نهاية المحتاج إلى شرح المنهاجصفحات 207-232

كِتَابُ الطَّهَارَةِ

صفحات 207-232

عَرَفَةَ بِقَرِينَةِ مَا ذُكِرَ وَأَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ عَشْرَ رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِأَنَّ رَمَضَانَ سَيِّدُ الشُّهُورِ، وَيُسَنُّ صَوْمُ الثَّمَانِيَةِ أَيَّامٍ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحَاجُّ وَغَيْرُهُ، أَمَّا الْحَاجُّ فَلَا يُسَنُّ لَهُ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ يَلِ يُسْتَحَبُّ لَهُ فِطْرُهُ وَلَوْ كَانَ قَوِيًّا لِلِاتِّبَاعِ.
رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلِيَقْوَى عَلَى الدُّعَاءِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ صَوْمِهِ لِحَاجٍّ لَا يَصِلُ عَرَفَةَ إلَّا لَيْلًا، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ، وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَأَنَّ صَوْمَهُ لِمَنْ وَصَلَهَا نَهَارًا خِلَافُ الْأَوْلَى، بَلْ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ.
وَأَمَّا الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ فَيُسَنُّ لَهُمَا فِطْرُهُ مُطْلَقًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ طَوِيلِ السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَيُحْتَمَلُ التَّقْيِيدُ بِالطَّوِيلِ كَنَظَائِرِهِ، وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ إقَامَةً لِلْمَظِنَّةِ مَقَامَ الْمَئِنَّةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ انْتِفَاءِ خِلَافِ الْأَوْلَى أَوْ الْكَرَاهَةُ بِصَوْمِ مَا قَبْلَهُ، لَكِنْ يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي فِي صَوْمِ الْجُمُعَةِ مَعَ اتِّحَادِ الْعِلَّةِ فِيهِمَا، بَلْ هَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي خِلَافِ الْأَوْلَى مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَكْرُوهِ.
وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْقُوَّةَ الْحَاصِلَةَ بِالْفِطْرِ هُنَا مِنْ مُكَمِّلَاتِ الْمَغْفِرَةِ الْحَاصِلَةِ بِالْحَجِّ لِجَمِيعِ مَا مَضَى مِنْ الْعُمْرِ، وَلَيْسَ فِي ضَمِّ صَوْمِ مَا قَبْلَهُ إلَيْهِ جَابِرٌ بِخِلَافِ الْفِطْرِ ثُمَّ فَإِنَّهُ مِنْ مُكَمِّلَاتِ الْمَغْفِرَةِ تِلْكَ الْجُمُعَةِ فَقَطْ، وَفِي ضَمِّ صَوْمِ يَوْمٍ لَهُ جَابِرٌ، فَإِنْ قِيلَ قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ صَوْمَ هَذَا أَوْلَى بِالْكَفَّارَةِ مِنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، قُلْنَا: صَدَّ عَنْ ذَلِكَ وُرُودُ النَّهْيِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ ثُمَّ بِخِلَافِهِ هُنَا

(وَ) صَوْمُ (عَاشُورَاءَ) بِالْمَدِّ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ وَهُوَ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ لِخَبَرِ «أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ صَوْمُهُ لِلْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَمْرِ بِصَوْمِهِ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» وَحَمَلُوا الْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ بِالْأَمْرِ بِصَوْمِهِ عَلَى تَأَكُّدِ الِاسْتِحْبَابِ وَإِنَّمَا كَانَ صَوْمُ عَرَفَةَ بِسَنَتَيْنِ وَعَاشُورَاءَ بِسَنَةِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَوْمٌ مُحَمَّدِيٌّ، وَالثَّانِي يَوْمٌ مُوسَوِيٌّ، وَنَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ فَكَانَ يَوْمُهُ بِسَنَتَيْنِ (وَ) صَوْمُ (تَاسُوعَاءَ) وَهُوَ تَاسِعُ الْمُحَرَّمِ لِخَبَرِ «لَئِنْ بَقِيتُ إلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» فَمَاتَ قَبْلَهُ، وَالْحِكْمَةُ فِي صَوْمِهِ مَعَ عَاشُورَاءَ الِاحْتِيَاطُ لَهُ لِاحْتِمَالِ الْغَلَطِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ، وَلِلْمُخَالَفَةِ لِلْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ يَصُومُونَ الْعَاشِرَ، وَلِلِاحْتِرَازِ مِنْ إفْرَادِهِ كَمَا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلِذَلِكَ يُسَنُّ أَنْ يَصُومَ مَعَهُ الْحَادِيَ عَشَرَ إنْ لَمْ يَصُمْ التَّاسِعَ، بَلْ فِي الْأُمِّ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ يُنْدَبُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ لِحُصُولِ الِاحْتِيَاطِ بِهِ وَإِنْ صَامَ التَّاسِعَ إذْ الْغَلَطُ قَدْ يَكُونُ بِالتَّقْدِيمِ وَبِالتَّأْخِيرِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُسَنُّ هُنَا صَوْمُ الثَّامِنِ احْتِيَاطًا لِحُصُولِهِ بِالتَّاسِعِ وَلِكَوْنِهِ كَالْوَسِيلَةِ لِلْعَاشِرِ فَلَمْ يَتَأَكَّدْ أَمْرُهُ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَأَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ عَشْرَ رَمَضَانَ) أَيْ الْأَخِيرَ (قَوْلُهُ: لَا يَصِلُ عَرَفَةَ إلَّا لَيْلًا) أَيْ بِأَنْ لَا يَكُونَ مُسَافِرًا بِالنَّهَارِ وَيَقْصِدَ عَرَفَةَ لَيْلًا فَلَا يُخَالِفُ مَا يَأْتِي مِنْ سَنِّ فِطْرِهِ لِلْمُسَافِرِ (قَوْلُهُ: خِلَافُ الْأَوْلَى) أَيْ لِعَدَمِ صِحَّةِ النَّهْيِ فِيهِ (قَوْلُهُ: فَيُسَنُّ لَهُمَا فِطْرُهُ مُطْلَقًا) كَأَنَّ مَعْنَاهُ سَوَاءٌ كَانَ حَاجًّا أَوْ لَا، فَلَا يُنَافِي قَوْلَ الْأَذْرَعِيِّ عَنْ النَّصِّ مَحْمُولٌ عَلَى مُسَافِرٍ جَهَدَهُ الصَّوْمُ، وَقَوْلُهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: النَّصُّ مَحْمُولٌ عَلَى مُسَافِرٍ جَهَدَهُ الصَّوْمُ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ مَقَامَ الْمَئِنَّةِ) أَنَّ إقَامَةً لِمَحَلِّ الظَّنِّ مَقَامَ مَحَلِّ الْيَقِينِ

(قَوْلُهُ: عَاشُورَاءَ) قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ اللُّغَوِيُّ: وَلَمْ يَجِئْ فَاعُولَاءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إلَّا عَاشُورَاءُ، وَالضَّارُورَاءُ اسْمُ الضَّرَّاءِ وَالسَّارُورَاءُ اسْمُ السَّرَّاءِ وَالدَّالُولَاءُ اسْمٌ لِلدَّالَةِ وَخَابُورَاءُ اسْمُ مَوْضِعٍ، وَقَوْلُهُ اسْمٌ لِلدَّالَةِ: أَيْ النَّوْبَةِ (قَوْلُهُ: إلَى قَابِلٍ) هُوَ مَصْرُوفٌ، وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ خِلَافُهُ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَأَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ عَشْرَ رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) أَيْ بِالنَّظَرِ لِلْمَجْمُوعِ وَإِلَّا فَقَدْ مَرَّ أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ الصَّادِقَةِ بِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْحَاجُّ) لَمْ يُقَيِّدْ فِيمَا مَرَّ بِغَيْرِ الْحَاجِّ حَتَّى يَتَأَتَّى لَهُ التَّعْبِيرُ بِأَمَّا هَهُنَا وَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ قَيْدٌ (قَوْلُهُ: لِحَاجٍّ لَا يَصِلُ عَرَفَةَ إلَّا لَيْلًا) أَيْ وَالصُّورَةُ أَنَّهُ غَيْرُ مُسَافِرٍ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي

حَتَّى يُطْلَبَ لَهُ احْتِيَاطٌ بِخُصُوصِهِ.
نَعَمْ يُسَنُّ صَوْمُ الثَّمَانِيَةِ قَبْلَهُ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الْحِجَّةِ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ، وَظَاهِرُ مَا ذُكِرَ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ إفْرَادُهُ لَكِنْ فِي الْأُمِّ لَا بَأْسَ بِإِفْرَادِهِ.

(وَ) صَوْمُ (أَيَّامِ) اللَّيَالِي (الْبِيضِ) مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَهِيَ الثَّالِثَ عَشَرَ وَتَالِيَاهُ لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَبَا ذَرٍّ بِصِيَامِهَا» ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَصَوْمُ الثَّلَاثَةِ كَصَوْمِ الشَّهْرِ وَمِنْ ثَمَّ صَوْمُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَلَوْ غَيْرَ أَيَّامِ الْبِيضِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ وَالْحَاصِلُ كَمَا أَفَادَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يُسَنُّ صَوْمُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَأَنْ تَكُونَ أَيَّامَ الْبِيضِ، فَإِنْ صَامَهَا أَتَى بِالسَّنَتَيْنِ، فَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ هِيَ الْمَأْمُورُ بِصِيَامِهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ تَبِعَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَصُومُ مِنْ الْحِجَّةِ السَّادِسَ عَشَرَ لِأَنَّ صَوْمَ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَصُومَ مَعَ الثَّلَاثَةِ الثَّانِي عَشَرَ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ إنَّهُ أَوَّلُ الثَّلَاثَةِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيُسَنُّ صَوْمُ أَيَّامِ السُّودِ وَهِيَ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ وَتَالِيَاهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُصَامَ مَعَهَا السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ احْتِيَاطًا.
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: وَلَا يَخْفَى سُقُوطُ الثَّالِثِ مِنْهَا إذَا كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا، وَلَعَلَّهُ يُعَوَّضُ عَنْهُ بِأَوَّلِ الشَّهْرِ الَّذِي يَلِيهِ وَهُوَ مِنْ أَوَّلِ أَيَّامِ السُّودِ أَيْضًا لِأَنَّ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا سَوْدَاءُ، وَخُصَّتْ أَيَّامُ الْبِيضِ وَأَيَّامُ السُّودِ بِذَلِكَ لِتَعْمِيمِ لَيَالِي الْأُولَى بِالنُّورِ وَلَيَالِي الثَّانِيَةِ بِالسَّوَادِ، فَنَاسَبَ تَزْوِيدَهُ بِذَلِكَ لِإِشْرَافِهِ عَلَى الرَّحِيلِ وَشُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْأُولَى وَطَلَبًا لِكَشْفِ السَّوَادِ فِي الثَّانِيَةِ

(وَ) صَوْمُ (سِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ) لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» وَقَوْلُهُ «صِيَامُ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ فَذَلِكَ صِيَامُ السَّنَةِ» أَيْ كَصِيَامِهَا فَرْضًا وَإِلَّا فَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ وَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ التَّنْبِيهِ وَكَثِيرِينَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَصُمْ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ صِبًا أَوْ جُنُونٍ أَوْ كُفْرٍ لَا يُسَنُّ لَهُ صَوْمُ سِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ: أَيْ بَلْ يُحَصِّلُ أَصْلَ سُنَّةِ الصَّوْمِ وَإِنْ لَمْ يُحَصِّلْ الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ لِتَرَتُّبِهِ فِي الْخَبَرِ عَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ.
وَإِنْ أَفْطَرَ رَمَضَانَ تَعَدِّيًا حَرُمَ عَلَيْهِ صَوْمُهَا.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِ الْمَحَامِلِيِّ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الْجُرْجَانِيِّ (يُكْرَهُ لِمَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِالصَّوْمِ كَرَاهَةُ صَوْمِهَا لِمَنْ أَفْطَرَهُ بِعُذْرٍ) فَيُنَافِي مَا مَرَّ، إلَّا أَنْ يُجْمَعَ بِأَنَّهُ ذُو وَجْهَيْنِ، أَوْ يُحْمَلُ ذَاكَ عَلَى مَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ كَصَبِيٍّ بَلَغَ وَكَافِرٍ أَسْلَمَ وَهَذَا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإِذَا تَرَكَهَا فِي شَوَّالٍ لِذَلِكَ أَوْ غَيْرِهِ سُنَّ قَضَاؤُهَا مِمَّا بَعْدَهُ وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِصَوْمِهَا مُتَفَرِّقَةً (وَ) لَكِنْ (تَتَابُعُهَا) وَاتِّصَالُهَا بِيَوْمِ الْعِيدِ (أَفْضَلُ) مُبَادَرَةً إلَى الْعِبَادَةِ وَلِمَا فِي التَّأْخِيرِ مِنْ الْآفَاتِ وَلَوْ صَامَ فِي شَوَّالٍ قَضَاءً أَوْ نَذْرًا أَوْ غَيْرَهُمَا أَوْ فِي نَحْوِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ حَصَلَ لَهُ ثَوَابُ تَطَوُّعِهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

[حاشية الشبراملسي]

فَاحْذَرْهُ فَإِنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ

[صَوْمُ أَيَّامِ اللَّيَالِي الْبِيضِ]

(قَوْلُهُ وَشُكْرًا لِلَّهِ) أَيْ إنَّهَا تَقَعُ شُكْرًا لِلَّهِ لَا أَنَّهُ يَنْوِي بِهَا ذَلِكَ، إذْ لَنَا صَوْمٌ يُسَمَّى بِهِ الِاسْمُ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا صَلَاةٌ تُسَمَّى صَلَاةَ الشُّكْرِ

[صَوْمُ سِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ]

(قَوْلُهُ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ» ) أَيْ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَذَلِكَ أَمَّا لَوْ صَامَ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فِي بَعْضِ السِّنِينَ دُونَ بَعْضٍ فَالسَّنَةُ الَّتِي صَامَ السِّتَّ فِيهَا يَكُونُ صَوْمُهَا كَسَنَةٍ وَاَلَّتِي لَمْ يَصُمْ فِيهَا تَكُونُ كَعَشَرَةِ أَشْهُرٍ (قَوْلُهُ: وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِصَوْمِهَا مُتَفَرِّقَةً) أَيْ وَتَكُونُ كُلُّهَا أَدَاءً لِأَنَّ الشَّهْرَ كُلَّهُ مَحَلُّهَا

[حاشية الرشيدي]

[صَوْمُ عَاشُورَاءَ]

قَوْلُهُ: بَلْ يَحْصُلُ أَصْلُ سُنَّةِ الصَّوْمِ) يَعْنِي مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ سِتَّةَ شَوَّالٍ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الثَّوَابُ الْكَامِلُ، وَإِلَّا فَصَاحِبُ التَّنْبِيهِ وَالْأَكْثَرُونَ لَا يَسَعُهُمْ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ أَصْلِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَفْطَرَ رَمَضَانَ تَعَدِّيًا حَرُمَ عَلَيْهِ صَوْمُهَا) أَيْ مَا لَمْ يَقْضِ رَمَضَانَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ صَرْفُ الزَّمَنِ لِقَضَائِهِ (قَوْلُهُ: فَيَأْتِي مَا مَرَّ) لَعَلَّهُ مُحَرَّفٌ عَنْ قَوْلِهِ فَيُنَافِي مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: أَوْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) هَذَا يُنَافِي النَّصَّ فِيمَا مَرَّ عَلَى الْمَعْذُورِ وَالْمُسَافِرِ.

تَبَعًا لِلْبَارِزِيِّ وَالْأَصْفُونِيِّ وَالنَّاشِرِيِّ وَالْفَقِيهِ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ الْحَضْرَمِيِّ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنْ لَا يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ الْكَامِلُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْمَطْلُوبِ لَا سِيَّمَا مَنْ فَاتَهُ رَمَضَانُ وَصَامَ عَنْهُ شَوَّالًا لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمُ، وَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَيْضًا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ فَاتَهُ رَمَضَانُ وَصَامَ عَنْهُ شَوَّالًا أَنْ يَصُومَ سِتًّا مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قَضَاءُ الصَّوْمِ الرَّاتِبِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ قَصَدَ فِعْلَهَا بَعْدَ صَوْمِ شَوَّالٍ فَيَكُونُ صَارِفًا عَنْ حُصُولِهَا عَنْ السُّنَّةِ، فَسَقَطَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ صَوْمَهَا لَا يَحْصُلُ بِغَيْرِهَا، أَمَّا إذَا قُلْنَا بِحُصُولِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَلَا يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهَا، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ سِتَّةٌ بِإِثْبَاتِ التَّاءِ مَعَ حَذَفَ الْمَعْدُودِ لُغَةً، وَالْأَفْصَحُ حَذْفُهَا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَيُسَنُّ صَوْمُ آخِرِ كُلِّ شَهْرٍ كَمَا مَرَّ فِي صَوْمِ أَيَّامِ السُّودِ، فَإِنْ صَامَهَا أَتَى بِالسَّنَتَيْنِ، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ فَإِنَّهُ آخِرُ شَهْرٍ لِتَقَدُّمِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ

(وَيُكْرَهُ) (إفْرَادُ) يَوْمِ (الْجُمُعَةِ) بِالصَّوْمِ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ» وَلِكَوْنِهِ يَوْمَ عِيدٍ، وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي كَرَاهَةِ إفْرَادِهِ بَيْنَ مَنْ يُرِيدُ اعْتِكَافَهُ وَغَيْرَهُ كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَا يُرَاعَى خِلَافُ مَنْ مَنَعَ الِاعْتِكَافَ مَعَ الْفِطْرِ لِأَنَّ شَرْطَ رِعَايَةِ الْخِلَافِ أَنْ لَا يَقَعَ فِي مُخَالَفَةِ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَلِيَتَقَوَّى بِفِطْرِهِ عَلَى الْوَظَائِفِ الْمَطْلُوبَةِ فِيهِ، وَمِنْ هُنَا خَصَّصَهُ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ نَقْلًا عَنْ الْمَذْهَبِ بِمَنْ يَضْعُفُ بِهِ عَنْ الْوَظَائِفِ، لَكِنْ يَرُدُّهُ مَا مَرَّ مِنْ نَدْبِ فِطْرِ عَرَفَةَ وَلَوْ لِمَنْ لَمْ يَضْعُفْ بِهِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الصَّوْمِ الضَّعْفَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ كَرَاهَةَ صَوْمِهِ لَيْسَتْ ذَاتِيَّةً بَلْ لِأَمْرٍ عَارِضٍ، وَيُؤَيِّدُهُ انْعِقَادُ نَذْرِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي النُّذُورِ وَيُقَاسُ بِهِ الْيَوْمَانِ الْآخَرَانِ إذْ لَا تَخْتَصُّ كَرَاهَةُ الْإِفْرَادِ بِالْجُمُعَةِ (وَإِفْرَادُ السَّبْتِ) أَوْ الْأَحَدِ بِالصَّوْمِ كَذَلِكَ بِجَامِعِ أَنَّ الْيَهُودَ تُعَظِّمُ الْأَوَّلَ وَالنَّصَارَى تُعَظِّمُ الثَّانِي فَقَصَدَ الشَّارِعُ بِذَلِكَ مُخَالَفَتَهُمْ، وَمَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ إذَا لَمْ يُوَافِقْ إفْرَادُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ عَادَةً لَهُ وَإِلَّا كَأَنْ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا أَوْ يَصُومُ عَاشُورَاءَ أَوْ عَرَفَةَ فَوَافَقَ يَوْمَ صَوْمِهِ فَلَا كَرَاهَةَ كَمَا فِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ.
ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ أَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِخِلَافِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّشْبِيهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إفْرَادُهَا بِنَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ وَقَضَاءٍ وَخَرَجَ بِإِفْرَادِ مَا لَوْ صَامَ أَحَدُهُمَا مَعَ يَوْمٍ قَبْلَهُ أَوْ يَوْمٍ بَعْدَهُ فَلَا كَرَاهَةَ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ إذْ لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِتَعْظِيمِ الْمَجْمُوعِ، وَقَضِيَّةُ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: فَلَا يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهَا) وَبِتَقْدِيرِ الْقَضَاءِ فَهَلْ يُثَابُ ثَوَابَ الْفَرْضِ عَلَى الْجَمِيعِ كَمَا لَوْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ قَالَ سم فِيهِ نَظَرٌ.
أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ حُصُولُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ.
وَنُقِلَ عَنْ الشِّهَابِ الرَّمْلِيِّ بِالدَّرْسِ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى السِّتَّةِ ثَوَابَ النَّفْلِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ ثَوَابَ الْفَرْضِ فِي الْخَبَرِ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهَا مِنْ شَوَّالٍ وَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْهُ

(قَوْلُهُ: وَيُقَاسُ بِهِ الْيَوْمَانِ) وَهُمَا السَّبْتُ وَالْأَحَدُ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّشْبِيهِ) هُوَ قَوْلُهُ كَمَا فِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إفْرَادُهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ وَالْأَحَدِ (قَوْلُهُ: فَلَا كَرَاهَةَ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ) بَقِيَ مَا لَوْ عَزَمَ عَلَى صَوْمِ الْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ

[حاشية الرشيدي]

(قَوْلُهُ: مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ قَصَدَ فِعْلَهَا بَعْدَ صَوْمِ شَوَّالَ) قَدْ يُقَالُ: هَلَّا أَبْقَى كَلَامَ وَالِدِهِ عَلَى إطْلَاقِهِ مَعَ أَنَّ وَجْهَهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ وُقُوعُ الصَّوْمِ عَنْ الْمَتْبُوعِ وَهُوَ رَمَضَانُ وَالتَّابِعُ وَهِيَ سِتُّ شَوَّالٍ مَعًا وَتَفُوتُ التَّبَعِيَّةُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ» فَتَأَمَّلْ.

[إفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ]

(قَوْلُهُ: لِأَنَّ شُرُوطَ رِعَايَةِ الْخِلَافِ) كَذَا فِي النُّسَخِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَلَعَلَّ الْوَاوَ زَائِدَةٌ مِنْ الْكَتَبَةِ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَإِفْرَادُ السَّبْتِ) إنَّمَا أَعَادَ لَفْظَ إفْرَادِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ إرَادَةُ إفْرَادِ مَجْمُوعِ الْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ (قَوْلُهُ: بِجَامِعِ أَنَّ الْيَهُودَ إلَخْ) هَذَا جَامِعٌ لِقِيَاسِ الْأَحَدِ عَلَى السَّبْتِ (قَوْلُهُ: أَوْ يَصُومُ عَاشُورَاءَ أَوْ عَرَفَةَ فَوَافَقَ يَوْمَ صَوْمِهِ) فِي هَذَا الْعَطْفِ تَسَاهُلٌ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَدْخُولِ الْعَادَةِ وَلَيْسَ مُرَادًا (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِالْإِفْرَادِ مَا لَوْ صَامَ أَحَدُهُمَا) أَيْ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ

التَّعْلِيلِ بِالتَّقَوِّي بِالْفِطْرِ فِي كَرَاهَةِ إفْرَادِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ إفْرَادِهِ وَجَمْعِهِ، لَكِنَّهُ إذَا جَمَعَهُمَا حَصَلَ لَهُ بِفَضِيلَةِ صَوْمِ غَيْرِهِ مَا يُجْبَرُ مَا حَصَلَ فِيهِ مِنْ النَّقْصِ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.

(وَصَوْمُ الدَّهْرِ غَيْرُ الْعِيدِ) مِنْ فِطْرٍ وَنَحْرٍ (وَ) أَيَّامِ (التَّشْرِيقِ) (مَكْرُوهٌ لِمَنْ خَافَ بِهِ ضَرَرًا أَوْ فَوْتَ حَقٍّ) وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ لِمَا صَحَّ مِنْ «قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي الدَّرْدَاءِ لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ فَتَبَذَّلَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ إنَّ لِرَبِّك عَلَيْك حَقًّا، وَلِأَهْلِك عَلَيْك حَقًّا، وَلِجَسَدِك عَلَيْك حَقًّا فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ وَائْتِ أَهْلَك وَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» أَمَّا صَوْمُ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا فَحَرَامٌ كَمَا مَرَّ (وَمُسْتَحَبٌّ لِغَيْرِهِ) لِإِطْلَاقِ الْأَدِلَّةِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ وَعَقَدَ تِسْعِينَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَمَعْنَى ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ، أَيْ عَنْهُ فَلَمْ يَدْخُلْهَا أَوْ لَا يَكُونُ لَهُ فِيهَا مَوْضِعٌ، وَخَبَرُ «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ» مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ صَامَ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ أَوْ شَيْئًا مِنْهَا، وَمَعَ نَدْبِهِ فَصَوْمُ يَوْمٍ وَفِطْرُ يَوْمٍ أَفْضَلُ مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُمَا خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ كَالْغَزَالِيِّ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُد كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَفِيهِ لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» وَمَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَمِنْ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْخَبَرِ لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ: أَيْ لَكَ يُرَدُّ بِأَنَّ صِيَامَ دَاوُد أَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ وَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَشَقُّهَا، وَبِأَنَّ تَأْوِيلَهُ لِلْخَبَرِ فِيهِ صَرْفٌ لَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ تُعَضِّدُهُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ لِغَيْرِهِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَا يُخَالِفُهُ تَعْبِيرُ الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ لِصِدْقِهِ بِالِاسْتِحْبَابِ، وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ انْعَقَدَ نَذْرُهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ

(وَمَنْ تَلَبَّسَ بِصَوْمِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَلَاتِهِ فَلَهُ قَطْعُهُمَا) مَا لَمْ يُنْذِرْ إتْمَامَهُ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ فِي نِيَّةِ الصَّوْمِ، وَلِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ، إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» وَيُقَاسُ بِالصَّوْمِ غَيْرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ النَّوَافِلِ غَيْرُ مَا سَيَأْتِي كَاعْتِكَافٍ وَطَوَافٍ وَوُضُوءٍ وَقِرَاءَةِ سُورَةِ الْكَهْفِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَهَا وَالتَّسْبِيحَاتِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ.
نَعَمْ يُكْرَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِظَاهِرٍ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] أَمَّا لِعُذْرٍ كَمُسَاعَدَةِ ضَيْفٍ عَزَّ عَلَيْهِ امْتِنَاعُ مُضَيِّفِهِ مِنْهُ أَوْ عَكْسُهُ فَيُسَنُّ، فَإِنْ لَمْ يُعَزَّ عَلَى أَحَدِهِمَا

[حاشية الشبراملسي]

مَعًا، أَوْ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ مَعًا ثُمَّ صَامَ الْأَوَّلَ وَعَنَّ لَهُ تَرْكُ الْيَوْمِ الثَّانِي فَهَلْ تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِكَرَاهَةِ الْإِفْرَادِ قَصْدُهُ قَبْلَ الصَّوْمِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا صَامَ السَّبْتَ كُرِهَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ قَصَدَهُ أَوَّلًا أَوْ لَا

(قَوْله «ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ» ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ هَكَذَا: وَعَقَدَ تِسْعِينَ إلَخْ، وَقَوْلُهُ وَعَقَدَ تِسْعِينَ قَالَ الْمَحَلِّيُّ: هُوَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِبْهَامَ وَيَجْعَلَ السَّبَّابَةَ دَاخِلَةً تَحْتَهُ مَطْبُوقَةً جِدًّا (قَوْلُهُ: صَوْمُ يَوْمٍ وَفِطْرُ يَوْمٍ أَفْضَلُ) وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ مَنْ فَعَلَهُ فَوَافَقَ فِطْرُهُ يَوْمًا سُنَّ صَوْمُهُ كَالِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَالْبِيضُ يَكُونُ فِطْرُهُ فِيهِ أَفْضَلَ لِيَتِمَّ لَهُ صَوْمُ يَوْمٍ وَفِطْرُ يَوْمٍ، لَكِنْ بَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّ صَوْمَهُ لَهُ أَفْضَلُ.
اهـ حَجّ.
وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِ الشَّارِحِ مُوَافَقَةَ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ لِغَيْرِهِ) أَيْ لِغَيْرِ مَنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا وَلَا فَوْتَ حَقٍّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ انْعَقَدَ) أَيْ وَحَيْثُ انْعَقَدَ لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا يَشُقُّ مَعَهُ الصَّوْمُ أَوْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ خَوْفُ فَوْتِ حَقٍّ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يَمْنَعُ انْعِقَادَ النَّذْرِ هَلْ يُؤَثِّرُ أَوْ لَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ مَعَ الْمَشَقَّةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِعَجْزِهِ عَنْ فِعْلِ مَا الْتَزَمَهُ وَلَيْسَ لَهُ وَقْتٌ يُمْكِنُ قَضَاؤُهُ فِيهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الشَّارِحِ السَّابِقِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ النَّذْرِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ لِلْكِبَرِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ نَذَرَ صَوْمًا لَمْ يَصِحَّ نَذْرُهُ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْفِطْرِ لَمْ يَلْزَمْ قَضَاؤُهُ

(قَوْلُهُ: «أَمِيرُ نَفْسِهِ» ) هُوَ بِالرَّاءِ وَرُوِيَ بِالنُّونِ أَيْضًا اهـ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ (قَوْلُهُ: «إنْ شَاءَ صَامَ» ) أَيْ أَتَمَّ صَوْمَهُ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يُكْرَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ) هُوَ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ فِي كَرَاهَةِ إفْرَادِهِ) أَيْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَكَانَ الْمَقَامُ يَقْتَضِي الْإِظْهَارَ وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ إلَى هُنَا لِمُنَاسَبَةِ مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ إذَا جَمَعَهُمَا حَصَلَ لَهُ بِفَضِيلَةِ صَوْمِ غَيْرِهِ مَا يَجْبُرُ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ بَاقِيَةٌ لَكِنْ حَصَلَ بِصَوْمِ الْيَوْمِ الْآخَرِ مَا يُوَازِيهَا

امْتِنَاعُ الْآخَرِ مِنْ ذَلِكَ فَالْأَفْضَلُ عَدَمُ خُرُوجِهِ مِنْهُ، وَإِذَا أَفْطَرَ لَمْ يُثَبْ عَلَى مَا مَضَى إنْ خَرَجَ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَإِلَّا أُثِيبَ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ قَوْلُ الْمُتَوَلِّي إنَّهُ لَا يُثَابُ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَمْ تَتِمَّ، وَمَا حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُثَابُ وَمَحَلُّ مَا ذُكِرَ فِي تَطَوُّعِ غَيْرِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، أَمَّا تَطَوُّعُهُمَا فَيَجِبُ إتْمَامُهُ لِمُخَالَفَتِهِمَا غَيْرَهُمَا فِي لُزُومِ الْإِتْمَامِ وَإِنْ فَسَدَا وَالْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ مَنْ أَفْسَدَهُمَا أَوْ تَحَلَّلَ لِفَوَاتِ الْحَجِّ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ (وَلَا قَضَاءَ) عَلَيْهِ حَتْمًا بِسَبَبِ قَطْعِهِ ذَلِكَ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَإِنْ خَرَجَ بِعُذْرٍ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ قَضَاءَهُ، أَمَّا مَنْ فَاتَهُ وَلَهُ عَادَةٌ بِصِيَامِهِ كَالِاثْنَيْنِ فَلَا يُسَنُّ لَهُ قَضَاؤُهُ لِفَقْدِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا مَرَّ مِنْ إفْتَائِهِ بِقَضَاءِ سِتٍّ مِنْ الْقَعْدَةِ عَنْ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ مُعَلِّلًا لَهُ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قَضَاءُ الصَّوْمِ الرَّاتِبِ وَهَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ.

(وَمَنْ) (تَلَبَّسَ بِقَضَاءٍ) لِصَوْمِ يَوْمٍ فَاتَ عَنْ وَاجِبٍ (حَرُمَ عَلَيْهِ قَطْعُهُ) جَزْمًا (إنْ كَانَ) قَضَاؤُهُ (عَلَى الْفَوْرِ وَهُوَ صَوْمُ مَنْ تَعَدَّى) بِالْفِطْرِ تَدَارُكًا لِمَا ارْتَكَبَهُ مِنْ الْإِثْمِ، وَلِأَنَّ التَّخْفِيفَ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْمُتَعَدِّي، وَشَمِلَ ذَلِكَ قَضَاءَ يَوْمِ الشَّكِّ لِوُجُوبِ قَضَائِهِ فَوْرًا إذْ هُوَ مَنْسُوبٌ بِعَدَمِ الْبَحْثِ عَنْ الْهِلَالِ إلَى تَقْصِيرٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ نَسِيَ النِّيَّةَ عَلَى الْفَوْرِ وَالْمُصَرَّحُ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي بِلَا خِلَافٍ (وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ) يَحْرُمُ قَطْعُهُ (فِي الْأَصَحِّ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ) لِتَلَبُّسِهِ بِالْفَرْضِ وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ فَلَزِمَهُ إتْمَامُهُ كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ.
وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالشُّرُوعِ فِيهِ فَأَشْبَهَ الْمُسَافِرَ يَشْرَعُ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ يُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنْهُ وَلَا تَتَقَيَّدُ الْفَوْرِيَّةُ بِمَا ذَكَرَهُ إذْ مِنْهُ مَا لَوْ ضَاقَ وَقْتُهُ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ شَعْبَانَ إلَّا مَا يَسَعُ الْقَضَاءَ فَقَطْ وَإِنْ فَاتَ بِعُذْرٍ، وَيَتَأَتَّى انْقِسَامُ الْقَضَاءِ إلَى مَا يَكُونُ بِالتَّعَدِّي وَإِلَى غَيْرِهِ أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ وَفِي الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الشُّهُورِ لِلصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ وَأَفْضَلُهَا الْمُحَرَّمُ ثُمَّ رَجَبٌ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ فَضَّلَهُ عَلَى الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ثُمَّ بَاقِيهَا وَظَاهِرُهُ الِاسْتِوَاءُ ثُمَّ شَعْبَانُ لِخَبَرِ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ» وَخَبَرِ

[حاشية الشبراملسي]

هُوَ ظَاهِرٌ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لِارْتِبَاطِ بَعْضِ أَجْزَائِهِمَا بِبَعْضٍ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ سُورَةِ الْكَهْفِ وَالتَّسْبِيحَاتِ وَنَحْوِهِمَا فَهَلْ الْمُرَادُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ وَالْإِشْغَالُ بِغَيْرِهِ وَتَرْكُ إتْمَامِهِ وَالْمُرَادُ مَا يَشْمَلُ قَطْعَهُ بِكَلَامٍ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ ثُمَّ الْعَوْدُ إلَيْهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي مَا لَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ مَطْلُوبًا كَرَدِّ السَّلَامِ وَإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا أُثِيبَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى مَا مَضَى ثَوَابَ بَعْضِ الْعِبَادَةِ الَّتِي بَطَلَتْ (قَوْلُهُ: أَمَّا تَطَوُّعُهُمَا) أَيْ بِأَنْ كَانَ الْفَاعِلُ لَهُمَا عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا، وَعَلَيْهِ فَالْوُجُوبُ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّبِيِّ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَلِيِّ (قَوْلُهُ كَالِاثْنَيْنِ فَلَا يُسَنُّ لَهُ قَضَاؤُهُ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ لِفَقْدِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ) هِيَ قَوْلُهُ وَإِنْ خَرَجَ بِعُذْرٍ (قَوْلُهُ: لِصَوْمِ يَوْمٍ) أَفْهَمَ التَّقْيِيدُ بِالصَّوْمِ أَنَّ غَيْرَهُ مِمَّا يَتَبَعَّضُ كَالصَّدَقَةِ الْمَالِيَّةِ وَالْمَنْذُورِ لَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ (قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ) هُوَ قَوْلُهُ بِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ

(قَوْلُهُ: وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ إلَخْ) عِبَارَةُ حَجّ قُبَيْلَ فَصْلِ الْفِدْيَةِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ثُمَّ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ: وَمَا ذَكَرْته مِنْ وُجُوبِ الْفَوْرِ مَعَ عَدَمِ التَّحَدُّثِ هُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ، بَلْ تَعْلِيلُ الْأَصْحَابِ وُجُوبَ الْفَوْرِيَّةِ بِوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ صَرِيحٌ فِيهِ، وَإِنَّمَا خَالَفْنَا ذَلِكَ فِي نَاسِي النِّيَّةِ لِأَنَّ عُذْرَهُ أَعَمُّ وَأَظْهَرُ مِنْ نِسْبَتِهِ لِلتَّقْصِيرِ، فَكَفَى فِي عُقُوبَتِهِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ فَحَسْبُ (قَوْلُهُ: إنَّهُ) أَيْ مَنْ نَسِيَ النِّيَّةَ عَلَى التَّرَاخِي مُعْتَمَدٌ

[حاشية الرشيدي]

[وَصَوْمُ الدَّهْرِ غَيْرُ الْعِيدِ]

قَوْلُهُ: لِفَقْدِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ) أَيْ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ إذْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ أَحَدٌ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا مَرَّ مِنْ إفْتَائِهِ بِقَضَاءِ سِتِّ ذِي الْقِعْدَةِ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ: لَا مُعَارَضَةَ لِلْفَرْقِ الظَّاهِرِ بَيْنَهُمَا، أَلَا تَرَى أَنَّ سِتَّ شَوَّالٍ يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهَا لِكُلِّ أَحَدٍ وَلَوْ لَمْ يَعْتَدْهَا بِخِلَافِ صَوْمِ مَا ذَكَرَ

(قَوْلُهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ) أَيْ عَلَى بَاقِيهَا (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ الِاسْتِوَاءُ)

«كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إلَّا قَلِيلًا» قَالَ الْعُلَمَاءُ: اللَّفْظُ الثَّانِي مُفَسِّرٌ لِلْأَوَّلِ وَالْمُرَادُ كُلُّهُ غَالِبُهُ، وَقِيلَ كَانَ يَصُومُهُ تَارَةً مِنْ أَوَّلِهِ وَتَارَةً مِنْ آخِرِهِ وَتَارَةً مِنْ وَسَطِهِ وَلَا يَتْرُكُ مِنْهُ شَيْئًا بِلَا صِيَامٍ لَكِنْ فِي أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا أَكْثَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ مَعَ كَوْنِ الْمُحَرَّمِ أَفْضَلَ مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَتْ تُعْرَضُ لَهُ فِيهِ أَعْذَارٌ تَمْنَعُهُ مِنْ إكْثَارِ الصَّوْمِ فِيهِ، أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَ الْمُحَرَّمِ إلَّا فِي آخِرِ حَيَاتِهِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ صَوْمِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطْعًا إلَّا رَمَضَانَ» قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ ذَلِكَ لِئَلَّا يُظَنَّ وُجُوبُهُ

، وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ صَوْمُ تَطَوُّعٍ مِنْ غَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا وَهُوَ حَاضِرٌ، فَلَوْ صَامَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ صَحَّ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا كَالصَّلَاةِ فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ وَعِلْمُهَا بِرِضَاهُ كَإِذْنِهِ، وَسَيَأْتِي فِي النَّفَقَاتِ عَدَمُ حُرْمَةِ صَوْمِ نَحْوِ عَاشُورَاءَ عَلَيْهَا، أَمَّا صَوْمُهَا فِي غَيْبَةِ زَوْجِهَا عَنْ بَلَدِهَا فَجَائِزٌ قَطْعًا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ صَوْمُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ مَعَ حُضُورِهِ نَظَرًا لِجَوَازِ إفْسَادِهِ عَلَيْهَا لِأَنَّ الصَّوْمَ يُهَابُ عَادَةً فَيَمْنَعُهُ التَّمَتُّعُ بِهَا، وَلَا يُلْحَقُ بِالصَّوْمِ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ كَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ لِقِصَرِ زَمَنِهَا، وَالْأَمَةُ الْمُبَاحَةُ لِلسَّيِّدِ كَالزَّوْجَةِ وَغَيْرُ الْمُبَاحَةِ كَأُخْتِهِ، وَالْعَبْدُ إنْ تَضَرَّرَ، بِصَوْمِ التَّطَوُّعِ لِضَعْفٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَإِلَّا جَازَ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ.

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ صَوْمُ تَطَوُّعٍ) خَرَجَ بِهِ الْفَرْضُ فَلَا يَحْرُمُ وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ قَطْعُهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لِنَذْرٍ مُطْلَقٍ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ (قَوْلُهُ: صَحَّ) أَيْ وَتُثَابُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ عَدَمُ حُرْمَةِ صَوْمِ نَحْوِ عَاشُورَاءَ) أَيْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَقَوْلُهُ نَحْوِ عَاشُورَاءَ أَيْ مِمَّا لَا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ (قَوْلُهُ مَعَ حُضُورِهِ) وَلَوْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِأَنْ يَغِيبَ عَنْهَا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى آخِرِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَطْرَأَ لَهُ قَضَاءُ وَطَرِهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَلَى خِلَافِ عَادَتِهِ (قَوْلُهُ: صَلَاةُ التَّطَوُّعِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَثُرَ مَا نَوَتْهُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ شَأْنِهَا قَصْرُ زَمَنِهَا (قَوْلُهُ: وَالْأَمَةُ الْمُبَاحَةُ لِلسَّيِّدِ) أَيْ الَّتِي أَعَدَّهَا لِلتَّمَتُّعِ بِأَنْ تَسَرَّى بِهَا، أَمَّا أَمَةُ الْخِدْمَةِ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْ لِلسَّيِّدِ تَمَتُّعٌ بِهَا وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهَا إرَادَتُهُ مِنْهَا فَلَا يَنْبَغِي مَنْعُهَا مِنْ الصَّوْمِ.

[حاشية الرشيدي]

أَيْ فِي غَيْرِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَا مَرَّ فِيهَا (قَوْلُهُ: وَلَا يَتْرُكُ مِنْهُ شَيْئًا بِلَا صِيَامٍ) فَإِنْ قُلْت: هَذَا لَا يُلَاقِي قَوْلَهُ فِيهِ إلَّا قَلِيلًا.
" قُلْت: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ كُلُّهُ بِالنَّظَرِ لِمَجْمُوعِ السِّنِينَ كَمَا قَرَّرَهُ، وَقَوْلُهُ إلَّا قَلِيلًا بِالنَّظَرِ لِكُلِّ سَنَةٍ عَلَى حِدَتِهَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ تَارَةً يَشْرَعُ فِي الصَّوْمِ فِيهِ مِنْ أَوَّلِهِ وَيَسْرُدُ الصَّوْمَ ثُمَّ يُفْطِرُ قَلِيلًا مِنْ آخِرِهِ، وَتَارَةً يَتْرُكُ الصَّوْمَ قَلِيلًا مِنْ أَوَّلِهِ ثُمَّ يَسْرُدُ الصَّوْمَ إلَخْ، وَتَارَةً يَتْرُكُ قَلِيلًا مِنْ أَوَّلِهِ ثُمَّ يَسْرُدُ لِصَوْمٍ ثُمَّ يَتْرُكُ الصَّوْمَ قَلِيلًا مِنْ آخِرِهِ فَتَأَمَّلْ

كِتَابُ الِاعْتِكَافِ هُوَ لُغَةً: اللُّبْثُ وَالْحَبْسُ وَالْمُلَازَمَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَلَوْ شَرًّا، يُقَالُ اعْتَكَفَ وَعَكَفَ يَعْكُفُ بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِهَا عَكْفًا وَعُكُوفًا وَعَكَفْته أَعْكِفُهُ بِكَسْرِ الْكَافِ عَكْفًا لَا غَيْرُ، يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا كَرَجَعَ وَرَجَعْته وَنَقَصَ وَنَقَصْته.
وَشَرْعًا: لُبْثٌ فِي مَسْجِدٍ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ مِنْ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ عَاقِلٍ طَاهِرٍ عَنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ صَاحٍ كَافٍ نَفْسَهُ عَنْ شَهْوَةِ الْفَرْجِ مَعَ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ، وَأَصْلُهُ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] وَأَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ مِنْهَا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ الْأَوْسَطَ، ثُمَّ الْأَخِيرَ وَلَازَمَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنَّهُ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ» وَفِي رِوَايَةٍ

[حاشية الشبراملسي]

[كِتَابُ الِاعْتِكَافِ]

(قَوْلُهُ: وَالْمُلَازَمَةُ عَلَى الشَّيْءِ) رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ (قَوْلُهُ: يُقَالُ) أَيْ فِي اللُّغَةِ (قَوْلُهُ: فِي مَسْجِدٍ) أَيْ خَالِصٍ (قَوْلُهُ: مِنْ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ عَاقِلٍ إلَخْ) ذِكْرُهُ بَعْدَ التَّمْيِيزِ مُجَرَّدُ إيضَاحٍ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ أَحَدِهِمَا الْآخَرُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَجْمَعْ الْمُصَنِّفُ بَيْنَهُمَا فِيمَا يَأْتِي، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَجْنُونَ إذَا كَانَ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُهُ لِانْتِفَاءِ الْعَقْلِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَلِلْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ) أَيْ وَعَدَمُ الْإِكْرَاهِ وَكَوْنُهُ وَاضِحًا كَمَا يَأْتِي لِلشَّارِحِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْأَوْسَطَ إلَخْ) قَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي مَصَابِيحِ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ مَا نَصُّهُ: الْعَشْرُ الْأَوْسَطُ جَاءَ هُنَا عَلَى لَفْظِ الْعَشْرُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى مُفْرَدَاتِهِ وَلَفْظُهُ مُذَكَّرٌ فَيَصِحُّ وَصْفُهُ بِالْأَوْسَطِ، وَإِلَّا فَلَوْ أُرِيدَ وَصْفُهُ بِاعْتِبَارِ آحَادِهِ لَقِيلَ الْوُسْطَى وَالْوُسَطُ بِضَمِّ الْوَاوِ وَفَتْحِ السِّينِ كَكُبْرَى وَكُبَرٍ وَقَدْ رُوِيَ بِهِ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، وَرُوِيَ أَيْضًا الْوُسُطُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ وَاسِطٍ كَبَازِلٍ وَبُزُلٍ كَذَا فِي الزَّرْكَشِيّ.
قُلْت: وَأَوْسَطُ هَذَا مُذَكَّرٌ وَوَاحِدُ الْعَشْرِ مُؤَنَّثٌ فَكَانَ قِيَاسُهُ أَوَاسِطُ جَمْعُ وَاسِطَةٍ كَأَوَاخِرَ جَمْعُ آخِرَةٍ اهـ: وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ، كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النَّسْخِ، وَالْمَشْهُورُ فِي الِاسْتِعْمَالِ تَأْنِيثُ الْعَشْرِ كَمَا قَالَ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ: وَتَذْكِيرُهُ أَيْضًا لُغَةٌ صَحِيحَةٌ بِاعْتِبَارِ الْأَيَّامِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الْوَقْتِ وَالزَّمَانِ، وَيَكْفِي فِي صِحَّتِهَا ثُبُوتُ اسْتِعْمَالِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: وَالْيَوْمُ الْأَوْسَطُ وَاللَّيْلَةُ الْوُسْطَى، وَبِجَمْعِ الْأَوْسَطِ عَلَى الْأَوَاسِطِ مِثْلُ الْأَفْضَلِ وَالْأَفَاضِلِ تُجْمَعُ الْوُسْطَى عَلَى الْوُسَطِ مِثْلُ الْفُضْلَى وَالْفُضَلِ، وَإِذَا أُرِيدَ اللَّيَالِي قِيلَ الْعَشْرُ الْوُسَطُ، وَإِذَا أُرِيدَ الْأَيَّامُ قِيلَ الْعَشْرُ الْأَوَاسِطُ، وَقَوْلُهُمْ الْعَشْرُ الْأَوْسَطُ عَامِّيٌّ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا فَشَا عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامّ مُخَالِفًا لِمَا نَقَلَهُ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ، فَقَدْ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ وَجَمَاعَةٌ: إنَّ أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ تَنَاقَلَتْهُ أَيْدِي الْعَجَمِ حَتَّى فَشَا فِيهِ اللَّحْنُ وَتَلَعَّبَتْ بِهِ الْأَلْسُنُ اللُّكْنُ حَتَّى حَرَّفُوا بَعْضَهُ مِنْ مَوَاضِعِهِ، وَمَا هَذِهِ سَبِيلُهُ فَلَا يُحْتَجُّ بِأَلْفَاظِهِ الْمُخْتَلِفَةِ لِأَنَّ النَّقَلَةَ لَمْ يَنْقُلُوا الْحَدِيثَ بِضَبْطِ الْحُفَّاظِ حَتَّى يُحْتَجَّ بِهَا بَلْ بِمَعَانِيهَا فَإِنَّهُمْ أَجَازُوا نَقْلَ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، وَلِهَذَا تَخْتَلِفُ أَلْفَاظُ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا: وَلِأَنَّ الْعَشْرَ جَمْعٌ وَالْأَوْسَطُ مُفْرَدٌ وَلَا يُخْبَرُ عَنْ الْجَمْعِ بِمُفْرَدٍ، عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ غَلَطُ الْكَاتِبِ بِسُقُوطِ الْأَلِفِ مِنْ الْأَوَاسِطِ وَالْهَاءِ مِنْ الْعَشَرَةِ: وَقَوْلُهُ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ إلَخْ: أَيْ فِي بَعْضِ السِّنِينَ ثُمَّ الْأَوْسَطَ فِي بَعْضٍ آخَرَ إلَخْ،

[حاشية الرشيدي]

[صَوْمُ تَطَوُّعٍ مِنْ غَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا وَهُوَ حَاضِرٌ]

كِتَابُ الِاعْتِكَافِ

«فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْهُ» وَهُوَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: 125] وَسُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لَا تَخْتَصُّ بِزَمَنٍ كَمَا قَالَ (هُوَ مُسْتَحَبٌّ كُلَّ وَقْتٍ) فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَلِإِطْلَاقِ الْأَدِلَّةِ وَيَجِبُ بِالنَّذْرِ.

(وَهُوَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ) مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، وَلَيْسَ هَذَا مُكَرَّرًا بِمَا مَرَّ فِي الْبَابِ السَّابِقِ إذْ ذَاكَ فِي اسْتِحْبَابِهِ فِي رَمَضَانَ وَمَا هُنَا فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ فِيهِ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَشَارَ إلَى حِكْمَةِ أَفْضَلِيَّتِهِ هُنَا بِقَوْلِهِ (لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ) الَّتِي هِيَ فِيهِ أَيْ فَيُحْيِيهَا بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَكَثْرَةِ الدُّعَاءِ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ لَيَالِي السَّنَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3] أَيْ الْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ.
وَفِي الصَّحِيحِ «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ) وَاَلَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وَبَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إجْمَاعًا وَتُرَى حَقِيقَةً فَيَتَأَكَّدُ طَلَبُهَا وَالِاجْتِهَادُ فِي إدْرَاكِهَا كُلَّ عَامٍ وَإِحْيَاءُ لَيْلِهَا كُلِّهِ بِالْعِبَادَةِ وَالدُّعَاءِ، وَالْمُرَادُ بِرَفْعِهَا فِي خَبَرِ «فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ» رُفِعَ عِلْمُ عَيْنِهَا وَإِلَّا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِالْتِمَاسِهَا، وَمَعْنَى «عَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ» : أَيْ لِتَرْغَبُوا فِي طَلَبِهَا وَالِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ اللَّيَالِي وَلِيَكْثُرَ فِيهَا وَفِي يَوْمِهَا مِنْ الْعِبَادَةِ بِإِخْلَاصٍ وَصِحَّةِ يَقِينٍ، وَمِنْ قَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ إنَّك عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا» ، وَيُسَنُّ لِمَنْ رَآهَا أَنْ يَكْتُمَهَا، وَمَا نُقِلَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يَنَالُ فَضْلَهَا إلَّا مَنْ اطَّلَعَ عَلَيْهَا، فَمَنْ قَامَهَا وَلَمْ يَشْعُرْ بِهَا لَمْ يَنَلْ فَضْلَهَا، رَدَّهُ جَمْعٌ بِتَصْرِيحِ الْمُتَوَلِّي بِخِلَافِهِ وَبِأَنَّ فِي مُسْلِمٍ «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَوَافَقَهَا» وَتَفْسِيرُ الْمُوَافَقَةِ بِالْعِلْمِ غَيْرُ مُسَاعِدٍ عَلَيْهِ مِنْ اللُّغَةِ، وَفِيهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " مَنْ يَقُمْ الْحَوْلَ يُصِبْهَا " وَبِقَوْلِ أَصْحَابِنَا: يُسَنُّ التَّعَبُّدُ فِي كُلِّ لَيَالِي الشَّهْرِ لِيَحُوزَ الْفَضِيلَةَ بِيَقِينٍ.
نَعَمْ يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَمْ يَنَلْ فَضْلَهَا عَلَى الْكَامِلِ فَلَا يُنَافِيهِ مَا ذُكِرَ.
وَسُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِأَنَّهَا لَيْلَةُ الْحُكْمِ وَالْفَصْلِ، وَقِيلَ لِعِظَمِ قَدْرِهَا (وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (إلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ)

[حاشية الشبراملسي]

وَهَلْ اعْتِكَافُهُ الْعَشْرَ الْأُوَلَ كَانَ فِي سَنَةٍ أَوْ سِنِينَ وَهَلْ الْأَوْسَطُ كَذَلِكَ أَوْ لَا فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: 125] أَيْ نَزِّهَاهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ كُلَّ وَقْتٍ) أَيْ حَتَّى أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ وَإِنْ تَحَرَّاهَا (قَوْلُهُ: وَيَجِبُ بِالنَّذْرِ) ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِمَسَائِلِ النَّذْرِ الْآتِيَةِ وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ مِنْ كَوْنِهِ مُسْتَحَبًّا أَنَّهُ يَصِحُّ نَذْرُهُ

(قَوْلُهُ: مُكَرَّرًا بِمَا مَرَّ) أَيْ مَعَ مَا مَرَّ فَالْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ (قَوْلُهُ: «إيمَانًا وَاحْتِسَابًا» ) أَيْ تَصْدِيقًا بِأَنَّهَا حَقٌّ وَطَاعَةٌ، وَاحْتِسَابًا: أَنَّ طَلَبًا لِرِضَاءِ اللَّهِ وَثَوَابِهِ لَا رِيَاءَ وَسُمْعَةَ وَنَصْبُهُمَا عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ أَوْ التَّمْيِيزِ أَوْ الْحَالِ بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ وَعَلَيْهِ فَهُمَا حَالَانِ مُتَدَاخِلَانِ أَوْ مُتَرَادِفَانِ، وَالنُّكْتَةُ فِي وُقُوعِ الْجَزَاءِ مَاضِيًا مَعَ أَنَّهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَنَّهُ مُتَيَقَّنُ الْوُقُوعِ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ اهـ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ (قَوْلُهُ: وَلِيَكْثُرَ فِيهَا) أَيْ حَيْثُ اطَّلَعَ عَلَيْهَا أَوْ كَانَتْ مِنْ اللَّيَالِي الَّتِي تُرْجَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ كَالْحَادِي وَالْعِشْرِينَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ لِمَنْ رَآهَا إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهَا كَالْكَرَامَةِ وَهِيَ يُسْتَحَبُّ كَتْمُهَا، وَعِبَارَةُ حَجّ فِي الْحَجِّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَهِيَ نَوْعَانِ مَا نَصُّهُ: تَعْلِيلًا لِكَلَامٍ قَرَّرَهُ وَلِإِطْبَاقِهِمْ كَمَا قَالَ الْيَافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ: أَيْ الْوَلِيِّ التَّنَزُّهُ عَنْ قَصْدِ الْكَرَامَةِ وَفِعْلُهَا مَا أَمْكَنَ اهـ. لَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ طَلَبُ كَتْمِهَا إذَا اتَّفَقَ ظُهُورُهَا عَلَى يَدِهِ (قَوْلُهُ: فِي كُلِّ لَيَالِي الشَّهْرِ) فِي نُسْخَةٍ الْعَشْرُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَيْلَةُ الْحُكْمِ) أَيْ وَأَمَّا مَا يَقَعُ لَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبَانَ إنْ صَحَّ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ الْكِتَابَةِ فِيهَا وَتَمَامَ الْكِتَابَةِ وَتَسْلِيمَ الصُّحُفِ لِأَرْبَابِهَا إنَّمَا هُوَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (قَوْلُهُ إلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ إلَخْ)

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ فَيُحْيِيهَا بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ إلَخْ) هَذَا نَتِيجَةُ الطَّلَبِ فَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَإِحْيَاءُ لَيْلِهَا كُلِّهِ بِالْعِبَادَةِ وَالدُّعَاءِ) هَذَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا إلَّا قَوْلَهُ كُلِّهِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا هُنَا (قَوْلُهُ: وَلْيُكْثِرْ فِيهَا وَفِي يَوْمِهَا مِنْ الْعِبَادَةِ)

(أَوَالثَّالِثُ وَالْعِشْرِينَ) مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ وَعَلَى الثَّانِي خَبَرُ مُسْلِمٍ وَهَذَا نَصُّ الْمُخْتَصَرِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ مَيْلَهُ إلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ لَا غَيْرُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَلْزَمُ لَيْلَةً بِعَيْنِهَا وَأَرْجَاهَا بَعْدَ مَا مَرَّ بَقِيَّةٌ أَوْ تَارَةٌ وَفِيهَا لِلْعُلَمَاءِ نَحْوُ ثَلَاثِينَ قَوْلًا، وَعَلَامَتُهَا عَدَمُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ فِيهَا، وَأَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ صَبِيحَتَهَا بَيْضَاءَ بِلَا كَثِيرِ شُعَاعٍ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَامَةٌ لَهَا، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِ الْمَلَائِكَةِ وَنُزُولِهَا وَصُعُودِهَا فِيهَا فَسَتَرَتْ بِأَجْنِحَتِهَا وَأَجْسَامِهَا اللَّطِيفَةِ ضَوْءَ الشَّمْسِ وَشُعَاعَهَا " وَفَائِدَةُ مَعْرِفَةِ صِفَتِهَا بَعْدَ فَوْتِهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ فِي يَوْمِهَا كَاجْتِهَادِهِ فِيهَا، وَلِيَجْتَهِدَ فِي مِثْلِهَا مِنْ قَابِلٍ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ انْتِقَالِهَا، وَقَدْ نُقِلَ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَقَدْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ»

وَلِلِاعْتِكَافِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: مَسْجِدٌ وَلُبْثٌ وَنِيَّةٌ وَمُعْتَكِفٌ، وَقَدْ شَرَعَ فِي أَوَّلِهَا فَقَالَ (وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ، فِي الْمَسْجِد) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلِلْإِجْمَاعِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] إذْ ذِكْرُ الْمَسَاجِدِ لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ لِجَعْلِهَا شَرْطًا فِي مَنْعِ مُبَاشَرَةِ الْمُعْتَكِفِ

[حاشية الشبراملسي]

ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا تَكُونُ عِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ بِحَسَبِ لَيْلِهِمْ، فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ عِنْدَنَا نَهَارًا لِغَيْرِنَا تَأَخَّرَتْ الْإِجَابَةُ وَالثَّوَابُ إلَى أَنْ يَدْخُلَ اللَّيْلُ عِنْدَهُمْ، وَيُحْتَمَلُ لُزُومُهَا لِوَقْتٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ نَهَارًا بِالنِّسْبَةِ لِقَوْمٍ وَلَيْلًا بِالنِّسْبَةِ لِآخَرِينَ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِيَنْطَبِقَ عَلَيْهِ مُسَمَّى اللَّيْلِ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا أَخْذًا مِمَّا قِيلَ فِي سَاعَةِ الْإِجَابَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَوْقَاتِ الْخُطَبِ (قَوْلُهُ: يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ) مِنْهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنِّي أُرِيتهَا اللَّيْلَةَ وَأَرَانِي أَسْجُدُ فِي صَبِيحَتِهَا فِي الطِّينِ وَالْمَاءِ، فَأَصْبِحُوا مِنْ لَيْلَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَقَدْ قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الصُّبْحِ فَمَطَرَتْ السَّمَاءُ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فَخَرَجَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَجَبِينُهُ وَأَرْنَبَتُهُ أَيْ أَنْفُهُ فِيهِمَا أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ» وَرَوَى مُسْلِمٌ مِثْلَ هَذَا عَنْ لَيْلَةِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ اهـ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَلْزَمُ لَيْلَةً بِعَيْنِهَا) أَيْ مِنْ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ (قَوْلُهُ وَأَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ صَبِيحَتَهَا بَيْضَاءَ) أَيْ وَيَسْتَمِرُّ ذَلِكَ إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ كَرُمْحٍ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ، ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ تَطْلُعُ الشَّمْسُ لَا شُعَاعَ لَهَا كَأَنَّهَا طَسْتٌ حَتَّى تَرْتَفِعَ» وَقَوْلُهُ كَأَنَّهَا طَسْتٌ أَيْ مِنْ نُحَاسٍ أَبْيَضِ مُنَاوِيٌّ (قَوْلُهُ: وَنُزُولُهَا وَصُعُودُهَا فِيهَا) لَا يُقَالُ: اللَّيْلَةَ تَنْقَضِي بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَكَيْفَ تَسْتُرُ بِصُعُودِهَا وَنُزُولِهَا فِي اللَّيْلِ ضَوْءَ الشَّمْسِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: يَجُوزُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْتَهِي بِطُلُوعِ الْفَجْرِ بَلْ كَمَا يَكُونُ فِي لَيْلَتِهَا يَكُونُ فِي يَوْمِهَا، وَبِتَقْدِيرِ أَنَّهُ يَنْتَهِي نُزُولُهَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَيَجُوزُ أَنَّ الصُّعُودَ مُتَأَخِّرٌ وَبِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ لَيْلًا فَيَجُوزُ أَنَّهَا إذَا صَعِدَتْ تَكُونُ مُحَاذَاتُهَا لِلشَّمْسِ وَقْتَ مُرُورِهَا فِي مُقَابَلَتِهَا نَهَارًا (قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ فِي يَوْمِهَا إلَخْ) وَهَلْ الْعَمَلُ فِي يَوْمِهَا خَيْرٌ مِنْ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا صَبِيحَةُ يَوْمِ قُدِّرَ قِيَاسًا عَلَى اللَّيْلَةِ ظَاهِرُ التَّشْبِيهِ أَنَّهُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ وَقَدْ نَقَلَ) أَيْ النَّوَوِيُّ وَقَوْلُهُ عَنْ نَصِّهِ: أَيْ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: الْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ) أَيْ وَاتَّفَقَ أَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَلَكِنْ لَا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِمُلَازَمَةِ جَمِيعِ الشَّهْرِ، وَعِبَارَةُ حَجّ: وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ خَبَرَ «مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ حَتَّى يَنْقَضِيَ رَمَضَانُ فَقَدْ أَخَذَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِحَظٍّ وَافِرٍ»

(قَوْلُهُ: فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ وَلَوْ ظَنًّا فِيمَا يَظْهَرُ وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ فِي بَابِ الْغُسْلِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَاللُّبْثُ بِالْمَسْجِدِ لَا عُبُورَهُ نَصُّهَا: وَهَلْ شَرْطُ الْحُرْمَةِ تَحَقُّقُ الْمَسْجِدِيَّةِ أَوْ يُكْتَفَى بِالْقَرِينَةِ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ، وَالْأَقْرَبُ إلَى كَلَامِهِمْ الْأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ فَالِاسْتِفَاضَةُ كَافِيَةٌ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَصْلُهُ كَالْمَسَاجِدِ الْمُحْدَثَةِ بِمِنًى اهـ

[حاشية الرشيدي]

ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ وَإِلَّا فَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَزَادَ هُنَا تَقْيِيدَهُ بِالْإِخْلَاصِ (قَوْلُهُ: بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِفَوْتٍ

لِمَنْعِهِ مِنْهَا وَلَوْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَلِمَنْعِ غَيْرِهِ مِنْهَا فِيهَا فَتَعَيَّنَ كَوْنُهَا شَرْطًا لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ، (وَلَا يَفْتَقِرُ شَيْءٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ إلَى الْمَسْجِدِ إلَّا التَّحِيَّةَ وَالِاعْتِكَافَ وَالطَّوَافَ) ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سَطْحِهِ وَصَحْنِهِ وَرَحْبَتِهِ الْمَعْدُودَةِ مِنْهُ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ عَدَمَ صِحَّتِهِ فِيمَا وَقَفَ جُزْؤُهُ شَائِعًا مَسْجِدًا أَوْ فِي مَسْجِدٍ أَرْضُهُ مُسْتَأْجَرَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَا رَجَّحَهُ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: (لَوْ بَنَى فِيهِ مَسْطَبَةً وَوَقَفَهَا مَسْجِدًا صَحَّ) كَمَا يَصِحُّ عَلَى سَطْحِهِ وَجُدْرَانِهِ ظَاهِرٌ وَإِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ بِالصِّحَّةِ وَإِنْ لَمْ يَبْنِهَا بِهِ إذْ الْمَسْجِدُ هُوَ الْبِنَاءُ الَّذِي فِي تِلْكَ الْأَرْضِ لَا الْأَرْضُ وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ (صِحَّةُ وَقْفِ الْعُلُوِّ دُونَ السُّفْلِ) مَسْجِدًا كَعَكْسِهِ وَعَدَمُ صِحَّةِ وَقْفِ الْمَنْقُولِ مَسْجِدًا كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْوَقْفِ.
قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: (لَوْ اعْتَكَفَ فِيمَا ظَنَّهُ مَسْجِدًا) فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ فَلَهُ أَجْرُ قَصْدِهِ وَاعْتِكَافِهِ وَإِلَّا فَقَصْدُهُ فَقَطْ (وَ) الْمَسْجِدُ (الْجَامِعُ) وَهُوَ مَا تُقَامُ الْجُمُعَةُ فِيهِ (أَوْلَى) بِالِاعْتِكَافِ مِنْ غَيْرِهِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي إيجَابِهِ لِكَثْرَةِ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: الْمَعْدُودَةِ مِنْهُ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُتَّصِلَةُ بِهِ، فَإِنْ خَرَجَ إلَى رَحْبَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ مِنْهُ انْقَطَعَ اعْتِكَافُهُ أَخْذًا مِمَّا سَيَأْتِي فِي خُرُوجِ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ إلَى مَنَارَةِ بَابِهَا فِيهِ أَوْ فِي رَحْبَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ الْمُنْفَصِلَةَ عَنْهُ يَنْقَطِعُ تَتَابُعُهُ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَنَارَةِ الَّتِي بَابُهَا بِالْمُنْفَصِلَةِ.
[فَرْعٌ] شَجَرَةٌ أَصْلُهَا بِالْمَسْجِدِ وَأَغْصَانُهَا خَارِجُهُ هَلْ يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ عَلَى الْأَغْصَانِ أَوْ لَا؟ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ الصِّحَّةُ وَلَوْ انْعَكَسَ الْحَالُ فَكَانَ أَصْلُ الشَّجَرَةِ خَارِجَهُ وَأَغْصَانُهَا دَاخِلُهُ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَيُتَّجَهُ الصِّحَّةُ أَيْضًا أَخْذًا مِنْ صَرِيحِ كَلَامِ سم عَلَى حَجّ فِي بَابِ الْحَجِّ فِي فَصْلِ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَوْ مَنْصُوبِهِ أَنْ يَخْطُبَ بِمَكَّةَ إلَخْ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَوَاجِبُ الْوُقُوفِ حُضُورُهُ بِجُزْءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ حَيْثُ ذَكَرَ مَا يُفِيدُ التَّسْوِيَةَ، فِي الِاعْتِكَافِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ.
وَالتَّفْرِقَةُ فِي الْحَجِّ بَيْنَ مَا أَصْلُهَا فِي الْحَرَمِ وَأَغْصَانُهَا خَارِجُهُ فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ عَلَى الْأَغْصَانِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، لَكِنْ يُرَاجَعُ قَوْلُهُ فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إلَخْ وَلَعَلَّهُ فَلَا يَصِحُّ الْوُقُوفُ (قَوْلُهُ: فِيمَا وَقَفَ جُزْؤُهُ شَائِعًا مَسْجِدًا) وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ حَيْثُ صَحَّتْ فِيمَا وَقَفَ جُزْؤُهُ شَائِعًا أَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ التَّعْظِيمُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ، وَأَيْضًا صِحَّةُ الصَّلَاةِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَسْجِدِيَّةِ بِخِلَافِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ فِي مَسْجِدٍ أَرْضُهُ مُسْتَأْجَرَةٌ) وَمِنْهُ الْأَرْضُ الْمُحْتَكَرَةُ، وَصُورَةُ مَسْأَلَةِ الِاسْتِئْجَارِ أَنْ لَا يُفْرَشَ بِالْبَلَاطِ مَثَلًا ثُمَّ يُوقَفُ مَا فُرِشَ بِأَرْضِهِ مَسْجِدًا (قَوْلُهُ: لَوْ بَنَى فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أَرْضُهُ مُسْتَأْجَرَةٌ (قَوْلُهُ: مَسْطَبَةً) أَيْ أَوْ سَمَّرَ فِيهِ دِكَّةً مِنْ خَشَبٍ أَوْ نَحْوِ سَجَّادَةٍ مَرَّ اهـ سم عَلَى حَجّ وَمِثْلُهُ مَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ (قَوْلُهُ: إذْ الْمَسْجِدُ) تَوْجِيهٌ لِقَوْلِهِ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ صِحَّةُ وَقْفِ الْعُلُوِّ إلَخْ) وَمِنْهُ الْخَلَاوِي وَالْبُيُوتُ الَّتِي تُوجَدُ فِي بَعْضِ الْمَسَاجِدِ وَهِيَ مَشْرُوطَةٌ لِلْإِمَامِ أَوْ نَحْوِهِ وَيَسْكُنُونَ فِيهَا بِزَوْجَاتِهِمْ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّ الْوَاقِفَ وَقَفَ مَا عَدَاهَا مَسْجِدًا جَازَ الْمُكْثُ فِيهَا مَعَ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ وَالْجِمَاعِ فِيهَا وَإِلَّا حَرُمَ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَسْجِدِيَّةُ (قَوْلُهُ مَسْجِدًا) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ لَا الْأَرْضُ نَفْسُهَا (قَوْلُهُ وَعَدَمُ صِحَّتِهِ وَقْفُ الْمَنْقُولِ مَسْجِدًا) ظَاهِرٌ وَإِنْ أَثْبَتَ، وَنُقِلَ عَنْ فَتَاوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ خِلَافُهُ فَلْيُرَاجَعْ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَقَصْدُهُ إلَخْ)

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ عَدَمَ صِحَّتِهِ فِيمَا وُقِفَ جُزْؤُهُ شَائِعًا) أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَسْجِدًا بِالْإِطْلَاقِ فَهُوَ خَارِجٌ بِإِطْلَاقِهِ الْمَسْجِدَ (قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ بِالصِّحَّةِ) أَيْ اكْتِفَاءً بِكَوْنِهِ فِي هَوَاءِ السَّقْفِ وَالْجُدْرَانِ (قَوْلُهُ: لَوْ اعْتَكَفَ فِيمَا ظَنَّهُ مَسْجِدًا إلَخْ) هَلْ يُقَاسُ بِهِ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الظَّاهِرُ لَا لِلتَّرَدُّدِ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَبَابُهَا أَضْيَقُ.

لِكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ وَلِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْجُمُعَةِ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ الْأُولَى مَا لَوْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ جَمَاعَةٍ مِنْهُ وَكَانَ زَمَانُ الِاعْتِكَافِ دُونَ أُسْبُوعٍ أَوْ كَانَ الْمُعْتَكِفُ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إنَّهُ قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ، وَإِنْ اقْتَضَى قَوْلُ الرَّافِعِيِّ إنَّ مُرَاعَاةَ الْجُمُعَةِ أَظْهَرَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ خِلَافَهُ إذْ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ أَوْلَى، (وَالنَّصُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ يَعْتَكِفُ حَيْثُ شَاءَ مِنْ الْمَسَاجِدِ) لَا يُؤَيِّدُ اعْتِبَارَ مُرَاعَاةِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ مُرَادَ النَّصِّ سَلْبُ وُجُوبِ الْجَامِعِ مُطْلَقًا عَلَى مَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَقَدْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَأَطْلَقَ أَوْلَوِيَّةَ الْجَامِعِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.
نَعَمْ قَدْ (يَجِبُ الْجَامِعُ فِي الِاعْتِكَافِ كَأَنْ نَذَرَ زَمَنًا مُتَتَابِعًا فِيهِ يَوْمُ جُمُعَةٍ) وَهُوَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ وَلَمْ يُشْتَرَطْ الْخُرُوجُ لَهَا، إذْ خُرُوجُهُ لَهَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ لِتَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ اعْتِكَافِهِ فِي الْجَامِعِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَدَمُ بُطْلَانِ تَتَابُعِهِ بِالْخُرُوجِ لَهَا فِيمَا لَوْ كَانَتْ الْجُمُعَةُ تُقَامُ بَيْنَ أَبْنِيَةِ الْقَرْيَةِ فِي غَيْرِ جَامِعٍ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ بِأَهْلِهَا فَأُحْدِثَ بِهَا جَامِعٌ وَجَمَاعَةٌ بَعْدَ نَذْرِهِ وَاعْتِكَافِهِ، (وَلَوْ اُسْتُثْنِيَ الْخُرُوجُ لَهَا وَفِي الْبَلْدَةِ جَامِعَانِ فَمَرَّ عَلَى أَحَدِهِمَا وَذَهَبَ إلَى الْآخَرِ) لَمْ يَضُرَّ إنْ كَانَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ يُصَلِّي فِيهِ أَوَّلًا، فَإِنْ صَلَّى أَهْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بَطَلَ تَتَابُعُهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْقَفَّالُ، أَمَّا إذَا لَمْ يُشْرَطْ التَّتَابُعُ فَلَا يَجِبُ الْجَامِعُ لِصِحَّةِ اعْتِكَافِهِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ لِمُسَاوَاتِهَا لَهُ فِي الْأَحْكَامِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ أَوْلَوِيَّةِ الْجَامِعِ مَا لَوْ عَيَّنَ غَيْرَهُ فَالْمُعَيَّنُ أَوْلَى إنْ لَمْ يَحْتَجْ لِخُرُوجِهِ لِلْجُمُعَةِ.

(وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَهُوَ

[حاشية الشبراملسي]

وَمِثْلُ ذَلِكَ كُلُّ عِبَادَةٍ تَلَبَّسَ بِهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ فِيهَا خَلَلٌ يَقْتَضِي فَسَادَهَا (قَوْلُهُ: وَلِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْجُمُعَةِ) بَلْ يَتَعَيَّنُ فِيمَا نَذْرُ اعْتِكَافِ مُدَّةِ مُتَتَابِعَةٍ يَتَخَلَّلُهَا جُمُعَةٌ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَهَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ اهـ شَرْحُ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ.
ثُمَّ رَأَيْت قَوْلَهُ الْآتِي نَعَمْ قَدْ يَجِبُ الْجَامِعُ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ الْأُولَى) هِيَ قَوْلُهُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ جَمَاعَةٍ إلَخْ وَالْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ هِيَ قَوْلُهُ وَلِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ: أَكْثَرَ جَمَاعَةً) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ انْتَفَتْ الْجَمَاعَةُ مِنْهُ بِالْمَرَّةِ كَأَنْ هَجَرَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أَوْلَى، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ إذْ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ أَوْلَى لِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَالْجَمَاعَةُ أَقْوَى لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ سُنَّةٌ وَإِذَا تَعَارَضَ الْوَاجِبُ وَغَيْرُهُ قُدِّمَ الْوَاجِبُ (قَوْلُهُ: إنَّ مُرَاعَاةَ الْجُمُعَةِ) لَعَلَّهُ الْجَمَاعَةُ (قَوْلُهُ: لِتَقْصِيرِهِ) أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَوْ نَوَى اعْتِكَافَ تِلْكَ الْمُدَّةِ هَلْ تَبْطُلُ نِيَّتُهُ أَوْ لَا تَبْطُلُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِأَجْلِ الْجُمُعَةِ بَعْدُ وَإِنْ قُطِعَ التَّتَابُعُ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي (قَوْلُهُ: عَدَمُ بُطْلَانِ تَتَابُعِهِ بِالْخُرُوجِ لَهَا إلَخْ) أَيْ وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْتَفَرَ لَهُ بَعْدَ فِعْلِهَا مَا وَرَدَ الْحَثُّ عَلَى طَلَبِهِ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ دُونَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَالسُّنَّةِ الْبَعْدِيَّةِ وَالتَّسْبِيحَاتِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ مِنْ مَحَلِّ اعْتِكَافِهِ لِلْجُمُعَةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُهُ إدْرَاكُ الْجُمُعَةِ فِيهِ دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَإِنْ فَوَّتَ التَّبْكِيرَ لِأَنَّ فِي الِاعْتِكَافِ جَابِرًا لَهُ (قَوْله إنْ كَانَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ يُصَلِّي فِيهِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ جَازَ التَّعَدُّدُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الْجُمُعَةَ صَحِيحَةٌ فِي السَّابِقَةِ اتِّفَاقًا وَمُخْتَلَفٌ فِيهَا فِي الثَّانِيَةِ وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهَا (قَوْلُهُ: بَطَلَ تَتَابُعُهُ) أَيْ بِمُجَاوَزَتِهِ لِلْأَوَّلِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ أَخْلَفَ ذَلِكَ بِأَنْ تَقَدَّمَ فِعْلُ أَهْلِ الثَّانِي عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ فَيَتَبَيَّنُ بِهِ عَدَمُ بُطْلَانِ اعْتِكَافِهِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَحْتَجْ لِخُرُوجِهِ) أَيْ بِأَنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ تَنْقَضِي قَبْلَ مَجِيءِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: لِكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ) لَعَلَّهُ سَقَطَ قَبْلَهُ وَاوٌ مِنْ الْكَتَبَةِ وَإِلَّا فَهُوَ لَيْسَ عِلَّةً لِلْإِيجَابِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَمِثْلُهُ فِي الْإِمْدَادِ، لَكِنَّ الَّذِي فِي كَلَامِ غَيْرِهِمَا أَنَّهُ عِلَّةٌ ثَانِيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ (قَوْلُهُ: مَا لَوْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ جَمَاعَةً) أَيْ فَقَوْلُهُ قَبْلَهُ لِكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ (قَوْلُهُ: سَلَبَ وُجُوبَ الْجَامِعِ مُطْلَقًا عَلَى مَنْ لَا تَلْزَمُهُ) عَلَى فِيهِ بِمَعْنَى عَنْ

الْمُعْتَزَلِ الْمُهَيَّأِ لِلصَّلَاةِ) لِانْتِفَاءِ الْمَسْجِدِيَّةِ بِدَلِيلِ جَوَازِ تَغْيِيرِهِ وَمُكْثِ الْجُنُبِ فِيهِ، وَلِأَنَّ نِسَاءَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُنَّ يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ كَفَى بُيُوتُهُنَّ لَكَانَتْ أَسْتَرَ لَهُنَّ، وَالْقَدِيمُ يَصِحُّ لِأَنَّهُ مَكَانُ صَلَاتِهَا كَمَا أَنَّ الْمَسْجِدَ مَكَانُ صَلَاةِ الرَّجُلِ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِمَحَلٍّ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ وَالْخُنْثَى كَالرَّجُلِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ اعْتِكَافِهَا فِي بَيْتِهَا يَكُونُ الْمَسْجِدُ لَهَا أَفْضَلَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ

(وَلَوْ) (عَيَّنَ) النَّاذِرُ (الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي نَذْرِهِ الِاعْتِكَافَ) (تَعَيَّنَ) وَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ لِتَعَلُّقِ النُّسُكِ بِهِ وَزِيَادَةِ فَضْلِهِ لِكَثْرَةِ تَضَاعُفِ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّهُ ثَابِتٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْكَعْبَةُ وَالْمَسْجِدُ حَوْلَهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَعَلَيْهِ لَا يَتَعَيَّنُ جُزْءٌ مِنْ الْمَسْجِدِ بِالتَّعْيِينِ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَجْزَاءِ.
فَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا فِي الْكَعْبَةِ أَجْزَأَهُ فِي أَطْرَافِ الْمَسْجِدِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ نَذَرَ صَلَاةً فِيهَا فَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ الظَّاهِرُ تَعَيُّنُهَا ضَعِيفٌ، وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَجْمُوعِ بِالْمَسْجِدِ حَوْلَهَا جَمِيعُ الْمَسْجِدِ، وَقَوْلُ الْجَوْجَرِيِّ إنَّهُ الْمَطَافُ لَا جَمِيعُ الْمَسْجِدِ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ (حَوْلَهَا) فَائِدَةٌ يُرَدُّ بِأَنَّهُ مُنَافٍ لِكَلَامِهِمْ وَبِأَنَّ فَائِدَةَ قَوْلِهِ (حَوْلَهَا) الِاحْتِرَازُ عَنْ بَقِيَّةِ مَسَاجِدِ الْحَرَمِ لَا عَنْ بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْمَطَافِ (وَكَذَا مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى فِي الْأَظْهَرِ) يَتَعَيَّنَانِ بِالنَّذْرِ وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهُمَا لِأَنَّهُمَا مَسْجِدَانِ تُشَدُّ إلَيْهِمَا الرِّحَالُ فَأَشْبَهَا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا نُسُكٌ فَأَشْبَهَا بَقِيَّةَ الْمَسَاجِدِ، وَإِلْحَاقُ الْبَغَوِيّ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ سَائِرَ مَسَاجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْخَبَرَ وَكَلَامَ غَيْرِهِ يَأْبَيَانِهِ، وَبِهِ يُعْلَمُ رَدُّ إلْحَاقِ بَعْضِهِمْ مَسْجِدَ قُبَاءَ بِالثَّلَاثَةِ وَإِنْ صَحَّ خَبَرُ «صَلَاةٌ فِيهِ كَعُمْرَةٍ» وَالْمُرَادُ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ مَا كَانَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَالتَّفْصِيلُ وَالتَّضْعِيفُ مُخْتَصٌّ بِهِ دُونَ الْقَدْرِ الَّذِي زِيدَ فِيهِ كَمَا رَآهُ الْمُصَنِّفُ لِلْإِشَارَةِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مَسْجِدِي هَذَا، وَرَأَى جَمَاعَةٌ عَدَمَ الِاخْتِصَاصِ وَأَنَّهُ لَوْ وُسِّعَ مَهْمَا وُسِّعَ فَهُوَ مَسْجِدُهُ كَمَا فِي مَسْجِدِ مَكَّةِ إذَا وُسِّعَ فَتِلْكَ الْفَضِيلَةُ ثَابِتَةٌ لَهُ، وَلَوْ خَصَّ نَذْرَهُ بِوَاحِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ الَّتِي أُلْحِقَتْ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ فَالْأَوْجَهُ قِيَامُ غَيْرِهِ مِنْهَا مَقَامَهُ لِتَسَاوِيهَا فِي فَضِيلَةِ نِسْبَتِهَا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَوْ شَرَعَ فِي اعْتِكَافٍ مُتَتَابِعٍ

[حاشية الشبراملسي]

الْجُمُعَةِ

(قَوْلُهُ: وَزِيَادَةُ فَضْلِهِ) عِبَارَةُ حَجّ لِزِيَادَةِ فَضْلِهِ وَالْمُضَاعَفَةِ فِيهِ، إذْ الصَّلَاةُ فِيهِ بِمِائَةِ أَلْفِ أَلْفِ أَلْفٍ ثَلَاثًا فِيمَا سِوَى الْمَسْجِدَيْنِ الْآتِيَيْنِ كَمَا أَخَذْتُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَبَسَطْته فِي حَاشِيَةِ الْإِيضَاحِ وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ لِكَثْرَةِ تَضَاعُفِ الصَّلَاةِ فِيهِ) ظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ الْمُضَاعَفَةِ بِالصَّلَاةِ فَقَطْ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ شَيْخُنَا الْحَلَبِيُّ فِي سِيرَتِهِ، وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِ عَدَمُ اخْتِصَاصِ الْمُضَاعَفَةِ بِهَا بَلْ تَشْمَلُ جَمِيعَ الطَّاعَاتِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ وَالْمَسْجِدُ حَوْلَهَا) شَامِلٌ لِمَا زِيدَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مَا كَانَ فِي زَمَنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ الْآتِي كَمَا فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ إذَا وُسِّعَ إلَخْ (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ) أَيْ الْجُزْءُ الَّذِي عَيَّنَهُ (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ.
بَقِيَ هَلْ مَحَلُّ تَعَيُّنِ مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا إذَا عَيَّنَهُ كَأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِهِ، أَوْ أَرَادَ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ذَلِكَ.
بِخِلَافِ مَا لَوْ أَطْلَقَ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ لَفْظًا وَنِيَّةً فَلَا يَتَعَيَّنُ لِصِدْقِهِ بِالزِّيَادَةِ الَّتِي حُكْمُهَا كَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ لِعَدَمِ الْمُضَاعَفَةِ فِيهَا فِيهِ نَظَرٌ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا كَانَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفَضْلُ الْمَذْكُورُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ لَفْظُ النَّاذِرِ، إذْ الظَّاهِرُ مِنْ تَخْصِيصِهِ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ بِالذِّكْرِ إنَّمَا هُوَ لِإِرَادَةِ زِيَادَةِ الثَّوَابِ (قَوْلُهُ: وَرَأَى جَمَاعَةٌ عَدَمَ الِاخْتِصَاصِ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ إذَا وُسِّعَ إلَخْ) أَيْ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْحِلِّ، وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُ ذَلِكَ بِأَنْ يَقِفَ أَهْلُ أَحَدِ جِهَاتِ دُورِهِمْ وَيَزِيدُونَهَا فِي الْمَسْجِدِ يَتَّصِل ذَلِكَ

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ تَعَيَّنَ لِئَلَّا يَقْطَعَ التَّتَابُعَ.
نَعَمْ لَوْ عَدَلَ لَمَّا خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ مِثْلُ مَسَافَتِهِ فَأَقَلَّ جَازَ الِانْتِفَاءُ الْمَحْذُورُ (وَيَقُومُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ مَقَامَهَا) لِمَزِيدِ فَضْلِهِ عَلَيْهَا وَتَعَلُّقِ النُّسُكِ بِهِ (وَلَا عَكْسَ) أَيْ لَا يَقُومَانِ مَقَامَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّهُمَا دُونَهُ فِي الْفَضْلِ (وَيَقُومُ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ مَقَامَ الْأَقْصَى) لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ كَمَا مَرَّ وَفِي الْأَقْصَى بِخَمْسِمِائَةٍ، وَرُوِيَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ بِأَلْفٍ وَعَلَيْهِ فَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ (وَلَا عَكْسَ) لِمَا سَبَقَ وَلَوْ عَيَّنَ لِلِاعْتِكَافِ زَمَنًا تَعَيَّنَ فَلَوْ قَدَّمَهُ لَمْ يَصِحَّ أَوْ أَخَّرَهُ فَقَضَاهُ وَأَثِمَ بِتَعَمُّدِهِ الرُّكْنُ الثَّانِي اللُّبْثُ كَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الِاعْتِكَافِ لُبْثُ قَدْرٍ يُسَمَّى عُكُوفًا) أَيْ إقَامَةٍ وَلَوْ بِلَا سُكُونٍ بِحَيْثُ يَكُونُ زَمَنُهَا فَوْقَ زَمَنِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَكْفِي قَدْرُهَا، وَالْخِلَافُ رَاجِعٌ لِأَصْلِ اللُّبْثِ وَقَدْرِهِ، وَقَدْ ذُكِرَ مُقَابِلُ الْأَوَّلِ، فَقَالَ (وَقِيلَ يَكْفِي الْمُرُورُ بِلَا لُبْثٍ) كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَمُقَابِلُ الثَّانِي بِقَوْلِهِ (وَقِيلَ يُشْتَرَطُ مُكْثُ نَحْوِ يَوْمٍ) أَيْ قَرِيبٍ مِنْهُ إذْ مَا دُونَهُ مُعْتَادٌ لِلْحَاجَةِ الَّتِي تَعِنُّ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي طَرِيقِهِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَلَا تَصْلُحُ لِلْقَرْيَةِ، وَعَلَى الْأَصَحِّ يَصِحُّ نَذْرُ اعْتِكَافِهِ سَاعَةً وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا مُطْلَقًا كَفَاهُ لَحْظَةٌ.
نَعَمْ يُسَنُّ يَوْمٌ كَمَا يُسَنُّ لَهُ نِيَّةُ الِاعْتِكَافِ كُلَّمَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ

(وَيَبْطُلُ) الِاعْتِكَافُ (بِالْجِمَاعِ) مِنْ عَامِدٍ عَالِمٍ بِتَحْرِيمِهِ وَاضِحٍ مُخْتَارٍ سَوَاءٌ أَجَامَعَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ لَا لِمُنَافَاتِهِ لَهُ وَلِلْآيَةِ السَّابِقَةِ، وَيَحْرُمُ ذَلِكَ فِي الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ مُطْلَقًا وَفِي الْمُسْتَحَبِّ فِي الْمَسْجِدِ، كَمَا يَحْرُمُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ لَا خَارِجَهُ لِجَوَازِ قَطْعِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ.
أَمَّا الْمَاضِي فَيَبْطُلُ حُكْمُهُ إنْ كَانَ مُتَتَابِعًا وَيَسْتَأْنِفُهُ وَإِلَّا فَلَا سَوَاءٌ أَكَانَ فَرْضًا أَمْ نَفْلًا، وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِغِيبَةٍ أَوْ شَتْمٍ أَوْ أَكْلٍ أَوْ حَرَامٍ.
نَعَمْ يَبْطُلُ ثَوَابُهُ

[حاشية الشبراملسي]

بِمَا يَلِيهِ إلَى أَنْ يَصِلَ مَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ) أَيْ وَلَوْ نَفْلًا (قَوْلُهُ: وَرُوِيَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ بِأَلْفٍ) أَيْ الْأَقْصَى (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ فَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: وَأَثِمَ بِتَعَمُّدِهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ فَاتَهُ بِعُذْرٍ لَا إثْمَ فِيهِ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ وَعَلَيْهِ فَلَوْ عَيَّنَ فِي نَذْرِهِ أَحَدَ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهَا مَقَامَهَا بَلْ يَنْتَظِرُ إمْكَانَ الذَّهَابِ إلَيْهَا فَمَتَى أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ عَيَّنَ فِي نَذْرِهِ زَمَنًا فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ عَيَّنَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِاعْتِكَافُ فِيهِ صَارَ قَضَاءً وَيَجِبُ فِعْلُهُ مَتَى أَمْكَنَ (قَوْلُهُ: لَبِثَ قَدْرًا يُسَمَّى عُكُوفًا) وَعَلَيْهِ فَلَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَاصِدًا الْجُلُوسَ فِي مَحَلٍّ مِنْهُ اُشْتُرِطَ لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ تَأْخِيرُ النِّيَّةِ إلَى مَوْضِعِ جُلُوسِهِ أَوْ مُكْثِهِ عَقِبَ دُخُولِهِ قَدْرًا يُسَمَّى عُكُوفًا لِتَكُونَ نِيَّتُهُ مُقَارِنَةً لِلِاعْتِكَافِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى حَالَ دُخُولِهِ وَهُوَ سَائِرٌ لِعَدَمِ مُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لِلِاعْتِكَافِ كَذَا بُحِثَ فَلْيُرَاجَعْ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي الصِّحَّةُ مُطْلَقًا لِتَحْرِيمِهِمْ ذَلِكَ عَلَى الْجُنُبِ حَيْثُ جَعَلُوهُ مُكْثًا أَوْ بِمَنْزِلَتِهِ وَتَنْعَطِفُ النِّيَّةُ عَلَى مَا مَضَى فَيُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِهِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي الْإِيعَابِ لِابْنِ حَجَرٍ مَا نَصُّهُ: وَيُشْتَرَطُ مُقَارَنَتُهَا لِلُّبْثِ فَلَا تَصِحُّ إثْرَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِقَصْدِ اللُّبْثِ قَبْلَ وُجُودِهِ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ، لِأَنَّ شَرْطَ النِّيَّةِ أَنَّ تَقْتَرِنَ بِأَوَّلِ الْعِبَادَةِ وَأَوَّلُ الِاعْتِكَافِ اللُّبْثُ أَوْ نَحْوُ التَّرَدُّدِ لَا مَا قَبْلَهُمَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْأَوَّلِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي الِاعْتِكَافِ التَّرَدُّدُ وَإِنْ لَمْ يَمْكُثْ فَتَصِحُّ النِّيَّةُ مَعَهُ، فَلَيْسَ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ قَصَدَ مَحَلًّا مُعَيَّنًا حَيْثُ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ الْمُرُورُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: يَصِحُّ نَذْرُ اعْتِكَافِهِ سَاعَةً) وَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى السَّاعَةِ الْفَلَكِيَّةِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي فَيَخْرُجُ مِنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ بِلَحْظَةٍ فِيمَا يَظْهَرُ حَمْلًا عَلَى السَّاعَةِ اللُّغَوِيَّةِ (قَوْلُهُ: كَفَاهُ لَحْظَةٌ) أَيْ فَلَوْ مَكَثَ زِيَادَةً عَلَيْهَا وَقَعَ كُلُّهُ وَاجِبًا، وَقِيَاسُ مَا قِيلَ فِيمَا لَوْ طَوَّلَ الرُّكُوعَ وَنَحْوُهُ زِيَادَةٌ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ وَهُوَ قَدْرُ الطُّمَأْنِينَةِ أَنَّ مَا زَادَ يَكُونُ مَنْدُوبًا أَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ

(قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ ذَلِكَ فِي الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ مُطْلَقًا) مَسْجِدًا أَمْ لَا (قَوْلُهُ: نَعَمْ يَبْطُلُ ثَوَابُهُ) ظَاهِرُهُ بُطْلَانُ ثَوَابِ الْجَمِيعِ لَا ثَوَابِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَلَوْ بِلَا سُكُونٍ) قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: بَلْ يَصِحُّ اعْتِكَافُهُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُتَرَدِّدًا فِي أَطْرَافِ الْمَسْجِدِ

كَمَا فِي الْأَنْوَارِ، وَلَوْ أَوْلَجَ فِي دُبُرِ خُنْثَى بَطَلَ اعْتِكَافُهُ أَوْ أَوْلَجَ فِي قُبُلِهِ، أَوْ أَوْلَجَ الْخُنْثَى فِي رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ خُنْثَى فَفِي بُطْلَانِ اعْتِكَافِهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ (وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ) (الْمُبَاشَرَةَ بِشَهْوَةٍ) فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ (كَلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ تُبْطِلُهُ) أَيْ الِاعْتِكَافَ (إنْ أَنْزَلَ وَإِلَّا فَلَا) تُبْطِلُهُ لِمَا مَرَّ فِي الصَّوْمِ وَالثَّانِي تُبْطِلُهُ مُطْلَقًا وَالثَّالِثُ لَا مُطْلَقًا، وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ هِيَ حَرَامٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَاحْتُرِزَ بِالْمُبَاشَرَةِ عَمَّا إذَا نَظَرَ أَوْ تَفَكَّرَ فَأَنْزَلَ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ، وَبِالشَّهْوَةِ عَمَّا إذَا قَبَّلَ بِقَصْدِ الْإِكْرَامِ وَنَحْوِهِ أَوْ بِلَا قَصْدٍ فَلَا يَبْطُلُ إذَا أَنْزَلَ جَزْمًا، وَالِاسْتِمْنَاءُ كَالْمُبَاشَرَةِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ التَّفْصِيلِ اسْتِثْنَاءُ الْخُنْثَى مِنْ بُطْلَانِ الِاعْتِكَافِ بِالْجِمَاعِ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِنْزَالُ مِنْ فَرْجَيْهِ (وَلَوْ) (جَامَعَ نَاسِيًا) لِلِاعْتِكَافِ (فَكَجِمَاعِ الصَّائِمِ) نَاسِيًا صَوْمَهُ فَلَا يَضُرُّ كَمَا مَرَّ، وَالْمُبَاشَرَةُ بِشَهْوَةٍ فِي ذَلِكَ كَالْجِمَاعِ.

(وَلَا يَضُرُّ) فِي الِاعْتِكَافِ (الطِّيبُ وَالتَّزَيُّنُ) بِاغْتِسَالٍ وَقَصٍّ نَحْوِ شَارِبٍ وَتَسْرِيحِ شَعْرٍ وَلِبْسِ ثِيَابٍ حَسَنَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ لِعَدَمِ وُرُودِ تَرْكِهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا الْأَمْرِ بِهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْإِبَاحَةِ، وَلَهُ التَّزَوُّجُ وَالتَّزْوِيجُ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ، وَلَا يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ الصَّنْعَةُ فِي الْمَسْجِدِ كَخِيَاطَةٍ إلَّا إنْ كَثُرَتْ وَلَمْ تَكُنْ كِتَابَةَ عِلْمٍ، وَلَهُ الْأَمْرُ بِإِصْلَاحِ مَعَاشِهِ وَتَعَهُّدِ ضِيَاعِهِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَسْلِ الْيَدِ، وَالْأَوْلَى الْأَكْلُ فِي نَحْوِ سُفْرَةٍ وَالْغَسْلِ فِي إنَاءٍ حَيْثُ يَبْعُدُ عَنْ نَظَرِ النَّاسِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَزْرِ بِهِ ذَلِكَ وَإِلَّا حَرُمَ كَالْحِرْفَةِ فِيهِ حِينَئِذٍ، وَتَكْرَهُ الْمُعَاوَضَةُ فِيهِ بِلَا حَاجَةٍ

[حاشية الشبراملسي]

زَمَنِ الْغَيْبَةِ خَاصَّةً وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ يَنْتَفِي أَصْلُ الثَّوَابِ بِذَلِكَ لِإِكْمَالِهِ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ: يُتَأَمَّلُ مَا فِي الْأَنْوَارِ فَإِنَّهُ قَدْ يَعْتَكِفُ شَهْرًا مُتَوَالِيًا مَثَلًا ثُمَّ يَقَعُ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مَثَلًا فَهَلْ يَبْطُلُ جَمِيعُ الْمُدَّةِ أَوْ آخِرُ يَوْمٍ أَوْ وَقْتٌ وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ؟ أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ ثَوَابُ مَا وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ فَقَطْ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ قَارَنَ فِي الْأَفْعَالِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي كَمَالِ الثَّوَابِ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ يَبْطُلُ ثَوَابُهُ لِإِمْكَانِ أَنَّ الْأَصْلَ كَمَالُ ثَوَابِهِ أَوْ ثَوَابُهُ الْكَامِلُ، وَيَكُونُ حِينَئِذٍ كَالصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ أَوْ الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ الْفَائِتَ فِيهَا كَمَالُ الثَّوَابِ لَا أَصْلُهُ (قَوْلُهُ أَوْ أَوْلَجَ الْخُنْثَى فِي رَجُلٍ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْخُنْثَى إذَا أَوْلَجَ فِي قُبُلِ امْرَأَةٍ أَوْ خُنْثَى وَنَزَلَ مَنِيُّهُ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ امْرَأَةً، وَمُجَرَّدُ خُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ أَحَدِ فَرْجَيْهِ لَا يَنْفِي إشْكَالُهُ وَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ إلَخْ مَا يُصَرِّحُ بِعَدَمِ بُطْلَانِ اعْتِكَافِهِ بِنُزُولِ الْمَنِيِّ مِنْ أَحَدِ فَرْجَيْهِ فَيَحْصُلُ مَا هُنَا عَلَى مَا لَوْ أَنْزَلَ مِنْ فَرْجَيْهِ (قَوْلُهُ: هِيَ حَرَامٌ فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ أَمَّا خَارِجُهُ فَإِنْ كَانَ فِي اعْتِكَافٍ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ وَقَصَدَ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الِاعْتِكَافِ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا يَحْرُمُ لِجَوَازِ قَطْعِ النَّفْلِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَيَحْرُمُ ذَلِكَ فِي الِاعْتِكَافِ (قَوْلُهُ: وَالِاسْتِمْنَاءُ كَالْمُبَاشَرَةِ) أَيْ وَلَوْ بِحَائِلٍ (قَوْلُهُ: وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ بُطْلَانُ اعْتِكَافِهِ

(قَوْلُهُ: وَلَمْ تَكُنْ كِتَابَةَ عِلْمٍ) أَيْ وَلَوْ لِغَيْرِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ شَرَفُ مَا يُشْغَلُ بِهِ (قَوْلُهُ: وَالْغُسْلُ فِي إنَاءٍ حَيْثُ يَبْعُدُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ هَذَا قَيْدٌ لِمَا قَبْلَهُ وَيُصَرِّحُ بِهِ عِبَارَةُ الرَّوْضِ وَشَرْحُهُ حَيْثُ قَالَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَأْكُلَ فِي سُفْرَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَأَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ فِي طَسْتٍ أَوْ نَحْوِهَا لِيَكُونَ أَنْظَفَ لِلْمَسْجِدِ وَأَصْوَنَ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَنْ يَغْسِلَهَا حَيْثُ يَبْعُدُ عَنْ نَظَرِ النَّاسِ اهـ (قَوْلُهُ: حَيْثُ لَمْ يَزْرِ بِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ (قَوْلُهُ: بِلَا حَاجَةٍ) وَلَيْسَ مِنْهَا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ أَنَّ مَنْ بَيْنَهُمْ تَشَاجُرٌ أَوْ مُعَامَلَةٌ وَيُرِيدُونَ الْحِسَابَ فَيَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ لِفَصْلِ الْأَمْرِ بَيْنَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ تَشْوِيشٌ عَلَى مَنْ فِي الْمَسْجِدِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: أَوْ أَوْلَجَ فِي قُبُلِهِ) أَوْ إذَا أَنْزَلَ مِنْ فَرْجَيْهِ جَمِيعًا كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَلْيُشْتَرَطْ فِيهِ) يَعْنِي فِي بُطْلَانِ اعْتِكَافِهِ

(قَوْلُهُ وَالْغَسْلُ فِي إنَاءٍ) أَيْ غَسْلُ الْيَدِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَزِرْ بِهِ) أَيْ بِالْمَسْجِدِ

وَإِنْ قُلْت، وَيَحْرُمُ نَضْحُهُ بِمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فِيهِ وَإِسْقَاطُ مَائِهِ فِي أَرْضِهِ، فَقَدْ فَرَّقَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ التَّوَضُّؤَ وَغَسْلَ الْيَدِ يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ فِيهِ، بِخِلَافِ النَّضْحِ فَإِنَّهُ يُفْعَلُ قَصْدًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَالشَّيْءُ يُغْتَفَرُ فِيهِ ضِمْنًا مَا لَا يُغْتَفَرُ قَصْدًا، وَبِأَنَّ مَاءَ الْوُضُوءِ بَعْضُهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ وَمَاءُ غَسْلِ الْيَدِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ بِخِلَافِ مَاءِ النَّضْحِ.
وَمَا تَقَرَّرَ فِي النَّضْحِ مِنْ الْحُرْمَةِ هُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْبَغَوِيّ، وَاخْتَارَ فِي الْمَجْمُوعِ الْجَوَازَ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي، وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى مَا لَوْ أَدَّى إلَى اسْتِقْذَارِهِ بِذَلِكَ، وَالثَّانِي عَلَى خِلَافِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْتَجِمَ أَوْ يُفْتَصَدَ فِيهِ فِي إنَاءٍ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَفِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَيُلْحَقُ بِهِمَا سَائِرُ الدِّمَاءِ الْخَارِجَةِ مِنْ الْآدَمِيِّ كَالِاسْتِحَاضَةِ لِلْحَاجَةِ، فَإِنْ لَوَّثَهُ أَوْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ وَلَوْ فِي إنَاءٍ حَرُمَ وَلَوْ عَلَى نَحْوِ سَلَسٍ لِأَنَّ الْبَوْلَ أَفْحَشُ مِنْ الدَّمِ إذْ لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ بِحَالٍ بِهِ وَيَحْرُمُ أَيْضًا إدْخَالُ نَجَاسَةٍ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ فَلَا، بِدَلِيلِ جَوَازِ إدْخَالِ النَّعْلِ الْمُتَنَجِّسَةِ فِيهِ مَعَ أَمْنِ التَّلْوِيثِ، وَالْأَوْلَى بِالْمُعْتَكِفِ: الِاشْتِغَالُ بِالْعِبَادَةِ كَعِلْمٍ وَمُجَالَسَةِ أَهْلِهِ وَقِرَاءَةٍ وَسَمَاعِ نَحْوِ الْأَحَادِيثِ وَالرَّقَائِقِ وَالْمَغَازِي الَّتِي هِيَ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ وَتَحْتَمِلُهَا أَفْهَامُ الْعَامَّةِ.
أَمَّا قَصَصُ الْأَنْبِيَاءِ وَحِكَايَاتُهُمْ الْمَوْضُوعَةُ وَفُتُوحُ الشَّامِ وَنَحْوِهَا الْمَنْسُوبُ لِلْوَاقِدِيِّ فَتَحْرُمُ قِرَاءَتُهَا وَالِاسْتِمَاعُ لَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ.

(وَلَا) يَضُرُّهُ (الْفِطْرُ بَلْ يَصِحُّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ وَحْدَهُ) وَالْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ لِخَبَرِ أَنَسٍ «لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ هُوَ فِيهِ صَائِمٌ لَزِمَهُ) الِاعْتِكَافُ يَوْمَ صَوْمِهِ لِأَنَّهُ بِهِ أَفْضَلُ، فَإِذَا الْتَزَمَهُ بِالنَّذْرِ لَزِمَهُ كَالتَّتَابُعِ، وَلَيْسَ لَهُ إفْرَادُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ لِعَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْمُلْتَزَمِ سَوَاءٌ كَانَ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ أَمْ غَيْرِهِ وَلَوْ نَذْرًا لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ صَوْمًا بَلْ اعْتِكَافًا بِصِفَةٍ وَقَدْ وُجِدَتْ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْجَوْجَرِيِّ: لَا يَكْفِي صَوْمُ النَّفْلِ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ إلَّا بِفِعْلٍ وَاجِبٍ.

(وَلَوْ نَذْرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا أَوْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا) أَوْ

[حاشية الشبراملسي]

لِكَوْنِهِ وَقْتَ صَلَاةٍ وَإِلَّا يَحْرُمُ (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ نَضْحُهُ) أَيْ رَشُّهُ وَغَسْلُ الْيَدِ: أَيْ الَّذِي عُلِمَ جَوَازُهُ مِنْ قَوْلِهِ وَالْأَوْلَى الْأَكْلُ فِي نَحْوِ سُفْرَةٍ وَالْغَسْلُ فِي إنَاءٍ إلَخْ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ جَوَازِ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ تَقْذِيرٌ لِلْمَسْجِدِ وَإِلَّا حَرُمَ (قَوْلُهُ وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْأَوَّلِ) أَيْ الْقَوْلُ بِالْحُرْمَةِ أَنْ لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِحَاضَةِ (قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَتْ فَلَا بِدَلِيلٍ إلَخْ) وَمِنْهَا قُرْبُ الطَّرِيقِ لِمَنْ بَيْتُهُ بِجِوَارِ الْمَسْجِدِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ دُخُولُهُ حَامِلًا لِلنَّجِسِ بِقَصْدِ الْمُرُورِ مِنْ الْمَسْجِدِ حَيْثُ أَمِنَ التَّلْوِيثَ، وَكَذَا لَوْ احْتَاجَ لِإِدْخَالِ الْجَمْرِ الْمُتَّخَذِ مِنْ النَّجَاسَةِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَالرَّقَائِقِ) أَيْ حِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ (قَوْلُهُ: وَتَحْتَمِلُهَا أَفْهَامُ الْعَامَّةِ) أَيْ فَإِنْ لَمْ تَحْتَمِلْهَا حَرُمَ قِرَاءَتُهَا لَهُمْ لِوُقُوعِهِمْ فِي لَبْسٍ أَوْ اعْتِقَادٍ بَاطِلٍ

(قَوْلُهُ: هُوَ فِيهِ صَائِمٌ) بِأَنْ قَالَ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا وَأَنَا فِيهِ صَائِمٌ أَوْ أَنَا فِيهِ صَائِمٌ بِلَا وَاوٍ اهـ حَجّ.
ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَالِ إذَا كَانَتْ جُمْلَةً وَبَيْنَهَا إذَا كَانَتْ مُفْرَدَةً بِكَلَامٍ حَسَنٍ فَرَاجِعْهُ، وَعِبَارَتُهُ تَنْبِيهٌ: مَا ذُكِرَ فِي أَنَا صَائِمٌ هُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَيُشْكَلُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ فِي صَائِمًا وَإِنْ كَانَ الْحَالُ مُفَادُهَا مُفْرَدَةً أَوْ جُمْلَةً كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ أَنَّ الْمُفْرَدَةَ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ فَدَلَّتْ عَلَى الْتِزَامِ إنْشَاءِ صَوْمٍ بِخِلَافِ الْجُمْلَةِ، وَأَيْضًا فَتِلْكَ قَيْدٌ لِلِاعْتِكَافِ فَدَلَّتْ عَلَى إنْشَاءِ صَوْمٍ بِقَيْدِهِ وَهَذِهِ قَيْدٌ لِلْيَوْمِ الظَّرْفِ لَا لِلِاعْتِكَافِ الْمَظْرُوفِ فِيهِ، وَتَقْيِيدُ الْيَوْمِ يَصْدُقُ بِإِيقَاعِ اعْتِكَافٍ فِيهِ وَهُوَ مَصُومٌ عَنْ نَحْوِ رَمَضَانَ اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: يَوْمُ صَوْمِهِ) أَيْ بِتَمَامِهِ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهُ إفْرَادُ أَحَدِهِمَا) الْأَنْسَبُ وَلَيْسَ لَهُ إفْرَادُهُ: أَيْ الِاعْتِكَافِ عَنْ الصَّوْمِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُلْتَزَمُ (قَوْلُهُ: أَمْ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ نَذْرًا) كَانَ الْأَوْلَى وَلَوْ نَفْلًا لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ مِنْ الرَّدِّ عَلَى الْجَوْجَرِيِّ

بِاعْتِكَافٍ (لَزِمَاهُ) أَيْ الِاعْتِكَافُ وَالصَّوْمُ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُمَا لِأَنَّ الْحَالَ قَيْدٌ فِي عَامِلِهَا وَمُبَيِّنَةٌ لِهَيْئَةِ صَاحِبِهَا بِخِلَافِ الصِّفَةِ فَإِنَّهَا مُخَصِّصَةٌ لِمَوْصُوفِهَا (وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ جَمْعِهِمَا) لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ فَلَزِمَ بِالنَّذْرِ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ بِسُورَةِ كَذَا وَفَارَقَ مَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا أَوْ عَكْسُهُ حَيْثُ لَا يَلْزَمُ جَمْعُهُمَا بِأَنَّ الصَّوْمَ يُنَاسِبُ الِاعْتِكَافَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْكَفِّ وَالصَّلَاةِ أَفْعَالٌ مُبَاشَرَةٌ لَا تُنَاسِبُ الِاعْتِكَافَ، وَلَوْ نَذَرَ الْقِرَانَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلَهُ تَفْرِيقُهُمَا وَهُوَ أَفْضَلُ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ اعْتَكَفَ صَائِمًا نَفْلًا أَوْ وَاجِبًا بِغَيْرِ هَذَا النَّذْرِ لَمْ يُجْزِهِ لِعَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْمُلْتَزَمِ، وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ الِاكْتِفَاءَ بِاعْتِكَافِ لَحْظَةٍ مِنْ الْيَوْمِ فِيمَا ذُكِرَ وَنَحْوُهُ وَلَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُمْ قَدْ يُوهِمُ خِلَافَهُ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَصْدُقُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، نَعَمْ يُسَنُّ اسْتِيعَابُهُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ جَعَلَ الْيَوْمَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ، وَقَوْلُ الْجَوْجَرِيِّ: (لُزُومُ اعْتِكَافِ جَمِيعِ الْيَوْمِ فِيمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا) وَاضِحٌ، لِأَنَّهُ إذَا خَلَا مِنْهُ جُزْءٌ عَنْ الِاعْتِكَافِ صُدِّقَ أَنَّهُ لَمْ يَصُمْ مُعْتَكِفًا، إذْ الصَّوْمُ إمْسَاكُ جَمِيعِ النَّهَارِ فِيهِ نَظَرٌ، وَمَا عُلِّلَ بِهِ مَمْنُوعٌ، وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ وَلَيَالٍ مُتَتَابِعَةٍ صَائِمًا فَجَامَعَ لَيْلًا اسْتَأْنَفَ لِانْتِفَاءِ الْجَمْعِ، وَلَوْ عَيَّنَ وَقْتًا غَيْرَ قَابِلٍ لِلصَّوْمِ كَالْعِيدِ اعْتَكَفَهُ وَلَا يَقْضِي الصَّوْمَ.
قَالَهُ الدَّارِمِيُّ

. الرُّكْنُ الثَّالِثُ: النِّيَّةُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ (وَيُشْتَرَطُ نِيَّةُ الِاعْتِكَافِ) يَعْنِي لَا بُدَّ فِيهِ مِنْهَا ابْتِدَاءً كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ سَوَاءٌ الْمَنْذُورُ وَغَيْرُهُ تَعَيَّنَ زَمَانُهُ أَمْ لَا (وَيَنْوِي) حَتْمًا (فِي النَّذْرِ الْفَرْضِيَّةِ) لِيَتَمَيَّزَ عَنْ النَّفْلِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ سَبَبِ وُجُوبِهِ وَهُوَ النَّذْرُ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالنَّذْرِ بِخِلَافِهِمَا، وَالْأَشْبَهُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ الِاكْتِفَاءُ بِذِكْرِ النَّذْرِ عَنْ ذِكْرِ الْفَرْضِ لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِهِ وَاجِبٌ فَكَأَنَّهُ نَوَى الِاعْتِكَافَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الذَّخَائِرِ وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ، وَلَوْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْ الِاعْتِكَافِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ لَمْ يَبْطُلْ كَالصَّوْمِ (وَإِذَا) (أَطْلَقَ) نِيَّةَ الِاعْتِكَافِ وَلَمْ يُعَيِّنْ مُدَّةً (كَفَتْهُ نِيَّتُهُ) هَذِهِ (وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ) لِشُمُولِ النِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِذَلِكَ (لَكِنْ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: حَيْثُ لَا يَلْزَمُ جَمْعُهُمَا) أَيْ فَيَبْرَأُ بِفِعْلِهِمَا وَلَوْ مُنْفَرِدَيْنِ (قَوْلُهُ فَلَهُ تَفْرِيقُهُمَا) أَيْ وَلَا يَلْزَمُهُ دَمٌ (قَوْلُهُ: وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ الِاكْتِفَاءَ) أَيْ فِيمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا إلَخْ (قَوْلُهُ: بِاعْتِكَافِ لَحْظَةٍ) أَيْ فَلَوْ مَكَثَ زِيَادَةً عَلَيْهَا هَلْ تَقَعُ الزِّيَادَةُ وَاجِبَةً أَوْ مَنْدُوبَةً؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ تَحْصِيلَ الِاعْتِكَافِ وَهُوَ كَمَا يَتَحَقَّقُ فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ يَتَحَقَّقُ فِيمَا زَادَ فَيَقَعُ كُلُّهُ وَاجِيًا وَبِبَعْضِ الْهَوَامِشِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَهُوَ الشَّيْخُ سَالِمٌ الشَّبْشِيرِيُّ: أَنَّ مَا زَادَ عَلَى اللَّحْظَةِ يَقَعُ مَنْدُوبًا قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ مَسَحَ جَمِيعَ الرَّأْسِ، أَوْ طُولِ الرُّكُوعِ فَإِنَّ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ مُجْزِئٍ يَقَعُ مَنْدُوبًا وَكَذَا كُلُّ مَا أَمْكَنَ تَجَزُّؤُهُ وَهُوَ يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ.
اهـ. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ ذَاكَ خُوطِبَ فِيهِ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ كَمِقْدَارِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ، فَمَا زَادَ عَلَى مِقْدَارِهَا مُتَمَيِّزٌ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْمَنْدُوبِ، وَمَا هُنَا خُوطِبَ فِيهِ بِالِاعْتِكَافِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ كَمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْيَسِيرِ يَتَحَقَّقُ فِيمَا زَادَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ وَمَا عُلِّلَ بِهِ مَمْنُوعٌ) أَيْ بِقَوْلِهِ السَّابِقِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَصْدُقُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ

(قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ نِيَّةُ الِاعْتِكَافِ) آخِرُ النِّيَّةِ إلَى هُنَا لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَصْوِيرِ الْمَنْوِيِّ قَبْلَ تَعْلِيقِ النِّيَّةِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ) أَيْ فَلَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ تَعْيِينِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ النَّذْرُ، فَلَوْ قَالَ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ لَمْ يَكْفِ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالنَّذْرِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ الضُّحَى أَوْ الْعِيدَ مَثَلًا ثُمَّ قَالَ فِي نِيَّتِهِ: نَوَيْت صَلَاةَ الْعِيدِ أَوْ الضُّحَى الْمَفْرُوضَةَ كَفَاهُ ذَلِكَ لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ الصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِالنَّذْرِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ) وَيَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ بِلَحْظَةٍ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فِي وُقُوعِهِ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا مَا قَدَّمْنَاهُ،

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ لِأَنَّ الْحَالَ قَيْدٌ فِي عَامِلِهَا إلَخْ) فِي التَّعْلِيلِ بِهَذَا هُنَا نَظَرٌ لَا يَخْفَى وَكَأَنَّهُ مُقَدَّمٌ مِنْ تَأْخِيرٍ، وَإِلَّا فَحَقُّهُ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ جَمْعِهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَلَهُ تَفْرِيقُهُمَا) شَمِلَ التَّمَتُّعَ فَانْظُرْ هَلْ هُوَ كَذَلِكَ

لَوْ خَرَجَ) مِنْ الْمَسْجِدِ (وَعَادَ) إلَيْهِ (احْتَاجَ) إنْ لَمْ يَعْزِمْ عِنْدَ خُرُوجِهِ عَلَى الْعَوْدِ (إلَى الِاسْتِئْنَافِ) لِنِيَّةِ الِاعْتِكَافِ حَتْمًا سَوَاءٌ أَخَرَجَ لِخَلَاءٍ أَمْ غَيْرِهِ إذْ الثَّانِي اعْتِكَافٌ جَدِيدٌ، فَإِنْ خَرَجَ عَازِمًا عَلَى عَوْدِهِ: أَيْ مِنْ أَجْلِ الِاعْتِكَافِ لَمْ يَجِبْ تَجْدِيدُهَا كَمَا صَوَّبَهُ فِي الْمَجْمُوعِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَنِيَّةِ الْمُدَّتَيْنِ ابْتِدَاءً كَمَا فِي زِيَادَةِ عَدَدِ رَكَعَاتِ النَّافِلَةِ، وَبِهِ يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ تَنْظِيرِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا فِيهِ أَنَّ اقْتِرَانَ النِّيَّةِ بِأَوَّلِ الْعِبَادَةِ شَرْطٌ فَكَيْفَ يُكْتَفَى بِعَزِيمَةٍ سَابِقَةٍ، وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِ الصَّلَاةِ لَمْ يَتَخَلَّلْ فِيهَا بَيْنَ الْمَزِيدِ وَالْمَزِيدِ عَلَيْهِ مَا يُنَافِيهَا، وَهُنَا تَخَلَّلَ الْخُرُوجُ الْمُنَافِي لِمُطْلَقِ الِاعْتِكَافِ لِأَنَّ تَخَلُّلَ النَّافِي هُنَا مُغْتَفَرٌ حَيْثُ اُسْتُثْنِيَ زَمَنُهُ فِي النِّيَّةِ، وَنِيَّةُ الْعَوْدِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ صَيَّرَتْ مَا بَعْدَ الْخُرُوجِ مَعَ مَا قَبْلَهُ كَاعْتِكَافٍ وَاحِدٍ وَاسْتُثْنِيَ زَمَنُ الْمُنَافِي فِيهِ وَهُوَ الْخُرُوجُ

(وَلَوْ) (نَوَى مُدَّةً) أَيْ اعْتِكَافَهَا كَيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ نَفْلًا أَوْ نَذْرًا لِمُدَّةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهَا تَتَابُعًا ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِقَصْدِ وَفَاءِ نَذْرِهِ (فَخَرَجَ) مِنْهُ (فِيهَا) أَيِّ الْمُدَّةِ (وَعَادَ) إلَيْهِ (فَإِنْ خَرَجَ) مِنْهُ (لِغَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ) مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ (لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ) لِلنِّيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ الزَّمَنُ لِقَطْعِهِ الِاعْتِكَافَ، أَمَّا الْعَوْدُ فَغَيْرُ لَازِمٍ لَهُ فِي النَّفْلِ لِجَوَازِ خُرُوجِهِ مِنْهُ (أَوْ) خَرَجَ (لَهَا) أَيْ الْحَاجَةِ (فَلَا) يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فَهُوَ كَالْمُسْتَثْنَى عِنْدَ النِّيَّةِ (وَقِيلَ إنْ طَالَتْ مُدَّةُ خُرُوجِهِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوْ لِغَيْرِهَا) (اسْتَأْنَفَ) النِّيَّةَ لِتَعَذُّرِ الْبِنَاءِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَطُلْ (وَقِيلَ لَا يَسْتَأْنِفُ) النِّيَّةَ (مُطْلَقًا) لِأَنَّ النِّيَّةَ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْمُدَّةِ بِالتَّعْيِينِ (وَلَوْ نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً فَخَرَجَ لِعُذْرٍ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ) كَأَكْلٍ وَقَضَاءِ حَاجَةٍ وَحَيْضٍ وَخُرُوجٍ لِنَحْوِ سَهْوٍ (لَمْ يَجِبْ اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ) عِنْدَ عَوْدِهِ لِشُمُولِهَا جَمِيعَ الْمُدَّةِ وَتَلْزَمُهُ مُبَادَرَةٌ لِعَوْدٍ عِنْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ، فَإِنْ أَخَّرَ عَامِدًا عَالِمًا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ وَتَعَذَّرَ الْبِنَاءُ (وَقِيلَ إنْ خَرَجَ لِغَيْرِ) قَضَاءِ (الْحَاجَةِ وَ) غَيْرِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَجَبَ (اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ) لِخُرُوجِهِ عَنْ الْعِبَادَةِ بِمَا عَرَضَ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي لَهُ بُدٌّ عَنْهَا، بِخِلَافِ الْخُرُوجِ لِحَاجَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ (إلْحَاقُ كُلِّ مَا لَا بُدَّ لِلْخُرُوجِ مِنْهُ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَلَوْ أَكْلًا) ، فَإِنَّهُ مَعَ إمْكَانِهِ فِي الْمَسْجِدِ يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْ أَجْلِهِ لِلِاسْتِحْيَاءِ مِنْ فِعْلِهِ فِيهِ، وَالْمَشَقَّةُ بِخِلَافِ الشُّرْبِ فَلَا يُسْتَحَى مِنْهُ فِيهِ فَيَمْتَنِعُ الْخُرُوجُ لَهُ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ عَمَّا يَقْطَعُهُ فَإِنَّهَا تَجِبُ قَطْعًا.
.

الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْمُعْتَكِفُ وَقَدْ أَشَارَ لِشُرُوطِهِ فَقَالَ (وَشَرْطُ الْمُعْتَكِفِ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالنَّقَاءُ عَنْ الْحَيْضِ) وَالنِّفَاسِ (وَالْجَنَابَةِ) فَلَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْكَافِرِ وَغَيْرِ الْعَاقِلِ كَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالسَّكْرَانِ وَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ إذْ لَا نِيَّةَ لَهُمْ وَلَا حَائِضَ وَنُفَسَاءَ وَجُنُبَ لِحُرْمَةِ مُكْثِهِمْ فِيهِ، وَقَضِيَّةُ مَا تَقَرَّرَ عَدَمُ صِحَّةِ اعْتِكَافِ كُلِّ مَنْ حَرُمَ

[حاشية الشبراملسي]

وَالْأَحْوَطُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ فِي نَذْرِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ مَا دُمْت فِيهِ، ثُمَّ يَنْوِي الِاعْتِكَافَ الْمَنْذُورَ فَيَكُونُ مُتَعَلِّقُ النِّيَّةِ جَمِيعَ الْمُدَّةِ الَّتِي يَمْكُثُهَا (قَوْلُهُ: كَنِيَّةِ الْمُدَّتَيْنِ) أَيْ مُدَّةِ مَا قَبْلَ الْخُرُوجِ وَمَا بَعْدَ الْعَوْدِ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ نَوَى اعْتِكَافَ يَوْمِ الْخَمِيسِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ دُونَ اللَّيْلِ صَحَّ فَلَا يَحْتَاجُ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لَيْلًا لِنِيَّةِ اعْتِكَافِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إذَا رَجَعَ إلَى الْمَسْجِدِ

(قَوْلُهُ: أَيْ الْحَاجَةِ) بَقِيَ مَا لَوْ شَرِكَ مَعَ الْحَاجَةِ غَيْرَهَا هَلْ يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ قَصَدَ الْجُنُبُ بِالْقِرَاءَةِ الذِّكْرَ وَالْإِعْلَامَ (قَوْلُهُ: لِلِاسْتِحْيَاءِ مِنْ فِعْلِهِ فِيهِ) أُخِذَ مِنْهُ أَنَّ الْمَهْجُورَ الَّذِي يَنْدُرُ طَارِقُوهُ يَأْكُلُ فِيهِ اهـ زِيَادِيٌّ: أَيْ فَلَوْ خَرَجَ لِلْأَكْلِ فِي غَيْرِهِ انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ وَمُقْتَضَى الْعِلَّةِ أَيْضًا أَنَّ أَهْلَ الْمَسْجِدِ لَوْ كَانُوا مُجَاوِرِينَ بِهِ اعْتَادُوا الْأَكْلَ فِيهِ مَعَ اجْتِمَاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ لَمْ يَجُزْ الْخُرُوجُ مِنْهُ لِأَجْلِ الْأَكْلِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مِنْ شَأْنِ الْأَكْلِ بِحُضُورِ النَّاسِ الِاسْتِحْيَاءُ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ مُجَاوِرِينَ أَمْ لَا وَهَذَا أَقْرَبُ

[شُرُوطُ الْمُعْتَكِفِ]

(قَوْلُهُ: لِحُرْمَةِ مُكْثِهِمْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُمْ الْمُكْثُ لِضَرُورَةٍ اقْتَضَتْ

[حاشية الرشيدي]

أَوْ الْمُرَادُ خُصُوصُ الْإِفْرَادِ

(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَنِيَّةِ الْمُدَّتَيْنِ ابْتِدَاءً) يُفِيدُ أَنَّهُ تَصِحُّ نِيَّةُ الْمُدَّتَيْنِ ابْتِدَاءً، وَانْظُرْ مَا صُورَتُهُ

عَلَيْهِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ كَذِي جُرْحٍ وَقُرُوحٍ وَاسْتِحَاضَةٍ وَنَحْوِهَا حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُ الْمَسْجِدِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إنَّهُ مَوْضِعُ نَظَرٍ.
نَعَمْ لَوْ اعْتَكَفَ فِي مَسْجِدِ وَقْفٍ عَلَى غَيْرِهِ دُونَهُ صَحَّ اعْتِكَافُهُ فِيهِ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ لُبْثُهُ فِيهِ كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ بِتُرَابٍ مَغْصُوبٍ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا يُشْبِهُهُ، وَلَا يُرَدُّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ قَيَّدَ بِالْحِلِّ لِأَنَّ مُكْثَهُ إنَّمَا حَرُمَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ: أَعْنِي اسْتِيفَاءَ حَقِّ الْغَيْرِ وَهُوَ حَرَامٌ وَلَوْ بِغَيْرِ مُكْثٍ، فَالْمُكْثُ فِي هَذَا لَمْ يَحْرُمْ لِذَاتِهِ، ثُمَّ مَحَلُّ مَا ذُكِرَ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ اعْتِكَافِهِ لَمْ يَبْطُلْ وَيُحْسَبُ زَمَنُهُ مِنْ الِاعْتِكَافِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ وَيَصِحُّ مِنْ الْمُمَيِّزِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَإِنْ كُرِهَ لِذَوَاتِ الْهَيْئَةِ كَخُرُوجِهِنَّ لِلْجَمَاعَةِ، وَحَرُمَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدٍ وَزَوْجٍ.
نَعَمْ إنْ لَمْ تَفُتْ بِهِ مَنْفَعَةٌ كَأَنْ حَضَرَ الْمَسْجِدَ: بِإِذْنِهِمَا فَنَوَيَاهُ جَازَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ، وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ زَمَنٍ مُعَيَّنٍ بِالْإِذْنِ ثُمَّ انْتَقَلَ الْعَبْدُ لِآخَرَ بِنَحْوِ بَيْعٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ طَلُقَتْ وَتَزَوَّجَتْ آخَرَ جَازَ لَهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ الثَّانِي لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَحَقًّا قَبْلَ وُجُودِهِ، لَكِنْ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ جَهِلَ ذَلِكَ وَلَهُمَا إخْرَاجُهُمَا وَلَوْ مِنْ النَّذْرِ مَا لَمْ يَأْذَنَا فِيهِ وَفِي الشُّرُوعِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَمَنُهُ مُعَيَّنًا وَلَا مُتَتَابِعًا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا وَزَمَنُهُ مُعَيَّنٌ، وَكَذَا إنْ أَذِنَا فِي الشُّرُوعِ فِيهِ فَقَطْ وَهُوَ مُتَتَابِعٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَمَنُهُ مُعَيَّنًا فَلَا يَجُوزُ لَهُمَا إخْرَاجُهُمَا فِي الْجَمِيعِ لِإِذْنِهِمَا فِي الشُّرُوعِ مُبَاشَرَةً أَوْ بِوَاسِطَةٍ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ إذْنٌ فِي الشُّرُوعِ فِيهِ، وَالْمُعَيَّنُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ وَالْمُتَتَابِعُ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ بِلَا عُذْرٍ، وَيَجُوزُ مِنْ الْمُكَاتَبِ بِلَا إذْنٍ إنْ أَمْكَنَ كَسْبُهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ كَانَ لَا يُخِلُّ بِهِ وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَلَا مُهَايَأَةَ كَالْقِنِّ وَإِلَّا كَانَ فِي نَوْبَتِهِ كَحُرٍّ وَفِي نَوْبَةِ سَيِّدِهِ كَقِنٍّ.

(وَلَوْ ارْتَدَّ الْمُعْتَكِفُ أَوْ سَكِرَ) مُعْتَدِيًا (بَطَلَ) اعْتِكَافُهُ زَمَنَ رِدَّتِهِ وَسُكْرِهِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ، أَمَّا غَيْرُ الْمُتَعَدِّي فَيُشْبِهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ (وَالْمَذْهَبُ بُطْلَانُ

[حاشية الشبراملسي]

الْمُكْثَ صِحَّةُ الِاعْتِكَافِ، وَلَوْ قِيلَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمْ لِذَلِكَ (قَوْلُهُ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ لُبْثُهُ فِيهِ) ظَاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ جُلُوسِهِ فِيهِ يُنْقِصُ مَنْفَعَةَ أَهْلِهِ أَوْ لَا وَفِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ قُبَيْلَ فَصْلِ الْمَعْدِنِ إلَخْ وَلِغَيْرِ أَهْلِ الْمَدْرَسَةِ مَا اُعْتِيدَ فِيهَا مِنْ نَحْوِ نَوْمٍ بِهَا وَطُهْرٍ وَشُرْبٍ مِنْ مَائِهَا مَا لَمْ يَنْقُصْ الْمَاءُ عَنْ حَاجَةِ أَهْلِهَا فِيمَا يَظْهَرُ، وَعَلَيْهِ فَيُحْمَلُ مَا هُنَا عَلَى مِثْلِ ذَاكَ وَيُمْكِنُ اسْتِفَادَةُ التَّعْمِيمِ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ حَرُمَ إذْ الْمَعْنَى سَوَاءٌ حَرُمَ أَوْ لَا فَالْحُرْمَةُ حَيْثُ شَوَّشَ عَلَى أَهْلِهِ وَعَدَمُهَا حَيْثُ انْتَفَى ذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى هَذَا حَجّ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ إثْمَهُ: أَيْ الِاعْتِكَافِ فِيمَا وَقَفَ عَلَى طَائِفَةٍ لَيْسَ هُوَ مِنْهُمْ إنْ فُرِضَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كُرِهَ لِفَوَاتِ الْهَيْئَةِ) وَهَلْ يَلْحَقُ بِهِنَّ الْخُنْثَى الشَّابُّ فَيُكْرَهُ لَهُ الْخُرُوجُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ احْتِيَاطًا لِعَدَمِ مُخَالَطَتِهِ لِلرِّجَالِ، لَكِنَّ إلْحَاقَهُ فِيمَا مَرَّ بِالرَّجُلِ مِنْ عَدَمِ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي اعْتِكَافِهِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ قَدْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ، إذْ لَوْ كُرِهَ اعْتِكَافُهُ فِي الْمَسْجِدِ لَأُلْحِقَ بِالْمَرْأَةِ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ لِتَعَذُّرِ الْمَسْجِدِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: بِغَيْرِ إذْنِ الثَّانِي) وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ نَذَرَتْ صَوْمًا وَهِيَ خَلِيَّةٌ أَوْ مُتَزَوِّجَةٌ ثُمَّ طَلُقَتْ وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ فَلَهَا أَنْ تَصُومَ بِحُضُورِ الزَّوْجِ وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَلَهُمَا إخْرَاجُهُمَا) أَيْ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِمَا حِينَئِذٍ وَبَقِيَ مَا لَوْ اخْتَلَفَ اعْتِقَادُ السَّيِّدِ وَالْعَبْدِ هَلْ الْعِبْرَةُ بِاعْتِقَادِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِاعْتِقَادِ الْفَاعِلِ (قَوْلُهُ: وَفِي الشُّرُوعِ فِيهِ) أَيْ وَمِنْ الشُّرُوعِ (قَوْلُهُ أَوْ كَانَ لَا يُخِلُّ بِهِ) أَيْ بِالْكَسْبِ: أَيْ أَوْ كَانَ مَعَهُ مَا بَقِيَ بِالنُّجُومِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا كَانَ فِي نَوْبَتِهِ كَحُرٍّ) أَيْ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ (قَوْلُهُ: وَفِي نَوْبَةِ سَيِّدِهِ) اُنْظُرْ لَوْ أَرَادَ اعْتِكَافًا مَنْذُورًا مُتَتَابِعًا أَوْ لَا تَسَعُهُ نَوْبَتُهُ وَكَانَ نَذْرُهُ

[حاشية الرشيدي]

فَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَصِيرُ كَنِيَّةِ كُلِّ مُدَّةٍ مِنْهُمَا فِي ابْتِدَائِهَا

(قَوْلُهُ فَالْمُكْثُ فِي هَذَا لَمْ يَحْرُمْ لِذَاتِهِ) قَدْ يُقَالُ هَلَّا قِيلَ كَذَلِكَ فِيمَا مَرَّ فِي ذِي الْجُرُوحِ وَالْقُرُوحِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَنَحْوِهَا؟ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ ذَاكَ وَإِنْ كَانَتْ الْحُرْمَةُ فِيهِ أَيْضًا

مَا مَضَى مِنْ اعْتِكَافِهِمَا الْمُتَتَابِعِ) وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ لِأَنَّ ذَلِكَ أَشَدُّ مِنْ خُرُوجِهِ بِلَا عُذْرٍ وَهُوَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْنَافِهِ، وَالثَّانِي لَا يَبْطُلُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَيُبْنَيَانِ، أَمَّا فِي الرِّدَّةِ فَتَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا فِي السُّكْرِ فَإِلْحَاقًا لَهُ بِالنَّوْمِ، وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ عَدَمِ بُطْلَانِ اعْتِكَافِ الْمُرْتَدِّ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمُتَتَابِعِ حَتَّى إذَا أَسْلَمَ يَبْنِي عَلَى أَنَّهُ مَرْجُوحٌ عَنْهُ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبُطْلَانِ عَدَمُ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ لَا حُبُوطُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ التَّتَابُعِ، وَتَثْنِيَةُ الْمُصَنِّفِ الضَّمِيرَ فِي اعْتِكَافِهِمَا مَعَ عَطْفِهِ بِأَوْ وَإِتْيَانِهِ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مُفْرَدًا فِي إنْ لَمْ يَخْرُجْ صَحِيحٌ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ بِأَوْ هُوَ الْفِعْلُ وَالضَّمِيرُ لَيْسَ عَائِدًا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ عَائِدٌ عَلَى الْمُرْتَدِّ وَالسَّكْرَانِ الْمَفْهُومَيْنِ مِنْ لَفْظِ الْفِعْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا فَصَحَّ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِمَا (وَلَوْ) (طَرَأَ جُنُونٌ أَوْ إغْمَاءٌ) عَلَى الْمُعْتَكِفِ (لَمْ يَبْطُلْ مَا مَضَى) مِنْ اعْتِكَافِهِ الْمُتَتَابِعِ (إنْ لَمْ يُخْرَجْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مِنْ الْمَسْجِدِ لِعُذْرِهِ بِمَا عَرَضَ لَهُ، فَإِنْ أُخْرِجَ مَعَ تَعَذُّرِ ضَبْطِهِ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَبْطُلْ أَيْضًا كَمَا لَوْ حُمِلَ الْعَاقِلُ مُكْرَهًا، وَكَذَا إنْ أَمْكَنَ بِمَشَقَّةٍ عَلَى الصَّحِيحِ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ (وَيُحْسَبُ زَمَنُ الْإِغْمَاءِ مِنْ الِاعْتِكَافِ) الْمُتَتَابِعِ كَمَا فِي الصَّائِمِ إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْضَ النَّهَارِ (دُونَ) زَمَنِ (الْجُنُونِ) فَلَا يُحْسَبُ مِنْهُ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْبَدَنِيَّةَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ (أَوْ) طَرَأَ (الْحَيْضُ) أَوْ النِّفَاسُ عَلَى مُعْتَكِفَةٍ (وَجَبَ) عَلَيْهَا (الْخُرُوجُ) مِنْ الْمَسْجِدِ لِحُرْمَةِ الْمُكْثِ عَلَيْهَا (وَكَذَا الْجَنَابَةُ) بِمَا لَا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ كَالِاحْتِلَامِ إذَا طَرَأَتْ عَلَى الْمُعْتَكِفِ (إنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِ (الْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ) فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهُ لِحُرْمَةِ الْمُكْثِ فِيهِ عَلَيْهِ، وَلَوْ احْتَاجَ لِلتَّيَمُّمِ لِفَقْدِ الْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِأَجْلِهِ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَإِنْ أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ فِيهِ بِغَيْرِ تُرَابِهِ لِتَضَمُّنِهِ اللُّبْثَ فِيهِ إلَى فَرَاغِهِ، فَلَوْ أَمْكَنَهُ فِيهِ مَارًّا مِنْ غَيْرِ مُكْثٍ وَلَا تَرَدُّدَ لَمْ يَجِبْ خُرُوجُهُ لَهُ لِعَدَمِ حُرْمَةِ الْمُرُورِ فِيهِ (فَلَوْ أَمْكَنَهُ) الْغُسْلُ فِيهِ (جَازَ) لَهُ (الْخُرُوجُ لَهُ وَلَا يَلْزَمُ) ذَلِكَ مِنْ أَجْلِهِ بَلْ لَهُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ إنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ نَحْوُ مُكْثٍ مُحَرَّمٍ وَكَلَامُ

[حاشية الشبراملسي]

قَبْلَ الْمُهَايَأَةِ أَوْ بَعْدَهَا فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ أَوْ فِي نَوْبَةِ نَفْسِهِ وَهِيَ لَا تَسَعُهُ، وَيُتَّجَهُ حِينَئِذٍ الْمَنْعُ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ، نَعَمْ إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَتَابِعًا فَلَهُ اعْتِكَافُ قَدْرِ نَوْبَتِهِ فِيهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ

(قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ مَرْجُوعٌ) عِلَاوَةٌ (قَوْلُهُ: لَا حُبُوطَهُ بِالْكُلِّيَّةِ) أَمَّا عَدَمُ حُبُوطٍ فِي الْمُرْتَدِّ فَهُوَ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ الِاعْتِكَافِ، وَأَمَّا ثَوَابُهُ فَيَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ رِدَّتِهِ كَسَائِرِ أَعْمَالِهِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَهَلْ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ وُقُوعِهِ نَفْلًا مُطْلَقًا مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ اعْتِكَافٌ آخَرُ وَاجِبٌ وَإِلَّا وَقَعَ عَنْهُ (قَوْلُهُ: لَمْ يَجِبْ خُرُوجُهُ) قَضِيَّتُهُ جَوَازُ الْخُرُوجِ لِذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَعِبَارَةُ حَجّ: لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ لِعَدَمِ إلَخْ، وَقِيَاسُ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْغُسْلِ مِنْ جَوَازِ الْخُرُوجِ وَإِنْ أَمْكَنَ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا مُكْثٍ جَوَازُهُ هُنَا إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِعَدَمِ طُولِ زَمَنِ التَّيَمُّمِ عَادَةً فَامْتَنَعَ الْخُرُوجُ لِأَجْلِهِ

[حاشية الرشيدي]

غَيْرَ ذَاتِيَّةٍ إلَّا أَنَّ الْمَلْحَظَ فِي الْمَنْعِ فِيهِ صِيَانَةُ الْمَسْجِدِ عَنْ النَّجَاسَةِ

(قَوْلُهُ لَا حُبُوطَةَ بِالْكُلِّيَّةِ) أَيْ فَيَسْتَمِرُّ ثَوَابُهُ وَلَوْ فِي الْمُرْتَدِّ حَيْثُ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ إذْ الرِّدَّةُ إنَّمَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ إذَا اتَّصَلَتْ بِالْمَوْتِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ هُوَ الْفِعْلُ) أَيْ فِي الْأَوَّلِ أَيْ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّ الْمَعْطُوفَ فِيهِ الْفَاعِلُ وَكَانَ الْأَوْلَى عَدَمَ الذِّكْرِ الثَّانِي فِي الْإِشْكَالِ إذْ لَا إشْكَالَ فِيهِ لِأَنَّهُ أَتَى عَلَى الْأَصْلِ عَلَى أَنَّ إيرَادَ الْإِشْكَالِ وَالْجَوَابِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ فِيهِمَا وَتَثْنِيَةُ الضَّمِيرِ فِي اعْتِكَافِهِمَا مَعَ أَنَّ مَرْجِعَهُ لَفْظُ الْمُعْتَكِفِ وَهُوَ مُفْرَدٌ بِالنَّظَرِ لَا تَصِفُهُ بِوَصْفَيْ الرِّدَّةِ وَالسُّكْرِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ مَعَ تَعَذُّرِ ضَبْطِهِ) أَيْ فَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ: أَيْ وَلَمْ يَشُقَّ بَطَلَ (قَوْلُهُ فَلَوْ أَمْكَنَهُ مَارًّا) أَيْ وَالصُّورَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْمُرُورَ لِأَجْلِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَرَدَّدَ كَمَا لَا يَخْفَى فَيَنْبَغِي أَنْ يُصَوَّرَ بِمَا إذَا عَقَدَ نِيَّتَهُ عَلَى الْخُرُوجِ حَقِيقَةً ثُمَّ عَنَّ لَهُ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ خُرُوجِهِ وَهُوَ مَارٌّ

الشَّارِحِ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا مُرَاعَاةً لِلتَّتَابُعِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ الْجُنُبُ مُسْتَجْمِرًا بِالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ وَجَبَ خُرُوجُهُ وَتَحْرُمُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَجِبُ أَيْضًا إذَا حَصَلَ بِالْغُسَالَةِ ضَرَرٌ لِلْمَسْجِدِ أَوْ الْمُصَلِّينَ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَيَلْزَمُهُ الْمُبَادَرَةُ بِغُسْلِهِ لِئَلَّا يَبْطُلَ تَتَابُعُ اعْتِكَافِهِ (وَلَا يُحْسَبُ زَمَنُ الْحَيْضِ) وَالنِّفَاسِ (وَلَا) زَمَنُ (الْجَنَابَةِ) مِنْ الِاعْتِكَافِ إنْ اتَّفَقَ الْمُكْثُ مَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ لِلِاعْتِكَافِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحَائِضِ هَلْ تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى أَوْ لَا؟ . أَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ فَإِنْ أَمِنَتْ تَلْوِيثَهُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ اعْتِكَافِهَا فَإِنْ خَرَجَتْ بَطَلَ تَتَابُعُهُ.
.

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ (إذَا نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً) كَ لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ (لَزِمَهُ) التَّتَابُعُ فِيهَا إنْ صَرَّحَ بِهِ لَفْظًا؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ مَقْصُودٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُبَادَرَةِ لِلْبَاقِي عَقِبَ الْإِتْيَانِ بِبَعْضِهِ، فَإِنْ نَوَى التَّتَابُعَ بِقَلْبِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ، كَمَا لَوْ نَذَرَ أَصْلَ الِاعْتِكَافِ بِقَلْبِهِ كَمَا صَحَّحَاهُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَا جَرَى عَلَيْهِ فِي الْإِرْشَادِ وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ لَيُوَافِقَ مَا تَقَرَّرَ فِي عَشَرَةٍ بِلَيَالٍ، وَقَوْلُهُمْ: لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ أَيَّامَ شَهْرٍ أَوْ شَهْرًا نَهَارًا لَمْ تَلْزَمْهُ اللَّيَالِي حَتَّى يَنْوِيَهَا كَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ لَا يَلْزَمُهُ ضَمُّ اللَّيْلَةِ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا اهـ. وَصَوَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ نَقْلًا عَنْ الْغَزَالِيِّ وَجَمَاعَةٍ وَمُغْنِي؛ لِأَنَّ اللَّيَالِيَ إذَا وَجَبَتْ بِالنِّيَّةِ مَعَ أَنَّ فِي ذَلِكَ وَقْتًا زَائِدًا فَوُجُوبَ التَّتَابُعِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ وَصْفٍ، وَصَحَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ لَكِنَّ الْمُصَحَّحَ عِنْدَهُمَا وَجَرَى عَلَيْهِ فِي الْحَاوِي عَدَمَ وُجُوبِ التَّتَابُعِ بِنِيَّتِهِ.
وَأَجَابَ الْبَدْرُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ قَوْلِهِمْ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ صُورَتَهُ أَنْ يَنْذُرَ أَيَّامًا مُعَيَّنَةً فَتَجِبُ اللَّيَالِي الْمُتَخَلِّلَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَ بِهَا وَاجِبَانِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ وَظَاهِرٌ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ صُورَتَهُ فَالْأَوْلَى مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ مِنْ أَنَّ التَّتَابُعَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الزَّمَنِ الْمَنْذُورِ، بِخِلَافِ اللَّيَالِي بِالنِّسْبَةِ لِلْأَيَّامِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إيجَابِ الْجِنْسِ بِنِيَّةِ التَّتَابُعِ إيجَابُ غَيْرِهِ بِهَا، وَفَارَقَ أَيْضًا تَأْثِيرَ النِّيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ الْمَذْكُورِ عَدَمَ تَأْثِيرِهَا فِيمَا لَوْ اسْتَثْنَى مِنْ الشَّهْرِ وَنَحْوِهِ الْأَيَّامَ أَوْ اللَّيَالِي بِقَلْبِهِ فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ بِأَنَّ فِي ذَلِكَ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَبِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ النِّيَّةِ هُنَاكَ إدْخَالُ مَا قَدْ يُرَادُ مِنْ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْيَوْمَ بِلَيْلَتِهِ، وَهُنَا إخْرَاجُ مَا شَمِلَهُ اللَّفْظُ، وَلَوْ الْتَزَمَ بِالنَّذْرِ التَّفْرِيقَ أَجْزَأَهُ التَّتَابُعُ وَفَارَقَ مَا لَوْ نَذَرَ صَوْمًا مُتَفَرِّقًا حَيْثُ لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ بِالْمُتَوَالِي كَعَكْسِهِ بِأَنَّ الشَّارِعَ

[حاشية الشبراملسي]

(قَوْلُهُ: وَجَبَ خُرُوجُهُ) أَيْ لِيَغْتَسِلَ خَارِجَهُ احْتِرَازًا مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي النَّجَاسَةِ لِلْمَسْجِدِ (قَوْلُهُ: وَتَحْرُمُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةِ الْغُسَالَةِ حَجّ (قَوْلُهُ: وَيَجِبُ أَيْضًا) أَيْ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ.

(فَصْلٌ) فِي حُكْمِ الِاعْتِكَافِ (قَوْلُهُ: بِنِيَّةِ التَّتَابُعِ) قَضَيْتُهُ وُجُوبُ اللَّيَالِيِ بِنِيَّةِ التَّتَابُعِ لِلْأَيَّامِ وَإِنْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ اللَّيَالِي، وَقَوْلُهُ لَمْ تَلْزَمْهُ اللَّيَالِيُ حَتَّى يَنْوِيَهَا ظَاهِرٌ فِي خِلَافِهِ، فَلَعَلَّ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ هُنَا بِنِيَّةِ التَّتَابُعِ اللَّازِمِ لِنِيَّةِ اللَّيَالِيِ التَّتَابُعُ لَا التَّتَابُعُ الْمَنْوِيِّ بِمُجَرَّدِهِ (قَوْلُهُ: التَّفْرِيقُ مَرَّةً إلَخْ) أَيْ وَذَلِكَ فِي دَمِ التَّمَتُّعِ وَنَحْوِهِ وَالتَّتَابُعُ أُخْرَى فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَنَحْوِهَا

[حاشية الرشيدي]

[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ]

ِ (قَوْلُهُ لِيُوَافِقَ مَا تَقَرَّرَ إلَخْ) هَذَا مِنْ جَانِبِ الْمُخَالِفِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إيجَابِ الْجِنْسِ بِنِيَّةِ التَّتَابُعِ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا التَّعْبِيرِ، وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إيجَابِ الْجِنْسِ بِالنِّيَّةِ إيجَابُ غَيْرِهِ بِهَا

اعْتَبَرَ فِي الصَّوْمِ التَّفْرِيقَ مَرَّةً وَالتَّتَابُعَ أُخْرَى، بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ لَمْ يَطْلُبْ فِيهِ التَّفْرِيقَ أَصْلًا، وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ: لَوْ نَوَى أَيَّامًا مُعَيَّنَةً كَسَبْعَةِ أَيَّامٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَوَّلُهَا غَدًا تَعَيَّنَ تَفْرِيقُهَا إنَّمَا يَأْتِي عَلَى رَأْيِهِ مِنْ كَوْنِ النِّيَّةِ تُؤَثِّرُ كَاللَّفْظِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ تَأْثِيرِهَا كَمَا مَرَّ (وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّتَابُعُ بِلَا شَرْطٍ) إذْ لَفْظُ الْأُسْبُوعِ وَنَحْوِهِ صَادِقٌ عَلَى الْمُتَتَابِعِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَجِبُ أَحَدُهُمَا بِخُصُوصِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ، نَعَمْ يُسَنُّ التَّتَابُعُ.
وَالثَّانِي يَجِبُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا شَهْرًا، وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْيَمِينِ الْهَجْرُ وَلَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ التَّتَابُعِ، وَحُكْمُ الْأَيَّامِ مَعَ نَذْرِ اللَّيَالِي كَحُكْمِ اللَّيَالِيِ مَعَ نَذْرِ الْأَيَّامِ فِيمَا مَرَّ (وَ) الْأَصَحُّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ (أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ يَوْمًا لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُ سَاعَاتِهِ) مِنْ أَيَّامٍ بَلْ عَلَيْهِ الدُّخُولُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَاللُّبْثُ إلَى مَا بَعْدَ الْغُرُوبِ، إذْ الْمَفْهُومُ مِنْ لَفْظِ الْيَوْمِ الِاتِّصَالُ، فَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ: إنَّ الْيَوْمَ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ: وَالثَّانِي يَجُوزُ تَنْزِيلًا لِلسَّاعَاتِ مِنْ الْيَوْمِ مَنْزِلَةَ الْأَيَّامِ مِنْ الشَّهْرِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يُعَيِّنْ يَوْمًا، فَإِنْ عَيَّنَهُ امْتَنَعَ التَّفْرِيقُ جَزْمًا وَلَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي أَثْنَائِهِ وَمَكَثَ إلَى مِثْلِهِ مِنْ الْغَدِ مَعَ اللَّيْلَةِ الْمُتَخَلِّلَةِ أَجْزَأَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لِحُصُولِ التَّتَابُعِ بِالْبَيُّوتَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ إلَى عَدَمِ إجْزَائِهِ، وَقَالَ الشَّيْخَانِ: إنَّهُ الْوَجْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِيَوْمٍ مُتَوَاصِلِ السَّاعَاتِ وَاللَّيْلَةُ لَيْسَتْ مِنْ الْيَوْمِ، وَلَوْ نَذَرَ يَوْمًا أَوَّلُهُ مِنْ الزَّوَالِ مَثَلًا امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لَيْلًا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَيِّنْ مُدَّةً كَأُسْبُوعٍ) عَيَّنَهُ كَهَذَا الْأُسْبُوعِ أَوْ هَذِهِ السَّنَةِ (وَتَعَرَّضَ لِلتَّتَابُعِ) فِيهَا لَفْظًا (وَفَاتَتْهُ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ فِي الْقَضَاءِ) لِالْتِزَامِهِ إيَّاهُ.
وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ لِوُقُوعِ التَّتَابُعِ ضَرُورَةً فَلَا أَثَرَ لِتَصْرِيحِهِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْأُسْبُوعَ لَمْ يَتَصَوَّرْ فِيهِ فَوَاتٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَشَارَ بِهِ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ دُخُولِ الصَّحِيحِ فَيُفِيدُ ضَعْفَهُ (وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ) أَيْ التَّتَابُعِ (لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْقَضَاءِ) قَطْعًا لِوُقُوعِ التَّتَابُعِ فِيهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ تَعَيُّنِ الْوَقْتِ فَأَشْبَهَ التَّتَابُعَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ

وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ فَفَاتَهُ فَقَضَاهُ لَيْلًا أَجْزَأَهُ، بِخِلَافِ الْيَوْمِ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: أَيَّامًا مُعَيَّنَةٍ كَسَبْعَةِ) أَيْ كَأَنْ نَذَرَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَنَوَى أَنَّهَا مُتَفَرِّقَةٌ (قَوْلُهُ: فِيمَا مَرَّ) أَيْ فِي أَنَّهُ إنْ نَوَى الْأَيَّامَ فِي نَذْرِهِ اللَّيَالِي وَجَبَتْ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُ سَاعَاتِهِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ نَوَى قَدْرَ الْيَوْمِ وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَوْ أَطْلَقَ فَإِنْ نَوَى يَوْمًا كَامِلًا وَجَبَ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ نَوَى قَدْرَ الْيَوْمِ اكْتَفَى بِهِ وَلَوْ مِنْ أَيَّامٍ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْيَوْمَ فِي سَاعَاتٍ تُسَاوِيهِ مَجَازًا أَوْ أَنَّهُ قَدْرٌ مُضَافًا فِي الْكَلَامِ وَكِلَاهُمَا لَا مَانِعَ مِنْهُ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ نَذَرَ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ الدَّجَّالِ هَلْ يَخْرُجُ مِنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ بِأَنْ يُقَدَّرَ لَهُ يَوْمًا مِنْ الْأَيَّامِ الَّتِي قَبْلَ خُرُوجِهِ كَمِائَةِ دَرَجَةٍ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «اُقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْيَوْمِ الْحَقِيقِيِّ مِنْ أَيَّامِهِ وَيَخْرُجُ مِنْ الْعُهْدَةِ وَلَوْ بِآخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ) وَلَوْ نَذَرَ أَيَّامًا كَعَشَرَةٍ وَجَعَلَ مَبْدَأَهَا مِنْ وَقْتِ النَّذْرِ كَأَنْ قَالَ أَعْتَكِفُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ كَمَّلَ مِمَّا انْكَسَرَ مِنْ الْحَادِيَ عَشَرَ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ فِي نَحْو بُرٍّ وَأَجَّلَ بِمُدَّةٍ كَشَهْرٍ فَإِنَّهُ يَحْسِبُ الْمُنْكَسِرُ وَيُكَمِّلُ مِمَّا يَلِي انْتِهَاءَ الثَّلَاثِينَ مِمَّا بَعْدَهُ وَهُوَ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمِ قُدُومِ زَيْدٍ وَقَدِمَ نَهَارًا حَيْثُ كَفَّاهُ اعْتِكَافُ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ بِأَنَّ مَا فَاتَ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وُجُوبٌ أَصْلًا، وَمَا هُنَا تَعَلَّقَ بِنَذْرِهِ بِمَا يُسَمَّى أَيَّامًا وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِإِتْمَامِ الْكَسْرِ (قَوْلُهُ وَإِنْ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ) أَيْ الْمَرْوَزِيِّ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ لَوْ نَوَى أَيَّامًا مُعَيَّنَةً) أَيْ كَأَنْ قَالَ سَبْعَةَ أَثَانِينَ مَثَلًا، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ مُعَيَّنَةً وَمِنْ قَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ فِي تَأْيِيدِهِ: وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ لِتَعَيُّنِ زَمَنِ الِاعْتِكَافِ بِالتَّعْيِينِ اهـ. وَحِينَئِذٍ فَالِاعْتِرَاضُ عَلَى الْغَزَالِيِّ إنَّمَا هُوَ فِي كَوْنِ النِّيَّةِ بِمُجَرَّدِهَا تَكْفِي فِي ذَلِكَ، أَمَّا لَوْ تَلَفَّظَ بِذَلِكَ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَلْزَمُ فَلْيُرَاجَعْ

الْمُطْلَقِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ عَلَى صِفَتِهِ الْمُلْتَزَمَةِ، وَلَا كَذَلِكَ الْمُعَيَّنُ كَنَظِيرِهِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْقِسْمَيْنِ.
حَكَاهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلِهِ فِيهِ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا سَاوَتْ اللَّيْلَةُ الْيَوْمَ وَإِلَّا لَمْ يَكْفِهِ

وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمِ قُدُومِ زَيْدٍ فَقَدِمَ لَيْلًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِعَدَمٍ وُجُودِ الصِّفَةِ، وَيُسَنُّ كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ الصَّوْمِ قَضَاءُ اعْتِكَافِ يَوْمٍ شُكْرًا كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ، فَإِنْ قَدِمَ نَهَارًا أَجْزَأَهُ مَا بَقِيَ مِنْهُ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْهُ، إذْ الْوُجُوبُ إنَّمَا ثَبَتَ مِنْ وَقْتِ قُدُومِهِ وَفَارَقَ الصَّوْمَ بِصِحَّةِ تَبْعِيضِ مَا هُنَا بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ.
نَعَمْ يُسَنُّ قَضَاءُ يَوْمٍ كَامِلٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي تَبَعًا لِلْمَجْمُوعِ عَنْ الْمُزَنِيّ فِي مَوْضِعٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ صُحِّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ لُزُومُ قَضَائِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَصْلِ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ النَّذْرِ، وَمَحَلُّ مَا ذُكِرَ إنْ قَدِمَ حَيًّا مُخْتَارًا فَلَوْ قَدِمَ بِهِ مَيِّتًا أَوْ مُكْرَهًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ كَمَا قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَى الْقُدُومِ، وَفِعْلُ الْمُكْرَهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ هُنَا شَرْعًا.

وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ دَخَلَتْ لَيَالِيِهِ حَتَّى أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْهُ وَيُجْزِئُهُ وَإِنْ نَقَصَ الشَّهْرُ لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَى مَا بَعْدَ الْعِشْرِينَ إلَى انْتِهَاءِ الشَّهْرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَذَرَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ آخِرِهِ وَكَانَ نَاقِصًا لَا يُجْزِئُهُ لِتَجْرِيدِ قَصْدِهِ لَهَا فَعَلَيْهِ اعْتِكَافُ يَوْمٍ بَعْدَهُ، وَيُسَنُّ لَهُ فِي هَذِهِ اعْتِكَافُ يَوْمٍ قَبْلَ الْعَشْرِ لِاحْتِمَالِ نُقْصَانِ الشَّهْرِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمُ دَاخِلًا فِي نَذْرِهِ إذْ هُوَ أَوَّلُ الْعَشَرَةِ مَعَ آخِرِهِ، فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ بَانَ النَّقْصُ أَجْزَأَهُ عَنْ قَضَاءِ يَوْمٍ كَمَا قَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ، وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْخِلَافُ فِيمَنْ تَيَقَّنَ طُهْرًا وَشَكَّ فِي ضِدِّهِ فَتَوَضَّأَ مُحْتَاطًا فَبَانَ مُحْدِثًا: أَيْ فَلَا يُجْزِئُهُ

(وَإِذَا ذَكَرَ) النَّاذِرُ (التَّتَابُعَ) فِي نَذْرِهِ لَفْظًا (وَشَرَطَ الْخُرُوجَ لِعَارِضٍ) مُبَاحٍ مَقْصُودٍ غَيْرِ مُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ (صَحَّ الشَّرْطُ فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ إنَّمَا لَزِمَ بِالِالْتِزَامِ فَكَانَ عَلَى حَسَبِ مَا الْتَزَمَ، فَلَوْ عَيَّنَ نَوْعًا أَوْ فَرْدًا كَعِيَادَةِ الْمَرْضَى أَوْ زَيْدٍ خَرَجَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَلَوْ أَطْلَقَ الْعَارِضَ أَوْ الشُّغْلَ خَرَجَ لِكُلِّ مُهِمٍّ دِينِيٍّ كَالْجُمُعَةِ أَوْ دُنْيَوِيٍّ مُبَاحٍ كَلِقَاءِ الْأَمِيرِ، وَالثَّانِي بُطْلَانُ الشَّرْطِ لِمُخَالَفَتِهِ لِمُقْتَضَاهُ فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ شَرَطَ الْخُرُوجَ لِلْجِمَاعِ، وَخَرَجَ بِشَرْطِ الْخُرُوجِ لِعَارِضٍ مَا لَوْ شَرَطَ قَطْعَ الِاعْتِكَافِ لَهُ، فَإِنَّهُ وَإِنْ صَحَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ عِنْدَ زَوَالِ الْعَارِضِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَطَ الْخُرُوجَ لِلْعَارِضِ فَيَجِبُ عَوْدُهُ، وَلَوْ قَالَ: إلَّا أَنْ يَبْدُوَا لِي لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ لِتَعْلِيقِهِ عَلَى مُجَرَّدِ الْخِيرَةِ وَهُوَ مُنَافٍ لِلِالْتِزَامِ، وَكَذَا النَّذْرُ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَهُوَ الْأَشْبَهُ فِي الصَّغِيرِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا بِتَرْجِيحٍ، وَبِمُبَاحٍ مَا لَوْ شَرَطَهُ لِمُحْرِمٍ كَسَرِقَةٍ، وَبِمَقْصُودِهِ مَا لَوْ شَرَطَهُ لِغَيْرِهِ كَنُزْهَةٍ، وَبِغَيْرِ مُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ مَا لَوْ شَرَطَهُ لِمُنَافٍ لَهُ كَقَوْلِهِ: إنْ اخْتَرْت جَامَعْت أَوْ إنْ اتَّفَقَ لِي جِمَاعٌ جَامَعْت، فَلَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْمُحْرِمِ وَالْجِمَاعِ وَمِثْلُهُمَا الْبَقِيَّةُ (وَالزَّمَانُ الْمَصْرُوفُ إلَيْهِ) أَيْ الْعَارِضُ الْمَذْكُورُ (لَا يَجِبُ تَدَارُكُهُ إنْ عَيَّنَ الْمُدَّةَ كَهَذَا الشَّهْرِ) لِأَنَّ النَّذْرَ فِي الْحَقِيقَةِ لِمَا عَدَاهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا كَشَهْرٍ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ وَإِلَّا لَمْ يَكْفِهِ) أَيْ فَيَحْتَاجُ إلَى مُكْثِ مَا يُتِمُّ بِهِ مِقْدَارُ الْيَوْمِ

(قَوْلُهُ: اعْتِكَافُ يَوْمٍ شُكْرًا) أَيْ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَيَقَعُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَقُولَ شُكْرًا (قَوْلُهُ: مَا بَقِيَ مِنْهُ) أَيْ وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ وُصُولِهِ مَا يَنْقَطِعُ بِهِ سَفَرُهُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ) أَيْ ثُمَّ

(قَوْلُهُ كَمَا قَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ) مُعْتَمَدٌ

(قَوْلُهُ: صَحَّ الشَّرْطُ فِي الْأَظْهَرِ) وَلَوْ نَذَرَ نَحْوَ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ حَجٍّ وَشَرَطَ الْخُرُوجَ لِعَارِضٍ فَكَمَا تَقَرَّرَ.
كَذَا بِهَامِشٍ وَعَلَيْهِ فَلَوْ نَوَى الصَّلَاةَ بَعْدَ النَّذْرِ جَازَ أَنْ يَقُولَ فِي نِيَّتِهِ وَأَخْرُجُ مِنْهَا إنْ عَرَضَ لِي كَذَا، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، نِيَّتُهُ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهِ، فَمَتَى عَرَضَ لَهُ مَا اسْتَثْنَاهُ جَازَ لَهُ الْخُرُوجُ وَإِنْ كَانَ فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ وَجَازَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّوْمِ وَإِنْ كَانَ قَرِيبَ الْغُرُوبِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: كَلِقَاءِ الْأَمِيرِ) أَيْ لِحَاجَةٍ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا سَاوَتْ اللَّيْلَةُ الْيَوْمَ وَإِلَّا لَمْ يَكْفِهِ) أَيْ بِأَنْ كَانَتْ اللَّيْلَةُ أَقْصَرَ: أَيْ فَيُكَمِّلُ عَلَيْهَا مِنْ النَّهَارِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ، وَانْظُرْ لَوْ كَانَتْ أَطْوَلَ هَلْ يُكْتَفَى بِمِقْدَارِ الْيَوْمِ مِنْهَا أَوْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِيعَابِهَا

(قَوْلُهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ) خِلَافًا لِحَجِّ

مُطْلَقٍ (فَيَجِبُ) تَدَارُكُهُ لِتَتِمَّ الْمُدَّةُ، وَيَكُونُ فَائِدَةُ الشَّرْطِ تَنْزِيلُ ذَلِكَ الْعَارِضِ مَنْزِلَةَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي أَنَّ التَّتَابُعَ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ

(وَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ) زِيَادَةً عَلَى مَا مَرَّ (بِالْخُرُوجِ) مِنْ الْمَسْجِدِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ أَوْ بِمَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ رَأْسِهِ قَائِمًا أَوْ مُنْحَنِيًا أَوْ مِنْ الْعَجُزِ قَاعِدًا أَوْ مِنْ الْجَنْبِ مُضْطَجِعًا (بِلَا عُذْرٍ) مِنْ الْأَعْذَارِ الْآتِيَةِ وَإِنْ قَلَّ زَمَنُهُ لِمُنَافَاتِهِ اللُّبْثَ إذْ هُوَ فِي مُدَّةِ الْخُرُوجِ الْمَذْكُورِ غَيْرُ مُعْتَكِفٍ وَمَحَلُّ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ مُخْتَارًا (وَلَا يَضُرُّ) فِي تَتَابُعِ اعْتِكَافِهِ (إخْرَاجُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ) مِنْ الْمَسْجِدِ كَرَأْسِهِ أَوْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى خَارِجًا، فَقَدْ وَرَدَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُدْنِي رَأْسَهُ إلَى عَائِشَةَ فَتُرَجِّلُهُ: أَيْ تُسَرِّحُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ» ، فَلَوْ أَخْرَجَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا لَمْ يَضُرَّ فِيمَا يَظْهَرُ لِعَدَمِ صِدْقِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ، فَقَدْ قَالَ فِي الْبَسِيطِ: قَضِيَّةُ تَعْلِيلِ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَأَدْخَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فَعَمِلْنَا بِالْأَصْلِ فِيهِمَا.

(وَلَا) يَضُرُّ (الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ) مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ وَمِثْلُهُمَا الرِّيحُ فِيمَا يَظْهَرُ إذْ لَا بُدَّ مِنْهُ وَإِنْ أَكْثَرَ خُرُوجَهُ لِذَلِكَ لِعَارِضٍ نَظَرًا إلَى جِنْسِهِ، وَلَا يَشْتَرِطُ أَنْ يَصِلَ لِحَدِّ الضَّرُورَةِ، وَإِذَا خَرَجَ لَا يُكَلَّفُ الْإِسْرَاعَ بَلْ يَمْشِي عَلَى سَجِيَّتِهِ، فَإِنْ تَأَنَّى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بَطَلَ كَمَا فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْبَحْرِ، وَيَجُوزُ لَهُ الْوُضُوءُ بَعْدَ قَضَائِهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ تَبَعًا لَهَا وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ وَحْدَهُ وَلَوْ عَنْ حَدَثٍ حَيْثُ أَمْكَنَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَاقْتِصَارُهُ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ مِثَالٌ فَغَيْرُهَا كَذَلِكَ كَغُسْلِ جَنَابَةٍ وَإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ وَرُعَافٍ وَأَكْلٍ (مَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحْيِي مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْأَكْلُ فِيهِ، بِخِلَافِ الشُّرْبِ كَمَا مَرَّ إذَا وُجِدَ الْمَاءُ فِيهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ كَمَا أَفَادَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ الْكَلَامَ فِي مَسْجِدٍ مَطْرُوقٍ، بِخِلَافِ الْمُخْتَصِّ وَالْمَهْجُورِ الَّذِي يَنْدُرُ طَارِقُوهُ، فَلَوْ خَرَجَ لِلشُّرْبِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ فِيهِ انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَنَّ الْوُضُوءَ الْمَنْدُوبَ لِغُسْلِ الِاحْتِلَامِ مُغْتَفِرٌ كَالتَّثْلِيثِ فِي الْوُضُوءِ الْوَاجِبِ (وَلَا يَجِبُ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ دَارِهِ) الَّتِي يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَهَا كَسِقَايَةِ الْمَسْجِدِ وَدَارِ صَدِيقٍ لَهُ بِجِوَارِ الْمَسْجِدِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَخَرْمِ الْمُرُوءَةِ، وَتَزِيدُ دَارُ الصَّدِيقِ بِالْمِنَّةِ بِهَا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَا تَخْتَلُّ مُرُوءَتُهُ بِالسِّقَايَةِ وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ تَكْلِيفُهَا إنْ كَانَتْ أَقْرَبُ مِنْ دَارِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَتْ السِّقَايَةُ الْمَصُونَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالْمَسْجِدِ لَا يَدْخُلُهَا إلَّا أَهْلُ ذَلِكَ الْمَكَانِ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ (وَلَا يَضُرُّ بُعْدُهَا) أَيْ دَارِهِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ الْمَسْجِدِ مُرَاعَاةً لِمَا مَرَّ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالْمِنَّةِ (إلَّا أَنْ يَفْحُشَ) بُعْدَهَا عَنْهُ وَثَمَّ لَائِقٍ بِهِ أَوْ تَرَكَ الْأَقْرَبَ مِنْ دَارَيْهِ وَذَهَبَ إلَى أَبْعَدِهِمَا وَضَابِطُ الْفُحْشِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ أَنْ يَذْهَبَ أَكْثَرُ الْوَقْتِ فِي التَّرَدُّدِ لِلْمَنْزِلِ (فَيَضُرُّ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ فِي عَوْدِهِ أَيْضًا إلَى الْبَوْلِ فَيُمْضِي يَوْمَهُ فِي الذَّهَابِ وَالْإِيَابِ وَلِاغْتِنَائِهِ بِالْأَقْرَبِ مِنْ دَارَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي طَرِيقِهِ مَكَانًا أَوْ وَجَدَهُ وَلَمْ يَلِقْ بِهِ دُخُولُهُ لَمْ يَضُرَّ فُحْشُ الْبُعْدِ.
وَالثَّانِي لَا يَضُرُّ فُحْشُ ذَلِكَ مُطْلَقًا لِمَا مَرَّ مِنْ مَشَقَّةِ الدُّخُولِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ

[حاشية الشبراملسي]

اقْتَضَتْ خُرُوجَهُ لِلِقَائِهِ لَا مُجَرَّدِ التَّفَرُّجِ عَلَيْهِ

(قَوْلُهُ: إذْ لَا بُدَّ مِنْهُ) أَيْ وَإِخْرَاجُهُ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَأَتَّى أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَيَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ عَلَى عِبَادَتِهِ (قَوْلُهُ أَنْ يَذْهَبَ أَكْثَرُ الْوَقْتِ)

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ أَنْ يَذْهَبَ أَكْثَرُ الْوَقْتِ فِي التَّرَدُّدِ لِلْمَنْزِلِ) اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِالْوَقْتِ هُنَا، ثُمَّ رَأَيْت الزِّيَادِيَّ صَرَّحَ بِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي نَذَرَ اعْتِكَافَهُ.

لِنَوْمٍ أَوْ غُسْلِ نَحْوِ جُمُعَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْخُوَارِزْمِيَّ (وَلَوْ عَادَ مَرِيضًا) أَوْ زَارَ قَادِمًا (فِي طَرِيقِهِ) لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ (لَمْ يَضُرَّ مَا لَمْ يَطُلْ وُقُوفُهُ) بِأَنْ لَمْ يَقِفْ أَصْلًا أَوْ وَقَفَ يَسِيرًا كَأَنْ اقْتَصَرَ عَلَى السَّلَامِ وَالسُّؤَالِ (أَوْ) لَمْ (يَعْدِلْ عَنْ طَرِيقِهِ) بِأَنْ كَانَ الْمَرِيضُ وَالْقَادِمُ فِيهَا «لِخَبَرِ عَائِشَةَ إنِّي كُنْت أَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ أَيْ التَّبَرُّزِ وَالْمَرِيضُ فِيهِ فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي أَبِي دَاوُد مَرْفُوعًا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْهُ وَلَا يَعْرُجُ» فَإِنْ طَالَ وُقُوفُهُ عُرْفًا أَوْ عَدَلَ عَنْ طَرِيقِهِ وَإِنْ قَلَّ ضَرَّ وَلَوْ صَلَّى فِي طَرِيقِهِ عَلَى جِنَازَةٍ فَإِنْ لَمْ يَنْتَظِرْهَا وَلَمْ يَعْدِلْ عَنْ طَرِيقِهِ إلَيْهَا جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَهَلْ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَنَحْوُهَا لَهُ أَفْضَلُ أَوْ تَرْكُهَا أَوْ هُمَا سَوَاءٌ؟ وُجُوهٌ أَرْجَحُهَا أَوَّلُهَا (وَلَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ) بِخُرُوجِهِ (لِمَرَضٍ يُحْوِجُ إلَى الْخُرُوجِ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ لَهُ كَمَا فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْمُحْوِجُ لِذَلِكَ مَا يَشُقُّ مَعَهُ الْمُقَامُ فِي الْمَسْجِدِ لِحَاجَةِ فُرُشٍ وَخَادِمٍ وَتَرَدُّدِ طَبِيبِ، أَوْ بِأَنْ يَخَافَ مِنْهُ تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ كَإِسْهَالٍ وَإِدْرَارِ بَوْلٍ، بِخِلَافِ مَرَضٍ لَا يُحْوِجُ إلَى الْخُرُوجِ كَصُدَاعٍ وَحُمَّى خَفِيفَةٍ فَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِالْخُرُوجِ لَهُ، وَفِي مَعْنَى مَا ذَكَرَ فِي الْمَرَضِ الْخَوْفُ مِنْ نَحْوِ لِصٍّ أَوْ حَرِيقٍ، فَإِنْ زَالَ خَوْفُهُ عَادَ لِمَكَانِهِ وَبَنَى عَلَيْهِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَعَلَّهُ فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ مَسْجِدًا قَرِيبًا يَأْمَنُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ.

(وَ) لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ (بِحَيْضٍ إنْ طَالَتْ مُدَّةُ الِاعْتِكَافِ) بِحَيْثُ لَا يَخْلُو عَنْهُ غَالِبًا كَصَوْمِ شَهْرَيْ كَفَّارَةِ قَتْلٍ لِعُرُوضِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا، وَضُبِطَ جَمْعُ الْمُدَّةِ الَّتِي لَا تَخْلُو عَنْهُ غَالِبًا بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَتَبِعَهُمْ الْمُصَنِّفُ وَنَظَرَ فِيهِ آخَرُونَ بِأَنَّ الْعِشْرِينَ وَالثَّلَاثَةَ وَعِشْرِينَ تَخْلُو عَنْهُ غَالِبًا إذْ هِيَ غَالِبُ الطُّهْرِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقْطَعَهَا وَمَا دُونَهَا الْحَيْضُ وَلَا يَقْطَعُ مَا فَوْقَهَا، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَالِبِ هُنَا أَنْ لَا يَسَعَ زَمَنَ أَقَلَّ الطُّهْرِ الِاعْتِكَافُ لَا الْغَالِبُ الْمَفْهُومُ مِمَّا مَرَّ فِي بَابِ الْحَيْضِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ مَتَى زَادَ مِنْ الِاعْتِكَافِ عَلَى أَقَلِّ الطُّهْرِ كَانَتْ مُعَرَّضَةً لِطُرُوقِ الْحَيْضِ فَعُذِرَتْ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ تَحِيضُ وَتَطْهُرُ غَالِبَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْغَالِبُ قَدْ يَتَجَزَّأُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ تَحِيضُ أَقَلَّ الْحَيْضِ لَا يَنْقَطِعُ اعْتِكَافُهَا بِهِ إذَا زَادَتْ مُدَّةُ اعْتِكَافِهَا عَلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُهَا إيقَاعُهُ فِي زَمَنِ طُهْرِهَا، فَكَذَلِكَ هَذِهِ لَا يَلْزَمُهَا إيقَاعُهُ فِي زَمَنِ طُهْرِهَا، وَإِنْ وَسِعَهُ، وَلَا نَظَرَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ طُهْرَ تِلْكَ عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ، بِخِلَافِ هَذِهِ؛ لِأَنَّهُمْ تَوَسَّعُوا

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ الَّذِي نَذَرَ اعْتِكَافُهُ اهـ زِيَادِي (قَوْلُهُ: فَإِنْ طَالَ وُقُوفُهُ عُرْفًا) أَيْ بِأَنْ زَادَ فِي قَدْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ: أَيْ أَقَلُّ مُجْزِئٌ مِنْهَا فِيمَا يَظْهَرُ اهـ حَجّ.
أَمَّا قَدْرُهَا فَيُحْتَمَلُ لِجَمِيعِ الْأَعْرَاضِ (قَوْلُهُ: جَازَ) أَيْ الْوُقُوفُ وَلَمْ يَقْطَعْ التَّتَابُعُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا) وَهَلْ لَهُ تَكْرِيرُ هَذِهِ كَالْعِيَادَةِ عَلَى مَوْتَى أَوْ مَرْضَى مَرَّ بِهِمْ فِي طَرِيقِهِ بِالشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورِينَ أَخَذَا مِنْ جَعْلِهِمْ قَدْرُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَعْفُوًّا عَنْهُ بِكُلِّ غَرَضٍ فِيمَنْ خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوْ لَا يَفْعَلُ إلَّا وَاحِدًا لِأَنَّهُمْ عَلَّلُوا فِعْلَهُ لِنَحْوِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِأَنَّهُ يَسِيرٌ وَوَقَعَ تَابِعًا لَا مَقْصُودًا؟ كُلٌّ مُحْتَمَلُ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ نَحْوِ الْعِيَادَةِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَزِيَارَةِ الْقَادِمِ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ.
وَمَعْنَى التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَنَّ كُلًّا عَلَى حِدَتِهِ تَابِعٌ وَزَمَنُهُ يَسِيرٌ، فَلَا نَظَرَ لِضَمِّهِ إلَى غَيْرِهِ الْمُقْتَضِي لِطُولِ الزَّمَنِ، وَنَظِيرُهُ مَا مَرَّ فِيمَنْ عَلَى بَدَنِهِ دَمٌ قَلِيلٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَتَكَرَّرَ بِحَيْثُ لَوْ جَمَعَ لَكَثُرَ فَهَلْ يَقْدِرُ الِاجْتِمَاعُ حَتَّى يَضُرَّ أَوْ لَا حَتَّى يَسْتَمِرَّ الْعَفْوُ؟ فِيهِ خِلَافٌ لَا يَبْعُدُ مَجِيئُهُ هُنَا وَإِنْ أَمْكَنَ الْفَرْقُ بِأَنَّهُ يُحْتَاطُ لِلصَّلَاةِ بِالنَّجَاسَةِ مَا لَا يُحْتَاطُ هُنَا وَأَيْضًا فَمَا هُنَا فِي التَّابِع وَهُوَ يُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَقْصُودِ.
اهـ حَجّ (قَوْلُهُ أَرْجَحُهَا أَوَّلُهَا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَرِيضُ جَارًا لِلْمُعْتَكِفِ وَلَا نَحْوَ صَدِيقٍ، وَعِبَارَةُ حَجّ قُبَيْلَ الْكِتَابِ وَبَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ الْخُرُوجَ لِعِيَادَةٍ نَحْوَ رَحِمٍ وَجَارٍ وَصَدِيقٍ أَفْضَلُ اهـ وَالْمُوَافِقُ لِكَلَامِ حَجّ أَنْ يَجْعَلَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ لَهُ لِلْمُعْتَكِفِ لَا لِمَنْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ

(قَوْلُهُ: قَدْ يَتَجَزَّأُ) أَيْ بِأَنْ يُوجَدُ تَارَةً فِي شَهْرٍ قَدْرٌ مَخْصُوصٌ

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

هُنَا فِي الْأَعْذَارِ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّ مُجَرَّدَ إمْكَانِ طُرُوُّ الْحَيْضِ عُذْرٌ فِي عَدَمِ الِانْقِطَاعِ فَتَبْنِي عَلَى مَا سَبَقَ إذَا طَهُرَتْ؛ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا (فَإِنْ كَانَتْ) مُدَّةُ الِاعْتِكَافِ (بِحَيْثُ تَخْلُو عَنْهُ) أَيْ الْحَيْضِ (انْقَطَعَ) التَّتَابُعُ (فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّهَا بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ تَشْرَعَ كَمَا طَهُرَتْ وَكَالْحَيْضِ النِّفَاسُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
وَالثَّانِي لَا يَنْقَطِعُ؛ لِأَنَّ جِنْسَ الْحَيْضِ مِمَّا يَتَكَرَّرُ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي التَّتَابُعِ كَقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَلَا تَخْرُجُ لِاسْتِحَاضَةِ بَلْ تَحْتَرِزُ عَنْ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ إنْ سَهُلَ احْتِرَازُهَا وَإِلَّا خَرَجَتْ وَلَا انْقِطَاعَ

(وَلَا) يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ (بِالْخُرُوجِ) مِنْ الْمَسْجِدِ (نَاسِيًا) اعْتِكَافَهُ (عَلَى الْمَذْهَبِ) الْمَقْطُوعِ بِهِ أَوْ مُكْرَهًا عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَمَا فِي الْجِمَاعِ نَاسِيًا وَمِثْلُ ذَلِكَ الْجَاهِلُ الَّذِي يَخْفَى عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ لِخَبَرِ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَكَالْإِكْرَاهِ مَا لَوْ حُمِلَ وَأُخْرِجَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَإِنْ أَمْكَنَهُ التَّخَلُّصُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ، وَيُحْتَمَلُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ الْأَقْرَبُ، فَإِنْ أُخْرِجَ مُكْرَهًا بِحَقٍّ كَالزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ يَعْتَكِفَانِ بِلَا إذْنٍ أَوْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ لِحَقٍّ لَزِمَهُ أَوْ خَرَجَ خَوْفَ غَرِيمٍ لَهُ وَهُوَ غَنِيٌّ مُمَاطِلٌ أَوْ مُعْسِرٌ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ: أَيْ وَثَمَّ حَاكِمٌ يَقْبَلُهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ لِتَقْصِيرِهِ.

وَلَوْ خَرَجَ لِأَدَاءِ شَهَادَةٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُهُ وَأَدَاؤُهَا لَمْ يَنْقَطِعْ تَتَابُعُهُ لِاضْطِرَارِهِ إلَى الْخُرُوجِ وَإِلَى سَبَبِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا أَوْ تَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ مُسْتَغْنٍ عَنْ الْخُرُوجِ وَإِلَّا فَتَحَمُّلُهُ لَهَا إنَّمَا يَكُونُ لِلْأَدَاءِ فَهُوَ بِاخْتِيَارِهِ، وَقَيَّدَهُ الشَّيْخُ بَحْثًا بِمَا إذَا تَحَمَّلَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الِاعْتِكَافِ وَإِلَّا فَلَا يَنْقَطِعُ الْوَلَاءُ كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ فَفَوَّتَهُ لِصَوْمِ كَفَّارَةٍ لَزِمَتْهُ قَبْلَ النَّذْرِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ

وَلَوْ خَرَجَ لِإِقَامَةِ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ يَقْطَعْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْجَرِيمَةَ لَا تُرْتَكَبُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ، بِخِلَافِ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ إنَّمَا يَكُونُ لِلْأَدَاءِ كَمَا مَرَّ، بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ، وَمَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ إذَا أَتَى بِمُوجِبِ الْحَدِّ قَبْلَ الِاعْتِكَافِ، فَإِنْ أَتَى بِهِ حَالَ الِاعْتِكَافِ كَمَا لَوْ قَذَفَ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الْوَلَاءَ.

وَلَا يَقْطَعُهُ خُرُوجُ امْرَأَةٍ لِأَجْلِ قَضَاءَ عِدَّةِ حَيَاةٍ أَوْ وَفَاةٍ وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَارَةً لِلنِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ لِلْعِدَّةِ، بِخِلَافِ التَّحَمُّلِ كَمَا مَرَّ مَا لَمْ تَكُنْ بِسَبَبِهَا كَأَنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بِتَفْوِيضِ ذَلِكَ لَهَا أَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَتِهَا فَشَاءَتْ وَهِيَ مُعْتَكِفَةٌ فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ لِاخْتِيَارِهَا الْخُرُوجَ، فَإِنْ أَذِنَ لَهَا الزَّوْجُ فِي اعْتِكَافِ مُدَّةٍ مُتَتَابِعَةٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا فِيهَا أَوْ مَاتَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِخُرُوجِهَا قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ الَّتِي قَدَّرَهَا لَهَا زَوْجُهَا، إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَكَذَا لَوْ اعْتَكَفَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَأَذِنَ لَهَا فِي إتْمَامِ اعْتِكَافِهَا فَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِخُرُوجِهَا.

(وَلَا) يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ (بِخُرُوجِ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ إلَى مَنَارَةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ لِلْمَسْجِدِ (مُنْفَصِلَةٍ عَنْ الْمَسْجِدِ) بِأَنْ لَا يَكُونَ بَابُهَا فِيهِ وَلَا فِي رَحْبَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ قَرِيبَةٍ مِنْهُ (لِلْأَذَانِ فِي الْأَصَحِّ) لِإِلْفِهِ صُعُودَهَا لِلْأَذَانِ وَإِلْفِ النَّاسِ صَوْتَهُ، بِخِلَافِ خُرُوجِ غَيْرِ الرَّاتِبِ لِلْأَذَانِ وَخُرُوجِ الرَّاتِبِ لِغَيْرِ

[حاشية الشبراملسي]

وَفِي آخَرَ دُونَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ

(قَوْلُهُ وَمِثْلُ ذَلِكَ الْجَاهِلُ) وَمِثْلُهُ جَاهِلٌ يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ اهـ حَجّ.
وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ كَوْنِهِ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ أَمْ لَا، نَشَأْ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَمْ لَا وَهِيَ ظَاهِرَةٌ

(قَوْلُهُ لَمْ يَنْقَطِعْ تَتَابُعُهُ) أَيْ وَإِنْ طَالَ زَمَنُ خُرُوجِهِ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَيْهِ شَرْعًا

(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ) هَذَا لَا يَتَأَتَّى مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي وَمَحِلُّ مَا تَقَرَّرَ إذَا أَتَى بِمُوجِبِ الْحَدِّ إلَخْ فَإِنَّهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّقْيِيدِ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ يَصِيرُ حُكْمُ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدًا، فَالشَّهَادَةُ قَبْلَ الِاعْتِكَافِ كَمُوجِبِ الْحَدِّ قَبْلَهُ فِي أَنَّ الْخُرُوجَ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَوْ الْحَدِّ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، وَهُمَا بَعْدَ الِاعْتِكَافِ يَقْطَعَانِ التَّتَابُعَ إذَا خَرَجَ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَوْ الْحَدِّ

(قَوْلُهُ: وَلَا بِخُرُوجِ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ) وَمِثْلُ الرَّاتِبِ نَائِبُهُ حَيْثُ اسْتَنَابَهُ لِعُذْرٍ اهـ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ حَيْثُ كَانَ النَّائِبُ كَالْأَصِيلِ فِيمَا طَلَبَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: قَرِيبَةٌ مِنْهُ) صِفَةٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَنَارَةٌ مُنْفَصِلَةٌ (قَوْلُهُ لِلْأَذَانِ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ الْأَذَانِ مَا اُعْتِيدَ مِنْ التَّسْبِيحِ الْمَعْرُوفِ الْآنَ، وَمِنْ أُولَى الْجُمُعَةِ وَثَانِيَتِهَا لِاعْتِيَادِ النَّاسِ التَّهَيُّؤِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ الْجُمُعَةِ بِذَلِكَ فَيُلْحَقُ بِالْأَذَانِ (قَوْلُهُ: لِإِلْفِهِ صُعُودَهَا) قَالَ

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الْأَذَانِ وَلَوْ بِحُجْرَةٍ بَابُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ لِلْأَذَانِ لَكِنْ بِمَنَارَةٍ لَيْسَتْ لِلْمَسْجِدِ أَوْ لَهُ لَكِنْ بَعِيدَةٌ عَنْهُ وَعَنْ رَحْبَتِهِ.
وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ امْتِنَاعَ الْخُرُوجِ لِلْمَنَارَةِ فِيهَا إذَا حَصَلَ الشِّعَارُ بِالْأَذَانِ بِظَهْرِ السَّطْحِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَكَالْمَنَارَةِ مَحَلٌّ عَالٍ بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ اُعْتِيدَ الْأَذَانُ لَهُ عَلَيْهِ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ عَالِيًا لَكِنْ تَوَقَّفَ الْإِعْلَامُ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الْمَسْجِدِ فِي مُنْعَطَفٍ مَثَلًا، وَإِضَافَةُ الْمَنَارَةِ إلَى الْمَسْجِدِ لِلِاخْتِصَاصِ وَإِنْ لَمْ تُبْنَ لَهُ كَأَنْ خَرِبَ مَسْجِدٌ وَبَقِيَتْ مَنَارَتُهُ فَجُدِّدَ مَسْجِدٌ قَرِيبٌ مِنْهَا وَاعْتِيدَ الْأَذَانُ عَلَيْهَا لَهُ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمَبْنِيَّةِ لَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُ الْمَجْمُوعِ: إنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِي مَنَارَةٍ مَبْنِيَّةٍ لَهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، أَمَّا مَنَارَةُ الْمَسْجِدِ الَّتِي بَابُهَا فِيهِ أَوْ فِي رَحْبَتِهِ فَلَا يَضُرُّ صُعُودُهَا وَلَوْ لِغَيْرِ الْأَذَانِ وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ سَمْتُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ كَمَا رَجَّحَاهُ وَتَرْبِيعِهِ إذْ هِيَ فِي حُكْمِ الْمَسْجِدِ كَمَنَارَةٍ مَبْنِيَّةٍ فِيهِ مَالَتْ إلَى الشَّارِعِ فَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَكِفُ فِي هَوَاءِ الشَّارِعِ، وَأَخَذَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ اُتُّخِذَ لِلْمَسْجِدِ جَنَاحٌ إلَى الشَّارِعِ فَاعْتَكَفَ فِيهِ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ صَحِيحٌ، وَإِنْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَنَاحِ وَالْمَنَارَةِ لَائِحٌ أَيْ لِكَوْنِ الْمَنَارَةِ تُنْسَبُ إلَى الْمَسْجِدِ، وَيُحْتَاجُ إلَيْهَا غَالِبًا فِي إقَامَةِ شَعَائِرِهِ بِخِلَافِ الْجَنَاحِ فِيهِمَا وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِضَبْطِ الْبَعِيدَةِ، وَالْأَقْرَبُ الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ لِلْعُرْفِ، وَإِنْ ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِكَوْنِهَا خَارِجَةٌ عَنْ جِوَارِ الْمَسْجِدِ وَجَارُهُ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَبَعْضٌ آخَرُ بِمَا جَاوَزَ حَرِيمُ الْمَسْجِدِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يَنْقَطِعُ بِخُرُوجِهِ مُطْلَقًا لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا بِسَطْحِهِ وَفِي ثَالِثٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّاتِبِ وَغَيْرِهِ

(وَيَجِبُ) (قَضَاءُ أَوْقَاتِ الْخُرُوجِ) مِنْ الْمَسْجِدِ مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ مُتَتَابِعٍ (بِالْأَعْذَارِ) السَّابِقَةِ الَّتِي لَا يَنْقَطِعُ بِهَا التَّتَابُعُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَكِفٍ فِيهَا (إلَّا أَوْقَاتُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ) ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى إذْ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَاقْتِصَارُهُ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ مِثَالٌ إذْ الْأَوْجَهُ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ تَبَعًا لِجَمْعٍ مُتَقَدِّمِينَ جَرَيَانُهُ فِي كُلِّ مَا يُطْلَبُ الْخُرُوجُ لَهُ وَلَمْ يَطُلْ زَمَنُهُ عَادَةً كَأَكْلٍ وَغُسْلِ جَنَابَةٍ وَأَذَانِ مُؤَذِّنٍ رَاتِبٍ، بِخِلَافِ مَا يَطُولُ زَمَنُهُ كَمَرَضٍ وَعِدَّةٍ وَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ، وَعُلِمَ مِمَّا مَرَّ عَدَمُ لُزُومِ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ لِمَنْ خَرَجَ لِمَا ذَكَرَ بَعْدَ عَوْدِهِ إنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَإِنْ طَالَ زَمَنُهُ كَتَبَرُّزٍ وَغُسْلٍ وَاجِبٍ وَأَذَانٍ جَازَ الْخُرُوجُ لَهُ أَوْ لِمَا مِنْهُ بُدٌّ لِشُمُولِ النِّيَّةِ جَمِيعِ الْمُدَّةِ، وَلَوْ عَيَّنَ مُدَّةً وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّتَابُعِ فَجَامَعَ أَوْ خَرَجَ بِلَا عُذْرٍ ثُمَّ عَادَ لِتَتْمِيمِ الْبَاقِي جَدَّدَ النِّيَّةَ، وَلَوْ أَحْرَمَ مُعْتَكِفٌ بِنُسُكٍ فَإِنْ لَمْ يَخْشَ الْفَوَاتَ أَتَمَّهُ، وَإِلَّا خَرَجَ وَلَهُ وَلَا يَبْنِي بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ النُّسُكِ عَلَى اعْتِكَافِهِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَبَانَ انْقِضَاؤُهُ قَبْلَ نَذْرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِأَنَّ اعْتِكَافَ شَهْرٍ قَدْ مَضَى مُحَالٌ.

[حاشية الشبراملسي]

حَجّ: وَبِمَا تَقَرَّرَ فِي الْمَنَارَةِ فَارَقَتْ الْخَلْوَةُ الْخَارِجَةُ عَنْ الْمَسْجِدِ الَّتِي بَابُهَا فِيهِ فَيَنْقَطِعُ بِدُخُولِهَا قَطْعًا (قَوْلُهُ: وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ امْتِنَاعَ الْخُرُوجِ) عِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ فِي أَثْنَاءِ قَوْلِهِ وَانْظُرْ بَحْثَ الْأَذْرَعِيُّ مَعَ أَنَّ مُقَابِلَ الْأَصَحِّ نَظَرُ لِلِاسْتِغْنَاءِ بِالسَّطْحِ.

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[كِتَابُ الْحَجِّ] ِّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَةً: الْقَصْدُ، وَشَرْعًا: قَصْدُ الْكَعْبَةِ لِلْأَفْعَالِ الْآتِيَةِ.
قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِأَنَّهُ نَفْسُ الْأَفْعَالِ الْآتِيَةِ وَاسْتَدَلَّ بِخَبَرِ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُوَافِقَ لِلْغَالِبِ الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ يَكُونُ مُشْتَمِلًا عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ بِزِيَادَةٍ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ فِي الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ عَرَفَةَ، لَكِنْ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ: أَرْكَانُ الْحَجِّ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذِهِ أَرْكَانٌ لِلْمَقْصُودِ لَا لِلْقَصْدِ الَّذِي هُوَ الْحَجُّ فَتَسْمِيَتُهَا أَرْكَانُ الْحَجِّ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] وَخَبَرُ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَالِ وَالْبَدَنِ إلَّا الصَّلَاةَ كَمَا مَرَّ أَنَّهَا أَفْضَلُ.
وَرُوِيَ

[حاشية الشبراملسي]

جارٍ التحميل