الْإِجْزَاءِ عِنْدَ نِيَّةِ ذَلِكَ وَإِنْ أَمْكَنَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ الْغُسْلُ مَقَامَ الْوُضُوءِ ضَعِيفٌ.
وَمَا عَلَّلَ بِهِ مَمْنُوعٌ، وَاكْتَفَى بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ وَنَحْوِهَا مَعَ كَوْنِ الْمَنْوِيِّ طُهْرًا غَيْرَ مُرَتَّبٍ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ التَّرْتِيبِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْغَرُ وَأَكْبَرُ كَفَاهُ الْغُسْلُ لَهُمَا كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ وَلَوْ بِلَا تَرْتِيبٍ لِانْدِرَاجِ الْأَصْغَرِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ، وَلَوْ غَسَلَ جُنُبٌ بَدَنَهُ إلَّا رِجْلَيْهِ مَثَلًا ثُمَّ أَحْدَثَ غَسَلَهُمَا لِلْجَنَابَةِ ثُمَّ غَسَلَ بَاقِي الْأَعْضَاءِ مُرَتَّبَةً لِلْأَصْغَرِ، وَلَهُ تَقْدِيمُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ عَلَى غَسْلِ الثَّلَاثِ وَتَأْخِيرُهُ وَتَوْسِيطُهُ، وَهُوَ وُضُوءٌ خَالٍ عَنْ غَسْلِ عُضْوٍ مَكْشُوفٍ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَلَوْ اغْتَسَلَ إلَّا أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَرْتِيبُهَا لِاجْتِمَاعِ الْحَدَثَيْنِ عَلَيْهَا فَيَنْدَرِجُ الْأَصْغَرُ فِي الْأَكْبَرِ، وَلَوْ شَكَّ فِي تَطْهِيرِ عُضْوٍ قَبْلَ الْفَرَاغِ طَهَّرَهُ وَمَا بَعْدَهُ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَمْ يُؤَثِّرْ.
ثُمَّ لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى أَرْكَانِهِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى بَعْضِ سُنَنِهِ
فَقَالَ (وَسُنَنُهُ) أَيْ الْوُضُوءِ: أَيْ مِنْ سُنَنِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي الطِّرَازِ أَنَّهَا نَحْوُ خَمْسِينَ سُنَّةً، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْحَصْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِضَافِيِّ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ هُنَا (السِّوَاكُ) وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الدَّلْكُ وَآلَتُهُ.
وَفِي الشَّرْعِ: اسْتِعْمَالُ
[حاشية الشبراملسي]
وَإِلَّا فَالرُّويَانِيُّ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الرَّافِعِيِّ (قَوْلُهُ: عِنْدَ نِيَّةِ ذَلِكَ) وُضُوءًا أَوْ رَفْعَ حَدَثٍ (قَوْلُهُ: وَمَا عَلَّلَ بِهِ مَمْنُوعٌ) زَادَ حَجّ إذْ لَا ضَرُورَةَ بَلْ وَلَا حَاجَةَ لِهَذِهِ الْإِقَامَةِ بَلْ الْعِلَّةُ الصَّحِيحَةُ هِيَ إمْكَانُ تَقْدِيرِ التَّرْتِيبِ، فَكَفَتْهُ نِيَّةُ مَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ حَتَّى قَصْدِهِ بِغَسْلَةٍ الْوُضُوءَ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْوَجْهُ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ نِسْيَانُ لُمْعَةٍ أَوْ لُمَعٍ مِنْ غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، بَلْ لَوْ كَانَ عَلَى مَا عَدَا أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مَانِعٌ كَشَمْعٍ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيمَا يَظْهَرُ، سَوَاءٌ أَمْكَنَ تَقْدِيرُ التَّرْتِيبِ أَمْ لَا، وَمَنْ قَيَّدَ كَالْإِسْنَوِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِمْكَانِهِ إنَّمَا أَرَادَ التَّفْرِيعَ عَلَى الْعِلَّةِ الْأُولَى الضَّعِيفَةِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ تَفْرِيعَهُ عَلَى الْعِلَّتَيْنِ انْتَهَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَاكْتَفَى) أَيْ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ (قَوْلُهُ: بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ) أَيْ غَلَطًا أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ فَلَوْ نَوَى غَيْرَ مَا عَلَيْهِ غَالِطًا صَحَّ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ) أَيْ بَلْ وَإِنْ نَفَاهُ (قَوْلُهُ: عَلَى غَسْلِ الثَّلَاثَةِ) أَيْ الْوَجْهِ وَمَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ وُضُوءَ خَالٍ إلَخْ) وَيُلْغَزُ بِذَلِكَ فَيُقَالُ: لَنَا وُضُوءٌ خَالٍ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَهُمَا مَكْشُوفَتَانِ بِلَا ضَرُورَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ شَكَّ فِي تَطْهِيرِ عُضْوٍ إلَخْ) قَالَ حَجّ فِي آخِرِ الْفَصْلِ السَّابِقِ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ هَلْ غَسَلَ ذَكَرَهُ أَوْ هَلْ مَسَحَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَمْ تَلْزَمْهُ إعَادَتُهُ، كَمَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَوْ سَلَامِ الصَّلَاةِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ.
وَقَوْلُهُ لَكِنْ لَا يُصَلِّي صَلَاةً أُخْرَى حَتَّى يَسْتَنْجِيَ لِتَرَدُّدِهِ حَالَ شُرُوعِهِ فِي كَمَالِ طَهَارَتِهِ ضَعِيفٌ، وَإِنَّمَا ذَاكَ حَيْثُ تَرَدَّدَ فِي أَصْلِ الطَّهَارَةِ، عَلَى أَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ فِي الْأَوْلَى وُجُوبُ الِاسْتِنْجَاءِ فِي الذَّكَرِ وَلَيْسَ قِيَاسَ مَا ذَكَرَهُ، لِأَنَّ بَعْضَ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ دَاخِلٌ فِيهِمَا وَقَدْ تَيَقَّنَ الْإِتْيَانَ بِهِمَا بِخِلَافِهِ هُنَا، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الذَّكَرِ وَالدُّبُرِ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ فَتَيَقُّنُهُ مُطْلَقَ الِاسْتِنْجَاءِ لَا يَقْتَضِي دُخُولَ غَسْلِ الذَّكَرِ فِيهِ
(قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ سُنَنِهِ) هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ عَلَى بَعْضِ سُنَنِهِ وَكَأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى ذِكْرِهِ بَيَانُ الطَّرِيقِ الْمُفِيدَةِ لِذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الدَّلْكُ) فِي حَجّ قَبْلَ هَذَا: وَهُوَ مَصْدَرُ سَاكَ فَاهُ يَسُوكُهُ اهـ.
وَعَلَيْهِ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَصْدَرِ وَالْآلَةِ، وَقَوْلُهُ مَصْدَرُ يَجُوزُ أَنَّهُ سَمَاعِيٌّ، وَإِلَّا فَقِيَاسُ مَصْدَرِ سَاكَ سَوْكًا بِالسُّكُونِ لِأَنَّ فَعْلًا قِيَاسُ مَصْدَرِ الثُّلَاثِيِّ الْمُتَعَدِّي.
هَذَا وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ: السِّوَاكُ: الْمِسْوَاكُ.
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: جَمْعُهُ سُوُكٌ بِضَمِّ الْوَاوِ مِثْلُ كِتَابٍ وَكُتُبٍ وَسَوَّكَ فَاهُ تَسْوِيكًا.
وَإِذَا قُلْت اسْتَاكَ أَوْ تَسَوَّكَ لَمْ تَذْكُرْ الْفَمَ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ أَنَّهُ يُجْمَعُ عَلَى سُوُكٍ بِالسُّكُونِ وَالْأَصْلُ بِضَمَّتَيْنِ انْتَهَى: أَيْ فَلَمَّا اُسْتُثْقِلَتْ الضَّمَّةُ عَلَى الْوَاوِ حُذِفَتْ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِالسُّكُونِ لَا غَيْرُ، وَفِيهِ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: سُكْت الشَّيْءَ أَسُوكُهُ سَوْكًا مِنْ بَابِ قَالَ: إذَا دَلَّكْته، فَقَوْلُ حَجّ: وَهُوَ مَصْدَرُ سَاكَ فَاهُ، لَمْ يُرِدْ أَنَّ الْمَصْدَرَ مَقْصُودٌ عَلَيْهِ، بَلْ مُرَادُهُ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ اُسْتُعْمِلَ مَصْدَرًا كَمَا اُسْتُعْمِلَ اسْمًا لِلْآلَةِ.
[فَائِدَةٌ] قَالَ فِي الْأَوَائِلِ: أَوَّلُ مَنْ اسْتَاكَ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ وَسَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ: «هِيَ، أَيْ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ، سِوَاكِي وَسِوَاكُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي»
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عُودٍ أَوْ نَحْوِهِ كَأُشْنَانٍ فِي أَسْنَانٍ وَمَا حَوْلَهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» وَفِي رِوَايَةٍ «لَفَرَضْت عَلَيْهِمْ السِّوَاكَ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» وَسَوَاءٌ فِي اسْتِحْبَابِهِ لَهُ أَكَانَ حَالَ شُرُوعِهِ فِيهِ أَمْ فِي أَثْنَائِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي التَّسْمِيَةِ، وَبَدْؤُهُ بِالسِّوَاكِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ أَوَّلُ السُّنَنِ وَهُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ جَمْعٌ، وَجَرَى بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهَا غَسْلُ كَفَّيْهِ، وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ: أَوَّلُ سُنَّتِهِ الْفِعْلِيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ السِّوَاكُ، وَأَوَّلُ الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي مِنْهُ غَسْلُ كَفَّيْهِ.
وَأَوَّلُ الْقَوْلِيَّةِ التَّسْمِيَةُ، فَيَنْوِي مَعَهَا عِنْدَ غَسْلِ كَفَّيْهِ بِأَنْ يَقْرُنَهَا بِهَا عِنْدَ أَوَّلِ غَسْلِهِمَا ثُمَّ يَتَلَفَّظَ بِهَا سِرًّا عَقِبَ التَّسْمِيَةِ، فَالْمُرَادُ بِتَقْدِيمِ النِّيَّةِ عَلَى غَسْلِ الْكَفَّيْنِ الْوَاقِعِ فِي كَلَامِهِمْ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْفَرَاغِ مِنْهُ، وَبِمَا تَقَرَّرَ يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ قَرْنُهَا بِهَا مُسْتَحِيلٌ لِنَدْبِ التَّلَفُّظِ بِهَا، وَلَا يُعْقَلُ التَّلَفُّظُ مَعَ التَّسْمِيَةِ وَلَا يَخْتَصُّ طَلَبُهُ بِالْوُضُوءِ فَيُسَنُّ لِكُلِّ غَسْلٍ أَوْ تَيَمُّمٍ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ بِهِ، وَسُنَّ كَوْنُهُ (عَرْضًا) أَيْ عَرْضَ الْأَسْنَانِ ظَاهِرُهَا وَبَاطِنُهَا، وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَبْدَأَ بِجَانِبِ فَمِهِ الْأَيْمَنِ
[حاشية الشبراملسي]
وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَلْ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ نَبِيِّنَا وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا ثَبَتَ لِنَبِيٍّ ثَبَتَ لِأُمَّتِهِ، إلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ سَائِرُ أُمَمِ الْأَنْبِيَاءِ، هَذَا وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَسِوَاكُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» قَدْ يُفِيدُ عُمُومُهُ لِسَائِرِهِمْ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْأَوَائِلِ مِنْ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ اسْتَاكَ إبْرَاهِيمُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِسِوَاكِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ سِوَاكُ مَجْمُوعِهِمْ لَا كُلِّ وَاحِدٍ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: فِي الْأَسْنَانِ) زَادَ حَجّ: وَأَقَلُّهُ مَرَّةٌ إلَّا إنْ كَانَ لِتَغَيُّرٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَتِهِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَيُحْتَمَلُ الِاكْتِفَاءُ بِمَا فِيهِ أَيْضًا لِأَنَّهَا تُخَفِّفُهُ (قَوْلُهُ: وَمَا حَوْلَهَا) فِيهِ قُصُورٌ إذْ لَا يَشْمَلُ اللِّسَانَ وَلَا سَقْفَ الْحَنَكِ مَعَ أَنَّهُ يُطْلَبُ فِيهِمَا، إلَّا أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِمَا حَوْلَهَا مَا يَقْرُبُ مِنْهَا (قَوْلُهُ: لَأَمَرْتُهُمْ) أَيْ أَمْرَ إيجَابٍ.
وَمَحَلُّهُ بَيْنَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ وَالْمَضْمَضَةِ اهـ حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ لَفَرَضْت) فَإِنْ قُلْت: هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِالْفَرْضِ، وَإِنَّمَا يُبَلِّغُ مَا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى قُلْنَا: أُجِيبُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فُرِضَ إلَيْهِ ذَلِكَ بِأَنْ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَمْرَ إيجَابٍ وَأَمْرَ نَدْبٍ، فَاخْتَارَ الْأَسْهَلَ لَهُمْ «وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَءُوفًا رَحِيمًا» (قَوْلُهُ: الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ) أَيْ وَلَيْسَتْ مِنْهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ الَّتِي مِنْهُ.
وَقَدْ يُشْكِلُ بِمَا قَالُوهُ إنَّ مَحَلَّهُ بَعْدَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ: أَيْ عَلَى مُعْظَمِهِ، وَعِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ إلَخْ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلسُّنَنِ الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي مِنْهُ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلسُّنَنِ الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْهُ فَأَوَّلُهُ السِّوَاكُ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلسُّنَنِ الْقَوْلِيَّةِ فَأَوَّلُهُ التَّسْمِيَةُ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ انْتَهَى رَمْلِيٌّ.
وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ جَرَى عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُ التَّسْمِيَةُ، وَهَذَا لَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَجَرَى بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهَا غَسْلُ كَفَّيْهِ وَإِنْ أَشْعَرَ الْجَمْعُ بِأَنَّ فِيهِ الْأَقْوَالَ الْمَذْكُورَةَ (قَوْلُهُ: قَرَنَهَا بِهَا) الضَّمِيرُ فِي قَرَنَهَا لِلنِّيَّةِ وَفِي بِهَا لِلتَّسْمِيَةِ (قَوْلُهُ: فَيُسَنُّ لِكُلِّ غَسْلٍ إلَخْ) أَيْ وَإِنْ اسْتَاكَ لِلْوُضُوءِ قَبْلَهُ عَلَى الْأَوْجَهِ وِفَاقًا لمر انْتَهَى سم عَلَى حَجّ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ فِيهِمَا عِنْدَ إرَادَةِ الشُّرُوعِ فِي الْغُسْلِ وَإِرَادَةِ الضَّرْبِ فِي التَّيَمُّمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِي الْغُسْلِ قُبَيْلَ الْمَضْمَضَةِ بَعْدَ فِعْلِ مَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ عَنْ حَجّ (قَوْلُهُ: بِجَانِبِ فَمِهِ الْأَيْمَنِ) الْمُتَبَادِرُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَبْدَأُ بِجَانِبِهِ الْأَيْمَنِ فَيَسْتَوْعِبُهُ إلَى
[حاشية الرشيدي]
[سُنَنُ الْوُضُوءِ]
قَوْلُهُ: عَقِبَ التَّسْمِيَةِ) لَا يَخْفَى أَنَّ حُكْمَ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ مُسَاعَدَةُ اللِّسَانِ الْقَلْبَ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ عِنْدَ تَقَارُنِ فِعْلِ اللِّسَانِ، وَالْقَلْبِ أَوْ تَقَدُّمِ التَّلَفُّظِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، بِخِلَافِ تَأْخِيرِ التَّلَفُّظِ (قَوْلُهُ: وَبِمَا تَقَرَّرَ يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ قَرْنُهَا بِهَا مُسْتَحِيلٌ) دَفْعُ اسْتِحَالَةِ الْمُقَارَنَةِ لَمْ يَحْصُلْ بِمَا أَجَابَ بِهِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ إيقَاعِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْمُقَارَنَةِ الْمُسْتَحِيلَةِ فَفِيهِ اعْتِرَافٌ بِاسْتِحَالَةِ الْمُقَارَنَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي قَالَهَا الْمُعْتَرِضُ
وَيَذْهَبَ إلَى الْوَسَطِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ وَيَذْهَبَ إلَيْهِ، وَيُكْرَهُ طُولًا لِأَنَّهُ قَدْ يُدْمِي اللِّثَةَ وَيُفْسِدُهَا إلَّا فِي اللِّسَانِ، فَيُسَنُّ فِيهِ، وَالْكَرَاهَةُ لَا تُنَافِي الْإِجْزَاءَ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الِاسْتِيَاكِ بِالْمِبْرَدِ فَيُكْرَهُ لِإِزَالَتِهِ جُزْءًا، وَقَدْ يَحْرُمُ كَأَنْ فَعَلَهُ بِضَارٍّ، وَيُجْزِئُ فِي الْحَالَتَيْنِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ إزَالَةِ الْقَلَحِ بِهِ.
وَيُسَنُّ غَسْلُهُ لِلِاسْتِيَاكِ بِهِ ثَانِيًا إنْ عَلِقَ بِهِ قَذَرٌ، وَيُنْدَبُ بَلْعُ الرِّيقِ أَوَّلَ الِاسْتِيَاكِ وَيَحْصُلُ (بِكُلِّ خَشِنٍ) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا فَلَا يَكْفِي النَّجِسُ فِيمَا يَظْهَرُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ» وَهَذَا مَنْجَسَةٌ لَهُ، وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ لِإِزَالَةِ تَغَيُّرٍ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تُبَاشِرُهُ، وَبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي نَحْوِ الِاسْتِنْثَارِ، وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ الْمَضْمَضَةُ بِنَحْوِ مَاءِ الْغَاسُولِ وَإِنْ أَنْقَى الْأَسْنَانَ وَأَزَالَ الْقَلَحَ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى سِوَاكًا بِخِلَافِهِ بِالْغَاسُولِ نَفْسِهِ، وَأَوْلَاهُ الْأَرَاكُ،
[حاشية الشبراملسي]
الْوَسَطِ بِاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ فِي الْأَسْنَانِ الْعُلْيَا وَالسُّفْلَى ظَهْرًا وَبَطْنًا إلَى الْوَسَطِ، وَيَبْقَى الْكَلَامُ حَيْثُ لَمْ يَعُمَّ السِّوَاكُ الْعُلْيَا وَالسُّفْلَى فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، هَلْ يَبْدَأُ بِالْعُلْيَا فَيَسْتَوْعِبُهَا إلَى الْوَسَطِ ثُمَّ الْيُمْنَى كَذَلِكَ أَوْ بِالسُّفْلَى؟ أَوْ يَسْتَوْعِبُ ظَهْرَ الْأَسْنَانِ مِنْ الْعُلْيَا وَالسُّفْلَى ثُمَّ بَاطِنَهَا؟ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ تِلْكَ الْكَيْفِيَّاتِ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ (قَوْلُهُ: وَيَذْهَبُ إلَيْهِ) هَذَا فِي ظَاهِرِ الْأَسْنَانِ، أَمَّا بَاطِنُهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَخَيَّرَ فِيهِ بَيْنَ الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ لَكِنَّ إطْلَاقَهُ الْمُتَقَدِّمَ يُخَالِفُهُ (قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ طُولًا) أَيْ فِي عَرْضِ الْأَسْنَانِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ أَوَّلًا: أَيْ عَرْضَ الْأَسْنَانِ، وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّ إلَّا فِي قَوْلِهِ الْآتِي إلَّا اللِّسَانَ بِمَعْنَى غَيْرٍ، إذْ اللِّسَانُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي عِبَارَتِهِ حَتَّى يَسْتَثْنِيَهُ، وَمُقْتَضَى تَخْصِيصِ الْعَرْضِ بِعَرْضِ الْأَسْنَانِ وَالطُّولِ بِاللِّسَانِ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ فِيمَا عَدَاهُمَا مِمَّا يَمُرُّ عَلَيْهِ السِّوَاكُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ طُولًا كَاللِّسَانِ فِي غَيْرِ اللِّثَةِ، أَمَّا هِيَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَرْضًا لِأَنَّهُ عَلَّلَ كَرَاهَةَ الطُّولِ فِي الْأَسْنَانِ بِالْخَوْفِ مِنْ إدْمَاءِ اللِّثَةِ (قَوْلُهُ إلَّا فِي اللِّسَانِ) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ السِّوَاكَ عَلَى سَقْفِ فَمِهِ بِلُطْفٍ وَعَلَى كَرَاسِيِّ أَضْرَاسِهِ انْتَهَى خَطِيبٌ.
قُلْت: وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ اسْتِعْمَالَهُ فِي كَرَاسِيِّ الْأَضْرَاسِ تَتْمِيمًا لِلْأَسْنَانِ، ثُمَّ بَعْدَ الْأَسْنَانِ اللِّسَانُ، وَبَعْدَ اللِّسَانِ سَقْفُ الْحَنَكِ (قَوْلُهُ: بِالْمِبْرَدِ) كَمِنْبَرٍ لِأَنَّهُ اسْمُ آلَةٍ (قَوْلُهُ: لِإِزَالَتِهِ جُزْءًا) أَيْ وَلِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إلَى كَسْرِهَا (قَوْلُهُ: كَأَنْ فَعَلَهُ بِضَارٍّ) كَالنَّبَاتَاتِ السُّمِّيَّةِ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ غَسْلُهُ) زَادَ حَجّ قَبْلَ وَضْعِهِ: كَمَا إذَا أَرَادَ الِاسْتِيَاكَ بِهِ ثَانِيًا وَقَدْ حَصَلَ بِهِ نَحْوُ رِيحٍ (قَوْلُهُ وَيُنْدَبُ بَلْعُ الرِّيقِ) وَلَعَلَّ حِكْمَتَهُ التَّبَرُّكُ بِمَا يَحْصُلُ فِي أَوَّلِ الْعِبَادَةِ.
وَيَفْعَلُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السِّوَاكُ جَدِيدًا.
وَعِبَارَةُ فَتَاوَى الشَّارِحِ: الْمُرَادُ بِأَوَّلِ السِّوَاكِ مَا اجْتَمَعَ فِي فِيهِ مِنْ رِيقِهِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السِّوَاكِ اهـ (قَوْلُهُ: أَوَّلُ الِاسْتِيَاكِ) اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِأَوَّلِهِ، وَلَعَلَّهُ الْمَرَّةُ الَّتِي يَأْتِي بِهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ تَارِكًا لَهُ (قَوْلُهُ: فَلَا يَكْفِي النَّجِسُ) خِلَافًا حَجّ.
وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ عَدَمِ إجْزَاءِ النَّجِسِ وَإِجْزَاءِ الضَّارِّ كَالنَّبَاتَاتِ السُّمِّيَّةِ وَالْمِبْرَدِ مَعَ أَنَّ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا مُحَرَّمٌ وَالثَّانِيَ مَكْرُوهٌ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَ النَّجِسِ مُنَافٍ لِلْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّ الْحُرْمَةَ أَوْ الْكَرَاهَةَ فِيهِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ لَا يُنَافِي مَقْصُودَ السِّوَاكِ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ حَجّ مِنْ إجْزَاءِ النَّجِسِ يَمْنَعُ مُنَافَاتَهُ لِلْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّهَارَةِ فِيهِ الطَّهَارَةُ اللُّغَوِيَّةُ، وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلَهُ فَلَا يَكْفِي النَّجِسُ: أَيْ ابْتِدَاءً، وَأَمَّا لَوْ اسْتَعْمَلَ السِّوَاكَ فَدَمِيَتْ لِثَتُهُ فَلَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ (قَوْلُهُ: مَطْهَرَةٌ) ضَبَطَهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ كَالْمَحَلِّيِّ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، وَانْظُرْ مَا وَجْهُ فَتْحِهَا مَعَ أَنَّهُ اسْمُ آلَةٍ وَالْقِيَاسُ الْكَسْرُ، وَقَدْ يُوَجَّهُ الْفَتْحُ بِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ: أَيْ السِّوَاكُ طَهَارَةٌ لِلْفَمِ، ثُمَّ رَأَيْته فِي حَجّ وَنَصُّهُ: مِطْهَرَةٌ أَيْ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ التَّطْهِيرِ أَوْ اسْمٌ لِلْآلَةِ انْتَهَى (قَوْلُهُ: لِإِزَالَةِ تَغَيُّرٍ) وَيَتَّجِهُ الْكَرَاهَةُ إذَا اسْتَاكَ لِإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ احْتَاجَ لِلسِّوَاكِ فِي إزَالَتِهَا كَالدُّسُومَةِ النَّجِسَةِ انْتَهَى قم.
وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ بِأَنَّ الْيَدَ لَا تُبَاشِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ (قَوْلُهُ: فِي نَحْوِ الِاسْتِنْثَارِ) بِالْمُثَنَّاةِ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ (قَوْلُهُ: وَأَوْلَاهُ الْأَرَاكُ) قَالَ حَجّ: لِلِاتِّبَاعِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي نَحْوِ الِاسْتِنْثَارِ) أَيْ الدَّاخِلِ فِي قَوْلِهِ السَّابِقِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ؛ إذْ الْيُسْرَى لِلْأَذَى، وَالْيُمْنَى لِغَيْرِهِ
فَالنَّخْلُ فَذُو الرِّيحِ الطَّيِّبِ فَالْيَابِسُ الْمُنَدَّى بِالْمَاءِ فَبِمَاءِ الْوَرْدِ فَبِغَيْرِهِ كَالرِّيقِ فَالْعُودُ، وَيُسَنُّ السِّوَاكُ بِالزَّيْتُونِ لِأَنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ، وَوَرَدَ «هِيَ سِوَاكِي وَسِوَاكُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» وَحِينَئِذٍ فَيَظْهَرُ كَوْنُهُ بَعْدَ النَّخْلِ، وَلَا يُكْرَهُ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، وَيَحْرُمُ بِدُونِهِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ رِضَاهُ بِهِ (إلَّا أُصْبُعَهُ) وَلَوْ خَشِنَةً فَلَا تَكْفِي (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْهُ فَلَا تَحْسُنُ أَنْ تَكُونَ سِوَاكًا، وَالثَّانِي وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَجْمُوعِ إجْزَاؤُهَا بِالْخَشِنَةِ.
أَمَّا أُصْبُعُ غَيْرِ الْمُتَّصِلَةِ الْخَشِنَةِ فَتُجْزِئُ، فَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً وَلَوْ مِنْهُ فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ إجْزَائِهَا وَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهَا كَالِاسْتِنْجَاءِ بِجَامِعِ الْإِزَالَةِ كَمَا بَحَثَهُ الْبَدْرُ بْنُ شُهْبَةَ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ: وَالِاسْتِيَاكُ عِنْدِي فِي مَعْنَى الِاسْتِجْمَارِ انْتَهَى.
وَإِنْ جَرَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى إجْزَائِهَا، وَنَبَّهَ فِي الدَّقَائِقِ عَلَى زِيَادَةِ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى الْمُحَرَّرِ (وَيُسَنُّ لِلصَّلَاةِ) وَلَوْ نَفْلًا أَوْ سَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَوْ كَانَ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ أَوْ كَانَ مُتَيَمِّمًا أَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَلِسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ،
[حاشية الشبراملسي]
طِيبِ طَعْمٍ وَرِيحٍ وَتَشْعِيرَةٍ لَطِيفَةٍ تُنَقِّي مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ بِسَائِرِ أَقْسَامِهِ عَلَى مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: فَالنَّخْلُ) قَالَ حَجّ: «لِأَنَّهُ آخِرُ سِوَاكٍ اسْتَاكَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، وَصَحَّ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ أَرَاكًا لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ، أَوْ كُلُّ رَاوٍ قَالَ بِحَسَبِ عِلْمِهِ انْتَهَى حَجّ (قَوْلُهُ فَذُو الرِّيحِ الطَّيِّبِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُحَرَّمِ وَغَيْرِهِ.
وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْمُحَرَّمَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا يُعَدُّ طَيِّبًا فِي الْعُرْفِ، بِخِلَافِ زَهْرِ الْبَادِيَةِ وَإِنْ كَانَ طَيِّبَ الرِّيحِ.
وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ: قَوْلُهُ بِكُلِّ خَشِنٍ وَلَوْ مُطَيِّبًا لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ وَالْمُحِدَّةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ انْتَهَى فَيْضٌ: وَتَقْيِيدُهُ بِالْمُطَيِّبِ يُخْرِجُ مَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ فِي نَفْسِهِ كَكَثِيرِ الْأَعْشَابِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: فَالْيَابِسُ الْمُنَدَّى) أَيْ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ (قَوْلُهُ: مَاءِ الْوَرْدِ) أَيْ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُحْرِمِ (قَوْلُهُ: فَبِغَيْرِهِ) ظَاهِرُهُ اسْتِوَاءُ الْمُنَدَّيَاتِ بِغَيْرِ مَاءِ الْوَرْدِ مِنْ الرِّيقِ وَنَحْوِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهَا مَا نَدَى بِمَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ كَمَاءِ الزَّهْرِ فَيَكُونَ كَمَاءِ الْوَرْدِ، وَقَدْ تُشْعِرُ عِبَارَتُهُ أَيْضًا بِأَنَّ الرَّطْبَ وَالْيَابِسَ الَّذِي لَمْ يُنَدَّ أَصْلًا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، لَكِنَّ عِبَارَةَ حَجّ: وَيَظْهَرُ أَنَّ الْيَابِسَ الْمُنَدَّى بِغَيْرِ الْمَاءِ أَوْلَى مِنْ الرَّطْبِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِزَالَةِ (قَوْلُهُ: فَالْعُودُ) يُتَأَمَّلُ الْمُرَادُ بِالْعُودِ هُنَا، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْعُودَ الْمَعْرُوفَ فَقَدْ دَخَلَ فِي ذِي الرِّيحِ الطَّيِّبِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ غَيْرَهُ فَلَمْ يُبَيِّنْهُ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْعُودِ وَاحِدُ الْعِيدَانِ مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ كَالْحَطَبِ وَغَيْرِهِ.
هَذَا وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْعُودِ عَلَى الرَّطْبِ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ (قَوْلُهُ: وَلَا يُكْرَهُ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ) قَالَ حَجّ: لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى إلَّا لِلتَّبَرُّكِ كَمَا فَعَلَتْهُ عَائِشَةُ اهـ: أَيْ فَيَكُونُ سُنَّةً (قَوْلُهُ: أُصْبُعُ غَيْرِهِ الْمُتَّصِلَةُ إلَخْ) أَيْ إذَا كَانَ صَاحِبُهَا حَيًّا أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مِنْهُ) أَخْذُهُ غَايَةٌ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَى الِاكْتِفَاءِ بِأُصْبُعِهِ الْمُنْفَصِلَةِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ: أَيْ أَوْ الْمُنْفَصِلَةُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ حَجّ (قَوْلُهُ: بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ) مِنْهُمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَنْهَجِهِ (قَوْلُهُ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ) الْمُسْتَثْنَى هُوَ قَوْلُهُ إلَّا أُصْبُعَهُ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ قَوْلُ الْمَتْنِ بِكُلِّ خَشِنٍ (قَوْلُهُ: وَلِسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ) وَيَكُونُ مَحَلُّهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْقِرَاءَةِ لِآيَةِ السَّجْدَةِ قَبْلَ الْهُوِيِّ لِلسُّجُودِ حَجّ وَيَفْعَلُهُ الْقَارِئُ بَعْدَ فَرَاغِ الْآيَةِ، وَكَذَا السَّامِعُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ إذْ لَا يَدْخُلُ وَقْتُهَا فِي حَقِّهِ أَيْضًا إلَّا بِهِ.
فَمَنْ قَالَ يُقَدِّمُهُ عَلَيْهِ لِتَتَّصِلَ هِيَ بِهِ لَعَلَّهُ لِرِعَايَةِ الْأَفْضَلِ اهـ حَجّ.
أَقُولُ: فَإِنْ قُلْت قَضِيَّةُ قَوْلِهِ
[حاشية الرشيدي]
إنْ قُرِئَ الِاسْتِنْثَارُ هُنَا بِالْمُثَلَّثَةِ، وَيَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِالْمُثَنَّاةِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ، فَمُرَادُهُ بِهِ نَتْرُ الذَّكَرِ الْمُتَقَدِّمِ ثَمَّ (قَوْلُهُ: فَالْيَابِسُ الْمُنَدَّى إلَخْ) كَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ أَوْلَاهُ الْأَرَاكُ فَالنَّخْلُ فَذُو الرِّيحِ الطَّيِّبِ مِنْ غَيْرِهِمَا فَالْعُودُ: أَيْ غَيْرِ ذِي الرِّيحِ الطَّيِّبِ، وَالْيَابِسُ الْمُنَدَّى بِالْمَاءِ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ الْمُنَدَّى بِمَاءِ الْوَرْدِ وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَتُهُ تَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ وَهِيَ عِبَارَةُ شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِلشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ: وَيَحْصُلُ السِّوَاكُ بِخِرْقَةٍ وَكُلِّ خَشِنٍ مُزِيلٍ، لَكِنَّ الْعُودَ أَوْلَى، وَالْأَرَاكُ مِنْهُ أَوْلَى، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بِيَابِسٍ نُدِّيَ بِالْمَاءِ
وَإِنْ اسْتَاكَ لِلْقِرَاءَةِ أَوْ شُكْرٍ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَكْعَتَانِ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِلَا سِوَاكٍ» وَالْمُعْتَمَدُ تَفْضِيلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَإِنْ قُلْنَا بِسُنِّيَّتِهَا عَلَى صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ بِسِوَاكٍ لِكَثْرَةِ الْفَوَائِدِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا إذْ هِيَ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ فَائِدَةً، وَحِينَئِذٍ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ وَخَبَرِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، لِأَنَّ الدَّرَجَاتِ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ قَدْ تَعْدِلُ الْوَاحِدَةُ مِنْهَا كَثِيرًا مِنْ الرَّكَعَاتِ بِسِوَاكٍ، وَلَوْ نَسِيَهُ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ تَدَارَكَهُ بِفِعْلٍ قَلِيلٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ ظَاهِرٌ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ الْكَفُّ مَطْلُوبًا فِيهَا لَكِنَّهُ عَارَضَهُ طَلَبُ السِّوَاكِ لَهَا وَتَدَارُكُهُ فِيهَا مُمْكِنٌ.
أَلَا تَرَى طَلَبَ الشَّارِعِ دَفْعَ الْمَارِّ فِيهَا وَالتَّصْفِيقَ بِشَرْطِهِ وَجَذْبَ مَنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ إلَى يَمِينِهِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ فِعْلًا، فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّدَارُكِ مُعَلَّلًا بِمَا مَرَّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يُنْدَبُ لَهَا وَإِنْ اسْتَاكَ لِلْوُضُوءِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَمُهُ وَقَرُبَ الْفَصْلُ.
وَيُسَنُّ لِلطَّوَافِ وَلَوْ نَفْلًا (وَتَغَيُّرِ الْفَمِ) أَيْ نَكْهَتِهِ بِنَحْوِ نَوْمٍ وَسُكُوتٍ وَأَكْلِ كَرِيهٍ، وَأَفْهَمَ تَعْبِيرُهُ بِالْفَمِ دُونَ السِّنِّ نَدْبَهُ لِتَغَيُّرِ فَمِ مَنْ لَا سِنَّ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، إذْ يُسَنُّ لَهُ الِاسْتِيَاكُ مُطْلَقًا وَيَتَأَكَّدُ لَهُ عِنْدَمَا يَتَأَكَّدُ لِغَيْرِهِ كَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ
[حاشية الشبراملسي]
وَكَذَا السَّامِعُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَاكَ قَبْلَ فَرَاغِ الْقَارِئِ مِنْ الْآيَةِ لَا تَحْصُلُ لَهُ السُّنَّةُ بَلْ قَدْ يَقْتَضِي الْحُرْمَةَ لِتَعَاطِيهِ عِبَادَةً قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَهِيَ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ: قُلْت: يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ لَا يُطْلَبُ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي حَقِّ السَّامِعِ التَّهَيُّؤُ لِلسُّجُودِ عَقِبَ الْقِرَاءَةِ بِفِعْلِ مَا هُوَ وَسِيلَةٌ لَهُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِرَاءَةِ، وَنَظِيرُهُ الْوُضُوءُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ فِعْلُهُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِيَتَهَيَّأَ لِلْعِبَادَةِ عَقِبَ دُخُولِ وَقْتِهَا.
لَا يُقَالُ يُشْكِلُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ السِّوَاكِ قَبْلَ الْوَقْتِ حُرْمَةُ الْأَذَانِ قَبْلَهُ لِاشْتِغَالِهِ بِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ.
لِأَنَّا نَقُولُ: الْأَذَانُ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ فَفِعْلُهُ قَبْلَهُ يُنَافِي مَا شُرِعَ لَهُ بَلْ فِعْلُهُ قَبْلَهُ يُوقِعُ فِي لَبْسٍ، بِخِلَافِ السِّوَاكِ فَإِنَّهُ شُرِعَ لِشَيْءٍ يُفْعَلُ بَعْدَهُ لِيَكُونَ عَلَى الْحَالَةِ الْكَامِلَةِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِفِعْلِهِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ، ثُمَّ رَأَيْت سم عَلَى حَجّ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اسْتَاكَ لِلْقِرَاءَةِ) هَذَا مَحَلُّهُ إذَا كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا وَسَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ الِاسْتِيَاكُ لِانْسِحَابِ السِّوَاكِ الْأَوَّلِ عَلَى الصَّلَاةِ وَتَوَابِعِهَا، وَلَوْ فَرَغَ مِنْ السُّجُودِ وَأَرَادَ الْقِرَاءَةَ بَنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَتَعَوَّذُ لِلْقِرَاءَةِ بَعْدَ السُّجُودِ أَوْ لَا؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالْأَصَحُّ الثَّانِي وَعَلَيْهِ فَلَا يَسْتَاكُ لِلْقِرَاءَةِ كَذَا نَقَلَ عَنْ شَرْحِ الْعُبَابِ حَجّ، غَيْرَ أَنَّ مَا أَطْلَقَهُ مِنْ عَدَمِ اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ عُلِّلَ بِأَنَّ وَجْهَهُ عَدَمُ طُولِ الْفَصْلِ بِالسُّجُودِ.
وَقَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ طَالَ سُجُودُهُ اُسْتُحِبَّ التَّعَوُّذُ، وَقِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ، وَقَدْ يُفَرَّقُ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي قَوْلِهِ السَّابِقِ بَنَى ذَلِكَ أَنَّهُ هَلْ إلَخْ، فَإِنَّ مَحَلَّ التَّرَدُّدِ فِيمَا لَوْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ أَرَادَ الْقِرَاءَةَ بَعْدَهُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ لَيْسَ فِيهَا سِوَاكٌ (قَوْلُهُ: أَوْ شُكْرٍ) وَيَكُونُ وَقْتُهُ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ السُّجُودِ (قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ تَفْضِيلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) أَيْ بِلَا سِوَاكٍ (قَوْلُهُ بَيْنَ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ) هُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَكْعَتَانِ بِسِوَاكٍ» إلَخْ (قَوْلُهُ: ثُمَّ تَدَارَكَهُ) أَيْ فِي الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: أَلَا تَرَى) أَيْ تَعْلَمُ (قَوْلُهُ فَالْقَوْلُ إلَخْ) قَائِلُهُ الْخَطِيبُ (قَوْلُهُ وَتَغَيُّرِ الْفَمِ) قَدْ يَشْمَلُ الْفَمَ فِي وَجْهٍ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ كَالْوَجْهِ الثَّانِي الَّذِي فِي جِهَةِ الْقَفَا وَلَيْسَ بَعِيدًا اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ، وَمِثْلُهُ عَلَى حَجّ، وَعِبَارَتُهُ: وَهَلْ يُطْلَبُ السِّوَاكُ لِلْفَمِ الَّذِي فِيهِ: أَيْ الْوَجْهِ الثَّانِي وَيَتَأَكَّدُ لِتَغَيُّرِهِ وَلِلصَّلَاةِ فِيهِ نَظَرٌ وَالطَّلَبُ غَيْرُ بَعِيدٍ (قَوْلُهُ: كَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ) كَالتَّسْمِيَةِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ لِكَثْرَةِ الْفَوَائِدِ الْمُتَرَتِّبَةِ إلَخْ) فِي هَذَا السِّيَاقِ فِي أَدَاءِ الْمَقْصُودِ قَلَاقَةٌ، وَعِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ: وَلَيْسَ فِيهِ أَفْضَلِيَّتُهُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الَّتِي هِيَ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّحِدَ الْجَزَاءُ فِي الْحَدِيثَيْنِ؛ لِأَنَّ دَرَجَةً مِنْ هَذِهِ قَدْ تَعْدِلُ كَثِيرًا مِنْ تِلْكَ السَّبْعِينَ رَكْعَةً
أَوْ حَدِيثٍ أَوْ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ، وَبَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ كَوْنَهُ قَبْلَ التَّعَوُّذِ لِلْقِرَاءَةِ (وَلَا يُكْرَهُ) بِحَالٍ (إلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ) وَإِنْ كَانَ نَفْلًا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» وَالْخُلُوفُ بِضَمِّ الْخَاءِ: تَغَيُّرُ رَائِحَةِ الْفَمِ، وَالْمُرَادُ الْخُلُوفُ بَعْدَ الزَّوَالِ لِخَبَرِ «أُعْطِيت أُمَّتِي فِي رَمَضَانَ خَمْسًا، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُمْ يُمْسُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» وَالْمَسَاءُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَخَصَّصْنَا عُمُومَ الْأَوَّلِ الدَّالِ عَلَى الطِّيبِ مُطْلَقًا بِمَفْهُومِ هَذَا، وَلِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ مَشْهُودٌ لَهُ بِالطِّيبِ فَكُرِهَ إزَالَتُهُ كَدَمِ الشَّهِيدِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ كَمَا حَرُمَتْ إزَالَةُ دَمِ الشَّهِيدِ لِمُعَارَضَتِهِ فِي الصَّائِمِ بِتَأَذِّيه وَغَيْرَهُ بِرَائِحَتِهِ فَأُبِيحَ لَهُ إزَالَتُهُ، حَتَّى أَنَّ لَنَا قَوْلًا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ إنَّهَا لَا تُكْرَهُ، بِخِلَافِ دَمِ الشَّهِيدِ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَارِضْهُ فِي فَضِيلَتِهِ شَيْءٌ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَاكَ مُتَصَرِّفٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِزَالَةُ دَمِ
[حاشية الشبراملسي]
أَوَّلُ الْوُضُوءِ وَلِدُخُولِ مَسْجِدٍ وَلَوْ خَالِيًا وَمَنْزِلٍ وَلَوْ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ تَقْيِيدُهُ بِغَيْرِ الْخَالِي، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ بِأَنَّ مَلَائِكَتَهُ أَفْضَلُ فَرُوعُوا كَمَا رُوعُوا بِكَرَاهَةِ دُخُولِهِ خَالِيًا لِمَنْ أَكَلَ كَرِيهًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ التَّسْوِيَةُ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ اهـ حَجّ.
وَعَلَيْهِ فَيُسْتَحَبُّ السِّوَاكُ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ لِأَجْلِ التَّسْمِيَةِ وَبَعْدَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ لِأَجْلِ الْوُضُوءِ.
[فَائِدَةٌ] لَوْ نَذَرَ السِّوَاكَ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِيهِ مِنْ دَلْكِ الْأَسْنَانِ وَمَا حَوْلَهَا أَمْ يَشْمَلُ اللِّسَانَ وَسَقْفَ الْحَلْقِ فَيَخْرُجُ مِنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ بِإِمْرَارِهِ عَلَى اللِّسَانِ وَسَقْفِ الْحَلْقِ فَقَطْ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ «إذَا اسْتَكْتُمْ فَاسْتَاكُوا عَرْضًا» وَلِتَفْسِيرِهِمْ السِّوَاكَ شَرْعًا بِأَنَّهُ اسْتِعْمَالُ عُودٍ وَنَحْوِهِ فِي الْأَسْنَانِ وَمَا حَوْلَهَا (قَوْلُهُ: أَوْ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ) أَيْ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالشَّرْعِ فَتَدْخُلُ الْآلَاتُ، وَبِهِ صَرَّحَ حَجّ (قَوْلُهُ: إلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ مَاتَ فَلَا يُكْرَهُ تَسْوِيكُهُ لِأَنَّ الصَّوْمَ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ، وَنُقِلَ عَنْ فَتَاوَى الشَّارِحِ مَا يُوَافِقُهُ (قَوْلُهُ: بَعْدَ الزَّوَالِ) وَأَلْحَقَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ الْمُمْسِكَ لِنَحْوِ فَقْدِ النِّيَّةِ انْتَهَى سم عَلَى أَبِي شُجَاعٍ.
وَعِبَارَةُ الْخَطِيبِ عَلَى التَّنْبِيهِ: وَخَرَجَ بِالصَّائِمِ الْمُمْسِكُ كَمَنْ نَسِيَ نِيَّةَ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِصَائِمٍ حَقِيقَةً فَلَا يُكْرَهُ لَهُ السِّوَاكُ انْتَهَى.
لَكِنَّهُ فِي شَرْحِ الْغَايَةِ اقْتَصَرَ عَلَى نَقْلِ مَا مَرَّ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ فَرَاجِعْ (قَوْلُهُ: وَالْخُلُوفُ بِضَمِّ الْخَاءِ) قَالَ حَجّ: وَتُفْتَحُ فِي لُغَةٍ شَاذَّةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ السُّيُوطِيّ فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي بِشَرْحِ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ بِضَمِّ الْخَاءِ لَا غَيْرُ.
هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ، وَلَمْ يَحْكِ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ وَالصِّحَاحِ غَيْرَهُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَكَثِيرٌ مِنْ الشُّيُوخِ يَرْوُونَهُ بِفَتْحِهَا.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهُوَ خَطَأٌ.
أَقُولُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا لُغَةٌ شَاذَّةٌ (قَوْلُهُ: «أُعْطِيت أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسًا أَمَّا الْأُولَى فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ نَظَرَ اللَّهُ إلَيْهِمْ، وَمَنْ نَظَرَ إلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّ خُلُوفَ أَفْوَاهِهِمْ حِينَ يُمْسُونَ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ.
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
وَأَمَّا الرَّابِعَةُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ جَنَّتَهُ، فَيَقُولُ لَهَا: اسْتَعِدِّي وَتَزَيَّنِي لِعِبَادِي أَوْشَكَ أَنْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ تَعَبِ الدُّنْيَا إلَى دَارِ كَرَامَتِي.
وَأَمَّا الْخَامِسَةُ فَإِذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ غَفَرَ لَهُمْ جَمِيعًا، فَقَالَ رَجُلٌ أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ قَالَ لَا، أَلَمْ تَرَوْا إلَى الْعُمَّالِ يَعْمَلُونَ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ وُفُّوا أُجُورَهُمْ» رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ سَعِيدٍ فِي مُسْنَدِهِ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ أَفْوَاهِهِمْ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُمْ لَا يُصْبِحُونَ كَذَلِكَ فَهَذَا الْمَفْهُومُ يُخَصِّصُ الْحَدِيثَ السَّابِقَ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ: فَخَصَّصْنَا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَأَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ) وَمَعْنَى كَوْنِهِ أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَرِضَاهُ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَ الْخَطَّابِيُّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَكُرِهَ إزَالَتُهُ كَدَمِ الشَّهِيدِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّشْبِيهَ فِي الْكَرَاهَةِ وَيُنَافِيهِ مَا بَعْدَهُ مِنْ حُرْمَةِ إزَالَةِ دَمِ الشَّهِيدِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلٍ فِي الْعِبَارَةِ
الشَّهِيدِ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ الْغَيْرِ وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ.
نَعَمْ نَظِيرُ دَمِ الشَّهِيدِ أَنْ يُسَوِّك مُكَلَّفٌ صَائِمًا بَعْدَ الزَّوَالِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَا شَكَّ كَمَا قَالَهُ فِي الْخَادِمِ فِي تَحْرِيمِهِ، وَاخْتَصَّتْ الْكَرَاهَةُ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ بِالصَّوْمِ إنَّمَا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ، بِخِلَافِهِ قَبْلَهُ فَيُحَالُ عَلَى نَوْمٍ أَوْ أَكْلٍ فِي اللَّيْلِ أَوْ نَحْوِهِمَا.
وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ وَاصَلَ وَأَصْبَحَ صَائِمًا كُرِهَ لَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ كَمَا قَالَهُ الْجِيلِيُّ، وَتَبِعَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ الْغَزِّيِّ كَصَاحِبِ الْأَنْوَارِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَوْ لِمَنْ لَمْ يَتَسَحَّرْ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ التَّغَيُّرِ قَبْلَ الزَّوَالِ أَنَّهُ يُحَالُ عَلَى التَّغَيُّرِ مِنْ الطَّعَامِ، بِخِلَافِهِ بَعْدَهُ فَأَنَاطُوهُ بِالْمَظِنَّةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْأَفْرَادِ كَالْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ، وَعُلِمَ مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَسْتَاكُ بَعْدَ الزَّوَالِ لِصَلَاةٍ أَوْ نَحْوِهَا، إذْ لَوْ طُلِبَ مِنْهُ ذَلِكَ لَزِمَ أَنْ لَا خُلُوفَ غَالِبًا إذْ لَا بُدَّ مِنْ مَجِيءِ صَلَاةٍ بَعْدَ الزَّوَالِ.
نَعَمْ إنْ تَغَيَّرَ فَمُهُ بَعْدَهُ بِنَحْوِ نَوْمٍ اسْتَاكَ لِإِزَالَتِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَوْ أَكَلَ الصَّائِمُ نَاسِيًا بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ مُكْرَهًا أَوْ مُوجَرًا مَا زَالَ بِهِ الْخُلُوفُ أَوْ قَبْلَهُ مَا مَنَعَ ظُهُورَهُ وَقُلْنَا بِعَدَمِ فِطْرِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ فَهَلْ يُكْرَهُ لَهُ السِّوَاكُ أَمْ لَا لِزَوَالِ الْمَعْنَى؟ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ مُحْتَمَلٌ وَإِطْلَاقُهُمْ يُفْهِمُ التَّعْمِيمَ، وَلَا يَجِبُ السِّوَاكُ عَلَى مَنْ تَنَجَّسَ فَمُهُ بِدُسُومَةٍ إذْ الْوَاجِبُ إزَالَتُهَا بِسِوَاكٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَمِنْ فَوَائِدِ السِّوَاكِ أَنَّهُ يُطَهِّرُ الْفَمَ وَيُرْضِي الرَّبَّ وَيُطَيِّبُ النَّكْهَةَ وَيُبَيِّضُ الْأَسْنَانَ وَيَشُدُّ اللِّثَةَ وَيُسَوِّي الظَّهْرَ وَيُبَطِّئُ الشَّيْبَ وَيُضَاعِفُ الْأَجْرَ وَيُذْكِي الْفَطِنَةَ وَيُصَفِّي الْخِلْقَةَ وَيُسَهِّلُ النَّزْعَ وَيُذَكِّرُ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ
(وَ) مِنْ سُنَنِهِ (التَّسْمِيَةُ أَوَّلُهُ) أَيْ الْوُضُوءِ وَلَوْ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ كَمَا
[حاشية الشبراملسي]
وَالْبَغَوِيُّ فَلَا يَخْتَصُّ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وِفَاقًا لِابْنِ الصَّلَاحِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَخْتَصُّ لِتَقْيِيدِهِ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذِكْرَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الْجَزَاءِ انْتَهَى ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَوْ وَاصَلَ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَتَعَاطَ مُفْطِرًا (قَوْلُهُ: كَالْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ) هَذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا مَرَّ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِلْمُوَاصِلِ قَبْلَ الزَّوَالِ مَعَ وُجُودِ الْمَظِنَّةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا يَكُونُ مَظِنَّةً مَعَ وُجُودِ مَا يُحَالُ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ الْمُوَاصَلَةَ بِمَا لَا يُحَالُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ بِوَجْهٍ كَابْتِلَاعِ رِيقِهِ بَعْدَ ظُهُورِهِ عَلَى شَفَتَيْهِ كَرَاهَةَ الِاسْتِيَاكِ بَعْدَ الْفَجْرِ لِانْتِفَاءِ مَا هُوَ مَظِنَّةٌ لِلتَّغَيُّرِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ حَجّ خِلَافُهُ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ تَمَحَّضَ التَّغَيُّرُ مِنْ الصَّوْمِ قَبْلَ الزَّوَالِ بِأَنْ لَمْ يَتَعَاطَ مُفْطِرًا يَنْشَأُ عَنْهُ تَغَيُّرٌ لَيْلًا كُرِهَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ.
وَنَقَلَ بِالدَّرْسِ عَنْ شَرْحِ الْعُبَابِ لِلشَّارِحِ مَا يُوَافِقُ مَا قَالَهُ حَجّ نَقْلًا عَنْ وَالِدِهِ، وَنَصُّ مَا نَقَلَ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ فَرْضَ الْكَلَامِ فِيمَا يُحْتَمَلُ تَغَيُّرُهُ بِهِ، أَمَّا لَوْ أَفْطَرَ بِمَا لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُحَالَ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ كَنَحْوِ سِمْسِمَةٍ أَوْ جِمَاعٍ فَحُكْمُهُ كَمَا لَوْ وَاصَلَ، أَفَادَهُ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَقَالَ إنَّ وَالِدَهُ أَفْتَى بِهِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ تَغَيَّرَ فَمُهُ بَعْدَهُ) أَيْ الزَّوَالِ (قَوْلُهُ: يُطَهِّرُ الْفَمَ) أَيْ يُنَظِّفُهُ (قَوْلُهُ: وَيُصَفِّي الْخِلْقَةَ) أَيْ لَوْنَ الْبَدَنِ (قَوْلُهُ وَيُسَهِّلُ النَّزْعَ) مُقْتَضَى عَدِّهِ مِنْ الْخُصُوصِيَّاتِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي اسْتِعْمَالِهِ بَيْنَ وَقْتِ النَّزْعِ وَغَيْرِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ لِجَوَازِ أَنَّ هَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ جُعِلَتْ لَهُ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، يُقَالُ إنَّهُ يُسَهِّلُ خُرُوجَ الرُّوحِ لِجَوَازِ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَبْلَغُ فِي تَسْهِيلِ خُرُوجِ الرُّوحِ مِنْهُ قَبْلَ الِاحْتِضَارِ (قَوْلُهُ: وَيُذَكِّرُ الشَّهَادَةَ) . [فَائِدَةٌ] لَوْ اجْتَمَعَ فِي الشَّخْصِ خَصْلَتَانِ إحْدَاهُمَا تُذَكِّرُ الشَّهَادَةَ وَالْأُخْرَى تُنْسِيهَا كَالسِّوَاكِ وَأَكْلِ الْحَشِيشَةِ مَثَلًا هَلْ يَغْلِبُ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةُ؟ فِيهِ نَظَرٌ: وَنَقَلَ بِالدَّرْسِ عَنْ الْمُنَاوِيِّ تَغْلِيبَ الْأُولَى تَحْسِينًا لِلظَّنِّ فَلْيُرَاجَعْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: يُفْهِمُ التَّعْمِيمَ) أَيْ فَيُكْرَهُ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ فِي النَّوْمِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِلتَّغَيُّرِ هُنَاكَ لَا هُنَا
شَمِلَهُ كَلَامُهُمْ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَالْعِصْيَانُ لِعَارِضٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّئُوا بِسْمِ اللَّهِ» أَيْ قَائِلِينَ ذَلِكَ، وَأَقَلُّهَا بِسْمِ اللَّهِ، وَأَكْمَلُهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَنِعْمَتِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْمَاءَ طَهُورًا، زَادَ الْغَزَالِيُّ: رَبِّ أَعُوذُ بِك مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِك رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونَ.
وَيُسَنُّ التَّعَوُّذُ قَبْلَهَا، وَتُسَنُّ لِكُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ عِبَادَةً أَوْ غَيْرَهَا كَغُسْلٍ وَتَيَمُّمٍ وَتِلَاوَةٍ وَلَوْ مِنْ أَثْنَاءِ سُورَةٍ وَجِمَاعٍ وَذَبْحٍ وَخُرُوجٍ مِنْ مَنْزِلٍ لَا لِلصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالْأَذْكَارِ، وَتُكْرَهُ لِمَكْرُوهٍ، وَيَظْهَرُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ تَحْرِيمُهَا لِمُحَرَّمٍ (فَإِنْ تَرَكَ) التَّسْمِيَةَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ فِي أَوَّلِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ كَذَلِكَ (فَفِي أَثْنَائِهِ) يَأْتِي بِهَا تَدَارُكًا لِمَا فَاتَهُ فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يَأْتِي مَا بَعْدَ فَرَاغِ وُضُوئِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ الْأَكْلِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ) مِنْهُمْ الْأَذْرَعِيُّ كَمَا ذَكَرَهُ حَجّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ (قَوْلُهُ: زَادَ الْغَزَالِيُّ) أَيْ فِي بِدَايَةِ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مِنْ أَثْنَاءِ سُورَةٍ) شَمِلَ ذَلِكَ مَا لَوْ قَرَأَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَثْنَاءِ سُورَةٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالْمُرَادُ بِالْأَثْنَاءِ مَا بَعْدَ أَوَّلِ السُّورَةِ وَلَوْ بِنَحْوِ آيَةٍ وَقَبْلَ آخِرِهَا كَذَلِكَ، وَظَاهِرُ اقْتِصَارِهِمْ فِي بَيَانِ السُّنَّةِ عَلَى التَّسْمِيَةِ أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ التَّعَوُّذُ قَبْلَهَا فِي الْمَذْكُورَاتِ، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ مِنْ طَلَبِ التَّعَوُّذِ قَبْلَ الْبَسْمَلَةِ فِي الْوُضُوءِ طَلَبُهَا فِيمَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ وَجِمَاعٍ) قَالَ حَجّ وَلَوْ تَرَكَهَا فِي أَوَّلِهِ لَا يَأْتِي بِمَا فِي أَثْنَائِهِ لِكَرَاهَةِ الْكَلَامِ عِنْدَهُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ لِكَرَاهَةِ الْكَلَامِ عِنْدَهُ وَقِيَاسُ مَا فِي آدَابِ الْخَلَاءِ مِنْ أَنَّهُ إذَا عَطَسَ فِيهِ حَمِدَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ أَنَّهُ يُلَاحِظُ التَّسْمِيَةَ بِقَلْبِهِ بَاطِنًا هُنَا، وَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ بِأَنَّ هُنَا لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، عَلَى أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هُنَاكَ فِي أَنَّ كَرَاهَةَ الْكَلَامِ هَلْ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَكَانِ أَوْ بِحَالَةِ الشَّخْصِ فَلَا يُكْرَهُ إلَّا عِنْدَ خُرُوجِ الْخَارِجِ، وَقَالَ أَيْضًا: تَحْصُلُ بِالْإِتْيَانِ بِهَا مِنْ كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فِيمَا يَظْهَرُ انْتَهَى: قُلْت: وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا دَفْعُ الشَّيْطَانِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِتَسْمِيَتِهَا، وَنُقِلَ عَنْ الشَّارِحِ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِهَا مِنْ الْمَرْأَةِ، وَإِنَّمَا يَكْفِي مِنْ الزَّوْجِ لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ انْتَهَى.
وَفِيهِ وَقْفَةٌ (قَوْلُهُ: تَحْرِيمُهَا لِمُحَرَّمٍ) أَيْ لِذَاتِهِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، بَقِيَ الْمُبَاحَاتُ الَّتِي لَا شَرَفَ فِيهَا كَنَقْلِ مَتَاعٍ مِنْ مَكَان إلَى آخَرَ، وَقَضِيَّةُ مَا ذُكِرَ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَرَامًا وَلَا مَكْرُوهًا وَلَا ذَا بَالٍ (قَوْلُهُ: تَدَارُكًا لِمَا فَاتَهُ) قَالَ الْمَحَلِّيُّ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْوِيَ الْوُضُوءَ أَوَّلَهُ لِيُثَابَ عَلَى سُنَنِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ اهـ.
قَالَ سم عَلَى حَجّ: قَوْلُهُ لِيُثَابَ عَلَى إلَخْ قَضِيَّتُهُ حُصُولُ السُّنَّةِ مِنْ غَيْرِ ثَوَابٍ اهـ.
لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مُخْتَصَرِ الْكِفَايَةِ بِأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ أَيْضًا اهـ.
أَقُولُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ يَقَعُ عَنْ الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا، فَمُجَرَّدُ وُقُوعِهِ حَيْثُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِالنِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى الْعَادَةِ فَلَا يَكُونُ عِبَادَةً (قَوْلُهُ أَوَّلُهُ) أَيْ الْأَوْلَى ذَلِكَ، فَلَوْ تَرَكَ قَوْلَهُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ حَصَلَتْ السُّنَّةُ.
وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ فَيُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا أَنَّ كُلًّا كَافٍ فِي حُصُولِ السُّنَّةِ، وَمُرَادُهُ بِالْأَوَّلِ مَا قَابَلَ الْآخِرَ فَيَدْخُلُ الْوَسَطُ (قَوْلُهُ بَعْدَ فَرَاغِ وُضُوئِهِ) وَانْظُرْ مَا فَرَاغُهُ: أَيْ الْوُضُوءِ هَلْ هُوَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ أَوْ الذِّكْرُ الَّذِي بَعْدَهُ اهـ سم فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ.
قُلْت: الْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عَوْدُ الْبَرَكَةِ عَلَى جَمِيعِ فِعْلِهِ وَمِنْهُ الذِّكْرُ، وَانْظُرْ لَوْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّشَهُّدِ وَطَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْفَرَاغِ وَبَيْنَ التَّشَهُّدِ فَهَلْ يُسَنُّ الْإِتْيَانُ بِالْبَسْمَلَةِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: تَحْرِيمُهَا لِمُحْرِمٍ) أَيْ لِذَاتِهِ، فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَكْرُوهِ، وَلْيُنْظَرْ لَوْ أَكَلَ مَغْصُوبًا هَلْ هُوَ مِثْلُ الْوُضُوءِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ الْحُرْمَةُ فِيهِ ذَاتِيَّةٌ؟ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَحِينَئِذٍ فَصُورَةُ الْمُحَرَّمِ الَّذِي تَحْرُمُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَهُ أَنْ يَشْرَبَ خَمْرًا أَوْ يَأْكُلَ مَيْتَةً لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَكْلِ الْمَغْصُوبِ أَنَّ الْغَصْبَ أَمْرٌ عَارِضٌ عَلَى حِلِّ الْمَأْكُولِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ بِخِلَافِ هَذَا (قَوْلُهُ: أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) أَيْ الْأَكْمَلُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَالسُّنَّةُ تَحْصُلُ بِدُونِهِ
فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا بَعْدَهُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِيَتَقَايَأَ الشَّيْطَانُ مَا أَكَلَهُ، وَهَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ لَا؟ مُحْتَمَلٌ، وَعَلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الْإِنَاءِ فَيَجُوزُ وُقُوعُهُ خَارِجَهُ
(وَ) مِنْ سُنَنِهِ (غَسْلُ كَفَّيْهِ) إلَى كُوعَيْهِ مَعَ التَّسْمِيَةِ كَمَا مَرَّ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ وَإِنْ تَيَقَّنَ طَهَارَتَهُمَا أَوْ تَوَضَّأَ مِنْ إنَاءٍ بِالصَّبِّ (فَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ طُهْرَهُمَا) بِأَنْ تَرَدَّدَ فِيهِ (كُرِهَ غَمْسُهُمَا فِي الْإِنَاءِ) الَّذِي فِيهِ مَائِعٌ وَإِنْ كَثُرَ أَوْ مَأْكُولٌ رَطْبٌ أَوْ مَاءٌ قَلِيلٌ (قَبْلَ غَسْلِهِمَا) ثَلَاثًا لِخَبَرِ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَالْأَمْرُ بِذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ تَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ أَعْمَالٍ وَيَسْتَنْجُونَ بِالْأَحْجَارِ، وَإِذَا نَامُوا جَالَتْ أَيْدِيهمْ فَرُبَّمَا وَقَعَتْ عَلَى مَحَلِّ النَّجْوِ، فَإِذَا صَادَفَتْ مَاءً قَلِيلًا نَجَّسَتْهُ، فَهَذَا مَحْمَلُ الْحَدِيثِ لَا مُجَرَّدُ النَّوْمِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَنَمْ وَاحْتُمِلَ نَجَاسَةُ يَدِهِ فَهُوَ فِي مَعْنَى النَّائِمِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِهِ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَوْ تَيَقَّنَ نَجَاسَةَ يَدِهِ كَانَ الْحُكْمُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَيَكُونُ حَرَامًا، وَإِنْ قُلْنَا بِكَرَاهَةِ تَنَجُّسِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لِمَا فِيهِ هُنَا مِنْ التَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ وَهُوَ حَرَامٌ، وَالْغَسَلَاتُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ الْمَطْلُوبَةُ أَوَّلَ الْوُضُوءِ، غَيْرَ أَنَّهُ أُمِرَ بِفِعْلِهَا خَارِجَ الْإِنَاءِ عِنْدَ الشَّكِّ، وَلَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ إلَّا بِالثَّلَاثِ وَإِنْ حَصَلَ تَيَقُّنُ الطُّهْرِ بِوَاحِدَةٍ لِأَنَّ الشَّارِعَ إذَا غَيَّا حُكْمًا بِغَايَةٍ فَإِنَّمَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ مِنْهُ بِاسْتِيعَابِهَا، وَمَحَلُّ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ تَيَقُّنِ طُهْرِهِمَا إذَا كَانَ مُسْتَنِدًا لِيَقِينٍ غَسَلَهُمَا ثَلَاثًا،
[حاشية الشبراملسي]
حِينَئِذٍ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِأَنَّهُ فَرْعٌ مِنْ أَفْعَالِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَا لَمْ يَطُلْ زَمَنٌ يُعَدُّ بِهِ مُعْرِضًا عَنْ التَّشَهُّدِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا بَعْدَهُ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا قَصُرَ الْفَصْلُ بِحَيْثُ يُنْسَبُ إلَيْهِ عُرْفًا
(قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ طُهْرَهُمَا) قَالَ الْمَحَلِّيُّ: فَإِنْ تَيَقَّنَ طُهْرَهُمَا لَمْ يُكْرَهْ غَمْسُهُمَا وَلَا يُسْتَحَبُّ الْغَسْلُ قَبْلَهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ اهـ.
قُلْت: فَيَكُونُ مُبَاحًا.
وَقَدْ يُقَالُ: بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَغْسِلَهُمَا خَارِجَ الْإِنَاءِ لِئَلَّا يَصِيرَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا يَغْمِسُهُمَا فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي نَفْلِ الطَّهَارَةِ غَيْرُ طَهُورٍ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ غَمْسُهُمَا خَوْفَ النَّجَاسَةِ وَإِنْ كُرِهَ غَمْسُهُمَا لِتَأْدِيَتِهِ لِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الَّذِي يُرِيدُ الْوُضُوءَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: بِأَنْ تَرَدَّدَ فِيهِ) أَيْ وَلَوْ مَعَ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ السَّابِقَةِ (قَوْلُهُ لِخَبَرِ إذَا اسْتَيْقَظَ إلَخْ) قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَلَى الْجَامِعِ: قَالَ النَّوَوِيُّ فِي بُسْتَانِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فَضْلٍ التَّيْمِيِّ فِي شَرْحِهِ لِمُسْلِمٍ: إنَّ بَعْضَ الْمُبْتَدِعَةِ لَمَّا سَمِعَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ مُتَهَكِّمًا: أَنَا أَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدِي، بَاتَتْ فِي الْفِرَاشِ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي دُبُرِهِ إلَى ذِرَاعِهِ.
قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ: فَلِيَتَّقِ امْرُؤٌ الِاسْتِخْفَافَ بِالسُّنَنِ وَمَوَاضِعِ التَّوْقِيفِ لِئَلَّا يُسْرِعَ إلَيْهِ شُؤْمُ فِعْلِهِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا: وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا وُجِدَ فِي زَمَنِنَا وَتَوَاتَرَتْ الْأَخْبَارُ بِهِ وَثَبَتَ عِنْدَ الْقُضَاةِ أَنَّ رَجُلًا بِقَرْيَةٍ بِبِلَادِ بِصَرَى فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ كَانَ سَيِّئَ الِاعْتِقَادِ فِي أَهْلِ الْخَيْرِ وَابْنُهُ يَعْتَقِدُهُمْ، فَجَاءَ مِنْ عِنْدِ شَيْخٍ صَالِحٍ وَمَعَهُ مِسْوَاكٌ، فَقَالَ لَهُ مُسْتَهْزِئًا: أَعْطَاك شَيْخُك هَذَا الْمِسْوَاكَ؟ فَأَخَذَهُ وَأَدْخَلَهُ فِي دُبُرِهِ: أَيْ دُبُرِ نَفْسِهِ اسْتِحْقَارًا لَهُ، فَبَقِيَ مُدَّةً ثُمَّ وَلَدَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي اسْتَدْخَلَ الْمِسْوَاكَ جِرْوًا قَرِيبَ الشَّبَهِ بِالسَّمَكَةِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ مَاتَ الرَّجُلُ حَالًا أَوْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْجِرْوُ بِالْكَسْرِ وَلَدُ الْكَلْبِ وَالسِّبَاعِ، وَالْفَتْحُ وَالضَّمُّ لُغَةٌ قَالَ ابْنُ السُّكَّيْتِ وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ.
وَقَالَ فِي الْبَارِعِ: الْجِرْوُ: الصَّغِيرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (قَوْلُهُ: جَالَتْ) أَيْ تَحَوَّلَتْ (قَوْلُهُ: هِيَ الْمَطْلُوبَةُ أَوَّلَ الْوُضُوءِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ زِيَادَةً عَلَى الثَّلَاثِ بَلْ هِيَ كَافِيَةٌ لِلنَّجَاسَةِ الْمَشْكُوكَةِ وَسُنَّةُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: بِأَنْ تَرَدَّدَ) أَخْرَجَ بِهِ مَا لَوْ تَيَقَّنَ نَجَاسَتَهُمَا الصَّادِقُ بِهِ الْمَتْنُ (قَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ تَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ) قَدْ يُقَالُ: لَوْ كَانَ لِأَجْلِ هَذَا التَّوَهُّمِ لَاكْتَفَى بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ لِإِفَادَتِهَا بِيَقِينٍ الطَّهَارَةَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ أَعْمَالٍ) لَعَلَّ وَجْهَ إدْخَالِ هَذَا فِي الدَّلِيلِ أَنَّ الْعَمَلَ يُوجِبُ ثِقَلَ النَّوْمِ عَادَةً فَتَتَأَكَّدُ بِهِ عَدَمُ الدِّرَايَةِ
فَلَوْ كَانَ غَسَلَهُمَا فِيمَا مَضَى عَنْ نَجَاسَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ أَوْ مَشْكُوكَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ كُرِهَ غَمْسُهُمَا قَبْلَ إكْمَالِ الثَّلَاثِ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَلَوْ كَانَ الشَّكُّ فِي نَجَاسَةٍ مُغَلَّظَةٍ فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَدَمُ زَوَالِ الْكَرَاهَةِ إلَّا بِغَسْلِ الْيَدِ سَبْعًا إحْدَاهَا بِتُرَابٍ، وَالْحَدِيثُ وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَإِنْ كَانَ الْإِنَاءُ كَبِيرًا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّبِّ مِنْهُ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَغْرِفُ بِهِ مِنْهُ اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ بِطَرَفِ ثَوْبٍ نَظِيفٍ أَوْ بِفِيهِ وَخَرَجَ الْإِنَاءُ الَّذِي فِيهِ مَاءٌ كَثِيرٌ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ
(وَ) مِنْ سُنَنِهِ (الْمَضْمَضَةُ وَ) بَعْدَهَا (الِاسْتِنْشَاقُ) لِلِاتِّبَاعِ وَلَمْ يَجِبَا لِمَا مَرَّ، وَيَحْصُلُ أَقَلُّهُمَا بِإِيصَالِ الْمَاءِ إلَى الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَإِنْ لَمْ يُدِرْهُ فِي الْفَمِ وَلَا مَجَّهُ وَلَا جَذَبَهُ فِي الْأَنْفِ وَلَا نَثَرَهُ، وَأَكْمَلُهُمَا بِأَنْ يُدِيرَهُ ثُمَّ يَمُجَّهُ أَوْ يَجْذِبَهُ ثُمَّ يَنْثُرَهُ.
وَعُلِمَ مِمَّا قَدَّرْته فِي كَلَامِي أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَهُمَا مُسْتَحَقٌّ لَا مُسْتَحَبٌّ، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ثُمَّ الْأَصَحُّ إلَى آخِرِهِ، فَلَوْ تَقَدَّمَ مُؤَخَّرًا كَأَنْ اسْتَنْشَقَ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ حَسْبَمَا بَدَأَ بِهِ وَفَاتَ مَا كَانَ مَحَلُّهُ قَبْلَهُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ
[حاشية الشبراملسي]
الْوُضُوءِ، وَقِيَاسُ مَا يَأْتِي فِي الْغُسْلِ عَنْ الرَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَكْفِي لِلْحَدَثِ وَالنَّجِسِ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ هُنَا سِتُّ غَسَلَاتٍ وَإِنْ كَفَتْ الثَّلَاثَةُ فِي أَصْلِ السُّنَّةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الِاكْتِفَاءُ بِالثَّلَاثِ هُنَا مِنْ حَيْثُ الطَّهَارَةُ لَا مِنْ حَيْثُ كَرَاهَةُ الْغَمْسِ قَبْلَ الطَّهَارَةِ ثَلَاثًا (قَوْلُهُ كُرِهَ غَمْسُهُمَا) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: إحْدَاهَا بِتُرَابٍ) أَيْ وَلَا يُسْتَحَبُّ ثَامِنَةٌ وَتَاسِعَةٌ بِنَاءً عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ مِنْ عَدَمِ اسْتِحْبَابِ التَّثْلِيثِ فِي غَسْلِ النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَدَثِ فَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَلَا كَرَاهَةَ) مَا لَمْ يَتَقَدَّرْ بِالْوَضْعِ سم
(قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ الِاقْتِصَارِ فِي بَيَانِ الْوَاجِبِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ وَمَا مَعَهُ وَلَيْسَ فِيهِ مَضْمَضَةٌ وَلَا اسْتِنْشَاقٌ.
وَاسْتَدَلَّ حَجّ هُنَا بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يَجِبَا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَيَمْسَحَ رَأْسَهُ وَيَغْسِلَ رِجْلَيْهِ» أَيْ فَهَذِهِ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] الْآيَةَ، وَخَبَرُ «تَمَضْمَضُوا وَاسْتَنْشِقُوا» ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ وَلَا نَثَرَهُ) هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ.
قَالَ فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ: نَثَرَهُ مِنْ بَابِ نَصَرَ فَانْتَثَرَ وَالِاسْمُ النِّثَارُ بِالْكَسْرِ، وَالنُّثَارُ بِالضَّمِّ مَا تَنَاثَرَ مِنْ الشَّيْءِ، وَدُرٌّ مُنَثَّرٌ شُدِّدَ لِلْكَثْرَةِ، وَالِانْتِثَارُ وَالِاسْتِنْثَارُ بِمَعْنًى: وَهُوَ نَثْرُ مَا فِي الْأَنْفِ بِالنَّفَسِ اهـ فَقَوْلُ الشَّارِحِ: ثُمَّ يَنْثُرُهُ مَعْنَاهُ يُخْرِجُهُ بِنَفَسِهِ، وَعَلَيْهِ فَإِخْرَاجُ مَا فِي الْأَنْفِ مِنْ أَذًى بِنَحْوِ الْخِنْصَرِ لَا يُسَمَّى اسْتِنْثَارًا، فَقَوْلُ شَرْحِ الرَّوْضِ إخْرَاجُ مَا فِي أَنْفِهِ مِنْ أَذًى بِنَحْوِ خِنْصَرِهِ يُسَمَّى اسْتِنْثَارًا لَعَلَّهُ مَجَازٌ (قَوْلُهُ: أَوْ يَجْذِبُهُ) بَابُهُ ضَرَبَ اهـ صِحَاحٌ (قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِمَّا قَدَّرْته) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَبَعْدَهَا (قَوْلُهُ: حَسْبَمَا بَدَأَ بِهِ) خِلَافًا لحج حَيْثُ قَالَ: فَمَتَى قَدَّمَهُ شَيْئًا عَلَى مَحَلِّهِ كَأَنْ اقْتَصَرَ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ لَغَا، وَاعْتَدَّ بِمَا وَقَعَ بَعْدَهُ فِي مَحَلِّهِ مِنْ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ فَالْمَضْمَضَةِ اهـ.
قَالَ الْعَبَّادِيُّ فِي شَرْحِ الْغَايَةِ: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَتَقَدُّمُ الْمَضْمَضَةِ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ شَرْطٌ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ قَدَّمَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ عَلَى غَسْلِ الْكَفِّ لَمْ يُحْسَبْ الْكَفُّ عَلَى الْأَصَحِّ اهـ.
وَقَضِيَّتُهُ لَوْ قَدَّمَ الِاسْتِنْشَاقَ عَلَى الْمَضْمَضَةِ أَوْ أَتَى بِهِمَا مَعًا حُسِبَ الِاسْتِنْشَاقُ وَفَاتَتْ الْمَضْمَضَةُ فَيَكُونُ التَّرْتِيبُ شَرْطًا لِلِاعْتِدَادِ بِالْجَمِيعِ، فَإِذَا عَكَسَ حُسِبَ مَا قَدَّمَهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَبَعْدَهَا) وَلَوْ بِأَنْ يَجْعَلَ كُلَّ مَرَّةٍ مِنْ الِاسْتِنْشَاقِ بَعْدَ كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ الْمَضْمَضَةِ لِيَصْدُقَ بِجَمِيعِ الْكَيْفِيَّاتِ (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) هُوَ تَابِعٌ فِي هَذِهِ الْحَوَالَةِ لِشَرْحِ الرَّوْضِ، لَكِنَّ ذَاكَ قَدَّمَ مَا تَصِحُّ لَهُ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّسْمِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ لِآيَةِ الْوُضُوءِ الْمُبَيِّنَةِ لِوَاجِبَاتِهِ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْرَابِيِّ «تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَك اللَّهُ» انْتَهَى.
وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الشَّارِحِ بِمَا مَرَّ الْحَدِيثَ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الدَّلَالَةِ مِنْهُ لِذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَلَوْ قَدَّمَ مُؤَخَّرًا) هَذَا لَا يَظْهَرُ تَرَتُّبُهُ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَظْهَرُ عَلَيْهِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَدَّمَ الِاسْتِنْشَاقَ لَغَا وَاعْتُدَّ بِالْمَضْمَضَةِ إذَا فَعَلَهَا بَعْدَهُ لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ
خِلَافًا لِمَا فِي الْمَجْمُوعِ، إذْ الْمُعْتَمَدُ مَا فِيهَا كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِقَوْلِهِمْ فِي الصَّلَاةِ: الثَّالِثَ عَشَرَ تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ فَخَرَجَ السُّنَنُ فَيَحْسِبُ مِنْهَا مَا أَوْقَعَهُ أَوَّلًا فَكَأَنَّهُ تَرَكَ غَيْرَهُ فَلَا يُعْتَدُّ بِفِعْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ تَعَوَّذَ ثُمَّ أَتَى بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ.
وَفَائِدَةُ تَقْدِيمِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مَعْرِفَةُ أَوْصَافِ الْمَاءِ مِنْ طَعْمٍ وَرِيحٍ وَلَوْنٍ بِالنَّظَرِ هَلْ تَغَيَّرَ أَوْ لَا؟ وَقَدَّمَ الْفَمَ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ مِنْ الْأَنْفِ لِكَوْنِهِ مَحَلًّا لِلْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ وَأَكْثَرُ مَنْفَعَةً (وَالْأَظْهَرُ أَنَّ فَصْلَهُمَا أَفْضَلُ) مِنْ جَمْعِهِمَا لِمَا رَوَاهُ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «دَخَلْت يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَيْته يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» (ثُمَّ الْأَصَحُّ) عَلَى هَذَا الْأَفْضَلُ أَنَّهُ (يَتَمَضْمَضُ بِغَرْفَةٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِأُخْرَى ثَلَاثًا) فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى عُضْوٍ إلَّا بَعْدَ كَمَالِ مَا قَبْلَهُ، وَقِيلَ يَتَمَضْمَضُ بِثَلَاثٍ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِثَلَاثٍ وَهُوَ أَضْعَفُهَا وَأَنْظَفُهَا (وَيُبَالِغُ فِيهِمَا غَيْرُ الصَّائِمِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَسْبِغْ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» وَلِخَبَرِ «إذَا تَوَضَّأْت فَأَبْلِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مَا لَمْ تَكُنْ صَائِمًا» وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا أَنْ يَبْلُغَ الْمَاءُ إلَى أَقْصَى الْحَنَكِ وَوَجْهَيْ الْأَسْنَانِ وَاللَّثَاةِ، وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ أَنْ يَصْعَدَ الْمَاءُ بِالنَّفَسِ إلَى الْخَيْشُومِ، أَمَّا الصَّائِمُ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى مَحَلِّهِ وَفَاتَ مَا أَخَّرَهُ عَنْهُ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ شَرْطٌ لِلِاعْتِدَادِ بِالْمُؤَخَّرِ، وَأَنَّهُ إذَا قَدَّمَهُ لَغَا وَأَعَادَهُ إذَا أَتَى بِمَاءٍ بَعْدَهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَبَقِيَ مَا لَوْ فَعَلَهُمَا مَعًا، وَيَنْبَغِي عَلَى كَلَامِ حَجّ أَنَّ الْحَاصِلَ مِنْهُمَا الْمَضْمَضَةُ لِوُقُوعِهَا فِي مَحَلِّهَا دُونَ الِاسْتِنْشَاقِ لِوُقُوعِهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ، وَهَذَا نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ أَرْبَعَةَ أَعْضَائِهِ مَعًا حُسِبَ الْوَجْهُ دُونَ غَيْرِهِ، لَا يُقَالُ: إنَّمَا لَمْ يَحْصُلْ غَيْرُ الْوَجْهِ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ وَهُوَ هُنَا غَيْرُ وَاجِبٍ.
لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَكِنَّهُ مُسْتَحَقٌّ لَا مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ فَأَشْبَهَ الْوَاجِبَ.
وَأَمَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ مُؤَخَّرًا حُسِبَ مَا بَدَأَ بِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا يَحْصُلَانِ فِيمَا لَوْ أَتَى بِهِمَا مَعًا لِأَنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ لِحُسْبَانِ الْمُتَأَخِّرِ سَبْقُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ فَيُحْسَبُ مِنْهَا إلَخْ) فِي اسْتِفَادَتِهِ مِنْ ذَلِكَ نَظَرٌ لِأَنَّ مُجَرَّدَ عَدَمِ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ السُّنَنِ لَا يَقْتَضِي حُسْبَانَ الْمُتَقَدِّمِ وَإِلْغَاءَ الْمُتَأَخِّرِ، بَلْ كَمَا يَصْدُقُ بِذَلِكَ يَصْدُقُ بِإِلْغَاءِ الْمُتَأَخِّرِ وَطَلَبِ فِعْلِهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَسْبِقْ فِعْلَ الْمُتَأَخِّرِ.
وَقِيَاسُ إلْغَاءِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى التَّعَوُّذِ أَجَابَ عَنْهُ حَجّ بِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي شُرِعَ لَهُ الِافْتِتَاحُ يَفُوتُ بِتَقْدِيمِ التَّعَوُّذِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ أَنْ يَقَعَ الِافْتِتَاحُ بِهِ وَلَا يَتَقَدَّمُهُ غَيْرُهُ، وَبِالْبُدَاءَةِ بِالتَّعَوُّذِ فَاتَ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ.
وَالْقَصْدُ بِالتَّعَوُّذِ أَنْ تَلِيَهُ الْقِرَاءَةُ وَقَدْ وَجَدَ ذَلِكَ فَاعْتَدَّ بِهِ لِوُقُوعِهِ فِي مَحَلِّهِ (قَوْلُهُ: وَقَدَّمَ الْفَمَ) قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَالِاسْتِنْشَاقُ أَفْضَلُ، لِأَنَّ أَبَا ثَوْرٍ يَقُولُ: الْمَضْمَضَةُ سُنَّةٌ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَاجِبٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقْوَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحْمُولَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ، وَأَفْعَالَهُ عَلَى النَّدْبِ وَالْمَضْمَضَةُ نُقِلَتْ عَنْ فِعْلِهِ، وَالِاسْتِنْشَاقُ ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً» اهـ (قَوْلُهُ: وَأَكْثَرَ مَنْفَعَةً) لِأَنَّهُ مَحَلُّ قِوَامِ الْبَدَنِ أَكْلًا وَنَحْوَهُ وَالرُّوحِ ذِكْرًا وَنَحْوَهُ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَتَمَضْمَضُ إلَخْ) وَيَنْبَغِي فِيمَا لَوْ تَعَدَّدَ الْفَمُ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مَا قِيلَ فِي تَعَدُّدِ الْوَجْهِ مِنْ أَنَّهُمَا إنْ كَانَا أَصْلِيَّيْنِ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَصْلِيًّا تَمَضْمَضَ فِيهِ إلَى آخِرِ مَا سَبَقَ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ) أَفَادَ التَّعْبِيرُ بِثُمَّ أَنَّهُ لَوْ تَمَضْمَضَ بِوَاحِدَةٍ ثُمَّ اسْتَنْشَقَ بِأُخْرَى، وَهَكَذَا لَا يَكُونُ آتِيًا بِالْأَفْضَلِ عَلَى هَذَا.
وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْقَائِلَ بِالْفِعْلِ قَاسَ مَا هُنَا عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ لَهُ لِعُضْوٍ إلَّا بَعْدَ كَمَالِ طُهْرِ مَا قَبْلَهُ، وَلَكِنَّ عِبَارَةَ حَجّ حِكَايَةٌ لِهَذَا الْقَوْلِ نَصُّهَا: وَمُقَابِلُهُ أَيْ الْأَصَحُّ ثَلَاثٌ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: إذْ الْمُعْتَمَدُ مَا فِيهَا) أَيْ هُنَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِقَوْلِهِمْ فِي الصَّلَاةِ إلَخْ، وَإِلَّا فَإِذَا تَعَارَضَ مَا فِي الرَّوْضَةِ، وَالْمَجْمُوعِ قُدِّمَ مَا فِيهِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ مُتَتَبِّعٌ فِيهِ لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ لَا مُخْتَصِرٌ لِكَلَامِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَفَائِدَةُ تَقْدِيمِ الْمَضْمَضَةِ إلَخْ) عِبَارَةُ الدَّمِيرِيِّ، وَالْحِكْمَةُ فِي تَقْدِيمِ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ: يَعْنِي الْكَفَّيْنِ، وَالْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ عَلَى الْوُضُوءِ، أَنْ يَتَدَارَكَ أَوْصَافَ الْمَاءِ الثَّلَاثَةَ
فَلَا تُسَنُّ لَهُ الْمُبَالَغَةُ بَلْ تُكْرَهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ لِخَوْفِ الْإِفْطَارِ إلَّا أَنْ يَغْسِلَ فَمَهُ مِنْ نَجَاسَةٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ لِكَوْنِهِمَا مَطْلُوبَيْنِ فِي الْوُضُوءِ بِخِلَافِ قُبْلَةِ الصَّائِمِ الْمُحَرِّكَةِ لِشَهْوَتِهِ، لِأَنَّهُ هُنَا يُمْكِنُهُ إطْبَاقُ حَلْقِهِ وَمَجُّ الْمَاءِ وَهُنَاكَ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّ الْمَنِيِّ إذَا خَرَجَ، وَلِأَنَّ الْقُبْلَةَ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ بَلْ دَاعِيَةٌ لِمَا يُضَادُّ الصَّوْمَ مِنْ الْإِنْزَالِ بِخِلَافِ الْمُبَالَغَةِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ حُرْمَةُ الْمُبَالَغَةِ عَلَى صَائِمِ فَرْضٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ سَبْقُ الْمَاءِ إلَى جَوْفِهِ إنْ فَعَلَهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ (قُلْت: الْأَظْهَرُ تَفْضِيلُ الْجَمْعِ) بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَيَكُونُ (بِثَلَاثِ غُرَفٍ يَتَمَضْمَضُ مِنْ كُلٍّ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِوُرُودِ التَّصْرِيحِ بِهِ، وَقِيلَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا وَلَاءً ثَلَاثًا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا.
وَالثَّانِي يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثُمَّ يَفْعَلُ مِنْهَا كَذَلِكَ ثَانِيًا وَثَالِثًا، وَاسْتَحْسَنَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ
(وَ) مِنْ سُنَنِهِ (تَثْلِيثُ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ)
[حاشية الشبراملسي]
لِكُلِّ مُتَوَالِيَةٍ أَوْ مُتَفَرِّقَةٍ اهـ.
وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمَهُ فِي تَوْجِيهِ أَفْضَلِيَّةِ الْفَصْلِ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى لَا يَنْتَقِلَ عَنْ عُضْوٍ إلَّا بَعْدَ كَمَالِ طُهْرِهِ.
إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِالْمُتَفَرِّقَةِ كَوْنَهَا فِي أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَنْتَقِلْ لِلثَّانِي إلَّا بَعْدَ كَمَالِ الْأَوَّلِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ) أَيْ لِلَّقِيطِ بْنِ صُبْرَةَ (قَوْلُهُ: بَلْ تُكْرَهُ إلَخْ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِهِ الْمُمْسِكُ فَتُكْرَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَغْسِلَ فَمَه إلَخْ) أَيْ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُبَالَغَةُ حِينَئِذٍ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ سَبَقَهُ الْمَاءُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إلَى جَوْفِهِ لَمْ يُفْطِرْ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مَأْمُورٍ بِهِ (قَوْلُهُ: وَيَكُونُ إلَخْ) أَيْ وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ إلَخْ، فَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ إذَا قِيلَ بِتَفْضِيلِ الْجَمْعِ اُخْتُلِفَ فِي الْأَوْلَى وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ ذِكْرُهُ كَأَنْ يَقُولَ: ثُمَّ الْأَصَحُّ بِثَلَاثِ غُرَفٍ إلَخْ فَعَلَ فِي تَفْضِيلِ الْفَصْلِ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِثَلَاثِ غُرَفٍ) عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ الْغُرْفَةُ بِالضَّمِّ الْمَاءُ الْمَغْرُوفُ بِالْيَدِ، وَالْجَمْعُ غِرَافٌ مِثْلُ بُرْمَةٍ وَبِرَامٍ، وَالْغَرْفَةُ بِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ، وَغَرَفْت الْمَاءَ غَرْفًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَاغْتَرَفْته اهـ.
وَفِي الْقَامُوسِ مَا يُوَافِقُهُ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ الْمُصَنِّفُ غِرَافٌ (قَوْلُهُ وَفِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ) أَيْ الْجَمْعِ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ (قَوْلُهُ أَحَدُهُمَا يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا وَلَاءً ثَلَاثًا إلَخْ) أَيْ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ كَذَلِكَ وَهَذِهِ فِي الْحَقِيقَةِ فَصْلٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ لِتَطْهِيرِ الثَّانِي إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَوَّلِ وَتَسْمِيَتُهَا وَصْلًا بِاعْتِبَارِ اتِّحَادِ الْغُرْفَةِ (قَوْلُهُ: وَاسْتَحْسَنَهُ) أَيْ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْكَيْفِيَّةَ الْأَوْلَى فِي الْحَقِيقَةِ فَصْلٌ
(قَوْلُهُ: تَثْلِيثُ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ) عِبَارَةُ حَجّ: وَشَرْطُ حُصُولِ التَّثْلِيثِ حُصُولُ الْوَاجِبِ أَوَّلًا، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ رَأْسِهِ وَثَلَّثَهُ حَصَلَتْ لَهُ سُنَّةُ التَّثْلِيثِ كَمَا شَمِلَهُ الْمَتْنُ وَغَيْرُهُ، وَقَوْلُهُمْ لَا يُحْسَبُ تَعَدُّدٌ قَبْلَ تَمَامِ الْعُضْوِ مَفْرُوضٌ فِي عُضْوٍ يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ بِالتَّطْهِيرِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُسْبَانِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ قَبْلَ الْفَرْضِ بِأَنَّ هَذَا غَسْلُ مَحَلٍّ آخَرَ قُصِدَ تَطْهِيرُهُ لِذَاتِهِ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى سَبْقِ غَيْرِهِ لَهُ وَذَاكَ تَكْرِيرُ غَسْلِ الْأَوَّلِ فَتَوَقَّفَ عَلَى وُجُودِ الْأَوْلَى، إذْ لَا يَحْصُلُ التَّكْرَارُ إلَّا حِينَئِذٍ اهـ.
وَقَوْلُهُ حُصُولُ الْوَاجِبِ أَوَّلًا، وَعَلَيْهِ فَلَوْ غَسَلَ الْخَدَّ الْأَيْمَنَ ثَلَاثًا ثُمَّ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ التَّثْلِيثُ، وَكَذَا لَوْ غَسَلَ الْكَفَّ ثَلَاثًا ثُمَّ السَّاعِدَ، وَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُمْ مَفْرُوضٌ فِي عُضْوٍ يَجِبُ إلَخْ.
[فَرْعٌ] لَوْ كَانَ إذَا ثَلَّثَ لَمْ يَكْفِ الْمَاءُ وَجَبَ تَرْكُهُ، فَلَوْ ثَلَّثَ تَيَمَّمَ وَلَا يُعِيدُ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ فِي غَرَضِ التَّثْلِيثِ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
قُلْت: وَكَذَا لَا يُعِيدُ لَوْ أَتْلَفَهُ بِلَا غَرَضٍ وَإِنْ أَثِمَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَمَّمْ بِحَضْرَةِ مَاءٍ مُطْلَقٍ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ الْآتِي فِي التَّيَمُّمِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَاءٌ إلَخْ، فَإِنْ أَتْلَفَهُ بَعْدَهُ لِغَرَضٍ كَتَبَرُّدٍ وَتَنْظِيفِ ثَوْبٍ فَلَا قَضَاءَ أَيْضًا، وَكَذَا لِغَيْرِ غَرَضٍ فِي الْأَظْهَرِ لِأَنَّهُ فَاقِدٌ لِلْمَاءِ حَالَ التَّيَمُّمِ لَكِنَّهُ أَثِمَ فِي الشِّقِّ الْأَخِيرِ.
[فَرْعٌ] هَلْ يُسَنُّ تَثْلِيثُ النِّيَّةِ أَيْضًا أَوْ لَا، لِأَنَّ النِّيَّةَ ثَانِيًا تَقْطَعُ الْأُولَى فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّثْلِيثِ، يُحَرَّرُ سم عَلَى مَنْهَجٍ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَهُنَاكَ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّ الْمَنِيِّ) الَّذِي يَأْتِي فِي الصَّوْمِ أَنَّ مَحَلَّ الْحُرْمَةِ إذَا خَشِيَ مِنْ نَفْسِهِ الْوِقَاعَ
الْمَفْرُوضِ وَالْمَنْدُوبِ وَبَاقِي سُنَنِهِ مِنْ تَخْلِيلٍ وَدَلْكٍ وَمُؤْقِ عَيْنٍ وَلِحَاظٍ لَا مَانِعَ فِيهِمَا مِنْ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى مَحَلِّهِ وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُهُمَا، وَسِوَاكٍ وَذِكْرٍ وَدُعَاءٍ لِلِاتِّبَاعِ فِي أَكْثَرِ ذَلِكَ وَقِيَاسًا فِي غَيْرِهِ لَا الْخُفِّ كَمَا سَيَأْتِي، وَهَلْ يُثَلِّثُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَالْعِمَامَةِ أَوْ لَا كَالْخُفِّ؟ الْأَشْبَهُ نَعَمْ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا كُرِهَ فِيهِ مَخَافَةَ تَعْيِيبِهِ وَلَا كَذَلِكَ هُمَا.
وَقَدْ يَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِ الْفَرْضِ بِحَيْثُ لَوْ ثَلَّثَ خَرَجَ وَقْتُهُ أَوْ خَوْفَ عَطَشٍ بِحَيْثُ لَوْ أَكْمَلَهُ لَاسْتَوْعَبَ الْمَاءَ وَأَدْرَكَهُ الْعَطَشُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَيُكْرَهُ كُلٌّ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ وَالنَّقْصُ عَنْهَا بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ وَالْإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ وَلَوْ عَلَى الشَّطِّ إلَّا فِي مَاءٍ مَوْقُوفٍ فَتَحْرُمُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا لِكَوْنِهَا غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهَا، وَلَوْ تَوَضَّأَ مَرَّةً تَمَّ كَذَلِكَ
[حاشية الشبراملسي]
قُلْت: وَقَضِيَّةُ قَوْلِ الْبَهْجَةِ: وَثُلُثُ الْكُلِّ يَقِينًا مَا خَلَا مَسْحًا لِخُفَّيْنِ يَقْتَضِي طَلَبَهُ، فَيَكُونُ مَا بَعْدَ الْأُولَى مُؤَكِّدًا لَهَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْرِيرِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ حَيْثُ قَالُوا يَخْرُجُ بِالْأَشْفَاعِ وَيَدْخُلُ بِالْأَوْتَارِ بِأَنَّهُ عَهْدُ فِعْلِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ بَعْدَ أَوَّلِهِ فِيمَا لَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ أَوْ عَرَضَ مَا يُبْطِلُهَا كَالرِّدَّةِ وَلَمْ يَعْهَدْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، وَنُقِلَ عَنْ فَتَاوَى م ر مَا يُوَافِقُهُ (قَوْلُهُ: الْمَفْرُوضِ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: وَمُؤْقُ) بِالْهَمْزِ مِنْ مَأَقَ مُقَدَّمُ الْعَيْنِ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَلَحَاظٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ مُؤَخَّرُ الْعَيْنِ وَبِالْكَسْرِ مَصْدَرُ لَاحَظَهُ: أَيْ رَاعَاهُ مُخْتَارٌ: أَيْ وَغَسْلِ مُؤْقٍ وَلَحَاظٍ، وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ بِتَثْلِيثِ الْغَسْلِ إلَخْ، وَلَا يَشْمَلُهُ قَوْلُهُ وَبَاقِي سُنَنِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ إسْقَاطُ قَوْلِهِ وَمُؤْقِ عَيْنٍ وَلَحَاظٍ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُهُمَا) أَيْ وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إلَّا بِإِزَالَةِ مَا فِيهِمَا مِنْ الرَّمَصِ وَنَحْوَهُ فَتَجِبُ إزَالَتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَتَأَتَّ إزَالَةُ مَا فِيهِمَا كَالْكُحْلِ وَنَحْوِهِ إلَّا بِضَرَرٍ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ حَيْثُ اسْتَعْمَلَ الْكُحْلَ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ لِلتَّزَيُّنِ وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ إضْرَارُ إزَالَتِهِ (قَوْلُهُ: الْأَشْبَهُ نَعَمْ) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ مَخَافَةَ تَعْيِيبِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخُفُّ مِنْ نَحْوِ زُجَاجٍ يُسَنُّ التَّثْلِيثُ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ تَعْيِيبُهُ (قَوْلُهُ: خَرَجَ وَقْتُهُ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ الصَّلَاةَ كَامِلَةً فِيهِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: يُكْرَهُ كُلٌّ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمُسَبَّلِ (قَوْلُهُ: فَتَحْرُمُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا) أَيْ الثَّلَاثِ (قَوْلُهُ: لِكَوْنِهَا غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهَا) يُؤْخَذُ مِنْ تَحْرِيمِ مَا ذُكِرَ حُرْمَةُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَدْخُلُونَ إلَى مَحَلِّ الطَّهَارَةِ لِتَفْرِيغِ أَنْفُسِهِمْ ثُمَّ يَغْسِلُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ مِنْ مَاءِ الْفَسَاقِي الْمُعَدَّةِ لِلْوُضُوءِ لِإِزَالَةِ الْغُبَارِ وَنَحْوِهِ بِلَا وُضُوءٍ وَلَا إرَادَةِ صَلَاةٍ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ حُرْمَةِ ذَلِكَ مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِفِعْلِ مِثْلِهِ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ وَيُعْلَمُ بِهِ، قِيَاسًا عَلَى مَا قَالُوهُ فِي مَاءِ الصَّهَارِيجِ الْمُعَدَّةِ لِلشُّرْبِ مِنْ أَنَّهُ إذَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ بِاسْتِعْمَالِ مَائِهَا لِغَيْرِ الشُّرْبِ وَعُلِمَ بِهِ لَمْ يَحْرُمْ اسْتِعْمَالُهَا فِيمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهَا) يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا حُرْمَةُ الْوُضُوءِ مِنْ مَغَاطِسِ الْمَسَاجِدِ وَالِاسْتِنْجَاءِ مِنْهَا لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، لِأَنَّ الْوَاقِفَ إنَّمَا وَقَفَهُ لِلِاغْتِسَالِ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ.
نَعَمْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَالِاسْتِنْجَاءُ مِنْهَا لِمَنْ يُرِيدُ الْغُسْلَ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَنِهِ فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ يُغْفَلُ عَنْهُ.
نَعَمْ إنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ لِحُصُولِ التَّيْسِيرِ بِهِ عَلَى النَّاسِ جَازَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ وَمُؤْقِ عَيْنٍ وَلِحَاظٍ) لِيَنْظُرَ هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى مَاذَا مَعَ دُخُولِهِ فِي الْغُسْلِ، وَقَوْلُهُ لَا مَانِعَ فِيهِمَا إلَخْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا إلَّا إذَا كَانَ بِهِمَا مَانِعٌ، وَهُوَ خِلَافُ صَرِيحِ مَا مَرَّ مِنْ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا، وَيَجُوزُ كَوْنُهُمَا مَعْطُوفَيْنِ عَلَى مَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ وَالدَّلْكُ لِغَيْرِ مُؤْقِ عَيْنٍ وَلِحَاظٍ وَلِمُؤْقٍ وَلِحَاظٍ، فَهُوَ مِنْ مَدْخُولِ الدَّلْكِ لَكِنْ قَدْ يُنَافِيهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُهُمَا (قَوْلُهُ: بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ) يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى مَسْأَلَةِ النَّقْصِ؛ لِأَنَّهُ قَيْدٌ فِي الزِّيَادَةِ فَقَطْ (قَوْلُهُ: إلَّا فِي مَاءٍ مَوْقُوفٍ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الزِّيَادَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ لَا مِنْ الْإِسْرَافِ وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ.
لَمْ تَحْصُلْ فَضِيلَةُ التَّثْلِيثِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِلرُّويَانِيِّ وَالْفُورَانِيِّ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ بِأَنَّ الْوَجْهَ وَالْيَدَ مُتَبَاعِدَانِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْرُغَ مِنْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ يَنْتَقِلَ إلَى الْآخَرِ.
وَأَمَّا الْفَمُ وَالْأَنْفُ فَكَعُضْوٍ وَاحِدٍ (وَيَأْخُذُ الشَّاكُّ بِالْيَقِينِ) وُجُوبًا فِي الْوَاجِبِ وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَلَا يُقَالُ إنَّ الرَّابِعَةَ بِدْعَةٌ، وَتَرْكُ سُنَّةٍ أَسْهَلُ مِنْ ارْتِكَابِ بِدْعَةٍ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ كَذَلِكَ إلَّا إنْ تَحَقَّقَ كَوْنُهَا رَابِعَةً
(وَ) مِنْ سُنَنِهِ (مَسْحُ كُلِّ رَأْسِهِ) لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا وَرَدَ فِي صِفَةِ وُضُوئِهِ وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ.
وَكَيْفِيَّةُ السُّنَّةِ: أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَيُلْصِقَ سَبَّابَتَهُ بِالْأُخْرَى وَإِبْهَامَيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ ثُمَّ يَذْهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ثُمَّ يَرُدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي ذَهَبَ مِنْهُ إنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ يَتَقَلَّبُ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ ذَهَابُهُ وَعَوْدُهُ مَسْحَةً وَاحِدَةً لِعَدَمِ تَمَامِهَا بِالذَّهَابِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَعْرٌ يَتَقَلَّبُ لِصِغَرِهِ أَوْ قِصَرِهِ أَوْ عَدَمِهِ لَمْ يَرُدَّ، إذْ لَا فَائِدَةَ لَهُ، فَإِنْ رَدَّ لَمْ تُحْسَبْ ثَانِيَةً لِأَنَّ الْمَاءَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا، وَلَا يُنَافِيهِ مَا لَوْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ نَاوِيًا رَفْعَ حَدَثِهِ ثُمَّ أَحْدَثَ حَالَ انْغِمَاسِهِ فَلَهُ أَنْ يَرْفَعَ.
الْحَدَثَ الْمُتَجَدِّدَ بِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِأَنَّ مَاءَ الْمَسْحِ تَافِهٌ لَا قُوَّةَ لَهُ كَقُوَّةِ هَذَا، وَلِهَذَا لَوْ أَعَادَ مَاءَ غَسْلِ الذِّرَاعِ مَثَلًا ثَانِيًا
[حاشية الشبراملسي]
لَوْ غَسَلَ الْوَجْهَ مَرَّةً ثُمَّ الْيَدَيْنِ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَانِيًا وَثَالِثًا حَصَلَتْ فَضِيلَةُ التَّثْلِيثِ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ الْآتِي بِأَنَّ الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ مُتَبَاعِدَانِ خِلَافُهُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ.
[فَرْعٌ] لَوْ نَذَرَ الْوُضُوءَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ هَلْ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ أَمْ لَا لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ: لَا يَنْعَقِدُ اهـ.
قُلْت: فَإِنْ أَرَادَ بِعَدَمِ انْعِقَادِهِ إلْغَاءَهُ بِحَيْثُ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدَةٍ فَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ وَالْمَكْرُوهُ إنَّمَا هُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الثِّنْتَيْنِ، وَإِنْ أَرَادَ بِعَدَمِ انْعِقَادِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِمَا فَظَاهِرٌ (قَوْلُهُ لَمْ تَحْصُلْ إلَخْ) هَلْ مِثْلُهُ مَا لَوْ غَطَسَ وَنَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثًا فَيَكُونُ الرَّاجِحُ فِيهِ عَدَمَ حُصُولِ الْفَضِيلَةِ أَوَّلًا.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَ التَّرْتِيبِ الْحَقِيقِيِّ وَغَيْرِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّ فِي التَّرْتِيبِ الْحَقِيقِيِّ تَبَاعُدًا لِغَسْلِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ عَنْ بَعْضٍ يَظْهَرُ فِي الْحِسِّ وَلَا كَذَلِكَ التَّقْدِيرِيُّ (قَوْلُهُ: التَّثْلِيثِ) وَحُكْمُ هَذِهِ الْإِعَادَةِ الْكَرَاهَةُ كَالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ، وَكَانَ عَدَمُ حُرْمَةِ ذَلِكَ أَنَّهُ تَابِعٌ لِلطَّهَارَةِ وَتَتِمَّةٌ لَهَا فِي الْجُمْلَةِ، فَلَا يُقَالُ إنَّهُ عِبَادَةٌ فَاسِدَةٌ فَتُحَرَّمُ اهـ سم عَلَى حَجّ زَادَ سم عَلَى مَنْهَجٍ بَعْدَ مِثْلِ مَا ذُكِرَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ مَعَ أَنَّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ وَقَبْلَ صَلَاةٍ لِأَنَّهُ قِيلَ بِحُصُولِ التَّثْلِيثِ بِهِ وَذَلِكَ شُبْهَةٌ دَافِعَةٌ لِلتَّحْرِيمِ م ر.
أَقُولُ: لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ التَّجْدِيدَ قَبْلَ فِعْلِ صَلَاةٍ مَكْرُوهٌ فَقَطْ كَمَا تَقَرَّرَ (قَوْلُهُ: فَكَعُضْوٍ وَاحِدٍ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ الْيَدَ الْيُمْنَى مَرَّةً ثُمَّ الْيُسْرَى كَذَلِكَ وَأَعَادَ ذَلِكَ ثَانِيًا وَثَالِثًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حُسِبَ التَّثْلِيثُ لِأَنَّهُمَا عُضْوٌ وَاحِدٌ كَالْفَمِ وَالْأَنْفِ، لَكِنْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ مَا نَصُّهُ: وَهَلْ تَحْصُلُ سُنَّةُ التَّيَمُّنِ بِاكْتِحَالِهِ فِي الْيُمْنَى مَرَّةً ثُمَّ فِي الْيُسْرَى مَرَّةً ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَانِيًا وَثَالِثًا أَوْ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَقْدِيمِ الْمَرَّاتِ الثَّلَاثِ فِي الْأُولَى؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي قِيَاسًا عَلَى الْعُضْوَيْنِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ كَالْيَدَيْنِ.
وَيُحْتَمَلُ حُصُولُهَا بِالْأُولَى كَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ عَلَى بَعْضِ الصُّوَرِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ اهـ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى حَجّ مَا نَصُّهُ: وَفِي قَوْلِهِ: يَعْنِي شَرْحَ الرَّوْضِ كَالْيَدَيْنِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تَثْلِيثَ الْيَدَيْنِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَثْلِيثِ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى بَلْ لَوْ ثَلَّثَهُمَا مَعًا: أَيْ أَوْ مُرَتَّبًا أَجْزَأَ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ.
وَهَذَا هُوَ الْمُتَّجَهُ إذْ لَا يُشْتَرَطُ تَرْتِيبٌ (قَوْلُهُ وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ) وَلَوْ فِي الْمَاءِ الْمَوْقُوفِ.
نَعَمْ يَكْفِي ظَنُّ اسْتِيعَابَ الْعُضْوِ بِالْغَسْلِ وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْهُ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ اهـ حَجّ، وَعَلَيْهِ فَيُسْتَثْنَى هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ الْمُرَادُ بِالشَّكِّ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ
(قَوْلُهُ: مَسْحَةً وَاحِدَةً) وَلَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ الْمَسْحُ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي الثَّلَاثِ حَتَّى يَحْصُلَ التَّثْلِيثُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَاءَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا) قَالَ حَجّ: أَيْ لِاخْتِلَاطِ بَلَلِهِ بِبَلَلِ يَدِهِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ حُكْمًا بِالنِّسْبَةِ لِلثَّانِيَةِ، وَلِضَعْفِ الْبَلَلِ أَثَّرَ فِيهِ أَدْنَى اخْتِلَاطٍ فَلَا يُنَافِيهِ مَا مَرَّ مِنْ التَّقْدِيرِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَمْ تُحْسَبْ غَسْلَةً أُخْرَى لِكَوْنِهِ تَافِهًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَاءِ الِانْغِمَاسِ، وَلَوْ مَسَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ وَقَعَ قَدْرُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فَرْضًا وَالْبَاقِي سُنَّةً كَنَظِيرِهِ مِنْ تَطْوِيلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ، بِخِلَافِ إخْرَاجِ بَعِيرِ الزَّكَاةِ عَنْ دُونِ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ كَمَا اعْتَمَدَ ذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ مَا يُمْكِنُ تَجْزِيئُهُ يَقَعُ قَدْرَ الْوَاجِبِ فَرْضًا فَقَطْ، بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ كَبَعِيرِ الزَّكَاةِ (ثُمَّ) بَعْدَ الرَّأْسِ يَمْسَحُ (أُذُنَيْهِ) ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ لِلِاتِّبَاعِ، وَلَا يُشْكِلُ امْتِنَاعُ مَسْحِ صِمَاخَيْهِ بِبَلَلِ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ وَبَلَلِ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مَعَ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي ذَلِكَ طَهُورٌ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَكْمَلُ لَا أَصْلُ السُّنَّةِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِذَلِكَ كَمَا جَزَمَ بِهِ السُّبْكِيُّ فِي فَتَاوِيهِ.
وَعُلِمَ مِنْ إتْيَانِهِ بِثُمَّ اشْتِرَاطُ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ فِي حُصُولِ السُّنَّةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَلَا يُسَنُّ مَسْحُ الرَّقَبَةِ بَلْ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ إنَّهُ بِدْعَةٌ، قَالَ: وَأَمَّا خَبَرُ «مَسْحُ الرَّقَبَةِ أَمَانٌ مِنْ الْغُلِّ» فَمَوْضُوعٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اسْتِحْبَابَ مَسْحِهِمَا غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِاسْتِيعَابِ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، وَمَنْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ مُتَمَسِّكًا بِذِكْرِهِمْ ذَلِكَ عَقِبَ مَسْحِ كُلِّهَا فَقَدْ وَهَمَ (فَإِنْ عَسِرَ رَفْعُ) نَحْوِ (الْعِمَامَةِ) أَوْ لَمْ يُرِدْ نَزْعَهَا كَقَلَنْسُوَةٍ وَخِمَارٍ (كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا) سَوَاءٌ أَعَسِرَ عَلَيْهِ تَنْحِيَتُهَا أَمْ لَا، «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ» ، فَالتَّعْبِيرُ بِالْعُسْرِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ.
وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ كَمَّلَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَإِنْ سَقَطَ مَسْحُ الرَّأْسِ لِنَحْوِ عِلَّةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ إجْزَاءُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ تَحْتَهَا عِرْقِيَّةٌ وَنَحْوُهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ إجْزَاءِ الْمَسْحِ عَلَى الطَّيْلَسَانِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِهَذَا التَّكْمِيلِ لُبْسُهَا عَلَى طُهْرٍ، وَفَارَقَتْ الْخُفَّ بِأَنَّهُ بَدَلٌ دُونَهَا
[حاشية الشبراملسي]
فِي اخْتِلَاطِ الْمُسْتَعْمَلِ بِغَيْرِهِ اهـ حَجّ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم: لَا يَخْفَى إشْكَالُهُ مَعَ قَاعِدَةِ أَنَّا لَا نَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ بِالشَّكِّ مَعَ أَنَّ الْفَرْضَ أَقَلُّ مُجْزِئٍ وَمَاؤُهُ يَسِيرٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ لِمَاءِ الْبَاقِي، فَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ لَوْ قَدَّرَ مُخَالِفًا وَسَطًا فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ (قَوْلُهُ: لَمْ تُحْسَبْ غَسْلَةٌ أُخْرَى) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَسَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ إلَخْ) نَقَلَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا: انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْبَيَاضَ الدَّائِرَ حَوْلَ الْأُذُنِ لَيْسَ مِنْ الرَّأْسِ مَعَ قُرْبِهِ مِنْهَا، فَالْأُذُنُ أَوْلَى بِذَلِكَ بِرّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: لَا يُخَالِفُهُ مَا مَرَّ بِالْهَامِشِ عَنْ حَجّ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَشَرَةُ رَأْسِهِ وَإِنْ قَلَّ حَتَّى الْبَيَاضِ الْمُحَاذِي لِأَعْلَى الدَّائِرِ حَوْلَ الْأُذُنِ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ الصَّغِيرِ، لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ حَجّ فِي الْبَيَاضِ الْمُحَاذِي لِأَعْلَى الدَّائِرِ وَهَذَا فِي نَفْسِ الدَّائِرِ (قَوْلُهُ ثُمَّ بَعْدَ الرَّأْسِ) أَيْ مَسْحِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، وَدَفَعَ بِذَلِكَ مَا قَدْ يُوهِمُهُ الْمَتْنُ مِنْ أَنَّ مَسْحَ الْأُذُنَيْنِ مَشْرُوطٌ بِتَقَدُّمِ مَسْحِ كُلِّ الرَّأْسِ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي كَلَامِهِ (قَوْلُهُ: صِمَاخَيْهِ) هُوَ بِالْكَسْرِ: خَرْقُ الْأُذُنِ انْتَهَى مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَلَا يُسَنُّ مَسْحُ الرَّقَبَةِ) وَهِيَ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ مُؤَخَّرُ أَصْلِ الْعُنُقِ.
وَفِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَالْعُنُقُ: هُوَ الْوُصْلَةُ بَيْنَ الرَّأْسِ وَالْجَسَدِ.
وَفِي الْقَامُوسِ الْوُصْلَةُ بِالضَّمِّ: الِاتِّصَالُ، وَكُلُّ مَا اتَّصَلَ بِشَيْءٍ فَمَا بَيْنَهُمَا وُصْلَةٌ وَالْجَمْعُ كَصُرَدٍ (قَوْلُهُ: إنَّهُ بِدْعَةٌ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ أَمَانٌ مِنْ الْغُلِّ) بِضَمِّ الْغَيْنِ طَوْقٌ حَدِيدٌ يُجْعَلُ فِي عُنُقِ الْأَسِيرِ تُضَمُّ بِهِ يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ اهـ قَامُوسٌ.
قُلْت، وَبِكَسْرِهَا: الْحِقْدُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: 43] (قَوْلُهُ كَمُلَ بِالْمَسْحِ) فَإِنْ كَانَ بِهَا نَجَاسَةٌ وَلَوْ مَعْفُوًّا عَنْهَا لَمْ يَجُزْ قِيَاسًا عَلَى مَا يَأْتِي فِي مَسْحِ الْخُفِّ، لَكِنْ سَيَأْتِي عَنْ سم عَلَى حَجّ نَقْلًا عَنْ م ر أَنَّهُ لَوْ عَمَّتْ النَّجَاسَةُ الْخُفَّ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا حَيْثُ كَانَتْ مَعْفُوًّا عَنْهَا فَهَلْ قِيَاسُهُ كَذَلِكَ هُنَا أَوْ لَا وَيُفَرَّقُ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَقْرَبُ لِأَنَّ التَّكْمِيلَ عَلَى الْعِمَامَةِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ وَهُوَ مُسْقِطٌ لِلْفَرْضِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ الْمُؤَدِّي لِلتَّنْجِيسِ، بِخِلَافِ مَسْحِ الْخُفِّ فَإِنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، لَا يُقَالُ: يُمْكِنُ نَزْعُ الْخُفِّ وَغَسْلُ الرِّجْلِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: فِيهِ مَشَقَّةٌ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا نُكَلِّفُهُ (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ بَدَلٌ دُونَهَا) فِيهِ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ مِنْ الْمَسْحِ مُسْقِطٌ لِلْوَاجِبِ وَهَذَا بَدَلٌ لِمَا لَمْ يَمْسَحْهُ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَمَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَفْتَى الْقَفَّالُ بِأَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ اسْتِيعَابُ مَسْحِ رَأْسِهَا وَمَسْحِ الذَّوَائِبِ الْمُسْتَرْسِلَةِ تَبَعًا، وَأَلْحَقَ غَيْرُهُ ذَوَائِبَ الرَّجُلِ بِذَوَائِبِهَا فِي ذَلِكَ، لَكِنْ جَزَمَ فِي الْمَجْمُوعِ بِعَدَمِ اسْتِحْبَابِ مَسْحِ الذَّوَائِبِ، وَظَاهِرُ تَعْبِيرِهِمْ بِالتَّكْمِيلِ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُهُ وَأَنَّهُ يَمْسَحُ مَا عَدَا مُقَابِلِ الْمَمْسُوحِ مِنْ الرَّأْسِ وَيَكُونُ بِهِ مُحَصِّلًا لِلسُّنَّةِ
(وَ) مِنْ سُنَنِهِ (تَخْلِيلُ) نَحْوِ (اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ) مِنْ كُلِّ شَعْرٍ يَكْتَفِي بِغَسْلِ ظَاهِرِهِ وَيَكُونُ بِأَصَابِعِهِ مِنْ أَسْفَلِهِ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا تَوَضَّأَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ» .
أَمَّا الشَّعْرُ الْخَفِيفُ أَوْ الْكَثِيفُ الَّذِي فِي حَدِّ الْوَجْهِ مِنْ لِحْيَةِ غَيْرِ الرَّجُلِ وَعَارِضَيْهِ فَيَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ وَمَنَابِتِهِ بِتَخْلِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمَحَلُّ سَنِّ التَّخْلِيلِ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ.
أَمَّا هُوَ فَلَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَسَاقُطِ شَعْرِهِ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (وَ) مِنْ سُنَنِهِ تَخْلِيلُ (أَصَابِعِهِ) مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِتَشْبِيكِ يَدَيْهِ، إذْ مَحَلُّ كَرَاهَةِ تَشْبِيكِهِمَا فِيمَنْ كَانَ بِالْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَفِي رِجْلَيْهِ بِأَنْ يَبْتَدِئَ بِخِنْصَرِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى وَيَخْتِمَ بِخِنْصَرِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى وَيُخَلِّلَ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى مِنْ أَسْفَلِ رِجْلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتْ أَصَابِعُهُ مُلْتَفَّةً بِحَيْثُ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَيْهَا إلَّا بِالتَّخْلِيلِ وَنَحْوِهِ وَجَبَ، أَوْ مُلْتَحِمَةً حَرُمَ فَتْقُهَا لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ بِلَا ضَرُورَةٍ: أَيْ إنْ خَافَ مَحْذُورَ تَيَمُّمٍ فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ (وَ) مِنْ سُنَنِهِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ) أَيْ فَيَتَيَمَّمُ عَنْ الرَّأْسِ وَلَا يَكْفِي مَسْحُ مَا عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: مَسْحِ الذَّوَائِبِ) أَيْ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ.
قَالَ سم عَلَى حَجّ: إنَّ هَذَا عَرَضَ عَلَى م ر بَعْدَ كَلَامِ الْقَفَّالِ فَرَجَعَ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: مُتَأَخِّرٌ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ) حَتَّى لَوْ ابْتَدَأَ بِمَسْحِ الْعِمَامَةِ ثُمَّ مَسَحَ جُزْءًا مِنْ رَأْسِهِ لَا يَكُونُ آتِيًا بِالسُّنَّةِ، وَلَكِنْ يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِمَا فَعَلَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ قَوْلُهُ: كَمُلَ بِالْمَسْحِ إلَخْ الظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَهَا كَالرَّأْسِ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ بِرَفْعِ الْيَدِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَوْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ وَرَفَعَ يَدَهُ ثُمَّ أَعَادَهَا عَلَى الْعِمَامَةِ لِتَكْمِيلِ الْمَسْحِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِانْفِصَالِهِ عَنْ الرَّأْسِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَلَكِنْ يُغْفَلُ عَنْهُ كَثِيرًا عِنْدَ التَّكْمِيلِ عَلَى الْعِمَامَةِ، ثُمَّ ذَلِكَ الْقَدْرُ الْمَمْسُوحُ مِنْ الرَّأْسِ هَلْ يَمْسَحُ مَا يُحَاذِيهِ مِنْ الْعِمَامَةِ؟ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ لَا انْتَهَى: أَيْ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ التَّكْمِيلِ
(قَوْلُهُ: أَمَّا هُوَ فَلَا يُؤَدِّي إلَخْ) خِلَافًا لِلْخَطِيبِ عَلَى الْغَايَةِ وَمِثْلُهُ فِي حَجّ (قَوْلُهُ: بِتَشْبِيكِ يَدَيْهِ)
بِأَنْ يُدْخِلَ أَصَابِعَ إحْدَى يَدَيْهِ فِي أَصَابِعِ الْأُخْرَى سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وَضَعَ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى أَوْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ أَنَّهُ يَضَعُ بَطْنَ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ الْيُمْنَى وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ يَضَعُ بَطْنَ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ الْيُسْرَى وَيَفْعَلُ كَذَلِكَ اهـ.
أَقُولُ: وَلَعَلَّ هَذَا مِنْهُ مُجَرَّدُ تَصْوِيرٍ إذْ الْمَدَارُ عَلَى تَحَقُّقِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَهُوَ صَحِيحٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: إذْ مَحَلُّ كَرَاهَةِ تَشْبِيكِهِمَا) عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: لَوْ سَلَّمَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا لَا يُشْكِلُ، لِأَنَّ مَا هُنَا مَطْلُوبٌ بِخُصُوصِهِ فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ إطْلَاقِ الْكَرَاهَةِ (قَوْلُهُ: فِيمَنْ كَانَ بِالْمَسْجِدِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُهَا، وَهُوَ خِلَافُ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حَيْثُ قَالَ: وَيُكْرَهُ أَيْضًا تَشْبِيكُ الْأَصَابِعِ وَالْعَبَثُ حَالَ الذَّهَابِ لِلصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جُمُعَةً وَانْتِظَارُهَا اهـ.
فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي انْتِظَارِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِمَسْجِدٍ (قَوْلُهُ: وَيُخَلِّلُ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْيُسْرَى وَالْيُمْنَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَهُوَ الرَّاجِحُ الْمُخْتَارُ اهـ ع.
قُلْت: هُوَ ضَعِيفٌ، أَوْ يُقَالُ سَوَاءٌ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ السُّنَّةِ (قَوْلُهُ: أَصْلُ السُّنَّةِ حَرُمَ فَتْقُهَا) أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَوْ فَتَقَهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ هَلْ يَجِبُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ أَمْ لَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: مِنْ لِحْيَةِ غَيْرِ الرَّجُلِ وَعَارِضَيْهِ) أَيْ وَغَيْرِهِمَا، وَلَوْ قَدَّمَ لَفْظَ غَيْرِ عَلَى لَفْظِ لِحْيَةٍ لَأَفَادَ ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ أَصْلُ الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ: فِيمَنْ كَانَ بِالْمَسْجِدِ إلَخْ) أَيْ وَكَانَ تَشْبِيكُهُ عَبَثًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَلَا يَضُرُّ التَّشْبِيكُ فِي الْوُضُوءِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ.
(تَقْدِيمُ الْيَمِينِ) عَلَى الْيَسَارِ لِلْأَقْطَعِ وَنَحْوِهِ فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَلِغَيْرِهِ فِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَابِسَ خُفٍّ فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِمَسْحِهِمَا مَعًا " لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ " أَيْ تَسْرِيحُ شَعْرِهِ وَطَهُورُهُ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ: أَيْ مِمَّا هُوَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ كَاكْتِحَالٍ وَنَتْفِ إبْطٍ وَحَلْقِ نَحْوِ رَأْسٍ وَلُبْسِ نَحْوِ نَعْلٍ وَثَوْبٍ وَتَقْلِيمِ ظُفْرٍ وَقَصِّ شَارِبٍ وَمُصَافَحَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
أَمَّا الْكَفَّانِ وَالْخَدَّانِ وَالْأُذُنَانِ لِغَيْرِ نَحْوِ الْأَقْطَعِ فَيُطَهَّرَانِ مَعًا
(وَ) مِنْ سُنَنِهِ (إطَالَةُ غُرَّتِهِ) لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنْتُمْ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ» وَمَعْنَى غُرًّا مُحَجَّلِينَ: بِيضُ الْوُجُوهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ كَالْفَرَسِ الْأَغَرِّ: وَهُوَ الَّذِي فِي وَجْهِهِ بَيَاضٌ، وَالْمُحَجَّلُ: وَهُوَ الَّذِي قَوَائِمُهُ بِيضٌ.
وَالْإِطَالَةُ فِيهَا غَسْلُ الزَّائِدِ عَلَى الْوَاجِبِ مِنْ الْوَجْهِ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ.
وَغَايَتُهَا غَسْلُ صَفْحَتَيْ الْعُنُقِ مَعَ مُقَدِّمَاتِ الرَّأْسِ (وَ) إطَالَةُ (تَحْجِيلِهِ) بِغَسْلِ
[حاشية الشبراملسي]
لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ خُلِقَتْ كَذَلِكَ أَصَالَةً؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَيُحْتَمَلُ وُجُوبُهُ كَمَا لَوْ تَدَلَّتْ جِلْدَةٌ وَالْتَصَقَتْ بِالسَّاعِدِ وَصَارَ يَخْشَى مِنْ فَتْقِهَا مِنْ السَّاعِدِ مَحْذُورَ تَيَمُّمٍ، فَإِنَّهَا إذَا فُتِقَتْ بَعْدَ الْغَسْلِ وَجَبَ غَسْلُ مَا ظَهَرَ لِعُرُوضِ الِالْتِصَاقِ وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ (قَوْلُهُ: عَلَى الْيَسَارِ) أَيْ فَلَوْ قَدَّمَ الْيَسَارَ عَلَى الْيَمِينِ أَوْ غَسَلَهُمَا مَعًا كُرِهَ (قَوْلُهُ: مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ إلَخْ) وَيَلْحَقُ بِهِ مَا لَا تَكْرِمَةَ فِيهِ وَلَا إهَانَةَ كَمَا مَرَّ اهـ حَجّ وَتَقَدَّمَ فِي الشَّرْحِ فِي آدَابِ الْخَلَاءِ عَنْ الْمَجْمُوعِ مَا يَقْتَضِي خِلَافًا (قَوْلُهُ: فَيَطْهُرَانِ مَعًا) أَيْ فَلَوْ بَدَأَ بِالْيَمِينِ فَجَوَّزَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ أَخْذَ كَرَاهَتِهِ مِنْ عِبَارَتِهِ، لَكِنَّ فَرْضَ الْكَلَامِ فِي التَّرْتِيبِ أَعَمُّ مِنْ الْبُدَاءَةِ بِالْيَمِينِ.
وَذَكَر م ر أَنَّ فِي ذَلِكَ تَرَدُّدًا وَمَالَ لِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ فَلْيُرَاجَعْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَإِطَالَةُ غُرَّتِهِ إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: كَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ اتِّصَالُهَا بِالْوَاجِبِ وَأَنَّهُ إنْ شَاءَ قَدَّمَهَا وَإِنْ شَاءَ قَدَّمَهُ اهـ عَمِيرَةُ.
وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا لَوْ قَدَّمَهَا عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ حَيْثُ سَبَقَتْ نِيَّةُ مُعْتَدٍّ بِهَا كَأَنْ نَوَى عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ وَانْغَسَلَ بِمَا فَعَلَهُ جُزْءٌ مِنْ الشَّفَتَيْنِ فَإِنَّ النِّيَّةَ صَحِيحَةٌ وَالْغَسْلُ لَاغٍ إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْوَجْهَ وَإِنْ قَصَدَهُ اُعْتُدَّ بِهِ،
وَفِي الْحَالَيْنِ لَوْ غَسَلَ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ صَفْحَتَيْ الْعُنُقِ ثُمَّ الْوَجْهَ أَجْزَأَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْغُرَّةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ النِّيَّةِ (قَوْلُهُ: الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ إلَخْ) وَفِي رِوَايَةٍ «إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ» بِضَمِّ أَوَّلِهِ: أَيْ يُنَادَوْنَ أَوْ يُسَمَّوْنَ.
قَالَ الرَّاغِبُ الدُّعَاءُ كَالنِّدَاءِ، لَكِنَّ النِّدَاءَ قَدْ يُقَالُ: إذَا قِيلَ: يَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ الِاسْمُ وَالدُّعَاءُ لَا يَكَادُ يُقَالُ إلَّا إذَا كَانَ مَعَهُ الِاسْمُ نَحْوَ: يَا فُلَانُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَحَلَّ الْآخَرِ.
وَيُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ التَّسْمِيَةِ كَدَعَوْتُ ابْنِي زَيْدًا أَيْ سَمَّيْته اهـ مُنَاوِيٌّ عِنْدَ شَرْحِ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَذَكَرَ أَيْضًا فِي مَحَلٍّ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ شَرْحِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي مِثْلِ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا نَصُّهُ: وَظَاهِرُ قَوْلِهِ مِنْ إسْبَاغِ الْوُضُوءِ أَنَّ هَذِهِ السِّيمَا إنَّمَا تَكُونُ لِمَنْ تَوَضَّأَ فِي الدُّنْيَا.
وَفِيهِ رَدٌّ لِمَا نَقَلَهُ الْفَاسِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ أَنَّ الْغُرَّةَ وَالتَّحْجِيلَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ تَوَضَّأَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَا، كَمَا يُقَالُ لَهُمْ أَهْلُ الْقِبْلَةِ مَنْ صَلَّى مِنْهُمْ وَمَنْ لَا انْتَهَى.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَلَا تَحْصُلُ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ إلَّا لِمَنْ تَوَضَّأَ بِالْفِعْلِ أَمَّا مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ فَلَا يَحْصُلَانِ لَهُ اهـ.
وَمَنْ نُقِلَ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْطَأَ لِأَنَّهُ قَوْلٌ لِلزَّنَاتِيِّ الْمَالِكِيِّ لَا لِلشَّيْخِ.
وَيَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِمَنْ تَوَضَّأَ حَالَ حَيَاتِهِ كَمَا أَشْعَرَ تَعْبِيرُهُ بِتَوَضَّأَ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ طِفْلًا لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ وُضُوءٌ لَمْ يَأْتِ كَذَلِكَ.
وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ لِأَنَّ تَرْكَهُ الْوُضُوءَ كَانَ مَعْذُورًا فِيهِ فَلَا يَدْخُلُ مَنْ وَضَّأَهُ الْغَاسِلُ.
وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ تَيَمَّمَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَيَنْبَغِي الْأَوَّلُ لِإِقَامَةِ الشَّارِعِ لَهُ مَقَامَ الْوُضُوءِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ) وَتُسَنُّ إطَالَتُهُمَا فِي التَّيَمُّمِ أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ.
وَعِبَارَتُهُ ثُمَّ عُطِفَا عَلَى مَا يُسَنُّ وَالْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ.
وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ، ومر خَارِجٌ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا مَفْهُومَ لَهُ (قَوْلُهُ: فِي وَجْهِهِ بَيَاضٌ) وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِكَوْنِهِ فِي جَبْهَتِهِ.
وَكَوْنِهِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الزَّائِدِ عَنْ الْوَاجِبِ مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ، وَغَايَتُهُ اسْتِيعَابُ الْعَضُدَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ: وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ شَامِلٌ لِمَحَلِّ الْغَسْلِ الْوَاجِبِ وَالْمَسْنُونِ، وَلَا فَرْقَ فِي سَنِّ تَطْوِيلِهِمَا بَيْنَ بَقَاءِ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَسُقُوطِهِ، لِأَنَّ الْمَيْسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ خِلَافًا لِلْإِمَامِ
(وَ) مِنْ سُنَنِهِ (الْمُوَالَاةُ) وَهِيَ التَّتَابُعُ بِحَيْثُ يَغْسِلُ الْعُضْوَ الثَّانِيَ قَبْلَ جَفَافِ الْأَوَّلِ مَعَ اعْتِدَالِ الزَّمَانِ وَالْمِزَاجِ وَالْهَوَاءِ، وَيُقَدَّرُ الْمَمْسُوحُ مَغْسُولًا: وَقَدْ يَجِبُ الْوَلَاءُ لِضِيقِ وَقْتٍ وَفِي وُضُوئِهِ نَحْوُ سَلَسٍ (وَأَوْجَبَهَا الْقَدِيمُ) لِخَبَرِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمَيْهِ لُمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ» وَأُجِيبُ بِضَعْفِ الْخَبَرِ، وَدَلِيلُ الْأَوَّلِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فِي السُّوقِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ، لِلْمُسْتَنْجِي إلَى جِنَازَةٍ فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَصَلَّى» .
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَبَيْنَهُمَا تَفْرِيقٌ كَثِيرٌ.
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ التَّفْرِيقُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا يُبْطِلُهَا التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ فَكَذَا الْكَثِيرُ كَالْحَجِّ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ حَيْثُ لَا عُذْرَ مَعَ الطُّولِ، أَمَّا مَعَ الْعُذْرِ فَلَا يَضُرُّ قَطْعًا، وَأَمَّا الْيَسِيرُ فَبِالْإِجْمَاعِ
(وَ) مِنْ سُنَنِهِ (تَرْكُ الِاسْتِعَانَةِ) بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِأَنَّهَا تَرِفَةٌ لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْمُتَعَبِّدِ، فَهِيَ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ لَا مَكْرُوهَةٌ، وَفِي إحْضَارِ الْمَاءِ مُبَاحَةٌ، وَفِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مَكْرُوهَةٌ، وَتَجِبُ عَلَى عَاجِزٍ وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ وَجَدَهَا فَاضِلَةً عَمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْفِطْرَةِ
[حاشية الشبراملسي]
فَوْقَ الدِّرْهَمِ.
وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: وَالْغُرَّةُ فِي الْجَبْهَةِ بَيَاضٌ فَوْقَ الدِّرْهَمِ (قَوْلُهُ: الزَّائِدِ عَلَى الْوَاجِبِ) وَمِنْ الْوَاجِبِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ، فَالْإِطَالَةُ غَسْلُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَهِيَ التَّتَابُعُ) يُخْرِجُ الْمَعِيَّةَ فَلْيُتَأَمَّلْ فِيهَا سم عَلَى بَهْجَةٍ.
قُلْت: الظَّاهِرُ حُصُولُ الْمُوَالَاةِ لِأَنَّ هَذَا مَعَ مَا قَبْلَهُ كَأَنَّهُمَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ لِعَدَمِ تَخَلُّلِ فَاصِلٍ بَيْنَهُمَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا فِي عُضْوَيْنِ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: قَبْلَ جَفَافِ الْأَوَّلِ) لَوْ مَسَحَ الرَّأْسَ ثُمَّ الْأُذُنَيْنِ ثُمَّ غَسَلَ الرِّجْلَيْنِ وَكَانَ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ مَسْحِ الرَّأْسِ وَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ لَوْ لَمْ يُفْرَضْ اشْتِمَالُهُ عَلَى مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ لَجَفَّ الرَّأْسُ وَبِوَاسِطَتِهِ لَمْ يَحْصُلْ الْجَفَافُ لِلْأُذُنَيْنِ لَوْ قُدِّرَ غَسْلُهُمَا قَبْلَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فَهَلْ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ الْمُوَالَاةِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَلَا يَبْعُدُ الثَّانِي كَمَا لَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأُولَى حَصَلَ الْجَفَافُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَدِ، وَلَمَّا غَسَلَ الثَّالِثَةَ لَمْ يَجِفَّ مَحَلُّهَا، وَقُلْنَا بِحُصُولِ الْمُوَالَاةِ.
وَفِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ: وَإِذَا غَسَلَ ثَلَاثًا فَالْعِبْرَةُ بِالْأَخِيرَةِ.
قَالَ سم عَلَيْهِ: بَلْ يُشْتَرَطُ الْوَلَاءُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثَّانِيَةِ وَبَيْنَ الثَّانِيَةِ وَالْأُولَى حَتَّى لَوْ لَمْ يُوَالِ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَوَالَى بَيْنَ الثَّالِثَةِ وَالْعُضْوِ الَّذِي بَعْدَهَا لَمْ تَحْصُلْ سُنَّةُ الْمُوَالَاةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَلَعَلَّ الِاشْتِرَاطَ أَقْرَبُ بَلْ لَا يَتَّجِهُ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ وَالْمِزَاجِ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: مِزَاجُ الْجَسَدِ بِالْكَسْرِ طَبَائِعُهُ الَّتِي يَأْتَلِفُ مِنْهَا (قَوْلُهُ: وَأَوْجَبُهَا الْقَدِيمُ) لَمْ يَقُلْ وَالْمُوَالَاةُ فِي الْجَدِيدِ، وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الْقَدِيمَ خِلَافُهُ، لَعَلَّهُ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يُعْلَمْ مَا يَقُولُ بِهِ الْقَدِيمُ أَهُوَ الْإِبَاحَةُ أَوْ الْوُجُوبُ أَوْ غَيْرُهُمَا، وَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تُسَنُّ فِي الْقَدِيمِ
(قَوْلُهُ: بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ إلَخْ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِلِاسْتِعْمَالِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِحَيْثُ لَا يَتَأَتَّى اسْتِعْمَالٌ مِنْهَا عَلَى غَيْرِهِ، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا مُجَرَّدَ التَّرَفُّهِ، بَلْ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْوُضُوءِ مِنْهَا الْخُرُوجُ مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَ الْوُضُوءَ مِنْ الْفَسَاقِي الصَّغِيرَةِ وَنَظَافَةُ مَائِهَا فِي الْغَالِبِ عَنْ مَاءِ غَيْرِهَا (قَوْلُهُ: عَمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْفِطْرَةِ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ وُجُوبُ تَقْدِيمِ الْأُجْرَةِ عَلَى الدَّيْنِ، لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَهُ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ.
وَفِي الدَّمِيرِيِّ مَا نَصُّهُ: إنْ وَجَدَهَا فَاضِلَةً عَلَى كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ كِفَايَتُهُ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ وَقَضَاءَ دَيْنِهِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ مِنْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: عَمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْفِطْرَةِ) أَيْ فَلَا يُعْتَبَرُ فَضْلُهَا عَنْ الدِّينِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَمَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا مِنْ اعْتِبَارِ فَضْلِهَا عَنْهُ قِيَاسًا عَلَى مَا فِي التَّيَمُّمِ مَمْنُوعٌ لِوُجُودِ الْفَارِقِ، وَهُوَ وُجُودُ الْبَدَلِ هُنَاكَ لَا هُنَا
فِي الْأَوْجَهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَنْبَغِي أَيْ فِي عَدَمِ كَرَاهَتِهَا أَنْ يَكُونَ الْمُعَيَّنُ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ لِيَخْرُجَ الْكَافِرُ وَنَحْوَهُ انْتَهَى، وَإِطْلَاقُهُمْ يُخَالِفُهُ، وَتَعْبِيرُهُ بِالِاسْتِعَانَةِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ عَلَى أَنَّ السِّينَ تَرِدُ لِغَيْرِ الطَّلَبِ كَاسْتَحْجَرَ الطِّينُ: أَيْ صَارَ حَجَرًا، فَلَوْ أَعَانَهُ غَيْرُهُ مَعَ قُدْرَتِهِ وَهُوَ سَاكِتٌ مُتَمَكِّنٌ مِنْ مَنْعِهِ كَانَ كَطَلَبِهَا (وَ) مِنْ سُنَنِهِ تَرْكُ (النَّفْضِ) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ التَّبَرِّي مِنْ الْعِبَادَةِ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ خِلَافًا لِلرَّوْضَةِ مِنْ كَوْنِهِ مُبَاحًا وَلِلشَّرْحَيْنِ مِنْ كَرَاهَتِهِ (وَكَذَا التَّنْشِيفُ) بِالرَّفْعِ بِخَطِّهِ: أَيْ تَرْكُهُ مِنْ بَلَلِ مَاءِ وُضُوئِهِ بِلَا عُذْرٍ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى (فِي الْأَصَحِّ) لِمَا صَحَّ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ بَعْدَ غُسْلِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ فَرَدَّهُ وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ» .
وَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِإِبَاحَةِ النَّفْضِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ فَعَلَهُ بَيَانًا لِلْجَوَازِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ مُبَاحٌ وَاخْتَارَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.
وَالثَّالِثُ مَكْرُوهٌ.
وَالتَّعْبِيرُ بِالتَّنْشِيفِ لَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمَسْنُونَ تَرْكُهُ إنَّمَا هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَهُ، إذْ هُوَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ أَخْذُ الْمَاءِ بِخِرْقَةٍ، أَمَّا إذَا كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ فَلَا يُسَنُّ تَرْكُهُ بَلْ يَتَأَكَّدُ سَنَّهُ كَأَنْ خَرَجَ بَعْدَ وُضُوئِهِ فِي هُبُوبِ رِيحٍ تَنَجَّسَ أَوْ آلَمَهُ شِدَّةٌ نَحْوَ بَرْدٍ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَيِّتَ يُسَنُّ تَنْشِيفُهُ، وَالتَّعْبِيرُ بِالتَّنْشِيفِ هُنَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لَا النَّشْفُ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْأَوَّلَ أَخْذُ الْمَاءِ بِخِرْقَةٍ وَأَمَّا الثَّانِي بِمَعْنَى الشُّرْبِ فَلَا يَظْهَرُ هُنَا إلَّا بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ.
وَبَقِيَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ ذُكِرَتْ فِي الْمُطَوَّلَاتِ وَأَشَارَ إلَى خَتْمِهَا فَقَالَ (وَيَقُولُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ
[حاشية الشبراملسي]
تَقْدِيمِ الدَّيْنِ عَلَى زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالُوهُ فِي التَّيَمُّمِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ احْتَاجَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ إلَى ثَمَنِ الْمَاءِ تَيَمَّمَ، فَقَدَّمُوا الدَّيْنَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَقِيَاسُهُ أَنْ يُقَدَّمَ هُنَا عَلَى الْأُجْرَةِ (قَوْلُهُ فِي الْأَوْجَهِ) أَيْ وَإِلَّا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَأَعَادَ اهـ شَرْحُ الْإِرْشَادِ لِشَيْخِنَا قم (قَوْلُهُ أَيْ فِي عَدَمِ كَرَاهَتِهَا) أَيْ بِأَنْ قُلْنَا خِلَافَ الْأُولَى أَوْ مُبَاحَةً، وَقَوْلُهُ لِيَخْرُجَ الْكَافِرُ إلَخْ مُقْتَضَاهُ أَنَّ إعَانَةَ الْكَافِرِ مَكْرُوهَةٌ مُطْلَقًا عِنْدَهُ وَفِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ تَأَمُّلٌ فَلْيُحَرَّرْ (قَوْلُهُ: لِيَخْرُجَ الْكَافِرُ وَنَحْوُهُ) كَالْمَجْنُونِ (قَوْلُهُ: كَانَ كَطَلَبِهَا) أَيْ فَيَكُونُ خِلَافَ الْأُولَى (قَوْلُهُ: يَنْفُضُ) مِنْ بَابِ نَصَرَ (قَوْلُهُ هُبُوبِ رِيحٍ تُنَجِّسُ) هُوَ شَامِلٌ لِمَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُولُ النَّجَاسَةِ.
وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ التَّضَمُّخَ بِالنَّجَاسَةِ إنَّمَا يَحْرُمُ إذَا كَانَ يَفْعَلُهُ عَبَثًا، وَأَمَّا هَذَا فَلَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى دَفْعِهِ.
نَعَمْ فَيَنْبَغِي وُجُوبُهُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ أَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَا يَغْسِلُ بِهِ وَقَدْ دَخَلَ الْوَقْتُ (قَوْلُهُ: لَا النَّشْفِ) هُوَ بِسُكُونِ الشِّينِ وَفِعْلُهُ نَشِفَ مِنْ بَابِ فَهِمَ، وَقَوْلُهُ بِمَعْنَى الشُّرْبِ قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: يُقَالُ نَشِفَ الثَّوْبُ الْعَرِقَ وَنَشِفَ الْحَوْضُ الْمَاءَ شَرِبَهُ، وَبَابُهُ فَهِمَ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَبَقِيَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ إلَخْ) وَمِنْهَا تَرْكُ الْكَلَامِ.
وَفِي فَتَاوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ سُئِلَ هَلْ يُشْرَعُ السَّلَامُ عَلَى الْمُشْتَغِلِ بِالْوُضُوءِ وَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يُشْرَعُ السَّلَامُ عَلَيْهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ اهـ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُشْتَغِلِ بِالْغُسْلِ لَا يُشْرَعُ السَّلَامُ عَلَيْهِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ قَدْ يَنْكَشِفُ مِنْهُ مَا يَسْتَحْيِ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ فَلَا تَلِيقُ مُخَاطَبَتُهُ حِينَئِذٍ اهـ قب (قَوْلُهُ: وَيَقُولُ بَعْدَهُ) عِبَارَةُ حَجّ بَعْدَهُ: أَيْ عَقِبَ الْوُضُوءِ بِحَيْثُ لَا يَطُولُ بَيْنَهُمَا فَاصِلٌ عُرْفًا فِيمَا يَظْهَرُ، ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ قَالَ: وَيَقُولُ فَوْرًا قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ اهـ.
وَلَعَلَّهُ بَيَانٌ لِلْأَكْمَلِ اهـ.
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ مَتَى طَالَ الْفَصْلُ عُرْفًا لَا يَأْتِي بِهِ كَمَا لَا يَأْتِي بِسُنَّةِ الْوُضُوءِ.
وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ الشَّمْسِ الرَّمْلِيِّ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ وَأَنَّ سُنَّةَ الْوُضُوءِ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ قَالَ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيَخْرُجُ النَّوْعَانِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ مَا نَصُّهُ: وَهَلْ تَفُوتُ سُنَّةُ الْوُضُوءِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الضُّحَى فَإِنَّهُ لَا يَفُوتُ طَلَبُهَا وَإِنْ فَعَلَ بَعْضَهَا فِي الْوَقْتِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الشُّرْبِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: نَشِفَ الثَّوْبُ الْعِرْقَ بِالْكَسْرِ، وَنَشِفَ الْحَوْضُ الْمَاءَ يُنَشِّفُهُ نَشَفًا شَرِبَهُ وَتَنَشَّفَهُ كَذَلِكَ
فَرَاغِ وُضُوئِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) لِخَبَرِ «مَنْ تَوَضَّأَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَخْ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك) لِخَبَرِ «مَنْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك إلَخْ كُتِبَ بِرَقٍّ ثُمَّ طُبِعَ بِطَابَعٍ فَلَمْ يُكْسَرْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَالرَّقُّ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالطَّابَعُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا وَهُوَ الْخَاتَمُ، وَمَعْنَى لَمْ يُكْسَرْ: لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ إبْطَالٌ، وَاعْتَذَرَ عَنْ حَذْفِ دُعَاءِ الْأَعْضَاءِ بِقَوْلِهِ (وَحَذَفْت) بِالْمُعْجَمَةِ: أَيْ أَسْقَطْت (دُعَاءَ الْأَعْضَاءِ) وَهُوَ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ غَسْلِ كَفَّيْهِ: اللَّهُمَّ احْفَظْ يَدَيَّ عَنْ مَعَاصِيك كُلِّهَا.
وَعِنْدَ الْمَضْمَضَةِ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك وَشُكْرِك.
وَعِنْدَ الِاسْتِنْشَاقِ: اللَّهُمَّ أَرِحْنِي رَائِحَةَ الْجَنَّةِ.
وَعِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ: اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ.
وَعِنْدَ غَسْلِ الْيَدِ الْيُمْنَى: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَحَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا.
وَعِنْدَ غَسْلِ الْيُسْرَى: اللَّهُمَّ لَا تُعْطِنِي كِتَابِي بِشِمَالِي وَلَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي.
وَعِنْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ: اللَّهُمَّ حَرِّمْ شَعْرِي وَبَشَرِي عَلَى النَّارِ.
[حاشية الشبراملسي]
قَاصِدًا الْإِعْرَاضَ عَنْ بَاقِيهَا بَلْ يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ، أَوْ بِالْحَدَثِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ، أَوْ بِطُولِ الْفَصْلِ عُرْفًا احْتِمَالَاتٌ أَوْجَهُهَا ثَالِثُهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي رَوْضَتِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَوَضَّأَ أَنْ يُصَلِّيَ عَقِبَهُ (قَوْلُهُ: رَافِعًا يَدَيْهِ) أَيْ كَهَيْئَةِ الدَّاعِي حَتَّى عِنْدَ قَوْلِهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَا يُقِيمُ السَّبَّابَةَ خِلَافًا لِمَا يَفْعَلُهُ ضَعَفَةُ الطَّلَبَةِ مِنْ مُجَاوِرِي الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ (قَوْلُهُ: أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ) أَيْ إكْرَامًا لَهُ، وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ إلَّا مِنْ وَاحِدٍ فَقَطْ: وَهُوَ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى دُخُولُهُ مِنْهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِمَنْ فَعَلَهُ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عُمْرِهِ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَبِحَمْدِك) وَاوُهُ زَائِدَةٌ فَالْكُلُّ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ عَاطِفَةٌ: أَيْ وَبِحَمْدِك سَبَّحْتُك حَجّ (قَوْلُهُ: أَسْتَغْفِرُك) . [تَنْبِيهٌ] مَعْنَى أَسْتَغْفِرُك أَطْلُبُ مِنْك الْمَغْفِرَةَ: أَيْ سَتْرَ مَا صَدَرَ مِنِّي مِنْ نَقْصٍ تَمْحُوهُ فَهِيَ لَا تَسْتَدْعِي سَبْقَ ذَنْبٍ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ نَدْبُ: وَأَتُوبُ إلَيْك وَلَوْ لِغَيْرِ مُتَلَبِّسٍ بِالتَّوْبَةِ.
وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّهُ كَذِبٌ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ: أَيْ أَسْأَلُك أَنْ تَتُوبَ عَلَيَّ، أَوْ بَاقٍ عَلَى خَبَرِيَّتِهِ.
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ بِصُورَةِ التَّائِبِ الْخَاضِعِ الذَّلِيلِ، وَيَأْتِي فِي وَجَّهْت وَجْهِي وَخَشَعَ لَك سَمْعِي مَا يُوَافِقُ بَعْضَ ذَلِكَ اهـ حَجّ.
[فَائِدَةٌ] «مَنْ قَرَأَ فِي أَثَرِ وُضُوئِهِ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1] مَرَّةً وَاحِدَةً كَانَ مِنْ الصِّدِّيقِينَ، وَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الشُّهَدَاءِ، وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا حَشَرَهُ اللَّهُ مَحْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ» . فر عَنْ أَنَسٍ قَالَ السُّيُوطِيّ: فِيهِ أَبُو عُبَيْدَةَ مَجْهُولٌ اهـ مِنْ الْمَجْمُوعِ الْفَائِقِ مِنْ حَدِيثِ خَيْرِ الْخَلَائِقِ لِلْمُنَاوِيِّ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ هُنَا مَا نَصُّهُ: وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ عَقِبَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَيَقْرَأُ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [القدر: 1] أَيْ ثَلَاثًا كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ، ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْأَئِمَّةِ صَرَّحَ بِذَلِكَ اهـ.
وَيُسَنُّ بَعْدَ قِرَاءَةِ السُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي وَلَا تَفْتِنِّي بِمَا زَوَيْت عَنِّي» .
اهـ سُيُوطِيّ فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِهِ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ هَذَا ثَلَاثًا كَمَا مَرَّ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِصَدْرِهِ رَافِعًا يَدَيْهِ وَبَصَرَهُ وَلَوْ نَحْوَ أَعْمَى اهـ حَجّ.
كَمَا يُسَنُّ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى الرَّأْسِ الَّذِي لَا شَعْرَ بِهِ (قَوْلُهُ: كُتِبَ بِرَقٍّ إلَخْ) أَيْ وَيَتَعَدَّدُ ذَلِكَ بِتَعَدُّدِ الْوُضُوءِ لِأَنَّ الْفَضْلَ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: دُعَاءِ الْأَعْضَاءِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ هَذِهِ الْأَدْعِيَةَ كُلَّهَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيُّ تُفِيدُ أَنَّ دُعَاءَ الْكَفَّيْنِ وَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالْأُذُنَيْنِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَرَادَ دُعَاءَ الْأَعْضَاءِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ فِي الْمُحَرَّرِ (قَوْلُهُ: وَحَاسِبْنِي) لَا يُشْكِلُ هَذَا بِأَنَّ فِيهِ طَلَبًا لِلْحِسَابِ مَعَ أَنَّ عَدَمَهُ أَسْهَلُ لِلنَّفْسِ، فَكَانَ اللَّائِقُ طَلَبَ عَدَمِهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ تَحَقُّقِ الْحِسَابِ، وَأَنَّ اخْتِلَافَهُ عَلَى النَّاسِ إنَّمَا هُوَ بِالشِّدَّةِ وَالسُّهُولَةِ، فَكَانَ طَلَبُ عَدَمِهِ بِالْكُلِّيَّةِ طَلَبًا لِمَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ حَرِّمْ شَعْرِي إلَخْ)
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَعِنْدَ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.
وَعِنْدَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِي عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ (إذْ لَا أَصْلَ لَهُ) فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ الرَّافِعِيُّ قَدْ عَدَّهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ مِنْ سُنَنِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي أَذْكَارِهِ وَتَنْقِيحِهِ: لَمْ يَجِئْ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَأَفَادَ الشَّارِحُ أَنَّهُ فَاتَ الرَّافِعِيَّ وَالنَّوَوِيَّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طُرُقٍ فِي تَارِيخِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً لِلْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ.
وَلِهَذَا اعْتَمَدَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْتِحْبَابَهُ، وَأَفْتَى بِهِ وَبِاسْتِحْبَابِهِ أَيْضًا عَقِبَ الْغُسْلِ كَالْوُضُوءِ وَلَوْ مُجَدَّدًا، وَيَتَّجِهُ إلْحَاقُ التَّيَمُّمِ بِهِ عَلَى مَا يَأْتِي فِيهِ، وَنَفَى الْمُصَنِّفُ أَصْلَهُ بِاعْتِبَارِ الصِّحَّةِ.
أَمَّا بِاعْتِبَارِ وُرُودِهِ مِنْ الطُّرُقِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَسْتَحْضِرْهُ حِينَئِذٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ عَدَمُ شِدَّةِ ضَعْفِهِ وَأَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ أَصْلٍ عَامٍّ وَأَنْ لَا يَعْتَقِدَ سُنِّيَّتَهُ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَفِي هَذَا الشَّرْطِ الْأَخِيرِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى.
بَابُ مَسْحِ الْخُفِّ مُرَادُهُ بِهِ الْجِنْسُ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَغْسِلَ رِجْلًا وَيَمْسَحَ عَلَى الْأُخْرَى كَانَ مُمْتَنِعًا.
وَلَمَّا أَنْ كَانَ الْمُتَوَضِّئُ
[حاشية الشبراملسي]
زَادَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ: وَأَظِلَّنِي تَحْتَ عَرْشِك يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّك (قَوْلُهُ وَبِاسْتِحْبَابِهِ) أَيْ بِاسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ الْوَارِدِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَهُوَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: شَرْطُ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْعَامِلُ بِهِ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَمْ لَا، بَلْ قَدْ يُقَالُ: يَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْمُقْتَدَى بِهِ لِيَكُونَ فِعْلُهُ سَبَبًا لِإِفَادَةِ غَيْرِهِ الْحُكْمَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ.
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ مَسْحُ الْخُفِّ: هُوَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ سم عَلَى أَشْجَاعٍ، وَانْظُرْ مَشْرُوعِيَّةَ الْمَسْحِ فِي أَيِّ زَمَنٍ كَانَتْ، وَيُؤْخَذُ مِنْ جَعْلِهِمْ قِرَاءَةَ الْجَرِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: 6] دَلِيلًا عَلَى الْمَسْحِ أَنَّ مَشْرُوعِيَّتَهُ كَانَتْ مَعَ الْوُضُوءِ فَلْيُرَاجَعْ.
ثَمَّ رَأَيْت فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْمِنْهَاجِ مَا نَصُّهُ: وَشُرِعَ الْمَسْحُ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَلَمْ يَكُنْ مَنْسُوخًا بِآيَةِ الْمَائِدَةِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ بِتَبُوكَ» .
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعِمَادِ: وَنُزُولُ الْمَائِدَةِ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِمُدَدٍ كَثِيرَةٍ (قَوْلُهُ: مُرَادُهُ بِهِ الْجِنْسُ) غَرَضُهُ مِنْهُ دَفْعُ مَا أُورِدَ عَلَى الْمَتْنِ مِنْ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَكْفِي غَسْلُ إحْدَاهُمَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الرَّافِعِيُّ قَدْ عَدَّهُ) أَيْ دُعَاءَ الْأَعْضَاءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَإِلَّا فَالرَّافِعِيُّ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُحَرَّرِ جَمِيعَ الْأَدْعِيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (قَوْلُهُ: فَاتَ الرَّافِعِيُّ) أَيْ أَنَّهُ إنَّمَا احْتَجَّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ بِثُبُوتِهِ عَنْ السَّلَفِ، وَالْخَلَفِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَإِلَّا فَالشَّارِحُ لَمْ يَذْكُرْ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ هُنَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَا فِي الْمُحَرَّرِ فَقَطْ (قَوْلُهُ: وَبِاسْتِحْبَابِهِ) يَعْنِي قَوْلَهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَخْ هُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ أَوْهَمَتْ عِبَارَتُهُ خِلَافَهُ (قَوْلُهُ: أَمَّا بِاعْتِبَارِ وُرُودِهِ إلَخْ) كَانَ غَرَضُهُ مِنْهُ الْجَوَابَ عَنْ قَوْلِ الشَّارِحِ الْمَارِّ فَاتَ الرَّافِعِيَّ وَالنَّوَوِيَّ أَنَّهُ رَوَى إلَخْ.
[بَابُ مَسْحِ الْخُفِّ]
ِّ (قَوْلُهُ: مُرَادُهُ بِهِ الْجِنْسُ) هَذَا لَهُ تَتِمَّةٌ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ إلَّا بِهَا، ذَكَرَهَا الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهِيَ أَنَّهُ يُعَدُّ هَذَا مُجْمَلٌ هُنَا مُبَيَّنٌ فِي غَيْرِهِ، وَإِلَّا فَاقْتِصَارُ الشَّارِحِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ يَصْدُقُ بِمَا فَرَّ مِنْهُ.
مُخَيَّرًا بَيْنَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَهُ عَقِبَ الْوُضُوءِ، وَذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَالرَّافِعِيِّ عَقِبَ التَّيَمُّمِ لِأَنَّهُمَا مَسْحَانِ يُجَوِّزَانِ الْإِقْدَامَ عَلَى الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا.
وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ أَخْبَارٌ مِنْهَا خَبَرُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِيرٍ لِأَنَّ إسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ: أَيْ فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ الْوَارِدُ فِيهَا بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ نَاسِخًا لِلْمَسْحِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رَوَيْنَا عَنْ الْحَسَنِ يَبْطُلُ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ» ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى دَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ دَاعِيَةٌ إلَى لِبْسِهِ وَنَزْعِهِ لِكُلِّ وُضُوءٍ يَشُقُّ فَجُوِّزَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ بِقِرَاءَةِ الْجَرِّ فِي أَرْجُلِكُمْ، وَمَسَحَهُ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ لَا مُبِيحَ وَلَا بُدَّ لِجَوَازِهِ مِنْ لِبْسِهِمَا، فَلَوْ لَبِسَ خُفًّا فِي إحْدَاهُمَا بِالشُّرُوطِ لِيَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ الْأُخْرَى لَمْ يَجُزْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا إذَا لَبِسَهُمَا وَأَرَادَ غَسْلَ إحْدَاهُمَا فِي الْخُفِّ وَالْمَسْحَ فِي الْأُخْرَى، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا رِجْلٌ وَاحِدَةٌ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى خُفِّهَا، وَلَوْ بَقِيَتْ مِنْ الرِّجْلِ الْأُخْرَى بَقِيَّةٌ
[حاشية الشبراملسي]
وَمَسْحُ الْأُخْرَى فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعَبِّرَ بِالْخُفَّيْنِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ كَوْنُ الْمُرَادِ الْجِنْسَ لَا يَدْفَعُ هَذَا الْإِيهَامَ لِأَنَّ الْجِنْسَ كَمَا يَتَحَقَّقُ فِي ضِمْنِ الْكُلِّ يَتَحَقَّقُ فِي ضِمْنِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَالْأَوْلَى حَمْلُ " أَلْ " عَلَى الْعَهْدِ: أَيْ الْخُفِّ الْمَعْهُودِ شَرْعًا وَهُوَ الِاثْنَانِ (قَوْلُهُ: مُخَيَّرًا إلَخْ) تَعْبِيرُهُ بِمَا ذَكَرَ قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ مِنْ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَجَرَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ لِأَنَّ شَرْطَ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَصْلٌ وَالْآخَرُ بَدَلٌ.
(قَوْلُهُ: الْبَجَلِيِّ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ مَنْسُوبٌ إلَى بَجِيلَةٍ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ.
وَالنَّسَبُ إلَيْهَا بِحَذْفِ الْيَاءِ حَمْلًا عَلَى نَظَائِرِهِ اهـ جَامِعُ الْأُصُولِ لِابْنِ الْأَثِيرِ (قَوْلُهُ: بَعْدَ نُزُولِ إلَخْ) أَيْ بَلْ كَانَ فِي آخِرِ حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاتِهِ: بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا فِيمَا يُقَالُ كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، لَكِنْ فِي الْإِصَابَةِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ: أَيْ عَنْ جَرِيرٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا هُوَ غَلَطٌ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: اسْتَنْصِتْ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» (قَوْلُهُ: حَدَّثَنِي سَبْعُونَ إلَخْ) عِبَارَةُ حَجّ عَلَى الشَّمَائِلِ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي خُفِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصُّهَا: " وَفِيهِ جَوَازُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَهُوَ إجْمَاعُ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ "، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَى الْمَسْحَ عَلَيْهِمَا نَحْوُ ثَمَانِينَ صَحَابِيًّا اهـ.
قُلْت: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُنَا، لِأَنَّ مَا هُنَا فِي خُصُوصِ رِوَايَةِ الْحَسَنِ يَبْطُلُ، وَمَا فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِأَحَدٍ، عَلَى أَنَّ نَحْوَ الثَّمَانِينَ مَعْنَاهُ مَا يَقْرُبُ مِنْهَا وَهُوَ صَادِقٌ بِالسَّبْعِينَ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَخْ) عَطَفَ عَلَى أَخْبَارٍ مَنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَهُوَ مَشْرُوعٌ لِأَخْبَارٍ وَلِأَنَّ إلَخْ (قَوْلُهُ: رَافِعٌ لِلْحَدَثِ إلَخْ) أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الزَّوَائِدِ خِلَافًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ.
وَانْظُرْ مَا ثَمَرَةُ هَذَا الْخِلَافِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مِنْ فَوَائِدِ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ بَعْدَ مَسْحِهِمَا هَلْ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا أَمْ لَا؟ إنْ قُلْنَا إنَّهُ مُبِيحٌ صَارَ مُسْتَعْمَلًا لِرَفْعِهِ الْحَدَثَ، أَوْ رَافِعٌ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا لِارْتِفَاعِ الْحَدَثِ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ: أَيْ بِخُفٍّ يَجُوزُ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا رِجْلٌ وَاحِدَةٌ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى خُفِّهَا) .
[فَرْعٌ] لَوْ كَانَ لَهُ أَزْيَدَ مِنْ رِجْلَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَلْبَسَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ خُفًّا، وَمَنْ مَسَحَ كُلَّ خُفٍّ لِأَنَّ الْمَسْحَ طَهَارَةُ الرِّجْلِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِ الْمَسْحِ بِتَعَدُّدِ الْأَرْجُلِ، فَلَوْ كَانَ بَعْضُهَا زَائِدًا فَإِنْ تَمَيَّزَ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ.
نَعَمْ إنْ تَوَقَّفَ الْخُفُّ فِي الْأَصْلِيَّةِ عَلَى إدْخَالِ الزَّائِدَةِ مَعَهَا فِيهِ لَمْ يَجِبْ مَسْحُ الْخُفِّ عَلَى الزَّائِدَةِ، وَلَا يَكْفِي عَنْ مَسْحِ الْخُفِّ عَلَى الْأَصْلِيَّةِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ اللِّبْسِ فِيهِمَا وَمِنْ مَسْحِهِمَا وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ وَلْيُرَاجِعْ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْمُرَادُ إدْخَالَهُمَا فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ لَمْ يَظْهَرْ لِذَلِكَ أَثَرٌ فِي الْمَسْحِ إلَّا إنْ تُصُوِّرَ مَسْحُ أَعْلَى إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى سم عَلَى مَنْهَجٍ.
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَلَا بُدَّ مِنْ سَتْرِهَا بِمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتْ إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلِيلَةً بِحَيْثُ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا فَلَبِسَ الْخُفَّ فِي الصَّحِيحَةِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَجِبُ التَّيَمُّمُ عَنْ الرِّجْلِ الْعَلِيلَةِ فَهِيَ كَالصَّحِيحَةِ
ثُمَّ النَّظَرُ فِي شَرْطِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَحُكْمِهِ.
وَقَدْ شَرَعَ فِي بَيَانِهَا فَقَالَ (يَجُوزُ فِي الْوُضُوءِ) وَلَوْ مُجَدِّدًا وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ اللِّبْسِ لِمَا سَبَقَ، وَعَبَّرَ بِالْجَوَازِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَيْنًا وَلَا يُسَنُّ وَلَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ وَإِلَى أَنَّ الْغَسْلَ أَفْضَلُ وَهُوَ كَذَلِكَ أَصَالَةً، وَقَدْ يُسَنُّ كَتَرْكِهِ رَغْبَةً عَنْ السُّنَّةِ لِإِيثَارِهِ تَقْدِيمَ الْأَفْضَلِ عَلَيْهِ، أَوْ شَكَّ فِي جَوَازِهِ لِنَحْوٍ مُعَارِضٍ كَدَلِيلٍ لَا مِنْ حَيْثُ عَدَمُ عِلْمِهِ جَوَازَهُ أَوْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَوْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ كَرَاهَتَهُ إلَى أَنْ تَزُولَ، وَقَدْ يَجِبُ كَأَنْ خَافَ فَوْتَ عَرَفَةَ أَوْ إنْقَاذِ أَسِيرٍ، أَوْ انْصَبَّ مَاؤُهُ
[حاشية الشبراملسي]
أَقُولُ: قِيَاسُ مَا مَرَّ لَهُ فِي الْوُضُوءِ أَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الزَّائِدُ عَلَى سَمْتِ الْأَصْلِيِّ، وَإِلَّا وَجَبَ إفْرَادُهُ بِخُفٍّ حَيْثُ أَمْكَنَ، وَإِلَّا أَدْخَلَهُمَا وَمَسَحَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ سَتْرِهَا) أَيْ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: بِمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) أَيْ بِخُفٍّ يَجُوزُ إلَخْ
(قَوْلُهُ: لِمَا سَبَقَ) أَيْ فِي خَبَرِ جَرِيرٍ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ يَبْطُلُ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ الْوُضُوءِ (قَوْلُهُ: إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إلَخْ) لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ الْجَوَازِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْجَوَازَ يُطْلَقُ عَلَى مَا قَابَلَ الْحَرَامَ فَيَصْدُقُ لِذَلِكَ كُلِّهِ (قَوْلُهُ: وَإِلَى أَنَّ الْغُسْلَ إلَخْ) يَتَأَمَّلُ وَجْهَ الْإِشَارَةِ لِأَفْضَلِيَّةِ الْغُسْلِ مِنْ الْجَوَازِ فَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْهُ الْإِبَاحَةُ، وَهِيَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ غَيْرِهَا.
إلَّا أَنْ يُقَالَ لِمَا ذُكِرَ فِيمَا مَرَّ وُجُوبُ الْغُسْلِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْأَصْلُ، فَذِكْرُ الْجَوَازِ فِي مُقَابَلَتِهِ يُشْعِرُ بِمُخَالَفَتِهِ الْأَصْلَ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ مَفْضُولٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْغُسْلِ لِأَصَالَتِهِ (قَوْلُهُ: رَغْبَةً عَنْ السُّنَّةِ) أَيْ بِأَنْ أَعْرَضَ عَنْ السُّنَّةِ لِمُجَرَّدِ أَنَّ فِي الْغُسْلِ تَنْظِيفًا لَا لِمُلَاحَظَةِ أَنَّهُ أَفْضَلُ، فَلَا يُقَالُ الرَّغْبَةُ عَنْ السُّنَّةِ قَدْ تُؤَدِّي إلَى الْكُفْرِ لِأَنَّ ذَاكَ مَحِلُّهُ إنْ كَرِهَهَا مِنْ حَيْثُ نِسْبَتُهَا لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: لِنَحْوٍ مُعَارِضٍ) وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا قِيلَ إذَا شَكَّ فِي الْجَوَازِ فَكَيْفَ يُقَالُ الْأَفْضَلُ الْمَسْحُ (قَوْلُهُ: لَا مِنْ حَيْثُ عَدَمُ عِلْمِهِ جَوَازَهُ) أَيْ وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ الْمَسْحُ بَاطِلًا لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ (قَوْلُهُ: أَوْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ إلَخْ) قَالَ حَجّ مَا حَاصِلُهُ: هَذِهِ يُغْنِي عَنْهَا قَوْلُهُ: رَغْبَةً عَنْ السُّنَّةِ، لِأَنَّ مَعْنَى التَّرْكِ رَغْبَةً أَنْ يَتْرُكَهُ لِإِيثَارِ الْغُسْلِ عَلَيْهِ لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ أَفْضَلَ، سَوَاءٌ أَوْجَدَ فِي نَفْسِهِ كَرَاهَتَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ النَّظَافَةِ مَثَلًا أَمْ لَا، فَعُلِمَ أَنَّ الرَّغْبَةَ عَنْهُ أَعَمُّ وَأَنَّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا أَرَادَ الْإِيضَاحَ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَجِبُ إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ وَلَا مَا يَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ.
قَالَ حَجّ: وَقَدْ يَحْرُمُ كَأَنْ لَبِسَهُ مُحْرِمٌ تَعَدِّيًا هـ.
وَفِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَسْحِ الْمُجْزِئِ بِأَنْ كَانَ مُسْتَوْفِيًا لِلشُّرُوطِ وَهُوَ فِيمَا ذَكَرَهُ حَجّ بَاطِلٌ لِمَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ امْتِنَاعِ اللِّبْسِ لِذَاتِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْمَكْرُوهِ مِثَالًا وَلَعَلَّهُ لِعَدَمِ وُجُودِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ إنْقَاذُ أَسِيرٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَرَفَةَ سم عَلَى بَهْجَةٍ.
وَقَالَ حَجّ: وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ هُنَا أَفْضَلُ لَا وَاجِبًا، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مُجَرَّدِ خَوْفٍ مِنْ غَيْرِ ظَنٍّ، لَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّهُ يَجِبُ الْبِدَارُ إلَى إنْقَاذِ أَسِرْ أَوَفِقَ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ، وَأَنَّهُ إذَا عَارَضَهُ إخْرَاجُ الْفَرْضِ عَنْ وَقْتِهِ قَدَّمَ الْإِنْقَاذَ اهـ (قَوْلُهُ: أَوْ انْصَبَّ مَاؤُهُ) مُجَرَّدُ تَصْوِيرٍ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ مَا مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ لَا يَفْضُلُ مِنْهُ بَعْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ مَا يَكْفِي الْغُسْلَ وَمَعَهُ بُرْدٌ
[حاشية الرشيدي]
[شُرُوطُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَحُكْمِهِ]
قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَيْنًا) أَيْ بَلْ مُخَيَّرًا كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ التَّعْبِيرُ بِالْجَوَازِ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ الشَّارِحُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ، وَالْعُدُولُ إلَى الْغُسْلِ، ثُمَّ إنَّ شَيْخَنَا فِي الْحَاشِيَةِ نَازَعَ فِي كَوْنِ هَذَا مِنْ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ بِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُ الْوَاجِبَيْنِ بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ أَصَالَةً) أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (قَوْلُهُ: لِإِيثَارِهِ تَقْدِيمَ الْأَفْضَلِ عَلَيْهِ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ لَا لِإِيثَارِهِ الْغُسْلَ عَلَيْهِ لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّارِحِ: لَا لِإِيثَارِهِ، وَهِيَ مُسَاوِيَةٌ لِلْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَجِبُ) أَيْ عَيْنًا لَعَلَّ صُورَتَهُ أَنْ يَخْشَى فَوْتَ الْمَاءِ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْإِنْقَاذِ أَوْ فَوْتَ الْإِنْقَاذِ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْغُسْلِ
عِنْدَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ وَوَجَدَ بَرَدًا لَا يَذُوبُ يَمْسَحُ بِهِ، أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَلَوْ اشْتَغَلَ بِالْغَسْلِ لَخَرَجَ الْوَقْتُ، أَوْ خَشِيَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ الثَّانِي فِي الْجُمُعَةِ، أَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ عَلَى مَيِّتٍ وَخِيفَ انْفِجَارُهُ لَوْ غَسَلَ، أَوْ كَانَ لَابِسُ الْخُفِّ بِشَرْطِهِ مُحْدِثًا وَدَخَلَ الْوَقْتُ وَعِنْدَهُ مَا يَكْفِي الْمَسْحَ فَقَطْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَرْهَقَهُ الْحَدَثُ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ وَمَعَهُ مَا يَكْفِيه لَوْ مَسَحَ وَلَا يَكْفِيهِ لَوْ غَسَلَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لُبْسُ الْخُفِّ لِيَمْسَحَ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إحْدَاثِ فِعْلٍ زَائِدٍ قَدْ يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ فِي صُورَةِ الْإِدَامَةِ تَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ الطَّهَارَةِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَدَاءِ طَهَارَةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالْمَاءِ بِاسْتِصْحَابِ حَالَةٍ هُوَ عَلَيْهَا.
وَفِي صُورَةِ اللُّبْسِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ إذْ الْحَدَثُ لَمْ يُوجَدْ فَلَا وَجْهَ لِتَكْلِيفِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِفِعْلٍ مُسْتَأْنَفٍ لِأَجْلِ طَهَارَةٍ لَمْ تَجِبْ بَعْدُ، وَخَرَجَ بِالْوُضُوءِ الْغُسْلُ وَلَوْ مَنْدُوبًا وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ (لِلْمُقِيمِ) وَلَوْ عَاصِيًا بِإِقَامَتِهِ وَلِلْمُسَافِرِ سَفَرًا غَيْرَ مُرَخِّصٍ لِلْقَصْرِ (يَوْمًا وَلَيْلَةً) لِخَبَرِ ابْنِ حِبَّانَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْخَصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا» (وَلِلْمُسَافِرِ) سَفَرَ قَصْرٍ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا) وَلَوْ ذَهَابًا وَإِيَابًا لِلْحَدِيثِ الْمَارِّ سَوَاءٌ أَتَقَدَّمَ بَعْضُ اللَّيَالِي عَلَى الْأَيَّامِ أَمْ تَأَخَّرَ، وَلَوْ أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ اُعْتُبِرَ قَدْرُ الْمَاضِي مِنْهُ مِنْ اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ أَوْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ، وَيُقَاسُ بِذَلِكَ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ، وَشَمِلَ إطْلَاقُهُ دَائِمَ الْحَدَثِ كَسَلَسِ بَوْلٍ فَيَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ وَيَسْتَفِيدُ بِهِ مَا يَحِلُّ لَهُ لَوْ بَقِيَ طُهْرُهُ وَهُوَ فَرْضٌ وَنَوَافِلُ أَوْ نَوَافِلُ فَقَطْ، فَلَوْ كَانَ حَدَثُهُ بَعْدَ فِعْلِهِ فَرْضًا لَمْ يَمْسَحْ إلَّا لِلنَّوَافِلِ إذْ مَسْحُهُ مُرَتَّبٌ عَلَى طُهْرِهِ وَهُوَ لَا يُفِيدُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ فَرْضًا آخَرَ وَجَبَ نَزْعُ الْخُفِّ وَالطُّهْرُ الْكَامِلُ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا زَادَ عَلَى فَرْضٍ وَنَوَافِلَ، فَكَأَنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى حَدَثٍ حَقِيقَةً، فَإِنَّ طُهْرَهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ كَمَا مَرَّ.
[حاشية الشبراملسي]
تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْمَسْحُ بِهِ (قَوْلُهُ: فِي الْجُمُعَةِ) أَيْ وَتَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا أَوْ رَقِيقًا أَوْ نَحْوَهُمَا مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ لَمْ يَجِبْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: مِنْ إحْدَاثِ فِعْلٍ) أَيْ وَهُوَ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ
(قَوْلُهُ: وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ) أَيْ فَلَا يَكْفِي الْمَسْحُ فِيهِمَا، وَلَمْ يَقُلْ وَلَوْ مَنْدُوبَةً أَوْ يُؤَخِّرُ الْغَايَةَ عَنْهُمَا فَيَقُولُ وَلَوْ مَنْدُوبَيْنِ، لِأَنَّ الْغُسْلَ الْمَنْدُوبَ لَيْسَ لَهُ حَالَةٌ يَكُونُ فِيهَا وَاجِبًا بِغَيْرِ النَّذْرِ، وَأَمَّا النَّجَاسَةُ الْمَعْفُوُّ عَنْهَا فَهِيَ مَعَ تَوَفُّرِ شُرُوطِ الْعَفْوِ قَدْ يَعْرِضُ لَهَا مَا يُصَيِّرُهَا وَاجِبَةَ الْغُسْلِ كَالْخَوْفِ مِنْ اخْتِلَاطِهَا بِمَا لَمْ تَدْعُ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ النَّدْبُ لِغَسْلِهَا مُعَرِّضًا لِلزَّوَالِ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: غَيْرُ مُرَخِّصٍ لِلْقَصْرِ) أَيْ لِكَوْنِهِ قَصِيرًا أَوْ مَعْصِيَةً أَوْ سَافَرَ لِغَيْرِ مَقْصِدٍ مَعْلُومٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ ذَهَابًا إلَخْ) وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَقْصِدَ مَحَلًّا غَيْرَ وَطَنِهِ نَاوِيًا أَنْ لَا يُقِيمَ فِيهِ.
وَفِي سم عَلَى حَجّ: بَقِيَ مَا لَوْ سَافَرَ ذَهَابًا فَقَطْ مَثَلًا وَكَانَ فَوْقَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَدُونَ ثَلَاثٍ اهـ.
قُلْت: وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يَمْسَحُ إلَى إقَامَتِهِ حَيْثُ كَانَ سَفَرُهُ مَسَافَةَ قَصْرٍ وَأَقَامَ قَبْلَ الثَّلَاثَةِ، وَإِلَّا كَانَ طُولُ سَفَرِهِ مَعَ كَوْنِهِ لَا يَبْلُغُ الثَّلَاثَةَ وَهُوَ مَسَافَةُ قَصْرٍ اسْتَوْعَبَهَا كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ شَرْحِ قَوْلِهِ الْآتِي لَمْ يَسْتَوْفِ مُدَّةَ سَفَرٍ (قَوْلُهُ: كَسَلِسِ) بِكَسْرِ اللَّامِ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِدَائِمِ الْحَدَثِ (قَوْلُهُ: لَوْ بَقِيَ طُهْرُهُ) أَيْ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: إلَّا النَّوَافِلَ) لَوْ نَوَى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ اسْتِبَاحَةَ فَرْضِ الصَّلَاةِ هَلْ تَصِحُّ نِيَّتُهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي (قَوْلُهُ: وَالطُّهْرُ الْكَامِلُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَصَرَ الْفَصْلُ بَيْنَ إرَادَةِ الْفَرْضِ وَالطُّهْرِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِقَوْلِ الشَّارِحِ فِي التَّعْلِيلِ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ إلَخْ، أَمَّا لَوْ لَمْ يَصِلْ بِهِ فَرْضًا فَالْقِيَاسُ الِاكْتِفَاءُ بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إذْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ حَدَثٌ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِمَا، وَسَيَأْتِي بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ نَزَعَ خُفَّيْهِ إلَخْ مَا يُؤَيِّدُهُ مِنْ قَوْلِهِ وَشَمِلَ كَلَامَهُ وُضُوءٌ.
. إلَخْ، وَلَكِنْ تَجِبُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَشَمِلَ إطْلَاقُهُ) أَيْ إطْلَاقُهُ الْمَسْحَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِ الْمُدَّةِ وَلَوْ قَدَّمَهُ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِلْمُقِيمِ إلَخْ كَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: لِمَا زَادَ عَلَى فَرْضٍ وَنَوَافِلَ) عِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ:؛ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَرْضِ الثَّانِي
أَمَّا الْمُتَحَيِّرَةُ فَلَا نَقْلَ فِيهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَمْسَحَ لِأَنَّهَا تَغْتَسِلُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ هُوَ الْأَوْجَهُ إنْ اغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ الْخُفَّ فَهِيَ كَغَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَابِسَتَهُ قَبْلَ الْغُسْلِ لَمْ تَمْسَحْ، وَالْمُتَيَمِّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ لَا يَمْسَحُ شَيْئًا إذَا وَجَدَ الْمَاءَ لِأَنَّ طُهْرَهُ لِضَرُورَةٍ وَقَدْ زَالَ بِزَوَالِهَا، وَمِثْلُهُ كُلٌّ مِنْ دَائِمُ الْحَدَثِ وَالْمُتَيَمِّمُ لِغَيْرِ فَقْدِ الْمَاءِ إذَا زَالَ عُذْرُهُ.
وَابْتِدَاءُ مُدَّةِ الْمَسْحِ (مِنْ) تَمَامِ (الْحَدَثِ) أَيْ الْأَصْغَرِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (بَعْدَ لِبْسٍ) لِأَنَّ وَقْتَ الْمَسْحِ يَدْخُلُ بِذَلِكَ فَاعْتُبِرَتْ مُدَّتُهُ مِنْهُ فَيَمْسَحُ فِيهَا لِمَا يَشَاءُ مِنْ الصَّلَوَاتِ، إذْ قَبْلَهُ لَا يُتَصَوَّرُ جَوَازُ إسْنَادِ الصَّلَاةِ إلَى الْمَسْحِ، وَلَا مَعْنَى لِوَقْتِ الْعِبَادَةِ سِوَى الزَّمَانِ الَّذِي يَجُوزُ فِعْلُهَا فِيهِ كَوَقْتِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ مَا قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ انْتِهَاءِ الْحَدَثِ فَلَا يُحْسَبُ زَمَنُ اسْتِمْرَارِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوْمًا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِهِمْ السَّابِقِ وَمِثْلُهُ اللَّمْسُ وَالْمَسُّ، وَيَجُوزُ لِلَابِسِ الْخُفِّ أَنْ يُجَدِّدَ الْوُضُوءَ قَبْلَ حَدَثِهِ بَلْ يُسْتَحَبُّ كَغَيْرِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ بَعْدَ حَدَثِهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفِّ ثُمَّ أَحْدَثَ كَانَ ابْتِدَاءُ مُدَّتِهِ مِنْ حَدَثِهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَبِهِ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ، وَلَوْ أَحْدَثَ وَلَمْ يَمْسَحْ حَتَّى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ لَمْ
[حاشية الشبراملسي]
نَزْعِ الْخُفِّ وَغَسْلِ الْقَدَمَيْنِ لِوُجُوبِهَا فِي وُضُوءِ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ وَالْمَسْحُ لَمَّا كَانَ قَائِمًا مَقَامَ الْغَسْلِ اُغْتُفِرَتْ مُدَّتُهُ فَلَا تُعَدُّ فَاصِلَةً بَيْنَ مَسْحِ الرَّأْسِ وَالْغَسْلِ بَعْدَ نَزْعِ الْخُفِّ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْمُتَحَيِّرَةُ) مُحْتَرَزُ مَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَشَمِلَ إطْلَاقَهُ دَائِمُ الْحَدَثِ فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَشْمَلُ الْمُتَحَيِّرَةَ (قَوْلُهُ: فَهِيَ كَغَيْرِهَا) أَيْ مِنْ دَائِمِ الْحَدَثِ (قَوْلُهُ: وَالْمُتَيَمِّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ) أَيْ إذَا تَيَمَّمَ لِفَقْدِ الْمَاءِ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لِمَرَضٍ فَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَنُكْرِ الطُّهْرِ لِيَشْمَلَ إلَخْ
(قَوْلُهُ: كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَنَّ الْحَدَثَ إذَا أُطْلِقَ انْصَرَفَ لِلْأَصْغَرِ، أَمَّا الْأَكْبَرُ وَحْدَهُ بِأَنْ خَرَجَ مَنِيُّهُ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ فَلَا تَدْخُلُ بِهِ الْمُدَّةُ لِبَقَاءِ طُهْرِهِ، فَإِذَا أَحْدَثَ حَدَثًا آخَرَ دَخَلَتْ الْمُدَّةُ، وَقَضِيَّةُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ قَبْلَ دُخُولِ الْمُدَّةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْمَسْحِ إذَا أَرَادَهُ بَعْدُ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ مَا يُبْطِلُ الْمُدَّةَ بَعْدَ دُخُولِهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ إذَا طَرَأَ بَعْدَ الْمُدَّةِ أَبْطَلَهَا، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِهَا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ وَقْتَ الْمَسْحِ) هَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي امْتِنَاعَ التَّجْدِيدِ لَكِنْ سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ جَوَازُهُ بَلْ سَنَّهُ، فَالْمُرَادُ مِنْ التَّعْلِيلِ وَقْتُ الْمَسْحِ الرَّافِعُ لِلْحَدَثِ.
[فَائِدَةٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ اُبْتُلِيَ بِالنُّقْطَةِ، وَصَارَ زَمَنُ اسْتِبْرَائِهِ مِنْهَا يَأْخُذُ زَمَنًا طَوِيلًا، هَلْ تُحْسَبُ الْمُدَّةُ مِنْ فَرَاغِ الْبَوْلِ أَوْ مِنْ آخِرِ الِاسْتِبْرَاءِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ إنَّمَا شُرِعَ لِيَأْمَنَ عَوْدَهُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ، فَحَيْثُ انْقَطَعَ دَخَلَ وَقْتُ الْمَسْحِ لِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ عَوْدِهِ لَوْ تَوَضَّأَ فِي زَمَنِ انْقِطَاعِهِ صَحَّ وُضُوءُهُ، نَعَمْ لَوْ فُرِضَ اتِّصَالُهُ حَسَبَ مِنْ آخِرِهِ (قَوْلُهُ: أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِهِمْ السَّابِقِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ وَقْتَ الْمَسْحِ يَدْخُلُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ) أَيْ النَّوْمِ اللَّمْسُ وَالْمَسُّ اقْتِصَارُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إذَا جَنَّ بَعْدَ لِبْسِ الْخُفَّيْنِ وَقَبْلَ الْحَدَثِ لَا تُحْسَبُ الْمُدَّةُ إلَّا مِنْ الْإِفَاقَةِ أَوْ حَدَثٍ آخَرَ.
وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الْحَلَبِيِّ: ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدَثِ آخِرُهُ وَلَوْ نَوْمًا أَوْ مَسًّا أَوْ لَمْسًا عِنْدَ جَمْعٍ مُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ حَجّ، وَمِنْ آخِرِهِ إنْ كَانَ بَوْلًا أَوْ غَائِطًا أَوْ رِيحًا أَوْ جُنُونًا أَوْ إغْمَاءً، وَمِنْ أَوَّلِهِ إنْ كَانَ نَوْمًا أَوْ مَسًّا أَوْ لَمْسًا عِنْدَ الْإِمَامِ الْبُلْقِينِيِّ فِي النَّوْمِ فَأَفْتَى بِهِ وَالِدُ شَيْخِنَا وَقَاسَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا الْمَسَّ وَاللَّمْسَ، وَاخْتَلَفَ الْكَلَامُ عَنْهُ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ انْتَهَى عَلَى مَحَلِّيٍّ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ تَقَارَنَ اللَّمْسُ وَخُرُوجُ الْخَارِجِ هَلْ تُحْسَبُ الْمُدَّةُ مِنْ انْتِهَاءِ الْأَوَّلِ أَوْ مِنْ انْتِهَاءِ الثَّانِي؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ كَانَ قَاطِعًا لِلْمُدَّةِ، بَلْ لَوْ سَبَقَ ابْتِدَاءَ خُرُوجِ الْبَوْلِ مَثَلًا وَوُجِدَ اللَّمْسُ قَبْلَ انْقِطَاعِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: حَتَّى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ)
[حاشية الرشيدي]
[مَتَى تَبْدَاءُ مُدَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]
قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْمَسْحِ) أَيْ الرَّافِعُ لِلْحَدَثِ الْمُسْتَنِدُ إلَيْهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي
يَجُزْ الْمَسْحُ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ لَيْسَا عَلَى طَهَارَةٍ (فَإِنْ) (مَسَحَ) بَعْدَ حَدَثِهِ وَلَوْ أَحَدَ خُفَّيْهِ (حَضَرًا ثُمَّ سَافَرَ) سَفَرَ قَصْرٍ (أَوْ عَكَسَ) أَيْ مَسَحَ سَفَرًا فَأَقَامَ (لَمْ يَسْتَوْفِ مُدَّةَ سَفَرٍ) تَغْلِيبًا لِلْحَضَرِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مُدَّةِ مُقِيمٍ فِي الْأُولَى، وَكَذَا فِي الثَّانِيَةِ إنْ أَقَامَ قَبْلَ مُدَّتِهِ وَإِلَّا وَجَبَ النَّزْعُ، وَعُلِمَ مِنْ اعْتِبَارِ الْمَسْحِ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْحَدَثِ حَضَرًا وَإِنْ مَكَثَ بِالْمُدَّةِ وَلَا بِمَعْنَى وَقْتِ الصَّلَاةِ حَضَرًا، وَعِصْيَانُهُ إنَّمَا هُوَ بِالتَّأْخِيرِ لَا بِالسَّفَرِ الَّذِي بِهِ الرُّخْصَةُ.
(وَشَرْطُهُ) أَيْ جَوَازُ مَسْحِ الْخُفِّ أُمُورٌ: أَحَدُهَا (أَنْ يَلْبَسَ بَعْدَ كَمَالِ طُهْرٍ) مِنْ الْحَدَثَيْنِ لِلْخَبَرِ الْمَارِّ، فَلَوْ غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ بَلْ سَبِيلُهُ نَزْعُ الْأَوَّلِ ثُمَّ يُدْخِلُهَا لِأَنَّ إدْخَالَ الْأُولَى كَانَ قَبْلَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَلَوْ ابْتَدَأَ اللِّبْسَ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ وُصُولِ الرِّجْلِ إلَى قَدَمِ الْخُفِّ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ لِمَا تَقَرَّرَ، وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْحَدَثَانِ فَغَسَلَ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ عَنْهُمَا أَوْ عَنْ الْجَنَابَةِ، وَقُلْنَا بِالِانْدِرَاجِ وَلِبْسِ الْخُفِّ قَبْلَ غَسْلِ بَاقِي بَدَنِهِ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَبِسَهُ قَبْلَ كَمَالِ طَهَارَتِهِ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَمَالِ أَرَادَ بِهَا تَأْكِيدَ نَفْيِ مَذْهَبِ الْمُزَنِيّ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَوْ غَسَلَ رِجْلًا وَأَدْخَلَهَا فِيهِ ثُمَّ الْأُخْرَى كَذَلِكَ أَجْزَأَهُ، وَلِاحْتِمَالِ تَوَهُّمِ إرَادَةِ الْبَعْضِ، وَنَكَّرَ الطُّهْرَ لِيَشْمَلَ التَّيَمُّمَ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ لِإِعْوَازِ الْمَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمَسْحُ بَلْ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ لَزِمَهُ نَزْعُهُ وَالْوُضُوءُ الْكَامِلُ، وَإِنْ كَانَ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ فَأَحْدَثَ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ وَلَوْ مُقِيمًا ثُمَّ عَرَضَ لَهُ السَّفَرُ بَعْدُ (قَوْلُهُ: حَضَرًا) خَرَجَ مَا لَوْ حَصَلَ الْحَدَثُ فِي الْحَضَرِ وَلَمْ يَمْسَحْ فِيهِ، فَإِنَّهُ إنْ مَضَتْ مُدَّةُ الْإِقَامَةِ قَبْلَ السَّفَرِ وَجَبَ تَجْدِيدُ اللِّبْسِ، وَإِنْ مَضَى يَوْمٌ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ مَسْحٍ ثُمَّ سَافَرَ وَمَضَتْ لَيْلَةٌ مِنْ غَيْرِ مَسْحٍ لَهُ فَلَهُ اسْتِيفَاءُ مُدَّةِ الْمُسَافِرِينَ وَابْتِدَاؤُهَا مِنْ الْحَدَثِ الَّذِي فِي الْحَضَرِ، هَكَذَا ظَهَرَ لِي مِنْ كَلَامِهِمْ وَهُوَ وَاضِحٌ نَبَّهْت عَلَيْهِ لِيُعْلَمَ وَلَا يَذْهَبُ الْوَهْمُ إلَى خِلَافِهِ شَيْخُنَا بِهَامِشِ الْمَحَلِّيِّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ وَمَا ذَكَرَهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ، وَعُلِمَ مِنْ اعْتِبَارِ الْمَسْحِ وَمِنْ قَوْلِهِ أَيْضًا وَلَوْ أَحْدَثَ وَلَمْ يَمْسَحْ حَتَّى انْقَضَتْ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا وَجَبَ النَّزْعُ) أَيْ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: لَا عِبْرَةَ بِالْحَدَثِ إلَخْ) أَيْ لَا يَضُرُّ فِي ذَلِكَ كَوْنُ ابْتِدَاءِ الْمُدَّةِ مِنْ الْحَدَثِ كَمَا لَوْ سَافَرَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ حَضَرَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَصْرُهَا فِي السَّفَرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَعَ فِيهَا قَبْلَ سَفَرِهِ قم (قَوْلُهُ: وَعِصْيَانُهُ) دَفَعَ بِهِ مَا يُقَالُ الْمَسْحُ رُخْصَةٌ وَهِيَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي، وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ الرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي أَنَّ الرُّخْصَةَ لَا يَكُونُ سَبَبُهَا مَعْصِيَةٌ، وَالسَّفَرُ هُنَا هُوَ جَوَازٌ لِلْمَسْحِ وَلَمْ يُعْصَ بِهِ.
(قَوْلُهُ: مَسَحَ الْخُفَّ) أَشَارَ بِهِ إلَّا أَنَّ ذَاتَ الْخُفِّ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا شُرُوطٌ، فَإِنَّ الشُّرُوطَ إنَّمَا هِيَ لِلْأَحْكَامِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى إلَخْ) وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ قُطِعَتْ الرِّجْلُ الْيُسْرَى فَلَا بُدَّ لِصِحَّةِ الْمَسْحِ مِنْ نَزْعِ الْأُولَى وَعَوْدِهَا، وَأَمَّا لَوْ لَبِسَ الْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى ثُمَّ لَبِسَ الْيُسْرَى بَعْدَ طُهْرِهَا فَقُطِعَتْ الْيُمْنَى فَلَا يُكَلَّفُ نَزْعَ خُفِّ الْيُسْرَى لِوُقُوعِهِ بَعْدَ كَمَالِ الطُّهْرِ (قَوْلُهُ: نَزَعَ الْأَوَّلَ) أَيْ مِنْ مَوْضِعِ الْقَدَمِ انْتَهَى مَحَلِّيٌّ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ السَّاقِ (قَوْلُهُ: قَبْلَ وُصُولِ الرِّجْلِ) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ كَانَ بَعْدَ الْوُصُولِ أَوْ مُقَارَنًا لَهُ، وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ فِي الْمُقَارَنَةِ بِأَنَّهُ يَنْزِلُ وُصُولُهَا لِمَحِلِّ الْقَدَمِ مَعَ الْحَدَثِ مَنْزِلَةَ الْوُصُولِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْحَدَثِ لِقُوَّةِ الطَّهَارَةِ، وَوُجِدَ بِبَعْضِ الْهَوَامِشِ خِلَافُهُ مِنْ غَيْرِ عَزْوٍ وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَقُلْنَا بِالِانْدِرَاجِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: قَبْلَ كَمَالِ طَهَارَتِهِ) وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ فَائِدَةُ تَعْبِيرِهِ بِكَمَالٍ، إذْ الْحَاصِلُ لَهُ هُنَا طُهْرٌ لَكِنْ لَيْسَ كَامِلًا لِبَقَاءِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ فِي بَقِيَّةِ الْبَدَنِ، وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: مِنْ الْحَدَثِ لِلْإِيضَاحِ (قَوْلُهُ: وَلِاحْتِمَالِ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى
[حاشية الرشيدي]
[شُرُوطُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]
[الْأَوَّل أَنْ يَلْبَسَهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَة]
قَوْلُهُ: وَلِاحْتِمَالِ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَذْهَبِ بِإِبْرَازِ لَامِ الْإِضَافَةِ، وَالتَّقْدِيرُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ لِمَذْهَبِ الْمُزَنِيّ، وَالنَّفْيُ لِاحْتِمَالِ
ثُمَّ تَكَلَّفَ الْوُضُوءَ لِيَمْسَحَ فَهُوَ كَدَائِمِ الْحَدَثِ وَقَدْ مَرَّ، وَهَلْ تَكَلُّفُهُ الْمَذْكُورُ جَائِزٌ أَمْ لَا؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ لِلْإِسْنَوِيِّ، وَالْأَوْجَهُ فِيهِ الْحُرْمَةُ، وَيُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَةِ الْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِي الْخَاتِمَةِ قُبَيْلَ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ.
الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ صَالِحًا كَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (سَاتِرٌ مَحِلَّ فَرْضِهِ) وَهُوَ الرِّجْلُ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْغَسْلِ مِنْ الْجَوَانِبِ وَالْأَسْفَلِ لَا مِنْ الْأَعْلَى عَكْسُ سَاتِرِ الْعَوْرَةِ كَمَا فِي الزَّجَّاجِ الشَّفَّافِ حَيْثُ لَا يَكْفِي ثُمَّ بِخِلَافِهِ هُنَا إنْ أَمْكَنَ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ هُنَا مَنْعُ نُفُوذِ الْمَاءِ وَهُنَاكَ مَنْعُ الرُّؤْيَةِ، فَلَوْ تَخَرَّقَ مِنْ مَحِلِّ الْفَرْضِ وَإِنْ قَلَّ خَرْقُهُ أَوْ ظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ مِنْ مَوَاضِعِ الْخَرَزِ ضَرَّ، وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْ وُصُولِ الْمَاءِ مِنْهَا لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ بِخِلَافِ ظُهُورِ بَعْضِ الْفَرْضِ، وَلَوْ تَخَرَّقَتْ الْبِطَانَةُ أَوْ الظِّهَارَةُ أَوْ هُمَا لَا عَلَى الْمُحَاذَاةِ لَمْ يَضُرَّ إنْ كَانَ الْبَاقِي صَفِيقًا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ (طَاهِرًا) فَلَا يَكْفِي نَجِسٌ إذْ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ الْمَسْحِ وَمَا عَدَاهَا مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَنَحْوِهِ كَالتَّابِعِ لَهَا، وَلِأَنَّ الْخُفَّ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ، وَهِيَ لَا تَطْهُرُ عَنْ الْحَدَثِ مَا لَمْ تَزُلْ نَجَاسَتُهَا، فَكَيْفَ يُمْسَحُ عَلَى الْبَدَلِ وَهُوَ نَجِسُ الْعَيْنِ، وَالْمُتَنَجِّسُ كَالنَّجِسِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، خِلَافًا لِابْنِ الْمُقْرِي وَمَنْ تَبِعَهُ فِي أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَسْتَفِيدُ بِهِ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَنَحْوَهُ قَبْلَ غَسْلِهِ، وَالصَّلَاةَ بَعْدَهُ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ عَلَى الْخُفِّ نَجَاسَةٌ مَعْفُوٌّ عَنْهَا وَمَسَحَ مِنْ أَعْلَاهُ مَا لَا نَجَاسَةَ عَلَيْهِ صَحَّ، فَإِنْ مَسَحَ عَلَى مَحَلِّهَا وَاخْتَلَطَ الْمَاءُ بِهَا زَادَ التَّلْوِيثُ وَلَزِمَهُ إزَالَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ، وَلَوْ
[حاشية الشبراملسي]
تَأْكِيدٍ بِتَضْمِينٍ أَرَادَ مَعْنًى ذَكَرَهُ وَالْمَعْنَى ذَكَرَهُ لِتَأْكِيدٍ وَلِاحْتِمَالٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ عَطْفٌ عَلَى أَرَادَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى وَالتَّقْدِيرِ: وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَمَالٌ لِإِرَادَةٍ وَلِاحْتِمَالٍ.
إلَخْ.
(قَوْلُهُ: الْبِطَانَةِ أَوْ الظِّهَارَةِ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا مَحَلِّيٌّ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْخُفَّ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ عَدَمُ صِحَّةِ مَسْحِ الْخُفِّ إذَا كَانَ عَلَى الرِّجْلِ حَائِلٌ مِنْ شَمْعٍ أَوْ دُهْنٍ جَامِدٍ أَوْ فِيهَا شَوْكَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ سَوَادٌ تَحْتَ أَظْفَارِهَا سم عَلَى حَجّ.
ثُمَّ رَأَيْته عَلَى مَنْهَجٍ قَالَ: فِيهِ نَظَرٌ، وَالْقَلْبُ الْآنَ إلَى الصِّحَّةِ أَمْيَلُ، وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَائِلِ وَنَجَاسَةِ الرِّجْلِ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ مُنَافِيَةٌ لِلصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودُ بِالْوُضُوءِ، وَلَا كَذَلِكَ الْحَائِلُ، هَذَا وَقَدْ يُؤْخَذُ مَا تَرَجَّاهُ مِنْ الصِّحَّةِ مَعَ وُجُودُ الْحَائِلِ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي فِي مَسْأَلَةِ الْجُرْمُوقِ: فَإِنْ صَلُحَ الْأَعْلَى دُونَ الْأَسْفَلِ صَحَّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَالْأَسْفَلُ كَلِفَافَةٍ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ تَزُلْ نَجَاسَتُهَا) عُمُومُهُ يَشْمَلُ النَّجَاسَةَ الْمَعْفُوَّ عَنْهَا، وَعَلَيْهِ فَلَا يَكْفِي غَسْلُ الرِّجْلِ مَعَ بَقَاءِ النَّجَاسَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ مَاءَ الْغَسْلِ إذَا اخْتَلَطَ بِالنَّجَاسَةِ نَشَرَهَا فَمَنَعَ مِنْ الْعَفْوِ عَنْهَا، لَكِنَّ هَذَا قَدْ يُشْكِلُ عَلَى مَا نَقَلَهُ سم فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ فِي حَوَاشِي الْمَنْهَجِ عَنْ م ر مِنْ أَنَّهُ قَرَّرَ أَنَّهُ لَوْ غُسِلَ ثَوْبٌ فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ لِأَجْلِ تَنْظِيفِهِ مِنْ الْأَوْسَاخِ لَمْ يَضُرَّ بَقَاءُ الدَّمِ فِيهِ وَيُعْفَى عَمَّا أَصَابَهُ هَذَا الْمَاءُ فَتَأَمَّلْ وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ هُنَا حَيْثُ كَانَ الْقَصْدُ مِنْ الْغَسْلِ رَفْعَ الْحَدَثِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ اخْتِلَاطُهُ بِالنَّجَاسَةِ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِ هُنَا عَلَى نَجَاسَةٍ لَا يُعْفَى عَنْهَا، لَكِنَّ قَوْلَهُ فِيمَا يَأْتِي فَإِنْ مَسَحَ عَلَى مَحِلِّهَا وَاخْتَلَطَ الْمَاءُ بِهَا زَادَ التَّلْوِيثُ يُخَالِفُهُ (قَوْلُهُ: وَالْمُتَنَجِّسُ) أَيْ مَا لَمْ يَغْسِلْهُ قَبْلَ الْحَدَثِ (قَوْلُهُ: صَحَّ) أَيْ وَإِنْ وَصَلَ الْمَاءُ لِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ وَاخْتَلَطَ بِهَا سم (قَوْلُهُ: فَإِنْ مَسَحَ عَلَى مَحِلِّهَا وَاخْتَلَطَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ عَلَى مَحِلِّ النَّجَاسَةِ وَلَمْ يَخْتَلِطْ بِهَا لَمْ يَضُرَّ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْمَسْحِ يَحْصُلُ رُطُوبَةٌ فِي الْمَحِلِّ وَهِيَ حَقِيقَةُ الِاخْتِلَاطِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: زَادَ التَّلْوِيثُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْمَسْحُ
[حاشية الرشيدي]
إلَخْ، وَلَا يَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ قَبْلَ لَفْظِ احْتِمَالٍ، فَهُوَ أَوْلَى مِمَّا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ مَرَّ) لَا يَخْفَى أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا مَرَّ فِيهِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فَرْضًا ثَانِيًا يَنْزِعَ، وَيَأْتِيَ بِطُهْرٍ كَامِلٍ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَأْتِيَ هُنَا؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ غَسَلَ مَا عَدَا الرِّجْلَيْنِ؛ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ هُنَا بَعْدَ النَّزْعِ إنَّمَا هُوَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ
[الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ صَالِحًا سَاتِرٌ مَحِلَّ فَرْضِهِ]
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ هُنَا مَنْعُ نُفُوذِ الْمَاءِ) أَيْ وَمِنْ لَازِمِهِ مَنْعُ الرُّؤْيَةِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَكْفِي نَجِسٌ إلَى قَوْلِهِ، وَالْمُتَنَجِّسُ كَالنَّجِسِ) أَيْ لَا يَكْفِي الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِ بَعْدُ فَلَيْسَتْ الطَّهَارَةُ شَرْطًا لِلُّبْسِ وَإِنْ اقْتَضَى جَعْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ طَاهِرًا حَالًا مِنْ ضَمِيرِ يَلْبَسُ خِلَافَ ذَلِكَ
خَرَزَ خُفَّهُ بِشَعْرٍ نَجِسٍ مَعَ رُطُوبَتِهِ، أَوْ الْخُفُّ طَهَّرَ ظَاهِرَهُ بِغَسْلِهِ دُونَ مَحَلِّ الْخَرْزِ وَيُعْفَى عَنْهُ فَلَا يُحْكَمُ بِتَنَجُّسِ رِجْلِهِ الْمُبْتَلَّةِ وَيُصَلِّي فِيهِ الْفَرَائِضَ وَالنَّوَافِلَ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ فِي الْأَطْعِمَةِ، وَتَرْكُ أَبِي زَيْدٍ الْفَرْضَ فِيهِ احْتِيَاطٌ
وَيُشْتَرَطُ فِي الْخُفِّ كَوْنُهُ قَوِيًّا بِحَيْثُ (يُمْكِنُ) لِقُوَّتِهِ (تَتَابُعُ الْمَشْيِ فِيهِ لِتَرَدُّدِ مُسَافِرٍ لِحَاجَاتِهِ) عِنْدَ الْحَطِّ وَالتَّرْحَالِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَابِسُهُ مُقْعَدًا فِي مُدَّةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا إنْ كَانَ مُسَافِرًا سَفَرَ قَصْرٍ، وَلِحَاجَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إنْ كَانَ مُقِيمًا مَعَ مُرَاعَاةِ اعْتِدَالِ الْأَرْضِ سُهُولَةً وَصُعُوبَةً فِيمَا يَظْهَرُ، وَالْمُرَادُ بِقُوَّتِهِ أَنْ يَتَأَتَّى فِيهِ مَا ذُكِرَ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ مَدَاسٍ، إذْ لَوْ اُعْتُبِرَ مَعَ الْمَدَاسِ لَكَانَ غَالِبُ الْخِفَافِ يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ، فَلَا يُجْزِئُ رَقِيقٌ يَتَخَرَّقُ بِالْمَشْيِ عَنْ قُرْبٍ، وَلَا ثَقِيلٌ لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ كَضَيِّقٍ لَا يَتَّسِعُ بِالْمَشْيِ عَنْ قُرْبٍ، وَمُفْرِطِ سِعَةٍ لِأَنَّ اللِّبْسَ إنَّمَا شُرِعَ لِحَاجَةِ الِاسْتِدَامَةِ، وَلَا تَتَأَتَّى إلَّا فِيمَا تَوَفَّرَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ.
لَا يُقَالُ سَاتِرٌ وَمَا بَعْدَهُ أَحْوَالٌ مُقَيِّدَةٌ لِصَاحِبِهَا فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ الْأَمْرُ بِهَا، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْأَمْرِ بِشَيْءٍ الْأَمْرُ بِالْمُقَيَّدِ لَهُ بِدَلِيلِ: اضْرِبْ هِنْدًا جَالِسَةً.
لِأَنَّا نَقُولُ: مَحَلُّ ذَلِكَ إذَا لَمْ تَكُنْ الْحَالُ مِنْ نَوْعِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَا مِنْ فِعْلِ الْمَأْمُورِ كَالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ،
[حاشية الشبراملسي]
مَحِلَّ النَّجَاسَةِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ سم عَلَى حَجّ حَيْثُ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ زِيَادَةَ التَّلْوِيثِ تَحْصُلُ وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْمَسْحُ مَحِلَّ النَّجَاسَةِ لِأَنَّ تَرْطِيبَهَا أَوْ زِيَادَتَهُ زِيَادَةٌ فِي التَّلْوِيثِ.
نَعَمْ إنْ عَمَّتْ النَّجَاسَةُ الْمَعْفُوُّ عَنْهَا الْخُفَّ لَمْ يَبْعُدْ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا م ر.
أَقُولُ بَلْ يَبْعُدُ الْجَوَازُ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى الْمَسْحِ الْمُؤَدِّي لِلتَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ، فَيَجِبُ النَّزْعُ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ عَدَمُ مُخَامَرَةِ النَّجَاسَةِ مَا أَمْكَنَ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ سم يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ بِيَدِهِ وَلَا يُكَلَّفُ حَائِلًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَلِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مَأْمُورٍ بِهِ وَقِيَاسًا عَلَى مَا قَالُوهُ مِنْ جَوَازِ وَضْعِ يَدِهِ فِي الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ إذَا كَانَ بِهَا نَجَاسَةٌ مَعْفُوٌّ عَنْهَا كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ (قَوْلُهُ: بِشَعْرٍ نَجِسٍ) أَيْ وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ وَيَظْهَرُ الْعَفْوُ عَنْهُ أَيْضًا فِي غَيْرِ الْخِفَافِ مِمَّا لَا يَتَيَسَّرُ خَرْزُهُ إلَّا بِهِ (قَوْلُهُ: الْفَرْضُ فِيهِ) أَيْ الْخُفِّ الْمَخْرُوزِ بِالشَّعْرِ النَّجِسِ.
(قَوْلُهُ: كَوْنُهُ قَوِيًّا) الْوَجْهُ اعْتِبَارُ الْقُوَّةِ مِنْ الْحَدَثِ بَعْدَ اللِّبْسِ، لِأَنَّ بِهِ دُخُولَ وَقْتِ الْمَسْحِ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَ تَرَدُّدُ الْمُقِيمِ فِيهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ وَقْتِ اللِّبْسِ لَا مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ لَمْ يَكْفِ م ر سم عَلَى بَهْجَةٌ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ ضَعْفَهُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ لَا يَضُرُّ إذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الصَّلَاحِيَّةِ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ (قَوْلُهُ: وَلِحَاجَةِ يَوْمٍ إلَخْ) ظَاهِرُهُ اعْتِبَارُ حَوَائِجِ السَّفَرِ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ.
وَقَالَ حَجّ: تَنْبِيهٌ: أَخَذَ ابْنُ الْعِمَادِ مِنْ قَوْلِهِمْ هُنَا لِمُسَافِرٍ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ لَهُ وَلِلْمُقِيمِ أَنَّ الْمُرَادَ التَّرَدُّدُ لِحَوَائِجِ سَفَرِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِلْمُقِيمِ، وَسَفَرُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِغَيْرِهِ، وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ تَعْبِيرَهُمْ بِالْمُسَافِرِ هُنَا لِلْغَالِبِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْمُقِيمِ تَرَدُّدُهُ لِحَاجَةِ إقَامَتِهِ الْمُعْتَادَةِ غَالِبًا كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا تَقْدِيرُ سَفَرِهِ وَحَوَائِجِهِ لَهُ وَاعْتِبَارُ تَرَدُّدِهِ لَهَا فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ مَا قَرَّرْته فَتَأَمَّلْهُ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي بَعْضِ هَوَامِشِ الشَّارِحِ مِنْ مَنَاهِيهِ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ: وَلِحَاجَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إنْ كَانَ مُقِيمًا: أَيْ حَاجَةُ الْمُقِيمِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ حَاجَةِ الْمُسَافِرِ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مُقِيمًا) هَلْ يُشْتَرَطُ صَلَاحِيَّتُهُ لِلتَّرَدُّدِ فِيهِ تِلْكَ الْمُدَّةِ حَتَّى فِي آخِرِهَا أَمْ يَكْفِي صَلَاحِيَّتُهُ فِي الِابْتِدَاءِ حَتَّى وَلَوْ لَمْ تُوجَدْ آخِرُهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي مَعَ مُلَاحَظَةِ قُوَّتِهِ لِمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ (قَوْلُهُ: سُهُولَةً وَصُعُوبَةً) أَيْ بِأَنْ تَكُونَ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: وَمُفْرِطُ سَعَةٍ) أَيْ مَا لَمْ يَضِقْ عَنْ قُرْبٍ (قَوْلُهُ: لِأَنَّا نَقُولُ إلَخْ) أَقُولُ: يُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِشَيْءٍ مُقَيَّدٍ إذْ لَا أَمْرَ هُنَا، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ وَبَيَانِ شُرُوطِ الشَّيْءِ، فَإِذَا أَخْبَرَ بِأَنَّ شَرْطَهُ اللِّبْسُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ عُلِمَ أَنَّ اللِّبْسَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ لَا يَكْفِي فِيهِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَقَوْلُهُ: إذَا لَمْ تَكُنْ الْحَالُ إلَخْ، بَقِيَ أَنَّهُ مِنْ أَيْنَ الْأَمْرُ بِهَذِهِ الْأَحْوَالِ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْ ذَلِكَ
[حاشية الرشيدي]
[يُشْتَرَطُ فِي الْخُفِّ كَوْنُهُ قَوِيًّا يُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ فِيهِ]
قَوْلُهُ: لِقُوَّتِهِ) الْأَصْوَبُ حَذْفُهُ إذْ الْمَتْنُ لَيْسَ قَاصِرًا عَلَى ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي مَا أَخْرَجَهُ الْمَتْنُ (قَوْلُهُ: وَلَا ثَقِيلَ) هُوَ وَمَا بَعْدَهُ مُحْتَرَزُ الْمَتْنِ لَوْلَا قَوْلُ الشَّارِحِ لِقُوَّتِهِ فَوَجَبَ حَذْفُهُ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ الْأَمْرُ إلَخْ) هَذَا السُّؤَالُ
أَمَّا إذَا كَانَتْ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ نَحْوُ حُجَّ مُفْرَدًا وَادْخُلْ مَكَّةَ مُحْرِمًا فَهِيَ مَأْمُورٌ بِهَا، وَمَا هُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ
(قِيلَ وَحَلَالًا) فَلَا يُجْزِئُ عَلَى مَغْصُوبٍ وَمَسْرُوقٍ مُطْلَقًا، وَلَا عَلَى خُفٍّ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَرِيرٍ لِرَجُلٍ، لِأَنَّ الْمَسْحَ جُوِّزَ لِحَاجَةِ الِاسْتِدَامَةِ وَهَذَا مَأْمُورٌ بِنَزْعِهِ، وَلِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ وَهِيَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي.
وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ، وَالصَّلَاةُ فِي مَكَان مَغْصُوبٍ لِأَنَّ الْخُفَّ يُسْتَوْفَى بِهِ الرُّخْصَةُ، لَا أَنَّهُ الْمُجَوِّزُ لَهَا بِخِلَافِ مَنْعِ الْقَصْرِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ إذْ الْمُجَوِّزُ لَهُ السَّفَرُ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمُحْتَرَمِ وَلَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ ثَمَّ لِمَعْنًى قَائِمٍ بِالْآلَةِ بِخِلَافِهِ هُنَا.
وَلَوْ اتَّخَذَ خُفًّا مِنْ نَحْوِ جِلْدِ آدَمِيٍّ صَحَّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ نَظِيرَ مَا مَرَّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اتَّخَذَ الْمُحْرِمُ خُفًّا وَأَرَادَ الْمَسْحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ كَمَا اعْتَمَدَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَبَعًا لِجَمْعٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ أَنَّ الْمُحْرِمَ مَنْهِيٌّ عَنْ اللِّبْسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ اللِّبْسُ فَصَارَ كَالْخُفِّ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ فِيهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ لِبْسِ الْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُتَعَدٍّ بِاسْتِعْمَالِ مَالِ غَيْرِهِ
(وَلَا يُجْزِئُ مَنْسُوجٌ لَا يَمْنَعُ مَاءً) أَيْ نُفُوذَ مَاءِ الْغُسْلِ إلَى الرِّجْلِ مِنْ غَيْرِ مَحِلِّ الْخَرْزِ لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ (فِي الْأَصَحِّ) لِعَدَمِ صَفَاقَتِهِ، إذْ الْغَالِبُ مِنْ الْخِفَافِ الْمُنْصَرِفِ إلَيْهَا نُصُوصُ الْمَسْحِ مَنْعُهَا نُفُوذَهُ فَيَبْقَى الْغَسْلُ وَاجِبًا فِيمَا سِوَاهَا.
وَالثَّانِي يُجْزِئُ كَالْمُتَخَرِّقِ ظِهَارَتُهُ مِنْ مَحِلٍّ وَبِطَانَتُهُ مِنْ آخَرَ مِنْ غَيْرِ تَحَاذٍ، وَلَا بُدَّ فِي صِحَّتِهِ أَنْ يُسَمَّى خُفًّا، فَلَوْ لَفَّ قِطْعَةَ أُدْمٍ عَلَى رِجْلَيْهِ وَأَحْكَمَهَا بِالشَّدِّ وَأَمْكَنَهُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهَا لَمْ يَصِحَّ الْمَسْحُ عَلَيْهَا لِعُسْرِ إزَالَتِهِ وَإِعَادَتِهِ عَلَى هَيْئَتِهِ مَعَ اسْتِيفَازِ الْمُسَافِرِ فَلَا يَحْصُلُ لَهُ الِارْتِفَاقُ الْمَقْصُودُ.
وَاسْتَغْنَى الْمُصَنِّفُ عَنْ ذِكْرِهِ اكْتِفَاءً بِقَوْلِهِ أَوَّلَ الْبَابِ يَجُوزُ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ يَعُودُ عَلَى الْخُفِّ فَخَرَجَ غَيْرُهُ
(وَلَا) يُجْزِئُ (جُرْمُوقَانِ فِي الْأَظْهَرِ) وَالْجُرْمُوقُ بِضَمِّ الْجِيمِ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ: شَيْءٌ كَالْخُفِّ فِيهِ وُسْعٌ يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ، وَأَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ خُفٌّ فَوْقَ خُفٍّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاسِعًا لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ أَنَّهُ يُجْزِئُ لِأَنَّ شِدَّةَ الْبَرْدِ قَدْ تُحْوِجُ إلَى لِبْسِهِ، وَفِي نَزْعِهِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ لِيَمْسَحَ عَلَى الْأَسْفَلِ مَشَقَّةٌ، وَمَنَعَ الْأَوَّلَ الْمَشَقَّةُ فِي ذَلِكَ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إدْخَالِ يَدِهِ بَيْنَهُمَا وَمَسْحِ الْأَسْفَلِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا غَيْرَ صَالِحَيْنِ لِلْمَسْحِ لَمْ يَجُزْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَطْعًا، فَإِنْ صَلُحَ الْأَعْلَى دُونَ الْأَسْفَلِ صَحَّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَالْأَسْفَلُ كَلُفَافَةٍ أَوْ الْأَسْفَلِ دُونَ الْأَعْلَى وَلَمْ يَصِلْ الْبَلَلُ لِلْأَسْفَلِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ وَصَلَ إلَيْهِ لَا بِقَصْدِ الْأَعْلَى صَحَّ وَحْدَهُ، وَيَجْرِي التَّفْصِيلُ أَيْضًا فِي الْقَوِيَّيْنِ بِأَنْ يَصِلَ لِلْأَسْفَلِ مِنْ مَحِلِّ خَرْزِ الْأَعْلَى، وَلَوْ تَخَرَّقَ
[حاشية الشبراملسي]
فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ) كَأَنَّ قَوْلَهُ: إنَّ السَّاتِرَ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ نَوْعِ الْخُفِّ، وَأَنَّهَا أَوْصَافٌ لِلْخُفِّ الْمَأْمُورِ بِلِبْسِهِ بَعْدَ الطُّهْرِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ وَشَرْطُ الْخُفِّ لِبْسُهُ بَعْدَ طُهْرٍ فِي مَعْنًى: وَيَجِبُ لِبْسُ الْخُفِّ بَعْدَ الطُّهْرِ لِيَصِحَّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ فَلْيُتَأَمَّلْ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ) أَيْ فِي الْمَغْصُوبِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الذَّهَبِ إلَخْ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: نَظِيرُ الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ غَسْلُ الرِّجْلِ الْمَغْصُوبَةِ وَصُورَتُهَا أَنْ يَجِبَ قَطْعُهَا فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ اهـ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ عَلَى التَّحْرِيرِ.
أَقُولُ: وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِأَنْ يَقْطَعَ رِجْلَ غَيْرِهِ مَثَلًا وَيُلْصِقَهَا بِرِجْلِهِ وَتَحِلُّهَا الْحَيَاةُ فَيَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهَا وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِحُلُولِ الْحَيَاةِ وَيُكْتَفَى بِاتِّصَالِ مَا وَصَلَهُ بِرِجْلِهِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ عَلَيْهِ لِحَوَائِجِهِ لِتَنْزِيلِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَنْزِلَةَ الرِّجْلِ الْأَصْلِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ نَحْوِ جِلْدِ آدَمِيٍّ) أَيْ وَلَوْ مُحْتَرَمًا (قَوْلُهُ: صَحَّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) قَدْ يُقَالُ يُشْكِلُ هَذَا بِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ لِبْسِهِ لِمَعْنًى قَائِمٍ بِهِ فَهُوَ كَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْمُحْتَرَمِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ وَإِنْ كَانَ لِمَعْنًى قَائِمٍ بِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ لِبْسِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ لِبْسًا بَلْ مِنْ حَيْثُ إهَانَةُ صَاحِبِهِ فَهُوَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَمَعَ ذَلِكَ فِيهِ شَيْءٌ (قَوْلُهُ: بِاسْتِعْمَالِ مَالِ غَيْرِهِ) أَيْ فِي الْمَغْصُوبِ وَبِاسْتِعْمَالِ مَا يُؤَدِّي إلَى الْخُيَلَاءِ وَتَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ فِي الذَّهَبِ وَنَحْوِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ فِي صِحَّتِهِ) أَيْ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، وَيُمْكِنُ اسْتِفَادَةُ ذَلِكَ مِنْ الْمَتْنِ بِأَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ مَنْسُوجٌ صِفَةُ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، وَالْأَصْلُ وَلَا يُجْزِئُ خُفٌّ مَنْسُوجٌ، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَاسْتَغْنَى الْمُصَنِّفُ عَنْ ذِكْرِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: عَنْ ذِكْرِهِ) أَيْ ذِكْرِ قَوْلِهِ وَلَا بُدَّ فِي صِحَّتِهِ أَنْ يُسَمَّى خُفًّا.
(قَوْلُهُ: لَا بِقَصْدِ الْأَعْلَى إلَخْ) بِأَنْ
[حاشية الرشيدي]
وَالْجَوَابُ فِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ: لِمَعْنًى قَائِمٍ بِالْآلَةِ) فِي هَذَا الْفَرْقِ وَقْفَةٌ ظَاهِرَةٌ
(قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ خُفٌّ فَوْقَ خُفٍّ إلَخْ)
الْأَسْفَلُ مِنْ الْقَوِيَّيْنِ وَهُوَ بِطُهْرٍ لَبِسَهُمَا مَسَحَ عَلَى الْأَعْلَى لِصَيْرُورَتِهِ أَصْلًا، وَالْأَسْفَلُ كَاللِّفَافَةِ أَوْ وَهُوَ مُحْدِثٌ فَلَا، أَوْ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةِ الْمَسْحِ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى طَهَارَةِ اللِّبْسِ وِفَاقًا لَلْحِجَازِيِّ فِي مُخْتَصَرِ الرَّوْضَةِ، وَالْخُفُّ ذُو الطَّاقَيْنِ غَيْرِ الْمُلْتَصِقَيْنِ كَالْجُرْمُوقَيْنِ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ.
قَالَ: وَعِنْدِي يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى فَقَطْ لِأَنَّ الْجَمِيعَ خُفٌّ وَاحِدٌ فَمَسْحُ الْأَسْفَلِ كَمَسْحِ بَاطِنِ الْخُفِّ اهـ.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْأَسْفَلَ إنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِالْأَعْلَى بِخِيَاطَةٍ وَنَحْوِهَا فَهُوَ كَالْبِطَانَةِ، وَيُحْمَلُ كَلَامُ الْبَغَوِيّ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَالْأَعْلَى كَالْجُرْمُوقِ وَيُحْمَلُ كَلَامُهُمْ عَلَيْهِ.
وَلَوْ لَبِسَ خُفًّا عَلَى جَبِيرَةٍ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ لِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ فَوْقَ مَمْسُوحٍ كَالْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهِ لَوْ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ وَضَعَ الْجَبِيرَةَ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ لِانْتِفَاءِ مَا ذُكِرَ، لَكِنْ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِعَدَمِ جَوَازِ الْمَسْحِ لِمَا ذُكِرَ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَبِيرَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مَمْسُوحَةً بِمَعْنَى أَنَّ وَاجِبَهَا الْمَسْحُ فَشَمِلَ ذَلِكَ وَضْعَهَا عَلَى الْغَسْلِ الْمَذْكُورِ
(وَيَجُوزُ مَشْقُوقُ قَدَمٍ شُدَّ بِالْعُرَى فِي الْأَصَحُّ) بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ شَيْءٌ مِنْ مَحِلِّ الْفَرْضِ لِحُصُولِ السَّتْرِ وَسُهُولَةِ الِارْتِفَاقِ بِهِ فِي الْإِزَالَةِ وَالْإِعَادَةِ، فَإِنْ لَمْ يُشَدَّ بِالْعُرَى لَمْ يَكْفِ لِظُهُورِ مَحِلِّ الْفَرْضِ إذَا مَشَى
[حاشية الشبراملسي]
قَصَدَهُمَا أَوْ الْأَسْفَلَ وَحْدَهُ أَوْ أَطْلَقَ.
قَالَ سم عَلَى حَجّ: وَمِثْلُ قَصْدِ الْأَعْلَى فَقَطْ قَصْدُ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ: أَيْ لِأَنَّ قَصْدَ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ، وَهُوَ يُوجَدُ فِي قَصْدِ الْأَعْلَى وَحْدَهُ وَفِي غَيْرِهِ، فَلَمَّا صَدَقَ بِمَا لِتَبْطُلَ وَمَا لَا لِتَبْطُلَ حَمَلَ عَلَى الثَّانِي احْتِيَاطًا، وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ الْمَسْحِ هُوَ مَسَحَ الْأَسْفَلَ أَوْ الْأَعْلَى هَلْ يُعْتَدُّ بِمَسْحِهِ فَلَا يُكَلَّفُ إعَادَتُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّحَّةُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ حَيْثُ كَانَ الشَّكُّ بَعْدَ مَسْحِهِمَا جَمِيعًا، فَلَوْ كَانَ بَعْدَ مَسْحِ وَاحِدَةٍ وَشَكَّ هَلْ مَسَحَ الْأَعْلَى مِنْهَا أَوْ الْأَسْفَلَ وَجَبَ إعَادَةُ مَسْحِهَا لِأَنَّ الشَّكَّ قَبْلَ فَرَاغِ الْوُضُوءِ مُؤَثِّرٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ السَّابِقِ، وَلَوْ شَكَّ فِي تَطْهِيرِ عُضْوٍ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ طُهْرِهِ طَهَّرَهُ وَمَا بَعْدَهُ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَمْ يُؤَثِّرْ (قَوْلُهُ: أَوْ وَهُوَ مُحْدِثٌ فَلَا) أَيْ وَذَلِكَ لِأَنَّ وُجُودَ الْأَعْلَى عِنْدَ تَخَرُّقِ الْأَسْفَلِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ ابْتِدَاءِ اللِّبْسِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى طَهَارَةِ اللِّبْسِ أَوْ الْمَسْحِ كَانَ كَاللِّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ الْآنَ وَهُوَ كَافٍ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا كَانَ كَاللِّبْسِ عَلَى حَدَثٍ فَلَا يَكْفِي (قَوْلُهُ: وَيُحْمَلُ كَلَامُهُمْ عَلَيْهِ) فِي هَذَا الْحَمْلِ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوَّلًا مُلْتَصِقَيْنِ بَعْدَ فَتَأَمَّلْهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: يَكْفِي فِي عَدَمِ الِالْتِصَاقِ خِيَاطَةُ طَرَفِ الْبِطَانَةِ فِي الظِّهَارَةِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْبَاقِي عَدَمُ الِالْتِصَاقِ
(قَوْلُهُ: فَوْقَ مَمْسُوحٍ) أَيْ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُمْسَحَ فَيَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَتْ الْجَبِيرَةُ لَا يَجِبُ مَسْحُهَا لِعَدَمِ أَخْذِهَا شَيْئًا مِنْ الصَّحِيحِ كَمَا قَالَهُ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ سم عَلَى بَهْجَةٌ.
لَكِنَّ عِبَارَةَ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ فَوْقَ مَمْسُوحٍ، قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ مَسْحُهَا بِأَنْ لَمْ تَأْخُذْ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا لَمْ يَمْتَنِعْ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الْمَلْبُوسِ عَلَيْهَا اهـ.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى أَنَّ وَاجِبَهَا الْمَسْحُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَأْخُذْ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا لَا يَمْتَنِعُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ لِعَدَمِ وُجُوبِ مَسْحِهَا حِينَئِذٍ، وَيُجْزِي عَنْهَا التَّيَمُّمُ.
ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَنَا الزِّيَادِيَّ جَرَى عَلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فِي حَاشِيَتِهِ وَنَصُّهَا: قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ إلَخْ، قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ مَسْحُهَا بِأَنْ لَمْ تَأْخُذْ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا لَمْ يَمْتَنِعْ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الْمَلْبُوسِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ غَسَلَ مَا تَحْتَهَا ثُمَّ وَضَعَهَا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الْمَلْبُوسِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِمَسْحِهَا بَعْدَ ذَلِكَ
[حاشية الرشيدي]
صَرِيحُ هَذَا خُصُوصًا مَعَ النَّظَرِ لِمَا قَبْلَهُ أَنَّ الْجُرْمُوقَ اسْمٌ لِلْأَعْلَى بِشَرْطِ أَسْفَلَ، وَحِينَئِذٍ فَالتَّثْنِيَةُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِهِ فِي الرِّجْلَيْنِ، لَكِنَّ صَرِيحَ كَلَامِ غَيْرِهِ خِلَافُهُ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْ الْأَعْلَى، وَالْأَسْفَلِ يُسَمَّى جُرْمُوقًا، وَعَلَيْهِ فَالتَّثْنِيَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُنَزَّلَةٌ عَلَيْهِمَا (قَوْلُهُ: قَالَهُ الْبَغَوِيّ) أَيْ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ
وَلَوْ فُتِحَتْ الْعُرَى بَطَلَ الْمَسْحُ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ الرِّجْلِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ إذَا مَشَى ظَهَرَ، وَيَكْفِي فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ الْمَعْنَى الْمَوْجُودُ فِي الْخُفِّ لِأَنَّا لَا نُعَوِّلُ عَلَى مُجَرَّدِ التَّسْمِيَةِ فَقَطْ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهَا مِنْ مُرَاعَاةِ الْعِلَّةِ.
وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ فَلَا يَكْفِي الْمَسْحُ عَلَيْهِ.
(وَيُسَنُّ مَسْحُ) ظَاهِرِ (أَعْلَاهُ) السَّاتِرِ لِظَهْرِ الْقَدَمِ (وَأَسْفَلِهِ) وَحَرْفِهِ وَعَقِبِهِ (خُطُوطًا) لِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْأَوَّلِينَ وَقِيَاسًا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، وَالْأَوْلَى وَضْعُ أَصَابِعِ يُمْنَى يَدَيْهِ مُنْفَرِجَةً عَلَى ظَهْرِ مُقَدَّمِ الْخُفِّ وَالْيُسْرَى عَلَى أَسْفَلِ الْعَقِبِ وَإِمْرَارُهُمَا، فَتَنْتَهِي أَصَابِعُ الْيُمْنَى إلَى آخِرِ السَّاقِ وَالْيُسْرَى إلَى مُقَدَّمِ بَطْنِ الْخُفِّ وَلَا يُسْتَحَبُّ اسْتِيعَابُهُ، وَيُكْرَهُ تَكْرَارُ مَسْحِهِ وَإِنْ أَجْزَأَ وَغَسْلُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَعِيبُهُ وَيُفْسِدُهُ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فِي نَحْوِ الْخَشَبِ وَهُوَ كَذَلِكَ (وَيَكْفِي مُسَمَّى مَسْحٍ) كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَلَوْ بِعُودٍ أَوْ وَضَعَ يَدَهُ الْمُبْتَلَّةِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُمِرَّهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ لِوُرُودِ الْمَسْحِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَصِحَّ فِي تَقْدِيرِهِ شَيْءٌ فَتَعَيَّنَ الِاكْتِفَاءُ بِمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَلَا بُدَّ أَنْ (يُحَاذِيَ) أَيْ يُقَابِلَ (الْفَرْضَ) مِنْ ظَاهِرِهِ، لَا بَاطِنِهِ الْمُلَاقِي لِلْبَشَرَةِ فَلَا يَكْفِي بِالِاتِّفَاقِ،
[حاشية الشبراملسي]
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ سم عَلَى بَهْجَةٌ
(قَوْلُهُ: الْمَعْنَى الْمَوْجُودُ) وَهُوَ سُهُولَةُ الِارْتِفَاقِ فِي الْمَشْيِ بِهِ مَعَ اسْتِيفَاءِ شُرُوطِهِ
(قَوْلُهُ: وَالْيُسْرَى عَلَى أَسْفَلَ إلَخْ) لَا يَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ شُمُولُ الْمَسْحِ لِلْعَقِبِ، إلَّا أَنْ يُرَادَ بِأَسْفَلِهِ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى مُؤَخَّرِ الْعَقِبِ بِحَيْثُ يَسْتَوْعِبُهُ بِالْمَسْحِ، وَمَعْنَى جَعْلِ ذَلِكَ أَسْفَلَهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ السَّاقِ مَثَلًا.
هَذَا وَجَعَلَ الْبَكْرِيُّ ذَلِكَ مُفِيدًا لِدُخُولِهِ حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ: تَحْتَ الْعَقِبِ إشَارَةٌ إلَى اسْتِحْبَابِ مَسْحِ الْعَقِبِ وَلَا يُشْعِرُ بِهِ الْمَتْنُ اهـ.
وَفِي جَعْلِهِ مُفِيدًا لَهُ تَأَمُّلٌ كَمَا عَلِمْته، وَكَذَا لَا تُفِيدُ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ إدْخَالَ الْحَرْفِ (قَوْلُهُ: فَتَنْتَهِي أَصَابِعُ الْيُمْنَى إلَى آخِرِ السَّاقِ) قَضِيَّةُ قَوْلِهِ إلَى آخِرِ السَّاقِ اسْتِحْبَابُ التَّحْجِيلِ لِأَنَّ آخِرَ السَّاقِ مَا يَلِي الرُّكْبَةَ، كَذَا قِيلَ، وَقَدْ يُمْنَعُ أَنَّ آخِرَهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا آخِرُهُ مَا يَلِي الْقَدَمَ لِأَنَّ مَا وَضَعَهُ عَلَى الِانْتِصَابِ يَكُونُ أَعْلَاهُ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ أَسْفَلُهُ، فَأَعْلَى الْآدَمِيِّ رَأْسُهُ، وَآخِرُهُ رِجْلَاهُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْجَزَرِيَّةِ.
ثُمَّ رَأَيْت سم عَلَى حَجّ قَالَ: إنَّهُ كَانَ ظَهَرَ لَنَا اسْتِحْبَابُ التَّحْجِيلِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي الْمَجْمُوعِ التَّصْرِيحَ بِخِلَافِهِ اهـ بِالْمَعْنَى فَرَاجِعْهُ، وَقَوْلُهُ: إلَى آخِرِ السَّاقِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْآخِرَ مِنْ جِهَةِ الْقَدَمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْآخِرِ الْأَعْلَى إشَارَةً إلَى التَّحْجِيلِ حَرَّرَهُ، وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ إلَى السَّاقِ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَهِيَ تُفِيدُ عَدَمَ اسْتِحْبَابِ التَّحْجِيلِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا نَقَلَهُ عَنْ الْمَجْمُوعِ فَيُحْمَلُ آخِرُ السَّاقِ عَلَى مَا يَلِي الْقَدَمَ مِنْهُ وَهُوَ مَدْلُولُهُ عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْجَزَرِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُسْتَحَبُّ اسْتِيعَابُهُ) قَضِيَّةُ الِاقْتِصَارِ عَلَى نَفْيِ الِاسْتِحْبَابِ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَلَيْسَ مَكْرُوهًا، وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى، وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ فَاسْتِيعَابُهُ بِالْمَسْحِ خِلَافُ الْأَوْلَى، ثُمَّ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ قَدْ يُشْكِلُ بِأَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ كَمَا قَالَهُ ع وُجُوبُ الِاسْتِيعَابِ إلَّا مَوَاضِعَ الْغُضُونِ، فَالْقِيَاسُ نَدْبُهُ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِيعَابِ هُوَ الْوَارِدُ فِي الْأَخْبَارِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّهُ: أَيْ الْمَسْحَ كَانَ خُطُوطًا وَهُوَ دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ يَعِيبُهُ) فَإِنْ قُلْت: التَّعَيُّبُ إتْلَافٌ لِلْمَالِ فَهَلَّا حُرِّمَ الْغَسْلُ وَالتَّكْرَارُ؟ قُلْت: لَيْسَ التَّعْيِيبُ مُحَقَّقًا، وَلَوْ سَلِمَ فَقَدْ يُقَالُ لَمَّا كَانَ هُنَا لِغَرَضِ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ كَانَ مُغْتَفَرًا وَلَمْ يَحْرُمْ فَلْيُتَأَمَّلْ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: لَا بَاطِنَهُ) قَدْ يُفِيدُ إجْزَاءَ الْمَسْحِ عَلَى مُحَاذَى الْكَعْبَيْنِ لِكَوْنِهِمَا لَيْسَا مِنْ الْبَاطِنِ وَلَا مَا ذُكِرَ مَعَهُ مِنْ صُوَرِ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ، وَبِهِ صَرَّحَ حَجّ عَلَى مَا نَقَلَهُ سم عَنْهُ، وَعِبَارَتُهُ قَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَيَكْفِي مَسْحُ الْكَعْبِ وَمَا يُوَازِيهِ فِي الْفَرْضِ غَيْرُ الْعَقِبِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ، خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ جَمْعٍ مِنْ أَنَّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لَا بُدَّ مَعَهَا) يُفِيدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الِاسْمِ فَيَقْتَضِي خِلَافَ مَا ذَكَرَهُ، وَصَرِيحُ الْمَتْنِ أَنَّهُ يُسَمَّى خُفًّا وَصَرَّحَ بِهِ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَجْزَأَ) لَمْ يَظْهَرْ لِي مَوْقِعُ هَذِهِ الْغَايَةِ، وَهُوَ تَابِعٌ فِيهَا لِشَرْحِ الْإِرْشَادِ
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ لَمْ يَكْفِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ جَزْمًا، بِخِلَافِ الرَّأْسِ فَإِنَّ الشَّعْرَ مِنْ مُسَمَّاهُ، إذْ الرَّأْسُ لِمَا رَأَسَ وَعَلَا، وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ شَعْرِ الْخُفِّ فَلَا يُسَمَّى خُفًّا (إلَّا أَسْفَلُ الرِّجْلِ وَعَقِبِهَا فَلَا) يَكْفِي (عَلَى الْمَذْهَبِ) لِعَدَمِ وُرُودِ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ، وَالرُّخْصَةُ يَجِبُ فِيهَا الِاتِّبَاعُ.
وَالثَّانِي يَكْفِي قِيَاسًا عَلَى الْأَعْلَى، وَالْعَقِبُ مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ، وَيَجُوزُ إسْكَانُ الْقَافِ مَعَ فَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا.
(قُلْت: حَرْفُهُ كَأَسْفَلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عَدَمِ الرُّؤْيَةِ غَالِبًا.
(وَلَا مَسْحَ لِشَاكٍّ فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ) كَأَنْ نَسِيَ ابْتِدَاءَهَا أَوْ أَنَّهُ مَسَحَ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ، فَإِذَا شَكَّ فِيهَا رَجَعَ لِلْأَصْلِ وَهُوَ الْغَسْلُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الشَّكَّ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي مَنْعِ الْمَسْحِ لَا أَنَّهُ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَلَوْ زَالَ الشَّكُّ وَتَحَقَّقَ بَقَاءُ الْمُدَّةِ جَازَ الْمَسْحُ، وَعَلَيْهِ لَوْ كَانَ مَسَحَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَلَى الشَّكِّ فِي أَنَّهُ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ وَصَلَّى ثُمَّ زَالَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَعَلِمَ أَنَّ ابْتِدَاءَهُ وَقَعَ فِي السَّفَرِ فَعَلَيْهِ إعَادَةُ صَلَاةِ الْيَوْمِ الثَّانِي لِأَنَّهُ صَلَّاهَا مَعَ الشَّكِّ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَسْحِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لِعِلْمِهِ بِبَقَاءِ الْمُدَّةِ، ثُمَّ إنْ كَانَ مَسَحَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُحْدِثْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْيَوْمَ الثَّالِثَ بِذَلِكَ الْمَسْحِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لَكِنَّهُ مَسَحَ فِيهِ عَلَى الشَّكِّ وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَسْحِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ إعَادَةُ صَلَوَاتِ الْيَوْمِ الثَّانِي بِالْمَسْحِ الْوَاقِعِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ.
(فَإِنْ أَجْنَبَ وَجَبَ) عَلَيْهِ (تَجْدِيدُ لِبْسِ) أَيْ إنْ أَرَادَ الْمَسْحَ وَمِثْلُهُ كُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغَسْلُ لِحَدَثٍ أَكْبَرَ كَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ لِمَا صَحَّ مِنْ خَبَرِ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَوْ سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ» وَقِيسَ بِهِ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَالْوِلَادَةُ وَلِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ فَلَا يَشُقُّ النَّزْعُ لَهُ، بِخِلَافِ الْحَدَثِ حَتَّى لَوْ غَسَلَهُمَا
[حاشية الشبراملسي]
الْعِبْرَةَ بِمَا قُدَّامِ السَّاقِ إلَى رُءُوسِ الْأَظْفَارِ لَا غَيْرُ اهـ.
وَكُتِبَ عَلَى الْمَنْهَجِ: لَوْ مَسَحَ بَاطِنَهُ فَنَفَذَ الْمَاءُ مِنْ مَوَاضِعَ الْخَرْزِ إلَى ظَاهِرِهِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْزِئُ إنْ قَصَدَ الظَّاهِرَ أَوْ الْبَاطِنَ أَوْ أَطْلَقَ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ الْبَاطِنَ فَقَطْ، وَكَذَا يُقَالُ إذَا مَسَحَ الشَّعْرَ الَّذِي بِظَاهِرِ الْخُفِّ فَأَصَابَ الْمَاءُ بَقِيَّةَ الْخُفِّ، وَقُلْنَا إنْ مَسَحَ الشَّعْرَ لَا يَكْفِي فَتَأَمَّلْ اهـ.
وَقِيَاسُ مَا مَرَّ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ أَحَدَ الْجُرْمُوقَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ لَمْ يَكْفِ أَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ.
[فَرْعٌ] هَلْ يَكْفِي الْمَسْحُ عَلَى الْخَيْطِ الَّذِي خِيطَ بِهِ الْخُفُّ سَوَاءٌ كَانَ جِلْدًا أَوْ كَتَّانًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لَا يَبْعُدُ الِاكْتِفَاءُ لِأَنَّهُ صَارَ يُعَدُّ مِنْ جُمْلَتِهِ، وَهَلْ يَكْفِي الْمَسْحُ عَلَى الْأَزْرَارِ وَالْعُرَى الَّتِي لِلْخُفِّ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَلَا يَبْعُدُ أَيْضًا الِاكْتِفَاءُ إذَا كَانَتْ مُثَبَّتَةً فِيهِ بِنَحْوِ الْخِيَاطَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَلْيُرَاجَعْ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ لَمْ يَكْفِ عَلَيْهِ الْمَسْحُ جَزْمًا) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: لِمَا رَأَسَ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: رَأَسَ فُلَانٌ الْقَوْمَ يَرْأَسُهُمْ بِالْفَتْحِ رِآسَةٌ فَهُوَ رَئِيسٌ وَيُقَالُ رَيِّسٌ بِوَزْنِ قَيِّمٍ اهـ (قَوْلُهُ: فَلَا يُسَمَّى خُفًّا) زَادَ سم عَلَى مَنْهَجٍ بَعْدَ مِثْلِ مَا ذَكَرَ عَنْ م ر، وَقَدْ يُقَالُ لَيْسَ الشَّعْرُ دَاخِلًا فِي حَقِيقَةِ الرَّأْسِ وَاكْتَفَى بِهِ، فَقِيَاسُهُ الِاكْتِفَاءُ بِشَعْرِ الْخُفِّ كَمَا قَالَهُ حَجّ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ وُرُودِ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَسْفَلِ وَالْعَقِبِ
(قَوْلُهُ: إعَادَةُ مَسْحِهِ) أَيْ لِفِعْلِهِ أَوَّلًا مَعَ التَّرَدُّدِ
(قَوْلُهُ: لِحَدَثٍ أَكْبَرَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ النَّزْعُ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِنَذْرٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِنَجَاسَةِ كُلِّ بَدَنِهِ أَوْ بَعْضِهِ وَاشْتُبِهَ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ.
[فَائِدَةٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ شَكَّ هَلْ بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ مَا يَسَعُ الصَّلَاةَ كَامِلَةً أَمْ لَا؟ هَلْ لَهُ الْإِحْرَامُ بِهَا أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالظَّاهِرُ الثَّانِي لِتَرَدُّدِهِ فِي النِّيَّةِ حَالَ الْإِحْرَامِ بِنَاءً عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ مَا لَا يَسَعُ الصَّلَاةَ وَأَحْرَمَ عَالِمًا بِذَلِكَ لَمْ يَنْعَقِدْ خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ هُنَا وَتَبِعَهُ الْخَطِيبُ مِنْ الصِّحَّةِ (قَوْلُهُ: مُسَافِرِينَ أَوْ سَفْرًا) فِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ: إذَا كُنَّا سَفْرًا أَوْ مُسَافِرِينَ، الشَّكُّ مِنْ الرَّاوِي فِي السَّفَرِ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دَاخِلَ الْخُفِّ لَمْ يَكْفِهِ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ.
وَيُؤْخَذُ مِمَّا تَقَرَّرَ رَدُّ مَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ مَنْ تَجَرَّدَتْ جَنَابَتُهُ عَنْ الْحَدَثِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفِّ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ، وَخَرَجَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُ بَدَنِهِ لِنَجَاسَةٍ وَجَهِلَهَا فِيهِ فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ غَسْلُ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفِّ، بِخِلَافٍ نَحْوَ الْجُنُبِ فَإِنَّهُ وَإِنْ غَسَلَهُمَا فِيهِ لَا بُدَّ لِصِحَّةِ مَسْحِهِ مِنْ نَزْعِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَمَنْ) (نَزَعَ) خُفَّيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ أَوْ شَكَّ فِي بَقَائِهَا أَوْ ظَهَرَ بَعْضُ مَحِلِّ الْفَرْضِ بِتَخَرُّقٍ أَوْ غَيْرِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ (وَهُوَ بِطُهْرِ الْمَسْحِ غَسَلَ قَدَمَيْهِ) إذْ الْأَصْلُ غَسْلُهُمَا وَالْمَسْحُ بَدَلٌ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ زَالَ حُكْمُ الْبَدَلِ كَالتَّيَمُّمِ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَلَوْ زَلْزَلَ رِجْلَهُ فِي الْخُفِّ وَلَمْ يُخْرِجْهَا عَنْ الْقَدَمِ لَمْ يَبْطُلْ مَسْحُهُ، وَلَوْ أَخْرَجَهَا مِنْ قَدَمِ الْخُفِّ إلَى السَّاقِ لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى النَّصِّ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ الْخُفُّ طَوِيلًا خَارِجًا عَنْ الْعَادَةِ فَأَخْرَجَ رِجْلَهُ إلَى مَوْضِعٍ لَوْ كَانَ الْخُفُّ مُعْتَادًا لَظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ مَحِلِّ الْفَرْضِ بَطَلَ مَسْحُهُ بِلَا خِلَافٍ، وَشَمَلَ كَلَامُهُ وُضُوءَ دَائِمِ الْحَدَثِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ حَيْثُ قَالَ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحِلُّ الِاكْتِفَاءِ بِغَسْلِ الْقَدَمَيْنِ بَعْدَ النَّزْعِ وَنَحْوِهِ فِي وُضُوءِ الرَّفَاهِيَةِ، أَمَّا دَائِمُ الْحَدَثِ فَيَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ لَا مَحَالَةَ، أَمَّا لِلْفَرِيضَةِ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا لِلنَّافِلَةِ فَلِأَنَّ الِاسْتِبَاحَةَ لَا تَتَبَعَّضُ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجْلَيْنِ ارْتَفَعَتْ مُطْلَقًا كَذَا ظَنَنْته فَتَأَمَّلْهُ وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا (وَفِي قَوْلٍ يَتَوَضَّأُ) لِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ فَتَبْطُلُ كُلُّهَا بِبُطْلَانِ بَعْضِهَا كَالصَّلَاةِ، وَاحْتُرِزَ بِطُهْرِ الْمَسْحِ عَنْ طُهْرِ الْغَسْلِ بِأَنْ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ نَزَعَهُ قَبْلَ الْحَدَثِ، أَوْ أَحْدَثَ وَلَكِنْ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفِّ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
بَابُ الْغُسْلِ هُوَ لُغَةً سَيَلَانُ الْمَاءِ عَلَى الشَّيْءِ وَشَرْعًا سَيَلَانُهُ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ بِالنِّيَّةِ فِي غَيْرِ غَسْلِ الْمَيِّتِ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ، وَالْأَفْصَحُ الْأَشْهَرُ فِيهِ لُغَةً فَتْحُ الْغَيْنِ وَضَمُّهَا هُوَ الْجَارِي عَلَى أَلْسِنَةِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَيُقَالُ بِالضَّمِّ لِلْمَاءِ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ، وَبِالْكَسْرِ لِمَا يُغْتَسَلُ بِهِ مِنْ سِدْرٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَجِبُ فَوْرًا أَصَالَةً وَلَوْ عَلَى فَاغْتَسِلْ خِلَافًا لِابْنِ الْعِمَادِ،
[حاشية الشبراملسي]
وَالْمُسَافِرِينَ.
السَّفْرُ جَمْعُ سَافِرٍ كَصَاحِبٍ وَصَحْبٍ، وَالْمُسَافِرُونَ جَمْعُ مُسَافِرٍ وَالسَّفْرُ وَالْمُسَافِرُونَ بِمَعْنًى (قَوْلُهُ: لَمْ يَكْفِهِ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ) أَيْ وَإِنْ ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُمَا بِالْغُسْلِ لِبُطْلَانِ الْمُدَّةِ بِالْجَنَابَةِ
(قَوْلُهُ: وَنَحْوُ ذَلِكَ) عَطْفٌ عَلَى نَحْوٍ: أَيْ أَوْ ظَهَرَ بَعْضٌ نَحْوَ مَحَلِّ الْفَرْضِ كَالْخِرَقِ الَّتِي عَلَى الرَّجُلِ، وَيَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِالرَّفْعِ: أَيْ أَوْ حَصَلَ نَحْوُ ذَلِكَ: أَوْ نَحْوُ ظُهُورِ مَحَلِّ الْفَرْضِ كَحَلِّ شَدَّادٍ مَشْقُوقِ الْقَدَمِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِنْ مَحَلِّ الْقَدَمِ (قَوْلُهُ: غَسَلَ قَدَمَيْهِ) أَيْ بِنِيَّةٍ جَدِيدَةٍ وُجُوبًا لِأَنَّ نِيَّتَهُ الْأُولَى إنَّمَا تَنَاوَلَتْ الْمَسْحَ دُونَ الْغَسْلِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا) هُوَ آخِرُ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ.
بَابُ الْغُسْلِ
(قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ غُسْلِ الْمَيِّتِ) أَمَّا هُوَ فَلَا يَجِبُ فِيهِ النِّيَّةُ بَلْ يُسْتَحَبُّ فَقَطْ (قَوْلُهُ: الْأَشْهَرُ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ بِالْأَفْصَحِ هُنَا، فَإِنَّ مَعْنَى الْفَصَاحَةِ الْمُقَرَّرِ فِي عُرْفِهِمْ لَا يَظْهَرُ مَعْنَاهُ هُنَا (قَوْلُهُ: أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ) أَيْ فِي الْفِعْلِ الرَّافِعِ لِلْحَدَثِ، أَمَّا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ فَالْأَشْهَرُ فِي لِسَانِهِمْ الْفَتْحُ (قَوْلُهُ: وَلَا يَجِبُ فَوْرًا أَصَالَةً) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ ضَاقَ وَقْتُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِنَجَاسَةٍ) لَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْهُ تَاءٌ قَبْلَ الْهَاءِ مِنْ الْكَتَبَةِ
(قَوْلُهُ: فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ) عِبَارَةُ الدَّمِيرِيِّ فَإِذَا زَالَ وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى الْأَصْلِ.
[بَابُ الْغُسْلِ]
[مُوجِبَاتُ الْغُسْل]
بَابُ الْغُسْلِ
وَالْكَلَامُ أَوَّلًا فِي مُوجِبَاتِهِ وَوَاجِبَاتِهِ وَسُنَنِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَقَدْ بَدَأَ مِنْهَا بِالْأَوَّلِ فَقَالَ (مُوجِبُهُ مَوْتٌ) لِمَا سَيَأْتِي فِي الْجَنَائِزِ، وَفِيهَا أَيْضًا أَنَّ الشَّهِيدَ يَحْرُمُ غُسْلُهُ، وَالْكَافِرُ لَا يَجِبُ غُسْلُهُ، وَالسَّقْطُ الَّذِي بَلَغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَلَمْ تَظْهَرْ أَمَارَةُ حَيَاتِهِ يَجِبُ غُسْلُهُ مَعَ أَنَّا لَمْ نَعْلَمْ سَبْقَ مَوْتٍ لَهُ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هُنَاكَ غُسْلَ السَّقْطِ الْمَذْكُورِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى عَدِّهِ الْمُوجِبَاتِ لَهُ تَنَجُّسُ جَمِيعِ الْبَدَنِ أَوْ بَعْضِهِ مَعَ الِاشْتِبَاهِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ مُطْلَقُ الْإِزَالَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِغُسْلٍ بِعَيْنِهِ حَتَّى لَوْ فَرَضَ كَشْطَ جِلْدِهِ حَصَلَ الْغَرَضُ، وَالْمَوْتُ عَدَمُ الْحَيَاةِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِمُفَارَقَةِ الرُّوحِ الْجَسَدِ، وَقِيلَ عَدَمُ الْحَيَاةِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْحَيَاةُ.
وَقِيلَ عَرَضٌ يُضَادُّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: 2] وَرَدَّ بِأَنَّ الْمَعْنَى قَدَّرَ وَالْعَدَمُ مُقَدَّرٌ
[حاشية الشبراملسي]
الصَّلَاةِ عَقِبَ الْجَنَابَةِ أَوْ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ فَيَجِبُ فِيهِ الْفَوْرُ لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا (قَوْلُهُ: وَالْكَلَامُ أَوَّلًا فِي مُوجِبَاتِهِ) أَيْ وَثَانِيًا فِي وَاجِبَاتِهِ وَهَكَذَا، وَلَوْ أَسْقَطَ قَوْلَهُ أَوَّلًا اسْتَغْنَى عَنْ هَذَا التَّقْدِيرِ، وَتُعْلَمُ بُدَاءَتُهُ بِالْمُوجِبَاتِ مِنْ قَوْلِهِ وَقَدْ بَدَأَ بِالْأَوَّلِ.
إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) أَيْ وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا ذُكِرَ: أَيْ مِنْ الْمُوجِبَاتِ (قَوْلُهُ: فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَفِيهَا أَنَّ الشَّهِيدَ.
إلَخْ لَا عَلَى قَوْلِهِ مَعَ أَنَّا لَمْ نَعْلَمْ.
إلَخْ، لِأَنَّ ذَاكَ إنَّمَا يَقْتَضِي الْإِيرَادَ لَا عَدَمَهُ، وَلَعَلَّ الْغَرَضَ مِنْ ذِكْرِهِ الرَّدَّ عَلَى حَجّ حَيْثُ جَعَلَهُ مُسْتَفَادًا مِنْ كَوْنِ الْمَوْتِ مُوجِبًا حَيْثُ قَالَ مَا حَاصِلُهُ: إنَّهُ يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ لِأَنَّ الْمَوْتَ عَدَمُ الْحَيَاةِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْحَيَاةُ وَهَذَا شَأْنُهُ الْحَيَاةُ (قَوْلُهُ: غَيْرُ أَنَّهُ) اعْتِذَارٌ عَمَّا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ، وَفِيهَا أَنَّ السِّقْطَ يَجِبُ غُسْلُهُ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمِنْهَاجِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ لَكِنَّهُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ وَهُوَ كَافٍ فِي عَدَمِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ هُنَا (قَوْلُهُ: عَلَى عَدِّهِ الْمُوجِبَاتِ) فِي نُسْخَةِ حَصْرِهِ الْمُوجِبَاتِ لَهُ فِيمَا ذَكَرَهُ تَنَجَّسَ إلَخْ، وَمَا فِي الْأَصْلِ أَوْلَى لِأَنَّ عِبَارَتَهُ لَا تُفِيدُ الْحَصْرَ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ عَدَمُ الْحَيَاةِ) ذَكَرَهُ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ قَبْلَ عَدَمِ الْحَيَاةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِنْ شَأْنِهِ الْحَيَاةُ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ وَيُعَبِّرُ عَنْهُ الِاشْتِرَاطُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُ صَاحِبِ هَذَا الْقِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُ الْحَيَاةِ، بَلْ مَتَى بَلَغَ زَمَانًا تَحْصُلُ فِيهِ الْحَيَاةُ لِمِثْلِهِ وَلَمْ تُوجَدْ عُدَّ مَيِّتًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ عَرَضٌ يُضَادُّهَا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي سَبْقُ الْحَيَاةِ، فَيَدْخُلُ السِّقْطُ فِي الْمَيِّتِ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
وَفِي التُّحْفَةِ مَا يَقْتَضِي خِلَافَهُ حَيْثُ جَعَلَ الْمَوْتَ عَلَى الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ صَادِقًا عَلَى السِّقْطِ، لَكِنْ نَظَرٌ فِيهِ سم بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْمُفَارَقَةِ سَبْقُ الْوُجُودِ، قَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا مَعْنَى الْعَدَمِ، وَيُجْعَلُ قَوْلُهُ: عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ إلَخْ رَاجِعًا إلَيْهِ أَيْضًا، لَكِنْ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ اتِّحَادُ هَذَا مَعَ الثَّانِي اهـ.
هَذَا وَفِي الْمَقَاصِدِ إبْقَاءُ الْأَوَّلِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَرَدُّ الثَّانِي إلَيْهِ وَعِبَارَتُهُ وَالْمَوْتُ زَوَالُهَا: أَيْ الْحَيَاةِ: أَيْ عَدَمِ الْحَيَاةِ عَمَّا يَتَّصِفُ بِهَا الْفِعْلُ، وَهَذَا مُرَادُ مَنْ قَالَ عَدَمُ الْحَيَاةِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ: أَيْ عَمَّا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِ وَصِفَتِهِ الْحَيَاةُ بِالْفِعْلِ فَهُوَ عَدَمُ مِلْكِهِ لَهَا كَالْعَمَى الطَّارِقِ بَعْدَ الْبَصَرِ لَا كَمُطْلَقِ الْعَدَمِ (قَوْلُهُ: أَيْضًا وَقِيلَ عَرَضٌ إلَخْ) جَرَى عَلَى رَدِّ هَذَا الْقَوْلِ فِي الْمَقَاصِدِ أَيْضًا، لَكِنْ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَادِلٍ عَنْ ابْنِ الْخَطِيبِ الْحَقُّ أَنَّهُ وُجُودِيٌّ، وَيُوَافِقُهُ مَا نَقَلَهُ الصَّفَوِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْوُدِّ أَنَّ عَدَمِيَّةَ الْمَوْتِ كَانَتْ مَنْسُوبَةً إلَى الْقَدَرِيَّةِ فَفَشَتْ.
اهـ.
هَذَا وَفِي حَوَاشِي السُّيُوطِيّ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْمَوْتَ جِسْمٌ وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ مُصَرِّحَةٌ بِذَلِكَ.
قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ هَذَا الْجِسْمُ الَّذِي عَلَى صُورَتِهِ كَبْشٌ كَمَا أَنَّ الْحَيَاةَ جِسْمٌ عَلَى صُورَةِ فَرَسٍ لَا يَمُرُّ بِشَيْءٍ إلَّا حَيِيَ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالْبَدَنِ عِنْدَ مُفَارَقَةِ الرُّوحِ فَإِنَّمَا هُوَ أَثَرُهُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَسْمِيَتُهُ بِالْمَوْتِ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ لَا الْحَقِيقَةِ أَوْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ، وَحِينَئِذٍ فَالْأَمْرُ فِي النِّزَاعِ قَرِيبٌ اهـ.
وَرَدَّهُ حَجّ فِي عَامَّةِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَوَّلًا) يَنْبَغِي إسْقَاطُهُ، وَهُوَ تَابِعٌ فِيهِ لِشَرْحِ الْإِرْشَادِ لَكِنَّ ذَاكَ عَطَفَ مَا بَعْدَهُ بِالْفَاءِ لِتَرَتُّبِ الْمَذْكُورَاتِ فِي مَتْنِ الْإِرْشَادِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ مُرَتَّبَةً فِي الْمِنْهَاجِ كَذَلِكَ عَدَلَ الشَّارِحُ إلَى الْوَاوِ فَلَمْ يَبْقَ لِلَفْظَةِ أَوَّلًا مَوْقِعٌ (قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّا لَمْ نَعْلَمْ سَبْقَ مَوْتٍ لَهُ) وَجْهُ عَدَمِ وُرُودِهِ أَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَيِّتِ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِمْ لَهُ فِي الْجَنَائِزِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَفِيهَا أَيْضًا
(وَحَيْضٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] أَيْ الْحَيْضِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ وَفِيمَا يَأْتِي الِانْقِطَاعُ مَعَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِالِانْتِفَاعِ
(وَنِفَاسٌ) لِكَوْنِهِ دَمُ حَيْضٍ مُجْتَمِعٌ.
(وَكَذَا وِلَادَةٌ بِلَا بَلَلٍ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ بَلَلٍ وَإِنْ كُنَّا لَا نُشَاهِدُهُ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ بِخُرُوجِ الْمَاءِ الَّذِي يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ
[حاشية الشبراملسي]
فَتَاوِيهِ فَقَالَ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ وَلَا جِسْمٍ، وَحَدِيثُ «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ فِي صُورَةِ كَبْشٍ» إلَخْ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ اهـ. ثُمَّ صَحَّحَ كَوْنَهُ أَمْرًا وُجُودِيًّا
(قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾ [البقرة: 222] إلَخْ) أَيْ وَلِخَبَرِ: «إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي» وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ " فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي " سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: أَيْ الْحَيْضِ) أَيْ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَحْمِلْ الْمَحِيضَ فِي الْآيَةِ عَلَى زَمَنِ الْحَيْضِ أَوْ مَكَانِهِ كَمَا قِيلَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، لِأَنَّ هَذَا أَوْفَقُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمَتْنُ مِنْ أَنَّهُ الْمُوجِبُ عَلَى أَنَّ حَمْلَ الْمَحِيضِ عَلَى مَكَانِ الْحَيْضِ يُوهِمُ مَنْعَ قُرْبَانِهَا فِي مَحِلِّهِ وَلَوْ فِي غَيْرِ زَمَانِهِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ قَطْعًا (قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: وَقِيلَ يَجِبُ بِالْخُرُوجِ فَقَطْ.
وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ مَا إذَا قُلْنَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ الْجُنُبُ فَاسْتَشْهَدَتْ حَائِضٌ فَإِنَّا نُغَسِّلُهَا عَلَى هَذَا دُونَ الْآخَرِ (قَوْلُهُ: إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا) كَالطَّوَافِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ إلَخْ) عِبَارَتُهُ الْخُرُوجُ وَإِرَادَةُ نَحْوِ الصَّلَاةِ اهـ.
وَمِنْ لَازِمِ إرَادَةِ نَحْوِ الصَّلَاةِ الِانْقِطَاعُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: مُوجِبُهُ الْحَدَثُ وَالِانْقِطَاعُ وَإِرَادَةُ نَحْوِ الصَّلَاةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الِانْقِطَاعَ صَرِيحًا، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِهِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ.
إلَخْ.
(قَوْلُهُ: لِكَوْنِهِ دَمَ حَيْضٍ) هُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا لَمْ تَحِضْ وَهِيَ حَامِلٌ.
أَمَّا هِيَ فَيَجُوزُ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْهَا حَالَ الْحَمْلِ الْبَعْضُ لَا الْكُلُّ، وَمُجْتَمِعٍ بِالْجَرِّ صِفَةٌ لِلْحَيْضِ وَإِضَافَةُ الدَّمِ إلَيْهِ بَيَانِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا وِلَادَةٌ) هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْوِلَادَةُ مِنْ طَرِيقِهَا الْمُعْتَادِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي انْسِدَادِ الْفَرْج مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الِانْسِدَادُ عَارِضًا أَوْ خِلْقِيًّا.
وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ مِثْلُهُ، وَقَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: وَيَجُوزُ جِمَاعُهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ بِلَا بَلَلٍ لِأَنَّهَا جَنَابَةٌ، وَهِيَ لَا تَمْنَعُ الْجِمَاعَ رَمْلِيٌّ.
أَقُولُ: وَتُفْطِرُ بِهَا إذَا كَانَتْ صَائِمَةً، وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْفِطْرِ بِهَا إذَا كَانَتْ صَائِمَةً يُشْكِلُ عَلَى جَوَازِ وَطْئِهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ عَلَّلَ وُجُوبَ الْغُسْلِ بِالْوِلَادَةِ تَارَةً بِأَنَّهَا مَظِنَّةُ النِّفَاسِ، وَتَارَةً بِأَنَّ الْوَلَدَ مَنِيٌّ مُجْتَمِعٌ، فَالثَّانِي مِنْ التَّعْلِيلَيْنِ يَقْتَضِي جَوَازَ الْوَطْءِ وَعَدَمَ الْفِطْرِ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ بِمُجَرَّدِهَا لَا تُبْطِلُ الصَّوْمَ، فَلَعَلَّهُمْ بَنَوْا جَوَازَ الْوَطْءِ عَلَى أَنَّ الْوِلَادَةَ جَنَابَةٌ، وَالْفِطْرُ عَلَى أَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلنِّفَاسِ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْفِطْرِ وَتَخْفِيفًا عَلَى الزَّوْجِ لِلشَّكِّ فِي الْمُحَرَّمِ.
(فَرْعٌ) سَأَلَ م ر عَمَّا لَوْ عَضَّ كَلْبٌ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فَخَرَجَ مِنْ فَرْجِهِ حَيَوَانٌ صَغِيرٌ عَلَى صُورَةِ الْكَلْبِ كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا، فَهَلْ هَذَا الْحَيَوَانُ نَجِسٌ كَالْكَلْبِ كَالْمُتَوَلِّدِ مِنْ وَطْءِ الْكَلْبِ لِحَيَوَانٍ طَاهِرٍ حَتَّى يَجِبُ تَسْبِيعُ الْمَخْرَجِ مِنْهُ، وَهَلْ يَجِبُ الْغُسْلُ بِخُرُوجِهِ لِأَنَّهُ وِلَادَةٌ؟ فَأَجَابَ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ غَيْرُ نَجِسٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَلَّدْ مِنْ مَاءِ الْكَلْبِ، وَأَنَّهُ لَا غُسْلَ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلْغُسْلِ هِيَ الْوِلَادَةُ الْمُعْتَادَةُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ دُودٌ مِنْ الْجَوْفِ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَيْ الْحَيْضِ) اللَّائِقُ: أَيْ زَمَنُ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ لَهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ نَفْسَ الْحَيْضِ فِيمَا قَبْلَهُ بِلَفْظِ الْأَذَى، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمَحِيضِ الْحَيْضَ لَكَانَ الْمَقَامُ لِلْإِضْمَارِ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ كَغَيْرِهِ مِنْ التَّفْسِيرِ بِالْحَيْضِ يُحْوِجُ إلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، وَهُوَ لَفْظُ زَمَنٍ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ بَلَلٍ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْبَلَلَ هُوَ الْمُوجِبُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ
فَبِخُرُوجِ الْوَلَدِ أَوْلَى.
وَالثَّانِي لَا، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» وَلَوْ أَلْقَتْ بَعْضَ وَلَدٍ كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْغُسْلُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَمَا مَرَّ، وَقَدْ يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ وِلَادَةٌ، وَيَجِبُ بِإِلْقَاءِ عَلَقَةٍ أَوْ مُضْغَةٍ كَالْوَلَدِ.
(وَجَنَابَةٌ) بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] وَهِيَ لُغَةً الْبُعْدُ، وَشَرْعًا: أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ يَقُومُ بِالْبَدَنِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ، وَتَحْصُلُ (بِدُخُولِ حَشَفَةٍ) وَهِيَ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ: مَا فَوْقَ الْخِتَانِ فَلَا تَحْصُلُ بِبَعْضِهَا وَلَوْ مَعَ أَكْثَرِ الذَّكَرِ بِأَنْ شُقَّ وَأُدْخِلَ أَحَدُ شِقَّيْهِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» وَالْمُرَادُ بِالِالْتِقَاءِ الْمُحَاذَاةُ لِأَنَّ خِتَانَ الْمَرْأَةِ فَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ وَإِنَّمَا يَتَحَاذَيَانِ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ (أَوْ قَدْرِهَا) مِنْ مَقْطُوعِهَا، وَإِنْ جَاوَزَ حَدَّ الِاعْتِدَالِ فَلَا يُعْتَبَرُ قَدْرُ حَشَفَةِ مُعْتَدِلٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي التَّحْلِيلِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ مِنْهُ إذْ الِاعْتِبَارُ بِصَاحِبِهَا أَوْلَى مِنْ الِاعْتِبَارِ بِغَيْرِهِ، وَلَا إدْخَالَ قَدْرِهَا مَعَ وُجُودِهَا فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا لَوْ ثَنَى ذَكَرَهُ وَأَدْخَلَ قَدْرَهَا مِنْهُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَا إدْخَالَ دُونَهَا وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الذَّكَرِ غَيْرُهُ (فَرْجًا) قُبُلًا أَوْ دُبُرًا وَلَوْ مِنْ مَيِّتٍ أَوْ بَهِيمَةٍ كَسَمَكَةٍ وَغَيْرِ مُمَيِّزٍ وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِ وَلَا حَصَلَ إنْزَالٌ وَلَا قَصْدٌ وَلَا انْتِشَارٌ وَلَا اخْتِيَارٌ أَوْ بِحَائِلٍ غَلِيظٍ، وَلَوْ كَانَتْ الْحَشَفَةُ أَوْ قَدْرُهَا مِنْ مَبَانٍ،
[حاشية الشبراملسي]
بِسَبَبِهِ مَعَ أَنَّهُ حَيَوَانٌ تَوَلَّدَ فِي الْجَوْفِ وَخَرَجَ مِنْهُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ مَتَى وُطِئَتْ الْمَرْأَةُ وَوَلَدَتْ وَلَوْ عَلَى صُورَةِ حَيَوَانٍ وَجَبَ الْغُسْلُ (قَوْلُهُ: «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» ) وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَلَدَ مَنِيٌّ مُنْعَقِدٌ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ (قَوْلُهُ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْغُسْلُ) أَيْ وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ عَيْنًا (قَوْلُهُ: وَيَجِبُ بِإِلْقَاءِ عَلَقَةٍ إلَخْ) ع: يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِمَا قَوْلُ الْقَوَابِلِ إنَّهُمَا أَصْلُ آدَمِيٍّ اهـ.
وَفِي الْعُبَابِ قَالَ: الْقَوَابِلُ هُمَا أَصْلُ آدَمِيٍّ، وَقَضِيَّةُ اشْتِرَاطِ هَذَا الْقَوْلِ عَدَمُ الْوُجُوبِ إذَا لَمْ تَقُلْ الْقَوَابِلُ ذَلِكَ لِعَدَمِهِنَّ أَوْ غَيْرِهِ تَأَمَّلْ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ، لَكِنْ فِيهِ عَلَى حَجّ مَا حَاصِلُهُ نَقْلًا عَنْ الزَّرْكَشِيّ أَنَّ مَحِلَّ التَّوَقُّفِ عَلَى قَوْلِهِنَّ إنْ لَمْ تَرَ بَلَلًا وَإِلَّا وَجَبَ الْغُسْلُ مُطْلَقًا اهـ.
وَفِي التَّفْرِقَةِ نَظَرٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَرْئِيُّ دَمًا عَلَى صُورَةِ الْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ وَالْبَلَلُ بَلُّ الدَّمِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ، فَالْأَوْلَى الْأَخْذُ بِالْإِطْلَاقِ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ اخْتَلَفَتْ الْقَوَابِلُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مَا قِيلَ فِي الْإِخْبَارِ بِتَنَجُّسِ الْمَاءِ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَوْثَقِ فَالْأَكْثَرِ عَدَدًا إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: الْقَوَابِلُ: أَيْ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ إنْ قُلْنَا إنَّهُ شَهَادَةٌ، وَيُحْتَمَلُ الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدَةٍ لِحُصُولِ الظَّنِّ بِخَبَرِهَا وَهُوَ الْأَقْرَبُ، لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ أَصْلُ آدَمِيٍّ.
(قَوْلُهُ: وَتَحْصُلُ) زَادَ حَجّ: لِآدَمِيٍّ حَيٍّ فَاعِلٍ أَوْ مَفْعُولٍ بِهِ (قَوْلُهُ: بِدُخُولِ حَشَفَةٍ) أَيْ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: مَا فَوْقَ الْخِتَانِ) أَيْ مَا هُوَ الْأَقْرَبُ مِنْ الْخِتَانِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هِيَ رَأْسُ الذَّكَرِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ شَقَّ وَأَدْخَلَ أَحَدَ شِقَّيْهِ) عِبَارَةُ حَجّ: وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ مُدْرَكًا أَنَّ بَعْضَ الْحَشَفَةِ يُقَدَّرُ مِنْ بَاقِي الذَّكَرِ قَدَرُهُ سَوَاءٌ بَعْضُ الطُّولِ وَبَعْضُ الْعَرْضِ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلُهُ: يُقَدَّرُ مِنْ بَاقِي الذَّكَرِ قَدْرُهُ اُنْظُرْ صُورَتَهُ فِي الطُّولِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ جَاوَزَ) أَيْ الْمَقْطُوعُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الذَّكَرِ غَيْرُهُ) أَيْ بِأَنْ كَانَ الْحَزُّ فِي آخِرِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ بَهِيمَةٍ) ع: لَوْ كَانَ يَابِسًا قَدِيدًا كَذَكَرِ الثَّوْرِ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوُجُوبِ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَغَيْرُ مُمَيِّزٍ) أَيْ وَجِنِّيَّةٍ إنْ تَحَقَّقَ كَعَكْسِهِ عَلَى الْأَوْجَهِ فِيهِمَا اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: أَوْ بِحَائِلٍ غَلِيظٍ) وَمِنْهُ قَصَبَةٌ أَدْخَلَهُ فِيهَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَشَرْعًا أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمَنْعَ وَالسَّبَبَ لَا يُسَمَّيَانِ جَنَابَةً (قَوْلُهُ: وَتَحْصُلُ) أَيْ لِلرَّجُلِ كَمَا قَيَّدَ بِهِ الْجَلَالُ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي، وَالْمَرْأَةُ كَرَجُلٍ
وَاعْتِبَارُ قَدْرِ الْحَشَفَةِ الْمُعْتَدِلَةِ مِنْ ذَكَرِ الْبَهِيمَةِ وَعَدَمِهِ يُوكَلُ إلَى نَظَرِ الْفَقِيهِ.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَرَى بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ كَمَا قَالُوا فِيمَنْ لَا مَرْفِقَ لَهُ وَلَا كَعْبٌ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ.
وَلَا يُعَادُ غُسْلُ الْمَيِّتِ إذَا أُولِجَ فِيهِ أَوْ اسْتُولِجَ ذَكَرُهُ لِسُقُوطِ تَكْلِيفِهِ كَالْبَهِيمَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ غُسْلُهُ بِالْمَوْتِ تَنْظِيفًا وَإِكْرَامًا لَهُ، وَلَا يَجِبُ بِوَطْءِ الْمَيِّتَةِ حَدٌّ كَمَا سَيَأْتِي وَلَا مَهْرٌ، كَمَا لَا يَجِبُ بِقَطْعِ يَدِهَا دِيَةٌ، نَعَمْ تَفْسُدُ بِهِ الْعِبَادَاتُ وَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَكَمَا يُنَاطُ الْغُسْلُ بِالْحَشَفَةِ يَحْصُلُ بِهَا التَّحْلِيلُ، وَيَجِبُ الْحَدُّ بِإِيلَاجِهَا عَلَى مَا يَأْتِي فِي مَحِلِّهِ، وَتَحْرُمُ بِهِ الرَّبِيبَةُ وَيَلْزَمُ الْمَهْرُ وَالْعِدَّةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ،
[حاشية الشبراملسي]
كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ وَإِنْ نُوزَع فِيهِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: يُوَكَّلُ إلَى نَظَرِ الْفَقِيهِ) عِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ: وَفِيمَا لَوْ خُلِقَ بِلَا حَشَفَةٍ يُعْتَبَرُ قَدْرُ الْمُعْتَدِلَةِ لِغَالِبِ أَمْثَالِهِ: أَيْ أَمْثَالِ ذَكَرِهِ، وَكَذَا فِي ذَكَرِ الْبَهِيمَةِ يُعْتَبَرُ قَدْرُ تَكَوُّنِ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ مُعْتَدِلِ ذَكَرِ الْآدَمِيِّ إلَيْهِ فِيمَا يَظْهَرُ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَ ذَكَرُهُ الْمَوْجُودُ كَالشَّعِيرَةِ وَلَيْسَ لَهُ حَشَفَةٌ هَلْ يُقَدَّرُ لَهُ حَشَفَةٌ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ سم عَلَى حَجّ قَوْلُهُ: أَوْ مَخْلُوقٍ بِدُونِهَا، يَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَ بِلَوْنِ الْحَشَفَةِ وَصِفَتِهَا بِأَنْ كَانَ كُلُّهُ بِصِفَةِ الْحَشَفَةِ فَلَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَى إدْخَالِ جَمِيعِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، نَعَمْ إنْ حُزِّزَ مِنْ أَسْفَلِهِ بِصُورَةِ تَحْزِيزِ الْحَشَفَةِ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إدْخَالِ الْجَمِيعِ اهـ أَنَّهُ يُقَدَّرُ لَهُ حَشَفَةٌ بِأَنْ تُعْتَبَرَ نِسْبَةُ حَشَفَةِ مُعْتَدِلِ ذَكَرٍ إلَى بَاقِيه وَيُقَدَّرُ لَهُ مِثْلُهَا، فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ حَشَفَةَ الْمُعْتَدِلِ رُبْعُ ذَكَرِهِ كَانَ رُبْعُ ذَكَرِ هَذَا هُوَ الْحَشَفَةُ.
[فَرْعٌ] قَالَ فِي الْعُبَابِ: وَمَنْ أَحَسَّ بِنُزُولِ مَنِيِّهِ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ: حَتَّى لَوْ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَتَمَّهَا، وَإِنْ حَكَمْنَا بِبُلُوغِهِ بِذَلِكَ أَوْ قَطَعَ وَهُوَ فِيهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمُنْفَصِلِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَالْبَارِزِيُّ اهـ.
وَلَا يَخْفَى إشْكَالُ مَا قَالَاهُ، وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ لِأَنَّ الْمَنِيَّ فِيهِ انْفَصَلَ عَنْ الْبَدَنِ، وَمُجَرَّدُ اسْتِتَارِهِ بِمَا انْفَصَلَ مَعَهُ لَا أَثَرَ لَهُ سم عَلَى حَجّ اهـ وَحَيْثُ اُعْتُبِرَتْ النِّسْبَةُ كَانَتْ ضَابِطَةً فَلَعَلَّ اعْتِبَارَهَا بَيَانٌ لِمَا ظَهَرَ لِلْفَقِيهِ وَقَرَّرَهُ وَإِلَّا فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ.
[فَرْعٌ] لَوْ أَدْخَلَ مِنْ الذَّكَرِ الْمُبَانِ الْحَشَفَةَ وَجَبَ الْغُسْلُ، أَوْ قَدْرَهَا مِنْ الطَّرَفِ الْآخَرِ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ م ر [فَرْعٌ] ذَكَرٌ مُبَانٍ قُطِعَتْ حَشَفَتُهُ سُئِلَ م ر عَنْهُ فَقَالَ بَحْثًا إنْ أَدْخَلَ قَدْرَ الْحَشَفَةِ مِنْ أَيْ الطَّرَفَيْنِ وَجَبَ الْغُسْلُ اهـ فَلْيُرَاجَعْ وَلْيُحَرَّرْ.
ثُمَّ فِي مَرَّةٍ قَالَ: يَنْبَغِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ جِهَةُ مَوْضِعِ الْحَشَفَةِ.
أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُ قَوْلَهُ وَجَبَ الْغُسْلُ إطْلَاقُ قَوْلِهِمْ أَوْ قَدْرُهَا مِنْ فَاقِدِهَا لِشُمُولِهِ كُلًّا مِنْ الْجِهَتَيْنِ، وَقَوْلُ حَجّ أَيْضًا: وَلَوْ ثَنَاهُ وَأَدْخَلَ قَدْرَ الْحَشَفَةِ مِنْهُ مَعَ وُجُودِ الْحَشَفَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ وَإِلَّا أَثَّرَ عَلَى الْوَجْهِ.
[فَرْعٌ] لَوْ قُطِعَ فَرْجُ الْمَرْأَةِ بِحَيْثُ بَقِيَ اسْمُهُ وَأُولِجَ فِيهِ ظَهَرَ عَلَى الْفَوْرِ، وَوَافَقَ م ر عَلَيْهِ كَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إذْ لَا يُسَمَّى جِمَاعًا وَإِنْ نَقَضَ مِنْهُ فَلْيُحَرَّرْ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ جَوَّزَ أَنَّهُ إذَا بَقِيَ اسْمُهُ وَجَبَ الْغُسْلُ فَلْيُحَرَّرْ.
وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى جِمَاعًا، أَوْ أَنَّ الْغُسْلَ غَيْرُ مَنُوطٍ بِكَوْنِهِ يُسَمَّى جِمَاعًا بَلْ بِمَا يُسَمَّى الْإِدْخَالُ فِي فَرْجٍ ثُمَّ صَمَّمَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ سم مَنْهَجٌ.
أَقُولُ: وَقِيَاسُ وُجُوبِهِ بِالذَّكَرِ الْمُبَانِ وُجُوبُهُ هُنَا عَلَى الْمُولِجِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَوْلَجَ فِي فَرْجٍ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ) أَيْ الْفَقِيهُ (قَوْلُهُ: مِنْ بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ) هَذَا مَعَ قَوْلِهِ قَبْلَهُ مُتَّصِلٌ أَوْ مَقْطُوعٌ،
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَاعْتِبَارُ قَدْرِ الْحَشَفَةِ إلَخْ) عِبَارَةٌ قَلِقَةٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْدِيرِ، لَكِنَّ الْمُقَدَّرَ بِهِ يُوَكَّلُ إلَى نَظَرِ الْفَقِيهِ هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ قَدْرُ الْحَشَفَةِ الْمُعْتَدِلَةِ أَيْ بِالنِّسْبَةِ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ قَدْرُهَا بَلْ يُعْتَبَرُ بِغَيْرِهَا؟ ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَدْرُهَا (قَوْلُهُ: وَيَجِبُ الْحَدُّ بِإِيلَاجِهَا إلَخْ) قَضِيَّةُ هَذَا مَعَ مَا مَرَّ مِنْ الْغَايَةِ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ كَانَتْ الْحَشَفَةُ أَوْ قَدْرُهَا مِنْ مُبَانٍ
وَيُسْتَثْنَى الْخُنْثَى فَلَا غُسْلَ بِإِيلَاجِ حَشَفَتِهِ وَلَا بِإِيلَاجٍ فِي قُبُلِهِ، لَا عَلَى الْمُولِجِ وَلَا عَلَى الْمَوْلَجِ فِيهِ فِيهِمَا إلَّا إذَا اجْتَمَعَا، وَلَوْ خُلِقَ لَهُ ذَكَرَانِ يَبُولُ بِهِمَا فَأَوْلَجَ أَحَدَهُمَا وَجَبَ الْغُسْلُ، وَلَوْ كَانَ يَبُولُ بِأَحَدِهِمَا وَجَبَ الْغُسْلُ بِإِيلَاجِهِ دُونَ الْآخَرِ إنْ لَمْ يُسَامِتْ الْعَامِلُ، وَلَوْ أَوْلَجَ خُنْثَى فِي دُبُرِ رَجُلٍ تَخَيَّرَا بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ.
(وَ) تَحْصُلُ (بِخُرُوجِ مَنِيٍّ) وَلَوْ بِلَوْنِ الدَّمِ لِكَثْرَةِ جِمَاعٍ وَنَحْوِهِ، فَيَكُونُ طَاهِرًا مُوجِبًا لِلْغُسْلِ إذَا وُجِدَتْ فِيهِ الْخَوَاصُّ الْآتِيَةُ، وَالْمُرَادُ مَنِيُّهُ لَيَخْرُجَ بِهِ مَنِيُّ غَيْرِهِ وَالْخَارِجُ أَوَّلَ مَرَّةٍ لِيَخْرُجَ مَا لَوْ اسْتَدْخَلْتَهُ ثُمَّ خَرَجَ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ خَرَجَ بِنَظَرٍ أَمْ فِكْرٍ
[حاشية الشبراملسي]
ثُمَّ قَوْلُهُ: الْمُتَّصِلُ أَوْ الْمُنْفَصِلُ فِيهِمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ وَحُصُولِ التَّحْلِيلِ بِإِيلَاجِ الذَّكَرِ الْمُبَانِ وَهُوَ حَاصِلُ مَا فِي فَتَاوَى شَيْخِنَا الشِّهَابِ الرَّمْلِيِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ فَلْيُرَاجَعْ.
وَقَدْ وَقَعَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ مَعَ وَلَدِهِ فَوَافَقَ عَلَى أَنَّهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ سم عَلَى حَجّ.
وَعِبَارَةُ حَجّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ نَصُّهَا: وَنَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالْمَقْطُوعِ نَسَبٌ وَإِحْصَانٌ وَتَحْلِيلٌ وَمَهْرٌ وَعِدَّةٌ وَمُصَاهَرَةٌ وَإِبْطَالُ إحْرَامٍ، وَيُفَارِقُ الْغُسْلَ بِأَنَّهُ أَوْسَعُ بَابًا مِنْهَا اهـ.
هَذَا وَقَضِيَّتُهُ أَيْضًا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ قُطِعَ ذَكَرُهُ ثُمَّ أَوْلَجَ فِي فَرْجٍ الْغُسْلُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لِأَنَّهُ بِانْفِصَالِهِ عَنْهُ انْقَطَعَتْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ فَتَنَبَّهْ لَهُ.
هَذَا وَقَدْ يُحْمَلُ مَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ مِنْ قَوْلِهِ وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ قَوْلُهُ: قَبْلُ يُعْتَبَرُ قَدْرُهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا أَوْ مَخْلُوقٍ بِدُونِهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَقِبَهُ، فَفِي الْأَوَّلِ يُعْتَبَرُ قَوْلُ الذَّاهِبَةِ مِنْ بَقِيَّةِ ذَكَرِهَا وَإِنْ جَاوَزَ طُولُهَا الْعَادَةَ كَمَا يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُهُمْ، وَفِي الثَّانِي يُعْتَبَرُ قَدْرُ الْمُعْتَدِلَةِ بِغَالِبِ أَمْثَالِ ذَلِكَ الذَّكَرِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَمْلُ أَيْضًا مَا تَقَدَّمَ عَنْ شَرْحِ الْعُبَابِ لَهُ مِمَّا يُخَالِفُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ هُنَا مِنْ التَّعْمِيمِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُسَامِتْ الْعَامِلُ) لَمْ يَذْكُرْ هُنَا حُكْمَ مَا لَوْ اشْتَبَهَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَقَدْ سَوَّى حَجّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَصْلِيِّينَ وَهُوَ مُوَافِقٌ فِي ذَلِكَ لِمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ، لَكِنْ تَقَدَّمَ ثَمَّ عَنْ شَرْحِ الرَّوْضِ أَنَّ النَّقْضَ لَا يَكُونُ إلَّا بِهِمَا مَعًا، فَقِيَاسُهُ هُنَا أَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا يَكُونُ بِإِيلَاجِهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ تَوَقَّفَ سم فِيمَا ذَكَرَهُ حَجّ هُنَا وَقَالَ مَا حَاصِلُهُ: الْقِيَاسُ أَنَّهُ إنَّمَا يُجَنَّبُ بِإِيلَاجِهِمَا مَعًا اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ مَحِلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى سَمْتِ الْأَصْلِيِّ، فَإِنْ كَانَ عَلَى سَمْتِهِ اتَّجَهَ مَا قَالَهُ حَجّ، وَلَعَلَّ وَجْهَ إطْلَاقِهِ أَنَّ الِاشْتِبَاهَ إنَّمَا يَكُونُ حِينَئِذٍ وَمَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا وَجْهَ إلَّا وُجُوبُ الْغُسْلِ بِإِيلَاجِ كُلٍّ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ بِإِيلَاجِ الْمُتَمَيِّزِ حَيْثُ كَانَ عَلَى سَمْتِ الْأَصْلِيِّ كَانَ وُجُوبُهُ بِإِيلَاجِهِ حَالَةَ الِاشْتِبَاهِ أَوْلَى (قَوْلُهُ: تَخَيَّرَا بَيْنَ الْوُضُوءِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ هُنَا مَا يَأْتِي فِيمَا لَوْ احْتَمَلَ كَوْنَ الْخَارِجِ مَنِيًّا أَوْ وَدْيًا (قَوْلُهُ: وَالْغُسْلُ) وَذَلِكَ فِي الْوَاضِحِ، لِأَنَّهُ إمَّا وَاجِبُهُ الْوُضُوءُ بِخُرُوجِ ذَكَرِ الْخُنْثَى مِنْ دُبُرِهِ، أَوْ الْغُسْلُ بِإِيلَاجِهِ فِيهِ وَفِي الْخُنْثَى، لِأَنَّهُ إمَّا وَاجِبُهُ الْغُسْلُ بِإِيلَاجِهِ أَوْ الْوُضُوءُ بِاللَّمْسِ، وَعَلَيْهِ فَمَحِلُّ ذَلِكَ فِي الْخُنْثَى حَيْثُ لَا مَانِعَ مِنْ النَّقْضِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ وَلَا صِغَرٌ.
(قَوْلُهُ: اسْتَدْخَلْتَهُ ثُمَّ خَرَجَ) قَالَ الْخَطِيبُ عَلَى الْغَايَةِ: أَمَّا إذَا خَرَجَ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ مَنِيُّ جِمَاعِهَا بَعْدَ غُسْلِهَا فَلَا تُعِيدُ الْغُسْلَ إلَّا إذَا قَضَتْ شَهْوَتَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَهْوَةٌ كَصَغِيرَةٍ أَوْ كَانَ وَلَمْ تَقْضِ كَنَائِمَةٍ لَا إعَادَةَ عَلَيْهَا، فَإِنْ قِيلَ إذَا قَضَتْ شَهْوَتَهَا لَمْ تَتَيَقَّنْ خُرُوجَ مَنِيِّهَا، وَيَقِينُ الطَّهَارَةِ لَا يُرْفَعُ بِظَنِّ الْحَدَثِ، إذْ حَدَثُهَا وَهُوَ خُرُوجُ مَنِيِّهَا غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، وَقَضَاءُ شَهْوَتِهَا لَا يَسْتَدْعِي خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْ مَنِيِّهَا كَمَا قَالَهُ فِي التَّوْشِيحِ.
أُجِيبُ بِأَنَّ قَضَاءَ شَهْوَتِهَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ نَوْمِهَا فِي خُرُوجِ
[حاشية الرشيدي]
وُجُوبُ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ بِالذَّكَرِ الْمُبَانِ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي فَتَاوَى وَالِدِهِ.
وَقَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ إنَّهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْعَدَدِ تَقْيِيدُ الشَّارِحِ وُجُوبَ الْعِدَّةِ بِالذَّكَرِ الْمُتَّصِلِ
(قَوْلُهُ: سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِيمَا لَوْ اسْتَدْخَلَهُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى لَا يَتَكَرَّرَ مَعَ مَا يَأْتِي
أَمْ احْتِلَامٍ أَمْ غَيْرِهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا جَاءَتْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ وَقَالَتْ لَهُ لَا يُسْتَحَى مِنْ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» (مِنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ) وَلَوْ مِنْ قُبُلَيْ مُشْكِلٍ (وَغَيْرِهِ) كَدُبُرٍ أَوْ ثُقْبَةٍ قِيَاسًا عَلَى الْمُعْتَادِ، وَتَسْوِيَتُهُ فِي الْخَارِجِ مِنْ الْمُعْتَادِ وَغَيْرِهِ هِيَ الْمُرَجَّحَةُ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمُصَحَّحَةُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ لَكِنْ جَزَمَ فِي التَّحْقِيقِ بِأَنَّ لِلْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ الْمُعْتَادِ حُكْمُ الْمُنْفَتِحِ فِي بَابِ الْحَدَثِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الِانْفِتَاحُ وَالِانْسِدَادُ وَالْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ، وَصَوَّبَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَهُوَ الْمَاشِي عَلَى الْقَوَاعِدِ فَلْيُعْمَلْ بِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالصُّلْبُ هُنَا كَالْمَعِدَةِ هُنَاكَ.
قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَصَوَابُهُ كَتَحْتِ الْمَعِدَةِ هُنَاكَ، لِأَنَّ كَلَامَ الْمَجْمُوعِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ نَفْسِ الصُّلْبِ يُوجِبُ الْغُسْلَ اهـ.
وَهُوَ كَمَا قَالَ: وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذِهِ وَمَا مَرَّ حَيْثُ أَلْحَقَ ثُمَّ مَا انْفَتَحَ فِي الْمَعِدَةِ بِمَا فَوْقَهَا، بِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَنَّ مَا تُحِيلُهُ الطَّبِيعَةُ تُلْقِيهِ إلَى أَسْفَلَ وَمَا سِوَاهُ بِالْقَيْءِ أَشْبَهُ بِخِلَافِ مَا هُنَا، وَالصُّلْبُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ لِلرَّجُلِ أَمَّا الْمَرْأَةُ فَالْمُعْتَبَرُ فِيهَا مَا بَيْنَ تَرَائِبِهَا وَهِيَ عِظَامُ الصَّدْرِ، وَالْمُرَادُ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْبِكْرِ بُرُوزُهُ عَنْ الْفَرْجِ إلَى الظَّاهِرِ، وَيَكْفِي فِي الثَّيِّبِ وُصُولُهُ إلَى مَحِلٍّ يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْجَنَابَةِ، وَمَنْ أَحَسَّ بِنُزُولِ مَنِيِّهِ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ الْكَلَامُ فِي مَنِيٍّ مُسْتَحْكِمٍ فَإِنْ لَمْ يَسْتَحْكِمْ بِأَنْ خَرَجَ لِمَرَضٍ لَمْ يَجِبْ
[حاشية الشبراملسي]
الْحَدَثِ، فَنَزَّلُوا الْمَظِنَّةَ مَنْزِلَةَ الْمَئِنَّةِ، وَخَرَجَ بِقُبُلِ الْمَرْأَةِ مَا لَوْ وُطِئَتْ فِي دُبُرِهَا فَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مَنِيُّ الرَّجُلِ لَمْ يَجِب عَلَيْهَا إعَادَةُ الْغُسْلِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ.
[فَائِدَةٌ] وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا لَوْ دَخَلَ إنْسَانٌ فَرْجَ امْرَأَةٍ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَدْخَلَ ذَكَرَهُ فَرْجًا أَمْ لَا لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ تَابِعًا لَا مُسْتَقِلًّا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
[فَائِدَةٌ أُخْرَى] سُئِلَ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ عَمَّنْ أَدْخَلَ ذَكَرَهُ فِي ذَكَرِ آخَرَ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ أَمْ لَا.
فَأَجَابَ بِالْوُجُوبِ اهـ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ أَنَّهُ دُخُولُ ذَكَرٍ فِي فَرْجٍ وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: أُمُّ سُلَيْمٍ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ: أُمُّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْصَارِيَّةُ وَالِدَةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يُقَالُ اسْمُهَا سَهْلَةُ أَوْ رُمَيْلَةُ أَوْ رُمَيْثَةُ أَوْ مُلَيْكَةُ أَوْ أُنَيْفَةُ وَهِيَ الْغُمَيْصَاءُ أَوْ الرُّمَيْصَاءُ اُشْتُهِرَتْ بِكُنْيَتِهَا، وَكَانَتْ مِنْ الصَّحَابِيَّاتِ الْفَاضِلَاتِ، مَاتَتْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ (قَوْلُهُ: حُكْمُ الْمُنْفَتِحِ فِي بَابِ الْحَدَثِ إلَخْ) تَقَدَّمَ لِلشَّارِحِ أَنَّ الْمَنَافِذَ الْأَصْلِيَّةَ لَا تُعْتَبَرُ، وَقِيَاسُهُ هُنَا أَنَّ الْخَارِجَ مِنْهَا لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَقَوْلُهُ فِيمَا مَرَّ كَالدُّبُرِ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ حَجّ، أَوْ عَلَى مَا قَالَهُ هُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَنَافِذِ الْأَصْلِيَّةِ الْفَمَ وَنَحْوَهُ، وَأَمَّا الدُّبُرُ فَهُوَ مِنْ الْفَرْجِ، وَغَايَتُهُ أَنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ مِنْهُ خُرُوجٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ (قَوْلُهُ: وَالصُّلْبُ) أَيْ كُلُّهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ) أَيْ فِي الْخَادِمِ مِنْ أَنَّ صَوَابَهُ كَتَحْتِ الْمَعِدَةِ فَيُنْقَضُ الْخَارِجُ مِنْ نَفْسِ الصُّلْبِ، وَخَالَفَ فِيهِ حَجّ فَجَعَلَ الْغُسْلَ مُخْتَصًّا بِمَا يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ الصُّلْبِ وَتَحْتِ تَرَائِبِ الْمَرْأَةِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ (قَوْلُهُ: وَهِيَ عِظَامُ الصَّدْرِ) أَيْ كُلُّهَا (قَوْلُهُ: فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ إلَخْ) عِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: وَأَفْهَمَ التَّعْبِيرَ بِالْخَارِجِ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِنُزُولِهِ لِقَصَبَةِ الذَّكَرِ وَإِنْ حَكَمْنَا بِبُلُوغِهِ وَلَا لِقَطْعِهِ، وَهُوَ فِيهِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمُنْفَصِلِ شَيْءٌ كَمَا قَالَهُ الْبَارِزِيُّ وَالْإِسْنَوِيُّ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ إذَا تَحَقَّقْنَا وُجُودَهُ فِي الْمُنْفَصِلِ، إذْ الْمَدَارُ عَلَى خُرُوجِ الْمَنِيِّ وَقَدْ وَجَدَ اهـ.
وَمَا نَظَرَ بِهِ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ اعْتِرَاضًا عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْعُبَابِ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ وَالْبَارِزِيِّ لَكِنَّ عِبَارَتَهُ ثَمَّ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمُنْفَصِلِ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِقَوْلِهِ هُنَا مِنْ الْمُتَّصِلِ (قَوْلُهُ: فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ) أَيْ وَيُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ إنْ كَانَ صَغِيرًا (قَوْلُهُ: مُسْتَحْكِمٌ) أَيْ بِأَنْ وَجَدَ فِيهِ إحْدَى خَوَاصِّ الْمَنِيِّ طب وم ر.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: ثُمَّ الْكَلَامُ) أَيْ فِي الْخَارِجِ مِنْ الثُّقْبَةِ كَمَا هُوَ فَرْضُ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ خَرَجَ لِمَرَضٍ) هُوَ صُورَةُ
الْغُسْلُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ (وَيُعْرَفُ) الْمَنِيُّ (بِتَدَفُّقِهِ) وَهُوَ خُرُوجُهُ بِدَفَعَاتٍ، قَالَ تَعَالَى ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] (أَوْ لَذَّةٍ) بِالْمُعْجَمَةِ (بِخُرُوجِهِ) أَيْ وُجْدَانِهَا وَإِنْ لَمْ يَتَدَفَّقْ لِقِلَّتِهِ وَيَلْزَمُهُ فُتُورُ الذَّكَرِ وَانْكِسَارُ الشَّهْوَةِ غَالِبًا (أَوْ رِيحُ عَجِينٍ) وَطَلْعِ نَخْلٍ (رَطْبًا وَبَيَاضَ بَيْضٍ جَافًّا) وَإِنْ لَمْ يَتَدَفَّقْ وَيُلْتَذَّ بِهِ كَأَنْ خَرَجَ مَا بَقِيَ مِنْهُ بَعْدَ الْغُسْلِ فَأَيُّ صِفَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ وُجِدَتْ كَفَتْ إذْ لَا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ رَطْبًا وَجَافًّا حَالَانِ مِنْ الْمَنِيِّ لَا مِنْ الْعَجِينِ وَبَيَاضِ الْبَيْضِ، وَلَا أَثَرَ لِثَخَانَةٍ أَوْ بَيَاضٍ فِي مَنِيِّ الرَّجُلِ وَلَا ضِدَّ ذَلِكَ فِي مَنِيِّ الْمَرْأَةِ (فَإِنْ فَقَدَتْ الصِّفَاتِ) أَيْ الْخَوَاصِّ الْمَذْكُورَةِ (فَلَا غُسْلَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنِيٍّ، فَلَوْ احْتَمَلَ كَوْنُ الْخَارِجِ مَنِيًّا أَوْ وَدْيًا كَمَنْ اسْتَيْقَظَ وَوَجَدَ الْخَارِجَ مِنْهُ أَبْيَضَ ثَخِينًا تَخَيَّرَ بَيْنَ حُكْمَيْهِمَا فَيَغْتَسِلُ أَوْ يَتَوَضَّأُ وَيَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ، فَلَوْ اخْتَارَ كَوْنَهُ مَنِيًّا لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ قَبْلَ اغْتِسَالِهِ مَا يُحَرَّمُ عَلَى الْجُنُبِ لِلشَّكِّ فِي الْجَنَابَةِ، وَلِهَذَا مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ بِفِعْلِ مُقْتَضَى الْحَدَثَيْنِ لَا يُوجَبُ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا أَصَابَ ثَوْبَهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ، كَذَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ عَمَّا اخْتَارَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، إذْ التَّفْوِيضُ إلَى خِيَرَتِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَإِنْ رَأَى مَنِيًّا فِي ثَوْبِهِ أَوْ فِي فِرَاشٍ نَامَ فِيهِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ مَنْ لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ كَالْمَمْسُوحِ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا فِي الْخَادِمِ لَزِمَهُ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ احْتِلَامًا، وَلَزِمَهُ إعَادَةُ كُلِّ مَكْتُوبَةٍ لَا يُحْتَمَلُ حُدُوثُهُ بَعْدَهَا، وَيُنْدَبُ لَهُ إعَادَةُ مَا احْتَمَلَ أَنَّهُ فِيهَا كَمَا لَوْ نَامَ مَعَ مَنْ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ وَلَوْ نَادِرًا، كَالصَّبِيِّ بَعْدَ تِسْعٍ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُمَا الْغُسْلُ، وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ صِحَّةُ مَا قَيَّدَ الْمَاوَرْدِيُّ الْمَسْأَلَةَ بِهِ بِمَا إذَا رَأَى
[حاشية الشبراملسي]
الْمُعْتَادِ، أَمَّا الْخَارِجُ مِنْهُ فَيُوجِبُ الْغُسْلَ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ حَاصِلُ شَرْحِ الرَّوْضِ وَمَا قَالَهُ م ر.
وَقَوْلُهُ: لِمَرَضٍ: أَيْ مَعَ كَوْنِهِ فِيهِ بَعْضُ الْخَوَاصِّ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَيُسْتَفَادُ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ ثُمَّ الْكَلَامُ إلَخْ، فَإِنَّ مُرَادَهُ بِهِ التَّفْصِيلُ فِي الْمَنِيِّ الْخَارِجِ مِنْ الْمُنْفَتِحِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ طَرِيقِهِ الْأَصْلِيِّ يُوجِبُ الْغُسْلَ مُطْلَقًا حَيْثُ عُلِمَ أَنَّهُ مَنِيٌّ بِوُجُودِ بَعْضِ الْخَوَاصِّ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: مُسْتَحْكِمٌ بِكَسْرِ الْكَافِ كَمَا فِي تَحْرِيرِ النَّوَوِيِّ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُهُ: الْمُخْتَارُ وَأَحْكَمَ فَاسْتَحْكَمَ: أَيْ صَارَ مُحْكَمًا اهـ.
فَصَرَّحَ بِأَنَّ اسْتَحْكَمَ لَازِمٌ فَالْوَصْفُ مِنْهُ اسْمُ فَاعِلٍ عَلَى مُسْتَفْعِلٍ بِالْكَسْرِ (قَوْلُهُ: أَوْ رِيحُ عَجِينٍ) أَيْ عَجِينُ حِنْطَةٍ وَنَحْوِهَا: أَيْ وَبِيضِ دَجَاجٍ وَنَحْوُهُ خَطِيبٌ، وَالْمُرَادُ بِنَحْوِ الْحِنْطَةِ: أَيْ مَا يُشْبِهُ رَائِحَةَ عَجِينِهَا، وَبِنَحْوِ بَيْضِ الدَّجَاجِ مَا يُشْبِهُ رَائِحَتَهُ رَائِحَتَهُ (قَوْلُهُ: فِي مَنِيِّ الْمَرْأَةِ) أَيْ مِنْ الرِّقَّةِ وَالصُّفْرَةِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: أَيْ الْخَوَاصِّ) دَفَعَ مَا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ صِفَاتِ مَنِيِّ الرَّجُلِ الْبَيَاضُ وَالثِّخَنُ مَعَ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِانْتِفَائِهِمَا عَنْهُ، وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ حَمْلِ أَلْ فِي الْمَتْنِ عَلَى الْعَهْدِ الذَّكَرِيِّ (قَوْلُهُ: لِلشَّكِّ فِي الْجَنَابَةِ) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ) وَعَلَيْهِ فَإِذَا رَجَعَ قَالَ حَجّ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِقَضِيَّةِ مَا رَجَعَ إلَيْهِ فِي الْمَاضِي أَيْضًا وَهُوَ الْأَحْوَطُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِهَا إلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ قَضِيَّةَ الْأَوَّلِ بِفِعْلِهِ بِمُوجِبِهِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ الرُّجُوعُ فِيهِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم (قَوْلُهُ: لَا يَعْمَلُ إلَخْ) هَذَا هُوَ الْوَجْهُ اهـ.
[تَنْبِيهٌ آخَرُ] هَلْ غَيْرُ الْخَارِجِ مِنْهُ ذَلِكَ مِثْلُهُ فِي التَّخْيِيرِ الْمَذْكُورِ، وَعَلَيْهِ فَهَلْ يَلْزَمُ كُلًّا الْجَرْيُ عَلَى قَضِيَّةِ مَا اخْتَارَهُ حَتَّى لَوْ اخْتَارَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ مَذْيٌ وَالْآخَرُ أَنَّهُ مَنِيٌّ لَمْ يَقْتَدِ بِهِ لِأَنَّهُ جُنُبٌ بِحَسَبِ مَا اخْتَارَهُ لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ
[حاشية الرشيدي]
غَيْرِ الْمُسْتَحْكِمِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ اسْتِحْكَامِهِ خُلُوَّهُ عَنْ الصِّفَاتِ الْآتِيَةِ وَإِنْ قِيلَ بِهِ إذْ ذَاكَ غَيْرُ مَنِيٍّ أَصْلًا (قَوْلُهُ: عَجِينٍ) أَيْ مِنْ حِنْطَةٍ وَنَحْوِهَا (قَوْلُهُ: بِمَا إذَا رَأَى) بَدَلٌ مِنْ بِهِ