وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ ذِكْرَ الْقَدِّ، وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ اتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لَكِنْ جَزَمَ ابْنُ الْمُقْرِي فِي إرْشَادِهِ بِاشْتِرَاطِهِ فِي الرَّقِيقِ وَفِي الْإِبِلِ وَالْخَيْلِ الْمَاوَرْدِيُّ، لِأَنَّ مَا يَرْفَعُهُ هَذَا فِي أَثْمَانِهَا أَكْثَرُ مِمَّا يَخْتَلِفُ أَثْمَانُ الْحِنْطَةِ بِصِغَرِ الْحَبَّاتِ وَكِبَرِهَا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ الْحَقُّ وَنَصُّ الْمُخْتَصَرِ يَقْتَضِيهِ، وَيَجِبُ طَرْدُهُ فِي الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْبَقَرِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْإِمَامِ الْجَزْمُ بِهِ حَتَّى فِي الْغَنَمِ أَيْضًا، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ فِي سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ اتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ كَمَا مَرَّ يُحْمَلُ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ لَا يَخْتَلِفُ بِذِكْرِهِ وَعَدَمِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ.
(وَفِي الطَّيْرِ) وَالسَّمَكِ وَنَحْوِهِمَا (النَّوْعِ وَالصِّغَرِ وَكِبَرِ الْجُثَّةِ) أَيْ أَحَدُهُمَا وَلَوْنُ طَيْرٍ لَمْ يَرِدْ لِلْأَكْلِ كَمَا فِي الْوَسِيطِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ أَهْمَلَاهُ فَقَدْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ لَا بُدَّ مِنْهُ لَكِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: اعْتِبَارُهُ غَرِيبٌ، وَيَظْهَرُ فِي بَعْضِ الطُّيُورِ حَيْثُ يَخْتَلِفُ بِهِ الْغَرَضُ وَالْقِيمَةُ.
وَيَجِبُ ذِكْرُ سِنِّهِ إنْ عُرِفَ وَذُكُورَتِهِ وَأُنُوثَتِهِ إنْ أَمْكَنَ التَّمْيِيزُ وَتَعَلَّقَ بِهِ غَرَضٌ، وَكَوْنُ السَّمَكِ بَحْرِيًّا أَوْ نَهْرِيًّا طَرِيًّا أَوْ مَالِحًا، وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي النَّحْلِ وَإِنْ جَوَّزْنَا بَيْعَهُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُ بِعَدَدٍ وَلَا كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ.
(وَفِي اللَّحْمِ) مِنْ غَيْرِ طَيْرٍ وَصَيْدٍ وَلَوْ قَدِيدًا مُمَلَّحًا (لَحْمُ بَقَرٍ) جَوَامِيسَ
[حاشية الشبراملسي]
بَحْثًا مُقَابِلًا كَلَامَهُمَا كَمَا قَدْ تُشْعِرُ بِهِ عِبَارَتُهُ، لَكِنْ فِي حَمْلِ كَلَامِ الْحَاوِي الْقَائِلِ بِعَدَمِ الْجَوَازِ عَلَى بَلَدٍ يَقِلُّ فِيهِ مُنَافَاةٌ لِتَعْلِيلِهِ بِأَنَّ الْبُلْقَ مُخْتَلِفٌ لَا يَنْضَبِطُ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ فِيهِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمَ الِانْضِبَاطِ لَا قِلَّةَ وُجُودِهِ وَكَثْرَتِهَا، إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَشَارَ إلَى رَدِّ مَا عَلَّلَ بِهِ بِقَوْلِهِ وَيَكْفِي مَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْقَدِّ) أَيْ فِي الْمَاشِيَةِ (قَوْلُهُ: بِاشْتِرَاطِهِ) أَيْ الْقَدِّ (قَوْلُهُ: الْمَاوَرْدِيُّ) صَرِيحُ عِبَارَةِ الْمَنْهَجِ أَنَّ ابْنَ الْمُقْرِي جَازِمٌ بِمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ، وَقَضِيَّةُ مَا فِي الْمَنْهَجِ أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ يَقُولُ: يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْقَدِّ فِي جَمِيعِ الْمَاشِيَةِ حَتَّى الْبَقَرِ، وَمَا هُنَا يَخْرُجُ مَا عَدَا الرَّقِيقَ وَالْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ لَمْ يَذْكُرْ الِاشْتِرَاطَ فِي غَيْرِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَيُوَافِقُهُ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ فِي قَوْلِهِ وَيَجِبُ طَرْدُهُ فِي الْبِغَالِ إلَخْ، هَذَا وَقَضِيَّةُ نَقْلِهِ مَا ذَكَرَ فِي الرَّقِيقِ عَنْ ابْنِ الْمُقْرِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِيهِ، وَلَيْسَ مُرَادًا لِتَصْرِيحِهِ بِهِ فِي قَوْلِهِ وَقَدِّهِ طُولًا وَقِصَرًا إلَخْ (قَوْلُهُ: فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ) أَيْ الْقَدُّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) خِلَافًا لحج.
(قَوْلُهُ: وَفِي الطَّيْرِ وَالسَّمَكِ وَنَحْوِهِمَا) عِبَارَةُ حَجّ وَمِثْلُهُ فِي الْمَنْهَجِ وَلَحْمِهِمَا، وَهِيَ تُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي لَحْمِ الطَّيْرِ وَالسَّمَكِ سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةَ، وَلَا يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ فَلَعَلَّ نَحْوَهُمَا مُحَرَّفَةٌ عَنْ لَحْمِهِمَا، وَعَلَى كَوْنِهَا صَحِيحَةً فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَا بَقِيَّةُ أَنْوَاعِ الصَّيْدِ (قَوْلُهُ: أَيْ أَحَدِهِمَا) أَيْ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ (قَوْلُهُ: اعْتِبَارُهُ غَرِيبٌ) أَيْ مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ وَإِلَّا فَلَا غَرَابَةَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى (قَوْلُهُ: وَيَظْهَرُ فِي بَعْضِ الطُّيُورِ) أَيْ اعْتِبَارُ اللَّوْنِ (قَوْلُهُ: وَكَوْنِ السَّمَكِ بَحْرِيًّا) أَيْ مِنْ الْبَحْرِ الْمِلْحِ (قَوْلُهُ: أَوْ نَهْرِيًّا) أَيْ مِنْ الْبَحْرِ الْحُلْوِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي النَّحْلِ) بِالْحَاءِ: أَيْ وَأَمَّا النَّخْلُ بِالْخَاءِ فَالظَّاهِرُ صِحَّةُ السَّلَمِ لِإِمْكَانِ ضَبْطِهِ بِالطُّولِ وَنَحْوِهِ فَيَقُولُ أَسْلَمْت إلَيْك فِي نَخْلَةٍ صِفَتُهَا كَذَا فَيُحْضِرُهَا لَهُ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا.
وَمِنْ الصِّفَةِ أَنْ يَذْكُرَ مُدَّةَ نَبَاتِهَا مِنْ نَحْوِ سَنَةٍ مَثَلًا.
(قَوْلُهُ: وَفِي اللَّحْمِ) لَوْ اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُ وَالْمُسْلَمُ إلَيْهِ فِي كَوْنِهِ مُذَكًّى أَوْ غَيْرَهُ صَدَقَ الْمُسْلِمُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ مَا لَمْ يَقُلْ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَنَا ذَكَّيْته فَيَصْدُقُ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لَكِنْ جَزَمَ ابْنُ الْمُقْرِي فِي إرْشَادِهِ إلَخْ) فِيهِ أُمُورٌ: مِنْهَا أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْ الْقَدَّ فِي الرَّقِيقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَمِنْهَا أَنَّ ابْنَ الْمُقْرِي لَمْ يَذْكُرْ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَعَكْسُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ شَرْحِ الرَّوْضِ.
(قَوْلُهُ: مِمَّا يَخْتَلِفُ) مَا فِيهِ مَصْدَرِيَّةٌ
.
أَوْ عِرَابٍ (أَوْ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ) ذَكَرٍ (خَصْيٍ رَضِيعٍ) هَزِيلٍ لَا أَعْجَفَ لِأَنَّ الْعَجَفَ عَيْبٌ (مَعْلُوفٍ أَوْ ضِدِّهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ: أَيْ أُنْثَى فَحْلٍ فَطِيمٍ رَاعٍ سَمِينٍ، وَالرَّضِيعُ وَالْفَطِيمُ فِي الصَّغِيرِ، أَمَّا الْكَبِيرُ فَمِنْهُ الْجَذَعُ وَالثِّنْيُ وَنَحْوُهُمَا فَيُذْكَرُ أَحَدُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِهِ، إذْ لَحْمُ الرَّاعِيَةِ أَطْيَبُ وَالْمَعْلُوفَةِ أَدْسَمُ، وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ عَلَفٍ يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي لَحْمِهَا كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَقَوَّاهُ.
وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَبُولُ الرَّاعِيَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ الظَّاهِرُ وُجُوبُ قَبُولِهَا: نَعَمْ إنْ لَمْ يَخْتَلِفْ بِهَا وَضِدُّهَا بَلَدٌ لَمْ يَجِبْ ذِكْرُ أَحَدِهِمَا وَكَذَا فِي لَحْمِ الصَّيْدِ وَيُذْكَرُ فِي السَّمَكِ وَالْجَرَادِ عِنْدَ عُمُومِهِمَا كَوْنُ ذَلِكَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، وَيُذْكَرُ فِي الْحَيِّ الْعَدَدُ وَفِي الْمَيِّتِ الْوَزْنُ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ بَيَانُ عَيْنِ مَا صِيدَ بِهِ (مِنْ فَخْذٍ) بِإِعْجَامِ الذَّالِ (أَوْ كَتِفٍ أَوْ جَنْبٍ) أَوْ غَيْرِهِمَا لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ أَيْضًا بِهِمَا (وَيُقْبَلُ) حَتْمًا (عَظْمُهُ عَلَى الْعَادَةِ) فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ كَنَوَى التَّمْرِ، وَيَجُوزُ شَرْطُ نَزْعِهِ فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجِبُ قَبُولُهُ وَيَجِبُ قَبُولُ جِلْدٍ يُؤْكَلُ فِي الْعَادَةِ مَعَ اللَّحْمِ لَا رَأْسٍ وَرِجْلٍ مِنْ طَيْرٍ وَذَنَبٍ أَوْ رَأْسٍ لَا لَحْمَ عَلَيْهِ مِنْ سَمَكٍ.
(وَفِي الثِّيَابِ الْجِنْسُ) مِنْ كَتَّانٍ أَوْ قُطْنٍ وَالنَّوْعُ وَبَلَدُ نَسْجِهِ إنْ اخْتَلَفَ بِهِ الْغَرَضُ، وَقَدْ يُغْنِي ذِكْرُ النَّوْعِ عَنْ غَيْرِهِ (وَالطُّولُ وَالْعَرْضُ وَالْغِلَظُ وَالدِّقَّةُ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُمَا صِفَتَانِ لِلْغَزْلِ (وَالصَّفَاقَةُ) وَهِيَ انْضِمَامُ بَعْضِ الْخُيُوطِ إلَى بَعْضٍ (وَالرِّقَّةُ) وَهِيَ ضِدُّهَا، وَهُمَا يَرْجِعَانِ لِصِفَةِ النَّسْجِ فَمَا هُنَا أَحْسَنُ مِمَّا فِي الرَّوْضَةِ
[حاشية الشبراملسي]
الشَّارِحِ فِي الْفَصْلِ الْآتِي (قَوْلُهُ: أَوْ ضَأْنٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ اللَّوْنِ بِأَنْ يَقُولَ مِنْ خَرُوفٍ أَبْيَضَ أَوْ أَسْوَدَ.
وَيَنْبَغِي اشْتِرَاطُهُ إذَا اخْتَلَفَ بِهِ الْغَرَضُ.
وَفِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ لِوَالِدِ الشَّارِحِ مَا نَصُّهُ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِاعْتِبَارِ ذِكْرِ لَوْنِ الْحَيَوَانِ الْأَهْلِيِّ الْمُسْلَمِ فِي أَهْلِهِ لَحْمُهُ، وَقَدْ اعْتَبَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي لَحْمِ الْوَحْشِيِّ وَقَالَ: إنَّ لِأَلْوَانِهِ فِي لَحْمِهِ تَأْثِيرًا فَيَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ فِي الْأَهْلِيِّ إلَّا أَنْ يَتَّضِحَ فَرْقٌ وَلَا إخَالُهُ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الْغَرَضُ بَيْنَ لَحْمِ الْعَرَبِيِّ وَالْمِرْعِزِّ وَجَبَ ذِكْرُهُ أَيْضًا (قَوْلُهُ: فَمِنْهُ الْجَذَعُ) اُنْظُرْ لَوْ ذَكَرَ كَوْنَهَا جَذَعَةَ ضَأْنٍ هَلْ تُجْزِي مَا أَجْذَعَتْ قَبْلَ الْعَامِ أَوْ مَا تَأَخَّرَ إجْذَاعُهَا عَنْ تَمَامِ الْعَامِ، وَقَدْ يُقَالُ لَا تُجْزِي فِي الْأَوَّلِ، وَكَذَا فِي الثَّانِي إنْ اخْتَلَفَ بِهِ الْغَرَضُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ
وَالْأَقْرَبُ الِاكْتِفَاءُ بِهَا إذَا أَجْذَعَتْ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ فِي وَقْتٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِجْذَاعِ مِثْلِهَا فِيهِ لِأَنَّ عُدُولَهُ عَنْ التَّقْدِيرِ بِالسِّنِّ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ مُسَمَّى الْجَذَعَةِ، وَإِنْ أَجْذَعَتْ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ فَتُجْزِي قَبْلَهَا، وَكَذَا بَعْدَهَا مَا لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى حَدٍّ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا جَذَعَةٌ عُرْفًا (قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ فِيهَا) أَيْ الْمَعْلُوفَةِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَخْتَلِفْ بِهَا) أَيْ بِالرَّاعِيَةِ (قَوْلُهُ: وَضِدِّهَا) أَيْ الْمَعْلُوفَةِ (قَوْلُهُ: بَلَدٌ) أَيْ غَرَضُ أَهْلِ بَلَدٍ بِأَنْ يَتَفَاوَتَ لَحْمُهُمَا عِنْدَهُمْ (قَوْلُهُ: وَكَذَا فِي لَحْمِ الصَّيْدِ) أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهَا فِيهِ لِعَدَمِ تَأَتِّيهَا فِيهِ، وَكَذَا الطَّيْرُ، وَعَلَيْهِ فَيُشْتَرَطُ فِي لَحْمِهَا النَّوْعُ وَصِغَرُ الْجُثَّةِ أَوْ كِبَرُهَا دُونَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: وَيُقْبَلُ عَظْمُهُ إلَخْ) لَا نَزْعُ نَوَى التَّمْرِ عَلَى الْأَوْجَهِ مِنْ وَجْهَيْنِ فِيهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّمْرَ يُدَّخَرُ غَالِبًا وَنَزْعَ نَوَاهُ يُعَرِّضُهُ لِلْإِفْسَادِ بِخِلَافِ الْعَظْمِ اهـ حَجّ.
وَظَاهِرُهُ كَالْمَحَلِّيِّ أَنَّ شَرْطَ نَزْعِ الْعَظْمِ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي نَزْعِ نَوَى التَّمْرِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّارِحَ سَقَطَ مِنْهُ لَفْظُ لَا نَزْعَ إلَخْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَصَدَ مُخَالَفَةَ حَجّ فِي ذَلِكَ فَلْيُحَرَّرْ، هَذَا إنْ رَجَعَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ شَرْطُ نَزْعِهِ لِلتَّمْرِ، أَمَّا لَوْ رَجَعَ لِلْعَظْمِ لِكَوْنِهِ الْمُحَدَّثَ عَنْهُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ مُوَافِقًا لِكَلَامِ حَجّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَرْطُ نَزْعِ نَوَى التَّمْرِ (قَوْلُهُ: لَا لَحْمَ عَلَيْهِ) رَاجِعٌ لِلذَّنَبِ وَالرَّأْسِ.
أَمَّا الرِّجْلُ فَلَا يَجِبُ قَبُولُهَا مُطْلَقًا عَلَيْهَا لَحْمٌ أَمْ لَا.
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَكَذَا فِي لَحْمِ الصَّيْدِ) أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ، وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ: وَيُذْكَرُ فِي لَحْمِ الصَّيْدِ مَا يُذْكَرُ فِي لَحْمِ غَيْرِهِ إلَّا الْخِصَى وَالْعَلَفُ وَضِدُّهُمَا وَالذُّكُورَةُ وَالْأُنُوثَةُ إلَّا إنْ أَمْكَنَ وَفِيهِ غَرَضٌ.
(قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ فِيهِ بَيَانُ عَيْنِ مَا صِيدَ بِهِ) يَعْنِي فِي لَحْمِ الصَّيْدِ وَكَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ عَقِبَهُ
.
كَأَصْلِهَا مِنْ إسْقَاطِهِمَا.
نَعَمْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ الدَّقِيقُ مَوْضِعَ الرَّقِيقِ وَعَكْسُهُ (وَالنُّعُومَةُ وَالْخُشُونَةُ) وَكَذَا اللَّوْنُ فِي نَحْوِ قُطْنٍ وَوَبَرٍ وَحَرِيرٍ (وَمُطْلَقُهُ) أَيْ الثَّوْبِ عَنْ قِصَرٍ وَعَدَمِهِ (يُحْمَلُ عَلَى الْخَامِ) دُونَ الْمَقْصُورِ لِأَنَّ الْقِصَرَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ، فَلَوْ أَحْضَرَ الْمَقْصُورَ فَهُوَ أَوْلَى، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَمُقْتَضَاهُ وُجُوبُ قَبُولِهِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ بِهِ الْغَرَضُ فَلَا يَجِبُ قَبُولُهُ (وَيَجُوزُ فِي الْمَقْصُورِ) لِانْضِبَاطِهِ فَلَا يَجُوزُ فِي الْمَلْبُوسِ وَلَوْ لَمْ يُغْسَلْ لِانْتِفَاءِ انْضِبَاطِهِ، بِخِلَافِ الْجَدِيدِ وَإِنْ غُسِلَ وَلَوْ قَمِيصًا وَسَرَاوِيلَ إنْ أَحَاطَ الْوَصْفُ بِهِمَا وَإِلَّا فَلَا، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ تَنَاقُضُ الشَّيْخَيْنِ فِي ذَلِكَ (وَ) يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْكَتَّانِ لَكِنْ بَعْدَ دَقِّهِ: أَيْ نَفْضِهِ لَا قَبْلَهُ فَيَذْكُرْ بَلَدَهُ وَلَوْنَهُ وَطُولَهُ أَوْ قِصَرَهُ وَنُعُومَتَهُ أَوْ خُشُونَتَهُ وَدِقَّتَهُ أَوْ غِلَظَهُ وَعِتْقَهُ أَوْ حَدَاثَتَهُ إنْ اخْتَلَفَ الْغَرَضُ بِذَلِكَ، وَفِي (مَا صُبِغَ غَزْلُهُ قَبْلَ النَّسْجِ كَالْبُرُودِ) إذَا بَيَّنَ مَا يُصْبَغُ بِهِ وَكَوْنَهُ فِي الصَّيْفِ أَوْ الشِّتَاءِ، وَاللَّوْنَ وَبَلَدَ الصَّبْغِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (وَالْأَقْيَسُ صِحَّتُهُ فِي الْمَصْبُوغِ بَعْدَهُ) أَيْ النَّسْجِ كَمَا فِي الْغَزْلِ الْمَصْبُوغِ (قُلْت: الْأَصَحُّ مَنْعُهُ) لِأَنَّ الصَّبْغَ بَعْدَهُ يَسُدُّ الْفُرَجَ فَلَا تَظْهَرُ الصَّفَاقَةُ وَلَا الرِّقَّةُ مَعَهُ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ (وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ) وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَيَجُوزُ فِي الْحَبِرَةِ وَعَصَبِ الْيَمَنِ إنْ وَصَفَهُ حَتَّى تَخْطِيطِهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، وَقَوْلُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ إلَّا عَصَبَ الْيَمَنِ غَلَطٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا لَا يَضْبِطُهُ الْوَصْفُ.
(وَفِي التَّمْرِ) وَالزَّبِيبِ (لَوْنَهُ وَنَوْعَهُ) كَمَعْقِلِيٍّ أَوْ بَرْنِيِّ (وَبَلَدَهُ) كَبَصْرِيٍّ أَوْ بَغْدَادِيٍّ (وَصِغَرَ الْحَبَّاتِ وَكِبَرَهَا) أَيْ أَحَدَهُمَا لِأَنَّ صَغِيرَ الْحَبِّ أَقْوَى وَأَشَدُّ (وَعِتْقَهُ وَحَدَاثَتَهُ) أَيْ أَحَدَهُمَا وَكَوْنَ جَفَافِهِ بِأُمِّهِ أَوْ الْأَرْضِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فَإِنَّ الْأَوَّلَ أَبْقَى وَالثَّانِي أَصْفَى لَا مُدَّةَ جَفَافِهِ إلَّا فِي بَلَدٍ يَخْتَلِفُ بِهَا،
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: قَدْ يُسْتَعْمَلُ) أَيْ مَجَازًا (قَوْلُهُ: قَدْ يُسْتَعْمَلُ الرَّقِيقُ إلَخْ) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّفْرِقَةَ هِيَ الْأَصْلُ، وَفِي ع مَا نَصُّهُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالرِّقَّةُ هُوَ يُوَافِقُ مَا نَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ لَكِنَّ فِي الصِّحَاحِ الدَّقِيقُ وَالرَّقِيقُ خِلَافُ الْغَلِيظِ (قَوْلُهُ: وَحَرِيرٍ) زَادَ حَجّ: وَإِطْلَاقُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَخْتَلِفُ مِنْ كَتَّانٍ وَقُطْنٍ اهـ.
وَلْيُتَأَمَّلْ مَا ذَكَرَهُ فِي الْقُطْنِ حَيْثُ ذَكَرَهُ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ بَيَانُ اللَّوْنِ وَفِيمَا لَا يَخْتَلِفُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ نَوْعَانِ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ) أَيْ لِعَامَّةِ النَّاسِ لَا لِخُصُوصِ الْمُسْلِمِ كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي نَظَائِرِهِ (قَوْلُهُ: لِانْضِبَاطِهِ) وَمِنْ انْضِبَاطِهِ أَنْ لَا تَدْخُلَهُ النَّارُ وَأَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ دَوَاءٍ، وَعِبَارَةُ ع: قَوْلُ الشَّارِحِ وَفَرَّقَ الْمَانِعُونَ.
إلَخْ هَذَا يُفِيدُك أَنَّ الْمَقْصُورَ إذَا كَانَ فِيهِ دَوَاءٌ يَمْتَنِعُ.
أَقُولُ: خُصُوصًا إذَا كَانَ يُغْلَى عَلَى النَّارِ كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ بِبِلَادِنَا، بَلْ وَفِي الْبَعْلَبَكِيِّ فِيمَا بَلَغَنِي فَإِنَّ تَأْثِيرَ النَّارِ وَأَخْذَهَا مَنْ قُوَاهُ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ بَلْ وَلَوْ خَلَا عَنْ الدَّوَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، ثُمَّ الْمَصْقُولُ بِالنَّشَا مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: أَيْ نَفْضِهِ) أَيْ مِنْ النَّاسِ وَلَعَلَّهُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ قَبْلَ نَفْضِهِ بِالْوَصْفِ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ جَوَازُ بَيْعِهِ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَعْتَمِدُ الْمُعَايَنَةَ بِخِلَافِ السَّلَمِ (قَوْلُهُ: وَالْأَقْيَسُ) أَيْ وَالْأَوْفَقُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الصَّبْغَ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَا غُسِلَ بِحَيْثُ زَالَ انْسِدَادُ الْفَرْجِ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ بِأَنْ يَقُولَ: أَسْلَمْت فِي مَصْبُوغٍ بَعْدَ النَّسْجِ مَغْسُولٍ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ انْسِدَادٌ فِيهِ إلَخْ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ طب اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ فِي الْحِبَرَةِ) وَالْحِبَرَةُ كَالْعِنَبَةِ بُرْدٌ يَمَانِيٌّ وَالْجَمْعُ حِبَرٌ كَعِنَبٍ وَحِبَرَاتُ بِفَتْحِ الْبَاءِ اهـ مُخْتَارٌ.
(قَوْلُهُ: وَعِتْقُهُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مَصْدَرُ عَتُقَ بِضَمِّ التَّاءِ اهـ، وَفِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِضَمِّ الْعَيْنِ اهـ عَمِيرَةُ،
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ فِي الْحِبَرَةِ) الْحِبَرَةُ مِنْ الْبُرُودِ مَا كَانَ مُوَشًّى مُخَطَّطًا، يُقَالُ ثَوْبٌ حِبَرَةٌ وَبُرُدٌ حِبَرَةٌ بِوَزْنِ عِنَبَةٍ عَلَى الْوَصْفِ وَالْإِضَافَةِ وَهُوَ بُرْدٌ يَمَانِيٌّ وَالْجَمْعُ حَبَرٌ وَحَبَرَاتٌ، وَالْعَصْبُ بُرُودٌ يَمَنِيَّةٌ يُعْصَبُ غَزْلُهَا: أَيْ يُجْمَعُ وَيُشَدُّ ثُمَّ يُصْبَغُ وَيُنْسَجُ فَيَأْتِي مُوَشًّى لِبَقَاءِ مَا عُصِبَ مِنْهُ أَبْيَضَ لَمْ يَأْخُذْهُ صَبْغٌ، وَقِيلَ هِيَ بُرُدٌ مُخَطَّطَةٌ، قَالَهُ فِي نِهَايَةِ الْغَرِيبِ .
وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي التَّمْرِ الْمَكْنُوزِ فِي الْقَوَاصِرِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْعَجْوَةِ لِتَعَذُّرِ اسْتِقْصَاءِ صِفَاتِهِ الْمُشْتَرَطَةِ حِينَئِذٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ غَالِبًا كَمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيَذْكُرُ فِي الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ غَيْرَ الْأَخِيرَيْنِ، وَالرُّطَبُ كَالتَّمْرِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا جَفَافَ فِيهِ (وَالْحِنْطَةُ وَسَائِرُ الْحُبُوبِ كَالتَّمْرِ) فِيمَا ذَكَرَ حَتَّى مُدَّةِ الْجَفَافِ بِتَفْصِيلِهَا، وَمَرَّ عَدَمُ صِحَّةِ السَّلَمِ فِي الْأُرْزِ فِي قِشْرَتِهِ الْعُلْيَا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لِمَا فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ كَالْبَحْرِ إذْ لَا يُعْرَفُ حِينَئِذٍ لَوْنُهُ وَصِغَرُ حَبِّهِ وَكِبَرُهَا لِاخْتِلَافِ قِشْرِهِ خِفَّةً وَرَزَانَةً، وَإِنَّمَا صَحَّ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ الْمُشَاهَدَةَ وَالسَّلَمُ يَعْتَمِدُ الصِّفَاتِ، وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ نَحْوُ بَيْعِ الْمَعْجُونَاتِ دُونَ السَّلَمِ فِيهَا، وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ صِحَّتَهُ فِي النُّخَالَةِ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ انْضَبَطَتْ بِالْكَيْلِ وَلَمْ يَكْثُرْ تَفَاوُتُهَا فِيهِ بِالِانْكِبَاسِ وَضِدِّهِ، وَيَصِحُّ فِي الْأَدِقَّةِ فَيَذْكُرُ فِيهَا مَا مَرَّ فِي الْحَبِّ إلَّا مِقْدَارَهُ، وَيَذْكُرُ أَيْضًا كَيْفِيَّةَ طَحْنِهِ هَلْ هُوَ بِرَحَى الدَّوَابِّ أَوْ الْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ وَخُشُونَةَ الطَّحْنِ أَوْ نُعُومَتَهُ، وَيَصِحُّ فِي التِّبْنِ فَيَذْكُرُ أَنَّهُ مِنْ تِبْنٍ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ وَكِيلَهُ
[حاشية الشبراملسي]
وَفِي الْمِصْبَاحِ عَتَقَتْ الْخَمْرَةُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَقَرِبَ قَدُمَتْ عِتْقًا بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا اهـ، وَفِي الْقَامُوسِ عَتَقَ بَعْدَ اسْتِعْلَاجٍ كَضَرَبَ وَكَرُمَ فَهُوَ عَتِيقٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالشَّيْءُ قَدُمَ كَعَتَقَ كَنَصَرَ وَالْخَمْرُ حَسُنَتْ وَقَدُمَتْ اهـ: فَيُفِيدُ أَنَّ الْمَصْدَرَ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْكَسْرِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَوْلَ الْمُحَشِّي بِكَسْرِ الْعَيْنِ تَحْرِيفٌ عَنْ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: مَصْدَرُ عَتُقَ بِالضَّمِّ (قَوْلُهُ: الْمَكْنُوزُ فِي الْقَوَاصِرِ) لَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَنْزِهِ فِيهَا جَازَ قَبُولُ مَا فِيهَا اهـ حَجّ.
والْقَوَاصِرُ جَمْعُ قَوْصَرَةٍ وَهِيَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّثْقِيلِ وِعَاءُ التَّمْرِ تُتَّخَذُ مِنْ قَصَبٍ (قَوْلُهُ: لِتَعَذُّرِ اسْتِقْصَاءِ صِفَاتِهِ) هَذَا قَدْ يُفْهِمُ صِحَّةَ السَّلَمِ فِي الْعَجْوَةِ الْمَنْسُولَةِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ (قَوْلُهُ: لَا يَبْقَى عَلَى صِفَةٍ) أَيْ لَا يَدُومُ عَلَى صِفَةٍ (قَوْلُهُ: غَيْرُ الْأَخِيرَيْنِ) أَيْ عِتْقِهِ وَحَدَاثَتِهِ (قَوْلُهُ: وَالرُّطَبُ كَالتَّمْرِ) ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ وَمَعْلُومٌ إلَخْ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ دَفْعُ مَا يُوهِمُهُ التَّشْبِيهُ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ كَوْنِ الْجَفَافِ بِأُمِّهِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ الَّذِي زَادَهُ الشَّارِحُ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الرُّطَبِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَأْتِي مِثْلُهُ فِي الْعِنَبِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: وَمَرَّ) أَيْ فِي الْبَيْعِ (قَوْلُهُ: فِي قِشْرَتِهِ الْعُلْيَا) أَفَادَ شَيْخُنَا الشَّارِحُ فِي إفْتَاءٍ لَهُ أَنَّ الْفُولَ الْمَدْشُوشَ مُتَقَوِّمٌ، وَنَقَلَ عَنْ وَالِدِهِ عَدَمَ صِحَّةِ السَّلَمِ فِيهِ اهـ كَذَا بِخَطِّ الْأَصْلِ، وَنَقَلَهُ أَيْضًا سم عَلَى مَنْهَجٍ عَنْهُ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَهُ الْمَدْشُوشُ مِنْ غَيْرِ الْفُولِ أَيْضًا لِاخْتِلَافِهِ بَعْدَ دَشِّهِ نُعُومَةً وَخُشُونَةً، وَقَدْ يُخْرِجُ ذَلِكَ تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِالْحُبُوبِ لِأَنَّهَا بَعْدَ دَشِّهَا لَا تُسَمَّى حَبًّا (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا صَحَّ بَيْعُهُ) أَيْ فِي قِشْرَتِهِ الْعُلْيَا (قَوْلُهُ: فِي النُّخَالَةِ وَالتِّبْنِ) وَمِثْلُهُ قِشْرُ الْبُنِّ اهـ حَجّ.
وَلَمْ يَذْكُرْ هَلْ يُعْتَبَرُ ضَبْطُ ذَلِكَ أَهُوَ بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَقِيَاسُ مَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِحُ فِي النُّخَالَةِ مِنْ الْكَيْلِ جَرَيَانُ مِثْلِهِ فِي التِّبْنِ وَالْقِشْرِ، ثُمَّ مَا صَحَّ مَكِيلًا صَحَّ مَوْزُونًا وَعَلَيْهِ فَيَجُوزُ فِي الثَّلَاثَةِ كَيْلًا وَوَزْنًا، وَيُعْتَبَرُ فِي الْكَيْلِ كَوْنُهُ بِآلَةٍ يُعْرَفُ مِقْدَارُ مَا تَسَعُ، وَيُعْتَبَرُ فِي كَيْلِهِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي التَّحَامُلِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَنْكَبِسُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ كَيْلِهِ مِنْ تَحَامُلٍ أَوْ عَدَمِهِ رَجَعَ لِأَهْلِ الْخِبْرَةِ أَوْ فِي صِفَةِ مَا يُكَالُ بِهِ تَحَالَفَا لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ فِي قَدْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ (قَوْلُهُ: إنْ انْضَبَطَتْ بِالْكَيْلِ) أَيْ أَوْ الْوَزْنِ (قَوْلُهُ: إلَّا مِقْدَارَهُ) أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ لِعَدَمِ اخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِهِ (قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ فِي التِّبْنِ) وَمِثْلُهُ قِشْرُ الْبُنِّ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ حَجّ وَمِثْلُهُ فِي الصِّحَّةِ الدَّرِيسُ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ لسم فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ كَيْلًا أَوْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَالرُّطَبُ كَالتَّمْرِ إلَخْ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: خِفَّةٌ وَرَزَانَةً) أَيْ الْقِشْرُ وَفِي نُسْخَةِ خِفَّةً وَرَزَانَةً، بِالنَّصْبِ بِغَيْرِ وَعُطِفَ بِغَيْرِ ضَمِيرٍ
أَوْ وَزْنَهُ، وَالْمَذْهَبُ جَوَازُهُ فِي السَّوِيقِ وَالنَّشَا، وَيَجُوزُ فِي قَصَبِ السُّكَّرِ وَزْنًا: أَيْ فِي قِشْرِهِ الْأَسْفَلِ، وَيُشْتَرَطُ قَطْعُ أَعْلَاهُ الَّذِي لَا حَلَاوَةَ فِيهِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَالَ الْمُزَنِيّ: وَقَطْعُ مَجَامِعِ عُرُوقِهِ مِنْ أَسْفَلَ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَيَطْرَحُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْقُشُورِ، وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْعَقَارِ لِأَنَّهُ إنْ عَيَّنَ مَكَانَهُ فَالْمُعَيَّنُ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ وَإِلَّا فَمَجْهُولٌ، وَيَصِحُّ فِي الْبُقُولِ كَكُرَّاتٍ وَثُومٍ وَبَصَلٍ وَفُجْلٍ وَسِلْقٍ وَنُعْنُعٍ وَهِنْدَبًا وَزْنًا فَيَذْكُرُ جِنْسَهَا وَنَوْعَهَا وَلَوْنَهَا وَكِبَرَهَا أَوْ صِغَرَهَا وَبَلَدَهَا، وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي السَّلْجَمِ وَالْجَزَرِ إلَّا بَعْدَ قَطْعِ الْوَرَقِ لِأَنَّ وَرَقَهَا غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَيَصِحُّ فِي الْأَشْعَارِ وَالْأَصْوَافِ وَالْأَوْبَارِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فَيَذْكُرُ نَوْعَ أَصْلِهِ وَذُكُورَتَهُ أَوْ أُنُوثَتَهُ لِأَنَّ صُوفَ الْإِنَاثِ أَنْعَمُ، وَاغْتَنَوْا بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ اللَّبَنِ وَالْخُشُونَةِ وَبَلَدِهِ وَلَوْنِهِ وَوَقْتِهِ هَلْ هُوَ خَرِيفِيٌّ أَوْ رَبِيعِيٌّ وَطُولِهِ أَوْ قِصَرِهِ وَوَزْنِهِ وَلَا يُقْبَلُ إلَّا مُنَقًّى مِنْ بَعْرٍ وَنَحْوِهِ كَشَوْكٍ، وَيَجُوزُ شَرْطُ غَسْلِهِ، وَلَا يَصِحُّ فِي الْقَزِّ وَفِيهِ دُودُهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مَعْرِفَةَ وَزْنِ الْقَزِّ أَمَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ فَيَجُوزُ، وَيَصِحُّ فِي أَنْوَاعِ الْعِطْرِ كَزَعْفَرَانٍ لِانْضِبَاطِهَا فَيَذْكُرُ وَصْفَهَا مِنْ لَوْنٍ وَنَحْوِهِ وَوَزْنِهَا وَنَوْعِهَا.
(وَفِي الْعَسَلِ) وَهُوَ حَيْثُ أُطْلِقَ عَسَلُ النَّحْلِ زَمَانَهُ وَمَكَانَهُ وَلَوْنَهُ فَيَقُولُ (جَبَلِيٌّ أَوْ بَلَدِيٌّ صَيْفِيٌّ أَوْ خَرِيفِيٌّ أَبْيَضُ أَوْ أَصْفَرُ) لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَطْيَبُ وَيُبَيِّنُ مَرْعَاهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ لِتَكَيُّفِهِ بِمَا رَعَاهُ مِنْ دَاءٍ كَنَوْرِ الْفَاكِهَةِ أَوْ دَوَاءٍ كَالْكَمُّونِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَكَأَنَّ هَذَا فِي مَوْضِعٍ يُتَصَوَّرُ فِيهِ رَعْيُ هَذَا بِمُفْرَدِهِ وَهَذَا بِمُفْرَدِهِ وَفِيهِ بُعْدٌ (وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِتْقُ وَالْحَدَاثَةُ) أَيْ ذِكْرُ أَحَدِهِمَا خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ لِأَنَّ الْغَرَضَ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ إذْ كُلُّ شَيْءٍ يُحْفَظُ بِهِ.
(وَلَا يَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي الْمَطْبُوخِ وَالْمَشْوِيِّ) وَكُلِّ مَا أَثَّرَتْ فِيهِ النَّارُ: تَأْثِيرًا غَيْرَ مُنْضَبِطٍ كَالْخُبْزِ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِاخْتِلَافِ تَأْثِيرِ النَّارِ فِيهِ، وَلِهَذَا لَوْ انْضَبَطَتْ نَارُهُ أَوْ لَطُفَتْ صَحَّ فِيهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَيُفَارِقُ الرِّبَا بِضِيقِهِ وَذَلِكَ كَسُكَّرٍ وَفَانِيدٍ وَقَنْدٍ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ تَقَوُّمَهُ
[حاشية الشبراملسي]
وَزْنًا (قَوْلُهُ: وَالْمَذْهَبُ جَوَازُهُ فِي السَّوِيقِ) إفْرَادُهُ بِالذِّكْرِ وَإِجْرَاءُ الْخِلَافِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى اشْتِمَالِهِ عَلَى صِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى مُجَرَّدِ كَوْنِهِ دَقِيقًا، وَيُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ الْمِصْبَاحِ وَالسَّوِيقُ مَا يُعْمَلُ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ مَعْرُوفٌ اهـ. وَوَجْهُ الْإِشْعَارِ أَنَّهُ قَالَ مَا يُعْمَلُ مِنْ الْحِنْطَةِ إلَخْ وَلَمْ يَقُلْ دَقِيقُ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ (قَوْلُهُ: وَيُطْرَحُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْقُشُورِ) أَيْ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِهَا (قَوْلُهُ: وَثُومٍ وَبَصَلٍ) وَفِي الْعُبَابِ: يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْبَصَلِ كَيْلًا، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى نَوْعٍ لَا يَزِيدُ جُرْمُهُ عَلَى الْجَوْزِ عَادَةً وَمَا هُنَا عَلَى خِلَافِهِ وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي الْبَيْضِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي السَّلْجَمِ) أَيْ اللِّفْتِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَصْفَرُ) قَوِيٌّ أَوْ رَقِيقٌ وَيُقْبَلُ مَا رَقَّ لِحَرٍّ لَا لِعَيْبٍ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَوَّلَ) أَيْ الْجَبَلِيَّ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ بُعْدٌ) أَيْ فَلَوْ اتَّفَقَ وُجُودُ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ اُشْتُرِطَ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: إذْ كُلُّ شَيْءٍ يُحْفَظُ بِهِ) أَيْ مِنْ خَوَاصِّهِ أَنَّهُ إذَا طُرِحَ فِيهِ شَيْءٌ وَتُرِكَ الْمَطْرُوحُ فِيهِ بِحَالِهِ لَا يَتَغَيَّرُ.
(قَوْلُهُ: لَوْ انْضَبَطَتْ نَارُهُ) أَيْ نَارُ مَا أَثَّرَتْ فِيهِ (قَوْلُهُ: أَوْ لَطَفَتْ) سَيَأْتِي لَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّطَافَةِ الِانْضِبَاطُ فَعَطَفَهُ عَلَيْهِ لِلتَّفْسِيرِ، وَعَلَيْهِ فَأَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ لِأَنَّهَا الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي عَطْفِ التَّفْسِيرِ (قَوْلُهُ: بِضِيقِهِ) أَيْ الرِّبَا (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ) أَيْ مَا انْضَبَطَتْ نَارُهُ (قَوْلُهُ: وَقَنْدٍ) نَوْعٌ مِنْ السُّكَّرِ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ تَقَوُّمَهُ) يُتَأَمَّلُ هَذَا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَيْ فِي قِشْرِهِ الْأَسْفَلِ) ظَاهِرُهُ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ هَذَا فِي الْعَقْدِ وَكَذَا قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ قَطْعُ أَعْلَاهُ إلَخْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ: وَيُسْلَمُ فِي قَصَبِ السُّكَّرِ وَزْنًا، وَلَا يَقْبَلُ أَعْلَاهُ الْخَالِي عَنْ الْحَلَاوَةِ وَمَجْمَعِ عُرُوقِهِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ الْقِشْرِ (قَوْلُهُ: وَيُطْرَحُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْقُشُورِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ فَيَجُوزُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ فِي الْعَقْدِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ، فَيُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِطْلَاقُ، لَكِنَّ عِبَارَةَ الْعُبَابِ: وَلَا يُسْلَمُ فِيهِ بِدُودِهِ انْتَهَتْ، وَهِيَ تُفْهِمُ صِحَّةَ الْإِطْلَاقِ
. (قَوْلُهُ: وَفِيهِ بُعْدٌ) مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ
[السَّلَمُ فِي الْمَطْبُوخِ وَالْمَشْوِيِّ]
. (قَوْلُهُ: وَفَانِيدٍ) هُوَ السُّكَّرُ الْخَامُ الْقَائِمُ فِي أَعْسَالِهِ كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي فَتَاوِيهِ، وَالْفَانِيدُ نَوْعٌ
وَدِبْسٍ مَا لَمْ يُخَالِطْهُ مَاءٌ وَلِبَأٌ وَصَابُونٌ لِانْضِبَاطِ نَارِهِ وَقَصْدِ أَجْزَائِهِ مَعَ انْضِبَاطِهَا وَجِصٌّ وَنَوْرَةٌ وَزُجَاجٌ وَمَاءُ وَرْدٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَفَحْمٌ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ آجُرٌّ وَأَوَانِي خَزَفٍ انْضَبَطَتْ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ بِكَوْنِ نَارِ السُّكَّرِ وَنَحْوِهِ لَطِيفَةً أَنَّهَا مَضْبُوطَةٌ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ (وَلَا يَضُرُّ تَأْثِيرُ الشَّمْسِ) أَوْ النَّارِ فِي تَمْيِيزِ سَمْنٍ أَوْ عَسَلٍ لِعَدَمِ اخْتِلَافِهِ، وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي الشَّمْعِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ فِي الْمَسْمُوطِ لِأَنَّ النَّارَ لَا تَعْمَلُ فِيهِ عَمَلًا لَهُ تَأْثِيرٌ.
(وَالْأَظْهَرُ مَنْعُهُ) أَيْ السَّلَمِ (فِي رُءُوسِ الْحَيَوَانِ) لِاشْتِمَالِهَا عَلَى أَبْعَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ الْمَنَاخِرِ وَالْمَشَافِرِ وَغَيْرِهِمَا، وَيَتَعَذَّرُ ضَبْطُهَا.
وَالثَّانِي الْجَوَازُ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مُنَقَّاةً مِنْ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ مَوْزُونَةً قِيَاسًا عَلَى اللَّحْمِ بِعَظْمِهِ، وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِأَنَّ عَظْمَهَا أَكْثَرُ مِنْ لَحْمِهَا عَكْسُ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ، أَمَّا إذَا لَمْ تُنَقَّ مِنْ الشَّعْرِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا جَزْمًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْيِيدِهَا بِكَوْنِهَا نِيئَةً لِخُرُوجِهِ بِقَوْلِهِ وَلَا يَصِحُّ فِي الْمَطْبُوخِ، وَكَذَا لَا يَصِحُّ فِي الْأَكَارِعِ وَلَوْ نِيئَةً مُنَقَّاةً لِمَا فِيهَا مِنْ الْأَبْعَاضِ الْمُخْتَلِفَةِ (وَلَا يَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي مُخْتَلِفٍ) أَجْزَاؤُهُ (كَبُرْمَةٍ) مِنْ نَحْوِ حَجَرٍ (مَعْمُولَةٍ) أَيْ مَحْفُورَةٍ بِالْآلَةِ وَاحْتُرِزَ بِهَا عَمَّا صُبَّ مِنْهَا فِي قَالَبٍ، وَهَذَا قَيْدٌ أَيْضًا فِيمَا بَعْدَهَا مَا عَدَا الْجِلْدَ كَمَا يَأْتِي (وَجِلْدِ) وَرَقٍ (وَكُوزٍ وَطَسٍّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِهِ وَيُقَالُ فِيهِ طَسْتٌ (وَقُمْقُمٌ وَمَنَارَةٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ مِنْ النُّورِ.
وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْأَشْهَرُ فِي جَمْعِهَا مَنَاوِرُ لَا مَنَائِرُ (وَطِنْجِيرٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِهِ خِلَافًا لِمَنْ جَعَلَ الْفَتْحَ لَحْنًا كَالْحَرِيرِيِّ وَهُوَ الدَّسْتُ (وَنَحْوِهَا) مِنْ حَبٍّ وَإِبْرِيقٍ وَنُشَّابٍ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا بِاخْتِلَافِ أَجْزَائِهَا، وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ فِي قَطْعٍ أَوْ قُصَاصَةِ جِلْدٍ دُبِغَ وَاسْتَوَتْ جَوَانِبُهُ وَزْنًا، قَالَ الْأُشْمُونِيُّ: وَالْمَذْهَبُ جَوَازُ السَّلَمِ فِي الْأَوَانِي الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الْفَخَّارِ وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ مَا مَرَّ (وَيَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي الْأَسْطَالِ الْمُرَبَّعَةِ) مَثَلًا وَالْمُدَوَّرَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ سُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الصَّوَابُ، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَلَوْ لَمْ تُصَبَّ فِي قَالَبٍ لِعَدَمِ اخْتِلَافِهَا بِخِلَافِ ضَيِّقَةِ الرُّءُوسِ، وَمَحَلُّهُ عِنْدَ اتِّحَادِ مَعْدِنِهَا لَا إنْ خَالَطَهُ غَيْرُهُ.
(وَفِيمَا صُبَّ مِنْهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ أَصْلِهَا الْمُذَابِ (فِي قَالَبٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ إذْ مَكْسُورُهَا الْبُسْرُ الْأَحْمَرُ، وَقِيلَ يَجُوزُ هُنَا الْكَسْرُ أَيْضًا وَذَلِكَ بِانْضِبَاطِهَا بِانْضِبَاطِ قَوَالِبِهَا، وَفِي نَقْدٍ إنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ غَيْرَهُ لَا مِثْلُهُ وَلَا أَحَدَ النَّقْدَيْنِ فِي الْآخَرِ كَمَطْعُومٍ فِي جِنْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ
[حاشية الشبراملسي]
فَإِنَّ تَقَوُّمَهُ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ السَّلَمِ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَلِبَأٌ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَاللِّبَأُ بِالْهَمْزِ وَالْقَصْرِ أَوَّلُ مَا يُحْلَبُ، وَغَيْرُ الْمَطْبُوخِ مِنْهُ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ قَطْعًا اهـ. وَأَمَّا الْمَطْبُوخُ فَيَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ وَإِنْ اعْتَمَدَ فِي الرَّوْضِ خِلَافَهُ، وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَأَمَّا اللِّبَأُ فَيُذْكَرُ فِيهِ مَا يُذْكَرُ فِي اللَّبَنِ وَأَنَّهُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ أَوْ بَعْدَهَا وَأَنَّهُ أَوَّلُ بَطْنٍ أَوْ ثَانِيهِ أَوْ ثَالِثُهُ، وَلِبَأُ يَوْمِهِ أَوْ أَمْسِهِ كَذَا نَقَلَهُ السُّبْكِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ اهـ. وَقَوْلُهُ: وَآجُرٌّ قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: نَعَمْ يَمْتَنِعُ فِي الْآجُرِّ الَّذِي لَمْ يَكْمُلْ نُضْجُهُ وَاحْمَرَّ بَعْضُهُ وَاصْفَرَّ بَعْضُهُ، نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ السُّبْكِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ لِاخْتِلَافِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ، وَقَوْلُهُ وَأَنَّهُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ أَوْ بَعْدَهَا مِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ تَفْسِيرَهُ بِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُحْلَبُ الْمُرَادُ مِنْهُ أَوَّلُ مَا يُحْلَبُ بَعْدَ انْقِطَاعِ اللَّبَنِ لِلْحَامِلِ وَعُودِهِ (قَوْلُهُ: وَزُجَاجٍ) أَيْ مُنَيَّلَةٍ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَمَاءِ وَرْدٍ) أَيْ خَالِصٍ بِخِلَافِ الْمَغْشُوشِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: كَمَا جَزَمَ بِهِ) وَمِثْلُهُ غَيْرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمِيَاهِ الْمُسْتَخْرَجَةِ (قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي الشَّمْعِ) الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهُ شَمْعُ الْعَسَلِ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَهُ يُتَّخَذُ مِنْ الدُّهْنِ فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ وَزْنًا، ثُمَّ إنْ ظَهَرَ أَنَّ فَتِيلَتَهُ ثَمِينَةٌ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ.
(قَوْلُهُ: مِنْ حَبٍّ) هُوَ الْمُسَمَّى بِالزِّيرِ وَهُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا) أَيْ بِاشْتِمَالِهَا عَلَى الرِّيشِ وَالنَّصْلِ وَالْخَشَبِ (قَوْلُهُ: وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ مَا مَرَّ) أَيْ مِنْ الْمَعْمُولَةِ (قَوْلُهُ: بِانْضِبَاطِ قَوَالِبِهَا) بِكَسْرِ اللَّامِ لِأَنَّ مَا كَانَ مُفْرَدَهُ عَلَى فَاعِلٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ فَجَمْعُهُ فَوَاعِلُ بِكَسْرِهَا كَعَالَمٍ بِالْفَتْحِ وَعَوَالِمَ بِالْكَسْرِ (قَوْلُهُ: كَمَطْعُومٍ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ (قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِهِ) يَشْمَلُ مَا لَوْ أَسْلَمَ بُرًّا فِي ثَوْبٍ مَثَلًا
[حاشية الرشيدي]
مِنْ الْعَسَلِ (قَوْله وَجِصٍّ وَنَوْرَةٍ) أَيْ كَيْلًا وَوَزْنًا كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ
. (قَوْلُهُ: وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْيِيدِهَا) أَيْ لِمَحَلِّ
وَلَوْ حَالًّا إذْ وَضْعُ السَّلَمِ عَلَى التَّأْخِيرِ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ سَلَمًا فِي مَسْأَلَةِ النَّقْدَيْنِ لَمْ يَنْعَقِدْ صَرْفًا وَإِنْ نَوَيَاهُ عَلَى الرَّاجِحِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِصِيَغِ الْعُقُودِ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ أَبَحْتُكَ إيَّاهُ بِكَذَا وَنَوَيَا الْبَيْعَ بِهِ وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْمَنَافِعِ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ كَالْأَعْيَانِ وَفِي دُهْنٍ وَأَدْوِيَةٍ وَبَهَارٍ وَسَائِرِ مَا يَنْضَبِطُ وَفِي الْوَرَقِ وَيُبَيِّنُ فِيهِ عَدَدَهُ وَنَوْعَهُ وَطُولَهُ وَعَرْضَهُ وَلَوْنَهُ وَدِقَّتَهُ أَوْ غِلَظَهُ وَصَنْعَتَهُ وَزَمَانَهُ كَصَيْفِيٍّ أَوْ شَتْوِيٍّ (وَلَا يُشْتَرَطُ) فِيمَا يُسَلَّمُ فِيهِ (ذِكْرُ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فِي الْأَصَحِّ) لِمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَيُحْمَلُ مُطْلَقُهُ) عَنْهُمَا (عَلَى الْجَيِّدِ) لِلْعُرْفِ: وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِهِمَا فَيُفْضِي تَرْكُهُمَا إلَى النِّزَاعِ وَرُدَّ بِالْحَمْلِ الْمَذْكُورِ.
وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يَنْزِلُ عَلَى أَقَلِّ الدَّرَجَاتِ فَلَوْ شَرَطَ الْأَجْوَدَ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ أَقْصَاهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَإِنْ شَرَطَ رَدَاءَةً فَإِنْ كَانَتْ رَدَاءَةَ النَّوْعِ صَحَّ لِانْضِبَاطِ ذَلِكَ أَوْ رَدَاءَةَ الْعَيْبِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ إذْ مَا مِنْ رَدِيءٍ إلَّا وَيُوجَدُ رَدِيءٌ آخَرُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِنْ شَرَطَ الْأَرْدَأَ صَحَّ لِأَنَّ طَلَبَ أَرْدَأَ مِنْ الْمُحْضَرِ عِنَادٌ، وَمَا اسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِصِحَّةِ سَلَمِ الْأَعْمَى قَبْلَ التَّمْيِيزِ: أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْأَجْوَدُ مِنْ غَيْرِهِ رُدَّ بِأَنَّهُ وَإِنْ صَحَّ سَلَمُهُ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ بَلْ قَدْ يَتَعَيَّنُ تَوْكِيلُهُ.
نَعَمْ يُرَدُّ الْإِشْكَالُ عَلَى اشْتِرَاطِهِمْ مَعْرِفَةَ الْعَاقِدَيْنِ الصِّفَاتِ، وَيُمْنَعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَعْرِفَتِهَا تَصَوُّرُهَا وَلَوْ بِوَجْهٍ وَالْأَعْمَى الْمَذْكُورُ يَتَصَوَّرُهَا كَذَلِكَ.
(وَيُشْتَرَطُ) مَعَ مَا مَرَّ (مَعْرِفَةُ الْعَاقِدَيْنِ الصِّفَاتِ) الْمُشْتَرَطَةَ، فَلَوْ جَهِلَاهَا أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ (وَكَذَا غَيْرُهُمَا) أَيْ عَدْلَانِ آخَرَانِ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهُمَا لَهَا (فِي الْأَصَحِّ) لِيُرْجَعَ إلَيْهِمَا عِنْدَ التَّنَازُعِ: وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ غَيْرِهِمَا، وَالْمُرَادُ أَنْ يُوجَدَ غَالِبًا بِمَحَلِّ التَّسْلِيمِ مِمَّنْ يَعْرِفُهَا عَدْلَانِ أَوْ أَكْثَرَ، وَمِنْ لَازِمٍ مَعْرِفَةُ مَنْ ذُكِرَ لَهَا ذِكْرُهَا فِي الْعَقْدِ بِلُغَةٍ يَعْرِفُهَا الْعَاقِدَانِ وَعَدْلَانِ، وَهَذَا تَفْصِيلٌ لِبَيَانِ مَا أَجْمَلَهُ سَابِقًا وَأَخَّرَهُ لِيَقَعَ الْخَتْمُ بِهِ بَعْدَ الْكُلِّ لِأَنَّهُ الْمَرْجِعُ بَعْدَ وُقُوعِ التَّنَازُعِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا.
[حاشية الشبراملسي]
وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ، فَلَوْ أَسْلَمَ بُرًّا أَوْ شَعِيرًا فِي ثِيَابٍ صَحَّ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ) حَجّ (قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْمَنَافِعِ) أَيْ غَيْرِ مَنْفَعَةِ الْعَقَارِ لِمَا تَقَدَّمَ كَخِدْمَةِ الْعَبْدِ وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ (قَوْلُهُ: وَبَهَارٍ) بِوَزْنِ سَلَامٍ الطَّيِّبُ وَمِنْهُ قِيلَ لِأَزْهَارِ الْبَادِيَةِ بَهَارٌ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَالْبَهَارُ بِالضَّمِّ شَيْءٌ يُوزَنُ بِهِ اهـ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: فَإِنْ بَيَّنَهُ وَكَانَ مُنْضَبِطًا كَقَطْعِ الْيَدِ وَالْعَمَى صَحَّ، قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: رَدِيءٌ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الرَّدِيءُ بِالْمَدِّ الْفَاسِدُ وَبَابُهُ ظَرُفَ (قَوْلُهُ: يَتَصَوَّرُهَا كَذَلِكَ) أَيْ بِوَجْهٍ.
.
[حاشية الرشيدي]
الْخِلَافِ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ سَلَمًا) الْأَوْلَى وَكَمَا لَا يَصِحُّ سَلَمًا لَا يَنْعَقِدُ صَرْفًا (قَوْلُهُ: وَمَا اسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ إلَخْ) وَجْهُ الْإِشْكَالِ أَنَّ صِحَّةَ اشْتِرَاطِ ذِكْرِ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ يُنَافِيهِ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ صِحَّةِ سَلَمِ الْأَعْمَى قَبْلَ التَّمْيِيزِ مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ الْأَجْوَدَ مِنْ غَيْرِهِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَاسْتَشْكَلَ شَارِحٌ هَذَا بِصِحَّةِ سَلَمِ الْأَعْمَى قَبْلَ التَّمْيِيزِ إلَخْ
. (قَوْلُهُ: وَهَذَا تَفْصِيلٌ لِبَيَانِ مَا أَجْمَلَهُ إلَخْ) الَّذِي سَلَكَهُ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْمُرَادَ فِيمَا مَرَّ مَعْرِفَةُ الْأَوْصَافِ فِي نَفْسِهَا أَيْ بِأَنْ لَا تَكُونَ مَجْهُولَةً، وَمِنْ ثَمَّ فَرَّعَ عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ فَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ إلَخْ، وَالْمُرَادُ هُنَا اشْتِرَاطُ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ لِلْعَاقِدَيْنِ وَعَدْلَيْنِ
فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَخْذِ غَيْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَنْهُ وَوَقْتِ أَدَائِهِ وَمَكَانِهِ (لَا يَصِحُّ أَنْ) (يُسْتَبْدَلَ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ غَيْرُ) بِالرَّفْعِ نِيَابَةٌ عَنْ الْفَاعِلِ (جِنْسِهِ) كَبُرٍّ عَنْ شَعِيرٍ (وَنَوْعِهِ) كَمَعْقِلِيٍّ عَنْ بَرْنِيِّ وَتُرْكِيٍّ عَنْ هِنْدِيٍّ وَتَمْرٍ عَنْ رُطَبٍ وَمَسْقِيٍّ بِمَطَرٍ عَنْ مَسْقِيٍّ بِعَيْنٍ وَمَسْقِيٍّ بِمَاءِ السَّمَاءِ عَنْ مَسْقِيٍّ بِمَاءِ الْوَادِي عَلَى مَا نَقَلَهُ الرِّيمِيُّ وَاعْتَمَدَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَاءَ الْوَادِي إنْ كَانَ مِنْ عَيْنٍ فَقَدْ مَرَّ أَوْ مِنْ مَطَرٍ فَهُوَ مَاءُ السَّمَاءِ أَيْضًا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ اخْتِلَافُ مَا يَنْبُتُ مِنْهُ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَكَانَيْنِ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِ النَّوْعَيْنِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَفْسَخَا السَّلَمَ بِأَنْ يَتَقَايَلَا فِيهِ ثُمَّ يُعْتَاضُ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ أَسْلَمَ لِآخَرَ ثَوْبًا فِي دَرَاهِمَ فَأَسْلَمَ الْآخَرُ إلَيْهِ ثَوْبًا فِي دَرَاهِمَ وَاسْتَوَيَا صِفَةً وَحُلُولًا فَلَا يَقَعُ تَقَاصٌّ عَلَى الْمَنْقُولِ الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُ كَالِاعْتِيَاضِ عَنْ الْمُسَلَّمِ فِيهِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ (وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي نَوْعِهِ) لِأَنَّ الْجِنْسَ يَجْمَعُهُمَا
[حاشية الشبراملسي]
فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَخْذِ غَيْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَوَقْتَ أَدَائِهِ) أَيْ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتِ أَدَائِهِ وَمَكَانِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هُنَا نَفْسَ الزَّمَانِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ فِيهِ وَلَا الْمَكَانَ بَلْ عِلْمًا مِمَّا مَرَّ (قَوْلُهُ: لَا يَصِحُّ) أَيْ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ لَازِمٌ لِعَدَمِ الصِّحَّةِ (قَوْلُهُ: نِيَابَةً عَنْ الْفَاعِلِ) وَيَجُوزُ نَصْبُهُ بِبِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْفَاعِلِ وَجَعْلِ الْفَاعِلِ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلَى الْمُسَلَّمِ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا نَقَلَهُ الرِّيمِيُّ) نِسْبَةً إلَى رَيْمَةَ بِالْفَتْحِ مِخْلَافٌ بِالْيَمَنِ وَحِصْنٌ بِالْيَمَنِ قَامُوسٌ (قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ) أَيْ فَلَا يُتَوَجَّهُ النَّظَرُ، وَإِنْ فُرِضَ اخْتِلَافٌ فَلَعَلَّهُ لِجَوَازِ أَنَّ تَأْثِيرَ الْمَطَرِ النَّازِلِ عَلَى الزَّرْعِ يُخَالِفُ تَأْثِيرَ مَا اجْتَمَعَ فِي الْوَادِي مِنْهُ ثُمَّ سُقِيَ بِهِ الزَّرْعُ لِتَكَيُّفِ الْمُجْتَمِعِ فِي الْوَادِي بِصِفَةِ أَرْضِهِ فَتَحْصُلُ لَهُ حَالَةٌ تُخَالِفُ مَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ عَلَى الزَّرْعِ بِلَا مُخَالَطَةٍ لِشَيْءٍ (قَوْلُهُ: وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ) أَيْ عَدَمُ الصِّحَّةِ.
قَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ: فَلَوْ ضَمِنَ شَخْصٌ دَيْنَ السَّلَمِ وَأَرَادَ الْمُسَلِّمُ الِاعْتِيَاضَ مِنْهُ غَيْرَ جِنْسِهِ أَوْ نَوْعِهِ فَهَلْ يَجُوزُ أَوْ لَا؟ تَرَدُّدٌ، وَالْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ لِأَنَّهُ دَيْنُ ضَمَانٍ لَا دَيْنُ سَلَمٍ وَالثَّابِتُ فِي الذِّمَّةِ نَظِيرُهُ لَا عَيْنُهُ (قَوْلُهُ: أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَكَانَيْنِ) أَيْ فَلَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ عُلِمَ اخْتِلَافُ مَا ثَبَتَ فِي الْمَكَانَيْنِ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا، وَعِبَارَةُ حَجّ بَعْدَ قَوْلِهِ ظَاهِرًا وَكَذَا فِيمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ) أَيْ وَهُوَ بَاطِلٌ لَكِنْ هَذَا يَقْتَضِي امْتِنَاعَ الِاسْتِبْدَالِ عَنْ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ كَالْمَبِيعِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا وَهُوَ خِلَافُ مَا مَرَّ مِنْ جَوَازِ الِاسْتِبْدَالِ عَنْ غَيْرِ الثَّمَنِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ مُرَادُهُ بِبَيْعِهِ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الْمُثَمَّنِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِهِ فِيهِ مَنْعُهُ فِي الثَّمَنِ كَمَا مَرَّ فِي الِاسْتِبْدَالِ، وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا ثَمَنًا وَلَا مُثَمَّنًا، وَمَا فِي الذِّمَّةِ حَيْثُ يَمْتَنِعُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ مُثَمَّنًا لَا ثَمَنًا وَفِيهِ شَيْءٌ (قَوْلُهُ وَالْحِيلَةُ فِيهِ) أَيْ فِي الِاسْتِبْدَالِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُعْتَاضُ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ بِكَثِيرٍ وَلَوْ مَعَ بَقَاءِ رَأْسِ الْمَالِ الْأَصْلِيِّ (قَوْلُهُ وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ الِاعْتِيَاضِ الْمُمْتَنِعِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ كَالِاعْتِيَاضِ عَنْ الْمُسَلَّمِ فِيهِ)
[حاشية الرشيدي]
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَخْذِ غَيْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَنْهُ وَوَقْتِ أَدَائِهِ وَمَكَانِهِ]
فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَخْذِ غَيْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إلَخْ) عِلَّةٌ لِلْمَتْنِ وَيُعَكَّرُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ هَذَا التَّعْلِيلُ مِنْ الْبُطْلَانِ مَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ الِاعْتِيَاضِ عَنْ الْمَبِيعِ فِي الذِّمَّةِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَتَقَايَلَا) أَيْ: فَلَا أَثَرَ لِمُجَرَّدِ التَّفَاسُخِ إذْ لَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ خِلَافًا لِلشِّهَابِ حَجّ فِيمَا مَرَّ، وَإِنْ كَانَ هُنَا قَدْ ذَكَرَ هَذَا التَّفْسِيرَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ كَالِاعْتِيَاضِ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ) أَيْ فَكَأَنَّهُ اعْتَاضَ مَا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ لِلْآخَرِ عَمَّا كَانَ فِي ذِمَّةِ الْآخَرِ لَهُ
فَكَانَ كَمَا لَوْ اتَّحَدَ النَّوْعُ وَاخْتَلَفَتْ الصِّفَةُ رُدَّ بِقُرْبِ الِاتِّحَادِ هُنَا، وَلَوْ اعْتَبَرْنَا جَمْعَ الْجِنْسِ لَاعْتَبَرْنَا جَمْعَ جِنْسٍ آخَرَ كَالْحَبِّ وَلَمْ يَمْتَنِعْ فِي شَيْءٍ فَانْدَفَعَ مَا أَطَالَ بِهِ جَمْعٌ لِتَرْجِيحِهِ (وَ) عَلَى الْجَوَازِ (لَا يَجِبُ) الْقَبُولُ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ (وَيَجُوزُ أَرْدَأُ مِنْ الْمَشْرُوطِ) لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، فَإِذَا تَرَاضَيَا بِهِ كَانَ مُسَامَحَةً بِصِفَةٍ (وَلَا يَجِبُ) قَبُولُهُ وَلَوْ أَجْوَدَ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُ دُونَ حَقِّهِ (وَيَجُوزُ أَجْوَدُ) مِنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِعُمُومِ خَبَرِ «خِيَارُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» (وَيَجِبُ قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْهُ عِنَادٌ وَزِيَادَتُهُ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَاذِلَهُ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فَخَفَّ أَمْرُ الْمِنَّةِ فِيهِ وَأُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ.
وَالثَّانِي لَا يَجِبُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي خَشَبَةٍ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ فَجَاءَ بِهَا سِتَّةً فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا، وَفَرَّقَ الْأَوَّلُ بِعَدَمِ إمْكَانِ فَصْلِ الْجُودَةِ فَهِيَ تَابِعَةٌ بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْخَشَبَةِ.
نَعَمْ لَوْ أَضَرَّهُ قَبُولُهُ كَكَوْنِ الْمَأْتِيِّ بِهِ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ أَوْ زَوْجَهُ أَوْ مَنْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ أَوْ شَهِدَ بِهَا فَرْدًا وَلَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ لَمْ يَلْزَمْهُ.
وَلَوْ قَبَضَهُ جَاهِلًا فَهَلْ يَفْسُدُ قَبْضُهُ أَوْ يَصِحُّ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا ثَانِيهِمَا، وَفِي نَحْوِ عَمْدٍ وَجْهَانِ أَوْجُهُهُمَا الْمَنْعُ لِأَنَّ مِنْ الْحُكَّامِ مَنْ يَحْكُمُ بِعِتْقِهِ
[حاشية الشبراملسي]
فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْ الْمُسَلَّمِ فِيهِ إنَّمَا يَمْتَنِعُ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ أَوْ النَّوْعِ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ هُنَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ وَاسْتَوَيَا صِفَةً وَحُلُولًا، فَالْقِيَاسُ جَوَازُ التَّقَاصِّ فِيهِ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الِامْتِنَاعُ لِدَلِيلٍ آخَرَ (قَوْلُهُ: وَرُدَّ بِقُرْبِ الِاتِّحَادِ هُنَا) أَيْ فِي الصِّفَةِ فَكَأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْعِوَضَيْنِ بِخِلَافِهِ فِي النَّوْعِ فَإِنَّ التَّبَاعُدَ بَيْنَهُمَا أَوْجَبَ اعْتِبَارَ الِاخْتِلَافِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ اعْتَبَرْنَا إلَخْ) تَقْوِيَةٌ لِقَوْلِهِ وَرُدَّ إلَخْ (قَوْلُهُ: اعْتَبَرْنَا إلَخْ) أَيْ اكْتَفَيْنَا بِهِ جَوَّزْنَا اسْتِبْدَالَ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ عَنْ الْآخَرِ وَهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِهِ (قَوْلُهُ: لَا اعْتَبَرْنَا) أَيْ لَاكْتَفَيْنَا فِي الْجَوَازِ بِجِنْسٍ فَوْقَ الْجِنْسِ السَّافِلِ كَالْحَبِّ فَجَوَّزْنَا اسْتِبْدَالَ الشَّعِيرِ وَنَحْوِهِ عَنْ الْقَمْحِ، وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلَهُ لَاعْتَبَرْنَا جَمْعَ جِنْسٍ قَدْ تُمْنَعُ هَذِهِ الْمُلَازَمَةُ لِظُهُورِ تَفَاوُتِ صِفَاتِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَأَنْوَاعِهِ، بِخِلَافِ الْجِنْسَيْنِ وَإِنْ دَخَلَا تَحْتَ جِنْسٍ أَعْلَى اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ) يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ عَلَى هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ الْمُحْضَرُ أَجْوَدَ مِنْ الْمُسَلَّمِ فِيهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الصِّفَتَيْنِ (قَوْلُهُ: لِعُمُومِ خَبَرِ خِيَارِكُمْ) يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحِكَايَةِ لِمَا يَأْتِي لَهُ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ «إنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِيهِ رِوَايَةٌ بِإِسْقَاطِ إنَّ (قَوْلُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا) أَيْ وَيَجُوزُ لَهُ وَيَكُونُ الذِّرَاعُ السَّادِسُ هِبَةً، وَهَكَذَا قَوْلُ حَجّ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ كَمَا لَوْ تَمَيَّزَتْ الزِّيَادَةُ كَأَحَدَ عَشَرَ عَنْ عَشَرَةٍ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي جَوَازَ الْقَبُولِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ أَضَرَّهُ قَبُولُهُ إلَخْ) هَذَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى إحْضَارِ الْأَجْوَدِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَحْضَرَهُ لَهُ بِالصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ وَجَبَ قَبُولُهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي الِامْتِنَاعِ وَبِتَسْلِيمِهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَجْوَدِ بِأَنَّ الْمُحْضَرَ بِالصِّفَةِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ الْمُسَلَّمُ فِيهِ حَقِيقَةً وَلَا كَذَلِكَ الْأَجْوَدُ، وَقَدْ يُؤَيِّدُ الْفَرْقَ مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَى الْوَكِيلُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى الْمُوَكِّلِ صَحَّ وَوَقَعَ لِلْمُوَكِّلِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ لِأَنَّ اللَّفْظَ شَامِلٌ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَبَضَهُ جَاهِلًا) أَيْ بِأَنَّهُ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ أَصَحُّهُمَا ثَانِيهُمَا) خِلَافًا لحج (قَوْلُهُ أَوْجُهُهُمَا الْمَنْعُ) أَيْ مَنْعُ وُجُوبِ الْقَبُولِ، وَعِبَارَةُ حَجّ: وَفِي نَحْوِ عَمِّهِ وَجْهَانِ لِأَنَّ مِنْ الْحُكَّامِ مَنْ يُعْتِقُهُ عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ هُنَاكَ حَاكِمٌ يَرَى عِتْقَهُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، وَهُوَ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ الشَّارِحِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ إنْ كَانَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْبَلَدِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِيهَا وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَقَدْ يُوَجَّهُ بِإِطْلَاقِ الشَّارِحِ بِأَنَّهُ رُبَّمَا عَرَضَ التَّدَاعِي عِنْدَ غَيْرِ قَاضِي الْبَلَدِ أَوْ بِغَيْرِ مَا قَدْ يَرَى ذَلِكَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ أَضَرَّهُ قَبُولُهُ) هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالْأَجْوَدِ وَإِنْ أَوْهَمَهُ سِيَاقُهُ، بَلْ هُوَ جَارٍ فِي أَدَاءِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ
. (قَوْلُهُ: أَصَحُّهُمَا ثَانِيهِمَا) أَيْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ
عَلَيْهِ
، وَيَجِبُ تَسْلِيمُ نَحْوِ الْبُرِّ نَقِيًّا مِنْ تِبْنٍ وَزُوَانٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ قَلِيلٌ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ كَيْلًا جَازَ أَوْ وَزْنًا فَلَا، وَمَا أَسْلَمَ فِيهِ كَيْلًا لَا يَجُوزُ قَبْضُهُ وَزْنًا وَعَكْسُهُ وَلَا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ غَيْرِ مَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ وَلَا يُزَلْزِلُ الْمِكْيَالَ وَلَا يَضَعُ الْكَفَّ عَلَى جَوَانِبِهِ بَلْ يَمْلَؤُهُ وَيَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ بِقَدْرِ مَا يَحْمِلُ.
وَيَجِبُ تَسْلِيمُ التَّمْرِ جَافًّا وَالرُّطَبِ غَيْرَ مُشَدَّخٍ وَهُوَ الْبُسْرُ يُعَالَجُ بِالْغَمْرِ حَتَّى يَتَشَدَّخَ: أَيْ يَتَرَطَّبُ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمَعْمُولِ فِي بِلَادِ مِصْرَ.
وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسَلَّمِ بِيَمِينِهِ فِي لَحْمٍ وَهُوَ مَيْتَةٌ كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ اسْتِصْحَابًا لِأَصْلِ الْحُرْمَةِ فِي الْحَيَاةِ حَتَّى يُتَيَقَّنَ الْحِلُّ بِالذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحِلَّهُ إنْ سَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ أَنَا ذَبَحْتُهُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ وُجِدْت شَاةٌ مَذْبُوحَةٌ فَقَالَ ذِمِّيٌّ: ذَبَحْتُهَا حَلَّتْ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ لَوْ وَجَدَ قِطْعَةَ لَحْمٍ فِي إنَاءٍ أَوْ خِرْقَةٍ بِبَلَدٍ لَا مَجُوسَ فِيهِ أَوْ وَالْمُسْلِمُونَ فِيهِ أَغْلَبُ فَطَاهِرَةٌ لِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ يَقْتَضِي تَصْدِيقَ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ مُطْلَقًا لِتَأْيِيدِ دَعْوَاهُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ الْمَذْكُورَةِ، إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّهَارَةِ لَمْ يُعَارِضْهَا أَصْلُ الْحُرْمَةِ فِي الْحَيَاةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ سَلَّمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الطَّهَارَةِ وَحِلِّ الْأَكْلِ.
[حاشية الشبراملسي]
فَلَا يَجِبُ قَبُولُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ امْتِنَاعُهُ مِنْ قَبُولِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَلَوْ عَلَى قَوْلٍ فِيهِ عُذْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَزُوَانٍ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: وَالزُّوَانُ بِالضَّمِّ يُخَالِطُ الْبُرَّ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: هُوَ حَبٌّ أَسْوَدُ مُدَوَّرٌ وَهُوَ مُثَلَّثُ الزَّايِ مَعَ تَخْفِيفِ الْوَاوِ اهـ كَذَا بِهَامِشٍ، وَقَوْلُ الْمُخْتَارِ بِضَمِّ الزَّايِ: أَيْ وَالْهَمْزِ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي زَأْنَ، وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: الزُّوَانُ حَبٌّ يُخَالِطُ الْبُرَّ فَيُكْسِيهِ الرَّدَاءَةَ، وَفِيهِ لُغَاتٌ بِضَمِّ الزَّايِ مَعَ الْهَمْزِ وَتَرْكِهِ فَيَكُونُ وِزَانَ غُرَابٍ وَكَسْرِ الزَّايِ مَعَ الْوَاوِ الْوَاحِدَةُ زُوَانَةٌ وَأَهْلُ الشَّامِ يُسَمُّونَهُ الشَّيْلَمَ (قَوْلُهُ: أَوْ وَزْنًا فَلَا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّ جِدًّا لِأَنَّ أَدْنَى شَيْءٍ يَظْهَرُ فِي الْوَزْنِ (قَوْلُهُ: وَعَكْسُهُ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: فَإِنْ خَالَفَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ لِفَسَادِ الْقَبْضِ كَمَا لَوْ قَبَضَهُ جُزَافًا وَلَا يَنْفُذُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَمَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ، وَكَذَا لَوْ اكْتَالَهُ بِغَيْرِ الْكَيْلِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ كَأَنْ بَاعَ صَاعًا فَاكْتَالَهُ بِالْمُدِّ عَلَى مَا رَجَّحَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُهُ لَزِمَهُ الضَّمَانُ: أَيْ ضَمَانُ يَدٍ لَا ضَمَانُ عَقْدٍ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إنْ تَيَسَّرَ رَدُّهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَرَّفَ فِيهِ مِنْ بَابِ الظَّفَرِ وَهُوَ الْمِثْلُ فِي الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةُ يَوْمِ التَّلَفِ إنْ تَلِفَ كَالْمُسْتَامِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُزَلْزِلُ الْمِكْيَالَ) أَيْ وَإِنْ اُعْتِيدَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَنْوَاعِ وَكَانَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مِنْهُ لِأَنَّ مَا يَحْوِيهِ الْمِكْيَالُ مَعَ الزَّلْزَلَةِ لَا يَنْضَبِطُ فَلَا الْتِفَاتَ إلَى اعْتِيَادِهِ.
(قَوْلُهُ: وَيَجِبُ تَسْلِيمُ التَّمْرِ جَافًّا) قَالَ حَجّ: مَا لَمْ يَتَنَاهَ جَفَافُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَالرُّطَبُ غَيْرَ مُشَدَّخٍ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ التَّمْرُ يُعَالَجُ إلَخْ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي كَوْنِهِ مُشَدَّخًا أَوْ لَا صُدِّقَ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّشْدِيخِ أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسَلِّمُ) مُعْتَمَدٌ: أَيْ مَا لَمْ يَقُلْ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ أَنَا ذَكَّيْتُهُ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ مَا لَمْ يَقُلْ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ أَنَا ذَبَحْتُهُ) أَيْ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ أَجْبَرَ الْحَاكِمُ الْمُسَلَّمَ عَلَى قَبُولِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اُنْظُرْ مَاذَا يَفْعَلُهُ فِيهِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ عَمَلًا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَبِالظَّاهِرِ أَوْ يَعْمَلُ بِظَنِّهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهِ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ فِي ظَنِّهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي (قَوْلُهُ: أَيْ أَنَّ قَوْلَهُمْ إلَخْ) تَأْيِيدٌ لِلْمَنْعِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ إنْ سَلَّمَ (قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ الْفَرْقُ (قَوْلُهُ: إنْ سَلَّمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ) نَقَلَ سم فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَاحْكُمْ عَلَى مَا غَلَّبْت إلَخْ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ أَنَّا حَيْثُ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهَا حَرُمَ أَكْلُهَا، وَإِنَّمَا التَّرَدُّدُ فِي أَنَّهَا هَلْ تُنَجِّسُ مَا أَصَابَتْهُ أَوْ لَا وَاسْتَوْجَهَ ثُمَّ عَدَمُ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: يَقْتَضِي تَصْدِيقَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ مُطْلَقًا) أَيْ فِي بَلَدٍ لَا مَجُوسَ فِيهِ أَوْ وَالْمُسْلِمُونَ فِيهِ أَغْلَبُ بِقَرِينَةِ مَا قَبْلَهُ.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ أَقَالَ ذَبَحْتُهُ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الطَّهَارَةِ وَحِلِّ الْأَكْلِ) قَالَ الشِّهَابُ سم: وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ يَلْزَمُ مِنْ طَهَارَةِ اللَّحْمِ حِلُّهُ مَا لَمْ يَثْبُتْ سَبَبٌ آخَرُ لِحُرْمَتِهِ غَيْرُ النَّجَاسَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ
(وَلَوْ أَحْضَرَهُ) أَيْ الْمُسَلَّمَ فِيهِ وَمِثْلُهُ فِيمَا يَأْتِي جَمِيعُهُ كُلُّ دِينٍ مُؤَجَّلٍ (قَبْلَ مَحِلِّهِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ وَقْتِ حُلُولِهِ (فَامْتَنَعَ الْمُسَلِّمُ مِنْ قَوْلِهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ بِأَنْ) بِمَعْنَى كَأَنْ فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ يَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ كَثِيرًا (وَكَانَ حَيَوَانًا) يَحْتَاجُ لِمُؤْنَةٍ قَبْلَ الْمَحِلِّ لَهَا وَقَعَ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ: أَيْ عُرْفًا أَوْ غَيْرَهُ وَاحْتَاجَ لَهَا فِي كِرَاءِ مَحِلِّهِ أَوْ حِفْظِهِ أَوْ كَانَ يَتَرَقَّبُ زِيَادَةَ سِعْرِهِ عِنْدَ الْمَحِلِّ فِيمَا يَظْهَرُ (أَوْ وَقْتَ غَارَةٍ) الْأَفْصَحُ إغَارَةٌ وَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ وَقْتَهَا فِيمَا يَظْهَرُ أَوْ كَانَ يُرِيدُ أَكْلَهُ عِنْدَ مَحِلِّهِ طَرِيًّا (لَمْ يُجْبَرْ) عَلَى قَبُولِهِ وَإِنْ كَانَ لِلْمُؤَدِّي غَرَضٌ لِلضَّرَرِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسَلِّمِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي الِامْتِنَاعِ (فَإِنْ كَانَ لِلْمُؤَدِّي غَرَضٌ صَحِيحٌ كَفَكِّ رَهْنٍ) أَوْ بَرَاءَةِ ضَامِنٍ أَوْ خَوْفِ انْقِطَاعِ الْجِنْسِ عِنْدَ الْحُلُولِ (أُجْبِرَ) لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ حِينَئِذٍ تَعَنُّتٌ (وَكَذَا) يُجْبَرُ إنْ أَتَى إلَيْهِ بِهِ (لِمُجَرَّدِ غَرَضِ الْبَرَاءَةِ فِي الْأَظْهَرِ) أَيْ بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ أَوْ لَا لِغَرَضٍ أَصْلًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ لِتَعَنُّتِهِ.
وَالثَّانِي لَا يُجْبَرُ لِلْمِنَّةِ.
وَأَفْهَمَ اعْتِبَارُهُ لِغَرَضٍ الْمُؤَدِّي عِنْدَ عَدَمِ غَرَضِ الْمُؤَدَّى إلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ تَعَارَضَ غَرَضَاهُمَا قُدِّمَ الثَّانِي، وَلَوْ أَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ بَعْدَ الْإِجْبَارِ أَخَذَهُ الْحَاكِمُ أَمَانَةً عِنْدَهُ لَهُ وَبَرِئَ الْمَدِينُ، وَلَوْ كَانَ الْمُسَلِّمُ غَائِبًا فَقِيَاسُ مَا ذُكِرَ أَنْ يَقْبِضَ لَهُ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
وَلَوْ أَحْضَرَ الْمُسَلَّمَ فِيهِ الْحَالَّ فِي مَكَانِ التَّسْلِيمِ لِغَرَضٍ سِوَى الْبَرَاءَةِ أُجْبِرَ الْمُسَلِّمُ عَلَى قَبُولِهِ أَوْ لِغَرَضِهَا أُجْبِرَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْإِبْرَاءِ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ وَقَدْ وُجِدَ
[حاشية الشبراملسي]
التَّنْجِيسِ مَعَ الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ حَيْثُ قُلْنَا إلَخْ أَنَّا إنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ جَازَ أَكْلُهُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا نَظَّرَ بِهِ هُنَا فِي حَاشِيَةِ حَجّ وَمُؤَيِّدٌ لِتَصْدِيقِ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ قَالَ ذَكَّيْته أَمْ لَمْ يَقُلْ وَسَوَاءٌ كَانَ فَاسِقًا أَمْ لَا (قَوْلُهُ: كُلُّ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ) وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَقَعُ كَثِيرًا أَنَّ الرَّجُلَ يُعَلِّقُ لِزَوْجَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ مَتَى فَعَلَ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ وَأَبْرَأَتْ ذِمَّتَهُ مِنْ الشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ مِنْ صَدَاقِهَا الَّذِي عَلَيْهِ كَانَتْ طَالِقًا أَوْ أَنَّهُ لَوْ أَحْضَرَ لَهَا صَدَاقَهَا وَكَانَ مُؤَجَّلًا وَطَلَبَ مِنْهَا قَبُولَهُ لَا تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ كَذَا بِخَطِّ الْأَصْلِ: أَيْ لِأَنَّ لَهَا غَرَضًا فِي الِامْتِنَاعِ وَهُوَ بَقَاءُ التَّعْلِيقِ إنْ كَانَ حَالًّا فَإِنْ كَانَ غَرَضُهُ غَيْرَ الْبَرَاءَةِ أُجْبِرَتْ عَلَى الْقَبُولِ عَيْنًا أَوْ هِيَ أُجْبِرَتْ عَلَى الْقَبُولِ أَوْ الْإِبْرَاءِ رَمْلِيٌّ اهـ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ.
وَلَوْ قَبَضَتْهُ جَاهِلَةً فَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا لَوْ قَبَضَ أَصْلُهُ أَوْ فَرْعُهُ جَاهِلًا الصِّحَّةَ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ صِفَةَ الْبَعْضِيَّةِ مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِ الْمُحْضَرِ وَلَا كَذَلِكَ عَدَمُ تَمَكُّنِهَا مِنْ الْبَرَاءَةِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ خَارِجِيٌّ، وَأَيْضًا فَالْجَهْلُ بِعَدَمِ وُجُوبِ قَبُولِ الدَّيْنِ جَهْلٌ بِالْحُكْمِ وَهُوَ غَيْرُ عُذْرٍ لِنِسْبَتِهَا إلَى تَقْصِيرٍ فِي الْجُمْلَةِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا) بَقِيَ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي كَوْنِهِ الْمُسَلَّمَ فِيهِ أَوْ غَيْرَهُ فَهَلْ يَصْدُقُ الْمُسَلِّمُ أَوْ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمِيَاهِ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُرَجِّحٌ وَقْتَ الْأَمْرِ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ (قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ يَتَرَقَّبُ إلَخْ) يُتَأَمَّلُ هَذَا فَإِنَّ قَضِيَّةَ التَّعْبِيرِ بِأَوَانِهِ لَوْ كَانَ غَيْرَ حَيَوَانٍ وَلَمْ يَحْتَجْ فِي حِفْظِهِ لِمُؤْنَةٍ وَتَوَقَّعَ زِيَادَةَ سِعْرِهِ عِنْدَ الْمَحِلِّ لَمْ يَجِبْ الْقَبُولُ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّهُ حَيْثُ لَا ضَرُورَةَ عَلَيْهِ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ وَيَدَّخِرُهُ لِوَقْتِ الْحُلُولِ إنْ شَاءَ فَلَا يَفُوتُ مَقْصُودُهُ فَلَعَلَّ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَيُصَوِّرُ ذَلِكَ بِمَا إذَا لَحِقَهُ ضَرَرٌ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ كَخَوْفِ تَغَيُّرِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ إذَا اُدُّخِرَ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي يَتَرَقَّبُهُ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَحْتَجْ فِي ادِّخَارِهِ إلَى مَحَلٍّ يَحْفَظُهُ فِيهِ وَلَا مُؤْنَةَ لَهُ (قَوْلُهُ: أُجْبِرَ) أَيْ وَيَكْفِي الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ (قَوْلُهُ أَوَّلًا لِغَرَضٍ) فِي تَصَوُّرِ انْتِفَاءِ الْغَرَضِ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ نَظَرٌ، إذْ أَقَلُّ مَرَاتِبِهِ حُصُولُ الْبَرَاءَةِ بِقَبْضِ الْمُسَلَّمِ لَهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ حُصُولَ الْبَرَاءَةِ وَإِنْ كَانَتْ حَاصِلَةً بِقَبُولِ الْمُسَلِّمِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ حَاصِلًا كَوْنُهُ مَقْصُودًا (قَوْلُهُ: أَنْ يَقْبِضَ) أَيْ الْحَاكِمُ
(قَوْلُهُ: الْحَالُّ) أَيْ أَصَالَةً أَوْ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ (قَوْلُهُ: سِوَى الْبَرَاءَةِ) كَفَكِّ رَهْنٍ أَوْ ضَمَانٍ (قَوْلُهُ: أُجْبِرَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْإِبْرَاءِ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الزَّمَنُ زَمَنَ أَمْنٍ أَوْ خَوْفٍ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ إلَخْ) هَذَا وَلَمْ يُبَيِّنْ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَأَفْهَمَ اعْتِبَارُهُ لِغَرَضِ الْمُؤَدِّي) حَقُّ الْعِبَارَةِ وَأَفْهَمَ تَقْدِيمُهُ لِغَرَضِ الْمُؤَدَّى إلَيْهِ عَلَى غَرَضِ الْمُؤَدِّي أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ غَائِبًا) هَذَا فِي الدَّيْنِ الْحَالِّ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ سِيَاقُهُ.
مَكَانُ التَّسْلِيمِ وَزَمَانُهُ مَحْضُ عِنَادٍ فَضَيَّقَ عَلَيْهِ بِطَلَبِ الْإِبْرَاءِ، بِخِلَافِ الْمُؤَجَّلِ وَالْحَالِّ الْمُحْضَرِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ، وَلَا يَخْتَصُّ الْإِجْبَارُ بِمَا مَرَّ بَلْ يُجْبَرُ الدَّائِنُ عَلَى قَبُولِ كُلِّ دَيْنٍ حَالٍّ، أَوْ الْإِبْرَاءِ عَنْهُ عِنْدَ انْتِفَاءِ غَرَضِهِ وَقَدْ أَحْضَرَهُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ أَوْ وَارِثُهُ لَا أَجْنَبِيٌّ عَنْ حَيٍّ بِخِلَافِهِ عَنْ مَيِّتٍ لَا تَرِكَةَ لَهُ فِيمَا يَظْهَرُ لِمَصْلَحَةِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الدَّيْنَ يَجِبُ بِالطَّلَبِ أَدَاؤُهُ فَوْرًا لَكِنْ يُمْهَلُ الْمَدِينُ لِمَا لَا يُخِلُّ بِالْفَوْرِيَّةِ فِي الشُّفْعَةِ أَخْذًا مِنْ مَثَلِهِمْ مَا لَمْ يَخَفْ هَرَبَهُ فَبِكَفِيلٍ أَوْ مُلَازِمٍ.
(وَلَوْ) (وَجَدَ الْمُسَلِّمُ الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ بَعْدَ الْمَحِلِّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ (فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ) بِفَتْحِهَا أَيْ مَكَانِهِ الْمُتَعَيِّنِ بِالْعَقْدِ أَوْ الشَّرْطِ فَلَهُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِالسَّلَمِ فِيهِ وَإِلْزَامُهُ بِالسَّفَرِ مَعَهُ لِمَحَلِّ التَّسْلِيمِ، أَوْ يُوَكِّلُ وَلَا يُحْبَسُ لِأَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ (لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ إنْ كَانَ لِنَقْلِهِ) مِنْ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ إلَى مَحَلِّ الظَّفَرِ (مُؤْنَةٌ) وَلَمْ يَتَحَمَّلْهَا الْمُسَلِّمُ لِيَتَضَرَّرَ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَا مُؤْنَةَ لِنَقْلِهِ كَيَسِيرِ نَقْدٍ وَمَالَهُ مُؤْنَةٌ وَتَحَمَّلَهَا الْمُسَلِّمُ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ حِينَئِذٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَغْلَى مِنْهُ
[حاشية الشبراملسي]
الْفَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ غَرَضٌ غَيْرُ الْبَرَاءَةِ كَفَكِّ رَهْنٍ أَوْ ضَمَانٍ حَيْثُ أُجْبِرَ فِيهِ الْمُسَلِّمُ عَلَى الْقَبُولِ عَيْنًا وَبَيْنَ مَا إذَا كَانَ غَرَضُهُ مُجَرَّدَ الْبَرَاءَةِ حَيْثُ أُجْبِرَ فِيهِ عَلَى الْقَبُولِ أَوْ الْإِبْرَاءِ؟ قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ بَعْدَ مِثْلِ هَذَا التَّوَقُّفِ: إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ الْبَرَاءَةُ مَقْصُودَةً بِالذَّاتِ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ مُطَالَبَتِهِ بِالْقَبُولِ بِخِلَافِهِ فِي الشِّقِّ الثَّانِي اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ) قَالَ حَجّ: وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ هُنَا لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ زَمَنِ الْخَوْفِ وَغَيْرِهِ، وَيُخَالِفُهُ اعْتِمَادُ جَمْعٍ مُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ فِي الْقَرْضِ إلَّا حَيْثُ لَا خَوْفَ: أَيْ وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ فِيهِ عَلَى الْأَوْجَهِ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْقَرْضَ مَحْضُ مَعْرُوفٍ وَإِحْسَانٍ، وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ إضْرَارِ الْمُقْرِضِ بِوَجْهٍ فَلَمْ يَلْزَمْ بِالْقَبُولِ وَلَوْ فِي مَحَلِّ الْقَرْضِ إلَّا حَيْثُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَمَا هُنَا مَحْضُ مُعَاوَضَةٍ، وَقَضِيَّتُهَا لُزُومُ قَبْضِهَا الْمُسْتَحَقَّ فِي مَحِلِّ تَسْلِيمِهَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِإِضْرَارِ الْمُسَلِّمِ أَوَّلًا، وَإِنَّمَا رُوعِيَ غَرَضُهُ فِيمَا مَرَّ لِأَنَّ ذَاكَ الْقَبْضَ فِيهِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِمُقْتَضَى الْمُعَاوَضَةِ لِأَنَّ الْقَرْضَ أَنَّهُ قَبْلَ الْحُلُولِ أَوْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ فَنَظَرَ فِيهِ لِإِضْرَارِ الْقَابِضِ وَعَدَمِهِ فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ: لَا أَجْنَبِيٌّ عَنْ حَيٍّ) قَدْ يُفْهَمُ مُقَابَلَتُهُ لِلْوَارِثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا عَدَاهُ مَعَ أَنَّ الْوَارِثَ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْحَيِّ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَدْ يُقَالُ: يُفْهَمُ أَنَّ الْوَارِثَ فِي الْحَيِّ كَالْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّهُ الْآنَ لَا يُسَمَّى وَارِثًا وَإِنَّمَا يُسَمَّى بَعْدَ مَوْتِ الْوَرِيثِ (قَوْلُهُ: أَنَّ الدَّيْنَ يَجِبُ بِالطَّلَبِ) وَمِثْلُهُ الْقَرِينَةُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ دَلَالَةً قَوِيَّةً، وَقَدْ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي بَابِ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَخُمُسُهُ لِأَهْلِ خُمُسِ الْفَيْءِ إلَخْ، وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا لِدَارِنَا بَلْ يَحْرُمُ إنْ طَلَبُوا تَعْجِيلَهَا وَلَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ (قَوْلُهُ: الْمُتَعَيِّنُ بِالْعَقْدِ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ الْمَحِلِّ وَفِيمَا لَهُ مُؤْنَةٌ بِدَلِيلِ إنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُؤَجَّلَ الَّذِي لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ، وَإِنْ صَلَحَ مَحَلُّ الْعَقْدُ فَقَوْلُهُ أَوْ الْعَقْدُ عَلَيْهِ مُشْكِلٌ، إذْ لَا يَكُونُ التَّعْيِينُ بِالْعَقْدِ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُؤْنَةِ هُنَاكَ مُؤْنَةُ النَّقْلِ إلَى مَحَلِّ الْعَقْدِ.
وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا مُؤْنَةُ النَّقْلِ مِنْ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ إلَى مَحَلِّ الظَّفَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ إلَى مَحَلِّ الظَّفَرِ وَلَا يَكُونُ لَهُ مُؤْنَةٌ إلَى مَحَلِّ الْعَقْدِ فَيُفْرَضُ مَا هُنَا فِي السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مُؤْنَةٌ إلَى مَحَلِّ الْعَقْدِ الصَّالِحِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَجِبُ بَيَانُ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ بَلْ يَتَعَيَّنُ مَوْضِعُ الْعَقْدِ، ثُمَّ إذَا وَجَدَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ فَصَّلَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ أَوْ لَا سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ إلَخْ) أَيْ فَيَجِبُ عَلَى الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ تَسْلِيمُهُ لِلْمُسَلِّمِ وَإِنْ ارْتَفَعَ سِعْرُهُ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ: أَيْ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ أَوْ نَحْوِهِ أَدَاؤُهُ حَيْثُ ارْتَفَعَ سِعْرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ وَحِينَئِذٍ فَالْمَانِعُ مِنْ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَتَحَمَّلْهَا الْمُسْلِمُ) عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ وَغَيْرِهِ: أَوْ كَانَ: أَيْ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ وَرَضِيَ بِهِ دُونَهَا، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْبَهْجَةِ الصَّغِيرِ: كَمَا لَوْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ وَلَمْ يَقْنَعْ الْمُسْلِمُ بِهِ بَلْ طَلَبَهَا.
بِمَحَلِّ السَّلَمِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِمَّا يَأْتِي فِي الْقَرْضِ (وَلَا يُطَالَبُ بِقِيمَتِهِ) وَلَوْ (لِلْحَيْلُولَةِ عَلَى الصَّحِيحِ) لِامْتِنَاعِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُ كَمَا مَرَّ لَكِنْ لَهُ الْفَسْخُ وَاسْتِرْدَادُ رَأْسِ الْمَالِ وَإِلَّا فَبَدَلُهُ كَمَا لَوْ انْقَطَعَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ وَالثَّانِي يُطَالِبُهُ لِلْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَقِّهِ (وَإِنْ) (امْتَنَعَ) الْمُسَلِّمُ (مِنْ قَبُولِهِ هُنَاكَ) أَيْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ وَقَدْ أَحْضَرَ (لَمْ يُجْبَرْ) عَلَيْهِ (إنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ) إلَى مَحَلِّ التَّسْلِيمِ وَلَمْ يَتَحَمَّلْهَا الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ بِمَعْنَى تَحْصِيلِهِ وَتَحَمُّلِهِ الزِّيَادَةَ لَا بِمَعْنَى دَفْعِ الْمُؤْنَةِ لِلْمُسَلِّمِ لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ (أَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ) أَوْ الطَّرِيقُ (مَخُوفًا) لِلضَّرَرِ، فَإِنْ رَضِيَ بِأَخْذِهِ لَمْ تَجِبْ لَهُ مُؤْنَةُ النَّقْلِ، بَلْ لَوْ بَدَّلَهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ قَبُولُهَا لِأَنَّهُ كَالِاعْتِيَاضِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ وَلَا كَانَ الْمَوْضِعُ أَوْ الطَّرِيقُ مَخُوفًا (فَالْأَصَحُّ إجْبَارُهُ) عَلَى قَبُولِهِ لِتَحْصُلَ لَهُ بَرَاءَةٌ بِذِمَّةٍ.
وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي التَّعْجِيلِ قَبْلَ الْحُلُولِ لِغَرَضِ الْبَرَاءَةِ وَقَدْ مَرَّ تَعْلِيلُهُمَا، وَلَوْ اتَّفَقَ كَوْنُ رَأْسِ الْمَالِ بِصِفَةِ السَّلَمِ فِيهِ فَأَحْضَرَهُ وَجَبَ قَبُولُهُ.
فَصْلٌ فِي الْقَرْضِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ أَشْهَرُ مِنْ كَسْرِهَا يُطْلَقُ اسْمًا بِمَعْنَى الْمُقْرَضِ وَمَصْدَرًا بِمَعْنَى الْإِقْرَاضِ، وَلِشَبَهِهِ بِالسَّلَمِ فِي الضَّابِطِ الْآتِي جَعَلَهُ مُلْحَقًا بِهِ فَتَرْجَمَ لَهُ بِفَصْلٍ بَلْ هُوَ نَوْعٌ مِنْهُ إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى سَلَفًا (الْإِقْرَاضُ) الَّذِي هُوَ تَمْلِيكُ الشَّيْءِ بِرَدِّ بَدَلِهِ
[حاشية الشبراملسي]
إمَّا كَوْنُهُ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ أَوْ ارْتِفَاعُ سِعْرِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَمْنُوعٌ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ لِلْحَيْلُولَةِ) الْأَوْلَى إسْقَاطُ الْغَايَةِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ إذَا كَانَتْ لِلْفَيْصُولَةِ لَا يُطَالَبُ بِهَا قَطْعًا لِأَنَّهَا اسْتِبْدَالٌ حَقِيقِيٌّ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ لِلْحَيْلُولَةِ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْوَثِيقَةَ (قَوْلُهُ: وَتَحَمُّلُهُ الزِّيَادَةَ) أَيْ بِأَنْ تُدْفَعَ الزِّيَادَةُ لِمَنْ يَحْمِلُهُ إلَى مَحَلِّ التَّسْلِيمِ أَوْ يَلْتَزِمُهَا لَهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ) أَيْ دَفْعُ الْمُؤْنَةِ لِلْمُسَلِّمِ (قَوْلُهُ: لِيَحْصُلَ لَهُ) أَيْ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: بِصِفَةِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ) لَا يُقَالُ: هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَلَوْ أَسْلَمَ جَارِيَةً صَغِيرَةً فِي كَبِيرَةٍ صَحَّ إلَخْ.
لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا أَعَمُّ وَمِثْلُهُ لَا يُعَدُّ تَكْرَارًا.
(فَصْلٌ) فِي الْقَرْضِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْقَرْضِ) وَلَعَلَّهُ آثَرَهُ عَلَى مَا فِي الْمَتْنِ لِاشْتِهَارِ التَّعْبِيرِ بِهِ وَلِيُفِيدَ أَنَّ لَهُ اسْتِعْمَالَيْنِ (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْإِقْرَاضِ) أَيْ مَجَازًا، وَاَلَّذِي يُفِيدُهُ كَلَامُ الْمُخْتَارِ أَنَّهُ إذَا اُسْتُعْمِلَ مَصْدَرًا كَانَ بِمَعْنَى الْقَطْعِ وَهُوَ غَيْرُ مَعْنَى الْإِقْرَاضِ، فَإِنَّ الْإِقْرَاضَ تَمْلِيكُ الشَّيْءِ عَلَى أَنْ يُرَدَّ بَدَلُهُ لَكِنَّهُ سُمِّيَ بِهِ وَبِالْقَرْضِ لِكَوْنِ الْمُقْرِضِ اقْتَطَعَ مِنْ مَالِهِ قِطْعَةً لِلْمُقْتَرِضِ (قَوْلُهُ: إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى سَلَفًا) قَدْ يُقَالُ: مُجَرَّدُ تَسْمِيَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهُ لِتَغَايُرِ مَفْهُومِيهِمَا إذْ السَّلَمُ بَيْعٌ مَوْصُوفٌ فِي الذِّمَّةِ وَالْقَرْضُ تَمْلِيكُ الشَّيْءِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ بَدَلَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ نَوْعًا مِنْهُ مَعَ تَغَايُرِ حَقِيقَتِهِمَا، نَعَمْ تَسْمِيَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِذَلِكَ تَقْتَضِي أَنَّ السَّلَفَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّ الْمُرَادَ بِجَعْلِهِ نَوْعًا مِنْهُ أَنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ النَّوْعِ لَا أَنَّهُ نَوْعٌ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا نَزَلَ مَنْزِلَةَ النَّوْعِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ (قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ تَمْلِيكُ الشَّيْءِ) أَيْ شَرْعًا (قَوْلُهُ: يَرُدُّ بَدَلَهُ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: عَلَى أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهُ، وَلَعَلَّ الشَّارِحَ إنَّمَا عَبَّرَ بِالْبَدَلِ لِيَتَمَشَّى عَلَى الرَّاجِحِ الْآتِي مِنْ أَنَّهُ يَرُدُّ الْمِثْلَ حَقِيقَةً فِي الْمِثْلِيِّ وَصُورَةً فِي الْمُتَقَوِّمِ، وَعَلَى الْمَرْجُوحِ مِنْ أَنَّهُ يَرُدُّ الْمِثْلَ فِي الْمِثْلِيِّ وَالْقِيمَةَ فِي الْمُتَقَوِّمِ.
[حاشية الرشيدي]
[فَصْلٌ فِي الْقَرْضِ] (فَصْلٌ) فِي الْقَرْضِ (قَوْلُهُ: فِي الْقَرْضِ) إنَّمَا عَبَّرَ بِهِ دُونَ الْإِقْرَاضِ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْفَصْلِ لَا يَخْتَصُّ بِالْإِقْرَاضِ بَلْ أَغْلَبُ أَحْكَامِهِ
(مَنْدُوبٌ) إلَيْهِ وَلِشُهْرَةِ هَذَا حَذَفَهُ، وَقَدْ اسْتَغْنَى الشَّارِحُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أَيْ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ مِنْ السُّنَنِ الْمُتَأَكِّدَةِ لِلْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ وَالْأَخْبَارِ الشَّهِيرَةِ كَخَبَرِ مُسْلِمٍ «مَنْ نَفَّسَ عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» وَصَحَّ خَبَرُ «مَنْ أَقْرَضَ لِلَّهِ مَرَّتَيْنِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ أَحَدِهِمَا لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ» وَفِي خَبَرٍ فِي سَنَدِهِ مَنْ ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُونَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ: إنَّ دِرْهَمَ الصَّدَقَةِ بِعَشْرٍ وَالْقَرْضَ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ» وَأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَّلَ لَهُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَرْضَ إنَّمَا يَقَعُ فِي يَدِ مُحْتَاجٍ بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ خَبَرَ «قَرْضُ الشَّيْءِ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَتِهِ» وَيُمْكِنُ رَدُّ الْخَبَرِ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ بِحَمْلِهِ عَلَى دَرَجَاتٍ صَغِيرَةٍ بِحَيْثُ إنَّ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ فِيهِ تُقَابَلُ بِخَمْسَةٍ فِي الصَّدَقَةِ كَمَا فِي خَبَرِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ بِحَمْلِ الزِّيَادَةِ فِي الْقَرْضِ إنْ صَحَّتْ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُعْلِمَهَا بَعْدُ، أَوْ يُقَالُ الْقَرْضُ فَضَلَ الصَّدَقَةَ بِاعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ لِامْتِيَازِهِ عَنْهَا بِصَوْنِهِ مَاءَ وَجْهِ مَنْ لَمْ يَعْتَدْ السُّؤَالَ عَنْ بَذْلِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ بِخِلَافِهَا، وَهِيَ فَضَلَتْهُ بِاعْتِبَارِ الْغَايَةِ لِامْتِيَازِهَا عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا مُقَابِلَ فِيهَا وَلَا بَدَلَ بِخِلَافِهِ، وَعِنْدَ تَقَابُلِ الْخُصُوصِيَّتَيْنِ قَدْ تَتَرَجَّحُ الْأُولَى وَقَدْ تَتَرَجَّحُ الثَّانِيَةُ بِاعْتِبَارِ الْأَثَرِ الْمُرَتَّبِ وَوَجْهُ ذِكْرِ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ دِرْهَمَ الْقَرْضِ فِيهِ تَنْفِيسُ كُرْبَةٍ وَإِنْظَارٌ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: مَنْدُوبٌ) ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُقْتَرَضِ مُسَلَّمًا أَوْ غَيْرَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّ فِعْلَ الْمَعْرُوفِ مَعَ النَّاسِ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِينَ، وَيَجِبُ عَلَيْنَا الذَّبَّ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْهُمْ وَالصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ جَائِزَةٌ وَإِطْعَامُ الْمُضْطَرِّ مِنْهُمْ وَاجِبٌ وَالتَّعْبِيرُ بِالْأَخِ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ بَلْ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِعْطَافِ وَالشَّفَقَةِ (قَوْلُهُ: وَلِشُهْرَةِ هَذَا) أَيْ قَوْلِهِ إلَيْهِ، قَالَ حَجّ: أَوْ تَضْمِينُهُ لِمُسْتَحَبٍّ، وَقَالَ سم عَلَى حَجّ: أَيْ أَوْ صَيْرُورَتُهُ فِي الِاصْطِلَاحِ اسْمًا لِلْمَطْلُوبِ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: لِلْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ) أَيْ الْمُفِيدَةِ لِلثَّنَاءِ عَلَى الْقَرْضِ كَآيَةِ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245] (قَوْلُهُ: نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً) يَجُوزُ أَنَّ تِلْكَ الْكُرْبَةَ عَشْرُ كُرَبٍ مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا لِأَنَّ أُمُورَ الْآخِرَةِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا فَلَا يُقَالُ: كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ عَشْرُ كُرَبٍ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ إلَخْ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، أَوْ يُقَالُ نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ زِيَادَةً عَلَى ثَوَابِ عَمَلِهِ فَذَلِكَ التَّنْفِيسُ كَالْمُضَاعَفَةِ (قَوْلُهُ: لَوْ تَصَدَّقَ) أَيْ بِهِ (قَوْلُهُ: عَلَّلَ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ سُؤَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ سَبَبِ التَّفَاضُلِ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: فِي يَدِ مُحْتَاجٍ) أَيْ فِي الْغَالِبِ
[حاشية الرشيدي]
الْآتِيَةِ فِي الشَّيْءِ الْمُقْرَضِ، فَلَوْ غَيَّرَ بِالْإِقْرَاضِ لَكَانَتْ التَّرْجَمَةُ قَاصِرَةً وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: أَيْ مُسْتَحَبٌّ) أَيْ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّضْمِينِ وَهُوَ غَيْرُ مَا مَلَكَهُ الشَّارِحُ هُنَا مِنْ ذِكْرِهِ لِلطَّرَفِ الْمُشَارِ بِهِ إلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ وَإِنْ أَوْهَمَ قَوْلُهُ: وَقَدْ اسْتَغْنَى الشَّارِحُ عَنْ ذَلِكَ إلَخْ خِلَافًا.
(قَوْلُهُ: وَيُمْكِنُ رَدُّ الْخَبَرِ الثَّانِي) يَعْنِي خَبَرَ جِبْرِيلَ، فَمُرَادُهُ بِالْأَوَّلِ الْأَوَّلُ مِنْ الْأَخْبَارِ الْخَاصَّةِ بِالْقَرْضِ وَهُوَ خَبَرُ «مَنْ أَقْرَضَ لِلَّهِ مَرَّتَيْنِ» وَخَبَرُ جِبْرِيلَ ثَانٍ لَهُ، وَأَمَّا خَبَرُ مُسْلِمٍ السَّابِقُ فَلَيْسَ خَاصًّا بِالْقَرْضِ ثُمَّ فِي قَوْلِهِ وَيُمْكِنُ رَدُّ الْخَبَرِ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ دُونَ أَنْ نَقُولَ وَيُمْكِنُ رَدُّ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي إشْعَارٌ بِأَنَّ الْخَبَرَ الْأَوَّلَ الْمَرْدُودَ إلَيْهِ الْمُقْتَضِي لِأَفْضَلِيَّةِ الصَّدَقَةِ هُوَ الْعُمْدَةُ، فَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَرْضِ كَيْفَ وَحَدِيثُهَا صَحِيحٌ دُونَ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: بِحَمْلِهِ عَلَى دَرَجَاتٍ صَغِيرَةٍ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَمْلَ لَا يَقْبَلُهُ لَفْظُ الْخَبَرِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْقَرْضِ وَالصَّدَقَةِ كَمَا يُعْلَمُ بِتَأَمُّلِهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي خَبَرِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) يَعْنِي مَعَ خَبَرِ الصَّلَاةِ بِسِوَاكٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَائِلَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ يَحْمِلُ الزِّيَادَةَ فِي الْقَرْضِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَمْلَ وَاَلَّذِي بَعْدَهُ لَيْسَ فِيهِمَا رَدُّ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ فَلَا يَصِحُّ الْعَطْفُ فِي كَلَامِهِ وَفِي قَوْلِهِ أَوْ يَحْمِلُ الزِّيَادَةَ إلَخْ تَسْلِيمٌ
إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ وَرَدُّهُ فَفِيهِ عِبَادَتَانِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ دِرْهَمَيْنِ وَهُمَا بِعِشْرِينَ حَسَنَةً، فَالتَّضْعِيفُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَهُوَ الْبَاقِي فَقَطْ لِأَنَّ الْمُقْرِضَ يَسْتَرِدُّ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَبْرَأ مِنْهُ كَانَ لَهُ عِشْرُونَ ثَوَابُ الْأَصْلِ وَالْمُضَاعَفَةُ، وَمَحَلُّ نَدْبِهِ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُقْتَرِضُ مُضْطَرًّا وَإِلَّا كَانَ وَاجِبًا، وَمَا لَمْ يَعْلَمْ أَوْ يَظُنَّ مِنْ آخِذِهِ أَنَّهُ يُنْفِقُهُ فِي مَعْصِيَةٍ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهِمَا أَوْ فِي مَكْرُوهٍ كُرِهَ، وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ مُضْطَرٍّ الِاقْتِرَاضُ إنْ لَمْ يَرْجُ وَفَاءَهُ مِنْ سَبَبٍ ظَاهِرٍ مَا لَمْ يُعْلِمْ الْمُقْرِضَ بِحَالِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ أَخْفَى غِنَاهُ وَأَظْهَرَ فَاقَتَهُ كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُقْرِضَ لَوْ عَلِمَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ لَمْ يُقْرِضْهُ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ عَلِمَ الْمُقْتَرِضُ أَنَّ مَا يُقْرِضُهُ لِنَحْوِ صَلَاحِهِ أَوْ عِلْمِهِ وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ ذَلِكَ حَرُمَ عَلَيْهِ الِاقْتِرَاضُ أَيْضًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَلَوْ أَخْفَى الْفَاقَةَ وَأَظْهَرَ الْغَنِيُّ حَالَتَهُ حَرُمَ أَيْضًا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّدْلِيسِ وَالتَّغْرِيرِ عَكْسُ الصَّدَقَةِ (وَصِيغَتُهُ) الصَّرِيحَةُ أَشْيَاءُ مِنْهَا (أَقْرَضْتُك أَوْ أَسْلَفْتُك) كَذَا أَوْ هَذَا (أَوْ خُذْهُ بِمِثْلِهِ) وَلَوْ مُتَقَوِّمًا إذْ ذَكَرَ الْمِثْلَ فِيهِ نَصٌّ فِي مَقْصُودِ الْقَرْضِ لِأَنَّ وَضْعَهُ عَلَى رَدِّ الْمِثْلِ صُورَةً، وَبِهِ فَارَقَ جَعْلَهُمْ خُذْهُ بِكَذَا كِنَايَةً فِي الْبَيْعِ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا لِلْغَزِّيِّ وَغَيْرِهِ هُنَا، وَاتَّضَحَ أَنَّهُ صَرِيحٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمَا لَا كِنَايَةٌ خِلَافًا لِجَمْعٍ، وَأَيْضًا فَمِمَّا يُدْفَعُ بِهِ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابِهِ وَوَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ.
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ التَّضْعِيفُ (قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ إلَخْ) أَيْ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ اسْتَرَدَّهُ وَبَقِيَ التَّضْعِيفُ (قَوْلُهُ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهِمَا) أَيْ مَعَ صِحَّةِ الْقَرْضِ كَبَيْعِ الْعِنَبِ لِعَاصِرِ الْخَمْرِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا كَانَ وَاجِبًا) أَيْ عَلَى الْمُقْرِضِ (قَوْلُهُ: أَوْ فِي مَكْرُوهٍ) وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُبَاحَ، وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِمَا إذَا دَفَعَ إلَى غَنِيٍّ بِسُؤَالٍ مِنْ الدَّافِعِ مَعَ عَدَمِ احْتِيَاجِ الْغَنِيِّ إلَيْهِ فَيَكُونُ مُبَاحًا لَا مُسْتَحَبًّا لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى تَنْفِيسِ كُرْبَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ لِلدَّافِعِ كَحِفْظِ مَالِهِ بِإِحْرَازِهِ فِي ذِمَّةِ الْمُقْتَرِضِ (قَوْلُهُ كُرِهَ) أَيْ لَهُمَا أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ مُضْطَرٍّ) أَيْ بِخِلَافِ الْمُضْطَرِّ يَجُوزُ اقْتِرَاضُهُ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ الْوَفَاءَ بَلْ يَجِبُ وَإِنْ كَانَ الْمُقْرِضُ وَلِيًّا كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَيْعُ مَالِ مَحْجُورِهِ مِنْ الْمُضْطَرِّ الْمُعْسِرِ بِالنِّسْبَةِ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُهُ أَوْ كَانَ الْمُقْرِضُ وَلِيًّا: أَيْ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُقْرِضُ الْمُضْطَرَّ إلَّا هُوَ (قَوْلُهُ: مِنْ سَبَبٍ ظَاهِرٍ) أَيْ قَرِيبِ الْحُصُولِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُعْلَمْ الْمُقْرِضُ بِحَالِهِ) أَيْ فَإِنْ عَلِمَ فَلَا حُرْمَةَ، وَهَلْ يَكُونُ مُبَاحًا أَوْ مَكْرُوهًا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الْكَرَاهَةُ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَاجَةٌ (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ) أَيْ الِاقْتِرَاضُ (قَوْلُهُ عَلَى مَنْ أَخْفَى غِنَاهُ) يَنْبَغِي مَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُقْرِضُ اهـ سم (قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ) هَلْ يَقُولُ هُنَا حَيْثُ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ عَلِمَ بَاطِنًا لَمْ يُقْرِضْ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْقَرْضَ كَمَا سَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَوْ يَمْلِكُهُ هُنَا مُطْلَقًا، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْقَرْضَ مُعَاوَضَةٌ وَهِيَ لَا تَنْدَفِعُ بِالْغِنَى؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالثَّانِي أَقْرَبُ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ يُشْبِهُ شِرَاءَ الْمُعْسِرِ مِمَّنْ لَا يُعْلَمُ إعْسَارُهُ وَبَيْعُ الْمَعِيبِ مَعَ الْعِلْمِ بِعَيْبِهِ لِمَنْ يَجْهَلُهُ وَالشِّرَاءُ بِالثَّمَنِ الْمَعِيبِ كَذَلِكَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ (قَوْلُهُ: حَرُمَ أَيْضًا) وَيَمْلِكُهُ اهـ سم.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَسْلَفْتُك) وَقَدْ يُنْظَرُ فِيهِ بِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقَرْضِ وَالسَّلَمِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْهُ الْقَرْضُ لَا سِيَّمَا وَذِكْرُ الْمُتَعَلِّقِ فِي السَّلَمِ يَخْرُجُ هَذَا اهـ حَجّ.
وَالْمُتَعَلِّقُ نَحْوُ قَوْلِهِ أَسْلَفْتُك كَذَا فِي كَذَا (قَوْلُهُ وَبِهِ فَارَقَ) أَيْ بِقَوْلِهِ إذْ ذَكَرَ الْمِثْلَ إلَخْ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ (قَوْلُهُ: لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ) يُتَأَمَّلُ هَذَا فَإِنَّ قَضِيَّتَهُ أَنَّ
[حاشية الرشيدي]
أَنَّ الْقَرْضَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُقْرِضَ) كَانَ مُرَادُهُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَنَّ مَحَلَّ الْحُرْمَةِ إنْ عُلِمَ أَنَّ الْمُقْرِضَ لَوْ عَلِمَ حَقِيقَةَ حَالِهِ لَمْ يُقْرِضْهُ فَلْتُرَاجَعْ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْ الشَّرْحِ.
(قَوْلُهُ: وَأَيْضًا فَمِمَّا يُدْفَعُ بِهِ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ صَرِيحًا إلَخْ) هَذَا لَا يَظْهَرُ لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَلَعَلَّ فِيهِ سَقْطًا مِنْ النُّسَّاخِ.
أَمَّا خُذْهُ بِكَذَا فَكِنَايَةٌ هُنَا أَيْضًا كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ (أَوْ مَلَّكْتُكَهُ عَلَى أَنْ تَرُدَّ بَدَلَهُ) أَوْ خُذْهُ وَرُدَّ بَدَلَهُ أَوْ اصْرِفْهُ فِي حَوَائِجِك وَرُدَّ بَدَلَهُ وَقَوْلُهُ: خُذْهُ فَقَطْ كِنَايَةٌ وَقَدْ سَبَقَهُ: أَقْرِضْنِي وَإِلَّا فَهُوَ كِنَايَةُ هِبَةٍ أَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَلَّكْتُكَهُ فَهِبَةٌ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي ذِكْرِ الْبَدَلِ صُدِّقَ الْآخِذُ بِيَمِينِهِ وَإِنَّمَا صُدِّقَ مُطْعِمٌ مُضْطَرٍّ أَنَّهُ قَرَضَ حَمْلًا لِلنَّاسِ عَلَى هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ الَّتِي بِهَا إحْيَاءُ النُّفُوسِ إذْ لَوْ أَحْوَجْنَاهُ لِلْإِشْهَادِ لَفَاتَتْ النَّفْسُ، أَوْ فِي أَنَّ الْمَأْخُوذَ قَرْضٌ أَوْ غَيْرُهُ فَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ آخِرَ الْقِرَاضِ.
وَلَوْ أَقَرَّ بِالْقَرْضِ وَقَالَ: لَمْ أَقْبِضْ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ، إذْ الْقَرْضُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْقَرْضِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: إنْ قَالَهُ فَوْرًا.
(وَيُشْتَرَطُ) فِي غَيْرِ الْقَرْضِ الْحُكْمِيِّ (قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ) كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَلِهَذَا
[حاشية الشبراملسي]
خُذْهُ بِمِثْلِهِ صَرِيحٌ فِي غَيْرِ الْقَرْضِ فَلَا يَكُونُ كِنَايَةً فِيهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا وَعِبَارَةُ حَجّ: وَبَحْثُ بَعْضِ هَؤُلَاءِ أَنَّ خُذْهُ بِمِثْلِهِ كِنَايَةُ بَيْعٍ وَرَدُّهُ بِمِثْلِ مَا ذُكِرَ هُنَا وَهِيَ وَاضِحَةٌ (قَوْلُهُ: أَمَّا خُذْهُ بِكَذَا) يَنْبَغِي تَصْوِيرُهُ بِمَا إذَا كَانَ الْمُسَمَّى مِثْلَ الْمُقْرَضِ كَخُذْ هَذَا الدِّينَارَ بِدِينَارٍ، وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَعْنَى الْمِثْلِ وَلَفْظِهِ بِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ ذِكْرَ الْمِثْلِ فِيهِ نَصٌّ إلَخْ (قَوْلُهُ وَرَدَّ بَدَلَهُ) فَإِنْ حَذَفَ وَرَدَّ بَدَلَهُ فَكِنَايَةٌ كَخُذْهُ فَقَطْ اهـ حَجّ.
وَإِنَّمَا يَكُونُ خُذْهُ كِنَايَةً إذَا سَبَقَهُ أَقْرِضْنِي كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فَمِثْلُهُ قَوْلُهُ اصْرِفْهُ فِي حَوَائِجِك (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ خُذْهُ إلَخْ) أَيْ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَأَنْ سَبَقَ مِنْهُ الطَّلَبُ ثُمَّ قَالَ لَهُ الدَّافِعُ: هَذَا مَا طَلَبْت (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَهُوَ كِنَايَةٌ) أَيْ وَإِنْ يَسْبِقُهُ أَقْرِضْنِي (قَوْلُهُ: كِنَايَةٌ) هِبَةٌ أَوْ قَرْضٌ أَوْ بَيْعٌ اهـ حَجّ، لَكِنَّ قَوْلَهُ أَوْ بَيْعٌ مُشْكِلٌ بِأَنَّ الْبَيْعَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الثَّمَنِ، وَلَا تَكْفِي نِيَّتُهُ لَا مَعَ الصَّرِيحِ وَلَا الْكِنَايَةِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ مَرَّ وَعِبَارَةُ حَجّ فِي الْبَيْعِ بِكَذَا لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ، بَلْ تَكْفِي نِيَّتُهُ عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ (قَوْلُهُ فَهِبَةٌ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ نَوَى الْبَدَلَ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: فَرْعٌ: أَثْبَتَ مَرَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمِنْهَاجِ أَنَّ مَلَّكْتُكَهُ إنْ لَمْ يَنْوِ مَعَهُ الْبَدَلَ فَهِبَةٌ وَإِنْ نَوَاهُ فَكِنَايَةُ قَرْضٍ اهـ، وَلَعَلَّهَا كَذَلِكَ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ.
(قَوْلُهُ: صَدَقَ الْآخِذُ بِيَمِينِهِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَقَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: وَالْقَوْلُ فِي ذِكْرِهِ: أَيْ الْبَدَلِ فِيمَا لَوْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الْآخِذِ بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذِكْرِهِ، قَالَ مَرَّ: مَحَلُّهُ إذْ كَانَ تَالِفًا وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ اهـ فَلْيُحَرَّرْ.
أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الشَّارِحِ وَحَيْثُ صَدَقَ فِي عَدَمِ ذِكْرِ الْبَدَلِ لَمْ يَكُنْ هِبَةً بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ دَافِعِهِ لِأَنَّ خُذْهُ مُجَرَّدَةٌ عَنْ ذِكْرِ الْبَدَلِ كِنَايَةٌ وَلَمْ تُوجَدْ نِيَّةٌ مِنْ الدَّافِعِ فَيَجِبُ رَدُّهُ لِمَالِكِهِ وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ مُطَالَبَتُهُ بِالْبَدَلِ
(قَوْلُهُ لَمْ أَقْبِضْ صَدَقَ بِيَمِينِهِ) مُعْتَمَدٌ زَادَ حَجّ أَوْ فِي نِيَّتِهِ صَدَقَ الدَّافِعُ وَسَوَاءٌ قَالَهُ فَوْرًا أَمْ لَا (قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ إلَخْ) ضَعِيفٌ.
(قَوْلُهُ: قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ) فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ لَفْظًا وَلَمْ يَحْصُلْ إيجَابٌ مُعْتَبَرٌ مِنْ الْقَرْضِ لَمْ يَصِحَّ الْقَرْضُ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْآخِذِ التَّصَرُّفُ فِيهِ لِعَدَمِ مِلْكِهِ لَهُ، لَكِنْ إذَا تَصَرَّفَ فِيهِ ضَمِنَ بَدَلَهُ بِالْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ فَاسِدَ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إعْطَاءِ الْفَاسِدِ حُكْمَ الصَّحِيحِ مُشَابَهَتُهُ لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
[حاشية الرشيدي]
فَإِنَّ الشِّهَابَ حَجّ ذَكَرَ بَعْدَ قَوْلِ الشَّارِحِ خِلَافًا لِجَمْعٍ مَا لَفْظُهُ وَبَحَثَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ أَنَّ أَخْذَهُ بِمِثْلِهِ كِنَايَةُ بَيْعٍ ثُمَّ رَدَّهُ، فَلَعَلَّ مَا فِي الشَّارِحِ مِنْ قَوْلِهِ وَأَيْضًا إلَخْ رَدٌّ لِمَا بَحَثَهُ هَذَا الْبَعْضُ بَعْدَ الرَّدِّ الَّذِي فِي كَلَامِ الشِّهَابِ حَجّ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْبِيرُهُ بِقَوْلِهِ وَأَيْضًا، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي حَوَاشِي الشِّهَابِ سم عَلَى حَجّ بَعْدَ الرَّدِّ الَّذِي ذُكِرَ مَا نَصُّهُ: مِمَّا يُؤَيِّدُ رَدَّ هَذَا قَاعِدَةَ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابِهِ؛ وَلِهَذَا رَدَّهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ م ر وَاعْتَمَدَ أَنَّهُ صَرِيحٌ هُنَا وَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ مُطْلَقًا اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا تَرَجَّيْته فَلْتُرَاجَعْ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْ الشَّرْحِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ كِنَايَةٌ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ وَرَدَّ بَدَلَهُ نَصُّهَا: فَإِنْ حَذَفَ وَرَدَّ بَدَلَهُ فَكِنَايَةٌ كَخُذْهُ فَقَطْ إلَخْ، فَلَعَلَّ قَوْلَهُ فَإِنْ حَذَفَ إلَخْ سَقَطَ مِنْ نُسَخِ الشَّرْحِ مِنْ
اُشْتُرِطَ فِيهِ شُرُوطُ الْبَيْعِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْعَاقِدَيْنِ وَالصِّيغَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ حَتَّى مُوَافَقَةُ الْقَبُولِ لِلْإِيجَابِ، فَلَوْ قَالَ: أَقْرَضْتُك أَلْفًا فَقَبِلَ خَمْسَمِائَةٍ أَوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يَصِحَّ، وَمَا اُعْتُرِضَ بِهِ مِنْ وُضُوحِ الْفَرْقِ بِأَنَّ الْمُقْرِضَ مُتَبَرِّعٌ فَلَمْ يَقْدَحْ فِيهِ قَبُولُ بَعْضِ الْمُسَمَّى وَلَا الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ رُدَّ بِمَنْعِ إطْلَاقِ كَوْنِهِ مُتَبَرِّعًا، كَيْفَ وَوَضْعُ الْقَرْضِ أَنَّهُ تَمْلِيكُ الشَّيْءِ بِرَدِّ مِثْلِهِ، فَسَاوَى الْبَيْعَ إذْ هُوَ تَمْلِيكُ الشَّيْءِ بِثَمَنِهِ، فَكَمَا اشْتَرَطَ ثَمَّ الْمُوَافَقَةَ فَكَذَا هُنَا، وَكَوْنُ الْقَرْضِ فِيهِ شَائِبَةُ تَبَرُّعٍ كَمَا يَأْتِي لَا يُنَافِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ فِيهِ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَالْقَائِلُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَاوَضَةٍ هُوَ مُقَابِلُ الْأَصَحِّ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ جَمْعٌ: إنَّ الْإِيجَابَ فِيهِ غَيْرُ شَرْطٍ أَيْضًا، وَاخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَقَالَ: قِيَاسُ جَوَازِ الْمُعَاطَاةِ فِي الْبَيْعِ جَوَازُهُ هُنَا، وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ الْغَزِّيِّ مِنْ أَنَّهُ سَهْوٌ لِأَنَّ شَرْطَ الْمُعَاطَاةِ بَذْلُ الْعِوَضِ أَوْ الْتِزَامُهُ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ هُوَ السَّهْوُ لِأَنَّهُمْ أَجْرَوْا خِلَافَ الْمُعَاطَاةِ فِي الرَّهْنِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ، فَمَا ذَكَرَهُ شَرْطٌ لِلْمُعَاطَاةِ فِي الْبَيْعِ دُونَ غَيْرِهِ.
أَمَّا الْقَرْضُ الْحُكْمِيُّ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ صِيغَةٌ كَإِطْعَامِ جَائِعٍ وَكِسْوَةِ عَارٍ وَإِنْفَاقٍ عَلَى لَقِيطٍ، وَمِنْهُ أَمْرُ غَيْرِهِ بِإِعْطَاءِ مَالَهُ غَرَضٌ فِيهِ كَإِعْطَاءِ شَاعِرٍ أَوْ ظَالِمٍ أَوْ إطْعَامِ فَقِيرٍ: وَكَبِعْ هَذَا وَأَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك بِنِيَّةِ الْقَرْضِ وَيُصَدَّقُ فِيهَا وَعَمِّرْ دَارِي كَمَا يَأْتِي آخِرَ الصُّلْحِ وَفِيمَا ذُكِرَ إنْ كَانَ الْمَرْجُوعُ بِهِ مُقَدَّرًا أَوْ مُعَيَّنًا يَرْجِعُ بِمِثْلِهِ وَلَوْ صُورَةً كَالْقَرْضِ وَكَاشْتَرِ هَذَا بِثَوْبِك لِي
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَالصِّيغَةُ) الْمُنَاسِبُ لِمَا فَرَّعَهُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى مُوَافَقَةُ الْقَبُولِ إلَخْ أَنْ يُقْرَأَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْعَاقِدَيْنِ (قَوْلُهُ: لَا يُنَافِي ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهُ مُسَاوٍ لِلْبَيْعِ (قَوْلُهُ: إنَّ الْإِيجَابَ فِيهِ) أَيْ الْقَرْضِ (قَوْلُهُ: أَيْضًا) أَيْ كَمَا أَنَّا لَا نَشْتَرِطُ الْقَبُولَ عَلَى مُقَابِلِ الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ: فِي الرَّهْنِ وَغَيْرِهِ) وَمِنْهُ الْقَرْضُ (قَوْلُهُ: مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ) أَيْ بَذْلُ عِوَضٍ أَوْ الْتِزَامُهُ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْقَرْضُ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ فِي غَيْرِ الْقَرْضِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ صِيغَةٌ) أَيْ أَصْلًا (قَوْلُهُ: كَإِطْعَامِ جَائِعٍ) مَحَلُّ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الصِّيغَةِ فِي الْمُضْطَرِّ وُصُولُهُ إلَى حَالَةٍ لَا يَقْدِرُ مَعَهَا عَلَى صِيغَةٍ وَإِلَّا فَيُشْتَرَطُ، وَلَا يَكُونُ إطْعَامُ الْجَائِعِ وَكِسْوَةُ الْعَارِي وَنَحْوُهَا قَرْضًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَرِضُ غَنِيًّا، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا وَالْمُقْرِضُ غَنِيًّا فَهُوَ صَدَقَةٌ لِمَا تَقَرَّرَ فِي بَابِ السِّيَرِ أَنَّ كِفَايَةَ الْفُقَرَاءِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، وَيَنْبَغِي تَصْدِيقُ الْآخِذِ فِيمَا لَوْ ادَّعَى الْفَقْرَ وَأَنْكَرَهُ الدَّافِعُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ لُزُومِ ذِمَّتِهِ شَيْئًا (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) أَيْ الْقَرْضِ الْحُكْمِيِّ (قَوْلُهُ: كَإِعْطَاءِ شَاعِرٍ) أَيْ حَيْثُ شَرَطَ الرُّجُوعَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَحَاصِلُهُ الِاحْتِيَاجُ إلَخْ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ لَازِمًا وَلَا مُنَزَّلًا مَنْزِلَتَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِشَرْطِ الرُّجُوعِ فِيمَا يَدْفَعُهُ لِلشَّاعِرِ وَالظَّالِمِ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ ذَلِكَ دَفْعُ هَجْوِ الشَّاعِرِ لَهُ حَيْثُ لَمْ يُعْطِهِ وَدَفْعُ شَرِّ الظَّالِمِ عَنْهُ بِالْإِعْطَاءِ وَكِلَاهُمَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، وَكَذَا فِي عَمِّرْ دَارِي لِأَنَّ الْعِمَارَةَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَازِمَةً لَكِنَّهَا تُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِعَدَمِ إهْمَالِ الشَّخْصِ لِمِلْكِهِ حَتَّى يَخْرَبَ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ ثُمَّ إنْ عَيَّنَ لَهُ شَيْئًا فَذَاكَ وَإِلَّا صَدَقَ الدَّافِعُ فِي الْقَدْرِ اللَّائِقِ وَلَوْ صَحِبَهُ آلَةٌ مُحَرَّمَةٌ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ كِفَايَةُ شَرِّهِ لَا إعَانَتُهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (قَوْلُهُ وَيَصْدُقُ) أَيْ الْقَائِلُ وَقَوْلُهُ فِيهَا، أَيْ النِّيَّةِ (قَوْلُهُ وَفِيمَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ صُوَرِ الْقَرْضِ الْحُكْمِيِّ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ الْمَرْجُوعُ بِهِ مُقَدَّرًا) أَيْ وَلَوْ حُكْمًا كَأَنْ أَذِنَ لَهُ فِي فِدَائِهِ مِنْ الْأَسْرِ بِمَا يَرَاهُ (قَوْلُهُ: أَوْ مُعَيَّنًا) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا وَلَا مُقَدَّرًا لَا يَرْجِعُ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَأَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا صَرَفَهُ حَيْثُ كَانَ لَائِقًا وَيَصْدُقُ فِي قَدْرِهِ فَيَرُدُّ مِثْلَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَصُورَتُهُ إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا (قَوْلُهُ: كَاشْتَرِ هَذَا بِثَوْبِك لِي) الصِّحَّةُ فِيهِ قَدْ تُشْكِلُ بِمَا مَرَّ مِنْ أَوَّلِ السَّلَمِ مِنْ أَنَّ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ فِي إزَالَةِ مِلْكِهِ
[حاشية الرشيدي]
الْكَتَبَةِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّشْبِيهُ بِخُذْهُ فَقَطْ
. (قَوْلُهُ: بِنِيَّةِ الْقَرْضِ وَيُصَدَّقُ فِيهَا) رَاجِعٌ إلَى الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهُ خَاصَّةً كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ: أَيْ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى شَرْطِ الرُّجُوعِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَانْظُرْ مَا وَجْهُ خُرُوجِ هَذِهِ عَنْ نَظَائِرِهَا الْمَذْكُورَةِ مَعَهَا وَغَيْرِهَا حَيْثُ اُشْتُرِطَ فِي الرُّجُوعِ فِيهَا شَرْطُ الرُّجُوعِ كَمَا تَقْتَضِيهِ الْقَاعِدَةُ الْآتِيَةُ.
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَ الْمَرْجُوعُ بِهِ) صَوَابُهُ إنْ كَانَ
فَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ، وَيَأْتِي فِي أَدَاءِ الدَّيْنِ تَفْصِيلٌ فِيمَا يَحْتَاجُ لِشَرْطِ الرُّجُوعِ وَمَا لَا يَحْتَاجُ.
وَحَاصِلُهُ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ إلَّا فِي اللَّازِمِ لَهُ كَالدَّيْنِ وَالْمُنَزَّلِ مَنْزِلَتَهُ كَقَوْلِ الْأَسِيرِ لِغَيْرِهِ فَادِنِي.
وَلَوْ قَالَ: اقْبِضْ دَيْنِي وَهُوَ لَك قَرْضًا أَوْ مَبِيعًا؛ صَحَّ قَبْضُهُ لِلْإِذْنِ لَا قَوْلُهُ وَهُوَ إلَى آخِرِهِ: نَعَمْ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِ تَقَاضِيهِ أَوْ اقْبِضْ وَدِيعَتِي مَثَلًا وَتَكُونُ لَك قَرْضًا صَحَّ وَكَانَتْ قَرْضًا وَقَرْضُ الْأَعْمَى وَاقْتِرَاضُهُ كَبَيْعِهِ.
(وَ) يُشْتَرَطُ (فِي الْمُقْرِضِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ (أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ) بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ مُخْتَارًا لِأَنَّ الْقَرْضَ فِيهِ شَائِبَةُ تَبَرُّعٍ وَمِنْ ثَمَّ امْتَنَعَ تَأْجِيلُهُ وَلَمْ يَجِبْ التَّقَابُضُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ رِبَوِيًّا، وَلَوْ كَانَ مُعَاوَضَةً مَحْضَةً لَجَازَ لِلْوَلِيِّ غَيْرِ الْحَاكِمِ قَرْضُ مَالِ مُوَلِّيهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ، أَمَّا الْحَاكِمُ فَيَجُوزُ لَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِكَثْرَةِ أَشْغَالِهِ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ بِشَرْطِ يَسَارِ الْمُقْتَرِضِ وَأَمَانَتِهِ وَعَدَمِ الشُّبْهَةِ فِي مَالِهِ إنْ سَلِمَ مِنْهَا مَالُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ وَيَأْخُذُ رَهْنًا إنْ رَأَى ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يُقْرِضَ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ
[حاشية الشبراملسي]
وَوُجُوبُ الْقِيمَةِ يُخَالِفُ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي بَدَلِ الْقَرْضِ الْمِثْلُ الصُّورِيُّ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ سم عَلَى حَجّ: قَوْلُهُ وَاشْتَرِ هَذَا إلَخْ يُؤْخَذُ مِنْ كَوْنِهِ قَرْضًا أَنَّهُ يَرُدُّ مِثْلَ الثَّوْبِ صُورَةً وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ آنِفًا بِمِثْلِهِ صُورَةً كَالْقَرْضِ (قَوْلُهُ: فَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ) وَيَصْدُقُ فِي قَدْرِهَا لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا يَرْجِعُ بِهِ (قَوْلُهُ: الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ) أَيْ لِشَرْطِ الرُّجُوعِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ لَك) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَقَرْضًا حَالٌ (قَوْلُهُ: وَتَكُونُ لَك قَرْضًا صَحَّ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَمَا قَبْلَهَا أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِقَبْضِهِ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ (قَوْلُهُ: وَاقْتِرَاضُهُ كَبَيْعِهِ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ فِي الْمُعَيَّنِ وَيَصِحُّ فِي الذِّمَّةِ وَيُوَكِّلُ مَنْ يَقْبِضُ لَهُ أَوْ يَقْبِضُ عَنْهُ.
[يُشْتَرَطُ فِي الْمُقْرِضِ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ]
(قَوْلُهُ: مُخْتَارًا) فَلَا يَصِحُّ إقْرَاضُ مُكْرَهٍ وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَوْ أُكْرِهَ بِحَقٍّ وَذَلِكَ بِأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ لِنَحْوِ اضْطِرَارٍ صَحَّ (قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ امْتَنَعَ تَأْجِيلُهُ) أَيْ الْقَرْضُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ رِبَوِيًّا) أَيْ فَيَحْرُمُ عَدَمُ إقْبَاضِهِ فِي الْمَجْلِسِ وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ قَبْضُ بَدَلِهِ فِي الْمَجْلِسِ (قَوْلُهُ: وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ) هُوَ قَوْلُهُ لَجَازَ لِلْوَلِيِّ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْحَاكِمُ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ لَجَازَ لِلْوَلِيِّ غَيْرِ الْحَاكِمِ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِشَرْطِ يَسَارِ الْمُقْتَرِضِ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ: وَهَذِهِ الشُّرُوطُ مُعْتَبَرَةٌ فِي إقْرَاضِ الْوَلِيِّ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الضَّرُورَةَ مَا لَوْ كَانَ الْمُقْتَرِضُ مُضْطَرًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ عَلَى حَجّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ إقْرَاضُ الْمُضْطَرِّ مِنْ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ مِنْ انْتِفَاءِ هَذِهِ الشُّرُوطِ، وَمِنْ الضَّرُورَةِ مَا لَوْ أَشْرَفَ مَالُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ عَلَى الْهَلَاكِ بِنَحْوِ غَرَقٍ وَتَعَيَّنَ خَلَاصُهُ فِي إقْرَاضِهِ، وَيَبْعُدُ اشْتِرَاطُ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّ اشْتِرَاطَهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى إهْلَاكِ الْمَالِ وَالْمَالِكُ لَا يُرِيدُ إتْلَافَهُ اهـ. فَلَعَلَّ مَحَلَّ الِاشْتِرَاطِ إذَا دَعَتْ حَاجَةٌ إلَى إقْرَاضِ مَالِهِ وَلَمْ تَصِلْ إلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ وَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالضَّرُورَةِ عَنْهَا مَجَازًا (قَوْلُهُ: إنْ سَلِمَ مِنْهَا مَالُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ أَوْ كَانَ أَقَلَّ شُبْهَةً (قَوْلُهُ: إنْ رَأَى ذَلِكَ) عِبَارَتُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الرَّهْنِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَرْتَهِنُ لَهُمَا إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ مَا نَصُّهُ: وَارْتِهَانُ الْوَلِيِّ فِيمَا ذُكِرَ جَائِزٌ إنْ كَانَ قَاضِيًا وَإِلَّا فَوَاجِبٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْمَلُ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ فِي الْحَجْرِ وَيَأْخُذُ رَهْنًا إنْ رَآهُ، وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ قَوْلُهُمَا هُنَا وَمُرْتَهِنٌ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ مُطْلَقًا، وَالتَّعْبِيرُ بِالْجَوَازِ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ، وَقَوْلُهُمَا
[حاشية الرشيدي]
الْمَدْفُوعُ أَوْ الْمَأْذُونُ فِيهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَإِذَا رَجَعَ كَانَ فِي الْمُقَدَّرِ وَالْمُعَيَّنِ بِمِثْلِهِ صُورَةً كَالْقَرْضِ انْتَهَتْ.
وَانْظُرْ مَا حُكْمُ غَيْرِ الْمُقَدَّرِ وَالْمُعَيَّنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِيهِ بِبَدَلِهِ الشَّرْعِيِّ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَالرُّجُوعُ بِالْمِثْلِ الصُّورِيِّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ فَإِذَا انْتَفَى ثَبَتَ الْأَصْلُ فَلْتُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: كَقَوْلِ الْأَسِيرِ لِغَيْرِهِ فَادِنِي) خَرَجَ بِذَلِكَ مَا إذَا لَمْ يَقُلْ لَهُ ذَلِكَ: أَيْ أَوْ نَحْوُهُ فَلَا رُجُوعَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ عَلَّلَ فِي بَابِ الضَّمَانِ تَنْزِيلَهُمْ فِدَاءَ الْأَسِيرِ مَنْزِلَةَ الْوَاجِبِ بِأَنَّهُمْ اعْتَنَوْا فِي وُجُوبِ السَّعْيِ فِي تَحْصِيلِهِ مَا لَمْ يَعْتَنُوا بِهِ فِي غَيْرِهِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ تَوَهَّمَ إلْحَاقَ الْمَحْبُوسِ ظُلْمًا بِالْأَسِيرِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ فِي الرُّجُوعِ عَلَيْهِ إلَى شَرْطِ الرُّجُوعِ
. (قَوْلُهُ: إنْ رَأَى ذَلِكَ) سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الْآتِي
إذَا رَضِيَ الْغُرَمَاءُ بِتَأْخِيرِ الْقِسْمَةِ إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ الْمَالُ كُلُّهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ النَّصِّ.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ شَرْطَ الْمُقْتَرِضِ أَهْلِيَّةُ الْمُعَامَلَةِ فَقَطْ، وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِأَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ فِي الْمُقْرِضِ التَّبَرُّعُ الْمُطْلَقُ فِيمَا يُقْرِضُهُ إذْ هُوَ الْمُرَادُ فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ، فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ صِحَّةُ وَصِيَّةِ السَّفِيهِ وَتَدْبِيرِهِ وَتَبَرُّعِهِ بِمَنْفَعَةِ بَدَنِهِ الْخَفِيفَةِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ أَفَادَتْ الْعُمُومَ وَإِنْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ وُرُودَ ذَلِكَ.
(وَيَجُوزُ) (إقْرَاضُ) كُلِّ (مَا يُسْلَمُ فِيهِ) أَيْ فِي نَوْعِهِ لِصِحَّةِ ثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْتَرَضَ بَكْرًا وَقِيسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَرِدُ امْتِنَاعُ السَّلَمِ فِي الْمُعَيَّنِ وَجَوَازُ قَرْضِهِ كَاَلَّذِي فِي الذِّمَّةِ، فَلَوْ قَالَ: أَقْرَضْتُك أَلْفًا وَقَبِلَ وَتَفَارَقَا ثُمَّ أَعْطَاهُ أَلْفًا جَازَ إنْ قَرُبَ الْفَصْلُ عُرْفًا وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ السُّبْكِيُّ أَمَّا لَوْ قَالَ: أَقْرَضْتُك هَذِهِ الْأَلْفَ مَثَلًا وَتَفَارَقَا ثُمَّ سَلَّمَهَا إلَيْهِ لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ، وَيَصِحُّ قَرْضُ كَفٍّ مِنْ دَرَاهِمَ لِيَتَبَيَّنَ قَدْرَهَا بَعْدُ وَيَرُدُّ مِثْلَهَا وَلَا أَثَرَ لِلْجَهْلِ بِهَا حَالَةَ الْعَقْدِ.
وَقَضِيَّةُ الضَّابِطِ جَوَازُ إقْرَاضِ النَّقْدِ الْمَغْشُوشِ لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ تَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ بِهِ فِي الذِّمَّةِ، وَهُوَ مَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَاعْتَمَدَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ، وَلَوْ جَهِلَ قَدْرَ غِشِّهِ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ فِي تَقْيِيدِهِ بِذَلِكَ وَلِلرُّويَانِيِّ فِي مَنْعِهِ مُطْلَقًا فِي الرَّوْضَةِ هُنَا عَنْ الْقَاضِي مَنْعُ قَرْضِ الْمَنْفَعَةِ لِامْتِنَاعِ السَّلَمِ فِيهَا وَفِيهَا كَأَصْلِهَا فِي الْإِجَارَةِ جَوَازُهُمَا وَجَمَعَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمَا بِحَمْلِ الْمَنْعِ عَلَى مَنْفَعَةِ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ وَالْحِلِّ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ، وَاعْتَمَدَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
[حاشية الشبراملسي]
إنْ رَأَى إنْ اقْتَضَى نَظَرُهُ أَصْلَ الْفِعْلِ لَا إنْ رَأَى الْأَخْذَ فَقَطْ اهـ. وَمَا هُنَا لَا يُنَافِيهِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ قَوْلِهِ إنْ رَأَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلِ الْقَرْضِ وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَ الرَّهْنِ وَالْإِشْهَادِ وَاجِبَيْنِ حَيْثُ رَأَى الْقَرْضَ مَصْلَحَةً، لَكِنْ عِبَارَةُ حَجّ إنْ رَأَى الْقَاضِي أَخْذَهُ اهـ وَهِيَ لَا تَقْبَلُ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَقَوْلُهُ وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ مُطْلَقًا: أَيْ قَاضِيًا أَوْ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ: إذَا رَضِيَ الْغُرَمَاءُ) أَيْ الْكَامِلُونَ فَلَا عِبْرَةَ بِرِضَا أَوْلِيَائِهِمْ (قَوْلُهُ: أَهْلِيَّةُ الْمُعَامَلَةِ فَقَطْ) أَيْ دُونَ أَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ (قَوْلُهُ: بِمَنْفَعَةِ بَدَنِهِ الْخَفِيفَةِ) أَيْ الَّتِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي نَفَقَةِ نَفْسِهِ كَأَنْ كَانَ غَنِيًّا كَمَا يَأْتِي لَهُ (قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ لِذَلِكَ) أَيْ لِقَوْلِهِ وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْأَلْفَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ التَّبَرُّعُ.
(قَوْلُهُ: وَعُلِمَ أَنَّهُ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لَا فِي نَوْعِهِ (قَوْلُهُ: جَازَ إنْ قَرُبَ) هَذَا الْقَيْدُ لَا يُعْلَمُ مِنْ الْمُفَرَّعِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: هَذِهِ الْأَلْفُ) الْأُولَى هَذَا لِأَنَّ الْأَلْفَ مُذَكَّرٌ وَلَكِنَّهُ أَنَّثَهُ لِتَأْوِيلِهِ بِالدَّرَاهِمِ (قَوْلُهُ لِيَتَبَيَّنَّ قَدْرُهَا) افْهَمْ أَنَّهُ لَوْ أَقْرَضَهُ لَا بِهَذَا الْقَصْدِ لَمْ يَصِحَّ، قَالَ سم عَلَى حَجّ: عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: فَلَوْ أَقْرَضَهُ كَفًّا مِنْ الدَّرَاهِمِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ أَقْرَضَهُ عَلَى أَنْ يَسْتَبِينَ مِقْدَارَهُ وَيَرُدَّ مِثْلَهُ صَحَّ، ذَكَرَهُ فِي الْأَنْوَارِ اهـ. وَيُمْكِنُ تَنْزِيلُ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَيْهِ بِأَنْ تُحْمَلَ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِيَتَبَيَّنَ عَلَى مَعْنَى عَلَى (قَوْلُهُ: وَلَا أَثَرَ لِلْجَهْلِ بِهَا حَالَةَ الْعَقْدِ) أَيْ وَيَصْدُقُ فِي قَدْرِهَا لِأَنَّهُ الْغَارِمُ حَيْثُ ادَّعَى قَدْرًا لَائِقًا، وَإِلَّا فَيُطَالَبُ بِتَعْيِينِ قَدْرٍ لَائِقٍ أَوْ يُحْبَسُ إلَى الْبَيَانِ (قَوْلُهُ: فِي تَقْيِيدِهِ بِذَلِكَ) الْأَوْلَى بِغَيْرِ ذَلِكَ أَوْ بِمَا إذَا عَلِمَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: جَوَازُهُمَا) أَيْ السَّلَمِ وَالْقَرْضِ (قَوْلُهُ: مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ) أَيْ عَقَارٍ بِخِلَافِهِ مِنْ الْقِنِّ وَنَحْوِهِ لِمَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ السَّلَمِ فِي ذَلِكَ وَعِبَارَتُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ فِي السَّلَمِ وَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعُهُ وَلَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي سُكْنَى هَذِهِ سَنَةً لَمْ يَصِحَّ بِخِلَافِهِ فِي مَنْفَعَةِ نَفْسِهِ أَوْ قِنِّهِ أَوْ دَابَّتِهِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ
[حاشية الرشيدي]
تَرْجِيحُ وُجُوبِ الِارْتِهَانِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَتَأْوِيلُ مَا هُنَا.
(وَقَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ) لَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ عَلِمَ مِنْ اشْتِرَاطِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُقْرِضِ أَهْلِيَّةَ التَّبَرُّعِ وَسُكُوتَهُ عَلَى الْمُقْتَرِضِ فَأَفْهَمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ الْخَارِجِ أَنَّ كُلَّ مُعَامِلٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْمُعَامَلَةِ وَإِلَّا فَهُوَ لَمْ يُقَرِّرْ مَا يَعْلَمُ مِنْهُ مَا ذُكِرَ.
(قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ أَفَادَتْ الْعُمُومَ) وَحِينَئِذٍ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِيمَا سَبَقَ وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْمُقْرِضِ لِكُلِّ تَبَرُّعٍ إذْ الْعَامُّ غَيْرُ الْمُطْلَقِ
[يَجُوزُ إقْرَاضُ كُلِّ مَا يُسْلَمُ فِيهِ]
. (قَوْلُهُ: وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَرِدُ امْتِنَاعُ السَّلَمِ فِي الْمُعَيَّنِ) أَيْ: مِنْ قَوْلِهِ: أَيْ فِي نَوْعِهِ.
(قَوْلُهُ: بِحَمْلِ الْمَنْعِ عَلَى مَنْفَعَةِ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ) يَعْنِي مَنْفَعَةَ خُصُوصِ
فِي فَتَاوِيهِ.
وَلَا يَجُوزُ إقْرَاضُ مَاءِ الْقَنَاةِ لِلْجَهْلِ بِهِ (إلَّا الْجَارِيَةَ الَّتِي تَحِلُّ لِلْمُقْتَرِضِ فِي الْأَظْهَرِ) فَلَا يَجُوزُ إقْرَاضُهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُشْتَهَاةً مَعَ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ رَأْسَ الْمَالِ جَارِيَةً يَحِلُّ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ وَطْؤُهَا وَكَانَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ جَارِيَةً أَيْضًا جَازَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا عَنْ الْمُسَلَّمِ فِيهِ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَازِمٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَالثَّانِي يَجُوزُ ذَلِكَ، وَرُدَّ بِمَا سَيَأْتِي وَامْتِنَاعُ قَرْضِهَا لِأَنَّهُ قَدْ يَطَؤُهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا فَتَصِيرُ فِي مَعْنَى إعَارَةِ الْجَوَارِي لِلْوَطْءِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ كَمَا نَقَلَهُ مَالِكٌ عَنْ إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ عَطَاءٍ مِنْ جَوَازِهِ رُدَّ بِأَنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ، وَلَا يُنَافِيهِ جَوَازُ هِبَتِهَا لِفَرْعِهِ مَعَ جَوَازِ رُجُوعِهِ فِيهَا لِجَوَازِ الْقَرْضِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ، وَلِأَنَّ مَوْضُوعَهُ الرُّجُوعُ وَلَوْ فِي الْبَدَلِ فَأَشْبَهَ الْإِعَارَةَ بِخِلَافِ الْهِبَةِ فِيهِمَا، وَخَرَجَ بِتَحِلُّ لِلْمُقْتَرِضِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ وَكَذَا مُلَاعَنَةٌ، وَنَحْوُ مَجُوسِيَّةٍ وَوَثَنِيَّةٍ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ لَا نَحْوُ أُخْتِ زَوْجَتِهِ
[حاشية الشبراملسي]
وَالْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَوَجْهُهُ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَقَارِ لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي الْإِجَارَةِ.
(قَوْلُهُ: الَّتِي تَحِلُّ لِلْمُقْتَرِضِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ صَغِيرًا جِدًّا لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَبْقَى عِنْدَهُ إلَى بُلُوغِهِ حَدًّا يُمْكِنُهُ التَّمَتُّعُ بِهَا فِيهِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَرُدَّهَا عَنْ الْمُسَلَّمِ فِيهِ) وَيُؤْخَذُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِمَّا يَأْتِي فِي الْهِبَةِ لِفَرْعِهِ مِنْ جَوَازِ الْقَرْضِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ يَطَؤُهَا) أَيْ أَوْ يَتَمَتَّعُ بِهَا فَيَدْخُلُ الْمَسْمُوحُ لِإِمْكَانِ تَمَتُّعِهِ بِهَا (قَوْلُهُ: رُدَّ بِأَنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ) قَالَ حَجّ: وَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ فَقَدْ نَقَلَهُ عَنْهُ أَئِمَّةٌ أَجِلَّاءُ.
فَالْوَجْهُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ شَاذٌّ بَلْ كَادَ أَنْ يَخْرِقَ بِهِ الْإِجْمَاعَ (قَوْلُهُ: جَوَازُ هِبَتِهَا) أَيْ الْجَارِيَةِ (قَوْلُهُ: وَنَحْوُ مَجُوسِيَّةٍ) لَوْ أَسْلَمَتْ نَحْوُ الْمَجُوسِيَّةِ بَعْدَ اقْتِرَاضِهَا فَهَلْ يَجُوزُ وَطْؤُهَا أَوْ يَمْتَنِعُ لِوُجُودِ الْمَحْذُورِ وَهُوَ احْتِمَالُ رَدِّهَا بَعْدَ الْوَطْءِ فَيُشْبِهُ إعَارَتَهَا لِلْوَطْءِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَقَوْلُهُ لَا نَحْوُ أُخْتٍ إلَخْ قَدْ يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْتَرِضَ ابْنَتَهَا وَهُوَ الْمُتَّجَهُ فِي فَتَاوَى السُّيُوطِيّ، وَقَوْلُهُ وَقَرْضُ الْخُنْثَى حَاصِلُ الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُ الْخُنْثَى مُقْرِضًا بِكَسْرِ الرَّاءِ وَمُقْتَرِضًا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمَانِعِ، وَلَا يَجُوزُ كَوْنُهُ مُقْرَضًا بِفَتْحِ الرَّاءِ لِأَنَّهُ يَعِزُّ وُجُودُهُ مَرَّ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُهُ وَهُوَ الْمُتَّجَهُ يُوَجَّهُ بِاحْتِمَالِ أَنْ يُفَارِقَ أُمَّهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ يَطَأُ الْبِنْتَ وَيَرُدَّهَا وَقَوْلُهُ فِيهِ نَظَرٌ.
أَقُولُ: الْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِحُكْمِنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَقْتَ الْقَرْضِ وَإِسْلَامُهَا لَا يَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ الْمِلْكِ ابْتِدَاءً وَاحْتِمَالُ أَنْ يَرُدَّهَا لَا نَظَرَ فِيهِ مَعَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَلَكِنْ نُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ لِوَالِدِ الشَّارِحِ خِلَافُهُ
[حاشية الرشيدي]
الْعَقَارِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ حَجّ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي كَتَبَ عَلَيْهَا الشِّهَابُ سم حَتَّى كَتَبَ عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ: وَجَمَعَ الْإِسْنَوِيُّ أَفْتَى بِهَذَا الْجَمْعِ شَيْخُنَا م ر. وَأَقُولُ: فِي هَذَا الْجَمْعِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَرْضَ الْمُعَيَّنِ جَائِزٌ فَلْيَجُزْ قَرْضُ مَنْفَعَةِ الْمُعَيَّنِ حَيْثُ أَمْكَنَ رَدُّ مِثْلِهِ الصُّورِيِّ، بِخِلَافِ الْعَقَارِ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْبَهْجَةِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْهُ جَمَعَ الْإِسْنَوِيِّ الْمَذْكُورَ مَا نَصُّهُ وَالْأَقْرَبُ مَا جَمَعَ بِهِ السُّبْكِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَمْلِ الْمَنْعِ عَلَى مَنْفَعَةِ الْعَقَارِ كَمَا يَمْتَنِعُ السَّلَمُ فِيهَا؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَدُّ مِثْلِهَا، وَالْجَوَازُ عَلَى مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ مِنْ عَبْدٍ وَنَحْوِهِ كَمَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا وَلِإِمْكَانِ رَدِّ مِثْلِهَا الصُّورِيِّ اهـ. مَا فِي حَوَاشِي الشِّهَابِ سم، وَظَاهِرُ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَاضُ مَنْفَعَةِ الْعَقَارِ وَإِنْ كَانَتْ مَنْفَعَةُ النِّصْفِ فَأَقَلَّ، لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَدُّ مِثْلِهَا أَنَّهُ يَجُوزُ حِينَئِذٍ، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ إقْرَاضِ جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ دَارٍ بِقَيْدِهِ الْآتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ آنِفًا، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ مَا جَازَ قَرْضُهُ جَازَ قَرْضُ مَنْفَعَتِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ
. (قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ رَأْسَ الْمَالِ جَارِيَةً إلَخْ) كَانَ الْأَوْفَقُ بِالسِّيَاقِ أَنْ يَقُولَ مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْمَحْظُورُ الْآتِي بِأَنْ يَجْعَلَ رَأْسَ الْمَالِ جَارِيَةً تَحِلُّ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَكَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ جَارِيَةً أَيْضًا إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَامْتِنَاعُ قَرْضِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَطَؤُهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا إلَخْ) سَيَأْتِي أَنَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَأَنَّ الْمَحْظُورَ خَوْفُ التَّمَتُّعِ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ) لَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ كَمَا يُعْلَمُ بِمُرَاجَعَةِ كَلَامِهِ فِي قُوتِهِ، وَأَفَادَ الشَّارِحُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَتْ نَحْوُ الْمَجُوسِيَّةِ لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ الْوَطْءُ
لِتَعَلُّقِ زَوَالِ مَانِعِهَا بِاخْتِيَارِهِ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَأَشْعَرَ بِهِ كَلَامُ غَيْرِهِ.
وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْمَجُوسِيَّةِ وَنَحْوِ أُخْتِ الزَّوْجَةِ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا يَحِلُّ قَرْضُهَا لِمُطَلِّقِهَا.
وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ حِلِّهَا لِقُرْبِ زَوَالِ مَانِعِهَا بِالتَّحْلِيلِ وَيَحْرُمُ قَرْضُ رَتْقَاءَ وَقَرْنَاءَ وَلَوْ لِنَحْوِ مَمْسُوحٍ لِأَنَّ الْمَحْذُورَ خَوْفُ التَّمَتُّعِ وَهُوَ مَوْجُودٌ، وَتَعْبِيرُ بَعْضِهِمْ بِخَوْفِ الْوَطْءِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ حِلِّ إقْرَاضِهَا لِبَعْضِهِ لِأَنَّهُ إنْ وَطِئَهَا حَرُمَتْ عَلَى الْمُقْرِضِ وَإِلَّا فَلَا مَحْذُورٌ بَعِيدٌ، إذْ الْمَحْذُورُ وَهُوَ وَطْؤُهَا ثُمَّ رَدُّهَا مَوْجُودٌ، وَتَحْرِيمُهَا عَلَى الْمُقْرِضِ أَمْرٌ آخَرُ لَا يُفِيدُ نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا، وَقَرْضُهَا لِخُنْثَى جَائِزٌ لِبُعْدِ اتِّضَاحِهِ، فَلَوْ اتَّضَحَتْ ذُكُورَتُهُ بَانَ بُطْلَانُ الْقَرْضِ إذْ الْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَلَوْ اقْتَرَضَ الرَّجُلُ مُشْكِلًا لَمْ يَصِحَّ لِامْتِنَاعِ السَّلَمِ فِيهِ، وَالْقَوْلُ بِحِلِّهِ لِتَعَذُّرِ وَطْئِهِ مَا دَامَ خُنْثَى خَطَأً كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
(وَمَا لَا يُسْلَمُ فِيهِ) أَيْ فِي نَوْعِهِ (لَا يَجُوزُ إقْرَاضُهُ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ مَا يَنْضَبِطُ أَوْ يَعِزُّ وُجُودُهُ يَتَعَذَّرُ أَوْ يَتَعَسَّرُ رَدُّ مِثْلِهِ إذْ الْوَاجِبُ فِي الْمُتَقَوِّمِ رَدُّ مِثْلِهِ صُورَةً.
وَالثَّانِي يَجُوزُ كَالْبَيْعِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ قَرْضِ الْخُبْزِ وَالْعَجِينِ وَلَوْ خَمِيرًا حَامِضًا لِلْحَاجَةِ وَالْمُسَامَحَةِ وَإِنْ صَحَّحَ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ الْمَنْعَ وَيَرُدُّهُ وَزْنًا عَلَى الرَّاجِحِ وَقِيلَ عَدَدًا وَرَجَّحَهُ فِي الْكَافِي، وَمَنْ فَهِمَ اشْتِرَاطَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَقَدْ أَبْعَدَ وَجُزْءٌ شَائِعٌ مِنْ دَارٍ لَمْ يَزِدْ عَلَى النِّصْفِ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَبَعًا لِلسُّبْكِيِّ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ إلَخْ) وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِرَدِّهَا إذْ لَا بُدَّ مِنْ تَزَوُّجِهَا بِغَيْرِهِ وَطَلَاقِهِ لَهَا أَوْ مَوْتِهِ وَتَزْوِيجِ وَلِيِّهَا بِإِذْنِهَا مِنْ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ كُلُّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ، وَغَايَةُ مَا يُمْكِنُهُ قَبُولُ نِكَاحِهَا مِنْ وَلِيِّهَا إذَا أَوْجَبَ (قَوْلُهُ: وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ) مُعْتَمَدُ الزِّيَادِيُّ وَبِهِ صَرَّحَ حَجّ فِي التُّحْفَةِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم مَرَّ اهـ (قَوْلُهُ: عَدَمُ حِلِّهَا) أَيْ عَدَمُ حِلِّ قَرْضِهَا (قَوْلُهُ: مِنْ حِلِّ إقْرَاضِهَا) أَيْ الْأَمَةِ (قَوْلُهُ: إذْ الْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ إلَخْ) وَلَا يُشْكِلُ هَذَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْمَجُوسِيَّةَ إذَا أَسْلَمَتْ فِي يَدِ الْمُقْتَرِضِ لَا يَتَبَيَّنُ فَسَادُ الْقَرْضِ بَلْ يُحْتَمَلُ جَوَازُ وَطْئِهَا، وَعَدَمُ جَوَازِهِ عَلَى مَا مَرَّ لِأَنَّ الْمَانِعَ تَبَيَّنَ وُجُودُهُ هُنَا حَالَ الْقَرْضِ، بِخِلَافِ اقْتِرَاضِ الْمَجُوسِيَّةِ فَإِنَّ إسْلَامَهَا عَارِضٌ بَعْدَ الْقَرْضِ وَيُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ اقْتَرَضَ الرَّجُلُ) أَيْ أَوْ الْمَرْأَةُ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ.
.
[مَا لَا يُسْلَمُ فِيهِ لَا يَجُوزُ إقْرَاضُهُ]
(قَوْلُهُ: وَمَا لَا يُسْلَمُ فِيهِ) وَمِنْهُ الْمُرْتَدُّ فَلَا يَجُوزُ كَوْنُهُ مُقْرَضًا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَمِنْهُ أَيْضًا الْبُرُّ الْمُخْتَلِطُ بِالشَّعِيرِ فَلَا يَصِحُّ قَرْضُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ وَجَبَ عَلَى الْآخِذِ رَدُّ مِثْلِ كُلٍّ مِنْ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ خَالِصًا وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ صَدَقَ الْآخِذُ.
[تَنْبِيهٌ] إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَرْضُ الشَّاةِ وَنِتَاجُهَا وَنَحْوُهُ كَالْجَارِيَةِ وَأُخْتِهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي التَّتِمَّةِ اهـ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ فِي غُنْيَتِهِ.
وَعَلَيْهِ فَقَدْ يُشْكِلُ بِأَنَّ الْوَاجِبَ رَدُّ الْمِثْلِ الصُّورِيِّ وَالْأُخُوَّةُ وَنَحْوُهَا لَيْسَتْ مِنْهُ، فَلَوْ قِيلَ بِصِحَّةِ الْقَرْضِ وَاكْتَفَى فِي الرَّدِّ بِجَارِيَتَيْنِ مَثَلًا كَالْمُقْرَضَتَيْنِ فِي الصُّورَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِأُخُوَّةٍ لَمْ يَبْعُدْ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمِثْلَ الصُّورِيَّ شَامِلٌ لِلْمُمَاثَلَةِ الْحِسِّيَّةِ وَالْحُكْمِيَّةِ وَمِنْهَا الْأُخُوَّةُ وَنَحْوُهَا وَاعْتِبَارُهَا فِي رَدِّ الْمِثْلِ يُؤَدِّي إلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا لَا يَنْضَبِطُ) وَمِنْ ذَلِكَ قَرْضُ الْفِضَّةِ الْمَقَاصِيصِ فَلَا يَصِحُّ قَرْضُهَا لِهَذِهِ الْعِلَّةِ مُطْلَقًا وَزْنًا أَوْ غَيْرَهُ لِتَفَاوُتِهَا فِي نَفْسِهَا كِبَرًا وَصِغَرًا وَإِنْ وَزَنَتْ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ خَالَفَا وَفَعَلَا وَاخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآخِذِ إنَّهَا تُسَاوِي كَذَا مِنْ الدَّرَاهِمِ الْجَيِّدَةِ (قَوْلُهُ جَوَازُ قَرْضِ الْخُبْزِ) أَيْ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ عَدَدًا) وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ رَدَّهُ عَدَدًا لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ لِمَا مَرَّ فِي السَّلَمِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْضُ مَا أَسْلَمَ فِيهِ وَزْنًا بِالْكَيْلِ وَلَا عَكْسُهُ فَيَجِبُ رَدَّهُ لِدَافِعِهِ إنْ بَقِيَ قِيمَتُهُ إنْ تَلِفَ وَيَسْتَرِدُّ بَدَلَ مَا أَقْرَضَهُ وَزْنًا (قَوْلُهُ: تَبَعًا لِلسُّبْكِيِّ) قَضِيَّةُ جَعْلِهِ مِنْ الْمُسْتَثْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِأَنَّ لَهُ حِينَئِذٍ مِثْلًا وَيَظْهَرُ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ أَنَّ النِّصْفَيْنِ مُتَسَاوِيَانِ، وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ صِحَّةِ قَرْضِ خَمِيرَةِ اللَّبَنِ الْحَامِضِ تُلْقَى عَلَيْهِ لِيَرُوبَ وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالرُّوبَةِ لِاخْتِلَافِ حُمُوضَتِهَا الْمَقْصُودَةِ وَوَهَمَ مَنْ فَهِمَ اتِّحَادَهَا بِخَمِيرَةِ الْخُبْزِ وَعُلِمَ مِنْ الضَّابِطِ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْمُقْرَضِ مَعْلُومَ الْقَدْرِ: أَيْ وَلَوْ مَآلًا لِئَلَّا يَرُدَّ مَا مَرَّ فِي نَحْوِ كَفِّ الطَّعَامِ لِيَرُدَّ مِثْلَهُ أَوْ صُورَتَهُ.
وَيَجُوزُ إقْرَاضُ الْمَكِيلِ وَزْنًا وَعَكْسُهُ إنْ لَمْ يَتَجَافَ فِي الْمِكْيَالِ كَالسَّلَمِ (وَيَرُدُّ) حَتْمًا حَيْثُ لَا اسْتِبْدَالَ (الْمِثْلَ فِي الْمِثْلِيِّ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى حَقِّهِ وَلَوْ فِي نَقْدٍ بَطَلَتْ الْمُعَامَلَةُ بِهِ فَشَمَلَ ذَلِكَ مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي زَمَنِنَا فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مِنْ إقْرَاضِ الْفُلُوسِ الْجُدُدِ ثُمَّ إبْطَالُهَا وَإِخْرَاجُ غَيْرِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَقْدًا (وَ) يَرُدُّ (فِي الْمُتَقَوِّمِ) وَيَأْتِي ضَابِطُهُمَا فِي الْغَصْبِ (الْمِثْلُ صُورَةً) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْلَفَ بَكْرًا وَرَدَّ رَبَاعِيًّا وَقَالَ: إنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» وَمِنْ لَازِمِ اعْتِبَارِ الْمِثْلِيِّ الصُّورِيِّ اعْتِبَارُ مَا فِيهِ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تُزَادُ الْقِيمَةُ بِهَا كَحِرْفَةِ الرَّقِيقِ وَفَرَاهِيَةِ الدَّابَّةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ النَّقِيبِ، فَيَرُدُّ مَا يَجْمَعُ تِلْكَ الصِّفَاتِ كُلَّهَا حَتَّى لَا يَفُوتُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَيُصَدَّقُ الْمُقْتَرِضُ فِيهَا بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي زَمَانِنَا مِنْ دَفْعِ النُّقُوطِ فِي الْأَفْرَاحِ هَلْ يَكُونُ هِبَةً أَوْ قَرْضًا؟
[حاشية الشبراملسي]
فِيهِ السَّلَمُ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ عِزَّةُ الْوُجُودِ (قَوْلُهُ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ) يُتَأَمَّلُ هَذَا مَعَ فَرْضِ الْكَلَامِ فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ، وَلَعَلَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَوْ تَفَاوَتَتْ أَجْزَاؤُهَا وَكَانَتْ قِسْمَتُهَا تَحْتَاجُ إلَى رَدٍّ أَوْ تَعْدِيلٍ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ إلَخْ) وَلَعَلَّ وَجْهَهُ نُدْرَةُ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا بِالنِّسْبَةِ لِخَمِيرَةِ الْخُبْزِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالرُّوبَةِ) وَهِيَ بِضَمِّ الرَّاءِ (قَوْلُهُ: فِي نَحْوِ كَفِّ الطَّعَامِ) لَا يُنَافِيهِ مَا مَرَّ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالدَّرَاهِمِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ثَمَّ التَّمْثِيلُ.
(قَوْلُهُ: لَا اسْتِبْدَالُ الْمِثْلِ) أَيْ أَمَّا مَعَ اسْتِبْدَالٍ كَأَنْ عَوَّضَهُ عَنْ بُرٍّ فِي ذِمَّتِهِ ثَوْبًا أَوْ دَرَاهِمَ فَلَا يَمْتَنِعُ لِمَا مَرَّ مِنْ جَوَازِ الِاعْتِيَاضِ عَنْ غَيْرِ الْمُثَمَّنِ (قَوْلُهُ: اسْتَسْلَفَ بَكْرًا) هُوَ الثَّنِيُّ مِنْ الْإِبِلِ وَرَدَ رُبَاعِيًّا وَهُوَ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ اهـ حَجّ: وَالثَّنِيُّ هُوَ مَا لَهُ خَمْسُ سِنِينَ وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ اهـ زِيَادِيٌّ.
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: الْبَكْرُ مِنْ الْإِبِلِ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهُوَ الصَّغِيرُ كَالْغُلَامِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ، وَالْأُنْثَى بَكْرَةٌ وَقَلُوصٌ وَهِيَ الصَّغِيرَةُ كَالْجَارِيَةِ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَ سِتَّ سِنِينَ وَدَخَلَ فِي السَّابِعَةِ وَأَلْقَى رَبَاعِيَتَهُ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ فَهُوَ رَبَاعٌ وَالْأُنْثَى رَبَاعِيَةٌ وَأَعْطَاهُ رَبَاعِيًّا بِتَخْفِيفِهَا، وَفِيهِ «إنَّ خِيَارَكُمْ مَحَاسِنُكُمْ قَضَاءً» قَالُوا: مَعْنَاهُ ذُو الْمَحَاسِنِ سَمَّاهُمْ بِالصِّفَةِ، وَقِيلَ هُوَ جَمْعُ مُحْسِنٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَأَكْثَرُ مَا يَجِيءُ أَحَاسِنُكُمْ جَمْعَ أَحْسَنَ (قَوْلُهُ: وَفَرَاهِيَةُ الدَّابَّةِ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الْفَارِهُ مِنْ النَّاسِ الْحَاذِقُ، وَالْمَلِيحُ الْحَسَنُ، وَمِنْ الدَّوَابِّ الْجَيِّدُ السَّيْرِ (قَوْلُهُ: فَيَرُدُّ مَا يَجْمَعُ تِلْكَ الصِّفَاتِ) أَيْ فَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ اعْتَبَرَ مَعَ الصُّورَةِ مُرَاعَاةَ الْقِيمَةِ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ، أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ عَبْدٌ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمُقْرَضِ مَعَ مُلَاحَظَةِ صِفَاتِهِ فَهَلْ يَرُدُّ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمُقْرَضِ دَرَاهِمَ لِتَعَذُّرِ رَدِّ مِثْلِهِ أَوْ يَرُدُّ مِثْلَهُ صُورَةً وَيَرُدُّ مَعَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ بِهِ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمُقْرَضِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: مِنْ دَفْعِ النُّقُوطِ) أَيْ لِصَاحِبِ الْفَرَحِ فِي يَدِهِ أَوْ يَدِ مَأْذُونِهِ.
أَمَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ دَفْعِ النُّقُوطِ لِلشَّاعِرِ وَالْمُزَيِّنِ وَنَحْوِهِمَا فَلَا رُجُوعَ بِهِ إلَّا إذَا كَانَ بِإِذْنِ صَاحِبِ الْفَرَحِ وَشَرَطَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنْ الْإِذْنِ سُكُوتُهُ عَلَى الْآخِذِ وَلَا وَضْعُهُ الصِّينِيَّةَ الْمَعْرُوفَةَ الْآنَ بِالْأَرْضِ وَأَخْذُ النُّقُوطِ وَهُوَ سَاكِتٌ لِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ تَنْزِيلِ مَا ذُكِرَ مَنْزِلَةَ الْإِذْنِ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلرُّجُوعِ وَتَقَرَّرَ أَنَّ الْقَرْضَ الْحُكْمِيَّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَيَظْهَرُ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ أَنَّ النِّصْفَيْنِ مُتَسَاوِيَانِ) لَا يَتَأَتَّى مَعَ أَنَّ الصُّورَةَ أَنَّ النِّصْفَ شَائِعٌ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا مُسَاوِيًا فَلَا فَائِدَةَ لِهَذَا الْقَيْدِ.
(قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِنْ الضَّابِطِ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْمُقْرِضِ مَعْلُومَ الْقَدْرِ) يَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّهُ فِي غَيْرِ الْقَرْضِ الْحُكْمِيِّ كَعُمْرِ دَارِي كَمَا تُشْعِرُ بِهِ أَمْثِلَتُهُمْ، وَيُفْهِمُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ فِيمَا مَرَّ فِي الْقِرَاضِ الْحُكْمِيِّ وَفِيمَا ذُكِرَ إنْ كَانَ الْمَرْجُوعُ بِهِ مُقَدَّرًا أَوْ مُعَيَّنًا يَرْجِعُ بِمِثْلِهِ إلَخْ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَرِدَ مَا مَرَّ فِي نَحْوِ كَفِّ طَعَامٍ) الَّذِي مَرَّ
أَطْلَقَ الثَّانِيَ جَمْعٌ وَجَرَى عَلَى الْأَوَّلِ بَعْضُهُمْ.
قَالَ: وَلَا أَثَرَ لِلْعُرْفِ فِيهِ لِاضْطِرَابِهِ مَا لَمْ يَقُلْ خُذْهُ مَثَلًا وَيَنْوِي الْقَرْضَ وَيُصَدَّقُ فِي نِيَّةِ ذَلِكَ هُوَ وَوَارِثُهُ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ إطْلَاقُ مَنْ قَالَ بِالثَّانِي اهـ وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُعْتَدْ الرُّجُوعُ بِهِ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْمِقْدَارِ وَالْبِلَادِ، وَالثَّانِي عَلَى مَا اُعْتِيدَ وَحَيْثُ عُلِمَ اخْتِلَافُهُ تَعَيَّنَ مَا ذُكِرَ (وَقِيلَ) يَرُدُّ (الْقِيمَةَ) يَوْمَ الْقَبْضِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَدَاءَ الْمُقْرَضِ كَأَدَاءِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ فِي سَائِرِ مَا مَرَّ فِيهِ صِفَةً وَزَمَنًا وَمَحَلًّا (وَ) لَكِنْ (لَوْ) (ظَفِرَ) الْمُقْرِضُ (بِهِ) أَيْ بِالْمُقْتَرِضِ (فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْإِقْرَاضِ وَلِلنَّقْلِ) مِنْ مَحَلِّهِ إلَى مَحَلِّ الظَّفَرِ (مُؤْنَةٌ) وَلَمْ يَتَحَمَّلْهَا الْمُقْرِضُ (طَالَبَهُ
[حاشية الشبراملسي]
يُشْتَرَطُ لِلُزُومِهِ لِلْمُقْتَرِضِ إذْنُهُ فِي الصَّرْفِ مَعَ شَرْطِ الرُّجُوعِ فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ مَجِيءِ بَعْضِ الْجِيرَانِ لِبَعْضٍ بِقَهْوَةٍ وَكَعْكٍ مَثَلًا، وَمِنْهُ أَيْضًا اجْتِمَاعُ النَّاسِ فِي الْحَمَّامَاتِ وَالْقَهَاوِي وَدَفْعُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ (قَوْلُهُ: أَطْلَقَ الثَّانِيَ) أَيْ قَرْضًا (قَوْلُهُ: تَعَيَّنَ مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ الْجَمْعِ وَأَنَّهُ يَكُونُ قَرْضًا حَيْثُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِرَدِّ مِثْلِهِ إنْ قَالَ: خُذْهُ وَنَوَى الْقَرْضَ.
قَالَ حَجّ: وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ فِي أَخٍ أَنْفَقَ عَلَى أَخِيهِ الرَّشِيدِ وَعِيَالِهِ سِنِينَ وَهُوَ سَاكِتٌ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَرْجِعُ أَخْذًا مِنْ الْقَوْلِ بِالرُّجُوعِ فِي مَسْأَلَة النُّقُوطِ وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ لَا وَجْهَ لَهُ لِعَدَمِ الْعَادَةِ بِالرُّجُوعِ فِي ذَلِكَ وَعَدَمِ الْإِذْنِ مِنْ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ.
وَالْمَسَائِلُ الَّتِي صَرَّحُوا فِيهَا بِالرُّجُوعِ إمَّا لِكَوْنِهِ أَنْفَقَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ أَوْ مَعَ الْإِشْهَادِ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي هَرَبِ الْجِمَالِ وَنَحْوِهَا، وَإِمَّا لِظَنِّهِ أَنَّ الْإِنْفَاقَ لَازِمٌ لَهُ كَمَا إذَا أَنْفَقَ عَلَى مُطَلَّقَتِهِ الْحَامِلِ فَبَانَ أَنْ لَا حَمْلَ أَوْ نَفَى حَمْلَ الْمُلَاعَنَةِ ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ فَتَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَتْهُ عَلَيْهِ لِظَنِّهَا الْوُجُوبَ فَلَا تَبَرُّعَ، وَلَوْ عَجَّلَ حَيَوَانًا زَكَاةً ثُمَّ رَجَعَ بِسَبَبٍ رَجَعَ عَلَيْهِ الْآخِذُ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى الْأَوْجَهِ لِإِنْفَاقِهِ بِظَنِّ الْوُجُوبِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ مِلْكُهُ وَكَذَا يُقَالُ فِي لُقَطَةٍ تَمَلَّكَهَا ثُمَّ جَاءَ مَالِكُهَا.
نَعَمْ لَا أَثَرَ بِظَنِّ وُجُوبٍ فِي مَبِيعٍ اشْتَرَاهُ فَاسِدًا فَلَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ اهـ مُلَخَّصًا.
وَتَوَقَّفَ سم عَلَى حَجّ فِيمَا ذُكِرَ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُسْتَحِقِّ وَالْمُلْتَقِطِ مَلَكَ مَا أَخَذَهُ، وَمِنْ ثَمَّ يَرُدُّهُ بِدُونِ زِيَادَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ فَلْيُرَاجَعْ، ثُمَّ أَجَابَ بِتَصْوِيرِ ذَلِكَ بِمَا لَوْ تَبَيَّنَ فَسَادُ التَّعْجِيلِ وَالِالْتِقَاطِ، وَعِبَارَتُهُ بَعْدَ كَلَامٍ ذَكَرَهُ: وَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ فِيهِمَا أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ مِلْكُهُ كَأَنْ يَأْخُذَ الْمُعَجَّلَةَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ أَوْ بَانَ خَلَلٌ فِي التَّعْجِيلِ فَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الرُّجُوعِ قَرِيبٌ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَزَمَنًا وَمَحَلًّا) قَضِيَّةُ تَشْبِيهِهِ بِالسَّلَمِ فِي الزَّمَانِ أَنَّهُ إنْ أَحْضَرَهُ فِي مَحِلِّهِ لَزِمَهُ الْقَبُولُ، وَإِنْ أَحْضَرَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ إنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي الِامْتِنَاعِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ بِأَنَّ الْقَرْضَ لَا يَدْخُلُهُ أَجَلٌ، بَلْ إذَا ذُكِرَ الْأَجَلُ إمَّا يَلْغُو أَوْ يَفْسُدُ الْعَقْدُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِهِ فِي الزَّمَانِ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَحْضَرَ الْمُقْرَضَ فِي زَمَنِ النَّهْبِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُهُ، كَمَا أَنَّ الْمُسَلَّمَ فِيهِ إذَا أَحْضَرَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ وَإِنْ
[حاشية الرشيدي]
فِي كَفِّ دَرَاهِمَ
(قَوْلُهُ: وَجَرَى عَلَى الْأَوَّلِ بَعْضُهُمْ) قَالَ: وَلَا أَثَرَ لِلْعُرْفِ فِيهِ إلَخْ، هَذَا الْبَعْضُ هُوَ الشِّهَابُ حَجّ وَعِبَارَتُهُ فِي تُحْفَتِهِ الَّذِي يُتَّجَهُ فِي النُّقُوطِ الْمُعْتَادِ أَنَّهُ هِبَةٌ وَلَا أَثَرَ لِلْعُرْفِ فِيهِ؛ لِاضْطِرَابِهِ مَا لَمْ يَقُلْ خُذْهُ مَثَلًا وَيَنْوِي بِهِ الْقَرْضَ وَيُصَدَّقُ فِي نِيَّةِ ذَلِكَ هُوَ وَوَارِثُهُ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ إطْلَاقُ جَمْعٍ أَنَّهُ قَرْضٌ أَيْ حُكْمًا.
ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ لَمَّا نَقَلَ قَوْلَ هَؤُلَاءِ وَقَوْلَ الْبُلْقِينِيِّ إنَّهُ هِبَةٌ قَالَ وَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا اُعْتِيدَ الرُّجُوعُ بِهِ وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا لَمْ يُعْتَدْ.
قَالَ لِاخْتِلَافِهِ بِأَحْوَالِ النَّاسِ وَالْبِلَادِ.
وَحَيْثُ عُلِمَ اخْتِلَافُهُ تَعَيَّنَ مَا ذَكَرْتُهُ اهـ. مَا فِي التُّحْفَةِ وَبِهِ تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشِّهَابَ حَجّ قَيَّدَ مَحَلَّ الْخِلَافِ بِمَا إذَا كَانَ صَاحِبُ الْفَرَحِ يَأْخُذُ النُّقُوطَ لِنَفْسِهِ: أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يَأْخُذُ بِنَحْوِ الْخَاتِنِ أَوْ كَانَ الدَّافِعُ يَدْفَعُهُ لَهُ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا رُجُوعَ قَطْعًا، وَسَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْهِبَةِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ مِنْ وَضْعِ طَاسَةٍ بَيْنَ يَدَيْ صَاحِبِ الْفَرَحِ لِيَضَعَ النَّاسُ فِيهَا دَرَاهِمَ ثُمَّ تُقْسَمُ عَلَى الْمُزَيِّنِ وَنَحْوِهِ أَنَّهُ إنْ قُصِدَ الْمُزَيِّنُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ نُظَرَائِهِ الْمُعَاوِنِينَ لَهُ عُمِلَ بِالْقَصْدِ وَإِنْ أُطْلِقَ كَانَ مِلْكًا لِصَاحِبِ
بِقِيمَةِ بَلَدِ الْإِقْرَاضِ) يَوْمَ الْمُطَالَبَةِ إذْ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ جَائِزٌ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُطَالِبُهُ بِمِثْلِهِ إذَا لَمْ يَتَحَمَّلْ مُؤْنَةَ حَمْلِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْكُلْفَةِ وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِمِثْلِ مَا لَا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَالْمَانِعُ مِنْ طَلَبِ الْمِثْلِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَكَثِيرٍ مُؤْنَةُ الْحَمْلِ، وَعِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ ابْنُ الصَّبَّاغِ كَوْنُ قِيمَةِ بَلَدِ الْمُطَالَبَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ بَلَدِ الْإِقْرَاضِ وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِهِمَا هُنَا، أَمَّا بِقِيَاسِ الْأَوْلَى أَوْ الْمُسَاوَاةِ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، لِأَنَّ مَنْ نَظَرَ إلَى الْمُؤْنَةِ يَنْظُرُ إلَى الْقِيمَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى حُصُولِ الضَّرَرِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالَيْنِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ يُشِيرُ إلَى كُلٍّ مِنْ الْعِلَّتَيْنِ، فَإِذَا أَقْرَضَهُ طَعَامًا أَوْ نَحْوَهُ بِمِصْرَ ثُمَّ لَقِيَهُ بِمَكَّةَ لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ بِمَكَّةَ أَغْلَى، كَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ، وَبِأَنَّ فِي نَقْلِهِ إلَى مَكَّةَ ضَرَرًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَحَيْثُ أَخَذَ الْقِيمَةَ فَهِيَ لِلْفَيْصُولَةِ لَا لِلْحَيْلُولَةِ، فَلَوْ اجْتَمَعَا بِبَلَدِ الْإِقْرَاضِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقْرِضِ رَدُّهَا وَطَلَبُ الْمِثْلِ وَلَا لِلْمُقْتَرِضِ اسْتِرْدَادُهَا.
أَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ مُؤْنَةٌ أَوْ تَحَمَّلَهَا الْمُقْرِضُ فَيُطَالِبُهُ بِهِ.
نَعَمْ النَّقْدُ الْيَسِيرُ الَّذِي يَعْسُرُ نَقْلُهُ أَوْ تَفَاوَتَتْ قِيمَتُهُ بِتَفَاوُتِ الْبِلَادِ كَاَلَّذِي لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ.
وَمَا اُعْتُرِضَ بِهِ قَوْلُهُ أَوْ تَفَاوَتَتْ قِيمَتُهُ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ بَنَاهُ الْمُعْتَرِضُ عَلَى عَدَمِ اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْ الْعِلَّتَيْنِ وَقَدْ مَرَّ رَدُّهُ.
(وَلَا يَجُوزُ) قَرْضُ نَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ إنْ اقْتَرَنَ (بِشَرْطِ) (رَدِّ صَحِيحٍ عَنْ مُكَسَّرٍ أَوْ) رَدِّ (زِيَادَةٍ) عَلَى الْقَدْرِ الْمُقْرَضِ أَوْ رُدَّ جَيِّدٌ عَنْ رَدِيءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ شَرْطٍ جَرَّ مَنْفَعَةً لِلْمُقْرِضِ كَرَدِّهِ بِبَلَدٍ آخَرَ أَوْ رَهْنِهِ بِدَيْنٍ آخَرَ، فَإِنْ فَعَلَ فَسَدَ الْعَقْدُ لِخَبَرِ فُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً» أَيْ شَرَطَ فِيهِ مَا يَجُرُّ إلَى الْمُقْرِضِ مَنْفَعَةً " فَهُوَ رِبًا " وَرُوِيَ مَرْفُوعًا بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، لَكِنْ صَحَّحَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ رَفْعَهُ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مَعْنَاهُ عَنْ جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ مَوْضُوعَ الْقَرْضِ الْإِرْفَاقُ، فَإِذَا شَرَطَ فِيهِ لِنَفْسِهِ حَقًّا خَرَجَ عَنْ مَوْضُوعِهِ فَمُنِعَ صِحَّتُهُ، وَشَمَلَ ذَلِكَ شَرْطًا يَنْفَعُ الْمُقْرِضَ وَالْمُقْتَرِضَ فَيَبْطُلُ بِهِ الْعَقْدُ فِيمَا يَظْهَرُ وَمِنْهُ الْقَرْضُ لِمَنْ يَسْتَأْجِرُ مِلْكَهُ: أَيْ مَثَلًا بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ لِأَجْلِ الْقَرْضِ إنْ وَقَعَ ذَلِكَ شَرْطًا إذْ هُوَ حِينَئِذٍ
[حاشية الشبراملسي]
حَضَرَهُ فِي زَمَنِ الْأَمْنِ وَجَبَ قَبُولُهُ، فَالْمُرَادُ مِنْ التَّشْبِيهِ مُجَرَّدُ أَنَّ الْقَرْضَ قَدْ يَجِبُ قَبُولُهُ إذَا أَتَى بِهِ لِلْمُقْرِضِ وَقَدْ لَا يَجِبُ، كَمَا أَنَّ الْمُسَلَّمَ فِيهِ قَدْ يَجِبُ قَبُولُهُ وَقَدْ لَا يَجِبُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى حَجّ مَا يُوَافِقُهُ (قَوْلُهُ: بِقِيمَةِ بَلَدِ الْإِقْرَاضِ إلَخْ) وَتُعْرَفُ قِيمَتُهُ بِهَا مَعَ كَوْنِهِمَا فِي غَيْرِهَا إمَّا بِبُلُوغِ الْأَخْبَارِ أَوْ بِاسْتِصْحَابِ مَا عَلِمُوهُ بِبَلَدِ الْإِقْرَاضِ قَبْلَ مُفَارَقَتِهَا أَوْ بَعْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ.
[فَائِدَةٌ] قَالَ حَجّ: وَلَوْ قَالَ: أَقْرِضْنِي عَشَرَةً مَثَلًا فَقَالَ: خُذْهَا مِنْ فُلَانٍ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ تَحْتَ يَدِهِ جَازَ وَإِلَّا فَهُوَ وَكِيلٌ فِي قَبْضِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ قَرْضِهَا، وَيُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الشَّارِحِ السَّابِقُ وَلَوْ قَالَ: أَقْبِضْنِي دَيْنِي وَهُوَ لَك إلَخْ (قَوْلُهُ: الَّذِي يَعْسُرُ نَقْلُهُ) أَيْ لِخَوْفِ الطَّرِيقِ مَثَلًا
(قَوْلُهُ: كَرَدِّهِ بِبَلَدٍ آخَرَ) وَمِنْهُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ قَوْلِهِ لِلْمُقْتَرِضِ: أَقْرَضْتُك هَذَا عَلَى أَنْ تَدْفَعَ بَدَلَهُ لِوَكِيلِي بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةَ (قَوْلُهُ: فَسَدَ الْعَقْدُ) وَمَعْلُومُهُ أَنَّ مَحَلَّ الْفَسَادِ بِحَيْثُ وَقَعَ الشَّرْطُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ.
أَمَّا لَوْ تَوَافَقَا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقَعْ شَرْطٌ فِي الْعَقْدِ فَلَا فَسَادَ (قَوْلُهُ: إنْ وَقَعَ ذَلِكَ شَرْطًا) أَيْ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ
[حاشية الرشيدي]
الْفَرَحِ يُعْطِيهِ لِمَنْ يَشَاءُ.
(قَوْلُهُ: فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُطَالِبُهُ بِمِثْلِهِ إذَا لَمْ يَتَحَمَّلْ مُؤْنَةَ حَمْلِهِ إلَخْ) شَمِلَ مَا إذَا كَانَ بِمَحَلِّ الظَّفَرِ أَقَلُّ قِيمَةً كَمَا إذَا أَقْرَضَهُ طَعَامًا بِمَكَّةَ ثُمَّ لَقِيَهُ بِمِصْرَ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الْأَذْرَعِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُطَالَبَتُهُ بِالْقِيمَةِ بَلْ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مِثْلُهُ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ مُؤْنَةٌ) أَيْ: وَلَا كَانَتْ قِيمَتُهُ بِبَلَدِ الْمُطَالَبَةِ أَكْثَرَ، وَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ أَوْ تَفَاوَتَتْ قِيمَتُهُ لِتَفَاوُتِ الْبِلَادِ.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ النَّقْدُ الْيَسِيرُ الَّذِي يَعْسُرُ نَقْلُهُ) لَعَلَّهُ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: أَوْ تَفَاوَتَتْ قِيمَتُهُ بِتَفَاوُتِ الْبِلَادِ) وَمِنْهُ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مَا إذَا أَقْرَضَهُ دَنَانِيرَ مَثَلًا بِمِصْرَ ثُمَّ لَقِيَهُ بِمَكَّةَ وَقِيمَةُ
حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَإِلَّا كُرِهَ عِنْدَنَا وَحَرُمَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، قَالَهُ السُّبْكِيُّ (فَلَوْ رَدَّ) مَنْ اقْتَرَضَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِهِ (هَكَذَا) أَيْ زَائِدًا قَدْرًا أَوْ صِفَةً (بِلَا شَرْطٍ فَحَسَنٌ) وَمِنْ ثَمَّ نُدِبَ ذَلِكَ وَلَمْ يُكْرَهْ لِلْمُقْرِضِ الْأَخْذُ كَقَبُولِ هَدِيَّتِهِ وَلَوْ فِي الرِّبَوِيِّ لِلْخَبَرِ الْمَارِّ وَفِيهِ «إنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» نَعَمْ الْأَوْلَى كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ تَنَزُّهُهُ عَنْهَا قَبْلَ رَدِّ الْبَدَلِ، وَلَوْ أَقْرَضَ مَنْ عُرِفَ بِرَدِّ الزِّيَادَةِ قَاصِدًا ذَلِكَ كُرِهَ فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ قِيَاسًا عَلَى كَرَاهَةِ نِكَاحِ مَنْ عَزَمَ عَلَى أَنَّهُ يُطَلِّقُ إذَا وَطِئَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ مِلْكُ الزَّائِدِ تَبَعًا لِأَنَّهُ هِبَةٌ مَقْبُوضَةٌ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ، وَيَمْتَنِعُ عَلَى الْبَاذِلِ رُجُوعُهُ فِي الزَّائِدِ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عُجَيْلٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَلَوْ) (شَرَطَ) أَنْ يَرُدَّ (مُكَسَّرًا عَنْ صَحِيحٍ أَوْ أَنْ يُقْرِضَهُ) شَيْئًا آخَرَ (غَيْرَهُ) (لَغَا الشَّرْطُ) فِيهِمَا وَلَمْ يَجِبْ الْوَفَاءُ بِهِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ) لِأَنَّ مَا جَرَّهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ لَيْسَ لِلْمُقْرِضِ بَلَى لِلْمُقْتَرِضِ وَالْعَقْدُ عَقْدُ إرْفَاقٍ فَكَأَنَّهُ زَادَ فِي الْإِرْفَاقِ وَوَعَدَهُ وَعْدًا حَسَنًا، وَلَا يُشْكِلُ هَذَا بِمَا يَأْتِي فِي نَظِيرِهِ مِنْ الرَّهْنِ حَيْثُ يُفْسِدُهُ لِقُوَّةِ دَاعِي الْقَرْضِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ، وَلِأَنَّ وَضْعَهُ جَرَّ الْمَنْفَعَةَ لِلْمُقْتَرِضِ فَلَمْ يَفْسُدْ بِاشْتِرَاطِهَا.
وَالثَّانِي يَفْسُدُ لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ (وَلَوْ شَرَطَ أَجَلًا فَهُوَ كَشَرْطِ مُكَسَّرٍ عَنْ صَحِيحٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقْرِضِ غَرَضٌ) صَحِيحٌ أَوْ لَهُ وَالْمُقْتَرِضُ غَيْرُ مَلِيءٍ فَيَلْغُو الْأَجَلُ لِامْتِنَاعِ التَّفَاضُلِ فِيهِ كَالرِّبَا، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ زَادَ فِي الْإِرْفَاقِ بِجَرِّهِ الْمَنْفَعَةَ لِلْمُقْتَرِضِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِجَرِّهَا لَهُ فِي الْأَخِيرَةِ لِأَنَّ الْمُقْتَرِضَ لَمَّا كَانَ مُعْسِرًا كَانَ الْجَرُّ إلَيْهِ أَقْوَى فَغَلَبَ
. وَيُسَنُّ الْوَفَاءُ بِاشْتِرَاطِ الْأَجَلِ كَمَا فِي تَأْجِيلِ الدَّيْنِ الْحَالِّ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَغَيْرُ الْأَجَلِ مِمَّا ذُكِرَ فِي مَعْنَاهُ وَلَا تَمْتَنِعُ الْمُطَالَبَةُ بِالْحَالِ مَعَ الْيَسَارِ إلَّا بِالْوَصِيَّةِ وَالنَّذْرِ عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا يَأْتِي فِي بَابِهِ فَبِأَحَدِهِمَا تَتَأَخَّرُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ مَعَ حُلُولِهِ (وَإِنْ كَانَ) لِلْمُقْرِضِ غَرَضٌ (كَزَمَنِ نَهْبٍ) وَالْمُقْتَرِضُ مَلِيءٌ بِالْمُقْرَضِ أَوْ بَدَلِهِ فِيمَا يَظْهَرُ (فَكَشَرْطِ) رَدِّ (صَحِيحٍ عَنْ مُكَسَّرٍ) فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ فِيهِ جَرَّ مَنْفَعَةٍ لِلْمُقْرِضِ وَالثَّانِي يَصِحُّ وَيَلْغُو الشَّرْطُ (وَلَهُ) أَيْ الْمُقْرِضِ (شَرْطُ رَهْنٍ وَكَفِيلٍ) عُيِّنَا عَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ وَإِقْرَارٌ بِهِ عِنْدَ حَاكِمٍ وَإِشْهَادٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تَوْثِيقَاتٌ لَا مَنَافِعُ زَائِدَةٌ، فَلَهُ إذَا لَمْ يُوفِ بِهَا الْمُقْتَرِضُ الْفَسْخُ وَإِنْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِغَيْرِ شَرْطٍ كَمَا سَيَأْتِي، عَلَى أَنَّ فِي التَّوَثُّقِ بِهَا مَعَ إفَادَتِهِ أَمْنَ الْجَحْدِ فِي بَعْضٍ وَسُهُولَةِ الِاسْتِيفَاءِ فِي آخَرَ صَوْنُ الْعَرْضِ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ وَالْمُرُوءَةَ يَمْنَعَانِهِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: تَنَزُّهُهُ عَنْهَا) أَيْ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ (قَوْلُهُ: مَلَكَ الزَّائِدَ تَبَعًا) أَيْ وَإِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا عَنْ مِثْلِ الْمُقْرَضِ كَأَنْ اقْتَرَضَ دَرَاهِمَ فَرَدَّهَا وَمَعَهَا نَحْوُ سَمْنٍ وَيَصْدُقُ الْآخِذُ فِي كَوْنِ ذَلِكَ هَدِيَّةً لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ إذْ لَوْ أَرَادَ الدَّافِعُ أَنَّهُ إنَّمَا أَتَى بِهِ لِيَأْخُذَ بَدَلَهُ لَذَكَرَهُ.
وَمَعْلُومٌ مِمَّا صَوَّرْنَا بِهِ أَنَّهُ رَدَّ الْمُقْرَضَ وَالزِّيَادَةَ مَعًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ هَدِيَّةً فَيَصْدُقُ الْآخِذُ.
أَمَّا لَوْ دَفَعَ إلَى الْمُقْرِضِ سَمْنًا أَوْ نَحْوَهُ مَعَ كَوْنِ الدَّيْنِ بَاقِيًا فِي ذِمَّتِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ مِنْ الدَّيْنِ لَا هَدِيَّةٌ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ الدَّافِعُ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: رُجُوعُهُ فِي الزَّائِدِ) أَيْ لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْآخِذِ بِمُجَرَّدِ الدَّفْعِ.
(قَوْلُهُ: فِي نَظِيرِهِ مِنْ الرَّهْنِ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ فِيهِ شَرْطًا يَجُرُّ مَنْفَعَةً لِلْمُرْتَهِنِ فَسَدَ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ شَرْطِ رَدِّ الْمُكَسَّرِ عَنْ الصَّحِيحِ يَجُرُّ نَفْعًا لِلْمُقْتَرِضِ وَقُلْنَا فِيهِ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَإِلْغَاءِ الشَّرْطِ.
(قَوْلُهُ: مِمَّا ذُكِرَ فِي مَعْنَاهُ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ يُسَنُّ الْوَفَاءُ بِهِ (قَوْلُهُ: بِالْحَالِ) أَيْ وَلَوْ قَصُرَ الزَّمَنُ جِدًّا (قَوْلُهُ: إلَّا بِالْوَصِيَّةِ) أَيْ بِأَنْ أَوْصَى أَنْ لَا يُطَالَبَ مَدِينَهُ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ (قَوْلُهُ: وَالنَّذْرُ) أَيْ كَأَنْ نَذَرَ أَنْ لَا يُطَالِبَهُ أَصْلًا أَوْ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ كَذَا فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِنَفْسِهِ وَلَهُ التَّوْكِيلُ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: صَوْنُ الْعِرْضِ) .
[حاشية الرشيدي]
الذَّهَبِ فِيهَا أَكْثَرُ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فَلَيْسَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْمِثْلِ وَإِنَّمَا يُطَالَبُ بِالْقِيمَةِ
[قَرْضُ النَّقْد أَوْ غَيْرِهِ إنْ اقْتَرَنَ بِشَرْطِ رَدِّ صَحِيحٍ عَنْ مُكَسَّرٍ]
. (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ لِلْمُقْرِضِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ مَا جَرَّهُ لِلْمَنْفَعَةِ لَيْسَ لِلْمُقْرِضِ بَلْ لِلْمُقْتَرِضِ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ الْفَسَادِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُقْرِضِ مَنْفَعَةٌ وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَيَأْتِي فِي الْأَصْلِ فَلْيُرَاجَعْ
. (قَوْلُهُ: وَالْمُقْتَرِضُ مَلِيءٌ بِالْمُقْرِضِ) أَيْ: فِي الْوَقْتِ الَّذِي
مِنْ الرُّجُوعِ بِلَا سَبَبٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَ فَإِنَّ الْمُقْتَرِضَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْوَفَاءِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ الْمُقْرِضُ مَعْذُورًا فِي الرُّجُوعِ غَيْرَ مَلُومٍ.
قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ لَا يَحِلُّ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْعَيْنِ الَّتِي اقْتَرَضَهَا قَبْلَ الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ وَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ بِالْقَبْضِ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ دَفْعِ الثَّمَنِ إلَّا بِرِضَا الْبَائِعِ وَالْمُقْرِضُ هَهُنَا لَمْ يَبِحْ لَهُ التَّصَرُّفَ إلَّا بِشَرْطٍ صَحِيحٍ، وَأَنَّ فِي صِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ حَثًّا لِلنَّاسِ عَلَى فِعْلِ الْقَرْضِ وَتَحْصِيلَ أَنْوَاعِ الْبِرِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(وَيُمْلَكُ الْقَرْضُ) أَيْ الْمُقْرَضُ (بِالْقَبْضِ) كَالْهِبَةِ إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَامْتَنَعَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ نَحْوَ أَصْلِهِ وَيَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْحَيَوَانِ (وَفِي قَوْلٍ بِالتَّصَرُّفِ) الْمُزِيلِ لِلْمِلْكِ رِعَايَةً لِحَقِّ الْمُقْرِضِ لِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِيهِ مَا بَقِيَ فَبِالتَّصَرُّفِ يَتَبَيَّنُ حُصُولُ مِلْكِهِ بِالْقَبْضِ (وَلَهُ) بِنَاءً عَلَى الْأَوَّلِ (الرُّجُوعُ فِي عَيْنِهِ مَا دَامَ بَاقِيًا) فِي مِلْكِ الْمُقْتَرِضِ (بِحَالِهِ) بِأَنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لَازِمٌ (فِي الْأَصَحِّ) وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّرًا أَوْ مُعَلَّقًا عِتْقُهُ بِصِفَةٍ أَوْ مُدَبَّرًا لِأَنَّ لَهُ تَغْرِيمَ بَدَلِهِ عِنْدَ الْفَوَاتِ فَالْمُطَالَبَةُ بِعَيْنِهِ أَوْلَى.
وَالثَّانِي لَا بَلْ لِلْمُقْتَرِضِ أَنْ يُؤَدِّيَ حَقَّهُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
أَمَّا إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لَازِمٌ كَأَنْ وَجَدَهُ مَرْهُونًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ أَرْشُ جِنَايَةٍ فَلَا رُجُوعَ.
وَلَوْ زَالَ مِلْكُهُ ثُمَّ عَادَ رَجَعَ فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ وَكَمَا هُوَ قِيَاسُ أَكْثَرِ نَظَائِرِهِ، وَبِهِ جَزَمَ الْعِمْرَانِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمُقْرِي، فِي رَوْضِهِ، وَلِلْمُقْتَرِضِ رَدُّهُ عَلَيْهِ قَهْرًا، وَلَوْ وَجَدَهُ زَائِدًا وَاتَّصَلَتْ أَخَذَهُ بِهَا وَإِلَّا فَبِدُونِهَا أَوْ نَاقِصًا، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ مَعَ أَرْشِهِ وَمِثْلُهُ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ عِرْضِ الْمُقْرِضِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَحِلُّ لَهُ التَّصَرُّفُ) أَيْ وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ
[يُمْلَكُ الْقَرْضُ بِالْقَبْضِ كَالْهِبَةِ]
(قَوْلُهُ: إذْ لَوْلَا ذَلِكَ) أَيْ الْمِلْكُ (قَوْلُهُ: الْمُزِيلُ لِلْمِلْكِ) قَضِيَّتُهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ مَا لَا يُزِيلُهُ كَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَغَيْرِهِمَا لَا يَمْلِكُهُ بِهِ (قَوْلُهُ وَلَهُ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ إلَخْ.
[فَرْعٌ] فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: ادْفَعْ مِائَةً قَرْضًا عَلَيَّ إلَى وَكِيلِي فُلَانٍ فَدَفَعَ ثُمَّ مَاتَ الْآمِرُ فَلَيْسَ لِلدَّافِعِ مُطَالَبَةُ الْآخِذِ لِأَنَّ الْآخِذَ لَمْ يَأْخُذْ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا هُوَ وَكِيلٌ عَنْ الْآمِرِ وَقَدْ انْتَهَتْ وَكَالَتُهُ بِمَوْتِ الْآمِرِ وَلَيْسَ لِلْآخِذِ الرَّدُّ عَلَيْهِ، وَلَوْ رَدَّ ضَمِنَ لِلْوَرَثَةِ وَحَقُّ الدَّافِعِ يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَةِ الْمَيِّتِ عُمُومًا لَا بِمَا وَقَعَ خُصُوصًا لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ حَقُّهُ فِيهِ بَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِثْلَهُ مِنْ التَّرِكَةِ وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا دُفِعَ بِعَيْنِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِهِ مَا دَامَ بَاقِيًا بِحَالِهِ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْوَكِيلِ بَعْدَ رُجُوعِهِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَكِيلِ فِي دَفْعِهِ لَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى حَجّ.
وَلَوْ دَفَعَ شَخْصٌ لِآخَرَ دَرَاهِمَ وَقَالَ: ادْفَعْهَا لِزَيْدٍ فَادَّعَى الْآخِذُ دَفْعَهَا لِزَيْدٍ فَأَنْكَرَ صَدَقَ فِيمَا ادَّعَاهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ (قَوْلُهُ: فَلَا رُجُوعَ) أَيْ لَا يَصِحُّ
(قَوْلُهُ: رَجَعَ) أَيْ الْمُقْرِضُ (قَوْلُهُ: وَاتَّصَلَتْ) أَيْ الزِّيَادَةُ (قَوْلُهُ: أَخَذَهُ بِهَا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ طَلَبَ الْمُقْتَرِضُ رَدَّ الْبَدَلِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ إنْ لَمْ يَخْرُجْ الْمُقْرَضُ بِالزِّيَادَةِ عَنْ كَوْنِهِ مِثْلَ الْمُقْرَضِ صُورَةً، فَلَوْ أَقْرَضَهُ عِجْلَةً صُورَةً فَكَبِرَتْ ثُمَّ طَلَبَهَا الْمُقْرِضُ لَمْ يَجِبْ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَبِدُونِهَا) وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ أَقْرَضَهُ دَابَّةً حَامِلًا وَوَلَدَتْ عِنْدَهُ فَيَرُدُّهَا بَعْدَ وَضْعِهَا بِدُونِ وَلَدِهَا الْمُنْفَصِلِ.
أَمَّا إقْرَاضُ الدَّابَّةِ الْحَامِلِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْقَرْضَ كَالسَّلَمِ وَالْحَمْلُ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا (قَوْلُهُ: أَوْ نَاقِصًا) شَمَلَ مَا لَوْ كَانَ النَّقْصُ بَعْضَ صِفَةٍ أَوْ عَيْنٍ، وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ.
[حاشية الرشيدي]
عَيَّنَهُ، وَإِلَّا فَلَوْ أُرِيدَ أَنَّهُ مَلِيءٌ بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَمْ يُتَصَوَّرْ إعْسَارُهُ بِهِ حِينَئِذٍ
(قَوْلُهُ: فَبِالتَّصَرُّفِ يَتَبَيَّنُ حُصُولُ مِلْكِهِ إلَخْ) هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ مُتَرَتِّبَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ بِالتَّصَرُّفِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِالتَّصَرُّفِ الْمِلْكُ قَبْلَهُ وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْجَلَالُ فِي شَرْحِهِ.
وَعِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ: وَإِذَا قُلْنَا بِالثَّانِي فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَتَبَيَّنُ الْمِلْكُ قَبْلَ التَّصَرُّفِ، وَقِيلَ يَتَبَيَّنُ بِالتَّصَرُّفِ أَنَّهُ مِلْكُهُ فِي وَقْتِ الْقَبْضِ انْتَهَتْ.
لَكِنْ فِي تَعْبِيرِ الشَّارِحِ بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ فَبِالتَّصَرُّفِ حَزَازَةٌ.
سَلِيمًا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَيُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ قَبَضَهُ بِهَذَا النَّقْصِ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَمَا سَيَأْتِي فِي الْغَصْبِ أَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ رَدَّ الْمَغْصُوبَ نَاقِصًا وَقَالَ: قَبَضْتُهُ هَكَذَا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ فَسَقَطَ بِذَلِكَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُعَارِضُهُ أَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ، وَهَذَانِ خَاصَّانِ فَلْيُقَدَّمَا عَلَى الْأَوَّلِ الْعَامِّ إذْ ذَلِكَ اشْتِبَاهٌ حَصَلَ مِنْ صُورَةٍ ذُكِرَتْ فِي الْغَصْبِ غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَإِذَا رَجَعَ فِيهِ مُؤَجَّرًا تَخَيَّرَ بَيْنَ الصَّبْرِ لِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ لَهُ وَبَيْنَ أَخْذِ بَدَلِهِ، وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ فِي جِذْعٍ أَقْرَضَهُ وَبَنَى عَلَيْهِ وَحَبٍّ بَذَرَهُ أَنَّهُ كَالْهَالِكِ فَيَتَعَيَّنُ بَدَلُهُ.
نَعَمْ إنْ حُجِرَ عَلَى الْمُقْتَرِضِ بِفَلَسٍ أَتَى فِيهِ مَا يَأْتِي فِيمَا اشْتَرَاهُ آخِرَ الْفَلَسِ.
.