(قَوْلُهُ: كَمَا يَأْتِي) أَيْ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ: أَيْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ) أَيْ وَمَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ غَيْرُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ لِيُوَافِقَ مَا يَأْتِي مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ (قَوْلُهُ أَوْ مَنْسُوخٌ) أَيْ أَوْ الْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ لَكِنَّهُ مَنْسُوخٌ (قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِوِلَايَةٍ مُطْلَقًا) أَيْ عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ قِنًّا كَانَ أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ مُبَعَّضًا مَالِيَّةً كَانَتْ الْوِلَايَةُ وَغَيْرَهَا (قَوْلُهُ: الْأَمْثَلِ) أَيْ دِينًا (قَوْلُهُ: الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ) أَيْ لَكِنَّ رِعَايَةَ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ قَدْ تُؤَدِّي إلَى
[حاشية الرشيدي]
أَنَّ الْقُرْعَةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْقِسْمَةِ وَلَيْسَ مُرَادًا (قَوْلُهُ: وَهِيَ غَيْرُ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ) عِبَارَةُ ابْنِ الْمُقْرِي: وَيُقْبَلُ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ لَا شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، لِأَنَّ الْيَمِينَ شُرِعَتْ لِتُرَدَّ عِنْدَ النُّكُولِ وَلَا مَرَدَّ لَهَا انْتَهَتْ.
[كِتَابُ الشَّهَادَاتِ] (قَوْلُهُ: بِلَفْظٍ خَاصٍّ) أَيْ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ بِأَنْ تَكُونَ عِنْدَ قَاضٍ بِشَرْطِهِ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا خَبَرُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ دِينٍ إلَخْ) مُرَادُهُ بِهَذَا دَفْعُ وُرُودِ هَذَا الْحَدِيثِ الدَّالِّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ كُلِّ أَهْلِ دِينٍ عَلَى أَهْلِ دِينِهِمْ (قَوْلُهُ: وَلَا مَنْ فِيهِ رِقٌّ) الصَّوَابُ حَذْفُ لَفْظِ لَا فِي هَذَا وَفِيمَا بَعْدَهُ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَضْدَادِ الَّتِي هِيَ مَدْخُولُ لَا وَلَيْسَ مُعَادِلًا لَهُ
عَقْلِهِ لَا يُؤَدِّي إلَى تَسْمِيَتِهِ مَجْنُونًا لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، وَلَا مُغَفَّلٍ وَلَا أَصَمَّ فِي مَسْمُوعٍ وَلَا أَعْمًى فِي مُبْصِرٍ كَمَا يَأْتِي وَمِنْ التَّيَقُّظِ ضَبْطُ أَلْفَاظِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِحُرُوفِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْمُتَّجَهُ عَدَمَ جَوَازِ الشَّهَادَةِ بِالْمَعْنَى، وَلَا يُقَاسُ بِالرِّوَايَةِ لِضِيقِهَا، وَلِأَنَّ الْمَدَارَ هُنَا عَلَى عَقِيدَةِ الْحَاكِمِ لَا الشَّاهِدِ فَقَدْ يَحْذِفُ أَوْ يُغَيِّرُ مَا لَا يُؤَثِّرُ عِنْدَ نَفْسِهِ وَيُؤَثِّرُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، نَعَمْ يَقْرُبُ الْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّعْبِيرِ بِأَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ عَنْ الْآخَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِيهَامِ كَمَا يُشِيرُ لِذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لَوْ قَالَ شَاهِدٌ وَكَّلَهُ أَوْ قَالَ قَالَ وَكَّلْته وَقَالَ الْآخَرُ فَوَّضَ إلَيْهِ أَوْ أَنَابَهُ قُبِلَ أَوْ قَالَ وَاحِدٌ قَالَ وَكَّلْت وَقَالَ الْآخَرُ قَالَ فَوَّضْت إلَيْهِ لَمْ يُقْبَلَا لِأَنَّ كُلًّا أَسْنَدَ إلَيْهِ لَفْظًا مُغَايِرًا لِلْآخَرِ وَكَانَ الْغَرَضُ أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى اتِّحَادِ اللَّفْظِ الصَّادِرِ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا مَانِعَ أَنَّ كُلًّا سَمِعَ مَا ذُكِرَ فِي مَرَّةٍ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ لَوْ شَهِدَ لَهُ وَاحِدٌ بِبَيْعٍ وَآخَرُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ لَمْ يُلَفَّقَا، فَلَوْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا وَشَهِدَ بِمَا شَهِدَ بِهِ الْآخَرُ قُبِلَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَ الْأَمْرَيْنِ وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَحَدِهِمَا قَالَ الْقَاضِي: ثَبَتَ عِنْدِي طَلَاقُ فُلَانَةَ وَالْآخَرُ ثَبَتَ عِنْدِي طَلَاقُ هَذِهِ فَلَا يَكْفِي، بِخِلَافِ قَوْلِ وَاحِدٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ طَلَاقُ فُلَانَةَ وَآخَرَ ثَبَتَ عِنْدَهُ طَلَاقُ هَذِهِ وَهِيَ تِلْكَ فَإِنَّهُ يَكْفِي اتِّفَاقًا.
وَقَوْلُ الشَّيْخِ تَبَعًا لِلْغَزِّيِّ فِي تَلْفِيقِ الشَّهَادَةِ وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِإِقْرَارِهِ بِأَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي كَذَا وَالْآخَرُ بِإِقْرَارِهِ بِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ أَوْ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ أَوْ فَوَّضَهُ إلَيْهِ لُفِّقَتْ الشَّهَادَتَانِ لِأَنَّ النَّقْلَ بِالْمَعْنَى كَالنَّقْلِ بِاللَّفْظِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَا كَذَلِكَ فِي الْعَقْدِ أَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِأَنَّهُ قَالَ وَكَّلْتُك فِي كَذَا وَآخَرُ بِأَنَّهُ قَالَ سَلَّطْتُك عَلَيْهِ أَوْ فَوَّضْته إلَيْك أَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ وَالْآخَرُ بِالْإِبْرَاءِ مِنْهُ فَلَا يُلَفَّقَانِ انْتَهَى.
مَحْمُولٌ تَعْلِيلُهُ الْمَذْكُورُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ جَوَازِ التَّعْبِيرِ عَنْ الْمَسْمُوعِ بِمُرَادِفِهِ الْمُسَاوِي لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا غَيْرَ، وَلَوْ شَهِدَ لَهُ وَاحِدٌ بِأَلْفٍ وَآخَرُ بِأَلْفَيْنِ ثَبَتَ الْأَلْفُ وَلَهُ الْحَلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ بِالْأَلْفِ الزَّائِدِ وَبِهِ يُعْلَمُ صِحَّةُ قَوْلِ الْعَبَّادِيِّ وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِأَنَّهُ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ هَذَا وَآخَرُ بِأَنَّهُ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ هَذَا وَهَذَا لُفِّقَتَا فِيهِ وَإِنْ اسْتَغْرَبَهُ الْهَرَوِيُّ، وَلَوْ أَخْبَرَ الشَّاهِدَ عَدْلٌ بِمَا يُنَافِي شَهَادَتَهُ جَازَ لَهُ اعْتِمَادُهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ وَإِلَّا فَلَا كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْوَالِدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَوْ أُخْبِرَ الْحَاكِمُ بِرُجُوعِ الشَّاهِدِ فَإِنْ ظَنَّ صِدْقَ الْمُخْبِرِ تَوَقَّفَ عَنْ الْحُكْمِ وَإِلَّا فَلَا، وَمَنْ شَهِدَ
[حاشية الشبراملسي]
تَعَطُّلِ الْأَحْكَامِ فَيَرْجِعُ مِنْهَا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ضَرَرٌ لَا يُحْتَمَلُ لِأَنَّ الْغَرَضَ تَعَذُّرُ الْعُدُولِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ) أَيْ وَصَرْفُ مَالِهِ فِي مُحَرَّمٍ لَا يَسْتَلْزِمُ الْفِسْقَ (قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْمُتَّجَهُ عَدَمَ جَوَازِ الشَّهَادَةِ بِالْمَعْنَى) أَيْ فَلَوْ كَانَتْ صِيغَةُ الْبَيْعِ مَثَلًا مِنْ الْبَائِعِ بِعْت وَمِنْ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت فَلَا يُعْتَدُّ بِالشَّهَادَةِ إلَّا إذَا قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ الْبَائِعَ قَالَ بِعْت وَالْمُشْتَرِي قَالَ اشْتَرَيْت، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا اشْتَرَى هَذَا مِنْ هَذَا فَلَا يَكْفِي فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ يُغْلَطُ فِيهِ كَثِيرًا (قَوْلُهُ لَمْ يُقْبَلَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْأَخِيرَةِ (قَوْلُهُ: وَيَجْرِي ذَلِكَ) أَيْ عَدَمُ الْقَبُولِ (قَوْلُهُ: ثَبَتَ عِنْدِي طَلَاقُ هَذِهِ فَلَا يَكْفِي) أَيْ مَا لَمْ يَرْجِعْ أَحَدُهُمَا وَيَشْهَدُ بِمَا قَالَهُ الْآخَرُ أَخْذًا مِمَّا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: لُفِّقَتَا فِيهِ) أَيْ فِيمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ الْمُعَيِّنِينَ (قَوْلُهُ جَازَ اعْتِمَادُهُ) أَيْ وَيَتْرُكُ الشَّهَادَةَ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ جَازَ أَنَّ لَهُ الشَّهَادَةَ بِمَا يُنَافِي إخْبَارَ الْعَدْلِ، وَلَوْ قِيلَ بِامْتِنَاعِهَا لِظَنِّهِ بُطْلَانَهَا لَمْ يَبْعُدْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: كَمَا يَأْتِي) أَيْ فِي الْأَصَمِّ وَالْأَعْمَى، وَمُرَادُهُ بِهَذَا الِاعْتِذَارُ عَنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ هُنَا (قَوْلُهُ: فَقَدْ يُحْذَفُ أَوْ يُغَيَّرُ مَا لَا يُؤَثِّرُ عِنْدَ نَفْسِهِ وَيُؤَثِّرُ عِنْدَ الْحَاكِمِ) اُنْظُرْ لَوْ كَانَ فَقِيهًا مُوَافِقًا لِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ هَلْ تَجُوزُ لَهُ الشَّهَادَةُ بِالْمَعْنَى، وَقَضِيَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ نَعَمْ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَيُجْرَى ذَلِكَ) أَيْ عَدَمُ التَّلْفِيقِ فَلَوْ رَجَعَ وَشَهِدَ بِمَا شَهِدَ بِهِ الْآخَرُ قَبْلُ (قَوْلُهُ فَلَا يَكْفِي) لَعَلَّ هَذَا فِيمَا إذَا شَهِدَا عَلَى إنْشَاءِ الْحُكْمِ بِالثُّبُوتِ لَا عَلَى إقْرَارِهِ بِذَلِكَ حَيْثُ يُعْتَبَرُ، وَإِلَّا فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَا كَذَلِكَ فِي الْعَقْدِ) اُنْظُرْ مَا مُرَادُهُ بِهِ (قَوْلُهُ: مَحْمُولُ تَعْلِيلِهِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ إلَخْ) أَيْ كَمَا تَدُلُّ لَهُ أَمْثِلَتُهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ شَهِدَ لَهُ وَاحِدٌ بِأَلْفٍ إلَخْ) لَعَلَّ الدَّعْوَى بِأَلْفَيْنِ لِتَصِحَّ الشَّهَادَةُ بِالْأَلْفِ الثَّانِي فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَخْبَرَ الشَّاهِدَ عَدْلٌ) لَعَلَّهُ عَدْلُ رِوَايَةٍ إذْ الْمَدَارُ عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ كَمَا
بِإِقْرَارٍ مَعَ عِلْمِهِ بَاطِنًا بِمَا يُخَالِفُهُ لَزِمَهُ الْإِخْبَارُ بِهِ
(وَشَرْطُ الْعَدَالَةِ اجْتِنَابُ) كُلِّ كَبِيرَةٍ مِنْ أَنْوَاعِ (الْكَبَائِرِ) إذْ مُرْتَكِبُهَا فَاسِقٌ، وَهِيَ مَا فِيهِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ عَدُّهُمْ كَبَائِرَ لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ كَالظِّهَارِ وَأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَقِيلَ هِيَ كُلُّ جَرِيمَةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ وَرِقَّةِ الدِّيَانَةِ، وَاعْتُرِضَ بِشُمُولِهِ صَغَائِرَ الْخِسَّةِ، وَقِيلَ هِيَ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَاعْتُرِضَ بِشُمُولِهِ الْإِصْرَارَ عَلَى صَغِيرَةٍ الْآتِي (وَ) اجْتِنَابُ (الْإِصْرَارِ عَلَى صَغِيرَةٍ) أَوْ صَغَائِرَ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ أَوْ أَنْوَاعٍ بِأَنْ لَا تَغْلِبَ طَاعَاتِهِ مَعَاصِيهِ فَهُوَ فَاسِقٌ وَيُتَّجَهُ ضَبْطُ الْغَلَبَةِ بِالْعَدِّ مِنْ جَانِبَيْ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِكَثْرَةِ ثَوَابٍ فِي الْأُولَى وَعِقَابٍ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ أُخْرَوِيٌّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِمَّنْ ضَبَطَهُ بِالْعُرْفِ.
وَفِي الْمُخْتَصَرِ ضَبْطُهُ بِالْأَظْهَرِ مِنْ حَالِ الشَّخْصِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يَجْرِي ذَلِكَ فِي الْمُرُوءَةِ وَالْمُخِلِّ بِهَا فَإِنْ غَلَبَ الْأَوَّلُ لَمْ يُؤَثِّرْ وَإِلَّا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، بَلْ مَتَى وُجِدَ خَارِمُهَا كَفَى فِي رَدِّهَا وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ صَغِيرَةٍ تَابَ مِنْهَا مُرْتَكِبُهَا لَا تَدْخُلُ فِي الْعَدِّ لِإِذْهَابِ التَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ أَثَرَهَا رَأْسًا، وَمَا قِيلَ مِنْ قَوْلِهِ وَالْإِصْرَارِ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقَهُ بَلْ مَعَ غَلَبَةِ الصَّغَائِرِ أَوْ مُسَاوَاتِهَا لِلطَّاعَاتِ وَهَذَا حِينَئِذٍ كَبِيرَةٌ مَحَلُّ نَظَرٍ.
لِأَنَّ الْإِصْرَارَ لَا يُصَيِّرُ الصَّغِيرَةَ كَبِيرَةً حَقِيقَةً وَإِنَّمَا يُلْحِقُهَا بِهَا فِي الْحُكْمِ فَالْعَطْفُ صَحِيحٌ وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّأْوِيلِ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ قَوْلُ جَمْعٍ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْأَشْعَرِيِّ
[حاشية الشبراملسي]
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ جَازَ لِأَنَّهُ جَوَازٌ بَعْدَ مَنْعٍ فَيَصْدُقُ بِالْوُجُوبِ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ الْإِخْبَارُ بِهِ) وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَاكِمَ يُثْبِتُ فِي بَيَانِ الْحَقِّ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ أَقَرَّ نَاسِيًا أَوْ ظَانًّا بَقَاءَ الْحَقِّ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ فِي الْوَاقِعِ غَيْرَ ثَابِتٍ
(قَوْلُهُ: وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ عَدُّهُمْ إلَخْ) أَيْ لِجَوَازِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ كَبِيرَةٌ وَأَنَّ مَا لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ فِيهِ تَفْصِيلٌ (قَوْلُهُ وَرِقَّةِ) عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ (قَوْلُهُ: وَاعْتُرِضَ بِشُمُولِهِ صَغَائِرَ الْخِسَّةِ) كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ (قَوْلُهُ: وَاعْتُرِضَ بِشُمُولِهِ) لَعَلَّهُ بِعَدَمِ شُمُولِهِ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ أَنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغِيرَةِ لَا يُصَيِّرُهَا كَبِيرَةً حَقِيقَةً وَإِنْ سَقَطَتْ بِهِ الْعَدَالَةُ وَعَلَيْهِ فَلَا اعْتِرَاضَ (قَوْلُهُ مِنْ جَانِبَيْ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ) أَيْ بِأَنْ يُقَابِلَ كُلَّ طَاعَةٍ بِمَعْصِيَةٍ فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ حَتَّى لَوْ غَلَبَتْ الطَّاعَاتُ عَلَى الْمَعَاصِي فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَغَلَبَتْ الْمَعَاصِي فِي بَاقِيهَا بِحَيْثُ لَوْ قُوبِلَتْ جُمْلَةُ الْمَعَاصِي بِجُمْلَةِ الطَّاعَاتِ كَانَتْ الْمَعَاصِي أَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ غَلَبَ الْأَوَّلُ) أَيْ الْمُحَافَظَةُ عَلَى مُرُوءَةِ أَمْثَالِهِ (قَوْلُهُ: بَلْ مَتَى وُجِدَ خَارِمُهَا كَفَى) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِوُجُودِ الْخَارِمِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ وَلَا تَغْلِبُ الْمُرُوءَةُ عَلَيْهِ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ ذَلِكَ الْخَارِمُ فَلَا يُنَافِي مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا غَلَبَتْ الْمُرُوءَةُ عَلَى مَا يُخِلُّ بِهَا لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ مَعَ غَلَبَةِ الْمُرُوءَةِ لَا يُعَدُّ خَارِمًا، لَكِنْ فِي سم عَلَى حَجّ بَعْدَ قَوْلِ حَجّ
[حاشية الرشيدي]
يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ بَلْ قِيَاسُ النَّظَائِرِ أَنَّ الْفَاسِقَ كَذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ لَزِمَهُ الْإِخْبَارُ بِهِ) اُنْظُرْ مَا فَائِدَتُهُ مَعَ أَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِإِقْرَارِهِ وَفِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مَا لَا يَشْفِي
(قَوْلُهُ وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ إلَخْ) اُنْظُرْ مَا وَجْهُ عَدَمِ الْقَدْحِ، وَمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَدَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا (قَوْلُهُ وَاعْتُرِضَ بِشُمُولِهِ الْإِصْرَارَ عَلَى صَغِيرَةِ الْآتِي) اُنْظُرْ الشُّمُولَ مِنْ أَيْنَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ غَلَبَ الْأَوَّلُ لَمْ يُؤَثِّرْ وَإِلَّا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ) هَذَا مِنْ مَدْخُولِ النَّفْيِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يَجْرِي ذَلِكَ فِي الْمُرُوءَةِ وَالْمُخِلِّ بِهَا بِحَيْثُ إنَّهُ إنْ غَلَبَ الْأَوَّلُ إلَخْ، وَمُقَابِلُ الْمَنْفِيِّ إنَّمَا هُوَ الْإِضْرَابُ الْآتِي وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ) هَذَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ قَدْ يُنَافِي مَا سَيَأْتِي لَهُ اسْتِيجَاهُهُ مِنْ اعْتِبَارِ الْإِكْثَارِ مِنْ خَارِمِ الْمُرُوءَةِ حَتَّى يُرَدَّ بِهِ الشَّهَادَةُ إلَّا فِي نَحْوِ قُبْلَةِ زَوْجَتِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْخَارِمَ هُوَ الْإِكْثَارُ وَالْمَنْفِيُّ هُنَا هُوَ تَكْرِيرُ الْإِكْثَارِ.
فَالْحَاصِلُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ الْإِكْثَارُ انْخَرَمَتْ الْمُرُوءَةُ وَرُدَّتْ الشَّهَادَةُ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ ذَلِكَ الْإِكْثَارُ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ الْإِكْثَارُ مُعَادِلًا لِخِصَالِ الْمُرُوءَةِ أَمْ أَقَلَّ فَلْيُتَأَمَّلْ وَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: فَالْعَطْفُ صَحِيحٌ) فِيهِ أَنَّ الْقِيلَ الْمَارَّ لَمْ يَدَّعِ صَاحِبُهُ عَدَمَ صِحَّةِ الْعَطْفِ، وَقَوْلُهُ وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّأْوِيلِ
وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ لَيْسَ فِي الذُّنُوبِ صَغِيرَةٌ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا كَرِهُوا تَسْمِيَةَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ صَغِيرَةً إجْلَالًا لَهُ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الذُّنُوبِ يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ وَبَعْضَهَا لَا يَقْدَحُ فِيهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي التَّسْمِيَةِ وَالْإِطْلَاقِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُتَّجَهُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ تَعَلُّمِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ مَا هُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ كَبِيرَةً لَكِنْ مِنْ الْمَسَائِلِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الْخَفِيَّةِ، نَعَمْ مَا مَرَّ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ فِي الْعَامِّيِّ الَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِهَا فَرْضٌ إلَخْ هَلْ يَكُونُ تَرْكُ تَعَلُّمِهِ ذَلِكَ كَبِيرَةً أَوْ لَا مَحَلُّ نَظَرٍ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا اقْتَضَاهُ إفْتَاءُ الشَّيْخِ بِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ أَرْكَانَ أَوْ شُرُوطَ نَحْوِ الْوُضُوءِ أَوْ الصَّلَاةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ (وَيَحْرُمُ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ عَلَى الصَّحِيحِ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد «فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» وَهُوَ صَغِيرَةٌ، وَفَارَقَ الشِّطْرَنْجُ بِأَنَّ مُعْتَمَدَهُ الْحِسَابُ الدَّقِيقُ وَالْفِكْرُ الصَّحِيحُ فَفِيهِ تَصْحِيحُ الْفِكْرِ وَنَوْعٌ مِنْ التَّدْبِيرِ، وَمُعْتَمَدُ النَّرْدِ الْحَزْرُ وَالتَّخْمِينُ الْمُؤَدِّي إلَى غَايَةٍ مِنْ السَّفَاهَةِ وَالْحُمْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ مَا حَاصِلُهُ: وَيُقَاسُ بِهِمَا مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِنْ أَنْوَاعِ اللَّهْوِ، فَكُلُّ مَا اعْتَمَدَ الْحِسَابَ وَالْفِكْرَ كَالْمِنْقَلَةِ حُفَرٌ أَوْ خُطُوطٌ يَنْقُلُ مِنْهَا وَإِلَيْهَا حَصَى بِالْحِسَابِ لَا يَحْرُمُ وَمَحَلُّهَا فِي الْمِنْقَلَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ حِسَابُهَا تَبَعًا لِمَا يُخْرِجُهُ الطَّابُ الْآتِي وَإِلَّا حَرُمَتْ، وَكُلُّ مَا مُعْتَمَدُهُ التَّخْمِينُ يَحْرُمُ، وَمِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي كَمَا أَفَادَهُ السُّبْكِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا لِطَابٌ وَهُوَ عَصًى صِغَارٌ تُرْمَى وَيُنْظَرُ لِلَوْنِهَا وَيُرَتَّبُ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ الَّذِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الكنجفة، وَيَجُوزُ اللَّعِبُ بِالْحَمَامِ وَالْخَاتَمِ حَيْثُ خَلَيَا عَنْ عِوَضٍ، لَكِنْ مَتَى كَثُرَ الْأَوَّلُ رُدَّتْ بِهِ الشَّهَادَةُ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَهْلِهِ مِنْ خَلْعِهِمْ جِلْبَابَ الْحَيَاءِ وَالْمُرُوءَةِ وَالتَّعَصُّبِ، وَيُقَاسُ بِهِمْ مَا كَثُرَ وَاشْتَهَرَ مِنْ أَنْوَاعٍ حَدَثَتْ كَالْجَرْيِ وَحَمْلِ الْأَحْمَالِ الثَّقِيلَةِ وَالنِّطَاحِ بِنَحْوِ الْكِبَاشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ اللَّهْوِ وَالسَّفَهِ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فَقَطْ (وَيُكْرَهُ) اللَّعِبُ (بِشِطْرَنْجٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِهِ مُعْجَمًا وَمُهْمَلًا لِأَنَّهُ يُلْهِي عَنْ الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا الْفَاضِلَةِ بَلْ كَثِيرًا مَا يَسْتَغْرِقُ فِيهِ لَاعِبُهُ حَتَّى يُخْرِجَهَا عَنْ وَقْتِهَا وَهُوَ حِينَئِذٍ فَاسِقٌ غَيْرُ مَعْذُورٍ بِنِسْيَانِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغَفْلَةَ نَشَأَتْ مِنْ تَعَاطِيهِ الْفِعْلَ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُلْهِيَ عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ كَالْمُتَعَمِّدِ لِتَفْوِيتِهِ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي كُلِّ لَهْوٍ وَلَعِبٍ مَكْرُوهٍ مُشْغِلٍ لِلنَّفْسِ وَمُؤَثِّرٍ فِيهَا تَأْثِيرًا يَسْتَوْلِي عَلَيْهَا حَتَّى تَشْتَغِلَ بِهِ عَنْ مَصَالِحِهَا الْأُخْرَوِيَّةِ، وَمَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْكَرَاهَةِ إذَا لَعِبَهُ مَعَ مُعْتَقِدِ حِلِّهِ وَإِلَّا حَرُمَ كَمَا رَجَّحَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ لِإِعَانَتِهِ عَلَى مَعْصِيَةٍ حَتَّى فِي ظَنِّ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِاعْتِقَادِ إمَامِهِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ فِي الْحَاكِمِ اعْتِقَادُ نَفْسِهِ لَا الْخَصْمِ لِأَنَّهُ مُلْزِمٌ، وَلَوْ نَظَرْنَا لِاعْتِقَادِ الْخَصْمِ تَعَطَّلَ الْقَضَاءُ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ لِمَا مَرَّ أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ
[حاشية الشبراملسي]
وَيَجْرِي إلَخْ مَا نَصُّهُ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يَجْرِي بَلْ مَتَى وُجِدَ خَارِمٌ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ شَرْحُ م ر اهـ (قَوْلُهُ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) أَيْ وَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ صَحِيحَةً حَيْثُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْكُلَّ فَرْضٌ أَوْ أَنَّ بَعْضَهَا فَرْضٌ وَالْآخَرَ سُنَّةٌ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ (قَوْلُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ) وَهُوَ الْمُسَمَّى الْآنَ بِالطَّاوِلَةِ فِي عُرْفِ الْعَامَّةِ (قَوْلُهُ: وَمِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي) أَيْ كُلِّ مَا مُعْتَمَدُهُ التَّخْمِينُ ظَاهِرُهُ وَلَوْ بِلَا مَالٍ فَيَحْرُمُ، وَيُؤَيِّدُهُ التَّقْيِيدُ فِي الْحَمَامِ وَمَا بَعْدَهُ بِالْخُلُوِّ عَنْ الْعِوَضِ، لَكِنْ قَدْ يَقْتَضِي كَلَامُهُ فِي الْمُسَابَقَةِ جَوَازَهُ حَيْثُ خَلَا عَنْ الْعِوَضِ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الكنجفة) وَهِيَ أَوْرَاقٌ فِيهَا صُوَرٌ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَيُقَاسُ بِهِمْ) أَيْ بِأَهْلِ الْحَمَامِ: أَيْ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ فَقَطْ، أَمَّا الْجَرْيُ فَقَدْ يَحْرُمُ إنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إضْرَارٌ لِلنَّفْسِ بِلَا غَرَضٍ (قَوْلُهُ: غَيْرُ مَعْذُورٍ) أَيْ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُقَاسُ بِهِمْ مَا كَثُرَ
[حاشية الرشيدي]
يُتَأَمَّلُ مَا الْمُرَادُ بِالتَّأْوِيلِ وَاَلَّذِي مَرَّ تَقْيِيدٌ لَا تَأْوِيلٌ (قَوْلُهُ: الْكَنْجَفَةُ) هِيَ أَوْرَاقٌ مُزَوَّقَةٌ بِأَنْوَاعِ النُّقُوشِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَهِيَ أَوْرَاقٌ فِيهَا صُوَرٌ (قَوْلُهُ: كَالْمُتَعَمِّدِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَفْسُقُ بِإِخْرَاجِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً، لَكِنْ نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ عَمِيرَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَكَرُّرِ ذَلِكَ وَتَوَقَّفَ ابْنُ قَاسِمٍ فِي ضَابِطِ التَّكَرُّرِ
حُرْمَتَهُ يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَلَوْ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ (فَإِنْ شُرِطَ فِيهِ مَالٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَقِمَارٌ) مُحَرَّمٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا لِيَبْذُلَهُ إنْ غَلَبَ وَيُمْسِكُهُ إنْ غَلَبَ فَلَيْسَ بِقِمَارٍ لَكِنَّهُ عَقْدُ مُسَابَقَةٍ عَلَى غَيْرِ آلَةِ قِتَالٍ فَهُوَ مُحَرَّمٌ مِنْ جِهَتِهِ، إذْ تَعَاطِي الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ حَرَامٌ وَهَذَا كَمَا قَبْلَهُ صَغِيرَةٌ، لَكِنَّ أَخْذَ الْمَالِ كَبِيرَةٌ، وَعَبَّرَ بِقِمَارٍ مُحَرَّمٍ احْتِرَازًا عَنْ اعْتِرَاضِ الْإِمَامِ عَلَى إطْلَاقِهِمْ التَّحْرِيمَ بِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ مَا اقْتَرَنَ بِالشِّطْرَنْجِ لَا هُوَ فَإِنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِذَلِكَ، وَتُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهِ إنْ اقْتَرَنَ بِهِ أَخْذُ مَالٍ أَوْ فُحْشٍ أَوْ دَوَامٌ عَلَيْهِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَوْ لَعِبَهُ عَلَى الطَّرِيقِ، أَوْ كَانَ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ، وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ اللَّعِبُ بِكُلِّ مَا فِي آلَتِهِ صُورَةٌ مُحَرَّمَةٌ (وَيُبَاحُ الْحُدَاءُ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَبِالْمَدِّ (وَسَمَاعُهُ) وَاسْتِمَاعُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إيقَاظِ النُّوَّامِ وَتَنْشِيطِ الْإِبِلِ لِلسَّيْرِ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّ فَاعِلَهُ وَهُوَ مَا يُقَالُ خَلْفَ الْإِبِلِ مِنْ رَجَزٍ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَفْسِيرِهِ بِأَنَّهُ تَحْسِينُ الصَّوْتِ الشَّجِيِّ بِالشِّعْرِ الْجَائِزِ (وَيُكْرَهُ الْغِنَاءُ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَبِالْمَدِّ (بِلَا آلَةٍ وَسَمَاعُهُ) يَعْنِي اسْتِمَاعُهُ لَا مُجَرَّدُ سَمَاعِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِمَا صَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ: إنَّهُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ، وَمَا ذَكَرَاهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ حُرْمَتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَوْ كَانَ مِنْ أَمْرَدَ أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ وَخَافَ عَنْ ذَلِكَ الْفِتْنَةَ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: أَمَّا مَا اُعْتِيدَ عِنْدَ مُحَاوَلَةِ عَمَلٍ وَحَمْلِ ثَقِيلٍ كَحُدَاءِ الْأَعْرَابِ لِإِبِلِهِمْ وَغِنَاءِ النِّسَاءِ لِتَسْكِينِ صِغَارِهِمْ فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِهِ، بَلْ رُبَّمَا يُنْدَبُ إذَا نَشَّطَ عَلَى سَيْرٍ أَوْ رَغَّبَ فِي خَيْرٍ كَالْحُدَاءِ فِي الْحَجِّ وَالْغَزْوِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَمَتَى اقْتَرَنَ بِالْغِنَاءِ آلَةٌ مُحَرَّمَةٌ فَالْقِيَاسُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ تَحْرِيمُ الْآلَةِ فَقَطْ وَبَقَاءُ الْغِنَاءِ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ عَنْ الْإِمَامِ فِي الشِّطْرَنْجِ مَعَ الْقِمَارِ، وَلَيْسَ تَحْسِينُ الصَّوْتِ بِقِرَاءَةِ قُرْآنٍ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَإِنْ لَحَّنَ فِيهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ إلَى حَدٍّ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْقُرَّاءِ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِطْلَاقُ الْجُمْهُورِ كَرَاهَةَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مُرَادُهُمْ بِهَا كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ، بَلْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَفْسُقُ الْقَارِئُ بِذَلِكَ وَيَأْثَمُ الْمُسْتَمِعُ لِأَنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنْ نَهْجِهِ الْقَوِيمِ (وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ آلَةٍ مِنْ شِعَارِ الشَّرَبَةِ كَطُنْبُورٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (وَعُودٍ) وَرَبَابٍ وسنطير وجنك وَكَمَنْجَةٍ (وَصَنْجٍ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ صُفْرٌ يُجْعَلُ عَلَيْهِ أَوْتَارٌ يُضْرَبُ بِهَا أَوْ قِطْعَتَانِ مِنْ صُفْرٍ تُضْرَبُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى وَكِلَاهُمَا حَرَامٌ (وَمِزْمَارٍ عِرَاقِيٍّ) وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْأَوْتَارِ وَالْمَزَامِيرِ (وَاسْتِمَاعُهَا) لِأَنَّ اللَّذَّةَ الْحَاصِلَةَ مِنْهَا تَدْعُو إلَى فَسَادٍ كَشُرْبِ الْخَمْرِ لَا سِيَّمَا مَنْ قَرُبَ عَهْدُهُ
[حاشية الشبراملسي]
إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ تَعَاطِي الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ (قَوْلُهُ: صَغِيرَةٌ) نُقِلَ عَنْ حَجّ فِي الزَّوَاجِرِ أَنَّ تَعَاطِيَ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ كَبِيرَةٌ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: أَوْ لَعِبَهُ عَلَى الطَّرِيقِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْفَاعِلُ عَظِيمًا، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ تَكَرَّرَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا يُقَالُ خَلْفَ الْإِبِلِ) وَيُسْتَثْنَى هَذَا مِنْ الْغِنَاءِ الْآتِي كَمَا تَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَمَّا مَا اُعْتِيدَ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ يُنْبِتُ إلَخْ: أَيْ يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ النِّفَاقِ فِي قَلْبِ مَنْ يَفْعَلُهُ بَلْ أَوْ مَنْ يَسْتَمِعُهُ لِأَنَّ فِعْلَهُ وَاسْتِمَاعَهُ يُورِثُ مُنْكَرًا وَاشْتِغَالًا بِمَا يُفْهَمُ مِنْهُ كَمَحَاسِنِ النِّسَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا قَدْ يُورِثُ فِي فَاعِلِهِ ارْتِكَابَ أُمُورٍ تَحْمِلُ فَاعِلَهُ عَلَى أَنْ يُظْهِرَ خِلَافَ مَا يُبْطِنُ.
(قَوْلُهُ: لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْقُرَّاءِ حَرُمَ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ بَلْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إلَخْ (قَوْلُهُ: بَلْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ يَفْسُقُ) بِهَذَا جَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي النَّشْرِ لَكِنْ قَالَ حَجّ فِي الْفَتَاوَى الْحَدِيثِيَّةِ: الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْفِسْقِ مَعَ كَوْنِهِ حَرَامًا (قَوْلُهُ: وَيَأْثَمُ الْمُسْتَمِعُ) أَيْ إثْمَ الصَّغِيرَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنْ نَهْجِهِ) أَيْ طَرِيقِهِ الْمُسْتَقِيمِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ صُفْرٌ) أَيْ نُحَاسٌ (قَوْلُهُ: تُضْرَبُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى) وَهُوَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ فَقِمَارٌ) أَيْ ذَلِكَ الشَّرْطُ أَوْ الْمَالُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: فَهُوَ مُحَرَّمٌ مِنْ جِهَتِهِ) اُنْظُرْ مَرْجِعَ الضَّمِيرَيْنِ (قَوْلُهُ: بِضَمِّ الْحَاءِ) وَكَذَا بِكَسْرِهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ (قَوْلُهُ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَمَّا مَا اُعْتِيدَ إلَخْ) الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ إنَّمَا نَقَلَهُ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَبِي الْعَبَّاسِ فِي كَلَامِهِ الرُّويَانِيُّ أَوْ الْقُرْطُبِيُّ فَإِنَّهُ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: صِغَارِهِمْ) صَوَابُهُ صِغَارِهِنَّ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لُحِّنَ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا لَا يَخْفَى
بِهَا، وَلِأَنَّهَا شِعَارُ الْفَسَقَةِ وَالتَّشَبُّهُ بِهِمَا حَرَامٌ، وَخَرَجَ بِاسْتِمَاعِهَا سَمَاعُهَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلَا يَحْرُمُ، وَحِكَايَةُ وَجْهٍ بِحِلِّ الْعُودِ مَرْدُودَةٌ، وَمَا سَمِعْنَاهُ مِنْ بَعْضِ صُوفِيَّةٍ الْوَقْتِ تَبِعَ فِيهِ كَلَامَ ابْنِ حَزْمٍ وَأَبَاطِيلَ ابْنِ طَاهِرٍ وَكَذِبَهُ الشَّنِيعَ فِي تَحْلِيلِ الْأَوْتَارِ وَغَيْرِهَا وَلَمْ يُنْظَرْ لِكَوْنِهِ مَذْمُومَ السِّيرَةِ مَعَ أَنَّهُ مَرْدُودُ الْقَوْلِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، وَقَدْ بَالَغَ بَعْضُهُمْ فِي تَسْفِيهِهِ وَتَضْلِيلِهِ سِيَّمَا الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُ وَاتِّبَاعُ مَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرُهُمْ لَا مَا افْتَرَاهُ أُولَئِكَ.
نَعَمْ لَوْ أَخْبَرَ طَبِيبَانِ عَدْلَانِ بِأَنَّ الْمَرِيضَ لَا يَنْفَعُهُ لِمَرَضِهِ إلَّا الْعُودُ عُمِلَ بِخَبَرِهِمَا وَحَلَّ لَهُ اسْتِمَاعُهُ كَالتَّدَاوِي بِنَجِسٍ فِيهِ الْخَمْرُ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ الْحَلِيمِيِّ يُبَاحُ اسْتِمَاعُ آلَةِ اللَّهْوِ إذَا نَفَعَتْ مَنْ مَرِضَ: أَيْ لِمَنْ بِهِ ذَلِكَ الْمَرَضُ وَتَعَيَّنَ الشِّفَاءُ فِي سَمَاعِهِ، وَحِكَايَةُ ابْنِ طَاهِرٍ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ الْعُودَ مِنْ جُمْلَةِ كَذِبِهِ وَتَهَوُّرِهِ فَلَا يَحِلُّ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ (لَا يَرَاعٍ) وَهِيَ الشَّبَّابَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِخُلُوِّ جَوْفِهَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا لِرَجُلٍ لَا قَلْبَ لَهُ رَجُلٌ يَرَاعٌ فَلَا يَحْرُمُ (فِي الْأَصَحِّ) لِخَبَرٍ فِيهِ (قُلْت: الْأَصَحُّ تَحْرِيمُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّهُ مُطْرِبٌ بِانْفِرَادِهِ، بَلْ قِيلَ إنَّهُ آلَةٌ كَامِلَةٌ لِجَمِيعِ النَّغَمَاتِ إلَّا يَسِيرًا فَحَرُمَ كَسَائِرِ الْمَزَامِيرِ، وَالْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ فِي شَبَّابَةِ الرَّاعِي مُنْكَرٌ، وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَهُوَ دَلِيلُ التَّحْرِيمِ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَدَّ أُذُنَيْهِ عَنْ سَمَاعِهَا نَاقِلًا لَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ اسْتَخْبَرَ مِنْ نَافِعٍ هَلْ يَسْمَعُهَا فَيَسْتَدِيمُ سَدَّ أُذُنَيْهِ، فَلَمَّا لَمْ يَسْمَعْهَا أَخْبَرَهُ فَتَرَكَ سَدَّهُمَا، فَهُوَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِصْغَاءِ إلَيْهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لَهُ أَتَسْمَعُ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ اسْتَمِعْ، وَلَقَدْ أَطْنَبَ خَطِيبُ الشَّامِ الدَّوْلَعِيُّ فِي تَحْرِيمِهَا وَتَقْرِيرِ أَدِلَّتِهِ وَنَسَبَ مَنْ قَالَ بِحِلِّهَا إلَى الْغَلَطِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعْدُودًا مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّهَا إذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ الدُّفِّ حَرُمَا بِالْإِجْمَاعِ مِمَّنْ يُعْتَدَّ بِهِ وَفِيهِ مَا مَرَّ عَنْ الْإِمَامِ فِي الشِّطْرَنْجِ مَعَ الْقِمَارِ، وَعَنْ الزَّرْكَشِيّ فِي الْغِنَاءِ مَعَ الْآلَةِ، وَمَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ مِنْ أَنَّهُمَا كَانَا يَسْمَعَانِ ذَلِكَ فَكَذِبٌ.
(وَيَجُوزُ دُفٌّ) أَيْ ضَرْبُهُ وَاسْتِمَاعُهُ (لِعُرْسٍ) «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّ جُوَيْرِيَّاتٍ ضَرَبْنَ بِهِ حِينَ بَنَى عَلِيٌّ عَلَى فَاطِمَةَ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُمَا» ، بَلْ قَالَ لِمَنْ قَالَتْ:
وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ
دَعِي هَذَا وَقَوْلِي بِاَلَّتِي كُنْت تَقُولِينَ: أَيْ مِنْ مَدْحِ بَعْضِ الْمَقْتُولِينَ بِبَدْرٍ، وَصَحَّ خَبَرُ «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الضَّرْبُ بِالدُّفِّ» وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ خَبَرَ «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ» وَقَدْ أَخَذَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ نَدْبَهُ فِي الْعُرْسِ وَنَحْوِهِ (وَخِتَانٍ) لِأَنَّ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ يُقِرُّهُ فِيهِ كَالنِّكَاحِ وَيُنْكِرُهُ فِي غَيْرِهِمَا (وَكَذَا غَيْرُهُمَا) مِنْ كُلِّ سُرُورٍ (فِي الْأَصَحِّ) لِخَبَرِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ بَعْضِ مَغَازِيهِ قَالَتْ لَهُ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ: إنِّي نَذَرْت إنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ، فَقَالَ لَهَا: إنْ كُنْت نَذَرْت أَوْفِي بِنَذْرِك» .
وَالثَّانِي الْمَنْعُ، وَمَحِلُّ الْخِلَافِ كَمَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ إذَا لَمْ يَضْرِبْهُ لِنَحْوِ قُدُومِ عَالِمٍ أَوْ سُلْطَانٍ وَيُبَاحُ أَوْ يُسَنُّ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِنَدْبِهِ (وَإِنْ كَانَ فِيهِ جَلَاجِلُ)
[حاشية الشبراملسي]
مَا يَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَرَاءُ الْمَشْهُورُونَ فِي زَمَنِنَا الْمُسَمَّى فِي عُرْفِ الْعَامَّةِ بِالْكَاسَاتِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ الشَّبَّابَةُ) هِيَ الْمُسَمَّاةُ الْآنَ بِالْغَابِ (قَوْلُهُ: فِي الْغِنَاءِ مَعَ الْآلَةِ) أَيْ فَإِذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ الدُّفِّ حَرُمَتْ دُونَهُ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ دُفٌّ) وَهُوَ الْمُسَمَّى الْآنَ بِالطَّارِ (قَوْلُهُ: حِينَ بَنَى) أَيْ دَخَلَ بِهَا (قَوْلُهُ: وَقُولِي بِاَلَّتِي) أَيْ بِالْكَلِمَاتِ الَّتِي (قَوْلُهُ: مِنْ كُلِّ سُرُورٍ) قَدْ يُفْهِمُ تَحْرِيمَهُ لَا لِسَبَبٍ أَصْلًا فَلْيُرَاجَعْ وَلَا بُعْدَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَعِبٌ مُجَرَّدٌ (قَوْلُهُ: لِنَحْوِ قُدُومِ عَالِمٍ) أَيْ وَإِلَّا فَهُوَ جَائِزٌ قَطْعًا،
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَحَلَّ لَهُ اسْتِمَاعُهُ) اُنْظُرْ هَلْ يَحِلُّ لِنَحْوِ الطَّبِيبِ اسْتِعْمَالُهُ حِينَئِذٍ الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ اسْتِمَاعُ الْمَرِيضِ الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ شِفَاؤُهُ (قَوْلُهُ: كَامِلَةً لِجَمِيعِ النَّغَمَاتِ) عِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ: وَافِيَةٌ بِجَمِيعِ النَّغَمَاتِ (قَوْلُهُ: سَدَّ أُذُنَيْهِ) أَيْ وَرَعًا، وَإِلَّا فَقَدْ مَرَّ أَنَّ مُجَرَّدَ السَّمَاعِ لَا يَحْرُمُ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ إشْكَالُ تَقْرِيرِهِ لِسَمَاعٍ نَافِعٍ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ دُفٌّ) بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا (قَوْلُهُ: مِنْ كُلِّ سُرُورٍ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ السُّرُورِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَيُبَاحُ أَوْ يُسَنُّ إلَخْ) مُرَادُهُ بِهِ الدُّخُولُ فِي الْمَتْنِ
لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ، وَدَعْوَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِجَلَاجِلَ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهِ وَهُوَ إمَّا نَحْوُ حِلَقٍ تُجْعَلُ دَاخِلَهُ كَدُفِّ الْعَرَبِ أَوْ صُنُوجٍ عِرَاضٍ مِنْ صُفْرٍ تُجْعَلُ مِنْ خُرُوقِ دَائِرَتِهِ كَدُفِّ الْعَجَمِ، وَقَدْ جَزَمَ بِحِلِّ هَذِهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ، وَمُنَازَعَةُ الْأَذْرَعِيِّ فِيهِ بِأَنَّهُ أَشَدُّ إطْرَابًا مِنْ الْمَلَاهِي الْمُتَّفَقِ عَلَى تَحْرِيمِهَا وَنَقْلُهُ عَنْ جَمْعٍ حُرْمَتَهُ مَرْدُودَةٌ، وَسَوَاءُ ضَرَبَ بِهِ رَجُلٌ أَمْ أُنْثَى، وَتَخْصِيصُ الْحَلِيمِيِّ حِلَّهُ بِالنِّسَاءِ مَرْدُودٌ كَمَا أَفَادَهُ السُّبْكِيُّ (وَيَحْرُمُ ضَرْبُ الْكُوبَةِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَاسْتِمَاعُهُ أَيْضًا (وَهِيَ طَبْلٌ) طَوِيلٌ (ضَيِّقُ الْوَسَطِ) وَاسِعُ الطَّرَفَيْنِ وَمِنْهُ أَيْضًا الْمَوْجُودُ فِي زَمَنِنَا مَا أَحَدُ طَرَفَيْهِ أَوْسَعُ مِنْ الْآخَرِ الَّذِي لَا جِلْدَ عَلَيْهِ لِخَبَرِ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ» أَيْ الْقِمَارَ " وَالْكُوبَةَ " وَلِأَنَّ فِي ضَرْبِهَا تَشْبِيهًا بِالْمُخَنَّثِينَ إذْ لَا يَعْتَادُهَا غَيْرُهُمْ، وَتَفْسِيرُهَا بِذَلِكَ هُوَ الصَّحِيحُ وَإِنْ فَسَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِالنَّرْدِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ حِلُّ مَا سِوَاهَا مِنْ الطُّبُولِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْعِرَاقِيُّونَ تَحْرِيمَ الطُّبُولِ.
وَاعْتَمَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَادَّعَى أَنَّ الْمَوْجُودَ لِأَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ تَحْرِيمُ مَا سِوَى الدُّفِّ مِنْ الطُّبُولِ (لَا الرَّقْصُ) فَلَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ حَرَكَاتٍ عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَاعْوِجَاجٍ وَلِإِقْرَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَبَشَةَ عَلَيْهِ فِي مَسْجِدِهِ يَوْمَ عِيدٍ، وَاسْتِثْنَاءُ بَعْضِهِمْ أَرْبَابَ الْأَحْوَالِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُمْ وَإِنْ كُرِهَ لِغَيْرِهِمْ مَرْدُودٌ كَمَا أَفَادَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَنْ رَوِيَّتِهِمْ فَهُمْ كَغَيْرِهِمْ وَإِلَّا لَمْ يَكُونُوا مُكَلَّفِينَ، وَيَجِبُ طَرْدُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ مَا يُحْكَى عَنْ الصُّوفِيَّةِ مِمَّا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الشَّرْعِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ.
نَعَمْ لَوْ كَثُرَ الرَّقْصُ بِحَيْثُ أَسْقَطَ الْمُرُوءَةَ حَرُمَ عَلَى مَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَكَسُّرٌ كَفِعْلِ الْمُخَنَّثِ) بِكَسْرِ النُّونِ وَهَذَا أَشْهَرُ وَفَتْحِهَا وَهُوَ أَفْصَحُ، فَيَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَهُوَ مَنْ يَتَخَلَّقُ بِخُلُقِ النِّسَاءِ حَرَكَةً وَهَيْئَةً، وَعَلَيْهِ حَمْلُ الْأَحَادِيثِ بِلَعْنِهِ، أَمَّا مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ خِلْقَةً مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَلَا يَأْثَمُ بِهِ.
(وَيُبَاحُ) (قَوْلُ) أَيْ إنْشَاءُ (شِعْرٍ وَإِنْشَادُهُ) وَاسْتِمَاعُهُ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَهُ شُعَرَاءُ يُصْغِي إلَيْهِمْ كَحَسَّانٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَاسْتَنْشَدَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ مِائَةَ بَيْتٍ» : أَيْ لِأَنَّ أَكْثَرَ شِعْرِهِ حِكَمٌ وَأَمْثَالٌ وَتَذْكِيرٌ بِالْبَعْثِ، وَلِهَذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَادَ أَنْ يُسْلِمَ» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ «إنَّ مِنْ الشِّعْرِ لَحِكْمَةٌ» وَاسْتَحَبَّ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْهُ مَا حَذَّرَ عَنْ مَعْصِيَةٍ أَوْ حَثَّ عَلَى طَاعَةٍ (إلَّا أَنْ يَهْجُوَ) فِي شِعْرِهِ مُعَيَّنًا فَيَحْرُمُ وَإِنْ صَدَقَ أَوْ عَرَّضَ بِهِ كَمَا فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَتُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ لِلْإِيذَاءِ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا وَنَحْوَهُ، بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ، وَيُتَّجَهُ إلْحَاقُ الْمُرْتَدِّ بِهِ لَا نَحْوِ زَانٍ مُحْصَنٍ وَغَيْرِ مُتَجَاهِرٍ بِفِسْقٍ وَغَيْرِ مُبْتَدِعٍ بِبِدْعَتِهِ وَإِثْمُ حَاكِيهِ دُونَ إثْمِ مُنْشِئِهِ (أَوْ يُفْحِشُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ:
[حاشية الشبراملسي]
وَيَنْبَغِي أَنَّ مِنْ النَّحْوِ الْمَذْكُورِ مَا حَدَثَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ السُّرُورِ بِالْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَأَلْفٍ فِي رَابِعِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ فَيُضْرَبُ لَهُ بِالدُّفِّ (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ أَيْضًا الْمَوْجُودُ فِي زَمَنِنَا) أَفَادَ التَّعْبِيرُ بِمِنْهُ أَنَّ الْكُوبَةَ لَا يَنْحَصِرُ فِيمَا سُدَّ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِالْجِلْدِ دُونَ الْآخَرِ بَلْ هِيَ شَامِلَةٌ لِذَلِكَ وَمَا لَوْ سُدَّ طَرَفَاهُ مَعًا.
(قَوْلُهُ: حَلَّ مَا سِوَاهُ مِنْ الطُّبُولِ) دَخَلَ فِيهِ مَا يَضْرِبُ بِهِ الْفُقَرَاءُ وَيُسَمُّونَهُ طَبْلُ الْبَازِ وَمِثْلُهُ طَبْلَةُ الْمُسَحِّرِ فَهُمَا جَائِزَانِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كُرِهَ لِغَيْرِهِمْ) عِبَارَةُ حَجّ بَدَلُ قَوْلِهِ وَإِنْ كُرِهَ إلَخْ وَإِنْ قُلْنَا بِكَرَاهَتِهِ الَّتِي جَرَى عَلَيْهَا جَمْعٌ وَهِيَ وَاضِحَةٌ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَلَا يَنْتَظِمُ بِظَاهِرِهِ مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلًا فَلَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ) أَيْ لَكِنْ تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَفْصَحُ) قَدْ يَتَوَقَّفُ فِي كَوْنِهِ أَفْصَحَ بَلْ فِي صِحَّتِهِ مَعَ تَفْسِيرِهِ بِالْمُتَشَبِّهِ بِالنِّسَاءِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَعَيُّنَ الْكَسْرِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ فِي تَوْجِيهٍ الْفَتْحُ: إنَّ غَيْرَ الْفَاعِلِ يُشْبِهُ الْفَاعِلَ بِالنِّسَاءِ فَيَصِيرُ مَعْنَاهُ مُشَبَّهًا بِالنِّسَاءِ (قَوْلُهُ وَهَيْئَةً) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ (قَوْلُهُ: وَاسْتَنْشَدَ) أَيْ طَلَبَ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنْ يُذَكِّرَهُ (قَوْلُهُ كَادَ أَنْ يُسْلِمَ) أَيْ أُمَيَّةُ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَهْجُوَ فِي شِعْرِهِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ (قَوْلُهُ: لَا نَحْوَ زَانٍ مُحْصَنٍ) أَيْ فَلَا يَلْحَقُ بِالْحَرْبِيِّ (قَوْلُهُ: دُونَ إثْمِ مُنْشِئِهِ) إلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُذِيعُ لَهُ فَيَكُونُ إثْمُهُ أَشَدَّ اهـ حَجّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ مُعَيَّنًا) اُنْظُرْ هَلْ مِنْهُ هَجْوُ أَهْلِ قَرْيَةٍ أَوْ بَلْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ (قَوْلُهُ: مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا) وَصْفَانِ لِ مُعَيَّنًا (قَوْلُهُ: وَغَيْرِ مُبْتَدِعٍ بِبِدْعَتِهِ)
أَيْ يُجَاوِزُ الْحَدَّ لِأَنَّ فِي الْإِطْرَاءِ فِي الْمَدْحِ وَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فَيَحْرُمُ أَيْضًا لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ كَذِبًا، وَتُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ حَيْثُ أَكْثَرَ مِنْهُ (أَوْ يُعَرِّضُ بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ) بِأَنْ يَذْكُرَ صِفَاتِهَا مِنْ نَحْوِ حُسْنٍ وَطُولٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَحْرُمُ أَيْضًا، وَتُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيذَاءِ أَوْ هَتْكِ السَّتْرِ إذَا وَصَفَ الْأَعْضَاءَ الْبَاطِنَةَ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ حَلِيلَتِهِ بِمَا مِنْ حَقِّهِ الْإِخْفَاءُ كُرِهَ وَرُدَّتْ بِهِ شَهَادَتُهُ أَيْضًا، وَمِثْلُ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ الْأَمْرَدُ، وَخَرَجَ بِالْمُعَيَّنَةِ غَيْرُهَا فَلَا إثْمَ فِيهِ لِأَنَّ غَرَضَ الشَّاعِرِ تَحْسِينُ صَنْعَتِهِ لَا تَحْقِيقُ الْمَذْكُورِ فِيهِ.
نَعَمْ يَقَعُ لِبَعْضِ فَسَقَةِ الشُّعَرَاءِ نَصْبُ قَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى التَّعْيِينِ وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُعَيَّنِ (وَالْمُرُوءَةُ تَخَلُّقٌ بِخُلُقِ أَمْثَالِهِ فِي زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ) لِاخْتِلَافِ الْعُرْفِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ غَالِبًا بِخِلَافِ الْعَدَالَةِ فَإِنَّهَا مَلَكَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ لَا تَتَغَيَّرُ بِعُرُوضِ مُنَافٍ لَهَا، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ تَخَلُّقُهُ بِخُلُقِ أَمْثَالِهِ الْمُبَاحَةِ غَيْرِ الْمُزْرِيَةِ فَلَا نَظَرَ لِحَلْقِ القلندرية اللِّحَاءَ وَنَحْوَهَا (فَالْأَكْلُ فِي سُوقٍ وَالْمَشْيُ) فِيهِ (مَكْشُوفَ الرَّأْسِ) أَوْ الْبَدَنِ غَيْرِ الْعَوْرَةِ أَوْ كَشْفُ ذَلِكَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَمْشِ وَكَانَ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ يُسْقِطُهَا لِخَبَرِ «الْأَكْلُ فِي السُّوقِ دَنَاءَةٌ» وَقِيسَ بِهِ الشُّرْبُ إلَّا إنْ صَدَقَ جُوعُهُ أَوْ عَطَشُهُ.
نَعَمْ لَوْ أَكَلَ دَاخِلَ حَانُوتٍ مُسْتَتِرًا بِحَيْثُ لَا يَنْظُرُهُ غَيْرُهُ وَهُوَ مِمَّنْ يَلِيقُ بِهِ، أَوْ كَانَ صَائِمًا وَقَصَدَ الْمُبَادَرَةَ لِسُنَّةِ الْفِطْرِ اُتُّجِهَ عُذْرُهُ حِينَئِذٍ.
(وَقُبْلَةُ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ) فِي نَحْوِ فَمِهَا لَا رَأْسِهَا وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى نَحْوِ صَدْرِهَا (بِحَضْرَةِ النَّاسِ) أَوْ أَجْنَبِيٍّ يُسْقِطُهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ بِحَضْرَةِ جَوَارِيهِ أَوْ زَوْجَاتِهِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ تَقْبِيلَهَا لَيْلَةَ جَلَائِهَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ أَوْ الْأَجْنَبِيَّاتِ يُسْقِطُهَا لِدَلَالَتِهِ عَلَى الدَّنَاءَةِ وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ الْبُلْقِينِيُّ (وَإِكْثَارُ حِكَايَاتٍ مُضْحِكَةٍ) لِلْحَاضِرِينَ أَوْ فِعْلُ خَيَالَاتٍ كَذَلِكَ بِحَيْثُ يَصِيرُ ذَلِكَ عَادَةً لَهُ يُسْقِطُهَا لِخَبَرِ «مَنْ تَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ يُضْحِكُ بِهَا جُلَسَاءَهُ يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» وَتَقْيِيدُهُ الْإِكْثَارَ بِهَذَا يُفْهِمُ عَدَمَ اعْتِبَارِهِ فِيمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ اعْتِبَارُ ذَلِكَ فِي الْكُلِّ إلَّا فِي نَحْوِ قُبْلَةِ حَلِيلَتِهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ فِي طَرِيقٍ مَثَلًا فَلَا يُعْتَبَرُ تَكَرُّرُهُ، وَاعْتُرِضَ بِتَقْبِيلِ ابْنِ عُمَرَ الْأَمَةَ الَّتِي خَرَجَتْ لَهُ مِنْ السَّبْيِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فَلَا يُعْتَرَضُ بِفِعْلِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْحُرْمَةِ حَتَّى يُسْتَدَلَّ بِسُكُوتِ الْبَاقِينَ عَلَيْهَا بَلْ فِي سُقُوطِ الْمُرُوءَةِ وَسُكُوتُهُمْ لَا دَخْلَ لَهُ فِيهِ، عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَهُ لِيُبَيِّنَ حِلَّ التَّمَتُّعِ بِالْمَسْبِيَّةِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ فَهِيَ وَاقِعَةُ حَالٍ فِعْلِيَّةٌ مُحْتَمَلَةٌ فَلَا دَلِيلَ فِيهَا أَصْلًا
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: أَيْ يُجَاوِزُ الْحَدَّ فِي الْإِطْرَاءِ) مُبَالَغَةٌ.
(قَوْلُهُ: كُرِهَ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ تَتَأَذَّ بِإِظْهَارِهِ وَإِلَّا حَرُمَ (قَوْلُهُ: وَالْمُرُوءَةُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَبِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ مَعَ إبْدَالِهَا وَاوًا مَلِكَةٌ إنْسَانِيَّةٌ إلَخْ اهـ تِلْمِسَانِيٌّ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: وَالْمُرُوءَةُ آدَابٌ نَفْسَانِيَّةٌ تَحْمِلُ مُرَاعَاتُهَا الْإِنْسَانَ عَلَى الْوُقُوفِ عِنْدَ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ وَجَمِيلِ الْعَادَاتِ، يُقَالُ: مَرُؤَ الْإِنْسَانُ فَهُوَ مَرِيءٌ مِثْلَ قَرُبَ فَهُوَ قَرِيبٌ، وَقَوْلُ التِّلْمِسَانِيِّ وَكَسَرَهَا لَعَلَّهُ وَضَمَّهَا (قَوْلُهُ: وَنَحْوهَا) أَيْ فَإِنَّ فِعْلَهُ يُسْقِطُ الْمُرُوءَةَ (قَوْلُهُ: وَقِيسَ بِهِ الشُّرْبُ) يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ شُرْبِ الْقَهْوَةِ وَالدُّخَانِ فِي بُيُوتِهَا أَوْ عَلَى مَسَاطِبِهَا يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَعَاطِي لِذَلِكَ مِنْ السُّوقَةِ الَّذِينَ لَا يَحْتَشِمُونَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ لَا يَنْظُرُ غَيْرُهُ) أَيْ مِنْ الْمَارِّينَ.
أَمَّا لَوْ نَظَرَهُ مَنْ دَخَلَ لِيَأْكُلَ أَيْضًا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُخِلَّ بِالْمُرُوءَةِ (قَوْلُهُ: وَوَضْعُ يَدِهِ) عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: بِحَضْرَةِ النَّاسِ) أَيْ وَلَوْ مِنْ مَحَارِمَ لَهَا أَوْ لَهُ (قَوْلُهُ: يُضْحِكُ بِهَا) أَيْ يَقْصِدُ ذَلِكَ سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ لِجَلْبِ دُنْيَا تَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْحَاضِرِينَ أَوْ مُجَرَّدِ الْمُبَاسَطَةِ (قَوْلُهُ: فَلَا يُعْتَبَرُ تَكَرُّرُهُ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ بَلْ مَتَى وُجِدَ خَارِمُهَا كَفَى فِي رَدِّهَا وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ بِنَاءً عَلَى مَا فَهِمَهُ سم عَلَى حَجّ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُ ثَمَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: إنَّمَا فَعَلَهُ لِيُبَيِّنَ حِلَّ التَّمَتُّعِ)
[حاشية الرشيدي]
دَخَلَ فِيهِ غَيْرُ الْمُبْتَدِعِ وَالْمُبْتَدِعُ بِغَيْرِ بِدْعَتِهِ، أَمَّا هَجْوُهُ بِبِدْعَتِهِ فَلَا يَحْرُمُ (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ لَا يَنْظُرُهُ غَيْرُهُ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْغَيْرِ مَنْ هُوَ خَارِجَ الْحَانُوتِ كَمَا بَحَثَهُ الشَّيْخُ.
(قَوْلُهُ: لِخَبَرِ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ يُضْحِكُ بِهَا جُلَسَاءَهُ إلَخْ) فِي
(وَلُبْسُ فَقِيهٍ قَبَاءً وَقَلَنْسُوَةً) وَهِيَ مَا يُلْبَسُ عَلَى الرَّأْسِ وَحْدَهُ وَتَاجِرٍ ثَوْبَ نَحْوِ حَمَّارٍ وَتُرَابٍ وَهَذَا ثَوْبَ نَحْوِ عَالِمٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا يُفْعَلُ (حَيْثُ) أَيْ بِمَحَلٍّ (لَا يُعْتَادُ) مِثْلُهُ فِيهِ (وَإِكْبَابٌ عَلَى لَعِبِ الشِّطْرَنْجِ) أَوْ فِعْلِهِ بِنَحْوِ طَرِيقٍ وَإِنْ قَلَّ (أَوْ) عَلَى (غِنَاءٍ أَوْ) عَلَى (سَمَاعِهِ) أَيْ اسْتِمَاعِهِ أَوْ اتِّخَاذ أَمَةٍ وَامْرَأَةٍ لِتُغْنِيَ لِلنَّاسِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ إكْبَابٍ (وَإِدَامَةُ رَقْصٍ) مِمَّنْ يَلِيقُ بِهِ.
أَمَّا غَيْرُهُ فَيُسْقِطُهَا مِنْهُ مَرَّةً كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ وَالْأَمْرُ إلَى آخِرِهِ وَمَدُّ الرِّجْلِ بِحَضْرَةِ مَنْ يَحْتَشِمَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ (يُسْقِطُهَا) لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ كُلِّهِ لَهَا، وَمَا بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّ اتِّخَاذَ الْآدَمِيِّينَ الْغِنَاءَ الْمُبَاحَ حِرْفَةً لَا يُسْقِطُهَا إذَا لَاقَ بِهِ رَدَّهُ الزَّرْكَشِيُّ بِنَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى رَدِّ شَهَادَتِهِ بِهَا وَجَرَى عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ لِأَنَّهُ حِرْفَةٌ دَنِيئَةٌ وَيَعُدُّ الْعُرْفُ فَاعِلَهَا مِمَّنْ لَا حَيَاءَ لَهُ.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَاوَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى أَوْ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَعَاطِي خَارِمِ الْمُرُوءَةِ عَلَى أَوْجُهٍ: أَوْجَهُهَا حُرْمَتُهُ إنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا رَدُّ شَهَادَةٍ تَعَلَّقَتْ بِهِ، وَقَصَدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّسَبُّبُ فِي إسْقَاطِ مَا تَحَمَّلَهُ وَصَارَ أَمَانَةً عِنْدَهُ لِغَيْرِهِ وَإِلَّا فَلَا (وَالْأَمْرُ فِيهِ) أَيْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ (يَخْتَلِفُ بِا) اخْتِلَافِ (الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَمَاكِنِ) فَمَدَارُ جَمِيعِ ذَلِكَ عَلَى الْعُرْفِ كَمَا مَرَّ، إذْ قَدْ يُسْتَقْبَحُ مِنْ شَخْصٍ وَفِي حَالٍ أَوْ مَكَان مَا لَا يُسْتَقْبَحُ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ فِيهِ (وَحِرْفَةٌ دَنِيئَةٌ) بِالْهَمْزِ (كَحِجَامَةٍ وَكَنْسٍ وَدَبْغٍ) وَحِرَاسَةٍ وَحِيَاكَةٍ وَجِزَارَةٍ وَكُنَاسَةِ حَمَّامٍ (مِمَّنْ لَا يَلِيقُ) عَادَةً (بِهِ يُسْقِطُهَا) لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ (فَإِنْ اعْتَادَهَا) أَيْ لَاقَتْ بِهِ (وَكَانَتْ) مُبَاحَةً سَوَاءٌ أَكَانَتْ (حِرْفَةَ أَبِيهِ) أَمْ لَمْ تَكُنْ كَمَا رَجَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ فَذَكَرَهُ هُنَا لِأَنَّ الْغَالِبَ كَوْنُ الْوَلَدِ يَتْبَعُ حِرْفَةَ أَبِيهِ (فَلَا) يُسْقِطُهَا (فِي الْأَصَحِّ) لِانْتِفَاءِ تَعَيُّرِهِ بِذَلِكَ.
وَالثَّانِي نَعَمْ لِمَا مَرَّ.
أَمَّا ذُو حِرْفَةٍ مُحَرَّمَةٍ كَمُصَوِّرٍ وَمُنَجِّمٍ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مُطْلَقًا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى التَّكَسُّبُ بِالشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّ شَرِكَةَ الْأَبَدَانِ بَاطِلَةٌ فَتَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ لَا سِيَّمَا إذَا مَنَعْنَا أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى التَّحَمُّلِ أَوْ كَانَ يَأْخُذُ وَلَا يَكْتُبُ إذْ نُفُوسُ شُرَكَائِهِ لَا تَطِيبُ بِذَلِكَ.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَأَسْلَمُ طَرِيقٍ فِيهِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْوَرَقَ شَرِكَةً وَيَكْتُبَ وَيَقْسِمَ لِكُلٍّ عَلَى قَدْرِ مَا يَخُصُّهُ مِنْ ثَمَنِ الْوَرَقِ فَإِنَّ الشَّرِكَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّسَاوِي فِي الْعَمَلِ انْتَهَى.
وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى (وَالتُّهَمَةُ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فِي الشَّاهِدِ (أَنْ يَجُرَّ) بِشَهَادَتِهِ (إلَيْهِ) أَوْ إلَى مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ (نَفْعًا أَوْ يَدْفَعَ) بِهَا (عَنْهُ) أَوْ عَمَّنْ ذُكِرَ (ضَرًّا) وَحُدُوثُهَا قَبْلَ الْحُكْمِ مُضِرٌّ لَا بَعْدَهُ، فَلَوْ شَهِدَ لِأَخِيهِ بِمَالٍ فَمَاتَ وَوَرِثَهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَخَذَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ بِقَتْلِ فُلَانٍ لِأَخِيهِ الَّذِي لَهُ ابْنٌ ثُمَّ مَاتَ وَوَرِثَهُ فَإِنْ صَارَ وَارِثَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يُنْقَضْ أَوْ قَبْلَهُ امْتَنَعَ الْحُكْمُ (فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِعَبْدِهِ) أَيْ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرِهِ، وَتَقْيِيدُ الْأَصْلِ لَهُ بِالْأَوَّلِ مِثَالٌ إذْ مَا يَشْهَدُ بِهِ يَكُونُ لَهُ.
وَقَضِيَّتُهُ قَبُولُهُ لَهُ بِأَنَّ فُلَانًا قَذَفَهُ وَهُوَ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ أَوْ يُقَالُ غَرَضُهُ إغَاظَةُ الْكُفَّارِ وَإِظْهَارُ ذُلِّهِمْ.
(قَوْلُهُ: وَلُبْسُ فَقِيهٍ قَبَاءً) أَيْ مَلُوطَةً (قَوْلُهُ: وَهِيَ مَا يُلْبَسُ عَلَى الرَّأْسِ وَحْدَهُ) بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْهَا هُنَا، وَإِلَّا فَمُسَمَّاهَا لَا يَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ بَلْ يَشْمَلُ مَا لَوْ لَبِسَهَا وَلَفَّ عَلَيْهَا عِمَامَةً (قَوْلُهُ: مَنْ يَحْتَشِمَهُ) أَيْ الْمَادُّ بِحَسَبِ الْعَادَةِ (قَوْلُهُ: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ فَالْأَكْلُ فِي سُوقٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَحِرْفَةٌ دَنِيئَةٌ) أَيْ مُبَاحَةٌ لِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ أَمَّا ذُو حِرْفَةٍ مُحَرَّمَةٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَكُنَاسَةٍ) بِضَمِّ الْكَافِ.
قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ (قَوْلُهُ: مِمَّنْ لَا يَلِيقُ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ حِرْفَةَ أَبِيهِ أَمْ لَا اعْتَادَ مِثْلُهُ فِعْلَهَا أَوْ لَا (قَوْلُهُ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: ثُمَّ مَاتَ) أَيْ الِابْنُ (قَوْلُهُ: إذْ مَا يَشْهَدُ بِهِ) أَيْ قَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ
[حاشية الرشيدي]
الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا نَظَرٌ ظَاهِرٌ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْغَيْرِ بِبَاطِلٍ يُضْحِكُ أَعْدَاءَهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مِنْ غَيْرِ إكْبَابٍ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْغَايَةَ، وَالْإِكْبَابُ وَنَفْيُهُ إنَّمَا يَكُونَانِ فِي فِعْلٍ يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ وَالِاتِّخَاذُ لَا يَحْسُنُ وَصْفُهُ بِذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَكُنَاسَةِ) هَذَا يُغْنِي عَنْهُ مَا فِي الْمَتْنِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَقُمَامَةِ حَمَّامٍ (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَلَا) أَيْ وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُهُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهِ بِطَرِيقِهِ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ فُلَانًا قَذَفَهُ) هَلْ مِثْلُهُ أَنَّهُ ضَرَبَهُ مَثَلًا إذَا لَمْ يُوجِبْ مَالًا
كَذَلِكَ كَمَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ (وَمُكَاتَبِهِ) لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فَلَهُ عُلْقَةُ بِمَالِهِ بِدَلِيلِ مَنْعِهِ لَهُ مِنْ بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ وَلِأَنَّهُ بِصَدَدِ الْعَوْدِ إلَيْهِ بِعَجْزٍ أَوْ تَعْجِيزٍ وَشَرِيكُهُ فِي الْمُشْتَرَكِ حَيْثُ قَالَ لَنَا أَوْ بَيْنَنَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِي وَلِزَيْدٍ فَتَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ لِزَيْدٍ لَا لَهُ، نَعَمْ يُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَعُودَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا ثَبَتَ لِزَيْدٍ كَوَارِثَيْنِ لَمْ يَقْبِضَا فَإِنَّ مَا ثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا يُشَارِكُهُ فِيهِ صَاحِبُهُ (وَغَرِيمٍ لَهُ مَيِّتٍ) وَإِنْ لَمْ تَسْتَغْرِقْ تَرِكَتَهُ الدُّيُونُ أَوْ مُرْتَدٍّ كَمَا بَحَثَهُ الْعِرَاقِيُّ (أَوْ عَلَيْهِ حَجْرُ فَلَسٍ) لِأَنَّهُ إذَا أَثْبَتَ لِلْغَرِيمِ شَيْئًا أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ الْمُطَالَبَةَ بِهِ.
أَمَّا إذَا لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فَتُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِذِمَّتِهِ (وَبِمَا) مُرَادُهُ فِيمَا الَّذِي بِأَصْلِهِ (هُوَ وَكِيلٌ) أَوْ صَبِيٌّ أَوْ قَيِّمٌ (فِيهِ) لِأَنَّهُ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ سَلْطَنَةَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ لِمُوَكِّلِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مُتَعَلِّقٍ بِهِ كَعَقْدٍ صَدَرَ مِنْهُ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْ مُودِعٍ لِمُودِعِهِ وَمُرْتَهِنٍ لِرَاهِنِهِ لِتُهْمَةِ بَقَاءِ يَدِهِمَا فَإِنْ عَزَلَ الْوَكِيلُ نَفْسَهُ وَلَمْ يَخُضْ فِي الْخُصُومَةِ قُبِلَتْ أَوْ بَعْدَهَا فَلَا وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ.
أَمَّا مَا لَيْسَ وَكِيلًا أَوْ وَصِيًّا أَوْ قَيِّمًا فِيهِ فَتُقْبَلُ.
نَعَمْ لَوْ وُجِدَا مُتَصَاحِبَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ قُبِلَتْ عَلَيْهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ أَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَادَّعَى أَجْنَبِيٌّ الْمَبِيعَ وَلَمْ تُعْرَفْ وَكَالَتُهُ فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ لِمُوَكِّلِهِ بِأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ كَذَا أَوْ بِأَنَّ هَذَا مِلْكُهُ حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِهِ وَكِيلًا، وَيَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ بَاطِنًا لِأَنَّ فِيهِ تَوَصُّلًا لِلْحَقِّ بِطَرِيقٍ مُبَاحٍ، وَتَوَقُّفُ الْأَذْرَعِيِّ فِيهِ بِأَنَّهُ يَحْمِلُ الْحَاكِمَ عَلَى حُكْمٍ لَوْ عَرَفَ حَقِيقَتَهُ لَمْ يَفْعَلْهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِذَلِكَ، لِأَنَّ الْغَرَضَ وُصُولُ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ، بَلْ صَرَّحَ جَمْعٌ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى وَكِيلٍ طَلَاقٌ أَنْكَرَهُ مُوَكِّلُهُ أَنْ يَشْهَدَ حِسْبَةٌ بِأَنَّ زَوْجَةَ هَذَا مُطَلَّقَةٌ، وَيُؤَيِّدُ الْجَوَازَ مَا مَرَّ فِي الْحَوَالَةِ نَظِيرُهُ فِيمَنْ لَهُ دَيْنٌ عَجَزَ عَنْ إثْبَاتِهِ فَاقْتَرَضَ مِنْ آخَرَ قَدْرَهُ وَأَحَالَهُ بِهِ وَشَهِدَ لَهُ فَيَحْلِفُ مَعَهُ إنْ صَدَّقَهُ فِي أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الدَّيْنَ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ شَهَادَةُ حَاكِمٍ مَعْزُولٍ بِحُكْمِهِ بِصِيغَةِ أَشْهَدُ عَلَى حَاكِمٍ جَائِزِ الْحُكْمِ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ كَمَا مَرَّ (وَبِبَرَاءَةِ مَنْ ضَمِنَهُ) الشَّاهِدُ أَوْ أَصْلُهُ أَوْ فَرْعُهُ أَوْ رَقِيقُهُ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِهَا الْغُرْمَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَاحْتِمَالُ الْعِبَارَةِ شَهَادَةَ الْأَصِيلِ بِبَرَاءَةِ مَنْ ضَمِنَهُ مَعَ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ لِانْتِفَاءِ تُهْمَتِهِ فِيهَا غَيْرُ مُرَادٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، نَعَمْ قَوْلُ أَصْلِهِ وَالضَّامِنُ لِلْأَصِيلِ بِالْإِبْرَاءِ أَوْ الْأَدَاءِ أَصْرَحُ (وَبِجِرَاحَةِ مُوَرِّثِهِ) غَيْرُ بَعْضِهِ عِنْدَهَا (قَبْلَ انْدِمَالِهَا) وَإِنْ انْدَمَلَ بَعْدَهَا لِلتُّهْمَةِ فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ أَخَذَ الْأَرْشَ فَكَأَنَّهُ شَهِدَ لِنَفْسِهِ وَشَمِلَ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ أَرْشَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ وَدَخَلَ فِي كَوْنِهِ مَوْرُوثًا عِنْدَ شَهَادَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ مَا لَوْ شَهِدَ بِذَلِكَ أَخُ الْجَرِيحِ وَهُوَ وَارِثٌ لَهُ ثُمَّ وُلِدَ لِلْجَرِيحِ ابْنٌ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَخَرَجَ بِهِ مَا لَوْ شَهِدَ بِذَلِكَ وَلِلْجَرِيحِ ابْنٌ ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، ثُمَّ إنْ صَارَ وَارِثًا وَقَدْ حُكِمَ بِشَهَادَتِهِ لَمْ يُنْقَضْ كَمَا لَوْ طَرَأَ الْفِسْقُ أَوَّلًا فَلَا يُحْكَمُ بِهَا.
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: فَتَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ لِزَيْدٍ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ وَلِزَيْدٍ فَقَدْ جَعَلَهَا شَهَادَتَيْنِ، بِخِلَافٍ بَيْنَنَا أَوْ لَنَا فَهِيَ شَهَادَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُمْكِنُ تَبْعِيضُهَا، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا مَا لَوْ قَالَ فِي يَمِينِهِ لَا أَلْبَسُ هَذَيْنِ فَهِيَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، بِخِلَافِ لَا أَلْبَسُ هَذَا وَلَا هَذَا فَإِنَّهُمَا يَمِينَانِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ وُجِدَا) أَيْ مَنْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ.
(قَوْلُهُ: قُبِلَتْ عَلَيْهِ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ مَضَى لَهُمَا عَلَى ذَلِكَ سَنَةٌ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي وَكَذَا مِنْ الْعَدَاوَةِ كَمَا رَجَّحَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ (قَوْلُهُ: فَيَحْلِفُ مَعَهُ إنْ صَدَّقَهُ) يُتَأَمَّلُ إقْدَامُ الْمُقْرِضِ عَلَى الْحَلِفِ بِمُجَرَّدِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: مُرَادُهُ فِيمَا) إنَّمَا فَسَّرَهُ بِهَذَا لِشُمُولِهِ لِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ الشَّهَادَةُ بِنَفْسِ الْمَالِ بَلْ بِشَيْءٍ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ بِشَيْءٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى بِهِ وَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ قَوْلِهِ لِمُوَكِّلِهِ (قَوْلُهُ نَعَمْ لَوْ وُجِدَا مُتَصَاحِبَيْنِ) يُتَأَمَّلُ (قَوْلُهُ: وَتَوَقَّفَ الْأَذْرَعِيُّ) أَيْ فِي الْحِلِّ بَاطِنًا وَإِلَّا فَهُوَ قَائِلٌ بِالصِّحَّةِ بَلْ رَدَّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهَا وَشَنَّعَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَيُؤَيِّدُ الْجَوَازَ مَا مَرَّ إلَخْ) هَذَا إنَّمَا ذَكَرُوهُ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ فَلَا تَأْيِيدَ فِيهِ لِجَوَازِهَا الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ (قَوْلُهُ: نَظِيرُهُ) هُوَ بَدَلٌ مِنْ مَا فِي قَوْلِهِ مَا مَرَّ أَوْ حَالٌ مِنْهُ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَهُوَ عَلَى الْأَوَّلِ وَالْآخَرُ مَرْفُوعٌ، وَعَلَى الثَّانِي مَنْصُوبٌ وَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ لِلْمُؤَيَّدِ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلَ مَا مَرَّ لِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنَّ الْمَارَّ فِي الْحَوَالَةِ نَظِيرُ الْمُؤَيِّدِ بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ لَا نَفْسُهُ
وَخَرَجَ بِقَبْلِ الِانْدِمَالِ شَهَادَتُهُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ فَمَقْبُولَةٌ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَلَوْ كَانَ الْجَرِيحُ عَبْدًا ثُمَّ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ بَعْدَ الْجُرْحِ وَادَّعَى بِهِ عَلَى الْجَارِحِ وَأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِإِرْثِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ فَشَهِدَ لَهُ وَارِثُ الْجَرِيحِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لِعَدَمِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلرَّدِّ
(وَلَوْ شَهِدَ لِمُوَرِّثٍ لَهُ مَرِيضٍ أَوْ جَرِيحٍ بِمَالٍ قَبْلَ الِانْدِمَالِ قُبِلَتْ فِي الْأَصَحِّ) لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ إذْ شَهَادَتُهُ لَا تَجُرُّ لَهُ نَفْعًا، وَكَوْنُهُ إذَا ثَبَتَ لِمُوَرِّثِهِ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بَعْدُ بِسَبَبٍ آخَرَ لَا يُؤَثِّرُ.
وَالثَّانِي قَالَ لَا كَالْجِرَاحَةِ، وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْجِرَاحَةَ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ النَّاقِلِ لِلْحَقِّ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَالِ، وَبَعْدَ الِانْدِمَالِ تُقْبَلُ قَطْعًا لِانْتِفَاءِ مَا ذُكِرَ
(وَتُرَدُّ شَهَادَةُ عَاقِلِهِ بِفِسْقِ شُهُودِ قَتْلٍ) يَحْمِلُونَهُ كَمَا قَيَّدَهُ بِذَلِكَ فِي دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَأَعَادَهَا هُنَا وَمَا قَبْلَهَا مُعَوِّلًا فِي حَذْفِ قَيْدِهَا الْمَذْكُورِ عَلَى مَا قَدَّمَهُ فَذِكْرُهُ ذَلِكَ هُنَا مِثَالٌ لِلتُّهْمَةِ فَلَا تَكْرَارَ
(وَ) تُرَدُّ شَهَادَةُ (غُرَمَاءِ مُفْلِسٍ) حُجِرَ عَلَيْهِ (بِفِسْقِ شُهُودِ دَيْنٍ آخَرَ) ظَهَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ بِهَا ضَرَرَ مُزَاحَمَتِهِ لَهُمْ، وَمَا أَخَذَهُ الْبُلْقِينِيُّ مِنْهُ وَهُوَ قَبُولُ شَهَادَةِ غَرِيمٍ لَهُمْ رَهْنٌ يَفِي بِدَيْنِهِ وَلَا مَالَ لِلْمُفْلِسِ غَيْرَهُ أَوْ لَهُ مَالٌ وَيَقْطَعُ بِأَنَّ الرَّهْنَ يُوفِي الدَّيْنَ الْمَرْهُونَ بِهِ يُتَّجَهُ خِلَافُهُ لِأَنَّ فِيهَا مَعَ ذَلِكَ نَفْعًا بِتَقْدِيرِ خُرُوجِ الرَّهْنِ مُسْتَحَقًّا وَهُوَ لَا مَالَ لَهُ فِي الْأَوْلَى، وَلَوْ شَهِدَ مَدِينٌ بِمَوْتِ دَائِنِهِ قُبِلَ وَإِنْ تَضَمَّنَتْ نَقْلَ مَا عَلَيْهِ لِوَارِثِهِ لِأَنَّهُ خَلِيفَتُهُ وَتُقْبَلُ مِنْ فَقِيرٍ بِوَصِيَّةٍ أَوْ وَقْفٍ لِفُقَرَاءَ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِحَصْرِهِمْ وَلِلْوَصِيِّ إعْطَاؤُهُ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَخَالَفَهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ حَيْثُ انْحَصَرُوا وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِحَصْرِهِمْ وَهُوَ الْأَقْرَبُ لِتُهْمَةِ اسْتِحْقَاقِهِ (وَلَوْ شَهِدَ الِاثْنَيْنِ بِوَصِيَّةٍ) مَثَلًا (فَشَهِدَا) أَيْ الِاثْنَانِ الْمَشْهُودُ لَهُمَا (لِلشَّاهِدَيْنِ بِوَصِيَّةٍ مِنْ تِلْكَ التَّرِكَةِ) وَلَوْ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ ادَّعَى كُلٌّ نِصْفَهَا (قُبِلَتْ الشَّهَادَتَانِ فِي الْأَصَحِّ) لِانْفِصَالِ كُلِّ شَهَادَةٍ عَنْ الْأُخْرَى مَعَ أَصْلِ عَدَمِ الْمُوَاطَأَةِ الْمَانِعِ مِنْهَا عَدَالَتُهُمَا، وَأُخِذَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ بِيَدِ اثْنَيْنِ عَيْنٌ وَادَّعَاهَا ثَالِثٌ فَشَهِدَ كُلٌّ لِلْآخَرِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمُدَّعِي قُبِلَ، إذْ لَا يَدَ لِكُلٍّ عَلَى مَا ادَّعَى بِهِ عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى تَدْفَعَ شَهَادَتُهُ الضَّمَانَ عَنْ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَشَهِدَ بِهِ الْآخَرُ.
وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِتُهْمَةِ الْمُوَاطَأَةِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِ الْقَافِلَةِ لِبَعْضٍ عَلَى الْقُطَّاعِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ أَخَذَ مَالَنَا أَوْ نَحْوَهُ، وَشَهَادَةُ غَاصِبٍ بَعْدَ الرَّدِّ وَالتَّوْبَةِ بِمَا غَصَبَهُ لِأَجْنَبِيٍّ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ: بَعْدَ الرَّدِّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَدِّ الْعَيْنِ وَبَدَلِ مَنَافِعِهَا لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ تَوْبَتِهِ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا إذَا بَقِيَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِاتِّهَامِهِ بِدَفْعِ الضَّمَانِ لَهُ عَنْهُ كَمَا تَقَرَّرَ.
وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمَرْدُودَ بَعْدَ أَنْ جَنَى فِي يَدِ الْغَاصِبِ جِنَايَةً مَضْمُونَةً كَالتَّالِفِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا تُقْبَلُ مِنْ مُشْتَرٍ شِرَاءً صَحِيحًا لِبَائِعٍ بِالْمَبِيعِ إنْ فَسَخَ الْبَيْعَ كَأَنْ رَدَّ عَلَيْهِ
[حاشية الشبراملسي]
التَّصْدِيقِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إثْبَاتِ الْحَقِّ لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ تَحَقُّقٍ
(قَوْلُهُ: عِنْدَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ) أَفْهَمَ أَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْ رَدِّ مَا ظَلَمَ بِهِ صِحَّةَ تَوْبَتِهِ وَمَحَلُّهُ حَيْثُ كَانَ فِي عَزْمِهِ الرَّدُّ مَتَى قَدَرَ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمَرْدُودَ) أَيْ الرَّقِيقَ الْمَرْدُودَ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ)
[حاشية الرشيدي]
وَلَيْسَ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ: يَفِي بِدَيْنِهِ) لَعَلَّهُ سَقَطَ قَبْلَهُ لَفْظُ لَا النَّافِيَةِ مِنْ الْكَتَبَةِ، إذْ لَا يَصِحُّ التَّصْوِيرُ إلَّا بِهَا، وَلِيُلَاقِيَهُ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي وَتَبَيَّنَ مَالٌ لَهُ فِي الْأَوْلَى، وَحَاصِلُ الْمُرَادِ أَنَّ الْبُلْقِينِيَّ أَخَذَ مِنْ التُّهْمَةِ بِدَفْعِ ضَرَرِ الْمُزَاحَمَةِ أَنَّهُ لَوْ انْتَفَى ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ بِيَدِهِ رَهْنٌ لَا يَفِي بِالدَّيْنِ وَلَا مَالَ لِلْمُفْلِسِ غَيْرُهُ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ: أَيْ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ مَا ادَّعَاهُ ذَلِكَ الْغَرِيمُ لَمْ يُزَاحِمْ الْمُرْتَهِنَ فِي شَيْءٍ، وَرَدَّهُ الشَّارِحُ بِاحْتِمَالِ حُدُوثِ مَالٍ لِلْمُفْلِسِ فَيُزَاحِمُهُ الْغَرِيمُ فِي تَكْمِلَةِ مَالِهِ مِنْهُ، أَمَّا إذَا كَانَ الرَّهْنُ يَفِي بِالدَّيْنِ فَالْبُلْقِينِيُّ يَقُولُ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَإِنْ كَانَ لِلْمُفْلِسِ مَالٌ غَيْرُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بَعْدُ ثُمَّ رَدَّهُ بِاحْتِمَالِ خُرُوجِ الرَّهْنِ مُسْتَحَقًّا فَتَقَعُ الْمُزَاحَمَةُ (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا إذَا بَقِيَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ شَيْءٌ) أَيْ وَلَمْ يَقْدِرْ الْغَاصِبُ عَلَى أَدَائِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ لَا مِنْ حَيْثُ الِاتِّهَامُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَلَا تُقْبَلُ مِنْ مُشْتَرٍ شِرَاءً صَحِيحًا إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ كَغَيْرِهَا، وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَاسِدًا وَقَبَضَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ لِغَيْرِ بَائِعِهِ إلَّا أَنْ رَدَّهُ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ لِلْبَائِعِ شَيْءٌ أَوْ صَحِيحًا ثُمَّ فُسِخَ فَادَّعَى آخَرُ مِلْكَهُ زَمَنَ وَضْعِ الْمُشْتَرِي يَدَهُ عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ لِبَائِعِهِ لِدَفْعِهِ الضَّمَانَ
بِعَيْبٍ أَوْ إقَالَةٍ أَوْ خِيَارٍ لِاسْتِبْقَائِهِ الْغَلَّةَ لِنَفْسِهِ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي الْمِلْكَ مِنْ تَارِيخٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَى الْبَيْعِ، وَلَا تُقْبَلُ بِمَوْتِ مُوَرِّثِهِ أَوْ مُوصٍ لَهُ
(وَلَا تُقْبَلُ) الشَّهَادَةُ (لِأَصْلٍ) لِلشَّاهِدِ وَإِنْ عَلَا (وَلَا فَرْعٍ) لَهُ وَإِنْ سَفَلَ وَلَوْ بِالرُّشْدِ أَوْ بِتَزْكِيَتِهِ لَهُ خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ أَوْ لِشَاهِدِهِ لِأَنَّهُ بَعْضُهُ فَكَأَنَّهُ شَهِدَ لِنَفْسِهِ، وَالتَّزْكِيَةُ وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَفِيهَا إثْبَاتُ وِلَايَةٍ لِلْفَرْعِ وَفِيهَا تُهْمَةٌ وَقِنُّ أَحَدِهِمَا وَمُكَاتَبُهُ وَشَرِيكُهُ فِي الْمُشْتَرَكِ كَذَلِكَ.
وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ كَغَيْرِهِ عَدَمُ قَبُولِهَا لِبَعْضٍ لَهُ عَلَى بَعْضٍ لَهُ آخَرَ، وَبِهِ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ، وَجَزْمُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرِهِ بِالْقَبُولِ لِأَنَّ الْوَازِعَ الطَّبْعِيَّ قَدْ تَعَارَضَ فَضَعُفَتْ التُّهْمَةُ رُدَّ بِمَنْعِهِ إذْ كَثِيرًا مَا يَتَفَاوَتُونَ فِي الْمَحَبَّةِ وَالْمَيْلِ فَالتُّهْمَةُ مَوْجُودَةٌ، وَقَدْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَعْضِ ضِمْنًا كَأَنْ ادَّعَى عَلَى زَيْدٍ شِرَاءَ شَيْءٍ مِنْ عَمْرٍو وَالْمُشْتَرِي لَهُ مِنْ زَيْدٍ صَاحِبُ الْيَدِ وَقَبَضَهُ وَطَالَبَهُ بِالتَّسْلِيمِ فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ ابْنَيْ زَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو لَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمَا أَجْنَبِيَّانِ عَنْهُ وَإِنْ تَضَمَّنَتْ الشَّهَادَةُ لِأَبِيهِمَا بِالْمِلْكِ، وَكَأَنْ شَهِدَ عَلَى ابْنِهِ بِإِقْرَارِهِ بِنَسَبٍ مَجْهُولٍ فَتُقْبَلُ مَعَ تَضَمُّنِهَا الشَّهَادَةَ لِحَفِيدِهِ، وَلَوْ ادَّعَى الْإِمَامُ شَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ قُبِلَتْ شَهَادَةُ بَعْضِهِ بِهِ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَيْسَ لِلْإِمَامِ وَمِثْلُهُ نَاظِرُ وَقْفٍ، أَوْ صَبِيٌّ ادَّعَى لِشَيْءٍ لِجِهَةِ الْوَقْفِ أَوْ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ فَشَهِدَ بِهِ بَعْضُ الْمُدَّعِي لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ بِخِلَافِهَا بِنَفْسِ النَّظَرِ أَوْ الْوِصَايَةِ، وَلَوْ شَهِدَ لِبَعْضِهِ أَوْ عَلَى عَدُوِّهِ أَوْ الْفَاسِقُ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ الْحَقِّ وَالْحَاكِمُ يَجْهَلُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْمُخْتَارُ جَوَازُهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا الْحَاكِمَ عَلَى بَاطِلٍ بَلْ عَلَى إيصَالِ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ فَلَمْ يَأْثَمْ الْحَاكِمُ لِعُذْرِهِ وَلَا الْخَصْمُ لِأَخْذِهِ حَقَّهُ وَلَا الشَّاهِدُ لِإِعَانَتِهِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: بَلْ ظَاهِرُ عِبَارَةِ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ الْوُجُوبُ اهـ. وَيُتَّجَهُ حَمْلُهُ عَلَى تَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لِوُصُولِ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ (وَتُقْبَلُ) مِنْهُ (عَلَيْهِمَا) لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ وَمَحَلُّهُ حَيْثُ لَا عَدَاوَةَ وَإِلَّا لَمْ تُقْبَلْ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَلِي إجْبَارَ نِكَاحِ ابْنَتِهِ حَيْثُ كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ (وَكَذَا) تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا (عَلَى أَبِيهِمَا بِطَلَاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا) طَلَاقًا بَائِنًا وَأُمُّهُمَا تَحْتَهُ (أَوْ قَذْفِهَا) أَيْ الضَّرَّةِ الْمُؤَدِّي لِلِّعَانِ الْمُفْضِي لِفِرَاقِهَا (فِي الْأَظْهَرِ) لِضَعْفِ تُهْمَةِ نَفْعِ أُمِّهِمَا بِذَلِكَ إذْ لَهُ طَلَاقُ أُمِّهِمَا مَتَى شَاءَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ حِسْبَةً تَلْزَمُهُمَا الشَّهَادَةُ بِهِ، وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِأَنَّهَا تَجُرُّ نَفْعًا إلَى أُمِّهِمَا وَهُوَ انْفِرَادُهَا بِالْأَبِ، أَمَّا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَتُقْبَلُ قَطْعًا، هَذَا كُلُّهُ فِي شَهَادَةِ حِسْبَةٍ أَوْ بَعْدَ دَعْوَى الضَّرَّةِ، فَإِنْ ادَّعَاهُ الْأَبُ لِإِسْقَاطِ نَفَقَةٍ وَنَحْوِهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا لِلتُّهْمَةِ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَتْهُ أُمُّهُمَا، وَلَوْ ادَّعَى الْفَرْعُ عَلَى آخَرَ بِدَيْنٍ لِمُوَكِّلِهِ فَأَنْكَرَ فَشَهِدَ بِهِ أَبُو الْوَكِيلِ قُبِلَ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ الْغَاصِبِ (قَوْلُهُ: لِاسْتِبْقَائِهِ) أَيْ الْمُشْتَرِي
(قَوْلُهُ: كَأَنْ ادَّعَى) أَيْ بَكْرٌ، عِبَارَةُ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: فَرْعٌ: لَوْ قَالَ لِزَيْدٍ وَفِي يَدِهِ عَبْدٌ اشْتَرَيْت هَذَا الْعَبْدَ الَّذِي فِي يَدِك مِنْ عَمْرٍو وَعَمْرٌو اشْتَرَاهُ مِنْك وَطَالَبَهُ بِالتَّسْلِيمِ فَأَنْكَرَ جَمِيعَ ذَلِكَ وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ ابْنَا عَمْرٍو أَوْ ابْنَا زَيْدٍ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا إلَخْ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَطَالَبَهُ) أَيْ بَكْرٌ (قَوْلُهُ: بَلْ ظَاهِرُ عِبَارَةِ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ الْوُجُوبُ) لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّوَقُّفِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ السَّابِقَةِ لِجَوَازِ أَنَّ كَلَامَ الْأَذْرَعِيِّ بَيَّنَ بِهِ مُرَادَ الْقَائِلِ بِالْجَوَازِ وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَحْمِلُ الْحَاكِمَ عَلَى حُكْمٍ لَوْ عَلِمَ بِهِ لَامْتَنَعَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ ادَّعَاهُ) أَيْ الطَّلَاقَ (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ ادَّعَتْهُ) أَيْ الطَّلَاقَ (قَوْلُهُ: فَأَنْكَرَ) أَيْ الْمَدِينُ
[حاشية الرشيدي]
عَنْ نَفْسِهِ وَاسْتِيفَائِهِ الْغَلَّةَ لَهَا
(قَوْلُهُ: وِلَايَةٍ لِلْفَرْعِ) أَيْ أَوْ الْأَصْلِ وَكَانَ الْأَوْلَى لِلْبَعْضِ (قَوْلُهُ: كَأَنْ ادَّعَى عَلَى زَيْدٍ شِرَاءَ شَيْءٍ إلَخْ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: فَرْعٌ: لَوْ قَالَ لِزَيْدٍ وَفِي يَدِهِ عَبْدٌ اشْتَرَيْت هَذَا الْعَبْدَ الَّذِي فِي يَدِك مِنْ عَمْرٍو وَعَمْرٌو اشْتَرَاهُ مِنْك وَطَالَبَهُ بِالتَّسْلِيمِ وَأَنْكَرَ جَمِيعَ ذَلِكَ وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ ابْنَا عَمْرٍو وَابْنَا زَيْدٍ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ) فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ شَمَلَ قَوْلُهُ أَوْ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ مَا إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَا لِلْوَصِيِّ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا هُوَ وَصِيٌّ فِيهِ، قَالَ الشَّارِحُ كَغَيْرِهِ فِيمَا مَرَّ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ سَلْطَنَةَ التَّصَرُّفِ
وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْدِيقُ ابْنِهِ كَمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَبِ وَابْنِهِ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ التُّهْمَةَ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، وَقَدْ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِجَوَازِ إثْبَاتِ الْوَكَالَةِ بِشَهَادَةِ بَعْضِ الْمُوَكِّلِ أَوْ الْوَكِيلِ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ امْتِنَاعِ شَهَادَتِهِ لَهُ بِوِصَايَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ إثْبَاتِ سَلْطَنَةٍ لَهُ لِأَنَّ سَلْطَنَةَ الْوَصِيِّ أَقْوَى وَأَتَمُّ وَأَوْسَعُ مِنْ سَلْطَنَةِ الْوَكِيلِ وَمَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ فِي الْوَكَالَةِ مَا لَمْ تَكُنْ بِجُعْلٍ وَإِلَّا رُدَّتْ
(وَإِذَا) (شَهِدَ لِفَرْعٍ) أَوْ لِأَصْلٍ لَهُ (وَأَجْنَبِيٍّ) (قُبِلَتْ لِلْأَجْنَبِيِّ فِي الْأَظْهَرِ) وَرُدَّتْ فِي حَقِّ الْفَرْعِ قَطْعًا تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ، وَسَوَاءٌ أَقَدَّمَ الْأَجْنَبِيَّ أَمْ لَا أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي بَابِهَا (قُلْت: وَتُقْبَلُ لِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ) لِلْآخَرِ لِأَنَّ الْحَاصِلَ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ يَطْرَأُ وَيَزُولُ فَلَمْ يَمْنَعْ قَبُولَ الشَّهَادَةِ كَمَا لَوْ شَهِدَ الْأَجِيرُ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَعَكْسُهُ.
نَعَمْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِزِنَا زَوْجَتِهِ وَلَوْ مَعَ ثَلَاثَةٍ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ تَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمَا وَلِأَنَّهُ نَسَبَهَا إلَى خِيَانَةٍ فِي حَقِّهِ، وَلَا شَهَادَتُهُ لَهَا بِأَنَّ فُلَانًا قَذَفَهَا كَمَا رَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَتُقْبَلُ مِنْ كُلٍّ عَلَى الْآخَرِ قَطْعًا (وَلِأَخٍ وَصَدِيقٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِضَعْفِ التُّهْمَةِ لِأَنَّهُمَا لَا يُتَّهَمَانِ تُهْمَةَ الْبَعْضِ
(وَلَا تُقْبَلُ مِنْ عَدُوٍّ) عَلَى عَدُوِّهِ عَدَاوَةً دُنْيَوِيَّةً ظَاهِرَةً إذْ الْبَاطِنَةُ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْتَقِمُ مِنْهُ بِشَهَادَةٍ بَاطِلَةٍ عَلَيْهِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَا عَلَى مَيِّتٍ بِحَقٍّ فَيُقِيمُ الْوَارِثُ بَيِّنَةً بِأَنَّهُمَا عَدُوَّانِ لَهُ فَلَا يُقْبَلَانِ عَلَيْهِ فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ الْخَصْمُ حَقِيقَةً لِانْتِقَالِ التَّرِكَةِ لِمِلْكِهِ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ التَّاجُ الْفَزَارِيّ وَأَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ الْمَيِّتُ (وَهُوَ مَنْ يُبْغِضُهُ بِحَيْثُ يَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَتِهِ وَيَحْزَنُ بِسُرُورِهِ وَيَفْرَحُ بِمُصِيبَتِهِ) لِشَهَادَةِ الْعُرْفِ بِذَلِكَ، وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ أَنَّ الْبُغْضَ دُونَ الْعَدَاوَةِ لِأَنَّهُ بِالْقَلْبِ وَهِيَ بِالْفِعْلِ فَكَيْفَ يُفَسَّرُ الْأَغْلَظُ بِالْأَخَفِّ؟ رُدَّ بِمَنْعِ تَفْسِيرِهَا بِالْبُغْضِ فَقَطْ بَلْ بِهِ بِقَيْدِ مَا بَعْدَهُ، وَهَذَا مُسَاوٍ لِلْعَدَاوَةِ الظَّاهِرَةِ بَلْ أَشَدُّ مِنْهُ.
وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ إنَّهَا إذَا انْتَهَتْ إلَى ذَلِكَ فَسَقَ بِهَا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ حَاسِدٌ وَالْحَسَدُ فِسْقٌ وَالْفَاسِقُ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ حَتَّى عَلَى صَدِيقِهِ، وَلِهَذَا صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَدَاوَةُ الْخَالِيَةُ عَنْ الْفِسْقِ يُرَدُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ وُصُولُ الْأَمْرِ لِتِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ، وَحِينَئِذٍ فَلَمْ تُوجَدْ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْحَسَدِ الْمُفَسِّقَةُ بَلْ حَقِيقَةُ الْعَدَاوَةِ غَيْرُ الْمُفَسِّقَةِ فَصَحَّ كَوْنُهُ عَدُوًّا غَيْرَ حَاسِدٍ، وَحَصْرُ الْبُلْقِينِيِّ الْعَدَاوَةَ فِي الْفِعْلِ مَمْنُوعٌ، وَإِنَّمَا الْفِعْلُ قَدْ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَيْهَا عَلَى أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمُفَسِّقَةُ فَحِينَئِذٍ لَا إشْكَالَ أَصْلًا، وَالْعَدَاوَةُ قَدْ تَكُونُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَقَدْ تَكُونُ مِنْ أَحَدِهِمَا فَيَخْتَصُّ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ عَلَى الْآخَرِ، فَلَوْ عَادَى مَنْ يُرِيدُ شَهَادَتَهُ عَلَيْهِ وَبَالَغَ فِي خُصُومَتِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، وَالْقَاذِفُ قَبْلَ الشَّهَادَةِ عَدُوٌّ لِلْمَقْذُوفِ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْهُ بِالْحَدِّ، وَكَذَا دَعْوَى قَطْعِ الطَّرِيقِ يُصَيِّرُ الْمُدَّعِي عَدُوًّا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ قَاطِعُهَا وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ بَيْنَهُمَا بُغْضٌ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: وَلَا شَهَادَتُهُ لَهَا بِأَنَّ فُلَانًا قَذَفَهَا) وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ لِعَبْدِهِ بِأَنَّ فُلَانًا قَذَفَهُ قُبِلَتْ أَنَّ شَهَادَتَهُ هُنَا مُحَصِّلُهَا نِسْبَةُ الْقَاذِفِ إلَى جِنَايَةٍ فِي حَقِّ الزَّوْجِ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِنِسْبَةِ زَوْجَتِهِ إلَى فَسَادٍ، بِخِلَافِ السَّيِّدِ بِالنِّسْبَةِ لِقِنِّهِ
(قَوْلُهُ: بِأَنَّهُمَا عَدُوَّانِ لَهُ) أَيْ لِلْوَارِثِ
[حاشية الرشيدي]
فِي الْمَشْهُودِ بِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْدِيقُ ابْنِهِ) فِيمَا مَرَّ آنِفًا
(قَوْلُهُ: نَعَمْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ زَوْجَتِهِ) هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ حَقُّهُ بَعْدَ قَوْلِهِ الْآتِي وَتُقْبَلُ مِنْ كُلٍّ عَلَى الْآخَرِ قَطْعًا.
(قَوْلُهُ: بَلْ بِقَيْدِ مَا بَعْدَهُ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ بِذَلِكَ الْقَيْدِ قَلْبِيٌّ أَيْضًا إذْ الْحُزْنُ وَالْفَرَحُ قَلْبِيَّانِ وَكَذَا التَّمَنِّي كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَفْسِيرِهِ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْعَدَاوَةِ هُنَا الْبُغْضَ الْمَذْكُورَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِعْلٌ أَوَّلًا وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ اهـ. وَفِيهِ تَسْلِيمُ أَنَّ الْعَدَاوَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْفِعْلِ، وَسَيَأْتِي مَنْعُهُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا مُسَاوٍ لِلْعَدَاوَةِ الظَّاهِرَةِ إلَخْ) اُنْظُرْهُ مَعَ جَعْلِهِ فِيمَا سَبَقَ الْعَدَاوَةَ الظَّاهِرَةَ هِيَ الَّتِي تُقَابِلُ الْبَاطِنَةَ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى الْمُصَرِّحِ بِمَا ادَّعَاهُ الْبُلْقِينِيُّ (قَوْلُهُ: أَشَدُّ مِنْهُ) كَانَ الظَّاهِرُ أَشَدَّ مِنْهَا (قَوْلُهُ: فَحِينَئِذٍ لَا إشْكَالَ أَصْلًا) قَالَ سم: مَمْنُوعٌ كَيْفَ وَمَا نَقَلَهُ ذَلِكَ الْجَمْعُ لَا يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ الْآتِي وَتُقْبَلُ لَهُ اهـ
أَنَّ كُلَّ مَنْ رَمَى غَيْرَهُ بِكَبِيرَةٍ فِي غَيْرِ شَهَادَةٍ صَارَ عَدُوًّا لَهُ وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ (وَتُقْبَلُ لَهُ) حَيْثُ لَمْ تَصِلْ إلَى حَسَدٍ مُفَسِّقٍ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ (وَكَذَا) تُقْبَلُ (عَلَيْهِ فِي عَدَاوَةِ دِينٍ) (كَكَافِرٍ) شَهِدَ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ (وَمُبْتَدِعٍ) شَهِدَ عَلَيْهِ سُنِّيٌّ لِأَنَّ هَذِهِ لَا تَمْنَعُ قَبُولَهَا، وَجَرْحُ الْعَالِمِ لِرَاوِي الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ كَالْمُفْتِي نَصِيحَةً لَا تَمْنَعُهَا
(وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ) كُلِّ (مُبْتَدِعٍ) وَهُوَ مَنْ خَالَفَ فِي الْعَقَائِدِ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ إمَامَاهَا أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ وَأَتْبَاعَهُمَا، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مُبْتَدِعِ أَمْرٍ لَمْ يَشْهَدْ الشَّرْعُ بِحُسْنِهِ وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا (لَا نُكَفِّرُهُ) بِبِدْعَتِهِ وَإِنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَوْ اسْتَحَلَّ أَمْوَالَنَا وَدِمَاءَنَا لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ بِحَقٍّ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ الدَّاعِيَ إلَى بِدْعَتِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا الْخَطَّابِيَّةَ وَهُمْ الْمَنْسُوبُونَ لِأَبِي خَطَّابٍ الْأَسَدِيِّ الْكُوفِيِّ كَانَ يَقُولُ بِأُلُوهِيَّةِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ ثُمَّ ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لِمُوَافِقِيهِمْ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ السَّبَبِ لِاعْتِقَادِهِمْ عَدَمَ الْكَذِبِ لِكَوْنِهِ كُفْرًا عِنْدَهُمْ، أَمَّا مَنْ بَيَّنَ السَّبَبَ كَالْإِقْرَارِ وَزَمَنَ التَّحَمُّلِ وَمَكَانَهُ بِحَيْثُ زَالَتْ التُّهْمَةُ بِذَلِكَ فَتُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَا يُنَافِي مَا قَرَّرْنَاهُ فِي مُسْتَحِلِّ مَا مَرَّ عَدَمُ قَبُولِ الْكِتَابِ بِحُكْمِهِ وَشَهَادَتِهِ الْمَارِّ فِي الْبُغَاةِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْعَ تَنْفِيذِهِ لِخُصُوصِ بَغْيِهِمْ احْتِقَارٌ لَهُمْ وَرَدْعٌ عَنْ بَغْيِهِمْ.
وَأَمَّا مَنْ نُكَفِّرُهُ بِبِدْعَتِهِ كَمَنْ نَسَبَ عَائِشَةَ لِلزِّنَى أَوْ نَفَى صُحْبَةَ أَبِيهَا أَوْ أَنْكَرَ حُدُوثَ الْعَالَمِ أَوْ حَشْرَ الْأَجْسَادِ أَوْ عِلْمَهُ تَعَالَى بِالْمَعْدُومِ وَبِالْجُزْئِيَّاتِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِكُفْرِهِ (لَا مُغَفَّلٍ لَا يُضْبِطُ) أَصْلًا أَوْ غَالِبًا لِانْتِفَاءِ الثِّقَةِ بِقَوْلِهِ، نَعَمْ إنْ بَيَّنَ السَّبَبَ كَإِقْرَارٍ وَزَمَانَهُ وَمَكَانَهُ قُبِلَتْ مِنْهُ حِينَئِذٍ، بِخِلَافِ مَنْ لَا يَضْبِطُ نَادِرًا إذْ قَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنْهُ، وَيُنْدَبُ اسْتِفْصَالُ شَاهِدٍ رَابَ الْحَاكِمَ فِيهِ أَمْرٌ كَأَكْثَرِ الْعَوَامّ وَلَوْ عُدُولًا، فَإِنْ لَمْ يُفَصِّلْ لَزِمَهُ الْبَحْثُ عَنْ حَالِهِ خِلَافًا لِلْإِمَامِ فِي دَعْوَى وُجُوبِهِ (وَلَا مُبَادِرٍ) بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ الدَّعْوَى أَوْ بَعْدَهَا وَقَبْلَ أَنْ تُطْلَبَ مِنْهُ فِي غَيْرِ شَهَادَةِ الْحِسْبَةِ لِتُهْمَتِهِ حِينَئِذٍ وَلِهَذَا ذَمَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ أَعَادَهَا فِي الْمَجْلِسِ بَعْدَ طَلَبِهَا مِنْهُ قُبِلَتْ، وَمَا صَحَّ مِنْ أَنَّهُ خَيَّرَ الشُّهُودَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ كَمَنْ شَهِدَ لِيَتِيمٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ بِزَكَاةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهَا فَيُنْدَبُ لَهُ إعْلَامُهُ لِيَطْلُبَهَا مِنْهُ، بَلْ لَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ عِنْدَ انْحِصَارِ الْأَمْرِ فِيهِ لَمْ يَبْعُدْ، وَاقْتَضَى إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَحْتَاجُ فِيهِ لِجَوَابِ الدَّعْوَى وَغَيْرِهِ، فَلَوْ طُلِبَ مِنْ الْحَاكِمِ بَيْعُ مَالٍ مَنْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ كَمَحْجُورٍ وَغَائِبٍ وَأَخْرَسَ لَا إشَارَةَ لَهُ مُفْهِمَةً فِي حَاجَتِهِمْ وَلَهُمْ بَيِّنَةٌ بِهَا اُتُّجِهَ نَصْبُ مَنْ يَدَّعِي لَهُمْ ذَلِكَ وَيَسْأَلُ الْبَيِّنَةَ وَالْأَدَاءَ وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الْأَدَاءُ بِدُونِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى حُضُورِ الْخَصْمِ، وَلَا يَقْدَحُ فِي الشَّاهِدِ جَهْلُهُ بِفُرُوضِ نَحْوِ صَلَاةٍ وَوُضُوءٍ يُؤَدِّيهِمَا وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي التَّعَلُّمِ وَلَا تَوَقُّفُهُ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ إنْ عَادَ وَجَزَمَ بِهِ فَيُعِيدُ الشَّهَادَةَ، وَلَا قَوْلُهُ لَا شَهَادَةَ لِي فِي هَذَا إنْ قَالَ نَسِيت أَوْ أَمْكَنَ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ رَمَى غَيْرَهُ بِكَبِيرَةٍ) أَيْ وَلَوْ فِي غَيْبَتِهِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُفَصِّلْ) أَيْ الشَّاهِدُ، وَقَوْلُهُ لَزِمَ: أَيْ الْحَاكِمَ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْإِمَامِ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَيُنْدَبُ اسْتِفْصَالُ إلَخْ، وَلَوْ قَدَّمَهُ كَانَ أَوْلَى
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذِهِ) أَيْ عَدَاوَةَ الدِّينِ، وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ مَصَادِرُ لَا تَخْفَى
(قَوْلُهُ: لِاعْتِقَادِهِمْ عَدَمَ الْكَذِبِ) أَيْ فِي مُوَافَقَتِهِمْ فَيَشْهَدُونَ لَهُمْ اعْتِمَادًا عَلَى دَعْوَاهُمْ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَكْذِبُونَ (قَوْلُهُ: وَزَمَانَهُ وَمَكَانَهُ) هُمَا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى السَّبَبِ وَلَا يَصِحُّ الْجَرُّ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَنْ لَا يَضْبِطُ نَادِرًا) أَيْ بِخِلَافِ مَنْ عَدَمُ ضَبْطِهِ نَادِرٌ بِأَنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الضَّبْطَ، وَسَكَتَ عَمَّا لَوْ تَعَادَلَ ضَبْطُهُ وَغَلَطُهُ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَوْ تَعَادَلَ ضَبْطُهُ وَغَلَطُهُ لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْغَلَطُ وَتَشْمَلُهُ عِبَارَةُ مَنْ يَقُولُ مَنْ كَثُرَ غَلَطُهُ اهـ (قَوْلُهُ: لَمْ يَبْعُدْ) يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَى الشَّهَادَةِ مَصْلَحَةٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ فِيهَا السَّتْرَ (قَوْلُهُ: وَيُسْأَلُ) أَيْ الْمَنْصُوبُ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي التَّعَلُّمِ)
حُدُوثُ الْمَشْهُودِ بِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَهُوَ مُشْتَهِرٌ بِالْعِفَّةِ وَالصِّيَانَةِ
(وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ) مَأْخُوذٌ مِنْ الِاحْتِسَابِ، وَهُوَ الْأَجْرُ قَبْلَ الِاسْتِشْهَادِ وَلَوْ بِلَا دَعْوَى بَلْ لَا تُسْمَعُ فِي مَحْضِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحِينَئِذٍ فَتُسْمَعُ فِي السَّرِقَةِ قَبْلَ رَدِّ مَا لَهَا (فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى) كَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ عَنْ مَيِّتٍ بِأَنْ يَشْهَدَ بِتَرْكِهَا وَحَقٍّ لِنَحْوِ مَسْجِدٍ (وَفِيمَا لَهُ فِيهِ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ) وَهُوَ مَا لَا يَتَأَثَّرُ بِرِضَا الْآدَمِيِّ بِأَنْ يَقُولَ حَيْثُ لَا دَعْوَى أَنَا أَشْهَدُ أَوْ عِنْدِي شَهَادَةٌ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا وَهُوَ يُنْكِرُ فَأَحْضِرْهُ لِأَشْهَدَ عَلَيْهِ، وَمَحَلُّ سَمَاعِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ لَهَا حَالًا؛ فَلَوْ شَهِدَا بِأَنَّ فُلَانًا أَخُو فُلَانَةَ مِنْ الرَّضَاعِ اُعْتُبِرَ فِيهِ أَنْ يَقُولَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَنْكِحَهَا، أَوْ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ اُعْتُبِرَ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَرِقَّهُ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِهِمَا نَشْهَدُ لِئَلَّا يَنْكِحَهَا (كَطَلَاقٍ) بَائِنٍ أَوْ رَجْعِيٍّ وَلَوْ خُلْعًا لَكِنَّ مَحَلَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْفِرَاقِ دُونَ الْمَالِ (وَعِتْقٍ) بِأَنْ يَشْهَدَ بِهِ أَوْ بِالتَّعْلِيقِ دُونَ وُجُودِ الصِّفَةِ أَوْ بِالتَّدْبِيرِ مَعَ الْمَوْتِ أَوْ بِمَا يَسْتَلْزِمُهُ كَإِيلَادٍ، وَلَا تُسْمَعُ فِي شِرَاءِ قَرِيبٍ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِالْمِلْكِ وَالْعِتْقُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَفَارَقَ مَا مَرَّ فِي الْخُلْعِ بِأَنَّ الْمَالَ فِيهِ تَبَعٌ لِلْفِرَاقِ وَهُنَا الْعِتْقُ تَبَعٌ لِلْمَالِ، وَلَوْ ادَّعَى قِنَّانِ عَلَى مَالِكِهِمَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا وَقَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فَاسِدَةً، إذْ بَيِّنَةُ الْحِسْبَةِ تَسْتَغْنِي عَنْ تَقَدُّمِ دَعْوَى، وَيُتَّجَهُ فَرْضُهُ فِيمَا لَوْ حَضَرَ السَّيِّدُ أَوْ غَابَ غَيْبَةً شَرْعِيَّةً وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ مَا قُبِلَتْ فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ يَنْفُذُ الْحُكْمُ فِيهِ بِهَا وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى دَعْوَى فَاسِدَةٍ (وَعَفْوٍ عَنْ قِصَاصٍ) لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِإِحْيَاءِ نَفْسٍ، وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى (وَبَقَاءِ عِدَّةٍ وَانْقِضَائِهَا) لِمَا تَرَتَّبَ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ صِيَانَةِ الْفَرْجِ عَنْ اسْتِبَاحَتِهِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، وَلِمَا فِي الثَّانِي مِنْ الصِّيَانَةِ وَالتَّعَفُّفِ بِالنِّكَاحِ، وَمِنْ ذَلِكَ تَحْرِيمُ الرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةُ وَالْبُلُوغُ وَالْإِسْلَامُ وَالِاسْتِسْلَامُ وَالْوَقْفُ وَالْوَصَايَا الْعَامَّةُ لَا إنْ كَانَا لِجِهَةٍ خَاصَّةٍ (وَحَدٍّ لَهُ) تَعَالَى كَالزِّنَى وَالشُّرْبِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ،
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: أَوْ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ اُعْتُبِرَ) أَيْ أَنْ يَقُولَا وَهُوَ يُرِيدُ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَنْكِحَهَا) أَيْ وَإِنْ كَانَا مُرِيدَيْنِ سَفَرًا وَخَشِيَا أَنْ يَنْكِحَهَا فِي غَيْبَتِهِمَا (قَوْلُهُ: لَكِنَّ مَحَلَّهُ) أَيْ فِي الْخُلْعِ (قَوْلُهُ: وَقَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ) أَيْ وَيُرْجَعُ إلَيْهِ فِي بَيَانِهِ، فَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ حُبِسَ حَتَّى يُبَيِّنَ (قَوْلُهُ: وَالِاسْتِسْلَامُ) أَيْ بِأَنْ يَقُولَ طَلَبْت مِنْهُ الْإِسْلَامَ وَأَتَى بِهِ
[حاشية الرشيدي]
بِهَذَا فَارَقَ مَا مَرَّ لَهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْإِصْرَارُ عَلَى صَغِيرَةٍ
(قَوْلُهُ: مِنْ الِاحْتِسَابِ وَهُوَ الْأَجْرُ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: مِنْ احْتَسَبَ بِكَذَا أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ اتَّخَذَهُ يَنْوِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِلَا دَعْوَى) قَضِيَّةُ الْغَايَةِ أَنَّهَا قَدْ تَقَعُ بَعْدَ الدَّعْوَى وَتَكُونُ شَهَادَةَ حِسْبَةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا بَعْدَ الدَّعْوَى لَا تَكُونُ حِسْبَةً (قَوْلُهُ: وَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ) صَرِيحُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّهُمَا مَحْضُ حَقِّهِ تَعَالَى، وَسَيَأْتِي آخِرَ الْفَصْلِ أَنَّ فِيهِمَا حَقَّ الْآدَمِيِّ فَلْيُحَرَّرْ (قَوْلُهُ: بَلْ لَا تُسْمَعُ) أَيْ الدَّعْوَى (قَوْلُهُ: قَبْلَ رَدِّ مَالِهَا) أَيْ بِخِلَافِهَا بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مَحْضَ حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ وَحِينَئِذٍ إلَخْ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الشِّهَابِ حَجّ إلَّا إنْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ آدَمِيٍّ كَسَرِقَةٍ قَبْلَ رَدِّ مَالِهَا إذْ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ صُورِيٌّ (قَوْلُهُ: أَوْ بِالتَّعْلِيقِ مَعَ وُجُودِ الصِّفَةِ أَوْ بِالتَّدْبِيرِ مَعَ الْمَوْتِ) فِي جَعْلِ هَذَيْنِ مِنْ صُوَرِ الشَّهَادَةِ بِالْعِتْقِ وَعَطْفِهِ عَلَيْهِ قَوْلَهُ أَوْ بِمَا يَسْتَلْزِمُهُ إشَارَةً إلَى رَدِّ مَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ بِالتَّعْلِيقِ وَالتَّدْبِيرِ الْمُجَرَّدَيْنِ فِي حَيَاةِ الْمُدَبَّرِ وَقَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، أَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَوُجُودِ الصِّفَةِ فَتَكْفِي الشَّهَادَةُ بِهِمَا مُجَرَّدَيْنِ (قَوْلُهُ: وَفَارَقَ مَا مَرَّ فِي الْخُلْعِ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا حَاجَةَ لِهَذَا الْفَرْقِ لِمَا مَرَّ أَنَّ شَهَادَةَ الْحِسْبَةِ لَا أَثَرَ لَهَا فِي الْمَالِ فِي مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ أَصْلًا، وَالْفَرْقُ يُوهِمُ تَأْثِيرَهَا فِيهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: مِنْ الصِّيَانَةِ) لَعَلَّهُ مِنْ وَطْءِ الزَّوْجِ بِأَنْ يُرَاجَعَ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالرَّجْعِيِّ (قَوْلُهُ: وَالِاسْتِسْلَامُ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَاهُ وَمِثْلُهُ فِي الدَّمِيرِيِّ، وَفِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ أَنَّ مَعْنَاهُ طَلَبُ الْإِسْلَامِ ثُمَّ الْإِسْلَامُ بَعْدَهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ حِينَئِذٍ يُغْنِي عَنْهُ مَا قَبْلَهُ إذْ لَا دَخْلَ لِلطَّلَبِ (قَوْلُهُ: الْعَامَّةُ) وَصْفٌ لِلْوَقْفِ وَالْوَصَايَا بِاعْتِبَارِ أَفْرَادِ الْوَصَايَا
لَكِنَّ السَّتْرَ فِي الْحُدُودِ أَفْضَلُ، وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ عَنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ وَبَيْعٍ وَإِقْرَارٍ (وَكَذَا النَّسَبُ عَلَى الصَّحِيحِ) لِأَنَّ فِيهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى إذْ الشَّرْعُ أَكَّدَ الْأَنْسَابَ وَمَنَعَ قَطْعَهَا فَضَاهَى الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ.
وَالثَّانِي لَا، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فِيهِ
(وَمَتَى) (حَكَمَ بِشَاهِدَيْنِ فَبَانَا كَافِرَيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ) أَوْ بَانَ أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ عِنْدَ الْأَدَاءِ أَوْ الْحُكْمِ وَالْحَاكِمُ لَا يَرَى قَبُولَهُمَا (نَقَضَهُ) وُجُوبًا: أَيْ أَظْهَرَ بُطْلَانَهُ وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ مَحِلًّا (هُوَ وَغَيْرُهُ) كَمَا لَوْ حَكَمَ بِاجْتِهَادٍ فَتَبَيَّنَ وُقُوعُهُ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ (وَكَذَا فَاسِقَانِ فِي الْأَظْهَرِ) لِمَا ذُكِرَ، إذْ عَدَالَةُ الشَّاهِدِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ آيَةٍ.
وَالثَّانِي لَا يُنْقَضُ لِأَنَّ الْفِسْقَ إنَّمَا يُعْرَفُ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِ، وَعَدَالَةُ تِلْكَ الْبَيِّنَةِ إنَّمَا تُدْرَكُ بِالِاجْتِهَادِ وَهُوَ لَا يُنْقَضُ بِمِثْلِهِ، وَلَا أَثَرَ لِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ بِالْفِسْقِ مِنْ غَيْرِ تَارِيخٍ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا مَرَّ فِي النِّكَاحِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ بَانَ فِسْقُ الشَّاهِدِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَصِحَّ، إذْ الْمُؤَثِّرُ ثَمَّ بَيْنُونَةُ ذَلِكَ عِنْدَ التَّحَمُّلِ فَقَطْ وَهَذَا عِنْدَ الْأَدَاءِ أَوْ قَبْلَهُ بِدُونِ مُضِيِّ مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ أَوْ عِنْدَ الْحُكْمِ فَلَا تَكْرَارَ وَلَا تَخَالُفَ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ
(وَلَوْ) (شَهِدَ كَافِرٌ) أَعْلَنَ كُفْرَهُ (أَوْ عَبْدٌ) أَيْ رَقِيقٌ (أَوْ صَبِيٌّ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ كَمَالِهِ) بِالْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْبُلُوغِ (قُبِلَتْ) لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ لِظُهُورِ عُذْرِهِ (أَوْ) شَهِدَ (فَاسِقٌ) وَلَوْ مُعْلِنًا أَوْ كَافِرٌ أَخْفَى كُفْرَهُ أَوْ عَدُوٌّ أَوْ غَيْرُ ذِي مُرُوءَةٍ فَرُدَّ ثُمَّ (تَابَ) ثُمَّ أَعَادَهَا (فَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَنَّ رَدَّهُ أَظْهَرَ نَحْوَ فِسْقِهِ الَّذِي كَانَ يُخْفِيهِ أَوْ زَادَ فِي تَعْيِيرِهِ بِمَا أَعْلَنَ بِهِ فَهُوَ مُتَّهَمٌ بِسَعْيِهِ فِي رَدِّ ذَلِكَ الْعَارِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ لَمْ يُصْغِ الْحَاكِمُ لِشَهَادَتِهِ قُبِلَتْ بَعْدَ التَّوْبَةِ.
وَبَحَثَ إسْمَاعِيلُ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ بِمَا لَا يُطَابِقُ الدَّعْوَى ثُمَّ أَعَادَهَا بِمُطَابِقِهَا قُبِلَ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِمَشْهُورٍ بِالدِّيَانَةِ عُرِفَ مِنْهُ اعْتِيَادُ سَبْقِ لِسَانٍ أَوْ نِسْيَانٍ (وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ تِلْكَ الشَّهَادَةِ الَّتِي رُدَّ فِيهَا إذْ لَا تُهْمَةَ، وَمِثْلُهُ كَمَا اخْتَارَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ تَائِبٌ مِنْ الْكَذِبِ فِي الرِّوَايَةِ (بِشَرْطِ اخْتِبَارِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ مُدَّةً يُظَنُّ بِهَا صِدْقُ تَوْبَتِهِ) لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَهُوَ مُتَّهَمٌ بِإِظْهَارِهَا لِتَرْوِيجِ شَهَادَتِهِ وَعَوْدِ وِلَايَتِهِ فَاعْتَبَرَ الشَّارِعُ ذَلِكَ لِيُقَوِّيَ مَا ادَّعَاهُ (وَقَدَّرَهَا الْأَكْثَرُونَ بِسَنَةٍ) لِأَنَّ لِلْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ تَأْثِيرًا بَيِّنًا فِي تَهْيِيجِ النُّفُوسِ لِشَهَوَاتِهَا، فَإِذَا مَضَتْ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ أَشْعَرَ ذَلِكَ بِحُسْنِ سَرِيرَتِهِ وَقَدْ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ فِي نَحْوِ الْعُنَّةِ وَمُدَّةِ التَّغْرِيبِ فِي الزِّنَى، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَقْرِيبٌ لَا تَحْدِيدٌ، وَتُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي مُرْتَكِبِ خَارِمِ الْمُرُوءَةِ إذَا أَقْلَعَ عَنْهُ كَمَا فِي التَّنْبِيهِ.
وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَكَذَا مِنْ الْعَدَاوَةِ كَمَا رَجَّحَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ، وَقَدْ لَا يَحْتَاجُ لَهَا كَشَاهِدٍ بِزِنَى حُدَّ لِنَقْصِ النِّصَابِ فَتُقْبَلُ عَقِبَ ذَلِكَ، وَكَمُخْفِي فِسْقٍ أَقَرَّ بِهِ لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ فَتُقْبَلُ حَالًا أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ التَّوْبَةَ عَمَّا كَانَ مَسْتُورًا إلَّا عَنْ صَلَاحٍ، وَكَنَاظِرِ وَقْفٍ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ تَابَ فَتَعُودُ وِلَايَتُهُ حَالًا كَوَلِيِّ النِّكَاحِ، وَكَقَاذِفِ غَيْرِ الْمُحْصَنِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَاعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ، لَكِنْ قَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ) أَيْ بِقَوْلِهِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: إذْ الشَّرْعُ أَكَّدَ) أَيْ حَثَّ عَلَى حِفْظِهَا
(قَوْلُهُ: وَلَوْ شَهِدَ كَافِرٌ أَعْلَنَ كُفْرَهُ) عِبَارَةُ حَجّ مُعْلِنٌ بِكُفْرِهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ أَعَادَهَا بِمُطَابِقِهَا قَبْلُ) ظَاهِرٌ وَلَوْ لَمْ يُبْدِ عُذْرًا حَمْلًا لَهُ عَلَيْهِ، وَيُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ إلَخْ (قَوْلُهُ الْأَصَحُّ وَأَنَّهَا تَقْرِيبٌ) أَيْ فَيُغْتَفَرُ مِثْلُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ لَا مَا زَادَ عَلَيْهَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ عَنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ إلَخْ) الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا النَّسَبُ عَلَى الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي لَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فِيهِ) عِبَارَةُ الْجَلَالِ وَالثَّانِي هُوَ حَقُّ آدَمِيٍّ وَهُوَ الصَّوَابُ
(قَوْلُهُ: عِنْدَ الْأَدَاءِ أَوْ الْحُكْمِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ فَبَانَ أَنَّهُمَا كَانَا عِنْدَ الْأَدَاءِ أَوْ الْحُكْمِ كَذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ فِي الثَّانِي لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا تَبَيَّنَ الْكُفْرُ فَالظَّرْفُ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِبَانَ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَا يُنَافِيهِ مَا مَرَّ فِي النِّكَاحِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَمَرَّ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ لَوْ بَانَ فِسْقُ الشَّاهِدِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَصِحَّ وَهُوَ غَيْرُ مَا هُنَا، إذْ الْمُؤَثِّرُ ثَمَّ بَيْنُونَةُ ذَلِكَ عِنْدَ التَّحَمُّلِ، إلَى أَنْ قَالَ: فَلَا تَكْرَارَ وَلَا مُخَالَفَةَ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُمَا
(قَوْلُهُ: وَعَوْدِ وِلَايَتِهِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ وِلَايَةُ الشَّهَادَةِ
فِيهِ إيذَاءٌ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ السَّنَةِ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ.
(وَيُشْتَرَطُ فِي تَوْبَةِ مَعْصِيَةٍ قَوْلِيَّةٍ الْقَوْلُ) قِيَاسًا عَلَى التَّوْبَةِ مِنْ الرِّدَّةِ بِكَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ وَوُجُوبِهِمَا، وَإِنْ كَانَتْ الرِّدَّةُ فِعْلًا كَسُجُودٍ لِصَنَمٍ لِكَوْنِ الْقَوْلِيَّةِ هِيَ الْأَصْلُ أَوْ لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ تَكْذِيبَ الشَّرْعِ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ اشْتِرَاطُ الْقَوْلِ فِي الْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا، وَبِهِ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ فِيهَا، وَنَصُّ الْأُمِّ يَقْتَضِيهِ فِي الْكُلِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ اخْتِصَاصَهُ بِالْقَذْفِ، وَبِفَرْضِ صِحَّتِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِأَنَّ ضَرَرَهُ أَشَدُّ لِأَنَّهُ يُكْسِبُ عَارًا وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ فَاحْتِيطَ بِإِظْهَارِ نَقِيضِ مَا حَصَلَ مِنْهُ وَهُوَ الِاعْتِرَافُ بِالْكَذِبِ جَبْرًا لِقَلْبِ الْمَقْذُوفِ وَصَوْنًا لِمَا انْتَهَكَهُ مِنْ عِرْضِهِ، وَمَا اشْتَرَطَهُ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ مِنْ اشْتِرَاطِ الِاسْتِغْفَارِ فِي الْمَعْصِيَةِ الْقَوْلِيَّةِ أَيْضًا مَحْمُولٌ عَلَى النَّدَمِ، وَخَرَجَ بِالْقَوْلِيَّةِ الْفِعْلِيَّةُ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَوْلُ لِتَمَحُّضِ الْحَقِّ فِيهَا لَهُ تَعَالَى فَأُدِيرَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى الصِّدْقِ بَاطِنًا، بِخِلَافِ الْقَذْفِ لِمَا تَقَرَّرَ فِيهِ.
(فَيَقُولُ الْقَاذِفُ) وَإِنْ كَانَ قَذْفُهُ بِصُورَةِ الشَّهَادَةِ لِعَدَمِ تَمَامِ الْعَدَدِ (قَذْفِي بَاطِلٌ وَأَنَا نَادِمٌ عَلَيْهِ وَلَا أَعُودُ إلَيْهِ) أَوْ مَا كُنْت صَادِقًا فِي قَذْفِي وَقَدْ تُبْت مِنْهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ التَّعَرُّضُ لِكَذِبِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ صَادِقًا.
لَا يُقَالُ: حَصَلَ تَعَرُّضُهُ لَهُ بِقَوْلِ قَذْفِي بَاطِلٌ وَلِذَا عَبَّرَ أَصْلُهُ تَبَعًا لِلْأَكْثَرِ الْقَذْفُ بَاطِلٌ.
لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَحْذُورُ إلْزَامُهُ بِالتَّصْرِيحِ بِكَذِبِهِ لَا بِالتَّعْرِيضِ بِهِ، وَهَذَا فِيهِ تَعْرِيضٌ لَا تَصْرِيحٌ، أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُولُ لِمَنْ قَالَ لَك شَيْئًا هَذَا بَاطِلٌ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ كَبِيرُ مَشَقَّةٍ وَلَوْ قُلْت لَهُ كَذَبْت حَصَلَ لَهُ غَايَةُ الْحَنَقِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْبُطْلَانَ قَدْ يَحْصُلُ لِاخْتِلَالِ بَعْضِ الْمُقَدِّمَاتِ فَلَا يُنَافِي مُطْلَقَ الصِّدْقِ بِخِلَافِ الْكَذِبِ، وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ عَلَى عِبَارَةِ الْكِتَابِ وَأَنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لِعِبَارَةِ أَصْلِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنْ وَصَلَ ذَلِكَ لِعِلْمِ الْقَاضِي بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ اُشْتُرِطَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ وَإِلَّا فَلَا فِيمَا يَظْهَرُ، نَعَمْ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ مَنْ ذَكَرَهُ بِحَضْرَتِهِ أَوَّلًا وَلَيْسَ كَالْقَذْفِ فِيمَا ذُكِرَ كَمَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ يَا خِنْزِيرُ أَوْ يَا مَلْعُونُ مَثَلًا يُشْتَرَطُ فِي التَّوْبَةِ مِنْهُ قَوْلٌ لِانْتِفَاءِ تَوَهُّمِ صِدْقِ قَائِلِهِ حَتَّى يُبْطِلَهُ بِخِلَافِ الْقَذْفِ.
(وَكَذَا شَهَادَةُ الزُّورِ) يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنْهَا قَوْلُ نَحْوِ مَا ذُكِرَ كَشَهَادَتِي بَاطِلَةٌ وَأَنَا نَادِمٌ عَلَيْهَا وَلَا أَعُودُ إلَيْهَا، وَيَكْفِي كَذَبْتُ فِيمَا قُلْتُ وَلَا أَعُودُ إلَى مِثْلِهِ (قُلْت) أَخْذًا مِنْ الرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحِ (وَ) الْمَعْصِيَةُ (غَيْرُ الْقَوْلِيَّةِ) لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا قَوْلٌ كَمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا (يُشْتَرَطُ) فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنْهَا كَالْقَوْلِيَّةِ أَيْضًا (إقْلَاعٌ) مِنْهَا حَالًا إنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِهَا أَوْ مُصِرًّا عَلَى مُعَاوَدَتِهَا (وَنَدَمٌ) مِنْ حَيْثُ الْمَعْصِيَةُ لَا لِخَوْفِ عُقُوبَةٍ لَوْ عَلِمَ بِحَالِهِ أَوْ فَوَاتِ مَالٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَدَعْوَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ لِأَنَّ التَّوْبَةَ عِبَادَةٌ وَهِيَ مِنْ حَيْثُ هِيَ شَرْطُهَا الْإِخْلَاصُ رُدَّ بِأَنَّ فِيهِ تَسْلِيمًا لِلِاحْتِيَاجِ لَهُ (وَعَزْمٌ أَنْ لَا يَعُودَ) إلَيْهَا مَا عَاشَ إنْ تُصُوِّرَ مِنْهُ، وَإِلَّا كَمَجْبُوبٍ تَعَذَّرَ زِنَاهُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ لَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا عَدَمُ وُصُولِهِ لِحَالَةِ الْغَرْغَرَةِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ لِكَوْنِ الْقَوْلِيَّةِ) أَيْ الرِّدَّةِ الْقَوْلِيَّةِ.
(قَوْلُهُ رُدَّ) أَيْ هَذَا الْقَوْلُ (قَوْلُهُ: لِحَالَةِ الْغَرْغَرَةِ) لَعَلَّهُ لِأَنَّ مَنْ وَصَلَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ) يَعْنِي فِيمَا لَا إيذَاءَ فِيهِ (قَوْلُهُ: مِنْ اشْتِرَاطِ الِاسْتِغْفَارِ) يَنْبَغِي حَذْفُ لَفْظِ اشْتِرَاطٍ وَهُوَ سَاقِطٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (قَوْلُهُ لِتَمَحُّضِ الْحَقِّ فِيهَا لَهُ تَعَالَى) فِي نُسْخَةٍ مِنْ الشَّرْحِ لِتَمَحُّضِ الْقَوْلِ، وَلَعَلَّهَا الصَّوَابُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ قَذْفُهُ بِصُورَةِ الشَّهَادَةِ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْغَايَةَ فِيمَا إذَا كَانَ صَادِقًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مَعَ أَنَّ الْحَدَّ لَا بُدَّ مِنْ إقَامَتِهِ وَالتَّوْبَةُ مَدَارُهَا عَلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا أَتَى بِمَعْصِيَةٍ (قَوْلُهُ: الْقَذْفُ بَاطِلٌ) لَعَلَّهُ سَقَطَ قَبْلَهُ لَفْظُ بِقَوْلِهِ (قَوْلُهُ: وَأَنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لِعِبَارَةِ أَصْلِهِ) يُتَأَمَّلُ (قَوْلُهُ: كَالْقَوْلِيَّةِ أَيْضًا) أَيْ خِلَافًا لِمَا قَدْ يُوهِمُهُ الْمَتْنُ (قَوْلُهُ: لَا حَاجَةَ لَهُ) أَيْ لِقَيْدِ الْحَيْثِيَّةِ (قَوْلُهُ: رُدَّ) الظَّاهِرُ رُدَّتْ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ فِيهِ تَسْلِيمًا لِلِاحْتِيَاجِ لَهُ)
وَعَدَمُ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَتَصِحُّ مِنْ سَكْرَانَ حَالَةَ سُكْرِهِ كَإِسْلَامِهِ، وَمِمَّنْ كَانَ فِي مَحَلِّ مَعْصِيَةٍ.
ثُمَّ صَرَّحَ بِمَا يُفْهِمُهُ الْإِقْلَاعُ لِلِاعْتِنَاءِ بِهِ فَقَالَ (وَرَدُّ ظُلَامَةِ آدَمِيٍّ) يَعْنِي الْخُرُوجَ مِنْهَا بِأَيِّ وَجْهٍ قَدَرَ عَلَيْهِ مَالًا كَانَتْ أَوْ عِرْضًا نَحْوَ قَوَدٍ وَحَدِّ قَذْفٍ (إنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ) سَوَاءٌ أَتَمَحَّضَتْ لَهُ أَمْ كَانَ فِيهَا مَعَ ذَلِكَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مُؤَكَّدٌ كَفَّارَةٌ فَوْرِيَّةٌ وَزَكَاةٌ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَتْ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ فَلْيَسْتَحِلَّهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِلَّا أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» فَإِنْ أَفْلَسَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْكَسْبُ كَمَا مَرَّ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَالِكِ وَوَارِثِهِ دَفَعَهُ لِحَاكِمٍ ثِقَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ صَرَفَهُ فِيمَا شَاءَ مِنْ الْمَصَالِحِ عِنْدَ انْقِطَاعِ خَبَرِهِ بِنِيَّةِ الْقَرْضِ وَغَرِمَ بَدَلَهُ إذَا وَجَدَهُ، فَإِنْ أَعْسَرَ عَزَمَ عَلَى الْأَدَاءِ عِنْدَ قُدْرَتِهِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ فَلَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ إنْ لَمْ يَعْصِ بِالْتِزَامِهِ وَالْمَرْجُوُّ مِنْ فَضْلِهِ تَعَالَى أَنْ يُعَوِّضَ الْمُسْتَحِقَّ، وَإِذَا بَلَغَتْ الْغِيبَةُ الْمُغْتَابَ اُشْتُرِطَ اسْتِحْلَالُهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ لِمَوْتِهِ أَوْ تَعَسَّرَ لِغَيْبَتِهِ الطَّوِيلَةِ اسْتَغْفَرَ لَهُ، وَلَا أَثَرَ لِتَحْلِيلِ وَارِثٍ وَلَا مَعَ جَهْلِ الْمُغْتَابِ بِمَا حُلِّلَ مِنْهُ، أَمَّا إذَا لَمْ تَبْلُغْهُ فَيَكْفِي فِيهَا النَّدَمُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ، وَكَذَا يَكْفِي النَّدَمُ وَالْإِقْلَاعُ عَنْ الْحَسَدِ، وَمَنْ لَزِمَهُ حَدٌّ وَخَفِيَ أَمْرُهُ نُدِبَ لَهُ السَّتْرُ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ أَتَى لِلْإِمَامِ يُقِيمُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ اسْتِيفَاؤُهُ مُزِيلًا لِلْمَعْصِيَةِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّوْبَةِ إذْ هُوَ مُسْقِطٌ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ.
وَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَتَوَقَّفُ عَلَى التَّوْبَةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَوَائِلَ كِتَابِ الْجِرَاحِ.
وَتَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى غَيْرِهِ وَمِمَّا تَابَ مِنْهُ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ، وَمَنْ مَاتَ وَلَهُ دَيْنٌ لَمْ يَسْتَوْفِهِ وَارِثُهُ كَانَ الْمُطَالِبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ هُوَ دُونَ الْوَارِثِ عَلَى الْأَصَحِّ.
[حاشية الشبراملسي]
إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ أَيِسَ مِنْ الْحَيَاةِ فَتَوْبَتُهُ إنَّمَا هِيَ لِعِلْمِهِ بِاسْتِحَالَةِ عَوْدِهِ إلَى مِثْلِ مَا فَعَلَ (قَوْلُهُ: مُؤَكَّدٌ كَفَّارَةٍ) أَيْ كَكَفَّارَةٍ (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَعَذَّرَ صَرَفَهُ فِيمَا شَاءَ مِنْ الْمَصَالِحِ) الْمُتَبَادَرُ أَنَّ الْمُرَادَ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّ قَوْلَهُ بِنِيَّةِ الْقَرْضِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ مَا شَاءَ مِنْ مَصَالِحِهِ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ لِنِيَّةِ الْقَرْضِ حَتَّى لَا يَضِيعَ عَلَى مَالِكِهِ إذَا ظَهَرَ لِكَوْنِهِ نَائِبًا عَنْهُ فِي الصَّرْفِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَعْسَرَ عَزَمَ عَلَى الْأَدَاءِ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْمَالِ، وَمِثْلُهُ غَيْرُهُ مِنْ سَائِرِ الْحُقُوقِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ الَّذِي فَاتَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ فَعَلَهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَعَذَّرَ لِمَوْتِهِ) وَلَيْسَ مِنْ التَّعَذُّرِ مَا لَوْ اغْتَابَ صَغِيرًا مُمَيِّزًا وَبَلَغَتْهُ فَلَا يَكْفِي الِاسْتِغْفَارُ لَهُ لِأَنَّ لِلصَّبِيِّ أَمَدًا يُنْتَظَرُ، وَبِفَرْضِ مَوْتِ الْمُغْتَابِ يُمْكِنُ اسْتِحْلَالُ وَارِثِ الْمَيِّتِ مِنْ الْمُغْتَابِ بَعْدَ بُلُوغِهِ (قَوْلُهُ: اسْتَغْفَرَ لَهُ) أَيْ طَلَبَ لَهُ الْمَغْفِرَةَ كَأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِفُلَانٍ (قَوْلُهُ: ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ) أَيْ وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ مِرَارًا.
[حاشية الرشيدي]
أَيْ حَيْثُ قَالَ شَرْطُهَا الْإِخْلَاصُ وَالْإِخْلَاصُ مُرَادِفٌ لِلْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: وَتَصِحُّ مِنْ سَكْرَانَ) أَيْ إنْ تَأَتَّتْ مِنْهُ الشُّرُوطُ الَّتِي مِنْهَا النَّدَمُ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ إنْ تَعَلَّقَتْ) أَيْ الظُّلَامَةُ بِمَعْنَى الْمَعْصِيَةِ، وَيَصِحُّ رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلتَّوْبَةِ بِمَعْنَى مُوجِبِهَا، لَكِنَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ ظَاهِرَةٌ فِي الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: بِنِيَّةِ الْقَرْضِ وَغُرْمِ بَدَلِهِ) هَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ الظُّلَامَةُ عَيْنًا كَمَا لَا يَخْفَى وَإِلَّا فَمَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِقَبْضٍ صَحِيحٍ، فَإِذَا صَرَفَهُ فِي الْمَصَالِحِ ثُمَّ ظَهَرَ الْمَالِكُ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الذِّمَّةَ مَشْغُولَةٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَقَوْلُهُ بِنِيَّةِ الْقَرْضِ لَمْ أَرَهُ فِي عِبَارَةِ غَيْرِهِ وَيَنْبَغِي حَذْفُهُ (قَوْلُهُ: وَلَا يَكُونُ اسْتِيفَاؤُهُ مُزِيلًا إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَلَيْسَ اسْتِيفَاءُ نَحْوِ الْقَوَدِ مُزِيلًا لِلْمَعْصِيَةِ إلَخْ.
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ قَدْرِ النِّصَابِ فِي الشُّهُودِ الْمُخْتَلِفِ بِاخْتِلَافِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَمُسْتَنَدِ الشَّهَادَةِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ (لَا يُحْكَمُ بِشَاهِدٍ) وَاحِدٍ (إلَّا) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِمَا مَرَّ أَوَّلَ الصَّوْمِ كَذَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الْحُكْمُ فِيهِ بَلْ الثُّبُوتُ فَقَطْ إذْ الْحُكْمُ يَسْتَدْعِي مَحْكُومًا عَلَيْهِ مُعَيَّنًا، وَيُرَدُّ بِمَا قَدَّمْته أَوَّلَ الصَّوْمِ عَنْ الْمَجْمُوعِ مِنْ أَنَّ الْحَاكِمَ لَوْ حَكَمَ بِعَدْلٍ وَجَبَ الصَّوْمُ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ إجْمَاعًا، وَقَدْ أَشَارَ إلَى حَقِيقَةِ الْحُكْمِ بِهِ الشَّارِحُ هُنَا بِقَوْلِهِ فَيُحْكَمُ بِهِ (فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَتَوَابِعِهِ) وَمِثْلُهُ شَهْرٌ نَذَرَ صَوْمَهُ وَلَوْ ذَا الْحِجَّةِ (فِي الْأَظْهَرِ) كَمَا مَرَّ فِي الصَّوْمِ وَأَعَادَهُ هُنَا لِلْحَصْرِ، وَأَوْرَدَ عَلَى الْحَصْرِ أَشْيَاءَ كَذِمِّيٍّ مَاتَ وَشَهِدَ عَدْلٌ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ لَمْ يُحْكَمْ بِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْإِرْثِ وَالْحِرْمَانِ وَتَكْفِي بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَتَوَابِعِهَا، وَكَاللَّوَثِ يَثْبُتُ بِوَاحِدٍ وَكَإِخْبَارِ الْعَوْنِ الثِّقَةِ بِامْتِنَاعِ الْخَصْمِ الْمُتَعَزِّزِ فَيُعَزِّرُهُ بِقَوْلِهِ، وَمَرَّ الِاكْتِفَاءُ فِي الْقِسْمَةِ بِوَاحِدٍ وَفِي الْخَرْصِ بِوَاحِدٍ، وَيُمْكِنُ بِأَنْ يُجَابَ عَنْ الْحَصْرِ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِهِ الْحُكْمُ الْحَقِيقِيُّ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى سَبْقِ دَعْوَى صَحِيحَةٍ فَلَا إيرَادَ
(وَيُشْتَرَطُ لِلزِّنَا) وَاللِّوَاطِ وَإِتْيَانِ الْمَيْتَةِ وَالْبَهِيمَةِ (أَرْبَعَةُ رِجَالٍ) فَلَا يَثْبُتُ الْحَدُّ أَوْ التَّعْزِيرُ فِي ذَلِكَ بِدُونِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] وَلِأَنَّهُ أَقْبَحُ الْفَوَاحِشِ وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ أَغْلَظَ مِنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ فَغَلُظَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ سَتْرًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَفْسِيرِهِمْ لَهُ كَرَأَيْنَاهُ أَدْخَلَ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا
[حاشية الشبراملسي]
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ قَدْرِ النِّصَابِ فِي الشُّهُودِ (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ أَوَّلَ الصَّوْمِ) أَيْ مِنْ أَنَّ ثُبُوتَهُ بِالْوَاحِدِ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالْإِخْبَارِ دُونَ التَّوَقُّفِ عَلَى الْحُكْمِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ، وَكَتَبَ أَيْضًا لَطَفَ اللَّهُ بِهِ: قَوْلُهُ لَمَّا مَرَّ أَوَّلَ الصَّوْمِ كَذَا فِي نُسَخٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بَعْدَ مَا ذُكِرَ مَا نَصُّهُ: كَذَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الْحُكْمُ فِيهِ بَلْ الثُّبُوتُ فَقَطْ إذْ الْحُكْمُ يَسْتَدْعِي مَحْكُومًا عَلَيْهِ مُعَيَّنًا، وَيُرَدُّ بِمَا قَدَّمْته أَوَّلَ الصَّوْمِ عَنْ الْمَجْمُوعِ مِنْ أَنَّ الْحَاكِمَ لَوْ حَكَمَ بِعَدْلٍ وَجَبَ الصَّوْمُ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ إجْمَاعًا، وَقَدْ أَشَارَ إلَى حَقِيقَةِ الْحُكْمِ بِهِ الشَّارِحُ هُنَا بِقَوْلِهِ فَيَحْكُمُ بِهِ اهـ وَعَلَيْهَا فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا (قَوْلُهُ: وَتَوَابِعِهِ) كَتَعْجِيلِ زَكَاةِ الْفِطْرِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَدُخُولِ شَوَّالٍ وَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ شَهْرٌ نَذَرَ صَوْمَهُ) خَرَجَ بِهِ شَوَّالٌ وَذُو الْحِجَّةِ فَلَا يَثْبُتُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ وَلَا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهَا عَلَى مَا أَفْهَمَهُ تَقْيِيدُهُ بِالصَّوْمِ، لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ فَيَكْفِي لِلصَّوْمِ كَمَا مَرَّ وَمِثْلُ رَمَضَانَ الْحِجَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْوُقُوفِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَكَذَلِكَ شَوَّالٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ كَمَا قَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ، وَكَذَلِكَ الشَّهْرُ الْمَنْذُورُ صَوْمُهُ إذَا شَهِدَ بِرُؤْيَةِ
[حاشية الرشيدي]
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ قَدْرِ النِّصَابِ فِي الشُّهُودِ الْمُخْتَلِفِ بِاخْتِلَافِ الْمَشْهُودِ بِهِ]
فَصْلٌ) فِي بَيَانِ قَدْرِ النِّصَابِ (قَوْلُهُ: كَذَا قِيلَ) صَوَابُهُ ذَكَرَهُ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَيُرَدُّ لِيُوَافِقَ مَا فِي التُّحْفَةِ (قَوْلُهُ: لَوْ حَكَمَ بِعَدْلٍ وَجَبَ الصَّوْمُ) أَيْ لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى فَتُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى (قَوْلُهُ وَلَوْ ذَا الْحِجَّةِ) لَا وَجْهَ لِأَخْذِ هَذَا غَايَةً فِي الشَّهْرِ الَّذِي نَذَرَ صَوْمَهُ، وَلَعَلَّهُ سَقَطَ قَبْلَهُ لَفْظُ بِخِلَافِ غَيْرِ ذَلِكَ: أَيْ غَيْرِ رَمَضَانَ، وَالشَّهْرِ الَّذِي نَذَرَ صَوْمَهُ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِوَاحِدٍ وَلَوْ ذَا الْحِجَّةِ: أَيْ خِلَافًا لِلْوَجْهِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ كَرَمَضَانَ (قَوْلُهُ: الْمُتَوَقِّفُ عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ) الصَّوَابُ حَذْفُهُ، وَإِلَّا فَهِلَالُ رَمَضَانَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ، وَقَوْلُهُ مُرَادُهُ بِهِ الْحُكْمُ الْحَقِيقِيُّ كَافٍ فِي الْجَوَابِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا يَرِدُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا يُتَّجَهُ وُرُودُهُ عَلَى مَنْ عَبَّرَ بِالثُّبُوتِ لَا بِالْحُكْمِ
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ أَقْبَحُ الْفَوَاحِشِ) هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلزِّنَى وَاللِّوَاطِ خَاصَّةً
حَشَفَتَهُ أَوْ قَدْرَهَا مِنْ فَاقِدِهَا فِي فَرْجِ هَذِهِ أَوْ فُلَانَةَ وَيَذْكُرُ نَسَبَهَا بِالزِّنَا أَوْ نَحْوَهُ، وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذِكْرِ مَكَانِ الزِّنَا وَزَمَانِهِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدُهُمْ وَإِلَّا وَجَبَ سُؤَالُ بَاقِيهِمْ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِ تَنَاقُضٍ يُسْقِطُ شَهَادَتَهُمْ، وَلَا يُشْتَرَطُ قَوْلُهُمْ كَمَيْلٍ فِي مُكْحُلَةٍ.
نَعَمْ يُنْدَبُ وَلَوْ قَالُوا تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ لَا لِأَجْلِ الشَّهَادَةِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ صَغِيرَةٌ لَا تُبْطِلُهَا، وَيَثْبُتُ بِدُونِ الْأَرْبَعَةِ سُقُوطُ الْحَصَانَةِ وَالْعَدَالَةِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ بِرَجُلَيْنِ، وَكَذَا مُقَدِّمَاتُ الزِّنَا وَوَطْءُ شُبْهَةٍ قَصَدَ بِهِ النَّسَبَ أَوْ شَهِدَ بِهِ حِسْبَةٌ يَثْبُتُ بِرَجُلَيْنِ أَوْ الْمَالَ ثَبَتَ بِهِمَا وَبِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَبِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ لِمَا مَرَّ فِي الزِّنَا مِنْ رَأَيْنَا حَشَفَتَهُ إلَى آخِرِهِ (وَ) يُشْتَرَطُ (لِلْإِقْرَارِ بِهِ اثْنَانِ) كَغَيْرِهِ (وَفِي قَوْلٍ أَرْبَعَةٌ) لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِأَنَّ حَدَّهُ لَا يَتَحَتَّمُ
(وَلِمَالٍ) عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ وَلِكُلِّ مَا قُصِدَ بِهِ الْمَالُ (وَعَقْدٍ) أَوْ فَسْخٍ (مَالِيٍّ) مَا عَدَا الشَّرِكَةَ وَالْقِرَاضَ وَالْكَفَالَةَ (كَبَيْعٍ وَإِقَالَةٍ وَحَوَالَةٍ) هِيَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ إذْ الْأَصَحُّ أَنَّهَا بَيْعٌ، وَأَمَّا الْإِقَالَةُ فَفَسْخٌ عَلَى الْأَصَحِّ لَا بَيْعٌ (وَضَمَانٍ) وَرَهْنٍ وَصُلْحٍ وَشُفْعَةٍ وَمُسَابَقَةٍ وَعِوَضِ خُلْعٍ (وَحَقٍّ مَالِيٍّ كَخِيَارٍ وَأَجَلٍ) وَجِنَايَةٍ تُوجِبُ مَالًا (رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) لِعُمُومِ الْأَشْخَاصِ الْمُسْتَلْزِمِ لِعُمُومِ الْأَحْوَالِ إلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى بِالْمُعَامَلَاتِ وَنَحْوِهَا فَوَسَّعَ فِي طُرُقِ إثْبَاتِهَا، وَالتَّخْيِيرُ مُرَادٌ مِنْ الْآيَةِ بِالْإِجْمَاعِ دُونَ التَّرْتِيبِ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُهَا، وَالْخُنْثَى كَالْأُنْثَى أَمَّا الشَّرِكَةُ وَالْقِرَاضُ وَالْكَفَالَةُ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا رَجُلَانِ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ فِي الْأَوَّلَيْنِ إثْبَاتَ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ (وَلِغَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمَالُ (مِنْ عُقُوبَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى) كَقَطْعِ طَرِيقٍ وَحَدِّ شُرْبٍ (أَوْ لِآدَمِيٍّ) كَحَدِّ قَذْفٍ وَقَوَدٍ (وَمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ رِجَالٌ غَالِبًا كَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَرَجْعَةٍ) وَعِتْقٍ (وَإِسْلَامٍ وَرِدَّةٍ
[حاشية الشبراملسي]
هِلَالِهِ وَاحِدٌ خِلَافًا لِلشَّارِحِ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ لِلصَّوْمِ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ فَيَثْبُتُ بِوَاحِدٍ
(قَوْلُهُ: وَيَثْبُتُ بِدُونِ الْأَرْبَعَةِ سُقُوطُ الْحَصَانَةِ وَالْعَدَالَةِ) وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ فِي بَابِ حَدِّ الْقَذْفِ أَنَّ شَهَادَةَ دُونِ أَرْبَعَةٍ بِالزِّنَا تُفَسِّقُهُمْ وَتُوجِبُ حَدَّهُمْ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ هَذَا.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ صُورَتَهُ أَنْ يَقُولَا نَشْهَدُ بِزِنَاهُ بِقَصْدِ سُقُوطِ أَوْ وُقُوعِ مَا ذُكِرَ، فَقَوْلُهُمَا بِقَصْدِ إلَخْ يَنْفِي عَنْهُمَا الْحَدَّ وَالْفِسْقَ لِأَنَّهُمَا صَرَّحَا بِمَا يَنْفِي أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَصْدُهُمَا إلْحَاقَ الْعَارِ بِهِ الَّذِي هُوَ مُوجِبٌ حَدَّ الْقَذْفِ كَمَا مَرَّ ثَمَّ مَعَ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا هُنَا اهـ حَجّ.
أَوْ يُقَالُ: إنَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ بِشَهَادَةِ مَا دُونَ الْأَرْبَعَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُمْ جَوَابًا لِلْقَاضِي حَيْثُ طَلَبَ الشَّهَادَةَ مِنْهُمْ، وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُ مَا هُنَا بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَوَطْءُ شُبْهَةٍ قَصَدَ) أَيْ الشَّاهِدُ (قَوْلُهُ: أَوْ الْمَالَ) قَسِيمُ قَوْلِهِ النَّسَبَ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ حَدَّهُ لَا يَتَحَتَّمُ) أَيْ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إسْقَاطِهِ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ
(قَوْلُهُ: إثْبَاتَ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ) أَيْ: فَيَثْبُتُ بِهِمَا وَبِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَبِرَجُلٍ وَيَمِينٍ (قَوْلُهُ: كَنِكَاحٍ) مِمَّا يَغْفُلُ عَنْهُ فِي الشَّهَادَةِ بِالنِّكَاحِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ تَارِيخِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْعِمَادِ فِي تَوْقِيفِ الْحُكَّامِ فَقَالَ مَا نَصُّهُ: فَرْعٌ: يَجِبُ عَلَى شُهُودِ النِّكَاحِ ضَبْطُ التَّارِيخِ بِالسَّاعَاتِ وَاللَّحَظَاتِ، وَلَا يَكْفِي الضَّبْطُ بِيَوْمِ الْعَقْدِ، فَلَا يَكْفِي أَنَّ النِّكَاحَ عُقِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَثَلًا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الشَّمْسِ مَثَلًا بِلَحْظَةٍ أَوْ لَحْظَتَيْنِ أَوْ قَبْلَ الْعَصْرِ أَوْ الْمَغْرِبِ كَذَلِكَ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَتَعَلَّقُ بِهِ لِحَاقُ الْوَلَدِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَحْظَتَيْنِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، فَعَلَيْهِ ضَبْطُ التَّارِيخِ لِذَلِكَ لِحَقِّ النَّسَبِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَتَعَلَّقُ بِهِ لِحَاقُ الْوَلَدِ إلَخْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجْرِي فِي غَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ، فَلَا يُشْتَرَطُ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ بِهَا ذِكْرُ التَّارِيخِ، وَيَدُلُّ لَهُمْ قَوْلُهُمْ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ إذَا أُطْلِقَتْ إحْدَاهُمَا وَأُرِّخَتْ الْأُخْرَى أَوْ أُطْلِقَتَا تَسَاقَطَتَا لِاحْتِمَالِ أَنَّ مَا شَهِدَا بِهِ فِي تَارِيخٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَقُولُوا بِقَبُولِ الْمُؤَرَّخَةِ وَبُطْلَانِ الْمُطْلَقَةِ (قَوْلُهُ: وَطَلَاقٍ) هَلْ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ أَقَرَّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ وَيَثْبُتُ بِدُونِ الْأَرْبَعَةِ سُقُوطُ الْحَصَانَةِ وَالْعَدَالَةِ) اُنْظُرْ صُورَةَ الشَّهَادَةِ بِذَلِكَ فِي التُّحْفَةِ
(قَوْلُهُ: فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ [البقرة: 282] أَيْ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ (قَوْلُهُ: فَيُعْتَبَرُ فِيهَا رَجُلَانِ) أَيْ لِمَا فِيهَا مِنْ الْوِلَايَةِ
وَجَرْحٍ وَتَعْدِيلٍ وَمَوْتٍ وَإِعْسَارٍ وَوَكَالَةٍ) وَدِيعَةً ادَّعَى مَالِكُهَا غَصْبَ ذِي الْيَدِ لَهَا وَذُو الْيَدِ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ إثْبَاتُ وِلَايَةِ الْحِفْظِ لَهُ وَعَدَمُ الضَّمَانِ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ: أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ (وَوِصَايَةٍ وَشَهَادَةٍ عَلَى شَهَادَةٍ رَجُلَانِ) لِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ: مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَلَا فِي النِّكَاحِ وَلَا فِي الطَّلَاقِ، وَهَذَا حُجَّةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْمُخَالِفُ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى نَصَّ فِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالْوِصَايَةِ عَلَى الرَّجُلَيْنِ وَصَحَّ بِهِ الْخَبَرُ فِي النِّكَاحِ، وَقِيسَ بِهَا مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ كُلِّ مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَلَا نَظَرَ لِرُجُوعِ الْوِصَايَةِ وَالْوَكَالَةِ لِلْمَالِ إذْ الْقَصْدُ مِنْهُمَا إثْبَاتُ التَّصَرُّفِ لَا الْمَالِ.
وَنَقْلًا عَنْ الْغَزَالِيِّ وَأَقَرَّاهُ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَتْ طَلَاقَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ وَطَالَبَتْهُ بِشَطْرِ صَدَاقِهَا أَوْ بَعْدُ وَطَالَبَتْهُ بِالْجَمِيعِ أَوْ أَنَّ هَذَا الْمَيِّتَ زَوْجُهَا وَطَلَبَتْ إرْثَهَا مِنْهُ قُبِلَ نَحْوُ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْمَالُ، كَمَا فِي مَسْأَلَتَيْ السَّرِقَةِ وَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالْغَصْبِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ دُونَ الْغَصْبِ وَالطَّلَاقِ، وَأُلْحِقَ بِهِ قَبُولُ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَيِّتٍ فَيَثْبُتُ الْإِرْثُ لَا النَّسَبُ (وَمَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ النِّسَاءُ أَوْ لَا يَرَاهُ رِجَالٌ غَالِبًا كَبَكَارَةٍ) وَثُيُوبَةٍ وَقَرْنٍ وَرَتْقٍ وَوِلَادَةٍ وَحَيْضٍ لِتَعَسُّرِ اطِّلَاعِ الرِّجَالِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الدَّمَ وَإِنْ شُوهِدَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ وَهَذَا مُرَادُهُمَا بِقَوْلِهِمَا فِي الطَّلَاقِ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ، إذْ كَثِيرًا مَا يُطْلَقُ التَّعَذُّرُ وَيُرَادُ بِهِ التَّعَسُّرُ (وَرَضَاعٍ) ذُكِرَ هُنَا لِلتَّمْثِيلِ، وَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ لِمَعْرِفَةِ حُكْمِهِ فَلَا تَكْرَارَ، وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ مِنْ الثَّدْيِ، أَمَّا شُرْبُ اللَّبَنِ مِنْ إنَاءٍ فَلَا يُقْبَلْنَ فِيهِ.
نَعَمْ يُقْبَلْنَ فِي أَنَّ هَذَا لَبَنُ فُلَانَةَ (وَعُيُوبٍ تَحْتَ الثِّيَابِ) الَّتِي لِلنِّسَاءِ مِنْ بَرَصٍ وَنَحْوِهِ وَلَوْ فِي جُرْحٍ عَلَى الْفَرْجِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً خِلَافًا لِلْبَغَوِيِّ لِأَنَّ جِنْسَ ذَلِكَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا (يَثْبُتُ بِمَا سَبَقَ) أَيْ بِرَجُلَيْنِ وَرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ (وَبِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ) وَحْدَهُنَّ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِنَّ هُنَا وَلَا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَيَمِينٍ، وَخَرَجَ بِتَحْتِ الثِّيَابِ، وَالْمُرَادُ مَا لَا يَظْهَرُ مِنْهَا غَالِبًا عَيْبُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ مِنْ الْحُرَّةِ فَلَا بُدَّ فِي ثُبُوتِهِ إنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ مَالٌ مِنْ رَجُلَيْنِ، وَكَذَا فِيمَا يَبْدُو عِنْدَ مِهْنَةِ الْأَمَةِ إذَا قُصِدَ بِهِ فَسْخُ النِّكَاحِ مَثَلًا، أَمَّا إذَا قُصِدَ
[حاشية الشبراملسي]
بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ لِيَنْكِحَ أُخْتَهَا مَثَلًا وَأَنْكَرَتْهُ الزَّوْجَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ رَجُلَيْنِ أَمْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِمُجَرَّدِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ بِالنِّسْبَةِ لِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ فَلَا يَنْكِحُ أُخْتَهَا وَلَا أَرْبَعًا سِوَاهَا إلَّا بِإِقَامَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَيُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ بِالطَّلَاقِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ وَوِصَايَةٍ) وَقِرَاضٍ وَكَفَالَةٍ اهـ شَرْحٌ مَنْهَجٍ.
أَقُولُ: فَلَوْ غَابَ الْمَكْفُولُ بِبَدَنِهِ وَعُلِمَ مَحَلُّهُ فَطُلِبَ مِنْ الْكَفِيلِ إحْضَارُهُ وَأَدَاءُ الْمَالِ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ الْإِحْضَارِ فَأَنْكَرَ الْكَفَالَةَ فَأَقَامَ الْمَكْفُولُ لَهُ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ فَهَلْ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ لِطَلَبِ الْمَالِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ وَأُلْحِقَ بِهِ قَبُولُ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ بِنَسَبٍ إلَى مَيِّتٍ فَيَثْبُتُ الْإِرْثُ لَا النَّسَبُ.
وَكَتَبَ أَيْضًا لَطَفَ اللَّهُ بِهِ: قَوْلُهُ وَوِصَايَةٌ هِيَ اسْمٌ لِلتَّفْوِيضِ لِمَنْ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْرِ أَطْفَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ يُنَفِّذُ وَصَايَاهُ مَثَلًا (قَوْلُهُ: كَمَا فِي مَسْأَلَتَيْ السَّرِقَةِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الثَّابِتَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي دَعْوَى الطَّلَاقِ قَبْلَ الْوَطْءِ أَوْ بَعْدَهُ الْمَهْرُ دُونَ الطَّلَاقِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْبَغَوِيِّ) حَيْثُ اسْتَثْنَاهُ، وَعَلَّلَهُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ إلَخْ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا) أَيْ الشَّهَادَةِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: الْوَدِيعَةٍ ادَّعَى مَالِكُهَا إلَخْ) أَيْ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا رَجُلَانِ: أَيْ مِنْ الْوَدِيعِ أَخْذًا مِنْ التَّعْلِيلِ، أَمَّا الْمَالِكُ فَيَكْفِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي مَحْضَ الْمَالِ (قَوْلُهُ: وَالْحَالُ أَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ) هَلَّا قُبِلَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ إذَا كَانَ الْمُودَعُ يُطَالِبُهُ بِبَدَلِ الْمَنَافِعِ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي نَحْوِ الشَّرِكَةِ (قَوْلُهُ: دُونَ الْغَصْبِ وَالطَّلَاقِ) أَيْ وَالسَّرِقَةِ (قَوْلُهُ: وَأُلْحِقَ بِهِ قَبُولُ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ بِالنَّسَبِ) لَعَلَّ الصُّورَةَ أَنَّ الدَّعْوَى بِالْمَالِ كَمَا هُوَ سِيَاقُ مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ لِأَنَّ جِنْسَ ذَلِكَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ) هُوَ تَعْلِيلٌ مِنْ جَانِبِ الْبَغَوِيّ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الدَّمِيرِيِّ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّارِحِ: لَا يَطَّلِعُ، بِزِيَادَةِ لَا قَبْلَ يَطَّلِعُ، وَالصَّوَابُ حَذْفُهَا لِمَا عَلِمْت (قَوْلُهُ: وَلَوْ فِي جُرْحٍ عَلَى الْفَرْجِ) هَذِهِ الْغَايَةُ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ تَثْبُتُ بِمَا سَبَقَ
بِهِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ فَيَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَرَجُلٍ وَيَمِينٍ إذْ الْقَصْدُ مِنْهُ حِينَئِذٍ الْمَالُ، وَلَوْ أَقَامَتْ شَاهِدًا بِإِقْرَارِ زَوْجِهَا بِالدُّخُولِ فَلَهَا الْحَلِفُ مَعَهُ وَيَثْبُتُ مَهْرُهَا، فَإِنْ أَقَامَهُ هُوَ عَلَى إقْرَارِهَا لَمْ يَكْفِ الْحَلِفُ مَعَهُ لِأَنَّ قَصْدَهُ ثُبُوتُ الرَّجْعَةِ وَالْعِدَّةِ وَهُمَا لَيْسَا بِمَالٍ، وَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي وَجْهِ الْحُرَّةِ وَيَدِهَا وَمَا يَبْدُو فِي مِهْنَةِ الْأَمَةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى الْمَرْجُوحِ الْقَائِلِ بِحِلِّ نَظَرِهِ، أَمَّا عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ حُرْمَتِهِ فَيَثْبُت بِالنِّسَاءِ مَرْدُودٌ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ كَلَامِهِمْ، سِيَّمَا مَا يَبْدُو فِي الْأَمَةِ فَإِنَّ تَخْصِيصَهُ لَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّهَا كَالْحُرَّةِ، وَلَا عَلَى قَوْلِ الرَّافِعِيِّ بِحِلِّ مَا عَدَا مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَمَّا ذُكِرَ، وَحِينَئِذٍ فَوَجْهُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَنْظُرُوا هُنَا لِحِلِّ نَظَرٍ وَلَا لِحُرْمَتِهِ إذْ لِلشَّاهِدِ النَّظَرُ لِلشَّهَادَةِ وَلَوْ لِلْفَرْجِ كَمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا نَظَرُوا لِمَا مِنْ شَأْنِهِ اطِّلَاعُ الرِّجَالِ عَلَيْهِ غَالِبًا أَوْ لَا، وَمَا ذُكِرَ يُسَهِّلُ اطِّلَاعَهُمْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ لِعَدَمِ تَحَفُّظِ النِّسَاءِ فِي سَتْرِهِ غَالِبًا فَلَمْ يُقْبَلْنَ فِيهِ مُطْلَقًا
(وَمَا لَا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ لَا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَيَمِينٍ) لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ بِالْأَقْوَى فَمَا دُونَهُ أَوْلَى (وَمَا ثَبَتَ بِهِمْ) أَيْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَغَلَبَهُ لِشَرَفِهِ (يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَيَمِينٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِهِمَا فِي الْحُقُوقِ وَالْأَمْوَالِ ثُمَّ الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا.
فَانْدَفَعَ قَوْلُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ إنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ فَلَا يَنْسَخُ الْقُرْآنَ عَلَى أَنَّ النَّسْخَ لِلْحُكْمِ وَهُوَ ظَنِّيٌّ فَلْيَثْبُتْ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ ادَّعَى مِلْكًا تَضَمَّنَ وَقْفِيَّةً كَأَنْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ كَانَتْ لِأَبِي وَقَفَهَا عَلَيَّ وَأَنْت غَاصِبٌ وَأَقَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ حُكِمَ لَهُ بِالْمِلْكِ ثُمَّ تَصِيرُ وَقْفًا بِإِقْرَارِهِ وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ (إلَّا عُيُوبَ النِّسَاءِ وَنَحْوَهَا) فَلَا تَثْبُتُ بِهِمَا لِخَطَرِهَا، نَعَمْ يُقْبَلَانِ فِي عَيْبٍ فِيهِنَّ يَقْتَضِي الْمَالَ كَمَا مَرَّ (وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ بِامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ) لِضَعْفِهِمَا.
(وَإِنَّمَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي بَعْدَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ وَتَعْدِيلِهِ) لِأَنَّ جَانِبَهُ إنَّمَا يَتَقَوَّى حِينَئِذٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْقَضَاءَ بِهِمَا، فَلَوْ رَجَعَ الشَّاهِدُ غَرِمَ نِصْفَ الْمَشْهُودِ بِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُشْتَرَطْ تَقَدُّمُ شَهَادَةِ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَتَيْنِ لِقِيَامِهِمَا مَقَامَ الرَّجُلِ قَطْعًا (وَيَذْكُرُ فِي حَلِفِهِ) عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لِلْمَشْهُودِ بِهِ (صِدْقَ الشَّاهِدِ) وُجُوبًا قَبْلَهُ أَمْ بَعْدَهُ فَيَقُولُ وَاَللَّهِ إنَّ شَاهِدِي لَصَادِقٌ وَإِنِّي لَمُسْتَحِقٌّ لِكَذَا لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَا الْجِنْسِ فَاعْتُبِرَ ارْتِبَاطُهُمَا لِيَصِيرَا كَالنَّوْعِ الْوَاحِدِ (فَإِنْ تَرَكَ الْحَلِفَ) مَعَ شَاهِدِهِ (وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ فَلَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ قَدْ يَتَوَرَّعُ عَنْ الْيَمِينِ،
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: ثُمَّ الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ) فَصَارَ إجْمَاعًا (قَوْلُهُ: ثُمَّ تَصِيرُ وَقْفًا بِإِقْرَارِهِ) أَيْ ثُمَّ إنْ ذَكَرَ مَصْرِفًا بَعْدَهُ صَرَفَ لَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ مُنْقَطِعُ الْآخَرِ فَيَصْرِفُ لِأَقْرَبِ رَحِمِ الْوَاقِفِ (قَوْلُهُ: فَلَا تَثْبُتُ بِهِمَا) أَيْ بِالرَّجُلِ وَالْيَمِينِ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْقَضَاءَ بِهِمَا) أَيْ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ (قَوْلُهُ: لِقِيَامِهَا مَقَامَ الرَّجُلِ قَطْعًا) أَيْ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَإِنَّ فِي الثُّبُوتِ بِهِمَا خِلَافًا (قَوْلُهُ: صِدْقَ الشَّاهِدِ وُجُوبًا قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ ذِكْرِ الْحَقِّ الَّذِي يَدَّعِيهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَا الْجِنْسِ) أَيْ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: فَانْدَفَعَ قَوْلُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ إلَخْ) قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ: فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ مُجَرَّدَ رِوَايَتِهِ عَنْ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِينَ لَا يُحَقَّقُ تَوَاتُرُهُ لِمَا اسْتَقَرَّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ وُجُودُ عَدَدِ التَّوَاتُرِ فِي سَائِرِ الطِّبَاقِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. وَلَك أَنْ تَقُولَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ كَالشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ لَيْسَ هُوَ تَمَامُ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِ التَّوَاتُرِ بَلْ هُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ أُخْرَى تَرَكَاهَا لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ، وَهِيَ أَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ ذَلِكَ الْحَنَفِيَّ مُنَازَعَتُهُ إنَّمَا هِيَ مَعَ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ مِنْ تَابِعِ التَّابِعِينَ، وَيَبْعُدُ عَادَةً أَنْ يَرْوِيَ مَا ذُكِرَ عَدَدٌ قَلِيلٌ عَنْ هَذَا الْعَدَدِ مِنْ الصَّحَابَةِ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الرَّاوِيَ لَهُ عَنْ الصَّحَابَةِ الْمَذْكُورِينَ عَدَدٌ أَكْثَرُ مِنْهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ لِمَا عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ الْخَبَرَ الْوَاحِدَ يَرْوِيهِ عَنْ الصَّحَابِيِّ الْوَاحِدِ عَدَدٌ مِنْ التَّابِعِينَ لِتَوَفُّرِهِمْ عَلَى تَلَقِّي الْأَحَادِيثِ وَحِفْظِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ، فَالظَّاهِرُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ وَصَلَ إلَى الشَّافِعِيِّ مِنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ مَا يَبْلُغُ نَحْوَ الْبَيْهَقِيّ عَنْ هَذَا الْعَدَدِ مِنْ الصَّحَابَةِ مَعَ تَرَاخِي زَمَنِهِ عَنْهُمْ يَبْلُغُ الشَّافِعِيَّ عَنْ عَدَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُمْ لِقُرْبِهِ مِنْ زَمَنِهِمْ وَلِجَلَالَتِهِ الْمُقَرَّرَةِ فِي هَذَا الْعِلْمِ كَغَيْرِهِ فَتَأَمَّلْ
فَإِنْ حَلَفَ خَصْمُهُ سَقَطَتْ الدَّعْوَى وَلَيْسَ لَهُ الْحَلِفُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ شَاهِدٍ قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ انْتَقَلَتْ مِنْ جَانِبِهِ إلَى جَانِبِ خَصْمِهِ، إلَّا أَنْ يَعُودَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ فَيَسْتَأْنِفَ الدَّعْوَى وَيُقِيمَ الشَّاهِدَ، وَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ مَعَهُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ الْبَابِ، لَكِنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ يُفْهِمُ أَنَّ الدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ مِنْهُ بِمَجْلِسٍ آخَرَ.
(فَإِنْ نَكَلَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فَلَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (أَنْ يَحْلِفَ يَمِينَ الرَّدِّ فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهَا غَيْرُ الَّتِي امْتَنَعَ عَنْهَا لِأَنَّ تِلْكَ لِقُوَّةِ جِهَتِهِ بِالشَّاهِدِ وَيُقْضَى بِهَا فِي الْمَالِ فَقَطْ وَهَذِهِ لِقُوَّةِ جِهَتِهِ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيُقْضَى بِهَا فِي كُلِّ حَقٍّ، وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْحَلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ (وَلَوْ) (كَانَ بِيَدِهِ أَمَةٌ وَوَلَدُهَا) يَسْتَرِقُّهُمَا (فَقَالَ رَجُلٌ هَذِهِ مُسْتَوْلَدَتِي عَلِقَتْ بِهَذَا) مِنِّي (فِي مِلْكِي وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ) أَقَامَهُ (ثَبَتَ الِاسْتِيلَادُ) يَعْنِي مَا فِيهَا مِنْ الْمَالِيَّةِ، وَأَمَّا نَفْسُ الِاسْتِيلَادِ الْمُقْتَضِي لِعِتْقِهَا بِالْمَوْتِ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ فَتُنْزَعُ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ وَتُسَلَّمُ لَهُ لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ مَالٌ لِسَيِّدِهَا، وَمَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ زِيَادَتِهِ فِي دَعْوَاهُ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِي عَلَى حُكْمِ الِاسْتِيلَادِ لِجَوَازِ بَيْعِ الْمُسْتَوْلَدَةِ فِي صُوَرٍ رُدَّ بِأَنَّهُ حَيْثُ جَازَ بَيْعُهَا أُلْغِيَ الِاسْتِيلَادُ فَلَا يَصْدُقُ مَعَهُ قَوْلُهُ مُسْتَوْلَدَتِي (لَا نَسَبُ الْوَلَدِ وَحُرِّيَّتُهُ) فَلَا يَثْبُتَانِ بِهِمَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (فِي الْأَظْهَرِ) فَلَا يُنْزَعُ مِنْ ذِي الْيَدِ، وَفِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنْ الْمُدَّعِي بِالْإِقْرَارِ مَا مَرَّ فِي بَابِهِ، وَالثَّانِي يَثْبُتَانِ تَبَعًا فَيُنْزَعُ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ وَيَكُونُ حُرًّا نَسِيبًا بِإِقْرَارِ الْمُدَّعِي (وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ غُلَامٌ) يَسْتَرِقُّهُ وَذِكْرُهُ مِثَالٌ (فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ لِي وَأَعْتَقْتُهُ وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ) (فَالْمَذْهَبُ انْتِزَاعُهُ وَمَصِيرُهُ حُرًّا) بِإِقْرَارِهِ وَإِنْ تَضَمَّنَ اسْتِحْقَاقُهُ الْوَلَاءَ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِدَعْوَاهُ الصَّالِحَةِ حُجَّةً لِإِثْبَاتِهِ، وَالْعِتْقُ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ وَبِهِ فَارَقَ مَا قَبْلَهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَ قَوْلًا فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِيلَادِ بِنَفْيِ ذَلِكَ فَجَعَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، وَالْفَرْقُ مَا مَرَّ
(وَلَوْ) (ادَّعَتْ وَرَثَةٌ) أَوْ بَعْضُهُمْ (مَالًا) عَيْنًا أَوْ دَيْنًا أَوْ مَنْفَعَةً (لِمُوَرِّثِهِمْ) الَّذِي مَاتَ قَبْلَ نُكُولِهِ (وَأَقَامُوا شَاهِدًا) بِالْمَالِ بَعْدَ إثْبَاتِهِمْ لِمَوْتِهِ مِنْهُ وَإِرْثِهِمْ وَانْحِصَارِهِ فِيهِمْ (وَحَلَفَ مَعَهُ بَعْضُهُمْ) عَلَى اسْتِحْقَاقِ مُوَرِّثِهِ الْجَمِيعَ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ، وَمِثْلُهُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ فَإِنْ حَلَّفَ خَصْمَهُ سَقَطَتْ) أَيْ فَإِنْ اسْتَحْلَفَ خَصْمَهُ فَلَمْ يَحْلِفْ قَضِيَّةُ قَوْلِهِ فَإِنْ حَلَّفَ خَصْمَهُ إلَخْ أَنَّ حَقَّهُ لَا يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ طَلَبِهِ يَمِينَ خَصْمِهِ.
قَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ نَقْلًا عَنْ حَجّ: لَكِنَّ الَّذِي رَجَّحَاهُ بُطْلَانُهُ فَلَا يَعُودُ لِلْحَلِفِ مَعَ شَاهِدِهِ وَلَوْ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْيَمِينِ بِطَلَبِهِ يَمِينَ خَصْمِهِ كَمَا تَسْقُطُ بِرَدِّهَا عَلَى خَصْمِهِ، بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْهَا بِمُجَرَّدِ طَلَبِهِ يَمِينَ خَصْمِهِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهُ الْحَلِفُ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ حَلِفِ خَصْمِهِ (قَوْلُهُ: وَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ مَعَهُ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: مَا مَرَّ فِي بَابِهِ) وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ صَغِيرًا فَلَا يَثْبُتْ مُحَافَظَةً عَلَى حَقِّ الْوَلَاءِ لِلسَّيِّدِ وَإِنْ كَانَ بَالِغًا وَصَدَّقَهُ ثَبَتَ فِي الْأَصَحِّ
(قَوْلُهُ: الَّذِي مَاتَ قَبْلَ نُكُولِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ: عَلَى اسْتِحْقَاقِ مُوَرِّثِهِ) وَلَا مُنَافَاةَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْحَلِفُ) اُنْظُرْ مَتَى يُمْكِنُهُ، وَعِبَارَةُ الْجَلَالِ: لِأَنَّهُ تَرَكَ الْحَلِفَ فَلَا يَعُودُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ يَعْنِي مَا فِيهَا مِنْ الْمَالِيَّةِ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: قَدْ يُسْتَغْنَى عَنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الِاسْتِيلَادَ بِمَعْنَى مَجْمُوعِ مَا فِيهَا مِنْ الْمَالِيَّةِ وَنَفْسُ الْإِيلَادِ ثَبَتَ لِمَجْمُوعِ الْحُجَّةِ وَالْإِقْرَارِ، فَإِنَّ عِبَارَتَهُ صَالِحَةٌ لِذَلِكَ اهـ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِ الْمُتَلَازِمَيْنِ عَنْ ذِكْرِ الْآخَرِ لِعِلْمِهِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَفِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنْ الْمُدَّعِي إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ تَعَلُّقَاتِ الْأَظْهَرِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَبِهِ فَارَقَ مَا قَبْلَهُ) أَيْ مِنْ عَدَمِ حُرِّيَّةِ الْوَلَدِ: أَيْ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَامَتْ الْحُجَّةُ فِيهِ عَلَى مِلْكِ الْأُمِّ، وَقَدْ رَتَّبْنَا عِتْقَهَا عَلَيْهِ إذَا جَاءَ وَقْتُهُ بِإِقْرَارِهِ نَظِيرُ مَا هُنَا، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَقَضِيَّةُ الدَّعْوَى وَالْحُجَّةِ كَوْنُهُ حُرًّا نَسِيبًا وَهُمَا لَا يَثْبُتَانِ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ، وَمَنْ لَوْ ادَّعَى فِي صُورَةِ الِاسْتِيلَادِ أَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا فِي مِلْكِ ذِي الْيَدِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا مَعَ الْوَلَدِ فَيَعْتِقُ الْوَلَدُ عَلَيْهِ وَأَقَامَ عَلَيْهِ حُجَّةً نَاقِصَةً قُبِلَتْ وَعَتَقَ، لِأَنَّ الْعِتْقَ الْآنَ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمِلْكِ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ النَّاقِصَةُ
(قَوْلُهُ: بَعْدَ إثْبَاتِهِمْ لِمَوْتِهِ وَإِرْثِهِمْ مِنْهُ وَانْحِصَارِهِ فِيهِمْ) أَيْ بِالْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ، وَأَشَارَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إلَى شُرُوطِ
مَا إذَا حَلَّفَ جَمِيعَهُمْ لِأَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ بِحَلِفِهِ الْمِلْكَ لِمُوَرِّثِهِ (أَخَذَ نَصِيبَهُ وَلَا يُشَارَكُ فِيهِ) مِنْ جِهَةِ بَقِيَّتِهِمْ لِأَنَّ الْحُجَّةَ تَثْبُتُ فِي حَقِّهِ فَقَطْ.
وَأَمَّا غَيْرُهُ فَمُتَمَكِّنٌ مِنْهَا بِالْحَلِفِ وَلِأَنَّ الشَّخْصَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا بِيَمِينِ غَيْرِهِ، وَبِهَذَيْنِ فَارَقَ مَا لَوْ ادَّعَيَا دَارًا إرْثًا فَصَدَّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحَدَهُمَا فِي نَصِيبِهِ وَكَذَّبَ الْآخَرَ أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِلْمَيِّتِ فَأَخَذَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ قَدْرَ حِصَّتِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ دَعْوَى وَلَا إذْنٍ مِنْ حَاكِمٍ فَلِلْبَقِيَّةِ مُشَارَكَتُهُ فِيهِ، وَلَوْ أَخَذَ أَحَدُ شُرَكَاءَ فِي دَارٍ أَوْ مَنْفَعَتِهَا قَدْرَ حِصَّتِهِ مِنْ أُجْرَتِهَا لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهَا الْبَقِيَّةُ، وَلَوْ ادَّعَى غَرِيمٌ مِنْ غُرَمَاءِ مَيِّتٍ مَدْيُونٍ عَلَى وَارِثِهِ بِوَضْعِ يَدِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ عَلَى مَا يَفِي بِحَقِّهِ فَأَنْكَرَ وَحَلَفَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَضَعْ يَدَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا لَمْ تَكْفِهِ هَذِهِ الْيَمِينُ لِلْبَقِيَّةِ بَلْ كُلُّ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ بَعْدَهَا بِوَضْعِ الْيَدِ حَلَّفَهُ أَيْضًا، كَذَا أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ.
وَرَدَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ لَوْ ادَّعَى حَقًّا عَلَى جَمْعٍ فَرَدُّوا عَلَيْهِ الْيَمِينَ أَوْ أَقَامَ شَاهِدًا لِيَحْلِفَ مَعَهُ كَفَتْهُ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَقَوْلُهُمْ لَوْ ثَبَتَ إعْسَارُ مَدِينٍ وَطَلَبَ غُرَمَاؤُهُ تَحْلِيفَهُ أُجِيبُوا وَتَكْفِيهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَقَوْلُهُمْ لَوْ ثَبَتَ إعْسَارُهُ بِيَمِينِهِ فَظَهَرَ لَهُ غَرِيمٌ آخَرُ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيفُهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَا سِوَى الْأَخِيرَةِ قَدْ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ لِوُقُوعِ الدَّعْوَى بَيْنَهُمْ أَوْ عَلَيْهِمْ فَوَقَعَتْ الْيَمِينُ لِجَمِيعِهِمْ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْبُلْقِينِيُّ.
وَأَمَّا الْأَخِيرَةُ فَالْإِعْسَارُ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَدْ ثَبَتَ.
وَالظَّاهِرُ دَوَامُهُ فَلَمْ يَجِبْ الثَّانِي لِتَحْلِيفِهِ، بِخِلَافِ وَضْعِ الْيَدِ فَإِنَّهُ إذَا انْتَفَى بِالْيَمِينِ الْأُولَى لَيْسَ الظَّاهِرُ دَوَامَهُ فَوَجَبَتْ الْيَمِينُ عَلَى نَفْيِهِ لِكُلِّ مُدَّعًى بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ، وَيَكْفِي فِي ثُبُوتِ دَيْنٍ عَلَى مَيِّتٍ حُضُورُ بَعْضِ وَرَثَتِهِ لَكِنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَدَّى لِغَيْرِ الْحَاضِرِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِلْمَيِّتِ ثُمَّ ادَّعَى أَدَاءَهُ إلَيْهِ وَأَنَّهُ نَسِيَ ذَلِكَ حَالَةَ إقْرَارِهِ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ لِتَحْلِيفِ الْوَارِثِ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ، وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ بِالْأَدَاءِ لِاحْتِمَالِ نِسْيَانِهِ
(وَيَبْطُلُ حَقُّ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ) مِنْ الْيَمِينِ (بِنُكُولِهِ إنْ حَضَرَ) فِي الْبَلَدِ وَكَانَ قَدْ شَرَعَ فِي الْخُصُومَةِ أَوْ شَعَرَ بِهَا (وَهُوَ كَامِلٌ) فَلَوْ مَاتَ لَمْ يَحْلِفْ وَارِثُهُ وَلَوْ مَعَ شَاهِدٍ يُقِيمُهُ لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ الْمُوَرِّثِ وَقَدْ بَطَلَ حَقُّهُ بِنُكُولِهِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا مِنْ الْيَمِينِ الْبَيِّنَةُ فَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ مِنْهَا فَلَهُ إقَامَةُ شَاهِدٍ ثَانٍ مَضْمُومًا إلَى الْأَوَّلِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ شَهَادَتِهِ كَالدَّعْوَى لِتَصِيرَ بَيِّنَتُهُ كَامِلَةً، كَمَا لَوْ أَقَامَ مُدَّعٍ شَاهِدًا ثُمَّ مَاتَ فَلِوَارِثِهِ إقَامَةُ آخَرَ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ بِنُكُولِهِ تَوَقُّفُهُ عَنْ الْيَمِينِ
[حاشية الشبراملسي]
بَيْنَ مَا هُنَا وَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَبَحَثَ هُوَ أَيْضًا إلَخْ لِأَنَّ الدَّعْوَى هُنَا وَقَعَتْ بِجَمِيعِ الْمَالِ بِخِلَافِ مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: بَلْ كُلُّ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ) غُرَمَاءُ أَوْ وَرَثَةٌ (قَوْلُهُ: كَذَا أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ وَأَقَامَ شَاهِدًا) أَيْ أَوْ لَمْ يُقِمْ وَحَلَفَ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُمْ لَوْ ثَبَتَ إلَخْ) وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْبُلْقِينِيِّ حَصَلَ فِيهَا طَلَبُ الْيَمِينِ فِي دَعَاوَى مُتَعَدِّدَةٍ بِعَدَدِ الْغُرَمَاءِ، وَمَا هُنَا الْيَمِينُ الْمُتَوَجِّهَةُ فِي دَعْوَى وَاحِدَةٍ فَاكْتَفَى بِهَا لِاتِّحَادِ الدَّعْوَى وَطَلَبُ التَّعَدُّدِ فِي تِلْكَ بِتَعَدُّدِ الدَّعَاوَى فَلْيُتَأَمَّلْ.
ثُمَّ رَأَيْت قَوْلَهُ وَأُجِيبَ إلَخْ، وَمَا ذَكَرْنَا أَوْضَحُ (قَوْلُهُ: سِوَى الْأَخِيرَةِ) هِيَ قَوْلُهُ لَوْ ثَبَتَ إعْسَارُهُ بِيَمِينِهِ (قَوْلُهُ: لِوُقُوعِ الدَّعْوَى بَيْنَهُمْ) أَيْ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَوْلُهُ أَوْ عَلَيْهِمْ أَيْ فِي الْأُولَى
(قَوْلُهُ: فَلَوْ مَاتَ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ السَّابِقِ مَاتَ قَبْلَ نُكُولِهِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَبْطُلُ) أَيْ وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ
[حاشية الرشيدي]
دَعْوَى الْوَارِثِ الْإِرْثَ، لَكِنْ يُتَأَمَّلُ قَوْلُهُ وَانْحِصَارُهُ فِيهِمْ مَعَ قَوْلِهِ قَبْلَ أَوْ بَعْضِهِمْ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَدَّى لِغَيْرِ الْحَاضِرِ) سَيَأْتِي لَهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ عَقْدًا مَالِيًّا كَبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ كَفَى الْإِطْلَاقُ فِي الْأَصَحِّ مَا نَصُّهُ: لَكِنْ لَا يَحْكُمُ: أَيْ الْقَاضِي إلَّا بَعْدَ إعْلَامِ الْجَمِيعِ بِالْحَالِ فَانْظُرْهُ مَعَ مَا هُنَا
(قَوْلُهُ: فَلَهُ إقَامَةُ شَاهِدٍ ثَانٍ إلَخْ) وَظَاهِرُ أَنَّهُ يَثْبُتُ حِينَئِذٍ مَالُ الْمَيِّتِ فَلَا يَحْتَاجُ بَاقِي الْوَرَثَةِ إلَى حَلِفٍ إنْ لَمْ يَكُونُوا حَلَفُوا، وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلَيْنِ الْمَارَّيْنِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يُشَارِكُ فِيهِ أَنَّ مَنْ أَخَذَ حِينَئِذٍ شَيْئًا شُورِكَ فِيهِ، وَانْظُرْ هَلْ يَجْرِي ذَلِكَ فِيمَنْ أَخَذَ بِيَمِينِهِ أَوْ لَا، وَتَرَدَّدَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ فِيهِ لَوْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَرُدَّ الْيَمِينُ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ هَلْ يَحْلِفُ؟ فَإِنْ قُلْنَا نَعَمْ هَلْ تَثْبُتُ حِصَّتُهُ فَقَطْ أَوْ الْجَمِيعُ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
فَلَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّهُ مِنْهَا، فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ النُّكُولِ اُتُّجِهَ حَلِفُ وَارِثِهِ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ.
أَمَّا حَاضِرٌ لَمْ يَشْرَعْ أَوْ لَمْ يَشْعُرْ فَكَصَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ (فَإِنْ كَانَ) مَنْ لَمْ يَحْلِفْ (غَائِبًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَقْبِضُ نَصِيبَهُ) بَلْ يُوقَفُ الْأَمْرُ إلَى عِلْمِهِ أَوْ حُضُورِهِ أَوْ كَمَالِهِ (فَإِنْ زَالَ عُذْرُهُ) بِأَنْ عَلِمَ أَوْ قَدِمَ أَوْ أَفَاقَ (حَلَفَ وَأَخَذَ) حِصَّتَهُ (بِغَيْرِ إعَادَةِ شَهَادَةٍ) مَا دَامَ الشَّاهِدُ بَاقِيًا بِحَالِهِ وَاسْتِئْنَافُ دَعْوَى لِوُجُودِهِمَا أَوَّلًا مِنْ الْكَامِلِ خِلَافَةً عَنْ الْمَيِّتِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ إرْثٍ كَاشْتَرَيْتُ أَنَا وَأَخِي وَهُوَ غَائِبٌ مَثَلًا أَوْ أَوْصَى لَنَا بِكَذَا وَجَبَتْ إعَادَتُهُمَا.
أَمَّا إذَا تَغَيَّرَ حَالُ الشَّاهِدِ فَلَا يَحْلِفُ كَمَا رَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَتَّصِلْ بِشَهَادَتِهِ إلَّا فِي حَقِّ الْحَالِفِ أَوَّلًا دُونَ غَيْرِهِ، وَبَحَثَ هُوَ أَيْضًا أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ الْإِعَادَةِ فِيمَا ذُكِرَ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ قَدْ ادَّعَى الْجَمِيعَ، فَإِنْ ادَّعَى بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعَادَةِ جَزْمًا
(وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلٍ كَزِنًى وَغَصْبٍ) وَرَضَاعٍ (وَإِتْلَافٍ وَوِلَادَةٍ إلَّا بِالْإِبْصَارِ) لَهَا وَلِفَاعِلِهَا لِوُصُولِ الْيَقِينِ بِهِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86] وَفِي خَبَرٍ «عَلَى مِثْلِ هَذَا» أَيْ الشَّمْسِ " فَاشْهَدْ " نَعَمْ يَأْتِي أَنَّ مَا تَعَذَّرَ فِيهِ الْيَقِينُ يَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ كَالْمَالِكِ وَالْعَدَالَةِ وَالْإِعْسَارِ، وَقَدْ تُقْبَلُ مِنْ الْأَعْمَى بِفِعْلٍ كَمَا يَأْتِي، وَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ فِي الْوِلَادَةِ دَعْوَى مَنْ ادَّعَى ثُبُوتَهَا بِالسَّمَاعِ لِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى إرَادَةِ إثْبَاتِ نَسَبِهِ مِنْ أُمِّهِ
(وَتُقْبَلُ) الشَّهَادَةُ (مِنْ أَصَمَّ) لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ عَدَمُ سَمَاعِ الشَّهَادَةِ بِقِيمَةِ عَيْنٍ إلَّا مِمَّنْ رَآهَا وَعَرَفَ جَمِيعَ أَوْصَافِهَا (وَالْأَقْوَالُ كَعَقْدٍ) وَفَسْخٍ (يُشْتَرَطُ سَمْعُهَا وَإِبْصَارُ قَائِلِهَا) حَالَ صُدُورِهَا مِنْهُ فَلَا يَكْفِي سَمَاعُهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَإِنْ عُلِمَ صَوْتُهُ لِأَنَّ مَا كَانَ إدْرَاكُهُ مُمْكِنًا بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ فِيهِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ لِجَوَازِ تَشَابُهِ الْأَصْوَاتِ، وَقَدْ يُحَاكِي الْإِنْسَانُ صَوْتَ غَيْرِهِ فَيَشْتَبِهُ بِهِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ بِبَيْتٍ وَحْدَهُ وَعَلِمَ بِذَلِكَ جَازَ لَهُ اعْتِمَادُ صَوْتِهِ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ، وَكَذَا لَوْ عَلِمَ اثْنَيْنِ بِبَيْتٍ لَا ثَالِثَ لَهُمَا وَسَمِعَهُمَا يَتَعَاقَدَانِ وَعَلِمَ الْمُوجِبَ مِنْهُمَا مِنْ الْقَابِلِ لِعِلْمِهِ بِمَالِكِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَهُ الشَّهَادَةُ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُمَا
(وَلَا يُقْبَلُ أَعْمًى) لِانْسِدَادِ طَرِيقِ الْمَعْرِفَةِ مَعَ اشْتِبَاهِ الْأَصْوَاتِ وَإِمْكَانِ التَّصَنُّعِ فِيهَا، وَمِثْلُهُ مَنْ يُدْرِكُ الْأَشْخَاصَ وَلَا يُمَيِّزُهَا، وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ وَطْءُ زَوْجَتِهِ اعْتِمَادًا عَلَى صَوْتِهَا لِكَوْنِهِ أَخَفَّ، وَلِذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى حِلِّ وَطْئِهَا اعْتِمَادًا عَلَى لَمْسِ عَلَامَةٍ يَعْرِفُهَا فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ صَوْتَهَا، وَعَلَى أَنَّ مَنْ زُفَّتْ لَهُ زَوْجَتُهُ أَنْ يَعْتَمِدَ قَوْلَ امْرَأَةٍ هَذِهِ زَوْجَتُك وَيَطَؤُهَا، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ جَوَازُ اعْتِمَادِهِ عَلَى قَرِينَةٍ قَوِيَّةٍ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْهُ أَحَدٌ بِذَلِكَ (إلَّا أَنْ يُقِرَّ) إنْسَانٌ لِمَعْرُوفِ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ (فِي أُذُنِهِ) بِنَحْوِ مَالٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ لَا فِي أُذُنِهِ بِأَنْ تَكُونَ يَدُهُ بِيَدِهِ وَهُوَ بَصِيرٌ حَالَ الْإِقْرَارِ (فَيَتَعَلَّقُ بِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَ قَاضٍ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ) لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي خَلْوَةٍ، وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَيْضًا بِالِاسْتِفَاضَةِ كَالْمَوْتِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَأْتِي إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَعْيِينٍ وَإِشَارَةٍ، وَكَذَا فِي التَّرْجَمَةِ أَوْ مَعَ وَضْعِ يَدِهِ عَلَى ذَكَرٍ بِفَرْجٍ فَيُمْسِكُهَا حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ عِنْدَ قَاضٍ لِأَنَّهُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَشْعُرْ) الْأَوْلَى حَذْفُ الْأَلِفِ (قَوْلُهُ: أَوْ اسْتِئْنَافِ دَعْوَى) أَيْ وَبِغَيْرِ اسْتِئْنَافِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ مِنْ أَجْلِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَدَرَ مِنْ الْكَامِلِ خِلَافَةً عَنْ الْمَيِّتِ
(قَوْلُهُ: عَلَى مِثْلِ هَذَا) أَيْ الْكَوْكَبِ
(قَوْلُهُ: إلَّا مِمَّنْ رَآهَا) أَيْ وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ حَيْثُ كَانَتْ مِمَّا لَا يَغْلِبُ تَغَيُّرُهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَتُسْمَعُ دَعْوَى مَنْ غَصَبَهَا مَثَلًا بِأَنَّهَا تَغَيَّرَتْ صِفَاتُهَا عَنْ وَقْتِ رُؤْيَةِ الشَّاهِدِ وَتُسْمَعُ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ) غَايَةً (قَوْلُهُ نَعَمْ لَوْ كَانَ) أَيْ الْمُقِرُّ مَثَلًا (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَرَهُ) أَيْ سَوَاءٌ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَتُقْبَلُ مِنْ أَصَمَّ) أَيْ عَلَى الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا (قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ) فِيهِ تَأَمُّلٌ
(قَوْلُهُ: أَوْ طَلَاقٍ) قَضِيَّةُ سِيَاقِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِالطَّلَاقِ إلَّا لِلْمَعْرُوفَةِ بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ أَوَّلًا فِي أُذُنِهِ إلَخْ) أَيْ وَالصُّورَةُ أَنَّ الْمُقِرَّ مَجْهُولٌ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: كَالْمَوْتِ) كَانَ يَنْبَغِي إبْدَالُ الْكَافِ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ (قَوْلُهُ وَكَذَا فِي التَّرْجَمَةِ) اُنْظُرْ مَا مُرَادُهُ بِهِ (قَوْلُهُ أَوْ مَعَ وَضْعِ يَدِهِ إلَخْ) اُنْظُرْ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ مَعْطُوفَانِ عَلَى مَاذَا (قَوْلُهُ: فَيُمْسِكُهُمَا)
أَبْلَغُ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَفِيمَا إذَا كَانَ جَالِسًا بِفِرَاشِ غَيْرِهِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي الْمَنْعُ حَسْمًا لِلْبَابِ (وَلَوْ) (حَمَلَهَا) أَيْ الشَّهَادَةَ (بَصِيرٌ ثُمَّ عَمِيَ) (شَهِدَ إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ وَ) الْمَشْهُودُ (عَلَيْهِ مَعْرُوفَيْ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ) فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ فَعَلَ كَذَا أَوْ أَقَرَّ بِهِ لِأَنَّهُ فِي هَذَا كَالْبَصِيرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ، وَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ فِي حَالِ خَلْوَتِهِ بِهَا وَعَلَى بَعْضِهِ إذَا عُرِفَ خُلُوُّهُ بِهِ لِلْقَطْعِ بِصِدْقِهِ حِينَئِذٍ مَحَلُّ تَوَقُّفٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي قَوْلِنَا نَعَمْ لَوْ عَلِمَهُ بِبَيْتٍ إلَى آخِرِهِ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْبَصِيرَ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ مَنْ يَشْتَبِهُ بِهِ، بِخِلَافِ الْأَعْمَى وَإِنْ اخْتَلَى بِهِ (وَمَنْ سَمِعَ قَوْلَ شَخْصٍ أَوْ رَأَى فِعْلَهُ، فَإِنْ عَرَفَ عَيْنَهُ وَاسْمَهُ وَنَسَبَهُ) أَيْ أَبَاهُ وَجَدَّهُ (شَهِدَ عَلَيْهِ فِي حُضُورِهِ إشَارَةً) إلَيْهِ وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ ذِكْرِ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ (وَ) شَهِدَ عَلَيْهِ (عِنْدَ غَيْبَتِهِ) الْمُجَوِّزَةِ لِلدَّعْوَى عَلَيْهِ (وَمَوْتِهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ) مَعًا لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ بِهَا دُونَ أَحَدِهِمَا.
أَمَّا لَوْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَ جَدِّهِ فَيُجْزِئُهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى ذِكْرِ اسْمِهِ إنْ عَرَفَهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمَطْلَبِ جَامِعًا بِهِ بَيْنَ كَلَامِهِمْ الظَّاهِرِ التَّنَافِي.
وَيَكْفِي لَقَبٌ خَاصٌّ كَسُلْطَانِ مِصْرَ فُلَانٍ بَعْدَ مَوْتِهِ.
قَالَ غَيْرُهُ: وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى عُتَقَاءِ السُّلْطَانِ وَالْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّ الشُّهُودَ لَا تَعْرِفُ أَنْسَابَهُمْ مَعَ مَا يُمَيِّزُهُمْ مِنْ أَوْصَافِهِمْ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَارْتَضَاهُ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَقَدْ اُعْتُمِدَتْ شَهَادَةُ مَنْ شَهِدَ عَلَى فُلَانٍ التَّاجِرِ بِدُكَّانِ كَذَا فِي سُوقِ كَذَا إلَى وَقْتِ وَفَاتِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْكُنْهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَيْرُهُ وَحُكِمَتْ بِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَقَعُ كَثِيرًا اعْتِمَادُ الشُّهُودِ فِي الِاسْمِ وَالنَّسَبِ عَلَى قَوْلِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَشْهَدُ بِهِمَا فِي غَيْبَتِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ، وَصَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي فِي قَوْلِهِ لَا بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ مَا لَمْ يُثْبِتَا ذَاكَ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُهُ مَثَلًا أَنْ يَكْتُبَ أُقِرُّ مَثَلًا مَنْ ذَكَرَ أَنَّ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ كَذَا، وَلَا يَجُوزُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، نَعَمْ لَوْ لَمْ يُعَرِّفْهُمَا إلَّا بَعْدَ التَّحَمُّلِ جَازَ لَهُ الْجَزْمُ بِهِمَا.
وَمِنْ طُرُقِ مَعْرِفَتِهِمَا أَنْ تُقَامَ بِهِمَا بَيِّنَةُ حِسْبَةٍ لِمَا مَرَّ مِنْ ثُبُوتِهِ بِهَا إلَّا أَنْ يَسْمَعَهُمَا مِنْ عَدْلَيْنِ.
قَالَ الْقَفَّالُ: بَلْ لَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَتَكَرَّرَ وَيَسْتَفِيضَ عِنْدَهُ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ مُجَرَّدَ الْمُبَالَغَةِ وَإِلَّا فَهَذَا تَوَاتُرٌ يُفِيدُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ، وَقَدْ تَسَاهَلَتْ جَهَلَةُ الشُّهُودِ فِي ذَلِكَ حَتَّى عَظُمَتْ بِهِ الْبَلِيَّةُ وَأُكِلَتْ بِهِ الْأَمْوَالُ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَمِدُونَ مَنْ يَتَرَدَّدُ عَلَيْهِمْ وَيُسَجِّلُونَ ذَلِكَ
[حاشية الشبراملسي]
كَانَ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ لِظُلْمَةٍ أَوْ وُجُودِ حَائِلٍ بَيْنَهُمَا
(قَوْلُهُ: مَحَلُّ تَوَقُّفٍ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَارْتَضَاهُ الْبُلْقِينِيُّ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَحَكَمْت بِهَا) أَيْ وَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ (قَوْلُهُ: وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الشَّاهِدَ (قَوْلُهُ: أَنْ تُقَامَ بِهِمَا بَيِّنَةُ حِسْبَةٍ) وَلَعَلَّ صُورَتَهُ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ حِسْبَةً عَلَى رَجُلٍ لَزِمَهُ حَقٌّ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ اسْمٌ وَلَا نَسَبٌ فَيَشْهَدُ اثْنَانِ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ بِأَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا فَأَحْضِرْهُ لِتَشْهَدَ عَلَى صُورَتِهِ فَيُحْضِرُهُ وَيَشْهَدَانِ أَنَّ هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ فَيَثْبُتُ اسْمُهُ وَنَسَبُهُ عِنْدَ الْقَاضِي وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمَشْهُودُ بِهِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَسْمَعَهُمَا) أَيْ الِاسْمَ وَالنِّسْبَةَ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ الشَّخْصَيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: إذَا عُرِفَ خُلُوُّهُ بِهِ) قَالَ: أَعْنِي الْأَذْرَعِيَّ: وَيُعْرَفُ كَوْنُهُ خَالِيًا بِهِ بِاعْتِرَافِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِخَلْوَتِهِمَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي نُسِبَ إلَيْهِ الْإِقْرَارُ فِيهِ (قَوْلُهُ: عَلَى ذِكْرِ اسْمِهِ) لَعَلَّهُ سَقَطَ بَعْدَهُ لَفْظُ وَاسْمِ أَبِيهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: بَعْدَ مَوْتِهِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ (قَوْلُهُ: مَعَ مَا يُمَيِّزُهُمْ) قَيْدٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى عُتَقَاءِ السُّلْطَانِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ لَمْ يَعْرِفْهُمَا إلَّا بَعْدَ التَّحَلُّلِ) لَا وَجْهَ لِهَذَا الْحَصْرِ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَسْمَعَهُمَا) فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُمَا إلَخْ وَهُوَ غَيْرُ صَوَابٍ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَهَذَا تَوَاتُرٌ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: قَدْ يَمْنَعُ ذَلِكَ الْجَوَازُ اسْتِنَادَ الْأَلْفِ لِلسَّمَاعِ مِنْ نَحْوِ وَاحِدٍ، وَالتَّوَاتُرُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمَخْصُوصِ فِي سَائِرِ الطِّبَاقِ اهـ. وَهُوَ إنَّمَا يَظْهَرُ لَوْ كَانُوا نَاقِلِينَ لِمَعْرِفَةِ النَّسَبِ عَنْ غَيْرِهِمْ وَإِلَّا فَالْوَجْهُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ كَابْنِ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُمْ يَعْتَمِدُونَ إلَخْ) قَالَ فِي التُّحْفَةِ:
وَيَحْكُمُ بِهِمَا الْقُضَاةُ (فَإِنْ جَهِلَهُمَا) أَيْ الِاسْمَ وَالنَّسَبَ أَوْ أَحَدَهُمَا (لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَ مَوْتِهِ وَغَيْبَتِهِ) لِانْتِفَاءِ الْفَائِدَةِ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَضَرَ وَأَشَارَ إلَيْهِ، فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُدْفَنْ أُحْضِرَ لِيَشْهَدَ عَلَى عَيْنِهِ إنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ نَقْلٌ مُحَرَّمٌ وَلَا تَغَيُّرٌ لَهُ، أَمَّا بَعْدَ دَفْنِهِ فَلَا يُحْضَرْ وَإِنْ أُمِنَ تَغَيُّرُهُ وَاشْتَدَّتْ الْحَاجَةُ لِحُضُورِهِ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ كَمَا مَرَّ فِي الْجَنَائِزِ (وَلَا يَصِحُّ تَحَمُّلُ شَهَادَةٍ عَلَى مُنْتَقِبَةٍ) بِنُونٍ ثُمَّ تَاءٍ مَنْ انْتَقَبَتْ لِلْأَدَاءِ عَلَيْهَا (اعْتِمَادًا عَلَى صَوْتِهَا) كَمَا لَا يَتَحَمَّلُ بَصِيرٌ فِي ظُلْمَةٍ اعْتِمَادًا عَلَيْهِ لِاشْتِبَاهِ الْأَصْوَاتِ وَلَا أَثَرَ لِحَائِلٍ رَقِيقٍ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ اعْتِمَادًا أَنَّهُ لَوْ سَمِعَهَا فَتَعَلَّقَ بِهَا إلَى قَاضٍ وَشَهِدَ عَلَيْهَا جَازَ كَالْأَعْمَى بِشَرْطِ أَنْ يَكْشِفَ نِقَابَهَا لِيَعْرِفَ الْقَاضِي صُورَتَهَا، قَالَ جَمْعٌ: وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ مُنْتَقِبَةٍ إلَّا إنْ عَرَفَهَا الشَّاهِدَانِ اسْمًا وَنَسَبًا أَوْ صُورَةً، أَمَّا لَوْ تَحَمَّلَا عَلَى مُنْتَقِبَةٍ بِوَقْتِ كَذَا بِمَجْلِسِ كَذَا وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّ هَذِهِ الْمَوْصُوفَةَ فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ جَازَ وَثَبَتَ الْحَقُّ بِالْبَيِّنَتَيْنِ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَى امْرَأَةٍ بِاسْمِهَا وَنَسَبِهَا فَسَأَلَهُمْ الْحَاكِمُ أَتَعْرِفُونَ عَيْنَهَا؟ أَمْ اعْتَمَدْتُمْ صَوْتَهَا لَمْ تَلْزَمْهُمْ إجَابَتُهُ، وَمَحَلُّهُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي مَشْهُورِي الدِّيَانَةِ وَالضَّبْطِ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا (فَإِنْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ بِاسْمٍ وَنَسَبٍ جَازَ) تَحَمُّلُهُ عَلَيْهَا، وَلَا يَضُرُّ النِّقَابُ بَلْ لَا يَجُوزُ كَشْفُ الْوَجْهِ حِينَئِذٍ (وَيَشْهَدُ عِنْدَ الْأَدَاءِ بِمَا يَعْلَمُ) مِمَّا مَرَّ مِنْ اسْمٍ وَنَسَبٍ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ كَشَفَ وَجْهَهَا وَضَبَطَ حِلْيَتَهَا وَكَذَا يَكْشِفُهُ عِنْدَ الْأَدَاءِ (وَلَا يَجُوزُ) (التَّحَمُّلُ عَلَيْهَا) أَيْ الْمُنْتَقِبَةِ (بِتَعْرِيفِ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ) (عَلَى الْأَشْهُرِ) الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ التَّسَامُعَ لَا بُدَّ مِنْ جَمْعٍ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، نَعَمْ إنْ قَالَا نَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ فُلَانَةُ ابْنَةُ فُلَانٍ كَانَا شَاهِدَيْ أَصْلٍ فَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى شَهَادَتِهِمَا بِشَرْطِهِ (وَالْعَمَلُ) مِنْ الشُّهُودِ لَا مِنْ الْأَصْحَابِ كَمَا أَفَادَهُ الْبُلْقِينِيُّ (عَلَى خِلَافِهِ) وَهُوَ الِاكْتِفَاءُ بِالتَّعْرِيفِ مِنْ عَدْلٍ وَجَرَى عَلَيْهِ جَمْعٌ حَتَّى بَالَغَ بَعْضُهُمْ وَجَوَّزَ اعْتِمَادَ قَوْلِ وَلَدِهَا الصَّغِيرِ وَهِيَ بَيْنَ نِسْوَةٍ هَذِهِ أُمِّي (وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى عَيْنِهِ بِحَقٍّ) أَوْ ثَبَتَ بِعِلْمِ الْحَاكِمِ مَثَلًا (فَطَلَبَ الْمُدَّعِي التَّسْجِيلَ) بِذَلِكَ (سَجَّلَ) لَهُ (الْقَاضِي) جَوَازًا (بِالْحِلْيَةِ لَا الِاسْمِ وَالنَّسَبِ) فَيَمْتَنِعُ تَسْجِيلُهُ بِهِمَا (مَا لَمْ يَثْبُتَا) عِنْدَهُ بِالْبَيِّنَةِ وَلَوْ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَيَحْكُمُ بِهِمَا الْقُضَاةُ) أَيْ فَحُكْمُهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَاطِلٌ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، فَلَوْ تَعَيَّنَ مُطَابَقَةُ مَا ذَكَرَهُ الشُّهُودُ لِلْوَاقِعِ كَأَنْ حَضَرَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بَعْدُ وَعَلِمَ أَنَّ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ مَا ذَكَرَهُ الشُّهُودُ تَبَيَّنَ صِحَّةُ الْحُكْمِ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ) الَّذِي فِي الْمَنْهَجِ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ يُنْبَشُ وَلَا يَلْزَمُ مَنْ نَبَشَهُ إحْضَارُهُ فَلَعَلَّ الشَّارِحَ أَرَادَ بِالْإِحْضَارِ مَا يَشْمَلُ النَّبْشَ (قَوْلُهُ: وَلَا أَثَرَ لِحَائِلٍ رَقِيقٍ) أَيْ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا لِأَنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ حَيْثُ لَمْ يَمْنَعْ مَعْرِفَةَ صُورَتِهَا مِنْ تَحْتِهِ بِالْبَيِّنَتَيْنِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ بِاسْمٍ وَنَسَبٍ جَازَ) كَأَنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَالشُّهُودُ يَعْرِفُونَ أَنَّ زَوْجَتَهُ فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ فَتَحَمَّلُوا الشَّهَادَةَ عَلَى أَنَّ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ مُطَلَّقَةٌ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ زَوَّجَ شَخْصٌ بِنْتَهُ مَثَلًا بِحُضُورِهِمَا، فَإِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ نِكَاحَهَا بَعْدُ وَأَنْكَرَتْ شَهِدَا عَلَيْهَا بِأَنَّهَا بِنْتُهُ (قَوْلُهُ: وَالْعَمَلُ مِنْ الشُّهُودِ إلَخْ) ضَعِيفٌ
[حاشية الرشيدي]
فَإِنَّهُمْ يَجِيئُونَ بِمَنْ وَاطَئُوهُ فَيُقِرُّ عِنْدَ قَاضٍ بِمَا يَرُومُونَهُ وَيَذْكُرُ اسْمَ وَنَسَبَ مَنْ يُرِيدُونَ أَخْذَ مَالِهِ فَيُسَجِّلُ الشُّهُودَ بِهِمَا وَيَحْكُمُ بِهِ الْقَاضِي اهـ (قَوْلُهُ: فَتَعَلَّقَ بِهَا) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالتَّعَلُّقِ بِهَا هُنَا مُلَازَمَتُهَا (قَوْلُهُ: بِشَرْطِ أَنْ يَكْشِفَ نِقَابَهَا إلَخْ) هَذَا شَرْطٌ لِلْعَمَلِ بِالشَّهَادَةِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَثَبَتَ الْحَقُّ بِالْبَيِّنَتَيْنِ) هَلْ يُجْرَى هَذَا فِي نَظَائِرِهِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ يَجْهَلُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ الْمَارَّ (قَوْلُهُ: فَسَأَلَهُمْ) أَيْ وَيَلْزَمُهُ السُّؤَالُ كَمَا فِي التُّحْفَةِ (قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ التَّسَامُعَ لَا بُدَّ فِيهِ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُمْ لَوْ بَلَغُوا الْعَدَدَ الَّذِي يَسُوغُ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ يَكْفِي تَعْرِيفُهُمْ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ يَقَعُ الْعِلْمُ أَوْ الظَّنُّ الْقَوِيُّ بِخَبَرِهِمْ فَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا مَرَّ عَنْ الْقَفَّالِ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّ جَهْلَهُمَا إلَخْ (قَوْلُهُ: حَتَّى بَالَغَ بَعْضُهُمْ إلَخْ) هَذَا الْبَعْضُ يَقْبَلُ قَوْلَ وَلَدِهَا الصَّغِيرِ كَجَارِيَتِهَا وَلَا يَقْبَلُ الْعَدْلَيْنِ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّ قَوْلَ نَحْوِ وَلَدِهَا يُفِيدُ الظَّنَّ أَكْثَرَ مِنْ الْعَدْلَيْنِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ نَظِيرُ قَبُولِ الدِّيكِ الْمُجَرَّبِ فِي الْوَقْتِ دُونَ الْمُؤَذِّنِ
عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ أَوْ بِعِلْمِهِ لِتَعَذُّرِ التَّسْجِيلِ عَلَى الْغَيْرِ فَيَكْتُبُ حَضَرَ رَجُلٌ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَمِنْ حِلْيَتِهِ كَذَا وَيَذْكُرُ أَوْصَافَهُ الظَّاهِرَةَ خُصُوصًا دَقِيقَهَا، وَمَرَّ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِيهِمَا قَوْلُ مُدَّعٍ وَلَا قَوْلُ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَإِنَّ نَسَبَهُ لَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ (وَلَهُ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ) حَيْثُ لَمْ يُعَارِضْهُ أَقْوَى مِنْهُ كَإِنْكَارِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ أَوْ طَعْنِ أَحَدٍ فِي الِانْتِسَابِ إلَيْهِ، نَعَمْ يُتَّجَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَعْنٍ لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى كَذِبِ قَائِلِهِ (عَلَى نَسَبٍ) لِذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى كَائِنٍ (مِنْ أَبٍ وَقَبِيلَةٍ) كَهَذَا وَلَدُ فُلَانٍ أَوْ مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا لِتَعَذُّرِ الْيَقِينِ فِيهِمَا إذْ مُشَاهَدَةُ الْوِلَادَةِ لَا تُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ فَسُومِحَ فِي ذَلِكَ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَوْ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ بَلَدِ كَذَا الْمُسْتَحَقِّ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ عَلَى أَهْلِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَكَذَا أُمٌّ) فَتُقْبَلُ بِالتَّسَامُعِ عَلَى نَسَبٍ مِنْهَا (فِي الْأَصَحِّ) كَالْأَبِ وَإِنْ تَيَقَّنَ مُشَاهَدَةَ الْوِلَادَةِ.
وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِإِمْكَانِ رُؤْيَةِ الْوِلَادَةِ بِخِلَافِ الْعُلُوقِ (وَمَوْتٍ عَلَى الْمَذْهَبِ) كَالنَّسَبِ، وَقِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَلَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ فِيهِ الْمُعَايَنَةُ (لَا عِتْقٍ وَوَلَاءٍ وَوَقْفٍ) أَيْ أَصْلُهُ (وَنِكَاحٍ وَمِلْكٍ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا مُتَيَسِّرَةٌ وَأَسْبَابَهَا غَيْرُ مُتَعَذِّرَةٍ (قُلْت: الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَالْأَكْثَرِينَ فِي الْجَمِيعِ الْجَوَازُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّهَا أُمُورٌ مُؤَبَّدَةٌ، فَإِذَا طَالَتْ عَسُرَ إثْبَاتُ ابْتِدَائِهَا فَمَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِهَا بِالتَّسَامُعِ.
وَصُورَةُ اسْتِفَاضَةِ الْمِلْكِ أَنْ يَسْتَفِيضَ أَنَّهُ مِلْكُ فُلَانٍ مِنْ غَيْرِ إضَافَةٍ لِسَبَبٍ، فَإِنْ اسْتَفَاضَ سَبَبُهُ كَالْبَيْعِ لَمْ يَثْبُتْ بِالتَّسَامُعِ إلَّا الْإِرْثُ لِكَوْنِهِ يَنْشَأُ عَنْ السَّبَبِ وَالْمَوْتِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَثْبُتُ بِالتَّسَامُعِ، وَخَرَجَ بِأَصْلِ الْوَقْفِ شُرُوطُهُ وَتَفَاصِيلُهُ فَلَا يَثْبُتَانِ بِهِ، وَبَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ ثُبُوتَ شَرْطٍ يَسْتَفِيضُ غَالِبًا كَكَوْنِهِ عَلَى حَرَمِ مَكَّةَ، قَالَ: وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ حُدُودِ الْعَقَارِ فَهِيَ لَا تَثْبُتُ بِذَلِكَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ أَبِي حَامِدٍ خِلَافَهُ، وَمِمَّا يَثْبُتُ بِذَلِكَ وِلَايَةُ قَاضٍ وَاسْتِحْقَاقُ زَكَاةٍ وَرَضَاعٌ وَجُرْحٌ وَتَعْدِيلٌ وَإِعْسَارٌ وَرُشْدٌ وَأَنَّ هَذَا وَارِثُ فُلَانٍ أَوْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ (وَشَرْطُ التَّسَامُعِ) لِيَسْتَنِدَ لَهُ فِي الشَّهَادَةِ بِمَا ذَكَرَ (سَمَاعُهُ) أَيْ الْمَشْهُودِ بِهِ فَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ (مِنْ جَمْعٍ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ) وَيَحْصُلُ الظَّنُّ الْقَوِيُّ بِصِدْقِهِمْ وَهَذَا لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ فَسَقَطَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمْ حُرِّيَّةٌ وَلَا ذُكُورَةٌ وَلَا عَدَالَةٌ، وَقَضِيَّةُ تَشْبِيهِهِمْ هَذَا بِالتَّوَاتُرِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ إسْلَامِهِمْ، لَكِنْ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِاشْتِرَاطِهِ فِيهِمْ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوَاتُرِ بِضَعْفِ هَذَا لِإِفَادَتِهِ الظَّنَّ الْقَوِيَّ فَقَطْ، بِخِلَافِ التَّوَاتُرِ فَيُفِيدُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ (وَقِيلَ يَكْفِي) التَّسَامُعُ (مِنْ عَدْلَيْنِ) إذَا سَكَنَ الْقَلْبُ لِخَبَرِهِمَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا بُدَّ مِنْ تَكَرُّرِهِ وَطُولِ مُدَّتِهِ عُرْفًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي، وَشَرَطَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ أَنْ لَا يُصَرِّحَ بِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونُوا مُكَلَّفِينَ (قَوْلُهُ: وَهَذَا لَازِمٌ) اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَيَحْصُلُ الظَّنُّ (قَوْلُهُ: وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوَاتُرِ) أَيْ فَإِنَّهُ حَيْثُ أَطْلَقَ شَمِلَ الْجَمْعَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَإِنْ تُيُقِّنَ مُشَاهَدَةُ الْوِلَادَةِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: بِمُشَاهَدَةٍ وَالْوِلَادَةُ انْتَهَتْ.
وَلَعَلَّ الْبَاءَ سَقَطَتْ مِنْ نَسْخِ الشَّارِحِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْهَا إذْ نَائِبُ فَاعِلِ تُيُقِّنَ ضَمِيرُ النَّسَبِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ فِي تَعْلِيلِ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْ الْأَبِ أَوْ الْقَبِيلَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تُمْكِنُ فِيهِ الْمُعَايَنَةُ) هَذَا تَعْلِيلٌ لِوَجْهِ الْمَانِعِ لَا لِجَرَيَانِ الْوَجْهَيْنِ فَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ ذِكْرِ الْوَجْهَيْنِ وَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ تُمْكِنُ فِيهِ الْمُعَايَنَةُ كَمَا صَنَعَ الْجَلَالُ (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِأَصْلِ الْوَقْفِ شَرْطُهُ إلَخْ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: مَحَلُّهُ عِنْدِي فِيمَا إذَا أُضِيفَ إلَى مَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا مُطْلَقُ الْوَقْفِ فَلَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَالِكُهُ وَقَفَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَاسْتَفَاضَ أَنَّهُ وَقَفَ وَهُوَ وَقْفٌ بَاطِلٌ.
قَالَ: وَهَذَا مِمَّا لَا تُوقَفُ فِيهِ اهـ (قَوْلُهُ وَيَحْصُلُ الظَّنُّ الْقَوِيُّ) الظَّاهِرُ أَنَّ قَائِلَ هَذَا إنَّمَا أَرَادَ بِهِ بَيَانَ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ مِمَّا قَالَهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ خَاصَّةً كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَا يُفِيدُهُ أَوْ الظَّنَّ الْقَوِيَّ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَنْبَغِي قَوْلُ الشَّارِحِ فَسَقَطَ إلَخْ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: إذَا سَكَنَ) فِي النُّسْخَةِ إذْ يَسْكُنُ وَلَعَلَّهَا الصَّوَابُ فَلْيُتَأَمَّلْ
الْإِفَاضَةُ وَمِثْلُهَا الِاسْتِصْحَابُ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ إنْ ذَكَرَهُ عَلَى وَجْهِ الرِّيبَةِ وَالتَّرَدُّدِ بَطَلَتْ أَوْ لِتَقْوِيَةِ كَلَامٍ أَوْ حِكَايَةِ حَالٍ قُبِلَتْ وَكَيْفِيَّةُ أَدَائِهَا أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا وَلَدُ فُلَانٍ أَوْ وَقْفُهُ أَوْ عَتِيقُهُ أَوْ مِلْكُهُ أَوْ هَذِهِ زَوْجَتُهُ مَثَلًا لَا نَحْوَ أَعْتَقَهُ أَوْ وَقَفَهُ أَوْ تَزَوَّجَهَا لِأَنَّهَا صُورَةُ كَذِبٍ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ وَشَاهَدَهُ لِمَا مَرَّ فِي الشَّهَادَةِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ
(وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى مِلْكٍ بِمُجَرَّدِ يَدٍ) لِأَنَّهَا لَا تَسْتَلْزِمُهُ، نَعَمْ لَهُ الشَّهَادَةُ بِهَا (وَلَا بِيَدٍ وَتَصَرُّفٍ فِي مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ) لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ (وَتَجُوزُ) الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ إذَا رَآهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَبِالْحَقِّ كَحَقِّ إجْرَاءِ الْمَاءِ عَلَى سَطْحِهِ أَوْ أَرْضِهِ أَوْ طَرْحِ الثَّلْجِ فِي مِلْكِهِ إذَا رَآهُ الشَّاهِدُ (فِي) مُدَّةٍ (طَوِيلَةٍ) عُرْفًا (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ امْتِدَادَ الْأَيْدِي وَالتَّصَرُّفَ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ يُغَلِّبُ عَلَى الظَّنِّ الْمِلْكَ.
وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِأَنَّ الْغَاصِبَ وَالْمُكْتَرِي وَالْوَكِيلَ أَصْحَابُ يَدٍ وَتَصَرُّفٍ، فَإِذَا انْضَمَّ إلَى الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ الِاسْتِفَاضَةُ وَنِسْبَةُ النَّاسِ الْمِلْكَ إلَيْهِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ قَطْعًا وَإِنْ قَصَرَتْ الْمُدَّةُ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُ الشَّاهِدِ رَأَيْنَا ذَلِكَ سِنِينَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الرَّقِيقُ فَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ إلَّا أَنْ يَنْضَمَّ إلَى ذَلِكَ السَّمَاعُ مِنْ النَّاسِ أَنَّهُ لَهُ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَكَثْرَةِ اسْتِخْدَامِ الْأَحْرَارِ (وَشَرْطُهُ) أَيْ التَّصَرُّفِ الْمُفِيدِ لِمَا ذُكِرَ (تَصَرُّفُ مُلَّاكٍ مِنْ سُكْنَى وَهَدْمٍ وَبِنَاءٍ وَبَيْعٍ) وَفَسْخٍ وَإِجَارَةٍ (وَرَهْنٍ) لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ، وَالْوَاوُ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى أَوْ، وَلَا يَكْفِي التَّصَرُّفُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ لَا يُثِيرُ الظَّنَّ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: بَلْ وَمَرَّتَيْنِ وَمِرَارًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ (وَتُبْنَى شَهَادَةُ الْإِعْسَارِ عَلَى قَرَائِنِ وَمَخَايِلِ الضُّرِّ) وَهُوَ سُوءُ الْحَالِ (وَالْإِضَاقَةِ) مَصْدَرُ ضَاقَ: أَيْ ذَهَبَ مَالُهُ لِتَعَذُّرِ الْيَقِينِ فِيهِ فَاكْتُفِيَ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ قَرَائِنِ أَحْوَالِهِ فِي خَلَوَاتِهِ بِصَبْرِهِ عَلَى الضِّيقِ وَالضَّرَرِ، وَهَذَا شَرْطٌ لِاعْتِمَادِ الشَّاهِدِ وَقَدَّمَ فِي الْفَلَسِ اشْتِرَاطَ خِبْرَتِهِ الْبَاطِنَةِ وَهُوَ شَرْطٌ لِقَبُولِ شَهَادَتِهِ أَوْ أَنَّ مَا هُنَا طَرِيقٌ لِلْخِبْرَةِ الْمُشْتَرَطَةِ ثَمَّ.
(فَصْلٌ) فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا وَكِتَابَةِ الصَّكِّ وَهِيَ أَعْنِي الشَّهَادَةَ تُطْلَقُ عَلَى نَفْسِ تَحَمُّلِهَا وَعَلَى نَفْسِ أَدَائِهَا وَعَلَى الْمَشْهُودِ بِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ) مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ (فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي النِّكَاحِ) لِتَوَقُّفِ انْعِقَادِهِ عَلَيْهِ، وَلَوْ امْتَنَعَ الْجَمِيعُ أَثِمُوا، وَلَوْ طَلَبَ
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَنْضَمَّ إلَى ذَلِكَ السَّمَاعُ مِنْ النَّاسِ) أَيْ فَلَا يَكْفِي السَّمَاعُ مِنْ ذِي الْيَدِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ مِنْ النَّاسِ وَلَا عَكْسُهُ (قَوْلُهُ: وَمَخَايِلِ الضُّرِّ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
(فَصْلٌ) فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا وَكِتَابَةِ الصَّكِّ
(قَوْلُهُ: وَأَدَائِهَا) إنَّمَا قَدَّمَهُ عَلَى كِتَابَةِ الصَّكِّ فِي الذِّكْرِ لِمُنَاسَبَتِهِ لِلتَّحَمُّلِ، وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ الْكِتَابَةَ عَلَى الْأَدَاءِ فِي بَيَانِ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ يُطْلَبُ بَعْدَ التَّحَمُّلِ لِلتَّوْثِيقِ بِهِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى الْمَشْهُودِ بِهِ) أَيْ إطْلَاقًا مَجَازِيًّا لِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ مَصْدَرٌ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَلَا بِيَدٍ وَتَصَرُّفٍ إلَخْ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِمُجَرَّدِ يَدٍ لَا عَلَى مَا قَبْلَهُ: أَيْ وَلَا يَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى مِلْكٍ بِيَدٍ وَتَصَرُّفٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِلِاحْتِيَاطِ لِلْحُرِّيَّةِ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النِّزَاعَ مَعَ الرَّقِيقِ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، أَمَّا لَوْ كَانَ بَيْنَ السَّيِّدِ وَبَيْنَ آخَرَ يَدَّعِي الْمِلْكَ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ مُدَّةً طَوِيلَةً هَكَذَا ظَهَرَ فَلْيُرَاجَعْ.
[فَصْلٌ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا وَكِتَابَةِ الصَّكِّ] (فَصْلٌ) فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ) قَالَ فِي التُّحْفَةِ: فَالْمُرَادُ الْإِحَاطَةُ بِمَا سَتُطْلَبُ الشَّهَادَةُ مِنْهُ بِهِ فِيهِ، قَالَ: وَكَنَّوْا عَنْ تِلْكَ الْإِحَاطَةِ بِالتَّحَمُّلِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ أَعْلَى الْأَمَانَاتِ الَّتِي يُحْتَاجُ حَمْلُهَا: أَيْ الدُّخُولُ
مِنْ اثْنَيْنِ لَمْ يَتَعَيَّنَا إنْ وَجَدَ غَيْرَهُمَا بِصِفَةِ الشَّهَادَةِ زَادَ الْأَذْرَعِيُّ وَظَنَّ إجَابَةَ الْغَيْرِ وَإِلَّا تَعَيَّنَا (وَكَذَا الْإِقْرَارِ وَالتَّصَرُّفِ الْمَالِيِّ) وَغَيْرِهِ كَعِتْقٍ وَطَلَاقٍ وَرَجْعَةٍ وَغَيْرِهَا التَّحَمُّلُ فِيهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إلَّا الْحُدُودَ (وَكِتَابَةُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى تَحَمُّلِ (الصَّكِّ) فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ الْكِتَابُ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَيْضًا (فِي الْأَصَحِّ) لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ لِتَمْهِيدِ إثْبَاتِ الْحُقُوقِ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَكِتَابَةُ الصَّكِّ لَهَا أَثَرٌ ظَاهِرٌ فِي التَّذَكُّرِ وَفِيهَا حِفْظُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الضَّيَاعِ.
وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِصِحَّتِهَا بِدُونِهِ، وَقَوْلُنَا فِي الْجُمْلَةِ إشَارَةٌ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ لِلْخَصْمِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَوْ حَكَمَ بِهِ وَيُنْدَبُ لِلشَّاهِدِ تَبْجِيلُ الْحَاكِمِ وَالزِّيَادَةُ فِي أَلْقَابِهِ بِالْحَقِّ وَيُكْرَهُ الدُّعَاءُ لَهُ بِنَحْوِ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَك وَلَا يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ لِلتَّجَمُّلِ إلَّا إنْ كَانَ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَعْذُورٌ بِنَحْوِ حَبْسٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ تَخْدِيرٍ، أَوْ دَعَا قَاضٍ إلَى أَمْرٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيُشْهِدَهُ عَلَيْهِ، أَوْ دَعَا الزَّوْجُ أَرْبَعَةً إلَى الشَّهَادَةِ بِزِنَى زَوْجَتِهِ بِخِلَافِ دُونِ أَرْبَعَةٍ وَبِخِلَافِ دُعَاءِ غَيْرِ الزَّوْجِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ نَقْلًا عَنْ جَمْعٍ: أَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مِمَّنْ يُقْبَلُ غَيْرُهُ وَقَدَّمَ هَذِهِ فِي السِّيَرِ إجْمَالًا، وَلَهُ طَلَبُ أُجْرَةِ الْكِتَابَةِ وَحَبْسُ الصَّكِّ وَأَخْذُ أُجْرَةِ التَّحَمُّلِ وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ كُلْفَةُ مَشْيٍ أَوْ نَحْوُهُ لَا لِلْأَدَاءِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ عِوَضًا وَلِأَنَّهُ كَلَامٌ يَسِيرٌ لَا أُجْرَةَ لِمِثْلِهِ، وَفَارَقَ التَّحَمُّلَ بِأَنَّ الْأَخْذَ لِلْأَدَاءِ يُورِثُ تُهْمَةً قَوِيَّةً مَعَ أَنَّ زَمَنَهُ يَسِيرٌ لَا تَفُوتُ بِهِ مَنْفَعَةٌ مُتَقَوِّمَةٌ بِخِلَافِ زَمَنِ التَّحَمُّلِ.
نَعَمْ إنْ دُعِيَ مِنْ مَسَافَةِ عَدْوَى فَأَكْثَرَ فَلَهُ نَفَقَةُ الطَّرِيقِ وَأُجْرَةُ الرُّكُوبِ وَإِنْ لَمْ يَرْكَبْ وَكَسْبٌ عُطِّلَ عَنْهُ فَيَأْخُذُ قَدْرَهُ لَا لِمَنْ يُؤَدِّي فِي الْبَلَدِ إلَّا إنْ احْتَاجَهُ فَلَهُ أَخْذُهُ وَلَهُ صَرْفُ الْمُعْطَى إلَى غَيْرِهِ، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: لَا أَذْهَبُ مَعَك إلَى فَوْقِ مَسَافَةِ الْعَدْوَى إلَّا بِكَذَا وَإِنْ كَثُرَ وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ
[حاشية الشبراملسي]
بِمَعْنَى إلَخْ (قَوْلُهُ إلَّا الْحُدُودَ) أَيْ فَلَيْسَ التَّحَمُّلُ فِيهَا فَرْضَ كِفَايَةٍ لَمْ يُذْكَرْ حُكْمُهَا هَلْ هُوَ جَائِزٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِطَلَبِ السِّتْرِ فِي أَسْبَابِهَا (قَوْلُهُ: مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَوْ حُكِمَ بِهِ) وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ لَوْ طَلَبَ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ كِتَابَةَ مَا جَرَى تَعَيَّنَ عَلَيْهِمَا لَكِنْ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ كَالْأَدَاءِ وَإِلَّا لَمْ يَبْقَ لِكَوْنِ كِتَابَةِ الصَّكِّ فَرْضَ كِفَايَةٍ أَثَرٌ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْقَاضِي بِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ تُغْنِي عَنْ كِتَابَتِهِ وَلَا كَذَلِكَ هُنَا اهـ حَجّ (قَوْلُهُ أَوْ دَعَا الزَّوْجُ أَرْبَعَةً) أَيْ وَعَلَى هَذَا يُسْتَثْنَى هَذِهِ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ التَّحَمُّلِ فِي الْحُدُودِ (قَوْلُهُ: وَأَخْذُ أُجْرَةِ التَّحَمُّلِ) وَهِيَ أُجْرَةُ مِثْلِ ذَلِكَ الْمَشْيِ وَلَيْسَ لَهُ طَلَبُ الزِّيَادَةِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْجَلِيلِ وَالْحَقِيرِ (قَوْلُهُ: وَأُجْرَةُ الرُّكُوبِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلٍ (قَوْلُهُ: وَلَهُ صَرْفُ الْمُعْطَى) أَيْ فَهُوَ بِمُجَرَّدِ أَخْذِهِ يَمْلِكُهُ مِلْكًا مُطْلَقًا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ صَرْفُهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ
[حاشية الرشيدي]
تَحْتَ وَرْطَتِهَا إلَى مَشَقَّةٍ وَكُلْفَةٍ، فَفِيهِ مَجَازَانِ لِاسْتِعْمَالِ التَّحَمُّلِ وَالشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُمَا الْحَقِيقِيِّ اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ عَمِيرَةَ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّهَادَةِ فِي الْمَتْنِ الْأَدَاءُ، قَالَ تِلْمِيذُهُ ابْنُ قَاسِمٍ: وَمَعْنَى تَحَمُّلِهِ الْتِزَامُهُ اهـ. وَقَدْ يُسْتَبْعَدُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ فِي النِّكَاحِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: إلَّا إنْ كَانَ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَلَا يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ لِلتَّحَمُّلِ إنْ كَانَ غَيْرَ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ مُطْلَقًا، وَكَذَا مَقْبُولُهَا إلَّا إنْ عُذِرَ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَعْذُورٌ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَوْ دَعَا الزَّوْجُ أَرْبَعَةً إلَخْ) اُنْظُرْهُ مَعَ قَوْلِهِ الْمَارِّ إلَّا حُدُودَهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ يُقْبَلُ غَيْرُهُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَعْذُورًا كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ السِّيَاقِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَعَيُّنِ الذَّهَابِ عَلَيْهِ مَعَ تَيَسُّرِ حُضُورِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ سِيَّمَا إذَا كَانَ حُضُورُهُ أَيْسَرَ مِنْ ذَهَابِ الشَّاهِدِ الِاسْتِنَادُ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] بِنَاءً عَلَى حَمْلِهَا عَلَى التَّحَمُّلِ ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ قَالَ: يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا ادَّعَاهُ الْمَشْهُودُ لَهُ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ يَأْبَى الْحُضُورَ، قَالَ: أَمَّا إذَا أَجَابَهُ لِلْحُضُورِ وَلَا عُذْرَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا مَعْنَى لِإِلْزَامِ الشُّهُودِ السَّعْيَ لِلتَّحَمُّلِ اهـ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ) فِيهِ أَنَّ التَّحَمُّلَ أَيْضًا فَرْضٌ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَفَارَقَ التَّحَمُّلُ إلَخْ) مَا قَبْلَ هَذَا فَارَقَ أَيْضًا فَكَأَنَّ حَقَّ التَّعْبِيرِ وَلِأَنَّ الْأَخْذَ لِلْأَدَاءِ
مَشْيُ الشَّاهِدِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الرُّكُوبِ خَرْمًا لِلْمُرُوءَةِ وَالْمُتَّجَهُ امْتِنَاعُهُ فِيمَنْ هَذَا شَأْنُهُ، قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: بَلْ لَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْبَلَدَيْنِ فَقَدْ يَأْتِي فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ وَيُعَدُّ ذَلِكَ خَرْمًا لِلْمُرُوءَةِ إلَّا أَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إلَيْهِ أَوْ يَفْعَلُهُ تَوَاضُعًا (وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَضِيَّةِ إلَّا اثْنَانِ) كَأَنْ لَمْ يَتَحَمَّلْ غَيْرُهُمَا أَوْ مَاتَ الْبَاقُونَ أَوْ جَنَوْا أَوْ فَسَقُوا أَوْ غَابُوا (لَزِمَهُمَا الْأَدَاءُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] أَيْ لِلْأَدَاءِ وَقِيلَ لَهُ وَلِلتَّحَمُّلِ وَقَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] وَمَتَى وَجَبَ الْأَدَاءُ كَانَ فَوْرِيًّا، نَعَمْ لَهُ التَّأْخِيرُ لِفَرَاغِ حَمَّامٍ وَأَكْلٍ وَنَحْوِهِمَا وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ أَعْذَارَ الشُّفْعَةِ أَعْذَارٌ هُنَا (فَلَوْ) (أَدَّى وَاحِدٌ وَامْتَنَعَ الْآخَرُ) بِلَا عُذْرٍ (وَقَالَ) لِلْمُدَّعِي (احْلِفْ مَعَهُ) (عَصَى) وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ يَرَى الْحُكْمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لِأَنَّ مَقَاصِدَ الْإِشْهَادِ التَّوَرُّعُ عَنْ الْحَلِفِ، وَكَذَا لَوْ امْتَنَعَ شَاهِدَا نَحْوِ وَدِيعَةٍ وَقَالَا احْلِفْ عَلَى الرَّدِّ (وَإِنْ) (كَانَ) فِي الْوَاقِعَةِ (شُهُودٌ) (فَالْأَدَاءُ فَرْضُ كِفَايَةٍ) عَلَيْهِمْ لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِبَعْضِهِمْ، فَإِنْ شَهِدَ مِنْهُمْ اثْنَانِ فَذَاكَ، وَإِلَّا أَثِمُوا كُلُّهُمْ سَوَاءٌ ادَّعَاهُمْ مُجْتَمَعِينَ أَمْ مُتَفَرِّقِينَ، وَالْمُمْتَنِعُ أَوَّلًا أَكْثَرُهُمْ إثْمًا لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ، كَمَا أَنَّ الْمُجِيبَ أَوَّلًا أَكْثَرُهُمْ أَجْرًا لِذَلِكَ (فَلَوْ) (طُلِبَ) الْأَدَاءُ (مِنْ اثْنَيْنِ) بِأَعْيَانِهِمَا (لَزِمَهُمَا) وَكَذَلِكَ لَوْ طُلِبَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِيَحْلِفَ مَعَهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى التَّوَاكُلِ.
وَالثَّانِي لَا كَالْمُتَحَمِّلِ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ هُنَاكَ طَلَبَهَا لِتَحَمُّلِ أَمَانَةٍ وَهُنَا لِأَدَائِهَا وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ الْمُدَّعُونَ أَنَّ فِي الشُّهُودِ مَنْ يَرْغَبُ فِي الْأَدَاءِ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ حَالِهِمْ شَيْءٌ، أَمَّا إذَا عُلِمَ إبَاؤُهُمْ لَزِمَهُمَا قَطْعًا (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) فِي الْقَضِيَّةِ (إلَّا وَاحِدٌ لَزِمَهُ) الْأَدَاءُ إذَا دُعِيَ لَهُ (إنْ كَانَ فِيمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ) وَالْقَاضِي الْمَدْعُوُّ لِلْأَدَاءِ عِنْدَهُ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ (وَإِلَّا فَلَا) لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ (وَقِيلَ لَا يَلْزَمُ الْأَدَاءُ إلَّا مَنْ تَحَمَّلَ قَصْدًا لَا اتِّفَاقًا) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْتِزَامٌ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا أَمَانَةٌ حَصَلَتْ عِنْده فَلَزِمَهُ أَدَاؤُهَا وَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْهَا كَمَا لَوْ طَيَّرَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا فِي دَارِهِ، وَيُتَّجَهُ إلْحَاقُ النِّسَاءِ فِيمَا يُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ بِالرِّجَالِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ فِي الْقَضِيَّةِ رِجَالٌ.
وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ تَكْلِيفِ الْمُخَدَّرَةِ الْخُرُوجَ بَلْ يُرْسِلُ إلَيْهَا مَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهَا، وَلَوْ دُعِيَ لِشَهَادَتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ قَدَّمَ أَخْوَفَهُمَا فَوْتًا وَإِلَّا تَخَيَّرَ
(وَلِوُجُوبِ الْأَدَاءِ شُرُوطٌ) أَحَدُهُمَا (أَنْ يُدْعَى مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى) فَأَقَلَّ وَمَرَّ بَيَانُهَا لِلْحَاجَةِ إلَى الْإِثْبَاتِ وَتَعَذُّرِهِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ لِعَدَمِ قَبُولِهَا حِينَئِذٍ، فَإِنْ دُعِيَ لِمَا فَوْقَهَا لَمْ يَجِبْ لِلضَّرُورَةِ وَاسْتَثْنَى الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ الْوُجُوبِ مَا إذَا لَمْ يَعْتَدْ الْمَشْيَ وَلَا مَرْكُوبَ لَهُ أَوْ أُحْضِرَ لَهُ مَرْكُوبٌ وَهُوَ مِمَّنْ يَسْتَنْكِرُ الرُّكُوبَ فِي حَقِّهِ فَلَا يَلْزَمُ الْأَدَاءُ وَخَرَجَ بِيُدْعَى مَا إذَا لَمْ يُطْلَبْ فَلَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ إلَّا فِي شَهَادَةِ حِسْبَةٍ فَيَلْزَمُهُ فَوْرًا إزَالَةً لِلْمُنْكَرِ (وَقِيلَ) أَنْ يُدَّعَى مِنْ (دُونِ مَسَافَةِ قَصْرٍ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ أَمَّا إذَا دُعِيَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ جَزْمًا، نَعَمْ بَحْثَ الْأَذْرَعِيُّ وُجُوبَهُ إذَا دَعَاهُ الْحَاكِمُ وَهُوَ فِي عَمَلِهِ أَوْ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ مُسْتَدِلًّا بِفِعْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَاسْتِدْلَالُهُ إنَّمَا يَتِمُّ مِنْ الْإِمَامِ دُونَ غَيْرِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ (وَ) ثَانِيهَا (أَنْ يَكُونَ عَدْلًا
[حاشية الشبراملسي]
مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ أَعْذَارَ الشُّفْعَةِ) أَيْ وَهِيَ أَوْسَعُ مِنْ أَعْذَارِ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ: فَالْأَدَاءُ فَرْضُ كِفَايَةٍ) أَيْ سَوَاءٌ تَحَمَّلُوا قَصْدًا أَوْ اتِّفَاقًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي وَقِيلَ لَا يَلْزَمُ الْأَدَاءُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ دُعِيَ لِشَهَادَتَيْنِ) أَيْ مَعًا فَلَوْ تَرَتَّبَا قَدَّمَ الْأَوْلَى
(قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ، وَقَوْلُهُ ظَاهِرٌ: أَيْ وَهُوَ شِدَّةُ الِاخْتِلَالِ بِمُخَالَفَةِ الْإِمَامِ
[حاشية الرشيدي]
يُورِثُ تُهْمَةً إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالْمُتَّجَهُ امْتِنَاعُهُ) اُنْظُرْ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْقَبُولُ فَكَأَنَّ الْإِسْنَوِيَّ يُقَيِّدُ كَوْنَ الْمَشْيِ خَارِمًا بِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّكْرَارِ، فَمُرَادُهُ بِأَنَّهُ شَأْنُهُ أَنَّهُ تَكَرَّرَ مِنْهُ، وَيُحْتَمَلُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلْخَرْمِ: أَيْ امْتِنَاعِ كَوْنِهِ خَارِمًا، وَمَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى هَذَا فِيمَنْ هَذَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ لَائِقًا بِهِ، لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَوْ قِيلَ إنَّ الْمَشْيَ خَارِمًا مُطْلَقًا فَيَحْتَاجُ إلَى هَذَا التَّقْيِيدِ، لَكِنَّ الَّذِي قَدَّمَهُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ خَارِمًا: أَيْ وَقَدْ لَا يَكُونُ خَارِمًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَوَّلَ فِيمَنْ لَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ أَصْلُ كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ دُعِيَ لِإِشْهَادَيْنِ) الْأَصْوَبُ
فَإِنْ ادَّعَى ذُو فِسْقٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ) ظَاهِرٍ أَوْ خَفِيٍّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ لِأَنَّهُ عَبَثٌ، بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَإِنْ خَفِيَ فِسْقُهُ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ الْحَاكِمَ عَلَى حُكْمٍ بَاطِلٍ، لَكِنْ مَرَّ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَوَائِلَ الْبَابِ جَوَازُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ انْحَصَرَ خَلَاصُ الْحَقِّ فِيهِ، وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَصَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِمُوَافَقَةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْخَفِيِّ لِأَنَّ فِي قَبُولِهِ خِلَافًا (قِيلَ أَوْ مُخْتَلَفٌ فِيهِ) كَشُرْبِ مَا لَا يُسْكِرُ مِنْ النَّبِيذِ (لَمْ يَجِبْ) الْأَدَاءُ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِرَدِّ الْقَاضِي لَهُ بِمَا يَعْتَقِدُهُ الشَّاهِدُ غَيْرَ قَادِحٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَإِنْ اعْتَقَدَ هُوَ أَنَّهُ مُفَسَّقٌ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ يَقْبَلُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّنْ يَرَى التَّفْسِيقَ وَرَدَّ الشَّهَادَةِ بِهِ أَمْ لَا، فَقَدْ يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادُهُ وَيَرَى قَبُولَهَا.
وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ عَدَمُ اللُّزُومِ إذَا كَانَ الْقَاضِي مُقَلِّدًا لِمَنْ يَفْسُقُ بِذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ يُمْنَعُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَ مُقَلِّدِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ اعْتِبَارَ مِثْلِ هَذَا بَعِيدٌ، وَلَوْ كَانَ مَعَ الْمُجْمَعِ عَلَى فِسْقِهِ عَدْلٌ لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ إلَّا فِيمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، إذْ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِيمَا عَدَاهُ، وَيَجُوزُ لِلْعَدْلِ الشَّهَادَةُ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّ الْقَاضِي يُرَتِّبُ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْتَقِدُهُ هُوَ كَبَيْعٍ عِنْدَ مَنْ يَرَى إثْبَاتَ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَرَاهَا، أَوْ شَهِدَ بِتَزْوِيجِ صَغِيرَةٍ بِوَلِيٍّ غَيْرِ مُجْبِرٍ عِنْدَهُ مَنْ يَرَاهُ، وَالشَّاهِدُ لَا يَرَى ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُقَلِّدْ، وَيَجُوزُ لَهُ تَحَمُّلُ ذَلِكَ وَلَوْ قَصْدًا.
نَعَمْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِصِحَّةِ أَوْ اسْتِحْقَاقِ مَا يُعْتَقَدُ فَسَادُهُ وَلَا أَنْ يَتَسَبَّبَ فِي وُقُوعِهِ إلَّا إنْ قَلَّدَ الْقَائِلَ بِذَلِكَ (وَ) ثَالِثُهَا (أَنْ لَا يَكُونَ مَعْذُورًا بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ كُلِّ عُذْرٍ مُرَخِّصٍ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ كَمَا مَرَّ، نَعَمْ مَرَّ أَنَّ الْمُخَدَّرَةَ تُعْذَرُ دُونَ غَيْرِهَا (فَإِنْ كَانَ) مَعْذُورًا بِذَلِكَ (أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ أَوْ بَعَثَ الْقَاضِي مَنْ يَسْمَعُهَا) دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ عَنْهُ، وَأَفْهَمَ اقْتِصَارُهُ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ عَدَمَ اشْتِرَاطِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا فَيَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ عِنْدَ نَحْوِ أَمِيرٍ وَقَاضٍ فَاسِقٍ لَمْ تَصِحَّ تَوْلِيَتُهُ إنْ تَعَيَّنَ وُصُولُ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ طَرِيقًا لَهُ، أَوْ عِنْدَ قَاضٍ مُتَعَنِّتٍ أَوْ جَائِرٍ: أَيْ لَمْ يَخْشَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَلَوْ قَالَ لِي عِنْدَ فُلَانٍ شَهَادَةٌ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْ أَدَائِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يُجِبْهُ لِاعْتِرَافِهِ بِفِسْقِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَقُلْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِاحْتِمَالِهِ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُؤَدِّي لَفْظُ أَشْهَدُ فَلَا يَكْفِي مُرَادِفُهُ كَمَا مَرَّ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الظُّهُورِ، وَمَرَّ أَوَائِلَ الْبَابِ حُكْمُ مَجِيءِ الشَّاهِدِ بِمُرَادِفِ سَمَاعِهِ، وَلَوْ عَرَفَ الشَّاهِدُ السَّبَبَ كَالْإِقْرَارِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَوْ الْمِلْكِ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا.
قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ: إنَّهُ الْأَشْهَرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الْمُخْتَصَرِ وَإِنْ كَانَ فَقِيهًا مُوَافِقًا لِأَنَّهُ قَدْ
[حاشية الشبراملسي]
دُونَ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ) إنْ انْحَصَرَ خَلَاصُ الْحَقِّ فِيهِ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَفْسًا وَلَا بُضْعًا وَلَا عِوَضًا، وَإِنْ قَيَّدَ الْأَذْرَعِيُّ ظُهُورَهُ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَأَفْهَمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْحَصِرْ خَلَاصُ الْحَقِّ فِيهِ لَمْ تَجُزْ لَهُ الشَّهَادَةُ، وَلَوْ قِيلَ بِجَوَازِهَا لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ إعَانَةٍ عَلَى تَخْلِيصِ الْحَقِّ لَكَانَ مُتَّجَهًا، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ تَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ حَالُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ تَبَيَّنَ بُطْلَانُهُ، وَفِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ مَا نَصُّهُ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فِي تَحْرِيمِ الْأَدَاءِ مَعَ الْفِسْقِ الْخَفِيِّ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ بِحَقٍّ وَإِعَانَةٌ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَا إثْمَ عَلَى الْقَاضِي إذَا لَمْ يُقَصِّرْ بَلْ يُتَّجَهُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ فِي الْأَدَاءِ إنْقَاذُ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ وَبُضْعٍ.
قَالَ: وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَهِيَ تُفِيدُ الْجَوَازَ إذَا لَمْ يَنْحَصِرْ الْحَقُّ فِيهِ وَالْوُجُوبُ إذَا انْحَصَرَ (قَوْلُهُ هُوَ كَبَيْعٍ عِنْدَ مَنْ يَرَى إثْبَاتَ الشُّفْعَةِ) قَضِيَّةُ هَذَا أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْبَيْعِ لَيْسَتْ سَبَبًا فِي حُصُولِ الشُّفْعَةِ الَّتِي لَا يَرَاهَا، إذْ لَوْ كَانَتْ سَبَبًا لَحَرُمَتْ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ التَّسَبُّبَ فِيمَا لَا يَرَاهُ مَمْنُوعٌ حَيْثُ لَا تَقْلِيدَ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لَمْ يُجِبْهُ) أَيْ الْقَاضِي لِطَلَبِ الشَّاهِدِ (قَوْلُهُ: وَمَرَّ أَوَائِلَ الْبَابِ حُكْمُ مَجِيءِ الشَّاهِدِ) أَيْ وَهُوَ الْقَبُولُ فِيمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي مَعْنَى مُرَادِفِهِ
[حاشية الرشيدي]
لِشَهَادَتَيْنِ أَوْ لِأَدَاءِ شَهَادَتَيْنِ
(قَوْلُهُ لَكِنْ مَرَّ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَوَائِلَ الْبَابِ جَوَازُهُ) بَلْ مَرَّ اسْتِيجَاهُ وُجُوبِهِ بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: بِمَا يَعْتَقِدُهُ الشَّاهِدُ غَيْرَ قَادِحٍ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا اعْتَقَدَهُ الشَّاهِدُ غَيْرَ قَادِحٍ لِنَحْوِ تَقْلِيدٍ وَهُوَ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ عَقِبَهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَإِنْ اعْتَقَدَ هُوَ أَنَّهُ مُفَسِّقٌ فَانْظُرْ هَذَا التَّعْلِيلَ (قَوْلُهُ: مِنْ كُلِّ عُذْرٍ مُرَخِّصٍ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ) دَخَلَ فِيهِ أَكْلُ ذِي رِيحٍ كَرِيهٍ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ قَدَّمْت التَّوَقُّفَ فِيهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْقَضَاءِ وَرَأَيْت
يَظُنُّ مَا لَيْسَ بِسَبَبٍ سَبَبًا، وَلِأَنَّ وَظِيفَتَهُ نَقْلُ مَا سَمِعَهُ أَوْ رَآهُ ثُمَّ يَنْظُرُ الْحَاكِمُ فِيهِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ لَا تَرْتِيبَ الْأَحْكَامِ عَلَى أَسْبَابِهَا.
وَثَانِيهِمَا نَعَمْ وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمَا وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ شَهَادَةً صَحِيحَةً فَقَالَ الْآخَرُ أَشْهَدُ بِمَا أَوْ بِمِثْلِ مَا شَهِدَ بِهِ لَمْ يَكْفِ حَتَّى يَقُولَ مِثْلَ مَا قَالَ وَيَسْتَوْفِيَهَا لَفْظًا كَالْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ أَدَاءً لَا حِكَايَةٍ وَقَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِخِلَافِهِ لِجَهْلِ أَكْثَرِ الْحُكَّامِ، قَالَ جَمْعٌ وَلَا يَكْفِي أَشْهَدُ بِمَا وَضَعْت بِهِ خَطِّي وَلَا بِمَضْمُونِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ إجْمَالٌ وَإِبْهَامٌ وَلَوْ مِنْ عَالِمٍ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَاعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُ الْقَاضِي اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا وَضَعْت بِهِ خَطِّي لَكِنْ فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيّ مَا يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِذَلِكَ فِيمَا قَبْلَ الْأَخِيرَةِ إذَا عَرَفَ الشَّاهِدُ وَالْقَاضِي مَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ، وَيُقَاسُ بِهِ الْأَخِيرَةُ، بَلْ قَالَ جَمْعٌ: إنَّ عَمَلَ كَثِيرٍ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ فِي الْجَمِيعِ وَلَا نَعُمُّ لِمَنْ قَالَ أَشْهَدُ عَلَيْك بِمَا نُسِبَ إلَيْك فِي هَذَا الْكِتَابِ إلَّا إنْ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ قِرَاءَتِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْمَعُهُ وَكَذَا الْمُقِرُّ.
نَعَمْ إنْ قَالَ أَعْلَمُ بِمَا فِيهِ وَأَنَا مُقِرٌّ بِهِ كَفَى، وَأَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِجَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَكْسِ: أَيْ مِنْ غَيْرِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ إذَا قَصَدَ بِهِ ضَبْطَ الْحُقُوقِ لِتُرَدَّ لِأَرْبَابِهَا إنْ وَقَعَ عَدْلٌ، وَيَكْفِي قَوْلُ شَاهِدِ النِّكَاحِ أَشْهَدُ أَنِّي حَضَرْت الْعَقْدَ أَوْ حَضَرْته وَأَشْهَدُ بِهِ، وَلَوْ قَالَا لَا شَهَادَةَ لَنَا فِي كَذَا ثُمَّ شَهِدَا فِي زَمَنٍ يُحْتَمَلُ وُقُوعُ التَّحَمُّلِ فِيهِ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَإِلَّا أَثَّرَ، وَلَوْ قَالَ لَا شَهَادَةَ لِي عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ قَالَ كُنْت نَسِيت اُتُّجِهَ قَبُولُهَا حَيْثُ اشْتَهَرَتْ دِيَانَتُهُ.
(فَصْلٌ) فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ (تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ عُقُوبَةٍ لِلَّهِ) تَعَالَى مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّ وَحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَزَكَاةٍ وَهِلَالِ نَحْوِ رَمَضَانَ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ عُقُوبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ زِنًا وَشُرْبٍ وَسَرِقَةٍ، وَكَذَا إحْصَانُ مَنْ ثَبَتَ زِنَاهُ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْإِحْصَانُ، لَكِنْ بَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ قَبُولَهَا فِيهِ إنْ ثَبَتَ زِنَاهُ بِإِقْرَارِهِ لِإِمْكَانِ رُجُوعِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْظُرُوا لِذَلِكَ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأَجَازُوهَا فِي الزِّنَا الْمُقَرِّ بِهِ لِإِمْكَانِ الرُّجُوعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَكَذَا الْإِحْصَانُ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الدَّرْءِ مَا أَمْكَنَ (وَفِي عُقُوبَةٍ لِآدَمِيٍّ) كَقَوَدٍ وَحَدٍّ وَقَذْفٍ (عَلَى الْمَذْهَبِ) لِبِنَاءِ حَقِّهِ عَلَى الْمُضَايَقَةِ، وَخُرِّجَ قَوْلٌ فِي ذَلِكَ مِنْ عُقُوبَتِهِ تَعَالَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ عِلَّتَهُ أَنَّ الْعُقُوبَةَ لَا يُوَسَّعُ بَابُهَا، وَدُفِعَ التَّخْرِيجُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ، بِخِلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فَلِذَلِكَ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ بِالْمَذْهَبِ، وَهَذَا الْخِلَافُ وَالتَّرْجِيحُ وَالتَّخْرِيجُ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ وَالْكَتْبِ إلَى قَاضِي بَلَدِهِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ، وَأَحَالَ هُنَا عَلَيْهِ حُكْمَ الشَّهَادَةِ عَلَى
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيّ إلَخْ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: فِيمَا قَبْلَ الْأَخِيرَةِ) هِيَ قَوْلُهُ وَلَا يَكْفِي قَوْلُ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: لَمْ يُؤَثِّرْ) أَيْ قَوْلُهُمَا أَوَّلًا لَا شَهَادَةَ لَنَا (قَوْلُهُ: حَيْثُ اشْتَهَرَتْ دِيَانَتُهُ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَوْ نَحْوَهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ.
(فَصْلٌ) فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ
(قَوْلُهُ: فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ) أَيْ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَقَبُولِ التَّزْكِيَةِ مِنْ الْفَرْعِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ عُقُوبَةٍ) أَيْ مُوجِبِ عُقُوبَةٍ (قَوْلُهُ: وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْإِحْصَانُ) أَيْ كَالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ: وَفِي عُقُوبَةٍ لِآدَمِيٍّ) أَيْ وَتُقْبَلُ فِي عُقُوبَةٍ
[حاشية الرشيدي]
ابْنَ قَاسِمٍ تَوَقَّفَ فِيهِ هُنَا، وَسَيَأْتِي فِيهِ كَلَامٌ فِي الْفَصْلِ الْآتِي (قَوْلُهُ: فِيمَا قَبْلَ الْأَخِيرَةِ) يَعْنِي بِمَا تَضَمَّنَهُ خَطِّي (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَا لَا شَهَادَةَ لَنَا فِي كَذَا إلَخْ) هَذِهِ تَقَدَّمَتْ كَاَلَّتِي بَعْدَهَا.
[فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ] (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ عُقُوبَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى) كَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَفِي عُقُوبَةٍ لِآدَمِيٍّ عَلَى الْمَذْهَبِ
عَلَى الشَّهَادَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى تَصْحِيحِ الْقَبُولِ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ وَالْمَنْعِ فِي الثَّانِي وَتَبِعَهُ فِي الِاقْتِصَارِ فِي الرَّوْضَةِ وَعَبَّرَ بِالْمَذْهَبِ خِلَافَ تَعْبِيرِهِ فِي الْمِنْهَاجِ فِي الْقَضَاءِ بِالْأَظْهَرِ
(وَتَحَمُّلُهَا) الْمُعْتَدُّ بِهِ يَحْصُلُ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إمَّا (بِأَنْ يَسْتَرْعِيَهُ) الْأَصْلُ: أَيْ يَلْتَمِسَ مِنْهُ ضَبْطَ شَهَادَتِهِ لِيُؤَدِّيَهَا عَنْهُ لِأَنَّهَا نِيَابَةٌ فَاعْتُبِرَ فِيهَا إذْنُ الْمَنُوبِ عَنْهُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّا يَأْتِي، نَعَمْ لَوْ سَمْعُهُ يَسْتَرْعِي غَيْرَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى شَهَادَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْعِهِ هُوَ بِخُصُوصِهِ (فَيَقُولُ أَنَا شَاهِدٌ بِكَذَا) وَلَا يَكْفِي أَنَا عَالِمٌ وَنَحْوُهُ (وَأُشْهِدُك) أَوْ أَشْهَدْتُك (أَوْ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي) أَوْ إذَا اسْتَشْهَدْت عَلَى شَهَادَتِي فَقَدْ أَذِنْت لَك أَنْ تَشْهَدَ وَنَحْوُ ذَلِكَ (أَوْ) بِأَنْ (يَسْمَعَهُ يَشْهَدُ) بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَتَحَمَّلَهُ (عِنْدَ قَاضٍ) أَوْ مُحَكِّمٍ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: أَوْ نَحْوِ أَمِيرٍ: أَيْ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ لِمَا مَرَّ فِيهِ قَالَ: إذْ لَا يُؤَدِّي عِنْدَ هَؤُلَاءِ إلَّا بَعْدَ التَّحَقُّقِ فَأَغْنَاهُ ذَلِكَ عَنْ إذْنِ الْأَصْلِ لَهُ فِيهِ (أَوْ) بِأَنْ يُبَيِّنَ السَّبَبَ كَأَنْ يَسْمَعَهُ (يَقُولُ) وَلَوْ عِنْدَ غَيْرِ حَاكِمٍ (أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ غَيْرِهِ) لِأَنَّ إسْنَادَ السَّبَبِ يَمْنَعُ احْتِمَالَ التَّسَاهُلِ فَلَمْ يَحْتَجْ لِإِذْنِهِ أَيْضًا (وَفِي هَذَا) الْأَخِيرِ (وَجْهٌ) أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَوَسَّعُ فِي الْعِبَارَةِ وَيُحْجِمُ عِنْد طَلَبِ الشَّهَادَةِ مِنْهُ، وَيَتَعَيَّنُ تَرْجِيحُهُ فِيمَا لَوْ دَلَّتْ الْقَرَائِنُ الْقَطْعِيَّةُ مِنْ حَالِ الشَّاهِدِ عَلَى تَسَاهُلِهِ وَعَدَمِ تَحْرِيرِهِ الْعِبَارَةَ (وَلَا يَكْفِي سَمَاعُ قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا أَوْ أَشْهَدُ بِكَذَا أَوْ عِنْدِي شَهَادَةٌ بِكَذَا) وَإِنْ قَالَ شَهَادَةٌ جَازِمَةٌ لَا أَتَرَدَّدُ فِيهَا لِاحْتِمَالِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْوَعْدَ وَالتَّجَوُّزَ كَثِيرًا (وَلِيُبَيِّنَ الْفَرْعُ عِنْدَ الْأَدَاءِ جِهَةَ التَّحَمُّلِ) كَأَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا شَهِدَ بِكَذَا وَأَشْهَدَنِي أَوْ سَمِعْته يَشْهَدُ بِهِ عِنْدَ قَاضٍ أَوْ بَيَّنَ سَبَبَهُ لِيَتَحَقَّقَ الْقَاضِي صِحَّةَ شَهَادَتِهِ إذْ أَكْثَرُ الشُّهُودِ لَا يُحْسِنُهَا هُنَا (فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ) جِهَةَ تَحَمُّلِهِ (وَوَثِقَ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فَلَا بَأْسَ) لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ وَيُتَّجَهُ اعْتِبَارُ مُوَافَقَتِهِ لَهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا، نَعَمْ يُنْدَبُ لَهُ اسْتِفْصَالُهُ (وَلَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ عَلَى شَهَادَةِ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ) لِقِيَامِ مَانِعٍ بِهِ مُطْلَقًا أَوْ بِالنِّسْبَةِ لِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْأَصْلِ يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ الْفَرْعِ (وَلَا) يَصِحُّ تَحَمُّلُ (الْخُنْثَى) مُدَّةَ إشْكَالِهِ (وَ) لَا تَحَمُّلُ (النِّسْوَةِ) وَلَوْ عَلَى مِثْلِهِنَّ فِي نَحْوِ رَضَاعٍ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا، وَشَهَادَةُ الْفَرْعِ إنَّمَا تُثْبِتُ شَهَادَةَ الْأَصْلِ مَا شَهِدَ بِهِ الْأَصْلُ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَصِحَّ تَحَمُّلُ فَرْعٍ وَاحِدٍ عَنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ فِيمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَإِنْ أَرَادَ الْمُدَّعِي الْحَلِفَ مَعَ الْفَرْعِ
(فَإِنْ مَاتَ الْأَصْلُ أَوْ غَابَ أَوْ مَرِضَ لَمْ تُمْنَعْ شَهَادَةُ الْفَرْعِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَقْصٍ بَلْ هُوَ أَوْ نَحْوُهُ السَّبَبُ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْفَرْعِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ، وَإِنَّمَا قَدَّمَهُ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ (وَإِنْ حَدَثَ) بِأَصْلٍ (رِدَّةٌ أَوْ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ كَذَّبَهُ الْأَصْلُ كَأَنْ قَالَ نَسِيت التَّحَمُّلَ وَلَا أَعْلَمُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ وَلَا بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرْعِ (مُنِعَتْ) شَهَادَةُ الْفَرْعِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ لَا يَهْجُمُ دَفْعَةً فَيُورِثُ رِيبَةً فِيمَا مَضَى إلَى التَّحَمُّلِ، وَلَوْ زَالَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ اُشْتُرِطَ تَحَمُّلٌ جَدِيدٌ.
أَمَّا حُدُوثُ ذَلِكَ بَعْدَ الْحُكْمِ فَغَيْرُ مُؤَثِّرٍ، نَعَمْ لَوْ كَانَ عُقُوبَةً وَلَمْ تُسْتَوْفَ أُخِّرَ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الرُّجُوعِ، قَالَهُ
[حاشية الشبراملسي]
لِآدَمِيٍّ إلَخْ (قَوْلُهُ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ) وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ (قَوْلُهُ: وَالْمَنْعُ فِي الثَّانِي) وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْكَتْبُ إلَى قَاضِي بَلَدِهِ
(قَوْلُهُ: وَتَحَمُّلُهَا) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يَحْصُلُ بِثَلَاثَةٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ) أَيْ كَأَعْرِفُ أَوْ أَعْلَمُ أَوْ خَبِيرٌ (قَوْلُهُ: تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ) أَيْ بِأَنْ تَعَيَّنَ وُصُولُ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ طَرِيقًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ إسْنَادَ السَّبَبِ) أَيْ إلَيْهِ (قَوْلُهُ وَيُحْجَمُ) أَيْ يُمْتَنَعُ (قَوْلُهُ: مُدَّةَ إشْكَالِهِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا تَحَمَّلَ فِي حَالِ إشْكَالِهِ وَأَدَّى وَهُوَ كَذَلِكَ لَا يُقْبَلُ بِخِلَافِ مَنْ تَحَمَّلَ مُشْكِلًا ثُمَّ أَدَّى بَعْدَ اتِّضَاحِهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قِيَاسًا عَلَى الْفَاسِقِ وَالْعَبْدِ إذَا تَحَمَّلَا نَاقِصَيْنِ ثُمَّ أَدَّيَا بَعْدَ كَمَالِهِمَا كَمَا يَأْتِي
(قَوْلُهُ: اُشْتُرِطَ تَحَمُّلٌ) أَيْ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ الَّتِي هِيَ سَنَةٌ لِيَتَحَقَّقَ زَوَالُهَا
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ لِقِيَامِ مَانِعٍ بِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَرْدُودٌ
(قَوْلُهُ: كَأَنْ قَالَ نَسِيت) لَعَلَّهُ نَظِيرٌ
الْبُلْقِينِيُّ (وَجُنُونُهُ) الْمُطْبَقُ (كَمَوْتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ) فَلَا يُؤَثِّرُ إذْ لَا يُوقِعُ رِيبَةً فِي الْمَاضِي وَأَطْلَقُوا الْجُنُونَ هُنَا وَإِنْ قُيِّدَ فِي الْحَضَانَةِ وَحِينَئِذٍ فَيُؤَدَّى عَنْهُ حَالَ الْجُنُونِ مُطْلَقًا، وَيُفَرَّق بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِغْمَاءِ بِرَجَاءِ زَوَالِهِ غَالِبًا، بِخِلَافِ الْجُنُونِ وَبَيْنَ مَا هُنَا وَالْحَضَانَةِ بِأَنَّ الْحَقَّ ثَمَّ ثَابِتٌ لَهُ فَلَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ إلَّا بِتَحَقُّقِ ضَيَاعِ الْمَحْضُونِ، وَجُنُونُ يَوْمٍ فِي سَنَةٍ لَا يُضَيِّعُهُ، وَمِثْلُهُ خَرَسٌ وَعَمًى، وَكَذَا إغْمَاءٌ إنْ غَابَ وَإِلَّا اُنْتُظِرَ زَوَالُهُ لِقُرْبِهِ أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا مَنْ شَأْنِهِ، وَلَا يُنَافِيه مَا مَرَّ فِي وَلِيِّ النِّكَاحِ مِنْ التَّفْصِيلِ لِإِمْكَانِ الْفَرْقِ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْمَرَضِ لَا يُنْتَظَرُ زَوَالُهُ لِعَدَمِ مُنَافَاتِهِ لِلشَّهَادَةِ.
وَالثَّانِي كَفِسْقِهِ فَيَمْنَعُ شَهَادَةَ الْفَرْعِ
(وَلَوْ) (تَحَمَّلَ فَرْعٌ فَاسِقٌ أَوْ عَبْدٌ) أَوْ صَبِيٌّ (فَأَدَّى وَهُوَ كَامِلٌ) (قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُ كَالْأَصْلِ إذَا تَحَمَّلَ نَاقِصًا وَأَدَّى بَعْدَ كَمَالِهِ (وَتَكْفِي شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَلَى) كُلٍّ مِنْ (الشَّاهِدَيْنِ) كَمَا إذَا شَهِدَ عَلَى إقْرَارِ كُلٍّ مِنْ رَجُلَيْنِ فَلَا تَكْفِي شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى هَذَا وَوَاحِدٍ عَلَى هَذَا وَلَا وَاحِدٍ عَلَى وَاحِدٍ فِي هِلَال رَمَضَانَ (وَفِي قَوْلٍ يُشْتَرَطُ لِكُلِّ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ اثْنَانِ) لِأَنَّهُمَا إذَا شَهِدَ عَلَى أَصْلٍ كَانَا كَشَطْرِ الْبَيِّنَةِ فَلَا يَجُوزُ قِيَامُهُمَا بِالشَّطْرِ الثَّانِي
(وَشَرْطُ قَبُولِهَا) أَيْ شَهَادَةِ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ (تَعَذُّرُ أَوْ تَعَسُّرُ الْأَصْلِ بِمَوْتٍ أَوْ عَمًى) فِيمَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ الْأَعْمَى (أَوْ مَرَضٍ) غَيْرَ إغْمَاءٍ لِمَا مَرَّ فِيهِ (يَشُقُّ) مَعَهُ (حُضُورُهُ) مَشَقَّةً ظَاهِرَةً بِأَنْ يَجُوزَ تَرْكُ الْجُمُعَةِ كَمَا قَامَا لَهُ الْأُمُّ وَإِنْ اُعْتُرِضَ وَمِنْ ثَمَّ كَانَتْ أَعْذَارُ الْجُمُعَةِ أَعْذَارًا هُنَا لِأَنَّ جَمِيعَهَا يَقْتَضِي تَعَذُّرَ الْحُضُورِ.
قَالَا: وَكَذَا سَائِرُ الْأَعْذَارِ الْخَاصَّةِ بِالْأَصْلِ فَإِنْ عَمَّتْ الْفَرْعَ أَيْضًا كَالْمَطَرِ وَالْوَحْلِ لَمْ يُقْبَلْ، لَكِنَّ الْأَوْجَهَ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ خِلَافُهُ فَقَدْ يَتَحَمَّلُ الْمَشَقَّةَ لِنَحْوِ صَدَاقَةٍ دُونَ الْأَصْلِ وَلَيْسَ مِنْ الْأَعْذَارِ الِاعْتِكَافُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ (أَوْ غَيْبَةٌ لِمَسَافَةِ عَدْوَى) يَعْنِي لِفَوْقِهَا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا لِأَنَّ مَا دُونَهُ فِي حُكْمِ الْبَلَدِ فَيُقْبَلُ حِينَئِذٍ الْفَرْعُ لِمَا فِي تَكْلِيفِ الْأَصْلِ الْحُضُورَ مِنْ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَإِنْ قُيِّدَ بِالْحَضَانَةِ) أَيْ حَيْثُ قُيِّدَ بِقِصَرِ الزَّمَنِ، وَقَوْلُهُ مُطْلَقًا: أَيْ قَصُرَ زَمَنُهُ أَوْ طَالَ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ) أَيْ الْجُنُونِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُنَافِيهِ مَا مَرَّ) يُتَأَمَّلُ فَإِنَّ مَا هُنَا فَرْقٌ فِيهِ عَلَى مَا قَرَّرَهُ بَيْنَ مَا يَطُولُ زَمَنُهُ وَغَيْرِهِ فَهُمَا مُسْتَوِيَانِ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ قَبْلُ: أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا مَرَّ إلَخْ إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ سَوَّى هُنَا بَيْنَ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِالطُّولِ هُنَا مَا يُخِلُّ بِمُرَادِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِخِلَافِهِ فِي النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ فِي الطَّوِيلِ فِيهِ الزِّيَادَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ
(قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الطَّوِيلِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ مِنْ الْأَعْذَارِ الِاعْتِكَافُ) أَيْ وَلَوْ مَنْذُورًا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَأَطْلَقُوا الْجُنُونَ هُنَا وَإِنْ قُيِّدَ فِي الْحَضَانَةِ) أَيْ فَلَا نَظَرَ لِهَذَا التَّقْيِيدِ، وَالرَّاجِحُ الْأَخْذُ بِإِطْلَاقِهِمْ هُنَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَحِينَئِذٍ فَيُؤَدِّي إلَخْ، وَحِينَئِذٍ فَيَجِبُ حَذْفُ قَوْلِهِ الْمُطْلَقِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي خِلَالِ الْمَتْنِ ثُمَّ رَأَيْته مَحْذُوفًا فِي بَعْضِ النُّسَخِ (قَوْلُهُ: إنْ غَابَ) أَيْ الْأَصْلُ عَنْ الْبَلَدِ، وَقَوْلُهُ وَإِلَّا: أَيْ بِأَنْ كَانَ حَاضِرًا بِالْبَلَدِ كَمَا فُهِمَ هَذَا مِنْ الْأَنْوَارِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ
(قَوْلُهُ: فَلَا تَكْفِي شَهَادَةُ وَاحِدٍ إلَخْ) أَيْ وَإِنْ أَوْهَمَهُ الْمَتْنُ لَوْلَا قَوْلُ الشَّارِحِ كُلٌّ
(قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ لَوْ كَانَتْ أَعْذَارُ الْجُمُعَةِ إلَخْ) تَقَدَّمَ التَّوَقُّفُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ.
ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ سَبَقَ إلَى التَّوَقُّفِ فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ شُمُولِ نَحْوِ أَكْلِ ذِي الرِّيحِ الْكَرِيهَةِ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَا أَحْسِبُ الْأَصْحَابَ يَسْمَحُونَ بِذَلِكَ أَصْلًا وَإِنَّمَا تَوَلَّدَ مِنْ إطْلَاقِ الْإِمَامِ وَمَنْ تَبِعَهُ اهـ. وَتَوَقَّفَ فِيهِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ أَيْضًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ هُنَا أُمُورًا: مِنْهَا أَنَّ قَضِيَّةَ سِيَاقِهِ أَنَّ قَوْلَهُ وَمِنْ ثُمَّ إلَخْ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ.
وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ وَكَذَا سَائِرُ الْأَعْذَارِ الْخَاصَّةِ يُفِيدُ أَنَّهَا غَيْرُ أَعْذَارِ الْجُمُعَةِ.
وَمِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ مِنْ سَوْقِ عِبَارَةِ الرَّافِعِيِّ وَنَصُّهَا: وَيَلْحَقُ خَوْفُ الْغَرِيمِ وَسَائِرُ مَا تُتْرَكُ بِهِ الْجُمُعَةُ بِالْمَرَضِ، هَكَذَا أَطْلَقَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ لَكِنَّ ذَلِكَ فِي الْأَعْذَارِ الْخَاصَّةِ دُونَ مَا يَعُمُّ الْأُصُولَ
الْمَشَقَّةِ (وَقِيلَ) لِمَسَافَةِ (قَصْرٍ) لِذَلِكَ وَرُدَّ بِمَنْعِهِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرُوهَا فِي غَيْبَةِ الْوَلِيِّ عَنْ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّوْكِيلُ بِلَا مَشَقَّةٍ بِخِلَافِ الْأَصْلِ هُنَا، وَمَرَّ فِي التَّزْكِيَةِ قَبُولُ شَهَادَةِ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ بِهَا عَنْ آخَرِينَ فِي الْبَلَدِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ فِي الْبَلَدِ لِمَزِيدِ الْحَاجَةِ لِذَلِكَ.
وَلَوْ حَضَرَ الْأَصْلُ قَبْلَ الْحُكْمِ تَعَيَّنَتْ شَهَادَتُهُ، وَلَيْسَ مَا ذُكِرَ تَكْرَارًا مَعَ مَا مَرَّ آنِفًا مِنْ أَنَّ نَحْوَ مَوْتِ الْأَصْلِيِّ وَجُنُونِهِ وَعَمَاهُ لَا يَمْنَعُ شَهَادَةَ الْفَرْعِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي بَيَانِ طَرَيَان الْعُذْرِ وَهَذَا فِي مُسَوِّغِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَإِنْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ هَذَا كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ (وَأَنْ يُسَمِّيَ) الْفَرْعُ (الْأُصُولَ) لِيَعْرِفَ الْقَاضِي عَدَالَتَهُمْ أَوْ ضِدَّهَا وَيَتَمَكَّنَ الْخَصْمُ مِنْ الْجَرْحِ إنْ عَرَفَهُ، وَالْمُرَادُ تَسْمِيَةٌ تَحْصُلُ بِهَا الْمَعْرِفَةُ، وَصَوَّبَ الْأَذْرَعِيُّ وُجُوبَ تَسْمِيَةِ الْقَاضِي الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ لِمَا غَلَبَ عَلَى الْقُضَاةِ مِنْ الْجَهْلِ وَالْفِسْقِ (وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تُزَكِّيهِمْ الْفُرُوعُ) وَلَا أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِصِدْقِهِمْ فِيمَا شَهِدُوا بِهِ بَلْ لَهُمْ إطْلَاقُ الشَّهَادَةِ وَالْقَاضِي يَبْحَثُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ (فَإِنْ زَكَّوْهُمْ قُبِلَ) ذَلِكَ مِنْهُمْ إنْ تَأَهَّلُوا لِلتَّعْلِيلِ لِانْتِفَاءِ تُهْمَتِهِمْ فِي تَعْدِيلِهِمْ، وَإِنَّمَا لَمْ تُقْبَلْ تَزْكِيَةُ أَحَدِ شَاهِدَيْنِ فِي وَاقِعَةٍ لِلْآخَرِ لِأَنَّهُ قَامَ بِأَحَدِ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ فَلَا يَقُومُ بِالْآخَرِ، وَتَزْكِيَةُ الْفَرْعِ الْأَصْلَ مِنْ تَتِمَّةِ شَهَادَةِ الْفَرْعِ وَلِذَا شُرِطَتْ عَلَى وَجْهٍ، وَتَفَنَّنِ هُنَا بِجَمْعِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ تَارَةً وَإِفْرَادِ كُلٍّ أُخْرَى (وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ عُدُولٍ وَلَمْ يُسَمُّوهُمْ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّهُ يَسُدُّ بَابَ الْجَرْحِ عَلَى الْخَصْمِ، وَلَوْ اجْتَمَعَ شَاهِدَا فَرْعٍ وَشَاهِدَا أَصْلٍ قُدِّمَتْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ قَبْلَ شَهَادَةِ الْفَرْعِ كَمَا إذَا كَانَ مَعَهُ بَعْضُ مَاءٍ لَا يَكْفِيه يَسْتَعْمِلُهُ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ.
(فَصْلٌ) فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ إذَا (رَجَعُوا) أَيْ الشُّهُودُ (عَنْ الشَّهَادَةِ) بَعْدَ الْأَدَاءِ وَ (قَبْلَ الْحُكْمِ) (امْتَنَعَ) الْحُكْمُ بِهَا لِزَوَالِ سَبَبِهِ، كَمَا لَوْ طَرَأَ مَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ قَبْلَهُ لِنَحْوِ فِسْقٍ أَوْ عَدَاوَةٍ أَوْ انْتِقَالِ الْمَالِ الْمَشْهُودِ بِهِ لِلشَّاهِدِ بِإِرْثٍ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ لَا نَحْوِ مَوْتِهِ أَوْ جُنُونِهِ أَوْ إغْمَائِهِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَلِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَصَدَقُوا فِي الْأَوَّلِ أَمْ فِي الثَّانِي، وَيَفْسُقُونَ وَيُعَزَّرُونَ إنْ قَالُوا: تَعَمَّدْنَا، وَيُحَدُّونَ لِلْقَذْفِ إنْ كَانَتْ بِزِنًا وَإِنْ ادَّعَوْا الْغَلَطَ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ رُجُوعَهُمْ بَعْدَ الثُّبُوتِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ السَّابِقِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ مُطْلَقًا، وَسَوَاءٌ أَصَرَّحَ الشَّاهِدُ بِالرُّجُوعِ أَمْ قَالَ: شَهَادَتِي بَاطِلَةٌ أَمْ لَا شَهَادَةَ لِي
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَلَيْسَ مَا ذُكِرَ تَكْرَارًا) وَيُتَّجَهُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ لَوْ عَادَهُ الْقَاضِي كَمَا لَوْ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ، وَإِنْ فَرَّقَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ بِبَقَاءِ الْعُذْرِ هُنَا لَا ثَمَّ لِأَنَّهُ بِحُضُورِ الْقَاضِي عِنْدَهُ لَمْ يَبْقَ هُنَاكَ عُذْرٌ حَتَّى يُقَالَ إنَّهُ بَاقٍ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَصَوَّبَ الْأَذْرَعِيُّ) مَسْأَلَةٌ اسْتِطْرَادِيَّةٌ (قَوْلُهُ: وَشَاهِدُ أَصْلٍ) وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَتَحَمَّلَ اثْنَانِ عَلَى شَاهِدِ أَصْلٍ وَحَضَرَا عِنْدَ الْقَاضِي وَتَحَمَّلَ اثْنَانِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ ثُمَّ قَامَ بِهِمَا عُذْرٌ فَتَحَمَّلَ عَلَى شَهَادَتِهِمَا اثْنَانِ آخَرَانِ فَهَذَانِ شَاهِدَانِ عَنْ الْفَرْعِ وَذَانِكَ شَاهِدَانِ عَلَى الْأَصْلِ فَتُقَدَّمُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى شَهَادَةِ هَذَيْنِ لِيُحْكَمَ بِشَهَادَةِ الْجَمِيعِ (قَوْلُهُ: قُدِّمَتْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ) أَيْ وُجُوبًا حَتَّى لَوْ انْعَكَسَ الْحَالُ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ.
(فَصْلٌ) فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ
[حاشية الرشيدي]
وَالْفُرُوعَ كَالْمَطَرِ وَالْوَحَلِ الشَّدِيدِ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا اعْتَبَرُوهَا فِي غَيْبَةِ الْوَلِيِّ) أَيْ فِي انْتِقَالِ الْوِلَايَةِ عَنْهُ لِلْحَاكِمِ (قَوْلُهُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّوْكِيلُ) أَيْ إذَا كَانَ دُونَهَا (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ تَسْمِيَةٌ تَحْصُلُ بِهَا الْمَعْرِفَةُ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا إذَا سَبَقَتْ لِلْقَاضِي مَعْرِفَةٌ بِهِمَا فَلْيُرَاجَعْ.
[فَصْلٌ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ]
(فَصْلٌ) فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ (قَوْلُهُ: مِنْ الْمَشْهُودِ) لَعَلَّهُ أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا انْتَقَلَ إلَيْهِ بِالْإِرْثِ مِنْ غَيْرِ الْمَشْهُودِ لَهُ كَأَنْ بَاعَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ لِمُوَرِّثِ الشَّاهِدِ فَمَاتَ وَوَرِثَهُ الشَّاهِدُ (قَوْلُهُ: لَيْسَ بِحُكْمٍ مُطْلَقًا) أَيْ لَيْسَ بِحُكْمٍ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ
عَلَى فُلَانٍ أَمْ هِيَ مَنْفُوضَةٌ أَمْ مَفْسُوخَةٌ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ صَحِيحَةً مِنْ أَصْلِهَا، وَفِي أَبْطَلْتُهَا أَوْ فَسَخْتُهَا أَوْ رَدَدْتُهَا وَجْهَانِ: أَرْجَحُهُمَا أَنَّهُ رُجُوعٌ، وَلَوْ قَالَ لِلْحَاكِمِ: تَوَقَّفْ عَنْ الْحُكْمِ وَجَبَ تَوَقُّفُهُ، فَإِنْ قَالَ لَهُ: اقْضِ قَضَى لِعَدَمِ تَحَقُّقِ رُجُوعِهِ، نَعَمْ إنْ كَانَ عَامِّيًّا وَجَبَ سُؤَالُهُ عَنْ سَبَبِ تَوَقُّفِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بَعْدَ الْحُكْمِ شَهِدَتْ بِرُجُوعِهِمَا قَبْلَهُ عُمِلَ بِهَا وَتَبَيَّنَ بُطْلَانُهُ وَإِنْ كَذَبَاهَا كَمَا تُقْبَلُ بِفِسْقِهِمَا وَقْتَهُ أَوْ قَبْلَهُ بِزَمَنٍ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الِاسْتِبْرَاءُ، وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ قَبُولِهَا بَعْدَهُ بِرُجُوعِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَوْنِهِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ كَلَامُ الْعِرَاقِيِّ فِي فَتَاوِيهِ.
(أَوْ) رَجَعُوا (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْحُكْمِ (وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ مَالٍ اُسْتُوْفِيَ) لِأَنَّ الْقَضَاءَ قَدْ تَمَّ وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ حَتَّى يَتَأَثَّرَ بِالرُّجُوعِ وَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعُقُودِ أَمْضَى كَاسْتِيفَاءِ الْمَالِ (أَوْ) قَبْلَ اسْتِيفَاءِ (عُقُوبَةٍ) لِآدَمِيٍّ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ زِنًا وَسَرِقَةٍ (فَلَا) يُسْتَوْفَى لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَالرُّجُوعُ شُبْهَةٌ بِخِلَافِ الْمَالِ (أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ (لَمْ يَنْقَضِ) لِتَأَكُّدِ الْأَمْرِ وَجَوَازِ كَذِبِهِمْ فِي الرُّجُوعِ فَقَطْ، وَلَيْسَ عَكْسُ هَذَا أَوْلَى مِنْهُ، وَالثَّابِتُ لَا يُنْقَضُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ، وَبِذَلِكَ سَقَطَ الْقَوْلُ بِأَنَّ بَقَاءَ الْحُكْمِ بِغَيْرِ سَبَبٍ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَيَمْتَنِعُ عَلَى الْحَاكِمِ الرُّجُوعُ عَنْ حُكْمِهِ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ: أَيْ بِعِلْمِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ حُكْمَهُ إنْ كَانَ بَاطِنُ الْأَمْرِ فِيهِ كَظَاهِرِهِ نَفَذَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالُ نَفَذَ ظَاهِرًا فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ مُسْتَنَدَهُ فِيهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي الْقَضَاءِ، وَأَفَادَ الْأَذْرَعِيُّ قَبُولَ قَوْلِهِ حَكَمْتُ بِكَذَا مُكْرَهًا أَوْ بَانَ لِي فِسْقُ الشَّاهِدِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ لَا كُنْتَ فَاسِقًا أَوْ عَدُوًّا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ لِاتِّهَامِهِ، وَظَاهِرُ مَا ذُكِرَ عَدَمُ احْتِيَاجِهِ فِي دَعْوَى الْإِكْرَاهِ لِقَرِينَةٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَ خُرُوجِهِ عَنْ نَظَائِرِهِ فَخَامَةُ مَنْصِبِ الْحَاكِمِ وَيَتَعَيَّنُ فَرْضُهُ فِي مَشْهُورٍ بِالْعِلْمِ وَالصِّيَانَةِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، بِخِلَافِ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الثَّابِتِ، وَلَا الْمَحْكُومَ بِهِ فَإِنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَثْبُتُ عِنْدَهُ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي صِحَّتِهِ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ اسْتِيفَاءِ شُرُوطِهَا عِنْدَهُ.
وَمِنْهَا ثُبُوتُ مِلْكِ الْعَاقِدِ أَوْ وِلَايَتِهِ فَحِينَئِذٍ جَازَ لَهُ بَلْ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ عَنْ حُكْمِهِ بِهَا إنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ مَا يَقْتَضِي رُجُوعَهُ عَنْهُ كَعَدَمِ ثُبُوتِ مِلْكِ الْعَاقِدِ.
(فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَوْفَى قِصَاصًا) فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ (أَوْ قَتْلَ رِدَّةٍ أَوْ رَجْمَ زِنًا أَوْ جَلْدَهُ) أَيْ الزِّنَا، وَمِثْلُهُ حَدُّ الْقَذْفِ (وَمَاتَ) مِنْ الْقَوَدِ أَوْ الْحَدِّ ثُمَّ رَجَعُوا (وَقَالُوا) كُلُّهُمْ (تَعَمَّدْنَا) وَعَلِمْنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِنَا كَمَا مَرَّ ذَلِكَ مَبْسُوطًا أَوَائِلَ الْجِرَاحِ (فَعَلَيْهِمْ قِصَاصٌ) بِشَرْطِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ جَلْدُ الزِّنَا يَقْتُلُ غَالِبًا لِإِقَامَتِهِ فِي زَمَنٍ نَحْوِ حَرٍّ وَمَذْهَبُ الْحَاكِمِ يَقْتَضِي اسْتِيفَاءً فَوْرًا وَإِنْ أَهْلَكَ غَالِبًا وَعَلِمَا ذَلِكَ، وَبِهَذَا يُرَدُّ تَنْظِيرُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَالْبُلْقِينِيِّ فِيهِ، وَمَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ مَا لَمْ يَعْتَرِفْ الْقَاتِلُ بِحَقِيقَةِ مَا شَهِدَا بِهِ عَلَيْهِ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ قِصَاصٌ وُجُوبَ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: إنَّهُ رُجُوعٌ) مِنْ أَصْلِهَا: أَيْ عَنْهَا مِنْ أَصْلِهَا (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ قَبُولِهَا) أَيْ الْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ عَكْسُ هَذَا) أَيْ صِدْقُهُمْ فِي الرُّجُوعِ (قَوْلُ أَيْ بِعِلْمِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ) أَيْ إذَا كَانَ سَبَبُ الرُّجُوعِ عِلْمُهُ بِبُطْلَانِ حُكْمِهِ أَوْ شَهَادَةُ بَيِّنَةٍ عَلَيْهِ بِبُطْلَانِ حُكْمِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ الْحُكْمِ لِأَجْلِ الْبَيِّنَةِ (قَوْلُهُ: لِقَرِينَةٍ) أَيْ وَلَا لِبَيَانِ مَنْ أَكْرَهَهُ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ) أَيْ امْتِنَاعِ رُجُوعِ الْحَاكِمِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا) أَيْ الشُّرُوطِ
(قَوْلُهُ: بِشَرْطِهِ) وَهُوَ الْمُكَافَأَةُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ) يَعْنِي جَوَازَ الرُّجُوعِ عَنْ الْحُكْمِ إذَا بَيَّنَ مُسْتَنَدَهُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ التُّحْفَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الثَّابِتِ وَلَا الْمَحْكُومَ بِهِ) أَيْ فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ الرُّجُوعُ
(قَوْلُهُ: وَعَلِمْنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِنَا) لَيْسَ هُوَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ مَا إذَا سَكَتُوا بَلْ وَإِنْ قَالُوا لَمْ نَعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا إنْ قَرُبَ عَهْدُهُمْ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَئُوا بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِهِمْ إلَخْ، وَإِنْ كَانَ تَعْبِيرُهُ فِيمَا يَأْتِي غَيْرَ مُنَاسِبٍ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَعْتَرِفْ الْقَاتِلُ)
رِعَايَةِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ فَيُحَدُّونَ فِي شَهَادَةِ الزِّنَا حَدَّ الْقَذْفِ ثُمَّ يُرْجَمُونَ (أَوْ دِيَةٌ) عِنْدَ سُقُوطِهِ (مُغَلَّظَةٌ) مِنْ مَالِهِمْ مُوَزَّعَةٌ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ، إذْ هَلَاكُهُ مَنْسُوبٌ لَهُمْ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ أَوْ فِي كَلَامِهِ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ لِمَا مَرَّ أَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ الْقَوَدُ وَالدِّيَةُ بَدَلٌ عَنْهُ لَا أَحَدُهُمَا، وَخَرَجَ بِتَعَمُّدِنَا أَخْطَأْنَا فَعَلَيْهِمْ دِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ فِي مَالِهِمْ لَا عَلَى عَاقِلَةٍ كَذَبَتْ مَا لَمْ تُصَدِّقْهُمْ الْعَاقِلَةُ، وَمَتَى طَلَبُوا تَحْلِيفَهُمْ حَلَفُوا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ خِلَافًا لِمَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ هُنَا.
.
أَمَّا لَوْ قَالَ كُلٌّ: تَعَمَّدْتُ وَأَخْطَأَ صَاحِبِي فَلَا قِصَاصَ، وَعَلَيْهِمَا دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: تَعَمَّدْتُ وَأَخْطَأَ صَاحِبِي أَوْ تَعَمَّدْت وَلَا أَدْرِي أَتَعَمَّدَ صَاحِبِي أَمْ لَا وَهُوَ مَيِّتٌ أَوْ غَائِبٌ لَا تُمْكِنُ مُرَاجَعَتُهُ أَوْ اقْتَصَرَ عَلَى تَعَمَّدْتُ وَقَالَ صَاحِبُهُ: أَخْطَأْت فَلَا قِصَاصَ وَعَلَى الْمُتَعَمِّدِ قِسْطٌ مِنْ دِيَةٍ مُغَلَّظَةٍ، وَعَلَى الْمُخْطِئِ قِسْطٌ مِنْ مُخَفَّفَةٍ أَوْ قَالَ: تَعَمَّدْت وَتَعَمَّدَ صَاحِبِي وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ مَيِّتٌ أَوْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: تَعَمَّدْتُ وَلَا أَعْلَمُ حَالَ صَاحِبِي أَوْ تَعَمَّدْت وَتَعَمَّدَ صَاحِبِي أَوْ اقْتَصَرَ عَلَى تَعَمَّدْت اُقْتُصَّ مِنْهُمَا، وَإِنْ اعْتَرَفَ أَحَدُهُمَا بِعَمْدِهِمَا وَالْآخَرُ بِعَمْدِهِ وَخَطَأِ صَاحِبِهِ أَوْ بِخَطَئِهِ وَحْدَهُ أَوْ بِخَطَئِهِمَا اُقْتُصَّ مِنْ الْأَوَّلِ، أَوْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ وَقَالَ: تَعَمَّدْنَا لَا إنْ قَالَ: تَعَمَّدْت اُقْتُصَّ مِنْهُ، وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِهِمْ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِقَوْلِنَا إلَّا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ فِي مَالِهِمْ مُؤَجَّلًا ثَلَاثَ سِنِينَ مَا لَمْ تُصَدِّقْهُمْ الْعَاقِلَةُ، وَعُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي الْجِرَاحِ أَنَّ مَحَلَّ مَا تَقَرَّرَ مَا لَمْ يَقُلْ الْوَلِيُّ عَلِمْت تَعَمُّدَهُمْ وَإِلَّا فَالْقَوَدُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ.
(وَعَلَى الْقَاضِي قِصَاصٌ إنْ) رَجَعَ وَحْدَهُ وَ (قَالَ: تَعَمَّدْتُ) لِاعْتِرَافِهِ بِمُوجِبِهِ، فَإِنْ آلَ الْأَمْرُ لِلدِّيَةِ كَانَتْ كُلُّهَا مُغَلَّظَةً فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَقِلُّ بِالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا إذَا قَضَى بِعِلْمِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا رَجَعَ هُوَ وَالشُّهُودُ فَإِنَّهُ يُشَارِكُهُمْ كَمَا يَأْتِي وَبَحَثَ الرَّافِعِيُّ اسْتِوَاءَهُمَا (وَإِنْ رَجَعَ هُوَ وَهُمْ فَعَلَى الْجَمِيعِ قِصَاصٌ إنْ قَالُوا: تَعَمَّدْنَا) وَعَلِمْنَا إلَى آخِرِهِ لِنِسْبَةِ الْهَلَاكِ إلَيْهِمْ كُلِّهِمْ (فَإِنْ قَالُوا: أَخْطَأْنَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةٍ) مُخَفَّفَةٍ (وَعَلَيْهِمْ نِصْفٌ) كَذَلِكَ تَوْزِيعًا عَلَى الْمُبَاشَرَةِ وَالسَّبَبِ.
(وَلَوْ رَجَعَ مُزَكٍّ) وَحْدَهُ أَوْ مَعَ مَنْ مَرَّ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَضْمَنُ) بِالْقَوَدِ أَوْ الدِّيَةِ لِإِلْجَاءِ الْمُزَكَّى الْحَاكِمَ لِلْحُكْمِ الْمُفْضِي لِلْقَتْلِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَأْتِي فِي شَاهِدِ الْإِحْصَانِ بِأَنَّ الزِّنَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْإِحْصَانِ صَالِحٌ لِلْإِلْجَاءِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْحَدُّ وَالشَّهَادَةُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ التَّزْكِيَةِ غَيْرُ صَالِحَةٍ أَصْلًا فَكَانَ.
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَمَتَى طَلَبَ تَحْلِيفَهُمْ) أَيْ الْعَاقِلَةَ
(قَوْلُهُ: فَلَا قِصَاصَ) أَيْ لِأَنَّ كُلًّا يَزْعُمُ أَنَّهُ شَرِيكٌ مُخْطِئٌ وَشَرِيكُهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: وَبَحَثَ الرَّافِعِيُّ اسْتِوَاءَهُمَا) أَيْ رُجُوعَهُ وَحْدَهُ أَوْ وَالشُّهُودِ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِمْ) أَيْ الشُّهُودِ
(قَوْلُهُ: فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَضْمَنُ) أَيْ دُونَ الْأَصْلِ
[حاشية الرشيدي]
يَعْنِي مَنْ قُتِلَ وَاسْتَوْفَيْنَا مِثْلَهُ الْقِصَاصَ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مِثْلَهُ الْمَقْتُولُ رِدَّةً أَوْ رَجْمًا مَثَلًا فَكَانَ الْأَوْلَى إبْدَالُ لَفْظِ الْقَاتِلِ بِالْمَقْتُولِ
(قَوْلُهُ: أَوْ بِخَطَئِهِ وَحْدَهُ) أَيْ مَعَ اعْتِرَافِ الْأَوَّلِ بِعَمْدِهِمَا (قَوْلُهُ: وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِهِمْ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ لَمْ نَعْلَمْ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ بَعْدَ أَنْ قَيَّدَ بِمِثْلِ مَا قَيَّدَ بِهِ الشَّارِحُ فِيمَا مَرَّ نَصُّهَا: وَخَرَجَ بِقَوْلِهِمْ وَعَلِمْنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِنَا إلَخْ مَا إذَا قَالُوا لَمْ نَعْلَمْ إلَخْ، فَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ فِيهِ تَفْصِيلٌ، فَكَانَ الصَّوَابُ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ مِثْلَ ذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ وَبَحَثَ الرَّافِعِيُّ اسْتِوَاءَهُمَا) أَيْ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَيْ فِي وُجُوبِ النِّصْفِ فَقَطْ (قَوْلُهُ: وَعَلِمْنَا إلَخْ) فِيهِ مَا مَرَّ وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَبِعَ فِي قَوْلِهِ إلَخْ الشِّهَابَ ابْنَ حَجَرٍ، لَكِنَّ ذَاكَ إنَّمَا قَالَ إلَخْ لِأَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى مَا إذَا قَالُوا عَلِمْنَا مَا إذَا قَالُوا جَهِلْنَا بِتَفْصِيلِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي قَوْلِهِ بَعْدُ وَلَا أَثَرَ إلَخْ، فَلَمَّا كَانَ فِي عِبَارَتِهِ الَّتِي قَدَّمَهَا طُولٌ اسْتَغْنَى عَنْ إعَادَتِهَا بِقَوْلِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ تَوْزِيعًا عَلَى الْمُبَاشَرَةِ وَالسَّبَبِ) يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ مَحَلَّ قَوْلِهِمْ إنَّ الْمُبَاشَرَةَ عَلَى السَّبَبِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِصَاصِ خَاصَّةً، لَكِنْ يَنْبَغِي التَّأَمُّلُ فِي قَوْلِهِ تَوْزِيعًا عَلَى الْمُبَاشَرَةِ وَالسَّبَبِ
(قَوْلُهُ: بِالْقَوَدِ أَوْ الدِّيَةِ) هَذَا كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ الْقَوَدَ أَوْ الدِّيَةَ عَلَى الْمُزَكِّي وَحْدَهُ، وَيُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ فِي الْفَرْقِ الْآتِي فَكَانَ الْمُلْجِئُ هُوَ التَّزْكِيَةِ وَقَوْلُهُ آخِرَ السِّوَادَةِ
الْمُلْجِئُ هُوَ التَّزْكِيَةُ، وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَثْنَى عَلَى الشَّاهِدِ وَالْحُكْمُ يَقَعُ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ فَكَانَ كَالْمُمْسِكِ مَعَ الْقَاتِلِ.
وَلَوْ رَجَعَ الْأَصْلُ وَفَرْعُهُ اخْتَصَّ الْغُرْمُ بِالْفَرْعِ لِأَنَّهُ الْمُلْجِئُ كَالْمُزَكَّى.
(أَوْ) رَجَعَ (وَلِيٌّ وَحْدَهُ) دُونَ الشُّهُودِ (فَعَلَيْهِ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ) لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ لِلْقَتْلِ، وَبَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِرُجُوعِهِ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بَلْ لَا يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ كَمَا مَرَّ.
(أَوْ) رَجَعَ الْوَلِيُّ (مَعَ الشُّهُودِ) أَوْ مَعَ الْقَاضِي وَالشُّهُودِ (فَكَذَلِكَ) لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ فَهُمْ كَالْمُمْسِكِ مَعَ الْقَائِلِ (وَقِيلَ: هُوَ وَهُمْ شُرَكَاءُ) لَكِنْ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ إنْ وَجَبَتْ لِتَعَاوُنِهِمْ عَلَى الْقَتْلِ.
(وَلَوْ) (شَهِدَا بِطَلَاقٍ بَائِنٍ) بِخُلْعٍ أَوْ ثَلَاثٍ وَلَوْ لِرَجْعِيَّةٍ كَمَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ (أَوْ رَضَاعٍ) مُحَرَّمٍ (أَوْ لِعَانٍ وَفَرَّقَ الْقَاضِي) بَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَزَوْجَتِهِ (فَرَجَعَا دَامَ الْفِرَاقُ) لِأَنَّ قَوْلَهُمَا فِي الرُّجُوعِ مُحْتَمَلٌ فَلَا يُرَدُّ الْقَضَاءُ بِهِ، وَمَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِالتَّفْرِيقِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ بِالتَّحْرِيمِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ التَّفْرِيقُ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْضِي بِهِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ بِتَحْرِيمٍ كَمَا فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ رُدَّ بِأَنَّ تَصَرُّفَ الْحَاكِمِ فِي أَمْرٍ رُفِعَ إلَيْهِ وَطُلِبَ مِنْهُ فَصْلُهُ حُكْمٌ مِنْهُ كَقِسْمَةِ مَالِ الْمَفْقُودِ عَلَى مَا مَرَّ ثَمَّ، وَالتَّفْرِيقُ هُنَا مِثْلُهَا فَلَا حَاجَةَ لِمَا ذَكَرَهُ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - دَامَ الْفِرَاقُ صَحِيحٌ فَزَعَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فِي الْبَائِنِ فَإِنَّهُ لَا يَدُومُ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ الْمُرَادُ دَوَامُهُ مَا لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يَرْفَعُهُ وَالْبَائِنُ كَذَلِكَ (وَعَلَيْهِمْ) عِنْدَ عَدَمِ تَصْدِيقِ الزَّوْجِ لَهُمْ (مَهْرُ مِثْلٍ) سَاوَى الْمُسَمَّى أَمْ لَا لِأَنَّهُ بَدَلُ الْبُضْعِ الَّذِي فَوَّتَاهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا أَوْ غَائِبًا طَالَبَ وَلِيَّهُ أَوْ وَكِيلَهُ، وَإِعَادَةُ ضَمِيرِ الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ سَائِغٌ، وَيُؤْخَذُ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي حَيٍّ فَلَا غُرْمَ فِي شُهُودِ بَائِنٍ عَلَى مَيِّتٍ إذْ لَا تَفْوِيتَ فَقَوْلُ الْبُلْقِينِيِّ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ أَيْ صَرِيحًا (وَفِي قَوْلٍ) عَلَيْهِمْ (نِصْفُهُ) فَقَطْ (إنْ كَانَ) الْفِرَاقُ (قَبْلَ وَطْءٍ) لِأَنَّهُ الَّذِي فَوَّتَاهُ وَرُدَّ بِأَنَّ النَّظَرَ فِي الْإِتْلَافِ لِبَدَلِ الْمُتْلَفِ لَا لِمَا قَامَ بِهِ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ، وَلِهَذَا لَوْ أَبْرَأَتْهُ عَنْهُ رَجَعَ بِكُلِّهِ وَخَرَجَ بِالْبَائِنِ الرَّجْعِيُّ فَلَا غُرْمَ فِيهِ إنْ رَاجَعَ لِانْتِفَاءِ التَّفْوِيتِ وَإِلَّا وَجَبَ كَالْبَائِنِ وَتَمَكُّنُهُ مِنْ الرَّجْعَةِ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَدِرَ عَلَى دَفْعِ مُتْلِفِ مَالِهِ فَلَمْ يَدْفَعْهُ لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ تَغْرِيمِهِ بَدَلَهُ، وَبِهَذَا يُرَدُّ مَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ هُنَا.
(وَلَوْ) (شَهِدَ بِطَلَاقٍ وَفُرِّقَ) بَيْنَهُمَا (فَرَجَعَا فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ) أَوْ ثَبَتَ بِحُجَّةٍ أُخْرَى (أَنَّهُ) لَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا كَأَنْ ثَبَتَ أَنَّهُ (كَانَ بَيْنَهُمَا رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ) أَوْ أَنَّهَا بَانَتْ مِنْ قَبْلُ (فَلَا غُرْمَ) عَلَيْهِمَا إذْ لَمْ يُفَوِّتَا عَلَيْهِ شَيْئًا، فَإِنْ غَرِمَا قَبْلَ الْبَيِّنَةِ اسْتَرَدَّا.
لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: وَبَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ
(قَوْلُهُ: وَالتَّفْرِيقُ هُنَا مِثْلُهَا) أَيْ الْقِسْمَةِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يَرْفَعُهُ) أَيْ كَتَجْدِيدِ الْعَقْدِ (قَوْلُهُ: أَيْ صَرِيحًا) خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ فَقَوْلٌ
[حاشية الرشيدي]
لِأَنَّ الْمُلْجِئَ كَالْمُزَكِّي لَكِنْ فِي الْأَنْوَارِ أَنَّهُ يُشَارِكُ الشُّهُودَ فِي الْقَوَدِ أَوْ الدِّيَةِ فَلْيُرَاجَعْ
(قَوْلُهُ: لِتَعَاوُنِهِمْ) هُوَ عِلَّةٌ لِلْمَتْنِ
(قَوْلُهُ: دَامَ الْفَرْقُ) أَيْ فِي الظَّاهِرِ إنْ لَمْ يَكُنْ بَاطِنُ الْأَمْرِ فِيهِ كَظِهَارِهِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَمَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ حَاصِلَ بَحْثِ الْبُلْقِينِيِّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَوَجُّهِ حُكْمٍ خَاصٍّ مِنْ الْقَاضِي إلَى خُصُوصِ التَّحْرِيمِ، وَلَا يَكْفِي عَنْهُ الْحُكْمُ بِالتَّفْرِيقِ: أَيْ وَلَوْ بِصِيغَةِ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْحُكْمُ بِالتَّحْرِيمِ، بِدَلِيلِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ فِيهِ بِالتَّفْرِيقِ وَلَا يَحْصُلُ مَعَهُ حُكْمٌ بِتَحْرِيمٍ: أَيْ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ حَاصِلٌ قَبْلُ، وَحِينَئِذٍ فَجَوَابُ الشَّارِحِ كَابْنِ حَجَرٍ غَيْرُ مُلَاقٍ لِبَحْثِ الْبُلْقِينِيِّ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ عُلِمَ مِنْ قَوْلِنَا أَيْ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ حَاصِلٌ قَبْلُ: أَيْ إنَّ سَبَبَ عَدَمِ تَرَتُّبِ التَّحْرِيمِ عَلَى الْحُكْمِ بِالتَّفْرِيقِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ أَنَّ التَّحْرِيمَ حَاصِلٌ قَبْلُ، وَلَا مَعْنَى لِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ حَتَّى لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ كَانَ كَمَسْأَلَتِنَا فَيُتْبَعُ الْحُكْمُ بِالتَّفْرِيقِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: إذْ الْمُرَادُ دَوَامُهُ إلَخْ) هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ عَدَمُ صِحَّةِ الزَّعْمِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ دَعْوَى صِحَّةِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا عَدَمُ صِحَّةِ الزَّعْمِ كَمَا لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ: فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا رَضَاعٌ) اُنْظُرْ لَوْ رَجَعَتْ هَذِهِ أَيْضًا هَلْ يَكُونُ الْغُرْمُ عَلَيْهَا
بِأَلْفٍ وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ غَرِمَا مَا نَقَصَ عَنْ مَهْرِ مِثْلِهَا عَلَى الْأَصَحِّ، أَوْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ بِأَلْفٍ وَمَهْرُهَا أَوْ قِيمَتُهَا أَلْفَانِ غَرِمَا أَلْفًا لَهَا وَكُلُّ الْقِيمَةِ فِي الْأَمَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرَّقِيقَ يُؤَدِّي مِنْ كَسْبِهِ وَهُوَ لِلسَّيِّدِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ أَوْ بِعِتْقٍ لِرَقِيقٍ وَلَوْ أُمَّ وَلَدٍ ثُمَّ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ غَرِمَا الْقِيمَةَ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ وَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ الشَّهَادَةِ إنْ اتَّصَلَ بِهَا الْحُكْمُ، وَظَاهِرٌ أَنَّ قِيمَةَ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ تُؤْخَذُ مِنْهُمَا لِلْحَيْلُولَةِ حَتَّى يَسْتَرِدَّاهَا بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، وَشَرَطَ ابْنُ الرِّفْعَةِ لِاسْتِرْدَادِهَا فِي الْمُدَبَّرِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الثُّلُثِ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ بَعْضُهُ اسْتَرَدَّ قَدْرَ مَا خَرَجَ
أَوْ شَهِدَا بِإِيلَادٍ أَوْ تَدْبِيرٍ ثُمَّ رَجَعَا غَرِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، أَوْ بِتَعْلِيقِ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ بِصِفَةٍ ثُمَّ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ فَعِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ أَوْ بِكِتَابَةٍ ثُمَّ رَجَعَا غَرِمَا جَمِيعَ الْقِيمَةِ فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ لَا نَقْصَ النُّجُومِ عَنْهَا.
(وَلَوْ) (رَجَعَ شُهُودُ مَالٍ) عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ قَالُوا: غَلِطْنَا (غَرِمُوا) لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْمُتَقَوِّمِ وَمِثْلَ الْمِثْلِيِّ (فِي الْأَظْهَرِ) لِإِحَالَتِهِمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ غَرِمُوهُ بِبَدَلِهِ كَبَيْعٍ بِثَمَنٍ يُعَادِلُ الْمَبِيعَ لَمْ يَغْرَمُوا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَاعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ أَنَّ مَنْ سَعَى بِرَجُلٍ إلَى السُّلْطَانِ فَغَرَّمَهُ شَيْئًا رَجَعَ بِهِ عَلَى السَّاعِي كَشَاهِدٍ رَجَعَ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: هَذَا لِزَيْدٍ بَلْ لِعَمْرٍو شَاذٌّ، لِوُضُوحِ الْفَرْقِ، إذْ لَا إلْجَاءَ مِنْ السَّاعِي شَرْعًا، وَالثَّانِي الْمَنْعُ لَا الضَّمَانُ بِالْيَدِ أَوْ الْإِتْلَافُ وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَإِنْ أَتَوْا بِمَا يَقْتَضِي الْفَوَاتَ كَمَنْ حَبَسَ الْمَالِكَ عَنْ مَاشِيَتِهِ حَتَّى ضَاعَتْ بِهِ (وَمَتَى رَجَعُوا كُلُّهُمْ وَزَّعَ عَلَيْهِمْ الْغُرْمَ) بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ حَيْثُ اتَّحَدَ نَوْعُهُمْ سَوَاءٌ أَتَرَتَّبَ رُجُوعُهُمْ أَمْ زَادُوا عَلَى النِّصَابِ أَمْ لَا (أَوْ) رَجَعَ (بَعْضُهُمْ وَبَقِيَ نِصَابٌ) كَأَحَدِ ثَلَاثَةٍ فِي غَيْرِ نَحْوِ زِنًا (فَلَا غُرْمَ) لِبَقَاءِ الْحُجَّةِ (وَقِيلَ: يَغْرَمُ قِسْطَهُ) لِأَنَّ الْحُكْمَ مُسْتَنِدٌ لِجَمِيعِهِمْ (وَإِنْ نَقَصَ النِّصَابُ وَلَمْ تَزِدْ الشُّهُودُ عَلَيْهِ) كَأَنْ رَجَعَ أَحَدُ اثْنَيْنِ (كَقِسْطٍ) مِنْ النِّصَابِ وَهُوَ النِّصْفُ يَغْرَمُهُ الرَّاجِعُ (وَإِنْ زَادَ) عَدَدُ الشُّهُودِ عَلَى النِّصَابِ كَاثْنَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ (فَقِسْطٌ مِنْ النِّصَابِ) فَعَلَيْهِمَا نِصْفٌ لِبَقَاءِ نِصْفِ الْحُجَّةِ (وَقِيلَ مِنْ الْعَدَدِ فَعَلَيْهِمَا ثُلُثَانِ) لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْإِتْلَافِ.
(وَإِنْ) (شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) فِيمَا يَثْبُتُ بِهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا (فَعَلَيْهِ نِصْفٌ وَهُمَا نِصْفٌ) عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ رُبْعٌ لِأَنَّهُمَا كَرَجُلٍ وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّهُ يَتَوَزَّعُونَ الْأُجْرَةَ كَذَلِكَ وَفِيهِ وَقْفَةٌ، وَالْفَرْقُ لَائِحٌ.
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: غَرِمَا مَا نَقَصَ) أَيْ لِلزَّوْجَةِ (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَكُلُّ الْقِيمَةِ (قَوْلُهُ: الْمُدَبَّرُ تُؤْخَذُ مِنْهُمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ (قَوْلُهُ: حَتَّى يَسْتَرِدَّهَا بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ) أَيْ مِنْ تَرِكَتِهِ
(قَوْلُهُ: لَا نَقْصَ النُّجُومِ عَنْهَا) أَيْ الْقِيمَةِ
(قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ لَوْ غَرَّمُوهُ) أَيْ الشُّهُودُ الْمَشْهُودَ بِهِ بِبَدَلِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ: فَوَّتُوهُ
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ وَقْفَةٌ) مُعْتَمَدٌ بَلْ
[حاشية الرشيدي]
أَوْ عَلَى الْأُولَى أَوْ عَلَيْهِمَا
(قَوْلُهُ: وَدَخَلَ بِهَا) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَهِدُوا فِيمَا يَظْهَرُ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ مَدْخُولِ الشَّهَادَةِ وَلَيْسَتْ الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَالْمَعْنَى وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِأَلْفٍ فَتَرَتَّبَ عَلَى شَهَادَتِهِمَا أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا لَا وَوَجْهُ غُرْمِهِمَا مَا نَقَصَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا أَنَّهُ بِالدُّخُولِ بِمَا تَقَرَّرَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إذْ هُوَ وَطْءُ شُبْهَةٍ فَقَدْ أَتْلَفَا عَلَيْهَا بِشَهَادَتِهِمَا مَنْفَعَةَ بُضْعِهَا فَكَانَ الْقِيَاسُ تَغْرِيمَهَا جَمِيعَ الْمَهْرِ، إلَّا أَنَّهُمَا أَثْبَتَا لَهَا أَلْفًا بِشَهَادَتِهِمَا فَبَقِيَ لَهَا مَا يُتَمِّمُ مَهْرَ الْمِثْلِ، هَكَذَا ظَهَرَ فَلْيُرَاجَعْ، وَعَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْأَلْفُ الَّتِي غَرِمَهَا لَهَا (قَوْلُهُ: أَوْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ بِأَلْفٍ) أَيْ ثُمَّ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ (قَوْلُهُ: غَرِمَا أَلْفًا لَهُ) عِبَارَةُ الْعُبَابِ: أَوْ بِطَلَاقٍ بِمَالٍ: أَيْ شَهِدَا بِهِ ثُمَّ رَجَعَا، فَإِنْ شَهِدَا عَلَى الزَّوْجِ وَالْمَالُ قَدْرُ مَهْرِ الْمِثْلِ لَمْ يَغْرَمَا أَوْ أَقَلُّ غَرِمَا بَاقِيَهُ وَإِنْ شَهِدَا عَلَى الزَّوْجَةِ غَرِمَا مَا غَرِمَتْ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: إنْ اتَّصَلَ بِهَا الْحُكْمُ) أَيْ فَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا فَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِهِ لِأَنَّهُ وَقْتُ نُفُوذِ الْعِتْقِ (قَوْلُهُ: حَتَّى يَسْتَرِدَّاهَا بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ) لَوْ مَاتَتْ هِيَ قَبْلُ فَقَالَ الْبَغَوِيّ: لَا اسْتِرْدَادَ لِأَنَّهُمْ أَتْلَفُوا الرِّقَّ عَلَى السَّيِّدِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: لَا فَرْقَ فِي الْمَذْهَبِ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ (قَوْلُهُ وَشَرَطَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَالِدُ الشَّارِحِ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ