بِيَقِينِ غَفْلَةٍ عَنْ وُجُوبِ تَقْيِيدِ مَا أَطْلَقَهُ هُنَا بِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ الْخَلْطَ: أَيْ أَوْ نَحْوَهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ، وَهَذَا الْمَسْلَكُ فِي تَقْرِيرِ عِبَارَتِهِ أَوْلَى مِنْ إطْلَاقِ بَعْضِهِمْ تَخْرِيجَ كَلَامِهِ عَلَى الرَّأْيَيْنِ، وَبَعْضُهُمْ حَصَرَهُ عَلَى رَأْيِ الرَّافِعِيِّ، أَمَّا إذَا بَقِيَ مِنْ الْأَوَّلِ بَقِيَّةٌ وَإِنْ لَمْ تَكْفِهِ لِطَهَارَتِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ مَعَهُ مَاءً مُتَيَقَّنَ الطَّهَارَةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى طَهَارَتِهِ لَمْ تَجِبْ إعَادَتُهُ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ قَبْلَ الْحَدَثِ فَلَا يُصَلِّي بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ لِاعْتِقَادِهِ الْآنَ بُطْلَانَهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ أَحْدَثَ وَاجْتَهَدَ وَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
ثُمَّ إذَا أَعَادَهُ فَإِنْ اتَّفَقَ الِاجْتِهَادَانِ فَذَاكَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا بِأَنْ ظَنَّ طَهَارَةَ مَا ظَنَّ نَجَاسَتَهُ أَوَّلًا فَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَالْأَرْجَحُ مِنْهُ عَدَمُ الْعَمَلِ بِالثَّانِي وَإِنْ كَانَ أَوْضَحَ مِنْ الْأَوَّلِ لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْصِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ إنَّ غَسْلَ مَا أَصَابَهُ الْأَوَّلُ، وَمِنْ الصَّلَاةِ بِنَجَاسَةٍ إنْ لَمْ يَغْسِلْهُ وَبِهَذَا فَارَقَ جَوَازَ الْعَمَلِ بِالثَّانِي فِي نَظِيرِهِ مِنْ الثَّوْبِ وَالْقِبْلَةِ، وَاسْتَنْبَطَ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ التَّعْلِيلِ السَّابِقِ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: عَلَى الرَّأْيَيْنِ) أَيْ رَأْيِ النَّوَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ (قَوْلُهُ: إنْ احْتَاجَ إلَيْهَا) أَيْ بِأَنْ أَحْدَثَ وَحَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى وَلَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ الْأَوَّلِ أَوْ عَارَضَهُ مُعَارِضٌ (قَوْلُهُ: فَلَا يُصَلِّي بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ) وَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ قَبْلَ غَسْلِ أَعْضَائِهِ لِظَنِّهِ نَجَاسَتَهَا وَهِيَ مَانِعَةٌ مِنْ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ كَذَا بِبَعْضِ الْهَوَامِشِ.
وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَامْتَنَعَ التَّيَمُّمُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَتْنِ، وَهِيَ مَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ بَعْدَ طَهَارَتِهِ مِنْ الْأَوَّلِ وَحَدَثِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِالثَّانِي وَيَتَيَمَّمُ بَعْدَ تَلَفِ مَا بَقِيَ مِنْ الْأَوَّلِ إنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ بِلَا إعَادَةٍ مَعَ أَنَّهُ يَظُنُّ نَجَاسَةَ أَعْضَائِهِ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ الْأَوَّلِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الظَّنَّ لَا اعْتِبَارَ بِهِ فَيَصِحُّ تَيَمُّمُهُ وَإِنْ لَمْ يُطَهِّرْ أَعْضَاءَهُ.
لَا يُقَالُ: يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمَتْنِ عَلَى مَا لَوْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذِهِ لَوْ وُجِدَتْ جَازَ لَهُ بَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْفَقْدِ اسْتِعْمَالُ الثَّانِي حَيْثُ ظَنَّ طَهَارَتَهُ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ كَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ ثُمَّ إذَا أَعَادَهُ) أَيْ أَعَادَ الِاجْتِهَادَ (قَوْلُهُ وَبِهَذَا فَارَقَ جَوَازَ إلَخْ) أَيْ بِقَوْلِهِ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ الَّذِي قَدَّمَهُ هُوَ قَرِيبًا بِقَوْلِهِ، وَيُقَيَّدُ كَلَامُهُ بِمَا إذَا خَلَطَهُمَا مَثَلًا (قَوْلُهُ: وَهَذَا الْمَسْلَكُ) أَيْ الْأَخِيرُ، فَإِنَّ الشِّهَابَ ابْنَ حَجَرٍ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِهِ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْمَسْلَكُ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ وَالشَّارِحُ تَبِعَهُ، لَكِنْ بَعْد أَنْ قَدَّمَ الْمَسْلَكَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي كَلَامِهِ اللَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا حَمْلُهُ الْمَتْنَ عَلَى طَرِيقَةِ الرَّافِعِيِّ، وَهُوَ الَّذِي حَلَّ بِهِ الْمَتْنَ فَلَمْ يَتَأَتَّ قَوْلُهُ: وَبَعْضُهُمْ حَصَرَهُ عَلَى رَأْيِ الرَّافِعِيِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشِّهَابَ ابْنَ قَاسِمٍ كَتَبَ عَلَى هَذَا الْمَسْلَكِ فِي كَلَامِ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ مَا نَصُّهُ: اعْلَمْ أَنَّ الْجَلَالَ الْمَحَلِّيَّ بَيَّنَ أَنَّ فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَى كُلٍّ مِنْ طَرِيقِ الرَّافِعِيِّ وَطَرِيقِ الْمُصَنِّفِ خِلَافًا إلَّا أَنَّ الْأَصَحَّ مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الرَّافِعِيِّ: أَيْ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْأَوَّلِ بَقِيَّةُ عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَعَلَى طَرِيقِ الْمُصَنِّفِ بِأَنْ بَقِيَ الْوُجُوبُ، وَبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ مَحَلَّ خِلَافِ الْإِعَادَةِ فِيهِمَا إذَا لَمْ يُرِقْ الْبَاقِيَ فِي الْأَوَّلِ وَلَمْ يُرِقْهُمَا فِي الثَّانِي قَبْلَ الصَّلَاةِ فِيهِمَا، فَإِنْ أَرَاقَ مَا ذُكِرَ قَبْلَهَا فَلَا إعَادَةَ جَزْمًا، لَكِنْ اعْتِبَارُهُ كَوْنَ الْإِرَاقَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا أَوْ فِيهِ تَجَوُّزٌ، وَإِلَّا فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُ الْإِرَاقَةِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ عَلِمْت أَنَّ حِكَايَةَ الْخِلَافِ فِي الْإِعَادَةِ تَقْتَضِي التَّصْوِيرَ بِمَا إذَا انْتَفَتْ الْإِرَاقَةُ: أَيْ وَنَحْوُهَا، إذْ لَوْ لَمْ تَنْتَفِ كَانَ عَدَمُ الْإِعَادَةِ مَجْزُومًا بِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ بِمَا إذَا انْتَفَتْ الْإِرَاقَةُ وَنَحْوُهَا، وَإِذَا كَانَتْ مُصَوَّرَةً بِذَلِكَ تَعَيَّنَ مَا قَالَهُ الْبَعْضُ الْمَذْكُورُ مِنْ التَّخَالُفِ فِي الْإِعَادَةِ وَإِجْرَاءُ الْكَلَامِ هُنَا عَلَى إطْلَاقِهِ إذْ تَقْيِيدُهُ يُنَافِي ذِكْرَ الْخِلَافِ، فَقَوْلُهُ إنْ زَعَمَ الْبَعْضُ الْمَذْكُورُ غَفْلَةً لَعَلَّهُ غَفْلَةً وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ مَا فِي قَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُظْهِرُهُ مَقَالُ الْأَصَحِّ إلَخْ،؛ لِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ مُقَابِلَ الْأَصَحِّ لَا يَأْتِي أَيْضًا عَلَى طَرِيقِ الرَّافِعِيِّ إذَا حَصَلَتْ الْإِرَاقَةُ الَّتِي هِيَ مِنْ نَحْوِ الْخَلْطِ، بَلْ الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ فِي تَوْجِيهِ تَعَيُّنِ التَّخْرِيجِ عَلَى رَأْيِ الرَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي تَصْحِيحُ عَدَمِ الْإِعَادَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمُصَنِّفِ، بَلْ الصَّحِيحُ حِينَئِذٍ هُوَ الْإِعَادَةُ، فَأَحْسِنْ التَّأَمُّلَ بِالْإِنْصَافِ انْتَهَى (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا بَقِيَ مِنْ الْأَوَّلِ بَقِيَّةٌ) يُتَأَمَّلُ هَذَا السِّيَاقُ (قَوْلُهُ: قَبْلَ الْحَدَثِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَلْ الْأَوْلَى حَذْفُهُ (قَوْلُهُ: وَمِنْ الصَّلَاةِ بِنَجَاسَةٍ إلَخْ) هَذَا لَا يَأْتِي إذَا كَانَ الِاجْتِهَادُ بَيْنَ طَهُورٍ وَمُسْتَعْمَلٍ، قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ:
الْعَمَلِ بِالثَّانِي إذَا لَمْ يَسْتَعْمِلْ بَعْدَ الْأَوَّلِ مَاءً طَهُورًا بِيَقِينٍ أَوْ بِاجْتِهَادٍ غَيْرِ ذَلِكَ الِاجْتِهَادِ لِانْتِفَاءِ التَّعْلِيلِ حِينَئِذٍ الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي هَذَا التَّصْوِيرِ، قَالَ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ.
قُلْت: وَهُوَ وَاضِحٌ وَقَدْ أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ وُجُوبُ إعَادَةِ الِاجْتِهَادِ لِكُلِّ صَلَاةٍ يُرِيدُ فِعْلَهَا، نَعَمْ إنْ كَانَ ذَاكِرًا لِدَلِيلِهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَعُدَّهُ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ الْمَظْنُونِ طَهَارَتَهُ بِالِاجْتِهَادِ فَإِنَّ بَقَاءَهُ بِحَالِهِ بِمَنْزِلَةِ بَقَاءِ الشَّخْصِ مُتَطَهِّرًا فَيُصَلِّي فِيهِ مَا شَاءَ حَيْثُ لَمْ يَتَغَيَّرْ ظَنُّهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ يَسْتَتِرُ بِجَمِيعِهِ أَمْ يُمْكِنُهُ الِاسْتِتَارُ بِبَعْضِهِ لِكِبَرِهِ، فَقَطَعَ مِنْهُ قِطْعَةً وَاسْتَتَرَ بِهَا وَصَلَّى ثُمَّ احْتَاجَ إلَى السَّتْرِ لَتَلِفَ مَا اسْتَتَرَ بِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الِاجْتِهَادِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ النَّصِّ فِي تَغَيُّرِ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ الْعَمَلَ بِالثَّانِي وَفَرَّقَ بِمَا تَقَدَّمَ
(وَلَوْ) (أَخْبَرَهُ بِتَنَجُّسِهِ) أَيْ الْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ بِاسْتِعْمَالِهِ وَلَوْ عَلَى الْإِبْهَامِ، أَوْ بِطَهَارَتِهِ عَلَى التَّعْيِينِ قَبْلَ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ وَفَارَقَ الْإِبْهَامَ، ثُمَّ التَّعْيِينُ هُنَا بِأَنَّ التَّنَجُّسَ عَلَى الْإِبْهَامِ يُوجِبُ اجْتِنَابُهُمَا، وَالطَّهَارَةُ عَلَى الْإِبْهَامِ لَا تُجَوِّزُ اسْتِعْمَالَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
[حاشية الشبراملسي]
لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْضٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ التَّعْلِيلِ) هُوَ قَوْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْصِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ إلَخْ (قَوْلُهُ يُرِيدُ فِعْلَهَا) أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ بَاقِيًا عَلَى طَهَارَتِهِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الثَّوْبِ) لَوْ اجْتَهَدَ فِي ثَوْبَيْنِ طَاهِرٌ وَنَجَسٌ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ الطَّاهِرُ فَهَلْ يُصَلِّي عَارِيًّا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوُصُولِ إلَى الطَّاهِرِ فَكَانَ كَالْمَعْدُومِ، أَوْ يُصَلِّي عَارِيًّا وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لِوُجُودِ ثَوْبٍ طَاهِرٍ مَعَهُ فِي الْجُمْلَةِ، أَوْ يُصَلِّي فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَالْمَاءِ وَمَاءِ الْوَرْدِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَنْعِ صَلَاتِهِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مَرَّةً وَبَيْنَ وُضُوئِهِ بِكُلٍّ مِنْ الْمَاءِ وَمَاءُ الْوَرْدِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الصَّلَاةُ بِيَقِينِ النَّجَاسَةِ فَيَكُونُ مُرْتَكِبًا لِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ دُونَ الْمَاءِ وَمَاءِ وَرْدٍ فَتَأَمَّلْ، ثُمَّ رَأَيْت فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ اشْتَبَهَ طَاهِرٌ وَنَجَسٌ اجْتَهَدَ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ اجْتَهَدَ فِي الثَّوْبَيْنِ وَنَحْوِهِمَا فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ صَلَّى عَارِيًّا، وَفِي أَحَدِ الْبَيْتَيْنِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ لِكَوْنِهِ مُقَصِّرًا بِعَدَمِ إدْرَاكِ الْعَلَامَةِ، وَلِأَنَّ مَعَهُ ثَوْبًا أَوْ مَكَانًا طَاهِرًا بِيَقِينٍ اهـ بِحُرُوفِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَوْلُهُ لِكَوْنِهِ مُقَصِّرًا يُؤْخَذُ مِنْهُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ فَوْرًا، وَبِهِ صَرَّحَ الشَّارِحُ فِي الصَّوْمِ وَابْنُ حَجَرٍ أَيْضًا فِيمَا لَوْ لَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ فَأَفْطَرُوا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَعَلَّلُوهُ بِتَقْصِيرِهِمْ بِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ (قَوْلُهُ: وَفَرَّقَ بِمَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لَمَّا فِيهِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلَى الْإِبْهَامِ) وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ أَحَدِ إنَاءَيْنِ بِلَا اشْتِبَاهٍ فَأَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْإِبْهَامِ فَاجْتَهَدَ وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى نَجَاسَةِ مَا تَطَهَّرَ مِنْهُ فَيَجِبُ إعَادَةُ مَا صَلَّاهُ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ قَوْلُهُ وَلَوْ أَخْبَرَ إلَخْ لَوْ تَوَضَّأَ شَخْصٌ مِنْ أَحَدِ إنَاءَيْنِ وَلَمْ يَعْلَمْ فِيهِمَا نَجَاسَةً وَصَلَّى ثُمَّ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِنَجَاسَةِ أَحَدِهِمَا لَا عَلَى التَّعْيِينِ، فَالْوَجْهُ كَمَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا طب عَنْ بَعْضِهِمْ وَارْتَضَاهُ وُجُوبُ إعَادَةِ الصَّلَاةِ لِتَبَيُّنِ نَجَاسَةِ أَحَدِهِمَا، وَأَنَّهُ كَانَ الْوَاجِبُ الِاجْتِهَادَ اَ هـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: قَبْلَ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَلَوْ أُخْبِرَ إلَخْ
[حاشية الرشيدي]
فَيُتَّجَهُ فِيهِ الْعَمَلُ بِالثَّانِي مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: أَوْ بِاجْتِهَادٍ غَيْرِ ذَلِكَ الِاجْتِهَادِ) أَيْ فِي مَاءٍ غَيْرِ هَذَيْنِ الْمَاءَيْنِ (قَوْلُهُ: لِكُلِّ صَلَاةٍ) أَيْ إنْ أَحْدَثَ أَوْ تَغَيَّرَ ظَنُّهُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ
(قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَهُ) قَدْ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الطَّهَارَةِ بِمَاءٍ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ إذَا أَخْبَرَ بَعْدَهَا بِطَهَارَتِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ قَالَهُ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ، وَوَجْهُ النَّظَرِ أَنَّ طَهَارَتَهُ قَبْلَ التَّعْيِينِ بَاطِلَةٌ لِفَقْدِ شَرْطِهَا الَّذِي هُوَ ظَنُّ طَهَارَةِ الْمَاءِ فَلَا تَنْقَلِبُ صَحِيحَةً بِالتَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعِبَادَاتِ بِمَا فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ لَا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ نَجَاسَةَ أَحَدِ الْمَاءَيْنِ مُبْهَمًا (قَوْلُهُ: وَفَارَقَ الْإِبْهَامَ ثَمَّ) أَيْ الِاكْتِفَاءُ بِهِ، وَقَوْلُهُ التَّعْيِينُ هُنَا: أَيْ اشْتِرَاطُهُ وَعَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِالْإِبْهَامِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ فِي حَوَاشِي التُّحْفَةِ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ مَا نَصُّهُ: إذَا تَأَمَّلْت الْفَرْقَ الَّذِي أَبْدَاهُ وَجَدْته إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْإِبْهَامِ ثَمَّ وَعَدَمُ اعْتِبَارِهِ هُنَا فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى (قَوْلُهُ: وَالطَّهَارَةُ عَلَى الْإِبْهَامِ) لَعَلَّ صُورَتَهُ أَنَّهُ رَأَى كَلْبًا مَثَلًا بِقُرْبٍ لِإِنَاءَيْنِ وَشَكَّ هَلْ وَلَغَ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا،
وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي إفَادَةِ الْإِبْهَامِ جَوَازَ الِاجْتِهَادِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ) رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً عَبْدًا كَانَ أَوْ حُرًّا بَصِيرًا كَانَ أَوْ أَعْمَى، عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ عَدْلٍ آخَرَ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَالْمَجْهُولِ وَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ وَلَوْ مُمَيِّزًا، وَفِيمَا يَعْتَمِدُ الْمُشَاهَدَةَ فَإِنَّ رِوَايَتَهُمْ لَا تُقِيلُ، نَعَمْ لَوْ قَالَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّعْدِيلِ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ عَدْلٌ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِهِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ؛ وَلَوْ أَخْبَرَ الصَّبِيُّ بَعْدَ بُلُوغِهِ عَمَّا شَاهَدَهُ فِي صِبَاهُ مِنْ تَنَجُّسِ إنَاءٍ وَنَحْوِهِ قُبِلَ وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي أَيْضًا.
وَمَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ مَنْ تَقَدَّمَ بِالنِّسْبَةِ لِإِخْبَارِهِمْ عَنْ فِعْلِ غَيْرِهِمْ، فَمَنْ أَخْبَرَ مِنْهُمْ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ فِي غَيْرِ الْمَجْنُونِ كَقَوْلِهِ بُلْت فِي هَذَا الْإِنَاءِ قُبِلَ كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَإِنْ اسْتَوَيَا) الْإِبْهَامَانِ وَهُمَا إبْهَامُ الطَّهَارَةِ وَإِبْهَامُ النَّجَاسَةِ فِي جَوَازِ إلَخْ.
وَعِبَارَةُ حَجّ وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي إفَادَةِ الْإِبْهَامِ فِي كُلٍّ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَهِيَ أَوْضَحُ لِصَرَاحَتِهَا فِي أَنَّ جَوَازَ مَفْعُولِ الْإِفَادَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ عَنْ عَدْلٍ) أَيْ عَيْنُهُ كَزَيْدٍ وَعَرَفَ الْمُخَبِّرُ عَنْهُ عَدَالَتَهُ وَكَذَا لَوْ قَالَ أَخْبَرَنِي عَدْلٌ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ التَّعْدِيلِ عَلَى مَا يَأْتِي عَنْ شَرْحِ الْمُسْنَدِ (قَوْلُهُ وَالْفَاسِقُ) اقْتِصَارٌ فِي الْمُحْتَرَزِ عَلَى مَا ذَكَرَ يُفِيدُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَى مُرُوءَةِ أَمْثَالِهِ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ أَيْ وَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُرَاجَعْ، وَقِيَاسُ مَا قَالُوهُ فِي الصَّوْمِ وَفِي دُخُولِ الْوَقْتِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ اعْتَقَدَ صِدْقَ الْفَاسِقِ عُمِلَ بِهِ مَجِيئُهُ هُنَا (قَوْلُهُ: وَالْمَجْهُولُ) أَيْ مَجْهُولُ الْعَدَالَةِ، أَمَّا مَجْهُولُ الْإِسْلَامِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِيمَا لَوْ وَجَدَ قِطْعَةَ لَحْمٍ فِي إنَاءٍ أَوْ خِرْقَةٍ إنْ كَانَ بِبَلَدٍ لَا مَجُوسَ فِيهِ أَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَكْثَرَ حُكْمٍ بِإِسْلَامِهِ وَإِلَّا فَلَا، لَكِنْ هَذَا وَإِنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ لَا تُعْلَمُ عَدَالَتُهُ إلَّا إذَا اكْتَفَى قَبُولَ الْخَبَرِ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ، وَقُلْنَا: الْمُرَادُ بِظَاهِرِهَا أَنْ لَا يُعْرَفَ لَهُ مُفَسِّقٌ، وَهُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ فِي وَلِيِّ النِّكَاحِ وَشَاهِدَيْهِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِمَجْهُولِ الْعَدَالَةِ مَنْ عُرِفَ لَهُ مُفَسِّقٌ ثُمَّ شَكَّ فِي تَوْبَتِهِ مِنْهُ، وَإِلَّا فَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُفَسِّقٌ مَسْتُورُ الْعَدَالَةِ لَا مَجْهُولُهَا عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ، نَعَمْ عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمَحَلِّيُّ ثُمَّ مِنْ أَنَّ مَسْتُورَ الْعَدَالَةِ مَنْ عُرِفَ بِهَا ظَاهِرًا.
نَقُولُ: هُوَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ اهـ (قَوْلُهُ: وَفِيمَا يَعْتَمِدُ الْمُشَاهَدَةَ) أَيْ وَلَوْ كَانَ إخْبَارُهُمْ فِيمَا يَعْتَمِدُ الْمُشَاهَدَةَ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ قَالَ) كَأَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ الْمَجْهُولِ (قَوْلُهُ وَنَحْوِهِ) أَيْ وَتَنَجَّسَ نَحْوُ الْإِنَاءِ وَمِثْلُهُ كُلُّ مَا أَخْبَرَ بِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ مُسْتَنِدًا لِمُعَايَنَتِهِ قَبْلَهُ وَاقْتِصَارُهُ عَلَى إخْبَارِ الصَّبِيِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ قَدْ يُفْهَمُ أَنَّ الْكَافِرَ وَالْفَاسِقَ إذَا أَخْبَرَ بِهِ بَعْدَ إسْلَامِ الْأَوَّلِ وَتَوْبَةِ الثَّانِي لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُمَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِي خَبَرِهِمَا مَا ذَكَرُوهُ فِي شَهَادَتِهِمَا الْمُعَادَةِ (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الْمَجْنُونِ) وَمِثْلُهُ الصَّبِيُّ الْغَيْرُ الْمُمَيَّزِ (قَوْلُهُ: فِي هَذَا الْإِنَاءِ قَبْلُ) أَيْ وَلَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ كَذَّبَهُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا إذَا لَمْ تَقْطَعْ الْعَادَةُ بِكَذِبِهِ وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، لَكِنَّ التَّوْجِيهَ
[حاشية الرشيدي]
أَمَّا إذَا كَانَ عَالِمًا بِطَهَارَتِهِمَا فَلَا فَائِدَةَ فِي الْإِخْبَارِ الْمَذْكُورِ حِينَئِذٍ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي إفَادَةِ الْإِبْهَامِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ عَالِمًا بِنَجَاسَتِهِمَا فَعُلِمَ أَنَّ الصُّورَةَ هُنَا غَيْرُهَا فِيمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: فِي إفَادَةِ الْإِبْهَامِ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ وَمَفْعُولُهُ جَوَازُ الْآتِي، وَسَقَطَ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي كَتَبَ عَلَيْهَا الشَّيْخُ لَفْظُ كُلٍّ الْمُنَوَّنُ قَبْلَ قَوْلِهِ جَوَازُ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ يَفْسُدُ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ (قَوْلُهُ: أَوْ عَنْ عَدْلٍ آخَرَ) أَيْ بِأَنْ يَقُولَ أَخْبَرَنِي زَيْدٌ، وَهُوَ يَعْرِفُ عَدَالَتَهُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَفِيمَا يَعْتَمِدُ الْمُشَاهَدَةَ) أَشَارَ بِهَذِهِ الْغَايَةِ إلَى خِلَافٍ وَقَعَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ الْأَذَانِ فِي قَبُولِ إخْبَارِ الْمُمَيِّزِ فِيمَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ فَعُلِمَ أَنَّهُ غَايَةٌ فِي الْمُمَيِّزِ خَاصَّةً كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ قَالَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّعْدِيلِ إلَخْ) هَذَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ السَّابِقِ أَوْ عَنْ عَدْلٍ آخَرَ بِالنَّظَرِ لِمَا صَوَّرْنَاهُ بِهِ كَأَنَّهُ قَالَ: عَنْ عَدْلٍ مَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُبْهَمًا كَأَنْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدْلٌ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ نَعَمْ إلَى آخِرِهِ (قَوْلُهُ: بُلْت فِي هَذَا الْإِنَاءِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ السَّبَبَ، وَهُوَ
قَالَ أَنَا مُتَطَهِّرٌ أَوْ مُحْدِثٌ، وَكَمَا يُقْبَلُ خَبَرُ الذِّمِّيِّ عَنْ شَاتِه بِأَنَّهُ ذَكَّاهَا، وَكَإِخْبَارِهِ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ إخْبَارَهُ الْمُتَوَاتِرَ بِأَنْ كَانَ جَمْعًا يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، عَلَى أَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْعِلْمُ لَا مِنْ حَيْثُ الْإِخْبَارُ.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ قَوْلَ نَحْوِ الْفَاسِقِ مِمَّنْ ذُكِرَ طَهَّرْت الثَّوْبَ مَقْبُولٌ لِإِخْبَارِهِ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ طَهُرَ هَذَا الثَّوْبُ أَوْ غُسِلَ الْمَيِّتُ وَإِنْ جَرَى بَعْضُهُمْ عَلَى قَبُولِهِ فِي الشِّقَّيْنِ (وَبَيَّنَ السَّبَبَ) فِي تَنَجُّسِهِ أَوْ اسْتِعْمَالِهِ أَوْ طُهْرِهِ كَوُلُوغِ كَلْبٍ سَوَاءٌ أَكَانَ عَامِّيًّا أَمْ فَقِيهًا مُوَافِقًا لِلْمُخْبَرِ أَمْ مُخَالِفًا (أَوْ كَانَ فَقِيهًا) فِي بَابِ تَنَجُّسِ الْمِيَاهِ (مُوَافِقًا) لِلْخَبَرِ فِي مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ (اعْتَمَدَهُ) حَتْمًا بِخِلَافِ غَيْرِ الْفَقِيهِ أَوْ الْفَقِيهِ الْمُخَالِفِ أَوْ الْمَجْهُولِ مَذْهَبُهُ فَلَا يَعْتَمِدُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخْبِرَ بِتَنَجُّسِ مَا لَمْ يَتَنَجَّسْ عَنْ الْمُخْبِرِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ الْحُكْمُ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ قَدْ وَقَعَ فِيهِ نِزَاعٌ وَاخْتِلَافُ تَرْجِيحٍ، فَيَكُونُ الْأَرْجَحُ فِيهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْتَقِدُ تَرْجِيحَ مَا لَا يَعْتَقِدُ الْمُخْبَرُ تَرْجِيحُهُ، وَحِينَئِذٍ فَيُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ فَقِيهًا مُوَافِقًا أَنَّهُ يَعْلَمُ الرَّاجِحَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّ مَا تَقَرَّرَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُقَلِّدِ، إذْ هُوَ الَّذِي يُعْلَمُ اعْتِقَادُهُ فَيُنْظَرُ هَلْ الْمُخْبِرُ يُوَافِقُهُ أَمْ لَا؟ أَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَيُبَيِّنُ لَهُ السَّبَبَ مُطْلَقًا وَإِنْ عَرَفَ اعْتِقَادَهُ فِي الْمِيَاهِ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ، وَقَدْ ذَكَرْت الْفَرْقَ بَيْنَ مَا هُنَا مِنْ وُجُوبِ التَّفْصِيلِ وَعَدَمِ وُجُوبِهِ فِي نَحْوِ الرِّدَّة فِي شَرْحِ الْعُبَابِ.
وَلَوْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ خَبَرُ عَدْلَيْنِ فَصَاعِدًا كَأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: وَلَغَ الْكَلْبُ فِي هَذَا الْإِنَاءِ دُونَ ذَاكَ وَعَكَسَهُ الْآخَرُ وَأَمْكَنَ صِدْقُهُمَا صِدْقًا وَحُكِمَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءَيْنِ لِاحْتِمَالِ الْوُلُوغِ فِي وَقْتَيْنِ،
[حاشية الشبراملسي]
بِالِاحْتِيَاطِ لِلْعِبَادَةِ لَا يَأْتِي فِي قَبُولِ خَبَرِهِمْ عِنْدَ قَوْلِ أَحَدِهِمْ طَهُرَتْ الثَّوْبُ (قَوْلُهُ: وَكَإِخْبَارِهِ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ) أَيْ إخْبَارُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يُمَيِّزْ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ الْعِلْمُ) أَيْ فَإِنَّ الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ لَا الظَّنَّ (قَوْلُهُ مُوَافِقًا) كَتَبَ شَيْخُنَا بِهَامِشِ الْمَحَلِّيِّ لَوْ شَكَّ فِي مُوَافَقَتِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَالْمُخَالِفِ، وَكَذَا الشَّكُّ فِي الْفِقْهِ الْأَصْلُ عَدَمُهُ فِيمَا يَظْهَرُ اهـ. وَأَقُولُ: هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ وَالْمَجْهُولُ مُوَافَقَتُهُ فَتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ لِلْمُخْبَرِ فِي مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ) زَادَ حَجّ أَوْ عَارِفًا بِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا يُخْبِرُهُ بِاعْتِقَادِهِ لَا بِاعْتِقَادِ نَفْسِهِ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ، فَالتَّعْبِيرُ بِالْمُوَافِقِ لِلْغَالِبِ.
فَإِنْ قُلْت: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُخْبِرُهُ بِاعْتِقَادِ نَفْسِهِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ.
قُلْت: هَذَا احْتِمَالٌ بَعِيدٌ مِمَّنْ يَعْرِفُ الْمَذْهَبَيْنِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: اعْتَمَدَهُ) لَا يَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَ فِي اعْتِمَادِهِ وُجُوبُ تَطْهِيرِ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَاءِ الْمُخْبَرِ بِتَنَجُّسِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَنَجَّسْ بِالظَّنِّ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْعَدْلِ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ شَرْعًا فَلْيُرَاجَعْ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ وَاخْتِلَافُ تَرْجِيحٍ) وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَقَعُ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ وَالشَّارِحِ (قَوْلُهُ: فَيَبِينُ لَهُ) أَيْ الْمُخْبِرُ (قَوْلُهُ: فِي شَرْحِ الْعُبَابِ) عِبَارَتُهُ فِيهِ وَهُوَ أَنَّا فِي الرِّدَّةِ قَبِلْنَا الشَّهَادَةَ بِهَا مُطْلَقًا مِنْ الْمُوَافِقِ وَغَيْرِهِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي أَسْبَابِهَا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَنْ يُبَرْهِنَ عَنْ نَفْسِهِ وَأَنْ يَأْتِيَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَعَدَمُ الْإِتْيَانِ بِهِمَا مَعَ سُكُوتِهِ تَقْصِيرٌ بَلْ ذَلِكَ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى صِدْقِ الشَّاهِدِ وَلَا كَذَلِكَ الْمَاءُ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ هُنَا: وَإِنَّمَا قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الرِّدَّةِ مَعَ الْإِطْلَاقِ عَلَى مَا يَأْتِي تَغْلِيظًا عَلَى الْمُرْتَدِّ لِإِمْكَانِ أَنْ يُبَرْهِنَ عَنْ نَفْسِهِ اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: وَلَغَ الْكَلْبُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: وَلَغَ الْكَلْبُ وَغَيْرُهُ مِنْ السِّبَاعِ يَلَغُ وَلْغًا وَمِنْ بَابِ نَفَعَ وَوُلُوغًا شَرِبَ بِلِسَانِهِ وَسُقُوطُ الْوَاوِ كَمَا فِي يَقَعُ، وَوَلَغَ يَلِغُ مِنْ بَابَيْ وَعَدَ وَوَرِثَ لُغَةٌ، وَيَوْلَغُ مِثْلُ وَجِلَ يَوْجَلُ لُغَةٌ أَيْضًا، وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ فَيُقَالُ أَوْلَغْتُهُ: إذَا سَقَيْتُهُ اهـ بِحُرُوفِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(قَوْلُهُ: وَأَمْكَنَ صِدْقُهُمَا) أَيْ بِأَنْ لَمْ يُضَيِّفَاهُ لِوَقْتٍ بِعَيْنِهِ
[حاشية الرشيدي]
مُوَافِقٌ لِمَا بَحَثَهُ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ (قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ قَوْلَ نَحْوِ الْفَاسِقِ مِمَّنْ ذَكَرَ طَهَّرْت الثَّوْبَ مَقْبُولٌ) أَيْ بِشَرْطِ بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الطَّهَارَةِ إذَا كَانَ غَيْرَ عَارِفٍ بِهَا كَمَا فِي بَعْضِ الْهَوَامِشِ عَنْ الشَّيْخِ، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ غَيْرَ عَارِفٍ بِهَا
فَلَوْ تَعَارَضَا فِي الْوَقْتِ أَيْضًا بِأَنْ عَيَّنَاهُ عَمِلَ بِقَوْلِ أَوْثَقِهِمَا، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَبِالْأَكْثَرِ عَدَدًا فَإِنْ اسْتَوَيَا سَقَطَ خَبَرُهُمَا لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ وَحُكِمَ بِطَهَارَةِ الْإِنَاءَيْنِ كَمَا لَوْ عَيَّنَ أَحَدُهُمَا كَلْبًا كَأَنْ قَالَ: وَلَغَ هَذَا الْكَلْبُ وَقْتَ كَذَا فِي هَذَا الْإِنَاءِ وَقَالَ الْآخَرُ: كَانَ ذَلِكَ الْوَقْتُ بِبَلَدٍ آخَرَ مَثَلًا؛ وَلَوْ رَفَعَ نَحْوُ كَلْبٍ رَأْسَهُ مِنْ إنَاءٍ فِيهِ مَائِعٌ أَوْ مَاءٌ قَلِيلٌ وَفَمُهُ رَطْبٌ لَمْ يُنَجِّسْ إنْ احْتَمَلَ تَرَطُّبَهُ مِنْ غَيْرِهِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ وَإِلَّا تَنَجَّسَ وَلَوْ غَلَبَتْ النَّجَاسَةُ فِي شَيْءٍ وَالْأَصْلُ فِيهِ طَاهِرٌ كَثِيَابِ مُدْمِنِي الْخَمْرِ وَمُتَدَيِّنِينَ بِالنَّجَاسَةِ وَمَجَانِينَ وَصِبْيَانٍ وَجَزَّارِينَ حُكِمَ بِالطَّهَارَةِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا اضْطَرَبَتْ الْعَادَةُ بِخِلَافِهِ كَاسْتِعْمَالِ السِّرْجِينِ فِي أَوَانِي الْفَخَّارِ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ، وَيُحْكَمُ أَيْضًا بِطَهَارَةِ مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى كَعَرَقِ الدَّوَابِّ وَلُعَابِهَا وَلُعَابِ الصِّغَارِ وَالْجُوخِ، وَقَدْ اشْتَهَرَ اسْتِعْمَالُهُ بِشَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ غَسْلُ ثَوْبٍ جَدِيدٍ وَقَمْحٍ وَفَمٍ مِنْ نَحْوِ أَكْلِ خُبْزٍ.
وَالْبَقْلُ النَّابِتُ فِي نَجَاسَةِ مُتَنَجِّسٍ، نَعَمْ مَا ارْتَفَعَ عَنْ مَنْبَتِهِ طَاهِرٌ، وَلَوْ وَجَدَ قِطْعَةَ لَحْمٍ فِي إنَاءٍ أَوْ خِرْقَةٍ بِبَلَدٍ لَا مَجُوسَ فِيهِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ أَوْ مَرْمِيَّةٌ مَكْشُوفَةٌ فَنَجِسَةٌ أَوْ فِي إنَاءٍ أَوْ خِرْقَةٍ وَالْمَجُوسُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ الْمُسْلِمُونَ أَغْلَبُ فَكَذَلِكَ، فَإِنْ غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ فَظَاهِرَةٌ.
وَلَمَّا ذَكَرَ الِاجْتِهَادَ فِي نَحْوِ الْمَاءِ وَهُوَ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: فَلَوْ تَعَارَضَا فِي الْوَقْتِ) عِبَارَةُ حَجّ وَإِلَّا كَأَنْ اسْتَوَيَا ثِقَةً أَوْ كَثْرَةً أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَوْثَقُ وَالْآخَرُ أَكْثَرُ سَقَطَا وَبَقِيَ أَصْلُ طَهَارَتِهِ اهـ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْلِ الشَّارِحِ عَمِلَ بِقَوْلِ أَوْثَقِهِمَا، فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْأَوْثَقِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ عَدَدًا، بَلْ يَكَادُ يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ: فَإِنْ اسْتَوَيَا إلَخْ (قَوْلُهُ: فَبِالْأَكْثَرِ عَدَدًا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مِنْ النِّسَاءِ أَوْ الْعَبِيدِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: عَمَلًا بِالْأَصْلِ) أَيْ مَعَ غَلَبَةِ النَّجَاسَةِ عَلَى أَبْدَانِهِمْ، وَمِنْ ذَلِكَ الْخُبْزُ الْمَخْبُوزُ بِمِصْرَ وَنَوَاحِيهَا، فَإِنَّ الْغَالِبَ فِيهَا النَّجَاسَةُ لِكَوْنِهِ يُخْبَزُ بِالسِّرْجِينِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الطَّهَارَةُ.
(قَوْلُهُ: فِي أَوَانِي الْفَخَّارِ) وَكَعَدِمِ الِاسْتِنْجَاءِ فِي فَرْجِ الصَّغِيرِ وَنَجَاسَةِ مَنْفَذِ الطَّائِرِ وَالْبَهِيمَةِ، فَلَوْ جَلَسَ صَغِيرٌ فِي حِجْرِ مُصَلٍّ مَثَلًا أَوْ وَقَعَ طَائِرٌ عَلَيْهِ فَنَحْكُمُ بِصِحَّةِ صَلَاتِهِ اسْتِصْحَابًا لِأَصْلِ الطَّهَارَةِ فِي فَرْجِ الصَّغِيرِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ وَإِنْ اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بِنَجَاسَتِهِ (قَوْلُهُ: كَعَرَقِ الدَّوَابِّ) أَيْ وَإِنْ كَثُرَ (قَوْلُهُ: وَلُعَابُ الصِّغَارِ) لِلْأُمِّ أَيْ وَغَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ غَسْلُ ثَوْبٍ جَدِيدٍ) أَيْ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ نَجَاسَتَهُ، وَمِمَّا يَغْلِبُ كَذَلِكَ مَا اُعْتِيدَ مِنْ التَّسَاهُلِ فِي عَدَمِ التَّحَرُّزِ عَنْ النَّجَاسَةِ مِمَّنْ يَتَعَاطَى حِيَاكَتَهُ أَوْ خِيَاطَتَهُ وَنَحْوَهُمَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ) قَالَ سم فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ بَعْدَ نَقْلِهِ مِثْلَ مَا ذُكِرَ عَنْ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ فَنَجِسَةٌ أَنَّهَا تَنْجُسُ مَا أَصَابَتْهُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا لَا تُنَجِّسُهُ حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَكْلِ كَمَا فَرَضَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، أَمَّا لَوْ أَصَابَتْ شَيْئًا فَلَا تُنَجِّسُهُ اهـ. وَسَبَقَهُ الْإِسْنَوِيُّ إلَى ذَلِكَ حَيْثُ اعْتَرَضَ صَنِيعَ الرَّوْضَةِ وَاسْتُحْسِنَ صَنِيعَ الْقَمُولِيُّ الْمُوَافِقَ لِلْمَجْمُوعِ لِفَرْضِهِ الْكَلَامَ فِي حَالِ الْأَكْلِ وَعَدَمِهِ ثُمَّ قَالَ: وَهِيَ طَاهِرَةٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ اهـ.
بَقِيَ أَنَّهُ هَلْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ حَمْلِهَا فِيهِ نَظَرٌ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ بِكُلٍّ حَالَ الصِّحَّةِ، نَعَمْ حَمْلُهَا حَالَ النِّيَّةِ رُبَّمَا يَمْنَعُ انْعِقَادَهَا لِلشَّكِّ، إلَّا أَنْ يُقَالَ لَا أَثَرَ لِلشَّكِّ مَعَ الْعَمَلِ بِالْأَصْلِ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ فَإِنَّ نِيَّتَهُ صَحِيحَةٌ اهـ. أَقُولُ: وَقَدْ يَمْنَعُ قَوْلَهُ مَعَ الْعَمَلِ بِالْأَصْلِ بِأَنَّا لَمْ نَعْمَلْ بِالْأَصْلِ بِدَلِيلِ حُرْمَةِ الْأَكْلِ، إذْ لَوْلَا الْحُكْمُ بِنَجَاسَتِهِ مَا حَرُمَ أَكْلُهُ، وَالصَّلَاةُ بِمَا حُكِمَ بِنَجَاسَتِهِ بَاطِلَةٌ، وَإِنَّمَا لَمْ تَنْجُسْ مَا أَصَابَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ، وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ اشْتَبَهَ طَاهِرٌ بِنَجَسٍ ثُمَّ أَصَابَهُ مِنْ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ رَشَاشٌ
[حاشية الرشيدي]
أَنَّهُ غَيْرُ فَقِيهٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ حَاشِيَةِ الشِّهَابِ ابْنِ قَاسِمٍ عَلَى الْمَنْهَجِ (قَوْلُهُ: مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى كَعَرَقٍ إلَخْ) يُوهِمُ أَنَّ السَّبَبَ فِي الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهِ عُمُومُ الْبَلْوَى بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ عُمُومُ الْبَلْوَى إنَّمَا يَقْتَضِي الْعَفْوَ لَا الطَّهَارَةَ، وَإِنَّمَا السَّبَبُ فِي ذَلِكَ النَّظَرُ لِلْأَصْلِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ وَجَدَ قِطْعَةَ لَحْمٍ) لَيْسَ هَذَا مِنْ قَاعِدَةِ مَا الْأَصْلُ فِيهِ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُنَا الْحُرْمَةُ الْمُسْتَصْحَبَةُ مِنْ حَالِ الْحَيَاةِ حَتَّى تُعْلَمَ ذَكَاةٌ مُبِيحَةٌ: أَيْ أَوْ تُظَنَّ بِقَرِينَةٍ كَكَوْنِ اللَّحْمِ فِي إنَاءٍ غَيْرِ مَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: أَوْ مَرْمِيَّةً مَكْشُوفَةً فَنَجِسَةٌ) أَيْ إلَّا أَنَّهَا لَا تُنَجِّسُ مَا أَصَابَتْهُ؛ لِأَنَّا لَا نُنَجِّسُ بِالشَّكِّ كَمَا بَيَّنَهُ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ
مَظْرُوفٌ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ ظَرْفٍ اسْتَطْرَدَ الْكَلَامَ عَلَى مَا يَحِلُّ مِنْ الظُّرُوفِ فَقَالَ (وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ) أَيْ وَاقْتِنَاءُ (كُلِّ إنَاءٍ طَاهِرٍ) مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ طَاهِرًا فِي الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا إجْمَاعًا وَقَدْ «تَوَضَّأَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ شَنٍّ مِنْ جِلْدٍ وَمِنْ قَدَحٍ مِنْ خَشَبٍ وَمِنْ مُخَضَّبٍ مِنْ حَجَرٍ» فَلَا يَرِدُ الْمَغْصُوبُ وَجِلْدُ الْآدَمِيِّ وَنَحْوُهُمَا، وَخَرَجَ بِالطَّاهِرِ النَّجَسُ كَالْمُتَّخَذِ مِنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ فِي نَحْوِ مَاءٍ قَلِيلٍ، وَلَا يُنَافِي الْحُرْمَةَ هُنَا مَا يَأْتِي مِنْ كَرَاهَةِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ لِوُجُودِ التَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ هُنَا وَعَدَمُ ذَلِكَ ثُمَّ، لَا فِي جَافٍّ وَالْإِنَاءُ غَيْرُ رَطْبٍ أَوْ كَثِيرٌ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ كَمَا فِي التَّوَسُّطِ فِي غَيْرِ مَا اُتُّخِذَ مِنْ عَظْمِ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ وَمَا تَفَرَّعَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَحَيَوَانٍ آخَرَ.
أَمَّا هُوَ فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا.
وَلَا يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَتَكْفِي مُخَالَفَةُ حُكْمِ الْمَفْهُومِ حُكْمَ الْمَنْطُوقِ (إلَّا ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً) أَيْ إنَاءَيْهِمَا (فَيَحْرُمُ) اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْخَنَاثَى فِي الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ حَتَّى يَحْرُمَ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ مَثَلًا غَيْرَ مُكَلَّفٍ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي كَلَامِهِ مُنْقَطِعٌ إنْ نَظَرْنَا إلَى التَّأْوِيلِ الْمَارِّ.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَيُقَاسُ بِمَا فِيهِ
[حاشية الشبراملسي]
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّلَاةَ مَعَهُ بَاطِلَةٌ، وَقَوْلُ سم وَهِيَ طَاهِرَةٌ بِكُلِّ حَالٍ يَقْتَضِي جَوَازَ الْأَكْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
[فَائِدَةٌ]
لَوْ وُجِدَتْ قِطْعَةُ لَحْمٍ مَعَ حِدَأَةٍ مَثَلًا هَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا عَمَلًا بِالْأَصْلِ وَهُوَ عَدَمُ تَذْكِيَةِ الْحَيَوَانِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ فِيهِ تَرَدُّدٌ
(قَوْلُهُ: أَيْ وَاقْتِنَاءُ) أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي وَكَذَا اتِّخَاذُهُ إلَخْ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ جَوَازَ اقْتِنَاءِ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (قَوْلُهُ: وَمِنْ مُخَضَّبٍ) أَيْ إجَّانَةٍ مِنْ حَجَرٍ مُخْتَصَرُ الصِّحَاحِ لِلْقُرْطُبِيِّ (قَوْلُهُ: وَجِلْدُ الْآدَمِيِّ) أَيْ لَا يُرَدُّ عَلَى حَصْرِ الْحُرْمَةِ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْمَغْصُوبِ إلَخْ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُمَا لَيْسَتْ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ بَلْ مِنْ حَيْثُ حُرْمَةُ الْآدَمِيِّ وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ قَاسِمٍ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ.
أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ حُرْمَةَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا فِي حَصْرِ الْحُرْمَةِ فِيهِ لَيْسَتْ مِنْ حَيْثُ الطَّهَارَةُ بَلْ هُوَ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ حَلَالٌ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا حَصَرَ الْحُرْمَةَ فِيهِ وَمَا تَرَكَهُ فَتَأَمَّلْهُ اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِالطَّاهِرِ النَّجَسُ) أَيْ وَالْمُتَنَجِّسُ (قَوْلُهُ: لِوُجُودِ التَّضَمُّخِ) وَهُوَ مُحَرَّمٌ فِي بَدَنٍ، وَكَذَا ثَوْبٌ بِنَاءً عَلَى حُرْمَةِ التَّضَمُّخِ بِهَا فِيهِ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ اهـ حَجّ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: لَا فِي جَافٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي نَحْوِ مَاءٍ قَلِيلٍ (قَوْلُهُ كَمَا فِي التَّوَسُّطِ) لِلْأَذْرَعِيِّ (قَوْلُهُ: فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا) جَافًّا أَمْ لَا، وَلَكِنْ يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَكِنَّ الْأَوْجَهَ خِلَافُهُ، وَالصَّوَابُ مَا فِي الْأَصْلِ لَمَّا يَأْتِي فِي اللِّبَاسِ (قَوْلُهُ: فِي الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا) وَإِنْ لَمْ يُؤَلَّفْ كَأَنْ كَبَّهُ عَلَى رَأْسِهِ وَاسْتَعْمَلَ أَسْفَلَهُ فِيمَا يَصْلُحُ لَهُ كَمَا شَمِلَهُ إطْلَاقُهُمْ اهـ حَجّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ أَنْ يُسْقَى بِهِ مَثَلًا غَيْرُ مُكَلَّفٍ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ اسْتِعْمَالًا مِنْ الْوَلِيِّ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ لِلصَّبِيِّ لِيَشْرَبَ مِنْهُ بِنَفْسِهِ.
وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَنْعُهُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ الصَّبِيُّ بِفِعْلِهَا، وَمِثْلُهُ إعْطَاؤُهُ آلَةَ اللَّهْوِ كَالْمِزْمَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ لِمَا مَرَّ، وَلَا نَظَرَ لِتَأَلُّمِ الْوَلَدِ لِتَرْكِ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّهُ لَا نَظَرَ لِتَأَذِّيه بِضَرْبِ الْوَلِيِّ لَهُ تَأْدِيبًا (قَوْلُهُ: إلَى التَّأْوِيلِ الْمَارِّ) هُوَ قَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ طَاهِرًا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا) الصَّحْفَةَ: هِيَ مَا دُونَ الْقَصْعَةِ، فَهِيَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِ؛ لِأَنَّ الْآنِيَةَ تَشْمَلُ الصَّحْفَةَ وَغَيْرَهَا، وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ التَّقْيِيدُ بِهَا لِإِخْرَاجِ
[حاشية الرشيدي]
فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ
[اسْتِعْمَالُ وَاقْتِنَاءُ كُلِّ إنَاءٍ طَاهِرٍ]
(قَوْلُهُ: لِوُجُودِ التَّضَمُّخِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ تَضَمَّخَ كَأَنْ كَانَ يَغْتَرِفُ مِنْهُ بِشَيْءٍ فِي شَيْءٍ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ، فَهَلْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ أَوْ الْحُرْمَةُ مُطْلَقًا نَظَرًا لِمَا مِنْ شَأْنِهِ يُرَاجَعُ، ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ حَجَرٍ صَرَّحَ بِالْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَرِدُ) يَعْنِي حِلَّ اسْتِعْمَالِ النَّجِسِ الْمَذْكُورِ فِي التَّفْصِيلِ قَبْلَ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ (قَوْلُهُ: إلَى التَّأْوِيلِ الْمَارِّ) أَيْ قَوْلُهُ:
مَا فِي مَعْنَاهُ، فَإِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إلَى اسْتِعْمَالِهِ كَمِرْوَدٍ مِنْهُمَا لِجَلَاءِ عَيْنِهِ جَازَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْإِنَاءُ صَغِيرًا أَمْ كَبِيرًا، نَعَمْ الطَّهَارَةُ مِنْهُ صَحِيحَةٌ وَالْمَأْكُولُ وَنَحْوُهُ حَلَالٌ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِلِاسْتِعْمَالِ لَا لِخُصُوصِ مَا ذُكِرَ، وَيَحْرُمُ التَّطَيُّبُ مِنْهُ بِنَحْوِ مَاءِ وَرْدٍ وَالِاحْتِوَاءُ عَلَى مِبْخَرَةٍ مِنْهُ أَوْ جُلُوسُهُ بِقُرْبِهَا بِحَيْثُ يُعَدُّ مُتَطَيِّبًا بِهَا عُرْفًا حَتَّى لَوْ بَخَّرَ الْبَيْتَ بِهَا أَوْ وَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَيْهَا كَانَ مُسْتَعْمِلًا لَهَا.
وَيَحْرُمُ تَبْخِيرُ نَحْوِ الْمَيِّتِ بِهَا أَيْضًا، وَالْحِيلَةُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ فِي الِاسْتِعْمَالِ إذَا كَانَ فِي إنَاءٍ مِمَّا ذُكِرَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْهُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ وَلَوْ فِي أَحَدِ كَفَّيْهِ الَّتِي لَا يَسْتَعْمِلُهُ بِهَا فَيُصِبْهُ أَوَّلًا فِي يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ فِي الْيُمْنَى ثُمَّ يَسْتَعْمِلُهُ، وَيَحْرُمُ الْبَوْلُ فِي إنَاءٍ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَلَا يَشْكُلُ ذَلِكَ بِحِلِّ الِاسْتِنْجَاءِ بِهِمَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ ثَمَّ فِي قِطْعَةِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، لَا فِيمَا طُبِعَ أَوْ هُيِّئَ مِنْهُمَا لِذَلِكَ كَالْإِنَاءِ الْمُهَيَّإِ مِنْهُمَا لِلْبَوْلِ فِيهِ.
وَتَحْرُمُ
[حاشية الشبراملسي]
غَيْرِهَا، بَلْ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَادَةِ الْأَكْلُ فِي الصِّحَافِ دُونَ الشُّرْبِ (قَوْلُهُ: إلَى اسْتِعْمَالِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ إنَاءً لِيَصِحَّ التَّمْثِيلُ بِالْمِرْوَدِ (قَوْلُهُ: نَحْوُ الْمَيِّتِ) أَيْ كَالصَّغِيرِ (قَوْلُهُ: وَالْحِيلَةُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ إنَّمَا تَمْنَعُ حُرْمَةَ الِاسْتِعْمَالِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّطَيُّبِ مِنْهُ لَا بِالنِّسْبَةِ لِاِتِّخَاذِهِ، وَجَعْلِ الطِّيبِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ لَهُ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ بِالْأَخْذِ مِنْهُ، وَقَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ عِبَارَتِهِ اخْتِصَاصُ الْحِيلَةِ بِحَالَةِ التَّطَيُّبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَعِبَارَةُ الْجَوَاهِرِ: مَنْ اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ اسْتِعْمَالِ آنِيَةِ النَّقْدِ صَبَّ مَا فِيهَا فِي إنَاءٍ غَيْرِهَا بِقَصْدِ التَّفْرِيغِ وَاسْتَعْمَلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَجْعَلْ الطَّعَامَ عَلَى رَغِيفٍ وَيَصُبَّ الدُّهْنَ وَمَاءَ الْوَرْدِ فِي يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ يَأْخُذَهُ مِنْهَا بِالْيُمْنَى وَيَسْتَعْمِلَهُ وَيَصُبَّ الْمَاءَ لِلْوُضُوءِ فِي يَدِهِ ثُمَّ يَصُبَّ مِنْ يَدِهِ إلَى مَحَلِّ الْوُضُوءِ، وَكَذَا لِلشُّرْبِ: أَيْ بِأَنْ يَصُبَّ فِي يَدِهِ ثُمَّ يَشْرَبَ مِنْهَا.
قَالَ غَيْرُهُ: وَكَذَا لَوْ مَدَّ بِيُسْرَاهُ ثُمَّ كَبَّ بِيَمِينِهِ اهـ. ثُمَّ قَالَ: وَنَظَرَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ فِي التَّفْرِيغِ فِي يَسَارِهِ بِأَنَّهُ يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ مُسْتَعْمَلًا وَيُرَدُّ بِمَنْعِ مَا ذَكَرَهُ.
قَالَ: وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ غَيْرَهُ لَوْ صَبَّ عَلَيْهِ مِنْ إنَاءِ الذَّهَبِ فِي الْوُضُوءِ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّهُ مَا بَاشَرَ، فَإِنْ كَانَ أَذِنَ لَهُ عَصَى مِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ فَقَطْ، ثُمَّ قَالَ: وَأَفَادَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ مَثَلًا أَنَّ الصَّبَّ فِي الْيُسْرَى لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ اهـ. وَعِبَارَتُهُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالْحِيلَةُ فِي اسْتِعْمَالِ مَا فِي إنَاءِ النَّقْدِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ إلَى شَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَأْكُلَهُ، أَوْ يَصُبَّ الْمَاءَ فِي يَدِهِ ثُمَّ يَشْرَبَهُ أَوْ يَتَطَهَّرَ بِهِ، أَوْ مَاءَ الْوَرْدِ فِي يَسَارِهِ ثُمَّ يَنْقُلَهُ لِيَمِينِهِ ثُمَّ يَسْتَعْمِلَهُ اهـ.
وَكَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَاءِ الْوَرْدِ وَالْمَاءِ فِيمَا ذَكَرَهُ أَنَّ الْمَاءَ يُبَاشَرُ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ إنَائِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ الْيَدِ عَادَةً، فَلَمْ يُعَدَّ صَبُّهُ فِيهَا ثُمَّ تَنَاوُلُهُ مِنْهَا اسْتِعْمَالًا لِإِنَائِهِ، بِخِلَافِ الطِّيبِ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْتَدَّ فِيهِ ذَلِكَ إلَّا بِتَوَسُّطِ الْيَدِ فَاحْتِيجَ لِنَقْلِهِ مِنْهَا إلَى الْيَدِ الْأُخْرَى قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ، وَإِلَّا كَانَ مُسْتَعْمِلًا لِإِنَائِهِ فِيمَا اُعْتِيدَ فِيهِ اهـ. وَقَوْلُهُ أَوْ مَاءُ الْوَرْدِ فِي يَسَارِهِ: أَيْ بِقَصْدِ التَّفْرِيغِ كَمَا شَرَطَهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَخْذًا مِنْ الْجَوَاهِرِ اهـ سم عَلَى حَجّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
(قَوْلُهُ: فِي يَدِهِ الْيُسْرَى) هَذَا فِي غَيْرِ الْمَاءِ، أَمَّا هُوَ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ بَلْ يَكْفِي صَبُّهُ فِي يَدِهِ ثُمَّ يَشْرَبُهُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ إلَى الْأُخْرَى كَمَا يُفِيدُهُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ شَرْحِ الْإِرْشَادِ (قَوْلُهُ ثُمَّ يَسْتَعْمِلُهُ) نَعَمْ هِيَ لَا تَمْنَعُ حُرْمَةَ الْوَضْعِ فِي الْإِنَاءِ وَلَا حُرْمَةَ اتِّخَاذِهِ فَتَفَطَّنْ لَهُ اهـ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: الْمُهَيَّإِ مِنْهُمَا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ بَالَ
[حاشية الرشيدي]
مِنْ حَيْثُ إلَخْ (قَوْلُهُ: نَحْوَ الْمَيِّتِ) أَيْ كَالصَّغِيرِ (قَوْلُهُ: وَالْحِيلَةُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ إلَخْ) هَذِهِ الْحِيلَةُ إنَّمَا تَمْنَعُ حُرْمَةَ الِاسْتِعْمَالِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّطَيُّبِ مِنْهُ لَا بِالنِّسْبَةِ لِاِتِّخَاذِهِ وَجَعْلِ الطِّيبِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لَهُ بِذَلِكَ، كَمَا قَالَهُ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالتَّطَيُّبِ بَلْ تَجْرِي فِي الْأَكْلِ وَنَحْوِهِ، وَمِنْهُ أَنْ يَمُدَّ الْقَلَمَ بِيُسْرَاهُ ثُمَّ يَكْتُبَ بِيُمْنَاهُ، وَعُلِمَ أَنَّ الصَّبَّ فِي الْيُسْرَى لَيْسَ بِقَيْدٍ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ نَحْوُ الصَّبِّ فِي نَحْوِ الْيُسْرَى قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ بِقَصْدِ التَّفْرِيغِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ شَرْحِ الْعُبَابِ الْمَذْكُورِ كَمَا نَقَلَهُ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ (قَوْلُهُ: لَا فِيمَا طُبِعَ أَوْ هُيِّئَ مِنْهُمَا لِذَلِكَ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ مَحَلُّهُ فِي قِطْعَةٍ لَمْ تُهَيَّأْ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تُعَدُّ إنَاءً وَلَمْ تُطْبَعْ انْتَهَتْ، وَسَيَأْتِي
الْمُكْحُلَةُ وَالْمِرْوَدُ وَالْخِلَالُ وَالْإِبْرَةُ وَالْمِجْمَرَةُ وَالْمِلْعَقَةُ وَالْمُشْطُ وَنَحْوُهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَالْكَرَاسِيُّ الَّتِي تُعْمَلُ لِلنِّسَاءِ مُلْحَقَةٌ بِالْآنِيَةِ كَالصُّنْدُوقِ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا قَالَهُ الْبَدْرُ بْنُ شُهْبَةَ، وَالشَّرَارِيبُ الْفِضَّةُ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِنَّ فِيمَا يَظْهَرُ لِعَدَمِ تَسْمِيَتِهَا آنِيَةً.
وَعِلَّةُ التَّحْرِيمِ فِي النَّقْدَيْنِ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْعَيْنِ وَالْخُيَلَاءِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ، وَلَا فَرْقَ فِي حُرْمَةِ مَا تَقَدَّمَ بَيْنَ الْخَلْوَةِ وَغَيْرِهَا، إذْ الْخُيَلَاءُ مَوْجُودَةٌ عَلَى تَقْدِيرِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، وَلَوْ وُجِدَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ اسْتَعْمَلَ الْفِضَّةَ لَا الذَّهَبَ فِيمَا يَظْهَرُ، وَمَحَلُّ حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ الذَّهَبِ مَا لَمْ يَصْدَأْ فَإِنْ صَدِئَ: أَيْ بِحَيْثُ يَسْتُرُ الصَّدَأَ جَمِيعَ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ بِحَيْثُ لَا يَبِينُ جَازَ نَعَمْ يَجْرِي فِيهِ التَّفْصِيلُ الْآتِي فِي الْمُمَوَّهِ بِنَحْوِ نُحَاسٍ (وَكَذَا) يَحْرُمُ (اتِّخَاذُهُ) أَيْ اقْتِنَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ اتِّخَاذَهُ يَجُرُّ إلَى اسْتِعْمَالِهِ وَالثَّانِي لَا اقْتِصَارًا عَلَى مَوْرِدِ النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِعْمَالِ، وَيَحْرُمُ تَزَيُّنُ الْحَوَانِيتِ وَالْبُيُوتِ بِآنِيَةِ النَّقْدَيْنِ، وَيَحْرُمُ تَحْلِيَةُ الْكَعْبَةِ وَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
(وَيَحِلُّ) الْإِنَاءُ (الْمُمَوَّهُ) أَيْ الْمَطْلِيُّ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ: أَيْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِقِلَّةِ الْمُمَوَّهِ بِهِ فَكَأَنَّهُ مَعْدُومٌ.
وَالثَّانِي يَحْرُمُ لِلْخُيَلَاءِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، فَإِنْ كَثُرَ الْمُمَوَّهُ بِهِ بِأَنْ كَانَ يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى
[حاشية الشبراملسي]
فِي إنَاءٍ لَيْسَ مُعَدًّا لِلْبَوْلِ لَا يَحْرُمُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ (قَوْلُهُ وَالشَّرَارِيبُ الْفِضَّةُ) أَيْ الَّتِي تَجْعَلُهَا فِيمَا تَتَزَيَّنُ بِهِ بِخِلَافِ مَا تَجْعَلُهُ فِي نَحْوِ إنَاءٍ تَشْرَبُ مِنْهُ أَوْ تَأْكُلُ فِيهِ (قَوْلُهُ: مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْعَيْنِ) أَيْ مِنْ ذَاتِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: فَالْخُيَلَاءُ جُزْءُ عِلَّةٍ أَوْ شَرْطٍ اهـ. قَالَ فِي حَوَاشِي الرَّوْضِ: الْفَرْقُ بَيْنَ شَطْرِ الْعِلَّةِ وَشَرْطِهَا أَنَّ شَطْرَ الْعِلَّةِ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ أَوْ الْمُتَضَمِّنُ لِمَعْنًى مُنَاسِبٍ وَمَا يَقِفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ وَلَا يُنَاسَبُ هُوَ الشَّرْطُ، قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي شِفَاءِ الْغَلِيلِ اهـ. وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الشَّارِحِ مُرَكَّبَةً وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْ الْعَيْنِ وَالْخُيَلَاءِ جُزْءٌ لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ بِالتَّرْكِيبِ نَفْيَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ عِلَّةٌ حَتَّى يَبْقَى الْحُكْمُ بِبَقَاءِ إحْدَاهُمَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ صَدِئَ) صَدِئَ كَتَعِبَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ اهـ. فَالْمَصْدَرُ صَدَأٌ بِوَزْنِ تَعَبٍ، وَأَمَّا الْوَسَخُ الَّذِي يَسْتُرُ الْإِنَاءَ فَالصِّدَاءُ بِالْمَدِّ.
(قَوْلُهُ: بِنَحْوِ نُحَاسٍ) أَيْ فَإِنْ كَانَ الصَّدَأُ لَوْ فُرِضَ نُحَاسًا تَحَصَّلَ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ لَمْ يَحْرُمْ وَإِلَّا حَرُمَ (قَوْلُهُ: فِي الْأَصَحِّ) وَإِنَّمَا جَازَ اتِّخَاذُ نَحْوِ ثِيَابِ الْحَرِيرِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُلِ عَلَى خِلَافِ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الَّذِي اسْتَوْجَهَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ لِلنَّفْسِ مَيْلًا ذَاتِيًّا لِذَاكَ أَكْثَرَ فَكَانَ اتِّخَاذُهُ مَظِنَّةَ اسْتِعْمَالِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ اتِّخَاذَهُ يَجُرُّ إلَى اسْتِعْمَالِهِ) كَآلَةِ اللَّهْوِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ كَالشَّبَّابَةِ وَمِزْمَارِ الرُّعَاةِ وَكَكَلْبٍ لَمْ يُحْتَجْ لَهُ: أَيْ حَالًا، وَقِرْدٍ وَإِحْدَى الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ وَصُوَرٍ نُقِشَتْ عَلَى غَيْرِ مُمْتَهَنٍ وَسَقْفٍ مُمَوَّهٍ بِنَقْدٍ يَتَحَصَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ اهـ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْقِرْدِ غَيْرِ صَحِيحٍ لِتَصْرِيحِهِمْ بِصِحَّةِ بَيْعِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، وَمَا أَدَّى إلَى مَعْصِيَةٍ لَهُ حُكْمُهَا اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ تَحْلِيَةُ الْكَعْبَةِ) هَلْ مِنْ التَّحْلِيَةِ مَا يُجْعَلُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي سَتْرِ الْكَعْبَةِ أَوْ تَخْتَصُّ بِمَا يُجْعَلُ بِبَابِهَا أَوْ جُدْرَانِهَا فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الْآنَ الْأَوَّلُ
(قَوْلُهُ: أَيْ الْمُطْلَى) هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ اهـ بَكْرِيٌّ.
وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ.
وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ طَلَاهُ بِالدُّهْنِ وَغَيْرِهِ مِنْ بَابِ رَمَى وَتُطْلَى بِالدُّهْنِ اطَّلَى بِهِ عَلَى افْتَعَلَ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ اطَّلَى فَقِيَاسُ مَا فِيهِ أَنْ يُقْرَأَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ كَمَرْمِيٍّ، فَإِنَّ قِيَاسَ اسْمِ الْمَفْعُولِ مِنْهُ عَلَى مَفْعُولٍ فَيُقَالُ طَلَاهُ يَطْلِيه فَهُوَ مَطْلُويٌ قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ فِي الْيَاءِ ثُمَّ كُسِرَ مَا قَبْلَهَا لِتَسْلَمَ.
[حاشية الرشيدي]
الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّهِ (قَوْلُهُ: وَالشَّرَارِيبُ) لَمْ يَظْهَرْ لِي مَا مُرَادُهُ بِهَا، وَمَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا غ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَا تَجْعَلُهُ مِنْ الشَّرَارِيبِ لِلتَّزَيُّنِ بِهَا خُرُوجٌ عَمَّا الْكَلَامُ فِيهِ، وَأَحْكَامُ اللِّبَاسِ لَهَا مَحَلٌّ غَيْرُ هَذَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: نَعَمْ يَجْرِي فِيهِ التَّفْصِيلُ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ يُقَدَّرَ الصَّدَأُ نَحْوُ نُحَاسٍ
(قَوْلُهُ: أَنْ يَجُوزَ اسْتِعْمَالُهُ) فِيهِ التَّفْسِيرُ بِالْأَعَمِّ (قَوْلُهُ: لِقِلَّةِ الْمُمَوَّهِ بِهِ) أَيْ، فَهُوَ
النَّارِ حَرُمَ وَلَوْ اتَّخَذَ إنَاءً مِنْ أَحَدِهِمَا وَمَوَّهَهُ بِنَحْوِ نُحَاسٍ فَإِنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ حَلَّ اسْتِدَامَتُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَمَحَلُّ مَا ذُكِرَ بِالنِّسْبَةِ لِاسْتِدَامَتِهِ، أَمَّا الْفِعْلُ فَحَرَامٌ مُطْلَقًا وَلَوْ عَلَى سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ عَلَى الْكَعْبَةِ، وَلَيْسَ مِنْ التَّمْوِيهِ لَصْقُ قِطَعِ نَقْدٍ فِي جَوَانِبِ الْإِنَاءِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ فِي الزَّكَاةِ بِالتَّحْلِيَةِ لِإِمْكَانِ فَصْلِهَا مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ، بَلْ هِيَ بِالضَّبَّةِ لِلزِّينَةِ أَشْبَهُ فَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا فِيمَا يَظْهَرُ، وَقَدْ عَرَّفَ بَعْضُهُمْ الضَّبَّةَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهَا مَا يُلْصَقُ بِالْإِنَاءِ وَإِنْ لَمْ يَنْكَسِرْ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذُكِرَ، وَبِهَذَا يُعْرَفُ جَوَازُ تَحْلِيَةِ آلَةِ الْحَرْبِ وَإِنْ كَثُرَتْ كَالضَّبَّةِ لِحَاجَةٍ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ وَأَنَّ إطْلَاقَهُمْ تَحْرِيمَ تَحْلِيَةِ غَيْرِهَا مَحْمُولٌ عَلَى قَطْعٍ يَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهَا قَدْرَ ضَبَّةٍ كَبِيرَةٍ لِزِينَةٍ
(وَ) يَحِلُّ الْإِنَاءُ (النَّفِيسُ) فِي ذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ (كَيَاقُوتٍ) أَيْ يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ وَاِتِّخَاذُهُ (فِي الْأَظْهَرِ) لِعَدَمِ وُرُودِ نَهْيٍ فِيهِ وَلِانْتِفَاءِ ظُهُورِ مَعْنَى السَّرَفِ عَلَيْهِ وَالْخُيَلَاءِ.
نَعَمْ يُكْرَهُ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ لِلْخُيَلَاءِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ.
وَرَدَ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْخَوَاصُّ.
أَمَّا نَفِيسُ الصَّنْعَةِ كَزُجَاجٍ وَخَشَبٍ مُحْكَمِ الْخَرْطِ فَيَحِلُّ بِلَا خِلَافٍ، وَمَحِلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ فَصِّ الْخَاتَمِ أَمَّا هُوَ فَيَجُوزُ قَطْعًا
(وَمَا ضُبِّبَ) مِنْ إنَاءٍ (بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) (ضَبَّةً كَبِيرَةً لِزِينَةٍ حَرُمَ) اسْتِعْمَالُهُ وَاِتِّخَاذُهُ، وَمِثْلُهُ مَا إذَا كَانَتْ مَعَ كِبَرِهَا بَعْضُهَا لِزِينَةٍ وَبَعْضُهَا لِحَاجَةٍ، وَكَأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ لَمَّا انْبَهَمَ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ عَمَّا لِلْحَاجَةِ غَلَبَ وَصَارَ
[حاشية الشبراملسي]
[فَرْعٌ] إذَا حَرَّمْنَا الْجُلُوسَ تَحْتَ سَقْفٍ مُمَوَّهٍ بِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ فَهَلْ يَحْرُمُ الْجُلُوسُ فِي ظِلِّهِ عَنْ الْخَارِجِ عَنْ مُحَاذَاتِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْرُمَ إذَا قَرُبَ بِخِلَافِ مَا إذَا بَعُدَ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْمِجْمَرَةِ اهـ سم عَلَى حَجّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَعَلَى هَذَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مَحَلٌّ يَتَمَكَّنُ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِيهِ إلَّا هَذَا فَهَلْ يُعَدُّ ذَلِكَ عُذْرًا فِي عَدَمِ حُضُورِ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الذَّهَبِ جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ وَحُضُورُهَا حَاجَةٌ أَيُّ حَاجَةٍ (قَوْلُهُ أَوْ جِدَارٌ) عِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ: أَمَّا فِعْلُ التَّمْوِيهِ فَحَرَامٌ فِي نَحْوِ سَقْفٍ وَإِنَاءٍ وَغَيْرِهِمَا اهـ. وَإِطْلَاقُ غَيْرِهِمَا شَامِلٌ لِلتَّمْوِيهِ مِنْ الْمَرْأَةِ لِمَا تَتَزَيَّنُ بِهِ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقِيَاسُ مَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ حَجَرٍ فِي آلَةِ الْحَرْبِ جَوَازُهُ لِحَاجَةِ التَّزَيُّنِ بِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى الْكَعْبَةِ) نَعَمْ بَحْثُ حِلِّهِ فِي آلَةِ الْحَرْبِ تَمَسُّكًا بِأَنَّ كَلَامَهُمْ يَشْمَلُهُ وَيُوَجِّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ بِأَنَّهُ لِحَاجَةٍ كَمَا يَأْتِي اهـ حَجّ.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ وَيُوَجَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ التَّوَقُّفُ فِيهِ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى الْمَنْهَجِ: وَقَدْ صَرَّحُوا فِي بَابِ اللِّبَاسِ بِتَحْرِيمِ تَمْوِيهِ الْخَاتَمِ وَالسَّيْفِ مُطْلَقًا.
وَاسْتَشْكَلَ عَلَى التَّفْصِيلِ هُنَا مَعَ ضِيقِ بَابِ الْآنِيَةِ.
وَأُجِيبَ بِحَمْلِ مَا هُنَاكَ عَلَى نَفْسِ الْفِعْلِ وَبِأَنَّ الْخُيَلَاءَ فِي الْمَلْبُوسِ أَشَدُّ اهـ. وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ وَالْخَاتَمُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ كَوْنِهِ لِامْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ
(قَوْلُهُ: كَيَاقُوتٍ) قَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ: وَمِنْ النَّفِيسِ طِيبٌ رَفِيعٌ كَمِسْكٍ وَعَنْبَرٍ وَكَافُورٍ لَا مِنْ نَحْوِ صَنْدَلٍ كَنَفِيسٍ بِصَنْعَتِهِ اهـ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ فَصِّ الْخَاتَمِ) أَيْ مِنْ النَّفِيسِ.
وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ: فَصُّ الْخَاتَمِ بِالْفَتْحِ وَالْعَامَّةُ تَقُولُهُ بِالْكَسْرِ وَجَمْعُهُ فُصُوصٌ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: وَقَالَ الْفَارَابِيُّ وَابْنُ السِّكِّيتِ: كَسْرُ الْفَاءِ رَدِيءٌ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْفَصُّ لِلْخَاتَمِ مُثَلَّثَةٌ، وَالْكَسْرُ غَيْرُ لَحْنٍ، وَوَهَمَ الْجَوْهَرِيُّ اهـ
(قَوْلُهُ: اسْتِعْمَالُهُ) : سَكَتَ عَنْ نَفْسِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ التَّضْبِيبُ فَهَلْ يَحْرُمُ مُطْلَقًا كَالتَّمْوِيهِ أَوْ يُفَرَّقُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَعْلِيلِ حُرْمَةِ التَّمْوِيهِ مُطْلَقًا
[حاشية الرشيدي]
فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ وَسَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا يُعْرَفُ) أَيْ بِقَوْلِهِ وَلَيْسَ مِنْ التَّمْوِيهِ إلَخْ، وَوَجْهُ مَعْرِفَتِهِ كَاَلَّذِي بَعْدَهُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ جَعَلَ التَّحْلِيَةَ حُكْمَ الضَّبَّةِ، فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ حَلَّ مُطْلَقًا وَمِنْهُ تَحْلِيَةُ آلَةِ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهَا حَرُمَ عِنْدَ الْكِبْرِ وَمِنْهُ غَيْرُ آلَةِ الْحَرْبِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ وَأَنَّ إطْلَاقَهُمْ إلَى آخِرِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ الْإِمْكَانُ فَصْلُهَا مِنْ غَيْرِ نَقْصِ تَحْرِيمِ تَمْوِيهِ آلَةِ الْحَرْبِ مُطْلَقًا وَإِنْ حَلَّ اسْتِعْمَالُهُ.
وَحَاصِلُ مَسْأَلَةِ التَّمْوِيهِ كَمَا فَهِمْته مِنْ مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِهِمْ ثُمَّ رَأَيْته مُصَرَّحًا بِهِ فِيمَا نَقَلَهُ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ عَنْ شَرْحِ الْعُبَابِ لِلشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ فِعْلَهُ حَرَامٌ مُطْلَقًا حَتَّى فِي حُلِيِّ النِّسَاءِ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْمُمَوَّهِ فَإِنْ كَانَ لَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ حَلَّ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ يَتَحَصَّلُ حَلَّ لِلنِّسَاءِ فِي حُلِيِّهِنَّ خَاصَّةً وَحَرُمَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ فَصِّ الْخَاتَمِ) فِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ
الْمَجْمُوعُ كَأَنَّهُ لِلزِّينَةِ، وَعَلَيْهِ لَوْ تَمَيَّزَ الزَّائِدُ عَلَى الْحَاجَةِ كَانَ لَهُ حُكْمُ مَا لِلزِّينَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (أَوْ صَغِيرَةٍ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَلَا) يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا لِزِينَةٍ وَبَعْضُهَا لِحَاجَةٍ جَازَتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ (أَوْ صَغِيرَةٍ لِزِينَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ لِحَاجَةٍ جَازَ فِي الْأَصَحِّ) نَظَرًا لِلصِّغَرِ وَلِلْحَاجَةِ لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَشَمِلَتْ الضَّبَّةُ لِلْحَاجَةِ مَا لَوْ عَمَّتْ جَمِيعَ الْإِنَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى حِينَئِذٍ ضَبَّةً مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي يُنْظَرُ إلَى الزِّينَةِ وَالْكِبَرِ، وَأَصْلُ ضَبَّةِ الْإِنَاءِ مَا يُصْلِحُ بِهِ خَلَلَهُ مِنْ صَفِيحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَإِطْلَاقُهَا عَلَى مَا هُوَ لِلزِّينَةِ تَوَسُّعٌ، وَمَرْجِعُ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ الْعُرْفُ، فَإِنْ شَكَّ فِي الْكِبَرِ فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ.
وَلَا يَشْكُلُ ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي ثَوْبٍ فِيهِ حَرِيرٌ وَغَيْرُهُ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ أَوْ شَكَّ فِي التَّفْسِيرِ هَلْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ لَا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ مَسُّهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: مُلَابَسَةُ الثَّوْبِ لِلْبَدَنِ أَشَدُّ مِنْ مُلَابَسَةِ الضَّبَّةِ لَهُ فَاحْتِيطَ ثُمَّ مَا لَا يُحْتَاطُ لَهُ هُنَا، وَأَمَّا التَّفْسِيرُ فَإِنَّمَا حَرُمَ مَعَ الشَّكِّ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ التَّعْظِيمِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَاجَةِ غَرَضُ الْإِصْلَاحِ لَا الْعَجْزُ عَنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ غَيْرِهِمَا يُبِيحُ اسْتِعْمَالَ الْإِنَاءِ الَّذِي كُلُّهُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَضْلًا عَنْ الْمُضَبَّبِ، وَتَوَسَّعَ الْمُصَنِّفُ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ فِي نَصْبِ الضَّبَّةِ بِفِعْلِهَا نَصْبَ الْمَصْدَرِ: أَيْ لِأَنَّ انْتِصَابَ الضَّبَّةِ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ فِيهِ تَوَسُّعٌ عَلَى خِلَافِ الْأَكْثَرِ، إذْ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ الْمَفْعُولُ الْمُطْلَقُ مَصْدَرًا وَهُوَ اسْمُ الْحَدَثِ الْجَارِي عَلَى الْفِعْلِ كَمَا فِي نَحْوِ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164] .
لَكِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ قَدْ يَنُوبُ عَنْ الْمَصْدَرِ فِي الِانْتِصَابِ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ أَشْيَاءُ كَالْمُشَارِكِ لِلْمَصْدَرِ فِي حُرُوفِهِ الَّتِي صِيغَتُهُ بُنِيَتْ مِنْهَا، وَيُسَمَّى الْمُشَارِكُ فِي الْمَادَّةِ وَهُوَ أَقْسَامٌ مِنْهَا مَا يَكُونُ اسْمَ عَيْنٍ لَا حَدَثَ كَالضَّبَّةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: 17] فَضَبَّةٌ اسْمُ عَيْنٍ مُشَارِكٍ لِمَصْدَرِ ضَبَّبَ وَهُوَ التَّضْبِيبُ فِي مَادَّتِهِ فَأُنِيبَ مَنَابَهُ فِي انْتِصَابِهِ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ.
وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ مَا تَقَدَّمَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «أَنَّ قَدَحَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي كَانَ يَشْرَبُ فِيهِ كَانَ مُسَلْسَلًا
[حاشية الشبراملسي]
بِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ، وَلَعَلَّ الثَّانِيَ أَقْرَبُ اهـ سم عَلَى حَجّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: كَانَ لَهُ حُكْمُ مَا لِلزِّينَةِ) أَيْ فَيَحْرُمُ جَمِيعُهُ، لَكِنْ هَذَا مُشْكِلٌ عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ التَّعْلِيلِ بِإِبْهَامِ مَا لِلزِّينَةِ، فَالْأَوْلَى جَعْلُ الضَّمِيرِ لِلزَّائِدِ وَعَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ فِي كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ) الْمُرَادُ بِالْإِبَاحَةِ مَا قَابَلَ الْحُرْمَةَ ثُمَّ إنْ كَانَتْ لِزِينَةٍ كُرِهَتْ أَوْ لِحَاجَةٍ فَلَا فِيمَا يَظْهَرُ فَتَأَمَّلْ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ شَكَّ هَلْ الضَّبَّةُ لِلزِّينَةِ أَوْ لِلْحَاجَةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْحِلُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ (قَوْلُهُ: مُلَابَسَةُ الثَّوْبِ لِلْبَدَنِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الثَّوْبِ بَيْنَ كَوْنِهِ مَنْسُوجًا مِنْ قُطْنٍ أَوْ حَرِيرٍ، وَكَوْنِ أَصْلِهِ مِنْ الْقُطْنِ مَثَلًا ثُمَّ طُرِّزَ بِالْحَرِيرِ.
[فَرْعٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ دَقِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَكْلِهِمَا مُنْفَرِدَيْنِ أَوْ مَعَ انْضِمَامِهِمَا لِغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَدْوِيَةِ، هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوِيَةِ أَمْ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ؟ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: إنَّ الْجَوَازَ لَا شَكَّ فِيهِ حَيْثُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ نَفْعٌ، بَلْ وَكَذَا إنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ ذَلِكَ لِتَصْرِيحِهِمْ فِي الْأَطْعِمَةِ بِأَنَّ الْحِجَارَةَ وَنَحْوَهَا لَا يَحْرُمُ مِنْهَا إلَّا مَا أَضَرَّ بِالْبَدَنِ أَوْ الْعَقْلِ.
وَأَمَّا تَعْلِيلُ الْحُرْمَةِ بِإِضَاعَةِ الْمَالِ فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْإِضَاعَةَ إنَّمَا تَحْرُمُ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لِغَرَضٍ، وَمَا هُنَا لِقَصْدِ التَّدَاوِي، وَصَرَّحُوا بِجَوَازِ التَّدَاوِي بِاللُّؤْلُؤِ فِي الِاكْتِحَالِ وَغَيْرِهِ وَرُبَّمَا
[حاشية الرشيدي]
إنَّمَا هُوَ فِي الْآنِيَةِ
(قَوْلُهُ: كَانَ لَهُ) أَيْ لِلزَّائِدِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ: أَيْ فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فِي نَفْسِهِ عُرْفًا حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ شَكَّ فِي الْكِبْرِ) أَيْ وَلَمْ يُنَبِّهْهُمْ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُمْ صَرَّحُوا إلَخْ) كَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الشَّارِحَ الْجَلَالَ حَكَمَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ تَوَسَّعَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ سَنَدٍ حَتَّى اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُرَادَهُ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ تَوَسَّعَ كَمَا تَوَسَّعُوا بِنَصْبِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: وَكَمَا فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: 17] فِي كَوْنِ نَبَاتًا هُنَا اسْمَ عَيْنٍ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَصْدَرٌ فَلْيُرَاجَعْ.
بِفِضَّةٍ لِانْصِدَاعِهِ: أَيْ مُشَعَّبًا بِخَيْطِ فِضَّةٍ لِانْشِقَاقِهِ، قَالَ أَنَسٌ: لَقَدْ سَقَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ هَذَا كَذَا وَكَذَا» وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ عَائِدَةٌ لِلْإِنَاءِ بِصِفَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا عِنْدَهُ وَاحْتِمَالُ عَوْدِهَا إلَيْهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ بِصِفَتِهِ خِلَافَ الظَّاهِرِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَسَمَّرَ الدَّرَاهِمَ فِي الْإِنَاءِ لَا طَرَحَهَا فِيهِ كَالتَّضْبِيبِ، وَلَا يَحْرُمُ شُرْبُهُ وَفِي فَمِهِ نَحْوُ فِضَّةٍ، وَلَوْ جَعَلَ لِلْإِنَاءِ رَأْسًا مِنْ فِضَّةٍ كَصَفِيحَةٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ وَضْعُ شَيْءٍ فِيهِ جَازَ مَا لَمْ يَضَعْ عَلَيْهِ شَيْئًا فَيَحْرُمُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ فَهُوَ إنَاءٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ إنَاءً عَلَى الْإِطْلَاقِ نَظِيرَ الْخِلَالِ وَالْمِرْوَدِ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى إمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَحْدَهُ وَعَدَمِهِ لَا بِسَمَرِهِ فِيهِ وَعَدَمِهِ أَوْ سَلْسَلِهِ مِنْهَا، فَكَذَلِكَ كَانَ لِمَحْضِ الزِّينَةِ اشْتَرَطَ صِغَرَهُمَا عُرْفًا كَالضَّبَّةِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَلَا يَلْحَقُ بِغِطَاءِ الْإِنَاءِ غِطَاءُ الْعِمَامَةِ وَكِيسُ الدَّرَاهِمِ إذَا اتَّخَذَهُمَا مِنْ حَرِيرٍ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ إذْ تَغْطِيَةُ الْإِنَاءِ مُسْتَحَبَّةٌ بِخِلَافِ الْعِمَامَةِ، أَمَّا كِيسُ الدَّرَاهِمِ فَلَا حَاجَةَ إلَى اتِّخَاذِهِ مِنْهُ.
وَأَلْحَقَ صَاحِبُ الْكَافِي فِي احْتِمَالٍ لَهُ طَبَقَ الْكِيزَانِ بِغِطَاءِ الْكُوزِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ صَفِيحَةٌ فِيهَا ثُقْبٌ لِلْكِيزَانِ وَفِي إبَاحَتِهِ بَعْدُ، فَإِنَّ فَرْضَ عَدَمِ تَسْمِيَتِهِ إنَاءً وَكَانَتْ الْحُرْمَةُ مَنُوطَةً بِهَا فَلَا بُعْدَ فِيهِ حِينَئِذٍ بِالنِّسْبَةِ لِاِتِّخَاذِهِ وَاقْتِنَائِهِ، أَمَّا وَضْعُ الْكِيزَانِ عَلَيْهِ فَاسْتِعْمَالٌ لَهُ.
وَالْمُتَّجِهُ الْحُرْمَةُ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي وَضْعِ الشَّيْءِ عَلَى رَأْسِ الْإِنَاءِ.
وَقَدْ بَلَّغَ بَعْضُهُمْ الْأَوْجُهَ فِي مَسَائِلِ الضَّبَّةِ وَالْإِنَاءِ وَالتَّمْوِيهِ إلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ وَجْهٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَجْهًا مَعَ عَدَمِ تَعَرُّضِهِ لِلْخِلَافِ فِي ضَبْطِ الضَّبَّةِ، وَلَوْ تَعَرَّضَ لَهُ لَزَادَ مَعَهُ الْعَدَدُ عَلَى ذَلِكَ زِيَادَةً كَثِيرَةً (وَضَبَّةُ مَوْضِعِ الِاسْتِعْمَالِ) نَحْوُ الشُّرْبِ (كَغَيْرِهِ) فِيمَا ذُكِرَ (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ مَنْسُوبٌ إلَى الْإِنَاءِ كُلِّهِ، وَلِأَنَّ مَعْنَى الْعَيْنِ وَالْخُيَلَاءِ لَا تَخْتَلِفُ، وَالثَّانِي يَحْرُمُ إنَاؤُهَا مُطْلَقًا لِمُبَاشَرَتِهَا بِالِاسْتِعْمَالِ؛ وَلَوْ تَعَدَّدَتْ ضَبَّاتٌ صَغِيرَاتٌ لِزِينَةٍ فَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ حِلُّهَا، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْ مَجْمُوعِهَا قَدْرُ ضَبَّةٍ كَبِيرَةٍ، وَإِلَّا فَالْأَوْجَهُ تَحْرِيمُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ الْخُيَلَاءِ، وَبِهِ فَارَقَ مَا يَأْتِي فِيمَا لَوْ تَعَدَّدَ الدَّمُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ وَلَوْ اجْتَمَعَ لَكَثُرَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ.
قُلْت: الْمَذْهَبُ تَحْرِيمُ إنَاءِ (ضَبَّةِ الذَّهَبِ مُطْلَقًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) إذْ الْخُيَلَاءُ فِيهِ أَشَدُّ مِنْ الْفِضَّةِ وَبَابُهَا أَوْسَعُ بِدَلِيلِ جَوَازِ الْخَاتَمِ مِنْهَا لِلرَّجُلِ، وَمُقَابِلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الذَّهَبَ كَالْفِضَّةِ فِي التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ.
[حاشية الشبراملسي]
زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى الذَّهَبِ (قَوْلُهُ: أَيْ مُشَعَّبًا) قَالَ فِي الصِّحَاحِ: يُقَالُ قَصْعَةٌ مُشَعَّبَةٌ: أَيْ شُعِّبَتْ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا اهـ. وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ: وَيُقَالُ قَصْعَةٌ مُشَعَّبَةٌ: أَيْ شُعِّبَتْ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا، وَالتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: كَذَا وَكَذَا) أَيْ مَرَّاتٌ كَثِيرَةٌ (قَوْلُهُ: عَنْ ذَلِكَ) أَيْ الْإِشَارَةِ: أَيْ عَنْ كَوْنِهَا إلَيْهِ بِصِفَتِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ عَنْ صِفَتِهِ بَدَلَ لَفْظٍ عَنْ ذَلِكَ فَتَصِيرُ الْعِبَارَةُ هَكَذَا: وَاحْتِمَالُ عَوْدِهَا إلَيْهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَوْلِهِ بِصِفَتِهِ خِلَافَ الظَّاهِرِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَحْرُمُ شُرْبُهُ) قَدْ يُشْعِرُ الِاقْتِصَارُ عَلَى نَفْيِ الْحُرْمَةِ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، ثُمَّ رَأَيْت الْخَطِيبَ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْكَرَاهَةِ أَيْضًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ أَوْ سَلْسَلِهِ مِنْهَا) أَيْ الْفِضَّةِ، وَقَوْلُهُ فَكَذَلِكَ: أَيْ يَجُوزُ (قَوْلُهُ: مَنُوطَةٌ بِهَا) أَيْ بِالتَّسْمِيَةِ.
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: عَنْ ذَلِكَ بِصِفَتِهِ) حَقُّ الْعِبَارَةِ عَنْ صِفَتِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ وَغَيْرَهُ بَيَّنُوا أَنَّ الَّذِي سَلْسَلَ الْإِنَاءَ هُوَ أَنَسٌ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ: وَمَعَ ذَلِكَ فَالِاحْتِجَاجُ بَاقٍ لِعَدَمِ إنْكَارِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَيَحْرُمُ) أَيْ الْوَضْعُ (قَوْلُهُ:، وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى إمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ وَضْعُ شَيْءٍ عَلَيْهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِإِمْكَانِ ذَلِكَ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَإِنْ مَنَعَ مِنْهُ نَحْوُ تَسْمِيرِهِ هَكَذَا ظَهَرَ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَكَانَتْ الْحُرْمَةُ مَنُوطَةً) هُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلِاتِّخَاذِ (قَوْلُهُ: إنَاؤُهَا) أَيْ الضَّبَّةِ الَّتِي فِي مَحَلِّ الِاسْتِعْمَالِ.
بَابُ أَسْبَابِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ إذْ هُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ غَالِبًا، وَالْأَسْبَابُ جَمْعُ سَبَبٍ وَهُوَ الْوَصْفُ الظَّاهِرُ الْمُنْضَبِطُ الْمُعَرِّفُ لِلْحُكْمِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ.
وَالْبَابُ مَا يُتَوَصَّلُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى فُصُولٍ وَمَسَائِلَ.
وَالْحَدَثُ لُغَةً: الشَّيْءُ الْحَادِثُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَشَرْعًا: يُطْلَقُ عَلَى أَمْرٍ اعْتِبَارِيٍّ يَقُومُ بِالْأَعْضَاءِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ، وَعَلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي يَنْتَهِي بِهَا الطُّهْرُ، وَعَلَى الْمَنْعِ
[حاشية الشبراملسي]
بَابُ أَسْبَابِ الْحَدَثِ وَعَبَّرَ بِالْأَسْبَابِ لِيَسْلَمَ عَمَّا أَوْرَدَ عَلَى التَّعْبِيرِ بِالنَّوَاقِضِ مِنْ اقْتِضَائِهِ أَنَّهَا تُبْطِلُ الطُّهْرَ الْمَاضِيَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا يَنْتَهِي بِهَا، وَلَا يَضُرُّ تَعْبِيرُهُ بِالنَّقْضِ فِي قَوْلِهِ فَخَرَجَ الْمُعْتَادُ نَقَضَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَانَ الْمُرَادُ بِهِ وَبِالْمُوجِبَاتِ مِنْ اقْتِضَائِهِ أَنَّهَا تُوجِبُهُ وَحْدُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مَعَ إرَادَةِ فِعْلٍ نَحْوِ الصَّلَاةِ اهـ ابْنُ حَجَرٍ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ ابْنُ قَاسِمٍ قَوْلَهُ: لِأَنَّهُ قَدْ بَانَ إلَخْ، فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْأَسْبَابِ غَايَتُهُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى النَّقْضِ لَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَعَدَمُ دَلَالَتِهِ لَا تُنَافِي النَّقْضَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْعِبَارَةُ الْأُخْرَى ظَاهِرٌ فَتَدَبَّرْ، وَقَوْلُهُ مَعَ إرَادَةِ فِعْلٍ إلَخْ قَدْ يَشْكُلُ هَذَا بِاقْتِضَاءِ عَدَمِ الْوُجُوبِ إذَا لَمْ يَرِدْ، أَوْ أَرَادَ الْعَدَمَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ مَعَ أَنَّهُ بِدُخُولِهِ يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ وَمُخَاطَبَتُهُ بِهَا مُخَاطَبَةٌ بِمَا لَا تَتِمُّ إلَّا بِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ الْإِرَادَةُ وَلَوْ حُكْمًا، وَلَمَّا كَانَ مَأْمُورًا بِالْإِرَادَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ كَانَ فِي حُكْمِ الْمُرِيدِ بِالْفِعْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ بِحُرُوفِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَمَّا نَظَرَ بِهِ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَانَ بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ بَانَ مِنْ مُجَرَّدِ التَّعْبِيرِ بِالْأَسْبَابِ، بَلْ مِنْهُ مَعَ الْعُدُولِ عَنْ النَّوَاقِضِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ وَجْهَ الْعُدُولِ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ مَا يُفْهَمُ مِنْ النَّقْضِ لُغَةً غَيْرُ مُرَادٍ (قَوْلُهُ: إذْ هُوَ) أَيْ شَرْعًا الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (قَوْلُهُ: غَالِبًا) اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْجُنُبِ فِي النِّيَّةِ إذَا قَالَ نَوَيْت رَفْعَ الْحَدَثِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَكْبَرُ، إذْ الْقَرِينَةُ قَائِمَةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَلَوْ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَصْغَرُ لَارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَقَطْ.
هَذَا وَقَضِيَّةُ قَوْلِ الْبَكْرِيِّ وَأَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلُ: أَيْ الْأَصْغَرُ؛ لِأَنَّهُ مُصْطَلَحُ الْفُقَهَاءِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ اهـ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ هُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُعْنَى فِي عِبَارَاتِ الْمُصَنِّفِينَ وَعَلَيْهِ فَلَا يَحْتَاجُ لِلتَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ غَالِبًا (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْوَصْفُ) أَيْ اصْطِلَاحًا، أَمَّا لُغَةً فَهُوَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْمَقْصُودِ اهـ زِيَادِيُّ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ السَّبَبَ وُضِعَ لِمَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى غَيْرِهِ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: السَّبَبُ الْحَبْلُ وَهُوَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الِاسْتِعْلَاءِ، ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِكُلِّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَقِيلَ هَذَا سَبَبُ هَذَا وَهَذَا مُسَبَّبٌ عَنْ هَذَا (قَوْلُهُ: الظَّاهِرُ) خَرَجَ الْخَفِيُّ (قَوْلُهُ: الْمُنْضَبِطُ) خَرَجَ بِهِ مَا يَثْبُتُ مَعَهُ الْحُكْمُ تَارَةً وَيَنْتَفِي أُخْرَى فَلَا يَكُونُ سَبَبًا، وَبِقَوْلِهِ الْمُعَرِّفُ لِلْحُكْمِ الْمُعَرِّفُ نَقِيضَهُ وَهُوَ الْمَانِعُ (قَوْلُهُ: الْمُعَرِّفُ لِلْحُكْمِ) أَيْ الَّذِي هُوَ عَلَامَةٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مُثْبِتًا لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَيُعَبَّرُ عَنْهُ) أَيْ السَّبَبُ (قَوْلُهُ: مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ) أَيْ لِذَاتِهِ، فَقَدْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ بَلْ الْعَدَمُ كَمَا لَوْ اقْتَرَنَ الْمَانِعُ بِالسَّبَبِ، وَقَدْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ كَأَنْ خَلَفَهُ سَبَبٌ آخَرُ كَالزَّوْجِيَّةِ مَعَ انْتِفَاءِ الْقَرَابَةِ (قَوْلُهُ: وَالْبَابُ مَا يُتَوَصَّلُ) أَيْ فِي اللُّغَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَفِي الِاصْطِلَاحِ إلَخْ (قَوْلُهُ: عَلَى فُصُولٍ وَمَسَائِلَ) أَيْ غَالِبًا (قَوْلُهُ يَقُومُ بِالْأَعْضَاءِ) أَيْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَا جَمِيعِ الْبَدَنِ عَلَى الرَّاجِحِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَصْغَرِ، وَجَمِيعِ الْبَدَنِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي يَنْتَهِي بِهَا إلَخْ) أَيْ وَيُطْلَقُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ عَلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي إلَخْ، لَكِنْ فِي ابْنِ حَجَرٍ مَا نَصُّهُ:
[حاشية الرشيدي]
[بَابُ أَسْبَابِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ]
[السَّبَبُ الْأَوَّل خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ]
بَابُ أَسْبَابِ الْحَدَثِ (قَوْلُهُ: الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ) أَيْ الْوَاقِعُ فِي اسْتِعْمَالَاتِ الْفُقَهَاءِ كَمَا هُنَا (قَوْلُهُ: وَيُعَبَّرُ عَنْهُ إلَخْ) التَّعْرِيفَانِ مُتَّحِدَانِ
الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي وَإِنْ أَوْهَمَتْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تَفْسِيرَ الْحَدَثِ بِغَيْرِ الثَّانِي إلَّا أَنْ تَجْعَلَ الْإِضَافَةَ بَيَانِيَّةً.
وَقَدَّمَ هُنَا هَذَا الْبَابَ كَأَصْلِهِ عَلَى الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُولَدُ مُحْدِثًا، فَكَانَ الْأَصْلُ فِي الْإِنْسَانِ ذَلِكَ وَلَا يُولَدُ جُنُبًا، فَنَاسَبَ تَأْخِيرَ الْغُسْلِ مُطْلَقًا وَتَأْخِيرَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا أَسْبَابَ الْحَدَثِ عَنْ الْوُضُوءِ يُوَجَّهُ بِأَنَّ الرَّفْعَ لِلطَّهَارَةِ فَرْعُ وُجُودِهَا (هِيَ) أَيْ الْأَسْبَابُ (أَرْبَعَةٌ) فَقَطْ ثَابِتَةٌ بِالْأَدِلَّةِ وَعِلَّةُ النَّقْضِ بِهَا غَيْرُ مَعْقُولَةٍ فَلَا يُقَاسَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا شِفَاءُ دَائِمِ الْحَدَثِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ فَمَذْكُورٌ فِي بَابِهِ مَعَ أَنَّهُ نَادِرٌ، وَأَمَّا الرِّدَّةُ فَلَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ إلَّا إنْ اتَّصَلَتْ بِالْمَوْتِ.
وَنَزْعُ الْخُفِّ يُوجِبُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ فَقَطْ وَإِعَادَةَ التَّيَمُّمِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ وُضُوءٍ نَحْوَ السَّلَسِ مَذْكُورٌ حُكْمُهُ فِي بَابِهِ، فَلَا نَقْضَ بِالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا بِالْبُلُوغِ بِالسِّنِّ وَلَا بِأَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ وَإِنْ اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ النَّقْضَ بِهِ وَذَكَرَ أَنَّ فِيهِ حَدِيثَيْنِ صَحِيحَيْنِ لَيْسَ عَنْهُمَا جَوَابٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا
[حاشية الشبراملسي]
وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْأَسْبَابِ الْآتِيَةِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ ابْنُ قَاسِمٍ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إطْلَاقٌ حَقِيقِيٌّ اصْطِلَاحِيٌّ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَجَازِيٌّ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي) مَا الْمَانِعُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا يُنَافِيه قَوْلُهُ هِيَ أَرْبَعَةٌ وَيَصِيرُ الْمَعْنَى أَسْبَابَ الْمَنْعِ أَوْ الْأَمْرُ الِاعْتِبَارِيُّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ) أَيْ فَلَا إيهَامَ.
وَقَدْ يَمْنَعُ بِأَنَّ الْإِيهَامَ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ لِمَا يُفِيدُهُ اللَّفْظُ، وَأَمَّا جَعْلُ الْإِضَافَةِ بَيَانِيَّةً فَأَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ مُصَحِّحٌ لِلتَّعْبِيرِ لَا دَافِعَ لِلْإِيهَامِ، هَذَا وَيَرُدُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدَثِ الْمَعْنَى الثَّانِي إذَا لَمْ تَجْعَلْ الْإِضَافَةَ بَيَانِيَّةً أَنَّ التَّقْدِيرَ بَابُ أَسْبَابِ أَسْبَابِ الْحَدَثِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ فَيَتَعَيَّنُ جَعْلُ الْإِضَافَةِ بَيَانِيَّةً، أَوْ حَمْلَ الْحَدَثِ عَلَى غَيْرِ الْأَسْبَابِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ ذِكْرِ الْإِطْلَاقَاتِ الثَّلَاثِ: فَإِنْ أُرِيدَ أَحَدُ الْأَوَّلَيْنِ: أَيْ الْأَمْرِ الِاعْتِبَارِيِّ وَالْمَنْعِ فَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى اللَّامِ أَوْ الثَّالِثِ فَهِيَ بَيَانِيَّةٌ (قَوْلُهُ: يُولَدُ مُحْدِثًا) أَيْ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالْحَدَثِ حَجّ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ وَأَمَّا شِفَاءٌ دَائِمُ الْحَدَثِ) وَعِبَارَةُ حَجّ وَنَحْوُ شِفَاءِ السَّلَسِ لَا يَرِدُ؛ لِأَنَّ حَدَثَهُ لَمْ يَرْتَفِعْ اهـ.
وَكَلَامُ الشَّارِحِ ظَاهِرٌ فِي الِانْتِقَاضِ بِشِفَاءٍ دَائِمِ الْحَدَثِ.
وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّهُ بِالْوُضُوءِ ارْتَفَعَ الْمَنْعُ الْخَاصُّ وَهُوَ حُرْمَةُ الْفَرْضِ وَبِشِفَائِهِ زَالَ هَذَا الْمَنْعُ فَعُدَّ نَاقِضًا، وَأَمَّا قَوْلُ حَجّ لَمْ يَرْتَفِعْ فَمُرَادُهُ أَنَّ الْأَمْرَ الِاعْتِبَارِيَّ لَمْ يَرْتَفِعْ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: إلَّا إنْ اتَّصَلَتْ بِالْمَوْتِ) زَادَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: 5] مَخْصُوصٌ بِمَنْ مَاتَ مُرْتَدًّا لِقَوْلِهِ ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة: 54] الْآيَةُ اهـ. وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ وَمَنْ يَرْتَدَّ إلَخْ: قَدْ يُقَالُ هَذَا مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ وَهُوَ لَا يُخَصَّصُ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَفْهُومٌ وَإِلَّا كَمَا هُنَا فَإِنْ قَوْله تَعَالَى: يَمُتْ مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّرْطِ فَلَهُ حُكْمُهُ فَلَهُ مَفْهُومٌ يُخَصِّصُ اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: فَلَا نَقْضَ بِالْقَهْقَهَةِ) إنَّمَا صَرَّحَ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ (قَوْلُهُ: وَلَا بِأَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ) أَيْ الْبَعِيرِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (قَوْلُهُ: لَيْسَ عَنْهُمَا جَوَابٌ) زَادَ حَجّ شَافٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّا أَجْمَعْنَا
[حاشية الرشيدي]
مِنْ جِهَةِ الْمَاصَدَقَ فَقَطْ، وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ تَعْرِيفٌ بِالذَّاتِيَّاتِ وَالثَّانِي بِالْخَاصَّةِ وَلِهَذَا قَالَ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ (قَوْلُهُ:، وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي) لَعَلَّ مُرَادَهُ بِهُنَا مَا يُذْكَرُ فِي الْبَابِ لَا مَا وَقَعَ فِي التَّرْجَمَةِ، إلَّا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ بَعْدُ لَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ، أَمَّا الْوَاقِعُ فِي التَّرْجَمَةِ فَالْأَظْهَرُ فِيهِ إرَادَةُ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ بِقَرِينَةِ إضَافَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي هِيَ الْمَعْنَى الثَّانِي إلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ إرَادَةُ الثَّانِي إلَّا أَنْ تُجْعَلَ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةً، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ مُرَادَهُ بِهُنَا مَا فِي التَّرْجَمَةِ، وَإِنَّمَا رَجَّحَ فِيهِ الْمَعْنَى الثَّانِيَ؛ لِأَنَّ إرَادَةَ غَيْرِهِ تُوهِمُ أَنَّ الْأَسْبَابَ لَا تُسَمَّى حَدَثًا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) اُنْظُرْ مَا مَوْقِعُ هَذَا الْإِطْلَاقِ (قَوْلُهُ: وَعِلَّةُ النَّقْضِ بِهَا غَيْرُ مَعْقُولَةٍ) هِيَ عِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ، وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بِأَنَّ مَا سَيَأْتِي مِنْ تَعْلِيلِهَا يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ، وَالْحَصْرُ فِيهَا تَعَبُّدِيٌّ.
وَيُمْكِنُ تَرْجِيعُ مَا هُنَا إلَيْهِ بِأَنْ يُقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ وَعِلَّةُ النَّقْضِ بِهَا: أَيْ بِمَجْمُوعِهَا فَسَاوَتْ الْعِبَارَةَ الْمَذْكُورَةَ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مُرَادُهُ قَوْلُهُ: بَعْدُ: وَأَمَّا شِفَاءُ دَائِمِ الْحَدَثِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَمَذْكُورٌ فِي بَابِهِ) هَذَا
جَوَابَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ، وَمِمَّا يُضْعِفُ النَّقْضَ بِهِ أَنَّ الْقَائِلَ بِهِ لَا يُعَدِّيه إلَى شَحْمِهِ وَسَنَامِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ.
وَرَدُّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمَا لَا يُسَمِّيَانِ لَحْمًا كَمَا فِي الْأَيْمَانِ فَأَخَذَ بِظَاهِرِ النَّصِّ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ عَمَّمَ عَدَمَ النَّقْضِ بِالشَّحْمِ مَعَ شُمُولِهِ لِشَحْمِ الظَّهْرِ وَالْجَنْبِ الَّذِي حَكَمَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَيْمَانِ بِشُمُولِ اللَّحْمِ لَهُ، وَلَا نَقْضَ أَيْضًا بِالنَّجَاسَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ غَيْرِ الْفَرْجِ كَقَيْءٍ وَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ، لِمَا رُوِيَ مِنْ «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَسَا الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَقَامَ أَحَدُهُمَا يُصَلِّي فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْكُفَّارِ بِسَهْمٍ فَنَزَعَهُ وَصَلَّى وَدَمُهُ يَجْرِي، وَعَلِمَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُنْكِرْهُ» .
وَأَمَّا صَلَاتُهُ مَعَ الدَّمِ فَلِقِلَّةِ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ (أَحَدُهَا خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ) عَيْنًا أَوَرِيحًا طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا جَافًّا أَوْ رَطْبًا مُعْتَادًا كَبَوْلٍ، أَوْ نَادِرًا كَدَمٍ انْفَصَلَ أَوْ لَا، حَتَّى لَوْ أَدْخَلَ فِي ذَكَرِهِ مِيلًا ثُمَّ أَخْرَجَهُ انْتَقَضَ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي نَحْوِ الْغَائِطِ بِالنَّصِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6] الْآيَةُ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وَأَلْحَقَ بِذَلِكَ مَا عَدَاهُ مِنْ كُلِّ خَارِجٍ، وَمَحَلُّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْوَاضِحِ، أَمَّا الْمُشْكِلُ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى عَدَمِ الْعَمَلِ بِهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِنَقْضِهِ يَخُصُّهُ بِغَيْرِ شَحْمِهِ إلَخْ اهـ (قَوْلُهُ: فَأَخَذَ) أَيْ الْقَائِلُ بِظَاهِرِ النَّصِّ (قَوْلُهُ: لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ رَجُلَيْنِ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ، وَفِي أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَسَا الْمُسْلِمِينَ لَيْلَةً فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَقَامَ أَحَدُهُمَا يُصَلِّي، فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْكُفَّارُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ فَنَزَعَهُ، ثُمَّ رَمَاهُ بِآخَرَ ثُمَّ بِثَالِثٍ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ وَدِمَاؤُهُ تَجْرِي، وَعَلِمَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُنْكِرْهُ» وَأَمَّا الدَّمُ فَلَعَلَّ الَّذِي أَصَابَهُ مِنْهُ قَلِيلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَاءٌ يَغْسِلُهُ بِهِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ ابْنُ قَاسِمٍ قَوْلَهُ أَصَابَهُ مِنْهُ قَلِيلٌ قَدْ يُقَالُ أَوْ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّهُ دَمُ نَفْسِهِ، وَقَوْلُهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ إلَخْ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ مَعَ الدَّمِ الْغَيْرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ إذَا فَقَدَ مَا يَغْسِلُهُ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ نَفْلًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ كَانَتْ نَفْلًا فَلْيُتَأَمَّلْ وَلْيُرَاجَعْ فَإِنَّهُ: أَيْ الْعَفْوُ عَنْهُ بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِهِمْ اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: فَلِقِلَّةِ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ) أَيْ أَوْ أَنَّ دَمَ الشَّخْصِ نَفْسِهِ يُعْفَى عَنْهُ وَإِنْ كَثُرَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: أَحَدُهَا خُرُوجُ شَيْءٍ) خَرَجَ الدُّخُولُ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا ابْنِ حَجَرٍ لِلْإِرْشَادِ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَوْ رَأَى عَلَى ذَكَرِهِ بَلَلًا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ إلَّا إذَا لَمْ يَحْتَمِلْ طُرُوُّهُ لَمْ مِنْ خَارِجٍ خِلَافًا لِلْغَزِّيِّ، كَمَا لَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ رُطُوبَةٌ وَشَكَّ أَنَّهَا مِنْ الظَّاهِرِ أَوْ الْبَاطِنِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَلَا يُكَلَّفُ إزَالَتُهَا: أَيْ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى الْتِصَاقِ رَأْسِ ذَكَرِهِ بِثَوْبِهِ؛ لِأَنَّا لَمْ نَحْكُمْ بِنَجَاسَتِهَا (قَوْلُهُ: انْفَصَلَ أَوْ لَا) وَشَمِلَ ذَلِكَ أَيْضًا خُرُوجُ عُودٍ أَدْخَلَهُ مَلْفُوفًا فِي نَحْوِ خِرْقَةٍ دُونَهَا بِأَنْ سَلَّهُ مِنْهَا وِفَاقًا ل م - رَحِمَهُ اللَّهُ - اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: فِي ذَكَرِهِ مِيلًا) أَيْ مِرْوَدًا (قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6] الْآيَةُ) فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ: أَيْ وَحَذْفٌ: أَيْ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ النَّوْمِ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَاغْسِلُوا إلَى قَوْلِهِ ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: 6] فَيُقَالُ عَقِبَهُ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6] ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَوْقِيفٌ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَإِنَّ نَظْمَهَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمَرَضَ وَالسَّفَرَ حَدَثَانِ وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: إنَّ " أَوْ " فِي " أَوْ جَاءَ " بِمَعْنَى الْوَاوِ الْحَالِيَّةِ، وَيُغْنِي عَنْ تَكَلُّفِ ذَلِكَ أَنْ يُقَدِّرَ جُنُبًا فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: 6] انْتَهَى شَرْحُ الْإِرْشَادِ لِابْنِ حَجَرٍ
[حاشية الرشيدي]
لَا يَدْفَعُ إيرَادَ مَا ذُكِرَ عَلَى الْحَصْرِ إلَّا إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ فَمَذْكُورٌ فِي بَابِهِ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي بَابِهِ أَنَّهُ غَيْرُ نَاقِضٍ فَلْيُرَاجَعْ مَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ (قَوْلُهُ: فَلِقِلَّةِ مَا أَصَابَهُ) لَعَلَّهُ إنَّمَا احْتَاجَ إلَى الْجَوَابِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي خُرُوجِهِ بِنَزْعِ السَّهْمِ، وَإِلَّا فَدَمُ الْإِنْسَانِ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ مَا لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ أَوْ يُجَاوِزُ مَحَلَّهُ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ أَدْخَلَ إلَخْ) غَايَةٌ فِي أَصْلِ
فَإِنْ خَرَجَ مِنْ فَرْجَيْهِ مَعًا نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا، وَتَعْبِيرُهُ أَحْسَنُ مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ، وَالتَّنْبِيهُ بِالسَّبِيلَيْنِ إذْ لِلْمَرْأَةِ ثَلَاثُ مَخَارِجَ اثْنَانِ مِنْ قُبُلٍ وَوَاحِدٌ مِنْ دُبُرٍ، وَلِشُمُولِهِ مَا لَوْ خُلِقَ لَهُ ذَكَرَانِ فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالْخَارِجِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَكَذَا لَوْ خُلِقَ لِلْمَرْأَةِ فَرْجَانِ (إلَّا الْمَنِيَّ) مِنْ نَفْسِهِ الْخَارِجَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَأَنْ احْتَلَمَ النَّائِمُ قَاعِدًا عَلَى وُضُوئِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ أَعْظَمَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الْغُسْلُ بِخُصُوصِهِ فَلَا يُوجِبُ أَدْوَنَهُمَا بِعُمُومِهِ كَزِنَا الْمُحْصَنِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ مَعَ إيجَابِهِمَا الْغُسْلَ؛ لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ صِحَّةَ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا فَلَا يُجَامِعَانِهِ، بِخِلَافِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ يَصِحُّ مَعَهُ الْوُضُوءُ فِي صُورَةِ سَلَسِ الْمَنِيِّ فَيُجَامِعُهُ.
وَلَوْ أَلْقَتْ وَلَدًا جَافًّا وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَبَعًا لِلزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ وَإِنْ انْعَقَدَ مِنْ مَنِيِّهَا وَمَنِيِّهِ لَكِنْ اسْتَحَالَ إلَى الْحَيَوَانِيَّةِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُعْطَى سَائِرَ أَحْكَامِهِ؛ وَلَوْ أَلْقَتْ بَعْضَ وَلَدٍ كَيَدٍ انْتَقَضَ وُضُوءُهَا وَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا.
وَمِنْ فَوَائِدِ عَدَمِ النَّقْضِ بِالْمَنِيِّ صِحَّةُ صَلَاةِ الْمُغْتَسِلِ بِدُونِ وُضُوءٍ قَطْعًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ الرِّفْعَةِ، وَلَوْ قُلْنَا بِالنَّقْضِ لَكَانَ فِيهَا بِدُونِ وُضُوءٍ خِلَافٌ
[حاشية الشبراملسي]
- رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: مَا لَوْ خُلِقَ لَهُ ذَكَرَانِ) أَيْ أَصْلِيَّانِ بِخِلَافِ الزَّائِدِ فَإِنَّهُ لَا نَقْضَ بِالْخَارِجِ مِنْهُ: أَيْ حَيْثُ عَلِمَ بِأَنَّهُ زَائِدٌ، وَمِنْهُ مَا لَوْ خُلِقَ لَهُ ذَكَرَانِ وَكَانَ يُمْنِي بِأَحَدِهِمَا وَيَبُولُ بِالْآخِرِ، فَمَا أَمْنَى بِهِ هُوَ الزَّائِدُ وَمَا يَبُولُ بِهِ الْأَصْلُ اهـ سم - رَحِمَهُ اللَّهُ -. أَمَّا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا زَائِدًا وَالْآخَرُ أَصْلِيًّا وَاشْتَبَهَ فَقِيَاسُ مَا يَأْتِي عَنْ شَرْحِ الرَّوْضِ مِنْ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّقْضَ مَنُوطٌ بِهِمَا لَا بِأَحَدِهِمَا أَنَّهُ هُنَا إنَّمَا يُنْتَقَضُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُمَا لَا مِنْ أَحَدِهِمَا.
وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ هُنَا نَعَمْ لَمَّا تَحَقَّقَتْ زِيَادَتُهُ أَوْ احْتَمَلَتْ حُكْمَ مُنْفَتِحٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: أَوَّلَ مَرَّةٍ) بِخِلَافِ مَا لَوْ خَرَجَ وَانْفَصَلَ ثُمَّ أَدْخَلَهُ فِي ذَكَرِهِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ إذَا خَرَجَ لِعَدَمِ إيجَابِهِ الْغُسْلَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْغُسْلُ بِخُصُوصِهِ) اُعْتُرِضَ بِإِفْسَادِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ أَثِمَ بِهِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ وَيُوجِبُ الْقَضَاءَ، فَأَوْجَبَ أَعْظَمَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ جِمَاعًا فَكَيْفَ يُوجِبُ أَدْوَنُهُمَا وَهُوَ الْقَضَاءُ بِعُمُومِ كَوْنِهِ مُفْطِرًا.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْجِنْسَ هُنَاكَ لِمَا اخْتَلَفَ وَجَبَ الْأَعْظَمُ وَالْأَدْوَنُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَضَاءَ غَيْرُ الْكَفَّارَةِ بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّهُ يَتَّحِدُ، كَذَا نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ حَمْدَانَ.
أَقُولُ: قَدْ يَمْنَعُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ أَعْظَمُ مِنْ الْقَضَاءِ، بَلْ قَدْ يُدَّعَى أَنَّ الْقَضَاءَ أَعْظَمُ مِنْ الْكَفَّارَةِ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ الْأَفْرَادِ فَلَا يَتَوَجَّهُ السُّؤَالُ مِنْ أَصْلِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَلْقَتْ وَلَدًا جَافًّا) أَيْ أَوْ مُضْغَةً جَافَّةً انْتَهَى سم عَلَى حَجّ.
وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى قَوْلِ حَجّ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَلْقَتْ مُضْغَةً وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِاخْتِلَاطِهَا بِمَنِيِّ الرَّجُلِ: أَيْ أَوْ عَلَقَةً جَافَّةً قِيَاسًا عَلَى الْمُضْغَةِ لِمَا يَأْتِي أَنَّ كُلًّا مَظِنَّةٌ لِلنِّفَاسِ (قَوْلُهُ: سَائِرُ أَحْكَامِهِ) أَيْ الْمَنِيِّ (قَوْلُهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهَا) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا بَرَزَ بَعْضُ الْعُضْوِ لَا يُحْكَمُ بِالنَّقْضِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُنْفَصِلٌ؛ لِأَنَّا لَا نَنْقُضُ بِالشَّكِّ، فَإِنْ تَمَّ خُرُوجُهُ مُنْفَصِلًا حَكَمْنَا بِالنَّقْضِ وَإِلَّا فَلَا م ر وَلَوْ خَرَجَ جَمِيعُ الْوَلَدِ مُتَقَطِّعًا عَلَى دَفْعَاتٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّ تَوَاصُلَ خُرُوجِ أَجْزَائِهِ الْمُتَقَطِّعَةِ بِحَيْثُ يُنْسَبُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ وَجَبَ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الْأَخِيرِ وَتَبَيَّنَ عَدَمُ النَّقْضِ بِمَا قَبْلَهُ، وَإِلَّا بِأَنْ خَرَجَتْ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ مُتَفَاصِلَةً بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ كَانَ خُرُوجُ كُلِّ وَاحِدٍ نَاقِضًا وَلَا غُسْلَ، وَلَوْ خَرَجَ نَاقِصًا عُضْوًا نَقْصًا عَارِضًا كَأَنْ انْقَطَعَتْ يَدُهُ وَتَخَلَّفَتْ عَنْ خُرُوجِهِ
[حاشية الرشيدي]
الْخُرُوجِ لَا فِي عَدَمِ الِانْفِصَالِ (قَوْلُهُ: فِي صُورَةِ سَلَسِ الْمَنِيِّ) إنَّمَا قَصَرَ التَّصْوِيرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ، بِخِلَافِ مَنِيِّ السَّلِيمِ، فَإِنَّهُ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِلْزَامُ، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ اسْتَحَالَ إلَى الْحَيَوَانِيَّةِ) سَيَأْتِي لَهُ فِي بَابِ الْغُسْلِ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْوِلَادَةِ بِلَا بَلَلٍ أَنَّهُ عَلَّلَ بِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ بَلَلٍ وَإِنْ كُنَّا لَا نُشَاهِدُهُ، وَهُوَ يُنَافِي مَا هُنَا مِنْ عَدَمِ النَّقْضِ.
وَنِيَّةُ السُّنِّيَّةِ بِوُضُوئِهِ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَلَوْ نَقَضَ لَنَوَى بِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ.
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ مِنْ فَوَائِدِهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ لِعَجْزِهِ عَنْ الْمَاءِ صَلَّى مَا شَاءَ مِنْ الْفَرَائِضِ مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ يَجِدْ الْمَاءَ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي بِالْوُضُوءِ وَتَيَمُّمُهُ إنَّمَا هُوَ عَنْ الْجَنَابَةِ، رُدَّ بِأَنَّهُ غَلَطٌ، إذْ الْجَنَابَةُ مَانِعَةٌ مِنْ صِحَّةِ الْفَرْضِ الثَّانِي بِدُونِ تَيَمُّمٍ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يُبِيحُ لِلْجُنُبِ وَلَا لِلْمُحْدِثِ أَكْثَرَ مِنْ فَرْضٍ
(وَلَوْ) (انْسَدَّ مَخْرَجُهُ) الْأَصْلِيُّ قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا بِأَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَمْ يَنْسَدَّ بِلَحْمَةٍ كَمَا قَالَهُ الْفَزَارِيّ (وَانْفَتَحَ تَحْتَ مَعِدَتِهِ) مَخْرَجٌ بَدَلَهُ (فَخَرَجَ) مِنْهُ (الْمُعْتَادُ) خُرُوجُهُ (نَقَضَ) إذْ لَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ مِنْ مَخْرَجٍ فَأُقِيمَ هَذَا مَقَامَهُ (وَكَذَا نَادِرٌ كَدُودٍ) وَدَمٍ (فِي الْأَظْهَرِ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُنْسَدِّ فِي الْمُعْتَادِ ضَرُورَةً فَكَذَا فِي النَّادِرِ، وَالثَّانِي يَقُولُ لَا ضَرُورَةَ فِي قِيَامِهِ مَقَامَهُ فِي النَّادِرِ فَلَا نَقْضَ، وَالْمَعِدَةُ مُسْتَقَرُّ الطَّعَامِ مِنْ الْمَكَانِ الْمُنْخَسِفِ تَحْتَ الصَّدْرِ إلَى السُّرَّةِ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا السُّرَّةُ، وَمُرَادُهُمْ بِتَحْتِ الْمَعِدَةِ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ، وَبِفَوْقِهَا السُّرَّةُ وَمُحَاذِيهَا وَمَا فَوْقَهَا (أَوْ) انْفَتَحَ (فَوْقَهَا) أَيْ فَوْقَ الْمَعِدَةِ بِأَنْ انْفَتَحَ فِي السُّرَّةِ وَمَا فَوْقَهَا كَمَا تَقَدَّمَ (وَهُوَ) أَيْ الْأَصْلِيُّ (مُنْسَدٌّ أَوْ تَحْتَهَا وَهُوَ مُنْفَتِحٌ فَلَا) يَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْهُ الْمُعْتَادُ (فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فَوْقِهَا بِالْقَيْءِ أَشْبَهَ إذْ مَا تُحِيلُهُ الطَّبِيعَةُ
[حاشية الشبراملسي]
تَوَقَّفَ الْغُسْلُ عَلَى خُرُوجِهَا م ر اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُهُ عَلَى خُرُوجِهَا: أَيْ عَلَى الِاتِّصَالِ الْعَادِي عَلَى مَا قَدَّمَهُ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ غُسْلٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَعْضُ وَلَدٍ، وَهُوَ إنَّمَا يَنْقُضُ عَلَى مَا مَرَّ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْخَارِجَ أَوَّلًا لَمَّا أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْوَلَدِ عُرْفًا أُوجِبَ الْغُسْلُ بِخُصُوصِهِ حَيْثُ خَرَجَ بَاقِيه مُطْلَقًا.
هَذَا، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ خُرُوجَهُ مُتَفَرِّقًا لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ حَتَّى بِالْجُزْءِ الْأَخِيرِ قَدْ يُقَالُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ تَحَقَّقَ خُرُوجُ الْوَلَدِ بِتَمَامِهِ فَلَا وَجْهَ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْغُسْلِ.
وَقَوْلُهُ قَبْلَ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِخُرُوجِ الْأَخِيرِ وَهَلْ يَتَبَيَّنُ وُجُوبُ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِتَمَامِ خُرُوجِهِ وُجُوبُ الْغُسْلِ فَقَدْ وَقَعَتْ الصَّلَوَاتُ السَّابِقَةُ مَعَ الْجَنَابَةِ، أَوْ لَا يَتَبَيَّنُ وُجُوبُ قَضَائِهَا؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ إنَّمَا يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْهُ بِخُرُوجِهِ وَانْقِطَاعِهِ، فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ هُنَا إلَّا بِتَمَامِ الْخُرُوجِ، وَالصَّلَوَاتُ السَّابِقَةُ وَقَعَتْ قَبْلَ وُجُوبِ الْغُسْلِ مَعَ صِحَّةِ وُضُوئِهَا فِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُتَّجِهُ الْآنَ الثَّانِي اهـ سم عَلَى الْبَهْجَةِ.
أَقُولُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ بَلْ لَا وَجْهَ لِغَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ مِنْ أَنَّ بَعْضَ الْوَلَدِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ (قَوْلُهُ: وَنِيَّةُ السُّنِّيَّةِ) أَيْ وَمِنْ فَوَائِدِ نِيَّةٍ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ انْسَدَّ مَخْرَجُهُ) أَيْ جِنْسُهُ فَيَصْدُقُ بِمَا لَوْ انْسَدَّ أَحَدُ مَخْرَجَيْهِ ثُمَّ تَفَتَّحَتْ لَهُ ثُقْبَةٌ (قَوْلُهُ: وَانْفَتَحَ تَحْتَ مَعِدَتِهِ) وَالْمَعِدَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَبِكَسْرِهِمَا وَبِفَتْحِ الْمِيمِ أَوْ كَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ الْعَيْنِ فِيهِمَا اهـ شَرْحُ الْبَهْجَةِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ: مَخْرَجٌ بَدَلُهُ) قَالَ سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ: وَلَوْ تَعَدَّدَ هَذَا الثُّقْبُ وَكَانَ يَخْرُجُ الْخَارِجُ مِنْ كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ الْمُتَعَدِّدِ فَيَنْبَغِي النَّقْضُ بِخُرُوجِ الْخَارِجِ مِنْ كُلٍّ سَوَاءٌ أَحَصَلَ انْفِتَاحُهُ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَصْلِيِّينَ م ر وَيَجُوزُ لِلْحَلِيلِ الْوَطْءُ فِي هَذَا الثَّقْبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَلِيلَةِ دُبُرٌ؛ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ هُوَ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ وَهَذَا لَيْسَ دُبُرًا م ر اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: فَخَرَجَ مِنْهُ) التَّعْقِيبُ الَّذِي أَفَادَتْهُ الْفَاءُ لَيْسَ مُرَادًا (قَوْلُهُ: وَكَذَا نَادِرٌ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّادِرِ غَيْرُ الْمُعْتَادِ فَيَشْمَلُ مَا لَمْ يُعْتَدْ لَهُ خُرُوجٌ أَصْلًا وَلَا مَرَّةً اهـ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: مَا تَحْتَ السُّرَّةِ) أَيْ مِمَّا يَقْرُبُ مِنْهَا فَلَا عِبْرَةَ بِانْفِتَاحِهِ فِي السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَإِنْ كَانَ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ يَشْمَلُ ذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: أَوْ انْفَتَحَ فَوْقَهَا) بَقِيَ مَا لَوْ انْفَتَحَ وَاحِدٌ تَحْتَهَا وَآخَرُ فَوْقَهَا، وَالْوَجْهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا تَحْتَهَا، وَلَوْ انْفَتَحَ اثْنَانِ تَحْتَهَا وَهُوَ مُنْسَدٌّ فَهَلْ يَنْقُضُ خَارِجُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُطْلَقًا أَوْ لَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْآخَرِ أَوْ أَقْرَبَ إلَى الْأَصْلِيِّ مِنْ الْآخَرِ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ نَظَرٌ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ يَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا تَنْزِيلًا لَهُمَا مَنْزِلَةَ الْأَصْلِيِّينَ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ حَوَاشِي الْبَهْجَةِ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ فِي الثُّقْبِ فَيَشْمَلُ الْمُتَحَاذِيَةَ وَمَا بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ (قَوْلُهُ: بِأَنْ انْفَتَحَ فِي السُّرَّةِ) هَذِهِ الصُّورَةُ لَا يَشْمَلُهَا لَفْظُ الْفَرْقِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعِدَةِ فِي كَلَامِهِمْ نَفْسُ السُّرَّةِ، لَكِنْ مَا ذَكَرَهُ هُنَا مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ وَبِفَوْقِهَا
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تُلْقِيه إلَى أَسْفَلَ وَمِنْ تَحْتِهَا لَا ضَرُورَةَ إلَى مَخْرَجِهِ مَعَ انْفِتَاحِ الْأَصْلِيِّ، وَالثَّانِي يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيُّ الْخُرُوجِ تَحَوَّلَ مَخْرَجُهُ إلَى مَا ذُكِرَ، وَعَلَى هَذَا يَنْقُضُ النَّادِرُ فِي الْأَظْهَرِ.
وَوَقَعَ لِلشَّارِحِ فِي بَعْضِ نُسَخِ شَرْحِهِ زِيَادَةٌ لَا قُبُلَ يَنْقُضُ وَصَوَابُهُ حَذْفُهَا كَمَا حَكَيْنَاهُ، وَلَوْ انْفَتَحَ فَوْقَهَا وَالْأَصْلُ مُنْفَتِحٌ فَلَا نَقْضَ كَالْقَيْءِ.
وَقَوْلُهُ أَوْ فَوْقَهَا هُوَ مَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَحُكِيَ عَنْ نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ فَوْقَهُ: أَيْ فَوْقَ تَحْتِ الْمَعِدَةِ، وَهِيَ تَشْمَلُ الِانْفِتَاحَ فِي نَفْسِ الْمَعِدَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ حُكْمُهُ، وَحَيْثُ قِيلَ بِالنَّقْضِ فِي الْمُنْفَتِحِ فَالْحُكْمُ مُخْتَصٌّ بِهِ لَا يَتَعَدَّى لِغَيْرِهِ مِنْ نَحْوِ إجْزَاءِ الْحَجَرِ وَإِيجَابِ وُضُوءٍ بِمَسِّهِ وَغُسْلٍ بِإِيلَاجٍ فِيهِ، وَهَذَا فِي الِانْسِدَادِ الْعَارِضِ.
أَمَّا الْخِلْقِيُّ فَمُنْفَتِحُهُ كَالْأَصْلِيِّ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْمُنْسَدُّ حِينَئِذٍ كَعُضْوٍ زَائِدٍ مِنْ الْخُنْثَى لَا وُضُوءَ بِمَسِّهِ وَلَا غُسْلَ بِإِيلَاجِهِ وَلَا بِإِيلَاجٍ فِيهِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ لَمْ أَرَ لِغَيْرِهِ تَصْرِيحًا بِمُوَافَقَتِهِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالِانْفِتَاحِ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ مِنْ نَحْوِ فَمِهِ لَا يُنْقَضُ لِانْفِتَاحِهِ أَصَالَةً
(الثَّانِي زَوَالُ الْعَقْلِ) أَيْ التَّمْيِيزُ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ كَجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَالسَّهُ الدُّبُرُ، وَوِكَاؤُهُ حِفَاظُهُ عَنْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ لَا يَشْعُرُ بِهِ، وَالْعَيْنَانِ كِنَايَةٌ عَنْ الْيَقِظَةِ.
وَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّ الْيَقِظَةَ هِيَ الْحَافِظَةُ لِمَا يَخْرُجُ، وَالنَّائِمُ قَدْ يَخْرُجُ مِنْهُ الشَّيْءُ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ وَإِذَا ثَبَتَ النَّقْضُ بِالنَّوْمِ أَلْحَقَ بِهِ الْبَوَاقِي؛ لِأَنَّ الذُّهُولَ مَعَهَا أَبْلَغُ مِنْ النَّوْمِ وَقَدْ جُعِلَ ذَلِكَ
[حاشية الشبراملسي]
السُّرَّةُ وَمُحَاذِيهَا وَمَا فَوْقَهَا، وَعَلَيْهِ فَالتَّعْبِيرُ بِفَوْقَ إمَّا مَجَازٌ فِي السُّرَّةِ وَمَا فَوْقَهَا، أَوْ هُوَ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ كَأَنْ يُقَالَ الْأَصْلُ فَوْقَ تَحْتَهَا (قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا) أَيْ الثَّانِي (قَوْلُهُ: كَمَا حَكَيْنَاهُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَالثَّانِي يَنْقُضُ (قَوْلُهُ: فَالْحُكْمُ مُخْتَصٌّ بِهِ) أَيْ النَّقْضُ، وَأَمَّا الْأَصْلِيُّ فَأَحْكَامُهُ بَاقِيَةٌ (قَوْلُهُ: لَا يَتَعَدَّى لِغَيْرِهِ) اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعِ عَدَمَ النَّقْضِ بِالنَّوْمِ بِهِ مُمْكِنًا.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ لِلْأَمْنِ حِينَئِذٍ مِنْ خُرُوجِ رِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ اهـ سم.
وَسَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ: وَمِثْلُهُ مَا لَوْ نَامَ مُتَمَكِّنًا إلَخْ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْخِلْقِيُّ فَمُنْفَتِحُهُ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى صُورَةِ الْأَصْلِيِّ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: كَالْأَصْلِيِّ) هَلْ مِنْ ذَلِكَ حُرْمَةُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِهِ فِي الصَّحْرَاءِ وَنَدَبَهُ فِي غَيْرِهَا اهـ سم، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَنَدَبَهُ: أَيْ نَدَبَ تَرْكَ الِاسْتِقْبَالِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي: وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا أَدَبًا فِي الْبُنْيَانِ.
وَقَوْلُ سم: هَلْ مِنْ ذَلِكَ الظَّاهِرِ؟ نَعَمْ وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْأَصْلِيِّ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ كَانَ فِي الِاسْتِقْبَالِ بِهِ مَعَ عَيْنِ الْخَارِجِ انْتِهَاكٌ لِحُرْمَةِ الْبَيْتِ (قَوْلُهُ وَلَا بِالْإِيلَاجِ فِيهِ) أَيْ وَهُوَ جَائِزٌ (قَوْلُهُ: لِانْفِتَاحِهِ أَصَالَةً) اعْتَمَدَ حَجّ أَنَّ الْفَمَ يَنْقُضُ مَا خَرَجَ مِنْهُ حِينَئِذٍ اهـ. قَالَ سم عَلَيْهِ: هَلْ يَنْقُضُ حِينَئِذٍ خُرُوجُ رِيقِهِ وَنَفَسِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الرِّيحِ نَاقِضٌ، وَالنَّقْضُ بِذَلِكَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ شَيْخِنَا الشِّهَابِ الرَّمْلِيِّ خِلَافَ ذَلِكَ، وَاخْتِصَاصُ هَذَا بِمَا يَطْرَأُ انْفِتَاحُهُ دُونَ الْمُنْفَتِحِ أَصَالَةً.
(مَسْأَلَةٌ) لَوْ خُلِقَ إنْسَانٌ بِلَا دُبُرٍ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ يَنْفَتِحْ لَهُ مَخْرَجٌ وَقُلْنَا بِمَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُنْفَتِحَ أَصَالَةً كَالْفَمِ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْأَصْلِيِّ فَهَلْ يَنْتَقِضُ وُضُوءُ هَذَا بِالنَّوْمِ الْغَيْرِ الْمُمَكَّنِ أَخْذًا بِإِطْلَاقِهِمْ أَنَّ النَّوْمَ الْغَيْرَ الْمُمَكَّنِ نَاقِضٌ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِعَدَمِ النَّقْضِ؛ لِأَنَّ عِلَّتَهُ أَنَّ النَّوْمَ الْغَيْرَ الْمُمَكَّنِ مَظِنَّةُ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ الدُّبُرِ إذْ لَا دُبُرَ لَهُ، وَيَحْتَمِلُ النَّقْضَ أَخْذًا بِإِطْلَاقِهِمْ وَاكْتِفَاءً بِأَنَّ النَّوْمَ مَظِنَّةُ الْخُرُوجِ فِي الْجُمْلَةِ: أَيْ بِالنَّظَرِ لِغَيْرِ مِثْلِ هَذَا الشَّخْصِ، وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ الْأَوَّلَ.
لَا يُقَالُ يُؤَيِّدُ الثَّانِيَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْخُرُوجَ مِنْ الْقُبُلِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِاحْتِمَالِ الْخُرُوجِ مِنْهُ لِنُدْرَتِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: تُسْتَثْنَى هَذِهِ الْحَالَةُ فَيُقَامُ فِيهَا الْقُبُلُ مَقَامَ الدُّبُرِ حَتَّى فِي خُرُوجِ الرِّيحِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ
(قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) كَأَنْ زَالَ التَّمْيِيزُ بِمَرَضٍ قَامَ بِهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَالْحُكْمُ مُخْتَصٌّ بِهِ) أَيْ بِالنَّقْضِ، وَمُرَادُهُ اخْتِصَاصُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّقْضِ لِيَشْمَلَ مَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَوْ نَامَ مُتَمَكِّنًا
نَاقِضًا؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِهِ، فَأُقِيمَ مَقَامَ الْيَقِينِ كَمَا أُقِيمَتْ الشَّهَادَةُ الْمُفِيدَةُ لِلظَّنِّ مَقَامَ الْيَقِينِ فِي شَغْلِ الذِّمَّةِ، وَلِهَذَا لَمْ يُعَوِّلُوا عَلَى احْتِمَالِ رِيحٍ يَخْرُجُ مِنْ الْقُبُلِ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ، وَسَوَاءٌ فِي الْإِغْمَاءِ أَكَانَ مُتَمَكِّنَ الْمَقْعَدَةِ أَمْ لَا؛ لِمَا تَقَدَّمَ وَالْعَقْلُ صِفَةٌ يُمَيِّزُ بِهَا بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ، وَقِيلَ غَرِيزَةٌ يَتْبَعُهَا الْعِلْمُ بِالضَّرُورِيَّاتِ عِنْدَ سَلَامَةِ الْآلَاتِ وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ الِانْتِقَاضِ بِالنَّوْمِ مُضْطَجِعًا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي خَصَائِصِهِ؛ وَخَرَجَ بِزَوَالِ الْعَقْلِ النُّعَاسُ وَحَدِيثُ النَّفْسِ، وَأَوَائِلُ نَشْوَةِ السُّكْرِ فَلَا نَقْضَ بِهَا؛ وَمِنْ عَلَامَاتِ النُّعَاسِ سَمَاعُ كَلَامِ الْحَاضِرِينَ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْهُ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ النَّوْمِ الرُّؤْيَا، فَلَوْ رَأَى رُؤْيَا وَشَكَّ هَلْ نَامَ أَوْ نَعِسَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ (إلَّا نَوْمَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ) مِنْ مَقَرِّهِ،
[حاشية الشبراملسي]
زَوَالَ الْعَقْلِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ) عِبَارَةِ النِّهَايَةِ الْمَظَانُّ جَمْعُ مَظِنَّةٍ بِكَسْرِ الظَّاءِ وَهُوَ مَوْضِعُ الشَّيْءِ وَمَعْدِنِهِ مِفْعَلَةٌ مِنْ الظَّنِّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ فَتْحُ الظَّاءِ وَإِنَّمَا كُسِرَتْ لِأَجْلِ الْهَاءِ اهـ (قَوْلُهُ: رِيحٌ يَخْرُجُ مِنْ الْقُبُلِ) وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ الدَّمِيرِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ اهـ. وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ مَنْ يَكْثُرُ خُرُوجُ الرِّيحِ مِنْ قُبُلِهِ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِنَوْمِهِ غَيْرَ مُمَكَّنٍ قُبُلُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ فِي الْإِغْمَاءِ) وَمِثْلُهُ الْجُنُونُ وَالسُّكْرُ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ: لِمَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا الْمَظِنَّةَ مَقَامَ الْيَقِينِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ غَرِيزَةٌ) هُوَ مُغَايِرٌ لِمَا قَبْلَهُ مَفْهُومًا وَلَعَلَّ مَا صَدَقَهُمَا وَاحِدٌ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ مَنْبَعُهُ رَأْسُهُ، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ يَجْرِي مِنْهُ مَجْرَى النُّورِ مِنْ الشَّمْسِ وَالرُّؤْيَا مِنْ الْعَيْنِ، وَمَنْ عَكَسَ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ اسْتِلْزَامُهُ لَهُ وَأَنَّهُ تَعَالَى يُوصَفُ بِهِ لَا بِالْعَقْلِ اهـ (قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي خَصَائِصِهِ) وَكَنَبِيِّنَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الزِّيَادَيْ، أَوْ نَوْمٌ أَوْ لِغَيْرِ نَبِيٍّ اهـ.
وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَمِثْلُ النَّوْمِ فِي حَقِّهِمْ الْإِغْمَاءُ فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُمْ بِهِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَوَاشِي التَّحْرِيرِ لِشَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا نَصُّهُ: قَوْلٌ أَوْ نَوْمٌ: أَيْ فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، أَمَّا هُمْ فَلَا نَقْضَ بِنَوْمِهِمْ، وَأَمَّا إغْمَاؤُهُمْ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْجَلَالِ السُّيُوطِيّ، قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَجُوزُ الْجُنُونُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ، وَيَجُوزُ الْإِغْمَاءُ؛ لِأَنَّهُ مَرَضٌ، وَنَبَّهَ السُّبْكِيُّ عَلَى أَنَّ الْإِغْمَاءَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُمْ لَيْسَ كَالْإِغْمَاءِ الَّذِي يَحْصُلُ لِآحَادِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا هُوَ غَلَبَةُ الْأَوْجَاعِ لِلْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ فَقَطْ دُونَ الْقَلْبِ، قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ إنَّمَا تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ دُونَ قُلُوبِهِمْ، فَإِذَا حُفِظَتْ قُلُوبُهُمْ وَعُصِمَتْ مِنْ النَّوْمِ الَّذِي هُوَ أَخَفُّ مِنْ الْإِغْمَاءِ فَمِنْ الْإِغْمَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى اهـ، وَهُوَ كَلَامٌ نَفِيسٌ جِدًّا اهـ بِحُرُوفِهِ وَمِنْ النَّاقِضِ أَيْضًا اسْتِغْرَاقُ الْأَوْلِيَاءِ أَخْذًا مِنْ إطْلَاقِهِمْ خِلَافًا لِمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ ضَعَفَةِ الطَّلَبَةِ (قَوْلُهُ: وَأَوَائِلُ نَشْوَةٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ بِلَا هَمْزٍ (قَوْلُهُ سَمَاعُ كَلَامِ الْحَاضِرِينَ) خَرَجَ بِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ مَا لَوْ تَيَقَّنَ الرُّؤْيَا مَعَ عَدَمِ تَذَكُّرِ نَوْمٍ فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ بِخِلَافِهِ مَعَ الشَّكِّ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا مُرَحِّجَةٌ لِأَحَدِ طَرَفَيْهِ اهـ. وَنَازَعَ فِي هَذِهِ التَّفْرِقَةِ سم عَلَيْهِ فَلْيُرَاجَعْ، وَمِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ أَنْ قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ فَالْوَجْهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَمَكِّنًا وَلَوْ احْتِمَالًا فَلَا نَقْضَ فِيهِمَا وَإِلَّا حَصَلَ النَّقْضُ فِيهِمَا فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَوْ نَعَسَ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ: نَعُسَ يَنْعَسُ بِالضَّمِّ وَمِثْلُهُ فِي الصِّحَاحِ اهـ (قَوْلُهُ: إلَّا نَوْمَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ) عِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ: إلَّا نَوْمَ قَاعِدٍ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ إلَخْ، قَالَ سم عَلَيْهِ: التَّقْيِيدُ بِالْقَاعِدِ الَّذِي زَادَهُ قَدْ
[حاشية الرشيدي]
عَلَيْهِ لَانْتَقَضَ وُضُوءُهُ
[الثَّانِي مِنْ أَسْبَاب الْحَدَث زَوَالُ الْعَقْلِ]
(قَوْلُهُ: وَلِهَذَا) أَيْ لِكَوْنِ زَوَالِ الْعَقْلِ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ دُبُرِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ مَظِنَّةً لِذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ شَأْنِهِ فَخَرَجَ النَّادِرُ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: الْمَظَانُّ جَمْعُ مَظِنَّةٍ بِكَسْرِ الظَّاءِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الشَّيْءِ وَمَعْدِنُهُ (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ فِي الْإِغْمَاءِ) أَيْ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ الْقَرَارُ فَيَتَأَتَّى مَعَهُ التَّمَكُّنُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: لِمَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ أَنَّ الذُّهُولَ مَعَهُ أَيْ كَغَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ أَبْلَغُ خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ غَرِيزَةٌ) هُوَ مُغَايِرٌ لِمَا قَبْلَهُ مَفْهُومًا وَمَاصَدَقًا كَمَا لَا يَخْفَى خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ
وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ كَمَا عُرِفَ مِنْ تَفْسِيرِ الْعَقْلِ بِمَا ذُكِرَ فَلَا يَنْقُضُ لِأَمْنِ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ دُبُرِهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِاحْتِمَالِ خُرُوجِ رِيحٍ مِنْ قُبُلِهِ لِنُدْرَتِهِ كَمَا مَرَّ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ نَامَ مُتَمَكِّنًا بِالْمُنْفَتِحِ النَّاقِضِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ التَّنْبِيهِ، وَحُمِلَ عَلَى ذَلِكَ نَوْمُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - حَيْثُ كَانُوا يَنَامُونَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ الْأَرْضَ، وَشَمِلَتْ عِبَارَةُ الْأَرْضِ وَالدَّابَّةِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا فَرْقَ فِي الْمُتَمَكِّنِ بَيْنَ أَنْ يَنَامَ مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ لَسَقَطَ أَوَّلًا، وَدَخَلَ فِيهِ مَا لَوْ نَامَ مُحْتَبِيًا: أَيْ ضَامًّا ظَهْرَهُ وَسَاقَيْهِ بِعِمَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَا نَقْضَ
[حاشية الشبراملسي]
يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَائِمَ قَدْ يَكُونُ مُمَكِّنًا كَمَا لَوْ انْتَصَبَ وَفَرَّجَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَأَلْصَقَ الْمَخْرَجَ بِشَيْءٍ مُرْتَفِعٍ إلَى حَدِّ الْمَخْرَجِ، وَلَا يَتَّجِهُ إلَّا أَنَّ هَذَا تَمَكُّنٌ مَانِعٌ مِنْ النَّقْضِ فَيَنْبَغِي الْإِطْلَاقُ، وَلَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: لِأَمْنِ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ دُبُرِهِ) عِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِمْ لِأَمْنِ إلَخْ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ نَائِمًا غَيْرَ مُمَكِّنٍ مَعْصُومٍ كَالْخَضِرِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُ نَبِيٌّ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ، وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُهُمْ.
وَقَدْ يُنَازِعُهُ قَاعِدَةُ أَنَّ مَا نِيطَ بِالْمَظِنَّةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ كَالْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ اهـ.
(فَرْعٌ) خُلِقَتْ السُّرَّةُ فِي مَحَلٍّ أَعْلَى مِنْ مَحَلِّهَا الْغَالِبِ كَصَدْرِهِ، أَوْ الرُّكْبَةُ أَسْفَلَ مِنْ مَحَلِّهَا الْغَالِبِ، فَالْوَجْهُ اعْتِبَارُهُمَا دُونَ مَحَلِّهِمَا الْغَالِبِ فَيَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ زَادَ عَلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ مَحَلِّهِمَا الْغَالِبِ، وَلَوْ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ سُرَّةٌ أَوْ رُكْبَةٌ قَدَّرَ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ: لِنُدْرَتِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ اُبْتُلِيَ بِهِ وَكَثُرَ نُقِضَ وُضُوءُهُ بِنَوْمِهِ غَيْرَ مُمَكِّنٍ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ النَّقْضِ بِهِ مُطْلَقًا كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ شَرَفٍ عَنْ الشَّارِحِ اهـ (قَوْلُهُ: بِالْمُنْفَتِحِ النَّاقِضِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الِانْفِتَاحُ أَصْلِيًّا أَوْ عَارِضًا وَهُوَ الْمُحْتَاجُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، أَمَّا الْأَصْلِيُّ فَقَدْ عُلِمَ حُكْمُهُ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ، أَمَّا الْخِلْقِيُّ فَمُنْفَتِحُهُ كَالْأَصْلِيِّ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ.
هَذَا، وَقَضِيَّةُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ أَحْكَامَ الْأَصْلِيِّ ثَابِتَةٌ لَهُ فِي الِانْسِدَادِ الْعَارِضِ الِانْتِقَاضُ بِالنَّوْمِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُمَكِّنًا لَهُ، وَعَلَيْهِ فَإِذَا مَكَّنَ الْمُنْفَتِحُ دُونَ الْأَصْلِيِّ وَنَامَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ.
(فَائِدَةٌ) لَوْ خُلِقَ لَهُ فَرْجَانِ أَصْلِيَّانِ نَقَضَ الْخَارِجُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ أَصْلِيٌّ وَزَائِدٌ وَاشْتَبَهَ فَلَا نَقْضَ بِخَارِجٍ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلشَّكِّ، فَلَوْ انْسَدَّ أَحَدُهُمَا وَانْفَتِحْ ثُقْبَةٌ تَحْتَ الْمَعِدَةِ فَلَا نَقْضَ بِالْخَارِجِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ انْسِدَادَ الْأَصْلِيِّ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِانْسِدَادِهِمَا مَعًا، وَيَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْ الْفَرْجِ الَّذِي لَمْ يَنْسَدَّ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أَصْلِيًّا فَالنَّقْضُ بِهِ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ زَائِدًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الثُّقْبَةِ الْمُنْفَتِحَةِ مَعَ انْسِدَادِ الْأَصْلِيِّ، فَالنَّقْضُ بِهِ مُتَحَقِّقٌ سَوَاءٌ كَانَ زَائِدًا أَوْ أَصْلِيًّا بِخِلَافِ الثُّقْبَةِ.
(فَرْعٌ) لَوْ نَامَ مُمَكِّنًا فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَضُرَّ إنْ قَصُرَ، وَكَذَا إنْ طَالَ فِي رُكْنٍ طَوِيلٍ، فَإِنْ طَالَ فِي قَصِيرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
لَا يُقَالُ كَيْفَ تَبْطُلُ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ عَامِدٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا كَانَتْ مُقَدَّمَاتُ النَّوْمِ تَقَعُ بِالِاخْتِيَارِ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْعَامِدِ م ر - رَحِمَهُ اللَّهُ - اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ فِي النَّائِمِ قَاعِدًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْقَاعِدِ لَا تَمْكِينَ لَهُ إلَّا فِي الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنْ سم - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(قَوْلُهُ: حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ الْأَرْضَ) عِبَارَةُ حَجّ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ نَوْمَ الْمُمَكِّنِ لَا يَنْقُضُ، وَعَلَيْهِ حَمَلْنَا خَبَرَ مُسْلِمٍ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد: يَنَامُونَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ الْأَرْضَ اهـ. وَقَدْ يُشْعِرُ قَوْلُهُ؛ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد بِأَنَّ لَهُ رِوَايَةً أُخْرَى غَيْرَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَيْسَ فِيهَا لَفْظُ الْأَرْضِ وَهُوَ الَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، وَلَمْ نَرَ لَفْظَ الْأَرْضِ مَذْكُورًا فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ لَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَلَا فِي الْمِشْكَاةِ وَلَا فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ.
وَفِي النِّهَايَةِ حَدِيثُ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ: أَيْ حَتَّى تَسْقُطَ أَذْقَانُهُمْ عَلَى صُدُورِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ، وَقِيلَ هُوَ مِنْ الْخُفُوقِ وَالِاضْطِرَابِ اهـ.
وَاقْتِصَاره فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: أَيْ حَتَّى إلَخْ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ لَفْظَ الْأَرْضِ فِي رِوَايَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ) قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ لَا يَخْفَى: أَنَّ النَّوْمَ الْمَذْكُورَ مُسْتَثْنًى مِنْ مَحْذُوفٍ أَيْ زَوَالُ الْعَقْلِ بِشَيْءٍ لَا لَوْمَ إلَى آخِرِهِ (قَوْلُهُ: لِنُدْرَتِهِ) جَرَى عَلَى الْغَالِبِ فَلَا نَقْضَ بِنَوْمِ مَنْ اعْتَادَ ذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ (قَوْلُهُ: بِالْمُنْفَتِحِ النَّاقِضِ) أَيْ
بِهِ، وَلَا تَمْكِينَ لِمَنْ نَامَ قَاعِدًا هَزِيلًا بَيْنَ بَعْضِ مَقْعَدِهِ وَمَقَرِّهِ تَجَافٍ كَمَا نَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ عَنْ الرُّويَانِيِّ وَأَقَرَّهُ، وَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ كَوْنِهِ مُتَمَكِّنًا مَحْمُولٌ عَلَى هَزِيلٍ لَيْسَ بَيْنَ بَعْضِ مَقْعَدِهِ وَمَقَرِّهِ تَجَافٍ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِعَدَمِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ، وَلَعَلَّ مُرَادَ الْأَوَّلِ بِالتَّجَافِي مَا لَا يَمْنَعُ خُرُوجَ شَيْءٍ لَوْ خَرَجَ بِلَا إحْسَاسٍ عَادَةً وَلَا تَمْكِينَ لِمَنْ نَامَ عَلَى قَفَاهُ مُلْصِقًا مَقْعَدَهُ بِمَقَرِّهِ، وَلَوْ زَلَّتْ إحْدَى أَلْيَتَيْ نَائِمٍ مُمَكِّنٍ قَبْلَ انْتِبَاهِهِ نُقِضَ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ أَوْ شَكَّ فِي تَقَدُّمِهِ أَوْ فِي أَنَّهُ نَائِمٌ أَوْ نَاعِسٌ أَوْ فِي أَنَّهُ مُمَكِّنٌ أَوَّلًا أَوْ أَنَّ مَا خَطَر بِبَالِهِ رُؤْيَا أَوْ حَدِيثُ نَفْسٍ فَلَا
(الثَّالِثُ: الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ) أَيْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَلَوْ بِلَا شَهْوَةٍ وَلَوْ مَعَ نِسْيَانٍ أَوْ إكْرَاهٍ سَوَاءٌ أَكَانَ الْعُضْوُ زَائِدًا أَمْ أَصْلِيًّا سَلِيمًا أَمْ أَشَلَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: 6] أَيْ لَمَسْتُمْ كَمَا قُرِئَ بِهِ وَهُوَ الْجَسُّ بِالْيَدِ كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ لَا جَامَعْتُمْ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَقَدْ عُطِفَ اللَّمْسُ عَلَى الْمَجِيءِ مِنْ الْغَائِطِ وَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا الْأَمْرَ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ فَدَلَّ عَلَى كَوْنِهِ حَدَثًا كَالْمَجِيءِ مِنْ الْغَائِطِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ مَظِنَّةُ ثَوَرَانِ الشَّهْوَةِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الذَّكَرُ فَحْلًا أَمْ عِنِّينًا أَمْ مَجْبُوبًا أُمّ خَصِيًّا أَمْ مَمْسُوحًا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأُنْثَى عَجُوزًا هِمًّا لَا تُشْتَهَى غَالِبًا أَمْ لَا، إذْ مَا مِنْ سَاقِطَةٍ إلَّا وَلَهَا لَاقِطَةٌ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ اللَّمْسُ بِالْيَدِ أَمْ غَيْرِهَا.
وَالْبَشَرَةُ مَا لَيْسَ بِشَعْرٍ وَلَا سِنٍّ وَلَا ظُفْرٍ، فَشَمِلَ مَا لَوْ وَضَحَ عَظْمَ الْأُنْثَى وَلَمَسَهُ: أَيْ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيَدُلُّ لَهُ عِبَارَةُ الْأَنْوَارِ، وَشَمِلَ اللَّحْمُ لَحْمَ الْأَسْنَانِ وَاللِّثَةِ وَاللِّسَانِ وَبَاطِنِ الْعَيْنِ وَمَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَا حَائِلَ وَإِلَّا فَلَا نَقْضَ وَلَوْ رَقِيقًا لَا يَمْنَعُ إدْرَاكَهَا
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: بَيْنَ بَعْضِ مَقْعَدِهِ) وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمَخُوفُ الْمُفْرِطُ (قَوْلُهُ مُلْصِقًا مَقْعَدَهُ) أَيْ وَلَوْ مُسْتَقِرًّا سم عَلَى مَنْهَجٍ
(قَوْلُهُ: الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ) قَالَ م ر: هِيَ شَامِلَةٌ لِلْجِنِّيَّةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ تَحَقَّقَ كَوْنُ الْمَلْمُوسَةِ مِنْ الْجِنِّ أُنْثَى مِنْهُمْ، كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَزَوُّجُ الْجِنِّيَّةِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ فِي أُنُوثَةِ الْمَلْمُوسِ مِنْهُمْ إذْ لَا نَقْضَ بِالشَّكِّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَوَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا لَوْ تَصَوَّرَ وَلِيٌّ بِصُورَةِ امْرَأَةٍ أَوْ مُسِخَ رَجُلٌ امْرَأَةً هَلْ يَنْقُضُ أُمّ لَا؟ فَأَجَبْت عَنْهُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْأُولَى عَدَمُ النَّقْضِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ عَيْنَهُ لَمْ تَنْقَلِبْ، وَإِنَّمَا انْخَلَعَ مِنْ صُورَةٍ إلَى صُورَةٍ مَعَ بَقَاءِ صِفَةِ الذُّكُورَةِ، وَأَمَّا الْمَسْخُ فَالنَّقْضُ فِيهِ مُحْتَمَلٌ لِقُرْبِ تَبَدُّلِ الْعَيْنِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ فِيهِ بِعَدَمِ النَّقْضِ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ تَبَدُّلِ الصِّفَةِ دُونَ الْعَيْنِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ: لَا يُكْتَفَى بِالْخَيَالِ فِي الْفَرْقِ قَالَهُ الْإِمَامُ، وَعَقَّبَهُ بِمَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَنْقَدِحُ عَلَى بُعْدٍ دُونَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ الْجَمْعِ، وَعَبَّرَ غَيْرُهُ بِأَنَّ كُلَّ فَرْقٍ مُؤَثِّرٍ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْجَامِعَ أَظْهَرُ: أَيْ عِنْدَ ذَوِي السَّلِيقَةِ السَّلِيمَةِ، وَإِلَّا فَغَيْرُهُمْ يَكْثُرُ مِنْهُ الزَّلَلُ فِي ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: الْفِقْهُ فَرْقٌ وَجَمْعٌ اهـ (قَوْلُهُ: عَجُوزًا هِمًّا) عِبَارَةُ الْمُخْتَارِ: الْهِمُّ الشَّيْخُ الْفَانِي وَالْمَرْأَةُ هِمَّةٌ اهـ بِحُرُوفِهِ؛ فَكَانَ الْأَوْلَى إلْحَاقُ الْهَاءِ (قَوْلُهُ: إذْ مَا مِنْ سَاقِطَةٍ) أَيْ مَا مِنْ ثَمَرَةٍ أَوْ نَحْوِهَا سَاقِطَةٍ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ لِخِسَّتِهَا إلَّا وَلَهَا نَسَمَةٌ لَاقِطَةٌ: أَيْ إلَّا وَلَهَا مَنْ تَمِيلُ نَفْسُهُ إلَيْهَا مَعَ خِسَّتِهَا، فَالْمَرْأَةُ وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا شَوْهَاءَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ مَنْ يَرْغَبُ فِيهَا وَتَمِيلُ نَفْسُهُ إلَيْهَا.
وَفِي الْمُخْتَارِ: وَهَذَا الْفِعْلُ مَسْقَطَةٌ لِلْإِنْسَانِ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ بِوَزْنِ مَشْرَبَةٍ.
ثُمَّ قَالَ: وَالسَّاقِطُ وَالسَّاقِطَةُ اللَّئِيمُ فِي حَسَبِهِ وَنَسَبِهِ اهـ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَقَوْلُهُ عَظْمَ أُنْثَى وَلَمَسَهُ) أَيْ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ وَإِنْ لَمْ يَلْتَذَّ بِلَمْسِهِ الْآنَ اسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ قَبْلَ زَوَالِ الْجِلْدِ وَبِهَذَا فَارَقَ السِّنَّ (قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ لَهُ عِبَارَةُ الْأَنْوَارِ) وَهِيَ الْمُرَادُ بِالْبَشَرَةِ هُنَا غَيْرُ الشَّعْرِ وَالسِّنِّ وَالظُّفْرِ (قَوْلُهُ: وَاللِّثَةُ) عَطْفُ جُزْءٍ عَلَى كُلٍّ، إذْ اللِّثَةُ بَعْضُ لَحْمِ الْأَسْنَانِ، إذْ هِيَ مَا عَلَى الثَّنَايَا وَمَا حَوْلَهَا فَقَطْ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ) عِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ: وَعُلِمَ مِنْ الِالْتِقَاءِ أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِاللَّمْسِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ إلَخْ، وَهِيَ أَوْلَى مِنْ جَعْلِ الشَّارِحِ لَهَا قَيْدًا؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْبَشَرَةِ يُخْرِجُ الْحَائِلَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ رَقِيقًا لَا يَمْنَعُ إدْرَاكَهَا) زَادَ حَجّ بَعْدُ
[حاشية الرشيدي]
الْقَائِمِ مَقَامَ الدُّبُرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
[الثَّالِثُ الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ]
(قَوْلُهُ: وَشَمِلَ اللَّحْمَ) أَيْ الْمَشْمُولَ بِقَوْلِهِ، وَالْبَشَرَةُ مَا لَيْسَ بِشَعْرٍ إلَخْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ
وَخَرَجَ بِمَا ذَكَرَهُ الذَّكَرَانِ وَلَوْ أَمْرَدَ حَسَنًا وَالْأُنْثَيَانِ وَالْخُنْثَيَانِ وَالْخُنْثَى وَالذَّكَرُ أَوْ الْأُنْثَى وَالْعُضْوُ الْمُبَانُ لِانْتِفَاءِ مَظِنَّةِ الشَّهْوَةِ، وَشَمِلَ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ النَّقْضَ بِلَمْسِ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ وَالْمُرْتَدَّةِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْأَنْوَارِ اكْتِفَاءً بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَحِلَّ لَهُ فِي وَقْتٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّقْضِ بِنَحْوِ الْمَجُوسِيَّةِ وَجَعْلَهَا كَالذَّكَرِ فِي جَوَازِ تَمَلُّكِ الرَّجُلِ لَهَا فِي بَابِ اللُّقَطَةِ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ اللَّمْسَ أَشَدُّ تَأْثِيرًا لِإِثَارَةِ الشَّهْوَةِ حَالًا مِنْ الْمِلْكِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ اللَّمْسُ أَصْلًا، لَا سِيَّمَا وَالْآيَةُ شَمِلَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ وُضُوءَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ فَيُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْحَيِّ (إلَّا مَحْرَمًا فِي الْأَظْهَرِ) فَلَا يَنْقُضُ لَمْسُهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ.
وَالثَّانِي يَنْقُضُ لِعُمُومِ النِّسَاءِ فِي الْآيَةِ، وَالْأَوَّلُ اسْتَنْبَطَ مِنْهَا مَعْنًى خَصَّصَهَا.
وَالْمَحْرَمُ مَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لِحُرْمَتِهَا، وَاحْتَرَزَ بِالتَّأْبِيدِ عَمَّنْ يَحْرُمُ جَمْعُهَا مَعَ الزَّوْجَةِ كَأُخْتِهَا، وَبِالْمُبَاحِ عَنْ أُمِّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَبِنْتِهَا فَإِنَّهُمَا يَحْرُمَانِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَيْسَتَا بِمَحْرَمٍ لَهُ لِعَدَمِ إبَاحَةِ السَّبَبِ، إذْ وَطْءُ الشُّبْهَةِ لَا يُوصَفُ بِإِبَاحَةٍ وَلَا تَحْرِيمٍ.
وَلَا يَرِدُ عَلَى الضَّابِطِ زَوْجَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْحَدَّ صَادِقٌ عَلَيْهِنَّ وَلَسْنَ بِمَحَارِمَ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِحُرْمَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا لِحُرْمَتِهِنَّ، وَلَا الْمَوْطُوءَةُ فِي نَحْوِ حَيْضٍ؛ لِأَنَّ
[حاشية الشبراملسي]
مِثْلُ مَا ذَكَرَ، وَمِنْهُ مَا تَجَمَّدَ مِنْ غُبَارٍ يُمْكِنُ فَصْلُهُ: أَيْ مِنْ غَيْرِ خَشْيَةِ مُبِيحِ تَيَمُّمٍ فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الْوَشْمِ لِوُجُوبِ إزَالَتِهِ، لَا مِنْ نَحْوِ عِرْقٍ حَتَّى صَارَ كَالْجُزْءِ مِنْ الْجِلْدِ انْتَهَى - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وَكَالْعِرْقِ بِالْأَوْلَى فِي النَّقْضِ مَا يَمُوتُ مِنْ جِلْدِ الْإِنْسَانِ بِحَيْثُ لَا يُحِسُّ بِلَمْسِهِ وَلَا يَتَأَثَّرُ بِغَرْزِ نَحْوِ إبْرَةٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ حَقِيقَةً فَهُوَ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَسَيَأْتِي أَنَّهَا تَنْقُضُ، وَيَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ يَبِسَتْ جِلْدَةُ جَبْهَتِهِ حَتَّى صَارَتْ لَا يُحِسُّ بِهِمْ يُصِيبُهَا، فَيَصِحُّ السُّجُودُ عَلَيْهَا، وَلَا يُكَلَّفُ إزَالَةَ الْجِلْدِ الْمَذْكُورِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ إزَالَتِهِ مَشَقَّةٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمْرَدَ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمَلْمُوسُ أَمْرَدَ حَسَنًا (قَوْلُهُ: وَالْأُنْثَيَانِ) أَيْ وَلَوْ الْتَذَّتَا بِاللَّمْسِ وَكَانَتْ عَادَتُهُمَا السِّحَاقَ (قَوْلُهُ: وَالْعُضْوُ الْمُبَانُ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَزِدْ عَلَى النِّصْفِ عَلَى مَا يَأْتِي لَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: فِي بَابِ اللُّقَطَةِ) أَيْ وَالْقَرْضُ انْتَهَى حَجّ (قَوْلُهُ: فَيُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْحَيِّ) أَيْ لَا الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ: عَلَى التَّأْبِيدِ) أَيْ فَيَنْتَقِصُ لِمَسِّهِمَا (قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ بِالتَّأْبِيدِ إلَخْ) مَا أَخْرَجَهُ بِقَوْلِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ يَخْرُجُ بِمَا قَبْلَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى إخْرَاجِهِ بِهِ، بَلْ كُلٌّ مِنْ الْعِبَارَتَيْنِ مُحَصِّلٌ لِلْمَقْصُودِ فَهُمَا تَعْرِيفَانِ أَحَدُهُمَا يُغْنِي عَنْ الْآخَرِ.
وَأَمَّا أُخْتُ الزَّوْجَةِ فَالْمُتَعَلِّقُ بِهَا إنَّمَا هُوَ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إخْرَاجِهَا (قَوْلُهُ: وَلَيْسَتَا بِمُحْرِمٍ لَهُ) أَيْ فَيَنْقُضُ لَمْسُهُمَا (قَوْلُهُ: إذْ وَطْءُ الشُّبْهَةِ لَا يُوصَفُ) مَحَلُّ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ، أَمَّا لَوْ وَطِئَ أَمَةً فَرْعَهُ أَوْ مُشْتَرَكَةً، فَإِنَّ وَطْأَهُ حَرَامٌ مَعَ كَوْنِهِ شُبْهَةً، فَقَوْلُهُمْ وَطْءُ الشُّبْهَةِ لَا يُوصَفُ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مَحَلُّهُ فِي شُبْهَةِ الْفَاعِلِ دُونَ الْمَحَلِّ وَالطَّرِيقِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَرِدُ عَلَى الضَّابِطِ زَوْجَاتُهُ) وَكَذَلِكَ زَوْجَاتُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْقُضَاعِيِّ، لَكِنْ هَلْ تَحْرِيمُهُنَّ عَلَى أُمَمِ الْأَنْبِيَاءِ خَاصَّةً أَوْ لَا حَتَّى يَحْرُمَ زَوْجَاتُ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى بَعْضٍ، فِيهِ نَظَرٌ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَوَاشِي الرَّمْلِيِّ عَلَى شَرْحِ الرَّوْضِ مَا نَصُّهُ: أَمَّا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا يَحْرُمُ نِكَاحُ أَزْوَاجِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قَالَهُ الْقُضَاعِيُّ فِي عُيُونِ الْمَعَارِفِ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ حُرْمَتِهِنَّ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَحُرْمَتُهُنَّ عَلَى غَيْرِهِمْ، بِخِلَافِ زَوْجَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَرَامٌ عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى الْأَنْبِيَاءِ انْتَهَى بِحُرُوفِهِ.
وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ مَا نُقِلَ عَنْ الْقُضَاعِيِّ أَوَّلًا مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ عَنْهُ (قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ الْحَدَّ صَادِقٌ عَلَيْهِنَّ) فِي دَعْوَى صِدْقِ الْحَدِّ عَلَيْهِنَّ نَظَرَ لِخُرُوجِهِنَّ عَنْ التَّعْرِيفِ بِقَوْلِهِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَا الْمَوْطُوءَةُ فِي نَحْوِ حَيْضٍ) إخْرَاجُهَا إنَّمَا يَتَأَتَّى إذَا أُرِيدَ بِالنِّكَاحِ الْوَطْءُ، أَمَّا إذَا أُرِيدَ بِهِ الْعَقْدُ فَلَا؛ لِأَنَّهَا لَا يَحْرُمُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا
[حاشية الرشيدي]
اللَّحْمُ مَنْصُوبًا وَمَا بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ قَاصِرًا، لَكِنْ وَجْهُ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ خَفَاءُ حُكْمِهَا (قَوْلُهُ: بِسَبَبٍ مُبَاحٍ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ، فَهُمَا تَعْرِيفَانِ مُسْتَقِلَّانِ مَرْجِعُهُمَا وَاحِدٌ (قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ الْحَدَّ صَادِقٌ عَلَيْهِنَّ) مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُنَّ خَرَجْنَ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ، وَثَانِيًا بِقَوْلِهِ لِحُرْمَتِهَا كَمَا خَرَجَ بِهِمَا الْمُلَاعَنَةُ (قَوْلُهُ: وَلَا الْمَوْطُوءَةُ فِي نَحْوِ حَيْضٍ) أَيْ حَيْثُ يَحْرُمُ أُصُولُهَا وَفُرُوعُهَا بِوَطْئِهَا
حُرْمَتَهَا لِعَارِضٍ يَزُولُ، وَلَوْ شَكَّ فِي الْمَحْرَمِيَّةِ لَمْ يُنْتَقَضْ، ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ عَمَلًا بِأَصْلِ بَقَاءِ الطَّهَارَةِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ مَنْ شَكَّ هَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ أَمْ لَا، أَوْ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ وَتَزَوَّجَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِشَرْطِهِ وَلَمَسَهَا لَمْ يُنْتَقَضْ طُهْرُهُ وَلَا طُهْرُهَا، إذْ الْأَصْلُ بَقَاءُ الطُّهْرِ، وَقَدْ أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا فِي تَبْعِيضِ الْأَحْكَامِ؛ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ ثُمَّ اسْتَلْحَقَهَا أَبُوهُ وَثَبَتَ نَسَبُهَا مِنْهُ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الزَّوْجُ حَيْثُ يَسْتَمِرُّ النِّكَاحُ مَعَ ثُبُوتِ أُخُوَّتِهَا مِنْهُ.
وَيُلْغَزُ بِذَلِكَ فَيُقَالُ: زَوْجَانِ لَا نَقْضَ بَيْنَهُمَا، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ النَّقْضِ مَا لَمْ يَلْمِسْ فِي مَسْأَلَةِ الِاخْتِلَاطِ عَدَدًا أَكْثَرَ مِنْ عِدَّةِ مَحَارِمِهِ وَإِلَّا انْتَقَضَ (وَالْمَلْمُوسُ) وَهُوَ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ اللَّمْسُ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً (كَلَامِسٍ) (فِي الْأَظْهَرِ) فِي انْتِقَاضِ وُضُوئِهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي لَذَّةِ اللَّمْسِ كَالْمُشْتَرَكِينَ فِي لَذَّةِ الْجِمَاعِ، وَالثَّانِي لَا نَقْضَ وُقُوفًا مَعَ ظَاهِرِ الْآيَةِ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى اللَّامِسِ (وَلَا تُنْقَضُ صَغِيرَةٌ) لَا تُشْتَهَى عُرْفًا، وَكَذَا صَغِيرٌ لِانْتِفَاءِ الشَّهْوَةِ (وَشَعْرٌ وَسِنٌّ وَظُفْرٌ فِي الْأَصَحِّ) لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى بِلَمْسِ الْمَذْكُورَاتِ لِعَدَمِ الِالْتِذَاذِ بِلَمْسِهَا وَإِنْ اُلْتُذَّ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَشَمِلَ الشَّعْرَ النَّابِتَ عَلَى الْفَرْجِ فَلَا نَقْضَ بِهِ.
وَالثَّانِي يَنْقُضُ نَظَرًا لِظَاهِرِ الْآيَةِ فِي عُمُومِهَا لِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ.
وَيُسَنُّ الْوُضُوءُ مِنْ لَمْسِ ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
قَالَ النَّاشِرِيُّ فِي نُكَتِهِ: إنَّ الْعُضْوَ إذَا كَانَ دُونَ النِّصْفِ مِنْ الْآدَمِيِّ لَمْ يَنْقُضْ بِلَمْسِهِ، أَوْ فَوْقَهُ نَقَضَ، أَوْ نِصْفًا فَوَجْهَانِ انْتَهَى.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِحَيْثُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ أُنْثَى نَقَضَ، وَإِلَّا فَلَا، وَلِهَذَا قَالَ الْأُشْمُونِيُّ: الْأَقْرَبُ إنْ كَانَ قَطَعَ مِنْ نَفْسِهِ فَالْعِبْرَةُ بِالنِّصْفِ الْأَعْلَى، وَإِنْ شُقَّ نِصْفَيْنِ لَمْ يُعْتَبَرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِزَوَالِ الِاسْمِ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا
(الرَّابِعُ مَسُّ قُبُلِ الْآدَمِيِّ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَشَمِلَ مَا يُقْطَعُ فِي خِتَانِ الْمَرْأَةِ وَلَوْ بَارِزًا حَالَ اتِّصَالِهِ وَمُلْتَقَى الشَّفْرَيْنِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: حَيْثُ يَسْتَمِرُّ النِّكَاحُ) أَيْ فَلَوْ بَانَتْ مِنْهُ ثُمَّ أَرَادَ تَجْدِيدَ نِكَاحِهَا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ تَيَقُّنُ حِلِّ الْمَنْكُوحَةِ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا، وَأَمَّا الرَّجْعَةُ فَيُحْتَمَلُ صِحَّتُهَا؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ الشَّهْوَةِ) تَوَهَّمَ بَعْضُ ضَعَفَةِ الطَّلَبَةِ مِنْ الْعِلَّةِ نَقْضَ وُضُوءِ الصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّ مَلْمُوسَهَا وَهُوَ الْكَبِيرُ مَظِنَّةً لِلشَّهْوَةِ، وَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ فَإِنَّهَا لِصِغَرِهَا لَيْسَتْ مَظِنَّةً لِاشْتِهَائِهَا الْمَلْمُوسُ فَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهَا كَمَا لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ الِالْتِذَاذِ) يُخَالِفُهُ مَا قَرَّرُوهُ فِي النِّكَاحِ مِنْ أَنَّهُ يَحْرُمُ مَسُّهَا؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الِالْتِذَاذِ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا نَفْيُ اللَّذَّةِ الْقَوِيَّةِ الْمُثِيرَةِ لِلشَّهْوَةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ، وَالْمُرَادُ بِهَا فِي النِّكَاحِ مُجَرَّدُ الِالْتِذَاذِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَوِيًّا احْتِيَاطًا لِحُرْمَةِ الْمَسِّ (قَوْلُهُ: أَوْ فَوْقَهُ نُقِضَ) قَضِيَّتُهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ امْرَأَةً
(قَوْلُهُ: مَسُّ قُبُلِ الْآدَمِيِّ) شَمِلَ إطْلَاقَهُ السِّقْطَ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تَنْفُخْ فِيهِ الرُّوحُ، وَفِي فَتَاوَى الشَّارِحِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ هَلْ يَنْقُضُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ جَمَادٌ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَنْقُضُ وَلَمْ يُعَلِّلْهُ، وَعَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِشُمُولِ الِاسْمِ لَهُ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ وَيُقَالُ بِعَدَمِ النَّقْضِ لِتَعْلِيقِهِمْ النَّقْضَ بِمَسِّ فَرْجِ الْآدَمِيِّ، وَهَذَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ أَصْلٌ آدَمِيٌّ اهـ (قَوْلُهُ: الْآدَمِيُّ أَيْضًا) قَدْ يُخْرِجُ الْجِنِّيَّ.
وَفِي شَرْحِ الْعُبَابِ بَعْدَ أَنْ عَلَّلَ عَدَمَ نَقْضِ مَسِّ فَرْجِ الْبَهِيمَةِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُشْتَهًى طَبْعًا مَعَ أَنَّهُ لَا تَعَبُّدَ عَلَيْهَا وَلَا حُرْمَةَ لَهَا مَا نَصُّهُ: وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا النَّقْضِ بِلَمْسِ فَرْجِ الْجِنِّيِّ إذَا تَحَقَّقَ مَسُّهُ لَهُ، وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ التَّعَبُّدَ وَلَهُ حُرْمَةٌ اهـ سم عَلَى حَجّ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَارِزًا) أَيْ وَإِنْ طَالَ جِدًّا (قَوْلُهُ حَالَ اتِّصَالِهِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِثْلُهُ الْقُلْفَةُ حَالَ اتِّصَالِهَا اهـ أَيْ فَإِنْ قُطِعَا فَلَا نَقْضَ بِمَسِّهِمَا (قَوْلُهُ: وَمُلْتَقَى الشَّفْرَيْنِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ جَمِيعَ مُلْتَقَاهُمَا نَاقِضٌ، وَفِي شَرْحِهِ عَلَى الْعُبَابِ الْمُرَادُ بِمُلْتَقَاهُمَا طَرَفُ الْأَسْكَتَيْنِ الْمُنْضَمَّتَيْنِ عَلَى الْمَنْفَذِ، وَلَا يُشْتَرَطُ مَسُّهُمَا بَلْ مَسُّ إحْدَاهُمَا مِنْ بَاطِنِهَا أَوْ ظَاهِرِهَا نَاقِضٌ، بِخِلَافِ
[حاشية الرشيدي]
حَيْثُ كَانَتْ زَوْجَتَهُ مَعَ أَنَّ السَّبَبَ غَيْرُ مُبَاحٍ (قَوْلُهُ: حَيْثُ يَسْتَمِرُّ النِّكَاحُ إلَخْ) اُنْظُرْ بَقِيَّةَ الْأَحْكَامِ كَإِرْثِهَا مِنْهُ هَلْ تَتْبَعُ الزَّوْجِيَّةَ أَوْ الْأُخُوَّةَ (قَوْلُهُ:، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ) اُنْظُرْ هَلْ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلنِّصْفِ أَوْ لِلْعُضْوِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ
[الرَّابِعُ مَسُّ قُبُلِ الْآدَمِيِّ]
(قَوْلُهُ: مَا يُقْطَعُ) خَرَجَ بِهِ مَحَلُّهُ بَعْدَ الْقَطْعِ، وَقَوْلُهُ حَالَ اتِّصَالِهِ خَرَجَ بِهِ حَالُ انْفِصَالِهِ فَلَا نَقْضَ فِيهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ هُوَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ
(بِبَطْنِ الْكَفِّ) بِلَا حَائِلٍ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إلَى فَرْجِهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ وَلَا حِجَابٌ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَالْإِفْضَاءُ لُغَةً الْمَسُّ بِبَطْنِ الْكَفِّ وَمَسُّ الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِهِ أَفْحَشُ مِنْ مَسِّهِ مِنْ نَفْسِهِ لِهَتْكِهِ حُرْمَةَ غَيْرِهِ وَلِهَذَا لَا يَتَعَدَّى النَّقْضُ إلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِبَطْنِ الْكَفِّ الْمُنْطَبِقِ عِنْدَ وَضْعِ إحْدَى الْيَدَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى مَعَ تَحَامُلٍ يَسِيرٍ وَشَمِلَ إطْلَاقُهُ الذَّكَرَ الْمُبَانَ لِصِدْقِ الِاسْمِ.
وَأَمَّا فَرْجُ الْمَرْأَةِ الْمُبَانُ فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ إنْ بَقِيَ الِاسْمُ وَإِلَّا فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الذَّكَرَ لَوْ قُطِعَ وَدَقَّ حَتَّى
[حاشية الشبراملسي]
مَوْضِعِ خِتَانِهَا: أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى فَرْجًا اهـ بِحُرُوفِهِ وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ عَمِيرَةَ فِي الْجِنَايَاتِ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَرْعٌ فِي الْعَقْلِ دِيَةٌ مَا نَصُّهُ: قَوْلُ الشَّارِحِ وَهُمَا: أَيْ الشَّفْرَانِ طَرَفَا الْفَرْجِ هَذَا تَابِعٌ لِلْأَزْهَرِيِّ حَيْثُ قَالَ الْأَسْكَتَيْنِ نَاحِيَتَا الْفَرْجِ وَالشَّفْرَانِ طَرَفَاهُمَا، كَمَا أَنَّ أَشْفَارَ الْعَيْنِ أَهْدَابُهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: الشَّفْرَانِ هُمَا اللَّحْمَانِ الْمُحِيطَانِ بِالْفَرْجِ إحَاطَةً الشَّفَةِ بِالْفَمِ اهـ بِحُرُوفِهِ، وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ قَوْلُهُ عَلَى الْمَنْفَذِ: أَيْ الْمُحِيطَيْنِ بِهِ إحَاطَةَ الشَّفَتَيْنِ بِالْفَمِ دُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَنُقِلَ فِي الدَّرْسِ عَنْ وَالِدِ الشَّارِحِ بِهَوَامِشِ شَرْحِ الرَّوْضِ مَا يُوَافِقُ إطْلَاقَ الشَّارِحِ، وَالْمُعْتَمَدُ إطْلَاقُ الشَّارِحِ هُنَا، وَعِبَارَةُ حَاشِيَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ الْمُرَادُ بِقُبُلِ الْمَرْأَةِ الشَّفْرَانِ عَلَى الْمَنْفَذِ مِنْ أَوَّلِهِمَا إلَى آخِرِهِمَا: أَيْ بَطْنًا وَظَهْرًا لَا مَا هُوَ عَلَى الْمَنْفَذِ مِنْهُمَا كَمَا وَهَمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اهـ.
ثُمَّ قَضِيَّةُ عَطْفِهِ مُلْتَقَى الشَّفْرَيْنِ عَلَى مَا يُقْطَعُ فِي خِتَانِ الْمَرْأَةِ أَنَّ النَّقْضَ يَحْصُلُ بِمُلْتَقَى الشَّفْرَيْنِ وَبِمَسِّ مَا يُقْطَعُ فِي خِتَانِ الْمَرْأَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ مُلْتَقَى مَا عَلَى الْمَنْفَذِ (قَوْلُهُ: بِبَطْنِ الْكَفِّ) أَيْ وَلَوْ انْقَلَبَتْ الْكَفُّ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ عَدَمُ النَّقْضِ بِهَا مُطْلَقًا، وَأَطَالَ فِيهِ فِي غَيْرِ شَرْحِ الْمِنْهَاجِ.
وَفِي شَرْحِ الْعُبَابِ لِلشَّارِحِ: وَلَوْ خُلِقَ بِلَا كَفٍّ لَمْ يُقَدَّرْ قَدْرُهَا مِنْ الذِّرَاعِ.
وَلَا يُنَافِيه مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ خُلِقَ بِلَا مِرْفَقٍ أَوْ كَعْبٍ قُدِّرَ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ ثَمَّ ضَرُورِيٌّ، بِخِلَافِهِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى مَا هُوَ مَظِنَّةٌ لِلشَّهْوَةِ، وَعِنْدَ عَدَمِ الْكَفِّ لَا مَظِنَّةَ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّقْدِيرِ اهـ (قَوْلُهُ وَلَا حِجَابَ) عَطْفٌ مُغَايِرٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ السِّتْرَ مَا يَمْنَعُ إدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ كَأَثَرِ الْحِنَّاءِ بَعْدَ زَوَالِ جُرْمِهَا، وَالْحِجَابُ مَا لَهُ جُرْمٌ يَمْنَعُ الْإِدْرَاكَ بِاللَّمْسِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: وَالْإِفْضَاءُ لُغَةً) أَيْ فَيَتَقَيَّدُ بِهِ إطْلَاقُ الْمَسِّ فِي بَقِيَّةِ الْأَخْبَارِ، وَاعْتَرَضَهُ الْقُونَوِيُّ بِأَنَّ الْمَسَّ عَامٌّ؛ لِأَنَّهُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ وَهُوَ مِنْ: أَيْ فِي حَدِيثِ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: ذَكَرًا فَلْيَتَوَضَّأْ، وَالْإِفْضَاءُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ فَلَا يُخَصِّصُهُ، قَالَ: وَالْأَقْرَبُ ادِّعَاءُ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْمَسِّ بِمَفْهُومِ خَبَرِ الْإِفْضَاءِ.
وَقَدْ رَدَّهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ مَنْ مَسَّ إمَّا مُطْلَقٌ أَوْ عَامٌّ أَوْ مُجْمَلٌ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ وَهُوَ مُقَيِّدٌ لِلْمَسِّ أَوْ مُخَصِّصٌ لَهُ أَوْ مُبَيِّنٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِجْمَالِ اهـ شَرْحُ الْإِرْشَادِ الْكَبِيرِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ وَالْمَنْهَجِ: وَالْإِفْضَاءُ بِهَا: أَيْ بِالْيَدِ، وَتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ بِهَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْإِفْضَاءَ الْمُطْلَقَ لَيْسَ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ مَخْصُوصًا بِالْمَسِّ فَضْلًا عَنْ تَقْيِيدِهِ بِبَطْنِ الْكَفِّ، بَلْ هَذَا إنَّمَا هُوَ مَعْنَى الْإِفْضَاءِ بِالْيَدِ؛ وَعِبَارَةُ الْمَطَالِعِ: أَصْلُ الْإِفْضَاءِ مُبَاشَرَةُ الشَّيْءِ وَمُلَاقَاتُهُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: أَفْضَى بِيَدِهِ إلَى الْأَرْضِ: مَسَّهَا بِبَاطِنِ رَاحَتِهِ.
قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: وَحَقِيقَةُ الْإِفْضَاءِ الِانْتِهَاءُ، وَأَفْضَى إلَى امْرَأَتِهِ بَاشَرَهَا وَجَامَعَهَا، وَأَفْضَيْت إلَى الشَّيْءِ وَصَلْت إلَيْهِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّ " الـ " فِيهِ لِلْعَهْدِ، وَالْمَعْهُودُ الْإِفْضَاءُ بِالْيَدِ الْمُتَقَدِّمُ فِي قَوْلِهِ إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ (قَوْلُهُ: لِهَتْكِهِ حُرْمَةَ غَيْرِهِ) أَيْ غَالِبًا إذْ نَحْوُ يَدِ الْمُكْرَهِ وَالنَّاسِي كَغَيْرِهِمَا، بَلْ رِوَايَةُ مَنْ مَسَّ ذَكَرًا تَشْمَلُهُ لِعُمُومِ النَّكِرَةِ الْوَاقِعَةِ فِي حَيِّزِ الشَّرْطِ وَالْخَبَرِ النَّاصِّ عَلَى عَدَمِ النَّقْضِ.
قَالَ الْبَغَوِيّ كَالْخَطَّابِيِّ مَنْسُوخٌ، وَفِيهِ وَإِنْ جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ نَظَرَ ظَاهِرَ بَيِّنَتِهِ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ، مَعَ بَيَانِ أَنَّ الْأَخْذَ بِخَبَرِ النَّقْضِ أَرْجَحُ، فَتَعَيَّنَ؛ لِأَنَّهُ الْأَحْوَطُ بَلْ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ كَثِيرِينَ مِنْ الْحُفَّاظِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَالذَّكَرُ الْمُبَانُ) وَكَذَا بَعْضُهُ إنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذَّكَرِ اهـ حَجّ: أَيْ أُطْلِقَ عَلَى ذَلِكَ الْمَقْطُوعِ أَنَّهُ بَعْضُ ذَكَرٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْحَضْرَمِيَّةِ (قَوْلُهُ: لَصَدَقَ الِاسْمُ) عِلَّةٌ لِلشُّمُولِ أَوْ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لَصَدَقَ إلَخْ فَيَكُونُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا) وَمِثْلُهُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ يُسَمَّى ذَكَرًا أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ الْقُبُلِ بِقَوْلِهِ مِنْ وَاضِحٍ، إذْ الْمُشْكِلُ إنَّمَا يَنْقُضُ بِمَسِّ الْوَاضِحِ مَا لَهُ مِنْ الْمُشْكِلِ، فَيُنْتَقَضُ وُضُوءُ الرَّجُلِ بِمَسِّ ذَكَرِ الْخُنْثَى وَالْمَرْأَةِ بِمَسِّ فَرْجِهِ حَيْثُ لَا مَحْرَمِيَّةَ وَلَا صِغَرَ وَلَا عَكْسَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسِّ، وَلَوْ مَسَّ الْمُشْكِلُ كِلَا الْقَبْلَيْنِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ مُشْكِلٍ آخَرَ أَوْ مَسَّ فَرْجَ نَفْسِهِ وَذَكَرَ مِثْلِ آخَرَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَلَوْ مَسَّ أَحَدَ فَرْجَيْ مُشْكِلٍ لَمْ يُنْتَقَضْ، وَلَوْ مَسَّ أَحَدُ الْمُشْكِلَيْنِ فَرْجَ صَاحِبِهِ وَمَسَّ الْآخَرُ ذَكَرَ الْأَوَّلِ انْتَقَضَ أَحَدُهُمَا، لَا بِعَيْنِهِ لَكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ إذْ الْأَصْلُ الطَّهَارَةُ (وَكَذَا فِي الْجَدِيدِ حَلَقَةُ دُبُرِهِ) أَيْ الْآدَمِيِّ قِيَاسًا عَلَى قُبُلِهِ بِجَامِعِ النَّقْضِ بِالْخَارِجِ مِنْهُمَا، وَالْقَدِيمُ لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُلْتَذُّ بِمَسِّهِ، وَالْمُرَادُ بِحَلَقَةِ الدُّبُرِ مُلْتَقَى الْمَنْفَذِ دُونَ مَا وَرَاءَهُ، وَلَا يُنْتَقَضُ بِمَسِّ الْعَانَةِ وَلَا الْأُنْثَيَيْنِ وَالْأَلْيَتَيْنِ وَمَا بَيْنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى فَرْجًا (لَا فَرْجَ بَهِيمَةٍ) وَطَيْرٍ؛ لِأَنَّ لَمْسَهَا لَا يَنْقُضُ فَكَذَا مَسُّ فَرْجِهَا، وَقِيَاسًا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ سَتْرِهِ
[حاشية الشبراملسي]
الدُّبُرُ إذَا قُوِّرَ فَيَنْقُضُ مَسُّ حَلْقَتِهِ إنْ بَقِيَ اسْمُهُ (قَوْلُهُ: وَلَا عَكْسَ) أَيْ بِأَنْ مَسَّ الرَّجُلُ آلَةَ النِّسَاءِ مِنْ الْمُشْكِلِ وَالْمَرْأَةُ آلَةَ الرِّجَالِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: انْتَقَضَ وُضُوءُهُ) أَيْ حَيْثُ لَا مَحْرَمِيَّةَ بَيْنَهُمَا وَلَا صِغَرَ (قَوْلُهُ: لَا بِعَيْنِهِ) فَإِنْ اقْتَدَتْ امْرَأَةٌ بِأَحَدِهِمَا فِي صَلَاةٍ امْتَنَعَ عَلَيْهَا أَنْ تَقْتَدِيَ بِأُخْرَى (قَوْلُهُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ إلَخْ) فَلَوْ اتَّضَحَ الْمُشْكِلُ بِمَا يَقْتَضِي انْتِقَاضَ وُضُوئِهِ أَوْ وُضُوءَ غَيْرِهِ فَهَلْ يُحْكَمُ بِالِانْتِقَاضِ وَفَسَادِ مَا فَعَلَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَنَحْوِهَا مِنْ كُلِّ مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى صِحَّةِ الْوُضُوءِ أَمْ لَا لِمُضِيِّ مَا فَعَلَهُ مِنْ الصِّحَّةِ ظَاهِرًا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَاشِيَةِ سم عَلَى مَنْهَجٍ أَنَّ فِي ذَلِكَ طَرِيقِينَ: أَحَدُهُمَا لِلْقَاضِي فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا صَلَّى إلَى جِهَاتٍ بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ، وَثَانِيهمَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ الْقَطْعُ بِوُجُوبِهَا.
(قَوْلُهُ: حَلْقَةً) بِسُكُونِ اللَّامِ عَلَى الْأَشْهَرِ حَجّ، وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ وَالْجَمْعُ: حَلَقٌ بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْجَمْعُ حِلَقٌ بِالْكَسْرِ مِثْلُ قَصْعَةٍ وَقِصَعٍ وَبَدْرَةٍ وَبِدَرٍ.
وَحَكَى يُونُسُ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّ الْحَلَقَةَ بِالْفَتْحِ لُغَةٌ فِي السُّكُونِ، وَعَلَى هَذَا فَالْجَمْعُ بِحَذْفِ الْهَاءِ قِيَاسِيٌّ مِثْلُ قَصَبَةٍ وَقَصَبٍ (قَوْلُهُ: دُونَ مَا وَرَاءَهُ) أَيْ دُونَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ بَاطِنِ الْأَلْيَتَيْنِ، قَالَ الْمَحَلِّيُّ: وَبَقِيَ بَاطِنُ الْمَنْفَذِ وَهُوَ الْمُنْطَبِقُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ فَهَلْ يَنْقُضُ أَوْ لَا؟ قَالَ سم عَلَى بَهْجَةٍ: فِيهِ نَظَرٌ، وَعِبَارَةُ قَوْلِهِ مُلْتَقَى الْمَنْفَذِ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُلْتَقَى لَهُ ظَاهِرٌ وَهُوَ الْمُشَاهَدُ مِنْهُ وَبَاطِنٌ وَهُوَ الْمُنْطَبِقُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَهَلْ النَّقْضُ بِالْمَسِّ يَعُمُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْ يَخْتَصُّ بِالْأَوَّلِ؟ وَعَلَى الِاخْتِصَاصِ فَهَلْ مِنْ الْأَوَّلِ مَا يَظْهَرُ بِالِاسْتِرْخَاءِ الْوَاجِبِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ؟ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ اهـ.
قُلْت: وَمُقْتَضَى تَقْيِيدِ الشَّارِحِ بِالْمُلْتَقَى عَدَمُ النَّقْضِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْمُلْتَقَى بَلْ زَائِدٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ الِالْتِقَاءِ، وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ بِهَامِشٍ عَنْ شَرْحِ الْعُبَابِ مِنْ الِانْتِقَاضِ بِمَسِّ أَحَدِ الشَّفْرَيْنِ مِنْ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ.
النَّقْضُ هُنَا بِبَاطِنِ الْمَنْفَذِ إنْ أُرِيدَ بِالْبَاطِنِ مَا يَشْمَلُ دَاخِلَ الْفَرْجِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ مَا يَسْتَتِرُ عِنْدَ انْطِبَاقِ أَحَدِ الشَّفْرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى فَرْجًا) وَيُسَمَّى الْعَجَّانُ (قَوْلُهُ: لَا فَرْجَ بَهِيمَةٍ) لَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّارِحُ لِحِكَايَةِ الْخِلَافِ فِيهِ، وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ: لَا فَرْجَ بَهِيمَةٍ: أَيْ لَا يَنْقُضُ مَسُّهُ فِي الْجَدِيدِ إذْ لَا حُرْمَةَ لَهَا فِي ذَلِكَ وَالْقَدِيمِ وَحَكَاهُ جَمْعٌ جَدِيدًا أَنَّهُ يَنْقُضُ كَفَرْجِ الْآدَمِيِّ، وَالرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ حَكَى الْخِلَافَ فِي قُبُلِهَا وَقَطَعَ فِي دُبُرِهَا بِعَدَمِ النَّقْضِ.
وَتَعَقَّبَهُ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ الْأَصْحَابَ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ فَلَمْ يَخُصُّوا بِهِ الْقُبُلَ اهـ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْهَا هُنَا الطَّيْرُ، وَفِي قَوْلِهِ وَمِنْهَا هُنَا إشْعَارٌ بِأَنَّ إطْلَاقَ الْبَهِيمَةِ عَلَى الطَّيْرِ لَيْسَ حَقِيقِيًّا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي عَطْفِ الطَّيْرِ عَلَى الْبَهِيمَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، لَكِنْ فِي الْمِصْبَاحِ: الْبَهِيمَةُ كُلُّ ذَاتِ أَرْبَعٍ مِنْ دَوَابِّ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَعَدَمِ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إلَيْهِ (وَيَنْقُضُ فَرْجُ الْمَيِّتِ وَالصَّغِيرِ) لِشُمُولِ الِاسْمِ (وَمَحَلُّ الْجَبِّ) ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ الذَّكَرِ (وَالذَّكَرُ الْأَشَلُّ وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ فِي الْأَصَحِّ) لِشُمُولِ الِاسْمِ أَيْضًا لِذَلِكَ، وَالثَّانِي لَا تَنْقُضُ الْمَذْكُورَاتُ لِانْتِفَاءِ الذَّكَرِ فِي مَحَلِّ الْجَبِّ وَلِانْتِفَاءِ مَظِنَّةِ الشَّهْوَةِ فِي غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ كَفَّانِ عَامِلَتَانِ أَوْ غَيْرُ عَامِلَتَيْنِ انْتَقَضَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا عَامِلَةً دُونَ الْأُخْرَى وَهُمَا عَلَى مِعْصَمَيْنِ انْتَقَضَ بِالْعَامِلَةِ فَقَطْ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، أَوْ عَلَى مِعْصَمٍ وَاحِدٍ انْتَقَضَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي التَّحْقِيقِ، كَذَا جَمَعَ بِهِ ابْنُ الْعِمَادِ، وَفِيهِ قُصُورٌ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِوَاءِ الْمِعْصَمِ الْمُسَامَتَةُ وَلَا مِنْ اخْتِلَافِهِ عَدَمُهَا، وَلِأَنَّ الْمَدَارَ إنَّمَا هُوَ عَلَيْهَا لَا عَلَى اتِّحَادِ مَحَلِّ نَبَاتِهِمَا؛ لِأَنَّهَا إذَا وُجِدَتْ وُجِدَتْ الْمُسَاوَاةُ فِي الصُّورَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَّحِدْ مَحَلُّ النَّبَاتِ، وَهَذِهِ هِيَ الْمُقْتَضِيَةُ لِلنَّقْضِ كَمَا فِي الْأُصْبُعِ، وَإِذَا انْتَفَتْ انْتَفَتْ الْمُسَاوَاةُ فِي الصُّورَةِ وَإِنْ اتَّحَدَ مَحَلُّ النَّبَاتِ، فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَ الرَّوْضَةِ لَا نَقْضَ بِكَفٍّ وَذَكَرٍ زَائِدٍ مَعَ عَامِلٍ مَحْمُولٍ عَلَى غَيْرِ الْمُسَامَتِ وَإِنْ كَانَا عَلَى مِعْصَمٍ وَاحِدٍ.
وَأَنَّ قَوْلَ التَّحْقِيقِ يَنْقُضُ الْكَفُّ الزَّائِدُ مَعَ الْعَامِلِ مَحْمُولٍ عَلَى الْمُسَامَتِ وَإِنْ كَانَ عَلَى مِعْصَمٍ آخَرَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ ذَكَرَانِ يَبُولُ بِأَحَدِهِمَا وَجَبَ الْغُسْلُ بِإِيلَاجِهِ
[حاشية الشبراملسي]
وَكُلُّ حَيَوَانٍ لَا يُمَيِّزُ فَهُوَ بَهِيمَةٌ وَالْجَمْعُ الْبَهَائِمُ اهـ (قَوْلُهُ: وَيَنْقُضُ فَرْجُ الْمَيِّتِ) أَيْ مَسُّ فَرْجِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ الْجَبِّ) وَمِنْهُ مَحَلُّ بَظْرِ الْمَرْأَةِ وَإِذَا قُطِعَ الْبَظْرُ فَيَنْقُضُ مَحَلُّهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ وَالِدِ الشَّارِحِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَتَقَدَّمَ عَنْ شَرْحِ الْعُبَابِ لِلشَّارِحِ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ الْبَعْضَ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ الذَّكَرِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَوْ الْفَرْجِ اهـ.
وَهُوَ حَمْلٌ لِلْجَبِّ عَلَى الْقَطْعِ لَا عَلَى خُصُوصِ قَطْعِ الذَّكَرِ، وَهُوَ كَذَلِكَ لُغَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الْعُرْفِ اسْمًا لِقَطْعِ الذَّكَرِ،
وَفِي الْمِصْبَاحِ: جَبَبْته جَبًّا مِنْ بَابِ قَتَلَ قَطَعْته، وَمِنْهُ جَبَبْته وَهُوَ مَجْبُوبٌ بَيْنَ الْجِبَابِ بِالْكَسْرِ: إذَا اسْتَأْصَلْت مَذَاكِيرَهُ (قَوْلُهُ: وَالذَّكَرُ الْأَشَلُّ) وَمَسُّ الْفَرْجِ الْأَشَلِّ مِنْ الْمَرْأَةِ نَاقِضٌ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ اهـ شَيْخُنَا زِيَادِيٌّ (قَوْلُهُ وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قِيلَ إدْخَالُ الْبَاءِ هُنَا مُتَعَيِّنٌ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ فِي مَسِّ قُبُلٍ لِلْمَفْعُولِ: أَيْ وَهُنَا لِلْفَاعِلِ إذْ التَّقْدِيرُ: وَيَنْتَقِضُ بِمَسِّ الْيَدِ الشَّلَّاءِ، ثُمَّ رَدَّهُ فَرَاجِعْهُ.
وَفِي حَوَاشِي سم عَلَى حَجّ قَوْلُهُ وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ لَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَصَارَتْ مُعَلَّقَةً بِجَلْدَةٍ فَهَلْ يَنْقُضُ الْمَسُّ بِهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ.
وَيَحْتَمِلُ عَدَمَ النَّقْضِ؛ لِأَنَّهَا كَالْمُنْفَصِلَةِ بِدَلِيلِ إيجَابِهِمْ الْقِصَاصَ فِيهَا أَوْ الدِّيَةَ عَلَى مَنْ أَوْصَلَهَا بِالْجِنَايَةِ لِهَذِهِ الْحَالَةِ، وَالْأَقْرَبُ النَّقْضُ بِهَا لِكَوْنِهَا جُزْءًا مِنْ الْيَدِ وَإِنْ بَطَلَتْ مَنْفَعَتُهَا كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ (قَوْلُهُ: كَفَّانِ عَامِلَتَانِ) أَيْ أَصْلِيَّتَانِ (قَوْلُهُ: إحْدَاهُمَا عَامِلَةٌ) أَيْ أَصْلِيَّةٌ (قَوْلُهُ: لِمِعْصَمٍ) كَمِقْوَدِ مَوْضِعِ السِّوَارِ مِنْ الْيَدِ اهـ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْمَدَارَ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَالْمَدَارُ إنَّمَا هُوَ إلَخْ (قَوْلُهُ: عَلَيْهَا) أَيْ الْمُسَامَتَةُ (قَوْلُهُ: وَهَذِهِ) أَيْ الْمُسَاوَاةُ فِي الصُّورَةِ (قَوْلُهُ: وَإِذَا انْتَفَتْ) أَيْ الْمُسَامَتَةُ (قَوْلُهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسَامَتِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ الْآخَرَ طُولًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسَامَتَةِ كَوْنُهَا فِي جِهَتِهَا لَا مُسَاوَاتُهَا لَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لَكِنْ فِي سم عَلَى حَجّ: وَلَوْ كَانَتْ الْمُسَامَتَةُ لِلْأَصْلِيَّةِ بَعْضَ الزَّائِدِ كَأَنْ كَانَ أَحَدُ الْمِعْصَمَيْنِ أَقْصَرَ مِنْ الْآخَرِ، فَهَلْ يَنْقُضُ أَوْ يَخْتَصُّ النَّقْصُ بِالْقَدْرِ الْمُسَامَتِ (قَوْلُهُ: وَجَبَ الْغُسْلُ بِإِيلَاجِهِ) كَذَا فِي الرَّوْضِ، وَفِي شَرْحِهِ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْأَصَالَةِ دُونَ الْبَوْلِ.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ قَالَ فِي الرَّوْضِ وَيَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْ ذَكَرَيْنِ يَبُولَانِ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ: فَإِنْ كَانَ يَبُولُ بِأَحَدِهِمَا فَالْحُكْمُ لَهُ وَالْآخَرُ زَائِدٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ نَقْضٌ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْحَقِيقَةِ مَنُوطٌ بِالْأَصَالَةِ لَا بِالْبَوْلِ حَتَّى لَوْ كَانَا أَصْلِيَّيْنِ وَيَبُولُ بِأَحَدِهِمَا وَيَطَأُ بِالْآخَرِ نَقَضَ كُلٌّ مِنْهُمَا، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَصْلِيًّا وَالْآخِرُ زَائِدًا نَقَضَ الْأَصْلِيُّ فَقَطْ وَإِنْ كَانَ يَبُولُ بِهِمَا.
وَقِيَاسُ مَا يَأْتِي مِنْ النَّقْضِ بِمَسِّ الزَّائِدِ إذَا كَانَ عَلَى سُنَنِ الْأَصْلِيِّ أَنْ يَنْقُضَ بِالْبَوْلِ مِنْهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَجَبَ الْغُسْلُ بِإِيلَاجِهِ) أَيْ وَنَقْضِ الْخَارِجِ مِنْهُ
وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخَرِ حُكْمٌ، فَإِنْ بَالَ بِهِمَا عَلَى الِاسْتِوَاءِ فَهُمَا أَصْلِيَّانِ (وَلَا تَنْقُضُ رُءُوسُ الْأَصَابِعِ وَمَا بَيْنَهَا) وَحَرْفُهَا وَحَرْفُ الْكَفِّ لِخُرُوجِهَا عَنْ سَمْتِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى اللَّمْسِ بِهَا وَحْدَهَا مَنْ أَرَادَ لِينَ الْمَلْمُوسِ وَخُشُونَتِهِ وَقِيلَ تَنْقُضُ رُءُوسُ الْأَصَابِعِ دُونَ مَا بَيْنَهَا وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي حَرْفِ الْكَفِّ وَيُنْتَقَضُ بِمَسِّ بَاطِنِ أُصْبُعٍ زَائِدٍ إنْ كَانَتْ عَلَى سُنَنِ الْأَصَابِعِ الْأَصْلِيَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ فَلَا، وَالْمُرَادُ بِبَيْنِ الْأَصَابِعِ فِيمَا يَظْهَرُ النُّقَرُ الَّتِي بَيْنَهَا وَمَا حَاذَاهَا مِنْ أَعْلَى الْأَصَابِعِ إلَى أَسْفَلِهَا وَبِحَرْفِهَا جَوَانِبُهَا، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعَمَلِ وَالْمُسَامَتَةِ بِوَقْتِ الْمَسِّ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ
(وَيَحْرُمُ بِالْحَدَثِ الصَّلَاةُ) بِأَنْوَاعِهَا وَلَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ، وَفِي مَعْنَاهَا سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَخُطْبَةُ الْجُمُعَةِ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ هُنَا إجْمَاعًا مَحْمُولٌ عَلَى حَدَثٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» وَهَذَا فِي غَيْرِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَدَائِمِ الْحَدَثِ، أَمَّا هُمَا فَسَيَأْتِي حُكْمُهُمَا.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: مَا يَفْعَلُهُ عَوَامُّ الْفُقَرَاءِ مِنْ السُّجُودِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَشَايِخِ فَهُوَ مِنْ الْعَظَائِمِ وَلَوْ كَانَ بِطَهَارَةٍ وَإِلَى الْقِبْلَةِ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ كُفْرًا
[حاشية الشبراملسي]
إذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَإِنْ الْتَبَسَ الْأَصْلِيُّ بِالزَّائِدِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّقْضَ مَنُوطٌ بِهِمَا مَعًا لَا بِأَحَدِهِمَا.
وَلَوْ خُلِقَ لِلْمَرْأَةِ فَرْجَانِ فَبَالَتْ وَحَاضَتْ بِهِمَا انْتَقَضَ الْوُضُوءُ بِالْخَارِجِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنْ بَالَتْ وَحَاضَتْ بِأَحَدِهِمَا فَقَطْ اخْتَصَّ الْحُكْمُ بِهِ، وَلَوْ بَالَتْ بِأَحَدِهِمَا وَحَاضَتْ بِالْآخَرِ فَالْوَجْهُ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا اهـ. وَهَلْ يَجْرِي هُنَا تَفْصِيلُهُ السَّابِقُ حَتَّى لَوْ كَانَ أَصْلِيًّا وَالْآخَرُ زَائِدًا اخْتَصَّ النَّقْضُ بِالْأَصْلِيِّ وَإِنْ بَالَتْ أَوْ حَاضَتْ بِهِمَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ السَّابِقَ وَإِنْ كَانَ يَبُولُ بِهِمَا نَقَضَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُطْلَقًا، بَلْ الْبَوْلُ بِهِمَا دَلِيلٌ عَلَى أَصَالَتِهِمَا م ر (قَوْلُهُ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخَرِ حُكْمٌ) أَيْ وَإِنْ جَامَعَ بِهِ وَأَنْزَلَ (قَوْلُهُ: عَلَى سُنَنِ الْأَصَابِعِ الْأَصْلِيَّةِ) أَيْ وَإِنْ نَبَتَتْ بِبَاطِنِ الْكَفِّ فَلَيْسَتْ كَالسِّلْعَةِ النَّاقِضَةِ بِجَمِيعِ جَوَانِبِهَا.
وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَتْ إلَخْ كَذَا فِي الْعُبَابِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ سَامَتَتْ.
وَنَازَعَ حَجّ فِي شَرْحِهِ بِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْمُسَامَتَةِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ اهـ سم عَلَى حَجّ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَتْ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ فَلَا) أَيْ أَوْ فِي بَاطِنِهِ وَلَيْسَتْ عَلَى سُنَنِ الْأَصَابِعِ بِأَنْ كَانَتْ كَالْعَمُودِ فَلَا تَنْقُضُ مُطْلَقًا لَا ظَاهِرُهَا وَلَا بَاطِنُهَا، وَيَحْتَمِلُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَنَّهَا كَالسِّلْعَةِ فَيَنْقُضُ ظَاهِرُهَا وَبَاطِنُهَا (قَوْلُهُ: وَالْمُسَامَتَةُ بِوَقْتِ الْمَسِّ إلَخْ) وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ عَامِلَةً فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَصَالَتِهَا، فَإِذَا طَرَأَ عَدَمُ الْعَمَلِ عَلَيْهَا صَارَتْ أَصْلِيَّةً شَلَّاءَ، وَالشَّلَلُ لَا يَمْنَعُ مِنْ النَّقْضِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ قَصْدًا لِلرَّدِّ عَلَى الشَّعْبِيِّ حَيْثُ قَالَ بِجَوَازِهَا مَعَ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهَا دُعَاءٌ (قَوْلُهُ: مَحْمُولٌ عَلَى حَدَثٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ) الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي الِجَوَابِ: إنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ حَرُمَتْ الصَّلَاةُ بِمَاهِيَّةِ الْحَدَثِ إجْمَاعًا وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي جُزْئِيَّاتِهِ (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) عِلَّةٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ الصَّلَاةُ (قَوْلُهُ: مِنْ السُّجُودِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَشَايِخِ) هَلْ مِثْلُهُ مَا يَقَعُ لِبَعْضِهِمْ مِنْ الِانْحِنَاءِ إلَى حَدِّ الرُّكُوعِ، أَوْ مَا زَادَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَقْرَبُ إلَى السُّجُودِ أَوْ لَا فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ مِثْلُهُ.
وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ السُّجُودَ يُتَعَبَّدُ بِهِ وَحْدَهُ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، بِخِلَافِ الرُّكُوعِ وَمَا قَارَبَهُ لَا يُتَعَبَّدُ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا وَحْدَهُ (قَوْلُهُ فَهُوَ مِنْ الْعَظَائِمِ) أَيْ الْكَبَائِرِ (قَوْلُهُ: وَأَخْشَى) إنَّمَا قَالَ وَأَخْشَى إلَخْ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ كُفْرًا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ السُّجُودِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَشَايِخِ لَا يَقْتَضِي تَعْظِيمَ الشَّيْخِ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِحَيْثُ يَكُونُ مَعْبُودًا، وَالْكُفْرُ
[حاشية الرشيدي]
[مَا يَحْرُمُ بِالْحَدَثِ]
قَوْلُهُ: مَحْمُولٌ عَلَى حَدَثٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ) أُجِيبُ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الصَّلَاةَ تَحْرُمُ بِمُطْلَقِ الْحَدَثِ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَعْيِينِهِ.
وَأَقُولُ: مَنْ صَلَّى بِحَدَثٍ عِنْدَهُ: أَيْ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ فَصَلَاتُهُ حَرَامٌ إجْمَاعًا (قَوْلُهُ: وَهَذَا فِي غَيْرِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ إلَخْ) لَك أَنْ تَقُولَ: إنَّمَا احْتَاجَ إلَى هَذَا لِتَفْسِيرِهِ الْحَدَثَ فِيمَا مَرَّ بِالْأَسْبَابِ عَلَى مَا مَرَّ فِيهِ.
أَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّهُ الْأَمْرُ الِاعْتِبَارِيُّ فَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا؛ لِأَنَّ مَحَلَّ مَنْعِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُرَخِّصِ كَمَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِهِ وَهُنَا الْمُرَخِّصُ مَوْجُودٌ
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: 100] مَنْسُوخٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا وَإِنْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ بَلْ وَرَدَ فِيهِ مَا يَرُدُّهُ (وَالطَّوَافُ) بِأَنْوَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ فَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ خَبَرًا «الطَّوَافُ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ، إلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ فِيهِ الْمَنْطِقَ، فَإِنْ نَطَقَ فَلَا يَنْطِقُ إلَّا بِخَيْرٍ» (وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ) وَهُوَ مُثَلَّثُ الْمِيمِ (وَمَسُّ وَرِقِهِ) الْمَكْتُوبِ فَلَهُ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَقِيسَ الْحَمْلُ عَلَى الْمَسِّ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ وَأَفْحَشُ مِنْهُ، وَالْمُطَهَّرُ بِمَعْنَى الْمُتَطَهِّرِ، نَعَمْ لَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إلَى حَمْلِهِ كَأَنْ خَافَ عَلَيْهِ تَنَجُّسًا أَوْ كَافِرًا أَوْ تَلَفًا أَوْ ضَيَاعًا وَعَجَزَ عَنْ الطَّهَارَةِ وَعَنْ إيدَاعِهِ مُسْلِمًا ثِقَةً حَمَلَهُ حَتْمًا فِي غَيْرِ الضَّيَاعِ وَلَوْ حَالَ تَغَوُّطِهِ وَيَجِبُ التَّيَمُّمُ لَهُ إنْ أَمْكَنَهُ (وَكَذَا جِلْدُهُ) (عَلَى الصَّحِيحِ) لِكَوْنِهِ كَالْجُزْءِ مِنْهُ بِدَلِيلِ دُخُولِهِ فِي بَيْعِهِ.
وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ مَسُّهُ؛ لِأَنَّهُ وِعَاءٌ لَهُ كَكِيسِهِ.
هَذَا إنْ كَانَ مُتَّصِلًا، فَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا حَرُمَ أَيْضًا كَمَا نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ عُصَارَةِ الْمُخْتَصَرِ لَلْغَزَالِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: إنَّهُ الْأَصَحُّ مَا لَمْ تَنْقَطِعْ نِسْبَتُهُ عَنْهُ، وَخَرَجَ بِالْمُصْحَفِ غَيْرُهُ كَتَوْرَاةٍ وَإِنْجِيلٍ وَمَنْسُوخِ تِلَاوَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ
[حاشية الشبراملسي]
إنَّمَا يَكُونُ إذَا قَصَدَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَوْ مُؤَوَّلٌ) أَيْ بِمُنْقَادَيْنِ لَهُ أَوْ يَخِرُّوا لِأَجْلِهِ سُجَّدًا لِلَّهِ شُكْرًا (قَوْلُهُ: بَلْ وَرَدَ فِيهِ) يُتَأَمَّلُ هَذَا الْإِضْرَابُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي هَذَا بِخُصُوصِهِ مَا يَرُدُّهُ فَيَكُونُ الْغَرَضُ الْمُبَالَغَةَ فِي الرَّدِّ عَلَى فَاعِلِهِ وَإِنْ وَافَقَ شَرْعَ مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: قَدْ أُحِلَّ فِيهِ) لَعَلَّهُ إنَّمَا خَصَّهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ كَانَ مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ حَرُمَ (قَوْلُهُ فَلَا يَنْطِقُ) اُنْظُرْ هَلْ الرِّوَايَةُ هُنَا بِالْجَزْمِ أَوْ الرَّفْعِ.
وَرُوِيَ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ مُؤَكَّدًا بِالنُّونِ، وَهِيَ تُشْعِرُ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ هُنَا بِالْجَزْمِ؛ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ بَعْدَ النَّهْيِ كَثِيرٌ، وَالْأَصْلُ تَوَافُقُ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ.
(قَوْلُهُ: وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ) وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَكْتُوبِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ اهـ زِيَادِيُّ:
وَفِي الْمِصْبَاحِ: الدَّفُّ: الْجَنْبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْجَمْعُ دُفُوفٌ مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ وَقَدْ يُؤَنَّثُ بِالْهَاءِ فَيُقَالُ: الدَّفَّةُ وَمِنْهُ دَفَّتَا الْمُصْحَفِ لِلْوَجْهَيْنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
(فَرْعٌ) هَلْ يَحْرُمُ تَصْغِيرُ الْمُصْحَفِ بِأَنْ يُقَالَ مُصَيْحِفٌ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ التَّصْغِيرَ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْخَطُّ مَثَلًا لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ (قَوْلُهُ: وَمَسُّ وَرَقِهِ) وَظَاهِرٌ أَنَّ مَسَّهُ مَعَ الْحَدَثِ لَيْسَ كَبِيرَةً سم عَلَى مَنْهَجٍ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا كَالطَّوَافِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ فَإِنَّهَا كَبِيرَةٌ، بَلْ يَنْبَغِي أَنَّهُ مَنْ اسْتَحَلَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حُكِمَ بِكُفْرِهِ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ قُطِعَتْ أُصْبُعُهُ أَوْ أَنْفُهُ مَثَلًا وَاِتَّخَذَ لَهُ أُصْبُعًا أَوْ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ بَسْطِ الْأَنْوَارِ لِلْأُشْمُونِيِّ أَنَّهُ اسْتَظْهَرَ عَدَمَ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ بَدَنِهِ، وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ كَمَا نَقَلَهُ الشَّمْسُ الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ عَنْ إفْتَاءِ وَالِدِهِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي لَفِّ الْكُمِّ وَالْمَسِّ بِهِ حَيْثُ قَالُوا فِيهِ بِالْحُرْمَةِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ فِي لَفِّ الْكُمِّ قَدْ مَسَّ بِيَدِهِ بِحَائِلٍ وَلَا كَذَلِكَ هُنَا.
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى النَّهْيِ) قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا عَلَى أَصْلِهِ وَمَا يَلْزَمُ الْخُلْفُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْمَسِّ الْمَشْرُوعِ.
وَعِبَارَةُ الصَّفَوِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ [البقرة: 197] الْآيَةُ مَا نَصُّهُ: قِيلَ وَنِعْمَ مَا قِيلَ لَا رَفَثَ لَيْسَ نَفْيًا لِوُجُودِهِ بَلْ لِمَشْرُوعِيَّتِهِ، فَيَرْجِعُ إلَى نَفْيِ وُجُودِهِ مَشْرُوعًا لَا مَحْسُوسًا ك ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: 228] وَهَذِهِ الدَّقِيقَةُ إذَا ذَكَرْتهَا لَا تَحْتَاجُ أَنْ تَقُولَ الْخَبَرُ بِمَعْنَى النَّهْيِ (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الضَّيَاعِ) أَيْ أَمَّا هُوَ فَيَجُوزُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ لِيَتِيمٍ (قَوْلُهُ وَيَجِبُ التَّيَمُّمُ لَهُ إنْ أَمْكَنَهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ فَقَدَ التُّرَابَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ الْحَنَفِيِّ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ مِنْ عَلَى عَمُودٍ مَثَلًا وَلَوْ قِيلَ بِهِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا (قَوْلُهُ: كَكِيسِهِ) الْمُعْتَمَدُ حُرْمَةُ مَسِّ كِيسِهِ وَهُوَ فِيهِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: مَا لَمْ تَنْقَطِعْ نِسْبَتُهُ عَنْهُ) أَيْ بِأَنْ يَجْعَلَ جِلْدَ الْكِتَابِ جِلْدًا لِكِتَابٍ آخَرَ وَلَيْسَ مِنْ انْقِطَاعِهَا مَا لَوْ جَلَّدَ الْمُصْحَفَ بِجِلْدٍ جَدِيدٍ وَتَرَكَ الْأَوَّلَ فَيَحْرُمُ مَسُّهُ.
أَمَّا لَوْ ضَاعَتْ أَوْرَاقُ الْمُصْحَفِ أَوْ حُرِّقَتْ فَلَا يَحْرُمُ مَسُّ الْجِلْدِ كَمَا يَأْتِي بِالْهَامِشِ عَنْ سم نَقْلًا
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ (وَخَرِيطَةٌ وَصُنْدُوقٌ فِيهِمَا مُصْحَفٌ) وَقَدْ أُعِدَّا لَهُ: أَيْ وَحْدَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِشَبَهِهِمَا بِجِلْدِهِ وَعَلَاقَتِهِ لِكَوْنِهِمَا مُتَّخَذَيْنِ لَهُ وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ انْفِصَالُهُمَا وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ تَحْلِيَتُهُمَا وَإِنْ جَوَّزْنَا تَحْلِيَةَ الْمُصْحَفِ وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالصُّنْدُوقُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّهَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا أَوْ انْتَفَى إعْدَادُهُمَا لَهُ مَحَلَّ حَمْلِهِمَا وَمَسِّهِمَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيمَا أَعَدَّ لَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ عَلَى حَجْمِهِ أَوْ لَا وَإِنْ لَمْ يُعَدَّ مِثْلُهُ لَهُ عَادَةً وَهُوَ قَرِيبٌ (وَمَا كُتِبَ لِدَرْسِ قُرْآنٍ كَلَوْحٍ فِي الْأَصَحِّ) لِشَبَهِهِ بِالْمُصْحَفِ بِخِلَافِ مَا كُتِبَ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَالتَّمَائِمِ الْمَعْهُودَةِ عُرْفًا، وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ (وَالْأَصَحُّ حِلُّ حَمْلِهِ فِي) هِيَ بِمَعْنَى مَعَ كَمَا عَبَّرَ بِهِ غَيْرُهُ فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَتَاعِ ظَرْفًا لَهُ (أَمْتِعَةٍ) تَبَعًا لَهَا إنْ لَمْ يَكُنْ
[حاشية الشبراملسي]
عَنْ م ر (قَوْلُهُ: فَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ) أَيْ لَكِنْ يُكْرَهُ إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ تَبْدِيلُهُ بِأَنْ عَلِمَ عَدَمَهُ أَوْ ظَنَّهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا (قَوْلُهُ: وَخَرِيطَةٌ) وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ وَضَعَهُ فِي زَكِيبَةٍ أَعَدَّهَا لَهُ فَيَحْرُمُ وَإِنْ كَبُرَتْ (قَوْلُهُ: وَصُنْدُوقٌ) مِنْ الصُّنْدُوقِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ بَيْتِ الرَّبَعَةِ الْمَعْرُوفِ فَيَحْرُمُ مَسُّهُ إذَا كَانَتْ أَجْزَاءُ الرَّبَعَةِ أَوْ بَعْضُهَا فِيهِ، وَأَمَّا الْخَشَبُ الْحَامِلُ لِبَيْتِهَا فِيهِ فَلَا يَحْرُمُ مَسُّهُ، وَكَذَا لَا يَحْرُمُ مَسُّ مَا يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ كُرْسِيًّا مِمَّا يُجْعَلُ فِي رَأْسِهِ صُنْدُوقُ الْمُصْحَفِ.
وَعِبَارَتُهُ عَلَى مَنْهَجٍ: فَرْعٌ لَوْ وُضِعَ الْمُصْحَفُ عَلَى كُرْسِيٍّ مِنْ خَشَبٍ أَوْ جَرِيدٍ لَمْ يَحْرُمْ مَسُّ الْكُرْسِيِّ، قَالَهُ شَيْخُنَا طب وَشَيْخُنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ وَكَذَا م ر؛ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ اهـ. وَأَطْلَقَ الزِّيَادِيُّ الْحُرْمَةَ فِي الْكُرْسِيِّ فَشَمِلَ الْخَشَبَ وَالْجَرِيدَ اهـ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُحَاذِي لِلْمُصْحَفِ وَغَيْرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) وَقَعَ السُّؤَالُ عَلَى خِزَانَتَيْنِ مِنْ خَشَبٍ إحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى كَمَا فِي خَزَائِنِ مُجَاوِرِي الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ وُضِعَ الْمُصْحَفُ فِي السُّفْلَى، فَهَلْ يَجُوزُ وَضْعُ النِّعَالِ وَنَحْوِهَا فِي الْعُلْيَا؟ فَأَجَابَ م ر بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ إخْلَالًا بِحُرْمَةِ الْمُصْحَفِ.
قَالَ: بَلْ يَجُوزُ فِي الْخِزَانَةِ الْوَاحِدَةِ أَنْ يُوضَعَ الْمُصْحَفُ فِي رَفِّهَا الْأَسْفَلِ، وَنَحْوُ النِّعَالِ فِي رَفٍّ آخَرُ فَوْقَهُ اهـ سم عَلَى حَجّ.
قُلْت: وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْجَوَازِ مَا لَوْ وُضِعَ النَّعْلُ فِي الْخِزَانَةِ وَفَوْقَهُ حَائِلٌ كَفَرْوَةٍ ثُمَّ وَضَعَ الْمُصْحَفَ فَوْقَ الْحَائِلِ، كَمَا لَوْ صَلَّى عَلَى ثَوْبٍ مَفْرُوشٍ عَلَى نَجَاسَةٍ.
أَمَّا لَوْ وَضَعَ الْمُصْحَفَ عَلَى خَشَبِ الْخِزَانَةِ ثُمَّ وَضَعَ عَلَيْهِ حَائِلًا ثُمَّ وَضَعَ النَّعْلَ فَوْقَهُ فَمَحَلُّ نَظَرٍ، وَلَا يَبْعُدُ الْحُرْمَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ إهَانَةً لِلْمُصْحَفِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَّخِذْ مِثْلَهُمَا لَهُ عَادَةً كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا) أَيْ الِانْفِصَالُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ جَوَّزْنَا تَحْلِيَةَ الْمُصْحَفِ) أَيْ بِأَنْ كَانَ بِالْفِضَّةِ مُطْلَقًا أَوْ الذَّهَبِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، وَمِثْلُ التَّحْلِيَةِ التَّمْوِيهُ فَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ وَلَوْ بِالذَّهَبِ (قَوْلُهُ: حَلَّ حَمْلُهُمَا) ظَاهِرُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُعَدَّ مِثْلُهُ لَهُ إلَخْ) عِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ نَقْلًا عَنْ الشَّارِحِ مَا نَصُّهُ: شَرْطُ الظَّرْفِ أَنْ يُعَدَّ ظَرْفًا لَهُ عَادَةً فَلَا يَحْرُمُ مَسُّ الْخَزَائِنِ وَفِيهَا الْمَصَاحِفُ وَإِنْ اُتُّخِذَتْ لِوَضْعِ الْمَصَاحِفِ فِيهَا م ر.
(قَوْلُهُ: وَمَا كُتِبَ) حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ الْخَتْمُ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: كَلَوْحٍ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُكْتَبُ عَلَيْهِ عَادَةً حَتَّى لَوْ كَتَبَ عَلَى عَمُودٍ قُرْآنًا لِلدِّرَاسَةِ لَمْ يَحْرُمْ مَسُّ غَيْرِ الْكِتَابَةِ اهـ خَطِيبٌ اهـ زِيَادِيٌّ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ نَقَشَ الْقُرْآنَ عَلَى خَشَبَةٍ وَخَتَمَ بِهَا الْأَوْرَاقَ بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ وَصَارَ يَقْرَأُ الْحُرْمَةَ وَلَيْسَ مِنْ الْكِتَابَةِ مَا يُقَصُّ بِالْمِقَصِّ عَلَى صُورَةِ حَرْفِ الْقُرْآنِ مِنْ وَرِقٍ أَوْ قُمَاشٍ فَلَا يَحْرُمُ مَسُّهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُعَدُّ لَوْحًا لِلْقُرْآنِ عُرْفًا، فَلَوْ كَبُرَ جِدًّا كَبَابٍ عَظِيمٍ فَالْوَجْهُ عَدَمُ حُرْمَةِ مَسِّ الْخَالِي مِنْهُ عَنْ الْقُرْآنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ حَمْلَهُ كَحَمْلِ الْمُصْحَفِ فِي أَمْتِعَةٍ (قَوْلُهُ: كَالتَّمَائِمِ الْمَعْهُودَةِ عُرْفًا) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْمُصْحَفَ كُلَّهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْ الْكُلِّ تَمِيمَةً حَرُمَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَعَلَاقَتُهُ) لَمْ يَظْهَرْ مَوْقِعُ هَذَا هُنَا، وَلَعَلَّ فِي الْعِبَارَةِ سَقْطَ كَلِمَةٍ تُعْرَفُ مِنْ قَوْلِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَمَسَّ جِلْدَهُ وَصُنْدُوقٌ هُوَ فِيهِ لِشَبَهِهِ بِجِلْدِهِ وَعَلَاقَتُهُ كَظَرْفِهِ انْتَهَتْ فَلَعَلَّ لَفْظَ كَظَرْفِهِ سَقَطَ مِنْ النُّسَّاخِ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ لِكَوْنِهِمَا إلَخْ وَجْهُ الشَّبَهِ (قَوْلُهُ: الْمَعْهُودَةُ عُرْفًا) قَيْدٌ يَخْرُجُ بِهِ مَا لَا يُعْهَدُ كَوْنُهُ تَمِيمَةً فِي الْعُرْفِ كَمُعْظَمِ الْقُرْآنِ (قَوْلُهُ: هِيَ بِمَعْنَى مَعَ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا وَإِنْ حَصَلَ بِهِ
مَقْصُودًا بِالْحَمْلِ وَحْدَهُ بِأَنْ قَصَدَ الْأَمْتِعَةَ فَقَطْ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا أَوْ قَصَدَهُمَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي الثَّالِثَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَهُ فَقَطْ، وَالْمُرَادُ بِالْأَمْتِعَةِ الْجِنْسُ، وَلَوْ حَمَلَ حَامِلٌ الْمُصْحَفَ لَمْ يَحْرُمْ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَامِلٍ لَهُ عُرْفًا، وَلَوْ حَمَلَ مُصْحَفًا مَعَ كِتَابٍ فِي جِلْدٍ وَاحِدٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُصْحَفِ مَعَ الْمَتَاعِ فِي التَّفْصِيلِ الْمَارِّ، وَأَمَّا مَسُّ الْجِلْدِ فَيَحْرُمُ مَعَ مَسِّ السَّاتِرِ لِلْمُصْحَفِ دُونَ مَا عَدَاهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَ) فِي (تَفْسِيرٍ) ؛ لِأَنَّهُ
[حاشية الشبراملسي]
لَهُ حِينَئِذٍ تَمِيمَةٌ عُرْفًا.
وَعِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ: وَالتَّمِيمَةُ وَرَقَةٌ يُكْتَبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ، وَالتَّعْبِيرُ بِهِ مُشْعِرٌ بِتَقْلِيلِ الشَّيْءِ الْمَوْصُوفِ بِكَوْنِهِ بَعْضًا وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا ذَكَرَهُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْعِبْرَةُ فِي قَصْدِ الدِّرَاسَةِ وَالتَّبَرُّكِ بِحَالِ الْكِتَابَةِ دُونَ مَا بَعْدَهَا، وَبِالْكَاتِبِ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ تَبَرُّعًا وَإِلَّا فَآمِرُهُ أَوْ مُسْتَأْجِرُهُ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْأَمْتِعَةِ الْجِنْسُ) أَيْ فَيَصْدُقُ بِالْوَاحِدِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لِلِاسْتِتْبَاعِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْقَصْدِ فَيَصْدُقُ بِصَغِيرِ الْجُرْمِ وَكَبِيرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ حَمَلَ حَامِلٌ الْمُصْحَفَ) أَيْ وَلَوْ كَانَ بِقَصْدِ حَمْلِ الْمُصْحَفِ، ثُمَّ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْحَامِلِ لِلْمُصْحَفِ بَيْنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ الَّذِي لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ حَمْلٌ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ الْعُرْفِ، وَوَجْهُ التَّأْيِيدِ أَنَّهُ فِي الْعُرْفِ يُقَالُ هُوَ حَامِلٌ لِلطِّفْلِ لَكِنْ بِهَامِشٍ عَنْ بَعْضِهِمْ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَ الْحَامِلُ يُنْسَبُ إلَيْهِ الْحَمْلُ: أَيْ بِحَيْثُ يَسْتَقِلُّ بِحَمْلِهِ أَوْ انْفَرَدَ اهـ، وَيَنْبَغِي عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: لَمْ يَحْرُمْ) وَإِنْ قَصَدَ الْمُصْحَفَ خِلَافًا لحج حَيْثُ قَالَ بِالْحُرْمَةِ إذَا قَصَدَ الْمُصْحَفَ (قَوْلُهُ: مَسُّ الْجِلْدِ) وَمِثْلُ الْجِلْدِ اللِّسَانُ وَالْكَعْبُ: أَيْ فَيَحْرُمُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا حَاذَى الْمُصْحَفَ.
وَفِي سم عَلَى حَجّ وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي الْكَعْبِ فَهَلْ يَحْرُمُ مَسُّهُ مُطْلَقًا أَوْ الْجُزْءُ مِنْهُ الْمُحَاذِي لِلْمُصْحَفِ؟ وَهَلْ اللِّسَانُ الْمُتَّصِلُ بِجِهَةٍ غَيْرِ الْمُصْحَفِ إذَا انْطَبَقَ فِي جِهَةِ الْمُصْحَفِ كَذَلِكَ؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ. قُلْت: وَلَا يَبْعُدُ تَخْصِيصُ الْحُرْمَةِ بِالْجُزْءِ الْمُحَاذِي لِلْمُصْحَفِ.
(فَرْعٌ) جَمْعُ مُصْحَفٍ وَكِتَابٍ فِي جِلْدٍ وَاحِدٍ.
قَالَ م ر: فَفِي حَمْلِهِ تَفْصِيلُ حَمْلِ الْمُصْحَفِ فِي أَمْتِعَةٍ، وَأَمَّا مَسُّهُ فَهُوَ حَرَامٌ إنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمُصْحَفِ لَا مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى اهـ. ثُمَّ أَفَادَ بَحْثًا أَنَّ كَعْبَ الْجِلْدِ يَلْحَقُ مِنْهُ بِالْمُصْحَفِ مَا جَاوَرَهُ.
(فَرْعٌ) وَضَعَ الْمُصْحَفَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ وَوَضَعَ عَلَيْهِ مَأْكُولًا كَالْخُبْزِ وَمِلْحٍ وَأَكَلَهُ فَوْقَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إزْرَاءً وَامْتِهَانًا.
(فَرْعٌ) الْوَجْهُ تَحْرِيمُ لَزْق أَوْرَاقِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ بِالنَّشَا وَنَحْوِهِ فِي الْأَقْبَاعِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إزْرَاءً وَامْتِهَانًا تَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(فَرْعٌ) هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الْجِلْدِ الْمُنْفَصِلِ لِكَافِرٍ؛ لِأَنَّ قَصْدَ بَيْعِهِ قَطْعٌ لِنِسْبَتِهِ عَنْهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَمَالَ م ر لِلْجَوَازِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
قُلْت: وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّ مُجَرَّدَ وَضْعِ يَدِ الْكَافِرِ عَلَيْهِ مَعَ نِسْبَتِهِ فِي الْأَصْلِ لِلْمُصْحَفِ إهَانَةٌ لَهُ.
(فَائِدَةٌ) وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَنْ شَخْصٍ سَلِيمٍ تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَنْجِيَ وَأَرَادَ مَسَّ الْمُصْحَفِ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِعَدَمِ الْحُرْمَةِ لِصِحَّةِ وُضُوئِهِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ مَسَّ بِعُضْوٍ طَاهِرٍ مَعَ نَجَاسَةِ بَعْضِ أَعْضَائِهِ، وَذَلِكَ
[حاشية الرشيدي]
مَا قَصَدَهُ هُنَا لَكِنَّهُ يَقْتَضِي فِيمَا يَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ وَالدَّنَانِيرِ أَنَّهُ يَجُوزُ حَمْلُ الْقُرْآنِ إذَا كَانَ مُصَاحِبًا لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ضِمْنِ الْأَوَّلِ وَلَا مَكْتُوبًا عَلَى الثَّانِيَةِ فَإِنْ جُعِلَتْ هُنَا بِمَعْنَى مَعَ وَفِيمَا يَأْتِي بَاقِيَةٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ كَمَا يُفِيدُهُ صَنِيعُهُ تَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ كَوْنِ حَرْفٍ وَاحِدٍ مُسْتَعْمَلًا فِي مَكَانَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا بِمَعْنًى وَفِي الْآخَرِ بِمَعْنًى آخَرَ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَفِي تَفْسِيرٍ)
الْمَقْصُودُ دُونَ الْقُرْآنِ، وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْقُرْآنِ، فَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ أَكْثَرَ أَوْ تَسَاوَيَا حَرُمَ، وَحَيْثُ لَمْ يَحْرُمْ يُكْرَهُ، وَفَارَقَ حَالَ الِاسْتِوَاءِ هُنَا حَالَتَهُ فِي الثَّوْبِ الْمُرَكَّبِ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ لِلتَّعْظِيمِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى ثَوْبَ حَرِيرٍ عُرْفًا.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ بِاعْتِبَارِ الْحُرُوفِ لَا الْكَلِمَاتِ وَأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْكَثْرَةِ وَعَدَمِهَا فِي الْمَسِّ بِحَالِ مَوْضِعِهِ وَفِي الْحَمْلِ بِالْجَمِيعِ كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
(وَدَنَانِيرَ) أَوْ دَرَاهِمَ كُتِبَ عَلَيْهَا قُرْآنٌ وَمَا فِي مَعْنَاهَا كَكُتُبِ الْفِقْهِ وَالثَّوْبِ الْمُطَرَّزِ بِآيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْحِيطَانِ الْمَنْقُوشَةِ وَالطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِإِثْبَاتِ الْقُرْآنِ فِيهَا قِرَاءَةٌ فَلَا تَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْقُرْآنِ وَلِهَذَا يَجُوزُ هَدْمُ جِدَارٍ وَأَكْلُ طَعَامٍ نُقِشَ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَالثَّانِي يَحْرُمُ لِإِخْلَالِهِ بِالتَّعْظِيمِ وَيَجُوزُ مَحْوُ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَشُرْبُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ ابْتَلَعَ قِرْطَاسًا فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِمَا فِي الْبَاطِنِ وَإِنَّمَا جَوَّزْنَا أَكْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ إلَّا وَقَدْ زَالَتْ صُورَةُ الْكِتَابَةِ وَلَا يَجُوزُ جَعْلُ نَحْوِ ذَهَبٍ فِي كَاغَدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وَيُكْرَهُ حَرْقُ خَشَبَةٍ نُقِشَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ نَعَمْ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ بِحَرْقِهَا
[حاشية الشبراملسي]
لَا أَثَرَ لَهُ فِي جَوَازِ الْمَسِّ بَلْ قَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ خِلَافًا لِلْمُتَوَلِّي (قَوْلُهُ: أَكْثَرَ مِنْ الْقُرْآنِ) أَيْ يَقِينًا فَلَوْ شَكَّ فِي الْأَكْثَرِ مِنْهَا حَرُمَ كَمَا تَقَدَّمَ لِلشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ صَغِيرَةِ الزِّينَةِ (قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ الْحُرُوفِ) وَهَلْ الْعِبْرَةُ بِالْمَلْفُوظِ مِنْهَا أَوْ الْمَرْسُومِ؟ الْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَعَلَيْهِ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْقُرْآنِ رَسْمُهُ بِالنِّسْبَةِ لِخَطِّ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُ فِيهِ سَيِّدُنَا عُثْمَانُ وَاِتَّخَذَهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ خَرَجَ عَنْ مُصْطَلَحِ عِلْمِ الرَّسْمِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ لَهُ رَسْمٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ فَتَعَيَّنَ اعْتِبَارُهُ بِهِ، وَفِي التَّفْسِيرِ رَسْمُهُ عَلَى قَوَاعِدِ عِلْمِ الْخَطِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ وَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ لِلْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ عِنْدَ أَهْلِهِ اهـ حَجّ.
وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لَهُ أَنَّ الْكَثْرَةَ مِنْ حَيْثُ الْحُرُوفُ لَفْظًا لَا رَسْمًا
(قَوْلُهُ: وَالثَّوْبُ الْمُطَرَّزُ) وَمِثْلُهُ مَا لَوْ كَتَبَ فِيهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ لِلدِّرَاسَةِ (قَوْلُهُ: وَأَكْلُ طَعَامٍ) أَيْ وَلِبْسُ ثَوْبٍ طُرِّزَ بِذَلِكَ قَالَ حَجّ وَيَحْرُمُ وَطْءُ شَيْءٍ نُقِشَ بِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَرَاهِيَةِ لِبْسِهِ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ: وَشُرْبُهُ) تَوَقَّفَ سم عَلَى حَجّ فِي جَوَازِ صَبِّهِ عَلَى نَجَاسَةٍ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي الْجَوَازُ وَلَوْ قَصْدًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مُحِيَتْ حُرُوفُهَا وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ لَمْ يَكُنْ فِي صَبِّهَا عَلَى النَّجَاسَةِ إهَانَةٌ.
وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ فِي الْفَتَاوَى: الْأَوْلَى صَبُّ غَسْلِهِ وَصَبُّ مَاءِ غُسَالَتِهِ فِي مَحَلٍّ طَاهِرٍ (قَوْلُهُ: اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ أَوْ اسْمٌ مُعَظَّمٌ كَأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ حَيْثُ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَتِهِمْ عِنْدَ الِاشْتِرَاكِ فِيهِ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ) قَدْ يَشْكُلُ بِأَنَّ مَا فِي الْبَاطِنِ لَا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِهِ إلَّا إذَا اتَّصَلَ بِالظَّاهِرِ.
وَعِبَارَةُ حَجّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ السَّابِقِ أَحَدُهَا خُرُوجٌ إلَخْ نَصُّهَا: وَلَا يَضُرُّ إدْخَالُهُ: أَيْ نَحْوِ الْعُودِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ الصَّلَاةُ لِحَمْلِهِ مُتَّصِلًا بِنَجَسٍ، إذْ مَا فِي الْبَاطِنِ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ إلَّا إنْ اتَّصَلَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الظَّاهِرِ اهـ. ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى مَنْهَجِ الْإِشْكَالِ وَجَوَابُهُ وَعِبَارَتُهُ: فَرْعٌ يَحْرُمُ ابْتِلَاعُ وَرَقَةٍ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ لِمُلَاقَاتِهَا لِلنَّجَاسَةِ بِخِلَافِ مَحْوِ مَا عَلَيْهَا بِالْمَاءِ وَشُرْبِهِ فَيَجُوزُ هَكَذَا قَرَّرَهُ م ر. لَا يُقَالُ تَعْلِيلُهُ الْأَوَّلُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُلَاقَاةَ فِي الْبَاطِنِ لَا تُنَجِّسُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: فِيهِ امْتِهَانٌ وَإِنْ لَمْ يَنْجُسْ كَمَا لَوْ وَضَعَ الْقُرْآنَ عَلَى نَجَسٍ جَافٍ يَحْرُمُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ تَدَبَّرْ اهـ.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ مَعْنَاهُ يُلَاقِي النَّجَسَ (قَوْلُهُ: فِي كَاغَدٍ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ (قَوْلُهُ: كُتِبَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أَيْ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ كُلِّ مُعَظَّمٍ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي بَابِ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ يَحْرُمُ حَمْلُ الْمُصْحَفِ بِمَعْنَى الْقُرْآنِ فِي تَفْسِيرِ إلَخْ
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ يَنْجُسُ بِمَا فِي الْبَاطِنِ) صَرِيحٌ فِي نَجَاسَةِ الْبَاطِنِ مَعَ أَنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِعَدَمِ نَجَاسَتِهِ مَا دَامَ فِي الْبَاطِنِ، نَعَمْ فِيهِ امْتِهَانٌ كَمَا قَالَهُ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ (قَوْلُهُ: حَرَقَ خَشَبَةً)
إحْرَازَهَا لَمْ يُكْرَهْ وَالْقَوْلُ بِحُرْمَةِ الْإِحْرَاقِ مَحْمُولٌ عَلَى فِعْلِهِ عَبَثًا وَلَوْ جَعَلَ نَحْوَ كَرَاسٍ فِي وِقَايَةٍ مِنْ وَرِقٍ كُتِبَ عَلَيْهَا نَحْوُ الْبَسْمَلَةِ لَمْ يَحْرُمْ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِعَدَمِ الِامْتِهَانِ، وَلَوْ أَخَذَ فَأْلًا مِنْ الْمُصْحَفِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ
(لَا) (قَلْبَ وَرَقَةٍ بِعُودٍ) أَوْ نَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْحَمْلِ لِانْتِقَالِ الْوَرَقِ بِفِعْلِ الْقَالِبِ مِنْ جَانِبٍ إلَى آخَرَ (وَأَنَّ) (الصَّبِيَّ الْمُحْدِثَ لَا يُمْنَعُ) مِنْ الْمَسِّ وَلَا مِنْ الْحَمْلِ، لَا فِي الْمُصْحَفِ وَلَا فِي اللَّوْحِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الدِّرَاسَةِ،
[حاشية الشبراملسي]
الِاسْتِنْجَاءِ، وَمِنْ الْمُعَظَّمِ مَا يَقَعُ فِي الْمُكَاتَبَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا فِيهِ اسْمُ اللَّهِ وَاسْمُ رَسُولِهِ مَثَلًا فَيَحْرُمُ إهَانَتُهُ بِوَضْعِ نَحْوِ دَرَاهِمَ فِيهِ (قَوْلُهُ: لَمْ يُكْرَهْ) أَيْ بَلْ قَدْ يَجِبُ إذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِصَوْنِهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي جِلْدِ الْمُصْحَفِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: كَرَّاسٍ) الْوَاحِدَةُ كُرَّاسَةٌ بِفَتْحِ الْكَافِ.
وَعِبَارَةُ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ الْكُرَّاسَةُ بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِالْهَاءِ آخِرُهُ وَاحِدَةُ الْكُرَّاسِ وَالْكَرَارِيسِ (قَوْلُهُ: نَحْوَ الْبَسْمَلَةِ) يَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ بِنَحْوِهَا مَا يُقْصَدُ بِهِ التَّبَرُّكُ عَادَةً، أَمَّا أَوْرَاقُ الْمُصْحَفِ فَيَنْبَغِي حُرْمَةُ جَعْلِهَا وِقَايَةً لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِهَانَةِ، لَكِنْ فِي سم عَلَى حَجّ نَقْلًا عَنْ وَالِدِ الشَّارِحِ مَا نَصُّهُ: يَجُوزُ وَضْعُ كُرَّاسٍ الْعِلْمِ فِي وَرَقَةٍ كُتِبَ فِيهَا الْقُرْآنُ اهـ. وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا لَوْ كَانَ الْمَكْتُوبُ فِيهِ الْقُرْآنُ أَوْرَاقَ الْمُصْحَفِ فَلْيُحَرَّرْ (قَوْلُهُ: لَمْ يَحْرُمُ) أَيْ بَلْ يُكْرَهُ فَقَطْ
(قَوْلُهُ: وَأَنَّ الصَّبِيَّ الْمُحْدِثَ لَا يُمْنَعُ إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِ تَمْكِينِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَنَحْوِهِمَا مَعَ الْحَدَثِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ زَمَنَ الدَّرْسِ يَطُولُ غَالِبًا، وَفِي تَكْلِيفِ الصِّبْيَانِ إدَامَةَ الطَّهَارَةِ مَشَقَّةٌ تُؤَدِّي إلَى تَرْكِ الْحَفْزِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، نَعَمْ نَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا قَرَأَ لِلتَّعَبُّدِ لَا لِلدِّرَاسَةِ بِأَنْ كَانَ حَافِظًا، أَوْ كَانَ يَتَعَاطَى مِقْدَارًا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْحِفْظُ فِي الْعَادَةِ.
وَفِي الرَّافِعِيِّ مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ فَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ، كَذَا فِي خَطِّ ابْنِ قَاسِمٍ الْغَزِّيِّ شَارِحِ الْمِنْهَاجِ، وَفِي سم عَلَى حَجّ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ مَا نَصُّهُ: وَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ حَمْلِهِ وَمَسِّهِ لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ نَظَرًا وَإِنْ كَانَ حَافِظًا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ إذَا أَفَادَتْهُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ نَظَرًا فَائِدَةَ مَا فِي مَقْصُودِهِ كَالِاسْتِظْهَارِ عَلَى حِفْظِهِ وَتَقْوِيَتِهِ حَتَّى بَعْدَ فَرَاغٍ مَدِّ حِفْظِهِ إذَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي تَرْسِيخِ حِفْظِهِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَنَافِيَ لِإِمْكَانِ حَمْلِ مَا فِي الرَّافِعِيِّ عَلَى إرَادَةِ التَّعَبُّدِ الْمَحْضِ، وَمَا نَقَلَهُ سم عَلَى مَا إذَا تَعَلَّقَ بِقِرَاءَتِهِ فِيهِ غَرَضٌ يَعُودُ إلَى الْحِفْظِ كَمَا أَشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ كَالِاسْتِظْهَارِ اهـ.
(فَائِدَةٌ) وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ جَعَلَ الْمُصْحَفَ فِي خُرْجٍ أَوْ غَيْرِهِ وَرُكِّبَ عَلَيْهِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ فَأَجَبْت عَنْهُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ يُعَدُّ إزْرَاءً بِهِ كَأَنْ وَضَعَهُ تَحْتَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَرْذَعَةِ، أَوْ كَانَ مُلَاقِيًا لِأَعْلَى الْخُرْجِ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ بَيْنَ الْمُصْحَفِ وَبَيْنَ الْخُرْجِ وَعُدَّ ذَلِكَ إزْرَاءً لَهُ كَكَوْنِ الْفَخِذِ صَارَ مَوْضُوعًا عَلَيْهِ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا، فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ كَثِيرًا، وَوَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ اُضْطُرَّ إلَى مَأْكُولٍ وَكَانَ لَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بِشَيْءٍ يَضَعُهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إلَّا الْمُصْحَفُ فَهَلْ يَجُوزُ وَضْعُهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَمْ لَا؟ فَأَجَبْت عَنْهُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ الْجَوَازُ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأَنَّ حِفْظَ الرُّوحِ مُقَدَّمٌ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ عَلَى غَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَشْرَفَتْ سَفِينَةٌ فِيهَا مُصْحَفٌ وَحَيَوَانٌ عَلَى الْغَرَقِ وَاحْتِيجَ إلَى إلْقَاءِ أَحَدِهِمَا لِتَخْلِيصِ السَّفِينَةِ أُلْقِيَ الْمُصْحَفُ حِفْظًا لِلرُّوحِ الَّتِي فِي السَّفِينَةِ.
لَا يُقَالُ: وَضْعُ الْمُصْحَفِ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ امْتِهَانٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: كَوْنُهُ إنَّمَا فِعْلُ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ مَانِعٌ عَنْ كَوْنِهِ امْتِهَانًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ السُّجُودُ لِلصَّنَمِ وَالتَّصَوُّرِ بِصُورَةِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى الرُّوحِ؟ بَلْ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ حَاجَةَ الطَّبْخِ مَثَلًا بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: عَبَثًا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ، أَمَّا إذَا قَصَدَ الِامْتِهَانَ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَكْفُرُ فَتَلَخَّصَ أَنَّ لِحَرْقِهَا أَرْبَعَةَ أَحْوَالٍ مَعْلُومَةً مِنْ كَلَامِهِ وَمِمَّا ذَكَرْنَاهُ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ الِامْتِهَانِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا قَالَهُ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ امْتِهَانَهُ، أَوْ أَنَّهُ يُصِيبُهَا الْوَسَخُ لَا الْكُرَّاسُ وَإِلَّا حَرُمَ، قَالَ بَلْ قَدْ يَكْفُرُ.
وَتَكْلِيفُهُ اسْتِصْحَابَ الطَّهَارَةِ أَمْرٌ تَعْظُمُ الْمَشَقَّةُ فِيهِ، وَالثَّانِي يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ وَالْمُعَلِّمِ مَنْعُهُ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا أَفْهَمَهُ التَّعْلِيلُ، وَكَلَامُهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَمْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِالدِّرَاسَةِ فَشَمِلَ ذَلِكَ وَسِيلَتَهَا كَحَمْلِهِ لِلْمَكْتَبِ وَالْإِتْيَانِ فِيهِ لِلْمُعَلِّمِ لِيُعَلِّمَهُ مِنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ، فَإِنْ كَانَ لِغَرَضٍ آخَرَ أَوْ لَا لِغَرَضٍ مُنِعَ مِنْهُ جَزْمًا، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي الْمُمَيِّزِ، أَمَّا غَيْرُهُ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَنْتَهِكَهُ، وَشَمِلَ الْمُحْدِثُ مَنْ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ (قُلْت: الْأَصَحُّ حِلُّ قَلْبِ وَرَقِهِ بِعُودٍ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَامِلٍ وَلَا مَاسٍ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَكَانَتْ الْوَرَقَةُ قَائِمَةً فَصَفَحَهَا بِهِ أَمْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ خِلَافًا لِابْنِ الْأُسْتَاذِ وَمَنْ تَبِعَهُ لِمَا فِي الْقَوْلِ بِهِ مِنْ إحَالَةِ الْخِلَافِ
(وَمَنْ) (تَيَقَّنَ طُهْرًا أَوْ حَدَثًا وَشَكَّ فِي ضِدِّهِ) (عَمِلَ بِيَقِينِهِ) إذْ الْيَقِينُ لَا يُرْفَعُ بِالشَّكِّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ هُنَا وَفِي مُعْظَمِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى السَّوَاءِ أَمْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ أَرْجَحُ، قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ وَوَقَعَ لِلرَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَرْفَعُ يَقِينَ الْحَدَثِ بِظَنِّ الطَّهَارَةِ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ أَسْقَطَهُ مِنْ الرَّوْضَةِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَاءَ الْمَظْنُونَ طَهَارَتُهُ بِالِاجْتِهَادِ يَرْفَعُ بِهِ يَقِينَ الْحَدَثِ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ: كَلَامُهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَطَهَّرَ بَعْدَ يَقِينِ الْحَدَثِ وَشَكَّ بَعْدَ طَهَارَتِهِ فِي تَرْكِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِيهَا، وَقَدْ رَفَعْنَا هُنَا يَقِينَ الْحَدَثِ بِظَنِّ الطَّهَارَةِ (فَلَوْ تَيَقَّنَهُمَا وَجَهِلَ السَّابِقَ مِنْهُمَا فَضِدُّ مَا قَبْلَهُمَا فِي الْأَصَحِّ) صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ أَوْقَع طُهْرًا وَحَدَثًا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مَثَلًا، وَيَجْهَلُ السَّابِقُ مِنْهُمَا فَيُؤْمَرُ بِالتَّذَكُّرِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَهَا فَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا رَفْعَ الْحَدَثِ الْوَاقِعِ قَبْلَهَا بِالطُّهْرِ الْوَاقِعِ بَعْدَهَا وَشَكَكْنَا فِي رَافِعِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا مُتَطَهِّرًا، وَهُوَ مِمَّنْ يَعْتَادُ التَّجْدِيدَ أَخَذَ بِالضِّدِّ فَيَكُونُ الْآنَ مُحْدِثًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَعْتَادُهُ أَخَذَ بِالْمِثْلِ فَيَكُونُ مُتَطَهِّرًا؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا تَوَسُّطَ الْحَدَثِ بَيْنَ الطُّهْرَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ شَيْئًا فَالْوُضُوءُ إنْ اعْتَادَ التَّجْدِيدَ وَإِلَّا
[حاشية الشبراملسي]
قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ إنْ تَوَقَّفَ إنْقَاذُ رُوحِهِ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَ وَضْعُهُ حِينَئِذٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْقُوتَ بِيَدِ كَافِرٍ وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ إلَّا بِدَفْعِ الْمُصْحَفِ لَهُ جَازَ لَهُ الدَّفْعُ، لَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ تَقْدِيمُ الْمَيْتَةِ وَلَوْ مُغَلَّظَةٌ إنْ وَجَدَهَا عَلَى دَفْعِهِ لِكَافِرٍ.
وَفِي حَجّ: وَيَحْرُمُ تَمْزِيقُ الْمُصْحَفِ عَبَثًا؛ لِأَنَّهُ إزْرَاءٌ بِهِ وَتَرْكُ رَفْعِهِ عَنْ الْأَرْضِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْعَلَهُ فِي شِقٍّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ فَيُمْتَهَنُ اهـ. وَقَوْلُهُ وَتَرْكُ رَفْعِهِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا رَأَى وَرَقَةً مَطْرُوحَةً عَلَى الْأَرْضِ حَرُمَ عَلَيْهِ تَرْكُهَا، وَالْقَرِينَةُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبُ ذَلِكَ وَيَنْبَغِي إلَخْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَضْعُ الْمُصْحَفِ عَلَى الْأَرْضِ وَالْقِرَاءَةُ فِيهِ خِلَافًا لِبَعْضِ ضَعَفَةِ الطَّلَبَةِ (قَوْلُهُ: لِغَرَضٍ آخَرَ) أَيْ كَالتَّبَرُّكِ أَوْ نَقْلِهِ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان (قَوْلُهُ لِئَلَّا يَنْتَهِكَهُ) يُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنْ انْتِهَاكِهِ لَمْ يَحْرُمْ (قَوْلُهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ) لَكِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ التَّعْلِيلُ السَّابِقُ، إذْ تَكْلِيفُهُ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ مَنْعِهِ مِنْ الصَّلَاةِ بِلَا وُضُوءٍ
(قَوْلُهُ: عَمِلَ بِيَقِينِهِ) أَيْ جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ وَمَعَ ذَلِكَ يُسَنُّ لَهُ الْوُضُوءُ.
وَاسْتَشْكَلَهُ حَجّ وَأَجَابَ عَنْهُ فَرَاجِعْهُ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِأَنَّ امْرَأَةً لَمَسَتْهُ فَلَا نَقْضَ بِذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ عَلَى هَيْئَةِ النِّسَاءِ، بَلْ وَلَوْ قَالَ الْمُخْبِرُ أَنَا أَعْلَمُ أُنُوثَتَهَا؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْعَدْلِ إنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ (قَوْلُهُ: فَلَا يَخْرُجْنَ مِنْ الْمَسْجِدِ) أَيْ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَفِي مُعْظَمِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ) أَشَارَ بِقَوْلِهِ مُعْظَمُ أَبْوَابِ الْفِقْهِ إلَى أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فِي أَبْوَابٍ: مِنْهَا بَابُ الْإِيلَاءِ وَحَيَاةِ الْحَيَوَانِ الْمُسْتَقِرَّةِ وَالْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ وَالْأَكْلِ مِنْ أَمْوَالِ الْغَيْرِ، وَفِي وُجُوبِ رُكُوبِ الْبَحْرِ لِلْحَجِّ وَفِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ وَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ شَيْئًا فَالْوُضُوءُ) أَيْ فَالْوَاجِبُ الْوُضُوءُ.
بَقِيَ مَا لَوْ عَلِمَ قَبْلَهُمَا حَدَثًا وَطُهْرًا وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا فَيُنْظَرُ مَا قَبْلَهُمَا، فَإِنْ تَذَكَّرَ طُهْرًا فَقَطْ أَوْ حَدَثًا كَذَلِكَ أَخَذَ بِمِثْلِهِ أَوْ ضِدِّهِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ، فَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا فِيهِ أَيْضًا وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا أُخِذَ بِضِدِّ مَا قَبْلَهُمَا إنْ ذَكَرَ أَحَدُهُمَا فِيهِ، وَهَكَذَا يَأْخُذُ فِي الْوِتْرِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الِاشْتِبَاهُ بِضِدِّهِ إذَا ذَكَرَهُ فِي الْوِتْرِ، وَيَأْخُذُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَمُتَطَهِّرٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَتَثْبُتُ عَادَةُ التَّجْدِيدِ وَلَوْ بِمَرَّةٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَنْظُرُ إلَى مَا قَبْلَهُمَا فَيَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ بِكُلِّ حَالٍ احْتِيَاطًا.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا.
فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ اعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ الْآدَابِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ إلَّا الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ وَالِاسْتِنْجَاءَ بِشُرُوطِهَا الْآتِيَةِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِنْجَاءِ وبِالِاسْتِطَابَةِ وَبِالِاسْتِجْمَارِ، وَالْأَوَّلَانِ يَعُمَّانِ الْمَاءَ وَالْحَجَرَ،
[حاشية الشبراملسي]
فِي الشَّفْعِ الَّذِي فِيهِ الِاشْتِبَاهُ بِمِثْلِ الْفَرْدِ الَّذِي قَبْلَهُ مَعَ اعْتِبَارِ عَادَةِ تَجْدِيدِهِ وَعَدَمِهَا، فَإِذَا تَيَقَّنَهُمَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَهُ وَقَبْلَ الْعِشَاءِ وَعَلِمَ أَنَّهُ قَبْلَ الْمَغْرِبِ مُحْدِثٌ أَخَذَ فِي الْوِتْرِ وَهُوَ مَا قَبْلَ الْعِشَاءِ إذْ هُوَ أَوَّلُ أَوْقَاتِ الِاشْتِبَاهِ بِضِدِّ الْحَدَثِ فَيَكُونُ فِيهِ مُتَطَهِّرًا، وَفِي الشَّفْعِ وَهُوَ مَا قَبْلَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ ثَانِيهَا بِمِثْلِهِ فَيَكُونُ فِيهِ مُحْدِثًا إنْ اعْتَادَ تَجْدِيدًا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِيمَا بَعْدَ الْفَجْرِ مُتَطَهِّرًا، فَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا فِيمَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَفِيمَا بَعْدَهُ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ قَبْلَ الْمَغْرِبِ كَانَ مُتَطَهِّرًا أَخَذَ فِي الْوِتْرِ وَهُوَ مَا قَبْلَ الْعِشَاءِ بِضِدِّهِ فَيَكُونُ مُحْدِثًا إنْ اعْتَادَ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِيمَا قَبْلَ الْفَجْرِ مُتَطَهِّرًا وَفِيمَا بَعْدَهُ مُحْدِثًا، فَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّ كَانَ قَبْلَ الْعِشَاءِ مُتَطَهِّرًا وَكَذَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَكَذَا بَعْدَهُ، إذْ الظَّاهِرُ تَأَخُّرُ طُهْرِهِ عَنْ حَدَثٍ فِي الْجَمِيعِ.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْأَخْذَ بِالضِّدِّ تَارَةً وَبِالْمِثْلِ أُخْرَى إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا عَلِمَ الْحَدَثَ دُونَ مَا إذَا عَلِمَ الطُّهْرَ وَهُوَ لَا يَعْتَادُ التَّجْدِيدَ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِالْمِثْلِ فِي الْمَرَاتِبِ كُلِّهَا قَالَهُ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ.
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ وَآدَابِهِ]
فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ (قَوْلُهُ: فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ) أَيْ فِي آدَابِ الْخَلَاءِ مُحَلًّى وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ كَانَ أَوْلَى، وَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ الْمَقْصُودُ، لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ مُطَهِّرٌ وَالْكَلَامُ فِي الطَّهَارَةِ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِنَا كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ سُرَاقَةَ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ اهـ سَمَّ فِي شَرْحِ الْغَايَةِ.
قُلْت: الْمُرَادُ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ فَقَطْ كَمَا نُقِلَ عَنْ السُّيُوطِيّ، وَعِبَارَتُهُ فِي الْيَنْبُوعِ: قُلْت ذَكَرَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي الْإِعْدَادِ وَغَيْرِهِ أَنَّ إجْزَاءَ الْحَجَرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ اهـ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِنَا مُطْلَقًا وَلَيْسَ مُرَادًا، وَيَدُلُّ لِمَا قَالَهُ السُّيُوطِيّ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ أَبُو اللَّيْثِ نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَنْبِيَاءِ مَا نَصُّهُ: وَكَانَ إبْرَاهِيمُ أَوَّلَ مَنْ اسْتَاكَ وَأَوَّلَ مَنْ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ وَأَوَّلَ مَنْ جَزَّ شَارِبَهُ وَأَوَّلَ مَنْ رَأَى الشَّيْبَ وَأَوَّلَ مَنْ اخْتَتَنَ وَأَوَّلَ مَنْ اتَّخَذَ السَّرَاوِيلَ وَثَرَدَ الثَّرِيدَ (قَوْلُهُ: مِنْ الْآدَابِ) جَمْعُ أَدَبٍ وَهُوَ الْمُسْتَحَبُّ، وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ مِنْهَا مَا يَأْتِي مِنْ وُجُوبِ عَدَمِ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ لِلْقِبْلَةِ بِالصَّحْرَاءِ، فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالْآدَابِ تَغْلِيبًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَدَبِ هُنَا الْمَطْلُوبُ شَرْعًا فَيَشْمَلُ الْمُسْتَحَبَّ وَالْوَاجِبَ، وَعَلَيْهِ فَلَا تَغْلِيبَ فِي الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ: وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِنْجَاءِ)
[حاشية الرشيدي]
فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ (قَوْلُهُ: فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ) أَيْ وَآدَابُ الْخَلَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي الْفَصْلِ تَبَعٌ لِلِاسْتِنْجَاءِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ بِالذَّاتِ، إذْ الْكَلَامُ فِي الطِّهَارَاتِ وَلَا يَضُرُّ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ فِي الذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِتَقَدُّمِهَا فِي الْوَاقِعِ (قَوْلُهُ: إلَّا الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ) يَعْنِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، إذْ الْأَدَبُ إنَّمَا هُوَ تَرْكُهُمَا لَا هُمَا إذْ هُمَا إمَّا حَرَامَانِ أَوْ مَكْرُوهَانِ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى أَوْ مُبَاحَانِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَالِاسْتِنْجَاءُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يُعْتَبَرُ عَنْهُ.
وَوَقَعَ فِي نُسَخٍ زِيَادَةُ
وَالثَّالِثُ يَخْتَصُّ بِالْحَجَرِ، وَهُوَ مِنْ نَجَوْتُ الشَّجَرَةَ إذَا قَطَعْتُهَا، كَأَنَّ الْمُسْتَنْجِيَ يَقْطَعُ الْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ وَقَدَّمَ هَذَا الْفَصْلَ عَلَى الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ يُسَنُّ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ فِي حَقِّ السَّلِيمِ، وَأَخَّرَهُ عَنْهُ فِي الرَّوْضَةِ إشَارَةً إلَى جَوَازِ تَأْخِيرِهِ عَنْهُ فِي حَقِّ مَنْ ذُكِرَ (يُقَدِّمُ دَاخِلٌ الْخَلَاءَ يَسَارَهُ) عِنْدَ إرَادَةِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ وَلَوْ بِمَحَلٍّ مِنْ صَحْرَاءَ بِوُصُولِهِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَقْذَرًا بِإِرَادَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِهِ كَالْخَلَاءِ الْجَدِيدِ، وَمِثْلُ الرِّجْلِ بَدَلُهَا فِي حَقِّ فَاقِدِهَا (وَالْخَارِجُ يَمِينَهُ) وَالْمَسْجِدُ بِعَكْسِ ذَلِكَ، فَيُقَدَّمُ يَمِينَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ وَيَسَارِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ تَكْرِيمًا لِلْيَمِينِ، إذْ الْيُسْرَى لِلْأَذَى وَالْيَمِينُ لِغَيْرِهِ.
وَأَخَذَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا لَا تَكْرِمَةَ فِيهِ وَلَا إهَانَةَ يَكُونُ بِالْيَمِينِ لَكِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِ الْمَجْمُوعِ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ
[حاشية الشبراملسي]
الضَّمِيرُ فِي عَنْهُ لِلِاسْتِنْجَاءِ بِمَعْنَى الْإِزَالَةِ وَهُوَ غَيْرُ لَفْظِ الِاسْتِنْجَاءِ فَلَمْ يَتَّحِدْ الْمُعَبَّرُ بِهِ مَعَ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُسَنُّ تَقْدِيمُهُ إلَخْ) أَيْ وَلِأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ الْوُضُوءَ أَنْ يُفَرِّغَ نَفْسَهُ أَوَّلًا مِمَّا يَمْنَعُ الْخُشُوعَ، فَمِنْ ثَمَّ قَدَّمَ آدَابَ الْخَلَاءِ (قَوْلُهُ: فِي حَقِّ السَّلِيمِ) وَيَجِبُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ (قَوْلُهُ: مَنْ ذُكِرَ) أَيْ السَّلِيمُ (قَوْلُهُ: عِنْدَ إرَادَةِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَلْ لَوْ دَخَلَ لِوَضْعِ مَتَاعٍ أَوْ أَخْذِهِ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا سَيَأْتِي فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ وَنَحْوِهِ.
وَعِبَارَةُ حَجّ يُقَدَّمُ دَاخِلُ الْخَلَاءِ وَلَوْ لِحَاجَةٍ أُخْرَى، وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الْآدَابِ الْآتِيَةِ وَعَبَّرَ بِهِ كَالْخَارِجِ لِلْغَالِبِ اهـ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِمَحَلٍّ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْغَايَةِ إلَى أَنَّ الْخَلَاءَ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَكَانِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ مُطْلَقًا مَجَازًا، وَإِلَّا فَالْخَلَاءُ عُرْفًا كَمَا فِي الْمَحَلِّيِّ الْبِنَاءُ الْمُعَدُّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ (قَوْلُهُ: بِإِرَادَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ) أَيْ فَلَا يَتَوَقَّفُ اسْتِقْذَارُهُ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَصِيرُ مَأْوًى لِلشَّيَاطِينِ إلَّا بِخُرُوجِ الْخَارِجِ فِيهِ كَمَا فِي الْمَحَلِّيِّ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الِاسْتِقْذَارِ كَوْنُهُ مَأْوًى لِلشَّيَاطِينِ، وَيَنْبَغِي زَوَالُ الِاسْتِقْذَارِ بِزَوَالِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ عَنْ الْمَحَلِّ (قَوْلُهُ كَالْخَلَاءِ الْجَدِيدِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْخَلَاءَ يَصِيرُ مُسْتَقْذَرًا بِالْإِعْدَادِ، لَا أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إرَادَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (قَوْلُهُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ إذْ الْيُسْرَى إلَخْ (قَوْلُهُ: لَا تَكْرِمَةَ فِيهِ وَلَا إهَانَةَ) كَالْبُيُوتِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِ الْمَجْمُوعِ إلَخْ) هَذَا قَدْ يُشْكِلُ تَصَوُّرُهُ مَعَ قَوْلِهِمْ إذَا انْتَقَلَ مِنْ شَرِيفٍ إلَى أَشْرَفَ رُوعِيَ الْأَشْرَفُ دُخُولًا وَخُرُوجًا، وَمِنْ مُسْتَقْذَرٍ إلَى أَقْذَرَ رُوعِيَ الْأَقْذَرُ
[حاشية الرشيدي]
وَاوٍ قَبْلَ يُعَبَّرُ وَهِيَ غَيْرُ صَوَابٍ، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِنْجَاءِ هُنَا الْفِعْلُ الْمَخْصُوصُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بِشُرُوطِهِ الْآتِيَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِيمَا بَعْدَهُ اللَّفْظُ، فَلَا اتِّحَادَ فِي الْمُعَبَّرِ بِهِ، وَالْمُعَبَّرِ عَنْهُ (قَوْلُهُ: عِنْدَ إرَادَةِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ) إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ لِتَكُونَ الْمُتَعَاطِفَاتُ الْآتِيَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، إذْ مِنْ جُمْلَتِهَا اعْتِمَادُ الْيَسَارِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَغَيْرِهِمَا، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي قَاضِي الْحَاجَةِ.
وَأَيْضًا فَجَمِيعُ مَا فِي الْمَتْنِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ وَإِنْ زَادَ الشُّرَّاحُ عَلَيْهِ مَا يُشَارِكُهُ فِي الْحُكْمِ.
وَأَيْضًا فَالصَّحْرَاءُ الْمَشْمُولَةُ بِلَفْظِ الْخَلَاءِ كَمَا يَأْتِي لَا يُقَدَّمُ فِيهَا الْيَسَارُ إلَّا عِنْدَ إرَادَةِ مَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: كَالْخَلَاءِ الْجَدِيدِ) ظَاهِرُ التَّشْبِيهِ أَنَّ الْخَلَاءَ الْجَدِيدَ لَا يَصِيرُ مُسْتَقْذَرًا إلَّا بِإِرَادَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِيهِ فَلَا يَكْفِي بِنَاؤُهُ لِذَلِكَ، لَكِنْ بَحَثَ شَيْخُنَا أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْإِرَادَةِ الْمَذْكُورَةِ وَعَلَيْهِ فَالتَّشْبِيهُ نَاقِصٌ (قَوْلُهُ: إذْ الْيُسْرَى لِلْأَذَى) أَيْ كُلُّ يُسْرَى لِكُلِّ أَذًى مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِ الدُّخُولِ، وَالْخُرُوجِ وَإِلَّا يَلْزَمُ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ إنَّ مَا لَا تَكْرِمَةَ فِيهِ وَلَا إهَانَةَ يَكُونُ بِالْيَمِينِ أَعَمَّ مِنْ الدُّخُولِ، وَالْخُرُوجِ أَيْضًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَيَشْمَلُ نَحْوَ نَقْلِ أَمْتِعَةٍ مِنْ مَحَلٍّ إلَى آخَرَ فَيَكُونُ بِالْيَمِينِ عَلَى مَا قَالَهُ.
فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَ لَهَا صُورَةٌ فِي الْخَارِجِ، إذْ الدَّاخِلُ إلَى الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ إنْ كَانَ مِنْ شَرِيفٍ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْيَسَارَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مُسَاوٍ لَهُ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي خُصُوصِ الدُّخُولِ، وَالْخُرُوجِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ مَا ذُكِرَ عَنْ الْمَجْمُوعِ إنْ كَانَتْ عِبَارَتُهُ مَا ذُكِرَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَعِيَّةَ مَفْرُوضَةٌ فِي ذَلِكَ لِتَعْبِيرِهِ بِيَبْدَأُ وَحِينَئِذٍ فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ مِنْ التَّوَقُّفِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الشَّيْخِ اعْتِمَادُ مَا فِي
يَبْدَأُ فِيهِ بِالْيَمِينِ وَخِلَافِهِ بِالْيَسَارِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِيهَا بِالْيَسَارِ، وَلَوْ خَرَجَ مِنْ مُسْتَقْذَرٍ لِمُسْتَقْذَرٍ أَوْ مِنْ مَسْجِدٍ لِمَسْجِدٍ فَالْعِبْرَةُ بِمَا بَدَأَ بِهِ فِي الْأَوْجَهِ، وَلَا نَظَرَ إلَى تَفَاوُتِ بِقَاعِ الْمَحَلِّ شَرَفًا وَخِسَّةً، نَعَمْ فِي الْمَسْجِدِ وَالْبَيْتِ يَظْهَرُ مُرَاعَاةُ الْكَعْبَةِ عِنْدَ دُخُولِهَا وَالْمَسْجِدِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا لِشَرَفِهِمَا، وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْيَمِينَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اخْتَارَهُ لِلصَّلَاةِ مِنْ الصَّحْرَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَكَالْخَلَاءِ فِيمَا تَقَدَّمَ الْحَمَّامُ وَالْمُسْتَحَمُّ وَالسُّوقُ وَمَكَانُ الْمَعْصِيَةِ وَمِثْلُهُ الصَّاغَةُ
[حاشية الشبراملسي]
كَذَلِكَ، وَإِنْ انْتَقَلَ مِنْ شَرِيفٍ لِشَرِيفٍ أَوْ مِنْ مُسْتَقْذَرٍ لِمِثْلِهِ تَخَيَّرَ، وَأَنَّهُ إذَا انْتَقَلَ مِنْ بَيْتٍ إلَى آخَرَ تَخَيَّرَ، وَأَنَّ بِقَاعَ الْمَكَانِ الْوَاحِدِ لَا تَفَاوُتَ فِيهَا، فَمَا صُورَةُ مَا لَا تَكْرِمَةَ فِيهِ وَلَا إهَانَةَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى يُفْرَضَ فِيهِ الْخِلَافُ؟ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ الْفِعْلُ الَّذِي لَا تَكْرِمَةَ فِيهِ وَلَا إهَانَةَ كَأَخْذِ مَتَاعٍ لِتَحْوِيلِهِ مِنْ مَكَان إلَى آخَرَ (قَوْلُهُ: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِيهَا بِالْيَسَارِ) أَيْ فِي صُورَةِ مَا لَا تَكْرِمَةَ فِيهِ إلَخْ، وَاعْتَمَدَهُ الزِّيَادِيُّ (قَوْلُهُ: فَالْعِبْرَةُ بِمَا بَدَأَ بِهِ) أَيْ فَيُقَدِّمُ الْيَمِينَ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَيَتَغَيَّرُ عِنْدَ دُخُولِهِ الْآخَرَ حَجّ، وَعَلَى قِيَاسِهِ يُقَدِّمُ الْيَسَارَ عِنْدَ دُخُولِهِ الْمُسْتَقْذَرَ وَيَتَخَيَّرُ فِي الثَّانِي، وَلَيْسَ مِنْ الْمُسْتَقْذَرِ فِيمَا يَظْهَرُ السُّوقُ وَالْقَهْوَةُ بَلْ الْقَهْوَةُ أَشْرَفُ فَيُقَدِّمُ يَمِينَهُ دُخُولًا.
[فَائِدَةٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا لَوْ جَعَلَ الْمَسْجِدَ مَوْضِعَ مَكْسٍ مَثَلًا، وَيَتَّجِهُ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى دُخُولًا وَالْيُسْرَى خُرُوجًا، لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ذَاتِيَّةٌ فَتُقَدَّمُ عَلَى الِاسْتِقْذَارِ الْعَارِضِ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ دَنِيءٍ إلَى مَكَان جَهِلَ أَنَّهُ دَنِيءٌ أَوْ شَرِيفٌ فَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى الشَّرَافَةِ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
قُلْت: بَقِيَ مَا لَوْ اُضْطُرَّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَهَلْ يُقَدِّمُ الْيَسَارَ لِمَوْضِعِ قَضَائِهَا أَوْ يَتَخَيَّرُ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحُرْمَةِ الذَّاتِيَّةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ذَاتِيَّةٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ كُلَّهُ حَيْثُ عَلِمَ وَقْفَهُ مَسْجِدًا، أَوْ شَرَافَتَهُ وَخِسَّتَهُ، أَمَّا لَوْ اعْتَادَ الصَّلَاةَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ وَقْفٍ ثُمَّ اتَّخَذُوهُ زَرِيبَةً مَثَلًا فَيَنْبَغِي مُرَاعَاةُ حَالِهِ وَقْتَ الدُّخُولِ مِنْ الشَّرَافَةِ فِي الْأَوَّلِ وَالْخِسَّةِ فِي الثَّانِي (قَوْلُهُ: شَرَفًا) أَيْ فِي الْحِسِّ فَإِنَّ قَرِيبَ الْمِنْبَرِ مَثَلًا لَا يُسَاوِي مَا قَرُبَ مِنْ الْبَابِ فِي النَّظَافَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَظَرَ إلَى هَذَا الشَّرَفِ فَيَتَخَيَّرُ فِي مَشْيِهِ مِنْ أَوَّلِ الْمَسْجِدِ إلَى مَحَلِّ جُلُوسِهِ (قَوْلُهُ: وَخِسَّةً) قَدْ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْخَلَاءِ دِهْلِيزٌ طَوِيلٌ وَدَخَلَهُ بِالْيَسَارِ ثُمَّ انْتَهَى الْجُلُوسُ تَخَيَّرَ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ: وَفِيمَا لَهُ دِهْلِيزٌ طَوِيلٌ يُقَدِّمُهَا عِنْدَ بَابِهِ وَوُصُولِهِ لِمَحَلِّ جُلُوسِهِ اهـ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ ابْنُ قَاسِمٍ قَوْلَهُ لِمَحَلِّ إلَخْ: أَيْ وَيَمْشِي كَيْفَ اتَّفَقَ فِي غَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ أَقْذَرُ مِمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَابِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَخَيَّرَ عِنْدَ وُصُولِهِ لِمَحَلِّ جُلُوسِهِ أَيْضًا لِأَنَّ جَمِيعَ مَا بَعْدَ أَجْزَاءِ الْبَابِ مَحَلٌّ وَاحِدٌ، وَيُؤَيِّدُهُ التَّخْيِيرُ عِنْدَ وُصُولِهِ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ دِهْلِيزًا وَكَانَ قَصِيرًا فَلْيُتَأَمَّلْ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّارِحِ مِنْ التَّخْيِيرِ (قَوْلُهُ: فِي الْمَسْجِدِ وَالْبَيْتِ) أَيْ الْحَرَامِ فَيُقَدِّمُ يَمِينَهُ دُخُولًا وَخُرُوجًا فِيهِمَا خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ الصَّاغَةُ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ الْمَحِلَّاتُ
[حاشية الرشيدي]
الْمَجْمُوعِ وَصَرَّحَ بِاعْتِمَادِهِ الزِّيَادِيُّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ خَرَجَ عَنْ مُسْتَقْذَرٍ لِمُسْتَقْذَرٍ) هَلْ وَإِنْ تَفَاوَتَا فِي الِاسْتِقْذَارِ لِيَشْمَلَ مَا إذَا خَرَجَ مِنْ سُوقِ الْخَلَاءِ وَعَكْسِهِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ وَلَا نَظَرَ إلَى تَفَاوُتِ بِقَاعِ الْمَحَلِّ شَرَفًا بَيَانًا لِهَذَا يَجْعَلُ أَلْ فِي الْمَحَلِّ لِلْجِنْسِ، أَوْ الْمُرَادُ وَإِذَا تَسَاوَيَا فِي الِاسْتِقْذَارِ الطَّاهِرِ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَفِيهِ وَقْفَةٌ وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَهُوَ وَاضِحٌ، إلَّا أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ سَاكِتًا عَنْ حُكْمِ مَا فِيهِ التَّفَاوُتُ فِي الِاسْتِقْذَارِ فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ وَاسْتِدْرَاكِهِ الْآتِي مَا يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ (قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ مَسْجِدٍ لِمَسْجِدٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ مَا لَوْ دَخَلَ مِنْ بَيْتٍ لِبَيْتٍ مَثَلًا فَلَوْ عَبَّرَ بِمَا يَشْمَلُ ذَلِكَ كَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: لِشَرَفِهِمَا) أَيْ الْكَعْبَةِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: أَيْ الشَّرَفِ الْمَخْصُوصِ بِهِمَا، فَكُلٌّ مِنْهُمَا فِيهِ شَرَفٌ ذَاتِيٌّ مَخْصُوصٌ لَيْسَ فِي غَيْرِهِ فَرُوعِيَ لِأَجْلِهِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ الشَّارِحَ لَا يَنْظُرُ إلَى تَفَاوُتِ الشَّرَفِ حَيْثُ وَقَعَ الِاشْتِرَاكُ فِي أَصْلِهِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ
(وَلَا يَحْمِلُ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ مَكْتُوبَ ذِكْرِهِ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَجُوزُ حَمْلُهُ مَعَ الْحَدَثِ وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا، وَالْمَلَائِكَةُ سَوَاءٌ عَامَّتُهُمْ وَخَاصَّتُهُمْ، وَكُلُّ اسْمٍ مُعَظَّمٍ مُخْتَصٍّ أَوْ مُشْتَرَكٍ وَقَصَدَ بِهِ التَّعْظِيمَ أَوْ قَامَتْ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ بِهِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِقَصْدِ كَاتِبِهِ
[حاشية الشبراملسي]
الْمَغْضُوبُ عَلَى أَهْلِهَا وَمَقَابِرُ الْكُفَّارِ (قَوْلُهُ وَلَا يَحْمِلُ ذِكْرَ اللَّهِ) هُوَ مَا تَضَمَّنَ ثَنَاءً أَوْ دُعَاءً، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا فِيهِ ثَوَابٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ كُلُّ مَحَلٍّ مُسْتَقْذَرٍ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْخَلَاءِ لِكَوْنِ الْكَلَامِ فِيهِ.
[فَائِدَةٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ نُقِشَ اسْمٌ مُعَظَّمٌ عَلَى خَاتَمٍ لِاثْنَيْنِ قَصَدَ أَحَدُهُمَا بِهِ نَفْسَهُ وَالْآخَرُ الْمُعَظَّمَ، فَهَلْ يُكْرَهُ الدُّخُولُ بِهِ الْخَلَاءَ أَوْ لَا؟ الْأَقْرَبُ أَنَّهُ إنْ اسْتَعْمَلَهُ أَحَدُهُمَا عَمِلَ بِقَصْدِهِ أَوْ غَيْرُهُمَا لَا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ كُرِهَ تَغْلِيبًا لِلْمُعَظَّمِ (قَوْلُهُ مِمَّا يَجُوزُ حَمْلُهُ إلَخْ) يُمْكِنُ أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيُقَالُ الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ لَهُ جِهَتَانِ فَهُوَ حَرَامٌ مِنْ جِهَةِ الْحَمْلِ مَعَ الْحَدَثِ مَكْرُوهٌ مِنْ جِهَةِ الْحَمْلِ لَهُ فِي الْمَحَلِّ الْمُسْتَقْذَرِ، ثُمَّ رَأَيْته فِي ابْنِ قَاسِمٍ عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَخَاصَّتُهُمْ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ صُلَحَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَيْهِ فَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ بِأَنَّ أُولَئِكَ مَعْصُومُونَ، وَقَدْ يُوجَدُ فِي الْمَفْضُولِ مَزِيَّةٌ لَا تُوجَدُ فِي الْفَاضِلِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَدْ يُقَالُ مَا ذَكَرَهُ فِي صُلَحَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُخَالِفُ قَوْلَهُ، وَكُلُّ اسْمٍ مُعَظَّمٍ إلَخْ: أَيْ وَلَوْ مَغْمُورًا فِي غَيْرِهِ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ: مُعَظَّمٍ) قَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ دُونَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ إلَّا مَا عَلِمَ عَدَمَ تَبَدُّلِهِ أَوْ شَكَّ فِيهِ مِنْهُمَا فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ مَنْسُوخًا اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: قَامَتْ قَرِينَةٌ إلَخْ) أَيْ فَإِنْ لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ، وَبَقِيَ مَا يُوجَدُ نَظْمُهُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ مِمَّا يُوَافِقُ لَفْظَ الْقُرْآنِ كَلَا رَيْبَ مَثَلًا فَهَلْ يُكْرَهُ حَمْلُهُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ مَا لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ غَيْرِ الْقُرْآنِ (قَوْلُهُ: بِقَصْدِ كَاتِبِهِ) أَوْ غَيْرِهِ تَبَرُّعًا قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ فِي التَّمِيمَةِ، وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِقَصْدِ الْآمِرِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ لَوْ قَصَدَ بِهِ كَاتِبُهُ لِنَفْسِهِ الْمُعَظَّمَ ثُمَّ بَاعَهُ فَقَصَدَ بِهِ الْمُشْتَرِي غَيْرَ الْمُعَظَّمِ فَهَلْ يُؤَثِّرُ قَصْدُ الْمُشْتَرِي؟ فِيهِ نَظَرٌ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: أَلَا تَرَى أَنَّ اسْمَ الْمُعَظَّمِ إذَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُ صَارَ غَيْرَ مُعَظَّمٍ اهـ سم عَلَى حَجّ.
قُلْت: وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِيمَا لَوْ قَصَدَ أَوَّلًا غَيْرَ الْمُعَظَّمِ ثُمَّ بَاعَهُ وَقَصَدَ بِهِ الْمُشْتَرِي الْمُعَظَّمَ أَوْ تَغَيَّرَ قَصْدُهُ، وَقِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْخَمْرَةِ مِنْ أَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْقَصْدِ الْكَرَاهَةُ فِيمَا ذُكِرَ تَأَمَّلْ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَا كَتَبَهُ لِلدِّرَاسَةِ لَا يَزُولُ حُكْمُهُ بِتَغَيُّرِ قَصْدِهِ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ الْقَصْدِ صَارَتْ قُرْآنِيَّتُهُ مَقْصُودَةً فَيَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْقُرْآنِ، وَبَعْدَ ثُبُوتِ حُكْمِهِ لَا يَزُولُ.
وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَخَذَ وَرَقَةً مِنْ الْمُصْحَفِ وَقَصَدَ جَعْلَهَا تَمِيمَةً لَا يَجُوزُ مَسُّهَا وَلَا حَمْلُهَا مَعَ الْحَدَثِ سِيَّمَا وَفِي كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ مَا يُفِيدُ فِي: كَتَبَ تَمِيمَةً ثُمَّ قَصَدَ بِهَا الدِّرَاسَةَ لَا يَزُولُ حُكْمُ التَّمِيمَةِ اهـ.
وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الِاسْمِ الَّذِي كَتَبَ عَلَى الْخَاتَمِ اسْمَهُ وَلِيًّا لِيَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ مُعَظَّمًا فَهَلْ يُقَالُ يُكْرَهُ لَهُ الدُّخُولُ بِهِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ مُعَظَّمٌ أَوْ لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ حَيْثُ التَّعْظِيمُ بَلْ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ فِيهِ نَظَرٌ، وَاسْتَقْرَبَ سم عَلَى حَجّ الْكَرَاهَةَ فَلْيُرَاجَعْ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ إنْ قُلْنَا إنَّ صُلَحَاءَ الْمُؤْمِنِينَ مُلْحَقُونَ بِعَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ، وَإِلَّا فَلَا يَأْتِي السُّؤَالُ مِنْ أَصْلِهِ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ حَمَلَ الْوَلِيَّ وَدَخَلَ بِهِ هَلْ يُكْرَهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ دَخَلَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ.
وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي خَاتَمٍ وَأَمَرَا مَنْ يَنْقُشُ
[حاشية الرشيدي]
مِنْ كَلَامِهِ كَمَا قَدَّمْنَا وَعِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ قَاسِمٍ لِمَزِيدِ عَظَمَتِهَا (قَوْلُهُ: ذِكْرُ اللَّهِ) أَيْ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ الْمُشْتَغِلُ بِهِ ثَوَابُ الذَّاكِرِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَتِهِ الَّتِي تَبِعَ فِي صَدْرِهَا الْجَلَالَ الْمَحَلِّيَّ، فَشَمِلَ ذَلِكَ الْقُرْآنَ وَبَعْضَهُ، وَالْجُمَلَ الَّتِي فِيهَا ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَخَرَجَ بِهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى مُفْرَدًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِذِكْرٍ، وَكَذَلِكَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَكُلُّ اسْمٍ مُعَظَّمٍ) بِالْإِضَافَةِ حَتَّى يَتَأَتَّى قَوْلُهُ: وَقَصَدَ بِهِ التَّعْظِيمَ (قَوْلُهُ وَقَصَدَ بِهِ التَّعْظِيمَ)
لِنَفْسِهِ وَإِلَّا فَالْمَكْتُوبُ لَهُ لَمَّا صَحَّ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ وَكَانَ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ سَطْرٌ وَرَسُولُ سَطْرٌ وَاَللَّهِ سَطْرٌ» قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَفِي حِفْظِي أَنَّهَا كَانَتْ تُقْرَأُ مِنْ أَسْفَلَ لِيَكُونَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى فَوْقَ الْجَمِيعِ وَشَمِلَ ذَلِكَ مَا لَوْ حَمَلَ مَعَهُ مُصْحَفًا فِيهِ فَيُكْرَهُ.
لَا يُقَالُ: إنَّهُ حَرَامٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ غَالِبًا حَمْلُهُ مَعَ الْحَدَثِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: تَقَدَّمَ حُكْمُ ذَلِكَ وَلَيْسَ الْحُكْمُ فِيهِ، نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْقَائِلِ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا خَافَ عَلَيْهِ التَّنْجِيسَ وَلَوْ لَمْ يُغَيِّبْهُ حَتَّى دَخَلَ غَيَّبَهُ نَدْبًا بِنَحْوِ ضَمِّ كَفِّهِ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَخَتَّمَ فِي يَسَارِهِ بِمَا عَلَيْهِ مُعَظَّمٌ وَجَبَ نَزْعُهُ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ لِحُرْمَةِ تَنْجِيسِهِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ (وَيَعْتَمِدُ جَالِسًا يَسَارَهُ) نَاصِبًا يُمْنَاهُ بِأَنْ يَضَعَ أَصَابِعَهَا عَلَى الْأَرْضِ وَيَرْفَعَ بَاقِيَهَا تَكْرِيمًا لِلْيَمِينِ وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ، وَلَوْ بَالَ قَائِمًا فَرَّجَ بَيْنَهُمْ وَاعْتَمَدَهُمَا كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ، خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ (وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا)
[حاشية الشبراملسي]
عَلَيْهِ اسْمَهُمَا وَهُوَ مُتَّحِدٌ كَأَنْ كَانَ اسْمُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُحَمَّدًا لَكِنْ قَصَدَ أَحَدُهُمَا بِهِ اسْمَ نَبِيِّنَا لِلتَّبَرُّكِ وَالْآخَرُ اسْمَ نَفْسِهِ فَهَلْ يُكْرَهُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَلَا يُبْعِدُ الْكَرَاهَةَ تَغْلِيبًا لِلْمُعَظَّمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ لِقَصْدِ الْمُسْتَعْمِلِ عَلَى مَا مَرَّ (قَوْلُهُ لِنَفْسِهِ) وَغَيْرِهِ تَبَرُّعًا قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ فِي التَّمِيمَةِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالْمَكْتُوبُ لَهُ) وَبَقِيَ الْإِطْلَاقُ وَيَنْبَغِي عَدَمُ الْكَرَاهَةِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ) أَيْ الْإِسْنَوِيُّ (قَوْلُهُ: وَفِي حِفْظِي أَنَّهَا كَانَتْ تُقْرَأُ مِنْ أَسْفَلَ إلَخْ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَمْ يَصِحَّ فِي كَيْفِيَّةِ وَضْعِ ذَلِكَ شَيْءٌ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ إلَخْ) وَيُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيُقَالُ الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ لَهُ جِهَتَانِ: فَهُوَ حَرَامٌ مِنْ جِهَةِ الْحَمْلِ مَعَ الْحَدَثِ، مَكْرُوهٌ مِنْ جِهَةِ الْحَمْلِ لَهُ فِي الْمَحَلِّ الْمُسْتَقْذَرِ، ثُمَّ رَأَيْته فِي سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: غَيَّبَهُ نَدْبًا) فَعُلِمَ أَنَّهُ يُطْلَبُ بِاجْتِنَابِهِ وَلَوْ مَحْمُولًا مُغَيَّبًا اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ: وَجَبَ نَزْعُهُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّبَرُّكَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ مُجَرَّدَ التَّمْيِيزِ وَهُوَ مَا اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ آخِرًا عَلَى مَا نَقَلَهُ سم عَنْهُ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْبَهْجَةِ (قَوْلُهُ: لِحُرْمَةِ تَنْجِيسِهِ) صَرَّحَ فِي الْإِعْلَامِ بِالْكُفْرِ بِإِلْقَاءِ وَرَقَةٍ فِيهَا اسْمٌ مُعَظَّمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ اهـ.
ثُمَّ أَوْرَدَ أَنَّهُمْ حَرَّمُوا الِاسْتِنْجَاءَ بِمَا فِيهِ مُعَظَّمٌ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ كُفْرًا، ثُمَّ فَرَّقُوا بِأَنَّ تِلْكَ حَالَةُ حَاجَةٍ، وَأَيْضًا فَالْمَاءُ يَمْنَعُ مُلَاقَاةَ النَّجَاسَةِ، فَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ قَصَدَ تَضَمُّخَهُ بِالنَّجَاسَةِ يَأْتِي فِيهِ مَا هُنَا عَلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ لَا تُنَافِي الْكُفْرَ اهـ.
وَكَلَامُهُ فِي الْإِيرَادِ وَالْجَوَابِ شَامِلٌ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ أَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ خَشْيَةِ التَّنَجُّسِ، أَمَّا عِنْدَ عَدَمِهَا كَأَنْ اسْتَجْمَرَ مِنْ الْبَوْلِ وَلَمْ يَخْشَ وُصُولَهُ إلَى الْمَكْتُوبِ لَمْ يُحَرَّمْ، وَيُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ حَجّ: وَجَبَ نَزْعُهُ عِنْدَ اسْتِنْجَاءٍ يُنَجِّسُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا حُرْمَةُ الْقِتَالِ بِسَيْفٍ كُتِبَ عَلَيْهِ قُرْآنٌ لِمَا ذُكِرَ مَا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: وَيَعْتَمِدُ) نَدْبًا فِي حَالِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ خَشِيَ التَّنَجُّسَ لَوْ اعْتَمَدَ عَلَى الْيُسْرَى أَمْ لَا وَفَرَّقَ حَجّ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَالَ قَائِمًا) يَخْرُجُ التَّغَوُّطُ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ حَجّ أَنَّهُ إنْ خَافَ التَّنْجِيسَ اعْتَمَدَهُمَا وَإِلَّا اعْتَمَدَ الْيَسَارَ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إلَخْ) هُوَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْهَجِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ) قَالَ فِي الْخَادِمِ: مِنْ الْمُهِمِّ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالْقِبْلَةِ هُنَا هَلْ هُوَ الْعَيْنُ أَوْ الْجِهَةُ فَيَحْتَمِلُ الْعَيْنَ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ حَيْثُ أَطْلَقَ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ، وَيَحْتَمِلُ الْجِهَةَ لِقَوْلِهِ «وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» اهـ، وَلَعَلَّ الْمُتَّجَهَ الثَّانِي، ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَنَا الرَّمْلِيَّ قَالَهُ وَكَذَا م ر اعْتَمَدَهُ ثُمَّ اعْتَمَدَ الْأَوَّلَ.
[حاشية الرشيدي]
الْأَوْلَى الْمُعَظَّمُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالْمَكْتُوبُ لَهُ) ظَاهِرٌ سَوَاءٌ كَانَتْ الْكِتَابَةُ تَبَرُّعًا أَوْ بِأُجْرَةٍ.
وَلِابْنِ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ قَدَّمَهُ فِي بَابِ الْحَدَثِ وَأَحَالَ عَلَيْهِ هُنَا، وَانْظُرْ مَا لَوْ كَانَ يَكْتُبُ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ (قَوْلُهُ: وَشَمِلَ ذَلِكَ مَا لَوْ حَمَلَ مَعَهُ مُصْحَفًا) يُقَالُ عَلَيْهِ فَلِمَ قَيَّدَ الْمَتْنَ بِقَوْلِهِ مِمَّا يَجُوزُ حَمْلُهُ مَعَ الْحَدَثِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْقَائِلِ إلَخْ)
أَدَبًا فِي الْبُنْيَانِ
(وَيَحْرُمَانِ بِالصَّحْرَاءِ) بِعَيْنِ الْفَرْجِ وَلَوْ مَعَ عَدَمِهِ
[حاشية الشبراملسي]
فَرْعٌ] أَشْكَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الطَّلَبَةِ مَعْنَى اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَلَا إشْكَالَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِاسْتِقْبَالِهَا بِهِمَا اسْتِقْبَالُ الشَّخْصِ لَهَا حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَبِاسْتِدْبَارِهَا جَعْلُ ظَهْرِهِ إلَيْهَا حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
[تَنْبِيهٌ] ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ حُرْمَةِ اسْتِقْبَالِ الْمُصْحَفِ وَاسْتِدْبَارِهِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ وَإِنْ كَانَ أَعْظَمَ حُرْمَةً مِنْ الْقِبْلَةِ.
وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْمَفْضُولِ مَا لَا يَثْبُتُ لِلْفَاضِلِ، نَعَمْ قَدْ يَسْتَقْبِلُهُ أَوْ يَسْتَدْبِرُهُ عَلَى وَجْهٍ يُعَدُّ إزْرَاءً فَيُحَرَّمُ بَلْ قَدْ يُكَفَّرُ بِهِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي اسْتِقْبَالِ الْقَبْرِ الْمُكَرَّمِ وَاسْتِدْبَارِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: أَدَبًا فِي الْبُنْيَانِ) أَيْ حَيْثُ كَانَ بِسَاتِرٍ مُعْتَبَرٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي أَوْ فِي غَيْرِ مُعَدٍّ بِسَتْرِهِ فَخِلَافُ الْأَوْلَى
(قَوْلُهُ: بِعَيْنِ الْفَرْجِ إلَخْ) لَوْ انْسَدَّ مَخْرَجُهُ أَوْ خُلِقَ مُنْسَدًّا فَخَرَجَ الْخَارِجُ مِنْ فَمِهِ فَهَلْ يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِهِ حَالَ الْخُرُوجِ؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ
قُلْت: وَهُوَ إنَّمَا يَتَأَتَّى التَّرَدُّدُ فِيهِ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ حَجّ مِنْ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَنْقُضُ.
أَمَّا عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ مِنْ جَعْلِهِ كَالْقَيْءِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ تَرَدُّدٌ أَصْلًا إذْ هُوَ كَالْقَيْءِ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ جَائِزٌ.
وَسُئِلَ م ر عَمَّا إذَا انْسَدَّ الْمَخْرَجُ وَانْفَتَحَ مَخْرَجٌ هَلْ يَحْرُمُ الِاسْتِقْبَالُ بِهِ حَالَ خُرُوجِ الْخَارِجِ مِنْهُ؟ فَبِبَحْثِ مَا ظَهَرَ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ الِانْسِدَادُ عَارِضًا لَمْ يَحْرُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُعْطُوهُ حُكْمَ الْأَصْلِ إلَّا فِي النَّقْضِ فَقَطْ، أَصْلِيًّا حُرِّمَ لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْهُ حِينَئِذٍ حُكْمَ الْأَصْلِيِّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَعَ عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ الِاسْتِقْبَالِ أَوْ الِاسْتِدْبَارِ.
وَعِبَارَةُ حَجّ وَلَوْ مَعَ عَدَمِهِ بِالصَّدْرِ
[حاشية الرشيدي]
لَا يَتَأَتَّى هَذَا الْحَمْلُ مَعَ تَعْلِيلِهِ الْحُرْمَةَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ غَالِبًا حَمْلُهُ مَعَ الْحَدَثِ (قَوْلُهُ: أَدَبًا فِي الْبُنْيَانِ) أَيْ غَيْرِ الْمُعَدِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ بِالْبُنْيَانِ مَا فِيهِ بِنَاءٌ مُطْلَقًا وَبِالصَّحْرَاءِ مَا لَا بِنَاءَ فِيهِ كَذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي بِدُونِ سَاتِرٍ، وَرَدَ أَنَّ الْبِنَاءَ الْمَذْكُورَ حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحْرَاءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا سَتْرٌ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي فَلَا حُرْمَةَ وَإِلَّا حَرُمَ فِيهِمَا الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ، فَمَا وَجْهُ جَعْلِهِمَا فِي الْبُنْيَانِ مُجَرَّدُ أَدَبٍ بِخِلَافِ الصَّحْرَاءِ، وَإِنْ أَرَادَ بِالْبُنْيَانِ مَا فِيهِ سُتْرَةٌ سَوَاءٌ كَانَ فِي مَحَلٍّ مَبْنِيٍّ أَوْ فِي بَحْرٍ أَوْ بِالصَّحْرَاءِ مَا لَا سُتْرَةَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي مَحَلٍّ مَبْنِيٍّ أَوْ فِي صَحْرَاءَ، وَهُوَ الَّذِي فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ لَمْ يَتَأَتَّ قَوْلُهُ بِدُونِ سَاتِرٍ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: بِعَيْنِ الْفَرْجِ) أَيْ الْخَارِجِ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ بِالْفَرْجِ الْمَذْكُورِ جَعْلُهُ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِدْبَارُ بِجَعْلِهِ فِي الْجِهَةِ الَّتِي تُقَابِلُ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا تَغَوَّطَ، وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ بِصَدْرِهِ، فَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ، فَحِينَئِذٍ إذَا كَانَ صَدْرُهُ أَوْ ظَهْرُهُ لِلْقِبْلَةِ وَبَالَ أَوْ تَغَوَّطَ بِلَا سُتْرَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ إمَّا مُسْتَقْبِلٌ أَوْ مُسْتَدْبِرٌ: أَيْ مَا لَمْ يَلْفِتْ ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْبَوْلِ إلَى جِهَةِ الْيَمِينِ أَوْ الْيَسَارِ.
وَوَجَّهَهُ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا اسْتَدْبَرَ بِالْخَارِجِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ سَاتِرٌ إلَّا أُنْثَيَاهُ وَذَكَرُهُ أَوْ أُنْثَيَاهُ فَقَطْ وَذَلِكَ غَيْرُ كَافٍ فِي السَّتْرِ، لَكِنَّهُ بَنَاهُ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الْمَدَارَ فِي الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ بِالصَّدْرِ لَا بِالْفَرْجِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَرْجِعَ وَاحِدٌ غَالِبًا، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي مُجَرَّدِ التَّسْمِيَةِ، فَإِذَا جَعَلَ ظَهْرَهُ لِلْقِبْلَةِ وَتَغَوَّطَ فَالشَّارِحُ كَالشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ يُسَمِّيَانِهِ مُسْتَقْبِلًا، وَإِذَا جَعَلَ صَدْرَهُ لِلْقِبْلَةِ وَتَغَوَّطَ يُسَمِّيَانِهِ مُسْتَدْبِرًا، وَالشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ كَغَيْرِهِ يَعْكِسُونَ ذَلِكَ، وَإِذَا جَعَلَ صَدْرَهُ أَوْ ظَهْرَهُ لِلْقِبْلَةِ وَبَالَ فَالْأَوَّلُ مُسْتَقْبِلٌ اتِّفَاقًا وَالثَّانِي مُسْتَدْبِرٌ كَذَلِكَ.
نَعَمْ يَقَعُ الْخِلَافُ الْمَعْنَوِيُّ فِيمَا لَوْ جَعَلَ صَدْرَهُ أَوْ ظَهْرَهُ لِلْقِبْلَةِ وَأَلْفَتَ ذَكَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَبَالَ، فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ وَلَا مُسْتَدْبِرٍ عِنْدَ الشَّيْخِ كَالشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ، بِخِلَافِهِ عِنْدَ الشِّهَابِ ابْنِ قَاسِمٍ وَغَيْرِهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَعَ عَدَمِهِ) مُرَادُهُ عَدَمُ الِاسْتِقْبَالِ أَوْ الِاسْتِدْبَارِ بِالصَّدْرِ كَمَا
بِالصَّدْرِ لِعَيْنِ الْقِبْلَةِ لَا جِهَتِهَا فِيمَا يَظْهَرُ بِدُونِ سَاتِرٍ فِي غَيْرِ مُعَدٍّ لِذَلِكَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَرَوَيَا أَيْضًا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى حَاجَتَهُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ» وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذُكِرَ عِنْدَهُ أَنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِفُرُوجِهِمْ فَقَالَ أَوَقَدْ فَعَلُوهَا حَوِّلُوا بِمَقْعَدَتِي إلَى الْقِبْلَةِ» فَجَمَعَ أَئِمَّتُنَا أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ بِحَمْلِ أَوَّلِهَا الْمُفِيدِ لِلتَّحْرِيمِ عَلَى الصَّحْرَاءِ لِأَنَّهَا لِسَعَتِهَا لَا يَشُقُّ فِيهَا اجْتِنَابُ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ بِخِلَافِ الْبُنْيَانِ فَقَدْ يَشُقُّ فِيهِ اجْتِنَابُ ذَلِكَ فَيَجُوزُ فِعْلُهُ كَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي السَّاتِرِ أَنْ يَكُونَ مُرْتَفِعًا قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ فِي حَقِّ الْجَالِسِ.
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: لِأَنَّهُ يَسْتُرُ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْقَائِمِ أَنْ يَسْتُرَ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ الِارْتِفَاعِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ صِيَانَةُ الْقِبْلَةِ عَنْ خُرُوجِ الْخَارِجِ مِنْ الْفَرْجِ وَإِنْ كَانَتْ الْعَوْرَةُ تَنْتَهِي بِالرُّكْبَةِ.
وَأَمَّا عَرْضُهَا فَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ مَا تَوَجَّهَ بِهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْقَائِمُ وَالْجَالِسُ، فَسُتْرَةُ الْقَائِمِ فِيهِ كَسُتْرَةِ الْجَالِسِ، وَلَا بُدَّ أَنْ لَا يَتَبَاعَدَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَيَحْصُلُ بِالْوَهْدَةِ وَالرَّابِيَةِ وَالدَّابَّةِ وَكَثِيبِ الرَّمْلِ وَغَيْرِهَا،
[حاشية الشبراملسي]
وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ (قَوْلُهُ: بِدُونِ سَاتِرٍ إلَخْ) يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَى الْوَلِيِّ مَنْعُ الصَّبِيِّ: أَيْ وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ كَمَا ذَكَرَهُ سم فِي شَرْحِ الْغَايَةِ أَيْضًا.
وَعِبَارَتُهُ: بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَى الْوَلِيِّ مَنْعُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ أَيْضًا مِنْ كُلِّ مُحَرَّمٍ اهـ.
وَالْمَجْنُونِ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ بِلَا سَاتِرٍ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
زَادَ فِي شَرْحِهِ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ: بَلْ يَنْبَغِي وُجُوبُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَلِيِّ أَيْضًا لِأَنَّ إزَالَةَ الْمُنْكَرِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَاجِبَةٌ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ الْفَاعِلُ اهـ (قَوْلُهُ: أَوَ قَدْ فَعَلُوهَا) أَيْ الْكَرَاهَةَ سم، وَحِينَئِذٍ فَفَعَلُوهَا بِمَعْنَى اعْتَقَدُوهَا، وَعَلَيْهِ فَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى مُقَدَّرٍ: أَيْ أَفَعَلُوا ذَلِكَ وَاعْتَقَدُوا الْكَرَاهَةَ (قَوْلُهُ: بِمَقْعَدَتِي) أَيْ «وَكَانَتْ مَقْعَدَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبِنَتَيْنِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ» (قَوْلُهُ: أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ) مِثْلُهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ فَجَمَعَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ إلَخْ.
قُلْت: وَكَأَنَّ الْمَحَلِّيَّ نَسَبَهُ إلَى الْإِمَامِ لِأَخْذِهِ مِنْ كَلَامِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا فَعَلَهُ إلَخْ) قَدْ يَتَوَقَّفُ فِي هَذَا الْحَمْلِ لِمَا قِيلَ إنَّ فِعْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ فِيهِ وَلَا كَرَاهَةَ وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ «بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَعَلَهُ تَارَةً فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ وَهُوَ فِعْلُهُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، وَتَارَةً فِي الْمُعَدِّ حَيْثُ قَالَ: حَوِّلُوا بِمَقْعَدَتِي» وَحُكْمُهُ فِي حَقِّنَا أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ مَعَ السَّاتِرِ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُعَدِّ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: إلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ) نَقَلَ عَنْهُ سم فِي حَاشِيَتِهِ أَنَّهُ وَافَقَ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالسَّتْرِ مِنْ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ السَّتْرُ بِدُونِ الثُّلُثَيْنِ لِصِغَرِ بَدَنِ قَاضِي الْحَاجَةِ اكْتَفَى بِهِ اهـ.
وَفِي سم عَلَى حَجّ مَا يُوَافِقُ كَلَامَ الشَّارِحِ فِي النَّقْلِ عَنْ وَالِدِهِ، وَفِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْصُ السُّتْرَةِ عَنْ الثُّلُثَيْنِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ مَا تَوَجَّهَ بِهِ إلَخْ) خِلَافًا لحج حَيْثُ قَالَ: وَمِنْهُ أَيْ السَّاتِرِ إرْخَاءُ ذَيْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَرْضٌ (قَوْلُهُ: وَالرَّابِيَةِ) أَيْ الْمَحَلِّ الْمُرْتَفِعِ
[حاشية الرشيدي]
هُوَ كَذَلِكَ فِي التُّحْفَةِ، وَلَعَلَّ لَفْظَ بِالصَّدْرِ سَقَطَ مِنْ النُّسَّاخِ (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مُعَدٍّ) قَيْدٌ لِلْحُرْمَةِ فِي الصَّحْرَاءِ، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إذَا اتَّخَذَ لَهُ مَحَلًّا فِي الصَّحْرَاءِ بِغَيْرِ سَاتِرٍ وَأَعَدَّهُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ لَا يَحْرُمُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِيهِ لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ أَيْضًا، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ لِلْمُسَافِرِينَ إذَا نَزَلُوا بِبَعْضِ الْمَنَازِلِ (قَوْلُهُ: إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ) هُوَ مُسْتَعْمَلٌ هُنَا فِي حَقِيقَتِهِ الَّذِي هُوَ الْمَحَلُّ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْخَارِجُ بِهِ مِنْ مَجَازِ الْمُجَاوَرَةِ (قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحْرَاءِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ الْمُعَدِّ مِنْهَا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: فَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ مَا تَوَجَّهَ بِهِ) أَيْ مِنْ بَدَنِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَعَلَيْهِ لَوْ
وَكَذَا إرْخَاءُ الذَّيْلِ.
أَمَّا إنْ كَانَ فِي مُعَدٍّ وَلَوْ بِلَا سُتْرَةٍ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا كَرَاهَةَ وَلَا خِلَافَ الْأُولَى، أَوْ فِي غَيْرِ مُعَدٍّ بِسُتْرَةٍ فَخِلَافُ الْأُولَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ الصَّحِيحَةَ لِلتَّحْرِيمِ فِيمَا مَرَّ هِيَ تَعْظِيمُ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَالتَّعْلِيلُ بِأَنَّ الْفَضَاءَ لَا يَخْلُو غَالِبًا عَنْ مُصَلٍّ إنْسِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ يَرَى قُبُلَهُ إنْ اسْتَدْبَرَهَا أَوْ دُبُرَهُ إنْ اسْتَقْبَلَهَا ضَعِيفٌ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، لِأَنَّ غَيْرَ الصَّحْرَاءِ كَذَلِكَ مِنْ عَدَمِ خُلُوِّهِ غَالِبًا عَمَّنْ ذُكِرَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا سَاتِرٌ جَازَ وَإِنْ كَانَ دُبُرُهُ مَكْشُوفًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَلَوْ اسْتَقْبَلَهَا بِصَدْرِهِ وَحَوَّلَ قُبُلَهُ عَنْهَا وَبَالَ لَمْ يَحْرُمْ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، وَلَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَجَبَ الِاجْتِهَادُ حَيْثُ لَا سُتْرَةَ وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ، وَيَأْتِي هُنَا جَمِيعُ مَا سَيَأْتِي قُبَيْلَ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَمِنْهُ حُرْمَةُ التَّقْلِيدِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَأَنَّهُ يَجِبُ التَّعَلُّمُ لِذَلِكَ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا لَمْ يَغْلِبْهُ الْخَارِجُ أَوْ يَضُرَّهُ كَتْمُهُ وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ، وَلَوْ هَبَّتْ رِيحٌ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ وَيَسَارِهَا جَازَ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ، وَلَوْ: تَعَارَضَ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ وَجَبَ الِاسْتِدْبَارُ لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ أَفْحَشُ.
وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْقَمَرَيْنِ فِي اللَّيْلِ كَمَا بَحَثَهُ الْحَضْرَمِيُّ، وَمُرَادُهُ بِالْقَمَرَيْنِ الْقَمَرُ فَقَطْ.
أَمَّا الشَّمْسُ فَيَتَقَيَّدُ حُكْمُهَا بِالنَّهَارِ بِخِلَافِ اسْتِدْبَارِهِمَا، وَيُكْرَهُ مُحَاذَاةُ مَا كَانَ قِبْلَةً وَنُسِخَ وَلَوْ بِاسْتِدْبَارٍ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ كَذَلِكَ بِبَوْلٍ أَمْ غَائِطٍ لِلنَّهْيِ عَنْ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاسْتِدْبَارِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَإِنَّمَا حَمَلُوا النَّهْيَ هُنَا عَلَى التَّنْزِيهِ وَفِيمَا مَرَّ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ لِلْإِجْمَاعِ، إذْ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ حَرَّمَهُ هُنَا، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّ السُّتْرَةَ الْمَانِعَةَ لِلْحُرْمَةِ فِيمَا مَرَّ تَمْنَعُ الْكَرَاهَةَ هُنَا،
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَكَذَا إرْخَاءُ الذَّيْلِ) فَلَوْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ سَتْرٌ إلَّا بِإِرْخَاءِ ذَيْلِهِ لَمْ يُكَلَّفْ السَّتْرَ بِهِ إنْ أَدَّى إلَى تَنْجِيسِهِ لِأَنَّ فِي تَنْجِيسِ ثَوْبِهِ مَشَقَّةً عَلَيْهِ وَالسَّتْرُ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا ذَكَرَهُ حَجّ وَم ر مِنْ أَنَّهُ لَوْ اقْتَضَى الْحَالُ تَأْخِيرَ الِاسْتِنْجَاءِ فَجَفَّفَ بَوْلَهُ بِيَدِهِ حَتَّى لَا يُصِيبَهُ جَازَ (قَوْلُهُ: أَمَّا إنْ كَانَ) قَسِيمٌ لِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ فِي غَيْرِ مُعَدٍّ لِذَلِكَ (قَوْلُهُ: فِي مُعَدٍّ) أَيْ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِيهِ مَعَ قَصْدِ الْعَوْدِ إلَيْهِ لِذَلِكَ كَمَا فِي سم عَلَى حَجّ، وَيَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ قَصْدُ الْعَوْدِ مِنْهُ أَوْ تَهْيِئَتُهُ لِذَلِكَ بِقَصْدِ الْفِعْلِ فِيهِ مِنْهُ أَوْ مِمَّنْ يُرِيدُ ذَلِكَ مِنْ أَتْبَاعِهِ مَثَلًا (قَوْلُهُ: وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى) عِبَارَةُ حَجّ: هَذَا فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ، أَمَّا هُوَ فَذَلِكَ فِيهِ مُبَاحٌ وَالتَّنَزُّهُ عَنْهُ حَيْثُ سَهُلَ أَفْضَلُ اهـ. قُلْت: قَدْ يُشْعِرُ التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ أَفْضَلُ أَنَّ خِلَافَ الْأَفْضَلِ دُونَ خِلَافِ الْأَوْلَى، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ خِلَافَ الْأَفْضَلِ دُونَ خِلَافِ الْأَوْلَى، وَلَمْ أَرَهُ بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلَ مُتَسَاوِيَانِ، لَكِنْ فِي الْبَحْرِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْفَضِيلَةَ وَالْمُرَغَّبَ فِيهِ مَرْتَبَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ التَّطَوُّعِ وَالنَّافِلَةِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: مِنْ عَدَمِ خُلُوِّهِ) الْأَوْلَى مَعَ عَدَمِ، وَفِي نُسْخَةٍ فِي وَهِيَ وَاضِحَةٌ (قَوْلُهُ أَوْ يَضُرُّهُ كَتْمُهُ) أَيْ بِأَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً وَإِنْ لَمْ تُبِحْ التَّيَمُّمَ فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: جَازَ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ) أَيْ حَيْثُ أَمْكَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا دُونَ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَا مَعًا وَجَبَ الِاسْتِدْبَارُ كَمَا فِي قَوْلِهِ وَلَوْ تَعَارَضَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَجَبَ الِاسْتِدْبَارُ) خِلَافًا لحج حَيْثُ جَزَمَ بِالتَّخْيِيرِ اهـ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ اسْتِدْبَارِهِمَا) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا وَمِثْلُهُ فِي حَجّ قَالَ: وَمَا بَعْدَ الصُّبْحِ مُلْحَقٌ بِاللَّيْلِ كَالْكُسُوفِ قَالَ: وَعَلَى كَرَاهَةِ الِاسْتِقْبَالِ دُونَ الِاسْتِدْبَارِ يُفَرَّقُ بِأَنَّهُمَا عُلْوِيَّانِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِمَا غَالِبًا حَقِيقَةُ الِاسْتِدْبَارِ فَلَمْ يُكْرَهْ بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ يَتَأَتَّى كُلٌّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: مُحَاذَاةُ) أَيْ مُقَابَلَةُ (قَوْلُهُ وَلَوْ بِاسْتِدْبَارٍ) خِلَافًا لِلْخَطِيبِ (قَوْلُهُ تُمْنَعُ الْكَرَاهَةُ هُنَا)
[حاشية الرشيدي]
جَعَلَ جَنْبَهُ جِهَةَ الْقِبْلَةِ وَلَوَى ذَكَرَهُ إلَيْهَا حَالَ الْبَوْلِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ جَنْبِهِ عَرْضًا (قَوْلُهُ: وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى) أَيْ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ حَيْثُ سَهُلَ التَّنَزُّهُ عَنْهُ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى غَيْرُ خِلَافِ الْأَفْضَلِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى بِاصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ صَارَ اسْمًا لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَكِنْ بِنَهْيٍ غَيْرِ خَاصٍّ، فَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمَكْرُوهِ كَرَاهَةً خَفِيفَةً، وَأَمَّا خِلَافُ الْأَفْضَلِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا نَهْيَ فِيهِ بَلْ فِيهِ فَضْلٌ إلَّا أَنَّ خِلَافَهُ أَفْضَلُ مِنْهُ وَإِنْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ شَيْخُنَا فِي الْحَاشِيَةِ فِي مَحَلَّاتٍ (قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) أَيْ لَا يَخْلُو غَالِبًا عَنْ مُصَلٍّ إلَخْ، فَقَوْلُهُ مِنْ عَدَمِ خُلُوِّهِ