْإِحْرَامُ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَطْعُ الْمَسَافَةِ مُحْرِمًا كَالْمَكِّيِّ وَلَوْ أَرَادَ الِاعْتِمَارَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الْحِلِّ عَلَى الصَّحِيحِ.
نَعَمْ يَتَّجِهُ الِاكْتِفَاءُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا عَادَ إلَيْهِ مِيقَاتًا، وَمَا أَوْهَمَهُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْعَوْدِ إذَا أَحْرَمَ لِجَعْلِهِ الْعِلَّةَ فِي عَوْدِهِ إنْشَاءَ الْإِحْرَامِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ وَلَوْ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمُجَاوَزَةِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ وَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ إذْ الْمَأْمُورَاتُ لَا يَفْتَرِقُ فِيهَا الْحَالُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ لَكِنْ لَا إثْمَ عَلَى الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي، وَلَا يَقْدَحُ فِيمَا ذُكِرَ فِي السَّاهِي أَنَّهُ بِسَهْوِهِ عَنْ الْإِحْرَامِ يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ إذْ يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِمَنْ أَنْشَأَ سَفَرَهُ مِنْ مَحَلِّهِ قَاصِدًا لَهُ وَقَصْدُهُ مُسْتَمِرٌّ فَسَهَا

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: أَوْ إلَى الْآخِرِ لَمْ يَسْقُطْ) أَيْ الَّذِي هُوَ الْأَقْرَبُ.

(قَوْلُهُ مِنْ مَكَّةَ) أَيْ وَتَحْصُلُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ يَعْرِفُ تِلْكَ الْمَسَافَةَ أَوْ بِأَنْ يَجْتَهِدَ فِيهَا

(قَوْلُهُ لِلنُّسُكِ) أَشَارَ بِهِ إلَى تَصْحِيحِ إضَافَةِ الْمِيقَاتِ لِضَمِيرِهِ وَهُوَ أَنَّ الْإِضَافَةَ تَكُونُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ

(قَوْلُهُ: مِنْ مِيقَاتٍ آخَرَ) سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ نَعَمْ يَتَّجِهُ الِاكْتِفَاءُ بِقَدْرِ ذَلِكَ إلَخْ فَمَا هُنَا مُجَرَّدُ تَصْوِيرٍ

[حاشية الرشيدي]

وَإِلَّا لَمْ يَتِمَّ بِهِ الدَّلِيلُ لِمَا ذُكِرَ كَمَا لَا يَخْفَى.

(قَوْلُهُ: فَلَوْ جَاوَزَهُمَا مُرِيدًا لِلنُّسُكِ إلَخْ) هَذَا هُوَ ثَمَرَةُ كَوْنِهِ يُحْرِمُ مِنْ أَبْعَدِهِمَا مِنْ مَكَّةَ، وَإِلَّا فَالصُّورَةُ أَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي يُحْرِمُ مِنْهُ فِيهِ مُحَاذَاةُ الْمِيقَاتَيْنِ مَعًا فَلَا وَجْهَ لِنِسْبَةِ الْإِحْرَامِ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ: فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ فَكِلَاهُمَا مِيقَاتُهُ، قُلْنَا: لَا بَلْ مِيقَاتُهُ الْأَبْعَدُ إلَى مَكَّةَ، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِيمَا لَوْ جَاوَزَهُمَا مُرِيدًا لِلنُّسُكِ وَلَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَ الْمُحَاذَاةِ إلَخْ

عَنْهُ حِينَ الْمُجَاوَزَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ لُزُومِ الْعَوْدِ قَوْلُهُ (إلَّا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ) عَنْ الْعَوْدِ إلَى الْمِيقَاتِ (أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا) أَوْ كَانَ مَعْذُورًا بِمَرَضٍ شَاقٍّ أَوْ خَافَ انْقِطَاعًا عَنْ رُفْقَتِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ حِينَئِذٍ بَلْ يُرِيقُ دَمًا، وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ تَحْرِيمُ عَوْدِهِ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ عَادَ لَفَاتَ الْحَجُّ وَلَوْ كَانَ مَاشِيًا وَلَمْ يَتَضَرَّرْ بِالْمَشْيِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ أَوْ لَا؟ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ لُزُومُهُ، وَنَظَرَ فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ وَقَالَ: الْمُتَّجَهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا كَمَا قُلْنَا فِي الْحَجِّ مَاشِيًا اهـ. قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: بَلْ الْمُتَّجَهُ لُزُومُ الْعَوْدِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ لِمَا تَعَدَّى فِيهِ فَأَشْبَهَ وُجُوبَ قَضَاءِ الْحَجِّ الْفَاسِدِ وَإِنْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ كَانَ قَدْ تَعَدَّى بِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِهِ وَإِلَّا فَالْمُتَّجَهُ مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ (فَإِنْ لَمْ يَعُدْ) لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (لَزِمَهُ) بِتَرْكِهِ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ (دَمٌ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا.
رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَمَحَلُّ لُزُومِهِ إنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مُطْلَقًا أَوْ بِحَجٍّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ أَصْلًا فَلَا إذْ لُزُومُهُ لِنُقْصَانِ النُّسُكِ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَكَذَا إنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ فِي سَنَةٍ أُخْرَى إذْ إحْرَامُ سَنَةً لَا يَصْلُحُ لِإِحْرَامِ غَيْرِهَا، وَاقْتَضَى كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُسَاوَاةَ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ فِيمَا لَوْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَحْرَمَ دُونَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ مَا لَوْ مَرَّ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ بِالْمِيقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ ثُمَّ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ.
أَفَادَهُ الْبَدْرُ بْنُ شُهْبَةَ فِي الْعَبْدِ وَابْنُ قَاسِمٍ فِيهِمَا فِي شَرْحَيْهِمَا الْكِتَابِ.

(وَإِنْ أَحْرَمَ) مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ (ثُمَّ عَادَ) لَهُ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ عَادَ) إلَيْهِ (قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ سَقَطَ الدَّمُ) عَنْهُ: أَيْ لَمْ يَجِبْ لِقَطْعِهِ الْمَسَافَةَ مِنْ الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا وَفِعْلِهِ جَمِيعَ الْمَنَاسِكِ بَعْدَهُ فَكَانَ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مِنْهُ سَوَاءٌ أَدَخَلَ مَكَّةَ أَمْ لَا؟ (وَإِلَّا) بِأَنْ عَادَ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ وَلَوْ طَوَافِ قُدُومٍ (فَلَا) يَسْقُطُ الدَّمُ عَنْهُ لِتَأَدِّي النُّسُكِ بِإِحْرَامٍ نَاقِصٍ، وَحَيْثُ لَمْ يَجِبْ بِعَوْدِهِ لَمْ تَكُنْ مُجَاوَزَتُهُ مُحَرَّمَةٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ وَالرُّويَانِيُّ.
نَعَمْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْمُجَاوَزَةُ بِنِيَّةِ الْعَوْدِ كَمَا قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ إطْلَاقُ الْغَزَالِيِّ وَطَائِفَةٍ وَجْهَيْنِ فِي سُقُوطِ الدَّمِ وَجْهٌ عَدَمُهُ تَأَكُّدُ الْإِسَاءَةِ بِإِنْشَاءِ الْإِحْرَامِ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

(وَالْأَفْضَلُ) لِمَنْ فَوْقَ الْمِيقَاتِ (أَنْ يُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا إلَّا نَحْوَ حَائِضٍ فَالْأَفْضَلُ لَهَا الْإِحْرَامُ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْله أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا) أَيْ بِأَنْ خَافَ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ وَدَخَلَ فِي الْمَالِ مَا لَوْ كَانَ الْقَدْرُ الَّذِي يَخَافُ عَلَيْهِ فِي رُجُوعِهِ بِقَدْرِ قِيمَةِ الدَّمِ الَّذِي يَلْزَمُهُ حَيْثُ لَمْ يَعُدْ أَوْ دُونَهَا، وَقِيَاسُ مَا فِي التَّيَمُّمِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ خَافَ عَلَى مَال يُسَاوِي ثَمَنَ مَاءِ الطَّهَارَةِ لَا يُعْتَبَرُ أَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ فَيَجِبُ الْعَوْدُ وَإِنْ خَافَ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ مَا هُنَا إسْقَاطٌ لِمَا ارْتَكَبَهُ وَمَا فِي التَّيَمُّمِ طَرِيقٌ لِلطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وَهِيَ أَضْيَقُ مِمَّا هُنَا فَلَا يَجِبُ الْعَوْدُ وَلَا إثْمَ بِعَدَمِهِ (قَوْلُهُ: بِمَرَضٍ شَاقٍّ) أَيْ لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً وَإِنْ لَمْ يُبَحْ التَّيَمُّمُ (قَوْلُهُ: الْمُتَّجَهُ لُزُومُ الْعَوْدِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ فَوْقَهَا (قَوْلُهُ بِعُمْرَةٍ مُطْلَقًا) أَيْ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ سَنَتِهِ (قَوْلُهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ إلَخْ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِنْدَ الْمُجَاوَزَةِ غَيْرُ أَهْلٍ لِلْإِرَادَةِ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ.
اهـ حَجّ: أَيْ الْقِنُّ وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي الصَّبِيِّ.
قَالَ حَجّ: أَيْ وَمُجَاوَزَةُ الْوَلِيِّ بِمُوَلِّيهِ مُرِيدِ النُّسُكِ بِهِ فِيهَا الدَّمُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ

(قَوْلُهُ: إلَّا نَحْوَ حَائِضٍ) كَالْجُنُبِ أَيْ لِكَرَاهَةٍ الْإِحْرَامِ مَعَ الْحَيْضِ وَنَحْوِهِ كَمَا يَأْتِي فِي فَصْلِ الْمُحْرِمِ يَنْوِي وَيُلَبِّي مِنْ قَوْلِهِ وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ: أَيْ الْغُسْلِ وَإِحْرَامُهُ جُنُبًا (قَوْلُهُ: فَالْأَفْضَلُ لَهَا الْإِحْرَامُ) هُوَ ظَاهِرٌ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ) أَيْ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ مَا لَوْ مَرَّ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ بِالْمِيقَاتِ غَيْرُ مُحْرِمٍ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُنَا عَنْ ابْنِ شُهْبَةَ وَقَاسِمٍ فِي الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ فِيهِمَا فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ النَّصِّ مِنْ لُزُومِ الدَّمِ لَهُمَا حِينَئِذٍ، لَكِنْ يُؤْخَذُ مِمَّا أَلْحَقَهُ هُنَاكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ كَمَا قَدَّمْنَا التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ أَنَّ مَحَلَّ مَا هُنَا إذَا خَرَجَا بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ وَالسَّيِّدِ وَمَا هُنَاكَ فِيمَا إذَا خَرَجَا بِإِذْنِهِمَا وَإِنْ كَانَ الشَّارِحُ وَضَعَهُ هُنَاكَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ

مِنْ الْمِيقَاتِ (وَفِي قَوْلٍ) الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ (مِنْ الْمِيقَاتِ) تَأَسِّيًا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قُلْت: الْمِيقَاتُ) أَيْ الْإِحْرَامُ مِنْهُ إنْ لَمْ يَلْتَزِمْ بِالنَّذْرِ الْإِحْرَامُ مِمَّا قَبْلَهُ (أَظْهَرُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ بِحَجَّتِهِ وَبِعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ الْحُلَيْفَةِ» ، وَإِنَّمَا جَازَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ دُونَ الزَّمَانِيِّ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ تَعَلُّقَ الْعِبَادَةِ بِالْوَقْتِ أَشَدُّ مِنْهُ بِالْمَكَانِ، وَلِأَنَّ الْمَكَانِيَّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ بِخِلَافِ الزَّمَانِيِّ وَالْأَفْضَلُ لِلْمَكِّيِّ الْإِحْرَامُ مِنْهَا وَأَنْ لَا يُحْرِمَ مِنْ خَارِجِهَا فِي جِهَةِ الْيَمَنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ إحْرَامُ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ رَابِغٍ مَفْضُولًا، وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ لِعُذْرٍ وَهُوَ إبْهَامُ الْجُحْفَةِ عَلَى أَكْثَرِهِمْ وَعَدَمُ وُجُودِ مَاءٍ فِيهَا وَخَشْيَةُ مَنْ قَصَدَهَا عَلَى مَالِهِ وَنَحْوِهِ.

(وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ) الْمَكَانِيِّ (لِمَنْ هُوَ خَارِجُ الْحَرَمِ) (مِيقَاتُ الْحَجِّ) لِلْخَبَرِ الْمَارِّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ (وَمَنْ) هُوَ (بِالْحَرَمِ) مَكِّيًّا أَوْ غَيْرَهُ (يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَلَوْ بِخُطْوَةٍ) أَيْ بِقَلِيلِ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ شَاءَ لِلْجَمْعِ فِيهَا بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ لِمَا صَحَّ مِنْ «أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ بِالْخُرُوجِ إلَيْهِ لِلْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ بِرَحِيلِ الْحَاجِّ» (فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ) إلَى أَدْنَى الْحِلِّ (وَأَتَى بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ) بَعْدَ إحْرَامِهِ بِهَا فِي الْحَرَمِ انْعَقَدَتْ عُمْرَتُهُ جَزْمًا وَ (أَجْزَأَتْهُ) هَذِهِ الْعُمْرَةُ عَنْ عُمْرَتِهِ (فِي الْأَظْهَرِ) لِانْعِقَادِ إحْرَامِهِ وَإِتْيَانِهِ بَعْدَهُ بِالْوَاجِبَاتِ (وَ) لَكِنْ (عَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِهِ الْإِحْرَامَ عَنْ الْمِيقَاتِ.
وَالثَّانِي لَا تُجْزِؤُهُ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ كَالْحَجِّ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْحِلِّ وَهُوَ عَرَفَةَ (فَلَوْ خَرَجَ) عَلَى الْأَوَّلِ (إلَى) أَدْنَى (الْحِلِّ بَعْدَ إحْرَامِهِ) وَقَبْلَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ (سَقَطَ الدَّمُ) أَيْ لَمْ يَجِبْ (عَلَى الْمَذْهَبِ) كَمَا لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ مُحْرِمًا، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي الْقَطْعُ بِالسُّقُوطِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ ذَاكَ قَدْ انْتَهَى إلَى الْمِيقَاتِ عَلَى قَصْدِ النُّسُكِ ثُمَّ جَاوَزَهُ فَكَانَ مُسِيئًا حَقِيقَةً وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَوْجُودٍ هَهُنَا فَكَانَ شَبِيهًا بِمَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ.

(وَأَفْضَلُ بِقَاعِ الْحِلِّ) لِلْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ (الْجِعْرَانَةُ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَهِيَ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِ الْعَيْنِ وَتَثْقِيلِ الرَّاءِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ، وَهِيَ فِي طَرِيقِ الطَّائِفِ عَلَى سِتَّةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَكَّةَ، وَيُحْكَى أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْهَا ثَلَاثُمِائَةِ نَبِيٍّ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ (ثُمَّ التَّنْعِيمُ) لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالِاعْتِمَارِ مِنْهُ، وَقَدَّمَهُ عَلَى الْجِعْرَانَةِ لِضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ وَهُوَ عِنْدَ الْمَسَاجِدِ الْمَعْرُوفَةِ بِمَسَاجِدِ عَائِشَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ فَرْسَخٌ فَهُوَ أَقْرَبُ أَطْرَافِ الْحِلِّ إلَى مَكَّةَ.
سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَلَى يَمِينِهِ جَبَلًا يُقَال لَهُ نَعِيمٌ وَعَلَى يَسَارِهِ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ نَاعِمٌ وَالْوَادِي نُعْمَانُ (ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةُ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ فِي الْأَفْصَحِ، وَهِيَ اسْمٌ

[حاشية الشبراملسي]

انْقِطَاعُ دَمِهَا قَبْلَ مُجَاوَزَتِهَا الْمِيقَاتِ بِزَمَنٍ يُمَكِّنُهَا فِيهِ الِاغْتِسَالُ وَالْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا التَّأْخِيرُ إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ مَعَ الْحَيْضِ (قَوْلُهُ: الْإِحْرَامُ بِمَا قَبْلَهُ) أَيْ أَمَّا إذَا الْتَزَمَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِمَّا الْتَزَمَهُ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ هَذَا مَفْضُولٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمِيقَاتِ فَكَيْفَ انْعَقَدَ.
لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَانِعُ مِنْ الِانْعِقَادِ هُوَ الْمَكْرُوهُ لَا مَا كَانَ غَيْرَهُ أَفْضَلُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَالْأَفْضَلُ لِلْمَكِّيِّ الْإِحْرَامُ) هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ السَّابِقِ وَالْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ لِلْحَجِّ فِي حَقِّ مَنْ بِمَكَّةَ نَفْسُ مَكَّةَ

(قَوْلُهُ: سَقَطَ الدَّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ) قَضَيْته وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْخُرُوجَ إلَى الْحِلِّ حَالَةَ الْإِحْرَامِ وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا سَبَقَ مِنْ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ أَنَّهُ هُنَا بِنَفْسِ الْإِحْرَامِ لَمْ تَتَحَقَّقْ الْإِسَاءَةُ حَتَّى يَحْتَاجَ لِمَسْقَطٍ لِلْإِثْمِ بِهَا وَفِيهَا سَبَقَ يُقَالُ مُجَاوَزَتُهُ لِلْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ مَمْنُوعَةٌ فَاحْتَاجَ لِنِيَّةِ الْعَوْدِ لِيَمْنَعَ مِنْ تَرَتُّبِ الْإِثْمِ عَلَيْهَا: ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى مَنْهَجٍ قَوْلُهُ فَلَا دَمَ: أَيْ وَأَمَّا الْإِثْمُ فَالْوَجْهُ أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) بَدَلٌ مِنْ لَفْظِ الْخَبَرِ

لِبِئْرٍ بَيْنَ طَرِيقِ جُدَّةَ وَطَرِيقِ الْمَدِينَةِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى مَا قِيلَ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَمَّ بِالِاعْتِمَارِ مِنْهَا فَصَدَّهُ الْكُفَّارُ فَقَدَّمَ فِعْلَهُ ثُمَّ أَمْرَهُ ثُمَّ هَمَّهُ، وَإِنْ زَادَتْ مَسَافَةُ الْمَفْضُولِ عَلَى الْفَاضِلِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْهَمِّ الْمَذْكُورِ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ، وَصَوَّبَ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَإِنَّمَا هَمَّ بِالدُّخُولِ إلَى مَكَّةَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ.
وَيُجَابُ بِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ هَمَّ أَوَّلًا بِالِاعْتِمَارِ مِنْهَا ثُمَّ بَعْدَ إحْرَامِهِ هَمَّ بِالدُّخُولِ مِنْهَا، وَيُنْدَبُ لِمَنْ لَمْ يُحْرِمْ مِنْ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَمِ بَطْنُ وَادٍ ثُمَّ يُحْرِمُ.
وَيُسَنُّ الْخُرُوجُ عَقِبَ الْإِحْرَامِ مِنْ أَيِّ مَحَلٍّ كَانَ مِنْ غَيْرِ مُكْثٍ بَعْدَهُ.

بَابُ الْإِحْرَامِ هُوَ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ كَمَا يُطْلَقُ شَرْعًا عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الدُّخُولِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ فِيهِمَا أَوْ فِيمَا يَصْلُحُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمُطْلَقُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: الْإِحْرَامُ رُكْنٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي وَهُوَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِمْ يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِالنِّيَّةِ، وَلَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ هُنَا لِلْفَرْضِ اتِّفَاقًا.
سُمِّيَ بِذَلِكَ إمَّا لِاقْتِضَائِهِ دُخُولُ الْحَرَمِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ أَحْرَمَ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ كَأَنْجَدَ إذَا دَخَلَ نَجْدًا أَوْ لِاقْتِضَائِهِ تَحْرِيمَ الْأَنْوَاعِ الْآتِيَةِ (يَنْعَقِدُ) الْإِحْرَامُ (مُعَيَّنًا بِأَنْ يَنْوِيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً أَوْ كِلَيْهِمَا) لِمَا صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ» ، وَلَوْ نَوَى حَجَّتَيْنِ أَوْ نِصْفَ حِجَّةٍ انْعَقَدَ حِجَّةً أَوْ عُمْرَتَيْنِ أَوْ نِصْفَ عُمْرَةٍ انْعَقَدَ عُمْرَةً قِيَاسًا عَلَى الطَّلَاقِ فِي مَسْأَلَتِي النِّصْفِ وَإِلْغَاءٌ لِلْإِضَافَةِ إلَى ثِنْتَيْنِ فِي مَسْأَلَتَيْ الْحَجَّتَيْنِ وَالْعُمْرَتَيْنِ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ فَصَحَّ فِي وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ لِفَرْضَيْنِ لَا يَسْتَبِيحُ إلَّا وَاحِدًا كَمَا مَرَّ، وَفَارَقَ عَدَمَ الِانْعِقَادِ فِي نَظِيرِهِمَا مِنْ الصَّلَاةِ بِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ يُحَافِظُ عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَ، وَلِهَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ انْعَقَدَ عُمْرَةً كَمَا مَرَّ (وَ) يَنْعَقِدُ أَيْضًا (مُطْلَقًا) وَذَلِكَ (بِأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى نَفْسِ الْإِحْرَامِ) بِأَنْ يَنْوِيَ الدُّخُولَ فِي النُّسُكِ الصَّالِحِ لِلْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ أَوْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ أَحْرَمْت.
رَوَى الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مُهِلِّينَ يَنْتَظِرُونَ الْقَضَاءَ: أَيْ نُزُولَ الْوَحْيِ، فَأَمَرَ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ أَنْ

[حاشية الشبراملسي]

الْخُرُوجِ عَازِمًا عَلَى الْخُرُوجِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَلَا إثْمَ وَإِلَّا أَثِمَ، وَظَنِّيٌّ أَنَّ النَّقْلَ كَذَلِكَ فَلْيُرَاجِعْ

(قَوْلُهُ: بَيْنَ طَرِيقِ جُدَّةَ) أَيْ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ حَجّ (قَوْلُهُ: فَقَدَّمَ فِعْلَهُ) أَيْ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِلِاتِّبَاعِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ جَمِيعَ إحْرَامَاتِهِ بِالْعُمْرَةِ كَانَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: بَطْنَ وَادٍ) أَيْ: أَيُّ وَادٍ كَانَ.

[بَابُ الْإِحْرَامِ]

(قَوْلُهُ: هُوَ نِيَّةُ الدُّخُولِ إلَخْ) أَيْ شَرْعًا كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ) أَيْ نِيَّةُ الدُّخُولِ، وَالثَّانِي هُوَ الدُّخُولُ فِي النُّسُكِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ هُنَا إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَقَعُ مِنْ الْبَالِغِ الْحُرِّ إلَّا فَرْضًا بِخِلَافِهَا (قَوْلُهُ: فِي نَظِيرِهِمَا مِنْ الصَّلَاةِ) أَيْ وَذَلِكَ فِيمَا لَوْ نَوَى صَلَاتَيْنِ أَوْ نِصْفَ صَلَاةٍ فَإِنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ (قَوْلُهُ: مُهِلِّينَ) أَيْ مُحْرِمِينَ (قَوْلُهُ: فَأَمَرَ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ إلَخْ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا مُطْلَقِينَ، لَكِنْ سَيَأْتِي لَهُ فِي أَرْكَانِ الْحَجِّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ أَنْ يَجْعَلَ حَجَّهُ عُمْرَةٍ» ، وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ

[حاشية الرشيدي]

بَابُ الْإِحْرَامِ) (قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ يُحَافَظُ عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَ) الْأَوْلَى حَذْفُ لَفْظِ الْحَجِّ

يَجْعَلَ إحْرَامَهُ عُمْرَةً وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهُ حَجًّا» ، وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ ظَاهِرَةٌ، وَهُوَ أَنَّ الْحَجَّ أَكْمَلُ النُّسُكَيْنِ، وَمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ تَقَرُّبًا أَكْمَلُ حَالًا مِمَّنْ لَمْ يَسُقْهُ فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَكْمَلُ النُّسُكَيْنِ، وَأَمَّا كَوْنُ ظَاهِرِ الْخَبَرِ أَنَّ الْإِهْدَاءَ يَمْنَعُ الِاعْتِمَارَ فَغَيْرُ مُرَادٍ إجْمَاعًا، وَيُفَارِقُ الصَّلَاةَ حَيْثُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا مُطْلَقًا بِأَنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ شَرْطًا فِي انْعِقَادِ النُّسُكِ، وَلِهَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِنُسُكِ نَفْلٍ وَعَلَيْهِ نُسُكُ فَرْضٍ انْصَرَفَ إلَى الْفَرْضِ، وَلَوْ قَيَّدَ الْإِحْرَامَ بِزَمَنٍ كَيَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ انْعَقَدَ مُطْلَقًا كَالطَّلَاقِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ بَحَثَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي هَذَا وَفِي مَسْأَلَتَيْ النِّصْفِ عَدَمُ الِانْعِقَادِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعِبَادَاتِ وَالنِّيَّةُ الْجَازِمَةُ شَرْطٌ فِيهَا بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَلَبَةِ وَالسِّرَايَةِ وَيَقْبَلُ الْأَخْطَارَ وَيَدْخُلُهُ التَّعْلِيقُ.

(وَالتَّعْيِينُ أَفْضَلُ) مِنْ الْإِطْلَاقِ لِيَعْرِفَ مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِخْلَاصِ (وَفِي قَوْلٍ الْإِطْلَاقُ) أَفْضَلُ مِنْ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ عَارِضٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ صَرْفِهِ إلَّا مَا لَا يَخَافُ فَوْتَهُ (فَإِنْ أَحْرَمَ) إحْرَامًا (مُطْلَقًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) (صَرَفَهُ بِالنِّيَّةِ) لَا بِاللَّفْظِ فَقَطْ (إلَى مَا شَاءَ مِنْ النُّسُكَيْنِ أَوْ إلَيْهِمَا) مَعًا إنْ كَانَ الْوَقْتُ صَالِحًا لَهُمَا (ثُمَّ اشْتَغَلَ) بَعْدَ الصَّرْفِ (بِالْأَعْمَالِ) فَلَا يُجْزِئُ الْعَمَلُ قَبْلَهُ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ تَعْبِيرُهُ بِثُمَّ، لَكِنْ لَوْ طَافَ ثُمَّ صَرَفَهُ لِلْحَجِّ وَقَعَ طَوَافُهُ عَنْ الْقُدُومِ وَإِنْ كَانَ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ، وَلَوْ سَعَى بَعْدَهُ فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ لِأَنَّهُ رُكْنٌ فَيُحْتَاطُ لَهُ وَإِنْ وَقَعَ تَبَعًا، فَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ بِأَنْ فَاتَ وَقْتُ الْحَجِّ فَالْأَوْجَهُ صَرْفُهُ إلَى الْعُمْرَةِ كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ، وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ الْأَقْرَبُ وَإِنْ قَالَ الْقَاضِي: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَيَّنَ عُمْرَةً وَأَنْ يَبْقَى مُبْهَمًا، فَإِنْ عَيَّنَهُ لِعُمْرَةٍ فَذَاكَ أَوْ لِحَجٍّ فَكَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَهَذَا الِاحْتِمَالُ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ فَالْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّ لَهُ صَرْفَهُ إلَى مَا شَاءَ وَيَكُونُ كَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا ثُمَّ أَفْسَدَهُ قَبْلَ التَّعْيِينِ فَأَيُّهُمَا عَيَّنَهُ كَانَ مُفْسِدًا لَهُ.

(وَإِنْ أَطْلَقَ) الْإِحْرَامَ (فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ) أَيْ الْحَجِّ (فَالْأَصَحُّ انْعِقَادُهُ عُمْرَةً فَلَا يَصْرِفُهُ إلَى الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ) ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَقْبَلُ غَيْرَ الْعُمْرَةِ.
وَالثَّانِي يَنْعَقِدُ مُبْهَمًا فَلَهُ صَرْفُهُ إلَى عُمْرَةٍ وَبَعْدَ دُخُولِ أَشْهُرِ الْحَجِّ إلَى النُّسُكَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ صَرَفَهُ إلَى الْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ كَانَ كَإِحْرَامِهِ قَبْلَهَا فَيَنْعَقِدُ عُمْرَةً عَلَى الصَّحِيحِ.

(وَلَهُ) أَيْ لِلشَّخْصِ (أَنْ يُحْرِمَ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ) كَقَوْلِهِ أَحْرَمْتُ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ زَيْدٌ أَوْ كَإِحْرَامِهِ، «لِأَنَّ أَبَا مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَهَلَّ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ قَالَ لَهُ: أَحْسَنْتَ طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ

[حاشية الشبراملسي]

أَصْحَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ) أَيْ أَمَرَ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِنُسُكٍ نَفْلٌ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الِابْتِدَاءِ بِهِ بِأَنْ سَبَقَ مِنْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ.
أَمَّا بَعْدَ فِعْلِهِ فَلَا يَكُونُ إلَّا فَرْضًا وَإِنْ تَكَرَّرَ فَإِنَّ الْحَجَّ مِنْ الْبَالِغِ الْحُرِّ لَا يَكُونُ إلَّا فَرْضًا وَلَا يَقَعُ وُقُوعُهُ نَفْلًا إلَّا مِنْ الصَّبِيِّ وَالرَّقِيقِ وَالْمَجْنُونِ إذَا أَحْرَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعِبَادَاتِ) تَوْجِيهٌ لِكَلَامِ الْمَجْمُوعِ

(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ) أَيْ لِأَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ مُطْلَقًا كَانَ الْأَمْرُ مَوْكُولًا إلَى خِيرَتِهِ فَيَفْعَلُ مَا تَمِيلُ إلَيْهِ نَفْسُهُ فَفِيهِ ضَرْبٌ مِنْ غَرَضِ النَّفْسِ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا مَصْدَرٌ أَوْ حَالٌ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: فَيُحْتَاطُ لَهُ) أَيْ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ إلَّا إذَا وَقَعَ بَعْدَ طَوَافِ عِلْمٍ أَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ فَرْضًا أَوْ سُنَّةً (قَوْلُهُ فَالْأَوْجَهُ صَرْفُهُ إلَى الْعُمْرَةِ) أَيْ بِالنِّيَّةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ قَالَ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: وَهَذَا الِاحْتِمَالُ) هُوَ مَعْنَى كَوْنِهِ عُمْرَةٌ بِالْفَوَاتِ (قَوْلُهُ: فِي تِلْكَ الْحَالَةِ) أَيْ وَهُوَ يَنْعَقِدُ وَيَفُوتُهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَيَتَحَلَّلُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ وَيَقْضِيهِ مَنْ قَابَلَ (قَوْلُهُ كَانَ مُفْسِدًا لَهُ) أَيْ فَيَقْضِيهِ دُونَ الْآخِرِ وَيَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ

(قَوْلُهُ: طُفْ بِالْبَيْتِ) هُوَ ظَاهِرٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ مُطْلَقًا، لِأَنَّ إحْرَامَ أَبِي مُوسَى كَإِحْرَامِهِ يَنْعَقِدُ مُطْلَقًا فَيَصْرِفُهُ لِمَا شَاءَ، فَيَجُوزُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى الْأَنْسَبَ لِأَبِي مُوسَى الْعُمْرَةُ فَأَمَرَهُ بِهَا.
وَإِمَّا عَلَى مَا يَأْتِي لِلشَّارِحِ عَنْ الْمَجْمُوعِ فِي أَرْكَانِ الْحَجِّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَفِي قَوْلِ التَّمَتُّعِ أَفْضَلُ مِنْ أَنَّ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: فَالْأَوْجَهُ صَرْفُهُ إلَى الْعُمْرَةِ) أَيْ بِالنِّيَّةِ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ وَيَكُون كَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ) أَيْ حَيْثُ

وَأَحِلَّ» ، وَكَذَا فَعَلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ مُحْرِمًا) أَصْلًا أَوْ أَتَى بِصُورَةِ إحْرَامٍ فَاسِدٍ لِكُفْرِهِ أَوْ جِمَاعِهِ (انْعَقَدَ إحْرَامُهُ مُطْلَقًا) وَلَغَتْ الْإِضَافَةُ إلَى زَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ الْإِحْرَامَ بِصِفَةٍ، فَإِذَا انْتَفَتْ بَقِيَ أَصْلُ الْإِحْرَامِ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ وَمُسْتَأْجَرِهِ؛ وَلِأَنَّ أَصْلَ إحْرَامِهِ مَجْزُومٌ بِهِ (وَقِيلَ إنْ عَلِمَ عَدَمَ إحْرَامِ زَيْدٍ لَمْ يَنْعَقِدْ) إحْرَامُهُ كَمَا لَوْ عَلَّقَ فَقَالَ إنْ كَانَ مُحْرِمًا فَقَدْ أَحْرَمْت فَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ تَعْلِيقُ أَصْلِ الْإِحْرَامِ فَلَيْسَ جَازِمًا بِهِ، بِخِلَافِ الْمَقِيسِ فَإِنَّهُ جَازِمٌ بِالْإِحْرَامِ فِيهِ (وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا) بِإِحْرَامٍ صَحِيحٍ (انْعَقَدَ إحْرَامُهُ كَإِحْرَامِهِ) مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ كِلَيْهِمَا فَيَتْبَعُهُ فِي تَفْصِيلٍ أَتَى بِهِ ابْتِدَاءً لَا فِي تَفْصِيلٍ أَحْدَثَهُ بَعْدَ إحْرَامِهِ، كَأَنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا وَصَرَفَهُ لِحَجٍّ ثُمَّ أَحْرَمَ كَإِحْرَامِهِ، وَلَا فِيمَا لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ ثُمَّ أَحْرَمَ كَإِحْرَامِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ فِي الْأُولَى أَنْ يَصْرِفَهُ لِمَا صَرَفَ لَهُ زَيْدٌ، وَلَا فِي الثَّانِيَةِ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ التَّشْبِيهَ بِهِ فِي الْحَالِ فِي الصُّورَتَيْنِ، فَيَكُونُ فِي الْأُولَى حَاجًّا وَفِي الثَّانِيَةِ قَارِنًا.
وَلَوْ أَحْرَمَ كَإِحْرَامِهِ قَبْلَ صَرْفِهِ فِي الْأُولَى وَقَبْلَ إدْخَالِهِ الْحَجَّ فِي الثَّانِيَةِ وَقَصَدَ التَّشْبِيهَ بِهِ فِي حَالِ تَلَبُّسِهِ بِإِحْرَامِهِ الْحَاضِرِ وَالْآتِي صَحَّ كَمَا اقْتَضَاهُ مَا فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْبَغَوِيّ، وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ بِمُسْتَقْبَلٍ؛ لِأَنَّهُ جَازِمٌ بِهِ فِي الْحَالِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُغْتَفَرُ فِي الْكَيْفِيَّةِ لَا فِي الْأَصْلِ.

وَلَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ بِنِيَّةِ التَّمَتُّعِ كَانَ هَذَا مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ وَلَا يَلْزَمُهُ التَّمَتُّعُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَمَتَى أَخْبَرَهُ زَيْدٌ بِكَيْفِيَّةِ إحْرَامِهِ لَزِمَهُ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ فَاسِقًا فِيمَا يَظْهَرُ وَإِنْ ظَنَّ خِلَافَهُ، إذْ لَا يَعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِعُمْرَةٍ فَبَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ كَانَ إحْرَامُ هَذَا بِحَجٍّ تَبَعًا لَهُ، وَعِنْدَ فَوْتِ الْحَجِّ يَتَحَلَّلُ لِلْفَوَاتِ وَيُرِيقُ دَمًا وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى زَيْدٍ وَإِنْ غَرَّهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَهُ، وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِنُسُكٍ ثُمَّ ذَكَرَ خِلَافَهُ فَإِنْ تَعَمَّدَ لَمْ يَعْمَلْ بِخَبَرِهِ الثَّانِي لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِقَوْلِهِ: أَيْ مَعَ سَبْقِ مَا يُنَاقِضُهُ، وَإِلَّا فَيَعْمَلُ بِهِ.
قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ وَغَيْرِهِ.
.

وَلَوْ عَلَّقَ إحْرَامَهُ عَلَى إحْرَامِ زَيْدٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَإِذَا أَوْ مَتَى، أَوْ إنْ أَحْرَمَ زَيْدٌ فَأَنَا مُحْرِمٌ لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ مُطْلَقًا كَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنَا مُحْرِمٌ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَخْطَارِ، أَوْ إنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا فَأَنَا مُحْرِمٌ، أَوْ فَقَدْ أَحْرَمْت وَكَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا انْعَقَدَ إحْرَامُهُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِحَاضِرٍ أَقَلُّ غَرَرًا لِوُجُودِهِ

[حاشية الشبراملسي]

الصَّوَابَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ، وَخَصَّ بِجَوَازِهِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِلْحَاجَةِ فَمُشْكِلٌ لِأَنَّهُ حَيْثُ أَحْرَمَ كَإِحْرَامِهِ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ حَجًّا، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ إحْرَامَهُ وَإِنْ انْعَقَدَ حَجًّا، لَكِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصُّوا بِجَوَازِ فَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ ثُمَّ، وَعَلَيْهِ فَأَمْرُهُ لَهُ بِالْعُمْرَةِ أَمْرٌ بِفَسْخِ الْحَجِّ إلَيْهَا وَهُوَ جَائِزٌ لِأَصْحَابِهِ خُصُوصِيَّةٌ (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ) أَيْ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا تَعَيَّنَ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْإِحْرَامِ وَهُوَ كَوْنُهُ عَنْ نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمَقِيسِ) هُوَ قَوْلُهُ أَحْرَمْت بِمَا أَحْرَمَ بِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَلَا يَلْزَمُهُ فِي الْأُولَى) هِيَ قَوْلُهُ كَأَنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا، وَالثَّانِيَةُ هِيَ قَوْلُهُ وَلَا فِيمَا لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: صَحَّ كَمَا اقْتَضَاهُ إلَخْ) أَيْ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَتْبَعَ زَيْدًا فِيمَا يَفْعَلُهُ بَعْدُ

(قَوْلُهُ: بِنِيَّةِ التَّمَتُّعِ) أَيْ بِأَنْ قَصَدَ أَنْ يَأْتِي بِالْحَجِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِهَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَعَمَّدَ) أَيْ بِأَنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى تَعَمُّدِهِ

(قَوْلُهُ: انْعَقَدَ إحْرَامُهُ) أَيْ فَلَوْ شَكَّ هَلْ قَالَ إنْ كَانَ زَيْدٌ إلَخْ أَوْ قَالَ إنَّ أَحْرَمَ أَوْ إذَا أَوْ مَتَى فَيَنْبَغِي أَنْ تَلْغُوَ نِيَّتُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمِ الْإِحْرَامِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا) لَا يُقَال: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ كَمَا لَوْ عَلَّقَ فَقَالَ إنْ كَانَ مُحْرِمًا فَقَدْ أَحْرَمْت إلَخْ.
لِأَنَّا نَقُولُ: مَا مَرَّ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ

[حاشية الرشيدي]

يَنْعَقِدُ كَمَا قَدَّمَهُ عَنْ الرُّويَانِيِّ وَهَذَا الْبِنَاءُ هُنَا عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ لَهُ

(قَوْلُهُ: بِصُورَةِ إحْرَامٍ فَاسِدٍ) أَيْ بَاطِلٍ.
أَمَّا فِي الْكُفْرِ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا فِي الْجِمَاعِ فَصُورَتُهُ أَنْ يُحْرِمَ مُجَامِعًا، وَيَجُوزُ بَقَاءُ الْفَسَادِ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِمَاعِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَصُورَتُهُ أَنْ يُجَامِعَ مُعْتَمِرًا ثُمَّ يَقْرِنَ فَإِنَّ إحْرَامَهُ بِالْحَجِّ يَقَعُ فَاسِدًا

فِي الْوَاقِعِ فَكَانَ قَرِيبًا مِنْ أَحْرَمْت كَإِحْرَامِ زَيْدٍ فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ الْمُعَلَّقِ بِمُسْتَقْبَلٍ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) أَيْ تَعَسَّرَ كَمَا فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ يُعَبِّرُ عَنْ التَّعَسُّرِ بِالتَّعَذُّرِ كَثِيرًا نَعَمْ يُمْكِنُ حَمَلَ التَّعَذُّرِ عَلَى ظَاهِرِهِ بِمَا إذَا كَانَ يَرْجُو اتِّضَاحَ الْحَالِ فَيُمْتَنَعُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْإِفْرَادِ؛ لِأَنَّهُ يُوَرِّطُ نَفْسَهُ فِي إبْهَامِ وَتَعَاطِي مَا يَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةِ (مَعْرِفَةِ إحْرَامِهِ بِمَوْتِهِ) أَوْ جُنُونِهِ أَوْ نِسْيَانِهِ مَا أَحْرَمَ بِهِ أَوْ غِيبَتِهِ الطَّوِيلَةِ لَمْ يَتَحَرَّ لِتَلَبُّسِهِ بِالْإِحْرَامِ يَقِينًا فَلَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِيَقِينِ الْإِتْيَانِ بِالْمَشْرُوعِ فِيهِ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ لَا يَتَحَرَّى، وَإِنَّمَا تَحَرَّى فِي الْأَوَانِي وَالْقِبْلَةِ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الْعِبَادَةِ ثَمَّ لَا يَحْصُلُ بِيَقِينٍ إلَّا بَعْدَ فِعْلٍ مَحْظُورٍ وَهُوَ صَلَاتُهُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ اسْتِعْمَالُهُ نَجَسًا وَهُنَا يَحْصُلُ الْأَدَاءُ بِيَقِينٍ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مَحْظُورٍ (جَعَلَ نَفْسَهُ قَارِنًا) بِأَنْ يَنْوِيَ الْقِرَانَ لِمَا مَرَّ (وَعَمِلَ أَعْمَالَ النُّسُكَيْنِ) لِيَتَحَقَّقَ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ مَا هُوَ فِيهِ فَتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ مِنْ الْحَجِّ بَعْدَ إتْيَانِهِ بِأَعْمَالِهِ إذْ هُوَ إمَّا مُحْرِمٌ بِهِ أَوْ مُدْخِلٌ لَهُ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ عَنْ الْعُمْرَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِحَجٍّ وَيُمْتَنَعُ إدْخَالُهَا عَلَيْهِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ إذْ الْحَاصِلُ لَهُ الْحَجُّ فَقَطْ، وَاحْتِمَالُ حُصُولِ الْعُمْرَةِ فِي صُورَةِ الْقِرَانِ لَا يُوجِبُهُ إذْ لَا وُجُوبَ بِالشَّكِّ.
نَعَمْ يُسَنُّ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَيَكُون قَارِنًا، ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي.
أَمَّا لَوْ لَمْ يَقْرِنْ وَلَا أَفْرَدَ بِأَنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَعْمَالِ الْحَجِّ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ حَصَلَ لَهُ التَّحَلُّلُ لَا الْبَرَاءَةُ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ أَتَى بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَتَعَيَّنْ السَّاقِطُ مِنْهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِهِمَا كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، أَوْ عَلَى عَمَلِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَحْصُلْ التَّحَلُّلُ أَيْضًا، وَإِنْ نَوَاهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِحَجٍّ وَلَمْ يُتِمَّ أَعْمَالَهُ مَعَ أَنَّ وَقْتَهُ بَاقٍ.

وَلَوْ أَحْرَمَ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ وَبَكْرٍ صَارَ مِثْلَهُمَا فِي إحْرَامِهِمَا إنْ اتَّفَقَا فِيمَا أَحْرَمَا بِهِ، وَإِلَّا صَارَ قَارِنًا لِيَأْتِيَ بِمَا يَأْتِيَانِ بِهِ نَعَمْ إنْ كَانَ إحْرَامُهَا فَاسِدًا انْعَقَدَ إحْرَامُهُ مُطْلَقًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَوْ أَحْرَمَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، فَالْقِيَاسُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَنَّ إحْرَامَهُ يَنْعَقِدُ صَحِيحًا فِي الصَّحِيحِ وَمُطْلَقًا فِي الْفَاسِدِ.

[حاشية الشبراملسي]

مُحْرِمًا وَهُوَ عَيْنُ قَوْلِهِ هُنَا وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ التَّعَذُّرِ إلَخْ) فِي هَذَا الْحَمْلِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَعْنَى التَّعَذُّرِ اسْتِحَالَةُ مَعْرِفَةِ الْوَاقِعِ وَمَنْ يَرْجُو الْمَعْرِفَةَ لَا تَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ، فَلَعَلَّ الْعِبَارَةَ إذَا كَانَ لَا يَرْجُو اتِّضَاحَ إلَخْ (قَوْلُهُ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْإِفْرَادِ) يَتَأَمَّلُ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَنْتَظِمُ مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي، أَمَّا لَوْ لَمْ يَقْرِنْ وَلَا أَفْرَدَ بِأَنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَعْمَالِ الْحَجِّ إلَخْ، وَالْمُوَافِقُ لِمَا يَأْتِي أَنْ يَقُولَ فَيَنْوِي الْإِفْرَادَ أَوْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ قَارِنًا، وَعِبَارَةُ حَجّ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ إلَخْ: لَمْ يَتَحَرَّ إذْ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ وَنَوَى الْحَجَّ أَوْ جَعَلَ نَفْسَهُ قَارِنًا إلَخْ (قَوْلُهُ: جَعَلَ نَفْسَهُ قَارِنًا) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ لِأَنَّهُ جَعَلَ جَوَابَ الشَّرْطِ قَوْلُهُ السَّابِقُ لَمْ يَتَحَرَّ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يُسَنُّ) أَيْ الدَّمِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَيَقَّنَ) أَيْ وَالْحَالُ إلَخْ

(قَوْلُهُ: وَمُطْلَقًا فِي الْفَاسِدِ) أَيْ فَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ حَجًّا وَالْفَاسِدُ عُمْرَةً انْعَقَدَ إحْرَامُهُ حَجًّا نَظَرًا لِلصَّحِيحِ، وَيَتَخَيَّرُ فِي الْفَاسِدِ بَيْنَ الْعُمْرَةِ فَيَصِيرُ قَارِنًا وَبَيْنَ الْحَجِّ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِلصَّحِيحِ وَلَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ.

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: أَيْ تَعَسَّرَ) هَذَا لَا يَقْبَلُهُ الْمَتْنُ بَعْدَ قَوْلِهِ بِمَوْتِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ التَّعَذُّرِ عَلَى ظَاهِرِهِ إلَخْ) كَلَامٌ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ بِحَسَبِ مَا رَأَيْته فِي النُّسَخِ وَأَصْلُ ذَلِكَ مِنْ الْإِمْدَادِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْحَاوِيَ الصَّغِيرَ عَبَّرَ بِالتَّعَسُّرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّرْحِ فَعَدَلَ عَنْهُ الْإِرْشَادُ فِي اخْتِصَارِهِ إلَى لَفْظِ التَّعَذُّرِ لِمَا بَيَّنَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَمْشِيَتِهِ، فَرَدَّهُ الشِّهَابُ حَجّ فِي إمْدَادِهِ ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ لَوْ قِيلَ فَائِدَةُ التَّعْبِيرِ بِالتَّعَذُّرِ أَنَّهُ مَا دَامَ يَرْجُو اتِّضَاحَ الْحَالِ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ لِأَنَّهُ يُوَرِّطُ نَفْسَهُ فِي إبْهَامٍ وَتَعَاطِي مَا يَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَكَانَ التَّعْبِيرُ لِأَجْلِ ذَلِكَ بِالتَّعَذُّرِ أَصْوَبَ مِنْهُ بِالتَّعَسُّرِ لَمْ يَبْعُدْ اهـ. فَتَصَرَّفَ فِيهِ الشَّارِحُ بِمَا تَرَى فَلْيُحَرَّرْ (قَوْلُهُ: لَمْ يَتَحَرَّ) لَا يَخْفَى أَنَّ جَعْلَ هَذَا جَوَابَ الشَّرْطِ مُحْوِجٌ إلَى وَاوٍ قَبْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ جَعَلَ نَفْسَهُ قَارِنًا (قَوْلُهُ: جَعَلَ نَفْسَهُ قَارِنًا) أَيْ أَوْ مُفْرِدًا، وَكَأَنَّ الشَّارِحَ ذَكَرَهُ وَسَقَطَ مِنْ النُّسَّاخِ بِدَلِيلِ أَخْذِهِ مَفْهُومَهُ فِيمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَقْرِنْ وَلَا أَفْرَدَ (قَوْلُهُ: فِي الْحَالَيْنِ) يَعْنِي عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.

فَصْلٌ فِي رُكْنِ الْإِحْرَامِ وَمَا يُطْلَبُ لِلْمُحْرِمِ مِنْ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ (الْمُحْرِمُ) أَيْ مُرِيدُ الْإِحْرَامِ (يَنْوِي) بِقَلْبِهِ وُجُوبًا دُخُولَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ كِلَيْهِمَا أَوْ مَا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْهُمَا وَهُوَ الْإِحْرَامُ الْمُطْلَقُ (وَيُلَبِّي) مَعَ النِّيَّةِ فَيَنْوِي بِقَلْبِهِ وَيَقُولُ بِلِسَانِهِ: نَوَيْت الْحَجَّ مَثَلًا وَأَحْرَمْت بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ إلَى آخِرِهِ، وَلَا يَجْهَرُ بِهَذِهِ التَّلْبِيَةِ، وَيُنْدَبُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَتَبِعَهُ فِي الْأَذْكَارِ وَنَقَلَهُ فِي الْإِيضَاحِ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ وَأَقَرَّهُ أَنْ يَذْكُرَ فِي هَذِهِ التَّلْبِيَةِ لَا غَيْرِهَا مَا أَحْرَمَ بِهِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، لَكِنْ نَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ النَّصّ عَدَمَ نَدْبِهِ وَصَوَّبَهُ، وَالْعِبْرَةُ بِمَا نَوَاهُ لَا بِمَا ذَكَرَهُ فِي تَلْبِيَتِهِ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِمَا يُرِيدُهُ وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ عِنْدَ إحْرَامِهِ وَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَحْرَمَ لَك شَعْرِي وَبَشَرِي وَلَحْمِي وَدَمِي (فَإِنْ لَبَّى بِلَا نِيَّةٍ لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ) لِخَبَرِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»

[حاشية الشبراملسي]

[فَصْلٌ فِي رُكْنِ الْإِحْرَامِ وَمَا يُطْلَبُ لِلْمُحْرِمِ مِنْ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ]

فَصْلٌ) فِي رُكْنِ الْإِحْرَامِ (قَوْلُهُ: فِي رُكْنِ الْإِحْرَامِ) أَيْ فِي الرُّكْنِ الَّذِي هُوَ الْإِحْرَامُ وَهُوَ النِّيَّةُ فَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ، أَوْ فِي الرُّكْنِ الْمُحَصِّلِ لِلْإِحْرَامِ إنْ حُمِلَ الْإِحْرَامُ عَلَى الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ.
[تَنْبِيهٌ] سُئِلْت عَنْ مُلْتَصِقِينَ ظَهْرُ أَحَدِهِمَا فِي ظَهْرِ الْآخِرِ وَلَمْ يُمْكِنْ انْفِصَالُهُمَا، فَأَحْرَمَا بِالْحَجِّ ثُمَّ أَرَادَ أَحَدُهُمَا تَقْدِيمُ السَّعْيَ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَالْآخَرُ تَأْخِيرَهُ إلَى مَا بَعْدَ طَوَافِ الرُّكْنِ فَمَنْ الْمُجَابُ، وَهَلْ إذَا فَعَلَ أَحَدُهُمَا مَا لَزِمَهُ مِنْ الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ بِمُوَافَقَةِ الْآخَرَ ثُمَّ أَرَادَ الْآخَرُ ذَلِكَ يَلْزَمُ الْأَوَّلُ مُوَافَقَتَهُ وَالْمَشْيَ وَالرُّكُوبَ مَعَهُ إلَى الْفَرَاغِ أَيْضًا أَوْ لَا، وَهَلْ يَلْزَمُ كُلًّا أَنْ يَفْعَلَ مَعَ الْآخَرِ وَاجِبَهُ مِنْ نَحْوِ صَلَاةٍ سَوَاءٌ أَوْجَبَ عَلَيْهِ نَظِيرَ مَا وَجَبَ عَلَى صَاحِبِهِ أَوْ لَا ضَاقَ الْوَقْتُ أَوْ لَا؟ فَأَجَبْت بِقَوْلِي: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ قَوَاعِدِنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى أَحَدِهِمَا مُوَافَقَةُ الْآخِرِ فِي فِعْلِ شَيْءٍ أَرَادَهُ مِمَّا يَخُصُّهُ أَوْ يُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِيهِ، لِأَنَّ تَكْلِيفَ الْإِنْسَانِ بِفِعْلٍ لِأَجَلِ غَيْرِهِ لَا مَعَ نِسْبَتِهِ لِتَقْصِيرٍ وَلَا لِسَبَبٍ فِيهِ مِنْهُ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا نَظَرَ لِضِيقِ الْوَقْتِ لِأَنَّ صَلَاتَهُمَا مَعًا لَا تُمْكِنُ لِأَنَّ الْفَرْضَ تَحَالُفُ وَجْهَيْهِمَا.
فَإِنْ قُلْت: لَمْ لَا نَجْبُرهُ وَنُلْزِمُ الْآخَرَ بِالْأُجْرَةِ كَمَا هُوَ قِيَاسُ مَسَائِلَ ذَكَرُوهَا؟ قُلْت: تِلْكَ لَيْسَتْ نَظِيرَ مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى حِفْظِ النَّفْسِ تَارَةً كَمُرْضِعَةٍ تَعَيَّنَتْ وَالْمَالِ أُخْرَى كَوَدِيعٍ تَعَيَّنَ، وَمَا هُوَ؟ إنَّمَا هُوَ إجْبَارٌ لِمَحْضِ عِبَادَةٍ وَهِيَ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِيهِمَا.
فَإِنْ قُلْت: عَهْدُنَا الْإِجْبَارُ بِالْأُجْرَةِ لِلْعِبَادَةِ كَتَعْلِيمِ الْفَاتِحَةِ بِالْأُجْرَةِ، قُلْت: يُفَرَّقُ بِأَنَّ ذَاكَ أَمْرٌ يَدُومُ نَفْعُهُ بِفِعْلٍ قَلِيلٍ لَا يَتَكَرَّرُ، بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ تُكَرَّرُ الْإِجْبَارِ بَلْ دَوَامُهُ مَا بَقِيَتْ الْحَيَاةُ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُطَاقُ فَلَا يُتَّجَهُ إيجَابُهُ، فَإِنْ رُفِعَا لِلْحَاكِمِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَعْرَضَ عَنْهُمَا إلَى أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ أَوَاخِرَ الْعَارِيَّةِ بَلْ أَوْلَى فَيَتَأَمَّلُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ اهـ حَجّ فِي بَابِ الْفَرَائِضِ قُبَيْلَ فَصْلِ الْحُجُبِ، لَكِنْ نَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ إلَخْ ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: الْمُصَنِّفُ لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ)

[حاشية الرشيدي]

فَصْلٌ) فِي رُكْنِ الْإِحْرَامِ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِمَا يُرِيدُهُ) مُكَرَّرٌ مَعَ مَا مَرَّ قَرِيبًا

(وَإِنْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ انْعَقَدَ عَلَى الصَّحِيحِ) كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
وَالثَّانِي لَا يَنْعَقِدُ لِإِطْبَاقِ الْأُمَّةِ عَلَيْهَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ كَالصَّلَاةِ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ.

(وَيُسَنُّ الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ) أَيْ عِنْدَ إرَادَتِهِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا أَوْ مُطْلَقًا وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً وَحَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ لِمُسْتَقْبَلٍ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ، وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ وَإِحْرَامُهُ جُنُبًا، وَيَغْسِلُ الْوَلِيُّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ؛ لِأَنَّ حِكْمَةَ هَذَا الْغُسْلِ التَّنْظِيفُ وَلِهَذَا سُنَّ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، وَإِذَا اغْتَسَلَتَا نَوَتَا، وَالْأَوْلَى لَهُمَا تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ إلَى طُهْرِهِمَا إنْ أَمْكَنَهُمَا الْمُقَامُ بِالْمِيقَاتِ لِيَقَعَ إحْرَامُهُمَا فِي أَكْمَلِ أَحْوَالِهِمَا.
وَيُنْدَبُ لِمُرِيدِ الْإِحْرَامِ التَّنْظِيفُ بِإِزَالَةِ نَحْوِ شَعْرِ إبْطٍ وَعَانَةٍ وَظُفْرٍ وَوَسَخٍ وَغَسْلِ رَأْسِهِ بِسِدْرٍ وَنَحْوِهِ، وَالْقِيَاسُ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ تَقْدِيمُ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى الْغُسْلِ كَمَا فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ اهـ: أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمَجْمُوعُ، وَإِلَّا فَإِزَالَةُ نَحْوِ الشَّعْرِ لَا تُطْلَبُ فِيهِ كَمَا مَرَّ، وَيُنْدَبُ لَهُ تَلْبِيدُ شَعْرِهِ بِصَمْغٍ أَوْ نَحْوِهِ لِئَلَّا يَتَوَلَّدَ فِيهِ الْقَمْلُ وَلَا يَتَشَعَّثَ فِي مُدَّةِ إحْرَامِهِ وَيَكُونَ بَعْدَ غُسْلِهِ.

(فَإِنْ) (عَجَزَ) مُرِيدُ الْإِحْرَامِ عَنْ الْغُسْلِ وَمِثْلُهُ بَقِيَّةُ الْأَغْسَالِ الْآتِيَةِ لِفَقْدِ مَاءٍ أَوْ قِيَامِ مَانِعٍ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ (تَيَمَّمَ) ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ يُرَادُ لِلْقُرْبَةِ وَالنَّظَافَةِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا بَقِيَ الْآخَرُ، وَلِأَنَّهُ يَنُوبُ عَنْ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ فَعَنْ الْمَنْدُوبِ أَوْلَى وَلَوْ وَجَدَ مَاءً لَا يَكْفِي غُسْلَهُ وَهُوَ كَافٍ وُضُوئِهِ تَوَضَّأَ بِهِ وَتَيَمَّمَ عَنْ الْغُسْلِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ كَافٍ لِوُضُوئِهِ أَيْضًا اسْتَعْمَلَهُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَيَكْفِيهِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ عَنْ الْغُسْلِ وَبَقِيَّةُ الْأَعْضَاءِ إنْ نَوَى بِمَا اسْتَعْمَلَهُ مِنْ الْمَاءِ الْغُسْلَ، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فَتَيَمَّمَ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ وَآخَرُ عَنْ الْغُسْلِ كَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.

(وَ) يُسَنُّ لِدُخُولِ الْحَرَمِ (وَلِدُخُولِ مَكَّةَ) وَلَوْ حَلَالًا لِلِاتِّبَاعِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ هَذَا مِنْ أَغْسَالِ الْحَجِّ

[حاشية الشبراملسي]

فَرْعٌ] شَكَّ بَعْدَ جَمِيعِ أَفْعَالِ الْحَجِّ هَلْ كَانَ نَوَى أَوْ لَا؟ ، فَالْقِيَاسُ عَدَمُ صِحَّتِهِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ، وَفَرَّقَ بَعْضُ النَّاسِ بِأَنَّ قَضَاءَ الْحَجِّ يَشُقُّ لَا أَثَرَ لَهُ بَلْ هُوَ وَهْمٌ اهـ سم عَلَى حَجّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. أَقْوَالٌ: وَقَدْ يُقَالُ الْأَقْرَبُ عَدَمُ الْقَضَاءِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ شَكَّ فِي النِّيَّةِ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّوْمِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ بِأَنَّهُمْ تَوَسَّعُوا فِي نِيَّةِ الْحَجِّ مَا لَمْ يَتَوَسَّعُوهُ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ فَقَالُوا: لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي رَمَضَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ انْعَقَدَ عُمْرَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الظُّهْرَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ عَالَمًا بِذَلِكَ لَمْ يَنْعَقِدْ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا.
وَقَالُوا: لَوْ نَوَى الْحَجَّ ظَانًّا بَقَاءَ رَمَضَانَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ أَحْرَمَ فِي شَوَّالٍ اُعْتُدَّ بُنَيَّتِهِ عَمَلًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَقَالُوا: لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ أَحْرَمَ وَتَرَدَّدَ فِي وَقْتِ إحْرَامِهِ هَلْ هُوَ قَبْلُ شَوَّالٍ أَوْ فِيهِ اُعْتُدَّ بُنَيَّتِهِ، وَيَبْرَأُ مِنْ الْحَجِّ إذَا أَتَى بِأَعْمَالِهِ

(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ غَسَلَ لِمُسْتَقْبَلٍ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِ الْغُسْلِ لِلْمَاضِي كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ كَذَا قِيلَ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ، غُسْلَ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا أَفَاقَا وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْله لَا تَطْلُبُ فِيهِ) أَيْ الْمَيِّتُ (قَوْلُهُ: وَيَنْدُبُ لَهُ تَلْبِيدُ شَعْرِهِ) أَيْ شَعْرِ رَأْسِهِ ظَاهِرُهُ وَإِنْ خَشِيَ عُرُوضَ جَنَابَةٍ بِاحْتِلَامٍ أَوْ خَشِيَتْ الْمَرْأَةُ حُصُولَ حَيْضٍ، وَيَنْبَغِي عَدَمُ اسْتِحْبَابِهِ فِيهِمَا لِأَنَّ عُرُوضَ مَا ذُكِرَ يُحْوِجُ إلَى الْغُسْلِ وَإِيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَ الشَّعْرِ وَإِزَالَةُ نَحْوَ الصَّمْغِ وَهُوَ قَدْ يُؤَدِّي إلَى إزَالَةِ بَعْضِ الشَّعْرِ

(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ يَنُوبُ عَنْ الْغُسْلِ) أَيْ فَفِيهِ ضَرْبٌ مِنْ الْعِبَادَةِ فَلَمْ يَنْظُرْ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ التَّشْوِيهِ (قَوْلُهُ: اسْتَعْمَلَهُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ) أَيْ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي) سَبْقُ نَظَرٍ وَإِلَّا فَهُوَ مَنْقُولُ الْمَذْهَبِ، وَابْنُ الْمُقْرِي إنَّمَا قَالَ مَسْأَلَةَ مَا إذَا لَمْ يَكْفِ لِلْوُضُوءِ أَيْضًا الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ عَقِبَ هَذِهِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ عَلَى مَا فِي بَعْضِ نُسَخِهِ نَصُّهَا: وَالْعَاجِزُ عَنْهُ يَتَيَمَّمُ مَعَ الْوُضُوءِ أَوْ بَعْضِهِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ انْتَهَتْ.
قَالَ شَارِحُهُ: وَقَاسَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْوُضُوءِ بَعْضَهُ إذَا عَجَزَ عَنْ إتْمَامِهِ ثُمَّ قَالَ وَعَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ عَنْ بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ ثَانِيًا عَنْ الْغُسْلِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَيَمَّمَ تَيَمُّمًا وَاحِدًا عَنْ الْغُسْلِ وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ إنْ لَمْ يَنْوِ بِمَا اسْتَعْمَلَهُ مِنْ الْمَاءِ الْغُسْلَ وَإِلَّا فَالثَّانِي اهـ فَلَخَّصَهُ الشَّارِحُ هُنَا فِيمَا ذَكَرَهُ

(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ) أَيْ إذَا لَمْ يَغْتَسِلْ لِدُخُولِ الْحَرَمِ مِنْ مَحَلٍّ قَرِيبٍ مِنْ مَكَّةَ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي

إلَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَقَعُ فِيهِ، وَلَوْ فَاتَ لَمْ يَبْعُدْ نَدْبُ قَضَائِهِ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَيُلْحَقُ بِهِ بَقِيَّةُ الْأَغْسَالِ قِيَاسًا عَلَى قَضَاءِ النَّوَافِلِ وَالْأَوْرَادِ، هَذَا وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ أَنَّ الْأَغْسَالَ الْمَسْنُونَةَ إذَا فَاتَتْ لَا تُقْضَى؛ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِسَبَبٍ وَقَدْ زَالَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ مَا لَوْ أَحْرَمَ الْمَكِّيُّ بِعُمْرَةٍ مِنْ قَرِيبٍ كَالتَّنْعِيمِ وَاغْتَسَلَ فَلَا يُسَنُّ لَهُ الْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَمِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْحَجِّ إذَا أَحْرَمَ بِهِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا هُنَاكَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَوْ لِكَوْنِهِ مُقِيمًا هُنَاكَ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَقَعْ تَغَيُّرٌ لِرِيحِهِ عِنْدَ الدُّخُولِ وَإِلَّا سُنَّ الْغُسْلُ عِنْدَهُ.

(وَ) يُسَنُّ بَعْدَ الزَّوَالِ (لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) وَالْأَفْضَلُ كَوْنُهُ بِنَمِرَةَ وَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ فِي غَيْرِهَا وَقَبْلَ الزَّوَالِ بَعْدَ الْفَجْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي التَّنْبِيهِ: فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ عَلَى ثَبِيرٍ سَارُوا إلَى الْوُقُوفِ وَاغْتَسَلَ لِلْوُقُوفِ وَأَقَامَ بِنَمِرَةَ، فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ خَطَبَ الْإِمَامُ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْوَرْدِيِّ فِي بَهْجَتِهِ: وَلِلْوُقُوفِ فِي عَشِيِّ عَرَفَةَ، لَا يُخَالِفُ هَذَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي عَشِيِّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لِلْوُقُوفِ، لَكِنْ تَقْرِيبُهُ مِنْ وُقُوفِهِ أَفْضَلُ كَتَقْرِيبِهِ مِنْ ذَهَابِهِ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَسُمِّيَتْ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ تَعَارَفَا ثُمَّ، وَقِيلَ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَرَّفَ فِيهَا إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَنَاسِكَهُ وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ.

(وَ) يُسَنُّ بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ لِلْوُقُوفِ (بِمُزْدَلِفَةَ) عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (غَدَاةَ) يَوْمِ (النَّحْرِ) أَيْ بَعْدَ فَجْرِهِ.

(وَ) يُسَنُّ (فِي) كُلِّ يَوْمٍ مِنْ (أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) الثَّلَاثَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ (لِلرَّمْيِ) أَيْ رَمْيِ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ لِآثَارٍ وَرَدَتْ فِيهَا وَلِأَنَّهَا مَوَاضِعُ اجْتِمَاعٍ فَأَشْبَهَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ، وَيُسَنُّ لِدُخُولِ الْبَيْتِ لَا لِلْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ لَقُرْبِهِ مِنْ غُسْلِ عَرَفَةَ، وَلَا لِرَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ اكْتِفَاءً بِغُسْلِ الْعِيدِ، وَلَا لِطَوَافِ الْقُدُومِ لَقُرْبِهِ مِنْ غُسْلِ الدُّخُولِ، وَلَا لِلْحَلْقِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَطَوَافِ الْوَدَاعِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَالْمُصَنِّفِ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ وَإِنْ جَزَمَ فِي مَنَاسِكِهِ الْكُبْرَى بِاسْتِحْبَابِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ

(وَ) يُسَنُّ (أَنْ) (يُطَيِّبَ) مُرِيدُ الْإِحْرَامِ (بَدَنَهُ لِلْإِحْرَامِ) ذَكَرًا أَمْ غَيْرَهُ شَابَّةً أَمْ عَجُوزًا خَلِيَّةً أَمْ لَا لِلِاتِّبَاعِ، وَيُفَارِقُ مَا مَرَّ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ عَدَمِ سَنِّ التَّطَيُّبِ فِي ذَهَابِ الْأُنْثَى لَهَا بِأَنَّ زَمَانَ الْجُمُعَةِ وَمَكَانَهَا ضَيِّقٌ وَلَا يُمْكِنُهَا تَجَنُّبُ الرِّجَالِ بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ.
نَعَمْ لَا تَطَيَّبُ الْمُحِدَّةُ (وَكَذَا ثَوْبُهُ) مِنْ إزَارِ الْإِحْرَامِ وَرِدَائِهِ يُسَنُّ تَطْيِيبُهُ (فِي الْأَصَحِّ) كَالْبَدَنِ، وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِأَنَّ الثَّوْبَ يُنْزَعُ وَيُلْبَسُ وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي اسْتِحْبَابِ تَطْيِيبِ الثَّوْبِ الْمُحَرَّرَ لَكِنْ صَحَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ كَوْنُهُ مُبَاحًا وَقَالَ: لَا يُنْدَبُ جَزْمًا، وَصَحَّحَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا الْجَوَازَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (وَلَا بَأْسَ بِاسْتِدَامَتِهِ) أَيْ الطِّيبِ فِي الثَّوْبِ (بَعْدَ الْإِحْرَامِ) كَالْبَدَنِ لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُحْرِمٌ» ، وَالْوَبِيصُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَ الْوَاوِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ الْبَرِيقُ، وَالْمَفْرِقُ هُوَ وَسَطُ الرَّأْسِ وَمَحَلُّ نَدْبِهِ بَعْدَ غُسْلِهِ وَيَحْصُلُ بِأَيِّ طِيبٍ كَانَ وَالْأَفْضَلُ الْمِسْكُ وَأَنْ يَخْلِطَهُ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ، وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ جَوَازِ الِاسْتِدَامَةِ مَا إذَا لَزِمَهَا الْإِحْدَادُ

[حاشية الشبراملسي]

فِي بَعْضِهَا لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ غَيْرُ كَافٍ لِجُمْلَتِهَا

(قَوْلُهُ أَنَّهُ يَقَعُ فِيهِ) أَيْ فِي الْحَجِّ أَيْ زَمَنِهِ

(قَوْلُهُ: عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) ظَرْفٌ لِلْوُقُوفِ كَقَوْلِ الْمُصَنِّفِ غَدَاةَ النَّحْرِ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ الشَّارِحِ بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ

(قَوْلُهُ: اكْتِفَاءٌ بِغُسْلِ الْعِيدِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ حَصَلَ لَهُ تَغَيُّرٌ فِي بَدَنِهِ، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي اسْتِحْبَابِهِ لِدُخُولِ مَكَّةَ فِي حَقِّ مَنْ اغْتَسَلَ لِدُخُولِ الْحَرَمِ قُرْبَ مَكَّةَ حَيْثُ تَغَيُّرِ رِيحُهُ، اسْتِحْبَابُهُ هُنَا، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ غُسْلَ الْعِيدِ يَدْخُلُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ كَغُسْلِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَغُسْلِ الْعِيدِ مُحَصَّلٌ بِغُسْلِ الرَّمْيِ لِفِعْلِهِمَا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ

(قَوْلُهُ: نَعَمْ لَا تَطَيُّبَ) أَيْ لَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَصَحَّحَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا الْجَوَازُ) أَيْ الْإِبَاحَةُ (قَوْلُهُ: فِي مَفْرَقِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: أَخْذًا مِمَّا مَرَّ) اُنْظُرْ مَا مُرَادُهُ بِمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: إنَّ الْأَغْسَالَ الْمَسْنُونَةَ إذَا فَاتَتْ لَا تُقْضَى) هَذَا مُصَادَرَةٌ إذْ هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ

بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَتَلْزَمُهَا إزَالَتُهُ كَمَا عَبَّرَ عَنْهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ لَزِمَهَا إزَالَتُهُ فِي وَجْهٍ (وَلَا بِطِيبٍ لَهُ جِرْمٌ) لِلْخَبَرِ الْمَارِّ (لَكِنْ) (لَوْ نَزَعَ ثَوْبَهُ الْمُطَيَّبُ) وَرَائِحَةُ الطِّيبِ مَوْجُودَةٌ فِيهِ (ثُمَّ لَبِسَهُ) (لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ فِي الْأَصَحِّ) كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ لُبْسَ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ أَوْ أَخَذَ الطِّيبَ مِنْ بَدَنِهِ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ.
وَالثَّانِي لَا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الثَّوْبِ خَلْعَهُ وَلُبْسَهُ فَجُعِلَ عَفْوًا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَائِحَةُ الثَّوْبِ مَوْجُودَةً وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ مَاءً ظَهَرَتْ رَائِحَتُهُ امْتَنَعَ لُبْسُهُ بَعْدَ نَزْعِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ مَسَّهُ عَمْدًا بِيَدِهِ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ وَيَكُونُ مُسْتَعْمِلًا لِلطِّيبِ ابْتِدَاءً جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَا عِبْرَةَ بِانْتِقَالِ الطِّيبِ بِإِسَالَةِ الْعَرَقِ وَلَوْ تَعَطَّرَ ثَوْبُهُ مِنْ بَدَنِهِ لَمْ يَضُرَّ جَزْمًا، وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ نَدْبَ الْجِمَاعِ إنْ أَمْكَنَهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّ الطِّيبَ مِنْ دَوَاعِيهِ.

(وَ) يُسَنُّ (أَنْ) (تُخَضِّبَ الْمَرْأَةُ) غَيْرَ الْمُحِدَّةِ (لِلْإِحْرَامِ) أَيْ لِإِرَادَتِهِ (يَدَهَا) أَيْ كُلَّ يَدٍ مِنْهَا إلَى الْكُوعِ فَقَطْ بِالْحِنَّاءِ وَلَوْ خَلِيَّةً وَشَابَّةً لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: إنَّ ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ، وَلِأَنَّهُمَا قَدْ يَنْكَشِفَانِ، وَتَمْسَحُ وَجْهَهَا بِشَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِكَشْفِهِ فَتَسْتُرُ بَشَرَتَهُ بِلَوْنِ الْحِنَّاءِ، وَمَحَلُّ الِاسْتِحْبَابِ بِالْحِنَّاءِ إذَا كَانَ تَعْمِيمًا دُونَ التَّطْرِيفِ وَالنَّقْشِ وَالتَّسْوِيدِ أَمَّا بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَيُكْرَهُ لَهَا ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الزِّينَةِ وَإِزَالَةِ الشُّعْثِ، لَكِنْ لَا فِدْيَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ وَخَرَجَ الرَّجُلُ وَالْخُنْثَى فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَالْمُحِدَّةُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا أَيْضًا.
وَيُسَنُّ لِغَيْرِ الْمُحْرِمَةِ أَيْضًا لَكِنَّهُ لِلْمُحْرِمَةِ آكَدُ.
نَعَمْ يُكْرَهُ لِلْخَلِيَّةِ مِنْ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ.

(وَيَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ) بِالرَّفْعِ كَمَا فِي خَطِّ الْمُصَنِّفِ فَقَدْ قَالَ السُّبْكِيُّ: رَأَيْت فِي الْأَصْلِ الَّذِي قَابَلْتُهُ عَلَى خَطِّ الْمُصَنِّفِ وَيَتَجَرَّدُ مَضْبُوطًا بِضَمِّ الدَّالِ: أَيْ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ فَلَا يُعْطَفُ عَلَى السُّنَنِ، وَصَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ بِالْوُجُوبِ كَالرَّافِعِيِّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ بِسُنَّتِهِ وَاسْتَحْسَنَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ تَبَعًا لِلطَّبَرِيِّ (لِإِحْرَامِهِ) بِخِلَافِ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى إذْ لَا نَزْعَ عَلَيْهِمَا فِي غَيْرِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ (عَنْ مَخِيطٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمُرَادُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ مِنْ كُلِّ مُحِيطٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَلَوْ لُبَدًا وَمَنْسُوجًا (الثِّيَابُ) وَنَحْوُهَا مِنْ خُفٍّ وَنَعْلٍ لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ لُبْسُهُ فِي الْإِحْرَامِ الَّذِي هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ إنَّ الْمُتَّجَهَ اسْتِحْبَابُهُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمِنْهَاجِ كَالْمُحَرَّرِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فَهِمَهُ مِنْ كَوْنِ عِبَارَتِهِ بِالنَّصْبِ، وَمَا عَلَّلَ بِهِ كَلَامَهُ مِنْ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِهِ وَهُوَ الْإِحْرَامُ لَمْ يُوجَدْ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ إنْ وَطِئْتُك فَأَنْت طَالِقٌ لَمْ يُمْتَنَعْ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا، وَإِنَّمَا يَجِبُ النَّزْعُ عَقِبَهُ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَيْنِ ذَكَرَا فِي الصَّيْدِ عَدَمَ وُجُوبِ إزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مَعَ أَنَّ الْمُدْرَكَ فِيهِمَا وَاحِدٌ أُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْوَطْءَ يَقَعُ فِي النِّكَاحِ فَلَا يَحْرُمُ وَإِنَّمَا يَجِبُ النَّزْعُ عَقِبَهُ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَلِأَنَّ مُوجِبَهُ لَيْسَ الْوَطْءُ بَلْ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُ عَدَمِ التَّجَرُّدِ بِالْوَطْءِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الصَّيْدَ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ بِالْإِحْرَامِ كَمَا يَأْتِي، بِخِلَافِ نَزْعِ الثَّوْبِ لَا يَحْصُلُ بِهِ فَيَجِبُ قَبْلَهُ كَمَا يَجِبُ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا عَلَى بَعِيدِ الدَّارِ، وَلِأَنَّهُ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَلَوْ مَسَّهُ عَمْدًا بِيَدِهِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَقْ بِيَدِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، لَكِنْ عِبَارَتُهُ فِي بَابِ مُحْرِمَاتِ الْإِحْرَامِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ إلَخْ نَصَّهَا: وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِعَبَقِ الرِّيحِ فَقَطْ بِنَحْوِ مَسِّهِ وَهُوَ يَابِسٌ أَوْ جُلُوسُهُ فِي دُكَّانِ عَطَّارٍ أَوْ عِنْدَ مَتْجَرٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَطْيِيبًا

(قَوْلُهُ: وَتَمْسَحُ وَجْهَهَا) أَيْ نَدْبًا (قَوْله وَالتَّسْوِيدُ) زَادَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَتَحْمِيرُ الْوَجْنَةِ بَلْ يَحْرُمُ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى خَلِيَّةٍ وَمَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا حَلِيلُهَا

(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَجِبُ النَّزْعُ عَقِبَهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: كَمَا عَبَّرَ عَنْهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ لَزِمَهَا إلَخْ) فِيهِ أَنَّ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ لَيْسَ فِي خُصُوصِ الْمُحِدَّةِ بَلْ فِي عُمُومِ الْمُعْتَدَّةِ وَالْوَجْهَانِ فِيهَا مَذْكُورَانِ حَتَّى فِي كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ الْبَاحِثِ مَا ذَكَرَ، وَعِبَارَتُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ جَوَازِ الِاسْتِدَامَةِ مَا إذَا لَزِمَهَا الْإِحْدَادُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَكَذَا الْمَبْتُوتَةُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، فَفِي وُجُوبِ إزَالَتِهِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ اهـ وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ الْمَحَلِّيِّ: وَلَوْ تَطَيَّبَتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ لَزِمَتْهَا عِدَّةٌ يَلْزَمُهَا إزَالَةُ الطِّيبِ فِي وَجْهٍ، لِأَنَّ فِي الْعِدَّةِ حَقَّ آدَمِيٍّ فَالْمُضَايَقَةُ فِيهِ أَكْثَرُ انْتَهَتْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ الْمَحَلِّيِّ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ بَحْثِ الْأَذْرَعِيِّ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ

إتْلَافُ مَالٍ قَبْلَ وُجُودِ الْمُقْتَضَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَحْرُمُ لِأَنَّ إرْسَالَ الصَّيْدِ بِغَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِيهِ حَرَامٌ، بِخِلَافِ التَّجَرُّدِ فَإِنَّهُ مُقَدِّمَةُ الْعِبَادَةِ، وَشَأْنُهَا التَّقَدُّمُ عَلَيْهَا كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ.
نَعَمْ قَدْ يُقَالُ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ أَخْذًا مِمَّا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبِسُ ثَوْبًا وَهُوَ لَابِسُهُ فَنَزَعَ فِي الْحَالِ لَمْ يَحْنَثْ، وَمِمَّا لَوْ وَطِئَ أَوْ أَكَلَ لَيْلًا مَنْ أَرَادَ الصَّوْمَ لَا يَلْزَمُهُ تَرْكُهُمَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَأَجَابَ الشَّيْخُ بِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِبَادَةٌ طُلِبَ فِيهَا أَنْ يَكُونَ الْمُحْرِمُ أَشْعَثَ أَغْبَرَ وَلَا يَكُونَ كَذَلِكَ إلَّا إذَا نَزَعَ قَبْلَهُ، بِخِلَافِ الْحَلِفِ وَتَرْكِ الْمُفْطِرِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَاحْتِيطَ لَهُ مَا لَمْ يُحْتَطْ لَهُمَا وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ النَّزْعُ بَعْدَ التَّطَيُّبِ.

(وَ) يُسَنُّ (أَنْ) (يَلْبِسَ) الرَّجُلُ قَبْلَ إحْرَامِهِ (إزَارًا وَرِدَاءً) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (أَبْيَضَيْنِ) لِخَبَرِ «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ» وَيُسَنُّ كَوْنُهُمَا جَدِيدَيْنِ وَإِلَّا فَمَغْسُولَيْنِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَغْسِلَ الْجَدِيدَ الْمَقْصُورَ لِنَشْرِ الْقَصَّارِينَ لَهُ عَلَى الْأَرْضِ.

وَقَدْ اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ غَسْلَ حَصَى الْجِمَارِ احْتِيَاطًا، وَهَذَا أَوْلَى بِهِ، وَقَضِيَّةُ تَعْلِيلِهِ أَنَّ غَيْرَ الْمَقْصُودِ كَذَلِكَ: أَيْ إذَا تُوُهِّمَتْ نَجَاسَتُهُ لَا مُطْلَقًا لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَيُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ الْمَصْبُوغُ وَلَوْ بِنِيلَةٍ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ وَإِنْ قَلَّ فِيمَا يَظْهَرُ إلَّا الْمُزَعْفَرَ فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ كَمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا كُرِهَ الْمَصْبُوغُ هُنَا بِخِلَافِ مَا قَالُوهُ ثَمَّ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ فَلَا يُنَاسِبُهُ الْمَصْبُوغُ مُطْلَقًا، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَصْبُوغِ قَبْلَ النَّسْجِ وَبَعْدَهُ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ فِي تَقْيِيدِهِ بِمَا صُبِغَ بَعْد النَّسْجِ وَإِنْ تَبِعَهُ الرُّويَانِيُّ.

(وَ) يُسَنُّ لُبْسُ (نَعْلَيْنِ) لِخَبَرِ «لِيُحْرِمَ أَحَدُكُمْ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ» (وَ) يُسَنُّ (أَنْ) (يُصَلِّيَ) لِلْإِحْرَامِ قَبْلَهُ (رَكْعَتَيْنِ) لِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَحْرَمَ» وَيُحْرِمَانِ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ فِي غَيْرِ حَرَمِ مَكَّةَ وَتُغْنِي عَنْهُمَا فَرِيضَةٌ أَوْ نَافِلَةٌ كَالتَّحِيَّةِ، وَمَا نَظَرَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ كَوْنِهَا مَقْصُودَةً فَلَا تَنْدَرِجُ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ رَدَّهُ السُّبْكِيُّ وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا أَثْبَتْنَا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِلْإِحْرَامِ خَاصَّةً» وَلَمْ يَثْبُتْ، بَلْ الَّذِي ثَبَتَ وَدَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وُقُوعُ الْإِحْرَامِ إثْرَ صَلَاةٍ.
وَيُنْدَبُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَتَيْ الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصُ وَأَنْ يُصَلِّيَهُمَا فِي مَسْجِدِ الْمِيقَاتِ إنْ كَانَ ثَمَّ مَسْجِدٌ وَلَا فَرْقَ فِي صَلَاتِهِمَا بَيْنَ الذَّكَرِ وَغَيْرِهِ.

(ثُمَّ الْأَفْضَلُ أَنْ) (يُحْرِمَ) الشَّخْصُ إنْ كَانَ رَاكِبًا (إذَا انْبَعَثَتْ) أَيْ اسْتَوَتْ (بِهِ رَاحِلَتُهُ) أَيْ دَابَّتُهُ قَائِمَةً إلَى طَرِيقِ مَكَّةَ (أَوْ) يُحْرِمُ إذَا (تَوَجَّهَ لِطَرِيقِهِ) حَالَ كَوْنِهِ (مَاشِيًا) لِلِاتِّبَاعِ فِي الْأَوَّلِ وَقِيَاسًا عَلَيْهِ فِي الثَّانِي، رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

[حاشية الشبراملسي]

وَرَاجَعَ عَقِبَ الْإِيلَاءِ لَا يُغْنِي عَنْ وُجُوبِ النَّزْعِ لِأَنَّهُ مُسْتَدِيمٌ زَمَنَ الْمُرَاجَعَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ

(قَوْله فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ) أَيْ حَيْثُ كَثُرَ عَلَى مَا مَرَّ فِي اللِّبَاسِ

(قَوْلُهُ وَأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ إلَخْ) وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّنْ نَذَرَ رَكْعَتَيْنِ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ فِي الْحَرَمِ هَلْ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ أَوْ لَا لِأَنَّ النَّافِلَةَ فِي ذَلِكَ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِالِانْعِقَادِ لِأَنَّ النَّافِلَةَ قُرْبَةٌ فِي نَفْسِهَا وَكَوْنِهَا خِلَافَ الْأَوْلَى أَمْرٌ عَارِضٌ فَلَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ فَلْيَتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: الْأَقْرَبُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ النَّذْرِ كَوْنُ الْمَنْذُورِ قُرْبَةً، وَخِلَافَ الْأَوْلَى مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَهُوَ كَالْمَكْرُوهِ غَايَتُهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهِ خَفِيفَةٌ، فَالْقَائِلُ بِانْعِقَادِ النَّذْرِ فِيهِ يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِانْعِقَادِ نَذْرِ الصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ وَأَعْطَانِ الْإِبِلِ وَنَحْوِهِمَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِهِ فَلْيَتَأَمَّلْ، وَلَا يَرِدُ انْعِقَادُ نَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ جُمُعَةٍ مَعَ كَرَاهَتِهِ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَكْرُوهُ إفْرَادُهُ لَا صَوْمُهُ (قَوْلُهُ: وَيُنْدَبُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا) أَيْ سِرًّا وَلَوْ لَيْلًا إلْحَاقًا بِالنَّوَافِلِ، بِخِلَافِ رَكْعَتِي الطَّوَافِ فَإِنَّهُ يَجْهَرُ بِهِمَا لَيْلًا كَمَا

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا قَالُوهُ ثَمَّ) هُوَ تَابِعٌ فِي هَذَا التَّعْبِيرِ لِشَرْحِ الرَّوْضِ، لَكِنَّ ذَاكَ قَدَّمَ مَا يُسَوِّغُ لَهُ هَذِهِ الْإِحَالَةَ بِخِلَافِ الشَّارِحِ وَعِبَارَتُهُ: وَمَحَلُّهُ أَيْ كَرَاهَةِ الْمَصْبُوغِ فِيمَا صُبِغَ بِغَيْرِ زَعْفَرَانٍ أَوْ عُصْفُرٍ لِمَا مَرَّ فِي بَابِ مَا لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ لُبْسُ الْمَصْبُوغِ بِهِمَا.
وَإِنَّمَا كَرِهُوا هُنَا الْمَصْبُوغَ بِغَيْرِهِمَا خِلَافَ مَا قَالُوهُ ثَمَّ إلَخْ

(قَوْلُهُ رَوَى مُسْلِمٌ) عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: وَرَوَى مُسْلِمٌ بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَلَعَلَّهَا سَقَطَتْ مِنْ نُسَخِ الشَّارِحِ مِنْ الْكَتَبَةِ، وَخَبَرُ مُسْلِمٍ هَذَا دَلِيلٌ

جارٍ التحميل