نهاية المحتاج إلى شرح المنهاجصفحات 345-384

كِتَابُ الطَّهَارَةِ

صفحات 345-384

وَاسْتَثْنَى الْإِسْنَوِيُّ نَحْوَ مَكَّةَ مِمَّا يَفْحُشُ فِيهِ التَّأْخِيرُ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِمَنْ لَمْ يَلْزَمْهُ السَّعْيُ حِينَئِذٍ وَإِلَّا حُرِّمَ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِ وُجُوبِ السَّعْيِ وَلَوْ قَبْلَ الْوَقْتِ وَقَدْ مَرَّ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ ذَلِكَ.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَحْصُلُ بِهِ إدْرَاكُ الْجُمُعَةِ وَمَا لَا تُدْرَكُ بِهِ]

[الْقِسْمِ الْأَوَّلِ إدْرَاكُ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ مِنْ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ]

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَحْصُلُ بِهِ إدْرَاكُ الْجُمُعَةِ وَمَا لَا تُدْرَكُ بِهِ وَجَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ وَعَدَمِهِ وَمَا يَجُوزُ لِلْمَزْحُومِ وَمَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ وَبَدَأَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَقَالَ (مَنْ) (أَدْرَكَ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ) مِنْ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ الَّذِي يُحْسَبُ لَهُ ذَلِكَ الرُّكُوعُ لَا كَالْمُحْدِثِ كَمَا مَرَّ وَأَتَمَّ مَعَهُ الرَّكْعَةَ (أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ) حُكْمًا لَا ثَوَابًا كَامِلًا فَلَا تُدْرَكُ بِمَا دُونَ الرَّكْعَةِ لِأَنَّ إدْرَاكَهَا يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ رَكْعَتَيْنِ، سَوَاءٌ قُلْنَا الْجُمُعَةُ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ أَمْ صَلَاةٌ بِحِيَالِهَا، وَالْإِدْرَاكُ لَا يُفِيدُ إلَّا بِشَرْطِ كَمَالِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ سَاجِدًا لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ؛ لِأَنَّهُ إدْرَاكٌ نَاقِصٌ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» وَخَبَرُ «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُصَلِّ إلَيْهَا أُخْرَى» وَيُصَلِّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَإِدْرَاكُ الرَّكْعَةِ بِأَنْ يُدْرِكَ مَعَ الْإِمَامِ رُكُوعَهَا وَسَجْدَتَيْهَا، لَا يُقَالُ الرَّكْعَةُ الْأَخِيرَةُ إنَّمَا تُدْرَكُ بِالسَّلَامِ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُهُ، فَقَدْ قَالَ فِي الْأُمِّ: وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ بَنَى عَلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى وَأَجْزَأَتْهُ الْجُمُعَةُ، وَإِدْرَاكُ الرَّكْعَةِ أَنْ يُدْرِكَ الرَّجُلَ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ فَيَرْكَعَ مَعَهُ وَيَسْجُدَ انْتَهَى.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَاسْتَمَرَّ مَعَهُ إلَى أَنْ يُسَلِّمَ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَلَيْسَ بِقَيْدٍ، وَذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ (فَيُصَلِّي بَعْدَ

[حاشية الشبراملسي]

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَحْصُلُ بِهِ إدْرَاكُ الْجُمُعَةِ وَمَا لَا تُدْرَكُ بِهِ (قَوْلُهُ: لَا كَالْمُحْدِثِ) أَيْ لِعَدَمِ تَحَمُّلِهِ الْقِرَاءَةَ عَنْ الْمَأْمُومِ، وَكَالْمُحْدِثِ مَنْ بِهِ نَجَاسَةٌ خَفِيَّةٌ (قَوْلُهُ: إدْرَاكُ الْجُمُعَةِ) أَيْ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْعَدَدِ إلَى تَمَامِ الرَّكْعَةِ فَلَوْ فَارَقَهُ الْقَوْمُ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ شَخْصٌ وَصَلَّى مَعَهُ رَكْعَةً لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الْجُمُعَةُ لِفَقْدِ شَرْطِ وُجُودِ الْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا قَدَّمَهُ فِي الشُّرُوطِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ إدْرَاكَهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ: أَمْ صَلَاةٌ بِحِيَالِهَا) أَيْ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْإِسْقَاطِ عَلَى هَذَا أَنَّ الظُّهْرَ هُوَ الْأَصْلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لَمْ يَجِبْ الظُّهْرُ بِشَرْطِ إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ فَحَيْثُ لَمْ يُدْرِكْهَا فَكَانَ الْأَصْلُ بَاقٍ، وَقَوْلُهُ: بِحِيَالِهَا بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ انْفِرَادِهَا.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: حَالَ حِيلَةً بِكَسْرِ الْحَاءِ: أَيْ قُبَالَتَهُ، وَفَعَلْت كُلَّ شَيْءٍ عَلَى حِيلَةٍ: أَيْ بِانْفِرَادِهِ (قَوْلُهُ: إلَّا بِشَرْطِ كَمَالِهِ) أَيْ وَأَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْكَمَالُ رَكْعَةٌ (قَوْلُهُ: وَخَبَرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً إلَخْ) دَفَعَ مَا قَدْ يُوهِمُهُ الْأَوَّلُ مِنْ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الرَّكْعَةِ كَافٍ.
(قَوْلُهُ: قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ) لَعَلَّهُ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ الرِّوَايَةَ وَإِلَّا فَيَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ الْيَاءِ وَكَسْرُ الصَّادِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ التَّعْدِيَةِ بِحَرْفِ الْجَرِّ، فَإِنْ صَلَّى يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَكَأَنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنَى يَضُمُّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّا نَمْنَعُهُ) خِلَافًا لِحَجٍّ (قَوْلُهُ: أَنْ يُدْرِكَ الرَّجُلُ) أَيْ الرَّجُلُ الْإِمَامَ (قَوْلُهُ: جَرَى عَلَى الْغَالِبِ)

[حاشية الرشيدي]

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَحْصُلُ بِهِ إدْرَاكُ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ: وَمَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ) هُوَ تَابِعٌ فِي هَذَا التَّعْبِيرِ لِلشِّهَابِ حَجّ لَكِنَّ ذَاكَ لَمْ يَذْكُرْ لِلْقِسْمَيْنِ قَبْلَ هَذَا مُقَابِلًا وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَمَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ إلَى مُقَابِلِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَعِبَارَتُهُ فَمَا تُدْرَكُ بِهِ الْجُمُعَةُ وَمَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ فِيهِ وَمَا يَجُوزُ لِلْمَزْحُومِ وَمَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ وَالشَّارِحُ لَمَّا ذَكَرَ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مُقَابِلًا صَارَ قَوْلُهُ: وَمَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ قَاصِرًا عَلَى الْقِسْمِ الْأَخِيرِ مَعَ تَسَامُحٍ فِي الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ إدْرَاكَهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ: إلَّا بِشَرْطٍ كَمَا لَهُ) وَهُوَ إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مُعْظَمِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: إنَّمَا تُدْرَكُ بِالسَّلَامِ) يَعْنِي بِالِاسْتِمْرَارِ مَعَ الْإِمَامِ إلَى سَلَامِهِ

سَلَامِ الْإِمَامِ رَكْعَةً) جَهْرًا لِإِتْمَامِهَا وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ فَارَقَهُ فِي التَّشَهُّدِ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ: أَيْ لَمْ تَفُتْهُ لِمُقَابَلَةِ قَوْلِ الْمَتْنِ بَعْدَهُ وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَهُ فَاتَتْهُ، وَأَيْضًا فَدَفَعَ بِهِ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِهِ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ إلَى شَيْءٍ يُتِمُّهَا بِهِ، وَتَقْيِيدُ ابْنِ الْمُقْرِي أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ إدْرَاكَ الْجُمُعَةِ بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ بِمَا إذَا صَحَّتْ جُمُعَةُ الْإِمَامِ لَيْسَ بِقَيْدٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ، بَلْ مَتَى أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً وَأَتَى بِأُخْرَى أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ وَلَوْ خَرَجَ مِنْهَا الْإِمَامُ، كَمَا أَنَّ حَدَثَهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا لِمَنْ خَلْفَهُ عَلَى مَا مَرَّ، لَكِنْ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ ابْنِ الْمُقْرِي عَلَى مَا لَوْ تَبَيَّنَ عَدَمُ صِحَّتِهَا لِانْتِفَاءِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا أَوْ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مُحْدِثًا، فَإِنَّ رَكْعَةَ الْمَسْبُوقِ حِينَئِذٍ غَيْرُ مَحْسُوبَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَلَاتِهِ لَا يَتَحَمَّلُ عَنْ الْمَسْبُوقِ الْفَاتِحَةَ، إذْ الْحُكْمُ بِإِدْرَاكِ مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ خِلَافُ الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ إذَا كَانَ الرُّكُوعُ مَحْسُوبًا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ لِيَتَحَمَّلَ بِهِ عَنْ الْغَيْرِ، وَالْمُحْدِثُ غَيْرُ أَهْلٍ لِلتَّحَمُّلِ كَمَا مَرَّ وَإِنْ صَحَّتْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ عُلِمَ صِحَّةُ كَلَامِهِ.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ قَوْلَهُ رُكُوعُ الثَّانِيَةِ مِثَالٌ، فَلَوْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ الرَّكْعَةَ الْأُولَى وَفَارَقَهُ فِي الثَّانِيَةِ حَصَلَتْ لَهُ الْجُمُعَةُ كَمَا شَمَلَ ذَلِكَ تَعْبِيرُ الْمُحَرِّرِ، وَلَوْ شَكَّ فِي سَجْدَةٍ مِنْهَا فَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ إمَامُهُ سَجَدَهَا وَأَتَمَّهَا جُمُعَةً وَإِلَّا سَجَدَهَا وَأَتَمَّ ظُهْرًا، وَإِذَا قَامَ لِإِتْمَامِ الْجُمُعَةِ وَأَتَى بِالثَّانِيَةِ وَذَكَرَ فِي تَشَهُّدِهِ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنْهَا سَجَدَهَا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، أَوْ مِنْ الْأُولَى، أَوْ شَكَّ فَاتَتْ الْجُمُعَةُ وَحَصَلَ لَهُ رَكْعَةٌ مِنْ الظُّهْرِ.

(وَإِنْ) (أَدْرَكَهُ) أَيْ الْإِمَامَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ رُكُوعِ إمَامِهِ (فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ) ؛ لِمَفْهُومِ الْخَبَرِ الْمَارِّ (فَيُتِمُّ) صَلَاتَهُ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا (بَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (ظُهْرًا أَرْبَعًا) مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْبِيرُهُمْ بِيُتِمَّ؛ لِفَوَاتِ الْجُمُعَةِ وَأَكَدْ بِأَرْبَعًا؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ قَدْ تُسَمَّى ظُهْرًا مَقْصُورَةً (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ) أَيْ الْمُدْرِكُ

[حاشية الشبراملسي]

خَبَرُ قَوْلِهِ: فَقَوْلُ الشَّارِحِ، وَقَوْلُهُ: لَيْسَ بِقَيْدٍ خَبَرٌ ثَانٍ (قَوْلُهُ: لِإِتْمَامِهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ وَهُوَ عِلَّةُ يُصَلِّي (قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ فَارَقَهُ) شَمَلَ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَتْ الْمُفَارَقَةُ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُفَارَقَةِ زَوَالُ الْقُدْوَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ خَرَجَ مِنْهَا) غَايَةُ (قَوْلِهِ: لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا لِمَنْ خَلْفَهُ عَلَى مَا مَرَّ) أَيْ مِنْ كَوْنِهِ زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ (قَوْلُهُ: كَمَا تَبَيَّنَ كَوْنُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ إمَامُهُ سَجَدَهَا) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ هَلْ أَتَى بِأَصْلِ السُّجُودِ أَوْ جَلَسَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الِاعْتِدَالِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالسَّجْدَتَيْنِ وَقَضِيَّةُ قَوْلِ شَرْحِ الرَّوْضِ هَلْ سَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ سَجَدَ وَأَتَمَّهَا إلَخْ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ: تَرَكَ سَجْدَةً مِنْهَا) أَيْ الثَّانِيَةِ (قَوْلُهُ: وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ) أَيْ وَيُتِمُّ الْجُمُعَةَ (قَوْلُهُ: فَاتَتْ الْجُمُعَةُ وَحَصَلَ لَهُ رَكْعَةٌ) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ السُّجُودِ.
[فَرْعٌ] قَالَ فِي الرَّوْضِ: وَإِنْ شَكَّ مُدْرِكُ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ السَّلَامِ هَلْ سَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ سَجَدَ وَأَتَمَّهَا جُمُعَةً اهـ. وَهُوَ فَرْعٌ يُفِيدُ أَنَّ تَلَبُّسَهُ مَعَ الْإِمَامِ بِالتَّشَهُّدِ لَا يَمْنَعُ عَوْدَهُ لِلسُّجُودِ، فَلْيُضَمَّ إلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
وَأَقُولُ: قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِنَظَائِرِهِ مِنْ نَحْوِ مَا لَوْ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ شَكَّ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ تَذَكَّرَهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّ ذَلِكَ إذَا تَحَقَّقَ الِانْتِقَالُ عَنْ مَحِلِّ مَا تَرَكَهُ وَهَذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.

(قَوْلُهُ: بَعْدَ سَلَامِهِ ظُهْرًا) لَمْ يَقُلْ: أَوْ مُفَارَقَتِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً لَمْ تَجُزْ لَهُ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِالْجُمُعَةِ فِيمَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ مَثَلًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَذَكَّرَ الْإِمَامُ تَرْكَ رُكْنٍ فَيَأْتِيَ بِهِ وَيُوَافِقَهُ الْمَأْمُومُ فَيُدْرِكَ الْجُمُعَةَ وَمُفَارَقَتُهُ تُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِ الْجُمُعَةِ مَعَ إمْكَانِهَا (قَوْلُهُ: قَدْ تُسَمَّى ظُهْرًا مَقْصُورَةً) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: وَلِدَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ لَفْظِ الْإِتْمَامِ أَنَّهُ يُحْسَبُ لَهُ مَا أَدْرَكَهُ رَكْعَةً.
فَإِنْ قُلْت: فَلِمَ عَبَّرَ بِالْإِتْمَامِ حَتَّى وَرَدَ هَذَا التَّوَهُّمُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ عُلِمَ صِحَّةُ كَلَامِهِ) أَيْ ابْنِ الْمُقْرِي، وَقَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ قَوْلَهُ: أَيْ الْمُصَنِّفِ.

لِلْإِمَامِ بَعْدَ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ (يَنْوِي فِي اقْتِدَائِهِ) بِالْإِمَامِ (الْجُمُعَةَ) مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ؛ وَلِأَنَّ الْيَأْسَ مِنْهَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالسَّلَامِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَذَكَّرَ إمَامُهُ تَرْكَ رُكْنٍ فَيَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ فَيُدْرِكُ الْجُمُعَةَ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ عَلَيْهِ رَكْعَةٌ فَقَامَ الْإِمَامُ إلَى خَامِسَةٍ لَا يَجُوزُ لَهُ مُتَابَعَتُهُ حَمْلًا عَلَى مَا إذَا تَذَكَّرَ تَرْكَ رُكْنٍ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ مَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا فَقَامَ لِيَأْتِيَ بِهِ فَيُتَابِعَهُ، وَهَلْ نِيَّتُهُ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ أَمْ جَائِزَةٌ؟ جَرَى فِي الْأَنْوَارِ عَلَى الْجَوَازِ، وَعِبَارَةُ الْعَزِيزِ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ الْمُوَافِقُ لِمَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ الزِّحَامِ، وَجَمَعَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْجَوَازِ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ مُسْتَحَبَّةً لَهُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ كَالْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ، وَالْوُجُوبُ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ لَازِمَةً لَهُ فَإِحْرَامُهُ بِهَا وَاجِبٌ، وَهُوَ مَحْمَلُ قَوْلِ الرَّوْضَةِ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ الثَّانِي مِنْ أَنَّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ لَا يَصِحُّ ظُهْرُهُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ انْتَهَى.
وَلَوْ أَدْرَكَ هَذَا الْمَسْبُوقُ بَعْدَ صَلَاتِهِ الظُّهْرَ جَمَاعَةً يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَهُمْ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يَنْوِي الظُّهْرَ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي يَفْعَلُهَا، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَنْ عَلِمَ حَالَ الْإِمَامِ وَإِلَّا بِأَنْ رَآهُ قَائِمًا وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ هُوَ مُعْتَدِلٌ، أَوْ فِي الْقِيَامِ فَيَنْوِي الْجُمُعَةَ جَزْمًا.
.

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ حُكْمُ الِاسْتِخْلَافِ وَشُرُوطُهُ فَقَالَ (فَإِذَا) خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ الْجُمُعَةِ، أَوْ غَيْرِهَا) مِنْ الصَّلَوَاتِ (بِحَدَثٍ) سَهْوًا، أَوْ عَمْدًا (أَوْ غَيْرَهُ) كَتَعَاطِي مُبْطِلٍ

[حاشية الشبراملسي]

فَدَفَعَهُ؟ قُلْت: لِيُشِيرَ إلَى الِاعْتِدَادِ بِنِيَّتِهِ وَمَا بَعْدَهَا تَأَمَّلْ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ) أَيْ إمَامِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي غَيْرَهَا فَيَشْمَلُ مَا لَوْ نَوَى الْإِمَامُ الظُّهْرَ فَيَنْوِي الْمَأْمُومُ الْجُمُعَةَ خَلْفَهُ وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ التَّعْلِيلَ قَدْ يُخْرِجُ هَذِهِ الصُّورَةَ (قَوْلُهُ: لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالسَّلَامِ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: قَضِيَّةُ الْعِلَّةِ الْأُولَى: أَيْ وَهِيَ قَوْلُهُ: مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا الشَّيْخَانِ أَنَّهُ يَنْوِي الْجُمُعَةَ وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، بِحَيْثُ لَوْ فُرِضَ أَنَّ الْإِمَامَ تَذَكَّرَ.
رُكْنًا وَأَتَى بِرَكْعَةٍ وَأَدْرَكَهَا مَعَهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالرَّكْعَةِ الْأُخْرَى فِي الْوَقْتِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلًّا عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؛ ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ سَأَلْت م ر عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ عَلَى الْبَدِيهَةِ: يَنْوِي الْجُمُعَةَ وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ كَمَا ذُكِرَ نَظَرًا لِلْعِلَّةِ الْأُولَى، وَلَا يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَعَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ يَنْوِي الْجُمُعَةَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا بِأَنْ عَلِمَ أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أَوْ أَخْبَرَهُ مَعْصُومٌ فَتَأَمَّلْ اهـ. (قَوْلُهُ: فَيُدْرِكُ الْجُمُعَةَ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: نَعَمْ لَوْ سَلَّمَ الْقَوْمُ قَبْلَ فَرَاغِ الرَّكْعَةِ اتَّجَهَ فَوَاتُ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَتَهُ الْأُولَى مِنْهَا مَعَ وُجُودِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ إلَّا عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْبَيَانِ فَيَحْتَمِلُ حُصُولَ الْجُمُعَةِ لِاقْتِدَائِهِ فِي هَذِهِ الرَّكْعَةِ بِالْإِمَامِ الْمُتَخَلِّفِ مِنْ سَلَامِ الْقَوْمِ فَهُوَ كَالْمُقْتَدِي بِالْمَسْبُوقِ اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمُقْتَدِي بِالْمَسْبُوقِ أَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ جُمُعَةً فَيَكُونُ الْمُعْتَمَدُ هُنَا عَدَمُ إدْرَاكِهِ لَهَا وَقَوْلُهُ إلَّا عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْبَيَانِ: أَيْ فِي كَلَامِ حَجّ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ قُبَيْلَ وَمَنْ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ (قَوْلُهُ: مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا عَلِمَ) أَيْ أَوْ ظَنَّ ظَنًّا قَوِيًّا.
وَقَوْلُهُ فَيُتَابِعُهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ يُصَلِّي ظُهْرًا فَقَامَ لِلثَّالِثَةِ وَانْتَظَرَهُ الْقَوْمُ لِيُسَلِّمُوا مَعَهُ فَاقْتَدَى بِهِ مَسْبُوقٌ وَأَتَى بِرَكْعَةٍ فَيَنْبَغِي حُصُولُ الْجُمُعَةِ لَهُ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى فِي جَمَاعَةٍ بِأَرْبَعِينَ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَهُمْ) أَيْ وَيَتَبَيَّنُ انْقِلَابُ الظُّهْرِ نَفْلًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، وَبَانَ عَدَمُ الْفَوَاتِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ جَوَازِ التَّعَدُّدِ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ هُوَ مُعْتَدِلٌ إلَخْ) وَبَقِيَ مَا لَوْ رَأَى الْإِمَامَ قَائِمًا وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ حَالِهِ شَيْئًا، هَلْ يَنْوِي الْجُمُعَةَ أَوْ الظُّهْرَ أَوْ يُعَلِّقُ النِّيَّةَ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يَنْوِي الْجُمُعَةَ وُجُوبًا إنْ كَانَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ نِيَّةِ الظُّهْرِ إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْجَمْعِ الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِي هَذَا الْوَقْتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ إنْ اتَّفَقَ أَنَّهُ مُسَلِّمٌ مِنْ رَكْعَتَيْنِ سَلَّمَ مَعَهُمْ وَحُسِبَتْ جُمُعَتُهُ وَإِلَّا قَامَ مَعَهُمْ وَأَتَمَّ الظُّهْرَ لِأَنَّ نِيَّتَهُ

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ) الْأَوْلَى إسْقَاطُ لَفْظِ مَنْ عَلَى أَنَّ مَا فِي الرَّوْضَةِ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ كَمَا يُعْلَمُ بِمُرَاجَعَتِهَا.

أَوْ رُعَافٍ (جَازَ) لَهُ وَلِلْمَأْمُومِينَ قَبْلَ إتْيَانِهِمْ بِرُكْنٍ (الِاسْتِخْلَافُ فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِإِمَامَيْنِ بِالتَّعَاقُبِ جَائِزَةٌ كَمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ إمَامًا فَدَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاقْتَدَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ، وَقَدْ اسْتَخْلَفَ عُمَرُ حِينَ طُعِنَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَإِذَا جَازَ هَذَا فِيمَنْ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ فَفِي مَنْ بَطَلَتْ بِالْأَوْلَى لِضَرُورَتِهِ إلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَى إمَامٍ، وَاسْتِخْلَافُهُمْ أَوْلَى مِنْ اسْتِخْلَافِهِ لِأَنَّ الْحَظَّ فِي ذَلِكَ لَهُمْ، وَلَوْ تَقَدَّمَ وَاحِدٌ بِنَفْسِهِ جَازَ وَمُقَدَّمُهُمْ أَوْلَى مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَاتِبًا، فَظَاهِرٌ أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ مُقَدَّمِهِمْ وَمِنْ مُقَدَّمِ الْإِمَامِ، وَلَوْ قَدَّمَ الْإِمَامُ وَاحِدًا وَتَقَدَّمَ آخَرُ كَانَ مُقَدَّمُ الْإِمَامِ أَوْلَى، فَلَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ أَحَدٌ وَهُمْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ لَزِمَهُمْ الِاسْتِخْلَافُ مِنْهُمْ لِإِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الثَّانِيَةِ وَأَتَمُّوهَا جُمُعَةً فُرَادَى جَازَ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ الِاسْتِخْلَافُ لِإِدْرَاكِهِمْ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ،

[حاشية الشبراملسي]

إنْ وَجَدَ مَا يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِهَا جُمُعَةً وَقَعَتْ ظُهْرًا

(قَوْلُهُ: وَقَدْ اسْتَخْلَفَ عُمَرُ) أَيْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اهـ شَيْخُ عَمِيرَةَ (قَوْلُهُ: فِيمَنْ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ) وَذَلِكَ فِي قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ.
(قَوْلُهُ: وَمُقَدَّمُهُمْ أَوْلَى) أَيْ أَحَقُّ مِنْهُ: أَيْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ بِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ) أَيْ مَنْ تَقَدَّمَ بِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: كَانَ مُقَدَّمُ الْإِمَامِ أَوْلَى) أَيْ فَيَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِينَ مُتَابَعَتُهُ، وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ الِاقْتِدَاءُ بِالْآخَرِ سَوَاءٌ كَانُوا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ فِي الثَّانِيَةِ، وَخَرَجَ بِهِ مَا لَوْ قَدَّمَ الْإِمَامُ وَاحِدًا وَهَمَّ وَاحِدٌ فَمُقَدَّمُهُمْ أَوْلَى كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: وَاسْتِخْلَافُهُمْ أَوْلَى، وَبِهِ صَرَّحَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ فِي بَعْضِ الْهَوَامِشِ الصَّحِيحَةِ، وَعِبَارَتُهُ: فَرْعٌ: لَوْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ وَاحِدًا وَاسْتَخْلَفُوا آخَرَ فَمَنْ عَيَّنُوهُ أَوْلَى اهـ. وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: فَرْعٌ: مُقَدَّمُ الْقَوْمِ أَوْلَى مِنْ مُقَدَّمِ الْإِمَامِ إلَّا الْإِمَامَ الرَّاتِبَ فَمُقَدَّمُهُ أَوْلَى م ر اهـ. (قَوْلُهُ: لَزِمَهُمْ الِاسْتِخْلَافُ مِنْهُمْ) أَيْ فَوْرًا وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ لَوْ انْقَسَمُوا فِرْقَتَيْنِ حِينَئِذٍ وَكُلُّ فِرْقَةٍ اسْتَخْلَفَ وَاحِدًا فَيَنْبَغِي الِامْتِنَاعُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعَدُّدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ: أَيْ ثُمَّ إنْ تَقَدَّمَا مَعًا لَمْ تَصِحَّ الْجُمُعَةُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ تَرَتَّبَا صَحَّتْ لِلْأَوَّلِ.
وَقَوْلُ سم: فَيَنْبَغِي الِامْتِنَاعُ إلَخْ مَا تَرَجَّاهُ صَرَّحَ بِهِ فِي الْإِمْدَادِ وَعِبَارَتُهُ: وَيَجُوزُ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ خِلَافًا لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ يُصَلِّي كُلٌّ بِطَائِفَةٍ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ لِامْتِنَاعِ تَعَدُّدِهَا إلَخْ اهـ. فَقَوْلُهُ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ صَرِيحٌ فِي امْتِنَاعِ تَعَدُّدِ الْخَلِيفَةِ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ امْتِنَاعَ تَعَدُّدِهَا، وَالْحَالَةُ مَا ذُكِرَ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ وَإِنْ تَعَدَّدَ فِي الصُّورَةِ فَهُوَ نَائِبٌ عَنْ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ فَلَا تَعَدُّدَ، وَيُؤَيِّدُهُ عَدَمُ وُجُوبِ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ اكْتِفَاءً بِالنِّيَّةِ الْأُولَى مِنْ الْإِمَامِ وَالْجَرْيِ عَلَى نَظْمِ صَلَاتِهِ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّأْيِيدِ قَدْ يَقْتَضِي خِلَافَ مَا نَظَرَ بِهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ يَقْتَضِي تَنْزِيلَهُ مَنْزِلَةَ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ لَا يَجُوزُ تَعَدُّدُهُ، فَكَذَا مَنْ قَامَ مَقَامَهُ، عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّعَدُّدِ يَقْتَضِي تَصْيِيرَهَا كَجُمُعَتَيْنِ حَقِيقَةً لِجَوَازِ أَنْ يُسْرِعَ إمَامُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَيَتَأَخَّرَ الْآخَرُ كَأَنْ يُطَوِّلَ بِالْقِرَاءَةِ، وَهَذَا تَعَدُّدٌ صُورِيٌّ بِلَا شَكٍّ، وَإِذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ التَّعَدُّدِ فَقَدْ يَنْقُصُ كُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ عَنْ الْأَرْبَعِينَ وَيَفْرُغُ إمَامُ إحْدَاهُمَا مَعَ بَقَاءِ الْآخَرِ فِي قِيَامِ الْأُولَى مَثَلًا فَتَبْقَى الرَّكْعَةُ الْأُولَى لِهَؤُلَاءِ نَاقِصَةً عَنْ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ

[حاشية الرشيدي]

[الْقِسْمِ الثَّانِي حُكْمُ اسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ وَشُرُوطُهُ]

قَوْلُهُ: كَمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ إمَامًا إلَخْ) غَرَضُهُ مِنْهُ بَيَانُ جَوَازِ الصَّلَاةِ بِإِمَامَيْنِ بِالتَّعَاقُبِ لَا الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الِاسْتِخْلَافِ إذْ لَا اسْتِخْلَافَ فِي قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (قَوْلُهُ: وَإِذَا جَازَ هَذَا) أَيْ الصَّلَاةُ بِإِمَامَيْنِ عَلَى التَّعَاقُبِ، وَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَ هَذَا عَقِبَ قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ إنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَأَخَّرَ وَيُقَدِّمَ آخَرَ مَعَ بَقَائِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ نَقْلًا عَنْ الْمَحَامِلِيِّ لَكِنَّ مَحَلِّ الشِّهَابِ حَجّ عَدَمُ الصِّحَّةِ عَلَى مَا لَوْ اسْتَخْلَفَ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى الْإِمَامَةِ.

وَلَوْ قَدَّمَ الْإِمَامُ وَاحِدًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ قَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ: فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْتَثِلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّوَاكُلِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ، أَمَّا إذَا فَعَلُوا رُكْنًا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ الِاسْتِخْلَافُ بَعْدَهُ كَمَا نَقَلَاهُ عَنْ الْإِمَامِ وَأَقَرَّاهُ، وَلَا يَسْتَخْلِفُ إلَّا مَنْ يَكُونُ صَالِحًا لِلْإِمَامَةِ لَا امْرَأَةً وَمُشْكِلًا لِلرِّجَالِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا اكْتِفَاءً بِمَا قَدَّمَهُ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَحَيْثُ امْتَنَعَ الِاسْتِخْلَافُ أَتَمَّ الْقَوْمُ صَلَاتَهُمْ فُرَادَى إنْ كَانَ الْحَدَثُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَقَدْ مَرَّ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ وَهُوَ قَدِيمٌ عَدَمُ جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ فَيَمْتَنِعُ فِيهَا ذَلِكَ كَمَا لَوْ اقْتَدَى بِهِمَا مَعًا.

(وَلَا يَسْتَخْلِفُ) أَيْ الْإِمَامُ، أَوْ غَيْرُهُ (لِلْجُمُعَةِ إلَّا مُقْتَدِيًا بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ) فَلَوْ اسْتَخْلَفَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدِيًا بِهِ لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الْخَلِيفَةِ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ جُمُعَةٍ بَعْدَ انْعِقَادِ أُخْرَى، بِخِلَافِ الْمَأْمُومِ فَإِنَّهُ تَابِعٌ لَا مُنْشِئٌ، أَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرُ الْمُقْتَدِي لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَتَقَدَّمَ نَاوِيًا غَيْرَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَحَيْثُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَلَوْ نَفْلًا وَاقْتَدَوْا بِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْأُولَى لَمْ تَصِحَّ ظُهْرًا؛ لِعَدَمِ فَوْتِ الْجُمُعَةِ، وَلَا جُمُعَةَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ مَعَ اسْتِغْنَائِهِمْ عَنْ الِاقْتِدَاءِ بِتَقْدِيمِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، أَوْ فِي الثَّانِيَةِ أَتَمُّوهَا جُمُعَةً.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ لِلْجُمُعَةِ غَيْرُهَا فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْخَلِيفَةِ أَنْ يَكُونَ مُقْتَدِيًا بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَلَوْ قَدَّمَ الْإِمَامُ وَاحِدًا) أَيْ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ (قَوْلُهُ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ) أَيْ التَّوَاكُلُ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا فَعَلُوا رُكْنًا) وَمِثْلُهُ مَا لَوْ طَالَ الزَّمَنُ وَهُمْ سُكُوتٌ بِقَدْرِ مُضِيِّ رُكْنٍ وَقَوْلُهُ رُكْنًا: أَيْ فِعْلِيًّا أَوْ قَوْلِيًّا اهـ زِيَادِيٌّ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ الِاسْتِخْلَافُ بَعْدَهُ) أَيْ ثُمَّ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَتَمُّوا فُرَادَى، أَوْ فِي الْأُولَى اسْتَأْنَفُوا جُمُعَةً (قَوْلُهُ: لَا امْرَأَةً وَمُشْكِلًا لِلرِّجَالِ) خَرَجَ بِهِ النِّسَاءُ فَيَجُوزُ تَقَدُّمُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إذَا كَانَ الِاسْتِخْلَافُ فِي الثَّانِيَةِ.
وَعِبَارَةُ حَجّ: فَلَوْ أَتَمَّ الرِّجَالُ حِينَئِذٍ مُنْفَرِدِينَ وَقَدَّمَ النِّسْوَةُ امْرَأَةً مِنْهُنَّ جَازَ كَمَا يُفْهِمُهُ تَعْبِيرُ الرَّوْضَةِ بِصَلَاحِيَّةِ الْمُقَدَّمِ لِإِمَامَةِ الْقَوْمِ: أَيْ الَّذِي يَقْتَدُونَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لِإِمَامَةِ الْجُمُعَةِ، إذْ لَوْ أَتْمَمْنَ فُرَادَى جَازَ فَفِي الْجَمَاعَةِ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَحَيْثُ امْتَنَعَ الِاسْتِخْلَافُ) أَيْ بِأَنْ طَالَ الْفَصْلُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ فِيهَا قَدْ مَرَّ) أَيْ وَهُوَ أَنْ تَبْطُلَ الصَّلَاةُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَيُتِمُّونَهَا فُرَادَى إنْ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ

(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ جُمُعَةٍ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: بَلَغَنِي أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ قَيَّدَهُ بِمَا إذَا امْتَنَعَ التَّعَدُّدُ وَإِلَّا جَازَ.
وَأَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ التَّعَدُّدُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ هُنَا لِإِمْكَانِ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْمُقْتَدِينَ لَا يُقَالُ: لَا تَعَدُّدَ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّا نَقُولُ: فَلْيَجُزْ وَإِنْ امْتَنَعَ التَّعَدُّدُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ غَيْرُ مُتَّجَهٍ إلَّا أَنْ يُسَاعِدَهُ عَلَيْهِ نَقْلٌ اهـ. (قَوْلُهُ: وَتَقَدَّمَ نَاوِيًا غَيْرَهَا) بَيَانٌ لِمَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ جُمُعَةٍ بَعْدَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَحَيْثُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ) أَيْ غَيْرِ الْمُقْتَدِي.
وَقَوْلُهُ وَلَوْ نَفْلًا: أَيْ وَكَذَا إنْ نَوَى غَيْرَ الْجُمُعَةِ جَاهِلًا وَهُوَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَقَعُ نَفْلًا مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ فِي الْأُولَى لَمْ تَصِحَّ) أَيْ صَلَاتُهُمْ: أَيْ لِإِمْكَانِ فِعْلِ الْجُمُعَةِ بِاسْتِئْنَافِهَا وَلَا جُمُعَةَ لِعَدَمِ وُقُوعِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فِي جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُنْفَرِدِينَ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَنِيَّتُهُمْ الْقُدْوَةُ لَوْ قِيلَ بِصِحَّتِهَا إنَّمَا تَحْصُلُ الْجَمَاعَةُ مِنْ حِينِهَا فَيَكُونُ أَوَّلُ الرَّكْعَةِ وَآخِرُهَا فِي جَمَاعَةٍ وَمَا بَيْنَهُمَا فُرَادَى وَذَلِكَ مُقْتَضٍ لِلْبُطْلَانِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ بِالْمَعْنَى.
(قَوْلُهُ: أَوْ فِي الثَّانِيَةِ أَتَمُّوهَا جُمُعَةً) وَقَضِيَّتُهُ صِحَّةُ الْقُدْوَةِ وَفِيهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَسْتَخْلِفُ لِلْجُمُعَةِ إلَخْ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَتَمُّوهَا جُمُعَةً فُرَادَى فَلْيُرَاجَعْ أَوْ يَحْتَمِلُ صِحَّةَ الْقُدْوَةِ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ وَلَا يَسْتَخْلِفُ إلَخْ لِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى مَا إذَا نَوَى الْخَلِيفَةُ الْجُمُعَةَ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ جُمُعَةٍ إلَخْ

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرُ الْمُقْتَدِي) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ جُمُعَةٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَتَقَدَّمَ نَاوِيًا غَيْرَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ) أَيْ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ

مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ لِمُوَافَقَةِ نَظْمِ صَلَاتِهِ نَظْمَ صَلَاتِهِمْ لَا فِي غَيْرِهِمَا مِنْ الثَّانِيَةِ وَالْأَخِيرَةِ إلَّا بِنِيَّةٍ مُجَدَّدَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى قِيَامٍ وَيَحْتَاجُونَ إلَى الْقُعُودِ، وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُمْ كَأَنْ حَضَرَ جَمَاعَةً فِي ثَانِيَةٍ مُنْفَرِدًا وَأَخِيرَتُهُ فَاقْتَدُوا بِهِ فِيهَا ثُمَّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فَاسْتَخْلَفَ مُوَافِقًا لَهُمْ جَازَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِطْلَاقُهُمْ الْمَنْعَ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَيَجُوزُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ اسْتِخْلَافُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ يُصَلِّي كُلٌّ بِطَائِفَةٍ وَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ وَلَوْ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْخَلِيفَةِ جَازَ اسْتِخْلَافُ ثَالِثٍ وَهَكَذَا، وَعَلَى الْجَمِيعِ مُرَاعَاةُ تَرْتِيبِ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ.

(وَلَا يُشْتَرَطُ) فِي جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ فِي الْجُمُعَةِ (كَوْنُهُ) أَيْ الْمُقْتَدِي (حَضَرَ الْخُطْبَةَ وَلَا) إدْرَاكُ (الرَّكْعَةِ الْأُولَى) (فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ بِالِاقْتِدَاءِ صَارَ فِي حُكْمِ مَنْ حَضَرَهَا وَسَمِعَهَا فَلِذَا صَحَّتْ جُمُعَتُهُ كَمَا تَصِحُّ جُمُعَةُ الْحَاضِرِينَ السَّامِعِينَ وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ الْقِيَاسُ عَلَى مَا لَوْ اسْتَخْلَفَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا لِيُصَلِّيَ بِهِمْ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ، وَفِي الثَّانِي نَابَ الْخَلِيفَةُ الَّذِي كَانَ مُقْتَدِيًا بِهِ بِاسْتِخْلَافِهِ إيَّاهُ وَلَوْ اسْتَمَرَّ الْإِمَامُ لَكَانَتْ الْقُدْوَةُ صَحِيحَةً، فَكَذَا مَنْ نَابَ مَنَابَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَوَفَّرْ فِيهِ الشَّرَائِطُ، وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُدْرِكٍ لِلْجُمُعَةِ، وَيَجُوزُ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ وَبَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ بِشَرْطِ كَوْنِ الْخَلِيفَةِ فِي الثَّانِيَةِ حَضَرَ الْخُطْبَةَ بِتَمَامِهَا وَالْبَعْضَ الْفَائِتَ فِي الْأُولَى، إذْ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ غَيْرُ السَّامِعِ مِنْ أَهْلِهَا إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَيَنْزِلُ السَّمَاعُ هُنَا مَنْزِلَةَ الِاقْتِدَاءِ.
فَإِنْ قُلْت: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ صِحَّةُ اسْتِخْلَافِ مَنْ سَمِعَ وَلَوْ نَحْوَ مُحْدِثٍ وَصَبِيٍّ زَادَ فَمَا الْفَرْقُ؟ قُلْت: يُفَرَّقُ بِأَنَّهُ بِالسَّمَاعِ انْدَرَجَ فِي ضِمْنِ غَيْرِهِ فَصَارَ مِنْ أَهْلِهَا تَبَعًا ظَاهِرًا فَلِهَذَا كَفَى اسْتِخْلَافُهُ، وَلِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ، أَوْ نَقْصِهَا اُشْتُرِطَتْ زِيَادَتُهُ.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَسْمَعْ فَلَمْ يَصِرْ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا فِي الظَّاهِرِ فَلَمْ يَكْفِ اسْتِخْلَافُهُ مُطْلَقًا، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ امْتَنَعَ الِاسْتِخْلَافُ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحْدِثِ بِأَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ خَرَجَ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ، بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ خُطْبَةِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ مِنْهُ، وَلَوْ اسْتَخْلَفَ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ سَمِعَ الْخُطْبَةَ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَنَوَى غَيْرَ الْجُمُعَةِ جَازَ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ حَضَرَ الْخُطْبَةَ عَنْ سَمَاعِهَا فَغَيْرُ مُشْتَرَطٍ جَزْمًا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ.

(ثُمَّ) عَلَى الْأَوَّلِ (إنْ كَانَ) الْخَلِيفَةُ فِي الْجُمُعَةِ (أَدْرَكَ) الرَّكْعَةَ (الْأُولَى) مِنْ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ بِأَنْ أَدْرَكَهُ قَبْلَ فَوَاتِ الرُّكُوعِ سَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِ الرُّكُوعِ أَمْ فِي الْقِيَامِ قَبْلَهُ لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ، وَقَدْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي وَقْتٍ كَانَتْ جُمُعَةُ الْقَوْمِ مُتَوَقِّفَةً.

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: إلَّا بِنِيَّةٍ مُجَدَّدَةٍ) أَيْ مِنْهُمْ.
(قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ) هُوَ قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْقِيَامِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَاسْتَخْلَفَ مُوَافِقًا) أَيْ وَهُوَ غَيْرُ مُقْتَدٍ بِهِ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ اسْتِخْلَافُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي الْجُمُعَةِ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعَدُّدِ جُمُعَةٍ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ سم مَا يُصَرِّحُ بِالْمَنْعِ فَمَا هُنَا مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الْجُمُعَةِ

(قَوْلُهُ: بِشَرْطِ كَوْنِ الْخَلِيفَةِ إلَخْ) مَحَلُّ هَذَا الِاشْتِرَاطِ حَيْثُ كَانَ الْخَلِيفَةُ يَنْوِي الْجُمُعَةَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ يَنْوِي الظُّهْرَ مَثَلًا فَلَا يُشْتَرَطُ سَمَاعُهُ وَلَا حُضُورُهُ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَالْبَعْضُ الْفَائِتُ) أَيْ مِنْ الْأَرْكَانِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ نَحْوَ مُحْدِثٍ وَصَبِيٍّ زَادَ) أَيْ عَلَى الْأَرْبَعِينَ.
(قَوْلُهُ: فَمَا الْفَرْقُ) أَيْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ الْخُطْبَةَ (قَوْلُهُ: وَلِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ) أَيْ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِ أَوْ نَقْصِهَا أَيْ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الضَّمِيرَ فِي زَادَ لِكُلٍّ مِنْ الْمُحْدِثِ وَالصَّبِيِّ (قَوْلُهُ: وَنَوَى غَيْرَ الْجُمُعَةِ جَازَ) أَيْ وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ الْجُمُعَةَ، فَإِذَا قَامَ لِلثَّالِثَةِ خُيِّرُوا بَيْنَ الْمُفَارَقَةِ وَالِانْتِظَارِ وَهُوَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: أَخْذًا مِمَّا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ: أَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرُ الْمُقْتَدِي لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ (وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ حَضَرَ الْخُطْبَةَ عَنْ سَمَاعِهَا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ بَعُدَ بِحَيْثُ لَوْ أَصْغَى

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ: لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ) كَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَمَّتْ جُمُعَتُهُمْ

عَلَى جُمُعَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ نَفْسَ الرُّكُوعِ حَقِيقَةً مَعَ الْإِمَامِ (تَمَّتْ جُمُعَتُهُمْ) أَيْ الْقَوْمِ الشَّامِلِ لَهُ سَوَاءٌ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي الْأُولَى أَمْ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ سَوَاءٌ أَحْدَثَ فِي الْأُولَى أَنَّهُ أَحْدَثَ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ الْأُولَى بِأَنْ لَمْ تَكُنْ تَمَّتْ كَأَنْ اسْتَخْلَفَهُ فِي اعْتِدَالِهَا فَمَا بَعْدَهُ (فَتَتِمُّ لَهُمْ) الْجُمُعَةُ (دُونَهُ) أَيْ غَيْرَهُ (فِي الْأَصَحِّ) فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرِكُ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً فَيُتِمُّهَا ظُهْرًا، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَإِلَّا فَلَا تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْفَتَى.
وَالثَّانِي تَتِمُّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى رَكْعَةً فِي جَمَاعَةٍ فَأَشْبَهَ الْمَسْبُوقَ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَأْمُومَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَبَعًا لِلْإِمَامِ وَالْخَلِيفَةُ إمَامٌ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَبَعًا لِلْمَأْمُومَيْنِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ وَسُجُودَهَا أَتَمَّهَا جُمُعَةً؛ لِأَنَّهُ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، وَبِهِ صَرَّحَ الْبَغَوِيّ، وَإِنَّمَا جَوَّزْنَا الِاسْتِخْلَافَ لَهُ فِي صُورَةِ فَوْتِ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِ بِاسْتِخْلَافِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ فِعْلُ ظُهْرٍ قَبْلَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ لِعُذْرِهِ بِالِاسْتِخْلَافِ بِإِشَارَةِ الْإِمَامِ

[حاشية الشبراملسي]

وَلَمْ يَسْمَعْ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ

(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ نَفْسَ الرُّكُوعِ) غَايَةٌ لِقَوْلِهِ أَمَّ فِي الْقِيَامِ قَبْلَهُ، وَمِنْهُ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ مَعَ الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ مُقْتَدِيًا فِيهَا كُلِّهَا، بَلْ الْمَدَارُ عَلَى كَوْنِهِ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ قَبْلَ فَوَاتِ الرُّكُوعِ عَلَى الْمَأْمُومِ بِأَنْ اقْتَدَى بِهِ فِي الْقِيَامِ وَإِنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ قَبْلَ رُكُوعِهِ أَوْ اقْتَدَى بِهِ فِي الرُّكُوعِ وَرَكَعَ مَعَهُ وَإِنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ بَعْدَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: كَأَنْ اسْتَخْلَفَهُ فِي اعْتِدَالِهَا) أَيْ وَقَدْ اقْتَدَى بِهِ بَعْدَ الرُّكُوعِ أَوْ فِيهِ وَلَمْ يُدْرِكْهُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ مَتَى أَدْرَكَهُ قَبْلَ فَوَاتِ الرُّكُوعِ صَحَّتْ لَهُمْ الْجُمُعَةُ (قَوْلُهُ: دُونَهُ أَيْ غَيْرَهُ) إنَّمَا فَسَّرَهَا تَبَعًا لِلْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ بِغَيْرٍ؛ لِأَنَّ دُونَ أَصْلُهَا لِلتَّفَاوُتِ فِي الْمَكَانِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَتْ لِلتَّفَاوُتِ فِي الرُّتَبِ تَقُولُ: زَيْدٌ دُونَ عَمْرٍو فِي الرُّتْبَةِ، فَلَوْ لَمْ يُفَسِّرْهَا بِغَيْرٍ لَأَشْعَرَ بِأَنَّهَا صَحَّتْ لِلْجَمِيعِ لَكِنْ تَفَاوَتَتْ رُتَبُهُمْ فِي الصِّحَّةِ، وَلَيْسَ مُرَادًا هَكَذَا رَأَيْته بِهَامِشٍ نَقْلًا عَنْ الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ الْبَابِلِيِّ وَهُوَ مَرْضِيٌّ (قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا إلَخْ) أَيْ فِيمَا لَوْ تَمَّتْ لَهُمْ دُونَهُ.
[فَرْعٌ] جَاءَ مَسْبُوقٌ فَوَجَدَ الْإِمَامَ قَدْ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَانْفَرَدَ الْقَوْمُ بِالرَّكْعَةِ وَلَمْ يَسْتَخْلِفُوا، فَهَلْ لَهُ الْآنَ الشُّرُوعُ فِي الظُّهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إدْرَاكُ الْجُمُعَةِ لَوْ صَبَرَ، أَوْ يَجِبُ الصَّبْرُ إلَى سَلَامِهِمْ، أَوْ يَجِبُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَتَحْصُلُ لَهُ الْجُمُعَةُ؟ الظَّاهِرُ الْأَخِيرُ، ثُمَّ أَفْتَانِي بِهِ شَيْخُنَا حَجّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
لَكِنْ تَقَدَّمَ لِلشَّارِحِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا يُصَرِّحُ بِخِلَافِهِ، وَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ لَكِنْ تَعْلِيلُهُمْ إلَخْ مَا يُشِيرُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: فِي صُورَةِ فَوْتِ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مَعَ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: لِعُذْرِهِ بِالِاسْتِخْلَافِ) أَيْ سَوَاءٌ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّقَدُّمُ بِأَنْ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ نَفْسَ الرُّكُوعِ) غَايَةٌ فِي قَوْلِهِ أَمْ فِي الْقِيَامِ قَبْلَهُ، وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَ عَقِبِهِ وَإِسْقَاطَ لَفْظِ حَقِيقَةً لِإِيهَامِهِ.
وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَإِنْ بَطَلَتْ فِيمَا إذَا أَدْرَكَهُ فِي الْقِيَامِ صَلَاةُ الْإِمَامِ قَبْلَ رُكُوعِهَا انْتَهَتْ (قَوْلُهُ: وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ سَوَاءٌ إلَخْ) غَرَضُ الشَّارِحِ مِنْ هَذَا دَفْعُ مَا قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ إذَا كَانَ جَاهِلًا بِأَنَّ وَاجِبَهُ الظُّهْرُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِأَنَّ مِنْ شُرُوطِهَا الْعِلْمَ بِالْمَنْوِيِّ، فَأَشَارَ إلَى أَنَّ جَهْلَهُ بِذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ: أَيْ بِأَنْ يَعْلَمَهُ آخَرُ بَعْدُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَمَّتْ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَاهُ وَلَعَلَّهُ بِالْوَاوِ بَدَلَ الْفَاءِ فَتَكُونُ مِنْ تَحْرِيفِ النُّسَّاخِ وَيَكُونُ غَايَةٌ يُفَسِّرُهَا التَّصْوِيرُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ الْأُولَى بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ سَوَاءٌ أَكَانَ إدْرَاكُهُ بَعْدَ تَمَامِهَا وَهُوَ وَاضِحٌ أَوْ أَدْرَكَهُ قَبْلَ تَمَامِهَا كَأَنْ اسْتَخْلَفَهُ إلَخْ، ثُمَّ رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ بِأَنْ لَمْ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَيُعْرَفُ مَعْنَاهَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً) أَيْ وَإِدْرَاكُهَا شَرْطٌ فِي غَيْرِ الْأُولَى.
أَمَّا فِي الْأُولَى فَلَيْسَ بِشَرْطٍ بِقَرِينَةِ مَا قَدَّمَهُ آنِفًا فِيمَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِيهَا وَأَحْدَثَ الْإِمَامُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي كَلَامِهِ ثُمَّ.

لَهُ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا اسْتَخْلَفَهُ الْقَوْمُ، أَوْ تَقَدَّمَ بِنَفْسِهِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَكِنَّ إطْلَاقَهُمْ يُخَالِفُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ التَّقَدُّمَ مَطْلُوبٌ فِي الْجُمْلَةِ فَيُعْذَرُ بِهِ.

(وَيُرَاعِي) الْخَلِيفَةُ (الْمَسْبُوقُ نَظْمَ) صَلَاةِ (الْمُسْتَخْلَفِ) حَتْمًا لِيَجْرِيَ عَلَى نَظْمِهَا فَيَفْعَلَ مَا كَانَ الْإِمَامُ يَفْعَلُهُ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ تَرْتِيبَ صَلَاتِهِ بِاقْتِدَائِهِ بِهِ (فَإِذَا صَلَّى) بِهِمْ (رَكْعَةً) قَنَتَ بِهِمْ فِيهَا إنْ كَانَتْ ثَانِيَةَ الصُّبْحِ وَلَوْ كَانَ هُوَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَيَتْرُكُ الْقُنُوتَ فِي الظُّهْرِ وَإِنْ كَانَ هُوَ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَ (تَشَهَّدَ) جَالِسًا وَسَجَدَ بِهِمْ لِسَهْوِ الْإِمَامِ الْحَاصِلِ قَبْلَ اقْتِدَائِهِ بِهِ وَبَعْدَهُ (وَأَشَارَ إلَيْهِمْ) بَعْدَ تَشَهُّدِهِ عِنْدَ قِيَامِهِ (لِيُفَارِقُوهُ) فَيَتَخَيَّرُ الْمُقْتَدِي بِهِ بَعْدَ إشَارَتِهِ (أَوْ يَنْتَظِرُوا سَلَامَهُ) بِهِمْ، وَهُوَ أَفْضَلُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ: أَيْ مَعَ أَمْنِ خُرُوجِ الْوَقْتِ، فَإِنْ خَافُوا فَوْتَهُ وَجَبَتْ الْمُفَارَقَةُ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِيُفَارِقُوهُ إلَى آخِرِهِ.
قَالَ الشَّارِحُ: عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ لِلْإِشَارَةِ: أَيْ لِكَوْنِهَا خَفِيَّةً قَدْ تُفْهَمُ وَقَدْ لَا، وَحَيْثُ فُهِمَتْ فَغَايَتُهَا انْتِظَارُهُ.
وَقَوْلُهُ أَيْ فَيَكُونُ بَعْدَهَا أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ مُرَتَّبٌ بَعْدَهَا بِاعْتِبَارِ الْوُقُوعِ وَإِنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا فِي الذِّهْنِ.
وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ نَاشِئًا عَنْهَا: أَيْ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ، وَالْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ دَفْعُ مَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ التَّخْيِيرَ الْمَذْكُورَ فِيهِ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنْ إشَارَةِ الْمُصَلِّي خُصُوصًا مَعَ الِاسْتِدْبَارِ وَكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَخَلْفًا، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْخَلِيفَةِ الْمَسْبُوقِ التَّشَهُّدُ إذْ لَا يَزِيدُ حَالُهُ عَلَى بَقَائِهِ مَعَ إمَامِهِ بَلْ وَلَا الْقُعُودُ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمَسْبُوقُ نَظْمَ صَلَاةِ إمَامِهِ فَفِي جَوَازِ اسْتِخْلَافِهِ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا كَمَا فِي التَّحْقِيقِ الْجَوَازُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنْ مَنَعَ الْبُلْقِينِيُّ تَصْحِيحَهُ وَأَطَالَ فِي رَدِّهِ.
وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: إنَّ أَرْجَحَ الْقَوْلَيْنِ دَلِيلًا الْمَنْعُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيُرَاقِبُ الْقَوْمَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ، فَإِنْ هَمُّوا بِالْقِيَامِ قَامَ وَإِلَّا قَعَدَ.

[حاشية الشبراملسي]

خَافَ التَّوَاكُلَ لَوْ امْتَنَعَ أَوْ لَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ) خِلَافًا لحج

(قَوْلُهُ: وَيُرَاعِي الْمَسْبُوقُ إلَخْ) قَدْ تَشْمَلُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ مَا لَوْ قَرَأَ الْإِمَامُ بِالْفَاتِحَةِ وَاسْتَخْلَفَ شَخْصًا لَمْ يَقْرَأْهَا مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْكَعَ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لِأَجْلِ صِحَّةِ صَلَاةِ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِنَظْمِ صَلَاةِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِنَظْمِهَا أَنْ لَا يُخَالِفَهُ فِيمَا يُؤَدِّي إلَى خَلَلٍ فِي صَلَاةِ الْقَوْمِ، وَهَذَا غَايَةُ أَمْرِهِ أَنَّهُ طَوَّلَ الْقِيَامَ الَّذِي خَلَفَ الْإِمَامَ فِيهِ وَنَزَلَ مَنْزِلَتَهُ وَهُوَ لَا يَضُرُّ مِنْ الْإِمَامِ لَوْ كَانَ بَاقِيًا (قَوْلُهُ: فَيَفْعَلُ مَا كَانَ الْإِمَامُ يَفْعَلُهُ) أَيْ حَتْمًا فِي الْوَاجِبِ وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ.
وَقَوْلُهُ حَتْمًا: أَيْ فِي الْجُمْلَةِ لِئَلَّا يُخَالِفَ قَوْلَهُ الْآتِي: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْخَلِيفَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: ثَانِيَةُ الصُّبْحِ) أَيْ فَلَوْ تَرَكَ الْقُنُوتَ لَمْ يَسْجُدْ هُوَ وَلَا الْمَأْمُورُونَ بِهِ بِتَرْكِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ بِالْمَعْنَى.
وَقَوْلُهُ لَمْ يَسْجُدْ: أَيْ لِعَدَمِ حُصُولِ خَلَلٍ فِي صَلَاتِهِ.
وَقَوْلُهُ وَلَا الْمَأْمُومُونَ: أَيْ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: وَتَشَهَّدَ جَالِسًا) أَيْ جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ وُجُوبًا: أَيْ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ أَقَلَّ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَقَرَأَهُ نَدْبًا اهـ حَجّ.
وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيُرَاعِي الْمَسْبُوقُ إلَخْ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ مَا يُخَالِفُهُ فِي قَوْلِهِ: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْخَلِيفَةِ إلَخْ، وَمَا قَالَهُ حَجّ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَأَشَارَ إلَيْهِمْ) قَالَ حَجّ نَدْبًا (قَوْلُهُ: فَيَتَخَيَّرُ الْمُقْتَدِي) أَيْ بَيْنَ الِانْتِظَارِ وَالسَّلَامِ (قَوْلُهُ: بَلْ وَلَا الْقُعُودُ أَيْضًا) أَيْ فِي الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ لِتَمَكُّنِ الْقَوْمِ مِنْ مُفَارَقَتِهِ بِالنِّيَّةِ وَالْإِتْمَامِ لِأَنْفُسِهِمْ، لَكِنْ هَذَا قَدْ يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِهِ أَوَّلًا وَيُرَاعِي الْمَسْبُوقُ نَظْمَ الْمُسْتَخْلَفِ حَتْمًا

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: فَيَتَخَيَّرُ الْمُقْتَدِي بِهِ) الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ يَنْتَظِرُوا (قَوْلُهُ: فَإِنْ خَافُوا فَوْتَهُ وَجَبَتْ الْمُفَارَقَةُ) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَتْ جُمُعَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: فَغَايَتُهَا انْتِظَارُهُ) أَيْ أَوْ مُفَارَقَتُهُ وَالضَّمِيرُ فِي انْتِظَارِهِ لِلْخَلِيفَةِ فَهُوَ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ (قَوْلُهُ: أَيْ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ أَيْ لِكَوْنِهَا خَفِيَّةً إلَخْ (قَوْلُهُ: بَلْ وَلَا الْقُعُودُ) فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِوُجُوبِ رِعَايَةِ نَظْمِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَمِنْ ثَمَّ أَوْجَبَهُ الشِّهَابُ حَجّ فَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الشَّارِحِ مُسْتَثْنًى

وَلَيْسَ هَذَا تَقْلِيدٌ فِي الرَّكَعَاتِ كَمَا لَا يَخْفَى، ثُمَّ مَا ذُكِرَ وَاضِحٌ فِي الْجُمُعَةِ.
أَمَّا فِي الرُّبَاعِيَّةِ فَفِيهَا قَعُودَانِ، فَإِذَا لَمْ يَهُمُّوا بِقِيَامٍ وَقَعَدَ تَشَهَّدَ، ثُمَّ قَامَ، فَإِنْ قَامُوا مَعَهُ عَلِمَ أَنَّهَا ثَانِيَتُهُمْ.

(وَلَا يَلْزَمُهُمْ) أَيْ الْمُقْتَدِينَ (اسْتِئْنَافُ نِيَّةِ الْقُدْوَةِ) بِالْخَلِيفَةِ (فِي الْأَصَحِّ) جُمُعَةً كَانَتْ، أَوْ غَيْرَهَا لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الْأَوَّلِ فِي دَوَامِ الْجَمَاعَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُرَاعِي نَظْمَ صَلَاةِ نَفْسِهِ، وَلَوْ اسْتَمَرَّ الْأَوَّلُ لَمْ يَحْتَجْ الْقَوْمُ إلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الِاسْتِخْلَافِ، وَشَمَلَ ذَلِكَ مَنْ قَدَّمَهُ الْإِمَامُ وَمَنْ قَدَّمَهُ الْقَوْمُ وَمَنْ تَقَدَّمَ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا اخْتِصَاصَهُ بِالْأَوَّلِ، وَأَخَذَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ فَقَالَ فِي الثَّانِي الْأَقْرَبُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ تَجْدِيدُ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ، وَفِي الثَّالِثِ: الْوَجْهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ تَجْدِيدُهَا، وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ مَنْعُ الِاسْتِدْلَالِ بِكَلَامِهِمَا بِأَنَّ فَرْضَ مَا ذُكِرَ مِثَالٌ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ اللُّزُومُ؛ لِأَنَّهُمْ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ صَلَاتِهِ صَارُوا مُنْفَرِدِينَ.
وَلَوْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ غَيْرَ صَالِحٍ لِلْإِمَامَةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُمْ لِأَنَّ اسْتِخْلَافَهُ لَغْوٌ مَا لَمْ يَقْتَدُوا بِهِ، وَلَوْ أَرَادَ الْمَسْبُوقُونَ، أَوْ مَنْ صَلَاتُهُمْ أَطْوَلُ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ اسْتِخْلَافَ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ لَمْ يَجُزْ إلَّا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ لِعَدَمِ الْمَانِعِ فِي غَيْرِهَا، بِخِلَافِهَا لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا تَنْشَأُ جُمُعَةٌ بَعْدَ أُخْرَى، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِالْإِنْشَاءِ مَا يَعُمُّ الْحَقِيقِيَّ وَالْمَجَازِيَّ، إذْ لَيْسَ فِيمَا إذَا كَانَ الْخَلِيفَةُ مِنْهُمْ إنْشَاءُ جُمُعَةٍ، وَإِنَّمَا فِيهِ مَا يُشْبِهُهُ صُورَةً عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ بِالْجَوَازِ فِي هَذِهِ لِذَلِكَ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْجَوَازِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ هُوَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا فِي الْجَمَاعَةِ، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَحْقِيقِهِ هُنَاكَ، وَكَذَا فِي الْمَجْمُوعِ وَقَالَ فِيهِ: اعْتَمَدَهُ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا فِي الِانْتِصَارِ مِنْ تَصْحِيحِ الْمَنْعِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ ذَاكَ مِنْ حَيْثُ حُصُولُ الْفَضِيلَةِ وَهَذَا مِنْ حَيْثُ جَوَازِ اقْتِدَاءِ الْمُنْفَرِدِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ جَوَازَ اقْتِدَاءِ الْمُنْفَرِدِ قَالَ: وَاقْتِدَاءُ الْمَسْبُوقِ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ كَغَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: الْكَلَامُ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا اخْتَلَفَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا يَقْعُدُ وَالْآخَرُ يَقُومُ، بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّفَقَ نَظْمُ الصَّلَاتَيْنِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ جَمْعٌ لَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنَّ تَعْلِيلَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا الْمَنْعَ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ حَصَلَتْ لَهُ يُخَالِفُهُ.
قَالَ النَّاشِرِيُّ: وَمَحَلُّ مَا ذَكَرَ فِي الْجُمُعَةِ إذَا قَدَّمْنَا مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ جَازَ حَتَّى لَوْ اقْتَدَى شَخْصٌ بِهَذَا الْمُقَدَّمِ وَصَلَّى مَعَهُمْ رَكْعَةً وَسَلَّمُوا فَلَهُ أَنْ يُتِمَّهَا جُمُعَةً؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ اسْتَفْتَحَ الْجُمُعَةَ فَهُوَ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ وَالْإِمَامُ مُسْتَدِيمٌ لَهَا لَا مُسْتَفْتِحٌ، نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَقَرَّهُ وَكَذَلِكَ الرِّيمِيُّ، لَكِنَّ تَعْلِيلَهُمْ السَّابِقَ يُخَالِفُهُ، وَلَوْ بَادَرَ أَرْبَعُونَ سَمِعُوا أَرْكَانَ الْخُطْبَةِ وَأَحْرَمُوا

[حاشية الشبراملسي]

إلَّا أَنْ يُقَالَ تَحَتَّمَ الْمُرَاعَاةُ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُنَافِي مَا ذُكِرَ، أَوْ الْمُرَادُ تَحَتُّمُ الْمُرَاعَاةِ فِيمَا يُؤَدِّي إلَى اخْتِلَالِ صَلَاتِهِمْ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي هَذَا تَقْلِيدٌ فِي الرَّكَعَاتِ) أَيْ فَلَا يُقَالُ: كَيْفَ رَجَعَ إلَى فِعْلِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: فَإِذَا لَمْ يَهُمُّوا بِقِيَامٍ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ هَمَّهُ الْمَرَضُ أَذَابَهُ وَبَابُهُ رَدَّ، ثُمَّ قَالَ: وَهَمَّ بِالشَّيْءِ أَرَادَهُ وَبَابُهُ رَدَّ أَيْضًا

(قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُهُمْ اسْتِئْنَافُ نِيَّةِ الْقُدْوَةِ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: وَيَجُوزُ التَّجْدِيدُ: أَيْ لِنِيَّةِ الْقُدْوَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ اهـ. أَقُولُ: قَدْ يُقَالُ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ بِإِحْرَامِهِمْ الْأَوَّلِ فَطُرُوءُ الْبُطْلَانِ لَا دَخْلَ لَهُمْ فِيهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النِّيَّةَ بِالْقَلْبِ، فَلَوْ تَلَفَّظُوا بِهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ مَنْعُ الِاسْتِدْلَالِ بِكَلَامِهِمَا) أَيْ الشَّيْخَيْنِ (قَوْلُهُ: لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُمْ) أَيْ فَطَرِيقُهُمْ أَنْ يَسْتَخْلِفُوا فَوْرًا صَالِحًا لِلْإِمَامَةِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَقْتَدُوا بِهِ) أَيْ وَإِنْ قَلَّ زَمَنُ الِاقْتِدَاءِ جِدًّا، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عِلْمِهِمْ بِحَالِهِ وَعَدَمِهِ، فَلَوْ ظَنُّوهُ مِمَّنْ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ (قَوْلُهُ: فِي هَذِهِ) هِيَ قَوْلُهُ وَلَوْ أَرَادَ الْمَسْبُوقُونَ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِذَلِكَ) أَيْ لِقَوْلِهِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ إذَا كَانَ الْخَلِيفَةُ مِنْهُمْ إنْشَاءُ جُمُعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى وَإِنَّمَا فِيهِ مَا يُشْبِهُهُ قَالَهُ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ هَذَا) هُوَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ قُبَيْلَ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ (قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ الْجَمْعِ (قَوْلُهُ: فَلَهُ أَنْ يُتِمَّهَا جُمُعَةً) مَشَى عَلَيْهِ حَجّ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ تَعْلِيلَهُمْ السَّابِقَ يُخَالِفُهُ)

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ) سَيَأْتِي الْإِفْصَاحُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ قَالَ النَّاشِرِيُّ إلَخْ (قَوْلُهُ: مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الرَّوْضَةِ) اُنْظُرْ مَا مُرَادُهُ بِهِ

بِالْجُمُعَةِ انْعَقَدَتْ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِهَا بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ.

(وَمَنْ زُحِمَ) أَيْ مَنَعَهُ الزِّحَامُ (عَنْ السُّجُودِ) عَلَى أَرْضٍ، أَوْ نَحْوِهَا مَعَ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ مَثَلًا (فَأَمْكَنَهُ) السُّجُودُ عَلَى هَيْئَةِ التَّنْكِيسِ (عَلَى) شَيْءٍ مِنْ (إنْسَانٍ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الرِّضَا بِذَلِكَ وَهُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَإِنْ لَمْ يَخْلُ عَنْ وَقْفَةٍ، أَوْ بَهِيمَةٍ، أَوْ مَتَاعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (فَعَلَ) ذَلِكَ حَتْمًا لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فَلْيَسْجُدْ أَحَدُكُمْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ.
وَصُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ السَّاجِدُ عَلَى شَاخِصٍ وَالْمَسْجُودُ عَلَيْهِ فِي وَهْدَةٍ، وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إنْسَانٌ مِثَالٌ، وَأَنَّ الزَّحْمَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالْجُمُعَةِ بَلْ يَجْرِي فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ كَكَثِيرٍ لَهَا هُنَا؛ لِأَنَّ الزِّحَامَ فِي الْجُمُعَةِ أَغْلَبُ؛ وَلِأَنَّ تَفَارِيعَهَا مُتَشَعِّبَةٌ مُشْكِلَةٌ لِكَوْنِهَا لَا تُدْرَكُ إلَّا بِرَكْعَةٍ مُنْتَظِمَةٍ، أَوْ مُلَفَّقَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي، وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ: لَيْسَ فِي الزَّمَانِ مَنْ يُحِيطُ بِأَطْرَافِهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ كَمَا ذُكِرَ (فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ) تَمَكُّنَهُ مِنْهُ (وَلَا يُومِئُ بِهِ) لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَلَا تَجُوزُ لَهُ الْمُفَارَقَةُ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْجُمُعَةِ قَصْدًا مَعَ تَوَقُّعِ إدْرَاكِهَا لَا وَجْهَ لَهُ كَمَا نَقَلَاهُ عَنْ الْإِمَامِ وَأَقَرَّاهُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَإِنْ ادَّعَى فِي الْمُهِمَّاتِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَإِذَا جَوَّزْنَا لَهُ الْخُرُوجَ وَأَرَادَ أَنْ يُتِمَّهَا ظُهْرًا فَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ الْقَوْلَانِ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْإِمَامُ فِي نِهَايَتِهِ، أَمَّا الْمَزْحُومُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْجُمُعَةِ فَيَسْجُدُ مَتَى تَمَكَّنَ قَبْلَ السَّلَامِ، أَوْ بَعْدَهُ.
لَوْ كَانَ مَسْبُوقًا لَحِقَهُ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنْ تَمَكَّنَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَسَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ وَإِلَّا فَلَا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي.
وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّهُ يُومِئُ أَقْصَى مَا يُمْكِنُهُ كَالْمَرِيضِ لِمَكَانِ الْعُذْرِ، وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ فَلَا يَجُوزُ فِي الْجُمُعَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ) أَيْ غَيْرِ السَّامِعِينَ.
ثُمَّ حَيْثُ انْعَقَدَتْ لِلْمُبَادِرِينَ وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِمْ الِاقْتِدَاءُ بِإِمَامِهِمْ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ انْفِرَادُهُمْ بِإِمَامٍ إلَى إنْشَاءِ جُمُعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى بِدُونِ حَاجَةٍ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُمْ اقْتِدَاءٌ بِهِ فَاتَتْهُمْ الْجُمُعَةُ، وَيُعَزِّرُ الْإِمَامُ ذَلِكَ الْمُبَادِرَ عَلَى تَفْوِيتِهِ الْجُمُعَةَ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ

(قَوْلُهُ: لَا يُشْتَرَطُ الرِّضَا بِذَلِكَ) أَيْ وَهُوَ الرَّاجِحُ (قَوْلُهُ: أَوْ بَهِيمَةٌ أَوْ مَتَاعٌ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ صَاحِبُهُ كَالِاسْتِنَادِ إلَى حَائِطِهِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ الَّذِي يَسْجُدُ عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ عُظَمَاءِ الدُّنْيَا وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ رِضَاهُ بِذَلِكَ، وَرُبَّمَا يَنْشَأُ عَنْهُ شَرٌّ اُتُّجِهَ عَدَمُ اللُّزُومِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: قَدْ تُتَّجَهُ الْحُرْمَةُ (قَوْلُهُ: فَعَلَ ذَلِكَ حَتْمًا) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ إذَا تَلِفَ ضَمِنَهُ وَلَا يَدْخُلُ بِذَلِكَ تَحْتَ يَدِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمَسْجُودُ عَلَيْهِ صَيْدًا وَضَاعَ لَا يَضْمَنُهُ الْمُصَلِّي لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي يَدِهِ (قَوْلُهُ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ) قَالَ حَجّ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الِانْتِظَارُ فِي الِاعْتِدَالِ وَلَا يَضُرُّهُ تَطْوِيلُهُ لِعُذْرِهِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهُ الِانْتِظَارُ جَالِسًا بَعْدَ الِاعْتِدَالِ لَمْ يَجُزْ لَهُ، وَعَلَيْهِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الِاعْتِدَالَ مَحْسُوبٌ لَهُ فَلَزِمَهُ الْبَقَاءُ فِيهِ، بِخِلَافِ ذَلِكَ الْجُلُوسِ فَكَانَ كَالْأَجْنَبِيِّ عَمَّا هُوَ فِيهِ.
نَعَمْ إنْ لَمْ تَكُنْ طَرَأَتْ الزَّحْمَةُ إلَّا بَعْدَ أَنْ جَلَسَ فَيَنْبَغِي انْتِظَارُهُ حِينَئِذٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ حَرَكَةً مِنْ عَوْدِهِ لِلِاعْتِدَالِ اهـ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ أَقَلُّ حَرَكَةً إلَخْ جَوَازُ الْعَوْدِ، وَلَوْ قِيلَ بِعَدَمِ جَوَازِهِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا لِأَنَّ عَوْدَهُ لِمَحَلِّ الِاعْتِدَالِ فِعْلٌ أَجْنَبِيٌّ لَا حُجَّةَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَإِذَا جَوَّزْنَا لَهُ الْخُرُوجَ) عَلَى الْمَرْجُوحِ (قَوْلُهُ: كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي) وَالرَّاجِحُ مِنْهَا عَدَمُ الِانْعِقَادِ (قَوْلُهُ: فِي الثَّانِيَةِ) أَيْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ.

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ تَفَارِيعَهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُدْرَكُ إلَّا بِرَكْعَةٍ، وَالْمُرَادُ الْجُمُعَةُ فِي الزَّحْمَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ إلَّا بِرَكْعَةٍ مُنْتَظِمَةٍ أَوْ مُلَفَّقَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي إذْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالزَّحْمَةِ: أَيْ أَوْ نَحْوِهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلِأَنَّ تَفَارِيعَ الْجُمُعَةِ فِي الزَّحْمَةِ مُتَشَعِّبَةٌ إلَخْ، وَلَوْ عَكَسَ فَقَالَ: وَلِأَنَّ تَفَارِيعَ الزَّحْمَةِ فِي الْجُمُعَةِ إلَخْ لَكَانَ أَوْضَحَ (قَوْلُهُ: وَإِذَا جَوَّزْنَا لَهُ الْخُرُوجَ) أَيْ بِالنِّيَّةِ بِمَعْنَى الْمُفَارَقَةِ بِقَرِينَةِ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: فَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ الْقَوْلَانِ) أَيْ فَتَبْطُلُ هُنَا عَلَى الرَّاجِحِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ

وَضْعِ الْجَبْهَةِ قَدْ عَارَضَهُ وُجُوبُ الْمُتَابَعَةِ، ثُمَّ عَلَى الصَّحِيحِ.

(إنْ) (تَمَكَّنَ) مِنْ السُّجُودِ (قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ) فِي الثَّانِيَةِ: أَيْ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِيهِ (سَجَدَ) تَدَارُكًا لَهُ عِنْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ (فَإِنْ رَفَعَ) مِنْ سُجُودِهِ (وَالْإِمَامُ) بَعْدُ (قَائِمٌ قَرَأَ) مَا أَمْكَنَهُ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ فَهُوَ كَمَسْبُوقٍ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ رَكَعَ إمَامُهُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الْفَاتِحَةَ رَكَعَ مَعَهُ وَلَا يَضُرُّ التَّخَلُّفُ الْمَاضِي؛ لِأَنَّهُ تَخَلَّفَ لِعُذْرٍ (أَوْ) رَفَعَ مِنْ السُّجُودِ وَالْإِمَامُ بَعْدُ (رَاكِعٌ فَالْأَصَحُّ) أَنَّهُ (يَرْكَعُ مَعَهُ وَهُوَ كَمَسْبُوقٍ) بِعَدَمِ إدْرَاكِهِ مَحَلَّ الْقِرَاءَةِ فَيَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ عَنْهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ اطْمَأَنَّ قَبْلَ ارْتِفَاعِ إمَامِهِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ وَإِنْ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ بِهَذَا الرُّكُوعِ وَإِنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ مَعَ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ فَإِنَّهَا مُتَابَعَةٌ فِي حَالِ الْقُدْوَةِ فَلَا يَضُرُّ سَبْقُ الْإِمَامِ الْمَأْمُومَ بِالطُّمَأْنِينَةِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا يَرْكَعُ مَعَهُ لِأَنَّهُ مُؤْتَمٌّ بِهِ؛ بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ؛ بَلْ تَلْزَمُهُ الْقِرَاءَةُ وَيَسْعَى خَلْفَ الْإِمَامِ وَهُوَ مُتَخَلِّفٌ بِعُذْرٍ (فَإِنْ كَانَ إمَامُهُ) حِينَ فَرَاغِهِ (فَرَغَ مِنْ الرُّكُوعِ) فِي الثَّانِيَةِ (وَلَمْ يُسَلِّمْ وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ) كَالْمَسْبُوقِ (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَةً بَعْدَهُ) ؛ لِأَنَّهُ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ كَالْمَسْبُوقِ (وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ سَلَّمَ) قَبْلَ تَمَامِ سُجُودِهِ (فَاتَتْ الْجُمُعَةُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً فَيُتِمُّهَا ظُهْرًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ فَسَلَّمَ الْإِمَامُ فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا جُمُعَةً.

(وَإِنْ) (لَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ) فِي ثَانِيَةِ الْجُمُعَةِ: أَيْ شَرَعَ فِي رُكُوعِهَا (فَفِي قَوْلٍ يُرَاعِي) الْمَزْحُومُ (نَظْمَ) صَلَاةِ (نَفْسِهِ) فَيَسْجُدُ الْآنَ (وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ) لِظَاهِرِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» ؛ وَلِأَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ آكَدُ وَلِهَذَا يَتْبَعُهُ الْمَسْبُوقُ وَيَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ وَالْقِيَامَ (وَيُحْسَبُ رُكُوعُهُ الْأَوَّلُ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ فِي وَقْتِهِ، وَإِنَّمَا أَتَى بِالثَّانِي لِعُذْرٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَالَى بَيْنَ رُكُوعَيْنِ نَاسِيًا، وَقَبْلَ الثَّانِي لِإِفْرَاطِ التَّخَلُّفِ فَكَأَنَّهُ مَسْبُوقٌ لَحِقَ الْآنَ (فَرَكْعَتُهُ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رُكُوعِ) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى وَمِنْ سُجُودِ الثَّانِيَةِ) الَّذِي أَتَى بِهِ فِيهَا (وَتُدْرَكُ بِهَا الْجُمُعَةُ فِي الْأَصَحِّ) لِإِطْلَاقِ خَبَرِ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ إلَيْهَا أُخْرَى» وَهَذَا قَدْ أَدْرَكَ رَكْعَةً وَلَيْسَ التَّلْفِيقُ نَقْصًا فِي الْمَعْذُورِ وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا لِنَقْصِهَا بِالتَّلْفِيقِ، وَصِفَةُ الْكَمَالِ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْجُمُعَةِ.
(فَلَوْ سَجَدَ عَلَى تَرْتِيبِ) نَظْمِ صَلَاةِ (نَفْسِهِ) عَامِدًا (عَالَمًا بِأَنَّ وَاجِبَهُ) أَيْ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ (الْمُتَابَعَةُ) لِإِمَامِهِ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِكَوْنِهِ مُتَلَاعِبًا بِوَضْعِهِ السُّجُودَ مَوْضِعَ الرُّكُوعِ فَيَلْزَمُهُ التَّحَرُّمُ بِالْجُمُعَةِ إنْ أَمْكَنَهُ إدْرَاكُ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَسَكَتَ هُنَا عَنْ حُكْمِ مَا إذَا أَدْرَكَهُ بَعْدَهُ لِعِلْمِهِ مِمَّا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ لُزُومُهُ أَيْضًا، فَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ: بَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُسَلِّمْ الْإِمَامُ إذْ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ مَثَلًا فَيَعُودُ إلَيْهَا هُوَ مُرَادُ الرَّوْضَةِ، وَدَعْوَاهُ أَنَّ عِبَارَتَهَا غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ مَمْنُوعَةٌ (وَإِنْ نَسِيَ ذَلِكَ) الْمَعْلُومَ عِنْدَهُ مِنْ وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ (أَوْ جَهِلَ) حُكْمَ ذَلِكَ وَلَوْ عَامِّيًّا مُخَالِطًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِخَفَائِهِ عَلَى الْعَوَامّ (لَمْ يَحْسِبْ سُجُودَهُ الْأَوَّلَ) وَهُوَ مَا أَتَى بِهِ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ لِإِتْيَانِهِ بِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ،

[حاشية الشبراملسي]

(قَوْلُهُ: حِينَ فَرَاغِهِ) أَيْ فَرَاغِ الْمَأْمُومِ مِنْ السُّجُودِ (قَوْلُهُ: فَسَلَّمَ الْإِمَامُ) أَيْ شَرَعَ فِي السَّلَامِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَفَعَ مُقَارِنًا لَهُ فَلَا يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً قَبْلَ سَلَامِ إمَامِهِ، وَيَحْتَمِلُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ إدْرَاكُهَا؛ لِأَنَّ الْقُدْوَةَ إنَّمَا تَنْقَطِعُ بِالْمِيمِ مِنْ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ رَأَيْت سم عَلَى مَنْهَجٍ نَقَلَ هَذَا الثَّانِيَ عَنْ م ر، وَفِي كَلَامِ حَجّ أَنَّهُ لَوْ قَارَنَ رَفْعَ رَأْسِهِ الْمِيمُ مِنْ عَلَيْكُمْ أَنَّهَا تَفُوتُهُ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَقَضِيَّةُ قَوْلُ شَارِحٍ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ كَمَا رَفَعَ هُوَ مِنْ السُّجُودِ أَنَّهُ تَتِمُّ الْجُمُعَةُ خِلَافُهُ اهـ. وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلَهُ وَقَضِيَّتُهُ إلَخْ قَدْ يَمْنَعُ أَنَّ قَضِيَّتَهُ ذَلِكَ بَلْ عَكْسُهُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَعْنَى وَإِنْ كَانَ سَلَّمَ: وَإِنْ كَانَ تَمَّ سَلَامُهُ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ السُّجُودِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ الْمُرَادُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَإِنْ كَانَ شَرَعَ فِي السَّلَامِ لِاقْتِضَائِهِ الْفَوْتَ بِمُجَرَّدِ الشُّرُوعِ قَبْلَ الْفَرَاغِ وَهُوَ فَاسِدٌ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ وَإِنْ كَانَ تَمَّ سَلَامُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ

(قَوْلُهُ: مَمْنُوعَةٌ) أَيْ بِقَوْلِهِ السَّابِقِ وَسَكَتَ هُنَا عَنْ حُكْمِ مَا إذَا

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَإِنَّمَا لَمْ تَبْطُلْ بِهِ صَلَاتُهُ لِعُذْرِهِ (فَإِذَا سَجَدَ ثَانِيًا) بِأَنْ فَرَغَ مِنْ سَجْدَتَيْهِ فَقَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْهِ وَهُوَ عَلَى نِسْيَانِهِ، أَوْ جَهْلِهِ (حُسِبَ) لَهُ أَيْ السُّجُودُ الثَّانِي، وَتَتِمُّ بِهِ رَكْعَتُهُ لِدُخُولِهِ وَقْتَهُ وَيَلْغُو مَا قَبْلَهُ، فَلَوْ زَالَ جَهْلُهُ، أَوْ نِسْيَانُهُ قَبْلَ سُجُودِهِ ثَانِيًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُتَابِعَ الْإِمَامَ فِيمَا هُوَ فِيهِ كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ: أَيْ فَإِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ السُّجُودَ تَمَّتْ رَكْعَتُهُ.
كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَالْأَصَحُّ إدْرَاكُ الْجُمُعَةِ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ) الْمُلَفَّقَةِ مِنْ رُكُوعِ الْأُولَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ (إذَا كَمُلَتْ السَّجْدَتَانِ) فِيهَا (قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ) وَإِذَا اشْتَمَلَتْ الرَّكْعَةُ عَلَى نُقْصَانَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالتَّلْفِيقِ وَالثَّانِي بِالْقُدْوَةِ الْحُكْمِيَّةِ إذْ لَمْ يُتَابِعْ الْإِمَامَ فِي مَوْضِعِ رَكْعَتَيْهِ مُتَابَعَةً حِسِّيَّةً وَإِنَّمَا سَجَدَ مُتَخَلِّفًا عَنْهُ غَيْرَ أَنَّا أَلْحَقْنَاهُ فِي الْحُكْمِ بِالِاقْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ لِعُذْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَمُلَتَا بَعْدَ سَلَامِهِ فَلَا يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ لِمَا مَرَّ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ بِهَذِهِ، وَمَا بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْسِبْ سُجُودَهُ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ لِكَوْنِ فَرْضِهِ الْمُتَابَعَةَ وَجَبَ أَنْ لَا يُحْسَبَ وَالْإِمَامُ فِي رُكْنٍ بَعْدَ الرُّكُوعِ رَدَّهُ السُّبْكِيُّ وَالْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّا إنَّمَا لَمْ نَحْسِبْ لَهُ سُجُودَهُ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ لِإِمْكَانِ مُتَابَعَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُدْرِكُ الرَّكْعَةَ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُ، فَلَوْ لَمْ نَحْسِبْهُ لَفَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ وَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا فِي عَدَمِ الْمُتَابَعَةِ يَنْتَهِي.
وَزَعَمَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ مَا فِي الْمِنْهَاجِ غَيْرُ مُوَافَقٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَابِعٌ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِ الْمَجْمُوعِ إنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِهِ، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا فِي الْمِنْهَاجِ، وَلِهَذَا قَالَ السُّبْكِيُّ: فَثَبَتَ أَنَّ مَا فِي الْمِنْهَاجِ هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ، وَالْإِسْنَوِيُّ إنَّهُ الْمُتَّجَهُ وَلَوْ لَمْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ السُّجُودِ حَتَّى سَجَدَ إمَامُهُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ سَجَدَ مَعَهُ فِيهَا وَسَجَدَ الْأُخْرَى عَلَى أَوْجَهِ احْتِمَالَيْنِ هُنَا؛ لِأَنَّهُمَا كَرُكْنٍ وَاحِدٍ كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي نَظَائِرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ، فَإِذَا سَلَّمَ بَنِي عَلَى صَلَاتِهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ نَقْلًا عَنْ الزَّرْكَشِيّ إنَّ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ يُؤَدِّي إلَى الْمُخَالَفَةِ وَالثَّانِي إلَى تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ، وَأَيَّدَهُ بِمَا قَدَّمْته عَنْ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيِّ فِي أَوَائِلِ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ، وَقَدَّمْت ثَمَّ إنَّ الْمُخْتَارَ جَوَازُ تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَقَدْ جَوَّزَ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ لِلْمُنْفَرِدِ أَنْ يَقْتَدِيَ فِي اعْتِدَالِهِ بِغَيْرِهِ قَبْلَ رُكُوعِهِ وَيُتَابِعَهُ انْتَهَى.
وَالْمُعْتَمَدُ مَنْعُ ذَلِكَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ

[حاشية الشبراملسي]

أَدْرَكَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ عَلَى نِسْيَانِهِ أَوْ جَهْلِهِ) عِبَارَةُ حَجّ بَعْدَ مُضِيِّ مَا ذَكَرَ: أَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ بِأَنْ تَذَكَّرَ أَوْ عَلِمَ الْإِمَامُ فِي التَّشَهُّدِ حَالَ قِيَامِهِ مِنْ سُجُودِهِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ حُسِبَ لَهُ.
. إلَخْ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا كَمُلَتَا) أَيْ السَّجْدَتَانِ (قَوْلُهُ: حَالَ إذَا سَجَدَ إمَامُهُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ) أَيْ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجْلِسَ) أَيْ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ أَنَّ السَّبْقَ بِرُكْنٍ لَا يَضُرُّ (قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ مَنْعُ ذَلِكَ) أَيْ مَنْعُ مَا ذُكِرَ مِنْ السُّجُودِ، وَعَلَيْهِ فَيَنْتَظِرُ فِي السَّجْدَةِ الَّتِي أَدْرَكَهَا مَعَ الْإِمَامِ إلَى أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ إنْ كَانَ أَدْرَكَ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى تَمَّتْ جُمُعَتُهُ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ: مَا أَمْكَنَهُ) الْأَوْلَى إسْقَاطُهُ لِيَظْهَرَ مَوْقِعُ مَا بَعْدَهُ.

(قَوْلُهُ: كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ إلَخْ) عِبَارَةُ الشِّهَابِ حَجّ مَعَ الْمَتْنِ: وَإِذَا سَجَدَ ثَانِيًا بِأَنْ اسْتَمَرَّ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا فَفَرَغَ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ وَاعْتَدَلَ وَسَجَدَ أَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ بِأَنْ تَذَكَّرَ أَوْ عَلِمَ وَالْإِمَامُ فِي التَّشَهُّدِ حَالَ قِيَامِهِ مِنْ سُجُودِهِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ حُسِبَ لَهُ مَا أَتَى بِهِ وَتَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ الْأُولَى لِدُخُولِ وَقْتِهِ وَأَلْغَى مَا قَبْلَهُ وَالْأَصَحُّ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّيْخُ نَقْلًا عَنْ الزَّرْكَشِيّ إلَخْ) عِبَارَةُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بَعْدَ ذِكْرِ الِاحْتِمَالَيْنِ نَصُّهَا: ذَكَرَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ ثُمَّ قَالَ: وَالْمُتَّجِهُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُهُ سَاجِدًا حَتَّى يُسَلِّمَ فَيَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ،؛ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ يُؤَدِّي إلَى الْمُخَالَفَةِ وَالثَّانِي إلَى تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ، وَأَيَّدَهُ بِمَا قَدَّمْته إلَخْ، فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَأَيَّدَهُ رَاجِعٌ إلَى الِاحْتِمَالِ الَّذِي أَبْدَاهُ الزَّرْكَشِيُّ بِقَوْلِهِ وَالْمُتَّجَهُ إلَخْ، فَلَعَلَّ فِي نُسَخِ الشَّارِحِ سَقْطًا فَلْتُرَاجَعْ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ (قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ مَنْعُ ذَلِكَ) أَيْ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي الَّذِي أَبْدَاهُ الشَّيْخُ وَهُوَ الْجُلُوسُ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَا يَحْتَمِلُ كَلَامُ الشَّارِحِ غَيْرَهُ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ، وَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ مَا فِيهَا مَعَ قَوْلِ الشَّارِحِ

عَنْ الدَّارِمِيِّ وَغَيْرِهِ وَاضِحٌ، فَإِنَّهُ بِاقْتِدَائِهِ بِهِ صَارَ اللَّازِمُ لَهُ مُرَاعَاةَ تَرْتِيبِ صَلَاةِ إمَامِهِ وَلَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ السُّجُودِ حَتَّى تَشَهَّدَ الْإِمَامُ سَجَدَ، فَإِنْ فَرَغَ مِنْ السُّجُودِ وَلَوْ بِالرَّفْعِ مِنْهُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَدِلْ حَصَلَتْ لَهُ رَكْعَةٌ وَأَدْرَكَ الْجُمُعَةَ، وَإِنْ رَفَعَ مِنْهُ بَعْدَ سَلَامِهِ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَيُتِمُّهَا ظُهْرًا، وَكَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ التَّتِمَّةِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي التَّتِمَّةِ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَجْرِي عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُتَابِعُهُ فَلَا يَسْجُدُ بَلْ يَجْلِسُ مَعَهُ، ثُمَّ بَعْدَ سَلَامِهِ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا.
وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُتَابِعُهُ وَيُوَجَّهُ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ السُّبْكِيّ وَالْإِسْنَوِيِّ فِي نَظِيرِهَا وَهُوَ أَنَّا لَوْ لَمْ نُجَوِّزْ لَهُ السُّجُودَ حِينَئِذٍ لَفَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ وَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا فِي عَدَمِ الْمُتَابَعَةِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالْعُذْرِ مِنْ تِلْكَ؛ لِأَنَّ ذَاكَ مُقَصِّرٌ بِخِلَافِ هَذَا.

، ثُمَّ جَمِيعُ مَا مَرَّ مِنْ تَخَلُّفِهِ لِزَحْمَةٍ أَمَّا تَخَلُّفُهُ لِغَيْرِهَا فَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ) (تَخَلَّفَ بِالسُّجُودِ) فِي الْأُولَى (نَاسِيًا) لِلسُّجُودِ (حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ لِلثَّانِيَةِ) فَذَكَرَهُ (رَكَعَ مَعَهُ حَتْمًا عَلَى الْمَذْهَبِ) وَحَصَلَ لَهُ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ وَسَقَطَ الْبَاقِي مِنْهُمَا، وَالثَّانِي يُرَاعِي نَظْمَ صَلَاةِ نَفْسِهِ كَالْمَزْحُومِ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلُ بِتَقْصِيرِهِ بِالنِّسْيَانِ وَالتَّخَلُّفِ لِمَرَضٍ كَتَخَلُّفِهِ لِلنِّسْيَانِ فِيمَا ذُكِرَ.
.

[بَابٌ كَيْفِيَّةُ صَلَاةِ الْخَوْفِ]

[النَّوْعُ الْأَوَّلِ كَوْنُ الْعَدُوِّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ]

(بَابٌ) كَيْفِيَّةُ (صَلَاةِ الْخَوْفِ) وَهُوَ لُغَةً ضِدُّ الْأَمْنِ، وَحُكْمُ صَلَاتِهِ كَصَلَاةِ الْأَمْنِ، وَإِنَّمَا أُفْرِدَ بِبَابٍ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَهُ مَا لَا يُحْتَمَلُ

[حاشية الشبراملسي]

رَكْعَةً، هَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِمَّا ذُكِرَ، لَكِنَّهُ يُشْكِلُ عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِيمَا لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ السُّجُودِ فِي تَشَهُّدِ الْإِمَامِ مِنْ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ، فَالْأَوْلَى جَعْلُ الْإِشَارَةِ رَاجِعَةً لِتَطْوِيلِ الْجُلُوسِ، وَعَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ بَلْ الْمَسْأَلَتَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ (قَوْلُهُ: وَإِنْ رَفَعَ مِنْهُ بَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ فَرَاغِهِ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَفَعَ مُقَارِنًا لِسَلَامِهِ فَإِنَّهَا تَحْصُلُ لَهُ (قَوْلُهُ: فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ) مُعْتَمَدٌ.

(بَابٌ صَلَاةُ الْخَوْفِ) . (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا أَفْرَدَ بِبَابٍ) أَيْ الْخَوْفِ أَيْ صَلَاتِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ فِي الصَّلَاةِ) شَمَلَ تَعْبِيرُهُ بِالصَّلَاةِ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ، وَسَيَأْتِي لَهُ التَّصْرِيحُ بِهِ عَلَى تَفْصِيلٍ لَا مُطْلَقًا بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الْكَيْفِيَّةِ الرَّابِعَةِ وَغَرِيمٍ عِنْدَ الْإِعْسَارِ إلَخْ، وَعِبَارَةُ حَجّ هُنَا: وَتَعْبِيرُهُمْ بِالْفَرْضِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَإِلَّا فَلَوْ صَلَّوْا فِيهِ عِيدًا مَثَلًا جَازَ فِيهِ الْكَيْفِيَّاتُ الْآتِيَةُ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الرَّابِعَةِ مِنْ جَوَازِ نَحْوِ عِيدٍ وَكُسُوفٍ لَا اسْتِسْقَاءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ، وَحِينَئِذٍ فَيُحْتَمَلُ اسْتِثْنَاؤُهُ أَيْضًا مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ، وَيُحْتَمَلُ الْعُمُومُ؛ لِأَنَّ الرَّابِعَةَ يُحْتَاطُ لَهَا لِمَا فِيهَا مِنْ كَثْرَةِ الْمُبْطِلَاتِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهَا اهـ. وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ إلَخْ، قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَمِنْ ذَلِكَ يُؤْخَذُ أَنَّهَا تُشْرَعُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَيْضًا كَسُنَّةِ الْفَرِيضَةِ وَالتَّرَاوِيحِ، وَأَنَّهَا لَا تُشْرَعُ فِي الْفَائِتَةِ بِعُذْرٍ إلَّا إذَا خِيفَ فَوْتُهَا بِالْمَوْتِ اهـ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّهَا لَا تُشْرَعُ فِي النَّفْلِ

[حاشية الرشيدي]

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَنْ الدَّارِمِيِّ إلَخْ (قَوْلُهُ: يَصِيرُ اللَّازِمُ لَهُ مُرَاعَاةَ تَرْتِيبِ صَلَاةِ إمَامِهِ) اُنْظُرْ هَلْ يَنْقَلِبُ هَذَا الِاعْتِدَالُ قِيَامًا وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِيهِ وَلَوْ فَارَقَ فِيهِ الْإِمَامُ بَعْدُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الرُّكُوعِ لِإِلْغَائِهِ أَوْ يَبْقَى عَلَى مَنْ الِاعْتِدَالُ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضِدُّ مَا ذُكِرَ.
ظَاهِرُ تَعْبِيرِ الشَّارِحِ بِتَرْتِيبِ صَلَاةِ الْإِمَامِ يُشْعِرُ بِالْأَوَّلِ، وَظَاهِرُ اسْتِشْهَادِ الشَّيْخِ بِهِ لِمَا اخْتَارَهُ يُشْعِرُ بِالثَّانِي فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَنَبَّهَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ) الْبَاءُ فِيهِ بِمَعْنَى عَلَى

(بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ)

فِيهَا عِنْدَ غَيْرِهِ، وَيَتْبَعُهُ بَيَانُ حُكْمِ اللِّبَاسِ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي السُّنَّةِ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْهَا الْأَنْوَاعَ الْأَرْبَعَةَ الْآتِيَةَ، وَدَعْوَى الْمُزَنِيّ نَسْخَ آيَتِهَا وَهِيَ ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: 102] لِتَرْكِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ مَرْدُودَةٌ بِتَأَخُّرِ نُزُولِهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَقِيلَ خَمْسٍ وَهِيَ نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ،

[حاشية الشبراملسي]

الْمُطْلَقِ اهـ. وَعَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَأْتِي فِيمَا لَمْ تُفْعَلْ جَمَاعَةً كَالرَّوَاتِبِ، بَلْ وَالْمَكْتُوبَاتِ إذَا صُلِّيَتْ فُرَادَى إلَّا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ دُونَ غَيْرِهَا لِعَدَمِ تَأَتِّي صِفَتِهَا مِنْ التَّفْرِيقِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ إنْ أَمْكَنَهُمْ التَّنَاوُبُ بِأَنْ تُصَلِّيَ كُلُّ جَمَاعَةٍ وُحْدَانًا مَعَ حِرَاسَةِ غَيْرِهِمْ فَعَلُوا وَإِلَّا صَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، ثُمَّ تَقْيِيدُهُ الْفَائِتَةَ بِالْعُذْرِ يُفْهِمُ أَنَّ الْفَائِتَةَ بِغَيْرِ عُذْرٍ تُفْعَلُ فِي الْخَوْفِ.
وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهَا لَا تَفُوتُ أَيْضًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ مَأْمُورًا بِالْمُبَادَرَةِ إلَى فِعْلِهَا خُرُوجًا مِنْ الْمَعْصِيَةِ رُخِّصَ فِي فِعْلِهَا مُسَارَعَةً لِلتَّخَلُّصِ مِنْ الْإِثْمِ، ثُمَّ رَأَيْت وَالِدَ الشَّارِحِ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: وَيَتْبَعُهُ بَيَانُ حُكْمِ اللِّبَاسِ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ نَحْوِ الِاسْتِصْبَاحِ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ جَاءَتْ فِي السُّنَّةِ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا) عِبَارَةُ حَجّ تَبْلُغُ سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا بَعْضُهَا فِي الْأَحَادِيثِ وَبَعْضُهَا فِي الْقُرْآنِ، وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْهَا الثَّلَاثَةَ الْآتِيَةَ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ وَأَقَلُّ تَغْيِيرًا وَذَكَرَ الرَّابِعَ الْآتِيَ لِمَجِيءِ الْقُرْآنِ بِهِ اهـ. وَهُوَ مُخَالِفٌ كَمَا تَرَى لِقَوْلِ الشَّارِحِ جَاءَتْ فِي السُّنَّةِ إلَخْ، فَلْيُرَاجَعْ فَإِنَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الرَّابِعَ مِنْ السِّتَّةَ عَشَرَ.
وَفِي حَجّ أَيْضًا بَعْدَ قَوْلِهِ لِمَجِيءِ الْقُرْآنِ بِهِ: تَنْبِيهٌ: هَذَا الِاخْتِيَارُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَ مَا عَدَا تِلْكَ الثَّلَاثَةِ لَا عُذْرَ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَقَدْ جَاءَتْ فِي السُّنَّةِ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ هِيَ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ، ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَابِعَهَا وَجَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَاخْتَارَ بَقِيَّتَهَا مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا مَذْكُورَةٍ فِي الْأَخْبَارِ وَبَعْضُهَا فِي الْقُرْآنِ انْتَهَتْ، وَمِثْلُهَا فِي التُّحْفَةِ.
وَقَوْلُهُ: ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَابِعَهَا: أَيْ أَضَافَهُ فِي الذِّكْرِ لِمَا اخْتَارَهُ مِمَّا نُقِلَ عَنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَخْبَارِ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَهُ.
وَقَوْلُهُ: وَبَعْضُهَا فِي الْقُرْآنِ: يَعْنِي صَلَاةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: 102] الْآيَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى اخْتِيَارِ الشَّافِعِيِّ لِهَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ قَصَرَ كَلَامَهُ عَلَيْهَا وَبَيَّنَ أَحْكَامَهَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْكَلَامِ عَلَى غَيْرِهَا، لَا لِبُطْلَانِهِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ بِهِ الْحَدِيثُ بَلْ لِقِلَّةِ مَا فِيهَا مِنْ الْمُبْطِلَاتِ وَلِإِغْنَائِهَا عَنْ الْبَاقِيَاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَحَادِيثُهَا لَمْ تُنْقَلْ لِلشَّافِعِيِّ، إذْ ذَاكَ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ، فَكَمْ مِنْ أَحَادِيثَ لَمْ تَسْتَقِرَّ صِحَّتُهَا إلَّا بَعْدَ عَصْرِ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَحَادِيثُ إذْ ذَاكَ إنَّمَا كَانَتْ تُتَلَقَّى مِنْ أَفْوَاهِ الرُّوَاةِ لَا مِنْ الْكُتُبِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي، خَشْيَةَ أَنْ تَسْتَقِرَّ صِحَّةُ حَدِيثٍ عَلَى خِلَافِ حُكْمٍ ذَهَبَ إلَيْهِ.
وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ يَقُولُ: لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا صَحِيحًا.
اهـ. مَعَ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ صَاحِبُ الْبَاعِ الْأَطْوَلِ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ كَمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُمَارَسَةٍ بِذَلِكَ الْعِلْمِ، وَبِذَلِكَ يَسْقُطُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ أَحَادِيثَهَا صَحِيحَةٌ لَا عُذْرَ لِلشَّافِعِيِّ فِيهَا.
وَوَجْهُ سُقُوطِهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهَا فِي نَفْسِهَا وُصُولُهَا إلَيْهِ بِطُرُقٍ صَحِيحَةٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ اطَّلَعَ فِيهَا عَلَى قَادِحٍ فَتَأَمَّلْ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى حِدَتِهِ كَافٍ فِي دَفْعِ هَذَا التَّشْنِيعِ عَلَى عَالِمِ قُرَيْشٍ مَنْ مَلَأَ طِبَاقَ الْأَرْضِ عِلْمًا رَضِي اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنَّا بِهِ مِمَّا فَتَحَ اللَّهُ بِهِ عَلَى أَضْعَفِ عِبَادِهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَدَعْوَى الْمُزَنِيّ نَسْخَ آيَتِهَا وَهِيَ ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: 102] إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي خُصُوصِ نَوْعٍ مِنْ جُمْلَةِ الْأَنْوَاعِ، وَبَقِيَّةُ الْأَنْوَاعِ جَاءَتْ بِهَا الْأَخْبَارُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَسْخِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ بِفَرْضِهِ نَسْخُ صَلَاةِ الْخَوْفِ مِنْ أَصْلِهَا مَعَ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُزَنِيّ إنَّمَا هُوَ نَسْخُ صَلَاةِ الْخَوْفِ مِنْ أَصْلِهَا.
وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ: وَقَالَ الْمُزَنِيّ صَلَاةُ الْخَوْفِ مَنْسُوخَةٌ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّهَا بَاقِيَةٌ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ إلَخْ.

وَتَجُوزُ فِي الْحَضَرِ أَيْضًا وَقَدْ أَشَارَ لِأَنْوَاعِهَا بِقَوْلِهِ (هِيَ أَنْوَاعٌ) أَرْبَعَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ اشْتَدَّ الْخَوْفُ فَالرَّابِعُ أَوَّلًا وَالْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَالْأَوَّلُ، أَوْ فِي غَيْرِهَا فَالْآخَرَانِ (الْأَوَّلُ) مِنْ الصَّلَاةِ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ (يَكُونُ) أَيْ كَوْنٌ عَلَى حَدِّ: تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ أَنْ تَرَاهُ، فَانْدَفَعَ مَا لِبَعْضِ الشُّرَّاحِ هُنَا (الْعَدُوُّ فِي) جِهَةِ (الْقِبْلَةِ) وَلَا سَاتِرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ وَفِي الْمُسْلِمِينَ كَثْرَةٌ بِحَيْثُ تُقَاوِمُ كُلُّ فِرْقَةٍ الْعَدُوَّ (فَيُرَتِّبُ الْإِمَامُ الْقَوْمَ صَفَّيْنِ) فَأَكْثَرَ (وَيُصَلِّي بِهِمْ) جَمِيعًا إلَى اعْتِدَالِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى إذْ الْحِرَاسَةُ الْآتِيَةُ مَحِلُّهَا الِاعْتِدَالُ لَا الرُّكُوعُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ (فَإِذَا سَجَدَ) الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَجَدَ مَعَهُ صَفٌّ (سَجْدَتَيْهِ وَحَرَسَ) حِينَئِذٍ (صَفٌّ) آخَرُ فِي الِاعْتِدَالِ الْمَذْكُورِ (فَإِذَا قَامُوا) أَيْ الْإِمَامُ وَمَنْ سَجَدَ مَعَهُ

[حاشية الشبراملسي]

فِي مُخَالَفَتِهَا مَعَ صِحَّتِهَا وَإِنْ كَثُرَ تَغْيِيرُهَا، وَكَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ الْكَثْرَةُ الَّتِي صَحَّ فِعْلُهَا عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ نَاسِخٍ لَهَا مُقْتَضِيَةً لِلْإِبْطَالِ، وَلَوْ جُعِلَتْ مُقْتَضِيَةً لِلْمَفْضُولِيَّةِ لَاتُّجِهَ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ مَا تَشَيَّدَ بِهِ فَخْرُهُ مِنْ قَوْلِهِ إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي وَاضْرَبُوا بِقَوْلِي الْحَائِطَ، وَهُوَ وَإِنْ أَرَادَ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ، لَكِنَّ مَا ذُكِرَ لَا يَصِحُّ مُعَارِضًا كَمَا يُعْرَفُ مِنْ قَوَاعِدِهِ فِي الْأُصُولِ فَتَأَمَّلْهُ اهـ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كَالشَّارِحِ أَنَّ مَنْ تَتَبَّعَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَعَرَفَ كَيْفِيَّةً مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ السِّتَّةَ عَشَرَ جَازَ لَهُ صَلَاتُهَا بِتِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، لَكِنْ نُقِلَ عَنْ م ر خِلَافُهُ وَفِيهِ وَقْفَةٌ وَالْأَقْرَبُ مَا قُلْنَاهُ (قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ فِي الْحَضَرِ أَيْضًا) أَيْ بِأَنْ دَهَمَ الْمُسْلِمِينَ الْعَدُوُّ بِبِلَادِهِمْ، أَمَّا فِي الْأَمْنِ فَلَا تَجُوزُ لَهُمْ صَلَاةُ عُسْفَانَ لِمَا فِيهَا مِنْ التَّخَلُّفِ الْفَاحِشِ، وَتَجُوزُ صَلَاةُ بَطْنِ نَخْلٍ وَذَاتِ الرِّقَاعِ إذَا نَوَتْ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ الْمُفَارَقَةَ كَالْأُولَى (قَوْلُهُ يَكُونُ أَيْ كَوْنُ) وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ فِي الْكَلَامِ لِيَصِحَّ الْحَمْلُ: أَيْ ذُو كَوْنٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: عَلَى حَدِّ تَسْمَعُ) أَيْ وَإِنْ كَانَ شَاذًّا سَمَاعِيًّا عَلَى خِلَافٍ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَفِي الْمُسْلِمِينَ كَثْرَةٌ) عِبَارَةُ الْعُبَابِ: وَشَرْطُ هَذِهِ كَثْرَةُ الْمُسْلِمِينَ وَكَوْنُ الْعَدُوِّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ مَرْئِيًّا اهـ. وَالْمُتَبَادِرُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ شَرْطُ الْجَوَازِ فَحَرِّرْهُ، ثُمَّ رَأَيْت م ر يُوَافِقُ عَلَى كَوْنِهَا شُرُوطَ الْجَوَازِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ: أَيْ فَبِدُونِهِ يَحْرُمُ وَلَا يَصِحُّ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ عَمِيرَةَ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ سم أَنَّ مَحَلَّ سُنِّيَّتِهَا أَوْ صِحَّتِهَا عَلَى مَا قِيلَ إذَا كَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ كَثْرَةٌ وَكَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ عَلَى حَجّ يَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَوَازِ الْحِلُّ وَالصِّحَّةُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِيهَا تَغْيِيرًا مُبْطِلًا فِي حَالِ الْأَمْنِ وَهُوَ التَّخَلُّفُ بِالسُّجُودَيْنِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا اهـ. لَكِنْ يُشْكِلُ كَوْنُ الْكَثْرَةِ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ هُنَا مَعَ كَوْنِهَا شَرْطًا لِلنَّدَبِ فِيمَا يَأْتِي اهـ لَهُ عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي: أَيْ فِي صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ لِلْفَرْقِ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ: وَيُفَارِقُ صَلَاةَ عُسْفَانَ بِجَوَازِهَا فِي الْأَمْنِ لِغَيْرِ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ (قَوْلُهُ: فَيُرَتِّبُ الْإِمَامُ الْقَوْمَ صَفَّيْنِ) قَالَ فِي الْإِيعَابِ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ مَنْ يَسْجُدُ مَعَهُ وَمَنْ يَتَخَلَّفُ لِلْحِرَاسَةِ حَتَّى لَا يَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ اهـ: أَيْ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ طَلَبَ مِنْهُمْ ذَلِكَ، وَلَوْ اخْتَلَفُوا بِأَنْ سَجَدَ بَعْضُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْأُولَى وَبَعْضُ الثَّانِي وَالْبَعْضُ الْبَاقِي مِنْ الصَّفَّيْنِ فِي الثَّانِيَةِ اعْتَدَّ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَحَرَسَ) أَيْ نَاظِرًا لِلْعَدُوِّ فِيمَا يَظْهَرُ لَا لِمَوْضِعِ سُجُودِهِ (قَوْلُهُ: فِي الِاعْتِدَالِ الْمَذْكُورِ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُمْ لَوْ أَرَادُوا أَنْ يَجْلِسُوا وَيَحْرُسُوا وَهُمْ جَالِسُونَ امْتَنَعَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَارِدُ وَفِي جُلُوسِهِمْ إحْدَاثُ صُورَةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إنْ كَانُوا عَالِمِينَ بِذَلِكَ، فَلَوْ جَلَسُوا جَهْلًا أَوْ سَهْوًا فَهَلْ يُدِيمُونَ الْجُلُوسَ أَوْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمْ كَلَا فِعْلٍ، فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ.
وَكَذَا لَوْ هَوَوْا بِقَصْدِ السُّجُودِ نَاوِينَ الْحِرَاسَةَ فِيمَا بَعْدَ تِلْكَ الرَّكْعَةِ فَعَرَضَ مَا يَمْنَعُهُمْ مِنْهُ كَسَبْقِ غَيْرِهِمْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ مَأْذُونٌ لَهُمْ فِي الْهَوِيِّ وَإِرَادَةُ الْحِرَاسَةِ عَارِضَةٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَخَلَّفُوا لِلزَّحْمَةِ، لَكِنَّهَا إنَّمَا عَرَضَتْ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: مِنْ الصَّلَاةِ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ الْكَتَبَةِ لَفْظُ الْأَنْوَاعِ بَعْدَ مِنْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صَنِيعُهُ يَأْتِي فِي بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ أَوْ أَنَّ مِنْ زَائِدَةٌ

(سَجَدَ مَنْ حَرَسَ) فِيهَا (وَلَحِقُوهُ وَسَجَدَ مَعَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ مَنْ حَرَسَ أَوَّلًا وَحَرَسَ الْآخَرُونَ) أَيْ الْفِرْقَةُ الَّتِي سَجَدَتْ مَعَ الْإِمَامِ (فَإِذَا جَلَسَ) الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ (سَجَدَ مَنْ حَرَسَ) فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (وَتَشَهَّدَ) الْإِمَامُ (بِالصَّفَّيْنِ وَسَلَّمَ) بِهِمْ (وَهَذِهِ) الْكَيْفِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ (صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ صِفَةُ صَلَاتِهِ (بِعُسْفَانَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ بِقُرْبِ خُلَيْصٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ أَرْبَعَةُ بُرْدٍ، سُمِّيَتْ بِهِ لِعَسْفِ السُّيُولِ بِهَا.
وَعِبَارَتُهُ كَغَيْرِهِ صَادِقَةٌ بِأَنْ يَسْجُدَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالثَّانِي فِي الثَّانِيَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا بِمَكَانِهِ أَوْ تَحَوَّلَ بِمَكَانٍ آخَرَ، وَبِعَكْسِ ذَلِكَ فَهِيَ أَرْبَعُ كَيْفِيَّاتٍ وَكُلُّهَا جَائِزَةٌ.
نَعَمْ إنْ كَثُرَتْ أَفْعَالُهُمْ فِي التَّحَوُّلِ ضَرَّ.
وَالْأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ، وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي الَّذِي حَرَسَ أَوَّلًا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لِيَسْجُدَ وَيَتَأَخَّرَ الَّذِي سَجَدَ أَوَّلًا لِيَحْرُسَ وَلَمْ يَمْشِ كُلٌّ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِنْ خُطْوَتَيْنِ، وَذَلِكَ لِجَمْعِهِ بَيْنَ تَقَدُّمِ الْأَفْضَلِ وَهُوَ الْأَوَّلُ لِسُجُودِهِ مَعَ الْإِمَامِ وَجَبْرِ الثَّانِي بِتَحَوُّلِهِ مَكَانَ الْأَوَّلِ، وَيَنْفُذُ كُلُّ وَاحِدٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَإِنْ مَشَى أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ خُطْوَتَيْنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (وَ) لَهُ أَنْ يُرَتِّبَهُمْ صُفُوفًا، ثُمَّ يَحْرُسَ صَفَّانِ بَلْ (لَوْ حَرَسَ) بَعْضُ كُلِّ صَفٍّ بِالْمُنَاوَبَةِ، أَوْ حَرَسَ (فِيهِمَا) أَيْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ (فِرْقَتَا صَفٍّ) عَلَى الْمُنَاوَبَةِ وَدَامَ غَيْرُهُمَا عَلَى الْمُتَابَعَةِ (جَازَ) لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْحَارِسَةُ مُقَاوِمَةً لِلْعَدُوِّ حَتَّى لَوْ كَانَ الْحَارِسُ وَاحِدًا اشْتَرَطَ أَنْ لَا يَزِيدَ الْكُفَّارُ عَلَى اثْنَيْنِ (وَكَذَا) يَجُوزُ لَوْ حَرَسَ فِيهِمَا (فِرْقَةٌ) وَاحِدَةٌ وَلَوْ وَاحِدًا (فِي الْأَصَحِّ) الْمَنْصُوصِ لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِكُلِّ ذَلِكَ مَعَ قِيَامِ الْعُذْرِ، لَكِنَّ الْمُنَاوَبَةُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهَا الثَّابِتَةُ

[حاشية الشبراملسي]

لَهُمْ بَعْدَ الْجُلُوسِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الْعَوْدُ كَمَا قَالَهُ حَجّ، وَيَحْتَمِلُ جَوَازَ الْعَوْدِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي مَنْعِهِمْ الْعَدُوَّ مِنْهُ فِي جُلُوسِهِمْ، وَبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَمَا فِي الزَّحْمَةِ (قَوْلُهُ: سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَلَحِقُوهُ) يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: يَأْتِي هُنَا مَا قِيلَ فِي مَسْأَلَةِ الزَّحْمَةِ لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مَعَهُ بَعْدَ السُّجُودِ فَيَكُونُونَ كَالْمَسْبُوقِينَ، ثُمَّ رَأَيْت فِي مَتْنِ الرَّوْضِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ذَلِكَ، وَعِبَارَتُهُ فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ وَبَعْدَ مَجِيئِهِمْ: أَيْ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ يَقْرَأُ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ قَصِيرَةٍ وَيَرْكَعُ بِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَظِرْهُمْ وَأَدْرَكُوهُ فِي الرُّكُوعِ أَدْرَكُوهَا كَالْمَسْبُوقِ اهـ. فَقَوْلُهُ كَالْمَسْبُوقِ يُشْعِرُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ (قَوْلُهُ: فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) أَيْ بَعْدَ تَقَدُّمِهِ وَتَأَخُّرِ الْأَوَّلِ وَهَلْ تَفُوتُ فَضِيلَةُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ بِتَأَخُّرِهِ وَتَقَدُّمِ الْآخَرِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا تَفُوتُ فِيمَا تَأَخَّرَ فِيهِ، وَتَحْصُلُ لِلْمُتَقَدِّمِ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ وَلَا مَانِعَ مِنْ حُصُولِ ثَوَابٍ لَهُ عَلَى التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ مِنْ حَيْثُ الِامْتِثَالُ يُسَاوِي فَضِيلَةَ الصَّفَّ الْأَوَّلِ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: لِعَسْفِ السُّيُولِ بِهَا) قَالَ عَمِيرَةُ: فَسَّرَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِتَسَلُّطِهَا عَلَيْهَا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ كَثُرَتْ أَفْعَالُهُمْ فِي التَّحَوُّلِ ضَرَّ) قَدْ يُسْتَشْكَلُ اشْتِرَاطُ عَدَمِ كَثْرَةِ الْأَفْعَالِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي رَوَاهَا ابْنُ عُمَرَ فِي صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَإِنَّهُ اُغْتُفِرَ فِيهَا الْأَفْعَالُ الْكَثِيرَةُ الْمُتَوَالِيَةُ كَمَا يُعْلَمُ بِتَصَوُّرِ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُ الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ إلَّا مَا أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ وَلَمْ يَثْبُتْ الْإِذْنُ هُنَا لِخِلَافِهِ هُنَاكَ، وَبِأَنَّ مِنْ شَأْنِ تَقَدُّمِ أَحَدِ الصَّفَّيْنِ إلَى مَكَانِ الْآخَرِ وَتَأَخُّرِ أَحَدِهِمَا إلَى مَكَانِ الْآخَرِ عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَوَالِيَةِ لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا عَادَةً وَشَرْعًا، وَلَا كَذَلِكَ مَجِيءُ أَحَدِ الصَّفَّيْنِ مِنْ تُجَاهِ الْعَدُوِّ إلَى مَكَانِ الصَّلَاةِ أَوْ ذَهَابُهُ مِنْ مَكَانِ الصَّلَاةِ إلَى تُجَاهِ الْعَدُوِّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ لِجَمْعِهِ) أَيْ هَذَا الْفِعْلِ (قَوْلُهُ: وَيَسْهُلُ وَحَالَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ) وَيَنْبَغِي مُرَاعَاةُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِأَنْ يَقِفُوا عَلَى حَالَةٍ يَسْهُلُ مَعَهَا مَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْحَارِسَةُ) أَيْ لِلْجَوَازِ وَالصِّحَّةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ وَاحِدًا) أَيْ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ اثْنَيْنِ فَقَطْ كَمَا يُؤْخَذُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: كُلُّ صَفٍّ بِالْمُنَاوَبَةِ) هَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يَحْرُسُ بَعْضَ هَذَا وَبَعْضَ هَذَا مَعًا أَوْ أَنَّهُ فِي رَكْعَةٍ يَحْرُسُ

فِي الْخَبَرِ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ الْحِرَاسَةُ بِالسُّجُودِ دُونَ الرُّكُوعِ لِأَنَّ الرَّاكِعَ تُمْكِنُهُ الْمُشَاهَدَةُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَأَنْ يَحْرُسَ أَقَلُّ مِنْهَا، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ هَذِهِ الْفِرْقَةِ لِزِيَادَةِ التَّخَلُّفِ فِيهَا عَلَى مَا فِي الْخَبَرِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ لِتَعَدُّدِ الرَّكْعَةِ غَيْرُ مُضِرَّةٍ.

الثَّانِي مِنْ الْأَنْوَاعِ مَا يُذْكَرُ فِي قَوْلِهِ (يَكُونُ) الْعَدُوُّ (فِي غَيْرِهَا) أَيْ الْقِبْلَةِ أَوْ فِيهَا وَدُونَهُمْ حَائِلٌ وَفِي الْمُسْلِمِينَ كَثْرَةٌ وَقَدْ قَلَّ عَدُوُّهُمْ وَخَافُوا هُجُومَهُمْ مَثَلًا فِي الصَّلَاةِ فَيُرَتِّبُ الْإِمَامُ الْقَوْمَ صَفَّيْنِ (فَيُصَلِّي) الْإِمَامُ بِهِمْ (مَرَّتَيْنِ كُلُّ مَرَّةٍ بِفِرْقَةٍ) جَمِيعَ الصَّلَاةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ الصَّلَاةُ ثُنَائِيَّةً أَمْ ثُلَاثِيَّةً أَمْ رُبَاعِيَّةً، وَتَكُونُ الْفِرْقَةُ الْأُخْرَى تُجَاهَ الْعَدُوِّ تَحْرُسُ، ثُمَّ تَذْهَبُ الْمُصَلِّيَةُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الْفِرْقَةُ الْحَارِسَةُ فَيُصَلِّي بِهَا مَرَّةً أُخْرَى جَمِيعَ الصَّلَاةِ وَتَكُونُ الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ لِلْإِمَامِ نَفْلًا لِسُقُوطِ فَرْضِهِ بِالْأُولَى (وَهَذِهِ) (صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ صِفَةُ صَلَاتِهِ (بِبَطْنِ نَخْلٍ) مَكَانٌ مِنْ نَجْدٍ بِأَرْضِ غَطَفَانَ، وَقَوْلُهُمْ يُسَنُّ لِلْمُفْتَرِضِ أَنْ لَا يَقْتَدِيَ بِالْمُتَنَفِّلِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ مَحَلُّهُ فِي الْأَمْنِ.
أَمَّا حَالَةُ الْخَوْفِ كَهَذِهِ الصُّورَةِ فَيُسْتَحَبُّ كَمَا ذَكَرَاهُ؛ لِأَنَّا فِي حَالَةِ الْخَوْفِ نَرْتَكِبُ أَشْيَاءَ لَا تُفْعَلُ فِي حَالَةِ الْأَمْنِ، أَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ.
أَمَّا فِيهَا فَلَا لِأَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي فَرْضِيَّتِهَا.
وَنُقِلَ فِي الْخَادِمِ عَنْ صَاحِبِ الْوَافِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَثْرَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَهُمْ فِي الْعَدَدِ بِأَنْ يَكُونُوا

[حاشية الشبراملسي]

مِمَّا تَقَدَّمَ لَهُ (قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ) أَيْ رِجَالٍ حَيْثُ كَانَ الْقَوْمُ فِيهِمْ كَثْرَةٌ، وَمُرَادُهُ الْكَرَاهَةُ فِي هَذَا النَّوْعِ وَبَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ.
وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ: وَيُكْرَهُ كَوْنُ الْفِرْقَةِ الْمُصَلِّيَةِ وَاَلَّتِي فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَالرَّوْضَةِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَأْتِي فِي صَلَاتَيْ بَطْنِ نَخْلٍ وَعُسْفَانَ، وَالْوَجْهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الثَّلَاثِ لِشُمُولِ الدَّلِيلِ لَهَا اهـ

(قَوْلُهُ: كُلُّ مَرَّةٍ بِفِرْقَةٍ) أَيْ وَعَلَيْهِ فَهَلْ فَضِيلَةُ الْفِرْقَةِ الْأُولَى أَكْثَرُ أَوْ هُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الْفَضِيلَةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ اسْتِوَاؤُهُمَا؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ وَإِنْ كَانَتْ خَلَفًا نَفْلٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا هُنَا فَسَاوَتْ الْأُولَى، وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَتَى بِصَلَاتِهِ فِي الْجَمَاعَةِ كَامِلَةً، وَلَوْ فُضِّلَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى لِرُبَّمَا أَدَّى إلَى التَّنَازُعِ فِيمَنْ تَكُونُ أَوْلَى وَقَدْ يُفَوِّتُ ذَلِكَ تَدْبِيرَ الْحَرْبِ (قَوْلُهُ: وَتَكُونُ الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ لِلْإِمَامِ نَفْلًا) قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ فِي حَوَاشِي التَّحْرِيرِ أَيْ وَهِيَ مُعَادَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا نِيَّةُ الْإِمَامَةِ فَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ وُجُوبِ نِيَّةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمُعَادَةِ اهـ. أَقُولُ: وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْإِعَادَةَ وَإِنْ حَصَلَتْ لَهُ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا حُصُولُ الْجَمَاعَةِ لَهُمْ، فَكَأَنَّ الْإِعَادَةَ طُلِبَتْ مِنْهُ لِأَجْلِهِمْ لَا لَهُ، ثُمَّ إنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ مَنْقُولًا فَمُسَلَّمٌ، وَإِلَّا فَقَدْ يُقَالُ: لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ، وَلَيْسَتْ الْإِعَادَةُ مَقْصُورَةً عَلَى طَلَبِ الْجَمَاعَةِ لِغَيْرِهِ بَلْ الْإِعَادَةُ لِذَلِكَ وَلِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ لَهُ، وَهَذَا أَشْبَهَ بِمَا لَوْ أَرَادَ الْإِعَادَةَ لِتَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ لِمَنْ لَمْ يُدْرِكْهَا مَعَ الْإِمَامِ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِبَقِيَّةِ شُرُوطِ الْمُعَادَةِ، وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا (قَوْلُهُ: مَحَلُّهُ فِي الْأَمْنِ) أَيْ وَمَعَ كَوْنِهِ خِلَافَ السُّنَّةِ الِاقْتِدَاءُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ، وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ قَوْلُهُمْ: يُسَنُّ أَنْ لَا يَفْعَلَ بِمَا إذَا تَعَدَّدَتْ الْأَئِمَّةُ وَكَانَتْ الصَّلَاةُ خَلْفَ أَحَدِهِمْ سَالِمَةً مِمَّا تُرِكَ طَلَبُ الصَّلَاةِ خَلْفَ غَيْرِهِ لِأَجْلِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي فَرْضِيَّتِهَا) عِبَارَةُ حَجّ: نَعَمْ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يَؤُمَّ الثَّانِيَةَ وَاحِدٌ مِنْهَا كَانَ أَفْضَلَ لِيُسَلِّمُوا

[حاشية الرشيدي]

بَعْضَ صَفٍّ وَفِي أُخْرَى يَحْرُسُ بَعْضَ الْآخَرِ يُرَاجَعُ.

[الثَّانِي مِنْ الْأَنْوَاعِ كَوْنُ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ الْقِبْلَةِ]

(قَوْلُهُ: أَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْأَمْنِ عَقِبَ قَوْلِهِ مَحَلُّهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَوْجَهُ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِأَصْلِ التَّقْيِيدِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ وَمَحَلُّهُ إلَخْ وَيُحْتَمَلُ رُجُوعُهُ لِخُصُوصِ الْحَمْلِ الثَّانِي أَيْ قَوْلِهِ أَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ فَعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُمْ الْمَذْكُورُ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى فِي الْخَوْفِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ يُخَالِفُهُ) اُنْظُرْ الْمُخَالَفَةَ إلَى مَاذَا.

مِائَتَيْنِ وَالْكُفَّارُ مِائَتَيْنِ مَثَلًا، فَإِذَا صَلَّى بِطَائِفَةٍ، وَهِيَ مِائَةٌ تَبْقَى مِائَةٌ فِي مُقَابَلَةِ مِائَتِي الْعَدُوِّ، وَهَذِهِ أَقَلُّ دَرَجَاتِ الْكَثْرَةِ الْمُشَارِ إلَيْهَا.

وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ الصَّلَاةُ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ (أَوْ تَقِفُ فِرْقَةٌ فِي وَجْهِهِ) أَيْ الْعَدُوِّ وَتَحْرُسُ وَهُوَ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، أَوْ فِيهَا وَثَمَّ سَاتِرٌ (وَيُصَلِّي) الْإِمَامُ (بِفِرْقَةٍ رَكْعَةً) مِنْ الثُّنَائِيَّةِ بَعْدَ أَنْ يَنْحَازَ بِهِمْ إلَى مَكَان لَا يَبْلُغُهُمْ فِيهِ سِهَامُ الْعَدُوِّ (فَإِذَا قَامَ) الْإِمَامُ (لِلثَّانِيَةِ فَارَقَتْهُ) بِالنِّيَّةِ بَعْدَ الِانْتِصَابِ اسْتِحْبَابًا وَقَبْلَهُ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ جَوَازًا (وَأَتَمَّتْ) لِنَفْسِهَا (وَذَهَبَتْ) بَعْدَ سَلَامِهَا (إلَى وَجْهِهِ) أَيْ الْعَدُوِّ.
وَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُخَفِّفَ الْأُولَى لِاشْتِغَالِ قُلُوبِهِمْ بِمَا هُمْ فِيهِ، وَلِجَمِيعِهِمْ تَخْفِيفُ الثَّانِيَةِ الَّتِي انْفَرَدُوا بِهَا لِئَلَّا يَطُولَ الِانْتِظَارُ.
وَيُسَنُّ تَخْفِيفُهُمْ لَوْ كَانُوا أَرْبَعَ فِرَقٍ فِيمَا انْفَرَدُوا بِهِ (وَجَاءَ الْوَاقِفُونَ) لِلْحِرَاسَةِ بَعْدَ ذَهَابِ أُولَئِكَ إلَى جِهَةِ الْعَدُوِّ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ فِي الثَّانِيَةِ.
وَيُسَنُّ إطَالَةُ الْقِيَامِ إلَى لُحُوقِهِمْ (فَاقْتَدُوا بِهِ فَصَلَّى) بِهِمْ الرَّكْعَةَ (الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ) الْإِمَامُ (لِلتَّشَهُّدِ قَامُوا) فَوْرًا (فَأَتَمُّوا ثَانِيَتَهُمْ) وَهُوَ مُنْتَظِرٌ لَهُمْ وَهُمْ غَيْرُ مُنْفَرِدِينَ عَنْهُ بَلْ مُقْتَدُونَ بِهِ حُكْمًا (وَلَحِقُوهُ وَسَلَّمَ بِهِمْ) لِحِيَازَتِهِمْ بِذَلِكَ فَضِيلَةَ التَّحَلُّلِ مَعَهُ كَمَا حَازَتْ الْأُولَى فَضِيلَةَ التَّحَرُّمِ مَعَهُ (وَهَذِهِ) (صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ صِفَةُ صَلَاتِهِ (بِذَاتِ الرِّقَاعِ) وَهِيَ مَكَانٌ مِنْ نَجْدٍ بِأَرْضِ غَطَفَانَ سُمِّيَ بِهَا، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَفُّوا بِأَرْجُلِهِمْ الْخِرَقَ لَمَّا تَقَرَّحَتْ، وَقِيلَ بِاسْمِ شَجَرَةٍ هُنَاكَ، وَقِيلَ بِاسْمِ جَبَلٍ فِيهِ بَيَاضٌ وَحُمْرَةٌ يُقَالُ لَهُ الرِّقَاعُ، وَقِيلَ لِتَرَقُّعِ صَلَاتِهِمْ فِيهَا (وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا) أَيْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ (أَفْضَلُ مِنْ) صَلَاةِ (بَطْنِ نَخْلٍ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ؛ وَلِأَنَّهَا أَخَفُّ وَأَعْدَلُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ،

[حاشية الشبراملسي]

مِنْ اقْتِدَائِهِمْ بِالْمُتَنَفِّلِ الْمُخْتَلَفِ فِي صِحَّتِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَصَلَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْفِرْقَتَيْنِ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْمَحُونَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَ غَيْرِهِ مَعَ وُجُودِهِ اهـ. لَكِنَّ قَوْلُهُ لِيُسَلِّمُوا إلَخْ مُشْكِلٌ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ مَحَلَّهُ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ لِيُسَلِّمُوا فِي الْجُمْلَةِ كَمَا قَالَهُ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ: نَعَمْ بَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِالثَّانِيَةِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ: أَيْ لِلْخُرُوجِ مِنْ صُورَةِ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ اهـ

(قَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ يَنْحَازَ بِهِمْ) أَيْ الْأَوْلَى لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَهُمْ غَيْرُ مُحَقَّقٍ سِيَّمَا وَقَدْ وَقَفَتْ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ (قَوْلُهُ: فَاقْتَدُوا بِهِ) أَيْ وَلَا يَحْتَاجُ الْإِمَامُ لِنِيَّةِ الْإِمَامَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ حَصَلَتْ بِنِيَّتِهِ الْأُولَى وَهِيَ مُنْسَحِبَةٌ عَلَى بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا كَمَا لَوْ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ قَوْمٌ فِي الْأَمْنِ وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ وَجَاءَ مَسْبُوقُونَ وَاقْتَدَوْا بِهِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (قَوْلُهُ: فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ) أَيْ فَلَوْ لَمْ يُدْرِكُوهَا مَعَهُ لِسُرْعَةِ قِرَاءَتِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُوَافِقُوهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَيَأْتُوا بِالصَّلَاةِ تَامَّةً بَعْدَ سَلَامِهِ كَهُوَ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُهُمْ فِي التَّشَهُّدِ فَيَأْتُوا بِرَكْعَةٍ وَيُسَلِّمُ الْإِمَامُ وَيَأْتُوا بِالْأُخْرَى بَعْدَ سَلَامِهِ وَيَحْتَمِلُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُهُمْ فِي التَّشَهُّدِ أَيْضًا حَتَّى يَأْتُوا بِالرَّكْعَتَيْنِ فَيُسَلِّمُ بِهِمْ (قَوْلُهُ: قَامُوا فَوْرًا) أَيْ فَإِنْ جَلَسُوا مَعَ الْإِمَامِ عَلَى نِيَّةِ الْقِيَامِ بَعْدُ فَالظَّاهِرُ بُطْلَانُ صَلَاتِهِمْ لِإِحْدَاثِهِمْ جُلُوسًا غَيْرَ مَطْلُوبٍ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ جَلَسُوا عَلَى نِيَّةِ أَنْ يَقُومُوا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ غَايَةَ أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَفُّوا بِأَرْجُلِهِمْ الْخِرَقَ) قَالَ عَمِيرَةُ: قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: هُوَ أَصَحُّ مَا قِيلَ لِثُبُوتِهِ فِي الصَّحِيحِ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ عَنْ أَبِي مُوسَى نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَبَا مُوسَى قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِخَيْبَرَ مَعَ أَصْحَابِ السَّفِينَتَيْنِ، فَكَيْفَ حَضَرَ هَذِهِ الْغَزَاةَ وَهِيَ قَبْلَ خَيْبَرَ بِثَلَاثِ سِنِينَ؟ اهـ دَمِيرِيٌّ.
(قَوْلُهُ: خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِمَّا ذَكَرَ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ لَهُ مِنْ

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ عُسْفَانَ أَيْضًا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّتِهَا فِي الْجُمْلَةِ دُونَهُمَا، وَتُسْتَحَبُّ عَنْهُ كَثْرَتُنَا، فَالْكَثْرَةُ شَرْطٌ لِسَنِّهَا لَا لِصِحَّتِهَا خِلَافًا لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْعِرَاقِيِّ فِي تَحْرِيرِهِ، وَتُفَارِقُ صَلَاةُ عُسْفَانَ بِجَوَازِهَا فِي الْأَمْنِ لِغَيْرِ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَهَا إنْ نَوَتْ الْمُفَارَقَةَ بِخِلَافِ تِلْكَ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْأَوَّلِ غَيْرُ مُنَافٍ لِمَا مَرَّ قُبَيْلَ النَّوْعِ الثَّالِثِ إذْ الْكَلَامُ هُنَا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، وَثَمَّ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ الْمُقْتَدُونَ بِهِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَلْ، ذَهَبُوا وَوَقَفُوا تُجَاهَ الْعَدُوِّ سُكُوتًا فِي الصَّلَاةِ وَجَاءَتْ الْفِرْقَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، وَحِينَ سَلَّمَ ذَهَبُوا إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ تِلْكَ الْفِرْقَةُ إلَى مَكَانِ صَلَاتِهِمْ وَأَتَمُّوهَا لِأَنْفُسِهِمْ وَذَهَبُوا إلَى الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ تِلْكَ إلَى مَكَانِهِمْ وَأَتَمُّوهَا جَازَ.
وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ رَوَاهَا ابْنُ عُمَرَ، وَجَازَ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ الْأَفْعَالِ بِلَا ضَرُورَةٍ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ فِيهِ مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ؛ لِأَنَّ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ كَانَتْ فِي يَوْمٍ وَالْأُخْرَى فِي يَوْمٍ آخَرَ، وَدَعْوَى النَّسْخِ بَاطِلَةٌ لِاحْتِيَاجِهِ لِمَعْرِفَةِ التَّارِيخِ وَتَعَذُّرِ الْجَمْعِ، وَلَيْسَ هُنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا (وَيَقْرَأُ الْإِمَامُ) نَدْبًا (فِي) قِيَامِهِ لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً بَعْدَهَا فِي زَمَنِ

[حاشية الشبراملسي]

اسْتِحْبَابِ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ مُطْلَقًا، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ خِلَافُ أَبِي حَنِيفَةَ جَارِيًا حَتَّى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِهَا، ثُمَّ رَأَيْت مَا يَأْتِي فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَتُفَارِقُ صَلَاةَ عُسْفَانَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ عُسْفَانَ) وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي تَأْخِيرِهَا عَنْهُمَا فِي الذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهَا أَفْضَلَ مِنْهُمَا أَنَّ تَيْنَكَ قَدْ تُوجَدُ صُورَتُهُمَا فِي الْأَمْنِ بِالْإِعَادَةِ فِي صَلَاةِ بَطْنِ نَخْلٍ، وَبِتَخَلُّفِ الْمَأْمُومِينَ لِنَحْوِ زَحْمَةٍ فِي عُسْفَانَ (قَوْلُهُ: لِلْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّتِهَا) وَبَقِيَ صَلَاةُ بَطْنِ نَخْلٍ مَعَ عُسْفَانَ فَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ بَطْنَ نَخْلٍ أَفْضَلُ مِنْ عُسْفَانَ أَيْضًا لِجَوَازِهَا فِي الْأَمْنِ عَلَى مَا مَرَّ فِيهِ، وَنَقَلَ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ عَنْ الْعَلْقَمِيِّ مَا يُوَافِقُهُ (قَوْلُهُ: وَتُفَارِقُ صَلَاةَ عُسْفَانَ) أَيْ حَيْثُ جُعِلَتْ الْكَثْرَةُ هُنَا شَرْطًا لِلسِّنِّ وَثُمَّ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ لسم عَنْ م ر وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ صَلَاةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ لَمَّا كَانَ يَجُوزُ مِثْلُهَا فِي الْأَمْنِ فِي الْجُمْلَةِ حُكِمَ بِجَوَازِهَا مُطْلَقًا، وَصَلَاةُ عُسْفَانَ لَمَّا كَانَتْ مُخَالِفَةً لِلْأَمْنِ فِي كُلٍّ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ اُقْتُصِرَ فِيهَا عَلَى مَا وَرَدَ وَذَلِكَ مَعَ الْكَثْرَةِ دُونَ غَيْرِهَا، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ جُمْلَةُ الْقَوْمِ مَشْغُولِينَ بِالصَّلَاةِ كَانَ فِي تَفْرِيقِهِمْ مَعَ الْقِلَّةِ تَعَرُّضٌ لِلْهَلَاكِ فَمُنِعَتْ، بِخِلَافِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَإِنَّ الْحَارِسَةَ لَمَّا لَمْ تَكُنْ مَشْغُولَةً بِالصَّلَاةِ كَانَتْ مُتَهَيِّئَةً لِدَفْعِ الْعَدُوِّ (قَوْلُهُ: وَالتَّعْلِيلُ بِالْأَوَّلِ) هُوَ قَوْلُهُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ قُبَيْلَ النَّوْعِ الثَّالِثِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَقَوْلُهُمْ يُسَنُّ لِلْمُفْتَرِضِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَحِينَ سَلَّمَ ذَهَبُوا إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ)

[حاشية الرشيدي]

[النَّوْعُ الثَّالِثُ أَنْ تَقِفَ فِرْقَةٌ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ وَتَحْرُسُ وَهُوَ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ]

(قَوْلُهُ: الْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّتِهَا فِي الْجُمْلَةِ) كَتَبَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ عَلَى عِبَارَةِ الْمَنْهَجِ الْمُسَاوِيَةِ لِعِبَارَةِ الشَّارِحِ مَا نَصُّهُ: قَدْ بَيَّنَ مُرَادَهُ مِنْهُ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لِلْإِجْمَاعِ إلَخْ بِقَوْلِهِ الْآتِي: وَفَارَقَتْ صَلَاةُ عُسْفَانَ إلَخْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ بِتَفْصِيلِهَا عَلَى صَلَاةِ عُسْفَانَ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَتَعْلِيلُهُ بِمَا قَالَهُ فِيهِ بَحْثٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ فِيهَا قَطْعُ الْقُدْوَةِ فِي الْفِرْقَةِ الْأُولَى وَإِتْيَانُ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ بِرَكْعَةٍ لِنَفْسِهَا مَعَ دَوَامِ الْقُدْوَةِ وَالْأَمْرُ الْأَوَّلُ فِي حَالِ الْأَمْنِ مَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مُطْلَقًا وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَمَمْنُوعٌ حَالَةَ الْأَمْنِ اتِّفَاقًا، وَالِاعْتِذَارُ بِجَوَازِ الثَّانِي فِي الْأَمْنِ عِنْدَ نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ خُرُوجٌ عَنْ صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَأَيْضًا فَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ الْكَيْفِيَّتَيْنِ لَوْ كَانَتَا فِي الْأَمْنِ كَانَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ عَلَى كَيْفِيَّةِ عُسْفَانَ صَحِيحَةً اتِّفَاقًا، وَعَلَى كَيْفِيَّةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ بَاطِلَةً فِي قَوْلٍ عِنْدَنَا لِطُولِ الِانْتِظَارِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَلَكِنَّ عُذْرَ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ صَلَاةَ الْفِرْقَةِ الْأُولَى صَحِيحَةٌ فِي الْأَمْنِ عَلَى كَيْفِيَّةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، بِخِلَافِ صَلَاةِ عُسْفَانَ فَإِنَّ صَلَاةَ الْفِرْقَتَيْنِ فِيهَا بَاطِلَةٌ عِنْدَ الْأَمْنِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَصْحَابَ لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي تَفْضِيلِ ذَاتِ الرِّقَاعِ عَلَى عُسْفَانَ؛ لِأَنَّ الْحَالَةَ الَّتِي تُشْرَعُ فِيهَا هَذِهِ غَيْرُ الْحَالَةِ الَّتِي تُشْرَعُ فِيهَا هَذِهِ، بِخِلَافِ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَبَطْنِ نَخْلٍ فَإِنَّهُمَا يُشْرَعَانِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، فَاحْتَاجُوا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عَنْهُمْ أَنْ يُبَيِّنُوا الْأَفْضَلَ مِنْهُمَا كَيْ يُقَدَّمَ عَلَى الْآخَرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
اهـ بِحُرُوفِهِ.
(قَوْلُهُ: مَعَ كَثْرَةِ الْأَفْعَالِ) أَيْ اللَّازِمِ مِنْهَا اسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ فِي الذَّهَابِ أَوْ الرُّجُوعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ

(انْتِظَارِهِ) لِلْفِرْقَةِ (الثَّانِيَةِ) قَبْلَ لُحُوقِهَا لَهُ، فَإِذَا لَحِقَتْهُ قَرَأَ مِنْ السُّورَةِ قَدْرَ فَاتِحَةٍ وَسُورَةٍ قَصِيرَةٍ وَيَرْكَعُ بِهِمْ، وَهَذِهِ رَكْعَةٌ ثَانِيَةٌ يُسْتَحَبُّ تَطْوِيلُهَا عَلَى الْأُولَى وَلَا يُعْرَفُ لَهَا فِي ذَلِكَ نَظِيرٌ (وَيَتَشَهَّدُ) نَدْبًا فِي جُلُوسِهِ لِانْتِظَارِهَا؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ مُخَالِفٌ لِهَيْئَةِ الصَّلَاةِ، وَالْقِيَامَ لَيْسَ مَوْضِعَ ذِكْرٍ (وَفِي قَوْلٍ يُؤَخِّرُ) قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَالتَّشَهُّدَ (لِتَلْحَقَهُ) فَتُدْرِكَهُمَا مَعَهُ لِأَنَّهُ قَرَأَ مَعَ الْأُولَى الْفَاتِحَةَ فَيُؤَخِّرُهَا لِيَقْرَأَهَا مَعَ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ، وَعَلَى هَذَا يُشْغَلُ بِالذِّكْرِ، وَالْخِلَافُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ فِي الِاسْتِحْبَابِ، وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فِي الْخَوْفِ كَصَلَاةِ عُسْفَانَ وَكَذَاتِ الرِّقَاعِ لَا كَصَلَاةِ بَطْنِ نَخْلٍ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَسْمَعُوا خُطْبَتَهُ، وَلَوْ سَمِعَ أَرْبَعُونَ فَأَكْثَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ كَانَ كَافِيًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ خَطَبَ بِفِرْقَةٍ وَصَلَّى بِأُخْرَى، فَإِنْ حَدَثَ نَقْصٌ فِي الْأَرْبَعِينَ السَّامِعِينَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ، أَوْ فِي الثَّانِيَةِ فَلَا، وَهَذَا شَامِلٌ لِمَا إذَا حَصَلَ النَّقْصُ حَالَةَ تَحَرُّمِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ وَإِنْ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا عَرَضَ النَّقْصُ عَنْهَا بَعْدَ إحْرَامِ جَمِيعِ الْأَرْبَعِينَ، وَإِلَّا لَمْ يَبْقَ لِاشْتِرَاطِ الْخُطْبَةِ بِأَرْبَعِينَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مَعْنًى، وَقَوْلُهُ فِي الثَّانِيَةِ الْمُرَادُ بِهِ ثَانِيَةُ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مَفْهُومٌ مِمَّا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْجُمُعَةِ حَيْثُ قَالَ: شَرْطُهَا جَمَاعَةً لَا فِي الثَّانِيَةِ اهـ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ انْتِظَارُ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا سَلَّمَ فَوَّتَ عَلَيْهِمْ الْوَاجِبَ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَابْنُ الْعِمَادِ: الْأَقْرَبُ نَعَمْ؛ لِأَنَّ تَفْوِيتَ الْوَاجِبِ لَا يَجُوزُ عَلَى نَفْسِهِ فَكَذَا عَلَى غَيْرِهِ اهـ. وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ سُكُوتًا (قَوْلُهُ: قَرَأَ مِنْ السُّورَةِ قَدْرَ فَاتِحَةِ) وَهَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ الْإِسْرَارُ حِينَئِذٍ بِالْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَهَرَ فِي حَالِ قِرَاءَتِهِمْ لِفَاتِحَتِهِمْ فَوَّتَ عَلَيْهِمْ سَمَاعَ قِرَاءَةِ إمَامِهِمْ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ كَحَالِهِ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ حَيْثُ يُطْلَبُ مِنْهُ السُّكُوتُ بِقَدْرِ فَاتِحَةِ الْمَأْمُومِينَ (قَوْلُهُ: وَسُورَةٍ قَصِيرَةٍ) أَيْ مِنْ تِلْكَ السُّورَةِ إنْ بَقِيَ مِنْهَا قَدْرُهُمَا وَإِلَّا فَمِنْ سُورَةٍ أُخْرَى اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَلَا يُعْرَفُ لَهَا) أَيْ لِتَطْوِيلِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى (قَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ نَظِيرٌ) أَيْ وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى الْجُمُعَةَ وَفِي الثَّانِيَةِ الْمُنَافِقِينَ، بَلْ لَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَى الْجُمُعَةَ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ الْجُمُعَةَ وَالْمُنَافِقِينَ لِجَوَازِ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يُعْرَفُ لَهَا نَظِيرٌ يُطْلَبُ فِيهِ تَطْوِيلُ الثَّانِيَةِ مِمَّا لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ بِخُصُوصِهِ وَالْجُمُعَةُ طُلِبَ فِي ثَانِيَتِهَا الْمُنَافِقُونَ بِخُصُوصِهَا، وَأَيْضًا فَالْجُمُعَةُ لَمْ يُطْلَبْ فِيهَا تَطْوِيلُ الثَّانِيَةِ بَلْ طُلِبَ فِيهَا قِرَاءَةُ الْمُنَافِقُونَ فَلَزِمَ مِنْهُ تَطْوِيلُ الثَّانِيَةِ، فَلَوْ قَرَأَ غَيْرَهَا لَمْ يُطَوِّلْهَا عَلَى الْأُولَى، عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْمُنَافِقِينَ فِي الثَّانِيَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَطْوِيلَهَا عَلَى الْأُولَى لِجَوَازِ أَنَّ مَا أَتَى بِهِ مِنْ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ فِي الْأُولَى تَحْصُلُ بِهِ زِيَادَتُهَا عَلَى الثَّانِيَةِ أَوْ مُسَاوَاتُهَا لَهَا.
(قَوْلُهُ: لَا كَصَلَاةِ بَطْنِ نَخْلٍ) اُنْظُرْ هَلَّا جَازَ ذَلِكَ فِيهَا أَيْضًا، وَيُجْعَلُ الْخَوْفُ عُذْرًا فِي التَّعَدُّدِ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهَا تُفَارِقُ لِلْإِمَامِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ حَيْثُ جَازَ التَّعَدُّدُ، وَمِنْهُ لَوْ خَطَبَ بِمَكَانٍ وَصَلَّى بِأَهْلِهِ ثُمَّ حَضَرَ إلَى مَكَان لَمْ تُصَلِّ أَهْلُهُ فَخَطَبَ لَهُمْ وَصَلَّى بِهِمْ حَيْثُ جَازَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا اسْتَغْنَى عَنْهَا بِصَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ امْتَنَعَتْ، وَفِيهِ بُعْدُ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَكْلِيفَ مَشَقَّةٍ فِي الْجُمْلَةِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَسْمَعُوا) أَيْ كُلَّهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ سَمِعَ أَرْبَعُونَ فَأَكْثَرَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ سَمِعَ مِنْ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ دُونَ أَرْبَعِينَ لَمْ يَكْفِ وَلَا مَعْنَى لَهُ مَعَ جَوَازِ نَقْصِهَا عَنْ الْأَرْبَعِينَ وَلَوْ عِنْدَ التَّحَرُّمِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَهَذَا شَامِلٌ إلَخْ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: أَنْ تُقَامَ بِأَرْبَعِينَ قُبَيْلَ قَوْلِهِ حُرًّا مُكَلَّفًا وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُمْ: أَيْ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ أَرْبَعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ اهـ أَنَّ مَا هُنَا مُجَرَّدُ تَصْوِيرٍ (قَوْلُهُ: حَالَةَ تُحْرِمُ الثَّانِيَةُ) أَيْ وَلَوْ انْتَهَى النَّقْصُ إلَى وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ فِي الثَّانِيَةِ) هُوَ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: فَيُؤَخِّرُهَا) أَيْ مَعَ التَّشَهُّدِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا إذَا حَصَلَ النَّقْصُ حَالَةَ تَحَرُّمِ الثَّانِيَةِ) أَيْ وَتُتِمُّهَا جُمُعَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْإِمْدَادِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَوْجَهُ) وَوَجْهُهُ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ أَنَّ صَلَاةَ الثَّانِيَةِ ابْتِدَاءُ إقَامَةِ جُمُعَةٍ فَاشْتَرَطْنَا فِيهَا السَّمَاعَ وَالْعَدَدَ عِنْدَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ إذَا انْعَقَدَتْ صَارَتْ تَابِعَةً لِلْأُولَى فَاغْتُفِرَ النَّقْصُ مِنْ الْعَدَدِ مُرَاعَاةً لِلتَّبَعِيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ نَقْصُ السَّمَاعِ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ)

وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا قَاسَ عَلَيْهِ وَاضِحٌ، تَجْهَرُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُمْ مُنْفَرِدُونَ وَلَا تَجْهَرُ الثَّانِيَةُ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُمْ مُقْتَدُونَ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ جَهْرِيَّةٍ، وَلَوْ لَمْ تُمْكِنْهُ الْجُمُعَةُ فَصَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ ثُمَّ أَمْكَنَتْهُ الْجُمُعَةُ قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ لَكِنْ تَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ مَعَهُمْ وَلَوْ أَعَادَ لَمْ أَكْرَهْهُ؛ وَيُقَدِّمُ غَيْرَهُ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، حَكَاهُ الْعِمْرَانِيُّ.

(فَإِنْ) (صَلَّى) الْإِمَامُ (مَغْرِبًا) عَلَى كَيْفِيَّةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ (فَبِفِرْقَةٍ) مِنْ الْقَوْمِ يُصَلِّي بِهَا (رَكْعَتَيْنِ) وَتُفَارِقُهُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ تَشَهُّدِهِمْ، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (وَبِالثَّانِيَةِ) مِنْهُ (رَكْعَةً وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَكْسِهِ) الْجَائِزِ أَيْضًا (فِي الْأَظْهَرِ) لِسَلَامَتِهِ مِنْ التَّطْوِيلِ فِي عَكْسِهِ بِزِيَادَةِ تَشَهُّدٍ فِي أَوْلَى الثَّانِيَةِ بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ، وَالثَّانِي عَكْسُهُ أَفْضَلُ لِتَنْجَبِرَ بِهِ الثَّانِيَةُ عَمَّا فَاتَهَا مِنْ فَضِيلَةِ التَّحَرُّمِ (وَيَنْتَظِرُ) الْإِمَامُ فِي صَلَاتِهِ بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ الثَّانِيَةُ (فِي) جُلُوسِ (تَشَهُّدِهِ) الْأَوَّلِ (أَوْ قِيَامِ الثَّالِثَةِ وَهُوَ) أَيْ انْتِظَارُهُ فِي الْقِيَامِ (أَفْضَلُ) مِنْ انْتِظَارِهِ فِي جُلُوسِ تَشَهُّدِهِ (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ مَحَلُّ التَّطْوِيلِ بِخِلَافِ جُلُوسِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي أَنَّ انْتِظَارَهُ فِي التَّشَهُّدِ أَوْلَى لِيُدْرِكُوا مَعَهُ الرَّكْعَةَ مِنْ أَوَّلِهَا وَلَوْ فَرَّقَهُمْ فِي الْمَغْرِبِ ثَلَاثَ فِرَقٍ صَحَّتْ صَلَاةُ جَمِيعِهِمْ عَلَى النَّصِّ (أَوْ) صَلَّى بِهِمْ (رُبَاعِيَّةً فَبِكُلٍّ) مِنْ الْفِرْقَتَيْنِ يُصَلِّي (رَكْعَتَيْنِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: 102] ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ مَعَ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمَأْمُومِينَ، وَهَذَا إنْ قَضَى فِي السَّفَرِ رُبَاعِيَّةً، أَوْ وَقَعَ الْخَوْفُ فِي الْحَضَرِ: أَوْ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ الْإِتْمَامَ أَفْضَلُ، وَإِلَّا فَالْقَصْرُ أَفْضَلُ لَا سِيَّمَا أَنَّهُ أَلْيَقُ بِحَالَةِ الْخَوْفِ، وَهَلْ الْأَفْضَلُ الِانْتِظَارُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، أَوْ فِي الْقِيَامِ الثَّالِثِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْمَغْرِبِ، وَلَوْ صَلَّى بِفِرْقَةٍ رَكْعَةً وَبِالْأُخْرَى ثَلَاثًا أَوْ عَكْسَهُ صَحَّتْ مَعَ كَرَاهَتِهِ، وَيَسْجُدُ الْإِمَامُ وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ سُجُودَ السَّهْوِ لِلْمُخَالَفَةِ بِالِانْتِظَارِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ.
قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا فَرَّقَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ سَجَدُوا لِلسَّهْوِ أَيْضًا لِلْمُخَالَفَةِ وَهُوَ كَمَا قَالَ (فَلَوْ) فَرَّقَهُمْ.

[حاشية الشبراملسي]

مِنْ كَلَامِ الْجَوْجَرِيِّ وَالضَّمِيرُ لِلْإِرْشَادِ الَّذِي هُوَ مَشْرُوحُهُ.
(قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا قَاسَ عَلَيْهِ) هُوَ قَوْلُهُ: لِأَنَّ تَفْوِيتَ الْوَاجِبِ لَا يَجُوزُ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمَقِيسُ هُوَ قَوْلُهُ فَكَذَا عَلَى غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَاضِحٌ) وَهُوَ مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَصْحِيحُ صَلَاةِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ صَلَاةِ نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ) وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا مَرَّ لَهُ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يَنْوِي فِي اقْتِدَائِهِ الْجُمُعَةَ مِنْ أَنَّ الْخَلِيفَةَ الْمَسْبُوقَ لَوْ أَدْرَكَ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ جَمَاعَةً يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَهُمْ بِأَنَّ الْعُذْرَ قَائِمٌ هُنَا حَالَ صَلَاتِهِمْ الظُّهْرَ، فَكَانُوا كَالْعَبْدِ إذَا فَعَلَ الظُّهْرَ ثُمَّ عَتَقَ وَأَدْرَكَ الْجُمُعَةَ حَيْثُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ فَإِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ وَقْتَ صَلَاتِهِ الظُّهْرَ لِإِمْكَانِ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّهِ حِينَ صَلَاتِهِ، فَكَانَ كَالْعَبْدِ إذَا عَتَقَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ فِي حَالِ الْحُرِّيَّةِ ثُمَّ أَمْكَنَتْهُ الْجُمُعَةُ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَعَادَ لَمْ أَكْرَهْهُ) أَيْ أَعَادَهَا جُمُعَةً وَإِنْ كَانَ مَعَ الطَّائِفَةِ الَّتِي صَلَّتْ مَعَهُ أَوَّلًا (قَوْلُهُ: وَيُقَدِّمُ غَيْرَهُ) أَيْ نَدْبًا

(قَوْلُهُ: وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَكْسِهِ) قَالَ سم عَلَى حَجّ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ، وَسَكَتَ عَمَّا لَوْ صَلَّى فِي الْمَغْرِبِ بِفِرْقَةٍ رَكْعَةً وَبِالْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ هَلْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِلِانْتِظَارِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ لِكَرَاهَةِ ذَلِكَ وَعَدَمِ وُرُودِهِ اهـ. وَالْأَقْرَبُ السُّجُودُ لِمَا عَلَّلَ بِهِ (قَوْلُهُ: فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ) أَيْ وَالرَّاجِحُ مِنْهُ أَنَّهُ فِي الْقِيَامِ الثَّالِثِ (قَوْلُهُ: لِلْمُخَالَفَةِ بِالِانْتِظَارِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ) أَيْ لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِي نِصْفِ صَلَاتِهِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: سَجَدُوا لِلسَّهْوِ أَيْضًا) يَعْنِي غَيْرَ الْفِرْقَةِ الْأُولَى

[حاشية الرشيدي]

أَيْ الْإِرْشَادِ إذْ هَذَا مِنْ بَقِيَّةِ كَلَامِ الْجَوْجَرِيِّ إلَى قَوْلِهِ.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَبَيْنَ مَا قَاسَ عَلَيْهِ) أَيْ مِنْ ذِكْرٍ.

(قَوْلُهُ: بِهَا) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَيُفَرِّقُهُ

أَرْبَعَ فِرَقٍ وَ (صَلَّى بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً) ، ثُمَّ فَارَقَتْهُ وَصَلَّتْ ثَلَاثًا وَسَلَّمَتْ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ يَنْتَظِرُ فَرَاغَهَا وَذَهَابَهَا وَمَجِيءَ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ صَلَّى بِالثَّانِيَةِ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ وَفَارَقَتْهُ وَانْتَظَرَ الثَّالِثَةَ إمَّا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، أَوْ قَائِمًا عَلَى مَا مَرَّ مِنْ الْخِلَافِ، ثُمَّ صَلَّى بِالثَّالِثَةِ الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ وَفَارَقُوهُ فِي قِيَامِ الرَّابِعَةِ وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ وَالْإِمَامُ يَنْتَظِرُ فَرَاغَهُمْ وَذَهَابَهُمْ وَمَجِيءَ الرَّابِعَةِ، ثُمَّ صَلَّى بِالرَّابِعَةِ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ وَانْتَظَرَهُمْ فِي التَّشَهُّدِ وَسَلَّمَ بِهِمْ (صَحَّتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ قَدْ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَكْفِيَ وُقُوفُ نِصْفِ الْجَيْشِ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ وَيُحْتَاجَ إلَى وُقُوفِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِمْ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى انْتِظَارَيْنِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الزِّيَادَةِ، وَلَعَلَّهُ لَوْ اُحْتِيجَ إلَيْهَا لَفَعَلَ وَشَرْطُ الْإِمَامِ لِتَفْرِيقِهِمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ فِي الرُّبَاعِيَّةِ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَهُوَ كَفِعْلِهِ حَالَ الِاخْتِيَارِ، وَأَقَرَّاهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْحَاوِي وَالْأَنْوَارِ وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ.
وَقَالَ فِي الْخَادِمِ: التَّحْقِيقُ عِنْدِي جَوَازُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ عِنْدَ عَدَمِهَا، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ لِزِيَادَتِهِ عَلَى الِانْتِظَارَيْنِ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ كَمَا سَبَقَ، وَصَلَاةِ الْفِرْقَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ إنْ عَلِمُوا بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ (وَسَهْوُ كُلِّ فِرْقَةٍ) أَيْ إذَا فَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ (مَحْمُولٌ فِي أُولَاهُمْ) أَيْ فِي رَكْعَتِهِمْ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُمْ فِي حَالِ الْقُدْرَةِ (وَكَذَا ثَانِيَةُ الثَّانِيَةِ فِي الْأَصَحِّ) أَيْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لِلْفِرْقَةِ لِانْسِحَابِ حُكْمِ الْقُدْوَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَشَهَّدُونَ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ قُدْوَةٍ جَدِيدَةٍ، وَالثَّانِي لَا لِانْفِرَادِهَا بِهَا حِسًّا (لَا ثَانِيَةُ الْأُولَى) لِانْفِرَادِهِمْ حِسًّا وَحُكْمًا (وَسَهْوُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى يَلْحَقُ الْجَمِيعَ) أَيْ فَيَسْجُدُ الْمُفَارِقُونَ عِنْدَ تَمَامِ صَلَاتِهِمْ (وَ) سَهْوُهُ (فِي الثَّانِيَةِ لَا يَلْحَقُ الْأَوَّلِينَ) لِمُفَارَقَتِهِمْ قَبْلَهُ وَتَسْجُدُ الثَّانِيَةُ مَعَهُ آخِرَ صَلَاتِهِ وَيُقَاسُ بِذَلِكَ السَّهْوُ فِي الثُّلَاثِيَّةِ وَالرَّبَاعِيَةِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ.

(وَيُسَنُّ) لِلْمُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ (حَمْلُ السِّلَاحِ) الَّذِي لَا يَمْنَعُ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَاجَةِ (قَوْلُهُ: وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ) وَقَعَ مِثْلُهُ فِي الْمَحَلِّيِّ وَكَتَبَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ مَا نَصُّهُ: قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: تَبْطُلُ بِالِانْتِظَارِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ فَإِنَّ الْأُولَى لَا انْتِظَارَ فِيهَا.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ بِالِانْتِظَارِ الثَّانِي وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي الثَّالِثَةِ لِمُخَالَفَتِهِ الْوَارِدَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُنْتَظِرِينَ فِيمَا وَرَدَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ، بِخِلَافِ الْمُنْتَظِرِينَ هُنَا، وَأَيْضًا مِنْ جِهَةِ طُولِهِ كَمَا بَيَّنَهُ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ بَطَلَتْ صَلَاةُ الرَّابِعَةِ فَقَطْ إنْ عَلِمَتْ، وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ بَطَلَتْ صَلَاةُ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ إنْ عَلِمَتَا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي: وَصَلَاةُ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ الْمَذْكُورِ فِي الْأُمِّ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ لِزِيَادَتِهِ عَلَى الِانْتِظَارَيْنِ إلَخْ، لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الزِّيَادَةُ بِانْتِظَارٍ ثَالِثٍ؛ لِأَنَّ الْبُطْلَانَ بِالِانْتِظَارِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي الرَّابِعَةِ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ كَمَا عَلِمْت وَإِنَّمَا تَبْطُلُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الرَّابِعَةِ فَقَطْ وَكَذَا الْإِمَامُ فِيهِمَا، بَلْ الْمُرَادُ زِيَادَةٌ مِنْ حَيْثُ الطُّولُ الْمُخَالِفُ لِمَا وَرَدَ فِي انْتِظَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْوَارِدَ انْتِظَارُهُ فِي قِيَامٍ وَفِي تَشَهُّدٍ، وَهَذَا زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ لَا يَكَادُ يَبِينُ مِنْ كَلَامِهِ إلَّا بِمُرَاجَعَةِ أُصُولِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ (قَوْلُهُ: آخِرُ صَلَاتِهِ) أَيْ إنْ اسْتَمَرُّوا مَعَهُ إلَى السَّلَامِ فَإِنْ فَارَقُوهُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: ثُمَّ فَارَقَتْهُ وَصَلَّتْ ثَلَاثًا إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ بَاقِيَ الْعِبَارَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ ثُمَّ فَارَقَتْهُ لِلْفِرْقَةِ الْأُولَى مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مَرْجِعٌ، إذْ كَلَامُ الْمَتْنِ فِي كُلِّ فِرْقَةٍ لَا خُصُوصِ الْأُولَى، وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ الْجَلَالِ عَقِبَ الْمَتْنِ نَصُّهَا: وَفَارَقَتْهُ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ وَأَتَمَّتْ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ فَرَاغَ الْأُولَى فِي قِيَامِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَفَرَاغِ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ فِي تَشَهُّدِهِ، أَوْ قِيَامِ الثَّالِثَةِ وَفَرَاغُ الثَّالِثَةِ فِي قِيَامِ الرَّابِعَةِ وَفَرَاغُ الرَّابِعَةِ فِي تَشَهُّدِهِ الْأَخِيرِ فَسَلَّمَ بِهَا انْتَهَتْ (قَوْلُهُ: فَهُوَ كَفِعْلِهِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ) أَيْ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا مُفَوِّتًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ فِي الْخَادِمِ) أَيْ تَبَعًا لِلذَّخَائِرِ.

صِحَّةَ الصَّلَاةِ (فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ) الثَّلَاثَةِ مِنْ الصَّلَاةِ احْتِيَاطًا، وَذَلِكَ كَسَيْفٍ وَرُمْحٍ وَنُشَّابٍ وَسِكِّينٍ وَوَضْعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالشَّرْطِ الْآتِي كَالْحَمْلِ، إذْ الْحَمْلُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ وَإِنْ مَالَ إلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَفَى الْوَضْعُ لَاسْتَوَى وَضْعُ الرُّمْحِ فِي وَسَطِ الصَّفِّ وَحَاشِيَتِهِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْأَوَّلَ مَكْرُوهٌ، أَوْ حَرَامٌ دُونَ الثَّانِي، وَرُدَّ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي وَضْعٍ لَا إيذَاءَ فِيهِ، وَحَاصِلُ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ التَّأَذِّي بِهِ حَرُمَ وَإِلَّا كُرِهَ (وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ) لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وَحَمْلِهِ الْأَوَّلَ عَلَى النَّدْبِ، إذْ لَوْ وَجَبَ لَكَانَ تَرْكُهُ مُفْسِدًا كَغَيْرِهِ مِمَّا يَجِبُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا تَفْسُدُ بِهِ قَطْعًا لَكِنْ يُكْرَهُ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ احْتِيَاطًا، وَيَحْرُمُ إذَا كَانَ مُتَنَجِّسًا، أَوْ مَانِعًا لِتَمَامِ بَعْضِ الْأَرْكَانِ كَبَيْضَةٍ تَمْنَعُ مُبَاشَرَةَ الْجَبْهَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إبْطَالِ الصَّلَاةِ وَالتُّرْسُ وَالدِّرْعُ لَيْسَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِسِلَاحٍ يُسَنُّ حَمْلُهُ؛ لِأَنَّهُمَا مِمَّا يُدْفَعُ بِهِ، بَلْ يُكْرَهُ لِكَوْنِهِ ثَقِيلًا يَشْغَلُ عَنْ الصَّلَاةِ كَالْجَعْبَةِ، كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ، فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا مِنْ السِّلَاحِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ سِلَاحٍ يُسَنُّ حَمْلُهُ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا مَا يَقْتُلُ لَا مَا يُدْفَعُ بِهِ، وَلَوْ تَعَيَّنَ حَمْلُهُ أَوْ وَضْعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ طَرِيقًا فِي دَفْعِ الْهَلَاكِ كَانَ وَاجِبًا، سَوَاءٌ أَزَادَ خَطَرُ التَّرْكِ أَمْ اسْتَوَى الْخَطَرَانِ، إذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَكَانَ ذَلِكَ اسْتِسْلَامًا لِلْكُفَّارِ، بَلْ لَوْ خَافَ ضَرَرًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ بِتَرْكِ حَمْلِهِ وَجَبَ فِيمَا يَظْهَرُ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ هُنَا مَا يَأْتِي فِي حَمْلِ السِّلَاحِ النَّجِسِ فِي حَالِ الْقِتَالِ، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ هَذَا أَنْدَرُ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْعَدُوَّ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ لَمْ يَجِبْ حَمْلُهُ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْقِتَالُ وَاجِبًا، وَلَا فَرْقَ فِي حَالِ الْوُجُوبِ كَمَا قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ بَيْنَ الْمَانِعِ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ كَالْمُتَنَجِّسِ وَالْبَيْضَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْجَبْهَةِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ يَتَعَيَّنُ الْوَضْعُ فِي الْمَانِعِ مِنْ ذَلِكَ إنْ أَمْكَنَ الِاتِّقَاءُ بِهِ، وَإِلَّا كَأَنْ خَافَ أَنْ يُصِيبَ رَأْسَهُ سَهْمٌ لَوْ نَزَعَ الْبَيْضَةَ الْمَانِعَةَ لَهُ مِنْ السُّجُودِ فَلَا يَتْرُكُ حَمْلَهُ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِتَرْكِ الْحَمْلِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ.

(الرَّابِعُ) مِنْ الْأَنْوَاعِ الصَّلَاةُ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي مَحَلِّ هَذَا

[حاشية الشبراملسي]

سَجَدُوا فِي آخِرِ صَلَاتِهِمْ

(قَوْلُهُ: بِالشَّرْطِ الْآتِي) أَيْ وَهُوَ سُهُولَةُ التَّنَاوُلِ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْأَوَّلَ) هُوَ وَضْعُ الرُّمْحِ فِي الْوَسَطِ، وَقَوْلُهُ دُونَ الثَّانِي هُوَ قَوْلُهُ وَحَاشِيَتُهُ (قَوْلُهُ: إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ التَّأَذِّي بِهِ حَرُمَ) أَيْ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ وَإِلَّا جَازَ بَلْ وَجَبَ، وَعِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ: وَكَذَا لَوْ آذَى غَيْرَهُ فَيَجِبُ حَمْلُهُ حِفْظًا لِنَفْسِهِ، وَلَا نَظَرَ لِضَرَرِ غَيْرِهِ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الِاضْطِرَارِ حَيْثُ قَدَّمَ نَفْسَهُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ دَفْعُهُ لِمُضْطَرٍّ آخَرَ تَقْدِيمًا لِنَفْسِهِ اهـ. (قَوْلُهُ: كَالْجَعْبَةِ) كَكَلْبَةٍ اهـ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ: مَا يَأْتِي فِي حَمْلِ السِّلَاحِ) وَالرَّاجِحُ مِنْهُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ (قَوْلُهُ: حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْقِتَالُ وَاجِبًا) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ الْقِتَالُ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمُسْلِمِينَ مَثَلًا (قَوْلُهُ: لَوْ نَزَعَ الْبَيْضَةَ الْمَانِعَةَ لَهُ مِنْ السُّجُودِ فَلَا يَتْرُكُ حَمْلَهُ) وَهَلْ إذَا صَلَّى كَذَلِكَ تَجِبُ الْإِعَادَةُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ شَقَّ عَلَيْهِ نَزْعُ الْعِصَابَةِ لِجِرَاحَةٍ تَحْتَهَا صَلَّى عَلَى حَالِهِ وَلَا إعَادَةَ مَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَهَا نَجَاسَةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا أَنَّهُ لَا إعَادَةَ هُنَا.
لَكِنْ فِي كَلَامِ الزِّيَادِيِّ كحج مَا يَقْتَضِي الْإِعَادَةَ، وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْعُذْرَ ثَمَّ مَوْجُودٌ وَهُوَ الْجِرَاحَةُ، وَلَا كَذَلِكَ هُنَا، فَإِنَّ إصَابَةَ.

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: إذْ لَوْ وَجَبَ لَكَانَ تَرْكُهُ مُفْسِدًا) فِيهِ أَنَّ الْوُجُوبَ هُنَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ لَا يَقْتَضِي تَرْكَهُ مَا ذَكَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ آخِرَ السِّوَادَةِ (قَوْلُهُ: كَبَيْضَةٍ) لَا وَجْهَ لِاسْتِئْنَائِهَا لِعَدَمِ دُخُولِهَا فِي السِّلَاحِ الْمُرَادِ هُنَا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ قَرِيبًا (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ هُنَا مَا يَأْتِي إلَخْ) كَلَامٌ قَاصِرٌ عَنْ أَدَاءِ الْمُرَادِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَلَوْ خَافَ ضَرَرًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ بِتَرْكِ حَمْلِهِ وَجَبَ فِي الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ وَلَوْ نَجِسًا وَمَانِعًا لِلسُّجُودِ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ هُنَا إلَخْ (قَوْلُهُ: لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) أَيْ فِي صُورَةِ مَا إذَا كَانَ الْمَخُوفُ الْهَلَاكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ إذْ هُوَ

النَّوْعِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ مِنْ الْأَنْوَاعِ بِمَحَلِّهِ حَيْثُ أَتَى بِهِ جَوَابًا عَنْ اعْتِرَاضٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ لَيْسَتْ هِيَ الصَّلَاةُ وَإِنَّمَا تُفْعَلُ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَقَوْلُهُ بِمَحِلِّهِ الْبَاءُ فِيهِ بِمَعْنَى مَعَ، أَوْ بِمَعْنَى فِي وَهُوَ (أَنْ يَلْتَحِمَ الْقِتَالُ) بَيْنَ الْقَوْمِ وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ تَرْكِهِ، وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ اخْتِلَاطِهِمْ بِحَيْثُ يَلْتَصِقُ لَحْمُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، أَوْ يُقَارِبُ الْتِصَاقَهُ أَوْ عَنْ اخْتِلَاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ كَاشْتِبَاكِ لُحْمَةِ الثَّوْبِ بِالسَّدَى (أَوْ يَشْتَدُّ الْخَوْفُ) وَإِنْ لَمْ يَلْتَحِمْ الْقِتَالُ بِأَنْ لَمْ يَأْمَنُوا أَنْ يَحْمِلَ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ لَوْ وَلَّوْا وَانْقَسَمُوا (فَيُصَلِّي) كُلٌّ مِنْهُمْ (كَيْفَ أَمْكَنَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ إخْرَاجُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا (وَيُعْذَرُ) كُلٌّ مِنْهُمْ (فِي تَرْكِ) اسْتِقْبَالِ (الْقِبْلَةِ) عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ بِسَبَبِ الْعُذْرِ لِلضَّرُورَةِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا.
قَالَ نَافِعٌ: لَا أَرَاهُ إلَّا مَرْفُوعًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، بَلْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَاهُ عَنْ

[حاشية الشبراملسي]

السَّهْمِ مَثَلًا لَيْسَتْ مُحَقَّقَةً، وَأَيْضًا فَمَا هُنَا نَادِرٌ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ مِنْ الْأَنْوَاعِ بِمَحَلِّهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ عَمِيرَةُ.
يَعْنِي أَنَّهُ ذَكَرَ النَّوْعَ وَمَحَلَّهُ، وَقَالَ هُنَا بِمَحَلِّهِ، وَقَالَ فِيمَا سَلَفَ مَا يُذْكَرُ كَأَنَّهُ مُجَرَّدُ تَفَنُّنٍ اهـ. وَهُوَ أَوْلَى مِنْ جَوَابِ الشَّارِحِ

(قَوْلُهُ: بِأَنَّ هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ) قَضِيَّةُ الِاعْتِرَاضِ بِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ الْكَيْفِيَّةَ، وَلَيْسَ مُرَادٌ، فَإِنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ سَبَبَ الصَّلَاةِ بِالْكَيْفِيَّةِ الْآتِيَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ بِمَعْنَى فِي) وَهُوَ الْأَوْضَحُ وَالْأَوْفَقُ بِمَا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي مَحَلِّ هَذَا النَّوْعِ إلَخْ (قَوْلُهُ وَهُوَ أَنْ يَلْتَحِمَ) أَيْ مَحَلُّ النَّوْعِ (قَوْلُهُ بِالسَّدَى) بِالْفَتْحِ وَالْقَصْرِ فِي الْمِصْبَاحِ، وَقَوْلُهُ لَحْمَةٌ بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا لُغَةٌ، وَهَذَا عَكْسُ اللُّحْمَةِ بِمَعْنَى الْقَرَابَةِ، وَأَمَّا اللَّحْمُ مِنْ الْحَيَوَانِ فَجَمْعُهُ لُحُومٌ وَلُحْمَانٌ بِالضَّمِّ وَلِحَامٌ بِالْكَسْرِ اهـ مِصْبَاحٌ.
أَيْضًا بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ: رَاكِبًا وَمَاشِيًا) أَيْ وَلَوْ مُومِيًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ عَجَزَ عَنْهُمَا كَمَا سَيَأْتِي: أَيْ وَيَكُونُ السُّجُودُ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ وَظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِأَقَلِّ إيمَاءٍ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَزْيَدَ مِنْهُ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ فِي تَكْلِيفِ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ مَشَقَّةً، وَرُبَّمَا يُفَوِّتُ الِاشْتِغَالُ بِهَا تَدْبِيرَ أَمْرِ الْحَرْبِ فَيَكْفِي فِيهِ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ إيمَاءٌ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ هُنَا سَنُّ إعَادَتِهَا وَلَوْ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي فَعَلَهَا أَوَّلًا، وَانْظُرْ هَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّهَا صَلَاةُ ضَرُورَةٍ فَلَا تُجَوِّزْهَا ثَانِيًا لِمُجَرَّدِ حُصُولِ سُنَّةِ الْإِعَادَةِ.
نَعَمْ يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ التَّرَدُّدِ حَيْثُ فَعَلَهَا مَعَ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ، أَمَّا لَوْ خَلَتْ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَبْعُدُ سَنُّ الْإِعَادَةِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَكَذَا الْأَعْمَالُ الْكَثِيرَةُ (قَوْلُهُ: عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ) وَالْمُرَادُ بِهِ مَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ مِنْ خَوْفِ هُجُومِ الْعَدُوِّ لَوْ اسْتَقْبَلُوا (قَوْلُهُ: وَقَدْ قَالَ بْنُ عُمَرَ) أَيْ فِي مَقَامِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ جَعَلَهُ مَعْنَى الْآيَةِ (قَوْلُهُ: لَا أَرَاهُ) أَيْ لَا أَظُنُّ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ إلَّا مَرْفُوعًا.

[حاشية الرشيدي]

الَّذِي يَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِ إيثَارًا لِلشَّهَادَةِ فَلْيُرَاجَعْ.

[النَّوْعُ الرَّابِعِ أَنْ يَلْتَحِمَ الْقِتَالُ بَيْنَ الْقَوْمِ وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ تَرْكِهِ]

(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ مِنْ الْأَنْوَاعِ بِمَحَلِّهِ) قَدْ يُقَالُ: لَوْ كَانَ هَذَا غَرَضُهُ لَأَتَى بِهِ فِي أَوَّلِ الْأَنْوَاعِ، وَيُجَابُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الشِّهَابِ الْبُرُلُّسِيِّ بِأَنَّهُ أَتَى بِنَظِيرِ هَذَا الْجَوَابِ فِيمَا مَرَّ مِنْ الْأَنْوَاعِ، لَكِنْ بِغَيْرِ هَذَا التَّعْبِيرِ تَفَنُّنًا فِي الْعِبَارَةِ، عَلَى أَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ الشَّارِحَ الْجَلَالَ إنَّمَا أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى دَفْعِ مَا قَدْ يُقَالُ إنَّ الْمُصَنِّفَ لِمَ لَمْ يُعَنْوِنْ عَنْ النَّوْعِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا بِلَفْظِ الثَّالِثِ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى لَهُ التَّعْبِيرُ هُنَا بِالرَّابِعِ، وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَابِعًا بِاللَّفْظِ فَهُوَ رَابِعٌ بِالْمَحَلِّ، فَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالرَّابِعِ وَالْبَاءُ فِيهِ عَلَى حَدِّ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِمْ: الْأَوَّلُ بِالذَّاتِ وَالثَّانِي بِالْعَرَضِ، وَالشِّهَابُ حَجّ أَشَارَ إلَى هَذَا إلَّا أَنَّهُ قَدَّرَ لِلظَّرْفِ مُتَعَلِّقًا خَارِجِيًّا وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ أَقْعَدُ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ) كَانَ الْأَصْوَبُ أَنْ يَقُولَ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، أَوْ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْكَيْفِيَّاتِ هُنَا الْأَشْيَاءُ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ، بِخِلَافِ لَفْظِ الْكَيْفِيَّاتِ الْآتِي، وَعَلَيْهِ فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا تُفْعَلُ رَاجِعٌ لِلصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى مَعَ) لَا يُنَاسِبُ مَا أَسْلَفَهُ

النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَاشِي كَالرَّاكِبِ الِاسْتِقْبَالُ حَتَّى فِي التَّحَرُّمِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلَا وَضْعِ جَبْهَتِهِ عَلَى الْأَرْضِ لِمَا فِي تَكْلِيفِهِ ذَلِكَ مِنْ تَعَرُّضِهِ لِلْهَلَاكِ، بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْمَاشِي الْمُتَنَفِّلِ فِي السَّفَرِ كَمَا مَرَّ، وَلَوْ أَمْكَنَهُ الِاسْتِقْبَالُ بِتَرْكِ الْقِيَامِ لِرُكُوبِهِ رَكِبَ لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ آكَدُ بِدَلِيلِ النَّفْلِ لَا تَرْكُهُ لِجِمَاحِ دَابَّةٍ طَالَ زَمَنُهُ، بِخِلَافِ مَا قَصُرَ زَمَنُهُ، وَصَحَّ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْجِهَةُ، أَوْ تَقَدَّمُوا عَلَى الْإِمَامِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ لِلضَّرُورَةِ، وَمِثْلُهُ مَا إذَا تَخَلَّفُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَالْجَمَاعَةُ أَفْضَلُ مِنْ انْفِرَادِهِمْ كَمَا فِي الْأَمْنِ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ فِي فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ (وَكَذَا الْأَعْمَالُ الْكَثِيرَةُ) الْمُتَوَالِيَةُ كَالضَّرَبَاتِ وَالطَّعَنَاتِ يُعْذَرُ فِيهَا (لِحَاجَةٍ) إلَيْهَا (فِي الْأَصَحِّ) وَلَا تَبْطُلُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهِ.
أَمَّا الْقَلِيلُ أَوْ الْكَثِيرُ غَيْرُ الْمُتَوَالِي فَمُحْتَمَلٌ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ فَفِيهِ أَوْلَى، وَالثَّانِي لَا يُعْذَرُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي هَذَيْنِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُمَا عَلَى الْأَصْلِ (لَا) فِي (صِيَاحٍ) فَلَا يُعْذَرُ بَلْ تَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ بَلْ السُّكُوتُ أَهْيَبُ وَمِثْلُهُ النُّطْقُ بِلَا صِيَاحٍ كَمَا فِي الْأُمِّ (وَيُلْقِي السِّلَاحَ إذَا دَمِيَ) بِمَا لَا يُعْفَى عَنْهُ إنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ تَصْحِيحًا لِصَلَاتِهِ، وَفِي مَعْنَى إلْقَائِهِ جَعْلُهُ فِي قِرَابِهِ تَحْتَ رِكَابِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: رَكِبَ) أَيْ وُجُوبًا وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ آكَدُ: أَيْ مِنْ الْقِيَامِ.
وَقَوْلُهُ بِدَلِيلِ النَّفْلِ: أَيْ حَيْثُ جَازَ مِنْ قُعُودٍ وَلَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ.
وَقَوْلُهُ لَا تَرْكُهُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ عِنْدَ الْعَجْزِ (قَوْلُهُ: طَالَ زَمَنُهُ) لَمْ يَعْتَرِضْ بِمَا لَوْ انْحَرَفَتْ دَابَّتُهُ خَطَأً أَوْ نِسْيَانًا وَمَفْهُومُهُ الضَّرَرُ كحج، لَكِنْ قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي نَفْلِ السَّفَرِ عَدَمُ الضَّرَرِ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا قَصُرَ زَمَنُهُ) أَيْ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ فِي نَفْلِ السَّفَرِ (قَوْلُهُ: كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ لِلضَّرُورَةِ) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِانْتِقَالَاتِ الْإِمَامِ يَقِينًا (قَوْلُهُ: وَالْجَمَاعَةُ أَفْضَلُ مِنْ انْفِرَادِهِمْ) أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ الِانْفِرَادُ هُوَ الْحَزْمَ اهـ حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الْأَعْمَالُ الْكَثِيرَةُ) لَوْ احْتَاجَ لِخَمْسِ ضَرَبَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ مَثَلًا فَقَصَدَ أَنْ يَأْتِيَ بِسِتٍّ مُتَوَالِيَةٍ فَهَلْ تَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ الشُّرُوعِ فِي السِّتِّ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا وَغَيْرُ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ مُبْطِلٌ، فَهَلْ الشُّرُوعُ فِيهَا شُرُوعٌ فِي الْمُبْطِلِ، أَوْ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْخَمْسَ جَائِزَةٌ فَلَا يَضُرُّ قَصْدُهَا مَعَ غَيْرِهَا، فَإِذَا فَعَلَ الْخَمْسَ لَمْ تَبْطُلْ بِهَا لِجَوَازِهَا وَلَا بِالْإِتْيَانِ بِالسَّادِسَةِ؛ لِأَنَّهَا وَحْدَهَا لَا تُبْطِلُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُتَّجَهُ لِي الْآنَ الْأَوَّلُ، وَقَدْ يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ تَوْجِيهُ الثَّانِي بِمَا ذُكِرَ لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ فِي الْأَمْنِ بِثَلَاثَةِ أَفْعَالٍ مُتَوَالِيَةٍ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَيْنِ الْمُتَوَالِيَيْنِ غَيْرُ مُبْطِلَيْنِ فَلَا يَضُرُّ قَصْدُهُمَا مَعَ غَيْرِهِمَا فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَدْ يُقَالُ: بَلْ الْمُتَّجَهُ الثَّانِي، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَاسَ عَلَيْهِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْخُطُوَاتِ فِيهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَكَانَ الْمَجْمُوعُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَالْخَمْسُ فِي الْمَقِيسِ مَطْلُوبَةٌ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ النَّهْيُ إلَّا بِالسَّادِسِ فَمَا قَبْلَهُ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْإِبْطَالِ أَصْلًا إذْ الْمُبْطِلُ هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ.
وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ شَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ مَا يُوَافِقُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَا تَبْطُلُ) بَيَّنَ بِهِ مَعْنَى الْعُذْرِ الَّذِي أَفَادَهُ التَّشْبِيهُ وَقَوْلُهُ بِهِ: أَيْ الْعَمَلِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْأَعْمَالِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي هَذَيْنِ) أَيْ فِي الْمَشْيِ أَوْ الرُّكُوبِ وَتَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ (قَوْلُهُ: لَا فِي صِيَاحٍ) قَالَ النَّاشِرِيُّ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ بِزَجْرِ الْخَيْلِ، لَكِنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْكَمِيَّ السَّاكِتَ أَهْيَبُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ زَجْرِ الْخَيْلِ انْتَهَى.
فَانْظُرْ هَلْ كَزَجْرِ الْخَيْلِ الِاسْتِغَاثَةُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَعِبَارَةُ حَجّ فِي شَرْحِهِ: وَفَرْضُ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ: أَيْ الصِّيَاحِ لِنَحْوِ تَنْبِيهِ مَنْ خَشِيَ وُقُوعَ نَحْوِ مُهْلِكٍ بِهِ أَوْ لِزَجْرِ الْخَيْلِ أَوْ لِيُعْرَفَ أَنَّهُ فُلَانٌ الْمَشْهُورُ لِشَجَاعَةٍ نَادِرَةٍ اهـ. أَيْ فَلَا يُعْذَرُ بِهِ وَبِهِ يُرَدُّ مَا فِي النَّاشِرِيِّ (قَوْلُهُ: وَيُلْقِي السِّلَاحَ إذَا دَمَى) أَيْ وَقَدَرَ عَلَى إلْقَائِهِ بِأَنْ لَمْ يَخْشَ مِنْ إلْقَائِهِ مَحْذُورًا أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ بَعْدُ فَإِنْ عَجَزَ إلَخْ (قَوْلُهُ: جَعَلَهُ فِي قِرَابُهُ) إنْ قَلَّ زَمَنُ هَذَا الْجُعْلِ بِأَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: لَا تَرْكُهُ) أَيْ الِاسْتِقْبَالَ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى تَرْكِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ.

وَلَعَلَّهُمْ اغْتَفَرُوا لَهُ هَذَا الزَّمَنَ الْيَسِيرَ وَإِنْ لَمْ يَغْتَفِرُوهُ فِي نَظَائِرِهِ كَمَا لَوْ وَقَعَ عَلَى ثَوْبِ الْمُصَلِّي نَجَاسَةٌ وَلَمْ يُنَحِّهَا حَالًا خَشْيَةً مِنْ ضَيَاعِهِ بِالْإِلْقَاءِ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ مَظِنَّةُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْأَمْنِ صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ، وَيُرَدُّ بِذَلِكَ قَوْلِ الرُّويَانِيِّ الظَّاهِرُ بُطْلَانُهَا بِهِ (فَإِنْ عَجَزَ) أَيْ احْتَاجَ إلَى إمْسَاكِهِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَنْهُ بُدٌّ (أَمْسَكَهُ) لِلْحَاجَةِ (وَلَا قَضَاءَ فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ يَعُمُّ فِي حَقِّ الْمُقَاتِلِ فَأَشْبَهَ الْمُسْتَحَاضَةَ.
وَالثَّانِي يَجِبُ لِنُدُورِ الْعُذْرِ، وَمَا رَجَّحَهُ تَبِعَ فِيهِ الْمُحَرَّرَ فَإِنَّهُ قَالَ إنَّهُ الْأَقْيَسُ، وَهُوَ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، لَكِنَّهُمَا نَقَلَا فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ هُنَا عَنْ الْإِمَامِ عَنْ الْأَصْحَابِ وُجُوبَ الْقَضَاءِ، وَفِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ فَتَكُونُ الْفَتْوَى عَلَيْهِ اهـ. وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا هُوَ الْمُرَجَّحُ فِيمَا لَوْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ (وَإِنْ عَجَزَ عَنْ رُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ أَوْمَأَ) بِهِ لِلضَّرُورَةِ (وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ) مِنْ الرُّكُوعِ وُجُوبًا تَمْيِيزًا بَيْنَهُمَا، وَهَذَانِ اللَّفْظَانِ مَنْصُوبَانِ بِتَقْدِيرِ جَعَلَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، أَوْ يَكُونُ خَبَرًا بِمَعْنَى الْأَمْرِ: أَيْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ.

(وَلَهُ ذَا النَّوْعُ) أَيْ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ سَفَرًا وَحَضَرًا (فِي كُلِّ قِتَالٍ وَهَزِيمَةٍ مُبَاحَيْنِ) ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ ضَرَرٌ، وَذَلِكَ كَالْقَافِلَةِ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالْفِئَةِ الْعَادِلَةِ فِي قِتَالِ الْبَاغِيَةِ دُونَ عَكْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ (وَهَرَبٌ مِنْ حَرِيقٍ وَسَيْلٍ وَسَبُعٍ) وَحَيَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْهُ الْمَنْعُ وَلَا التَّحَصُّنُ بِشَيْءٍ لِوُجُودِ الْخَوْفِ (وَغَرِيمٌ عِنْدَ الْإِعْسَارِ وَخَوْفُ حَبْسٍ) دَفْعًا لِضَرَرِ الْحَبْسِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَيِّنَةٌ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُصَدَّقُ فِيهِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ وَلَكِنَّ الْحَاكِمَ لَا يَسْمَعُهَا إلَّا بَعْدَ الْحَبْسِ فَهِيَ كَالْعَدَمِ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَلَا إعَادَةَ هُنَا، وَكَمَا يَجُوزُ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ يَجُوزُ أَيْضًا صَلَاةُ الْخَوْفِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ، فَيُصَلِّي بِطَائِفَةٍ وَيَسْتَعْمِلُ طَائِفَةً فِي رَدِّ السَّيْلِ وَإِطْفَاءِ النَّارِ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ خَوْفِ فَوْتِ الْوَقْتِ، وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ لَا تُفْعَلُ إلَّا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَهُوَ كَذَلِكَ مَا دَامَ يَرْجُو الْأَمْنَ، وَإِلَّا فَلَهُ فِعْلُهَا

[حاشية الشبراملسي]

زَمَنِ الْإِلْقَاءِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَنْهُ بُدٌّ) أَيْ غِنًى، وَعِبَارَةُ حَجّ بَدَلُ قَوْلِ الشَّارِحِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ.
إلَخْ وَإِنْ لَمْ يُضْطَرَّ إلَيْهِ اهـ. وَقَدْ يَتَبَادَرُ مِنْهُ مُخَالَفَتُهُ لِمَا هُنَا، وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَنْهُ بُدٌّ عَلَى مَصْلَحَةِ الْقِتَالِ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْهَلَاكَ بِتَرْكِهِ فَلَا مُخَالَفَةَ (قَوْلُهُ: فِي الْأَظْهَرِ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: أَوْ يَكُونُ خَبَرًا) أَيْ هَذَا التَّرْكِيبُ فَيَكُونَانِ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا، وَيَجُوزُ أَيْضًا رَفْعُ الْأَوَّلِ وَنَصْبُ الثَّانِي بِتَقْدِيرِ يَكُونُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا

(قَوْلُهُ: فِي كُلِّ قِتَالٍ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ نَقْلًا عَنْ غَيْرِهِ: وَكَذَا الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ بِالْأَوْلَى اهـ حَجّ.
وَسَيَأْتِي مَا يُفِيدُهُ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ، وَكَمَا تَجُوزُ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ تَجُوزُ.
إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهَزِيمَةٍ مُبَاحَيْنِ) كَقِتَالِ ذِي مَالٍ وَغَيْرِهِ لِقَاصِدِ أَخْذِهِ ظُلْمًا، وَلَا يَبْعُدُ إلْحَاقُ الِاخْتِصَاصِ بِهِ فِي ذَلِكَ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْبَاغِيَ عَاصٍ بِقِتَالِهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ فِي أُولِي الْبُغَاةِ مِنْ أَنَّ الْبَغْيَ لَيْسَ اسْمَ ذَمٍّ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا خَالَفُوا بِتَأْوِيلٍ جَائِزٍ فِي اعْتِقَادِهِمْ لَكِنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِيهِ، فَلَهُمْ لِمَا فِيهِمْ مِنْ أَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ نَوْعُ عُذْرٍ، وَمَا وَرَدَ مِنْ ذَمِّهِمْ وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْ عِصْيَانِهِمْ أَوْ فِسْقِهِمْ مَحْمُولَانِ عَلَى مَنْ لَا أَهْلِيَّةَ فِيهِ لِلِاجْتِهَادِ أَوْ لَا تَأْوِيلَ لَهُ أَوْ لَهُ تَأْوِيلٌ قَطْعِيُّ الْبُطْلَانِ انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ حَجّ هُنَا: وَفِئَةٌ عَادِلَةٌ لِبَاغِيَةٍ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ إنْ حَكَمْنَا بِإِثْمِهِمْ فِي الْحَالَةِ الْآتِيَةِ فِي بَابِهِمْ اهـ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُصَدَّقُ فِيهِ) أَيْ الْإِعْسَارِ كَأَنْ عُرِفَ لَهُ قَبْلُ وَادَّعَى تَلَفَهُ (قَوْلُهُ: وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ خَوْفِ الْوَقْتِ) أَيْ خَوْفِ خُرُوجِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ) أَيْ خِلَافًا لحج قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: وَالْقِيَاسُ أَنَّ بَقِيَّةَ الْأَنْوَاعِ كَذَلِكَ.
وَقَالَ عَمِيرَةُ: وَأَمَّا بَاقِي الْأَنْوَاعِ فَالظَّاهِرُ فِيهَا عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ وَالْأَقْرَبُ مَا قَالَهُ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَلَهُ فِعْلُهَا) أَيْ وَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ.

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ فِي صَلَاةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، وَيُصَلِّي فِي هَذَا النَّوْعِ أَيْضًا الْعِيدَ وَالْكُسُوفَ بِقِسْمَيْهِمَا وَالرَّوَاتِبَ وَالتَّرَاوِيحَ لَا الِاسْتِسْقَاءَ فَإِنَّهُ لَا يَفُوتُ وَلَا الْفَائِتَةَ بِعُذْرٍ كَذَلِكَ إلَّا إذَا خِيفَ فَوْتُهَا بِالْمَوْتِ، بِخِلَافِ مَا إذَا فَاتَتْهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ فِيمَا يَظْهَرُ، وَلَا يُصَلِّيهَا طَالِبُ عَدُوٍّ خَافَ فَوْتَهُ لَوْ صَلَّى مُتَمَكِّنًا؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي خَوْفِ فَوْتِ مَا هُوَ حَاصِلٌ وَهِيَ لَا تَتَجَاوَزُ مَحِلَّهَا وَهَذَا مُحَصَّلٌ.
نَعَمْ إنْ خَشَى كَرَّتَهُ، أَوْ كَمِينًا أَوْ انْقِطَاعَهُ عَنْ رُفْقَتِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا؛ لِأَنَّهُ خَائِفٌ، وَلَوْ خُطِفَ نَعْلُهُ مَثَلًا فِي الصَّلَاةِ جَازَتْ لَهُ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ إذَا خَافَ ضَيَاعَهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَبَعًا لِابْنِ الْعِمَادِ، وَلَا يَضُرُّ وَطْؤُهُ النَّجَاسَةَ كَحَامِلِ سِلَاحِهِ الْمُلَطَّخِ بِالدَّمِ لِلْحَاجَةِ، وَيَلْزَمُهُ فِعْلُهَا ثَانِيًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّهُ يَجُوزُ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ لِلْخَوْفِ عَلَى مَالِهِ، وَمِنْ كَلَامِ الْجُرْجَانِيِّ الْمَارِّ فِي خَوْفِهِ مِنْ انْقِطَاعِهِ عَنْ رُفْقَتِهِ، وَمِنْ تَعْلِيلِهِمْ بِعَدَمِ جَوَازِهَا إنْ خَافَ فَوْتَ الْعَدُوِّ بِأَنَّهُ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ مَا هُوَ حَاصِلٌ، وَقَوْلُ الدَّمِيرِيِّ: لَوْ شَرَدَتْ فَرَسُهُ فَتَبِعَهَا إلَى صَوْبِ الْقِبْلَةِ شَيْئًا كَثِيرًا، أَوْ إلَى غَيْرِهَا بَطَلَتْ مُطْلَقًا، مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَخَفْ ضَيَاعَهَا بَلْ بُعْدَهَا عَنْهُ فَتَكَلَّفَ الْمَشْيَ،

[حاشية الشبراملسي]

فَرْعٌ] لَوْ كَانَ يَعْلَمُ زَوَالَ الْخَوْفِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ رَكْعَةٍ وَجَبَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى زَوَالِ الْخَوْفِ لِإِمْكَانِهَا أَدَاءً عَلَى هَيْئَتِهَا مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ كَمَا ارْتَضَاهُ م ر هَكَذَا فَرَاجِعْهُ هَلْ هُوَ مَنْقُولٌ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَقَدْ يَتَبَادَرُ مِنْ الشَّارِحِ خِلَافُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ الْآنَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى إخْرَاجِ بَعْضِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا، ثُمَّ رَأَيْت سم صَرَّحَ بِمَا قُلْنَاهُ (قَوْلُهُ: فِيمَا يَظْهَرُ) أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَوْ حَصَلَ الْأَمْنُ بَقِيَّةَ الْوَقْتِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ وَلَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ.
(قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي فِي هَذَا النَّوْعِ) وَمِثْلُهُ بَقِيَّةُ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ بِالْأَوْلَى اهـ حَجّ.
لَكِنْ قَدَّمْنَا عَنْهُ التَّرَدُّدَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ، وَمَا ذُكِرَ فِي الرَّوَاتِبِ ظَاهِرٌ حَيْثُ فُعِلَتْ جَمَاعَةً عَلَى خِلَافِ الْمَطْلُوبِ فِيهَا.
وَأَمَّا إذَا فُعِلَتْ فُرَادَى فَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي مَجِيءِ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ فِيهِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ إنَّمَا تُفْعَلُ إذَا صُلِّيَتْ جَمَاعَةً وَالْجَمَاعَةُ فِيهَا غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ.
وَأَمَّا صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ فَلَا مَانِعَ مِنْهَا خَشْيَةَ فَوَاتِهَا حَيْثُ ضَاقَ الْوَقْتُ.
(قَوْلُهُ: الْعِيدُ وَالْكُسُوفُ بِقِسْمَيْهِمَا) أَيْ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَكُسُوفِ الْقَمَرِ وَالشَّمْسِ (قَوْلُهُ: خِيفَ فَوْتُهَا بِالْمَوْتِ) أَيْ الْفَائِتَةِ بِعُذْرٍ وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ فَإِذَا خِيفَ فَوْتُهُ صَلَّى صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا فَاتَتْهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ) أَيْ فَيُصَلِّيهَا حَالًا خُرُوجًا مِنْ الْمَعْصِيَةِ، وَلَوْ قِيلَ شِدَّةُ الْخَوْفِ عُذْرٌ فِي التَّأْخِيرِ وَلَا مَعْصِيَةَ لَمْ يَبْعُدْ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ التَّرْتِيبِ فِي الْفَوَائِتِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَأَخِّرُ فَاتَ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلِّيهَا) أَيْ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ (قَوْلُهُ إذَا خَافَ ضَيَاعَهُ) وَاسْتُشْكِلَ هَذَا بِأَنَّهُ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ مَا هُوَ حَاصِلٌ، وَهَذَا النَّوْعُ إنَّمَا يَجُوزُ، كَذَلِكَ قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ نَقْلًا عَنْ الشَّارِحِ مَا نَصُّهُ: وَاعْتَذَرَ م ر عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا يَشْمَلُ مَا كَانَ حَاصِلًا، وَيَرِدُ الِاشْتِغَالُ بِإِنْقَاذِ نَحْوِ الْغَرِيقِ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوهُ كَالْحَجِّ مَعَ أَنَّ فِيهِ تَحْصِيلَ مَا كَانَ حَاصِلًا، وَأَوْرَدْت عَلَيْهِ ذَلِكَ فَحَاوَلَ التَّخَلُّصَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا لَهُ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي اعْتِبَارُ كَوْنِ الْمُرَادِ بِالْحَاصِلِ مَا كَانَ حَاصِلًا لَهُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ اهـ فَلْيُرَاجَعْ فَإِنَّ فِيهِ نَظَرًا.
وَقَضِيَّتُهُ الْجَوَازُ إذَا كَانَ الْغَرِيقُ عَبْدَهُ مَثَلًا فَلْيُحَرَّرْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَيَلْزَمُهُ فِعْلُهَا ثَانِيًا) أَيْ فِي حَالِ تَلَطُّخِهِ بِالنَّجَسِ فَقَطْ اهـ مُؤَلِّفٌ، وَيَحْتَمِلُ الْإِعَادَةَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ هَذَا نَادِرٌ وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَإِذَا أَدْرَكَهُ فَلَيْسَ لَهُ الْعَوْدُ لِمَحَلِّهِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ كَانَ إمَامًا فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِنْ إطْلَاقِهِمْ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ إنَّمَا اُغْتُفِرَ فِي سَعْيِهِ لِتَلْخِيصِ مَتَاعِهِ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِشِدَّةِ الْحَرْبِ، وَالْحَاجَةُ هُنَا قَدْ انْقَضَتْ بِاسْتِيلَائِهِ عَلَى مَتَاعِهِ فَلَا وَجْهَ لِلْعَوْدِ (قَوْلُهُ: أَوْ إلَى غَيْرِهَا بَطَلَتْ مُطْلَقًا) أَيْ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَيَلْزَمُهُ فِعْلُهَا ثَانِيًا) أَيْ فِيمَا إذَا وَطِئَ النَّجَاسَةَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْفَتَاوَى (قَوْلُهُ: وَمِنْ كَلَامِ الْجُرْجَانِيِّ) أَيْ بِالْأَوَّلِ، وَعِبَارَةُ الْفَتَاوَى: بَلْ صَرَّحَ الْجُرْجَانِيُّ إلَخْ

أَمَّا عِنْدَ خَوْفِ ضَيَاعِهَا فَلَا بُطْلَانَ مُطْلَقًا كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِهِمْ.

(وَالْأَصَحُّ مَنْعُهُ لِمُحْرِمٍ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ) أَيْ لَوْ قَصَدَ الْمُحْرِمُ عَرَفَاتٍ لَيْلًا وَبَقِيَ مِنْ وَقْتِ الْعِشَاءِ مِقْدَارٌ إنْ صَلَّاهَا فِيهِ عَلَى الْأَرْضِ فَاتَهُ الْوُقُوفُ، وَإِنْ سَارَ فِيهِ إلَى عَرَفَاتٍ فَاتَتْهُ الْعِشَاءُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ فَإِنَّهُ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ مَا هُوَ حَاصِلٌ بَلْ يَرُومُ تَحْصِيلَ مَا لَيْسَ بِحَاصِلٍ، فَأَشْبَهَ خَوْفَ فَوْتِ الْعَدُوِّ عِنْدَ انْهِزَامِهِمْ كَمَا مَرَّ.
وَالثَّانِي لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِفَوَاتِ الْحَجِّ لَا يَنْقُصُ عَنْ ضَرَرِ الْحَبْسِ أَيَّامًا فِي حَقِّ الْمَدْيُونِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ وُجُوبًا وَيَحْصُلُ الْوُقُوفُ كَمَا صَوَّبَهُ الْمُصَنِّفُ خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْحَجِّ صَعْبٌ، وَقَضَاءَ الصَّلَاةِ هَيِّنٌ، وَقَدْ عُهِدَ تَأْخِيرُهَا بِمَا هُوَ أَسْهَلُ مِنْ مَشَقَّةِ الْحَجِّ كَتَأْخِيرِهَا لِلْجَمْعِ، وَالْمُرَادُ بِتَأْخِيرِهَا تَرْكُهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَلَوْ أَمْكَنَهُ مَعَ التَّأْخِيرِ إدْرَاكُ رَكْعَةٍ جَازَ قَطْعُهَا لِلضَّرُورَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي، وَلَيْسَ لِلْعَازِمِ عَلَى الْإِحْرَامِ التَّأْخِيرُ، وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِالْمُحْرِمِ فِيمَا مَرَّ الْمُشْتَغِلَ بِإِنْقَاذِ غَرِيقٍ، أَوْ دَفْعِ صَائِلٍ عَنْ نَفْسٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ صَلَاةٍ عَلَى مَيِّتٍ خِيفَ انْفِجَارُهُ وَلَوْ ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ بِأَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ أَحْرَمَ مَاشِيًا كَهَارِبٍ مِنْ حَرِيقٍ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي وَالْجِيلِيُّ، وَسُئِلَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالْعُمْرَةُ وَلَا يُمْكِنُهُ إلَّا إحْدَاهُمَا بِأَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَهَلْ يُقَدِّمُ الْعُمْرَةَ عَلَيْهَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْعُمْرَةِ عَلَيْهَا كَمَا يُقَدِّمُ وُقُوفَ عَرَفَةَ عَلَيْهَا.

(وَلَوْ) (صَلَّوْا) صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ (لِسَوَادٍ) كَإِبِلٍ وَشَجَرٍ (ظَنُّوهُ عَدُوًّا) لَهُمْ، أَوْ كَثِيرًا بِأَنْ ظَنُّوا كَوْنَهُ أَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِنَا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ عُدُولٍ لَهُمْ (فَبَانَ) الْحَالُ (بِخِلَافِهِ) ، أَوْ بَانَ كَمَا ظَنُّوا وَلَكِنْ بَانَ دُونَهُ حَائِلٌ كَخَنْدَقٍ أَوْ نَارٍ، أَوْ مَاءٍ، أَوْ أَنَّ بِقُرْبِهِمْ حِصْنًا يُمْكِنُهُمْ التَّحَصُّنُ بِهِ مِنْهُ: أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَاصِرَهُمْ فِيهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، أَوْ شَكُّوا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ صَلَّوْهَا (قَضَوْا فِي الْأَظْهَرِ) لِتَفْرِيطِهِمْ بِخَطَئِهِمْ، أَوْ شَكِّهِمْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي دَارِنَا، أَوْ دَارِ الْحَرْبِ، وَصَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ هُنَا مِثَالٌ.
وَالضَّابِطُ أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةً لَا تَجُوزُ فِي الْأَمْنِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ خِلَافُ ظَنِّهِمْ، فَشَمَلَ ذَلِكَ

[حاشية الشبراملسي]

كَثِيرًا كَانَ أَوْ قَلِيلًا (قَوْلُهُ: فَلَا بُطْلَانَ مُطْلَقًا) أَيْ وَيَأْتِي فِي الْقَضَاءِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِيمَنْ خُطِفَ نَعْلُهُ

(قَوْلُهُ: وَعَلَى الْأَوَّلِ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ) أَيْ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ قَضَاؤُهَا فَوْرًا لِلْعُذْرِ فِي فَوَاتِهَا.
(قَوْلُهُ: بِإِنْقَاذِ غَرِيقٍ) أَيْ أَوْ أَسِيرٍ (قَوْلُهُ: أَوْ دَفْعِ صَائِلٍ عَنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ) أَيْ لِغَيْرِهِ بِقَرِينَةِ مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ لِلْخَوْفِ عَلَى مَالِهِ حَيْثُ جَوَّزَ فِيهِ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَأَوْجَبَ التَّأْخِيرَ هُنَا (قَوْلُهُ عَلَى مَيِّتٍ خِيفَ انْفِجَارُهُ) أَيْ فَيَتْرُكُهَا رَأْسًا وَبَقِيَ مَا لَوْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ إنْقَاذُ الْغَرِيقِ أَوْ الْأَسِيرِ أَوْ انْفِجَارُ الْمَيِّتِ وَفَوْتُ الْحَجِّ فَهَلْ يُقَدِّمُ الْحَجَّ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْحَجَّ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ وَلَوْ بِمَشَقَّةٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: أَحْرَمَ مَاشِيًا) أَيْ وُجُوبًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا بِالْإِيمَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَا يُكَلَّفُ عَدَمَ إطَالَةِ الْقِرَاءَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةُ صَلَاتِهِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَقَدْ جَوَّزْنَاهَا لَهُ هُنَا؛ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي وَالْجِيلِيُّ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيَنْبَغِي وُجُوبُ الْإِعَادَةِ لِتَقْصِيرِهِ اهـ. وَاعْتَمَدَهُ م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: كَمَا يُقَدِّمُ وُقُوفَ عَرَفَةَ عَلَيْهَا) قَالَ حَجّ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا: وَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَفُوتُ بِفَوَاتِ عَرَفَةَ وَالْعُمْرَةَ لَا تَفُوتُ بِفَوَاتِ ذَلِكَ الْوَقْتِ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: بَلْ تَفُوتُ؛ لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ بِالْجَعْلِ كَالْمُعَيَّنِ بِالشَّرْعِ، نَعَمْ يَرِدُ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّارِحُ أَنَّهُ امْتَنَعَتْ الصَّلَاةُ عِنْدَ خَوْفِ فَوْتِ الْحَجِّ لِمَا فِي قَضَائِهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْعُمْرَةِ بِتَقْدِيرِ فَوْتِهَا

(قَوْلُهُ: وَلَوْ صَلَّوْا) غَايَةٌ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَاصِرَهُمْ) يَعْنِي الْعَدُوَّ.
(قَوْلُهُ: قَضَوْا فِي الْأَظْهَرِ) قَالَ عَمِيرَةُ: لَوْ ظَنَّ أَنَّ الْعَدُوَّ يَقْصِدُهُ فَبَانَ خِلَافُهُ فَلَا قَضَاءَ

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ: تَرْكُهَا بِالْكُلِّيَّةِ) يَعْنِي إخْرَاجَهَا عَنْ الْوَقْتِ بِالْكُلِّيَّةِ

فَصْلٌ فِيمَا يَجُوزُ لُبْسُهُ لِمَنْ ذَكَرَ مَا لَا يَجُوزُ

صَلَاةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَصَلَاةَ عُسْفَانَ، وَالْفِرْقَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ عَلَى رِوَايَةِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ لِوُجُودِ الْخَوْفِ عِنْدَ الصَّلَاةِ.

فَصْلٌ فِيمَا يَجُوزُ لُبْسُهُ إنْ ذَكَرَ وَمَا لَا يَجُوزُ وَلَمَّا خَتَمَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَذَا الْبَابَ بِبَيَانِ مَا يَحِلُّ لُبْسُهُ لِلْمُحَارِبِ وَغَيْرِهِ وَمَا لَا يَحِلُّ اقْتَدَى بِهِ الْمُصَنِّفُ كَالْأَكْثَرِينَ فَقَالَ: فَصْلٌ فِيمَا يَجُوزُ لُبْسُهُ لِمَنْ ذُكِرَ وَمَا لَا يَجُوزُ (يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ) وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ احْتِيَاطًا (اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ) وَلَوْ قَزًّا (بِفَرْشٍ وَغَيْرِهِ) مِنْ تَسَتُّرٍ وَتَدَثُّرٍ وَاِتِّخَاذِ سُتُرٍ وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ لَا مَشْيُهُ عَلَيْهِ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لِمُفَارَقَتِهِ لَهُ حَالًّا لَا يُعَدُّ مُسْتَعْمِلًا لَهُ عُرْفًا لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ» وَقَوْلِ حُذَيْفَةَ «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ» وَمَرَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ فِي يَمِينِهِ قِطْعَةَ حَرِيرٍ وَفِي شِمَالِهِ قِطْعَةَ ذَهَبٍ وَقَالَ: هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ» وَوَجَّهَ الْإِمَامُ تَحْرِيمَهُ بِأَنَّ فِيهِ مَعَ مَعْنَى الْخُيَلَاءِ أَنَّهُ ثَوْبُ رَفَاهِيَةٍ وَزِينَةٍ وَإِبْدَاءُ زِيٍّ يَلِيقُ بِالنِّسَاءِ دُونَ شَهَامَةِ الرِّجَالِ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي الْأُمِّ مِنْ كَرَاهَةِ لُبْسِ اللُّؤْلُؤِ لِلرَّجُلِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَجْعَلْ زِيَّهُنَّ وَحْدَهُ مُقْتَضِيًا لِلتَّحْرِيمِ بَلْ مَعَ مَا انْضَمَّ إلَيْهِ مِمَّا ذُكِرَ، عَلَى أَنَّ الَّذِي صَوَّبَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ حُرْمَةُ التَّشَبُّهِ بِهِنَّ كَعَكْسِهِ لِمَا يَأْتِي، فَمَا فِي الْأُمِّ إمَّا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ

[حاشية الشبراملسي]

قَطْعًا، نَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عِنْدَ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَالشَّيْخِ فِي الْمُهَذَّبِ اهـ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِشَيْخِنَا: لَمْ يَقْضُوا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ إذْ لَا تَفْرِيطَ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
قَالَ حَجّ: وَفِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ لَوْ بَانَ عُدُوًّا لَكِنَّ نِيَّتَهُ الصُّلْحُ أَوْ التِّجَارَةُ فَلَا قَضَاءَ، لِأَنَّهُ هُنَا لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ فِي تَأَمُّلِهِ إذْ لَا اطِّلَاعَ لَهُ عَلَى نِيَّتِهِ اهـ.

[فَصْلٌ فِيمَا يَجُوزُ لُبْسُهُ إنْ ذَكَرَ وَمَا لَا يَجُوزُ]

فَصْلٌ فِيمَا يَجُوزُ لُبْسُهُ (قَوْلُهُ: وَمَا لَا يَجُوزُ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ كَالِاسْتِصْبَاحِ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ (قَوْلُهُ: يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ) أَيْ وَلَوْ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُمْنَعُ مِنْ لُبْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ حُكْمَنَا فِيهِ، فَكَمَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ كَذَلِكَ لَا يُمْنَعُ مِنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ (قَوْلُهُ: اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ) وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ (قَوْلُهُ: بِفَرْشٍ وَغَيْرِهِ) أَيْ وَلَوْ غَيْرَ مَنْسُوجٍ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: مَشْيُهُ عَلَيْهِ) قَالَ سم عَلَى حَجّ.
قَوْلُهُ لَا مَشْيُهُ إلَخْ أَقُولُ: قِيَاسُ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ نَامُوسِيَّةٍ مَثَلًا مَفْتُوحَةٍ وَأَخْرَجَ كُوزًا مِنْ دَاخِلِهَا فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَوَضَعَهُ تَحْتَهَا لَمْ يَحْرُمْ؛ لِأَنَّ إدْخَالَ الْيَدِ تَحْتُ لِإِخْرَاجِ الْكُوزِ ثُمَّ لِوَضْعِهِ ثُمَّ لِإِخْرَاجِهَا إنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ الْمَشْيِ عَلَى الْحَرِيرِ مَا زَادَ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمَا أَجَابَ بِهِ م ر عَلَى الْفَوْرِ مَعَ مُوَافَقَتِهِ عَلَى حِلِّ الْمَشْيِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَا الدِّيبَاجَ) مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ (قَوْلُهُ: وَمَرَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ فِي الْآنِيَةِ (قَوْلُهُ وَزِينَةٍ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: مِمَّا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ أَنَّ فِيهِ مَعَ مَعْنَى الْخُيَلَاءِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَاِتِّخَاذُ سِتْرٍ) بِمَعْنَى إرْخَائِهِ أَيْ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَعْمَلًا كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا بَعْدَهُ لَا بِمَعْنَى ادِّخَارِهِ الَّذِي لَيْسَ بِنِيَّةِ الِاسْتِعْمَالِ (قَوْلُهُ: لَا مَشْيُهُ) خَرَجَ بِهِ فَرْشُهُ لِلْمَشْيِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: رَفَاهِيَةً وَزِينَةً) مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: إمَّا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ) يَعْنِي إمَّا قَوْلٌ لَهُ بِالْكَرَاهَةِ وَالرَّاجِحُ غَيْرُهُ

أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ جِنْسِ زِيِّ النِّسَاءِ لَا أَنَّهُ زِيٌّ مَخْصُوصٌ بِهِنَّ، وَقَدْ ضَبَطَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ مَا يَحْرُمُ التَّشَبُّهُ بِهِنَّ فِيهِ بِأَنَّهُ مَا كَانَ مَخْصُوصًا بِهِنَّ فِي جِنْسِهِ وَهَيْئَتِهِ أَوْ غَالِبًا فِي زِيِّهِنَّ، وَكَذَا يُقَالُ فِي عَكْسِهِ وَأَلْحَقُوا بِالرَّجُلِ الْخُنْثَى لِلِاحْتِيَاطِ كَمَا مَرَّ، وَالتَّقْيِيدُ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ بِاللُّبْسِ وَالْجُلُوسِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ فَيَحْرُمُ مَا عَدَاهُمَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْأَخْبَارِ، وَأَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِحُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْسُوجًا بِدَلِيلِ اسْتِثْنَائِهِمْ مِنْ الْحُرْمَةِ خَيْطَ السُّبْحَةِ وَلَيْقَةَ الدَّوَاةِ، وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ وَرَقِ الْحَرِيرِ فِي الْكِتَابَةِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الِاسْتِحَالَةَ (وَيَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُهُ) لِمَا مَرَّ فِي الْخَبَرِ حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ، وَلِأَنَّ تَزْيِينَ الْمَرْأَةِ بِذَلِكَ يَدْعُو إلَى الْمَيْلِ إلَيْهَا وَوَطْئِهَا فَيُؤَدِّي إلَى مَا طَلَبَهُ الشَّارِعُ مِنْ كَثْرَةِ النَّسْلِ، وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ وَغَيْرِهِ لُبْسُ ثَوْبٍ خِيطَ بِهِ، وَلَا يَأْتِي فِيهِ تَفْصِيلُ الْمُضَبَّبِ لِأَنَّهُ أَهْوَنُ، وَيَحِلُّ مِنْهُ خَيْطُ السُّبْحَةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَيُلْحَقُ بِهِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ لَيْقَةُ الدَّوَاةِ لِاسْتِتَارِهَا بِالْحِبْرِ كَإِنَاءِ نَقْدٍ غُشِّيَ بِغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهَا أَوْلَى بِانْتِفَاءِ الْخُيَلَاءِ مِنْ التَّطْرِيفِ وَمِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ الْخَيْطُ

[حاشية الشبراملسي]

إلَخْ (قَوْلُهُ: وَكَذَا يُقَالُ فِي عَكْسِهِ) وَمِنْهُ وَمَا يَقَعُ لِنِسَاءِ الْعَرَبِ مِنْ لُبْسِ البشوت وَحَمْلِ السِّكِّينِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالرِّجَالِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ اخْتَصَّتْ النِّسَاءُ أَوْ غَلَبَ فِيهِنَّ زِيٌّ مَخْصُوصٌ فِي إقْلِيمٍ وَغَلَبَ فِي غَيْرِهِ تَخْصِيصُ الرِّجَالِ بِذَلِكَ الزِّيِّ كَمَا قِيلَ إنَّ نِسَاءَ قُرَى الشَّامِ يَتَزَيَّنَّ بِزِيِّ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَتَعَاطَوْنَ الْحَصَادَ وَالزِّرَاعَةَ وَيَفْعَلْنَ ذَلِكَ، فَهَلْ يَثْبُتُ فِي كُلِّ إقْلِيمٍ مَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِهِ أَوْ يُنْظَرُ لِأَكْثَرِ الْبِلَادِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ نَقْلًا عَنْ الْإِسْنَوِيِّ مَا يُصَرِّحُ بِهِ، وَعِبَارَتُهُ: وَمَا أَفَادَهُ: أَيْ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي لِبَاسِ وَزِيِّ كُلٍّ مِنْ النَّوْعَيْنِ حَتَّى يَحْرُمَ التَّشَبُّهُ بِهِ فِيهِ بِعُرْفِ كُلِّ نَاحِيَةٍ حَسَنٌ اهـ. وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ كَثِيرٍ مِنْ النِّسَاءِ بِمِصْرَ الْآنَ مِنْ لُبْسِ قِطْعَةِ شَاشٍ عَلَى رُءُوسِهِنَّ حَرَامًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتِلْكَ الْهَيْئَةِ مُخْتَصًّا بِالرِّجَالِ وَلَا غَالِبًا فِيهِمْ، فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ، وَأَمَّا مَا يَقَعُ مِنْ إلْبَاسِهِنَّ لَيْلَةَ جَلَائِهِنَّ عِمَامَةَ رَجُلٍ فَيَنْبَغِي فِيهِ الْحُرْمَةُ؛ لِأَنَّ هَذَا الزِّيَّ مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ (قَوْلُهُ: وَيَحِلُّ مِنْهُ خَيْطُ السُّبْحَةِ) بَيَانٌ لِلْمُسْتَثْنَى فَلَا يُقَالُ إنَّهُ تَكْرَارٌ مَعَ مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهَا أَوْلَى بِانْتِفَاءِ الْخُيَلَاءِ) تَوَقَّفَ م ر فِيمَا لَوْ أَرْخَى نَحْوَ نَامُوسِيَّةٍ صَغِيرَةٍ عَلَى كِيزَانٍ هَلْ يَجُوزُ لِلرِّجَالِ تَنَاوُلُ الْكُوزَ مِنْ تَحْتِهَا وَوَضْعُهُ تَحْتَهَا؟ وَقَالَ: يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعِدْ ذَلِكَ لَهُ أَنْ لَا يَحْرُمَ بِمُجَرَّدِ تَنَاوُلِهِ الْكُوزَ وَرَدِّهِ لِمَوْضِعِهِ.
وَلَوْ رُفِعَتْ سَحَابَةٌ مِنْ حَرِيرٍ حَرُمَ الْجُلُوسُ تَحْتَهَا حَيْثُ كَانَتْ قَرِيبَةً بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَعْمَلًا أَوْ مُنْتَفَعًا بِهَا، وَلَوْ جُعِلَ تَحْتَهَا مِمَّا يَلِي الْجَالِسَ ثَوْبٌ مِنْ كَتَّانٍ مَثَلًا مُتَّصِلَةٌ بِهَا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ حُرْمَةَ الْجُلُوسِ تَحْتَهَا، كَمَا لَوْ كَانَ ظَاهِرُ اللِّحَافِ حَرِيرًا فَتَغَطَّى بِظَاهِرِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ كَتَّانٍ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لِلْحَرِيرِ، وَلَوْ رُفِعَتْ السَّحَابَةُ جِدًّا بِحَيْثُ صَارَتْ فِي الْعُلُوِّ كَالسُّقُوفِ لَمْ يَحْرُمْ الْجُلُوسُ تَحْتَهَا، كَمَا لَا يَحْرُمُ السَّقْفُ الْمُذَهَّبُ وَإِنْ حَرُمَ فِعْلُهُ مُطْلَقًا وَاسْتِدَامَتُهُ إنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ، وَحَيْثُ حَرُمَ الْجُلُوسُ تَحْتَ السَّحَابَةِ فَصَارَ ظِلُّهَا غَيْرَ مُحَاذٍ لَهَا بَلْ فِي جَانِبٍ آخَرَ حَرُمَ الْجُلُوسُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لَهَا كَمَا لَوْ تَبَخَّرَ

[حاشية الرشيدي]

كَذَا ظَهَرَ (قَوْلُهُ: أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ زِيِّ النِّسَاءِ) يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ زِيِّ النِّسَاءِ: أَيْ غَيْرِ الْخَاصِّ بِهِنَّ وَلَا الْغَالِبِ فِيهِنَّ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ زِيِّ الرِّجَالِ أَيْضًا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ فَرْضَ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا لَبِسَهُ لَا عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي تَلْبَسُ بِهَا النِّسَاءُ فَقَدْ تَشَبَّهَ بِهِنَّ فِيمَا هُوَ مَخْصُوصٌ بِهِنَّ فِي جِنْسِهِ لَا فِي هَيْئَتِهِ، وَالْحُرْمَةُ إنَّمَا تَثْبُتُ بِمَجْمُوعِهَا كَمَا يَأْتِي فِي الضَّابِطِ، فَقَوْلُهُ: لَا أَنَّهُ زِيٌّ مَخْصُوصٌ بِهِنَّ: أَيْ وَلَا غَالِبٌ فِيهِنَّ: أَيْ بَلْ تُشَارِكُهُنَّ فِيهِ الرِّجَالُ عَلَى السَّوَاءِ مَثَلًا عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ، أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِهِنَّ لِكَوْنِهِ لَبِسَهُ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ بِهِنَّ عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الِاسْتِحَالَةَ) يَعْنِي اتِّخَاذَ الْحَرِيرِ وَرِقًا

الَّذِي يُنَظَّمُ فِيهِ أَغْطِيَةُ الْكِيزَانِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْعَنْبَرِ وَالصَّنْدَلِ وَنَحْوِهِمَا وَالْخَيْطُ الَّذِي يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْمِنْطَقَةُ وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْحَيَّاصَةُ بَلْ أَوْلَى بِالْحِلِّ وَجَوَّزَ الْفُورَانِيُّ لِلرَّجُلِ مِنْهُ كِيسُ الْمُصْحَفِ.
أَمَّا كِيسُ الدَّرَاهِمِ وَغِطَاءُ الْعِمَامَةِ مِنْهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْآنِيَةِ أَنَّ الْأَرْجَحَ حُرْمَتُهُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ لُبْسُ خِلَعِ الْحَرِيرِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُلُوكِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ لِقِلَّةِ زَمَنِهِ، وَلِإِلْبَاسِ عُمَرَ سُرَاقَةَ سِوَارَيْ كِسْرَى وَجَعَلَ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ، وَإِذَا جَاءَتْ الرُّخْصَةُ فِي لُبْسِ الذَّهَبِ لِلزَّمَنِ الْيَسِيرِ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا يُعَدُّ اسْتِعْمَالًا فَالْحَرِيرُ أَوْلَى، ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْأَوْلَى فِي التَّعْلِيلِ مَا فِي مُخَالَفَةِ ذَلِكَ مِنْ خَوْفِ الْفِتْنَةِ لَا كِتَابَةُ الصَّدَاقِ فِيهِ وَلَوْ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أَفْتَى الْمُصَنِّفُ وَنَقَلَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ؛ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ

[حاشية الشبراملسي]

بِمِبْخَرَةِ الذَّهَبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَوِيَ عَلَيْهَا، كَذَا أَجَابَ م ر بَعْدَ السُّؤَالِ عَنْهُ وَالْمُبَاحَثَةِ فِيهِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُ سم مُتَّصِلَةٌ بِهَا: أَيْ بِأَنْ جُعِلَتْ بِطَانَةً لَهَا (قَوْلُهُ: الَّذِي يُنَظِّمُ فِيهِ أَغْطِيَةَ الْكِيزَانِ) . [فَرْعٌ] يَنْبَغِي وِفَاقًا لِ م ر جَوَازُ تَعْلِيقِ نَحْوِ الْقِنْدِيلِ بِخَيْطِ الْحَرِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْ جَوَازِ جَعْلِ سَلْسَلَةِ الْفِضَّةِ لِلْكُوزِ، وَمِنْ تَوَابِعِ جَوَازِ جَعْلِهَا لَهُ تَعْلِيقُهُ وَحَمْلُهُ بِهَا وَهُوَ أَخَفُّ مِنْهُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
[فَرْعٌ] الْوَجْهُ حِلُّ غِطَاءِ الْكُوزِ مِنْ الْحَرِيرِ وَإِنْ كَانَ بِصُورَةِ الْإِنَاءِ، إذْ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ وَإِنْ كَانَ بِصُورَةِ الْإِنَاءِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَغِطَاءُ الْعِمَامَةِ مِنْهُ) وَمَحَلُّ الْحُرْمَةِ فِي اسْتِعْمَالِ غِطَاءِ الْعِمَامَةِ إذَا كَانَ هُوَ الْمُسْتَعْمِلَ لَهُ.
أَمَّا لَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ مَثَلًا هِيَ الَّتِي تُبَاشِرُ ذَلِكَ فَهَلْ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَعْمِلَةٌ لَهُ فِيمَا لَيْسَ لُبْسًا لَهَا وَلَا افْتِرَاشًا أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهَا إنَّمَا اسْتَعْمَلَتْهُ لِخِدْمَةِ الرَّجُلِ لَا لِنَفْسِهَا (قَوْلُهُ: إنَّ الْأَرْجَحَ حُرْمَتُهُ عَلَيْهِ) أَيْ حُرْمَةُ كِيسِ الدَّرَاهِمِ وَمِثْلُهُ غِطَاءُ الْعِمَامَةِ وَنَحْوُهُ، وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ: وَكَذَا يَحِلُّ كِيسُ الدَّرَاهِمِ وَغِطَاءُ الْكُوزِ عَلَى نَظَرٍ فِيهِمَا، وَالْمُعْتَمَدُ تَحْرِيمُ كِيسِ الدَّرَاهِمِ، وَمِثْلُهُ غِطَاءُ الْعِمَامَةِ اهـ (قَوْلُهُ: وَجَعَلَ التَّاجَ) أَيْ تَاجَ كَسْرَى (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى فِي التَّعْلِيلِ) وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِلْبَاسُ مِنْ الْمُلُوكِ حَرَامًا، وَلَا يُعَارِضُهُ فِعْلُ عُمَرَ الْمَذْكُورُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ لِغَرَضٍ كَتَحْقِيقِ إخْبَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسُرَاقَةَ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ لِلْمَرْأَةِ) أَيْ وَلَوْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ لِأَجْلِ الْمَرْأَةِ؛ لِكَوْنِهَا الطَّالِبَةَ لَهَا دُونَ الزَّوْجِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ الْحُرْمَةُ سَوَاءٌ كَانَ الْكَاتِبُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، وَعِبَارَةُ حَجّ: وَيَحْرُمُ خِلَافًا لِكَثِيرِينَ كِتَابَةُ الرَّجُلِ لَا الْمَرْأَةِ قَطْعًا خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ فِيهِ الصَّدَاقُ فِيهِ وَلَوْ لِامْرَأَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ حَالَ الْكِتَابَةِ هُوَ الْكَاتِبُ، كَذَا أَفْتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ وَنَقَلَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَنُوزِعَ فِيهِ بِمَا لَا يُجْدِي انْتَهَى وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَحَاصِلُهُ الْفَرْقُ بَيْنَ كِتَابَةِ الرَّجُلِ فَيَحْرُمُ وَلَوْ لِامْرَأَةٍ وَبَيْنَ كِتَابَةِ الْمَرْأَةِ فَيَجُوزُ وَلَوْ لِرَجُلٍ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَيْهِ بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ لَا كِتَابَةُ الصَّدَاقِ عَلَى مَا لَوْ كَانَ الْكَاتِبُ الرَّجُلَ، وَقَدْ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَرْقُهُ بَيْنَ الْخِيَاطَةِ وَالْكِتَابَةِ بِأَنَّ الْكِتَابَةَ اسْتِعْمَالٌ بِخِلَافِ الْخِيَاطَةِ.
وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ: جَوَّزَ م ر بَحْثًا نَقْشَ الْحُلِيِّ لِلْمَرْأَةِ وَالْكِتَابَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ زِينَةٌ لِلْمَرْأَةِ وَهِيَ تَحْتَاجُهُ لِلزِّينَةِ وَبَحَثَ أَنَّ كِتَابَةَ اسْمِهَا عَلَى ثَوْبِهَا الْحَرِيرِ إنْ احْتَاجَتْ إلَيْهَا فِي حِفْظِهِ جَازَ فِعْلُهَا لِلرَّجُلِ وَإِلَّا فَلَا فَلْيُتَأَمَّلْ.
[فَرْعٌ] قَدْ يُسْأَلُ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ جَوَازِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ بِالذَّهَبِ حَتَّى لِلرَّجُلِ وَحُرْمَةِ تَحْلِيَتِهِ بِالذَّهَبِ لِلرَّجُلِ، وَلَعَلَّهُ أَنَّ كِتَابَتَهُ رَاجِعَةٌ لِنَفْسِ حُرُوفِهِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ تَحْلِيَتِهِ فَالْكِتَابَةُ أَدْخَلُ فِي التَّعْلِيقِ بِهِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُهُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَالْخَيْطُ الَّذِي يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْمِنْطَقَةُ إلَخْ) صَادِقٌ بِمَا لَوْ كَانَتْ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ الْحُرْمَةُ حِينَئِذٍ مِنْ حَيْثُ الْفِضَّةُ أَوْ الذَّهَبُ لَا مِنْ حَيْثُ الْحَرِيرُ (قَوْلُهُ: وَغِطَاءُ الْعِمَامَةِ) أَيْ إذَا كَانَ الْمُغَطَّى هُوَ الرَّجُلَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بِخِلَافِ مَا إذَا غَطَّتْهَا الْمَرْأَةُ (قَوْلُهُ: لَا كِتَابَةُ الصَّدَاقِ) أَيْ مِنْ الرِّجَالِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ سَوَابِقِهِ وَلَوَاحِقِهِ

نُوزِعَ فِيهِ، وَلَيْسَ كَخِيَاطَةِ أَثْوَابِ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ كَمَا زَعَمَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَارْتَضَاهُ الْجَوْجَرِيُّ.
وَقَالَ فِي الْإِسْعَادِ: إنَّهُ الْأَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الْخِيَاطَةَ لَا اسْتِعْمَالَ فِيهَا بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ وَلَا اتِّخَاذُهُ بِلَا لُبْسٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
قَالَ: لَكِنَّ إثْمَهُ دُونَ إثْمِ اللُّبْسِ، وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ قِيَاسُ إنَاءِ النَّقْدِ، لَكِنَّ كَلَامَهُمْ ظَاهِرٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، فَلَوْ حُمِلَ هَذَا عَلَى مَا إذَا اتَّخَذَهُ لِيَلْبَسَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّخَذَهُ لِمُجَرَّدِ الْقِنْيَةِ لَمْ يَبْعُدْ، وَلَا لُبْسُ دِرْعٍ نُسِجَ بِقَلِيلِ ذَهَبٍ، أَوْ زُرَّ بِأَزْرَارِهِ، أَوْ خِيطَ بِهِ لِكَثْرَةِ الْخُيَلَاءِ، وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ رَزِينٍ بِإِثْمِ مَنْ يُفَصِّلُ لِلرِّجَالِ الْكُلُوثَاتِ الْحَرِيرَ وَالْأَقْمَاعَ وَيَشْتَرِي الْقُمَاشَ الْحَرِيرَ وَيَبِيعُهُ لَهُمْ أَوْ يَخِيطُهُ لَهُمْ، أَوْ يَصُوغُ الذَّهَبَ لِلُبْسِهِمْ (وَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُ افْتِرَاشِهَا) إيَّاهُ لِلسَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ، بِخِلَافِ اللُّبْسِ فَإِنَّهُ يُزَيِّنُهَا لِلْحَلِيلِ كَمَا مَرَّ.
وَالثَّانِي يَحِلُّ كَلُبْسِهِ وَسَيَأْتِي تَرْجِيحُهُ.

(وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ) (لِلْوَلِيِّ) الْأَبِ، أَوْ غَيْرِهِ (إلْبَاسَهُ) أَيْ الْحَرِيرَ (الصَّبِيَّ) وَلَوْ مُرَاهِقًا، وَتَزْيِينَهُ بِالْحُلِيِّ وَلَوْ مِنْ ذَهَبٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ

[حاشية الشبراملسي]

إنْ احْتَاجَتْ إلَيْهَا فِي حِفْظِهِ يَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَهُ كِتَابَةُ التَّمَائِمِ فِي الْحَرِيرِ إذَا ظَنَّ بِإِخْبَارِ الثِّقَةِ أَوْ اشْتِهَارِ نَفْعِهِ لِدَفْعِ صُدَاعٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَأَنَّ الْكِتَابَةَ فِي غَيْرِ الْحَرِيرِ لَا تَقُومُ مَقَامَهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا سَيَأْتِي مِنْ حِلِّ اسْتِعْمَالِهِ لِدَفْعِ الْقَمْلِ وَنَحْوِهِ، وَهَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ جَعْلُ فَكَّةِ اللِّبَاسِ مِنْ الْحَرِيرِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ الزِّيَادِيِّ الْجَوَازُ فَلْيُرَاجَعْ.
أَقُولُ: وَلَا مَانِعَ مِنْهُ قِيَاسًا عَلَى خَيْطِ الْمِفْتَاحِ حَيْثُ قِيلَ بِجَوَازِهِ لِكَوْنِهِ أَمْكَنَ مِنْ الْكَتَّانِ وَنَحْوِهِ، وَقِيَاسُ ذَلِكَ أَيْضًا جَوَازُ خَيْطِ الْمِيزَانِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَلِاحْتِيَاجِهَا كَثِيرًا (قَوْلُهُ: وَلَا اتِّخَاذُهُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا كِتَابَةُ الصَّدَاقِ إلَخْ، أَيْ فَلَا يَحِلُّ وَاحِدٌ مِنْهَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَوْجَهُ) فِي حَاشِيَةِ الزِّيَادِيِّ تَقْيِيدُ الْجَوَازِ بِمَا إذَا قَصَدَ إلْبَاسَهُ لِمَنْ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ وَإِلَّا حَرُمَ.
[فَرْعٌ] يُرَاجَعُ إلْبَاسُ الْحَرِيرِ لِلدَّوَابِّ، وَهَلْ حُرْمَةُ سَتْرِ الْجُدْرَانِ تَسْتَلْزِمُ حُرْمَةَ إلْبَاسِهِ الدَّوَابَّ أَوْ يُفَرَّقُ؟ وَالْمُتَّجَهُ الْآنَ وِفَاقًا لَمْ ر الْحُرْمَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْقُصُ عَنْ الْجُدْرَانِ لِأَنَّ إلْبَاسَهَا مَحْضُ زِينَةٍ وَلَيْسَتْ كَصَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَمَجْنُونٍ لِظُهُورِ الْغَرَضِ فِي إلْبَاسِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ.
[فَرْعٌ] التَّفَرُّجُ عَلَى الزِّينَةِ الْمُحَرَّمَةِ لِكَوْنِهَا بِنَحْوِ الْحَرِيرِ حَرَامٌ بِخِلَافِ الْمُرُورِ لِحَاجَةٍ، وَامْتِنَاعُ ابْنِ الرِّفْعَةِ مِنْ الْمُرُورِ أَيَّامَ الزِّينَةِ كَانَ وَرَعًا م ر، وَلَوْ أُكْرِهَ النَّاسُ عَلَى الزِّينَةِ الْمُحَرَّمَةِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ فَهَلْ يَجُوزُ التَّفَرُّجُ عَلَيْهَا؟ يُتَّجَهُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ سَتْرَ نَحْوِ الْجُدْرَانِ بِالْحَرِيرِ حَرَامٌ فِي نَفْسِهِ، وَعَدَمُ حُرْمَةِ وَضْعِهِ لِعُذْرِ الْإِكْرَاهِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْحُرْمَةِ فِي نَفْسِهِ وَمَا هُوَ حَرَامٌ فِي نَفْسِهِ يَحْرُمُ التَّفَرُّجُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ رِضًا بِهِ فَلْيُرَاجَعْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُهُ وِفَاقًا م ر مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحُرْمَةِ إلْبَاسُهَا الْحُلِيَّ لِمَا عَلَّلَ بِهِ، وَقَوْلُ سم هُنَا: وَلَوْ أُكْرِهَ النَّاسُ إلَخْ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا لَوْ أُكْرِهُوا عَلَى مُطْلَقِ الزِّينَةِ فَزَيَّنُوا بِالْحَرِيرِ الْخَالِصِ مَعَ كَوْنِهِمْ لَوْ زَيَّنُوا بِغَيْرِهِ أَوْ بِمَا أَكْثَرُهُ مِنْ الْقُطْنِ مَثَلًا لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُمْ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَوْ يَخِيطُهُ لَهُمْ) وَكَالْخِيَاطَةِ النَّسْجُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى

(قَوْلُهُ: وَأَنَّ لِلْوَلِيِّ) أَيْ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّأْدِيبِ فَيَشْمَلُ الْأُمَّ وَالْأَخَ الْكَبِيرَ مَثَلًا فَيَجُوزُ لَهُمَا إلْبَاسُهُ الْحَرِيرَ فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: إلْبَاسُهُ الصَّبِيَّ) . [فَرْعٌ] اعْتَمَدَ م ر أَنَّ مَا جَازَ لِلْمَرْأَةِ جَازَ لِلصَّبِيِّ، فَيَجُوزُ إلْبَاسُ كُلٍّ مِنْهُمَا نَعْلًا مِنْ ذَهَبٍ حَيْثُ لَا إسْرَافَ عَادَةً اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: وَتَزْيِينُهُ بِالْحُلِيِّ) الْمُرَادُ بِالْحُلِيِّ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ، وَلَيْسَ مِنْهُ جَعْلُ الْخِنْجَرِ الْمَعْرُوفِ وَالسِّكِّينِ الْمَعْرُوفَةِ فَيَحْرُمُ عَلَى الْوَلِيِّ إلْبَاسُ الصَّبِيِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحُلِيِّ.
وَأَمَّا الْحِيَاصَةُ الْمَعْرُوفَةُ فَيَنْبَغِي حِلُّ إلْبَاسِهَا لَهُ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا يَتَزَيَّنُ بِهِ النِّسَاءُ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهَا لِلنِّسَاءِ قَوْلُهُ السَّابِقُ: وَالْخَيْطُ الَّذِي تُعْقَدُ عَلَيْهِ الْمِنْطَقَةُ وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْحِيَاصَةَ،

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

عِيدٍ، إذْ لَيْسَ لَهُ شَهَامَةٌ تُنَافِي خُنُوثَةَ ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إلْبَاسُهُ فِي غَيْرِ يَوْمَيْ الْعِيدِ، بَلْ يَمْنَعُهُ مِنْهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَلْحَقَ الْغَزَالِيُّ فِي إحْيَائِهِ الْمَجْنُونَ بِالصَّبِيِّ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ التَّعْلِيلُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (قُلْت: الْأَصَحُّ حِلُّ افْتِرَاشِهَا) إيَّاهُ (وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) كَلُبْسِهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْخَلِيَّةُ وَغَيْرُهَا، فَإِنْ فَرَشَ رَجُلٌ، أَوْ خُنْثَى عَلَيْهِ غَيْرَهُ وَلَوْ خَفِيفًا مُهَلْهَلَ النَّسْجِ كَمَا فِي الْمَطْلَبِ وَجَلَسَ فَوْقَهُ جَازَ كَمَا يَجُوزُ جُلُوسُهُ عَلَى مِخَدَّةٍ مَحْشُوَّةٍ بِهِ وَعَلَى نَجَاسَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَائِلٌ حَيْثُ لَا تَلْقَى شَيْئًا مِنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثِيَابِهِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَصَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إذَا اتَّفَقَ فِي دَعْوَةٍ، أَوْ نَحْوِهَا.
أَمَّا لَوْ اتَّخَذَ لَهُ حَصِيرًا مِنْ حَرِيرٍ فَالْوَجْهُ التَّحْرِيمُ وَإِنْ بَسَطَ فَوْقَهَا شَيْئًا لِمَا فِيهِ مِنْ السَّرَفِ وَاسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ لَا مَحَالَةَ اهـ. وَالْأَوْجَهُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ عَدَمُ الْفَرْقِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ، ثُمَّ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ مِنْ حُرْمَةِ الْحَرِيرِ عَلَى الرَّجُلِ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ

(وَيَحِلُّ لِلرَّجُلِ) وَالْخُنْثَى (لُبْسُهُ لِلضَّرُورَةِ) (كَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُهْلِكَيْنِ) أَيْ شَدِيدَيْنِ يَتَضَرَّرُ مِنْهُمَا وَيَخَافُ مِنْ ذَلِكَ تَلَفَ نَحْوِ عُضْوٍ، أَوْ مَنْفَعَتِهِ إزَالَةً لِلضَّرَرِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ جَوَازِ لُبْسِهِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ أَخَفُّ (أَوْ فُجَاءَةِ حَرْبٍ) جَائِزٌ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمَدِّ وَبِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ: أَيْ بَغْتَتِهَا (وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ) يَقُومُ مَقَامَهُ لِلضَّرُورَةِ، وَجَوَّزَ ابْنُ كَجٍّ اتِّخَاذَ الْقَبَاءِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَصْلُحُ لِلْقِتَالِ وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَ الْحَرِيرِ مِمَّا يَدْفَعُ لِمَا فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْهَيْئَةِ وَانْكِسَارِ قُلُوبِ الْكُفَّارِ كَتَحْلِيَةِ السَّيْفِ وَنَحْوِهِ، وَنَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ وَصَحَّحَهُ وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ أَخْذًا بِظَاهِرِ كَلَامِهِمْ (وَ) يَجُوزُ لَهُ أَيْضًا (لِلْحَاجَةِ) وَلَوْ سَتْرَ الْعَوْرَةِ بِهِ وَفِي الْخَلْوَةِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَكَذَا سَتْرُ مَا زَادَ عَلَيْهَا عِنْدَ الْخُرُوجِ لِلنَّاسِ (كَجَرَبٍ وَحَكَّةٍ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْخَصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي لُبْسِهِ لِلْحِكَّةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْحِكَّةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ: الْجَرَبُ الْيَابِسُ (وَ) لِلْحَاجَةِ فِي (دَفْعِ قَمْلٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْمَلُ بِالْخَاصَّةِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: الرِّوَايَاتُ فِي الرُّخْصَةِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالزُّبَيْرِ يَظْهَرُ أَنَّهَا مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ اجْتَمَعَ فِيهَا الْحِكَّةُ وَالْقَمْلُ فِي السَّفَرِ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يُقَالُ: الْمُقْتَضِي لِلتَّرَخُّصِ إنَّمَا هُوَ اجْتِمَاعُ الثَّلَاثَةِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِمَنْزِلَتِهَا فَيَنْبَغِي اقْتِصَارُ الرُّخْصَةِ عَلَى مَجْمُوعِهَا وَلَا يَثْبُتُ فِي بَعْضِهَا إلَّا بِدَلِيلٍ.
وَأُجِيبَ بَعْدَ تَسْلِيمِ

[حاشية الشبراملسي]

وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ كُلَّ مَا جَازَ لِلنِّسَاءِ لُبْسُهُ جَازَ لِلْوَلِيِّ إلْبَاسُهُ لِلصَّبِيِّ (قَوْلُهُ: قُلْت الْأَصَحُّ حِلُّ افْتِرَاشِهَا) خَرَجَ بِافْتِرَاشِهَا اسْتِعْمَالُهَا لَهُ فِي غَيْرِ اللُّبْسِ وَالْفَرْشِ فَلَا يَحِلُّ، وَمِنْهُ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النِّسَاءِ مِنْ اتِّخَاذِ غِطَاءٍ مِنْ الْحَرِيرِ لِعِمَامَةِ زَوْجِهَا أَوْ لِتُغَطِّيَ بِهِ شَيْئًا مِنْ أَمْتِعَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ مُعَدَّةً لِلُّبْسِ كَالْمُسَمَّى الْآن بِالْبُقْجَةِ.
فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلُبْسٍ وَلَا افْتِرَاشٍ بَلْ هُوَ لِمُجَرَّدِ الْخُيَلَاءِ، لَكِنْ قَدْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا جَوَازُ كِتَابَةِ الْمَرْأَةِ لِلصَّدَاقِ فِي الْحَرِيرِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لُبْسًا وَلَا فَرْشًا، وَدَوَامُ الصَّدَاقِ عِنْدَهَا بَعْدَ الْكِتَابَةِ كَإِدَامَةِ الْبُقْجَةِ فَالْأَقْرَبُ الْجَوَازُ فِيهَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ فَرَشَ رَجُلٌ إلَخْ) وَخَرَجَ بِفَرَشَ مَا لَوْ خَاطَهُ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقٍ دُونَ أَسْفَلَ فَيَحْرُمُ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ كَحَشْوِ الْجُبَّةِ (قَوْلُهُ: عَلَى مِخَدَّةٍ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا حِلُّ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ اتِّخَاذِ مُجَوَّزَةٍ بِطَانَتُهَا حَرِيرٌ وَظِهَارَتُهَا صُوفٌ وَخِيَاطَةُ الْمَجْمَعِ عَلَى الْبِطَانَةِ؛ لِأَنَّ الْبِطَانَةَ حِينَئِذٍ تَصِيرُ كَحَشْوِ الْجُبَّةِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: مَحْشُوَّةٌ بِهِ) أَيْ الْحَرِيرِ (قَوْلُهُ: عَدَمُ الْفَرْقِ) أَيْ بَيْنَ مَا لَوْ اتَّفَقَ لَهُ ذَلِكَ فِي دَعْوَةٍ وَغَيْرِهَا

(قَوْلُهُ: كَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُهْلِكَيْنِ) . قَالَ فِي الْقُوتِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي مَعْنَى خَوْفِ الْهَلَاكِ خَوْفَ مَا اشْتَدَّ ضَرَرُهُ كَالْحُمَّى وَالْبَرَصِ وَبُطْءِ الْبُرْءِ وَكُلِّ مَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى التَّيَمُّمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُهْلِكًا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: أَخْذًا بِظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَحْلِيَةِ السَّيْفِ أَنَّ التَّحْلِيَةَ مُسْتَهْلَكَةٌ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ وَفِي الْآلَةِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْ الْبَدَنِ بِخِلَافِ التَّزَيُّنِ بِالْحَرِيرِ فِيهِمَا اهـ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: عِنْدَ الْخُرُوجِ لِلنَّاسِ) أَيْ وَلَوْ بِارْتِدَاءٍ وَتَعَمُّمٍ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَقْمَلُ) فِي الْمُخْتَارِ: قَمِلَ رَأْسُهُ مِنْ بَابِ طَرِبَ، وَعَلَيْهِ فَيُقْرَأُ مَا هُنَا بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَيَكُونُ الْمَعْنَى لَا يَقْمَلُ مِنْ لُبْسِهِ (قَوْلُهُ: الثَّلَاثَةُ) هِيَ الْحَكَّةُ وَالْقَمْلُ وَالسَّفَرُ

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ظُهُورِ أَنَّهَا مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ بِمَنْعِ كَوْنِ أَحَدِهَا لَيْسَ بِمَنْزِلَتِهَا فِي الْحَاجَةِ الَّتِي عُهِدَ إنَاطَةُ الْحُكْمِ بِهَا مِنْ نَظَرٍ لِأَفْرَادِهَا فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، بَلْ كَثِيرًا مَا تَكُونُ الْحَاجَةُ فِي أَحَدِهَا لِبَعْضِ النَّاسِ أَقْوَى مِنْهَا فِي الثَّلَاثَةِ لِبَعْضٍ آخَرَ، فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ كَمَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ لِلْحَاجَةِ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ مُغْنِيًا عَنْهُ لَمْ يَجُزْ لُبْسُهُ كَالتَّدَاوِي بِالنَّجَاسَةِ، وَاعْتَمَدَهُ جَمْعٌ وَنَازَعَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فِيهِ بِأَنَّ جِنْسَ الْحَرِيرِ مِمَّا أُبِيحَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَكَانَ أَخَفَّ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ الضَّرُورَةَ الْمُبِيحَةَ لِلْحَرِيرِ لَا يَأْتِي مِثْلُهَا فِي النَّجَاسَةِ حَتَّى تُبَاحَ لِأَجْلِهَا، فَعَدَمُ إبَاحَتِهَا لِغَيْرِ التَّدَاوِي إنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ تَأَتِّيهِ فِيهَا لَا لِكَوْنِهَا أَغْلَظَ، عَلَى أَنَّ لُبْسَ نَجِسِ الْعَيْنِ يَجُوزُ لِمَا جَازَ لَهُ الْحَرِيرُ فَهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِيهَا، وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَ) لِلْحَاجَةِ (لِلْقِتَالِ كَدِيبَاجٍ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّدْبِيجِ وَهُوَ النَّقْشُ وَالتَّزْيِينُ أَصْلُهُ دِيبَاهٌ بِالْهَاءِ وَجَمْعُهُ دَيَابِيجُ وَدَيَابِجُ (لَا يَقُومُ غَيْرُهُ) فِي دَفْعِ السِّلَاحِ (مَقَامَهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ثُلَاثِيٍّ تَقُولُ: قَامَ هَذَا مَقَامَ ذَاكَ بِالْفَتْحِ وَأَقَمْته مُقَامَهُ بِالضَّمِّ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ وَذَلِكَ فِي حُكْمِ الضَّرُورَةِ.
أَمَّا إذَا وَجَدَ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَأَعَادَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْجَوَازَ فِيمَا مَرَّ مَخْصُوصٌ بِحَالَةِ الْفَجْأَةِ فَقَطْ دُونَ الِاسْتِمْرَارِ.

(وَيَحْرُمُ) عَلَى الرَّجُلِ وَالْخُنْثَى (الْمُرَكَّبُ مِنْ إبْرَيْسَمَ) أَيْ حَرِيرٍ بِأَيِّ أَنْوَاعِهِ كَانَ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَبِفَتْحِهِمَا وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ (وَغَيْرِهِ) كَغَزْلٍ وَقُطْنٍ (إنْ زَادَ وَزْنُ الْإِبْرَيْسَمِ) عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ خُصُوصًا إذَا اجْتَمَعَ حَلَالٌ وَحَرَامٌ وَالْحَرَامُ أَغْلَبُ (وَيَحِلُّ عَكْسُهُ) وَهُوَ مُرَكَّبٌ نَقَصَ فِيهِ الْإِبْرَيْسَمُ عَنْ غَيْرِهِ كَالْخَزِّ سَدَاه حَرِيرٌ وَلُحْمَتُهُ صُوفٌ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْأَكْثَرِ فِيهِمَا (وَكَذَا) يَحِلُّ (إنْ اسْتَوَيَا) وَزْنًا فِيمَا رُكِّبَ مِنْهُمَا (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى ثَوْبُ حَرِيرٍ وَالْأَصْلُ الْحِلُّ.
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إنَّمَا «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ الْحَرِيرِ» أَيْ الْخَالِصِ، فَأَمَّا الْعَلَمُ: أَيْ الطِّرَازُ وَنَحْوُهُ وَسَدَى الثَّوْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِنَا وَزْنًا أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِظُهُورِ الْحَرِيرِ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ لُبْسُهُ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ لُبْسَ نَجِسِ الْعَيْنِ إلَخْ) أَيْ أَمَّا الْمُتَنَجِّسُ فَلَا يَتَوَقَّفُ حِلُّهُ عَلَى ضَرُورَةٍ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: عَلَى مَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ مُغْنِيًا عَنْهُ لَمْ يَجُزْ لُبْسُهُ.
[فَرْعٌ] إذَا اتَّزَرَ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَرْتَدِي بِهِ وَيَتَعَمَّمُ مِنْ غَيْرِ الْحَرِيرِ.
قَالَ أَبُو شُكَيْلٍ: الْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَخَّصَ لَهُ فِي الِارْتِدَاءِ أَوْ التَّعَمُّمِ بِهِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَكَانَ تَرْكُهُ يُزْرِي بِمَنْصِبِهِ، فَإِنْ خَرَجَ مُتَّزِرًا مُقْتَصِرًا عَلَى ذَلِكَ نُظِرَ، فَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الِاقْتِدَاءَ بِالسَّلَفِ وَتَرْكَ الِالْتِفَاتِ إلَى مَا يُزْرِي بِالْمَنْصِبِ لَمْ تَسْقُطْ بِذَلِكَ مُرُوءَتُهُ بَلْ يَكُونُ فَاعِلًا لِلْأَفْضَلِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ بَلْ فَعَلَ ذَلِكَ انْخِلَاعًا وَتَهَاوُنًا بِالْمُرُوءَةِ سَقَطَتْ مُرُوءَتُهُ.
كَذَا فِي النَّاشِرِيِّ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ يُؤْخَذُ أَنَّ لُبْسَ الْفَقِيهِ الْقَادِرِ عَلَى التَّجَمُّلِ بِالثِّيَابِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا عَادَةُ أَمْثَالِهِ ثِيَابًا دُونَهَا فِي الصِّفَةِ وَالْهَيْئَةِ إنْ كَانَ لِهَضْمِ النَّفْسِ وَالِاقْتِدَاءِ بِالسَّلَفِ الصَّالِحِينَ لَمْ يُخِلَّ بِمُرُوءَتِهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ أَخَلَّ بِهَا.
وَمِنْهُ مَا لَوْ تَرَكَ ذَلِكَ مُعَلِّلًا بِأَنَّ مَعْرُوفٍ وَأَنَّهُ لَا يَزِيدُ مَقَامُهُ عِنْدَ النَّاسِ بِاللُّبْسِ وَلَا يَنْقُصُ بِعَدَمِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مُخِلًّا لِمُنَافَاتِهِ مَنْصِبَ الْفُقَهَاءِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَهْزَأَ بِنَفْسِ الْفِقْهِ (قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا) وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ

(قَوْلُهُ: الْمُصْمَتُ) هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الصَّادِ وَفَتْحِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ وَبِالْمُثَنَّاةِ مِنْ قَوْلِك أَصْمَتّه أَنَا قَامُوسٌ بِالْمَعْنَى

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: مَأْخُوذٌ مِنْ التَّدْبِيجِ) لَا يُنَاسِبُ كَوْنَهُ مُعَرَّبًا، إذْ الْمُعَرَّبُ لَفْظٌ اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي مَعْنًى وُضِعَ لَهُ فِي غَيْرِ لُغَتِهِمْ، وَهَذَا الْأَخْذُ يَقْتَضِي أَنَّهُ عَرَبِيٌّ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَأَعَادَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا مَسْأَلَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَالْأُولَى فِي ثَوْبٍ لَا نَفْعَ فِيهِ لِلْقِتَالِ إلَّا أَنَّهُ لَبِسَهُ لِلسِّتْرِ بِهِ عِنْدَ فَجْأَةِ

فِي الْمُرَكَّبِ مَعَ قِلَّةِ وَزْنِهِ أَوْ مُسَاوَاتِهِ لِغَيْرِهِ خِلَافًا لِلْقَفَّالِ.
وَلَوْ تَغَطَّى بِلِحَافِ حَرِيرٍ وَغَشَّاهُ بِغَيْرِهِ اُتُّجِهَ أَنْ يُقَالَ: إنْ خَاطَ الْغِشَاءَ عَلَيْهِ جَازَ؛ لِكَوْنِهِ كَحَشْوِ الْجُبَّةِ وَإِلَّا فَلَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي الْجُلُوسِ عَلَى فُرُشِ الْحَرِيرِ بِحَائِلٍ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ بِنَحْوِ خِيَاطَةٍ بِأَنَّ الْحَائِلَ فِيهِ يَمْنَعُ الِاسْتِعْمَالَ عُرْفًا بِخِلَافِ هَذَا وَحَيْثُ لَمْ يَحْرُمْ مَا مَرَّ كُرِهَ.
وَلَوْ شَكَّ فِي كَثْرَةِ الْحَرِيرِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ اسْتِوَائِهِمَا حَرُمَ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدَمِ تَحْرِيمِ الْمُضَبَّبِ إذَا شَكَّ فِي كِبَرِ الضَّبَّةِ بِالْعَمَلِ بِالْأَصْلِ فِيهِمَا، إذْ الْأَصْلُ حِلُّ اسْتِعْمَالِ الْإِنَاءِ قَبْلَ تَضْبِيبِهِ، وَالْأَصْلُ تَحْرِيمُ الْحَرِيرِ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ وَاسْتِمْرَارُ مُلَابَسَةِ الْمَلْبُوسِ لِجَمِيعِ الْبَدَنِ بِخِلَافِ الْإِنَاءِ وَغَلَبَةُ الظَّنِّ كَافِيَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ الْيَقِينُ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ الْحُرْمَةُ تَغْلِيبًا لَهَا وَاخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَقِيلَ الْعِبْرَةُ بِالظُّهُورِ لَا بِالْوَزْنِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْأَوَّلِ.

(وَيَحِلُّ) لِمَنْ ذُكِرَ (مَا) أَيْ ثَوْبٌ (طُرِّزَ) ، أَوْ رُقِّعَ بِحَرِيرٍ وَلَمْ يُجَاوِزْ كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٍ دُونَ مَا جَاوَزَهَا لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ مَعَ خَبَرِ مُسْلِمٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ أُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ» وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَنْسُوجِ بِأَنَّ الْحَرِيرَ هُنَا مُتَمَيِّزٌ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِهِ، ثُمَّ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ حَرُمَتْ الزِّيَادَةُ هُنَا عَلَى الْأَرْبَعِ أَصَابِعَ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ وَزْنَ الْحَرِيرِ وَلَوْ تَعَدَّدَتْ مَحَالُّهُمَا وَكَثُرَتْ بِحَيْثُ يَزِيدُ الْحَرِيرُ عَلَى غَيْرِهِ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا،

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: اُتُّجِهَ أَنْ يُقَالَ إنْ خَاطَ الْغِشَاءَ عَلَيْهِ جَازَ) أَيْ مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَلَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ لِكَوْنِهِ كَحَشْوِ.
إلَخْ (قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ تَحْرِيمُ الْحَرِيرِ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي الْمُحَرَّمَةِ الْمُطَرَّزَةِ بِالْإِبْرَةِ حَرُمَ اسْتِعْمَالُهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ كَانَ قِيَاسُ الْمُضَبَّبِ الْحِلَّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْقُمَاشِ وَالْحَرِيرُ طَارِئٌ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْعِبْرَةُ بِالظُّهُورِ) هَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ خِلَافًا لِلْقَفَّالِ

(قَوْلُهُ: قَدْرُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ) أَيْ عَرْضًا وَإِنْ زَادَ طُولُهُ اهـ زِيَادِيٌّ فَلْيُتَأَمَّلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا بِالْهَامِشِ.
وَفِي سم عَلَى مَنْهَجٍ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمَدَارَ قَطْعُ الْأَصَابِعِ الْأَرْبَعِ طُولًا وَعَرْضًا فَقَطْ بِأَنْ لَا يَزِيدَ طُولُ الطِّرَازِ عَلَى طُولِ الْأَرْبَعِ وَعَرْضُهُ عَلَى عَرْضِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْخَادِمِ عَنْ حِكَايَةِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّ الْمُرَادَ أَصَابِعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ غَيْرِهَا اهـ. فَلَوْلَا أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرْنَا لَمَا كَانَ لِاعْتِبَارِ طُولِهَا عَلَى غَيْرِهَا مَعْنًى فَلْيُتَأَمَّلْ.
[فَرْعٌ] ذَكَرُوا أَنَّ التَّرْقِيعَ كَالتَّطْرِيزِ، فَهَلْ الْمُرَادُ الْخَيْطُ الْمُرَقَّعُ بِهِ أَوْ الْقِطْعَةُ الَّتِي يُرَقِّعُهَا فِي غَيْرِهَا؟ وَالْوَجْهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَعَمُّ مِنْهُمَا، وَقَدْ وَافَقَ م ر عَلَى ذَلِكَ اهـ. زَادَ عَلَى حَجّ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَتَقَيَّدَ الطُّولُ بِقَدْرٍ فَلْيُتَأَمَّلْ: أَيْ فِي التَّطْرِيزِ لَا التَّرْقِيعِ م ر اهـ. فَيَكُونُ الْحَاصِلُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ تَحْرُمُ زِيَادَةٌ فِي الْعَرْضِ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعَ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِقَدْرٍ فِي الطُّولِ.
(قَوْلُهُ: تَعَدَّدَتْ مَحَالُّهُمَا) أَيْ الطَّرْزُ وَالرَّقْعُ الْمُتَقَدِّمَيْنِ (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ يَزِيدُ الْحَرِيرُ عَلَى غَيْرِهِ) ظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي غَيْرِ الْحَرِيرِ مِنْ الثَّوْبِ بَيْنَ ظِهَارَتِهِ وَبِطَانَتِهِ وَحَشْوِهِ مَثَلًا وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ

[حاشية الرشيدي]

الْقِتَالِ، وَالثَّانِيَةُ فِي ثَوْبٍ اتَّخَذَهُ لِلْقِتَالِ لِنَفْعِهِ فِيهِ فِي دَفْعِ السِّلَاحِ فَتَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: وَاسْتِمْرَارُ مُلَابَسَةِ الْمَلْبُوسِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْعَمَلِ فَهُوَ فَرْقٌ ثَانٍ.

(قَوْلُهُ: وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَنْسُوجِ إلَخْ) هَذَا الْفَرْقُ لِلشِّهَابِ حَجّ فِي إمْدَادِهِ فِي مَقَامِ الرَّدِّ عَلَى الْجِيلِيِّ وَغَيْرِهِ فِي اخْتِيَارِهِمْ مَا تَقَدَّمَ اخْتِيَارُهُ لِلشَّارِحِ فَلَا مَوْقِعَ لَهُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ بَعْدَ اخْتِيَارِهِ مَا مَرَّ، وَعِبَارَةُ الْإِمْدَادِ: وَلَوْ تَعَدَّدَتْ مَحَالُّهُمَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ نَقْلًا عَنْ الْحَلِيمِيِّ: اشْتَرَطَ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى طِرَازَيْنِ كُلُّ طِرَازٍ عَلَى كُمٍّ، وَأَنَّ كُلَّ طِرَازٍ لَا يَزِيدُ عَلَى أُصْبُعَيْنِ لِيَكُونَ مَجْمُوعُهُمَا أَرْبَعَ أَصَابِعَ.
وَقَالَ الْجِيلِيُّ وَغَيْرُهُ: وَيَجُوزُ مَا لَمْ يَزِدْ الْحَرِيرُ عَلَى غَيْرِهِ وَزْنًا.
وَفِيهِ وَقْفَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا ذَكَرُوهُ فِي الْمَنْسُوجِ مَعَ غَيْرِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْحَرِيرَ هُنَا مُتَمَيِّزٌ بِنَفْسِهِ إلَخْ

خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الْحَلِيمِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى طِرَازَيْنِ عَلَى كُمٍّ، وَأَنَّ كُلَّ طِرَازٍ لَا يَزِيدُ عَلَى أُصْبُعَيْنِ لِيَكُونَ مَجْمُوعُهُمَا أَرْبَعَ أَصَابِعَ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَالتَّطْرِيزُ جَعْلُ الطِّرَازِ الَّذِي هُوَ خَالِصٌ مُرَكَّبًا عَلَى الثَّوْبِ، أَمَّا الْمُطَرَّزُ بِالْإِبْرَةِ فَالْأَقْرَبُ: أَيْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّهُ كَالْمَنْسُوجِ حَتَّى يَكُونَ مَعَ الثَّوْبِ كَالْمُرَكَّبِ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ لَا كَالطِّرَازِ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ فِي أَنَّهُ مِثْلُهُ وَإِنْ تَبِعَهُ ابْنُ الْمُقْرِي فِي تَمْشِيَتِهِ.
نَعَمْ قَدْ يَحْرُمُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ النَّوَاحِي؛ لِكَوْنِهِ مِنْ لِبَاسِ النِّسَاءِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ التَّشَبُّهِ بِهِنَّ لَا لِكَوْنِ الْحَرِيرِ فِيهِ، وَيَحْرُمُ الْمُطَرَّفُ وَالْمُطَرَّزُ بِالذَّهَبِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْخُنْثَى مُطْلَقًا، وَقَدْ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِتَحْرِيمِ لُبْسِ مَنْ ذُكِرَ عِرْقِيَّةً طُرِّزَتْ بِفِضَّةٍ أَخْذًا بِعُمُومِ كَلَامِهِمْ فِي تَحْرِيمِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَيْهِمَا إلَّا مَا اسْتَثْنَوْهُ (أَوْ طُرِّفَ بِحَرِيرٍ قَدْرَ الْعَادَةِ) أَيْ جُعِلَ طَرَفُهُ مُسَجَّفًا بِالْحَرِيرِ بِقَدْرِ الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ سَوَاءٌ أَجَاوَزَتْ أَرْبَعَ أَصَابِعَ أَمْ لَا لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَهُ جُبَّةٌ يَلْبَسُهَا لَهَا لِبْنَةٌ» بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْبَاءِ: أَيْ رُقْعَةٌ «فِي طَوْقِهَا مِنْ دِيبَاجٍ وَفَرْجَاهَا مَكْفُوفَانِ بِالدِّيبَاجِ، وَأَنَّهُ كَانَ لَهُ جُبَّةٌ مَكْفُوفَةُ الْجَيْبِ» أَيْ الطَّوْقِ «وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ» وَالْمَكْفُوفُ مَا جُعِلَ لَهُ كُفَّةٌ بِضَمِّ الْكَافِ: أَيْ سِجَافٌ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ التَّطْرِيفُ ظَاهِرًا أَمْ بَاطِنًا كَمَا يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُهُمْ، أَمَّا مَا جَاوَزَ الْعَادَةَ فَيَحْرُمُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَقَيَّدْ مَا هُنَا بِأَرْبَعِ أَصَابِعَ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ حَاجَةٍ وَقَدْ تَمَسُّ الْحَاجَةُ لِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَا يَأْتِي فَإِنَّهُ لِمُجَرَّدِ زِينَةٍ فَيَتَقَيَّدُ بِهَا، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ التَّرْقِيعَ لَوْ كَانَ لِحَاجَةٍ جَازَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَإِطْلَاقُ الرَّوْضَةِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ، وَأَلْحَقَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِالتَّطْرِيفِ طَرَفَيْ عِمَامَةٍ كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْرُ شِبْرٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَ كُلِّ أَرْبَعِ أَصَابِعَ بِمِقْدَارِ قَلَمٍ مِنْ كَتَّانٍ، أَوْ قُطْنٍ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَفِيهِ وَقْفَةٌ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: تُتُبِّعَتْ الْعَادَةُ فِي الْعَمَائِمِ فَوُجِدَتْ كَذَلِكَ اهـ. وَقَدْ يُنْظَرُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، إذْ مَا فِي الْعِمَامَةِ مِنْ الْحَرِيرِ مَنْسُوجٌ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِيهِ بِالْوَزْنِ مَعَ غَيْرِهِ بِزِيَادَةِ الْحَرِيرِ، فَحَيْثُ زَادَ وَزْنُ الْحَرِيرِ الَّذِي فِي الْعِمَامَةِ حَرُمَتْ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَ مِنْهَا أَجْزَاءٌ كُلُّهَا حَرِيرٌ كَأَنْ كَانَ السَّدَى حَرِيرًا وَبَعْضُ اللُّحْمَةِ كَذَلِكَ.
وَأَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِجَوَازِ الْأَزْرَارِ الْحَرِيرِ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ قِيَاسًا عَلَى التَّطْرِيفِ بَلْ أَوْلَى.

وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ الْمَرْأَةِ الْمُزَعْفَرُ

[حاشية الشبراملسي]

حِلُّ لُبْسِ الْقَوَاوِيقِ الْقَطِيفَةِ؛ لِأَنَّهَا كَالرُّقَعِ الْمُتَلَاصِقَةِ.
أَقُولُ: وَهُوَ مَمْنُوءٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ إنَّمَا تُفَصَّلُ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي يَفْعَلُونَهَا لِيُتَوَصَّلَ بِهَا إلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي يَعُدُّونَهَا زِينَةً فِيمَا بَيْنَهُمْ بِحَسَبِ الْعَادَةِ وَلَيْسَتْ كَالرُّقَعِ الَّتِي الْأَصْلُ فِيهَا أَنْ تُتَّخَذَ لِإِصْلَاحِ الثَّوْبِ وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ (قَوْلُهُ: جَعْلُ الطِّرَازِ الَّذِي هُوَ خَالِصٌ) وَمِنْهُ مَا اُعْتِيدَ الْآنَ مِنْ جَعْلِ قِطَعِ الْحَرِيرِ عَلَى نَحْوِ البشوت (قَوْلُهُ: قَدْ يَحْرُمُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ النَّوَاحِي) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَزِدْ وَزْنُهُ (قَوْلُهُ: عِنْدَ مَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ التَّشَبُّهِ) أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: أَيْ جُعِلَ طَرَفُهُ مُسَجَّفًا بِالْحَرِيرِ) وَمِثْلُ السِّجَافِ الزَّهْرِيَّاتُ الْمَعْرُوفَةُ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا تَسْتَمْسِكُ بِهَا الْخِيَاطَةُ فَهِيَ كَالتَّطْرِيفِ.
(فَرْعٌ حَسَنٌ) اتَّخَذَ سِجَافًا خَارِجًا عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ ثُمَّ انْتَقَلَ لِمَنْ لَهُ ذَلِكَ فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُنْتَقَلِ إلَيْهِ دَوَامُهُ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ بِغَيْرِ حَقٍّ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ اشْتَرَى الْمُسْلِمُ دَارَ كَافِرٍ عَالِيَةً عَلَى بِنَاءِ الْمُسْلِمِ وَلَوْ اتَّخَذَ سِجَافًا عَادَةً أَمْثَالُهُ ثُمَّ انْتَقَلَ لِمَنْ لَيْسَ هُوَ عَادَةُ أَمْثَالِهِ فَيَجُوزُ لَهُ إدَامَتُهُ لِأَنَّهُ وُضِعَ بِحَقٍّ، وَيُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ تُمَسُّ الْحَاجَةُ لِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا بِخِلَافِ مَا يَأْتِي) الْأَوْلَى بِخِلَافِ مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَإِطْلَاقُ الرَّوْضَةِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُنْظَرُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ مِمَّا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ وَالتَّنْظِيرُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: إذْ مَا فِي الْعِمَامَةِ مِنْ الْحَرِيرِ مَنْسُوجٌ) هَذَا وَقَدْ تُحْمَلُ عِبَارَةُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى عَلَمٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ الْعِمَامَةِ وَقَدْ خِيطَ بِهَا وَعَلَيْهِ فَلَا يَتَأَتَّى النَّظَرُ الْمَذْكُورُ.
وَعِبَارَةُ حَجّ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّ السَّدَى حَرِيرٌ وَأَنَّهُ أَقَلُّ وَزْنًا مِنْ اللُّحْمَةِ وَأَنَّهُ لَحَمَهَا بِحَرِيرٍ فِي طَرَفَيْهَا وَلَمْ يَزِدْ بِهِ وَزْنُ السَّدَى، فَإِذَا كَانَ الْمَلْحُومُ بِحَرِيرٍ أَشْبَهَ التَّطْرِيفَ

(قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ الْمَرْأَةِ الْمُزَعْفَرُ) أَيْ بِالْمَعْنَى الْآتِي فِي كَلَامِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ الْأَوْجَهُ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ إلَخْ

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

دُونَ الْمُعَصْفَرِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، خِلَافًا لِلْبَيْهَقِيِّ حَيْثُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الصَّوَابَ تَحْرِيمُهُ أَيْضًا، قَالَ: لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لَوْ بَلَغَتْ الشَّافِعِيَّ لَقَالَ بِهَا.
وَلَوْ صُبِغَ بَعْضُ ثَوْبٍ بِزَعْفَرَانٍ فَهَلْ هُوَ كَالتَّطْرِيفِ فَيَحْرُمُ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ أَصَابِعَ أَوْ كَالْمَنْسُوجِ مِنْ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ فَيُعْتَبَرُ الْأَكْثَرُ؟ الْأَوْجَهُ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ، فَإِنْ صَحَّ إطْلَاقُ الْمُزَعْفَرِ عَلَيْهِ عُرْفًا حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا.
وَلَا يُكْرَهُ لِغَيْرِ مَنْ ذُكِرَ مَصْبُوغٌ بِغَيْرِ الزَّعْفَرَانِ وَالْعُصْفُرِ سَوَاءٌ الْأَحْمَرُ وَالْأَصْفَرُ وَالْأَخْضَرُ وَغَيْرُهَا، سَوَاءٌ أَصُبِغَ قَبْلَ النَّسْجِ أَمْ بَعْدَهُ، وَإِنْ خَالَفَ فِيمَا بَعْدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ لِعَدَمِ وُرُودِ نَهْيٍ فِي ذَلِكَ.

وَيَحِلُّ لُبْسُ الْكَتَّانِ وَالصُّوفِ وَنَحْوِهِمَا وَإِنْ غَلَتْ أَثْمَانُهَا، إذْ نَفَاسَتُهَا فِي صَنْعَتِهَا.

وَيُكْرَهُ تَزْيِينُ الْبُيُوتِ لِلرِّجَالِ وَغَيْرِهِمْ حَتَّى مَشَاهِدِ الصُّلَحَاءِ وَالْعُلَمَاءِ بِالثِّيَابِ، وَيَحْرُمُ تَزْيِينُهَا بِالْحَرِيرِ وَالصُّوَرِ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَقَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ الشَّيْخُ فِي إلْبَاسِهَا الْحَرِيرَ، أَمَّا تَزْيِينُ الْمَسَاجِدِ بِهَا فَسَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
نَعَمْ يَجُوزُ سَتْرُ الْكَعْبَةِ بِهِ تَعْظِيمًا لَهَا، وَالْأَوْجَهُ جَوَازُ سَتْرِ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْأُشْمُونِيُّ فِي بَسِيطِهِ جَرْيًا عَلَى الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَلَا يُكْرَهُ لِغَيْرِ مَنْ ذُكِرَ) يَعْنِي غَيْرَ الْمَرْأَةِ (قَوْلُهُ: مَصْبُوغٌ بِغَيْرِ الزَّعْفَرَانِ وَالْعُصْفُرِ) أَيْ أَمَّا الْمَصْبُوغُ بِالزَّعْفَرَانِ فَيَحْرُمُ عَلَى مَا مَرَّ، وَالْمُعَصْفَرُ مَكْرُوهٌ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهُ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْكَرَاهَةِ بِمَا لَوْ كَثُرَ الْمُعَصْفَرُ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُعَصْفَرًا فِي الْعُرْفِ، وَهَلْ يُكْرَهُ الْمَصْبُوغُ بِالزَّعْفَرَانِ حَيْثُ قَلَّ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، وَمِثْلُ الْعُصْفُرِ فِي عَدَمِ الْحُرْمَةِ الْوَرْسُ.
وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا نَصُّهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ جَوَازُ الْمَصْبُوغِ بِالْوَرْسِ، لَكِنْ نَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ إلْحَاقَهُ بِالْمُزَعْفَرِ اهـ. وَفِي حَجّ: وَاخْتُلِفَ فِي الْوَرْسِ فَأَلْحَقهُ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ بِالزَّعْفَرَانِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ حِلُّهُ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِيَاضٍ وَالْمَازِرِيِّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالْوَرْسِ حَتَّى عِمَامَتَهُ» وَاعْتَمَدَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ اهـ

(قَوْلُهُ: وَيَحِلُّ لُبْسُ الْكَتَّانِ وَالصُّوفِ) أَيْ وَالْخَزِّ اهـ حَجّ، وَهُوَ اسْمُ دَابَّةٍ يُؤْخَذُ مِنْ وَبَرِهَا الثِّيَابُ فَأَطْلَقَ عَلَيْهَا ذَلِكَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ

(قَوْلُهُ: حَتَّى مَشَاهِدِ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ) أَيْ مَحَلِّ دَفْنِهِمْ (قَوْلُهُ: بِالثِّيَابِ) أَيْ غَيْرِ الْحَرِيرِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ وَيَحْرُمُ إلَخْ (قَوْلُهُ: كَمَا جَزَمَ بِهِ الْأُشْمُونِيُّ إلَخْ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: اعْتَمَدَ م ر أَنَّ سَتْرَ تَوَابِيتِ الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ وَالْمَجَانِينِ وَقُبُورِهِمْ بِالْحَرِيرِ جَائِزٌ كَالتَّكْفِينِ بَلْ أَوْلَى، بِخِلَافِ تَوَابِيتِ الصَّالِحِينَ مِنْ الذُّكُورِ الْبَالِغِينَ الْعُقَلَاءِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ سَتْرُهَا بِالْحَرِيرِ، ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ وَقَعَ مِنْهُ الْمَيْلُ لِحُرْمَةِ سَتْرِ قُبُورِ النِّسَاءِ بِالْحَرِيرِ وَوَافَقَ عَلَى جَوَازِ تَغْطِيَةِ مَحَارَةِ الْمَرْأَةِ.
[فَرْعٌ] هَلْ يَجُوزُ الدُّخُولُ بَيْنَ سِتْرِ الْكَعْبَةِ وَجِدَارِهَا لِنَحْوِ الدُّعَاءِ؟ لَا يَبْعُدُ جَوَازُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ اسْتِعْمَالًا وَهُوَ دُخُولٌ لِحَاجَةٍ، وَهَلْ يَجُوزُ الِالْتِصَاقُ لِسِتْرِهَا مِنْ خَارِجٍ فِي نَحْوِ الْمُلْتَزَمِ؟ فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُحَرَّرْ، وَاعْتَمَدَ م ر أَنَّهُ لَا يَجُوزُ جَعْلُ غِطَاءِ الْعِمَامَةِ وَكِيسِ الدَّرَاهِمِ مِنْ حَرِيرٍ وَإِنْ جَوَّزْنَا جَعْلَ غِطَاءِ الْكُوزِ مِنْ فِضَّةٍ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ عَلَى صُورَةِ الْإِنَاءِ، وَفُرِّقَ بِأَنَّ تَغْطِيَةَ الْإِنَاءِ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا فَوُسِّعَ فِيهَا، بِخِلَافِ غِطَاءِ الْعِمَامَةِ وَقَالَ بِجَوَازِ جَعْلِ غِطَاءِ الْإِنَاءِ مِنْ حَرِيرٍ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ الْفِضَّةِ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِأَنْ لَا يَكُونَ عَلَى صُورَةِ الْإِنَاءِ، بِخِلَافِ غِطَاءِ الْفِضَّةِ لِاخْتِلَافِ الْمُدْرَكِ، وَاعْتُمِدَ جَوَازُ جَعْلِ خَيْطِ السُّبْحَةِ مِنْ حَرِيرٍ وَكَذَا شرابتها تَبَعًا لِخَيْطِهَا، وَقَالَ: يَنْبَغِي جَوَازُ خَيْطِ نَحْوِ الْمِفْتَاحِ حَرِيرًا لِلْحَاجَةِ مَعَ كَوْنِهِ أَمْسَكَ وَأَقْوَى مِنْ الْغَزْلِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَقَوْلُ سم هُنَا وَهُوَ دُخُولُ الْحَاجَةِ، أَقُولُ: قَدْ تُمْنَعُ الْحَاجَةُ فِيمَا ذُكِرَ وَيُقَالُ بِالْحُرْمَةِ لِأَنَّ الدُّعَاءَ لَيْسَ خَاصًّا بِدُخُولِهِ تَحْتَ سِتْرِهَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْجَوَازِ فِي نَحْوِ الْمُلْتَزَمِ بِأَنَّ الْمُلْتَزَمَ وَنَحْوَهُ مَطْلُوبٌ فِيهِ أَدْعِيَةٌ بِخُصُوصِهَا، وَقَوْلُهُ فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُحَرَّرْ الظَّاهِرُ الْجَوَازُ قِيَاسًا عَلَى جَوَازِ الدُّخُولِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ، وَقَوْلُهُ وَقَالَ بِجَوَازِ جَعْلِ غِطَاءِ الْإِنَاءِ مِنْ حَرِيرٍ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يُتَّخَذُ

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَلُبْسُ خَشِنٍ لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ خِلَافُ السُّنَّةِ كَمَا اخْتَارَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَقِيلَ مَكْرُوهٌ وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي تَبَعًا لِنَقْلِ الْمُصَنِّفِ لَهَا عَنْ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيِّ، وَيُسَنُّ لُبْسُ الْعَذَبَةِ وَأَنْ تَكُونَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ لِلِاتِّبَاعِ، وَلَا يُكْرَهُ تَرْكُهَا إذْ لَمْ يَصِحَّ فِي النَّهْيِ عَنْهُ شَيْءٌ، وَيَحْرُمُ إطَالَتُهَا طُولًا فَاحِشًا وَإِنْزَالُ ثَوْبِهِ، أَوْ إزَارِهِ عَنْ كَعْبَيْهِ لِلْخُيَلَاءِ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ الْوَارِدِ فِيهِ، فَإِنْ انْتَفَتْ الْخُيَلَاءُ كُرِهَ، وَيُسَنُّ فِي الْكُمِّ كَوْنُهُ إلَى الرُّسْغِ لِلِاتِّبَاعِ وَهُوَ الْمِفْصَلُ بَيْنَ الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ وَلِلْمَرْأَةِ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى فِيمَا يَظْهَرُ إرْسَالُ الثَّوْبِ عَلَى الْأَرْضِ إلَى ذِرَاعٍ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ لِمَا صَحَّ مِنْ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الذِّرَاعَ يُعْتَبَرُ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَقِيلَ مِنْ الْحَدِّ الْمُسْتَحَبِّ لِلرِّجَالِ وَهُوَ أَنْصَافُ السَّاقَيْنِ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ وَقِيلَ مِنْ أَوَّلِ مَا يَمَسُّ الْأَرْضَ وَإِفْرَاطُ تَوْسِعَةِ الثِّيَابِ وَالْأَكْمَامِ بِدْعَةٌ وَسَرَفٌ وَتَضْيِيعٌ لِلْمَالِ نَعَمْ مَا صَارَ شِعَارًا لِلْعُلَمَاءِ يُنْدَبُ لَهُمْ لُبْسُهُ لِيُعْرَفُوا بِذَلِكَ فَيُسْأَلُوا وَلِيُطَاوَعُوا فِيمَا عَنْهُ زَجَرُوا كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِامْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ.

وَيُكْرَهُ بِلَا عُذْرٍ الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ، أَوْ خُفٍّ وَاحِدَةٍ لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْهُ، بَلْ يَخْلَعُهُمَا أَوْ يَلْبَسُهُمَا لِيَعْدِلَ بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ وَلِئَلَّا يَخْتَلَّ مَشْيُهُ، وَأَنْ يَنْتَعِلَ قَائِمًا لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْهُ خَوْفَ انْقِلَابِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمَدَاسَ الْمَعْرُوفَةَ الْآنَ وَنَحْوَهَا لَا يُكْرَهُ فِيهَا ذَلِكَ إذْ لَا يُخَافُ مِنْهُ انْقِلَابٌ

وَيُسَنُّ أَنْ يَبْدَأَ بِيَمِينِهِ لُبْسًا وَيَسَارِهِ خَلْعًا، وَأَنْ يَخْلَعَ نَحْوَ نَعْلَيْهِ إذَا جَلَسَ وَأَنْ يَجْعَلَهُمَا وَرَاءَهُ أَوْ بِجَنْبِهِ إلَّا لِعُذْرٍ كَخَوْفٍ عَلَيْهِمَا، وَأَنْ يَطْوِي ثِيَابَهُ ذَاكِرًا اسْمَ اللَّهِ لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ طَيَّهَا يَرُدُّ إلَيْهَا أَرْوَاحَهَا وَيَمْنَعُ لُبْسَ الشَّيْطَانِ لَهَا.
وَفِي الْمَجْمُوعِ لَا كَرَاهَةَ فِي لُبْسِ نَحْوِ قَمِيصٍ وَقَبَاءٍ وَفَرْجِيَّةٍ وَلَوْ مَحْلُولَ الْأَزْرَارِ إذَا لَمْ تَبْدُ عَوْرَتُهُ، وَلَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ النَّشَا وَهُوَ الْمُتَّخَذُ مِنْ الْقَمْحِ فِي الثَّوْبِ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ وَتَرْكُ دَقِّ الثِّيَابِ وَصَقْلِهَا.

(وَ) يَحِلُّ لِلْآدَمِيِّ (لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ) أَيْ الْمُتَنَجِّسِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ وَكَذَا جِلْدُ الْمَيْتَةِ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَ اسْتِدَامَةِ طَهَارَةِ الْمَلْبُوسِ مِمَّا يَشُقُّ خُصُوصًا عَلَى الْفَقِيرِ وَبِاللَّيْلِ؛ وَلِأَنَّ نَجَاسَتَهُ عَارِضٌ سَهْلَةُ الْإِزَالَةِ.
نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ الْوَقْتُ صَائِفًا بِحَيْثُ يَعْرَقُ فَيَتَنَجَّسُ بَدَنُهُ

[حاشية الشبراملسي]

عَلَى قَدْرِ فَمِ الْكُوزِ لِلتَّغْطِيَةِ، بِخِلَافِ وَضْعِ نَحْوِ مِنْدِيلٍ مِنْ حَرِيرٍ فَلَا يَجُوزُ، وَقَوْلُهُ وَكَذَا شرابتها: أَيْ الَّتِي هِيَ مُتَّصِلَةٌ بِطَرَفِ خَيْطِهَا، أَمَّا مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِمَّا يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ حَبِّ السُّبْحَةِ فَلَا وَجْهَ لِجَوَازِهِ لِانْتِفَاءِ الْحَاجَةِ لَهُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ مَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ وَقَالَ يَنْبَغِي جَوَازُ خَيْطِ نَحْوِ الْمِفْتَاحِ إلَخْ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ خَيْطُ السِّكِّينِ مِنْ الْحَرِيرِ فَيَجُوزُ وَإِنْ لَاحَظَ الزِّينَةَ

(قَوْلُهُ: وَلُبْسُ خَشِنٍ) أَيْ لَاقَى الْبَدَنَ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ لُبْسُ الْعَذَبَةِ) هِيَ اسْمٌ لِقِطْعَةٍ مِنْ الْقُمَاشِ تُغْرَزُ فِي مُؤَخِّرِ الْعِمَامَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ مَقَامَهَا إرْخَاءُ جُزْءٍ مِنْ طَرَفِ الْعِمَامَةِ مِنْ مَحَلِّهَا (قَوْلُهُ: وَتَضْيِيعٌ لِلْمَالِ) وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ مَكْرُوهٌ إلَّا عِنْدَ قَصْدِ الْخُيَلَاءِ (قَوْلُهُ: يُنْدَبُ لَهُمْ لُبْسُهُ) أَيْ وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِمْ التَّشَبُّهُ بِهِمْ فِيهِ لِيُلْحَقُوا بِهِمْ، وَعِبَارَةُ طب فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ، وَبَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ الصَّالِحِ التَّزَيِّي بِزِيِّهِ إنْ غَرَّبَهُ غَيْرُهُ حَتَّى يَظُنَّ صَلَاحَهُ فَيُعْطِيَهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ قَصَدَ بِهِ هَذَا التَّغْرِيرَ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَمِثْلُهُ مَنْ تَزَيَّا بِزِيِّ الْعَالِمِ وَقَدْ كَثُرَ فِي زَمَانِنَا

(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ أَنْ يَبْدَأَ بِيَمِينِهِ لُبْسًا) أَيْ وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ يَسَارَهُ خُرُوجًا وَيَضَعَهَا عَلَى ظَهْرِ النَّعْلِ مَثَلًا، ثُمَّ يَخْرُجُ بِالْيَمِينِ فَيَلْبَسُ نَعْلَهَا ثُمَّ يَلْبَسُ نَعْلَ الْيَسَارِ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ سُنَّةِ الِابْتِدَاءِ بِلُبْسِ الْيَمِينِ وَالْخُرُوجِ بِالْيَسَارِ (قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّ طَيَّهَا) أَيْ مَعَ التَّسْمِيَةِ، وَالْمُرَادُ بِالطَّيِّ لَفُّهَا عَلَى هَيْئَةٍ غَيْرِ الْهَيْئَةِ الَّتِي تَكُونُ عَلَيْهَا عِنْدَ إرَادَةِ اللُّبْسِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ وَتَرْكُ دَقِّ الثِّيَابِ وَصَقْلِهَا) ظَاهِرُهُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فَيَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى

(قَوْلُهُ: بِحَيْثُ يَعْرَقُ فَيَنْجُسُ بَدَنُهُ) هُوَ شَامِلٌ لِلنَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَمِثْلُ ثَوْبِهِ بَدَنُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ يَحْرُمُ وَضْعُ النَّجَاسَةِ الْجَافَّةِ كَالزِّبْلِ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ بِلَا حَاجَةٍ فَلْيُحَرَّرْ.
ثُمَّ قُرِّرَ أَنَّ مَنْ دَخَلَ بِنَجَاسَةٍ فِي نَحْوِ ثَوْبِهِ أَوْ نَعْلِهِ رَطْبَةٍ أَوْ غَيْرِ رَطْبَةٍ إنْ خَافَ تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ أَوْ لَمْ يَكُنْ دُخُولُهُ لِحَاجَةٍ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ هَذَا بِجَوَازِ عُبُورِ حَائِضٍ أَمِنَتْ التَّلْوِيثَ وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنْ أُجِيبَ بِعُذْرِهَا وَعَدَمِ اخْتِيَارِهَا

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَيَحْتَاجُ إلَى غَسْلِهِ لِلصَّلَاةِ مَعَ تَعَذُّرِ الْمَاءِ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الظَّاهِرُ حُرْمَةُ الْمُكْثِ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُ الْمَسْجِدِ عَنْ النَّجَاسَةِ (فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) الْمَفْرُوضَةِ (وَنَحْوِهَا) كَطَوَافٍ مَفْرُوضٍ وَخُطْبَةِ جُمُعَةٍ، بِخِلَافِ لُبْسِهِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ فَيَحْرُمُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا أَمْ لَا لِقَطْعِهِ الْفَرْضَ، بِخِلَافِ النَّفْلِ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ لِجَوَازِ قَطْعِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ لُبْسَهُ فِي أَثْنَاءِ طَوَافٍ مَفْرُوضٍ بِنِيَّةِ قَطْعِهِ جَائِزَةٌ وَبِدُونِهِ مُمْتَنِعٌ، أَمَّا إذَا لَبِسَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِنَفْلٍ أَوْ فَرْضٍ غَيْرَ مُضَيَّقٍ، أَوْ بَعْدَ تَحَرُّمِهِ بِنَفْلٍ وَاسْتَمَرَّ فَالْحُرْمَةُ عَلَى تَلَبُّسِهِ بِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ، أَوْ اسْتِمْرَارِهِ فِيهَا لَا عَلَى لُبْسِهِ فَافْهَمْ (لَا جِلْدُ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ) ، أَوْ فَرْعِ أَحَدِهِمَا فَلَا يَحِلُّ لُبْسُهُ لِأَحَدٍ، إذْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالْخِنْزِيرِ فِي حَيَاتِهِ بِحَالٍ وَكَذَا بِالْكَلْبِ إلَّا فِي أَغْرَاضٍ مَخْصُوصَةٍ فَبَعْدَ مَوْتِهِمَا أَوْلَى (إلَّا لِضَرُورَةٍ كَفَجْأَةِ قِتَالٍ) وَخَوْفٍ عَلَى عُضْوٍ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ نَحْوِ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ مِمَّا يَقُومُ مَقَامَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ تَنَاوُلُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ، وَيَجُوزُ تَغْشِيَةُ الْكِلَابِ وَالْخَنَازِيرِ بِذَلِكَ لِمُسَاوَاةِ مَا ذُكِرَ لَهُمَا فِي التَّغْلِيظِ، وَلَيْسَ إلْبَاسُ الْكَلْبِ الَّذِي لَا يُقْتَنَى، أَوْ الْخِنْزِيرِ جِلْدَ مِثْلِهِ مُسْتَلْزِمًا لِاقْتِنَائِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَإِثْمُهُ عَلَى الِاقْتِنَاءِ دُونَ الْإِلْبَاسِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ لِمُضْطَرٍّ احْتَاجَ إلَى حَمْلِ شَيْءٍ عَلَيْهِ أَوْ لِيَدْفَعَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ نَحْوَ سَبُعٍ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُمْ يُقِرُّونَ عَلَيْهَا، أَوْ لِمُضْطَرٍّ تَزَوَّدَ بِهِ لِيَأْكُلَهُ كَمَا يَتَزَوَّدُ بِالْمَيْتَةِ، فَلَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يُجَلِّلَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَبِذَلِكَ ادْفَعْ اسْتِشْكَالَ الْإِسْعَادِ وَالتَّنْظِيرَ فِيهِ، وَيُؤَيِّدُ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مَا فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ كَلْبٍ يُقْتَنَى وَخِنْزِيرٍ لَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا، لَكِنَّ تَقْيِيدَهُ بِالْمُقْتَنَى وَبِمَا لَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ لَيْسَ لِإِخْرَاجِ غَيْرِهِمَا مُطْلَقًا بَلْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْرُمُ تَجْلِيلُهُ إنْ تَضَمَّنَ اقْتِنَاؤُهُ الْمُحَرَّمَ، وَقَدْ لَا يَحْرُمُ إنْ لَمْ يَتَضَمَّنْهُ، أَمَّا تَغْشِيَةُ غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعِهِمَا، أَوْ فَرْعِ أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ بِجِلْدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يَحِلُّ، بِخِلَافِ تَغْشِيَتِهِ بِغَيْرِ جِلْدِهِمَا مِنْ الْجُلُودِ النَّجِسَةِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ (وَكَذَا) (جِلْدُ الْمَيْتَةِ) قَبْلَ الدَّبْغِ مِنْ غَيْرِهِمَا لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ أَيْضًا (فِي الْأَصَحِّ) فِي بَدَنِ الْآدَمِيِّ، أَوْ جُزْئِهِ، أَوْ فَوْقَ ثَوْبِهِ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ التَّعَبُّدِ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ لِإِقَامَةِ الْعِبَادَةِ، وَقَضِيَّةُ الْعِلَّةِ أَنَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ كَالدَّابَّةِ، وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ اعْتِبَارًا بِمَا مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ وَهُوَ الْأَوْفَقُ بِإِطْلَاقِهِمْ، وَيُسْتَثْنَى الْعَاجُ فَيَحِلُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ لَا رُطُوبَةَ

[حاشية الشبراملسي]

فِي خُرُوجِ هَذِهِ النَّجَاسَةِ وَجَبَ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ كُلُّ ذِي نَجَاسَةٍ لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِي حُصُولِهَا إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْعُذْرَ هُنَا أَتَمُّ فَلْيُحَرَّرْ.
وَفِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِشَيْخِنَا: وَمَعَ حِلِّ لُبْسِهِ: أَيْ الثَّوْبِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا يَحْرُمُ الْمُكْثُ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ اهـ. ثُمَّ قَرَّرَ م ر تَحْرِيمَ دُخُولِ مَنْ بِنَحْوِ ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ الْمَسْجِدَ وَمُكْثِهِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَيَحْتَاجُ إلَى غَسْلِهِ لِلصَّلَاةِ مَعَ تَعَذُّرِ الْمَاءِ) . يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ ذَلِكَ إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ، أَمَّا قَبْلَهُ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ لُبْسُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِالصَّلَاةِ، وَمِنْ ثَمَّ إذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ فِي الْوَقْتِ مَاءً وَلَا تُرَابًا وَأَنْ يُجَامِعَ زَوْجَتَهُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ أَيْضًا (قَوْلُهُ: لَا جِلْدُ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ) . [فَرْعٌ] قَضِيَّةُ حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ نَحْوِ جِلْدِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَشَعْرِهِمَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ حُرْمَةُ اسْتِعْمَالِ مَا يُقَالُ لَهُ فِي الْعُرْفِ الشِّيتَةُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ.
نَعَمْ إنْ تَوَقَّفَ اسْتِعْمَالُ الْكَتَّانِ عَلَيْهَا وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فَهَذَا ضَرُورَةٌ مُجَوِّزَةٌ لِاسْتِعْمَالِهَا، وَعَلَى هَذَا لَوْ تَنَدَّى الْكَتَّانُ فَهَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا وَيُعْفَى عَنْ مُلَاقَاتِهِ لَهَا حِينَئِذٍ مَعَ نَدَاوَتِهِ؟ قَالَ م ر: يَنْبَغِي الْجَوَازُ إنْ تَوَقَّفَ الِاسْتِعْمَالُ عَلَيْهَا.
وَأَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الْجَوَازُ بِمَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَجْفِيفُ الْكَتَّانِ وَعَمَلُهُ عَلَيْهَا جَافًّا فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَمَشَى شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ جِلْدِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ فِي غَيْرِ اللُّبْسِ كَالْجُلُوسِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: فَلَا يَحِلُّ لُبْسُهُ) خَرَجَ بِهِ الْفَرْشُ فَيَجُوزُ وَبِهِ صَرَّحَ حَجّ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَوْفَقُ بِإِطْلَاقِهِمْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ وَيُسْتَثْنَى الْعَاجُ) وَهُوَ أَنْيَابُ الْفِيَلَةِ، قَالَ اللَّيْثُ: وَلَا يُسَمَّى غَيْرُ النَّابِ عَاجًا، وَالْعَاجُ ظَهْرُ السُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ، وَعَلَيْهِ

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

اسْتِعْمَالُهُ فِي الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَالْإِحْرَامِ.
وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ إنَّهُ غَرِيبٌ وَوَهْمٌ عَجِيبٌ فَإِنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ إنَّمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي وَضْعِ الشَّيْءِ فِي الْإِنَاءِ مِنْهُ فَالْتَبَسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِالِاسْتِعْمَالِ فِي الْبَدَنِ انْتَهَى هُوَ الْغَرِيبُ وَالْوَهْمُ الْعَجِيبُ، فَقَدْ نَصَّ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْمُشْطِ وَالْإِنَاءِ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَكَأَنَّهُمْ اسْتَثْنَوْا الْعَاجَ لِشِدَّةِ جَفَافِهِ مَعَ ظُهُورِ رَوْنَقِهِ، وَجِلْدُ الْآدَمِيِّ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا وَشَعْرُهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ كَمَا مَرَّ أَوَائِلَ الْكِتَابِ.

(وَيَحِلُّ) مَعَ الْكَرَاهَةِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ (الِاسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ) وَكَذَلِكَ دَهْنُ الدَّوَابِّ وَتَوْقِيحِهَا بِهِ كَمَا لَهُ ذَلِكَ بِالْمُتَنَجِّسِ (عَلَى الْمَشْهُورِ) لِمَا صَحَّ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ «إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ أَوْ فَانْتَفِعُوا بِهِ» أَمَّا فِي الْمَسْجِدِ فَلَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْجِيسِهِ، كَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي تَبَعًا لِلْأَذْرَعِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِمَامُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنْ مَالَ الْإِسْنَوِيُّ إلَى الْجَوَازِ مُعَلِّلًا لَهُ بِقِلَّةِ الدُّخَانِ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ عَلَى الْكَثِيرِ أَخْذًا مِنْ التَّعْلِيلِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ الْمَنْزِلُ الْمُؤَجَّرُ وَالْمُعَارُ وَنَحْوُهُمَا إذَا طَالَ زَمَنُ الِاسْتِصْبَاحِ فِيهِ بِحَيْثُ يَعْلَقُ الدُّخَانُ بِالسَّقْفِ، أَوْ الْجِدَارِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ وَدَكِ نَحْوِ الْكَلْبِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ لِغِلَظِ نَجَاسَتِهِ، وَيُعْفَى عَمَّا يُصِيبُهُ مِنْ دُخَانِ الْمِصْبَاحِ لِقِلَّتِهِ، وَالْبُخَارُ الْخَارِجُ مِنْ الْكَنِيفِ طَاهِرٌ، وَكَذَا الرِّيحُ الْخَارِجَةُ مِنْ الدُّبُرِ كَالْجُشَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ مِنْ عَيْنِ النَّجَاسَةِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ الْمَوْجُودَةُ فِيهِ لِمُجَاوَرَتِهِ النَّجَاسَةَ لَا أَنَّهُ مِنْ عَيْنِهَا.
وَيَجُوزُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ طَلْيُ السُّفُنِ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ وَاِتِّخَاذُ صَابُونٍ مِنْ

[حاشية الشبراملسي]

يُحْمَلُ أَنَّهُ كَانَ لِفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - سِوَارٌ مِنْ عَاجٍ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى أَنْيَابِ الْفِيَلَةِ لِأَنَّ أَنْيَابَهَا مَيْتَةٌ بِخِلَافِ السُّلَحْفَاةِ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ بِالطَّهَارَةِ اهـ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ: اسْتِعْمَالُهُ فِي الرَّأْسِ إلَخْ) وَيَنْبَغِي جَوَازُ حَمْلِهِ لِقَصْدِ اسْتِعْمَالِهِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، أَمَّا فِيهِمَا فَلَا يَجُوزُ لِوُجُوبِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ فِيهِمَا فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا حَرُمَ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْجِيسِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ (قَوْلُهُ: وَجِلْدُ الْآدَمِيِّ) أَيْ وَلَوْ حَرْبِيًّا خِلَافًا لحج

(قَوْلُهُ: وَيَحِلُّ الِاسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ) فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَأَظُنُّهُ فِي بَابِ الْآنِيَةِ نَقْلًا عَنْ الرُّويَانِيِّ وَأَقَرَّهُ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ وَضْعُ الدُّهْنِ الطَّاهِرِ فِي آنِيَةٍ نَجِسَةٍ كَالْمُتَّخِذِ مِنْ عَظْمِ الْفِيلِ لِغَرَضِ الِاسْتِصْبَاحِ بِهِ فِيهَا، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا طب - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنْ وَجَدَ طَاهِرَةً يُسْتَصْبَحُ فِيهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ غَرَضَ الِاسْتِصْبَاحِ حَاجَةٌ مُجَوِّزَةٌ لِذَلِكَ كَمَا جَازَ وَضْعُ الْمَاءِ الْقَلِيلِ فِي آنِيَةٍ نَجِسَةٍ لِغَرَضِ إطْفَاءِ نَارٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَتَنْجِيسُ الطَّاهِرِ إنَّمَا يَحْرُمُ لِغَيْرِ غَرَضٍ فَلْيُتَأَمَّلْ.
[فَرْعٌ] إذَا اُسْتُصْبِحَ بِالدُّهْنِ النَّجَسِ جَازَ إصْلَاحُ الْفَتِيلَةِ بِأُصْبُعِهِ وَإِنْ تَنَجَّسَ وَأَمْكَنَ إصْلَاحُهَا بِنَحْوِ عُودٍ؛ لِأَنَّ التَّنْجِيسَ يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِجَوَازِهِ الضَّرُورَةُ، وَوَافَقَ م ر عَلَى أَنَّ شَرْطَ جَوَازِ الِاسْتِصْبَاحِ بِالدُّهْنِ النَّجَسِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَاجَةُ وَأَمْنُ التَّنْجِيسِ لِلْمَسْجِدِ بِنَفْسِهِ أَوْ دُخَانِهِ، وَمَشَى عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ إدْخَالُ الدُّهْنِ النَّجَسِ غَيْرَ وَدَكِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ الْمَسْجِدَ لِحَاجَةٍ.
وَمِنْهَا قَصْدُ الْإِسْرَاجِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَحْصُلَ تَنْجِيسٌ وَإِنْ قَلَّ.
ثُمَّ قَالَ م ر: يَجُوزُ إسْرَاجُ الدُّهْنِ النَّجِسِ فِي بَيْتٍ مُسْتَعَارٍ مَعَهُ أَوْ مُؤَجَّرٌ لَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُلَوِّثَهُ بِنَحْوِ دُخَانِهِ.
نَعَمْ الْيَسِيرُ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْمُسَامَحَةِ بِهِ بِحَيْثُ يَرْضَى بِهِ الْمَالِكُ فِي الْعَادَةِ فَلَا بَأْسَ.
فَلَوْ كَانَ مَوْقُوفًا أَوْ لِنَحْوِ قَاصِرٍ امْتَنَعَ: أَيْ وَلَوْ يَسِيرًا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَالِكٌ يُعْتَبَرُ رِضَاهُ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ الطَّبْخُ بِنَحْوِ الْجِلَّةِ فِي الْبُيُوتِ الْمَوْقُوفَةِ وَنَحْوِهَا، وَقَدْ قَالَ م ر: يَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا تَسْوِيدُ الْجُدْرَانِ، وَجَوَّزَ أَنْ يُسْتَثْنَى مَا إذَا عُدَّ مَكَانٌ فِي تِلْكَ الْبُيُوتِ لِلطَّبْخِ وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِالطَّبْخِ فِيهَا فَلْيُحَرَّرْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَتَوْقِيحُهَا) أَيْ تَصْلِيبُ حَوَافِرِهَا بِالشَّحْمِ الْمُذَابِ كَمَا فِي الْمُحْتَارِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ (قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْجِيسِهِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَنْجِيسٌ لَمْ يَحْرُمْ

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

جارٍ التحميل