(وَيَتَّخِذُ) نَدْبًا (دِرَّةً) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ (لِلتَّأْدِيبِ) اقْتِدَاءً بِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، نَعَمْ مَنَعَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ نُوَّابَهُ مِنْ ضَرْبِ الْمَسْتُورِينَ بِهَا لِأَنَّهُ صَارَ مِمَّا يُعَيَّرُ بِهِ ذُرِّيَّةُ الْمَضْرُوبِ وَأَقَارِبُهُ، بِخِلَافِ الْأَرْذَالِ وَلَهُ التَّأْدِيبُ بِالسَّوْطِ (وَسِجْنًا لِأَدَاءِ حَقٍّ وَتَعْزِيرٍ) كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِدَارٍ اشْتَرَاهَا بِمَكَّةَ وَجَعَلَهَا سِجْنًا وَإِذَا هَرَبَ الْمَحْبُوسُ لَمْ يَلْزَمْ الْقَاضِيَ طَلَبُهُ، فَإِذَا أَحْضَرَهُ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ هَرَبِهِ فَإِنْ تَعَلَّلَ بِإِعْسَارٍ لَمْ يُعَزِّرْهُ، وَإِلَّا عَزَّرَهُ، وَلَوْ أَرَادَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ مُلَازَمَتَهُ بَدَلًا عَنْ الْحَبْسِ مُكِّنَ مَا لَمْ يَقُلْ تَشُقُّ عَلَيَّ الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ مَعَ مُلَازَمَتِهِ وَيَخْتَرْ الْحَبْسَ فَيُجِيبُهُ، وَأُجْرَةُ السِّجْنِ عَلَى الْمَسْجُونِ لِأَنَّهَا أُجْرَةُ الْمَكَانِ الَّذِي شَغَلَهُ، وَأُجْرَةُ السَّجَّانِ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِّ إذَا لَمْ يَتَهَيَّأْ صَرْفُ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ مَجْلِسِهِ) الَّذِي يَقْضِي فِيهِ (فَسِيحًا) لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِهِ الْخُصُومُ (بَارِزًا) أَيْ ظَاهِرًا لِيَعْرِفَهُ كُلُّ أَحَدٍ،
وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ حَاجِبٍ لَا مَعَ زَحْمَةٍ أَوْ فِي خَلْوَةٍ (مَصُونًا مِنْ أَذَى) نَحْوِ (حَرٍّ وَبَرْدٍ) وَرِيحٍ كَرِيهٍ وَغُبَارٍ وَدُخَانٍ (لَائِقًا بِالْوَقْتِ) أَيْ الْفَصْلِ كَمَهَبِّ الرِّيحِ وَمَوْضِعِ الْمَاءِ فِي الصَّيْفِ وَالسَّكَنِ فِي الشِّتَاءِ وَالْخُضْرَةِ فِي الرَّبِيعِ، وَلَمْ يَجْعَلْ هَذَا نَفْسَ الْمَصُونِ كَمَا صَنَعَهُ أَصْلُهُ بَلْ غَيَّرَهُ كَأَنَّهُ لِلْإِشَارَةِ إلَى تَغَايُرِهِمَا كَانَ الْأَوَّلُ لِدَفْعِ الْمُؤْذِي وَالثَّانِي لِتَحْصِيلِ التَّنَزُّهِ وَدَفْعِ الْمُكَدِّرِ عَنْ النَّفْسِ، فَانْدَفَعَ دَعْوَى أَنَّ عِبَارَةَ أَصْلِهِ أَحْسَنُ، وَمَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، فَإِنْ تَعَدَّدَ وَحَصَلَ زِحَامٌ اتَّخَذَ مَجَالِسَ بِعَدَدِ الْأَجْنَاسِ، فَلَوْ اجْتَمَعَ رِجَالٌ وَخَنَاثَى وَنِسَاءٌ اُتُّخِذَتْ ثَلَاثَةُ مَجَالِسَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاضِي (وَ) لَائِقًا بِوَظِيفَةِ (الْقَضَاءِ) الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ الْمَنَاصِبِ وَأَجَلُّ الْمَرَاتِبِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْحُرْمَةِ وَالْجَلَالَةِ وَالْأُبَّهَةِ، فَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ دَاعِيًا بِالْعِصْمَةِ وَالتَّوْفِيقِ وَالتَّسْدِيدِ مُتَعَمِّمًا مُتَطَيْلِسًا عَلَى مَحَلٍّ عَالٍ بِهِ فُرُشٌ وَوِسَادَةٌ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ وَلِيَكُونَ أَهْيَبَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الزُّهْدِ وَالتَّوَاضُعِ لِلْحَاجَةِ إلَى قُوَّةِ الرَّهْبَةِ وَالْهَيْبَةِ، وَمِنْ ثَمَّ كُرِهَ جُلُوسُهُ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْهَيْبَةِ (لَا مَسْجِدًا) أَيْ لَا يَتَّخِذُهُ مَجْلِسًا لِلْحُكْمِ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ صَوْنًا لَهُ عَنْ ارْتِفَاعِ الْأَصْوَاتِ وَاللَّغَطِ الْوَاقِعَيْنِ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ عَادَةً، وَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى إحْضَارِهِ الْمَجَانِينَ وَالصِّغَارَ وَالْحُيَّضَ وَالْكُفَّارَ وَإِقَامَةُ الْحَدِّ فِيهِ أَشَدُّ كَرَاهَةً، نَعَمْ إنْ اتَّفَقَتْ قَضِيَّةٌ أَوْ قَضَايَا وَقْتَ حُضُورِهِ فِيهِ لِصَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يُكْرَهْ فَصْلُهَا، وَكَذَا إنْ احْتَاجَ لِجُلُوسِهِ فِيهِ لِعُذْرٍ مِنْ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ جَلَسَ لَهُ فِيهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَوْ عَدَمِهَا مُنِعَ الْخُصُومُ مِنْ الْخَوْضِ فِيهِ بِالْمُشَاتَمَةِ وَنَحْوِهَا وَيَقْعُدُونَ خَارِجَهُ، وَيَنْصِبُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ خَصْمَيْنِ خَصْمَيْنِ،
[حاشية الشبراملسي]
لَا يَكْفِي، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّ قِيَاسَ الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ هُنَا الِاكْتِفَاءُ بِهِ فِي التَّرْجَمَةِ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ مُجَرَّدٌ، وَفِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ، وَعَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّارِحِ يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَرْجِمِ وَالْمُسَمِّعِ بِأَنَّ الْمُسَمِّعَ لَوْ غَيَّرَ مَا يَقُولُهُ الْقَاضِي عِنْدَ تَبْلِيغِهِ لِلْخَصْمِ سَمِعَهُ الْقَاضِي وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُتَرْجِمِ فَإِنَّهُ مَا يَقُولُهُ الْقَاضِي بِغَيْرِ لُغَتِهِ وَالْقَاضِي لَا يَعْرِفُ اللُّغَةَ الَّتِي يُتَرْجِمُ بِهَا فَرُبَّمَا غَيَّرَ وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَلْزَمْ الْقَاضِيَ طَلَبُهُ) أَيْ وَلَا السَّجَّانَ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا عَزَّرَهُ) وَمِثْلُهُ فِي التَّعْزِيرِ مَا لَوْ طَلَبَهُ ابْتِدَاءً لِأَصْلِ الدَّعْوَى فَامْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَتَهَيَّأْ صَرْفُ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ أُجْرَةِ السِّجْنِ وَالسَّجَّانِ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ حَاجِبٍ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي مِنْ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا يُمَكِّنُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ عَامَّةَ النَّاسِ وَإِنَّمَا يُمَكِّنُ عُظَمَاءَهُمْ أَوْ مَنْ يَدْفَعُ لَهُ رِشْوَةً لِلتَّمْكِينِ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ (قَوْلُهُ: مَعَ الْخُصُومِ) أَيْ وُجُوبًا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَتَهَيَّأْ صَرْفُ ذَلِكَ) أَيْ أُجْرَةِ السِّجْنِ وَالسَّجَّانِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْحُرْمَةِ) الضَّمِيرُ فِي يَكُونُ لِلْقَاضِي بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ وَحِينَئِذٍ فَكَانَ
وَأُلْحِقَ بِالْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ بَيْتُهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ تَحْتَشِمُ النَّاسُ دُخُولَهُ بِأَنْ أَعَدَّهُ مَعَ حَالَةِ يُحْتَشَمُ الدُّخُولُ عَلَيْهِ لِأَجْلِهَا أَمَّا إذَا أَعَدَّهُ وَأَخْلَاهُ مِنْ نَحْوِ عِيَالِهِ وَصَارَ بِحَيْثُ لَا يَحْتَشِمُهُ أَحَدٌ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ فَلَا مَعْنَى لِلْكَرَاهَةِ حِينَئِذٍ.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي حَالِ غَضَبٍ وَجُوعٍ وَشِبَعٍ مُفْرَطَيْنِ وَكُلِّ حَالٍ يَسُوءُ خُلُقُهُ) فِيهِ كَمَرَضٍ وَمُدَافَعَةِ حَدَثٍ وَشِدَّةِ خَوْفٍ أَوْ حُزْنٍ أَوْ هَمٍّ أَوْ سُرُورٍ لِصِحَّةِ النَّهْيِ عَنْهُ فِي الْغَضَبِ وَقِيسَ بِهِ الْبَاقِي وَلِاخْتِلَالِ فَهْمِهِ وَفِكْرِهِ بِذَلِكَ وَمَعَ ذَلِكَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فِيمَا لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمَطْلَبِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَدْ يَنْظُرُ فِيهِ بِعَدَمِ أَمْنِ التَّقْصِيرِ فِي مُقَدِّمَاتِ الْحُكْمِ، وَمُقْتَضَى إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْغَضَبِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَبَعًا لِلْأَذْرَعِيِّ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، لِأَنَّ الْمَحْذُورَ تَشْوِيشُ الْفِكْرِ وَهُوَ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ، نَعَمْ تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْحُكْمِ فِي الْحَالِ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ الْحُكْمُ عَلَى الْفَوْرِ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ وَلَوْ قَضَى حَالَ غَضَبِهِ وَنَحْوِهِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ.
(وَيُنْدَبُ أَنْ يُشَاوِرَ) عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَاخْتِلَافِ الْآرَاءِ (الْفُقَهَاءَ) الْعُدُولَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] بِخِلَافِ الْحُكْمِ الْمَعْلُومِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ، وَلَا يُشَاوِرُ غَيْرَ عَالِمٍ وَلَا عَالَمًا غَيْرَ أَمِينٍ فَإِنَّهُ رُبَّمَا يُضِلُّهُ، وَإِذَا حَضَرُوا فَإِنَّمَا يَذْكُرُونَ مَا عِنْدَهُمْ إذَا سَأَلَهُمْ، وَلَا يَبْتَدِرُونَ بِالِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ إلَّا فِيمَا يَجِبُ نَقْضُهُ كَمَا يَأْتِي، وَشَمَلَ ذَلِكَ مُشَاوِرَةَ مَنْ هُوَ دُونَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ الْمَفْضُولِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْفَاضِلِ، وَتَحْرُمُ الْمُبَاحَثَةُ إنْ قَصَدَ بِهَا إينَاسَهُ وَإِلَّا فَلَا (وَأَنْ لَا يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ) أَوْ يُعَامَلَ مَعَ وُجُودِ مَنْ يُوَكِّلُهُ (بِنَفْسِهِ) فِي عَمَلِهِ فَيُكْرَهُ لَهُ لِئَلَّا يُحَابِيَ، نَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى بَيْعُهُ مِنْ أُصُولِهِ أَوْ فُرُوعِهِ لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى إذْ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لَهُمْ، وَفِي مَعْنَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ السَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ، وَنَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْظُرُ فِي نَفَقَةِ عِيَالِهِ وَلَا أَمْرِ ضَيْعَتِهِ بَلْ يَكِلُ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ لِيَتَفَرَّغَ قَلْبُهُ (وَلَا يَكُونُ لَهُ وَكِيلٌ مَعْرُوفٌ) لِئَلَّا يُحَابِيَ أَيْضًا، فَإِنْ عُرِفَ وَكِيلُهُ اسْتَبْدَلَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَكِيلًا عَقَدَ بِنَفْسِهِ لِلضَّرُورَةِ وَإِنْ وَقَعَتْ خُصُومَةٌ لِمُعَامِلِهِ أَنَابَ فِي فَضْلِهَا.
(فَإِنْ أَهْدَى إلَيْهِ) أَوْ وَهَبَهُ أَوْ ضَيَّفَهُ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا (مَنْ لَهُ خُصُومَةٌ)
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ وَأُلْحِقَ بِالْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي اتِّخَاذِهِ مَجْلِسًا لِلْحُكْمِ (قَوْلُهُ: مَعَ حَالَةٍ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مَصْحُوبًا بِحَالَةٍ يُحْتَشَمُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: نَفَذَ قَضَاؤُهُ) هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا وَمَعَ ذَلِكَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُشَاوِرُ غَيْرَ عَالِمٍ) أَيْ لَا يَجُوزُ (قَوْلُهُ: وَتَحْرُمُ الْمُبَاحَثَةُ) أَيْ مَعَ غَيْرِ الْأَمِيرِ (قَوْلُهُ: إنْ قَصَدَ بِهَا إينَاسَهُ) أَيْ إينَاسَ الْفَاسِقِ وَفِي نُسْخَةٍ امْتِحَانَهُ، وَعَلَيْهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ رَاجِعًا لِلْفَاسِقِ (قَوْلُهُ: لَا يَنْظُرُ فِي نَفَقَةِ عِيَالِهِ) أَيْ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ وَقَعَتْ خُصُومَةٌ لِمُعَامِلِهِ) أَيْ مَنْ عَقَدَ مَعَهُ بِنَفْسِهِ لِئَلَّا يُتَّهَمَ بِمُحَابَاتِهِ، وَقَوْلُهُ أَنَابَ: أَيْ نَدْبًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ ضَيْفُهُ) وَهَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْقَاضِي مِمَّنْ حَضَرَ ضِيَافَتَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْجَوَازُ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ فِيهِمْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى رِضَا الْمَالِكِ بِأَكْلِ الْحَاضِرِينَ مِنْ ضِيَافَتِهِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا أَحْضَرَهَا لِلْقَاضِي، وَيَأْتِي مِثْلُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي سَائِرِ الْعُمَّالِ، وَمِنْهُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ إحْضَارِ طَعَامٍ لِشَادِّ الْبَلَدِ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الْمُلْتَزِمِ أَوْ
[حاشية الرشيدي]
اللَّائِقُ إبْدَالَ الْبَاءِ فِي بِأَنَّ بِالْوَاوِ (قَوْلُهُ: وَأُلْحِقَ بِالْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْكَرَاهَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ آخِرَ السِّوَادَةِ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِلْكَرَاهَةِ
(قَوْلُهُ: أَوْ سُرُورٍ) فِي هَذَا الْعَطْفِ تَسَاهُلٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَضَى حَالَ غَضَبِهِ وَنَحْوِهِ نَفَذَ) تَقَدَّمَ هَذَا (قَوْلُهُ: الْمَعْلُومِ بِنَصٍّ) أَيْ وَلَوْ نَصَّ إمَامِهِ إذَا كَانَ مُقَلِّدًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ وَفِي مَعْنَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ السَّلَمُ إلَخْ) تَقَدَّمَ مَا يُغْنِي عَنْ هَذَا فِي حَلِّ الْمَتْنِ
(قَوْلُهُ: أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ) سَيَأْتِي فِي هَذَا كَلَامُ السُّبْكِيّ وَغَيْرِهِ
أَوْ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِأَنَّهُ سَيُخَاصِمُ وَلَوْ بَعْضًا لَهُ فِيمَا يَظْهَرُ لِئَلَّا يَمْتَنِعَ مِنْ الْحُكْمِ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ (أَوْ) مَنْ لَا خُصُومَةَ لَهُ وَ (لَمْ يُهْدِ) إلَيْهِ شَيْئًا (قَبْلَ وِلَايَتِهِ) أَوْ لَهُ عَادَةٌ بِالْإِهْدَاءِ لَهُ وَزَادَ عَلَيْهَا قَدْرًا يُحَالُ عَلَى الْوِلَايَةِ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ أَوْ صِفَةً فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ (حَرُمَ) عَلَيْهِ (قَبُولُهَا) وَلَا يَمْلِكُهَا لِأَنَّهَا تُوجِبُ الْمَيْلَ إلَيْهِ فِي الْأُولَى وَيُحَالُ سَبَبُهَا عَلَى الْوِلَايَةِ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ «هَدَايَا الْعُمَّالِ سُحْتٌ» وَإِنَّمَا حَلَّتْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْهَدَايَا لِعِصْمَتِهِ، وَفِي الْخَبَرِ أَنَّهُ أَحَلَّهَا لِمُعَاذٍ، فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ أَيْضًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُهْدِي مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَقَدْ حَمَلَهَا إلَيْهِ لِأَنَّهُ صَارَ فِي عَمَلِهِ، فَلَوْ جَهَّزَهَا لَهُ مَعَ رَسُولٍ وَلَا خُصُومَةَ لَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا الْحُرْمَةُ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبُولُهَا فِي غَيْرِ عَمَلِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُهْدِي مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ مَا لَمْ يَسْتَشْعِرْ بِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ لِخُصُومَةٍ، وَمَتَى بُذِلَ لَهُ مَالٌ لِيَحْكُمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ أَوْ امْتَنَعَ مِنْ حُكْمٍ بِحَقٍّ فَهُوَ الرِّشْوَةُ الْمُحَرَّمَةُ بِالْإِجْمَاعِ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْحُكْمِ بِالْحَقِّ إلَّا بِمَالٍ لَكِنَّهُ أَقَلُّ إثْمًا، «وَقَدْ لَعَنْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَالرَّائِشَ، وَهُوَ الْمَاشِي بَيْنَهُمَا» .
وَمَحَلُّهُ فِي رَاشٍ لِبَاطِلٍ.
أَمَّا مَنْ عَلِمَ أَخْذَ مَالِهِ بِبَاطِلٍ لَوْلَا الرِّشْوَةُ فَلَا ذَمَّ عَلَيْهِ، وَحُكْمُ الرَّائِشِ حُكْمُ مُوَكِّلِهِ، فَإِنْ تَوَكَّلَ عَنْهُمَا عَصَى مُطْلَقًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ مَا مَرَّ مِنْ كَوْنِهِ أَقَلَّ إثْمًا مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَذَلِكَ الْحُكْمُ مِمَّا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ وَطَلَبُ أُجْرَةِ مِثْلِ عَمَلِهِ فَقَطْ وَإِلَّا جَازَ لَهُ طَلَبُهَا وَأَخْذُهَا عِنْدَ كَثِيرِينَ وَامْتَنَعَ عِنْدَ آخَرِينَ.
قِيلَ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ وَالثَّانِي أَحْوَطُ (وَإِنْ كَانَ) مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ (يُهْدِي) إلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ وَتَرَشُّحِهِ لَهَا لِنَحْوِ قَرَابَةٍ أَوْ صَدَاقَةٍ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُهُمْ وَاعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَمَا أَشْعَرَ بِهِ كَانَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ التَّكْرَارِ غَيْرَ مُرَادٍ (وَلَا خُصُومَةَ) لَهُ حَاضِرَةً وَلَا مُتَرَقَّبَةً (جَازَ) قَبُولُ هَدِيَّتِهِ إنْ كَانَتْ (بِقَدْرِ الْعَادَةِ) قِيلَ كَالْعَادَةِ لِيَعُمَّ الْوَصْفَ أَيْضًا أَوْلَى اهـ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْقَدْرَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْكَيْفِ كَالْكَمِّ وَذَلِكَ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ حِينَئِذٍ بِخِلَافِهَا بَعْدَ التَّرَشُّحِ، أَوْ مَعَ الزِّيَادَةِ فَيَحْرُمُ قَبُولُ الْجَمِيعِ إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْوَصْفِ كَأَنْ اعْتَادَ إهْدَاءَ كَتَّانٍ فَأَهْدَى حَرِيرًا، فَإِنْ كَانَ فِي الْقَدْرِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا حَرُمَ الزَّائِدُ فَقَطْ، وَجَوَّزَ السُّبْكِيُّ فِي حَلَبِيَّاتِهِ قَبُولَ الصَّدَقَةِ مِمَّنْ لَا خُصُومَةَ لَهُ وَلَا عَادَةَ، وَخَصَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ بِمَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ الْمُتَصَدِّقُ بِأَنَّهُ الْقَاضِي وَعَكْسُهُ، وَاعْتَمَدَهُ وَلَدُهُ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَإِلَّا لَأَشْكَلَ بِمَا يَأْتِي فِي الضِّيَافَةِ، وَبَحَثَ غَيْرُهُ الْقَطْعَ بِحِلِّ أَخْذِهِ لِلزَّكَاةِ، وَيُتَّجَهُ تَقْيِيدُهُ بِمَا ذُكِرَ، وَأَلْحَقَ الْحُسْبَانِيُّ بِالْأَعْيَانِ الْمَنَافِعَ الْمُقَابَلَةَ بِمَالٍ عَادَةً كَسُكْنَى دَارٍ بِخِلَافِ غَيْرِهَا كَاسْتِعَارَةِ كِتَابِ عِلْمٍ وَأَكْلِهِ طَعَامَ بَعْضِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ ضَيْفًا كَقَبُولِ هَدِيَّتِهِمْ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ.
وَأَمَّا لَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ عَمَلِهِ فَقَدْ تَرَدَّدَ فِيهِ السُّبْكِيُّ وَالْمُتَّجَهُ فِيهِ وَفِي النَّذْرِ أَنَّهُ إنْ عَيَّنَهُ بِاسْمِهِ وَشَرَطْنَا الْقَبُولَ كَانَ كَالْهَدِيَّةِ لَهُ، وَكَذَا لَوْ وَقَفَ عَلَى تَدْرِيسٍ هُوَ شَيْخُهُ
[حاشية الشبراملسي]
الْكَاتِبِ (قَوْلُهُ بِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ لِخُصُومَةٍ) أَيْ فَيَحْرُمُ قَبُولُهَا وَإِنْ كَانَ الْمُهْدَى مِنْ غَيْرِ عَمَلِهِ (قَوْلُهُ: وَتُرَشِّحُهُ) أَيْ تُهَيِّئُهُ (قَوْلُهُ: قِيلَ كَالْعَادَةِ) أَيْ كَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرَ بِهِ وَإِسْقَاطُ قَوْلِهِ بِقَدْرِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ تَتَمَيَّزْ فَكَذَلِكَ) أَيْ يَحْرُمُ الْجَمِيعُ (قَوْلُهُ بِأَنَّهُ الْقَاضِي وَعَكْسُهُ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْقَاضِي أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ (قَوْلُهُ: وَشَرْطُنَا الْقَبُولُ) مُعْتَمَدٌ فِي الْوَقْفِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَمْتَنِعَ مِنْ الْحُكْمِ عَلَيْهِ) هَلَّا قِيلَ بِمِثْلِ هَذَا فِيمَا مَرَّ فِي مُعَامَلَتِهِ (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ مَا مَرَّ مِنْ كَوْنِهِ أَقَلَّ إثْمًا إلَخْ) فِي الْعِبَارَةِ خَلَلٌ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: تَنْبِيهٌ مَحَلُّ قَوْلِنَا لَكِنَّهُ أَقَلُّ إثْمًا مَا إذَا كَانَ لَهُ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ مِمَّا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ وَطَلَبُ أُجْرَةِ مِثْلِ عَمَلِهِ فَقَطْ جَازَ لَهُ طَلَبُهَا وَأَخْذُهَا عِنْدَ كَثِيرِينَ إلَخْ (قَوْلُهُ وَقَدْ يُجَابُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَا يَدْفَعُ الْأَوْلَوِيَّةَ، إذْ حَاصِلُهُ إنَّمَا هُوَ تَصْحِيحُ الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ: وَخَصَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَخْ) عِبَارَةُ تَفْسِيرِهِ: إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُتَصَدِّقُ عَارِفًا بِأَنَّهُ الْقَاضِي وَلَا الْقَاضِي عَارِفًا بِعَيْنِهِ فَلَا شَكَّ فِي الْجَوَازِ انْتَهَتْ
فَإِنْ عُيِّنَ بِاسْمِهِ امْتَنَعَ وَإِلَّا فَلَا، وَيَصِحُّ إبْرَاؤُهُ عَنْ دَيْنِهِ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ قَبُولُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَكَذَا أَدَاؤُهُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، بِخِلَافِهِ بِإِذْنِهِ بِشَرْطِ عَدَمِ الرُّجُوعِ.
وَبَحَثَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ أَنَّ خُلَعَ الْمُلُوكِ الَّتِي مِنْ أَمْوَالِهِمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لَيْسَتْ كَالْهَدِيَّةِ بِشَرْطِ اعْتِيَادِهَا لِمِثْلِهِ وَأَنْ لَا يَتَغَيَّرَ بِهَا قَلْبُهُ عَنْ التَّصْمِيمِ عَنْ الْحَقِّ وَسَائِرُ الْعُمَّالِ مِثْلُهُ فِي نَحْوِ الْهَدِيَّةِ لَكِنَّهُ أَغْلَظُ، وَلَا يُلْتَحَقُ بِالْقَاضِي فِيمَا ذُكِرَ الْمُفْتِي وَالْوَاعِظُ وَمُعَلِّمُ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ لِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ أَهْلِيَّةُ الْإِلْزَامِ، وَالْأَوْلَى فِي حَقِّهِمْ إنْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ لِأَجْلِ مَا يَحْصُلُ مِنْهُمْ مِنْ الْإِفْتَاءِ وَالْوَعْظِ وَالتَّعْلِيمِ عَدَمُ الْقَبُولِ لِيَكُونَ عَمَلُهُمْ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ أَهْدَى إلَيْهِمْ تَحَبُّبًا وَتَوَدُّدًا لِعِلْمِهِمْ وَصَلَاحِهِمْ فَالْأَوْلَى الْقَبُولُ.
وَأَمَّا إذَا أَخَذَ الْمُفْتِي الْهَدِيَّةَ لِيُرَخِّصَ فِي الْفَتْوَى فَإِنْ كَانَ بِوَجْهٍ بَاطِلٍ فَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ يُبَدِّلُ أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَشْتَرِي بِهَا ثَمَنًا قَلِيلًا، وَإِنْ كَانَ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً (وَالْأَوْلَى) لِمَنْ جَازَ لَهُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ (أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهَا) أَوْ يَرُدَّهَا لِمَالِكِهَا أَوْ يَضَعَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَسَدُّ بَابِ الْقَبُولِ مُطْلَقًا أَوْلَى حَسْمًا لِلْبَابِ.
(وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ) وَلَا سَمَاعُهُ شَهَادَةً (لِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ تَعْزِيرُ مَنْ أَسَاءَ أَدَبَهُ عَلَيْهِ فِي حُكْمِهِ كَحَكَمْتَ عَلَيَّ بِالْجَوْرِ لِئَلَّا يُسْتَخَفَّ وَيُسْتَهَانَ بِهِ فَلَا يُسْمَعُ حُكْمُهُ، وَلَهُ الْحُكْمُ لِمَحْجُورِهِ وَإِنْ كَانَ وَصِيًّا عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَإِنْ تَضَمَّنَ حُكْمُهُ اسْتِيلَاءَهُ عَلَى الْمَالِ الْمَحْكُومِ بِهِ وَتَصَرُّفَهُ فِيهِ، وَكَذَا بِإِثْبَاتِ وَقْفٍ شُرِطَ نَظَرُهُ لِقَاضٍ هُوَ بِصِفَتِهِ، وَإِنْ تَضَمَّنَ حُكْمُهُ وَضْعَ يَدِهِ عَلَيْهِ وَبِإِثْبَاتِ مَالٍ لِبَيْتِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ يُرْزَقُ مِنْهُ، وَإِفْتَاءُ الْعَلَمِ الْبُلْقِينِيِّ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ الْقَاضِي الْحُكْمُ بِمَا أَجْرُهُ هُوَ أَوْ مَأْذُونُهُ مِنْ وَقْفٍ هُوَ نَاظِرُهُ يُتَّجَهُ حَمْلُهُ عَلَى مَا فَصَّلَهُ الْأَذْرَعِيُّ حَيْثُ قَالَ: الظَّاهِرُ مَنْعُهُ لِمَدْرَسَةٍ هُوَ مُدَرِّسُهَا، وَوَقْفٍ نَظَرُهُ لَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ لِأَنَّهُ الْخَصْمُ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا فَيَكُونُ كَالْوَصِيِّ، وَرَدَّ بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الْقَاضِي أَوْلَى مِنْ الْوَصِيِّ لِأَنَّ
[حاشية الشبراملسي]
دُونَ النَّذْرِ (قَوْلُهُ وَيَصِحُّ إبْرَاؤُهُ) أَيْ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: وَسَائِرُ الْعُمَّالِ) وَمِنْهُمْ مَشَايِخُ الْأَسْوَاقِ وَالْبُلْدَانِ وَمُبَاشَرَةُ الْأَوْقَافِ وَكُلُّ مَنْ يَتَعَاطَى أَمْرًا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْلِمِينَ.
(قَوْلُهُ: وَإِفْتَاءُ الْعِلْمِ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَرَدَّ بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ) هُوَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ وَصِيًّا عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ) أَيْ خِلَافًا لِابْنِ الرِّفْعَةِ فِي هَذِهِ الْغَايَةِ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ وَقْفٍ هُوَ نَاظِرُهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ بِأَنَّ هَذَا مُتَبَرِّعٌ بِخِلَافِ ذَاكَ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ كَانَ مُتَبَرِّعًا أَيْضًا صَحَّ مِنْهُ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: شَرَطَ نَظَرَهُ لِقَاضٍ هُوَ بِصِفَتِهِ) قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ: يَخْرُجُ مَا لَوْ شَرَطَ النَّظَرَ لَهُ بِخُصُوصِهِ، قَالَ: وَيُنَاسِبُهُ قَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ الْآتِي وَوَقْفُ نَظَرِهِ لَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ اهـ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا فَصَّلَهُ الْأَذْرَعِيُّ) عِبَارَةُ الْأَذْرَعِيِّ: هَلْ يُحْكَمُ لَهُ لِجِهَةِ وَقْفٍ كَانَ نَاظِرَهَا الْخَاصَّ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَلِمَدْرَسَةٍ هُوَ مُدَرِّسُهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ تَفَقُّهًا لَا نَقْلًا الْمَنْعُ إذْ هُوَ الْخَصْمُ وَحَاكِمٌ لِنَفْسِهِ وَشَرِيكُهُ، فَإِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِالنَّظَرِ فَكَوَلِيِّ الْيَتِيمِ انْتَهَتْ.
فَقَوْلُهُ إذْ هُوَ الْخَصْمُ تَعْلِيلٌ لِمَسْأَلَةِ النَّظَرِ وَقَوْلُهُ وَحَاكِمٌ لِنَفْسِهِ وَشَرِيكِهِ تَعْلِيلٌ لِمَسْأَلَةِ التَّدْرِيسِ (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ كَالْوَصِيِّ) أَيْ فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ وَإِنْ كَانَ مُدَرِّسًا أَوْ نَاظِرًا قَبْلَ الْقَضَاءِ (قَوْلُهُ وَرَدَّ بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ) أَيْ إفْتَاءَ الْعَلَمِ الْبُلْقِينِيِّ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ بَعْدَ الْحَمْلِ الْمَارِّ نَصُّهَا: وَهَذَا أَوْلَى مِنْ رَدِّ بَعْضِهِمْ لِكَلَامِ الْعَلَمِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ إلَخْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الرَّدَّ يُشِيرُ لِتَفْصِيلِ الْأَذْرَعِيِّ لَا مُخَالِفَ لَهُ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ كَالتُّحْفَةِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا رَدَّ إفْتَاءَ الْعَلَمِ فِيمَا إذَا ثَبَتَ النَّظَرُ لِلْقَاضِي بِوَصْفِ الْقَضَاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى الْوَقْفِ بِجِهَةِ الْقَضَاءِ تَزُولُ بِانْعِزَالِهِ، فَهَذَا الرَّادُّ مُوَافِقٌ لِلْعِلْمِ عَلَى الْمَنْعِ فِيمَا الْقَاضِي نَاظِرٌ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ.
وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْأَذْرَعِيِّ وَمَسْأَلَةِ الْعَلَمِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَلَمِ حَاكِمٌ بِفِعْلِ نَفْسِهِ أَوْ بِفِعْلِ مَأْذُونِهِ وَهُوَ الْإِيجَارُ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَذْرَعِيِّ، وَقَدْ نَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ نَفْسَهُ قُبَيْلَ مَا مَرَّ عَنْهُ عَنْ شَرْحِ الرُّويَانِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيِّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا لَوْ حَكَمَ الْقَاضِي الْوَصِيُّ لِلطِّفْلِ مَثَلًا بِدَيْنٍ كَانَ لِأَبِيهِ فَيَصِحُّ، وَبَيْنَ
وِلَايَتَهُ عَلَى الْوَقْفِ بِجِهَةِ الْقَضَاءِ تَزُولُ بِانْعِزَالِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْوَصِيُّ إذَا تَوَلَّى الْقَضَاءَ فَالتُّهْمَةُ فِي حَقِّهِ أَقْوَى، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ شَهِدَ الْقَاضِي بِمَالٍ لِلْوَقْفِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ قُبِلَ أَوْ الْوَصِيُّ بِمَالٍ لِمُوَلِّيهِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ لَهُ لَمْ يُقْبَلْ (وَرَقِيقُهُ) لِذَلِكَ نَعَمْ لَهُ الْحُكْمُ بِجِنَايَةٍ عَلَيْهِ قَبْلَ رِقِّهِ بِأَنْ جَنَى مُلْتَزِمٌ عَلَى ذِمِّيٍّ ثُمَّ حَارَبَ وَأُرِقَّ وَيُوقَفُ مَا ثَبَتَ لَهُ حِينَئِذٍ إلَى عِتْقِهِ، فَإِنْ مَاتَ قِنًّا صَارَ فَيْئًا، قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ، قَالَ: وَكَذَا لِمَنْ وَرِثَ مُوصًى بِمَنْفَعَتِهِ الْحُكْمُ بِكَسْبِهِ أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ (وَشَرِيكُهُ) أَوْ شَرِيكُ مُكَاتَبِهِ (فِي الْمُشْتَرَكِ) لِذَلِكَ أَيْضًا، نَعَمْ لَوْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِهِ جَازَ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ كَمَا أَفَادَهُ الْبُلْقِينِيُّ أَيْضًا، وَيُؤْخَذُ مِنْ عِلَّتِهِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ وَإِلَّا فَالتُّهْمَةُ مَوْجُودَةٌ بِاعْتِبَارِ ظَنِّهِ وَهِيَ كَافِيَةٌ (وَكَذَا أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ) وَلَوْ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِأَنَّهُمْ أَبْعَاضُهُ فَكَانُوا كَنَفْسِهِ وَمِنْ ثَمَّ امْتَنَعَ قَضَاؤُهُ بِعِلْمِهِ لَهُمْ قَطْعًا.
أَمَّا حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ فَيَجُوزُ عَكْسُ الْعَدُوِّ، وَحُكْمُهُ عَلَى نَفْسِهِ إقْرَارٌ لَا حُكْمٌ فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ وَلَهُ تَنْفِيذُ حُكْمِ بَعْضِهِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ يَنْفُذُ لِأَنَّ الْقَاضِي أَسِيرُ الْبَيِّنَةِ فَلَا تَظْهَرُ فِيهِ تُهْمَةٌ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ (وَيَحْكُمُ لَهُ وَلِهَؤُلَاءِ الْإِمَامُ أَوْ قَاضٍ آخَرُ) مُسْتَقِلٌّ إذْ لَا تُهْمَةَ (وَكَذَا نَائِبُهُ عَلَى الصَّحِيحِ) كَبَقِيَّةِ الْحُكَّامِ، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ مِنْ نَائِبِهِ لِلتُّهْمَةِ.
(وَإِذَا) ادَّعَى عِنْدَهُ بِدَيْنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ أَوْ بِعَيْنٍ مَمْلُوكَةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ (أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ نَكَلَ فَحَلَفَ الْمُدَّعِي) أَوْ أَوْ حَلَفَ مِنْ غَيْرِ نُكُولٍ بِأَنْ كَانَتْ الْيَمِينُ فِي جَانِبِهِ لِنَحْوِ لَوْثٍ أَوْ إقَامَةِ شَاهِدٍ مَعَ إرَادَةِ الْحَلِفِ مَعَهُ (وَسَأَلَ) الْمُدَّعِي (الْقَاضِيَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ عِنْدَهُ أَوْ يَمِينِهِ أَوْ) سَأَلَ (الْحُكْمَ) لَهُ عَلَيْهِ (بِمَا ثَبَتَ وَالْإِشْهَادَ بِهِ) (لَزِمَهُ) إجَابَتُهُ لِمَا ذُكِرَ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَسَأَلَ الْإِشْهَادَ لِيَكُونَ حُجَّةً لَهُ فَلَا يُطَالِبُهُ مَرَّةً أُخْرَى وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يُنْكِرُ بَعْدُ فَيَفُوتُ الْحَقُّ لِنَحْوِ نِسْيَانِ الْقَاضِي أَوْ انْعِزَالِهِ، وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ وَسَأَلَهُ الْإِشْهَادَ عَلَيْهِ بِقَبُولِهَا لَزِمَهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَعْدِيلَ الْبَيِّنَةِ وَإِثْبَاتَ حَقِّهِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ سَأَلَ مَا إذَا لَمْ يَسْأَلْهُ لِامْتِنَاعِ الْحُكْمِ لِلْمُدَّعِي قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ فِيهِ كَامْتِنَاعِهِ قَبْلَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ إلَّا فِيمَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ وَصِيغَةُ الْحُكْمِ الصَّحِيحِ الَّذِي هُوَ الْإِلْزَامُ النَّفْسَانِيُّ الْمُسْتَفَادُ مِنْ جِهَةِ الْوِلَايَةِ حَكَمْت أَوْ قَضَيْت لَهُ بِهِ أَوْ أَنَفَذْت الْحُكْمَ بِهِ أَوْ أَلْزَمْت خَصْمَهُ الْحَقَّ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ إذَا عُدِّلَتْ الْبَيِّنَةُ لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ إلَّا بِطَلَبِ الْمُدَّعِي، فَإِذَا طَلَبَهُ قَالَ لِخَصْمِهِ أَلَك دَافِعٌ فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ أَوْ قَادِحٌ، فَإِنْ قَالَ لَا أَوْ نَعَمْ وَلَمْ يُثْبِتْهُ حَكَمَ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ ثَبَتَ عِنْدِي كَذَا أَوْ صَحَّ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ مُتَوَقِّفًا عَلَى الدَّعْوَى سَوَاءٌ أَكَانَ الثَّابِتُ الْحَقَّ أَمْ سَبَبَهُ، فَإِنْ صَرَّحَ بِالثُّبُوتِ كَانَ حُكْمًا بِتَعْدِيلِهَا وَسَمَاعِهَا فَلَا يَحْتَاجُ حَاكِمٌ آخَرُ إلَى النَّظَرِ فِيهَا، وَأَفَادَ الشَّيْخُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي وَقْفُ هَذَا
[حاشية الشبراملسي]
مَا أَفْتَى بِهِ الْعَلَمُ الْبُلْقِينِيُّ إلَخْ (قَوْلُهُ: ثُمَّ حَارَبَ) أَيْ الذِّمِّيُّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ) أَيْ لِأَنَّ الْكَسْبَ الْحَاصِلَ قَبْلَ الْعِتْقِ لِلرَّقِيقِ وَالْكَسْبَ الْحَاصِلَ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ.
(قَوْلُهُ: لِمَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ الْإِشْهَادِ وَالْحُكْمِ (قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ) أَيْ
[حاشية الرشيدي]
مَا لَوْ حَكَمَ لَهُ بِدَيْنٍ ثَبَتَ بِمُعَامَلَتِهِ فَلَا يَصِحُّ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَالتُّهْمَةُ فِي حَقِّهِ) أَيْ الْوَصِيِّ أَقْوَى: أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ صَحَّحْنَا حُكْمَهُ فَالْقَاضِي الْمَذْكُورُ أَوْلَى (قَوْلُهُ: لِمَنْ وَرِثَ مُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ إلَخْ) أَيْ لِقَاضِي وَرِثَ عَبْدًا مُوصًى بِمَنْفَعَتِهِ لِآخَرَ أَنْ يَحْكُمَ بِالْكَسْبِ فَمُوصِي بِمَنْفَعَتِهِ الَّذِي هُوَ وَصْفٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ كَمَا تَقَرَّرَ مَعْمُولٌ لِوَرِثَ (قَوْلُهُ: وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى شَهَادَتِهِ.
(قَوْلُهُ: كَامْتِنَاعِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (قَوْلُهُ الَّذِي هُوَ الْإِلْزَامُ النَّفْسَانِيُّ) أَخَذَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ تَفْسِيرِ الْحُكْمِ بِهَذَا أَنَّهُ إذَا حَكَمَ بِنَفْسِهِ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ لَمْ يَتَأَثَّرْ بِنَقْضِ الْمُخَالِفِ.
قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بَعْدَ حُكْمِ الْمُخَالِفِ يُقْبَلُ ادِّعَاؤُهُ ذَلِكَ الْحُكْمَ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَشْهَدَ بِهِ قَبْلَ حُكْمِ الْمُخَالِفِ لَمْ يُعْتَدَّ بِحُكْمِ الْمُخَالِفِ وَإِلَّا اعْتَدَّ بِهِ اهـ.
فَالشِّهَابُ مُوَافِقٌ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي تَأْثِيرِ الْحُكْمِ النَّفْسَانِيِّ فِي رَفْعِهِ الْخِلَافَ، لِأَنَّهُ إنَّمَا نَظَرَ فِي كَلَامِهِ مِنْ جِهَةِ قَبُولِ قَوْلِ الْقَاضِي حَكَمْتُ فِي نَفْسِي مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ (قَوْلُهُ: حَكَمَ عَلَيْهِ) أَيْ وَإِنْ وَجَدَ فِيهَا رِيبَةً لَيْسَ لَهَا مُسْتَنَدٌ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي التُّحْفَةِ
عَلَى الْفُقَرَاءِ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا وَلَكِنَّهُ فِي مَعْنَاهُ فَلَا يَصِحُّ رُجُوعُ الشَّاهِدِ بَعْدَهُ، بِخِلَافِ ثُبُوتِ سَبَبِهِ كَوَقْفِ فُلَانٍ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى نَظَرٍ آخَرَ، وَمِنْ ثَمَّ امْتَنَعَ عَلَى الْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِهِ حَتَّى يَنْظُرَ فِي شُرُوطِهِ، وَيَجُوزُ تَنْفِيذُ الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ قَطْعًا مِنْ غَيْرِ دَعْوَى وَلَا حَلِفٍ فِي نَحْوِ غَائِبٍ، بِخِلَافِ تَنْفِيذِ الثُّبُوتِ الْمُجَرَّدِ فِيهَا فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا، وَالْأَقْرَبُ جَوَازُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ بِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَنْفِيذَ الْحُكْمِ لَيْسَ بِحُكْمٍ مِنْ الْمُنَفِّذِ إلَّا إنْ وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْحُكْمِ عِنْدَنَا وَإِلَّا كَانَ إثْبَاتًا لِحُكْمِ الْأَوَّلِ فَقَطْ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي بَابِ الْهِبَةِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَالْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فَالْأَوَّلُ يَتَنَاوَلُ الْآثَارَ الْمَوْجُودَةَ وَالتَّابِعَةَ لَهَا: بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودَ فَقَطْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ بِهِ أَقْوَى مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِمِلْكِ الْعَاقِدِ مَثَلًا، وَمِنْ ثَمَّ امْتَنَعَ عَلَى الْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِهَذَا إلَّا بِحُجَّةٍ تُفِيدُ الْمِلْكَ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ وَلَوْ حَكَمَ بِالصِّحَّةِ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ اسْتَنَدَ لِحُجَّةٍ أَوْ لَا حَمَلْنَا حُكْمَهُ عَلَى الِاسْتِنَادِ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ، نَعَمْ يُتَّجَهُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ فِي قَاضٍ مَوْثُوقٍ بِدِينِهِ وَعِلْمِهِ كَكُلِّ حُكْمٍ أُجْمِلَ وَلَمْ يُعْلَمْ اسْتِيفَاؤُهُ لِشُرُوطِهِ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا مِمَّنْ ذُكِرَ (أَوْ) سَأَلَهُ الْمُدَّعِي وَمِثْلُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ (أَنْ يَكْتُبَ لَهُ) بِقِرْطَاسٍ أَحْضَرَهُ مِنْ عِنْدِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (مَحْضَرًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ (بِمَا جَرَى مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ أَوْ سِجِلًّا بِمَا حَكَمَ اُسْتُحِبَّ إجَابَتُهُ) لِأَنَّهُ يَذْكُرُ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لِثُبُوتِ الْحَقِّ بِالشُّهُودِ دُونَ الْكِتَابِ (وَقِيلَ يَجِبُ) تَوْثِقَةً لِحَقِّهِ، نَعَمْ إنْ تَعَلَّقَتْ الْحُكُومَةُ بِصَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ وَجَبَ التَّسْجِيلُ جَزْمًا، وَأَلْحَقَ بِهِمَا الزَّرْكَشِيُّ الْغَائِبَ وَنَحْوَ الْوَقْفِ مِمَّا يُحْتَاطُ لَهُ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْمَحْضَرَ مَا تُحْكَى فِيهِ وَاقِعَةُ الدَّعْوَى وَالْجَوَابُ وَسَمَاعُ الْبَيِّنَةِ بِلَا حُكْمٍ، وَالسِّجِلُّ مَا تَضَمَّنَ إشْهَادَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ حَكَمَ بِكَذَا أَوْ نَفَّذَهُ (وَيُسْتَحَبُّ نُسْخَتَانِ) أَيْ كِتَابَتُهُمَا (إحْدَاهُمَا) تُدْفَعُ (لَهُ) بِلَا خَتْمٍ (وَالْأُخْرَى تُحْفَظُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ) مَخْتُومَةً وَيُكْتَبُ عَلَيْهَا اسْمُ الْخَصْمَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ الْخَصْمُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ طَرِيقُ التَّذَكُّرِ لَوْ ضَاعَتْ تِلْكَ.
(وَإِذَا) (حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ) وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ أَوْ بِاجْتِهَادِ مُقَلَّدِهِ (ثُمَّ بَانَ) كَوْنُ مَا حَكَمَ بِهِ (خِلَافَ نَصِّ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ) الْمُتَوَاتِرَةِ أَوْ الْآحَادِ (أَوْ) بَانَ خِلَافَ (الْإِجْمَاعِ) وَمِنْهُ مَا خَالَفَ شَرْطَ الْوَاقِفِ (أَوْ) خِلَافُ (قِيَاسٍ جَلِيٍّ) وَهُوَ مَا يَعُمُّ الْأَوْلَى وَالْمُسَاوِيَ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: أَوْ خَالَفَ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ.
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: أَوْ كَانَ حُكْمًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ: أَيْ قَطْعًا، فَلَا نَظَرَ لِمَا بَنَوْهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ النَّقْضِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ قَالَ بِهَا غَيْرُهُمْ بِأَدِلَّةٍ عِنْدَهُمْ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: أَوْ خَالَفَ الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ لِأَنَّهَا كَالْمُخَالِفِ لِلْإِجْمَاعِ (نَقَضَهُ) وُجُوبًا أَيْ أَظْهَرَ بُطْلَانَهُ وَإِنْ لَمْ يُرْفَعْ إلَيْهِ (هُوَ وَغَيْرُهُ) بِنَحْوِ نَقَضْته أَوْ فَسَخْته أَوْ أَبْطَلْته (لَا) مَا بَانَ خِلَافَ قِيَاسِ (خَفِيٍّ) وَهُوَ مَا لَا يَبْعُدُ احْتِمَالُ الْفَارِقِ فِيهِ كَقِيَاسِ الذُّرَةِ عَلَى الْبُرِّ بِجَامِعِ الطَّعْمِ فَلَا يَنْقُضُهُ بِاحْتِمَالِهِ (وَالْقَضَاءُ) أَيْ الْحُكْمُ الَّذِي يَسْتَفِيدُهُ الْقَاضِي بِالْوِلَايَةِ فِيمَا بَاطِنُ الْأَمْرِ فِيهِ، بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ تَنْفِيذًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (يَنْفُذُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا) فَالْحُكْمُ بِشَهَادَةِ كَاذِبَيْنِ ظَاهِرُهُمَا الْعَدَالَةُ لَا يُفِيدُ الْحِلَّ بَاطِنًا لِمَالٍ، وَلَا لِبَضْعٍ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْت لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ
[حاشية الشبراملسي]
وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَلَكِنَّهُ فِي مَعْنَاهُ) أَيْ الْحُكْمِ (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ بِهِ) أَيْ الثَّانِي (قَوْلُهُ: وَنَحْوُ الْوَقْفِ) كَالْوَصِيَّةِ وَالْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ.
(قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ) أَيْ أَقْدَرَ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ حُكْمًا) أَيْ فَلَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ (قَوْلُهُ: كَوَقْفِ فُلَانٍ) هُوَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ تَنْفِيذُ الْحُكْمِ) قَالَ فِي التُّحْفَةِ: أَوْ فَائِدَتُهُ تَأْكِيدُ حُكْمِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: لَيْسَ بِحُكْمٍ مِنْ الْمَنْفَذِ) أَيْ وَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ تَقَدُّمُ دَعْوَى (قَوْلُهُ: إلَّا إنْ وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْحُكْمِ) أَيْ بِأَنْ يَتَقَدَّمَهُ دَعْوَى وَطَلَبٌ مِنْ الْخَصْمِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْحُكْمَ بِهِ) أَيْ بِالصِّحَّةِ
(قَوْلُهُ: فِيمَا بَاطِنُ الْأَمْرِ فِيهِ بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً بِأَنْ كَانَ إمْضَاءً لِمَا قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ (قَوْلُهُ: أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ) أَيْ أَبْلَغُ وَأَعْلَمُ
لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» وَخَبَرُ «أُمْرِنَا بِاتِّبَاعِ الظَّوَاهِرِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ» لَكِنْ قَالَ الْمِزِّيُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ: لَا أَعْرِفُهُ، وَيَلْزَمُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهَا بِنِكَاحٍ كَاذِبٍ الْهَرَبُ، بَلْ وَالْقَتْلُ إنْ قَدَرَتْ عَلَيْهِ كَالصَّائِلِ عَلَى الْبَضْعِ، وَلَا نَظَرَ لِاعْتِقَادِهِ إبَاحَتَهُ كَمَا يَجِبُ دَفْعُ الصَّبِيِّ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ.
أَمَّا مَا بَاطِنُ الْأَمْرِ فِيهِ كَظَاهِرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلُّ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ كَالتَّسْلِيطِ عَلَى الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، فَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى أَصْلٍ كَاذِبٍ كَشَهَادَةِ زُورٍ فَكَالْأَوَّلِ أَوْ صَادِقٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلِّ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ نَفَذَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَالْحُكْمِ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ نَفَذَ ظَاهِرًا قَطْعًا وَبَاطِنًا عَلَى الْأَصَحِّ، نَعَمْ لَوْ قَضَى قَاضٍ بِصِحَّةِ نِكَاحِ زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ وَمُدَّةِ الْعِدَّةِ أَوْ نَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَنَفْيِ بَيْعِ الْعَرَايَا وَمَنْعِ الْقِصَاصِ فِي الْمُثَقَّلِ وَصِحَّةِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ وَصِحَّةِ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَحُرْمَةِ الرَّضَاعِ بَعْدَ حَوْلَيْنِ وَقَتْلِ مُسْلِمٍ بِذِمِّيٍّ وَتَوْرِيثٍ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ أَوْ بِاسْتِحْسَانِ فَاسِدٍ اسْتِنَادًا لِعَادَةِ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ أَوْ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ نُقِضَ قَضَاؤُهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ.
وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(وَلَا يَقْضِي) أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَضَاءُ (بِخِلَافِ عِلْمِهِ) أَيْ ظَنِّهِ الْمُؤَكَّدِ (بِالْإِجْمَاعِ) كَمَا لَوْ شَهِدَتْ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ بِرِقٍّ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ مَنْ يَعْلَمُ حُرِّيَّتَهُ أَوْ بَيْنُونَتَهَا أَوْ عَدَمَ مِلْكِهِ لِأَنَّهُ قَاطِعٌ بِبُطْلَانِ الْحُكْمِ بِهِ حِينَئِذٍ، وَالْحُكْمُ بِالْبَاطِلِ مُحَرَّمٌ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقَضَاءُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِعِلْمِهِ لِمُعَارَضَتِهِ بِالْبَيِّنَةِ مَعَ عَدَالَتِهَا ظَاهِرًا (وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ) أَيْ الْقَاضِي الْمُجْتَهِدُ وُجُوبًا الظَّاهِرُ التَّقْوَى وَالْوَرَعُ نَدْبًا (يَقْضِي بِعِلْمِهِ) إنْ شَاءَ: أَيْ بِظَنِّهِ الْمُؤَكَّدِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ الشَّهَادَةُ مُسْتَنِدًا إلَيْهِ، وَإِنْ اسْتَفَادَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ كَأَنْ يَدَّعِيَ عِنْدَهُ بِمَالٍ وَقَدْ رَآهُ أَقْرَضَهُ إيَّاهُ أَوْ سَمِعَهُ يُقِرُّ بِهِ لَهُ وَإِنْ احْتَمَلَ الْإِبْرَاءَ وَغَيْرَهُ، وَلَوْ سَمِعَ دَائِنًا أَبْرَأَ مَدِينَهُ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ مَعَ إبْرَائِهِ دَيْنُهُ بَاقٍ عَلَيَّ عَمِلَ بِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْعِلْمِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ الْمُتَأَخِّرَ عَنْ الْإِبْرَاءِ رَافِعٌ لَهُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُصَرِّحَ بِمُسْتَنَدِهِ فَيَقُولُ عَلِمْت أَنَّ لَهُ عَلَيْك مَا ادَّعَاهُ وَقَضَيْت أَوْ حَكَمْت عَلَيْك بِعِلْمِي، فَإِنْ تَرَكَ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ عُلِّلَ بِأَنَّ فِيهِ تُهْمَةً وَيَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّقْوِيمِ قَطْعًا، وَكَذَا عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِمَجْلِسِهِ: أَيْ وَاسْتَمَرَّ عَلَى إقْرَارِهِ، لَكِنَّهُ قَضَاءٌ بِالْإِقْرَارِ دُونَ الْعِلْمِ، فَإِنْ أَنْكَرَ كَانَ قَضَاءً بِالْعِلْمِ، وَلَوْ رَأَى وَحْدَهُ هِلَالَ رَمَضَانَ قَضَى بِهِ قَطْعًا بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِهِ بِوَاحِدٍ، أَمَّا قَاضِي الضَّرُورَةِ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِهِ حَتَّى لَوْ قَالَ قَضَيْت بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ أَوْجَبَتْ الْحُكْمَ بِذَلِكَ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: بَلْ وَالْقَتْلُ) وَمِثْلُهُ مَنْ عَرَفَتْ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَلَى زَوْجِهَا وَلَمْ يُمْكِنْهَا الْخَلَاصُ مِنْهُ (قَوْلُهُ إنْ قَدَرَتْ عَلَيْهِ) أَيْ وَلَوْ بِسُمٍّ إنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا (قَوْلُهُ: فَكَالْأَوَّلِ) أَيْ كَالْمُخَالِفِ لِلنَّصِّ الَّذِي يَنْقُضُهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ قَضَى قَاضٍ) كَانَ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَقُولَ: وَمِمَّا يُنْقَضُ فِيهِ الْحُكْمُ لِمُخَالَفَتِهِ مَا مَرَّ مَا لَوْ حَكَمَ بِصِحَّةِ نِكَاحٍ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: بَاقٍ عَلَيَّ عَمَلٌ بِهِ) يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا وَهِيَ أَنَّ شَخْصًا لَهُ دَيْنٌ عَلَى آخَرَ فَأَقَرَّ الدَّائِنُ بِوُصُولِ حَقِّهِ لَهُ مِنْ الْمَدِينِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ، ثُمَّ بَلَغَ الْمَدِينَ ذَلِكَ فَقَالَ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَإِنَّهُ أَقَرَّ تَجَمُّلًا مَعَ بَقَاءِ حَقِّهِ بِذِمَّتِي وَأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ مِنِّي شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِقَوْلِ الْمَدِينِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ الدَّائِنِ وَصَلَ إلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى رَسْمِ الْقُبَالَةِ مَثَلًا، أَوْ إنْ وَصَلَنِي عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ وَعَدَ بِالْإِيصَالِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: رَافِعٌ لَهُ) لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلِاعْتِرَافِ مِنْ الْمَدِينِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ أَوْ بِمَعْنَى أَنَّ دَيْنَهُ ثَابِتٌ عَلَيَّ:
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَمَّا مَا بَاطِنُ الْأَمْرِ فِيهِ كَظَاهِرِهِ) أَيْ بِأَنْ كَانَ إنْشَاءً كَالتَّسْلِيطِ عَلَى الشُّفْعَةِ الْآتِي (قَوْلُهُ: ثَانِيًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلِّ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ الْمُقْسِمُ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ اسْتَفَادَهُ) أَيْ الْعِلْمَ (قَوْلُهُ أَبْرَأَ مَدِينَهُ) وَمِثْلُهُ بِالْأَوْلَى مَا إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ أَخَذَهُ مِنْهُ شَيْخُنَا فِي حَادِثَةٍ حَكَاهَا فِي حَوَاشِيهِ (قَوْلُهُ: فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ) لَعَلَّهُ مِثَالٌ (قَوْلُهُ رَافِعٌ لَهُ) قَالَ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِيهِ: لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلِاعْتِرَافِ مِنْ الْمَدِينِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ، أَوْ بِمَعْنَى أَنَّ دَيْنَهُ ثَابِتٌ عَلَيَّ: أَيْ نَظِيرُهُ بِأَنْ تَجَدَّدَ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ مِثْلُهُ، وَإِلَّا فَالْبَرَاءَةُ بَعْدَ وُقُوعِهَا لَا تَرْتَفِعُ اهـ (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ قَالَ) يَعْنِي مُطْلَقَ قَاضٍ فِي أَيِّ حُكْمٍ كَانَ كَمَا مَرَّ
وَطُلِبَ مِنْهُ بَيَانُ مُسْتَنَدِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ امْتَنَعَ رَدَدْنَاهُ وَلَمْ نَعْمَلْ بِهِ كَمَا أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَبَعًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ (إلَّا فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى) كَحَدِّ زِنًا وَمُحَارَبَةٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ شُرْبٍ، وَكَذَا تَعَازِيرُهُ لِسُقُوطِهَا بِالشُّبْهَةِ مَعَ نَدْبِ سَتْرِهَا فِي الْجُمْلَةِ، نَعَمْ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ مَا يُوجِبُ تَعْزِيرًا عَزَّرَهُ وَإِنْ كَانَ قَضَاءً بِالْعِلْمِ، وَقَدْ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ، كَمَا إذَا عَلِمَ مِنْ مُكَلَّفٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ ثُمَّ أَظْهَرَ الرِّدَّةَ فَيَقْضِي عَلَيْهِ بِمُوجِبِ ذَلِكَ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَكَمَا إذَا اعْتَرَفَ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِمُوجِبِ حَدٍّ وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ فَيَقْضِي فِيهِ بِعِلْمِهِ، وَكَمَا إذَا ظَهَرَ مِنْهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، أَمَّا حُدُودُ الْآدَمِيِّينَ فَيَقْضِي فِيهَا سَوَاءٌ الْمَالُ وَالْقَوَدُ وَحَدُّ الْقَذْفِ.
(وَلَوْ) (رَأَى) إنْسَانٌ (وَرَقَةً فِيهَا حُكْمُهُ أَوْ شَهَادَتُهُ أَوْ شَهِدَ) عَلَيْهِ أَوْ أَخْبَرَهُ (شَاهِدَانِ أَنَّك حَكَمْت أَوْ شَهِدْت بِهَذَا) (لَمْ يَعْمَلْ بِهِ) الْقَاضِي (وَلَمْ يَشْهَدْ) بِهِ الشَّاهِدُ أَيْ لَا يَجُوزُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ذَلِكَ (حَتَّى يَتَذَكَّرَ) الْوَاقِعَةَ مُفَصَّلَةً، وَلَا يَكْفِيهِ بِذِكْرِهِ هَذَا خَطُّهُ فَقَطْ لِاحْتِمَالِ التَّزْوِيرِ وَالْغَرَضُ عِلْمُ الشَّاهِدِ وَلَمْ يُوجَدْ وَخَرَجَ بِيَعْمَلُ بِهِ عَمَلَ غَيْرِهِ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ بِحُكْمِهِ (وَفِيهِمَا وَجْهٌ) إذَا كَانَ الْحُكْمُ وَالشَّهَادَةُ مَكْتُوبَيْنِ (فِي وَرَقَةٍ مَصُونَةٍ عِنْدَهُمَا) وَوَثِقَ بِأَنَّهُ خَطُّهُ وَلَمْ تَقُمْ عِنْدَهُ فِيهِ رِيبَةٌ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِهِ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْفَرْقِ لِاحْتِمَالِ الرِّيبَةِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى جَوَازِ اعْتِمَادِهِ لِلْبَيِّنَةِ فِيمَا لَوْ نَسْي نُكُولَ الْخَصْمِ، لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الْوَصْفِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأَصْلِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِالنُّكُولِ فِي ذَلِكَ كُلُّ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَأَفَادَ السُّبْكِيُّ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ قَضَائِهِ يَكْتُبُ عَلَى مَا ظَهَرَ بُطْلَانُهُ بِأَنَّهُ بَاطِلٌ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ مَالِكُهُ وَيَأْمُرْ بِأَنْ لَا يُعْطَى لَهُ بَلْ يَحْفَظُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ لِيَرَاهُ كُلُّ قَاضٍ.
(وَلَهُ) (الْحَلِفُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ حَقٍّ أَوْ أَدَائِهِ اعْتِمَادًا عَلَى) إخْبَارِ عَدْلٍ وَعَلَى (خَطِّ) نَفْسِهِ عَلَى الْمُرَجَّحِ وَعَلَى نَحْوِ خَطِّ مُكَاتَبِهِ وَمَأْذُونِهِ وَوَكِيلِهِ وَشَرِيكِهِ وَ (مُورَثِهِ إذَا وَثِقَ بِخَطِّهِ) بِحَيْثُ انْتَفَى عَنْهُ احْتِمَالُ تَزْوِيرِهِ (وَأَمَانَتِهِ) بِأَنْ عَلِمَ مِنْهُ عَدَمَ التَّسَاهُلِ فِي شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ اعْتِضَاضًا بِالْقَرِينَةِ، وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ مِثْلَهُ بِأَنَّ لِزَيْدٍ عَلَيَّ كَذَا سَمَحَتْ نَفْسُهُ بِدَفْعِهِ وَلَمْ يَحْلِفْ عَلَى نَفْيِهِ وَفَارَقَتْ مَا قَبْلَهَا بِأَنَّ خَطَرَهُمَا عَامٌّ بِخِلَافِهَا لِتَعَلُّقِهَا بِنَفْسِهِ (وَالصَّحِيحُ جَوَازُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِخَطٍّ) كَتَبَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ قِرَاءَةً وَلَا سَمَاعًا وَلَا إجَازَةً (مَحْفُوظٍ عِنْدَهُ) أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ لِأَنَّ بَابَ الرِّوَايَةِ أَوْسَعُ وَلِهَذَا عَمِلَ بِهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، وَلَوْ رَأَى خَطَّ شَيْخِهِ لَهُ بِالْإِذْنِ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ وَعَرَفَهُ جَازَ اعْتِمَادُهُ أَيْضًا.
وَالثَّانِي الْمَنْعُ إلَّا أَنْ يَتَذَكَّرَ كَالشَّهَادَةِ.
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ نَظِيرُهُ بِأَنْ تَجَدَّدَ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ مِثْلُهُ، وَإِلَّا فَالْبَرَاءَةُ بَعْدَ وُقُوعِهَا لَا تَرْتَفِعُ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ ذَلِكَ) أَيْ عِلْمُهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ امْتَنَعَ) أَيْ مِنْ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ نَعَمْ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ إلَخْ) هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ تَعْزِيرُ مَنْ أَسَاءَ أَدَبَهُ عَلَيْهِ إلَخْ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ تَكْرَارًا لِأَنَّ مَا هُنَا قَصَدَ بِهِ بَيَانَ الْحُكْمِ وَمَا تَقَدَّمَ سِيقَ لِمُجَرَّدِ الْفَرْقِ (قَوْلُهُ: وَكَمَا إذَا ظَهَرَ مِنْهُ إلَخْ) أَيْ مُوجِبُ الْحَدِّ كَأَنْ شَرِبَ خَمْرًا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ: يَكْتُبُ عَلَى مَا ظَهَرَ بُطْلَانُهُ) أَيْ فَيَنْبَغِي لِمَنْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ الْقُضَاةِ ذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَهُ.
(قَوْلُهُ وَعَلَى خَطِّ نَفْسِهِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ (قَوْلُهُ بِأَنَّ خَطَرَهُمَا عَامٌّ) أَيْ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَهُ الْحَلِفُ عَلَى إلَخْ.
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: نَعَمْ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ مَا يُوجِبُ تَعْزِيرًا عَزَّرَهُ) ظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّ هَذَا فِي الْمُجْتَهِدِ أَيْضًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ (قَوْلُهُ: وَكَمَا إذَا ظَهَرَ) أَيْ مُوجِبُ الْحَدِّ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ) لَكِنَّ الْحُكْمَ هُنَا لَيْسَ بِالْعِلْمِ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ قَرِيبًا
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ أَوْ شَهِدْت بِهَذَا) أَيْ تَحَمَّلْتُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(فَصْلٌ) فِي التَّسْوِيَةِ وَمَا يَتْبَعُهَا (لِيُسَوِّ) وُجُوبًا (بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ) وَإِنْ وَكَّلَا، وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ كَثِيرًا مِنْ التَّوْكِيلِ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ وَرْطَةِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ جَهْلٌ قَبِيحٌ، وَإِذَا اسْتَوَيَا فِي مَجْلِسٍ أَرْفَعَ وَوَكِيلَاهُمَا فِي مَجْلِسٍ أَدْوَنَ أَوْ جَلَسَا مُسْتَوِيَيْنِ وَقَامَ وَكِيلَاهُمَا مُسْتَوِيَيْنِ جَازَ كَمَا بَحَثَهُ الْبَغَوِيّ (فِي دُخُولٍ عَلَيْهِ) بِأَنْ يَأْذَنَ لَهُمَا فِيهِ مَعًا لَا لِأَحَدِهِمَا فَقَطْ وَلَا قَبْلَ الْآخَرِ (وَقِيَامٍ لَهُمَا) أَوْ تَرْكِهِ (وَاسْتِمَاعٍ) لِكَلَامِهِمَا وَنَظَرٍ إلَيْهِمَا (وَطَلَاقَةِ وَجْهٍ) أَوْ عُبُوسِهِ (وَجَوَابِ سَلَامٍ) إنْ سَلَّمَا (وَمَجْلِسٍ) بِأَنْ يُقَرِّبَهُمَا إلَيْهِ عَلَى السَّوَاءِ أَوْ يَجْعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ الْأَوْلَى، وَالْأَوْلَى أَيْضًا أَنْ يَكُونَ عَلَى الرُّكَبِ لِأَنَّهُ أَهْيَبُ، إلَّا الْمَرْأَةَ فَالْأَوْلَى فِي حَقِّهَا التَّرَبُّعُ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ وَيُبْعِدُ الرَّجُلَ عَنْهَا.
وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْإِكْرَامِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤْثِرَ أَحَدَهُمَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُمَازِحَهُ وَإِنْ شَرُفَ بِعِلْمٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ أَوْ وَالِدَيْهِ أَوْ غَيْرِهِمَا لِكَسْرِ قَلْبِ الْآخَرِ وَإِضْرَارِهِ، وَالْأَوْلَى تَرْكُ الْقِيَامِ لِشَرِيفٍ وَوَضِيعٍ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْقِيَامَ لِأَجْلِ الشَّرِيفِ وَلَوْ قَامَ لِمَنْ لَمْ يَظُنَّهُ مُخَاصِمًا فَتَبَيَّنَ لَهُ حَالُهُ، بِخِلَافِ ذَلِكَ قَامَ لِخَصْمِهِ أَوْ اعْتَذَرَ لَهُ، أَمَّا إذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ لِلْآخَرِ سَلِّمْ وَاغْتُفِرَ هَذَا التَّكَلُّمُ بِأَجْنَبِيٍّ وَلَمْ يَكُنْ قَاطِعًا لِلرَّدِّ لِذَلِكَ أَوْ يَصْبِرَ حَتَّى يُسَلِّمَ فَيُجِيبَهُمَا جَمِيعًا وَيُغْتَفَرُ طُولُ الْفَصْلِ لِلضَّرُورَةِ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ وَمَجْلِسٍ عَدَمَ تَرْكِهِمَا قَائِمَيْنِ وَهُوَ الْأَوْلَى، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى وَهُمَا قَائِمَانِ
(وَالْأَصَحُّ) (رَفْعُ مُسْلِمٍ عَلَى ذِمِّيٍّ فِيهِ) أَيْ الْمَجْلِسِ وُجُوبًا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَاعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ كَالْبَارِزِيِّ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَا يُنَافِيهِ تَعْبِيرُ مَنْ عَبَّرَ بِالْجَوَازِ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَنْعٍ يَصْدُقُ بِالْوَاجِبِ كَمَا هِيَ الْقَاعِدَةُ الْأَكْثَرِيَّةُ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ، وَفِي مُخَاصَمَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ لِيَهُودِيٍّ فِي دِرْعٍ بَيْنَ يَدَيْ نَائِبِهِ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا ارْتَفَعَ عَلَى الذِّمِّيِّ لَوْ كَانَ خَصْمِي مُسْلِمًا لَقَعَدْت بَيْنَ يَدَيْك، وَلَكِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا تُسَاوُوهُمْ فِي الْمَجَالِسِ» وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إيثَارُ الْمُسْلِمِ فِي سَائِرِ وُجُوهِ الْإِكْرَامِ: أَيْ حَتَّى فِي التَّقْدِيمِ بِالدَّعْوَى كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ قَلَّتْ الْخُصُومُ الْمُسْلِمُونَ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ لِكَثْرَةِ ضَرَرِ التَّأْخِيرِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِالتَّسْوِيَةِ
(وَإِذَا جَلَسَا) أَوْ قَامَا بَيْنَ يَدَيْهِ (فَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ) لِئَلَّا يُتَّهَمَ (وَ) لَهُ (أَنْ يَقُولَ لِيَتَكَلَّم الْمُدَّعِي) مِنْكُمَا لِأَنَّهُمَا رُبَّمَا هَابَاهُ، فَإِنْ عَرَفَ عَيْنَ الْمُدَّعِي قَالَ لَهُ تَكَلَّمْ
(فَإِذَا) (ادَّعَى) دَعْوَةً صَحِيحَةً (طَالَبَ) جَوَازًا (خَصْمَهُ بِالْجَوَابِ) بِنَحْوِ اُخْرُجْ مِنْ دَعْوَاهُ وَلَوْ
[حاشية الشبراملسي]
[فَصْلٌ فِي التَّسْوِيَةِ وَمَا يَتْبَعُهَا]
(فَصْلٌ) فِي التَّسْوِيَةِ وَمَا يَتْبَعُهَا (قَوْلُهُ وَنَظَرٍ إلَيْهِمَا) أَيْ إذَا اتَّفَقَ أَنَّهُ نَظَرَ لِأَحَدِهِمَا فَلْيَنْظُرْ لِلْآخَرِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَعْلَمُ) أَيْ الْوَضِيعُ (قَوْلُهُ: وَيُغْتَفَرُ طُولُ الْفَصْلِ) وَبَقِيَ مَا لَوْ عَلِمَ مِنْ الثَّانِي عَدَمَ السَّلَامِ بِالْمَرَّةِ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ لَهُ سَلِّمْ لِأُجِيبَكُمَا أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ
(قَوْلُهُ: لَوْ كَانَ خَصْمِي مُسْلِمًا) لَعَلَّ حِكْمَةَ قَوْلِهِ ذَلِكَ إظْهَارُ شَرَفِ الْإِسْلَامِ وَمُحَافَظَةِ أَهْلِهِ عَلَى الشَّرْعِ لِيَكُونَ سَبَبًا لِإِسْلَامِ الذِّمِّيِّ وَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالْأَظْهَرُ خِلَافُهُ) أَيْ فَيُقَدَّمُ الذِّمِّيُّ إنْ سَبَقَ وَإِلَّا
[حاشية الرشيدي]
فَصْلٌ) فِي التَّسْوِيَةِ وَمَا يَتْبَعُهَا (قَوْلُهُ بِأَنْ يَقْرَبَهُمَا إلَيْهِ عَلَى السَّوَاءِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: بِأَنْ يَكُونَ قُرْبُهُمَا إلَيْهِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ انْتَهَتْ.
وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ كَالشَّارِحِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَنْ يَكُونَا بَيْنَ يَدَيْهِ جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ، لَكِنَّ صَدْرَ عِبَارَتِهِ أَصْوَبُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ كَمَا يُعْلَمُ بِتَأَمُّلِهَا (قَوْلُهُ: وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الْإِكْرَامِ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَا فِي الْمَتْنِ
(قَوْلُهُ: كَمَا هِيَ الْقَاعِدَةُ الْأَكْثَرِيَّةُ) لَا مَوْقِعَ لِهَذَا بَعْدَ تَعْبِيرِهِ بِيَصْدُقُ بَلْ يُفِيدُ خِلَافَ الْمُرَادِ
لَمْ يَسْأَلْهُ الْمُدَّعِي لِيَفْصِلَ الْأَمْرَ بَيْنَهُمَا، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ هُنَا عَدَمُ لُزُومِ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ انْحَصَرَ الْأَمْرُ فِيهِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ آخَرُ، وَلَوْ قَالَ لَهُ الْخَصْمُ طَالِبْهُ لِي بِجَوَابِ دَعْوَايَ فَالْمُتَّجَهُ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَإِلَّا لَزِمَ بَقَاؤُهُمَا مُتَخَاصِمَيْنِ وَإِذًا أَثِمَ بِدَفْعِهِمَا عَنْهُ فَكَذَا بِهَذَا لِأَنَّ الْعِلَّةَ وَاحِدَةٌ (فَإِنْ أَقَرَّ) حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا (فَذَاكَ) ظَاهِرٌ فَيَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ لِثُبُوتِ الْحَقِّ بِالْإِقْرَارِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ لِوُضُوحِ دَلَالَتِهِ بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ كَانَتْ صُورَةُ الْإِقْرَارِ مُخْتَلَفًا فِيهَا اُحْتِيجَ لِلْحُكْمِ كَمَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَلَهُ الدَّفْعُ عَنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ لِعَوْدِ النَّفْعِ لَهُمَا وَأَنْ يَشْفَعَ لَهُ إنْ ظَنَّ قَبُولَهُ لَا عَنْ حَيَاءٍ أَوْ خَوْفٍ وَإِلَّا أَثِمَ (وَإِنْ أَنْكَرَ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ لِلْمُدَّعِي أَلَك بَيِّنَةٌ) لِخَبَرٍ مُسَلَّمٍ بِهِ أَوْ شَاهِدٍ مَعَ يَمِينِك إنْ ثَبَتَ الْحَقُّ بِهِمَا، وَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي لِكَوْنِهِ أَمِينًا أَوْ فِي قَسَامَةٍ أَوْ فِي قَذْفِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ قَالَ لَهُ أَتَحْلِفُ (وَ) لَهُ (أَنْ يَسْكُتَ) وَهُوَ الْأَوْلَى لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مَيْلُهُ لِلْمُدَّعِي، نَعَمْ لَوْ جَهِلَ الْمُدَّعِي أَنَّ لَهُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ لَمْ يَسْكُتْ بَلْ يَجِبُ إعْلَامُهُ بِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إنْ عَلِمَ عِلْمَهُ بِذَلِكَ فَالسُّكُوتُ أَوْلَى إنْ شَكَّ فَالْقَوْلُ أَوْلَى، وَإِنْ عَلِمَ جَهْلَهُ بِهِ وَجَبَ إعْلَامُهُ اهـ. وَلَوْ عَبَّرَ بِالْحُجَّةِ بَدَلَ الْبَيِّنَةِ كَانَ أَوْلَى، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ تَعْلِيمُ الْمُدَّعِي كَيْفِيَّةَ الدَّعْوَى وَلَا الشَّاهِدِ كَيْفِيَّةَ الشَّهَادَةِ لِقُوَّةِ الْإِيهَامِ لِذَلِكَ، فَإِنْ تَعَدَّى وَفَعَلَ فَأَدَّى الشَّهَادَةَ بِتَعْلِيمِهِ اُعْتُدَّ بِهِ، قَالَهُ الْغَزِّيِّ
(فَإِنْ) (قَالَ لِي بَيِّنَةٌ وَأُرِيدُ تَحْلِيفَهُ) (فَلَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ إنْ تَوَرَّعَ وَأَقَرَّ سَهُلَ الْأَمْرُ وَإِلَّا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ لِتَشْتَهِرَ خِيَانَتُهُ وَكِذْبُهُ، نَعَمْ لَوْ كَانَ مُتَصَرِّفًا عَنْ غَيْرِهِ أَوْ نَفْسِهِ وَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِنَحْوِ سَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ تَعَيَّنَتْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ كَمَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ لِئَلَّا يَحْتَاجَ الْأَمْرُ لِلدَّعْوَى بَيْنَ يَدَيْ مَنْ لَا يَرَى الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْحَلِفِ فَيَحْصُلُ الضَّرَرُ، وَنُوزِعَ فِيهِ بِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُدَّعِي
[حاشية الشبراملسي]
أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا
(قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ هُنَا إلَخْ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: عَدَمُ لُزُومِ ذَلِكَ) قِيَاسُ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ نَعَمْ لَوْ جَهِلَ الْمُدَّعِي أَنَّ لَهُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ إلَخْ مَجِيءُ مِثْلِهِ هُنَا مِنْ التَّفْصِيلِ الْآتِي، إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ كَوْنَهُ يُطْلَبُ مِنْهُ الْجَوَابُ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلْخُصُومَةِ وَالدَّعْوَى (قَوْلُهُ: فَكَذَا بِهَذَا) أَيْ بَعْدَ سُؤَالِهِ جَوَابَ الْخَصْمِ (قَوْلُهُ: وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: لِعَوْدِ النَّفْعِ لَهُمَا) أَيْ بِأَنْ تَكَلَّمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ جَهْلًا مِنْهُ بِمَا يُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِ الدَّعْوَى مَثَلًا أَوْ يَقْتَضِي ثُبُوتًا بِغَيْرِ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْخَصْمِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ وَيُبَيِّنَ لَهُ الْحَقَّ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِتَصْحِيحِ الدَّعْوَى وَفَصْلِ الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمَا عَلَى وَجْهِ الْحَقِّ (قَوْلُهُ: إنْ ثَبَتَ الْحَقُّ بِهِمَا) أَيْ بِأَنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ مَالًا (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ جَهْلَهُ بِهِ وَجَبَ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: كَانَ أَوْلَى) لِشُمُولِهِ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ (قَوْلُهُ: فَأَدَّى الشَّاهِدُ بِتَعْلِيمِهِ) أَيْ أَوْ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ أَيْضًا
(قَوْلُهُ: تَعَيَّنَتْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ) أَيْ ابْتِدَاءً (قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَحْتَاجَ الْأَمْرُ لِلدَّعْوَى إلَخْ) فَيَحْصُلُ الضَّرَرُ (قَوْلُهُ: وَنُوزِعَ فِيهِ بِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُدَّعِي) يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى إطْلَاقِهِ، بَلْ قَدْ يُجَابُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَأَنْ طَلَبَ
[حاشية الرشيدي]
فَالصَّوَابُ حَذْفُهُ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَنْ لَمْ يُعَبِّرْ بِيَصْدُقُ كَشَرْحِ الرَّوْضِ
(قَوْلُهُ: أَوْ حُكْمًا) أَيْ بِأَنْ نَكَلَ وَحَلَفَ الْمُدَّعِي الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ قَاسِمٍ، لَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَتْنِ لِأَنَّ الْحَلِفَ الْمَذْكُورَ بَعْدَ النُّكُولِ مِنْ تَفَارِيعِ الْإِنْكَارِ الْآتِي الَّذِي جَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ قَسِيمَ الْإِقْرَارِ، فَلَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ إلَّا الْإِقْرَارَ الْحَقِيقِيَّ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ) قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ: يَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لِحُكْمٍ، وَإِلَّا فَالْوَجْهُ جَوَازُ الْحُكْمِ.
قَالَ: لَا يُقَالُ لَا فَائِدَةَ لَهُ لِأَنَّا نَمْنَعُ ذَلِكَ، بَلْ مِنْ فَوَائِدِهِ أَنَّهُ قَدْ يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي مُوجِبِ الْإِقْرَارِ، فَفِي الْحُكْمِ دَفْعُ الْمُخَالِفِ عَنْ الْحُكْمِ بِنَفْيِ ذَلِكَ الْمُوجِبِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَهَذَا غَيْرُ الْإِقْرَارِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ ثَمَّ فِي نَفْسِ الْإِقْرَارِ وَكَلَامُنَا فِي الِاخْتِلَافِ فِي بَعْضِ مَوَاجِبِهِ اهـ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ بَدَلَ قَوْلِهِ وَإِلَّا فَالْوَجْهُ جَوَازُ الْحُكْمِ وَإِلَّا فَالْوَجْهُ ثُبُوتُ الْحَاجَةِ لِلْحُكْمِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَلَهُ الدَّفْعُ) يَعْنِي دَفْعَ الْمَالِ
(قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ كَانَ مُتَصَرِّفًا عَنْ غَيْرِهِ) الضَّمِيرُ فِي كَانَ لِلْمُدَّعِي (قَوْلُهُ: وَنُوزِعَ فِيهِ بِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُدَّعِي) فِيهِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ يَطْلُبُ الْقَاضِيَ الْأَصِيلَ مَثَلًا وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ يُجَابُ
فَلَا يَرْفَعُ غَرِيمَهُ إلَّا لِمَنْ يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْحَلِفِ بِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَنْفَصِلَ أَمْرُهُ عِنْدَ الْأَوَّلِ (أَوْ) قَالَ (لَا بَيِّنَةَ لِي) وَأَطْلَقَ أَوْ قَالَ لَا حَاضِرَةً وَلَا غَائِبَةً أَوْ كُلُّ بَيِّنَةٍ أُقِيمُهَا زُورٌ (ثُمَّ أَحْضَرَهَا) (قُبِلَتْ فِي الْأَصَحِّ) لِاحْتِمَالِ نِسْيَانِهِ أَوْ عَدَمِ عِلْمِهِ بِتَحَمُّلِهَا، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِقَرْضٍ مَثَلًا فَأَنْكَرَ أَخْذَهُ مِنْ أَصْلِهِ ثُمَّ أَرَادَ إقَامَةَ بَيِّنَةٍ بِأَدَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ قُبِلَتْ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ لِجَوَازِ نِسْيَانِهِ حَالَ الْإِنْكَارِ، كَمَا لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْإِيدَاعِ ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَ ذَلِكَ أَوْ رَدَّهُ قَبْلَ الْجَحْدِ، وَلَوْ قَالَ شُهُودِي عَبِيدٌ أَوْ فَسَقَةٌ وَقَدْ مَضَتْ مُدَّةُ اسْتِبْرَاءٍ أَوْ عِتْقٍ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَإِلَّا فَلَا.
فَإِنْ قَالَ هَؤُلَاءِ آخَرُونَ جَهِلْتَهُمْ أَوْ نَسِيتهمْ قُبِلُوا وَإِنْ قَرُبَ الزَّمَنُ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا لِلْمُنَاقَضَةِ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ لِكَلَامِهِ تَأْوِيلًا كَكُنْتُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا
(وَإِنْ) (ازْدَحَمَ خُصُومٌ) أَيْ مُدَّعُونَ (قُدِّمَ) وُجُوبًا (الْأَسْبَقُ) فَالْأَسْبَقُ الْمُسْلِمُ لِأَنَّهُ الْعَدْلُ وَالِاعْتِبَارُ بِسَبْقِ الْمُدَّعِي دُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَصْلُ الْخُصُومَةِ، وَبَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ لَوْ جَاءَ مُدَّعٍ وَحْدَهُ ثُمَّ مُدَّعٍ مَعَ خَصْمِهِ ثُمَّ خَصْمُ الْأَوَّلِ قُدِّمَ مَنْ جَاءَ مَعَ خَصْمِهِ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ خَصْمَ الْأَوَّلِ إنْ حَضَرَ قَبْلَ دَعْوَى الثَّانِي قُدِّمَ الْأَوَّلُ لِسَبْقِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ، أَوْ بَعْدَهَا فَتَقْدِيمُ الثَّانِي هُنَا لَيْسَ إلَّا لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْأَوَّلِ وَقْتَ دَعْوَى الثَّانِي غَيْرُ مُمْكِنٍ لِبُطْلَانِ حَقِّ الْأَوَّلِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ لَيْسَتْ مُرَادَةً لِلشَّيْخَيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ الْمَسْبُوقُ كَمَا بَحَثَهُ أَيْضًا وَسَبَقَهُ لَهُ الْفَزَارِيّ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ فَصْلُهَا فَيُقَدِّمُ مَنْ شَاءَ كَمُدَرِّسٍ وَمُفْتٍ فِي عِلْمٍ غَيْرِ فَرْضٍ، فَإِنْ كَانَ فِي فَرْضِ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ وَجَبَ تَقْدِيمُ السَّابِقِ وَإِلَّا فَبِالْقُرْعَةِ (فَإِنْ جَهِلَ) السَّابِقَ (أَوْ جَاءُوا مَعًا أَقْرَعَ) لِانْتِفَاءِ الْمُرَجِّحِ وَمِنْهُ أَنْ يَكْتُبَ أَسْمَاءَهُمْ بِرِقَاعٍ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَأْخُذَ رُقْعَةً رُقْعَةً فَكُلُّ مَنْ خَرَجَ اسْمُهُ قَدَّمَهُ، وَالْأَوْلَى لَهُمْ تَقْدِيمُ مَرِيضٍ يَتَضَرَّرُ بِالتَّأْخِيرِ، فَإِنْ امْتَنَعُوا قَدَّمَهُ إنْ كَانَ مَطْلُوبًا لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ (وَيُقَدَّمُ) نَدْبًا (مُسَافِرُونَ) أَيْ مُرِيدُونَ لِلسَّفَرِ وَإِنْ كَانَ قَصِيرًا (مُسْتَوْفِزُونَ) مُدَّعُونَ أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَضَرَّرُوا بِالتَّأْخِيرِ عَنْ رُفَقَائِهِمْ
[حاشية الشبراملسي]
الْأَصْلَ وَالْمُدَّعِي غَيْرُهُ أَوْ سَبَقَ الطَّالِبُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ عَلَى مَا مَرَّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ نَصَّبَ قَاضِيَيْنِ إلَخْ مِنْ قَوْلِهِ وَإِذَا كَانَ فِي بَلَدٍ قَاضِيَانِ إلَخْ فَلَا يَرْفَعُ غَرِيمُهُ إلَّا لِمَنْ يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْحَلِفِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَ ذَلِكَ) أَيْ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ مَضَتْ مُدَّةُ اسْتِبْرَاءٍ) وَهِيَ سَنَةٌ
(قَوْلُهُ: وَيُرَدُّ بِأَنَّ خَصْمَ الْأَوَّلِ) أَيْ فَيُقَدَّمُ مَنْ جَاءَ أَوَّلًا حَيْثُ حَضَرَ خَصْمُهُ قَبْلَ دَعْوَى الثَّانِي (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْكَافِرُ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَإِذَا ازْدَحَمَ خُصُومٌ إلَخْ: أَيْ مُسْلِمُونَ أَوْ كُفَّارٌ (قَوْلُهُ: فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ الْمَسْبُوقُ) أَيْ مَا لَمْ يَكْثُرْ الْمُسْلِمُونَ وَيُؤَدِّ إلَى الضَّرَرِ كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ فَيُقَدَّمُ الْكَافِرُ ابْتِدَاءً (قَوْلُهُ فِي عِلْمٍ غَيْرِ فَرْضٍ) كَالْعَرُوضِ إنْ قُلْنَا بِسُنِّيَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَجَبَ تَقْدِيمُ السَّابِقِ) أَيْ حَيْثُ تَعَيَّنَ أَخْذًا مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالْقَاضِي (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَبِالْقُرْعَةِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ مِثْلُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي التَّاجِرِ وَنَحْوِهِ مِنْ السُّوقَةِ، كَذَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ.
أَقُولُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُ وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ لِاضْطِرَارِ الْمُشْتَرِي، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنَّ الْخِيرَةَ لَهُ لِأَنَّ الْبَيْعَ مِنْ أَصْلِهِ لَيْسَ وَاجِبًا، بَلْ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ بَيْعِ بَعْضِ الْمُشْتَرِينَ وَيَبِيعَ بَعْضًا، وَيَجْرِي مَا ذُكِرَ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَسْبَقِ ثُمَّ الْقُرْعَةِ بَيْنَ الْمُزْدَحِمِينَ عَلَى مُبَاحٍ، وَمِنْهُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الِازْدِحَامِ عَلَى الطَّوَاحِينِ بِالرِّيفِ الَّتِي أَبَاحَ أَهْلُهَا الطَّحْنَ بِهَا لِمَنْ أَرَادَ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَالِكِينَ لَهَا، أَمَّا هُمْ فَيُقَدَّمُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّ غَيْرَهُمْ مُسْتَعِيرٌ فَلَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ، أَمَّا الْمَالِكُونَ إذَا اجْتَمَعُوا وَتَنَازَعُوا فِيمَنْ يُقَدَّمُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ جَاءُوا مُتَرَتِّبِينَ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْمَنْفَعَةِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ امْتَنَعُوا قَدَّمَهُ) أَيْ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مَطْلُوبًا) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ طَالِبًا لَا يُقَدَّمُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي تَقْدِيمِهِ دَفْعَ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ لَهُ بِالِانْتِظَارِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ طَالِبًا
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ هَؤُلَاءِ آخَرُونَ جَهِلْتُهُمْ أَوْ نَسِيتهمْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلُوا، وَقَدْ يُقَالُ هَلَّا قُبِلُوا وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ نَظِيرُ مَا مَرَّ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْكَافِرُ) كَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ قَدَّمَ التَّقْيِيدَ بِالْمُسْلِمِ كَالتُّحْفَةِ فِي مَزْجِ الْمَتْنِ حَتَّى أَخَذَ هَذَا مُحْتَرَزًا لَهُ، أَوْ أَنَّهُ قَيَّدَ بِهِ وَأَسْقَطَتْهُ الْكَتَبَةُ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَتَضَرَّرُوا بِالتَّأْخِيرِ عَنْ رُفَقَائِهِمْ)
(وَنِسْوَةٌ) كَذَلِكَ عَلَى رِجَالٍ وَيُتَّجَهُ إلْحَاقُ الْخَنَاثَى بِهِنَّ (وَإِنْ تَأَخَّرُوا) لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ (مَا لَمْ يَكْثُرُوا) أَيْ النَّوْعَانِ، وَغَالِبٌ الذُّكُورُ لِشَرَفِهِمْ، فَإِنْ كَثُرُوا أَوْ كَانَ الْجَمِيعُ مُسَافِرِينَ أَوْ نِسْوَةً فَالتَّقْدِيمُ بِالسَّبْقِ أَوْ الْقُرْعَةِ كَمَا مَرَّ، وَلَوْ تَعَارَضَ مُسَافِرٌ وَامْرَأَةٌ قُدِّمَ عَلَيْهَا لِأَنَّ الضَّرَرَ فِيهِ أَقْوَى، وَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ إلْحَاقِ الْعَجُوزِ بِالرَّجُلِ مَمْنُوعٌ، وَمَنْ لَهُ مَرِيضٌ بِلَا مُتَعَهِّدٍ يُتَّجَهُ إلْحَاقُهُ بِالْمَرِيضِ (وَلَا يُقَدَّمُ سَابِقٌ وَقَارِعٌ إلَّا بِدَعْوَى) وَاحِدَةٍ لِئَلَّا يَزِيدَ ضَرَرُ الْبَاقِينَ، وَيُقَدَّمُ الْمُسَافِرُ بِجَمِيعِ دَعَاوِيهِ إنْ خَفَّتْ بِحَيْثُ لَمْ يَضُرَّ بِغَيْرِهِ إضْرَارًا بَيِّنًا: أَيْ لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَإِلَّا فَبِدَعْوَى وَاحِدَةٍ وَأَلْحَقَ بِهِ الْمَرْأَةَ
(وَيَحْرُمُ) (اتِّخَاذُ شُهُودٍ مُعَيَّنِينَ) (لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ وَضَيَاعِ كَثِيرٍ مِنْ الْحُقُوقِ، وَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ مَنْ يَكْتُبُ الْوَثَائِقَ وَإِنْ تَبَرَّعَ أَوْ رُزِقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِلَّا اتَّجَهَتْ الْحُرْمَةُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَعَنُّتِ الْمُعَيَّنِ وَمُغَالَاتِهِ فِي الْأُجْرَةِ وَتَعْطِيلِهِ الْحُقُوقَ أَوْ تَأْخِيرِهَا
(وَإِذَا) شَهِدَ شُهُودٌ) بَيْنَ يَدَيْ حَاكِمٍ بِحَقٍّ أَوْ تَزْكِيَةٍ (فَعَرَفَ عَدَالَةً أَوْ فِسْقًا) (عَمِلَ بِعِلْمِهِ) قَطْعًا وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَزْكِيَةٍ وَإِنْ طَلَبَهَا الْخَصْمُ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الشَّاهِدُ أَصْلَ الْحَاكِمِ أَوْ فَرْعَهُ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُ لَهُمَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِمْ شَيْئًا (وَجَبَ) عَلَيْهِ (الِاسْتِزْكَاءُ) أَيْ طَلَبُ مَنْ يُزَكِّيهِمْ وَإِنْ اعْتَرَفَ الْخَصْمُ بِعَدَالَتِهِمْ كَمَا يَأْتِي لِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى، نَعَمْ إنْ صَدَّقَهَا فِيمَا شَهِدَا بِهِ عَمِلَ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْإِقْرَارِ لَا الشَّهَادَةِ، وَلَوْ عَرَفَ عَدَالَةَ مُزَكِّي الْمُزَكَّى فَقَطْ كَفَى وَإِنْ وَقَعَ لِلزَّرْكَشِيِّ مَا يُخَالِفُهُ، وَلَهُ الْحُكْمُ بِسُؤَالِ الْمُدَّعِي عَقِبَ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ، وَالْأَوْلَى قَوْلُهُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَلَك دَافِعٌ فِي الْبَيِّنَةِ أَوْ لَا، وَيُمْهِلُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَيْثُ طَلَبَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَيُجَابُ مُدَّعٍ طَلَبَ الْحَيْلُولَةِ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ وَقَبْلَ التَّزْكِيَةِ، وَلَهُ حِينَئِذٍ مُلَازَمَتُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ، وَبَعْدَ الْحَيْلُولَةِ لَوْ تَصَرَّفَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَمْ يَنْفُذْ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلِلْحَاكِمِ فِعْلُهَا بِلَا طَلَبٍ
[حاشية الشبراملسي]
وَمَطْلُوبًا (قَوْلُهُ: وَامْرَأَةٌ) أَيْ مُقِيمَةٌ (قَوْلُهُ: قُدِّمَ) وَفِي نُسْخَةٍ اُتُّجِهَ تَقْدِيمُهُ (قَوْلُهُ: وَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ إلْحَاقِ الْعَجُوزِ) أَيْ إذَا كَانَا مُقِيمَيْنِ أَوْ مُسَافِرَيْنِ فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا بَحَثَهُ بِالسَّبْقِ، وَالْمُعْتَمَدُ تَقْدِيمُ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ وَلَوْ عَجُوزًا
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَرَفَ عَدَالَةَ مُزَكِّي الْمُزَكَّى فَقَطْ كَفَى) اُنْظُرْ مَا صُورَتُهُ، وَقَدْ يُصَوَّرُ بِمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عِنْدَ الْقَاضِي وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَهُمَا فَزَكَّاهُمَا اثْنَانِ وَلَمْ يَعْرِفْ الْقَاضِي حَالَهُمَا أَيْضًا فَزَكَّى الْمُزَكِّينَ آخَرَانِ عَرَفَ الْقَاضِي عَدَالَتَهُمَا (قَوْلُهُ: حَيْثُ طَلَبَهُ الْمُدَّعِي) ظَاهِرُهُ وُجُوبًا (قَوْلُهُ وَيُجَابُ مُدَّعٍ طَلَبَ الْحَيْلُولَةِ) أَيْ بَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَيْنَ الْعَيْنِ الَّتِي فِيهَا النِّزَاعُ (قَوْلُهُ: وَلِلْحَاكِمِ فِعْلُهَا)
[حاشية الرشيدي]
الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مُجَرَّدُ الِاسْتِيفَازِ كَافٍ (قَوْلُهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ) هَذَا تَعْلِيلٌ لِلْمُسَافِرِ خَاصَّةً (قَوْلُهُ: إلَّا بِدَعْوَى وَاحِدَةٍ) تَرَدَّدَ الْأَذْرَعِيُّ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّعْوَى فَصْلُهَا أَوْ مُجَرَّدُ سَمَاعِهَا، وَاسْتَقْرَبَ أَنَّهُ إذَا كَانَ يَلْزَمُ عَلَى فَصْلِهَا تَأْخِيرٌ كَأَنْ تَوَقَّفَ عَلَى إحْضَارِ بَيِّنَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْمَعُ غَيْرُهَا فِي مُدَّةِ إحْضَارِ نَحْوِ الْبَيِّنَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ مَنْ يَكْتُبُ) بِمَعْنَى أَنَّهُ يُعَيِّنُ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَكْتُبُوا عِنْدَهُ وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ الْكَتْبِ عِنْدَ غَيْرِهِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ وَبِدَلِيلِ إيرَادِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُ شُهُودٍ إلَخْ فَهُوَ مِنْ مُحْتَرَزَاتِ الْمَتْنِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ خَرَجَ بِالشُّهُودِ الْكَتَبَةُ فَلَا يَحْرُمُ اتِّخَاذُهُمْ إلَّا بِقَيْدِهِ.
أَمَّا اتِّخَاذُ الْكَاتِبِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ فَإِنَّهُ مَنْدُوبٌ كَمَا مَرَّ فِي الْمَتْنِ أَوَّلَ الْبَابِ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يُعْمَلْ بِعِلْمِهِ) أَيْ فِي التَّعْدِيلِ بِدَلِيلِ الْعِلَّةِ.
أَمَّا الْجَرْحُ فَيُعْمَلُ بِعِلْمِهِ فِيهِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَيُجَابُ مُدَّعٍ طَلَبَ الْحَيْلُولَةَ) هَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ عَيْنًا لَا حَقَّ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى، أَمَّا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ عِتْقًا أَوْ طَلَاقًا فَلِلْقَاضِي الْحَيْلُولَةُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ وَبَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مُطْلَقًا بِلَا طَلَبٍ، بَلْ يَجِبُ فِي الطَّلَاقِ وَكَذَا فِي الْعِتْقِ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عِتْقُهَا أَمَةً، فَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَإِنَّمَا يَجِبُ بِطَلَبِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ دَيْنًا فَلَا يَسْتَوْفِيهِ قَبْلَ التَّزْكِيَةِ وَإِنْ طَلَبَ الْمُدَّعِي هَذَا مَعْنَى مَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ وَفِي الْعُبَابِ بَعْضُ مُخَالَفَةٍ لَهُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: لَوْ تَصَرَّفَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَمْ يَنْفُذْ) أَيْ فِي الظَّاهِرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التُّحْفَةِ
إنْ رَآهُ، وَلَا يُجِيبُ طَالِبَ اسْتِيفَاءٍ أَوْ حَجْرٍ أَوْ حَبْسٍ قَبْلَ الْحُكْمِ (بِأَنْ) هُوَ بِمَعْنَى كَأَنْ (يَكْتُبَ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الشَّاهِدُ) مِنْ اسْمٍ وَصِفَةٍ وَشُهْرَةٍ لِئَلَّا يَشْتَبِهَ، فَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا أَوْ حَصَلَ التَّمْيِيزُ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ كَفَى (وَالْمَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ) كَيْ لَا يَكُونَ قَرِيبًا أَوْ عَدُوًّا (وَكَذَا قَدْرُ الدَّيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ) لِأَنَّهُ قَدْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الشَّاهِدِ فِي الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ، وَلَا بُعْدَ فِي كَوْنِ الْعَدَالَةِ تَخْتَلِفُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ مَلَكَةً وَبِذَلِكَ يُرَدُّ مُقَابِلُ الصَّحِيحِ الْقَائِلُ بِعَدَمِ الْكِتَابَةِ بِمَا ذُكِرَ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ لَا تَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ (وَيَبْعَثَ بِهِ) أَيْ الْمَكْتُوبِ (مُزَكِّيًا) لِيَعْرِفَ، وَمُرَادُهُ بِالْمُزَكِّي اثْنَانِ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا نُسْخَةٌ مَخْفِيَّةٌ عَنْ صَاحِبِهِ، وَتَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي التَّزْكِيَةِ، فَلَا يُنَافِي قَوْلَ أَصْلِهِ: إلَى الْمُزَكِّي، وَهَؤُلَاءِ الْمَبْعُوثُونَ يُسَمَّوْنَ أَصْحَابَ الْمَسَائِلِ لِأَنَّهُمْ يَبْحَثُونَ وَيَسْأَلُونَ، وَيُنْدَبُ بَعْثُهُمَا سِرًّا وَأَنْ لَا يَعْلَمَ كُلٌّ بِالْآخَرِ وَيُطْلِقُونَ عَلَى الْمُزَكِّينَ حَقِيقَةً وَهُمْ الْمُرْسَلُ إلَيْهِمْ (ثُمَّ) بَعْدَ السُّؤَالِ وَالْبَحْثِ (يُشَافِهُهُ الْمُزَكِّي بِمَا عِنْدَهُ) فَإِنْ كَانَ جَرْحًا سَتَرَهُ، وَقَالَ لِلْمُدَّعِي زِدْنِي فِي شُهُودِك أَوْ تَعْدِيلًا عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ، ثُمَّ هَذَا الْمُزَكِّي إنْ كَانَ شَاهِدَ أَصْلٍ فَوَاضِحٌ، وَإِلَّا قُبِلَ قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ لِلْحَاجَةِ، وَلَوْ وَلِيَ صَاحِبُ الْمَسْأَلَةِ الْحُكْمَ بِالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ كَفَى قَوْلُهُ فِيهِ لِأَنَّهُ حَاكِمٌ (وَقِيلَ تَكْفِي كِتَابَتُهُ) أَيْ الْمُزَكِّي إلَى الْقَاضِي بِمَا عِنْدَهُ لِيَعْتَمِدَهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمُشَافَهَةِ لِأَنَّ الْخَطَّ لَا يُعْتَمَدُ كَمَا مَرَّ
(وَشَرْطُهُ) أَيْ الْمُزَكِّي سَوَاءً أَكَانَ صَاحِبَ الْمَسْأَلَةِ أَمْ الْمَرْسُولَ إلَيْهِ (كَشَاهِدٍ) فِي كُلِّ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَمَّا مَنْ نُصِّبَ لِلْحُكْمِ بِالتَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ فَشَرْطُهُ كَقَاضٍ وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي وَاقِعَةٍ خَاصَّةٍ وَإِلَّا فَكَمَا مَرَّ فِي الِاسْتِخْلَافِ (مَعَ مَعْرِفَتِهِ) أَيْ الْمُزَكِّي لِكُلٍّ مِنْ (الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ) وَأَسْبَابِهِمَا لِئَلَّا يُجَرِّحَ عَدْلًا وَيُزَكِّيَ فَاسِقًا وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الشَّاهِدُ بِالرُّشْدِ نَعَمْ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ يَكْفِيهِ أَنْ يَشْهَدَ بِأَنَّهُ صَالِحٌ لِدِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَيُتَّجَهُ حَمْلُهُ عَلَى عَارِفٍ بِصَلَاحِهِمَا الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الرُّشْدُ فِي مَذْهَبِهِ، وَمَا اُعْتُرِضَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِذَلِكَ الْإِطْلَاقِ وَلَوْ مِنْ مُوَافِقٍ لِلْقَاضِي فِي مَذْهَبِهِ، لِأَنَّ وَظِيفَةَ الشَّاهِدِ التَّفْصِيلُ لَا الْإِجْمَالُ لِيَنْظُرَ فِيهِ الْقَاضِي غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِطْلَاقِ أَنْ يَشْهَدَ بِمُطْلَقِ الرُّشْدِ.
أَمَّا مَعَ قَوْلِهِ إنَّهُ صَالِحٌ لِدِينِهِ وَدُنْيَاهُ فَإِنَّهُ تَفْصِيلٌ لَا إطْلَاقٌ (وَ) مَعَ مَعْرِفَتِهِ (خِبْرَةِ) الْمَرْسُولِ إلَيْهِ أَيْضًا إمَّا بِحَقِيقَةِ (بَاطِنِ مَنْ يُعَدِّلُهُ لِصُحْبَةٍ أَوْ جِوَارٍ)
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ الْحَيْلُولَةِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُرْسَلُ) أَيْ الْمُزَكَّى
(قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ يَكْفِيهِ) أَيْ فِي الشَّهَادَةِ بِالرُّشْدِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَوْ حُبِسَ قَبْلَ الْحُكْمِ) فِي الرَّوْضِ وَالْعُبَابِ مَا يُخَالِفُ إطْلَاقَ هَذَا فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَيَبْعَثُ بِهِ مُزَكِّيًا) الْحِكْمَةُ فِي هَذَا الْبَعْثِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْقَاضِي إخْفَاءُ الْمُزَكِّينَ مَا أَمْكَنَ لِئَلَّا يُحْتَرَزَ عَنْهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمْ يَبْحَثُونَ) أَيْ مِنْ الْمُزَكِّينَ لِيُوَافِقَ مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: ثُمَّ هَذَا الْمُزَكِّي) أَيْ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ثَمَّ يُشَافِهُهُ الْمُزَكِّي كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِهَذَا الَّذِي هُوَ لِلْإِشَارَةِ لِلْقَرِيبِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُزَكِّي الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، وَصَرَّحَ بِهَذَا الْأَذْرَعِيُّ وَيُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ، وَقِيلَ تَكْفِي كِتَابَتُهُ، وَمُرَادُ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ شَاهِدَ أَصْلٍ: أَيْ بِأَنْ كَانَ هُوَ الْمُخْتَبِرَ لِحَالِ الشُّهُودِ بِصُحْبَةٍ أَوْ جِوَارٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يَأْتِي، وَقَوْلُهُ وَإِلَّا: أَيْ بِأَنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى أَحْوَالِ الشُّهُودِ إلَّا بِإِخْبَارِ نَحْوِ جِيرَانِهِمْ، وَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ قَوْلَ الشَّارِحِ: أَيْ الْمُزَكِّي سَوَاءٌ أَكَانَ صَاحِبَ الْمَسْأَلَةِ أَمْ الْمَرْسُولَ إلَيْهِ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَشَرْطِهِ لِأَنَّهُ لِلْإِشَارَةِ إلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْحُكْمَ بِقَوْلِ الْمُزَكِّينَ أَوْ الْمَسْئُولِينَ مِنْ الْجِيرَانِ وَنَحْوِهِمْ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ، وَقَدْ قَرَّرَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ هَذَا الْمَقَامَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَيُوَافِقُهُ ظَاهِرُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ فَلْيُحَرَّرْ وَلْيُرَاجَعْ مَا فِي حَاشِيَةِ الزِّيَادِيِّ
(قَوْلُهُ: الْمَرْسُولَ إلَيْهِ) صَوَابُهُ الْمُرْسَلَ إلَيْهِ لِأَنَّ اسْمَ الْمَفْعُولِ مِنْ غَيْرِ الثُّلَاثِيِّ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ تَفْصِيلٌ لَا إطْلَاقٌ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: قَدْ يُقَالُ إنَّمَا يَكُونُ تَفْصِيلًا لَا إطْلَاقًا إذَا صَرَّحَ بِمَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الصَّلَاحُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ (قَوْلُهُ وَمَعَ مَعْرِفَتِهِ خِبْرَةٍ إلَخْ) الصَّوَابُ حَذْفُ لَفْظِ مَعْرِفَتِهِ فَخِبْرَةٍ فِي الْمَتْنِ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى مَعْرِفَتِهِ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ لِصُحْبَةٍ أَوْ جِوَارٍ
بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَفْصَحُ مِنْ ضَمِّهِ (أَوْ مُعَامَلَةٍ) فَقَدْ شَهِدَ عِنْدَ عُمَرَ اثْنَانِ فَقَالَ لَهُمَا لَا أَعْرِفُكُمَا، وَلَا يَضُرُّكُمَا أَنِّي لَا أَعْرِفُكُمَا ائْتِيَا بِمَنْ يَعْرِفُكُمَا، فَأَتَيَا بِرَجُلٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كَيْفَ تَعْرِفُهُمَا؟ قَالَ: بِالصَّلَاحِ وَالْأَمَانَةِ، قَالَ: هَلْ كُنْت جَارًا لَهُمَا تَعْرِفُ صَبَاحَهُمَا وَمَسَاءَهُمَا وَمَدْخَلَهُمَا وَمَخْرَجَهُمَا؟ قَالَ لَا؟ قَالَ: هَلْ عَامَلْتهمَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي تُعْرَفُ بِهِمَا أَمَانَاتُ الرِّجَالِ؟ قَالَ لَا، قَالَ: هَلْ صَاحَبْتهمَا فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْفِرُ عَنْ أَخْلَاقِ الرِّجَالِ، قَالَ لَا؟ قَالَ: فَأَنْتَ لَا تَعْرِفُهُمَا، ائْتِيَا بِمَنْ يَعْرِفُكُمَا وَيُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي خِبْرَتِهِمْ بِذَلِكَ.
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ أَسْبَابَ الْفِسْقِ خَفِيَّةٌ غَالِبًا فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُزَكِّي حَالَ مَنْ يُزَكِّيهِ، وَهَذَا كَمَا فِي الشَّهَادَةِ بِالْإِفْلَاسِ.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِمَعْرِفَتِهِ الْأَوْصَافَ الثَّلَاثَةَ مِنْ مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ كَنَحْوِ شَهْرَيْنِ، وَيُغْنِي عَنْ خِبْرَةِ ذَلِكَ اسْتِفَاضَةُ عَدَالَتِهِ عِنْدَهُ مِمَّنْ يَخْبَرُ بَاطِنَهُ وَأَلْحَقَ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِذَلِكَ مَا لَوْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ عَلَى سَمْعِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ التَّوَاطُؤِ، وَخَرَجَ بِمَنْ يُعَدِّلُهُ مَنْ يُجَرِّحُهُ فَلَا يُشْتَرَطُ خِبْرَةُ بَاطِنِهِ لِاشْتِرَاطِ تَفْسِيرِ الْجَرْحِ
(وَالْأَصَحُّ) (اشْتِرَاطُ لَفْظِ شَهَادَةٍ) مِنْ الْمُزَكِّي كَبَقِيَّةِ الشَّهَادَاتِ وَالثَّانِي لَا بَلْ يَكْفِي أَعْلَمُ وَتَحَقَّقَ وَهُوَ شَاذٌّ (وَأَنَّهُ يَكْفِي هُوَ عَدْلٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] فَأَطْلَقَ الْعَدَالَةَ، فَإِذَا شَهِدَ بِأَنَّهُ عَدْلٌ فَقَدْ أَثْبَتَ الْعَدَالَةَ الَّتِي اقْتَضَتْهَا الْآيَةُ (وَقِيلَ يَزِيدُ عَلَيَّ وَلِي) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ (وَيَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ الْجَرْحِ) كَزِنًا وَسَرِقَةٍ وَإِنْ كَانَ فَقِيهًا لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ بِخِلَافِ سَبَبِ التَّعْدِيلِ، وَلِأَنَّ الْجَارِحَ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ مَعْرِفَةً فَنَسْأَلُهُ عَنْ بَيَانِهَا، وَالْمُعَدِّلَ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَا أَعْرِفُ فَلَمْ يُطَالَبْ بِبَيَانٍ، وَلَا يُجْعَلُ بِذِكْرِ الزِّنَا قَاذِفًا وَإِنْ انْفَرَدَ لِأَنَّهُ مَسْئُولٌ فَهُوَ فِي حَقِّهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَوْ عَيْنٍ، بِخِلَافِ شُهُودِ الزِّنَا إذَا نَقَصُوا عَنْ الْأَرْبَعَةِ فَإِنَّهُمْ قَذَفَةٌ لِأَنَّهُمْ مَنْدُوبُونَ إلَى السَّتْرِ فَهُمْ مُقَصِّرُونَ، وَلَوْ عَلِمَ لَهُ مُجَرِّحَاتٍ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدٍ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ لِأَكْثَرَ مِنْهُ، بَلْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا يَجُوزُ جَرْحُهُ بِالْأَكْبَرِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بِالْأَصْغَرِ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَهُ لَمْ يُقْبَلْ لَكِنْ يَجِبُ التَّوَقُّفُ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِهِ إلَى أَنْ يَبْحَثَ عَنْ ذَلِكَ الْجَرْحِ كَمَا يَأْتِي، أَمَّا سَبَبُ الْعَدَالَةِ فَلَا يَحْتَاجُ لِذِكْرِهِ لِكَثْرَةِ أَسْبَابِهَا وَعُسْرِ عَدِّهَا.
قَالَ جَمْعٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمُزَكَّى وَالْمَجْرُوحِ وَلَا الْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ: أَيْ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَمِنْ ثَمَّ كَفَتْ فِيهِمَا شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ، نَعَمْ لَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ الْبَيِّنَةِ لِلْخَصْمِ لِيَأْتِيَ بِدَافِعٍ أَمْكَنَهُ (وَيُعْتَمَدُ فِيهِ) أَيْ الْجَرْحِ (الْمُعَايَنَةُ) لِنَحْوِ زِنَاهُ أَوْ السَّمَاعُ لِنَحْوِ قَذَفَهُ (أَوْ الِاسْتِفَاضَةُ) عَنْهُ بِمَا يُجَرِّحُهُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ التَّوَاتُرَ وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ اعْتِمَادُ التَّوَاتُرِ بِالْأَوْلَى، وَلَا يَجُوزُ اعْتِمَادُ عَدَدٍ قَلِيلٍ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ وَوُجِدَ شَرْطُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.
وَفِي اشْتِرَاطِ ذِكْرِ مَا يَعْتَمِدُهُ مِنْ مُعَايَنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْأَشْهَرُ نَعَمْ.
وَثَانِيهِمَا
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: الَّذِي يُسْفِرُ) أَيْ يَكْشِفُ (قَوْلُهُ: وَيُغْنِي عَنْ خِبْرَةِ ذَلِكَ اسْتِفَاضَةُ عَدَالَتِهِ) هِيَ قَوْلُهُ لِصُحْبَةٍ أَوْ جِوَارٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ
(قَوْلُهُ لَكِنْ يَجِبُ التَّوَقُّفُ) وَفِي نُسْخَةٍ: لَكِنْ يَتَوَقَّفُ عَنْ إلَخْ: أَيْ نَدْبًا أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي لَهُ
[حاشية الرشيدي]
أَوْ مُعَامَلَةٍ) أَيْ أَوْ شِدَّةِ فَحْصٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَأَتَّى فِي الْمُزَكِّينَ الْمَنْصُوبِينَ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ غَالِبًا (قَوْلُهُ: وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ) اُنْظُرْ مَا مُرَادُهُ بِمَا تَقَرَّرَ، وَفِي التُّحْفَةِ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ مُعَامَلَةٍ مَا نَصُّهُ: قَدِيمَةٍ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا غَيْرُ الْقَدِيمَةِ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ كَأَنْ عَرَفَهُ فِي أَحَدِهِمَا مِنْ نَحْوِ شَهْرَيْنِ فَلَا يَكْفِي (قَوْلُهُ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِمَعْرِفَةِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ) صَوَابُهُ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ بِمُدَّةٍ قَرِيبَةٍ (قَوْلُهُ: وَيُغْنِي عَنْ خِبْرَةٍ ذَلِكَ) فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ قَلَاقَةٌ، وَالْأَوْلَى حَذْفُ لَفْظِ خِبْرَةٍ
(قَوْلُهُ: كَمَا يَأْتِي) الَّذِي يَأْتِي خِلَافُ هَذَا، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّوَقُّفُ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، وَفِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا إبْدَالَ لَفْظِ يَجِبُ بِيُنْدَبُ وَهُوَ الَّذِي يُوَافِقُ مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: أَمَّا سَبَبُ الْعَدَالَةِ فَلَا يُحْتَاجُ لِذِكْرِهِ) هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ بِخِلَافِ سَبَبِ التَّعْدِيلِ.
لَا يُقَالُ: إنَّ مَعْنَى ذَاكَ بِخِلَافِ سَبَبِ التَّعْدِيلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مُخْتَلَفًا فِيهِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا خِلَافُ الْوَاقِعِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ أَوْ السَّمَاعِ لِنَحْوِ قَذْفِهِ) الْمَصْدَرُ مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ
وَهُوَ الْأَقْيَسُ لَا، وَهَذَا أَوْجَهُ
(وَيُقَدَّمُ) الْجَرْحُ (عَلَى التَّعْدِيلِ) لِزِيَادَةِ عِلْمِ الْجَارِحِ (فَإِنْ قَالَ الْمُعَدِّلُ عَرَفْت سَبَبَ الْجَرْحِ وَتَابَ مِنْهُ وَأَصْلَحَ قُدِّمَ) لِزِيَادَةِ عِلْمِهِ، وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ وَأَصْلَحَ عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِ التَّوْبَةِ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا قَبُولُ شَهَادَتِهِ لِاشْتِرَاطِ مُضِيِّ مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ بَعْدَهَا كَمَا يَأْتِي فَهُوَ تَأْسِيسٌ لَا تَأْكِيدٌ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ الِاكْتِفَاءُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ وَأَصْلَحَ وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ تَارِيخَ الْجَرْحِ وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ، وَكَذَا يُقَدَّمُ التَّعْدِيلُ حَيْثُ أُرِّخَتْ الْبَيِّنَتَانِ وَكَانَتْ بَيِّنَةُ التَّعْدِيلِ مُتَأَخِّرَةً.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إنْ عَلِمَ الْمُعَدَّلُ جَرَّحَهُ، وَإِلَّا فَيُحْتَمَلُ اعْتِمَادُهُ عَلَى حَالِهِ قَبْلَ الْجَرْحِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَا تَتَوَقَّفُ الشَّهَادَةُ بِهِ عَلَى سُؤَالِ الْحَاكِمِ لِأَنَّهُ تُسْمَعُ فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ التَّعْدِيلَ كَذَلِكَ لِسَمَاعِهَا فِيهِ أَيْضًا، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الشَّاهِدِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ أَنَا مَجْرُوحٌ أَوْ فَاسِقٌ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ الْجَرْحِ خِلَافًا لِلرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ.
نَعَمْ يُتَّجَهُ أَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا لَا يَبْعُدُ عَادَةً عِلْمُهُ بِأَسْبَابِ الْجَرْحِ، وَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنْ تَوَقُّفِ الْحَاكِمِ عَنْ شَاهِدٍ جَرَّحَهُ عَدْلٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ يَظْهَرُ حَمْلُهُ عَلَى نَدْبِ التَّوَقُّفِ إنْ قَوِيَتْ الرِّيبَةُ لِاحْتِمَالِ اتِّضَاحِ الْقَادِحِ، فَإِنْ لَمْ يَتَّضِحْ حَكَمَ لِمَا يَأْتِي مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ رِيبَةٍ لَا مُسْتَنَدَ لَهَا (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ عَدْلٌ وَقَدْ غَلِطَ) فِي شَهَادَتِهِ عَلَيَّ لِمَا مَا مَرَّ أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ حَقٌّ لَهُ تَعَالَى، وَلِهَذَا امْتَنَعَ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ فَاسِقٍ وَإِنْ رَضِيَ الْخَصْمُ، وَمُقَابِلُهُ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ لَا فِي التَّعْدِيلِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَوْلُهُ غَلِطَ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِأَنَّ إنْكَارَهُ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِعَدَالَتِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِنِسْبَتِهِ لِلْغَلَطِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، فَإِنْ قَالَ عَدْلٌ فِيمَا شَهِدَ بِهِ عَلَيَّ كَانَ إقْرَارًا مِنْهُ.
وَيُنْدَبُ لِلْحَاكِمِ تَفْرِقَةُ الشُّهُودِ عِنْدَ ارْتِيَابِهِ مِنْهُمْ وَيَسْأَلُ كُلًّا وَيَسْتَقْصِي ثُمَّ يَسْأَلُ الثَّانِي كَذَلِكَ قَبْلَ اجْتِمَاعِهِ بِالْأَوَّلِ وَيَعْمَلُ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ.
وَالْأَوْلَى كَوْنُ ذَلِكَ قَبْلَ التَّزْكِيَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَإِنْ طَلَبَهُ الْخَصْمُ، وَلَا يَلْزَمُ الشُّهُودَ إجَابَتُهُ بَلْ إنْ أَصَرُّوا لَزِمَهُ الْحُكْمُ بِشُرُوطِهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِرِيبَةٍ يَجِدُهَا.
وَلَوْ قَالَ لَا دَافِعَ لِي ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي بِأَنَّ شَاهِدَيْهِ شَرِبَا الْخَمْرَ مَثَلًا وَقْتَ كَذَا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَدَاءِ دُونَ سَنَةٍ رُدَّا وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ لَمْ يُعَيِّنَا لِلشُّرْبِ وَقْتًا سُئِلَ الْخَصْمُ وَحَكَمَ بِمَا تَقْتَضِيهِ بَيِّنَتُهُ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ التَّعْيِينِ تَوَقَّفَ عَنْ الْحُكْمِ، وَلَوْ ادَّعَى الْخَصْمُ أَنَّ الْمُدَّعِي أَقَرَّ بِنَحْوِ فِسْقِ بَيِّنَتِهِ وَأَقَامَ شَاهِدًا لِيَحْلِفَ مَعَهُ بَنَى عَلَى مَا لَوْ قَالَ بَعْدَ بَيِّنَتِهِ: شُهُودِي فَسَقَةٌ، وَالْأَصَحُّ بُطْلَانُ بَيِّنَتِهِ لَا دَعْوَاهُ، فَلَا يَحْلِفُ الْخَصْمُ مَعَ شَاهِدِهِ لِأَنَّ الْغَرَضَ الطَّعْنُ فِي الْبَيِّنَةِ وَهُوَ لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَلَوْ شَهِدَا بِأَنَّ هَذَا مِلْكُهُ وَرِثَهُ فَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَنَّهُمَا ذَكَرَا بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِشَاهِدَيْنِ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ أَوْ أَنَّهُمَا ابْتَاعَا الدَّارَ رُدَّا، وَمَا فِي الرَّوْضَةِ مِمَّا يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُرَادٍ.
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَلَا تَتَوَقَّفُ الشَّهَادَةُ بِهِ) أَيْ بِالْجَرْحِ (قَوْلُهُ: وَيَظْهَرُ حَمْلُهُ عَلَى نَدْبِ التَّوَقُّفِ) يُتَأَمَّلُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ السَّابِقِ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَهُ لَمْ يُقْبَلْ لَكِنْ يَجِبُ التَّوَقُّفُ إلَخْ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي بَعْضِ النُّسَخِ إسْقَاطَ قَوْلِهِ السَّابِقِ يَجِبُ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يُعَيِّنَا لِلشُّرْبِ وَقْتًا) أَيْ بِعَيْنِهِ، وَبِهِ عَبَّرَ حَجّ (قَوْلُهُ: وَمَا فِي الرَّوْضَةِ) أَقُولُ: الْقِيَاسُ مَا فِي الرَّوْضَةِ كَمَا تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَا بَيِّنَةَ لِي ثُمَّ أَحْضَرَهَا قُبِلَتْ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يُعْرَفْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَوْ نَسِيَ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْبَيِّنَةُ هُنَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا حِينَ قَوْلِهِمَا لَسْنَا بِشَاهِدَيْنِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ نَسِيَا.
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: لِاشْتِرَاطِ مُضِيِّ مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ) أَيْ وَذِكْرُ أَصْلَحَ يُفِيدُ ذَلِكَ: أَيْ بِاعْتِبَارِ مَقْصُودِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: يَظْهَرُ حَمْلُهُ) فِي نُسْخَةٍ بَدَلُ هَذَا يَجِبُ حَمْلُهُ.
بَابُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ عَنْ الْبَلَدِ أَوْ الْمَجْلِسِ لِتَوَارٍ أَوْ تَعَزُّزٍ مَعَ مَا يُذْكَرُ مَعَهُ (هُوَ جَائِزٌ) فِي كُلِّ شَيْءٍ سِوَى عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَأْتِي، وَإِنْ كَانَ الْغَائِبُ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ لِلْحَاجَةِ وَلِتَمَكُّنِهِ مِنْ إبْطَالِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِإِثْبَاتِ طَاعِنٍ فِي الْبَيِّنَةِ بِنَحْوِ فِسْقٍ أَوْ فِي الْحَقِّ بِنَحْوِ أَدَاءً، وَلَيْسَ لَهُ سُؤَالُ الْقَاضِي عَنْ كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَى لِأَنَّ تَحْرِيرَهَا إلَيْهِ.
نَعَمْ إنْ سُجِّلَتْ فَلَهُ الْقَدْحُ بِإِبْدَاءِ مُبْطِلٍ لَهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، «وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِهِنْدَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَمَّا شَكَتْ لَهُ مِنْ شُحِّهِ خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» فَهُوَ قَضَاءٌ عَلَيْهِ لَا إفْتَاءٌ، وَإِلَّا لَقَالَ لَك أَنْ تَأْخُذِي مَثَلًا، وَرَدَّهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بِأَنَّهُ كَانَ حَاضِرًا بِمَكَّةَ غَيْرَ مُتَوَارٍ وَلَا مُتَعَزِّزٍ لِأَنَّ الْوَاقِعَةَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ لَمَّا حَضَرَتْ هِنْدُ لِلْمُبَايَعَةِ، وَذَكَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا أَنْ لَا يَسْرِقْنَ، فَذَكَرَتْ هِنْدُ ذَلِكَ، وَاعْتَرَضَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهَا وَلَمْ يُقَدِّرْ الْمَحْكُومَ بِهِ لَهَا وَلَمْ يُحَرِّرْ دَعْوَى عَلَى مَا شَرَطُوهُ، وَالدَّلِيلُ الْوَاضِحُ أَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فَالْحُكْمُ مِثْلُهَا، وَالْقِيَاسُ عَلَى سَمَاعِهَا عَلَى مَيِّتٍ وَصَغِيرٍ مَعَ أَنَّهُمَا أَعْجَزُ عَنْ الدَّفْعِ عَنْ الْغَائِبِ، وَإِنَّمَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِشُرُوطِهَا الْآتِيَةِ فِي بَابِهَا مَعَ زِيَادَةِ شُرُوطٍ أُخْرَى.
مِنْهَا أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ عَلَيْهِ إلَّا (إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ) حُجَّةٌ يَعْلَمُهَا الْحَاكِمُ وَقْتَ الدَّعْوَى عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ وَإِنْ اعْتَرَضَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَجَوَّزَ سَمَاعَهَا إذَا حَدَثَ بَعْدَهَا عِلْمُ الْبَيِّنَةِ وَتَحَمُّلُهَا، وَهُوَ الْأَوْجَهُ.
ثُمَّ تِلْكَ الْحُجَّةُ إمَّا (بَيِّنَةٌ) وَلَوْ شَاهِدًا وَيَمِينًا فِيمَا يُقْضَى فِيهِ بِهِمَا، وَإِمَّا عِلْمُ الْقَاضِي دُونَ مَا عَدَاهُمَا لِتَعَذُّرِ الْإِقْرَارِ وَالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ (وَادَّعَى الْمُدَّعِي جُحُودَهُ) وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ لَهُ
[حاشية الشبراملسي]
[بَابُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ]
(قَوْلُهُ: وَلِتَمَكُّنِهِ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (قَوْلُهُ عَنْ كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَى) أَيْ الْأُولَى، وَقَوْلُهُ لِأَنَّ تَحْرِيرَهَا إلَيْهِ أَيْ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: وَاعْتَرَضَهُ) أَيْ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ قَضَاءٌ (قَوْلُهُ: وَالْقِيَاسُ عَلَى سَمَاعِهَا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْقَضَاء (قَوْلُهُ: وَلَوْ شَاهِدًا وَيَمِينًا) هَلْ يَجِبُ مَعَ هَذِهِ الْيَمِينِ يَمِينُ الِاسْتِظْهَارِ أَمْ يُكْتَفَى بِهَا الْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ.
ثُمَّ رَأَيْت الدَّمِيرِيِّ صَرَّحَ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ مَا نَصُّهُ: فَرْعٌ: يَجُوزُ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ كَالْحَاضِرِ، وَهَلْ يَكْفِي يَمِينٌ أَمْ يُشْتَرَطُ يَمِينَانِ إحْدَاهُمَا لِتَكْمِيلِ الْحُجَّةِ وَالثَّانِيَةُ لِنَفْيِ الْمُسْقِطَاتِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا الثَّانِي اهـ. وَيُصَرِّحُ بِهِ إبْقَاءُ الشَّارِحِ لِلْمَتْنِ عَلَى إطْلَاقِهِ فِي قَوْلِهِ الْآتِي وَيَجِبُ أَنْ يُحَلِّفَهُ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ أَنَّ اللَّامَ لِلْعَهْدِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ الْبَيِّنَةُ السَّابِقَةُ فِي قَوْلِهِ هُنَا إنْ كَانَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، وَقَدْ شَرَحَهَا الشَّارِحُ كَمَا تَرَى بِقَوْلِهِ وَلَوْ شَاهِدًا وَيَمِينًا، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ أَفَادَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ
[حاشية الرشيدي]
بَابُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ) (قَوْلُهُ: وَلِتَمَكُّنِهِ) أَيْ بَعْدَ حُضُورِهِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهُ سُؤَالُ الْقَاضِي) قَيَّدَهُ فِي التُّحْفَةِ بِالْقَاضِي الْأَهْلِ، وَأَسْقَطَهُ الشَّارِحُ لَعَلَّهُ قَصْدًا فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَاعْتَرَضَهُ) أَيْ الدَّلِيلَ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ) أَيْ بَعْدَ سَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي حُضُورِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اعْتَرَضَهُ) أَيْ اعْتَرَضَ اشْتِرَاطَ عِلْمِ الْقَاضِي بِالْبَيِّنَةِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ السِّيَاقِ، لَكِنَّ الْوَاقِعَ أَنَّ الْبُلْقِينِيَّ إنَّمَا نَازَعَ فِي اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْمُدَّعِي بِهَا بَلْ وَفِي وُجُودِهَا حِينَئِذٍ مِنْ أَصْلِهَا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ حَوَاشِي وَالِدِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: أَوْ تَحَمُّلُهَا) هُوَ بِالرَّفْعِ: أَيْ أَوْ حَدَثَ تَحَمُّلُهَا، وَلَعَلَّ صُورَتَهُ أَنْ تَسْمَعَ إقْرَارَ الْغَائِبِ بَعْدَ وُقُوعِ الدَّعْوَى (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَوْجَهُ) اُنْظُرْ هَلْ هُوَ رَاجِعٌ لِاعْتِرَاضِ الْبُلْقِينِيِّ أَوْ لِمَا قَبْلَهُ، فَإِنْ كَانَ رَاجِعًا لِاعْتِرَاضِ الْبُلْقِينِيِّ فَكَانَ يَنْبَغِي حَذْفُ لَفْظِ إنْ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ اعْتَرَضَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إلَخْ) صَرِيحٌ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ مَعَ زِيَادَةِ شُرُوطٍ أُخْرَى إلَخْ أَنَّ ذِكْرَ لُزُومِ التَّسْلِيمِ وَالْمُطَالَبَةُ مِنْ الزَّائِدِ عَلَى الشُّرُوطِ
الْآنَ وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِذَلِكَ (فَإِنْ قَالَ هُوَ مُقِرٌّ) وَأَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ اسْتِظْهَارًا مَخَافَةَ أَنْ يُنْكِرَ أَوْ لِيَكْتُبَ بِهَا الْقَاضِي إلَى قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ (لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ) وَإِنْ قَالَ هُوَ مُمْتَنِعٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تُقَامُ عَلَى مُقِرٍّ، وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِهِ مَخَافَةَ أَنْ يُنْكِرَ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ سَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَى غَائِبٍ بِوَدِيعَةٍ لِلْمُدَّعِي فِي يَدِهِ لِانْتِفَاءِ الْحَاجَةِ لِذَلِكَ لِكَوْنِ الْمُودِعِ مُتَمَكِّنًا مِنْ دَعْوَى التَّلَفِ أَوْ الرَّدِّ، وَمَا بَحَثَهُ الْعِرَاقِيُّ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى بِأَنَّ لَهُ تَحْتَ يَدِهِ وَدِيعَةً وَسَمَاعِ بَيِّنَتِهِ بِهَا لَكِنْ لَا يَحْكُمُ وَلَا يُوفِيهِ مِنْ مَالِهِ، إذْ لَيْسَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ كَانَ مَعَهُ بَيِّنَةٌ بِإِتْلَافِهِ لَهَا أَوْ تَلَفِهَا عِنْدَهُ بِتَقْصِيرٍ سَمِعَهَا وَحَكَمَ وَوَفَّاهُ مِنْ مَالِهِ لِأَنَّ بَدَلَهَا حِينَئِذٍ مِنْ جُمْلَةِ الدُّيُونِ.
قَالَ: وَإِنَّمَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ جُحُودِ الْمُودِعِ وَتَعَذُّرِ الْبَيِّنَةِ فَيَضْبِطُهَا عِنْدَ الْقَاضِي بِإِقَامَتِهَا لَدَيْهِ وَإِشْهَادِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِثُبُوتِ ذَلِكَ لِيَسْتَغْنِيَ بِإِقَامَتِهَا عِنْدَ جُحُودِ الْمُودِعِ إذَا حَضَرَ لِأَنَّهَا قَدْ تَتَعَذَّرُ حِينَئِذٍ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا نَظَرَ إلَيْهِ شَيْخُهُ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ أَنَّ مَخَافَةَ إنْكَارِهِ مُسَوِّغٌ لِسَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ.
وَيُسْتَثْنَى مَا إذَا كَانَ لِلْغَائِبِ عَيْنٌ حَاضِرَةٌ فِي عَمَلِ الْحَاكِمِ الَّذِي وَقَعَتْ عِنْدَهُ الدَّعْوَى، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِهِ وَأَرَادَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى دَيْنِهِ لِيُوفِيَهُ فَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ وَإِنْ قَالَ هُوَ مُقِرٌّ، وَمَا اسْتَثْنَاهُ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ لِسَفَهٍ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يَمْنَعْ قَوْلُهُ هُوَ مُقِرٌّ مِنْ سَمَاعِهَا أَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ شَاهِدَةً بِالْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ يَقُولُ عِنْدَ إرَادَةِ مُطَابَقَةِ دَعْوَاهُ بَيِّنَتَهُ هُوَ مُقِرٌّ لِي بِكَذَا وَلِي بَيِّنَةٌ مَمْنُوعٌ فِي الْأَخِيرَةِ (وَإِنْ أَطْلَقَ) وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِجُحُودٍ وَلَا إقْرَارٍ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تُسْمَعُ) لِأَنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ جُحُودَهُ فِي غَيْبَتِهِ وَيَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الْحَقِّ فَتُجْعَلُ غَيْبَتُهُ كَكِسْوَتِهِ.
وَالثَّانِي لَا تُسْمَعُ إلَّا عِنْدَ التَّعَرُّضِ لِلْجُحُودِ وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا عِنْدَهُ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ نَصْبُ مُسَخَّرٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُشَدَّدَةِ (يُنْكِرُ عَنْ الْغَائِبِ) وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يَأْتِي لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُقِرًّا فَيَكُونُ إنْكَارُ الْمُسَخَّرِ كَذِبًا، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ نَصْبُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ وَغَيْرِهِ، وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ لِتَكُونَ الْبَيِّنَةُ عَلَى إنْكَارِ مُنْكِرٍ (وَيَجِبُ) فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْغَائِبِ وَكِيلٌ حَاضِرٌ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ الدَّعْوَى بِدَيْنٍ أَمْ عَيْنٍ أَمْ بِصِحَّةِ عَقْدٍ أَمْ إبْرَاءٍ كَأَنْ أَحَالَ الْغَائِبُ عَلَى مَدِينٍ لَهُ حَاضِرٌ فَادَّعَى إبْرَاءَهُ لِاحْتِمَالِ دَعْوَى أَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَيْهِ (أَنْ يُحَلِّفَهُ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ) وَتَعْدِيلُهَا (أَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ) إلَى الْآنَ احْتِيَاطًا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَرُبَّمَا ادَّعَى أَدَاءً أَوْ إبْرَاءً أَوْ نَحْوَهُمَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إلَيَّ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ لِتَأْجِيلٍ أَوْ نَحْوِهِ وَظَاهِرٌ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي الدَّعْوَى بِعَيْنٍ بَلْ يَحْلِفُ فِيهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِهَا، وَكَذَا نَحْوُ الْإِبْرَاءِ كَمَا يَأْتِي، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَتَعَرَّضَ مَعَ الثُّبُوتِ وَلُزُومِ التَّسْلِيمِ إلَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ فِي شُهُودِهِ قَادِحًا فِي الشَّهَادَةِ مُطْلَقًا أَوْ بِالنِّسْبَةِ لِلْغَائِبِ كَفِسْقٍ وَعَدَاوَةٍ وَتُهْمَةٍ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ
[حاشية الشبراملسي]
يَمِينٍ ثَانِيَةٍ لِلِاسْتِظْهَارِ بَعْدَ الْيَمِينِ الْمُكَمِّلَةِ لِلْحُجَّةِ وَهَذَا فَرْضُهُ فِي الْغَائِبِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجْرِيَانِ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَزَادَ الشَّارِحُ الْمَيِّتَ وَبَيَّنَ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ وَيَجْرِيَانِ بِقَوْلِهِ: أَيْ الْوَجْهَانِ كَمَا قَبْلَهُمَا مِنْ الْأَحْكَامِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيِّنَةِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ مَا يَشْمَلُ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ كَالدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ، وَأَنَّهُ حَيْثُ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ شَاهِدًا مَعَ يَمِينٍ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينٍ ثَانِيَةٍ لِلِاسْتِظْهَارِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَالَ هُوَ مُقِرٌّ) أَيْ وَهُوَ مِمَّنْ يُقْبَلُ إقْرَارُهُ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ هُوَ مُقِرٌّ (قَوْلُهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ) أَيْ الْغَائِبُ (قَوْلُهُ: فِي الْأَخِيرَةِ) هِيَ قَوْلُهُ أَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ شَاهِدَةً إلَخْ (قَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ فِي الْأَنْوَارِ) أَيْ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَرِّيَ فِي إنْكَارِهِ عَلَى الْغَائِبِ (قَوْلُهُ: بَلْ يَحْلِفُ فِيهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِهَا) أَيْ كَأَنْ يَقُولَ وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ تَحْتَ يَدِهِ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إلَى إلَخْ
[حاشية الرشيدي]
الْآتِيَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَوْ لِيَكْتُبَ بِهَا) اُنْظُرْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَاذَا (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْقَاضِي نَصْبَ مُسَخَّرٍ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْجَزَاءِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الشَّرْطِ وَانْظُرْ هَلْ مِثْلُ ذَلِكَ سَائِغٌ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يُسْتَحَبُّ نَصْبُهُ) اُنْظُرْهُ مَعَ الْعِلَّةِ قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرٌ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ هَذَا) أَيْ مَا فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا أَوْ بِالنِّسْبَةِ لِلْغَائِبِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكْتَفَى مِنْهُ بِأَحَدِ هَذَيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ لِتَلَازُمِهِمَا كَمَا يُعْلَمُ بِالتَّأَمُّلِ
أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ كَانَ حَاضِرًا وَطَلَبَ تَحْلِيفَ الْمُدَّعِي عَلَى ذَلِكَ أُجِيبَ، وَلَا يَبْطُلُ الْحَقُّ بِتَأْخِيرِ هَذِهِ الْيَمِينِ، وَلَا تَرْتَدُّ بِالرَّدِّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُكَمِّلَةً لِلْحُجَّةِ وَإِنَّمَا هِيَ شَرْطٌ لِلْحُكْمِ، وَلَوْ ثَبَتَ الْحَقُّ وَحَلَفَ ثُمَّ نُقِلَ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ لِيَحْكُمَ بِهِ فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ وُجُوبِ إعَادَتِهَا.
أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ وَكِيلٌ حَاضِرٌ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ التَّحْلِيفُ عَلَى طَلَبِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا وَاعْتَمَدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَمَا اسْتَشْكَلَ بِهِ فِي التَّوْشِيحِ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ لَهُ وَكِيلٌ حَاضِرٌ لَمْ يَكُنْ قَضَاءً عَلَى غَائِبٍ وَلَمْ يَجِبْ يَمِينٌ جَزْمًا يُمْكِنُ رَدُّهُ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْخُصُومَاتِ فِي نَحْوِ الْيَمِينِ بِالْمُوَكِّلِ لَا بِالْوَكِيلِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الْبُلْقِينِيِّ لِلْقَاضِي سَمَاعُ الدَّعْوَى عَلَى غَائِبٍ وَإِنْ حَضَرَ وَكِيلُهُ لِوُجُودِ الْغَيْبَةِ الْمُسَوِّغَةِ لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَالْقَضَاءُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَيْهِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ إنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَدَعْوَى قِنٍّ عِتْقًا أَوْ امْرَأَةٍ طَلَاقًا عَلَى غَائِبٍ وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ حِسْبَةً عَلَى إقْرَارِهِ بِهِ فَلَا يَحْتَاجُ لِيَمِينٍ إذْ لَاحَظَ جِهَةَ الْحِسْبَةِ، وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِي الْعِتْقِ، وَأَلْحَقَ بِهِ الْبَغَوِيّ الطَّلَاقَ وَنَحْوَهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقَةِ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ نَحْوَ بَيْعٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِهِ وَطَلَبَ الْحُكْمَ بِثُبُوتِهِ فَإِنَّهُ يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي الْجَوَاهِرِ، وَحِينَئِذٍ فَيَجِبُ تَحْلِيفُهُ خَوْفًا مِنْ مُفْسِدٍ قَارَنَ الْعَقْدَ أَوْ طُرُوُّ مُزِيلٍ لَهُ، وَيَكْفِي أَنَّهُ الْآنَ مُسْتَحِقٌّ لِمَا ادَّعَاهُ (وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ) التَّحْلِيفُ لِإِمْكَانِ التَّدَارُكِ إنْ كَانَ ثَمَّ دَافِعٌ نَعَمْ لَوْ غَابَ الْمُوَكِّلُ فِي مَحَلٍّ تُسْمَعُ عَلَيْهِ الدَّعْوَى وَهُوَ بِهِ لَمْ يَتَوَقَّفْ الْحُكْمُ بِمَا ادَّعَى بِهِ وَكِيلُهُ عَلَى حَلِفٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ فِي مَحَلٍّ لَا يُسَوِّغُ سَمَاعَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَهُوَ بِهِ فَلَا بُدَّ لِصِحَّةِ الْحُكْمِ مِنْ حَلِفِهِ (وَيَجْرِيَانِ) أَيْ الْوَجْهَانِ كَمَا قَبْلَهُمَا مِنْ الْأَحْكَامِ (فِي دَعْوَى عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ) لَا وَلِيَّ لَهُ أَوْ لَهُ وَلِيٌّ وَلَمْ يَطْلُبْ إذْ الْيَمِينُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِهِ، وَمَيِّتٍ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ خَاصٌّ حَاضِرٌ كَالْغَائِبِ بَلْ أَوْلَى لِعَجْزِهِمْ عَنْ التَّدَارُكِ، فَإِذَا كَمُلَا أَوْ قَدِمَ الْغَائِبُ فَهُمْ عَلَى حُجَّتِهِمْ.
أَمَّا مَنْ لَهُ وَارِثٌ خَاصٌّ حَاضِرٌ كَامِلٌ فَلَا بُدَّ فِي تَحْلِيفِ خَصْمِهِ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ مِنْ طَلَبِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي الْوَلِيِّ وَاضِحٌ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ كَانَ عَلَى الْوَلِيِّ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى طَلَبِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ جَمِيعُ الْغُرَمَاءِ مَعَ سُكُوتِهِمْ.
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ وَلَا يَبْطُلُ الْحَقُّ بِتَأْخِيرِ هَذِهِ) أَيْ عَنْ الْيَوْمِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الدَّعْوَى (قَوْلُهُ: وَلَا تَرْتَدُّ بِالرَّدِّ) أَيْ بِأَنْ يَرُدَّهَا عَلَى الْغَائِبِ وَيُوقَفُ الْأَمْرُ إلَى حُضُورِهِ أَوْ يَطْلُبَ الْإِنْهَاءَ إلَى حَاكِمِ بَلَدِهِ لِيُحَلِّفَهُ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ التَّحْلِيفُ عَلَى طَلَبِهِ) أَيْ حَيْثُ وَقَعَتْ الدَّعْوَى عَلَى الْوَكِيلِ فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمُوَكِّلِ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى ذَلِكَ حَجّ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ: عَلَى إقْرَارِهِ بِهِ) أَفْرَدَ الضَّمِيرَ لِكَوْنِ الْعَطْفِ بِأَوْ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ غَابَ) هُوَ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيَجِبُ أَنْ يُحَلِّفَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَطْلُبْ) الْأَوْلَى وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي الْوَلِيِّ وَاضِحٌ) أَيْ وَهُوَ أَنَّ الْحَقَّ فِي هَذِهِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ الَّتِي هِيَ لِلْوَارِثِ فَتَرْكُهُ لِطَلَبِ الْيَمِينِ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِ، بِخِلَافِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ عَنْ الصَّبِيِّ بِالْمَصْلَحَةِ (قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ لَوْ كَانَ عَلَى الْوَلِيِّ) أَيْ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: يُمْكِنُ رَدُّهُ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ إلَخْ وَهِيَ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ حِسْبَةً) اُنْظُرْ مَا وَجْهُ كَوْنِهَا حِسْبَةً مَعَ أَنَّ الْفَرْضَ وُجُودُ الدَّعْوَى، وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِأَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بَعْدَ الدَّعْوَى مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَى ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ كَلَامَ ابْنِ الصَّلَاحِ الَّذِي نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَقَاسَ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الدَّعْوَى (قَوْلُهُ: أَوْ بِالْإِقْرَارِ بِهِ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ تَبَعًا لِلتُّحْفَةِ كَغَيْرِهَا وَهُوَ سَاقِطٌ فِي بَعْضِهَا، وَذَكَرَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ أَنَّهُ اسْتَشْكَلَهُ مَعَ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ ذِكْرَ الْإِقْرَارِ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ، وَأَنَّهُ بَحَثَ فِي ذَلِكَ مَعَ الشَّارِحِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِهِ بَعْدَ أَنْ أَثْبَتَهُ.
وَأَقُولُ: لَا إشْكَالَ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى ذِكْرُ أَنَّهُ مُقِرٌّ فِي الْحَالِ وَهُوَ غَيْرُ ذِكْرِ إقْرَارِهِ بِالْبَيْعِ لِجَوَازِ أَنَّهُ أَقَرَّ لِلْبَيِّنَةِ ثُمَّ أَنْكَرَ الْآنَ (قَوْلُهُ: لَمْ يَتَوَقَّفْ الْحُكْمُ بِمَا ادَّعَى بِهِ وَكِيلُهُ) أَيْ عَلَى غَائِبٍ، وَقَوْلُهُ عَلَى حَلِفٍ: أَيْ مِنْ الْمُوَكِّلِ، عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا لِأَنَّهُ عَيْنُ الْمَتْنِ الْآتِي
نَعَمْ لَوْ كَانَ سُكُوتُهُ عَنْ طَلَبِهَا لِجَهْلِهِ بِالْحَالِ عَرَّفَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهَا قَضَى عَلَيْهِ بِدُونِهَا
(وَلَوْ) (ادَّعَى وَكِيلٌ عَلَى الْغَائِبِ) فِي مَسَافَةٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِيهَا وَكَذَا صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ مَيِّتٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ غَيْرَ بَيْتِ الْمَالِ فِيمَا يَظْهَرُ (فَلَا تَحْلِيفَ) بَلْ يُحْكَمُ بِالْبَيِّنَةِ لِانْتِفَاءِ تَصْوِيرِ حَلِفِ الْوَكِيلِ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ ذَلِكَ وَاسْتِحْقَاقِ مُوَكِّلِهِ لَهُ، وَلَوْ وَقَفْنَا الْأَمْرَ إلَى حُضُورِ الْمُوَكِّلِ لَتَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ بِالْوُكَلَاءِ، وَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ فِيمَنْ ادَّعَى عَلَى مَيِّتٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً ثُمَّ وَكَّلَ ثُمَّ غَابَ فَطَلَبَ وَكِيلُهُ الْحُكْمَ أَجَابَهُ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى يَمِينِ الْمُوَكِّلِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، إذْ التَّوْكِيلُ هُنَا إنَّمَا وَقَعَ لِإِسْقَاطِ الْيَمِينِ بَعْدَ وُجُوبِهَا فَلَمْ يَسْقُطْ بِخِلَافِهِ فِيمَا مَرَّ، وَلَوْ ادَّعَى قَيِّمُ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ دَيْنًا لَهُ عَلَى كَامِلٍ فَادَّعَى وُجُودَ مُسْقِطٍ كَأَتْلَفَ أَحَدُهُمَا عَلَيَّ مِنْ جِنْسِ مَا يَدَّعِيهِ بِقَدْرِ دَيْنِهِ وَكَأَبْرَأَنِي مُوَرِّثُهُ أَوْ قَبَضَهُ مِنِّي قَبْلَ مَوْتِهِ وَكَأَقْرَرْتُ لَكِنْ عَلَى رَسْمِ الْقُبَالَةِ كَمَا هُوَ الْأَوْجَهُ لَمْ يُؤَخَّرْ الِاسْتِيفَاءُ لِأَجْلِ الْيَمِينِ الْمُتَوَجِّهَةِ عَلَى أَحَدِهِمَا بَعْدَ كَمَالِهِ لِإِقْرَارِهِ فَلَمْ يُرَاعَ، بِخِلَافِ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا، أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْ غَائِبٍ وَقَفَ الْأَمْرُ إلَى الْكَمَالِ وَالْحُضُورِ كَمَا صَرَّحَا بِهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْيَمِينِ الْمُتَعَذِّرَةِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا مَرَّ فِي الْوَكِيلِ بِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِيفَاءِ ثَمَّ مَفْسَدَةٌ عَامَّةٌ وَهِيَ تَعَذُّرُ اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ بِالْوُكَلَاءِ بِخِلَافِهِ هُنَا، لَكِنْ يُتَّجَهُ أَخْذُ كَفِيلٍ، وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ، وَذَهَبُوا إلَى خِلَافِهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الِانْتِظَارِ مِنْ ضَيَاعِ الْحَقِّ وَهُوَ قَوِيٌّ مَدْرَكًا لَا نَقْلًا، وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْأَمْرَ يَخِفُّ بِالْكَفِيلِ الْمَارِّ، إذْ الْمُرَادُ بِهِ أَخْذُ الْحَاكِمِ مِنْ مَالِهِ تَحْتَ يَدِهِ مَا يَفِي بِالْمُدَّعَى أَوْ ثَمَنِهِ إنْ خَافَ تَلَفَهُ وَيَحْلِفُ الْوَلِيُّ يَمِينَ الِاسْتِظْهَارِ فِيمَا بَاشَرَهُ بِنَاءً عَلَى مَا يَأْتِي
(وَلَوْ) (حَضَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَالَ) بَعْدَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ مِنْ وَكِيلٍ غَائِبٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ (لِوَكِيلِ الْمُدَّعِي) الْغَائِبِ (أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك) أَوْ قَضَيْتُهُ مَثَلًا فَارْفَعْ عَنِّي الطَّلَبَ إلَى حُضُورِهِ لِيَحْلِفَ عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَيْته لَمْ يُجَبْ، وَ (أُمِرَ بِالتَّسْلِيمِ) لَهُ ثُمَّ يُثْبِتُ الْإِبْرَاءَ أَوْ نَحْوُهُ إنْ كَانَ لَهُ بِهِ حُجَّةٌ.
لِأَنَّا لَوْ وَقَفْنَا الْأَمْرَ لَتَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ بِالْوُكَلَاءِ، نَعَمْ لَوْ ادَّعَى عِلْمَ الْوَكِيلِ بِالْإِبْرَاءِ أَوْ نَحْوِهِ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ لِأَنَّ تَحْلِيفَهُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ دَعْوَى صَحِيحَةٍ تَقْتَضِي اعْتِرَافَهُ بِمَا يُسْقِطُ مُطَالَبَتَهُ لِخُرُوجِهِ بِاعْتِرَافِهِ بِهَا مِنْ الْوَكَالَةِ وَالْخُصُومَةِ، بِخِلَافِ يَمِينِ الِاسْتِظْهَارِ فَإِنَّ حَاصِلَهَا أَنَّ الْمَالَ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الْغَائِبِ أَوْ نَحْوِهِ، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى مِنْ الْوَكِيلِ، وَيَكْتَفِي بِمُصَادَقَةِ الْخَصْمِ لِلْوَكِيلِ عَلَى دَعْوَاهُ لِلْوَكَالَةِ، إذْ الْقَصْدُ إثْبَاتُ الْحَقِّ لَا تَسَلُّمُهُ لِأَنَّهُ وَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ لَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ
[حاشية الشبراملسي]
وَلِيِّ الْمَيِّتِ وَمُرَادُهُ بِهِ الْوَارِثُ، وَعِبَارَةُ حَجّ: عَلَى الْمَيِّتِ، وَهِيَ وَاضِحَةٌ
(قَوْلُهُ: لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ) يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ النَّاظِرَ لَوْ ادَّعَى دَيْنًا لِلْوَقْفِ عَلَى مَيِّتٍ وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً لَمْ يَحْلِفْ يَمِينَ الِاسْتِظْهَارِ، لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَأَثْبَتَ حَقًّا لِغَيْرِهِ بِيَمِينِهِ.
وَمَحَلُّهُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَيَحْلِفُ الْوَلِيُّ يَمِينَ الِاسْتِظْهَارِ فِيمَا بَاشَرَهُ إلَخْ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ دَعْوَاهُ أَنَّهُ بَاعَ أَوْ آجَرَ الْمَيِّتَ شَيْئًا مِنْ الْوَقْفِ وَجَبَ تَحْلِيفُهُ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا مَا لَوْ لَمْ يَدَّعِ الْوَارِثُ عِلْمَ النَّاظِرِ بِبَرَاءَةِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ ادَّعَاهُ حَلَفَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي أَيْضًا نَعَمْ لَوْ ادَّعَى عِلْمَ الْوَكِيلِ بِالْإِبْرَاءِ أَوْ نَحْوَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: ثُمَّ وَكَّلَ) أَيْ فِي تَمَامِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْخُصُومَةِ (قَوْلُهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا تَعَارُضَ) أَيْ حِينَ إذْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةً بِالْإِقْرَارِ (قَوْلُهُ: فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ هَذِهِ وَالْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا) أَيْ أَوْ ادَّعَى قَيِّمُ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ عَلَى أَحَدِهِمَا: أَيْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ (قَوْلُهُ: مَا يَفِي بِالْمُدَّعَى) أَيْ بِهِ
(قَوْلُهُ: وَيَكْتَفِي بِمُصَادَقَةِ الْخَصْمِ) أَيْ فِي سَمَاعِ دَعْوَى الْوَكِيلِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَلَوْ ادَّعَى وَكِيلٌ) أَيْ وَكِيلُ غَائِبٍ عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي الْمَتْنِ الَّذِي شَرَحَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: فِي مَسَافَةٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِيهَا) أَيْ وَالْمُوَكِّلُ كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ آنِفًا (قَوْلُهُ: لِإِقْرَارِهِ) أَيْ وَلَوْ ضَمَّنَّا (قَوْلُهُ: فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ) أَيْ عَقِبَ هَذِهِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ تَوَجُّهُ الْيَمِينِ عَلَى الطِّفْلِ وَإِنْ كَانَتْ هُنَا لِدَفْعِ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الْمُسْقِطِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ لِلِاسْتِظْهَارِ (قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْ غَائِبٍ) أَيْ وَلَوْ ادَّعَى قَيِّمُ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ
مُبَرِّئٍ وَلَا يُبَرَّأُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْوَكَالَةِ
(وَإِذَا) (ثَبَتَ) عِنْدَ حَاكِمٍ (مَالٌ عَلَى غَائِبٍ) أَوْ مَيِّتٍ وَحَكَمَ بِهِ بِشَرْطِهِ (وَلَهُ مَالٌ) حَاضِرٌ فِي مَحَلِّ عَمَلِهِ، أَوْ دَيْنٌ ثَابِتٌ عَلَى حَاضِرٍ فِي الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ كَمَا شَمِلَهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَاعْتَمَدَهُ جَمْعٌ مِنْهُمْ الْعِرَاقِيُّ فِي فَتَاوِيهِ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُمْ: لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِالدَّيْنِ عَلَى غَرِيمِ الْغَرِيمِ، إذْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْغَرِيمُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا وَلَمْ يَكُنْ دَيْنُهُ ثَابِتًا عَلَى غَرِيمِ الْغَرِيمِ فَلَيْسَ لَهُ الدَّعْوَى لِإِثْبَاتِهِ (قَضَاهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ) بَعْدَ طَلَبِ الْمُدَّعِي لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَقُومُ مَقَامَهُ وَلَا يُطَالِبُهُ بِكَفِيلٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَالِ، وَلَا يُعْطِيهِ بِمُجَرَّدِ الثُّبُوتِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، أَمَّا إذَا كَانَ خَارِجَ وِلَايَتِهِ فَسَيَأْتِي.
وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْبُلْقِينِيُّ مَا إذَا كَانَ الْحَاضِرُ يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ مُقَابِلِهِ لِلْغَائِبِ كَزَوْجَةٍ تَدَّعِي بِصَدَاقِهَا الْحَالِّ قَبْلَ الْوَطْءِ وَبَائِعٍ يَدَّعِي بِالثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَمَا إذَا تَعَلَّقَ بِالْمَالِ الْحَاضِرِ حَقٌّ كَبَائِعٍ لَهُ لَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ وَطَلَبَ مِنْ الْحَاكِمِ الْحَجْرَ عَلَى الْمُشْتَرِي الْغَائِبِ حَيْثُ اسْتَحَقَّهُ فَيُجِيبُهُ وَلَا يُوفِي الدَّيْنَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ مُمَوِّنُ الْغَائِبِ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَلَى الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ وَطَلَبَ قَضَاءَهُ مِنْ مَالِهِ، وَلَوْ كَانَ نَحْوَ مَرْهُونٍ تَزِيدُ قِيمَتُهُ عَلَى الدَّيْنِ فَلِلْقَاضِي بِطَلَبِ الْمُدَّعِي إجْبَارُ الْمُرْتَهِنِ عَلَى أَخْذِ حَقِّهِ بِطَرِيقِهِ لِيَبْقَى الْفَاضِلُ لِلدَّيْنِ اهـ. وَلَوْ بَاعَ قَاضٍ مَالَ غَائِبٍ فِي دَيْنِهِ فَقَدِمَ وَأَبْطَلَ الدَّيْنَ بِإِثْبَاتِ نَحْوِ فِسْقِ الشَّاهِدِ بِهِ، فَالْمُتَّجَهُ بُطْلَانُ الْبَيْعِ خِلَافًا لِلرُّويَانِيِّ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ أَوْ لَمْ يَحْكُمْ (فَإِنْ سَأَلَ الْمُدَّعِي إنْهَاءَ الْحَالِ إلَى قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ) أَوْ إلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ الْكِتَابُ مِنْ الْقُضَاةِ (أَجَابَهُ) حَتْمًا وَإِنْ كَانَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ قَاضِيَ ضَرُورَةٍ مُسَارَعَةً لِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ غَرِيمِهِ وَوُصُولِهِ إلَى حَقِّهِ (فَيُنْهِي سَمَاعَ بَيِّنَةٍ) ثَبَتَ بِهَا الْحَقُّ ثُمَّ إنْ عَدَّلَهَا لَمْ يَحْتَجْ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ إلَى تَعْدِيلِهَا وَإِلَّا احْتَاجَ إلَيْهِ (لِيَحْكُمَ بِهَا ثُمَّ يَسْتَوْفِيَ) الْحَقَّ وَخَرَجَ بِهَا عِلْمُهُ فَلَا يَكْتُبُ بِهِ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ الْآنَ لَا قَاضٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْعُدَّةِ، لَكِنْ ذَهَبَ السَّرَخْسِيُّ إلَى خِلَافِهِ وَاعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ لِأَنَّ عِلْمَهُ كَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْآتِي فَشَافَهَهُ بِحُكْمِهِ إلَخْ، وَالْأَوْجَهُ جَوَازُ كِتَابَتِهِ بِسَمَاعِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ لِيَسْمَعَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ شَاهِدًا آخَرَ أَوْ يُحَلِّفَهُ لَهُ (أَوْ) يُنْهِيَ إلَيْهِ (حُكْمًا) إنْ حَكَمَ (لِيَسْتَوْفِيَ) الْحَقَّ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، وَلَا يُشْتَرَطُ هُنَا بُعْدُ الْمَسَافَةِ كَمَا يَأْتِي، وَلَوْ شَهِدَا عِنْدَ غَيْرِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَمْضَاهُ إذْ الِاعْتِمَادُ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَلَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَطَلَبَ مِنْ الْكَاتِبِ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ الْبَيِّنَةَ الَّتِي سَمِعَهَا وَعَدَّلَهَا وَلَمْ يُسَمِّهَا لِيَقْدَحَ فِيهَا أَجَابَهُ، وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عِنْدَ قَاضٍ أَنَّ الْقَاضِي فُلَانًا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِفُلَانٍ كَذَا وَكَانَ قَدْ عُزِلَ أَوْ مَاتَ حُكِمَ بِهِ وَلَمْ يَحْتَجْ لِإِعَادَةِ الْبَيِّنَةِ بِأَصْلِ الْحَقِّ، وَقَوْلُهُمْ إذَا عُزِلَ بَعْدَ سَمَاعِ بَيِّنَةٍ ثُمَّ وَلِيَ أَعَادَهَا مَحَلَّهُ كَمَا بَيَّنَهُ الْبُلْقِينِيُّ إذَا حَكَمَ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ حُكِمَ بِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ اسْتِعَادَتُهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ حُكِمَ بِالْإِلْزَامِ بِالْحَقِّ، وَفِي الْكِفَايَةِ أَنَّهُ لَوْ فَسَقَ وَالْكِتَابُ بِالسَّمَاعِ لَمْ يُقْبَلْ وَلَمْ يُحْكَمْ بِهِ كَمَا لَوْ فَسَقَ الشَّاهِدُ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ فِسْقُهُ قَبْلَ عَمَلِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بِالسَّمَاعِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يُنْقَضْ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَدُّ بِكِتَابِ الْقَاضِي حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُهُ بِغَيْرِهِ، فَلَوْ طُلِبَ مِنْهُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ مُمَوِّنُ الْغَائِبِ) أَيْ نَفَقَةُ مُمَوِّنِ الْغَائِبِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إلَخْ (قَوْلُهُ: إذَا حَكَمَ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ حَكَمَ) لَعَلَّهُ عُزِلَ (قَوْلُهُ: وَفِي الْكِفَايَةِ أَنَّهُ لَوْ فَسَقَ) أَيْ الْقَاضِي الْكَاتِبُ (قَوْلُهُ: وَالْكِتَابُ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ
[حاشية الرشيدي]
عَلَى غَائِبٍ
(قَوْلُهُ: أَوْ مَيِّتٍ) لَعَلَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ خَاصٌّ، أَمَّا مَنْ لَهُ وَارِثٌ خَاصٌّ فَظَاهِرٌ أَنَّ وَارِثَهُ هُوَ الْمُطَالِبُ كَوَلِيِّ نَحْوِ الصَّبِيِّ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ نَحْوَ الصَّبِيِّ هُنَا (قَوْلُهُ: كَمَا شَمَلَهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ) يُقَالُ عَلَيْهِ فَكَانَ اللَّائِقُ أَنْ لَا يَعْطِفَهُ عَلَى مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بَلْ يَجْعَلُهُ غَايَةً فِيهِ (قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَحْكُمْ) هَذَا لَا يَنْسَجِمُ مَعَهُ تَفْصِيلُ الْمَتْنِ الْآتِي مِنْ جُمْلَتِهِ إنْهَاءُ الْحُكْمِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: ثَبَتَ بِهَا الْحَقُّ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ، إذْ لَا ثُبُوتَ إلَّا بَعْدَ التَّعْدِيلِ وَلَيْسَ هُوَ فِي التُّحْفَةِ (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِهَا عِلْمُهُ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَخْ) وَجْهُ التَّأْيِيدِ قَبُولُ مُجَرَّدِ قَوْلِهِ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ فِسْقُهُ قَبْلَ عَمَلِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ) قَدْ يُقَالُ: إنَّ هَذَا صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ
الْحُكْمُ لِغَرِيبٍ حَاضِرٍ عَلَى غَائِبٍ بِعَيْنٍ غَائِبَةٍ بِبَلَدِ الْغَرِيبِ وَلَهُ بَيِّنَةٌ مِنْ بَلَدِهِ وَلَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُمْ عِنْدَهُ وَهُمْ عَازِمُونَ عَلَى السَّفَرِ إلَيْهِ وَذَكَرَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِتَزْكِيَتِهِمْ عِنْدَ قَاضِي بَلَدِهِمْ لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ سَمِعَهَا لَمْ يَكْتُبْ بِهَا بَلْ يَقُولُ لَهُ اذْهَبْ مَعَهُمْ لِقَاضِي بَلَدِك وَبَلَدِ مِلْكِك لِيَشْهَدُوا عِنْدَهُ (وَالْإِنْهَاءُ أَنْ يَشْهَدَ) ذَكَرَيْنِ (عَدْلَيْنِ بِذَلِكَ) أَيْ بِمَا جَرَى عِنْدَهُ مِنْ ثُبُوتٍ أَوْ حُكْمٍ وَيُعْتَبَرُ فِيهِ رَجُلَانِ وَلَوْ فِي مَالٍ أَوْ هِلَالِ رَمَضَانَ (وَيُسْتَحَبُّ كِتَابٌ بِهِ) لِيَذْكُرَ الشَّاهِدُ الْحَالَ (يَذْكُرُ فِيهِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمَحْكُومُ) أَوْ الْمَشْهُودُ (عَلَيْهِ) وَلَهُ مِنْ اسْمٍ وَنَسَبٍ وَصَنْعَةٍ وَحِلْيَةٍ وَأَسْمَاءِ الشُّهُودِ وَتَارِيخِهِ (وَيَخْتِمُهُ) نَدْبًا حِفْظًا لَهُ وَإِكْرَامًا لِلْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَخَتْمُ الْكِتَابِ مِنْ حَيْثُ هُوَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ.
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِخَتْمِهِ أَنْ يَقْرَأَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ بِحَضْرَتِهِ عَلَى الشَّاهِدِينَ وَيَقُولُ أُشْهِدُكُمَا أَنِّي كَتَبْت إلَى فُلَانٍ بِمَا فِيهِ، وَلَا يَكْفِي أُشْهِدكُمَا أَنَّ هَذَا خَطِّي أَوْ أَنَّ مَا فِيهِ حُكْمِي، وَيَدْفَعُ لَهُمَا نُسْخَةً أُخْرَى غَيْرَ مَخْتُومَةٍ يَتَذَكَّرَانِ بِهَا، وَلَوْ خَالَفَاهُ أَوْ انْمَحَى أَوْ ضَاعَ فَالْعِبْرَةُ بِقَوْلِهِمَا (وَ) بَعْدَ وُصُولِهِ لِلْمَكْتُوبِ إلَيْهِ (يَشْهَدَانِ عَلَيْهِ إنْ أَنْكَرَ) مَا فِيهِ، وَفِي ذَلِكَ إيمَاءٌ إلَى اشْتِرَاطِ حُضُورِ الْخَصْمِ وَإِثْبَاتِ الْكِتَابِ الْحُكْمِيِّ فِي وَجْهِهِ أَوْ إثْبَاتِ غَيْبَتِهِ الْغَيْبَةَ الشَّرْعِيَّةَ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَيْهِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَفْتَى بِهِ السُّبْكِيُّ وَنُقِلَ عَنْ قَضِيَّةِ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ، وَذَهَبَ ابْنُ الصَّلَاحِ إلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ وَاعْتَمَدَهُ أَكْثَرُ مُتَأَخِّرِي فُقَهَاءِ الْيَمَنِ لِأَنَّ الْقَاضِي الْمُنْهَى إلَيْهِ مُنَفِّذٌ لِمَا قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ عِنْدَ الْأَوَّلِ لَا مُبْتَدِئٌ لِلْحُكْمِ، وَقَدْ قَطَعَ الرُّويَانِيُّ بِأَنَّ التَّنْفِيذَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ حُضُورُ الْخَصْمِ وَالدَّعْوَى عَلَيْهِ اهـ. وَيُرَدُّ بِأَنَّ التَّنْفِيذَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَحْكَامِ، وَأَمَّا الْحُكْمُ هُنَا فَلَا يُقَالُ لَهُ تَنْفِيذٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إنْ لَمْ يَحْكُمْ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ حَكَمَ وَلَمْ يَكُنْ بِمَحِلِّهِ مَالٌ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَحُكْمُهُ لَمْ يَتِمَّ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ عَدَمِ الْحُكْمِ، وَعَلَى كُلٍّ فَلَيْسَ مَا هُنَا مَحْضُ تَنْفِيذٍ فَاعْتُبِرَ حُضُورُ الْخَصْمِ وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ حُكْمٌ احْتِيَاطًا (فَإِنْ قَالَ لَسْتُ الْمُسَمَّى فِي الْكِتَابِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) فِي ذَلِكَ إذْ الْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ (وَعَلَى الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ) وَتَكْفِي فِيهَا الْعَدَالَةُ الظَّاهِرَةُ كَمَا أَخَذَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ (بِأَنَّ هَذَا الْمَكْتُوبَ اسْمُهُ وَنَسَبُهُ) نَعَمْ إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِهِمَا حُكِمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُلْتَفَتْ لِإِنْكَارِهِ (فَإِنْ أَقَامَهَا) بِذَلِكَ (فَقَالَ لَسْتُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ الْحُكْمُ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُشَارِكٌ لَهُ فِي الِاسْمِ وَالصِّفَاتِ) أَوْ كَانَ وَلَمْ يُعَاصِرْهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ) هُنَاكَ مَنْ يُشَارِكُهُ بِعِلْمِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَإِنْ سَمِعَهَا) أَيْ عَلَى خِلَافِ مَا طُلِبَ مِنْهُ أَوْ وَقَعَ سَمَاعُهُ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ: أَوْ إثْبَاتِ غَيْبَتِهِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ هَذَا الْمَكْتُوبُ) هُوَ بِالرَّفْعِ خَبَرُ أَنَّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِيَذْكُرَ الشَّاهِدُ الْحَالَ) اُنْظُرْ مَا مَوْقِعُ هَذَا هُنَا مَعَ أَنَّ الَّذِي يَذْكُرُ بِهِ الشَّاهِدُ الْحَالَ هِيَ النُّسْخَةُ الثَّانِيَةُ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْمُرَادُ بِخَتْمِهِ أَنْ يَقْرَأَهُ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَخَتْمُ الْكِتَابِ مِنْ حَيْثُ هُوَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ.
وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِخَتْمِهِ جَعْلُ نَحْوِ شَمْعٍ عَلَيْهِ وَيَخْتِمُ عَلَيْهِ بِخَاتَمِهِ لِأَنَّهُ يَنْحَفِظُ بِذَلِكَ وَيَلْزَمُ بِهِ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَعَنْ هَذَا يُحْمَلُ مَا صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُرْسِلُ كُتُبَهُ غَيْرَ مَخْتُومَةٍ فَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ قَبُولِهَا إلَّا مَخْتُومَةً، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا وَنَقَشَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
وَيُسَنُّ لَهُ ذِكْرُ نَقْشِ خَاتَمِهِ الَّذِي يَخْتِمُ بِهِ فِي الْكِتَابِ وَأَنْ يُثْبِتَ اسْمَ نَفْسِهِ وَاسْمَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فِي بَاطِنِهِ وَعِنْوَانَهُ، وَقَبْلَ خَتْمِهِ يَقْرَؤُهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ بِحَضْرَتِهِ إلَخْ، فَقَوْلُهُ وَقَبْلَ خَتْمِهِ هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَ الْقَافِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَكَانَ الشَّارِحُ ظَنَّ أَنَّهُ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَأَنَّهُ قَوْلٌ مُقَابِلٌ لِمَا مَرَّ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِمَا ذَكَرَهُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُقَدِّمْ ذِكْرَ الْمُقَابِلِ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ عِبَارَةُ التُّحْفَةِ بِرُمَّتِهَا لِزِيَادَةِ الْفَائِدَةِ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ بِأَنَّ هَذَا الْمَكْتُوبَ إلَخْ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اسْمُ إنَّ وَالْمَكْتُوبُ بَدَلٌ مِنْهُ وَاسْمُهُ وَنَسَبُهُ خَبَرُ إنَّ فَالْإِشَارَةُ لِلْمَكْتُوبِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا، اسْمُ إنَّ وَالْمَكْتُوبُ مُبْتَدَأٌ وَاسْمُهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ وَالْجُمْلَةُ مِنْ الْمُبْتَدَإِ وَالْخَبَرِ خَبَرُ إنَّ، فَالْإِشَارَةُ لِلشَّخْصِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا لِيَتَأَتَّى لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إنْكَارُ كَوْنِهِ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ، وَالنَّظَرُ فِي أَنَّ هُنَاكَ مُشَارِكًا أَوْ لَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
الْقَاضِي أَوْ بَيِّنَةٍ وَقَدْ عَاصَرَهُ وَأَمْكَنَتْ مُعَامَلَتُهُ لَهُ كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ أَيْ أَوْ مُعَامَلَةُ مُوَرِّثِهِ أَوْ إتْلَافُهُ لِمَالِهِ وَمَاتَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَوْ قَبْلَهُ وَقَعَ الْإِشْكَالُ فَيُرْسِلُهُ لِلْكَاتِبِ بِمَا يَأْتِي وَإِنْ لَمْ يَمُتْ (أُحْضِرَ فَإِنْ اعْتَرَفَ بِالْحَقِّ طُولِبَ وَتَرَكَ الْأَوَّلَ) إنْ صَدَّقَ الْمُدَّعِي الْمُقِرَّ وَإِلَّا فَهُوَ مُقِرٌّ لِمُنْكِرٍ وَيَبْقَى طَلَبُهُ عَلَى الْأَوَّلِ (وَإِلَّا) بِأَنْ أَنْكَرَ (بَعَثَ) الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ (إلَى الْكَاتِبِ) بِمَا وَقَعَ مِنْ الْإِشْكَالِ (لِيَطْلُبَ مِنْ الشُّهُودِ زِيَادَةَ صِفَةٍ تُمَيِّزُهُ وَيَكْتُبُهَا) وَيُنْهِيهَا إلَى قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ (ثَانِيًا) فَإِنْ لَمْ يُرْسِلْ مَا يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ وَقَفَ الْأَمْرُ إلَى تَبَيُّنِ الْحَالِ، وَلَا بُدَّ مِنْ حَكَمٍ ثَانٍ بِمَا كَتَبَ بِهِ كَمَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ لَكِنْ بِلَا دَعْوَى وَلَا حَلِفٍ (وَلَوْ حَضَرَ قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ) سَوَاءٌ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ وَغَيْرُهُ (بِبَلَدِ الْحَاكِمِ) وَلَوْ عُرْفِيًّا تَوَقَّفَ تَخْلِيصُ الْحَقِّ عَلَيْهِ نَظِيرَ مَا يَأْتِي فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ (فَشَافَهَهُ بِحُكْمِهِ فَفِي إمْضَائِهِ) أَيْ تَنْفِيذِهِ (إذَا عَادَ إلَى) مَحَلِّ (وِلَايَتِهِ خِلَافُ الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ) الْأَصَحُّ جَوَازُهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْإِنْشَاءِ، وَخَرَجَ بِهِ مَا لَوْ شَافَهَهُ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ دُونَ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي بِهَا إذَا رَجَعَ إلَى مَحَلِّ وِلَايَتِهِ قَطْعًا لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ إخْبَارٍ كَالشَّهَادَةِ (وَلَوْ نَادَاهُ) كَائِنَيْنِ (فِي طَرَفَيْ وِلَايَتِهِمَا) وَقَالَ لَهُ إنِّي حَكَمْتُ بِكَذَا (أَمْضَاهُ) أَيْ نَفَّذَهُ، وَكَذَا إذَا كَانَ فِي بَلَدٍ قَاضِيَانِ وَلَوْ نَائِبًا وَمُسْتَنِيبًا وَشَافَهَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَيُمْضِيهِ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْخَصْمُ (وَإِنْ) (اقْتَصَرَ) الْقَاضِي الْكَاتِبُ (عَلَى سَمَاعِ بَيِّنَةٍ) (كَتَبَ سَمِعْتُ بَيِّنَةً عَلَى فُلَانٍ) وَيَصِفُهُ بِمَا يُمَيِّزُهُ لِيَحْكُمَ عَلَيْهِ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ (وَيُسَمِّيهَا) وُجُوبًا وَيَرْفَعُ فِي نَسَبِهَا (إنْ لَمْ يُعَدِّلْهَا) لِيَبْحَثَ الْمَكْتُوبُ لَهُ عَنْ عَدَالَتِهَا وَغَيْرِهَا حَتَّى يَحْكُمَ بِهَا، وَبَحَثَ الْبَغَوِيّ تَعَيُّنَ تَعْدِيلِهَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي بَلَدِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ مَنْ يَعْرِفُهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ عَدَّلَهَا (فَالْأَصَحُّ جَوَازُ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ) وَلَوْ فِي غَيْرِ مَشْهُورِي الْعَدَالَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ، لَكِنْ خَصَّهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِمَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ بِهَا وَذَلِكَ اكْتِفَاءً بِتَعْدِيلِ الْكَاتِبِ إلَيْهَا، كَمَا أَنَّهُ إذَا حَكَمَ اسْتَغْنَى عَنْ تَسْمِيَةِ الشُّهُودِ، نَعَمْ إنْ كَانَتْ شَاهِدًا وَيَمِينًا أَوْ يَمِينًا مَرْدُودَةً وَجَبَ بَيَانُهَا لِأَنَّ الْإِنْهَاءَ قَدْ يَصِلُ لِمَنْ لَا يَرَى قَبُولَهَا وَالْحُكْمَ بِالْعِلْمِ،
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَأَمْكَنَتْ مُعَامَلَتُهُ) أَيْ وَلَوْ بِالْمُكَاتَبَةِ وَلَا عِبْرَةَ بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ بِمَحَلٍّ بَعِيدٍ أَنَّهُ عَامَلَهُ أَمْسِ (قَوْلُهُ: وَقَفَ الْأَمْرُ) أَيْ وُجُوبًا (قَوْلُهُ: تَبَيُّنِ الْحَالِ) أَيْ وَلَوْ طَالَتْ الْمُدَّةُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ عُرْفِيًّا) كَالْمُشَدِّ مَثَلًا بِشَرْطِ أَنْ يَنْحَصِرَ الْخَلَاصُ فِي الْإِنْهَاءِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ وَشَافَهَ أَحَدُهُمَا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْأَصِيلُ أَوْ النَّائِبُ (قَوْلُهُ: أَوْ يَمِينًا مَرْدُودَةً) فِي فَتَاوَى مَرَّ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ سُئِلَ عَنْ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ فِي الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ كَيْفَ تَصْوِيرُهَا؟ فَأَجَابَ يُتَصَوَّرُ فِيمَا إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي ثُمَّ غَابَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَقُولُ: وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِمَا لَوْ اُدُّعِيَ عَلَى غَائِبٍ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ.
وَقُلْنَا بِمَا يَأْتِي بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي إلَّا لِتَوَارِيهِ أَوْ تَعَزُّرِهِ مِنْ أَنَّهُ
[حاشية الرشيدي]
بَعْدُ، بِخِلَافِهِ عَلَى الْإِعْرَابِ الثَّانِي فَإِنَّهُمْ شَهِدُوا عَلَى عَيْنِهِ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَتَبَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ فَلَا نَظَرَ لِإِنْكَارِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَقَدْ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى الْإِعْرَابِ الثَّانِي وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَقَدْ عَاصَرَهُ وَأَمْكَنَتْ مُعَامَلَتُهُ لَهُ) صَرِيحُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ ضَمِيرَيْ عَاصَرَهُ وَمُعَامَلَتُهُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ وَأَنَّ الْمَدَارَ إنَّمَا هُوَ عَلَى مُعَاصَرَةِ الْمُدَّعِي وَمُعَامَلَتِهِ لِيَصِحَّ مَا قَالَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَالضَّمِيرَانِ لِلْمُدَّعِي كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي ضَمِيرِ يُعَاصِرُهُ السَّابِقِ وَالضَّمَائِرِ الْآتِيَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ عُرْفِيًّا) هُوَ غَايَةٌ فِي قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ كَمَا تُصَرِّحُ بِهِ عِبَارَةُ التُّحْفَةِ، لَكِنْ فِي هَذِهِ الْغَايَةِ وَقْفَةٌ مَعَ تَعْبِيرِ الْمَتْنِ بِالْقَاضِي، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ الْقَاضِي بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ خِلَافُ الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: فَهُوَ قَضَاءٌ بِعِلْمِهِ انْتَهَتْ، وَحِينَئِذٍ فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ فِي الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ.
(قَوْلُهُ: إلَيْهَا) اُنْظُرْ مَا مَوْقِعُهُ (قَوْلُهُ: وَالْحُكْمُ بِالْعِلْمِ) اعْلَمْ أَنَّ هُنَا سَقْطًا فِي النَّسْخِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَالْحُكْمُ بِالْعِلْمِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ نَقْلَهُ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ انْتَهَتْ، وَفِيمَا نَظَرَ بِهِ فِي التُّحْفَةِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِلْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَ الْحُكْمِ الَّذِي قَدْ تَمَّ وَارْتَفَعَ بِهِ الْخِلَافُ وَبَيْنَ مُجَرَّدِ الثُّبُوتِ، اللَّهُمَّ إلَّا
وَلَوْ ثَبَتَ الْحَقُّ بِالْإِقْرَارِ لَزِمَهُ بَيَانُهُ، وَلَا يَجْزِمُ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ لِقَبُولِ الْإِقْرَارِ لِلسُّقُوطِ بِدَعْوَى أَنَّهُ عَلَى رَسْمِ الْقُبَالَةِ فَيَطْلُبُ يَمِينَ خَصْمِهِ فَيَرُدُّهَا فَيَحْلِفُ فَيَبْطُلُ الْإِقْرَارُ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ الْمَنْعُ لِأَنَّ الْآخَرَ إنَّمَا يَقْضِي بِقَوْلِهِمْ وَالْمَذَاهِبُ مُخْتَلِفَةٌ فَرُبَّمَا لَا يَرَى الْقَضَاءُ بِقَوْلِهِمْ وَلَا حَاجَةَ فِي هَذَا إلَى تَحْلِيفِ الْمُدَّعِي (وَالْكِتَابُ بِالْحُكْمِ يَمْضِي مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ) وَبُعْدِهَا (وَبِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ لَا يُقْبَلُ عَلَى الصَّحِيحِ لَا فِي مَسَافَةِ قَبُولِ شَهَادَةٍ عَلَى شَهَادَةٍ) فَيُقْبَلُ مِنْ الْحَاكِمِ وَهِيَ فَوْقَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى الْآتِيَةِ لِسُهُولَةِ إحْضَارِ الْحُجَّةِ مَعَ الْقُرْبِ، وَأَخَذَ فِي الْمَطْلَبِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ تَعَسَّرَ إحْضَارُهَا مَعَ الْقُرْبِ لِنَحْوِ مَرَضٍ قُبِلَ الْإِنْهَاءُ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْمَسَافَةِ بِمَا بَيْنَ الْقَاضِيَيْنِ لَا بِمَا بَيْنَ الْقَاضِي الْمُنْهِي وَالْغَرِيمِ، وَالْمُتَّجَهُ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَكَّمِ.
(فَصْلٌ) فِي غَيْبَةِ الْمَحْكُومِ بِهِ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِمَحَلِّ وِلَايَةِ الْحَاكِمِ أَمْ لَا وَلِهَذَا أَدْخَلَهُ عَلَى التَّرْجَمَةِ الْمُنَاسَبَةِ لَهَا، وَلَا فَرْقَ فِيمَا يَأْتِي بَيْنَ حُضُورِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَغَيْبَتِهِ إذَا (ادَّعَى عَيْنًا غَائِبَةً عَنْ الْبَلَدِ) وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ كَمَا مَرَّ (يُؤْمَنُ اشْتِبَاهُهَا كَعَقَارٍ وَعَبْدٍ وَفَرَسٍ مَعْرُوفَاتٍ) بِالشُّهْرَةِ أَوْ بِتَحْدِيدِ الْأَوَّلِ (سَمِعَ) الْقَاضِي (بَيِّنَتَهُ وَحَكَمَ بِهَا) عَلَى حَاضِرٍ وَغَائِبٍ (وَكَتَبَ إلَى قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ لِيُسَلِّمَهُ لِلْمُدَّعِي) كَمَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ وَيَحْكُمُ بِهَا عَلَى الْغَائِبِ فِيمَا مَرَّ، وَغَلَّبَ غَيْرَ الْعَاقِلِ عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ الْأَكْثَرِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: 1] فَدَعْوَى أَنَّهُ خِلَافُ الصَّوَابِ غَيْرُ صَحِيحٍ (وَيَعْتَمِدُ فِي) مَعْرِفَةِ (الْعَقَارِ حُدُودَهُ) الْأَرْبَعَةَ إنْ لَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِهَا، وَإِلَّا فَالْمَعْرِفَةُ فِيهِ لَا تَتَقَيَّدُ بِهَا فَقَدْ يُعْرَفُ بِالشُّهْرَةِ التَّامَّةِ فَلَا يَحْتَاجُ لِذِكْرِ حَدٍّ وَلَا غَيْرِهِ، وَقَدْ لَا يَحْتَاجُ لِذِكْرِ حُدُودِهِ الْأَرْبَعَةِ بَلْ يَكْتَفِي بِثَلَاثَةٍ وَأَقَلَّ مِنْهَا، فَقَوْلُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا يَكْفِي ثَلَاثَةٌ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَمَيَّزَ بِهَا، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إنْ تَمَيَّزَ بِحَدٍّ كَفَى، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا ذِكْرُ بَلَدِهِ وَسِكَّتِهِ وَمَحَلِّهِ مِنْهَا لَا قِيمَتِهِ لِحُصُولِ التَّمَيُّزِ بِدُونِهَا (أَوْ لَا يُؤْمَنُ) اشْتِبَاهُهَا كَغَيْرِ الْمَعْرُوفِ مِمَّا ذُكِرَ (فَالْأَظْهَرُ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ) عَلَى عَيْنِهَا وَهِيَ غَائِبَةٌ لِيُمَيِّزَهَا بِالصِّفَةِ مَعَ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى إقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهَا كَالْعَقَارِ.
وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِكَثْرَةِ الِاشْتِبَاهِ (وَيُبَالِغُ) حَتْمًا (الْمُدَّعِي فِي الْوَصْفِ) لِلْمِثْلِيِّ بِمَا يُمْكِنُ الِاسْتِقْصَاءُ بِهِ لِيَحْصُلَ التَّمْيِيزُ بِهِ الْحَاصِلُ غَالِبًا بِذَلِكَ،
[حاشية الشبراملسي]
يَجْعَلُ الْغَائِبَ كَالنَّاكِلِ فَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي يَمِينَ الرَّدِّ (قَوْلُهُ وَلَوْ ثَبَتَ الْحَقُّ بِالْإِقْرَارِ) أَيْ بِبَيِّنَةٍ شَهِدَتْ عَلَى إقْرَارِ الْغَائِبِ.
(فَصْلٌ) فِي غَيْبَةِ الْمَحْكُومِ بِهِ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ
(قَوْلُهُ: وَلِهَذَا أَدْخَلَهُ فِي التَّرْجَمَةِ) وَهِيَ قَوْلُهُ كِتَابُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ (قَوْلُهُ: أَوْ بِتَحْدِيدِ الْأَوَّلِ) أَيْ الْعَقَارِ (قَوْلُهُ: غَيْرُ صَحِيحٍ) أَيْ أَمْرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ السِّكَّةِ
[حاشية الرشيدي]
أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِفُ لَا يَرَاهُ حُكْمًا مُعْتَدًّا بِهِ بِحَيْثُ يَجُوزُ لَهُ نَقْضُهُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَلَا حَاجَةَ فِي هَذَا) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ الْإِنْهَاءُ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ.
[فَصْلٌ فِي غَيْبَةِ الْمَحْكُومِ بِهِ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ]
(فَصْلٌ) فِي غَيْبَةِ الْمَحْكُومِ بِهِ
(قَوْلُهُ: وَلِهَذَا أَدْخَلَهُ فِي التَّرْجَمَةِ) أَيْ فِي بَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ.
وَقَدْ كَتَبَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى هَذَا مَا لَفْظُهُ يُتَأَمَّلُ فَأَشَارَ إلَى التَّوَقُّفِ فِي هَذَا الْكَلَامِ (قَوْلُهُ: غَيْرُ صَحِيحٍ) كَانَ الظَّاهِرُ غَيْرَ صَحِيحَةٍ (قَوْلُهُ: مِمَّا ذُكِرَ) شَمَلَ الْعَقَارَ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ لَا يُؤْمَنُ اشْتِبَاهُهُ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ كَغَيْرِ الْمَعْرُوفِ مِنْ نَحْوِ الْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ فَتُفِيدُ أَنَّ الْعَقَارَ لَا يَكُونُ إلَّا مَأْمُونَ الِاشْتِبَاهِ: أَيْ إمَّا بِالشُّهْرَةِ وَإِمَّا بِالْحُدُودِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: عَلَى عَيْنِهَا) الْأَوْلَى حَذْفُهُ
وَاشْتُرِطَتْ الْمُبَالَغَةُ هُنَا دُونَ السَّلَمِ لِأَنَّهَا تُؤَدِّي ثَمَّ إلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ الْمُنَافِيَةِ لِصِحَّتِهِ (وَيَذْكُرُ الْقِيمَةَ) حَتْمًا أَيْضًا فِي الْمُتَقَوِّمِ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا بِدُونِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ الْقِيمَةِ وَفِي الْمِثْلِيِّ، وَالْمُبَالَغَةَ فِي وَصْفِ الْمُتَقَوِّمِ مَنْدُوبٌ كَمَا قَالَاهُ هُنَا، وَقَوْلُهُمَا فِي الدَّعَاوَى يَجِبُ وَصْفُ الْعَيْنِ بِصِفَةِ السَّلَمِ دُونَ قِيمَتِهَا مِثْلِيَّةً كَانَتْ أَوْ مُتَقَوِّمَةً مَحْمُولٌ عَلَى عَيْنٍ حَاضِرَةٍ بِالْبَلَدِ يُمْكِنُ إحْضَارُهَا مَجْلِسَ الْحُكْمِ، وَقَدْ أَشَارُوا لِذَلِكَ بِتَعْبِيرِهِمْ هُنَا بِالْمُبَالَغَةِ فِي الْوَصْفِ وَثَمَّ بِوَصْفِ السَّلَمِ (وَ) الْأَظْهَرُ (أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِهَا) أَيْ بِمَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَعَ خَطَرِ الِاشْتِبَاهِ وَالْجَهَالَةِ بَعِيدٌ، وَالْحَاجَةُ تَنْدَفِعُ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ بِهَا اعْتِمَادًا عَلَى صِفَاتِهَا وَالْمُكَاتَبَةِ بِهَا وَمُقَابِلُهُ لَا يَنْظُرُ إلَى ذَلِكَ (بَلْ يَكْتُبُ إلَى قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ بِمَا شَهِدَتْ بِهِ) الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ أَظْهَرَ الْخَصْمُ ثَمَّ عَيْنًا أُخْرَى مُشَارِكَةً لَهَا بِيَدِهِ أَوْ يَدِ غَيْرِهِ أَشْكَلَ الْحَالُ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِدَافِعٍ عَمِلَ الْحَاكِمُ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِهِ حَيْثُ وُجِدَ بِالصِّفَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا الْكِتَابُ وَحِينَئِذٍ (فَيَأْخُذُهُ) مِمَّنْ هُوَ عِنْدَهُ (وَيَبْعَثُهُ إلَى) الْقَاضِي (الْكَاتِبِ لِيَشْهَدُوا عَلَى عَيْنِهِ) لِيَحْصُلَ الْيَقِينُ (وَ) لَكِنَّ (الْأَظْهَرَ أَنَّهُ) لَا (يُسَلِّمُهُ لِلْمُدَّعِي) إلَّا (بِكَفِيلٍ) وَيُتَّجَهُ اعْتِبَارُ كَوْنِهِ ثِقَةً مَلِيئًا قَادِرًا لِيُطِيقَ السَّفَرَ لِإِحْضَارِهِ وَلِيُصَدَّقَ فِي طَلَبِهِ (بِبَدَنِهِ) احْتِيَاطًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ لَمْ تُعَيِّنْهُ الشُّهُودُ طُولِبَ بِرَدِّهِ، نَعَمْ الْأَمَةُ الَّتِي يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْخَلْوَةُ بِهَا لَا يُرْسِلُهَا مَعَهُ بَلْ مَعَ أَمِينٍ فِي الرُّفْقَةِ مَعَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ هُنَا إلَى نَحْوِ مَحْرَمٍ أَوْ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ تَمْنَعُ الْخَلْوَةَ، وَلَوْ قِيلَ بِهِ لَمْ يَبْعُدْ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ يَشُقُّ فَسُومِحَ فِيهِ مُرَاعَاةً لِفَصْلِ الْخُصُومَةِ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَخْتِمَ عَلَى الْعَيْنِ وَأَنْ يُعَلِّقَ قِلَادَةً بِعُنُقِ الْحَيَوَانِ بِخَتْمٍ لَازِمٍ لِئَلَّا يُبَدَّلَ بِمَا يَقَعُ اللَّبْسُ بِهِ بِبَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِ (فَإِنْ) ذَهَبَ بِهِ إلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِب وَ (شَهِدُوا) عِنْدَهُ (بِعَيْنِهِ كَتَبَ بِبَرَاءَةِ الْكَفِيلِ) بَعْدَ تَتْمِيمِ الْحُكْمِ وَتَسْلِيمِ الْعَيْنِ لِلْمُدَّعِي وَلَمْ يَحْتَجْ لِإِرْسَالِ ثَانٍ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِعَيْنِهِ (فَعَلَى الْمُدَّعِي مُؤْنَةُ الرَّدِّ) كَالذَّهَابِ لِظُهُورِ تَعَدِّيهِ، وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ أُجْرَةُ تِلْكَ الْمُدَّةِ إنْ كَانَ لَهُ مَنْفَعَةٌ لِأَنَّهُ عَطَّلَهَا عَلَى صَاحِبِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ أَنَّ الْقَاضِي يَبِيعُهُ لِلْمُدَّعِي ثُمَّ يَقْبِضُ مِنْهُ الثَّمَنَ وَيَضَعُهُ عِنْدَ عَدْلٍ أَوْ يَكْفُلُهُ بِالثَّمَنِ، فَإِنْ سَلَّمَ اسْتَرَدَّ الْمَالَ وَبَانَ بُطْلَانُ الْبَيْعِ وَإِلَّا فَهُوَ صَحِيحٌ، وَيُسَلِّمُ الثَّمَنَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهَذَا بَيْعٌ يَتَوَلَّاهُ الْقَاضِي لِلْمَصْلَحَةِ كَمَا يَبِيعُ الضَّوَالَّ
(أَوْ) ادَّعَى عَيْنًا (غَائِبَةً عَنْ الْمَجْلِسِ لَا الْبَلَدِ) أَوْ قَرِيبَةً مِنْ الْبَلَدِ وَسَهُلَ إحْضَارُهَا كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ كَابْنِ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ حَيْثُ قَالَ: الْغَائِبَةُ عَنْ الْبَلَدِ بِمَسَافَةِ الْعَدْوَى كَاَلَّتِي بِالْبَلَدِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي وُجُوبِ الْإِحْضَارِ وَالْقَاضِي لَا يَعْرِفُ عَيْنَهَا وَلَيْسَتْ مَشْهُورَةً لِلنَّاسِ (أَمَرَ بِإِحْضَارِ مَا يُمْكِنُ) أَيْ يَتَيَسَّرُ مِنْ غَيْرِ كَبِيرِ مَشَقَّةٍ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً كَمَا هُوَ وَاضِحٌ (إحْضَارُهُ لِيَشْهَدُوا بِعَيْنِهِ) لِتَيَسُّرِ ذَلِكَ، أَمَّا غَيْرُهُ الَّذِي لَمْ يَشْتَهِرْ كَعَقَارٍ فَيُحَدِّدُهُ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ) أَيْ فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ مِنْ طَلَبِ زِيَادَةِ تَمْيِيزِ الْمُدَّعَى بِهِ (قَوْلُهُ لِيَحْصُلَ الْيَقِينُ) هُوَ مُرَادِفٌ لِلْعِلْمِ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا فَقَالَ الْيَقِينُ حُكْمُ الذِّهْنِ الْجَازِمُ الَّذِي لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الشَّكُّ وَالْعِلْمُ أَعَمُّ، فَلَا يُقَالُ تَيَقَّنْتُ أَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَكَانَ الْأَنْسَبُ التَّعْبِيرَ بِالْعِلْمِ لِأَنَّ الْعَيْنَ الْمَعْرُوفَةَ لِلشُّهُودِ لَا يَتَطَرَّقُ إلَى مَعْرِفَتِهَا شَكٌّ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: جَرَى هُنَا عَلَى كَلَامِ غَيْرِ هَذَا الْبَعْضِ، أَوْ يَمْنَعُ أَنَّ الشُّهُودَ لَا يَتَطَرَّقُ لَهُمْ شَكٌّ فِي الْعَيْنِ الْمَرْئِيَّةِ بَعْدَ غَيْبَتِهَا (قَوْلُهُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُهُ) زِيَادَةُ لَا مَعَ إلَّا تُوهِمُ أَنَّ مُقَابِلَ الْأَظْهَرِ يَقُولُ يُسَلِّمُهُ لَهُ بِلَا كَفِيلٍ، وَلَيْسَ مُرَادًا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ مَحْمُولٌ عَلَى عَيْنٍ حَاضِرَةٍ بِالْبَلَدِ إلَخْ) تَبِعَ هُنَا الشِّهَابَ ابْنَ حَجَرٍ، لَكِنْ سَيَأْتِي لَهُ ثَمَّ فِي الدَّعَاوَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْقِيمَةِ فِي الْعَيْنِ الْمُتَقَوِّمَةِ الْحَاضِرَةِ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ هُنَا (قَوْلُهُ: أَوْ بِيَدِ غَيْرِهِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا بِيَدِ غَيْرِهِ وَهِيَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ (قَوْلُهُ مَلِيئًا) تَوَقَّفَ ابْنُ قَاسِمٍ فِي اشْتِرَاطِ هَذَا، قَالَ: إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا يَتَأَتَّى مَعَهُ السَّفَرُ
(قَوْلُهُ: وَالْقَاضِي لَا يُعْرَفُ إلَخْ) لَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْمَطْلَبِ بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ تَقْيِيدًا لِلْمَتْنِ
وَيَصِفُ مَا يَعْسُرُ إحْضَارُهُ وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ بِحُدُودِهِ أَوْ صِفَاتِهِ أَوْ يَحْضُرُ الْقَاضِي بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبُهُ وَلَا يَشْهَدُونَ هُنَا بِصِفَةٍ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ بِخِلَافِهِ فِي الْغَائِبَةِ عَنْ الْبَلَدِ، فَإِنْ قَالَ الشُّهُودُ: إنَّمَا نَعْرِفُ عَيْنَهُ فَقَطْ تَعَيَّنَ حُضُورُ الْقَاضِي أَوْ نَائِبِهِ لِتَقَعَ الشَّهَادَةُ عَلَى عَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَحْدُودَ فِي الدَّعْوَى حَكَمَ وَإِلَّا فَلَا، وَفِي ثَقِيلٍ وَمُثَبَّتٍ وَكُلِّ مَا يَعْسُرُ إحْضَارُهُ يَحْضُرُ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ كَمَا ذُكِرَ وَأَمَّا مَا يَعْرِفُهُ الْقَاضِي فَإِنْ عَرَفَهُ النَّاسُ أَيْضًا فَلَهُ الْحُكْمُ بِهِ مِنْ غَيْرِ إحْضَارٍ وَإِنْ اخْتَصَّ بِهِ الْقَاضِي، فَإِنْ حَكَمَ بِعِلْمِهِ نَفَذَ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ فَلَا لِأَنَّهَا لَا تُسْمَعُ بِالصِّفَةِ كَمَا قَالَ
(وَلَا تُسْمَعُ شَهَادَةٌ بِصِفَةٍ) لِعَيْنٍ غَائِبَةٍ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، نَعَمْ إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِاسْتِيلَائِهِ عَلَى كَذَا وَوَصَفَهُ الشُّهُودُ سُمِعَتْ، وَفِيمَا إذَا لَمْ تُسْمَعْ يُؤْمَرُ بِإِحْضَارِهَا لِتُسْمَعَ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِهَا، وَإِنَّمَا سُمِعَتْ فِي الْغَائِبَةِ عَنْ الْبَلَدِ لِلْحَاجَةِ فِيهَا كَمَا مَرَّ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ قَبُولُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْعَيْنِ وَإِنْ غَابَتْ عَنْ الشُّهُودِ بَعْدَ التَّحَمُّلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ اشْتَرَطَ مُلَازَمَتَهَا لَهَا مِنْ التَّحَمُّلِ إلَى الْأَدَاءِ (وَإِذَا وَجَبَ إحْضَارٌ فَقَالَ) عِنْدِي عَيْنٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَكِنَّهَا غَائِبَةٌ غَرِمَ قِيمَتَهَا لِلْحَيْلُولَةِ، أَوْ (لَيْسَ بِيَدِي عَيْنٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ (ثُمَّ) بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لِلْمُدَّعِي دَعْوَى الْقِيمَةِ) فِي الْمُتَقَوِّمِ وَالْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا مُلِكَتْ (فَإِنْ نَكِلَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فَحَلَفَ الْمُدَّعِي أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً) بِأَنَّ الْعَيْنَ الْمَوْصُوفَةَ كَانَتْ بِيَدِهِ وَإِنْ قَالَتْ لَا نَعْلَمُ أَنَّهَا مِلْكُ الْمُدَّعِي (كُلِّفَ الْإِحْضَارَ) لِيَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَى عَيْنِهِ كَمَا مَرَّ (وَحُبِسَ عَلَيْهِ) لِامْتِنَاعِهِ مِنْ حَقٍّ لَزِمَهُ مَا لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ عُذْرًا فِيهِ (وَلَا يُطْلَقُ إلَّا بِإِحْضَارٍ) لِلْمَوْصُوفِ (أَوْ دَعْوَى تَلَفٍ) لَهُ مَعَ الْحَلِفِ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَأْخُذُ مِنْهُ الْقِيمَةَ أَوْ الْمِثْلَ وَتُقْبَلُ دَعْوَاهُ وَإِنْ نَاقَضَ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ لِلضَّرُورَةِ، نَعَمْ لَوْ أَضَافَ التَّلَفَ إلَى جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ بِهَا ثُمَّ يَحْلِفُ عَلَى التَّلَفِ بِهَا كَالْمُودِعِ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ
(وَلَوْ شَكَّ الْمُدَّعِي هَلْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فَيَدَّعِي قِيمَةَ أَمْ لَا) الْأَفْصَحُ أَوْ (فَيَدَّعِيهَا فَقَالَ: غُصِبَ مِنِّي كَذَا، فَإِنْ بَقِيَ لَزِمَهُ رَدُّهُ وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ) فِي الْمُتَقَوِّمِ وَمِثْلُهُ فِي الْمِثْلِيِّ (سُمِعَتْ دَعْوَاهُ) وَإِنْ كَانَتْ مُتَرَدِّدَةً لِلْحَاجَةِ ثُمَّ إنَّ أَقَرَّ بِشَيْءٍ فَذَاكَ وَإِلَّا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الْعَيْنِ وَلَا بَدَلُهَا وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي كَمَا ادَّعَى كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ (وَقِيلَ) لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِلتَّرَدُّدِ (بَلْ يَدَّعِيهَا) أَيْ الْعَيْنَ (وَيُحَلِّفُهُ) عَلَيْهَا (ثُمَّ يَدَّعِي الْقِيمَةَ) إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا وَإِلَّا فَالْمِثْلَ (وَيَجْرِيَانِ) أَيْ الْوَجْهَانِ (فِيمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ لِدَلَّالٍ لِيَبِيعَهُ فَجَحَدَهُ وَشَكَّ هَلْ بَاعَهُ فَيَطْلُبُ الثَّمَنَ أَمْ أَتْلَفَهُ ف) يَطْلُبُ (قِيمَتَهُ أَمْ هُوَ بَاقٍ فَيَطْلُبُهُ) فَعَلَى الْأَوَّلِ الْأَصَحُّ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَيَدَّعِي أَنَّ عَلَيْهِ رَدَّهُ أَوْ ثَمَنَهُ إنْ بَاعَ وَأَخَذَهُ أَوْ قِيمَتَهُ إنْ أَتْلَفَهُ وَيَحْلِفُ الْخَصْمُ يَمِينًا وَاحِدَةً أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ الثَّوْبِ وَلَا ثَمَنُهُ وَلَا قِيمَتُهُ، فَإِنْ رَدَّ حَلَفَ الْمُدَّعِي كَمَا ادَّعَى
[حاشية الشبراملسي]
(قَوْلُهُ فَإِنْ حَكَمَ بِعِلْمِهِ) أَيْ إنْ قُلْنَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ بِأَنْ كَانَ مُجْتَهِدًا
(قَوْلُهُ: غَرِمَ قِيمَتَهَا) أَيْ وَقْتَ طَلَبِهَا مِنْهُ لَا أَقْصَى الْقِيَمِ فِيمَا يَظْهَرُ
(قَوْلُهُ: إنْ أَتْلَفَهُ) أَيْ أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ بِتَقْصِيرٍ (قَوْلُهُ: فَإِنْ رُدَّ حَلَفَ الْمُدَّعِي كَمَا ادَّعَى) أَيْ وَعَلَيْهِ فَمَاذَا يَلْزَمُهُ: أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يُحْبَسُ وَيُقْبَلُ مِنْهُ مَا بَيَّنَ بِهِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَا يَشْهَدُونَ هُنَا بِصِفَةٍ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ) هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَتْنِ مَعَ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا تُسْمَعُ شَهَادَةٌ بِصِفَةٍ فَاللَّائِقُ الضَّرْبُ عَلَى هَذَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَالَ الشُّهُودُ إنَّمَا نَعْرِفُ إلَخْ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ أَمَّا غَيْرُهُ الَّذِي لَمْ يَشْتَهِرْ (قَوْلُهُ: وَفِي ثَقِيلٍ وَمُثْبَتٍ إلَخْ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا يَعْرِفُهُ الْقَاضِي) هَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ الْمَارِّ وَالْقَاضِي لَا يَعْرِفُ عَيْنَهَا إلَخْ فَهُوَ فِيمَا يَسْهُلُ إحْضَارُهُ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ غَابَتْ عَنْ الشُّهُودِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ هَذَا بِغَيْرِ الْمِثْلِيَّاتِ، أَمَّا هِيَ فَلَا خَفَاءَ أَنَّهَا لَا تَتَأَتَّى الشَّهَادَةُ عَلَى عَيْنِهَا إذَا احْتَاجَ الْأَمْرُ إلَيْهِ إلَّا مَعَ الْمُلَازَمَةِ الْمَذْكُورَةِ، إذْ هِيَ بِمُجَرَّدِ غَيْبَتِهَا عَنْ الشُّهُودِ تَنْبَهِمُ عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ شَيْءٍ يُمَيِّزُهَا
وَإِلَّا كُلِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَيَانَ وَيَحْلِفُ إنْ ادَّعَى التَّلَفَ، فَإِنْ رُدَّ حَلَفَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ التَّلَفَ ثُمَّ يُحْبَسُ لَهُ (وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا الْإِحْضَارَ فَثَبَتَتْ لِلْمُدَّعِي اسْتَقَرَّتْ مُؤْنَتُهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ الْمُحْوِجُ لِذَلِكَ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ (فَهِيَ) أَيْ مُؤْنَةُ الْإِحْضَارِ (وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ) لِلْعَيْنِ إلَى مَحَلِّهَا (عَلَى الْمُدَّعِي) لِأَنَّهُ الْمُحْوِجُ لِلْغُرْمِ وَعَلَيْهِ أَقْصَى أُجْرَةِ مِثْلِ مَنَافِعِ تِلْكَ الْمُدَّةِ إنْ غَابَتْ عَنْ الْبَلَدِ لَا الْمَجْلِسِ فَقَطْ وَنَفَقَتُهَا إلَى أَنْ تَثْبُتَ فِي بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ بِاقْتِرَاضٍ ثُمَّ عَلَى الْمُدَّعِي.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ غَابَ شَخْصٌ وَلَيْسَ لَهُ وَكِيلٌ وَلَهُ مَالٌ وَأَنْهَى إلَى الْحَاكِمِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَبِعْهُ اخْتَلَّ مُعْظَمُهُ لَزِمَهُ بَيْعُهُ إنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِسَلَامَتِهِ.
وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّ لِلْقَاضِي بَيْعَ مَالِ الْغَائِبِ بِنَفْسِهِ أَوْ قَيِّمِهِ إذَا احْتَاجَ إلَى نَفَقَةٍ، وَكَذَا إذَا خَافَ فَوْتَهُ أَوْ كَانَ الصَّلَاحُ فِي بَيْعِهِ، وَلَا يَأْخُذُ لَهُ بِالشُّفْعَةِ، وَإِذَا قَدِمَ لَمْ يَنْقُضْ بَيْعَ الْحَاكِمِ وَلَا إيجَارَهُ، وَإِذَا أُجْبِرَ بِغَصْبِ مَالِهِ وَلَوْ قَبْلَ غَيْبَتِهِ أَوْ بِجَحْدِ مَدِينِهِ وَخَشِيَ فَلَسَهُ فَلَهُ نَصْبُ مَنْ يَدَّعِيهِ وَلَا يَسْتَرِدُّ وَدِيعَتَهُ.
وَأَفْتَى الْأَذْرَعِيُّ فِيمَنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ وَلَهُ دَيْنٌ خُشِيَ تَلَفُهُ بِأَنَّ الْحَاكِمَ يَغْصِبُ مَنْ يَسْتَوْفِيهِ وَيُنْفِقُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ، وَقَدْ تَنَاقَضَ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَالْمُصَنِّفِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيمَا لِلْغَائِبِ مِنْ دَيْنٍ وَعَيْنٍ فَظَاهِرُهُ فِي مَوْضِعٍ مَنْعُ الْحَاكِمِ مِنْ قَبْضِهَا، وَفِي آخَرَ جَوَازُهُ فِيهِمَا، وَفِي آخَرَ جَوَازُهُ فِي الْعَيْنِ فَقَطْ وَهُوَ أَقْرَبُ لِأَنَّ بَقَاءَ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ أَحْرَزُ مِنْهُ فِي يَدِ الْحَاكِمِ لِصَيْرُورَتِهِ أَمَانَةً مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَمَرَّ فِي الْفَلَسِ عَنْ الْفَارِقِيِّ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا كَانَ الْمَدْيُونُ ثِقَةً مَلِيئًا، وَإِلَّا وَجَبَ أَخْذُهُ مِنْهُ وَبِهِ يَتَأَيَّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْقَفَّالِ وَالْأَذْرَعِيِّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّ مَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ فَوَاتُهُ عَلَى مَالِكِهِ لِفَلَسٍ أَوْ جَحْدٍ أَوْ فِسْقٍ يَجِبُ أَخْذُهُ عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا، وَكَذَا لَوْ طَلَبَ مَنْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ قَبْضَهَا مِنْهُ بِسَفَرٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَمَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَفِي الْعَيْنِ دُونَ الدَّيْنِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي قَاضٍ أَمِينٍ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي الْوَدِيعَةِ، وَقَدْ أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ قَبْضُ دَيْنِ حَاضِرٍ مُمْتَنِعٍ مِنْ قَبُولِهِ بِلَا عُذْرٍ وَالْغَائِبُ مِثْلُهُ، وَلَوْ مَاتَ شَخْصٌ وَوَرِثَهُ مَحْجُورُ وَلِيِّهِ الْحَاكِمُ لَزِمَهُ طَلَبُ وَقَبْضُ جَمِيعِ مَالِهِ مِنْ عَيْنٍ وَدَيْنٍ.
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلَهُ: ثُمَّ يُحْبَسُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ أَقْصَى أُجْرَةِ مِثْلِ) أَيْ فَلَوْ اخْتَلَفَتْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ كَأَنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْحُضُورِ وَالرَّدِّ شَهْرًا وَمَنْفَعَتُهُ فِي بَعْضِهَا عَشَرَةٌ وَفِي الْبَعْضِ الْآخَرِ عِشْرُونَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ أَقْصَى أُجْرَةِ إلَخْ خِلَافُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَنَفَقَتُهَا) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ (قَوْلُهُ: فِي بَيْتِ الْمَالِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُوَاسَاةٌ وَقِيَاسُ مَا بَعْدَهُ أَنَّهُ قَرْضٌ (قَوْلُهُ ثُمَّ بِاقْتِرَاضٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّهَا حَيْثُ ثَبَتَتْ فِي بَيْتِ الْمَالِ تَكُونُ تَبَرُّعًا (قَوْلُهُ: وَأَنْهَى إلَى الْحَاكِمِ) أَيْ اتَّفَقَ أَنَّ شَخْصًا مِنْ أَهْلِ مَحَلَّتِهِ أَخْبَرَ الْحَاكِمَ بِذَلِكَ، وَيَنْبَغِي وُجُوبُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ فِي حَقِّ أَهْلِ مَحَلَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّ لِلْقَاضِي) قَضِيَّتُهُ جَوَازُ ذَلِكَ وَقِيَاسُ مَا قَبْلَهُ الْوُجُوبُ (قَوْلُهُ: وَلَا إيجَارَهُ) أَيْ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِفِعْلِ ذَلِكَ شَرْعًا فَنَزَلَ تَصَرُّفُهُ مَنْزِلَةَ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ الْمَالِكِ (قَوْلُهُ وَإِذَا أَخْبَرَ) أَيْ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: وَأَفْتَى الْأَذْرَعِيُّ فِيمَنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ غَابَ وَتَرَكَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ بِلَا مُنْفِقٍ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي قَبْضُ شَيْءٍ مِنْ دَيْنِهِ لِيَصْرِفَهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا (قَوْلُهُ: عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا) أَيْ مَا لَمْ يَنْهَ مَالِكُهُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا فِي الْحَيَوَانِ اهـ حَجّ.
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: فِي بَيْتِ الْمَالِ) أَيْ مَجَّانًا بِدَلِيلِ عَطْفِ الْقَرْضِ عَلَيْهِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ الصَّلَاحُ فِي بَيْعِهِ) شَمَلَ نَحْوَ زِيَادَةِ الرِّبْحِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ.
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ مَنْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ وَمَا يُذْكَرُ مَعَهُ (الْغَائِبُ الَّذِي تُسْمَعُ) الدَّعْوَى وَ (الْبَيِّنَةُ) عَلَيْهِ (وَيَحْكُمُ عَلَيْهِ مَنْ بِمَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ) لِسُهُولَةِ إحْضَارِ الْقَرِيبِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ حَكَمَ عَلَى غَائِبٍ فَبَانَ كَوْنُهُ حِينَئِذٍ بِمَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ تَبَيَّنَ فَسَادُ الْحُكْمِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَدَعْوَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ كَلَامِهِمْ الصِّحَّةُ مَمْنُوعَةٌ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ بَانَ كَمَالُهُ، وَلَوْ قَدِمَ الْغَائِبُ وَقَالَ وَلَوْ بِلَا بَيِّنَةٍ كُنْت بِعْت أَوْ أَعْتَقْت قَبْلَ بَيْعِ الْحَاكِمِ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ تَصَرُّفِ الْحَاكِمِ كَمَا مَرَّ، وَلَوْ بَانَ الْمُدَّعَى مَوْتُهُ حَيًّا بَعْدَ بَيْعِ الْحَاكِمِ مَا لَهُ فِي دَيْنِهِ، قَالَ أَبُو شُكَيْلٍ الْيَمَنِيُّ: بَانَ بُطْلَانُهُ إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا لِتَبَيُّنِ بَقَائِهِ لَا حَالًّا لِأَنَّ الدَّيْنَ يَلْزَمُهُ وَفَاؤُهُ حَالًّا انْتَهَى.
وَإِنَّمَا يُسَلَّمُ لَهُ ذَلِكَ فِي الْحَالِ إذَا بَانَ مُعْسِرًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَ الْمَبِيعِ أَوْ يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَظَهَرَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي بَيْعِ الْمَبِيعِ لَوْ ظَهَرَ لَهُ الْحَالُ قَبْلَ التَّصَرُّفِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي الرَّهْنِ، وَلَوْ بَانَ أَنْ لَا دَيْنَ بَانَ أَنْ لَا بَيْعَ كَمَا لَا يَخْفَى (وَهِيَ) أَيْ الْبَعِيدَةُ (الَّتِي لَا يَرْجِعُ مِنْهَا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (مُبَكِّرٌ إلَى مَوْضِعِهِ لَيْلًا) أَيْ أَوَائِلَهُ وَهُوَ مَا يَنْتَهِي فِيهِ سَفَرُ النَّاسِ غَالِبًا، قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي إيجَابِ الْحُضُورِ مِنْهَا مَشَقَّةً بِمُفَارَقَةِ الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ لَيْلًا، وَإِنَّمَا عَلَّقْنَا مِنْهَا بِمُبَكِّرٍ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الْمُرَادِ عَلَيْهِ مَعَ جَعْلِ إلَى مَوْضِعِهِ مِنْ إظْهَارِ الْمُضْمَرِ: أَيْ لَا يَرْجِعُ مُبَكِّرٌ مِنْهَا لِبَلَدِ الْحَاكِمِ إلَيْهَا أَوَّلَ اللَّيْلِ بَلْ بَعْدَهُ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْبُلْقِينِيِّ تَعْبِيرُهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأَنَّ مِنْهَا يَعُودُ لِلْبَعِيدَةِ وَهِيَ لَيْسَتْ الَّتِي لَا يَرْجِعُ مِنْهَا بَلْ الَّتِي لَا يَصِلُ إلَيْهَا مَنْ يَخْرُجُ بُكْرَةً مِنْ مَوْضِعِهِ إلَى بَلَدِ الْحَاكِمِ، فَلَوْ قَالَ الَّتِي لَوْ خَرَجَ مِنْهَا بُكْرَةً لِبَلَدِ الْحَاكِمِ لَا يَرْجِعُ إلَيْهَا لَيْلًا لَوْ عَادَ فِي يَوْمِهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُحَاكَمَةِ لَوَفَّى بِالْمَقْصُودِ انْتَهَى.
وَظَاهِرٌ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي ذَلِكَ بِالْيَوْمِ الْمُعْتَدِلِ، وَيُتَّجَهُ أَنَّ الْمُرَادَ زَمَنُ الْمُخَاصَمَةِ الْمُعْتَدِلَةِ مِنْ دَعْوَى وَجَوَابٍ وَإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ حَاضِرَةٍ أَوْ حَلِفٍ وَتَعْدِيلِهَا وَأَنَّ الْعِبْرَةَ بِسَيْرِ الْأَثْقَالِ لِأَنَّهُ الْمُنْضَبِطُ (وَقِيلَ) هِيَ (مَسَافَةُ الْقَصْرِ) لِاعْتِبَارِهَا فِي الشَّرْعِ فِي أَمَاكِنَ.
وَرُدَّ بِوُضُوحِ الْفَرْقِ هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ كَانَ فِي وِلَايَةِ الْحَاكِمِ وَإِلَّا سَمِعَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَالْبَيِّنَةَ وَحَكَمَ وَكَاتَبَ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَتْ النُّوَّابُ أَوْ الْمُسْتَقِلُّونَ فِي بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَحُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ فَطَلَبَ مِنْ قَاضٍ مِنْهُمْ الْحُكْمَ عَلَى مَنْ لَيْسَ فِي حَدِّهِ قَبْلَ حُضُورِهِ حَكَمَ وَكَاتَبَ لِأَنَّهُ غَائِبٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لِلْمَاوَرْدِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ خُصُوصًا إنْ لَمْ تَفْحُشْ سَعَةُ الْبَلْدَةِ (وَمَنْ بِقَرِيبَةٍ) أَيْ بِمَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ وَلَوْ
[حاشية الشبراملسي]
فَصْلٌ) فِي بَيَانِ مَنْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ (قَوْلُهُ: وَيَجْرِي ذَلِكَ) أَيْ فَسَادُ الْحُكْمِ (قَوْلُهُ: بَانَ كَمَالُهُ) أَيْ بَعْدَ الدَّعْوَى عَلَى وَلِيِّهِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ وَلَوْ بِلَا بَيِّنَةٍ) أَيْ وَلَوْ فَاسِقًا وَكَافِرًا وَهَلْ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى يَمِينٍ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ تَحْلِيفُهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا يَنْتَهِي فِيهِ سَفَرُ النَّاسِ غَالِبًا) أَيْ وَإِنْ كَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَحَلِّ لَا يَرْجِعُونَ إلَّا فِي نَحْوِ ثُلُثِ اللَّيْلِ (قَوْلُهُ: وَرُدَّ بِوُضُوحِ الْفَرْقِ)
[حاشية الرشيدي]
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَنْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ وَمَا يُذْكَرُ مَعَهُ]
فَصْلٌ) فِي بَيَانِ مَنْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ (قَوْلُهُ: لِسُهُولَةِ إحْضَارِ الْقَرِيبِ) أَيْ الَّذِي فِي وِلَايَتِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) الَّذِي مَرَّ إنَّمَا هُوَ إذَا بَطَلَ الدَّيْنُ بَعْدَ حُضُورِهِ خِلَافًا لِلرُّويَانِيِّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَانَ أَنْ لَا دَيْنَ إلَخْ) قَدْ قَدَّمَ هَذَا وَنَبَّهَ عَلَى مُخَالَفَةِ الرُّويَانِيِّ فِيهِ (قَوْلُهُ: هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ كَانَ فِي وِلَايَةِ الْحَاكِمِ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَا مَحَلَّ لَهُ هُنَا، وَأَنَّ مَحَلَّهُ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَمَنْ بِقَرِيبَةٍ كَحَاضِرٍ إلَخْ، أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ هَذَا أَصْلًا وَلَا إلَى نِسْبَتِهِ إلَى الْمَاوَرْدِيِّ لِأَنَّهُ عَيْنُ قَوْلِ
بَعْدَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي حُضُورِهِ وَهُوَ مِمَّنْ يَتَأَتَّى حُضُورُهُ (كَحَاضِرٍ فَلَا تُسْمَعُ) دَعْوَى وَلَا (بَيِّنَةٌ) عَلَيْهِ (وَلَا يُحْكَمُ بِغَيْرِ حُضُورِهِ) بَلْ يَجِبُ إحْضَارُهُ لِسُهُولَةِ ذَلِكَ لِيَدْفَعَ إنْ شَاءَ أَوْ يُقِرَّ فَيُغْنِي عَنْ الْبَيِّنَةِ وَالنَّظَرِ فِيهَا (إلَّا لِتَوَارِيهِ) أَوْ حَبْسِهِ بِمَحَلٍّ لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ أَوْ هَرَبِهِ مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ (أَوْ تَعَزُّرِهِ) أَيْ تَغَلُّبِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ وَيُحْكَمُ بِغَيْرِ حُضُورِهِ، لَكِنْ بَعْدَ يَمِينِ الِاسْتِظْهَارِ عَلَى أَرْجَحِ الْوَجْهَيْنِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَبَعًا لِجَمْعٍ مُتَأَخِّرِينَ احْتِيَاطًا لِلْحُكْمِ فَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ تَقْصِيرُهُ وَقُدْرَتُهُ عَلَى الْحُضُورِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ جُعِلَ الْآخَرُ فِي حُكْمِ النَّاكِلِ، فَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي يَمِينَ الرَّدِّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ بَعْضُهُمْ ثُمَّ يُحْكَمُ لَهُ، لَكِنْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِخِلَافِهِ وَتَبِعَهُ جَمْعٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ النِّدَاءِ بِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْضُرْ جُعِلَ نَاكِلًا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ (وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ الْقَضَاءِ عَلَى غَائِبٍ فِي قِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ) لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَأَشْبَهَ الْمَالَ (وَمَنْعُهُ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى) وَتَعَازِيرِهِ لِبِنَائِهَا عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالدَّرْءِ مَا أَمْكَنَ، وَمَا فِيهِ الْحَقَّانِ كَالسَّرِقَةِ يُقْضَى فِيهِ بِالْمَالِ لَا الْقَطْعِ.
وَالثَّانِي الْجَوَازُ مُطْلَقًا كَالْأَمْوَالِ فَيَكْتُبُ إلَى قَاضِي بَلَدِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِيَأْخُذَ بِالْعُقُوبَةِ.
وَالثَّالِثُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا لِخَطَرِ الدِّمَاءِ وَالْحَدُّ يُسْعَى فِي دَفْعِهِ وَلَا يُوَسِّعُ بَابَهُ وَحُقُوقُهُ تَعَالَى الْمَالِيَّةُ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ عَلَى غَائِبٍ بِإِسْقَاطِ حَقٍّ لَهُ كَأَنْ قَالَ كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ قَضَيْتُهَا أَوْ أَبْرَأَنِي مِنْهَا وَلِي بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ وَلَا آمَنُ إنْ خَرَجْتُ إلَيْهِ يُطَالِبُنِي وَيَجْحَدُ الْقَبْضَ وَالْإِبْرَاءَ وَلَا أَجِدُ حِينَئِذٍ الْبَيِّنَةَ فَاسْمَعْ بَيِّنَتِي وَاكْتُبْ بِذَلِكَ إلَى حَاكِمِ بَلَدِهِ لَمْ يُجِبْهُ لِأَنَّ الدَّعْوَى بِذَلِكَ وَالْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ إلَّا بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِالْحَقِّ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَطَرِيقُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَدَّعِيَ إنْسَانٌ أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ أَحَالَهُ فَيَعْتَرِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ لِرَبِّهِ وَبِالْحَوَالَةِ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْهُ أَوْ أَقْبَضَهُ فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى بِذَلِكَ وَالْبَيِّنَةُ وَإِنْ كَانَ رَبُّ الدَّيْنِ حَاضِرًا بِالْبَلَدِ
(وَلَوْ) (سَمِعَ بَيِّنَةً عَلَى غَائِبٍ فَقَدِمَ) وَلَوْ (قَبْلَ الْحُكْمِ) (لَمْ يَسْتَعِدْهَا) أَيْ لَمْ يَلْزَمْهُ لِوُقُوعِ ذَلِكَ صَحِيحًا لَكِنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ مِنْ إبْدَاءِ قَادِحٍ أَوْ رَافِعٍ (بَلْ يُخْبِرُهُ) بِالْحَالِ فَيَتَوَقَّفُ حُكْمُهُ عَلَى إخْبَارِهِ كَمَا فِي الْمَطْلَبِ، وَاعْتَرَضَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّ الْإِعْزَارَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَنَا لِصِحَّةِ الْحُكْمِ، وَرَدَّهُ تِلْمِيذُهُ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ لِحُضُورِهِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ فَهُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ الدَّفْعِ، وَأَمَّا هُنَا فَلَمْ يَعْلَمْ فَاشْتُرِطَ إعْلَامُهُ (وَيُمَكِّنُهُ مِنْ الْجَرْحِ) أَوْ نَحْوِهِ كَإِثْبَاتِ نَحْوِ فِسْقٍ وَيُمْهِلُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
وَلَا بُدَّ أَنْ يُؤَرِّخَ الْجَرْحَ بِوَقْتِ الشَّهَادَةِ أَوْ قَبْلَهَا وَقَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَقَدْ اسْتَطْرَدَ ذِكْرَ مَسَائِلَ لَهَا نَوْعُ تَعَلُّقٍ بِالْبَابِ فَقَالَ (وَلَوْ) (عُزِلَ) أَوْ انْعَزَلَ (بَعْدَ سَمَاعِ بَيِّنَةٍ
[حاشية الشبراملسي]
وَهُوَ الْمَشَقَّةُ فِي الْحُضُورِ هُنَا (قَوْلُهُ: وَحُقُوقُهُ تَعَالَى الْمَالِيَّةُ) أَيْ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ (قَوْلُهُ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ) الْأَلْفُ مُذَكَّرٌ وَحَيْثُ أُنِّثَ فَيُؤَوَّلُ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ نَحْوِهَا، وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ: الْأَلْفُ عَدَدٌ وَهُوَ مُذَكَّرٌ (قَوْلُهُ: لَمْ يُجِبْهُ) هَذَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ أَوَّلًا وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى بَلْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَصْلُحُ هَذَا جَوَابًا لَهُ، فَلَوْ قَالَ فَإِنْ كَانَ قَالَهُ إلَخْ كَانَ أَوْلَى
(قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْإِعْذَارَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ) أَيْ الِاعْتِرَافُ بِمَا يُرِيدُ الْقَاضِي الْحُكْمَ بِهِ وَأَبْدَى عُذْرًا فِي عَدَمِ الِاعْتِرَافِ بِهِ أَوَ لَا مَثَلًا، وَفِي الْمُخْتَارِ أَعْذَرَ: صَارَ ذَا عُذْرٍ (قَوْلُهُ: لِحُضُورِهِ) أَيْ ثَمَّ (قَوْلُهُ: وَيُمْهِلُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) أَيْ وُجُوبًا
(قَوْلُهُ: وَقَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ) أَيْ وَهِيَ سَنَةٌ (قَوْلُهُ: أَوْ انْعَزَلَ) أَيْ بِفِسْقٍ مَثَلًا
[حاشية الرشيدي]
الْمُصَنِّفِ الْآتِي أَوْ غَائِبٍ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ إحْضَارُهُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: جَعَلَ الْآخَرَ فِي حُكْمِ النَّاكِلِ إلَخْ) هَذَا خَاصٌّ بِالْمُتَوَارِي وَالْمُتَعَزَّزِ بِخِلَافِ الْمَحْبُوسِ الَّذِي زَادَهْ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: لَمْ يُجِبْهُ) الْأَصْوَبُ حَذْفُهُ (قَوْلُهُ: فَيَعْتَرِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِاعْتِرَافِهِ مَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنْ يَقُولَ كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مَثَلًا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: أَيْ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ
ثُمَّ وَلِيَ) وَلَمْ يَكُنْ حَكَمَ بِقَبُولِهَا كَمَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ (وَجَبَتْ الِاسْتِعَادَةُ) وَلَا يَحْكُمُ بِالسَّمَاعِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَ بِالِانْعِزَالِ بِخِلَافِ مَا لَوْ خَرَجَ عَنْ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ ثُمَّ عَادَ لِبَقَاءِ وِلَايَتِهِ، وَبِخِلَافِ مَا لَوْ حَكَمَ بِقَبُولِهَا فَإِنَّ لَهُ الْحُكْمَ بِالسَّمَاعِ الْأَوَّلِ، وَلَا أَثَرَ لِإِشْهَادِهِ عَلَى نَفْسِهِ لِلسَّمَاعِ لِانْتِفَاءِ كَوْنِهِ حُكْمًا عَلَى الرَّاجِحِ (وَإِذَا اُسْتُعْدِيَ) بِبِنَائِهِ لِلْمَفْعُولِ (عَلَى حَاضِرٍ بِالْبَلَدِ) أَهْلٌ لِسَمَاعِ الدَّعْوَى، وَالْجَوَابِ: أَيْ طُلِبَ مِنْهُ إحْضَارُهُ (أَحْضَرَهُ) وَإِنْ كَانَ مَا ادَّعَاهُ مُحَالًا عَادَةً كَوَزِيرٍ ادَّعَى عَلَيْهِ وَضِيعٌ بِأَنَّهُ اكْتَرَاهُ لِشَيْلِ زِبْلٍ مَثَلًا فَيَلْزَمُهُ الْإِحْضَارُ مُطْلَقًا مَا لَمْ يُعْلَمْ كَذِبُهُ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، أَوْ يَكُونُ قَدْ اُسْتُؤْجِرَتْ عَيْنُهُ وَلَزِمَ مِنْ حُضُورِهِ تَعْطِيلُ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَا يُحْضِرُهُ حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُ الْإِجَارَةِ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيُتَّجَهُ ضَبْطُ التَّعْطِيلِ الْمُضِرِّ بِأَنْ يَمْضِيَ زَمَنٌ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ، فَالْأَوْجَهُ أَمْرُهُ بِالتَّوْكِيلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ، وَيَحْضُرُ الْيَهُودِيُّ يَوْمَ سَبْتِهِ، وَالْمُخَدَّرَةُ إذَا لَزِمَتْهَا يَمِينٌ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ إلَيْهَا مَنْ يُحَلِّفُهَا كَمَا يَأْتِي، وَقَوْلُ الْجَوَاهِرِ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ يُسَنُّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ (بِدَفْعِ خَتْمِ طِينٍ رَطْبٍ أَوْ غَيْرِهِ) مَكْتُوبٍ فِيهِ أَجِبْ الْقَاضِيَ فُلَانًا وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مُعْتَادًا ثُمَّ هُجِرَ وَاعْتِيدَ الْكِتَابَةُ فِي الْوَرَقِ قِيلَ وَهُوَ أَوْلَى (أَوْ مُرَتِّبٍ لِذَلِكَ) وَهُوَ الْعَوْنُ الْمُسَمَّى الْآنَ بِالرَّسُولِ، وَكَلَامُهُ كَأَصْلِهِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْوِيعِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْقَاضِي وَبِهِ صُرِّحَ فِي الْحَاوِي، وَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِحَسَبِ مَا يُؤَدِّي بِهِ الِاجْتِهَادُ إلَيْهِ مِنْ قُوَّةِ الْخَتْمِ وَضَعْفِهِ، وَفِي الِاسْتِقْصَاءِ أَنَّهُ لَا يَبْعَثُ الْعَوْنَ إلَّا إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْمَجِيءِ بِالْخَتْمِ لِأَنَّ الطَّالِبَ قَدْ يَتَضَرَّرُ بِأَخْذِ أُجْرَتِهِ مِنْهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْأُجْرَةَ عَلَى الطَّالِبِ مُطْلَقًا حَيْثُ لَمْ يُرْزَقْ الْعَوْنُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَقَضِيَّةُ مَا يَأْتِي فِي أَعْوَانِ السُّلْطَانِ أَنَّهَا عَلَى الْمُمْتَنِعِ هُنَا أَيْضًا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأُجْرَةُ الْمُلَازِمِ عَلَى الْمُدَّعِي بِخِلَافِ الْحَبْسِ، لَكِنْ ذَهَبَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ إلَى أَنَّ الْأُجْرَةَ عَلَى الطَّالِبِ وَإِنْ امْتَنَعَ خَصْمُهُ مِنْ الْحُضُورِ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُصَدِّقُهُ عَلَى الْمُدَّعَى بِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ مَعَهُ بِقَوْلِهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَمْرِ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ، وَفَصَّلَ فِي أُجْرَةِ الْمُلَازِمِ فَجَعَلَهَا عَلَى الْمَدْيُونِ إنْ كَانَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ وَإِلَّا فَعَلَى الطَّالِبِ، وَمَحَلُّ لُزُومِ إجَابَةِ الْحُضُورِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِي الْمَطْلُوبَ إلَيْهِ يَقْضِي عَلَيْهِ بِجَوْرٍ بِرِشْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَإِلَّا فَلَهُ الِامْتِنَاعُ بَاطِنًا، وَأَمَّا فِي الظَّاهِرِ فَلَا وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ مَتَى وَكَّلَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُضُورُ بِنَفْسِهِ (فَإِنْ امْتَنَعَ) مِنْ الْحُضُورِ مِنْ مَحَلٍّ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ مِنْهُ (بِلَا عُذْرٍ) مِنْ أَعْذَارِ الْجَمَاعَةِ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَلَوْ بِقَوْلِ عَوْنٍ ثِقَةٍ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ (أَحْضَرَهُ بِأَعْوَانِ السُّلْطَانِ) وَأُجْرَتُهُمْ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ (وَعَزَّرَهُ) إنْ رَأَى ذَلِكَ لِتَعَدِّيهِ، وَلَوْ اسْتَخْفَى نُودِيَ عَلَيْهِ مُتَكَرِّرًا بِبَابِ دَارِهِ إنْ لَمْ يَحْضُرْ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ سُمِّرَ بَابُهُ أَوْ خُتِمَ وَسُمِعَتْ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَحُكِمَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ بَعْدَهَا وَسَأَلَ الْمُدَّعِي أَحَدَهُمَا وَأَثْبَتَ أَنَّهُ يَأْوِي دَارِهِ أَجَابَهُ، وَظَاهِرٌ أَنَّ التَّسْمِيرَ إذَا أَفْضَى إلَى نَقْصٍ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا فِي مَمْلُوكٍ لَهُ، بِخِلَافِ الْخَتْمِ ثُمَّ يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ وَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِهَا بَعْدَ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: أَيْ طُلِبَ مِنْهُ إحْضَارُهُ) يُقَالُ اسْتَعْدَيْت الْأَمِيرُ عَلَى فُلَانٍ فَأَعْدَانِي: أَيْ اسْتَعَنْت بِهِ عَلَيْهِ فَأَعَانَنِي اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَلَّتْ) أَيْ كَدِرْهَمٍ (قَوْلُهُ: فَالْأَوْجَهُ أَمْرُهُ بِالتَّوْكِيلِ) أَيْ مَنْ اُسْتُؤْجِرَتْ عَيْنُهُ وَكَانَ حُضُورُهُ يُعَطِّلُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَوْلَى) لَعَلَّ وَجْهَ الْأَوْلَوِيَّةِ مَا فِي الطِّينِ مِنْ الْقَذَارَةِ (قَوْلُهُ: أُجْرَةُ الْمُلَازِمِ) وَمِنْهُ السَّجَّانُ (قَوْلُهُ لَكِنْ ذَهَبَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ إلَخْ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِقَوْلِ عَوْنٍ) غَايَةً
[حاشية الرشيدي]
الْقَاضِي
(قَوْلُهُ: أَيْ طَلَبَ مِنْهُ إحْضَارَهُ) هَذَا التَّفْسِيرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَائِبَ فَاعِلِ اُسْتُعْدِيَ فِي الْمَتْنِ الْقَاضِي لَا الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ (قَوْلُهُ: لَكِنْ ذَهَبَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ إلَى أَنَّ الْأُجْرَةَ) أَيْ أُجْرَةَ الْعَوْنِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ مَتَى وَكَّلَ إلَخْ) لَمْ يَمُرَّ هَذَا وَإِنَّمَا الَّذِي مَرَّ أَنَّ الْأَجِيرَ يُؤْمَرُ بِالتَّوْكِيلِ (قَوْلُهُ: مِنْ أَعْذَارِ الْجَمَاعَةِ) شَمَلَ نَحْوَ أَكْلِ ذِي رِيحٍ كَرِيهٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَعِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ: وَالْعُذْرُ كَالْمَرَضِ وَحَبْسِ الظَّالِمِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ، وَقَيَّدَ غَيْرُهُ الْمَرَضَ الَّذِي يُعْذَرُ بِهِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَسُوغُ بِمِثْلِهِ شَهَادَةُ الْفَرْعِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْخَتْمِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى نَقْصٍ
الْيَمِينِ كَمَا مَرَّ، كَمَا لَوْ هَرَبَ قَبْلَ الدَّعْوَى أَوْ بَعْدَهَا وَقَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَا يُسَمَّرُ دَارُهُ إذَا كَانَ يَأْوِيهَا غَيْرُهُ وَلَا يُخْرَجُ الْغَيْرُ فِيمَا يَظْهَرُ انْتَهَى.
وَمَحَلُّهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي سَاكِنٍ بِأُجْرَةٍ لَا عَارِيَّةٍ، وَلَوْ أُخْبِرَ أَنَّهُ بِمَحَلٍّ بِهِ نِسَاءٌ أَرْسَلَ إلَيْهِ مَمْسُوحًا أَوْ مُمَيِّزًا، وَبَعْدَ الظَّفَرِ يُعَزِّرُهُ بِحَبْسٍ أَوْ غَيْرِهِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ لَائِقًا بِهِ.
وَالْمَعْذُورُ يُرْسَلُ إلَيْهِ مَنْ يَسْمَعُ الدَّعْوَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ أَوْ يُلْزِمُهُ بِالتَّوْكِيلِ، وَلَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ كَالْغَائِبِ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَاعْتَمَدَهُ جَمْعٌ
(أَوْ) ادَّعَى عَلَى (غَائِبٍ فِي غَيْرِ) مَحَلِّ (وِلَايَتِهِ) (فَلَيْسَ لَهُ إحْضَارُهُ) إذْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ بَلْ يَسْمَعُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ ثُمَّ يُنْهِي كَمَا مَرَّ (أَوْ فِيهَا وَلَهُ هُنَاكَ نَائِبٌ) أَوْ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ النَّاسِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لِلْقَضَاءِ (لَمْ يُحْضِرْهُ) أَيْ لَمْ يَجُزْ إحْضَارُهُ لِلْمَشَقَّةِ مَعَ تَيْسِيرِ الْفَصْلِ حِينَئِذٍ (بَلْ يَسْمَعُ بَيِّنَةً) عَلَيْهِ (وَيَكْتُبُ إلَيْهِ) بِذَلِكَ (أَوْ لَا نَائِبَ لَهُ فَالْأَصَحُّ) أَنَّهُ (يُحْضِرُهُ) بَعْدَ تَحْرِيرِ الدَّعْوَى وَصِحَّةِ سَمَاعِهَا (مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى فَقَطْ وَهِيَ الَّتِي يَرْجِعُ مِنْهَا مُبَكِّرٌ) إلَى مَحَلِّهِ (لَيْلًا) كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَهَا لَمْ يُحْضِرْهُ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا إحْضَارَهُ مُطْلَقًا، وَمَرَّ أَنَّ أَوَائِلَ اللَّيْلِ كَالنَّهَارِ فَلَا تَنَافِي حِينَئِذٍ بَيْنَ قَوْلِهِ هُنَا لَيْلًا وَقَوْلِهِ فِي الرَّوْضَةِ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْقَاضِي يُعْدِي: أَيْ يُعِينُ مَنْ طَلَبَ خَصْمَهُ مِنْهَا عَلَى إحْضَارِهِ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْمُخَدَّرَةَ لَا تُحْضَرُ) صَرْفًا لِلْمَشَقَّةِ عَنْهَا كَالْمَرِيضِ وَحِينَئِذٍ فَيُرْسِلُ الْقَاضِي لَهَا لِتُوَكِّلَ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا وَيُغْلِظُ عَلَيْهَا بِحُضُورِ الْجَامِعِ لِلتَّحْلِيفِ وَلَا تُحْضَرُ بَرَزَةٌ مِنْ خَارِجِ الْبَلَدِ إلَّا مَعَ نَحْوِ مَحْرَمٍ أَوْ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ أَوْ امْرَأَةٍ احْتِيَاطًا لِحَقِّ الْآدَمِيِّ (وَهِيَ مَنْ لَا يَكْثُرُ خُرُوجُهَا لِحَاجَاتٍ) مُتَكَرِّرَةٍ كَشِرَاءِ كَتَّانٍ بِأَنْ لَا تَخْرُجَ أَصْلًا أَوْ تَخْرُجُ نَادِرًا لِنَحْوِ عَزَاءٍ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ زِيَارَةٍ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُبْتَذَلَةٍ بِهَذَا الْخُرُوجِ.
وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ كَوْنَهَا فِي عِدَّةٍ أَوْ اعْتِكَافٍ لَا يَكُونُ مَانِعًا مِنْ حُضُورِهَا مَجْلِسَ الْحُكْمِ، وَبِهِ صَرَّحَ الصَّيْمَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ، نَعَمْ الْمَرِيضَةُ كَالْمُخَدَّرَةِ، وَلَوْ كَانَتْ بَرَزَةً ثُمَّ لَازَمَتْ الْخِدْرَ فَكَالْفَاسِقِ إذَا تَابَ فَيُعْتَبَرُ مُضِيُّ سَنَةٍ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي كَوْنِهَا مُخَدَّرَةً فَإِنْ كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ الْغَالِبُ عَلَى نِسَائِهِمْ الْخِدْرُ صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا وَإِلَّا فَهُوَ بِيَمِينِهِ.
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَلَا يُسَمِّرُ دَارِهِ) أَيْ لَا يَجُوزُ (قَوْلُهُ: إذَا كَانَ يَأْوِيهَا غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ أَهْلِهِ لِأَنَّهُمْ مَحْبُوسُونَ لِحَقِّهِ فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: أَرْسَلَ إلَيْهِ مَمْسُوحًا) أَيْ وُجُوبًا
(قَوْلُهُ: وَلَهُ هُنَاكَ نَائِبٌ) وَمِنْهُ الْبَاشَا إذَا طُلِبَ مِنْهُ إحْضَارُ شَخْصٍ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ حَيْثُ كَانَ بِمَحَلٍّ فِيهِ مَنْ يَفْصِلُ الْخُصُومَةَ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ لِمَا فِي إحْضَارِهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ الْمَذْكُورَةِ مَا لَمْ يَتَوَقَّفْ خَلَاصُ الْحَقِّ عَلَى حُضُورِهِ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ إحْضَارُهُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لِلْقَضَاءِ) أَيْ كَالشَّادِّ وَمَشَايِخِ الْعُرْبَانِ وَالْبُلْدَانِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ فَوْقَهَا لَمْ يُحْضِرْهُ) وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ بِمِثْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ الْإِحْضَارِ عِنْدَ تَوَقُّفِ خَلَاصِ الْحَقِّ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: أَيْ يُعِينُ مَنْ طَلَبَ خَصْمَهُ) لَعَلَّ هَذَا تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ، وَإِلَّا فَمَعْنَى أَعْدَى أَزَالَ الْعُدْوَانَ كَأَشْكَى أَزَالَ الشَّكْوَى فَالْهَمْزَةُ فِيهِ لِلسَّلْبِ (قَوْلُهُ وَبِهِ صَرَّحَ الصَّيْمَرِيُّ) مُعْتَمَدٌ.
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَا يُسَمِّرُ دَارِهِ إذَا كَانَ يَأْوِيهَا غَيْرُهُ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيُتَّجَهُ هُنَا بَعْدَ الْإِنْذَارِ الْهَجْمُ دُونَ الْخَتْمِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْرُجُ الْغَيْرُ) أَيْ لَيْسَ لِلْقَاضِي إخْرَاجُ غَيْرِهِ مِنْهَا كَأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ
(قَوْلُهُ: أَوْ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ إلَخْ) لَعَلَّ الشَّارِحَ إنَّمَا قَدَّرَ لَفْظَ ادَّعَى دُونَ اُسْتُعْدِيَ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ ظَاهِرِ مَا مَرَّ لِأَجْلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي بَلْ يَسْمَعُ بَيِّنَتَهُ وَيَكْتُبُ إلَيْهِ إلَخْ، إذْ هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الدَّعْوَى وَلَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِعْدَاءِ (قَوْلُهُ: كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ) أَيْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوَّلَ الْفَصْلِ إذْ هَذَا مَفْهُومُهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ هُنَاكَ مَا فَوْقَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى عُلِمَ مِنْهُ ضَابِطُ مَسَافَةِ الْعَدْوَى (قَوْلُهُ: وَيُغْلِظُ عَلَيْهَا) أَيْ إذْ اقْتَضَى الْحَالُ التَّغْلِيظَ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ كَوْنَهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ
بَابُ الْقِسْمَةِ بِكَسْرِ الْقَافِ وَهِيَ تَمْيِيزُ الْحِصَصِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: 8] الْآيَةَ، وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ بَيْنَ أَرْبَابِهَا» وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا، فَقَدْ يَتَبَرَّمُ الشَّرِيكُ مِنْ الْمُشَارَكَةِ أَوْ يَقْصِدُ الِاسْتِبْدَادَ بِالتَّصَرُّفِ، وَأَدْرَجَهَا فِي الْقَضَاءِ لِاحْتِيَاجِ الْقَاضِي إلَيْهَا وَلِأَنَّ الْقَاسِمَ كَالْقَاضِي عَلَى مَا سَيَأْتِي (قَدْ يَقْسِمُ) الْمُشْتَرَكَ (الشُّرَكَاءُ) الْكَامِلُونَ، أَمَّا غَيْرُ الْكَامِلِينَ فَلَا يَقْسِمُ لَهُمْ وَلِيُّهُمْ إلَّا
إنْ كَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ غِبْطَةٌ
(أَوْ مَنْصُوبُهُمْ) أَيْ وَكِيلُهُمْ (أَوْ مَنْصُوبُ الْإِمَامِ) أَوْ الْإِمَامُ نَفْسُهُ وَإِنْ غَابَ أَحَدُهُمْ لِأَنَّهُ يَنُوبُ عَنْهُ أَوْ الْمُحَكَّمُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ ذُكِرَ، وَيَمْتَنِعُ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ حِصَّتَهُ إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ.
قَالَ الْقَفَّالُ: أَوْ امْتِنَاعُهُ مِنْ الْمُتَمَاثِلِ فَقَطْ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ الْآتِي أَنَّ قِسْمَتَهُ إفْرَازٌ، وَمَا قُبِضَ مِنْ الْمُشْتَرَكِ مُشْتَرَكٌ.
نَعَمْ لِلْحَاضِرِ الِانْفِرَادُ بِأَخْذِ نَصِيبِهِ مِنْ مُدَّعَى ثَبَتَ لَهُ مِنْهُ حِصَّةٌ فَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا غَيْبَةَ شَرِيكِهِ عُذْرًا فِي تَمْكِينِهِ مِنْهُ كَامْتِنَاعِهِ
(وَشَرْطُ مَنْصُوبِهِ) أَيْ الْإِمَامِ وَمِثْلُهُ الْمُحَكَّمُ عَنْهُمْ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (ذَكَرٌ حُرٌّ عَدْلٌ) تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَازَمَهُ التَّكْلِيفُ وَالْإِسْلَامُ وَغَيْرُهُمَا مِمَّا يَأْتِي أَوَّلَ الشَّهَادَاتِ مِنْ نَحْوِ سَمْعٍ وَبَصَرٍ وَضَبْطٍ وَنُطْقٍ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، بَلْ وَفِيهَا إلْزَامٌ كَالْقَضَاءِ إذْ الْقَسَّامُ مُجْتَهِدٌ مِسَاحَةً وَتَقْدِيرًا ثُمَّ يَلْزَمُ بِالْإِقْرَاعِ (يَعْلَمُ) إنْ نُصِّبَ لِلْقِسْمَةِ مُطْلَقًا أَوْ فِيمَا يَحْتَاجُ لِمِسَاحَةٍ وَحِسَابٍ (الْمِسَاحَةُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهِيَ عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ طُرُقُ اسْتِعْلَامِ الْمَجْهُولَاتِ الْعَدَدِيَّةِ الْعَارِضَةِ لِلْمَقَادِيرِ وَهِيَ قِسْمٌ مِنْ الْحِسَابِ فَعَطْفُهُ عَلَيْهَا مِنْ عَطْفِ الْأَعَمِّ (وَالْحِسَابُ) لِأَنَّهُمَا آلَتُهَا كَالْفِقْهِ لِلْقَضَاءِ،
[حاشية الشبراملسي]
(بَابُ الْقِسْمَةِ)
(قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ لُغَةً وَشَرْعًا تَمْيِيزُ الْحِصَصِ إلَخْ (قَوْلُهُ: الِاسْتِبْدَادَ) أَيْ الِاسْتِقْلَالَ (قَوْلُهُ: قَبْلَ الْقِسْمَةِ حِصَّتَهُ) أَيْ كَامِلَةً أَوْ شَيْئًا مِنْهَا لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مُشْتَرَكٌ وَأَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ لَا يَسْتَقِلُّ بِالتَّصَرُّفِ (قَوْلُهُ: أَوْ امْتِنَاعُهُ مِنْ الْمُتَمَاثِلِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ قَاضٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: مِنْ مُدَّعًى) أَيْ بِهِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْمِثْلِيِّ وَالْمُتَقَوِّمِ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ الْآتِي وَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا غَيْبَةَ شَرِيكِهِ لِامْتِنَاعِهِ تَخْصِيصَهُ بِالْمِثْلِيِّ
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ الْمُحَكَّمُ عَنْهُمْ) مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ دَفَعَ بِهِ مَا يَرِدُ مِنْ أَنَّ الذَّكَرَ وَمَا بَعْدَهُ لَيْسَ شَرْطًا لِأَنَّهُ اسْمُ ذَاتٍ وَلَا يُخْبَرُ بِهِ عَنْ اسْمِ الْمَعْنَى فَأَشَارَ إلَى أَنَّ الشَّرْطَ كَوْنُهُ ذَكَرًا حُرًّا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَضَبْطٍ وَنُطْقٍ) أَيْ وَعَدَمِ تُهْمَةٍ بِأَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ عَدَاوَةٌ لَا أَصْلِيَّةٌ وَلَا فَرْعِيَّةٌ وَلَا سَيِّدِيَّةٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْقَضَاءِ
[حاشية الرشيدي]
[بَابُ الْقِسْمَةِ] (قَوْلُهُ: إلَّا إنْ كَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ غِبْطَةٌ) مَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَطْلُبْ الشُّرَكَاءُ الْقِسْمَةَ وَإِلَّا وَجَبَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا غِبْطَةٌ لِغَيْرِ الْكَامِلِينَ كَمَا فِي الْبَهْجَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ غَابَ أَحَدُهُمْ) اُنْظُرْ هَلْ يَرْجِعُ هَذَا إلَى مَسْأَلَةِ الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: مِنْ الْمُتَمَاثِلِ) هُوَ رَاجِعٌ لِمَا قَبْلَ كَلَامِ الْقَفَّالِ أَيْضًا: أَيْ إذْ غَيْرُ الْمُتَمَاثِلِ يَمْتَنِعُ فِيهِ وَلَوْ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ (قَوْلُهُ: وَمَا قَبَضَ مِنْ الْمُشْتَرَكِ) مُشْتَرَكٌ هَذَا فِي نَحْوِ الْإِرْثِ خَاصَّةً كَمَا نَبَّهُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَخْتَصُّ بِمَا إذَا كَانَ الشَّرِيكُ غَائِبًا بَلْ يُجْرَى أَيْضًا فِيمَا إذَا كَانَ حَاضِرًا، فَمَحَطُّ الِاسْتِدْرَاكِ الْآتِي أَنَّهُ إذَا كَانَ الشَّرِيكُ حَاضِرًا لَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِالْقَبْضِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ غَائِبًا فَإِنَّ لَهُ الِاسْتِقْلَالَ، وَإِلَّا فَمَا قَبَضَ مُشْتَرَكٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَقَدْ نَقَلَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ عَنْ شَرْحِ الرَّوْضِ فِي مَسْأَلَةِ الْغَيْبَةِ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ مِنْ أَبْوَابِ الشَّهَادَةِ أَنَّ الْغَائِبَ إذَا حَضَرَ يُشَارِكُ الْحَاضِرَ فِيمَا قَبَضَهُ وَلْيُرَاجَعْ مَا مَرَّ
وَاشْتَرَطَ جَمْعٌ كَوْنَهُ نَزْهًا قَلِيلَ الطَّمَعِ، وَخَرَجَ بِمَنْصُوبِهِ مَنْصُوبُهُمْ فَيُعْتَبَرُ تَكْلِيفُهُ فَقَطْ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ، وَيَجُوزُ كَوْنُهُ قِنًّا وَامْرَأَةً وَفَاسِقًا، نَعَمْ إنْ كَانَ فِيهِمْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ اُشْتُرِطَ مَا مَرَّ (فَإِنْ كَانَ فِيهَا تَقْوِيمٌ وَجَبَ) حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ حَاكِمًا فِي التَّقْوِيمِ (قَاسِمَانِ) أَيْ مُقَوِّمَانِ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِاثْنَيْنِ فَاشْتُرِطَ الْعَدَدُ مِنْ حَيْثُ التَّقْوِيمُ لَا الْقِسْمَةُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَقْوِيمٌ (فَقَاسِمٌ) وَاحِدٌ يَكْفِي وَإِنْ كَانَ فِيهَا خَرْصٌ لِأَنَّ قِسْمَتَهُ تَلْزَمُ بِنَفْسِ قَوْلِهِ وَلَا يَحْتَاجُ وَإِنْ تَعَدَّدَ لِلَّفْظِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهَا تَسْتَنِدُ إلَى عَمَلٍ مَحْسُوسٍ (وَفِي قَوْلٍ) يُشْتَرَطُ (اثْنَانِ) بِنَاءً عَلَى الْمَرْجُوحِ أَنَّهُ شَاهِدٌ لَا حَاكِمٌ، هَذَا فِي مَنْصُوبِ الْإِمَامِ، أَمَّا مَنْصُوبُهُمْ فَيَكْفِي اتِّحَادُهُ قَطْعًا، وَفَارَقَ الْخَرْصُ الْقِسْمَةَ بِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ الِاجْتِهَادَ وَهِيَ تَعْتَمِدُ الْإِخْبَارَ بِأَنَّ هَذَا يُسَاوِي كَذَا
(وَلِلْإِمَامِ جَعْلُ الْقَاسِمِ حَاكِمًا فِي التَّقْوِيمِ) وَحِينَئِذٍ (فَيُعْمَلُ فِيهِ بِعَدْلَيْنِ) ذَكَرَيْنِ يَشْهَدَانِ عِنْدَهُ بِهِ لَا بِأَقَلَّ مِنْهُمَا (وَيَقْسِمُ) بِنَفْسِهِ وَلَهُ الْعَمَلُ فِيهِ بِعِلْمِهِ كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْقَضَاءِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ مَعْرِفَتِهِ بِالْقِيمَةِ فَيَرْجِعُ لِقَوْلِ عَدْلَيْنِ خَبِيرَيْنِ، نَعَمْ يُنْدَبُ ذَلِكَ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ (وَيَجْعَلُ الْإِمَامُ رِزْقَ مَنْصُوبِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) فِيهِ مَالٌ أَوْ كَانَ ثَمَّ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ أَوْ مُنِعَ الْأَخْذَ مِنْهُ ظُلْمًا، وَلِهَذَا الْعُمُومِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ عِبَارَتِهِ حَذَفَ قَوْلَ أَصْلُهُ فِيهِ مَالٌ (فَأُجْرَتُهُ عَلَى الشُّرَكَاءِ) إنْ اسْتَأْجَرُوهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ لَهُمْ مَعَ الْتِزَامِهِمْ لَهُ عِوَضًا لَا إنْ عَمِلَ سَاكِتًا فَلَا شَيْءَ لَهُ.
أَمَّا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ بَعْضُهُمْ فَالْكُلُّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا حَرُمَ عَلَى الْقَاضِي أَخْذُ أُجْرَةٍ عَلَى الْقَضَاءِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْحُكْمَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقِسْمَةَ حَقُّ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّ لِلْقَاسِمِ عَمَلًا يُبَاشِرُهُ بِالْأُجْرَةِ فِي مُقَابَلَتِهِ وَالْحَاكِمُ مَقْصُورٌ عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَلَا يُنَصِّبُ حِينَئِذٍ قَاسِمًا مُعَيَّنًا بَلْ يَدَعُ النَّاسَ يَسْتَأْجِرُونَ مَنْ شَاءُوا (فَإِنْ اسْتَأْجَرُوهُ) كُلُّهُمْ مَعًا (وَسَمَّى كُلٌّ) مِنْهُمْ (قَدْرًا) كَاسْتَأْجَرْنَاكَ لِتَقْسِمَ هَذَا بَيْنَنَا بِدِينَارٍ عَلَى فُلَانٍ وَدِينَارَيْنِ عَلَى فُلَانٍ أَوْ وَكَّلُوا مَنْ عَقَدَ لَهُمْ كَذَلِكَ (لَزِمَهُ) أَيْ كُلًّا مَا سَمَّاهُ وَلَوْ فَوْقَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ سَاوَى حِصَّتَهُ أَمْ لَا.
أَمَّا مُرَتَّبًا فَيَجُوزُ عِنْدَ الْقَاضِي وَاعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَرَدَّ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ اعْتِمَادَهُ لِمُقَابِلِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُسَمِّ كُلٌّ مِنْهُمْ قَدْرًا بَلْ أَطْلَقُوا (فَالْأُجْرَةُ مُوَزَّعَةٌ عَلَى الْحِصَصِ) لِأَنَّهَا مِنْ مُؤَنِ الْمِلْكِ كَنَفَقَةِ الْحَيَوَانِ الْمُشْتَرَكِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ، أَمَّا هِيَ فَتُوَزَّعُ فِيهَا عَلَى حَسَبِ الْمَأْخُوذِ قِلَّةً وَكَثْرَةً لَا بِحَسَبِ الْحِصَصِ الْأَصْلِيَّةِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ وَاشْتَرَطَ جَمْعٌ كَوْنَهُ نَزْهًا) أَيْ بَعِيدًا عَنْ الْأَقْذَارِ (قَوْلُهُ: فَيُعْتَبَرُ تَكْلِيفُهُ) دَخَلَ فِيهِ الذِّمِّيُّ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاسِمًا (قَوْلُهُ: حَيْثُ لَمْ يُجْعَلْ حَاكِمًا فِي التَّقْوِيمِ) أَيْ أَمَّا إذَا جُعِلَ حَاكِمًا فَيُعْمَلُ فِيهِ بِعَدْلَيْنِ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: وَفَارَقَ الْخَرْصُ الْقِسْمَةَ) أَيْ عَلَى هَذَا الثَّانِي حَيْثُ لَمْ يَكْتَفِ بِوَاحِدٍ بِخِلَافِ الْخَرْصِ
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا حَرُمَ عَلَى الْقَاضِي أَخْذُ أُجْرَةٍ عَلَى الْقَضَاءِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ اسْتَأْجَرَهُ أَمْ لَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ فَقِيرًا وَعِبَارَتُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ وَلَا يُنَصِّبُ) أَيْ نَدْبًا (قَوْلُهُ: فَإِنْ اسْتَأْجَرُوهُ كُلُّهُمْ مَعًا) أَيْ اتِّفَاقًا أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي أَمَّا مُرَتَّبًا إلَخْ
[حاشية الرشيدي]
آخِرَ بَابِ الشَّرِكَةِ وَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ ادَّعَتْ وَرَثَةٌ مَالًا لِمُوَرِّثِهِمْ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَهُ مِنْهُ حِصَّةٌ) هُوَ جُمْلَةٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ وَصْفٌ لِمُدَّعِي وَلَيْسَ قَوْلُهُ حِصَّةٌ فَاعِلًا لَثَبَتَ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ قِسْمَتَهُ تَلْزَمُ بِنَفْسِ قَوْلِهِ) فِي التُّحْفَةِ قَبْلَ هَذَا مَا نَصُّهُ: لِأَنَّهُ حَاكِمٌ، ثُمَّ قَالَ: لِأَنَّ قِسْمَتَهُ إلَخْ، فَقَوْلُهُ لِأَنَّ قِسْمَتَهُ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ حَاكِمًا فَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ نَسْخِ الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ: أَوْ مُنِعَ الْأَخْذُ مِنْهُ) لَعَلَّ مُنِعَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ فَاعِلِهِ ضَمِيرُ الْقَسَمِ (قَوْلُهُ فِيهِ مَالٌ) لَا يَخْفَى أَنَّ ذِكْرَ هَذَا عَقِبَ الْمَتْنِ يُفِيدُ قَصْرَ الْمَتْنِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ أَوْ كَانَ ثُمَّ مَا هُوَ أَهَمُّ إلَخْ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى مُفَادِ الْمَتْنِ فَتَفُوتُ النُّكْتَةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا حَذَفَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْقَيْدَ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ غَيْرَ هَذَا الْحَلِّ (قَوْلُهُ: وَلَا يُنَصَّبُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ كَمَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ صَنِيعُ التُّحْفَةِ (قَوْلُهُ: أَمَّا مُرَتَّبًا) بِأَنْ اسْتَأْجَرَهُ وَاحِدٌ لِإِفْرَازِ حِصَّتِهِ ثُمَّ
لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْكَثِيرِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْقَلِيلِ، هَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ صَحِيحَةً، وَإِلَّا وُزِّعَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى حَسَبِ الْحِصَصِ مُطْلَقًا كَمَا لَوْ أَمَرَ الْقَاضِي مَنْ يَقْسِمُ الْمَالَ بَيْنَهُمْ إجْبَارًا (وَفِي قَوْلٍ عَلَى الرُّءُوسِ) لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي النَّصِيبِ الْقَلِيلِ كَهُوَ فِي الْكَثِيرِ
(ثُمَّ) (مَا عَظُمَ الضَّرَرُ فِي قِسْمَتِهِ كَجَوْهَرَةٍ وَثَوْبٍ نَفِيسَيْنِ وَزَوْجَيْ خُفٍّ) أَيْ فَرْدَتَيْهِ (إنْ طَلَبَ الشُّرَكَاءُ كُلُّهُمْ قِسْمَتَهُ) (لَمْ يُجِبْهُمْ الْقَاضِي) إنْ بَطَلَتْ مَنْفَعَتُهُ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ قِسْمَتِهِ بِأَنْفُسِهِمْ لِأَنَّهُ سَفَهٌ، وَمَا نَازَعَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ فِي صُورَةِ زَوْجَيْ خُفٍّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قِسْمَتِهِمَا إبْطَالُ مَنْفَعَةٍ بَلْ نَقْصُهَا يُرَدُّ بِأَنَّهُمَا إنْ كَانَا بَيْنَ أَكْثَرِ مِنْ اثْنَيْنِ كَانَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ أَوْ بَيْنَ اثْنَيْنِ كَانَا مِنْ الْقِسْمِ الْآتِي فَلَا اعْتِرَاضَ (وَلَا يَمْنَعُهُمْ إنْ قَسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ إنْ لَمْ تَبْطُلْ مَنْفَعَتُهُ) بِالْكُلِّيَّةِ بِأَنْ نَقَصَتْ (كَسَيْفٍ يُكْسَرُ) لِإِمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِمَا صَارَ إلَيْهِ مِنْهُ عَلَى حَالِهِ أَوْ بِاِتِّخَاذِهِ سِكِّينًا مَثَلًا، وَلَا يُجِيبُهُمْ إلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَكَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ مَنْعَهُ لَهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ رُخِّصَ لَهُمْ فِعْلُ مَا ذُكِرَ بِأَنْفُسِهِمْ تَخَلُّصًا مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ.
نَعَمْ بَحَثَ جَمْعٌ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ مِنْ بُطْلَانِ بَيْعِ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ نَفِيسٍ أَنَّ مَا هُنَا فِي سَيْفٍ خَسِيسٍ وَإِلَّا مَنَعَهُمْ (وَمَا يَبْطُلُ نَفْعُهُ الْمَقْصُودُ كَحَمَّامٍ وَطَاحُونَةٍ صَغِيرَيْنِ) بِحَيْثُ لَوْ قُسِمَ كُلٌّ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ مِنْ الْوَجْهِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا قَبْلَهَا وَلَوْ بِإِحْدَاثِ مَرَافِقَ، وَتَعْبِيرُهُ بِصَغِيرَيْنِ فِيهِ تَغْلِيبٌ لِلْمُذَكَّرِ عَلَى الْمُؤَنَّثِ لِأَنَّ الْحَمَّامَ مُذَكَّرٌ وَالطَّاحُونَةَ مُؤَنَّثَةٌ (لَا يُجَابُ طَالِبُ قِسْمَتِهِ) إجْبَارًا (فِي الْأَصَحِّ) لِمَا فِيهِ مِنْ إضْرَارِ الْآخَرِ وَلَا يَمْنَعُهُمْ مِنْهَا لِمَا مَرَّ (فَإِنْ أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَمَّامَيْنِ) أَوْ طَاحُونَتَيْنِ (أُجِيبَ) وَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ وَإِنْ احْتَاجَ إلَى إحْدَاثِ نَحْوِ بِئْرٍ وَمُسْتَوْقَدٍ لِعُسْرِ التَّدَارُكِ.
وَالثَّانِي يُجَابُ إنْ انْتَفَعَ بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِوَجْهٍ مَا وَإِنَّمَا بَطَلَ بَيْعُ مَا لَا مَمَرَّ لَهُ وَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُهُ بَعْدُ لِأَنَّ شَرْطَ الْمَبِيعِ الِانْتِفَاعُ بِهِ حَالًّا (وَلَوْ) (كَانَ لَهُ عُشْرُ دَارٍ) أَوْ حَمَّامٍ أَوْ أَرْضٍ (لَا يَصْلُحُ لِسُكْنَى) أَوْ كَوْنُهُ حَمَّامًا أَوْ لِمَا يُقْصَدُ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ (وَالْبَاقِي لِآخَرَ) وَهُوَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ (فَالْأَصَحُّ إجْبَارُ صَاحِبِ الْعُشْرِ بِطَلَبِ صَاحِبِهِ) لِانْتِفَاعِهِ وَضَرَرُ صَاحِبِ الْعُشْرِ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ قِلَّةِ نَصِيبِهِ، وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِضَرَرِ شَرِيكِهِ (دُونَ عَكْسِهِ) لِأَنَّهُ مُضَيِّعٌ لِمَالِهِ مُتَعَنِّتٌ، نَعَمْ إنْ مَلَكَ أَوْ أَحْيَا مَا لَوْ ضُمَّ إلَى عُشْرِهِ صَلُحَ.
أُجِيبَ وَأَفَادَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْكَثِيرِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْقَلِيلِ) قَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ: كَأَرْضٍ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَيَعْدِلُ ثُلُثُهَا ثُلُثَيْهَا، فَالصَّائِرُ إلَيْهِ الثُّلُثَانِ يُعْطِي مِنْ أُجْرَةِ الْقَسَّامِ ثُلُثَيْ الْأُجْرَةِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرُوهُ لِكِتَابَةِ الصَّكِّ فَالْأُجْرَةُ أَيْضًا عَلَى الْحِصَصِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ آخِرَ الشُّفْعَةِ
(قَوْلُهُ: أَنَّ مَا هُنَا فِي سَيْفٍ خَسِيسٍ) وَإِطْلَاقُهُمْ يُخَالِفُهُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَثَمَّ بِأَنَّ ذَاكَ الْتَزَمَ فِيهِ مَا يُؤَدِّي إلَى النَّقْصِ بِعَقْدٍ، وَقَدْ مَنَعَهُ الشَّرْعُ مِنْ التَّسْلِيمِ فَقُلْنَا بِفَسَادِهِ وَلَا كَذَلِكَ هُنَا، فَإِنَّ كَسْرَ السَّيْفِ بِمُجَرَّدِ التَّرَاضِي فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ ذِرَاعًا مِنْ ثَوْبٍ نَفِيسٍ لِغَرَضِ الْبَيْعِ وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: نَشَأَ مِنْ قِلَّةِ نَصِيبِهِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ الْعُشْرُ لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ أَوْ أَحْيَا مَا لَوْ ضُمَّ إلَى عُشْرِهِ صَلَحَ أُجِيبَ) وَإِذَا أُجِيبَ فَإِذَا كَانَ الْمَوَاتُ أَوْ الْمِلْكُ فِي أَحَدِ جَوَانِبِ الدَّارِ دُونَ بَاقِيهَا فَهَلْ يَتَعَيَّنُ إعْطَاؤُهُ مَا يَلِي مِلْكَهُ بِلَا قُرْعَةٍ، وَتَكُونُ هَذِهِ الصُّورَةُ مُسْتَثْنَاةً مِنْ كَوْنِ الْقِسْمَةِ إنَّمَا تَكُونُ بِالْقُرْعَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْقُرْعَةِ حَتَّى لَوْ أُخْرِجَتْ حِصَّتُهُ فِي غَيْرِ جِهَةِ مِلْكِهِ لَا تَتِمُّ الْقِسْمَةُ أَوْ يُصَوَّرُ ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ الْمَوَاتُ أَوْ الْمَمْلُوكُ مُحِيطًا بِجَمِيعِ جَوَانِبِ الدَّارِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الْأَوَّلُ لِلْحَاجَةِ
[حاشية الرشيدي]
آخَرُ كَذَلِكَ وَهَكَذَا كَمَا صَوَّرَهُ الزِّيَادِيُّ (قَوْلُهُ: عَلَى حَسَبِ الْحِصَصِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ أَسَمَّى كُلَّ قَدْرٍ أَمْ لَا، فَالْإِطْلَاقُ فِي مُقَابَلَةِ تَفْصِيلِ الْمَتْنِ، وَمَعْلُومٌ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ فِي قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ يَكُونُ عَلَى حَسَبِ الْحِصَصِ الْحَادِثَةِ لَا الْأَصْلِيَّةِ وَيُعْلَمُ هَذَا مِنْ التَّعْلِيلِ الْمَارِّ أَيْضًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي النَّصِيبِ الْقَلِيلِ كَهُوَ فِي الْكَثِيرِ) لَا يَخْفَى مُصَادَمَةُ هَذَا لِلتَّعْلِيلِ الْمَارِّ، وَقَدْ عَلَّلَ الْجَلَالُ هُنَا بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْعَمَلَ يَقَعُ لَهُمْ جَمِيعًا
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْحَمَامَ مُذَكَّرٌ) أَيْ كَمَا يُؤَنَّثُ: أَيْ وَقَدْ نَظَرَ هُنَا إلَى جِهَةِ تَذْكِيرِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ شَرْطَ الْمَبِيعِ الِانْتِفَاعُ بِهِ حَالًا) اُنْظُرْهُ مَعَ مَا مَرَّ مِنْ جَوَازِ نَحْوِ الْجَحْشِ الصَّغِيرِ
فِي أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ بِنَاءٌ أَوْ غِرَاسٌ لَهُمَا فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الْأَرْضِ لَمْ يُجْبِرْ الْآخَرَ، وَكَذَا عَكْسُهُ لِبَقَاءِ الْعُلْقَةِ بَيْنَهُمَا.
أَمَّا بِرِضَاهُمَا فَيَجُوزُ ذَلِكَ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَالْمُصَنِّفُ، وَلَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً وَاقْتَسَمَ اثْنَانِ عَلَى أَنْ تَبْقَى الْحِصَّةُ لِلثَّالِثِ شَائِعَةً مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَمْ يَصِحَّ، وَنَقَلَ غَيْرُهُمَا الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَى قِسْمَتِهَا مَعَ غِرَاسٍ بِهَا دُونَ زَرْعٍ فِيهَا لِأَنَّ لَهُ أَمَدًا يُنْتَظَرُ، وَإِذَا تَنَازَعَ الشُّرَكَاءُ فِيمَا لَا تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ فَإِنْ تَهَايَئُوا مَنْفَعَةَ ذَلِكَ مُيَاوَمَةً أَوْ غَيْرَهَا جَازَ، وَلِكُلٍّ الرُّجُوعُ وَلَوْ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ، لَكِنْ يَغْرَمُ بَدَلَ مَا اسْتَوْفَاهُ وَيُدْخِلُ يَدَهُ أَمَانَةً كَالْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنْ أَبَوْا الْمُهَايَأَةَ أَجْبَرَهُمْ الْحَاكِمُ عَلَى إيجَارِهِ أَوْ أَجَّرَهُ عَلَيْهِمْ سَنَةً وَمَا قَارَبَهَا وَأَشْهَدَ كَمَا لَوْ غَابُوا كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ فَإِنْ تَعَدَّدَ طَالِبُ الْإِيجَارِ أَجَّرَهُ وُجُوبًا لِمَنْ يَرَاهُ أَصْلَحَ، وَهَلْ لَهُ إيجَارُهُ مِنْ بَعْضِهِمْ تَرَدَّدَ فِيهِ فِي التَّوْشِيحِ، وَرَجَّحَ غَيْرُهُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ إنْ رَآهُ: أَيْ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ هُوَ مِثْلُهُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَنَّهُ لَوْ طَلَبَ كُلٌّ مِنْهُمْ اسْتِئْجَارَ حِصَّةِ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ أَجْنَبِيٌّ قُدِّمَ وَإِلَّا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ إيجَارُهُ: أَيْ لِنَحْوِ كَسَادٍ لَا يَزُولُ عَنْ قُرْبٍ عَادَةً كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: بَاعَهُ لِتَعَيُّنِهِ وَاعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ عِلَّتِهِ أَنَّ الْمُهَايَأَةَ تَعَذَّرَتْ لِغَيْبَةِ بَعْضِهِمْ أَوْ امْتِنَاعِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْبَيْعُ وَحَضَرَ جَمِيعُهُمْ أَجْبَرَهُمْ عَلَى الْمُهَايَأَةِ إنْ طَلَبَهَا بَعْضُهُمْ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْرِضْ عَنْهُمْ إلَى الصُّلْحِ وَلَا يُجْبِرُهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ عَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ فِي الْعَارِيَّةِ لِإِمْكَانِ الْفَرْقِ بِكَثْرَةِ الضَّرَرِ هُنَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ثَمَّ يُمْكِنُ انْتِفَاعُهُ بِنَصِيبِهِ بِخِلَافِهِ هُنَا، وَبِأَنَّ الضَّرَرَ ثَمَّ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُمْتَنِعِ فَقَطْ، وَهُنَا الضَّرَرُ عَلَى الْكُلِّ فَلَمْ يُمْكِنْ فِيهِ الْإِعْرَاضُ
(وَمَا لَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ قِسْمَتُهُ أَنْوَاعٌ) ثَلَاثَةٌ، وَهِيَ الْآتِيَةُ لِأَنَّ الْمَقْسُومَ إنْ تَسَاوَتْ الْأَنْصِبَاءُ مِنْهُ صُورَةً وَقِيمَةً فَهُوَ الْأَوَّلُ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى رَدِّ شَيْءٍ آخَرَ فَالثَّانِي وَإِلَّا فَالثَّالِثُ (أَحَدُهَا بِالْأَجْزَاءِ) وَتُسَمَّى قِسْمَةَ الْمُتَشَابِهَاتِ وَقِسْمَةَ الْأَجْزَاءِ (كَمِثْلِيٍّ) مُتَّفِقِ النَّوْعِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَمَرَّ بَيَانُهُ فِي الْغَصْبِ، وَمِنْهُ نَقْدٌ وَلَوْ مَغْشُوشًا لِجَوَازِ الْمُعَامَلَةِ بِهِ، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعُ فَيَجِبُ عِنْدَ عَدَمِ الرِّضَا قِسْمَةُ كُلِّ نَوْعٍ وَحْدَهُ (وَدَارٍ مُتَّفِقَةِ الْأَبْنِيَةِ) بِأَنْ يَكُونَ مَا بِشَرْقَيْهَا مِنْ بَيْتٍ وَصِفَةٍ كَمَا بِغَرْبَيْهَا (وَأَرْضٍ مُشْتَبِهَةِ الْأَجْزَاءِ) وَنَحْوِهَا كَكِرْبَاسٍ لَا يَنْقُصُ بِالْقَطْعِ (فَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ) عَلَيْهَا اسْتَوَتْ الْأَنْصِبَاءُ أَمْ لَا لِلتَّخَلُّصِ مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ ، نَعَمْ لَا إجْبَارَ فِي قِسْمَةِ زَرْعٍ قَبْلَ اشْتِدَادِهِ لِعَدَمِ كَمَالِ انْضِبَاطِهِ،
[حاشية الشبراملسي]
مَعَ عَدَمِ ضَرَرِ الشَّرِيكِ حَيْثُ كَانَتْ الْأُجْرَةُ مُسْتَوِيَةً، وَسَيَأْتِي مَا يُصَرِّحُ بِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُحْتَرَزُ إلَخْ مِنْ قَوْلِهِ وَأُخِذَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ) قَدْ يَشْمَلُ مَا ذَكَرَ الْمُبَعَّضَ إذَا هَايَأَ سَيِّدَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَهَلْ لَهُ إيجَارُهُ) مُشْتَرَكٌ (قَوْلُهُ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الْمِثْلُ الْأَجْنَبِيُّ يُقَدَّمُ عَلَى الشُّرَكَاءِ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُهُ الْآتِي فَإِنْ كَانَ ثَمَّ أَجْنَبِيٌّ قُدِّمَ، وَلَوْ قِيلَ هُنَا إنَّ الْأَجْنَبِيَّ إنَّمَا يُقَدَّمُ حَيْثُ كَانَ أَصْلَحَ لَمْ يَبْعُدْ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذِهِ وَمَا يَأْتِي بِأَنَّ كُلًّا فِيمَا يَأْتِي طَالِبٌ فَقُدِّمَ الْأَجْنَبِيُّ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ، بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّ الطَّالِبَ لِلِاسْتِئْجَارِ أَحَدُهُمَا وَالْآخَرُ لَمْ يُرِدْ الِاسْتِئْجَارَ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِي إيجَارِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ تَفْوِيتُ شَيْءٍ طَلَبَهُ الْآخَرُ لِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَعَذَّرَ الْبَيْعُ) مِنْهُ مَا لَوْ كَانَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ (قَوْلُهُ: أَجْبَرَهُمْ عَلَى الْمُهَايَأَةِ إنْ طَلَبَهَا) قَضِيَّتُهُ وَإِنْ امْتَنَعَ الْبَعْضُ الْآخَرُ، وَقَضِيَّتُهُ قَوْلُهُ قَبْلُ أَوْ امْتِنَاعُهُ تَعَيَّنَ الْبَيْعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْبَعْضِ صَادِقٌ بِامْتِنَاعِهِ وَطَلَبِ الْآخَرِ
(قَوْلُهُ: كَكِرْبَاسٍ)
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَكَذَا عَكْسُهُ) أَيْ قِسْمَةُ الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ (قَوْلُهُ لَكِنْ يَغْرَمُ بَدَلَ مَا اسْتَوْفَاهُ) كَانَ الْأَوْلَى هُنَا الْإِظْهَارَ: أَيْ يَغْرَمُ الْمُسْتَوْفِي بَدَلَ مَا اسْتَوْفَاهُ (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ غَابُوا كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ) يُتَأَمَّلُ (قَوْلُهُ: إنْ رَآهُ مَصْلَحَةً) لَفْظُ مَصْلَحَةٍ سَاقِطٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَكَذَا الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ (قَوْلُهُ وَأَنَّهُ لَوْ طَلَبَ كُلٌّ مِنْهُمْ اسْتِئْجَارَ حِصَّةِ غَيْرِهِ) أَيْ بِأَنْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَا أَسْتَأْجِرُ مَا عَدَا حِصَّتِي (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ ثَمَّ أَجْنَبِيٌّ قُدِّمَ) اُنْظُرْ هَلْ يُشْتَرَطُ هُنَا أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُمْ (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَعَذَّرَ إيجَارُهُ)
فَإِنْ اشْتَدَّ وَلَمْ يُرَ أَوْ كَانَ إلَى الْآنَ بَذْرًا لَمْ تَصِحَّ قِسْمَتُهُ لِلْجَهْلِ بِهِ (فَتُعَدَّلُ) أَيْ تُسَاوَى (السِّهَامُ) أَيْ عِنْدَ عَدَمِ التَّرَاضِي أَوْ حَيْثُ كَانَ فِي الشُّرَكَاءِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (كَيْلًا) فِي الْمَكِيلِ (أَوْ وَزْنًا) فِي الْمَوْزُونِ (أَوْ ذَرْعًا) فِي الْمَذْرُوعِ أَوْ عَدًّا فِي الْمَعْدُودِ (بِعَدَدِ الْأَنْصِبَاءِ إنْ اسْتَوَتْ) فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ أَثْلَاثًا جُعِلَتْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ وَيُؤْخَذُ ثَلَاثَةُ رِقَاعٍ مُتَسَاوِيَةٍ (وَيُكْتَبُ) هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ (فِي كُلِّ رُقْعَةٍ) إمَّا (اسْمُ شَرِيكٍ) إنْ كَتَبَ أَسْمَاءَ الشُّرَكَاءِ لِيَخْرُجَ عَلَى السِّهَامِ (أَوْ جُزْءٌ) بِالرَّفْعِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ: أَيْ هُوَ مَعَ مُمَيِّزٍ كَمَا يَأْتِي إنْ كَتَبَ السِّهَامَ لِتَخْرُجَ عَلَى أَسْمَاءِ الشُّرَكَاءِ (مُمَيَّزٌ) عَنْ الْبَقِيَّةِ (بِحَدٍّ أَوْ جِهَةٍ) مَثَلًا (وَتُدْرَجُ) الرُّقَعُ (فِي بَنَادِقَ) وَيُنْدَبُ كَوْنُهَا فِي بَنَادِقَ (مُسْتَوِيَةٍ) وَزْنًا وَشَكْلًا مِنْ نَحْوِ طِينٍ أَوْ شَمْعٍ لِأَنَّهَا لَوْ تَفَاوَتَتْ لَرُبَّمَا سَبَقَتْ الْيَدُ إلَى الْكَبِيرَةِ وَفِيهِ تَرْجِيحٌ لِصَاحِبِهَا، وَلَا يَنْحَصِرُ فِيمَا ذُكِرَ بَلْ يَجُوزُ نَحْوُ أَقْلَامٍ وَمُخْتَلِفٌ كَدَوَاةٍ وَقَلَمٍ، ثُمَّ تُوضَعُ فِي حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ وَكَوْنُهُ مُغَفَّلًا أَوْلَى (ثُمَّ يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا) أَيْ الْوَاقِعَةَ (رُقْعَةً) أَمَّا (عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ إنْ كَتَبَ الْأَسْمَاءَ) فِي الرِّقَاعِ (فَيُعْطِي مَنْ خَرَجَ اسْمُهُ) ثُمَّ يُؤْمَرُ بِإِخْرَاجِ أُخْرَى عَلَى الْجُزْءِ الَّذِي يَلِيهِ وَتُعْطَى مَنْ خَرَجَ اسْمُهُ وَيَتَعَيَّنُ الْآخَرُ لِلْآخِرِ بِلَا قُرْعَةٍ، وَكَذَا فِيمَا يَأْتِي (أَوْ) يَخْرُجُ (عَلَى اسْمِ زَيْدٍ) مَثَلًا (إنْ كَتَبَ الْأَجْزَاءَ) أَيْ أَسْمَاءَهَا فِي الرِّقَاعِ فَيُخْرِجُ رُقْعَةً عَلَى اسْمِ زَيْدٍ وَأُخْرَى عَلَى اسْمِ عَمْرٍو وَهَكَذَا، وَمَنْ يُبْتَدَأُ بِهِ هُنَا وَفِيمَا قَبْلَهُ مِنْ الْأَجْزَاءِ أَوْ الْأَسْمَاءِ مَنُوطٌ بِنَظَرِ الْقَاسِمِ إذْ لَا تُهْمَةَ وَلَا تَمْيِيزَ (فَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَنْصِبَاءُ كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَسُدُسٍ) فِي أَرْضٍ أَوْ نَحْوِهَا (جُزِّئَتْ الْأَرْضُ) أَوْ نَحْوُهَا (عَلَى أَقَلِّ السِّهَامِ) كَسِتَّةٍ هُنَا لِتُؤَدِّي الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَلَا شَطَطٍ (وَقُسِمَتْ كَمَا سَبَقَ) لَكِنَّ الْأَوْلَى هُنَا كِتَابَةُ الْأَسْمَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ كَتَبَ الْأَجْزَاءَ وَأَخْرَجَ عَلَى الْأَسْمَاءِ فَرُبَّمَا خَرَجَ لِصَاحِبِ السُّدُسِ الْجُزْءُ الثَّانِي أَوْ الْخَامِسُ فَيُفَرَّقُ بِذَلِكَ مِلْكُ مَنْ لَهُ الثُّلُثُ أَوْ النِّصْفُ (وَ) هُوَ لَا يَجُوزُ، إذْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَحْتَرِزَ عَنْ تَفْرِيقِ حِصَّةِ وَاحِدٍ) وَالْمُجَوِّزُونَ لِكِتَابَةِ الْأَجْزَاءِ احْتَرَزُوا عَنْ التَّفْرِيقِ بِقَوْلِهِمْ لَا يُخْرِجُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ أَوَّلًا لِأَنَّ التَّفْرِيقَ إنَّمَا جَاءَ مِنْ قَبْلِهِ بَلْ يَبْدَأُ بِذِي النِّصْفِ، فَإِنْ خَرَجَ عَلَى اسْمِهِ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي أُعْطِيَهُمَا وَالثَّالِثَ وَيُثَنِّي بِذِي الثُّلُثِ.
فَإِنْ خَرَجَ عَلَى اسْمِهِ الْجُزْءُ الرَّابِعُ أُعْطِيَهُ وَالْخَامِسَ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَأُخِذَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ مُسْتَوِيَةُ الْأَجْزَاءِ وَلِأَحَدِهِمَا أَرْضٌ تَلِيهَا فَطَلَبَ قِسْمَتَهَا، وَأَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ إلَى جِهَةِ أَرْضِهِ أُجِيبَ حَيْثُ لَا ضَرَرَ كَمَا قَدْ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي بَابِ الصُّلْحِ أُجْبِرَ عَلَى قِسْمَةِ عَرْصَةٍ وَلَوْ طُولًا لِيَخْتَصَّ كُلٌّ بِمَا يَلِيهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَ الْهَدْمِ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُهُمْ لَوْ أَرَادَ جَمْعٌ مِنْ الشُّرَكَاءِ بَقَاءَ شَرِكَتِهِمْ وَطَلَبُوا مِنْ الْبَاقِينَ أَنْ يَتَمَيَّزُوا عَنْهُمْ بِجَانِبٍ وَيَكُونُ حَقُّ الْمُتَّفِقِينَ مُتَّصِلًا، فَإِنْ كَانَ نَصِيبُ كُلٍّ لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ أُجِيبُوا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يُفْهَمُ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي حَالَةِ تَسَاوِي الْأَجْزَاءِ وَاخْتِلَافِهَا أَنَّ الشُّرَكَاءَ الْكَامِلِينَ لَوْ تَرَاضَوْا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ امْتَنَعَ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ بَلْ التَّفَاوُتُ جَائِزٌ بِرِضَا جَمِيعِهِمْ الْكَامِلِينَ وَإِنْ كَانَ جُزَافًا كَمَا يَظْهَرُ مِنْ إطْلَاقِهِمْ وَلَوْ فِي الرِّبَوِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ إفْرَازٌ
[حاشية الشبراملسي]
اسْمٌ لِغَلِيظِ الثِّيَابِ (قَوْلُهُ لِتَأْدِي الْقَلِيلِ) أَيْ لِحُصُولِ (قَوْلُهُ: وَلَا شَطَطَ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ
[حاشية الرشيدي]
هُوَ قَسِيمُ قَوْلِهِ أَجْبَرَهُمْ الْحَاكِمُ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَرَ) أَيْ كَالْبُرِّ فِي سُنْبُلِهِ بِخِلَافِ نَحْوِ الشَّعِيرِ (قَوْلُهُ: إنْ كَتَبَ اسْمَ الشُّرَكَاءِ) أَيْ وَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِنَظَرِ الْقَاسِمِ) أَيْ لَا بِنَظَرِ الْمُخْرِجِ (قَوْلُهُ: وَمَنْ يَبْدَأُ بِهِ هُنَا) أَيْ فِي التَّسْمِيَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَوْ كَتَبَ الْأَجْزَاءَ وَأَخْرَجَ عَلَى الْأَسْمَاءِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا كَانَ يَقْتَضِي التَّعَيُّنَ لَا مُجَرَّدَ الْأَوْلَوِيَّةِ، عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَحْظُورَ مُنْتَفٍ بِالِاحْتِرَازِ الْآتِي، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ الْجُزْءُ الرَّابِعُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ فَيَتَنَازَعُونَ فِي أَنَّهُ يَأْخُذُ مَعَهُ السَّهْمَيْنِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَ الْهَدْمِ) أَيْ لِلدَّارِ الْخَاصَّةِ
لَا بَيْعٌ، وَالرِّبَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ جَرَيَانُهُ فِي الْعَقْدِ دُونَ غَيْرِهِ وَيُعْلَمُ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَيْعًا امْتَنَعَ ذَلِكَ فِي الرِّبَوِيِّ، إذْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَخْذُ زَائِدٍ عَلَى حَقِّهِ فِيهِ وَلَوْ مَعَ الرِّضَا فَيَأْتِي فِيهِ هُنَا جَمِيعُ مَا مَرَّ فِي بَابِ الرِّبَا فِي مُتَّحِدِي الْجِنْسِ وَمُخْتَلِفِيهِ وَفِي قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ.
وَتَصِحُّ قِسْمَةُ الْإِفْرَازِ فِيمَا تَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِهِ قَبْلَ إخْرَاجِهَا ثُمَّ يُخْرِجُ كُلٌّ زَكَاةَ مَا آلَ إلَيْهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ تَصَرُّفِ مَا أَخْرَجَ عَلَى إخْرَاجِ الْآخَرِ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمَا لَوْ تَرَاضَيَا بِالتَّفَاوُتِ جَازَ، وَمَا نَازَعَهُمْ بِهِ مِنْ أَنَّ الْوَجْهَ مَنْعُهُ فِي الْإِفْرَازِ مَرْدُودٌ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ تَصْرِيحُهُمْ بِجَوَازِ قِسْمَةِ الثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ وَلَوْ مُخْتَلِطًا مِنْ نَحْوِ بُسْرٍ وَرُطَبٍ وَمُنَصَّفٍ وَتَمْرٍ جَافٍ خَرْصًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا إفْرَازٌ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ (الثَّانِي) الْقِسْمَةُ (بِالتَّعْدِيلِ) بِأَنْ تُعَدَّلَ السِّهَامُ بِالْقِيمَةِ (كَأَرْضٍ تَخْتَلِفُ قِيمَةُ أَجْزَائِهَا بِحَسَبِ قُوَّةِ إنْبَاتٍ وَقُرْبِ مَاءٍ) وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَرْفَعُ قِيمَةَ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ كَبُسْتَانٍ بَعْضُهُ نَخْلٌ وَبَعْضُهُ عِنَبٌ وَدَارٍ بَعْضُهَا مِنْ حَجَرٍ وَبَعْضُهَا مِنْ لَبِنٍ فَيَكُونُ الثُّلُثُ لِجَوْدَتِهِ كَالثُّلُثَيْنِ قِيمَةً فَيُجْعَلُ سَهْمًا وَهُمَا سَهْمَانِ إنْ كَانَتْ نِصْفَيْنِ، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَسُدُسٍ جُعِلَتْ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ بِالْقِيمَةِ لَا بِالْمِسَاحَةِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الْقِيمَةِ عِنْدَ التَّجْزِئَةِ (وَيُجْبَرُ) الْمُمْتَنِعُ مِنْهَا (عَلَيْهَا) أَيْ قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ (فِي الْأَظْهَرِ) إلْحَاقًا لِلتَّسَاوِي فِي الْقِيمَةِ بِهِ فِي الْأَجْزَاءِ، نَعَمْ إنْ أَمْكَنَ قِسْمَةُ الْجَيِّدِ وَحْدَهُ وَالرَّدِيءِ وَحْدَهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا فِيهِمَا كَأَرْضَيْنِ يُمْكِنُ قِسْمَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْأَجْزَاءِ فَلَا يُجْبَرُ عَنْ التَّعْدِيلِ كَمَا بَحَثَاهُ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِجْبَارِ فِي الْمُنْقَسِمِ الْحَاجَةُ إلَى بَقَاءِ طَرِيقٍ وَنَحْوِهَا مُشَاعَةً بَيْنَهُمْ يَمُرُّ كُلٌّ مِنْهُمَا فِيهَا إلَى مَا خَرَجَ لَهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ إفْرَادُ كُلٍّ بِطَرِيقٍ، وَلَوْ اقْتَسَمَا بِالتَّرَاضِي الْمُتَسَفِّلَ لِوَاحِدٍ وَالْمُسْتَعْلِي لِآخَرَ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلسَّطْحِ بَقِيَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَكَأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَنْظُرْ لِبَقَاءِ الْعُلْقَةِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ السَّطْحَ تَابِعٌ كَالطَّرِيقِ، وَالثَّانِي لَا، لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ وَالْمَنَافِعِ (وَلَوْ اسْتَوَتْ قِيمَةُ دَارَيْنِ أَوْ حَانُوتَيْنِ) سَوَاءٌ أَكَانَا مُتَلَاصِقَيْنِ أَمْ لَا (فَطَلَبَ جَعْلَ كُلٍّ لِوَاحِدٍ فَلَا إجْبَارَ) لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ وَالْأَبْنِيَةِ، نَعَمْ لَوْ اشْتَرَكَا فِي دَكَاكِينَ صِغَارٍ مُتَلَاصِقَةٍ مُسْتَوِيَةِ الْقِيمَةِ لَا يَحْتَمِلُ آحَادُهَا الْقِسْمَةَ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ أَعْيَانِهَا أُجِيبَ إنْ زَالَتْ الشَّرِكَةُ بِهَا، قَالَ الْجِيلِيُّ: إلَّا أَنْ تَنْقُصَ الْقِيمَةُ بِقِسْمَتِهَا، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ كُلٍّ لِوَاحِدٍ مَا لَوْ لَمْ يَطْلُبْ أَحَدٌ خُصُوصَ ذَلِكَ فَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ (أَوْ) اسْتَوَتْ قِيمَةُ مُتَقَوِّمٍ نَحْوِ (عَبِيدٍ أَوْ ثِيَابٍ مِنْ نَوْعٍ) وَصِنْفٍ وَاحِدٍ فَطَلَبَ جَعْلَ كُلٍّ لِوَاحِدٍ كَثَلَاثَةِ أَعْبُدٍ مُسْتَوِيَةٍ كَذَلِكَ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ وَكَثَلَاثَةٍ يُسَاوِي اثْنَانِ مِنْهَا وَاحِدًا بَيْنَ اثْنَيْنِ (أُجْبِرَ) إنْ زَالَتْ الشَّرِكَةُ بِهَا لِقِلَّةِ اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِيهَا (أَوْ) مِنْ (نَوْعَيْنِ) أَوْ صِنْفَيْنِ كَهِنْدِيٍّ وَتُرْكِيٍّ وَضَائِنَتَيْنِ مِصْرِيَّةٍ وَشَامِيَّةٍ اسْتَوَتْ قِيمَتُهُمَا أَمْ لَا، وَكَعَبْدٍ وَثَوْبٍ (فَلَا) إجْبَارَ لِشِدَّةِ تَعَلُّقِ الْغَرَضِ بِكُلِّ نَوْعٍ وَعِنْدَ الرِّضَا بِالتَّفَاوُتِ فِي قِسْمَةٍ هِيَ بَيْعٌ.
قَالَ الْإِمَامُ: لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْبَيْعِ لِأَنَّ لَفْظَ الْقِسْمَةِ يَدُلُّ عَلَى التَّسَاوِي، لَكِنْ نَازَعَهُ الْبُلْقِينِيُّ إذَا جَرَى أَمْرٌ مُلْزِمٌ وَهُوَ الْقَبْضُ بِالْإِذْنِ: أَيْ وَيَكُونُ الزَّائِدُ عِنْدَ الْعِلْمِ كَالْمَوْهُوبِ الْمَقْبُوضِ، وَلِمُسْتَأْجِرِي أَرْضٍ تَنَاوُبُهَا وَقِسْمَتُهَا وَهَلْ يَدْخُلُهَا الْإِجْبَارُ؟ وَجْهَانِ.
وَقَضِيَّةُ الْإِجْبَارِ فِي كِرَاءِ الْعَقِبِ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: مَا أَخْرَجَ) الْأَوْلَى مِنْ كَمَا عَبَّرَ بِهَا حَجّ (قَوْلُهُ: وَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْهَا) أَيْ الْقِسْمَةِ (قَوْلُهُ: إنَّمَا لَمْ يَنْظُرْ لِبَقَاءِ الْعُلْقَةِ) أَيْ حَيْثُ قَالُوا بِصِحَّةِ الْقِسْمَةِ مَعَ بَقَاءِ الشَّرِكَةِ فِي السَّطْحِ وَلَمْ يَقُولُوا بِفَسَادِهَا لِوُجُودِ الشَّرِكَةِ فِي بَعْضِ الْمُشْتَرَكِ (قَوْلُهُ: وَهَلْ يَدْخُلُهَا الْإِجْبَارُ وَجْهَانِ) الْمُعْتَمَدُ لَا كَمَا يَأْتِي، وَعَلَيْهِ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُمَا إذَا لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ أَجَّرَهَا الْحَاكِمُ
[حاشية الرشيدي]
بِهِ مَثَلًا، وَمُرَادُهُ بِهَذَا تَصْوِيرُ انْتِفَاعِهِ بِمَا يَخْرُجُ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا (قَوْلُهُ: وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمَا إلَخْ) كَأَنَّ هَذَا مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَقَدْ مَرَّتْ أَيْضًا (قَوْلُهُ: يَمُرُّ كُلٌّ مِنْهُمَا) حَقُّ الْعِبَارَةِ كُلٌّ مِنْهُمْ وَكَذَا فِيمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ فَطَلَبَ جَعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ) أَيْ عَلَى الْإِبْهَامِ بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ الْقُرْعَةُ كَمَا لَا يَخْفَى
الْإِجْبَارُ هُنَا إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِتَعَذُّرِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَسَافَةِ فَتَعَيَّنَتْ الْقِسْمَةُ إذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُمَا الْمَنْفَعَةَ إلَّا بِهَا بِخِلَافِهَا هُنَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَوْ مَلَكَا شَجَرًا دُونَ أَرْضِهِ فَالْمُتَّجَهُ أَنَّهُمَا إنْ اسْتَحَقَّا مَنْفَعَتَهَا عَلَى الدَّوَامِ بِنَحْوِ وَقْفٍ لَمْ يُجْبَرَا عَلَى الْقِسْمَةِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمَنْفَعَةِ الدَّائِمَةِ كَمِلْكِهَا فَلَمْ تَنْقَطِعْ الْعُلْقَةُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّاهَا، كَذَلِكَ أُجْبِرَا إنْ كَانَتْ إفْرَازًا أَوْ تَعْدِيلًا، وَلَا نَظَرَ لِبَقَاءِ شَرِكَتِهِمَا فِي مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا بِصَدَدِ الِانْقِضَاءِ، كَمَا لَا نَظَرَ لِشَرِكَتِهِمَا فِي نَحْوِ التَّمْرِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، وَيَأْتِي فِي قِسْمَتِهِمَا الْمَنْفَعَةَ الْوَجْهَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ (الثَّالِثُ) الْقِسْمَةُ (بِالرَّدِّ) وَهِيَ الَّتِي يُحْتَاجُ فِيهَا لِرَدِّ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ مَالًا أَجْنَبِيًّا (بِأَنْ) أَيْ كَأَنْ (يَكُونَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ) مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ، وَلَيْسَ فِي الْآخَرِ مَا يُعَادِلُهُ إلَّا بِضَمِّ شَيْءٍ مِنْ خَارِجٍ إلَيْهِ وَمِنْهُ (بِئْرٌ أَوْ شَجَرٌ) مَثَلًا (لَا تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ فَيَرُدُّ مَنْ يَأْخُذُهُ قِسْطَ قِيمَتِهِ) أَيْ نَحْوِ الْبِئْرِ أَوْ الشَّجَرِ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ كُلِّ جَانِبٍ أَلْفًا وَقِيمَةُ نَحْوِ الْبِئْرِ أَلْفًا رَدَّ مَنْ أَخَذَ جَانِبَهَا خَمْسَمِائَةٍ، وَمَا اقْتَضَتْهُ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْمُحَرَّرِ عَلَى مَا قِيلَ مِنْ رَدِّ الْأَلْفِ خَطَأٌ، وَمَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ رَدًّا وَتَعْدِيلًا يُجَابُ طَالِبُ قِسْمَتِهِ إجْبَارًا وَإِلَّا اُشْتُرِطَ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى وَاحِدَةٍ بِعَيْنِهَا (وَلَا إجْبَارَ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا النَّوْعِ لِأَنَّهُ دَخَلَهُ مَا لَا شَرِكَةَ فِيهِ وَهُوَ الْمَالُ الْمَرْدُودُ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا النَّوْعُ وَهُوَ قِسْمَةُ الرَّدِّ (بَيْعٌ) لِوُجُودِ حَقِيقَتِهِ وَهُوَ مُقَابَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ فَثَبَتَتْ أَحْكَامُهُ مِنْ نَحْوِ خِيَارٍ وَشُفْعَةٍ، نَعَمْ لَا يُفْتَقَرُ لِلَفْظِ تَمْلِيكٍ وَقَبُولٍ بَلْ الرِّضَا قَائِمٌ مَقَامَهُمَا، وَلَهُمَا الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ مَنْ يَأْخُذُ النَّفِيسَ يُرَدُّ وَأَنْ يُحَكِّمَا الْقُرْعَةَ لِيَرُدَّ مَنْ خَرَجَ لَهُ (وَكَذَا التَّعْدِيلُ) أَيْ قِسْمَتُهُ بَيْعٌ (عَلَى الْمَذْهَبِ) لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي قِسْمَةِ الْأَجْزَاءِ (وَقِسْمَةُ الْأَجْزَاءِ) بِإِجْبَارٍ أَوْ دُونِهِ (إفْرَازٌ) لِلْحَقِّ: أَيْ يَتَبَيَّنُ بِهَا أَنَّ مَا خَرَجَ لِكُلٍّ هُوَ الَّذِي مَلَكَهُ كَاَلَّذِي فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِالْقَبْضِ (فِي الْأَظْهَرِ) إذْ لَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَمَا دَخَلَهَا الْإِجْبَارُ وَلَمَا جَازَ فِيهَا الِاعْتِمَادُ عَلَى الْقُرْعَةِ.
وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ بِقِسْمَةِ التَّعْدِيلِ فَإِنَّهَا بَيْعٌ وَدَخَلَهَا الْإِجْبَارُ وَجَازَ الِاعْتِمَادُ فِيهَا عَلَى الْقُرْعَةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمَّا انْفَرَدَ بِبَعْضِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا صَارَ كَأَنَّهُ بَاعَ مَا كَانَ لَهُ بِمَا كَانَ لِلْآخَرِ، وَلَمْ نَقُلْ بِالتَّبَيُّنِ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي الْإِفْرَازِ لِلتَّوَقُّفِ هُنَا عَلَى التَّقْوِيمِ، وَهُوَ تَخْمِينٌ قَدْ يُخْطِئُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَتْ قِسْمَةُ الرَّدِّ بَيْعًا لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْإِجْبَارُ فِي قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ كَمَا يَبِيعُ الْحَاكِمُ مَالَ الْمَدِينِ جَبْرًا، وَلَمْ يَقَعْ فِي الرَّدِّ لِأَنَّهُ إجْبَارٌ عَلَى دَفْعِ مَالٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ وَهُوَ بَعِيدٌ وَالثَّانِي أَنَّهَا بَيْعٌ لِأَنَّ مَا مِنْ جُزْءٍ مِنْ الْمَالِ إلَّا وَكَانَ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُمَا، فَإِذَا اقْتَسَمَا فَكَأَنَّهُ بَاعَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا كَانَ لَهُ فِي
[حاشية الشبراملسي]
عَلَيْهِمَا قَطْعًا لِلنِّزَاعِ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ إنْ كَانَتْ إفْرَازًا أَوْ تَعْدِيلًا) أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ رَدًّا إذْ لَا إجْبَارَ فِيهَا (قَوْلُهُ: الْوَجْهَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ) لَعَلَّ مُرَادَهُ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي كِرَاءِ الْعَقِبِ: أَيْ بِالزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْكَيْفِيَّةُ فِي الثَّانِي، وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ: تُقْسَمُ الْمَنَافِعُ مُهَايَأَةً مُيَاوَمَةً وَمُشَاهَرَةً وَمُسَانَهَةً وَعَلَى أَنْ يَسْكُنَ أَوْ يَزْرَعَ هَذَا مَكَانًا وَهَذَا مَكَانًا (قَوْلُهُ: وَمَا اقْتَضَتْهُ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ قِيلَ وَمَا اقْتَضَتْهُ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْمُحَرَّرُ مِنْ رَدِّ الْأَلِفِ خَطَأٌ اهـ. وَصَوَابُهُ غَيْرُ مُرَادٍ انْتَهَتْ عِبَارَةُ التُّحْفَةِ (قَوْلُهُ: وَمَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ رَدًّا وَتَعْدِيلًا إلَخْ) أَيْ كَمَا إذَا كَانَ بَعْضُ الْأَرْضِ عَامِرًا وَبَعْضُهَا خَرَابًا أَوْ بَعْضُهَا ضَعِيفًا وَبَعْضُهَا قَوِيًّا أَوْ بَعْضُهَا فِيهِ شَجَرٌ بِلَا بِنَاءٍ وَبَعْضُهَا فِيهِ بِنَاءٌ بِلَا شَجَرٍ أَوْ بَعْضُهَا عَلَى مَسِيلِ مَاءٍ وَبَعْضُهَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا صَوَّرَ بِذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ جَمِيعَ صُوَرِ التَّعْدِيلِ يَتَأَتَّى فِيهِ الرَّدُّ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا اُشْتُرِطَ اتِّفَاقُهُمَا إلَخْ) فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ خَلَلٌ، وَعِبَارَةُ الْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِ: إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ مِمَّا تَصِحُّ قِسْمَتُهَا بِالتَّعْدِيلِ وَبِالرَّدِّ فَدَعَا أَحَدُهُمَا إلَى التَّعْدِيلِ وَالْآخَرُ إلَى الرَّدِّ فَإِنْ أَجْبَرْنَا عَلَى قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ: أَيْ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ أُجِيبَ الدَّاعِي إلَيْهَا وَإِلَّا وَقَفْنَا عَلَى تَرَاضِيهمَا بِإِحْدَاهُمَا (قَوْلُهُ: وَشُفْعَةٍ) أَيْ لِلشَّرِيكِ الثَّالِثِ كَمَا إذَا تَقَاسَمَ شَرِيكَاهُ حِصَّتَهُمَا وَتَرَكَا حِصَّتَهُ مَعَ أَحَدِهِمَا بِرِضَاهُ كَمَا صَوَّرَهُ بِذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمَّا انْفَرَدَ إلَخْ) لَمْ يُجِبْ عَنْ إشْكَالِ الْقُرْعَةِ
حِصَّةِ صَاحِبِهِ بِمَا لَهُ فِي حِصَّتِهِ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ فِي أَوَائِلِ الرِّبَا وَزَكَاةِ الْمُعَشَّرَاتِ، وَيَجُوزُ قِسْمَةُ الْوَقْفِ مِنْ الْمِلْكِ أَوْ وَقْفٍ آخَرَ إنْ كَانَتْ إفْرَازًا لَا بَيْعًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الطَّالِبُ الْمَالِكَ أَمْ النَّاظِرَ أَمْ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِمْ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا فِي الْمَجْمُوعِ فِي الْأُضْحِيَّةَ إذَا اشْتَرَكَ جَمْعٌ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ لَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ إنْ قُلْنَا إنَّهَا بَيْعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبَيْنَ أَرْبَابِ الْوَقْفِ تَمْتَنِعُ مُطْلَقًا لِأَنَّ فِيهِ تَغْيِيرًا لِشَرْطِهِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: هَذَا إذَا صَدَرَ الْوَقْفُ مِنْ وَاحِدٍ عَلَى سَبِيلِ وَاحِدٍ، فَإِنْ صَدَرَ مِنْ اثْنَيْنِ فَقَدْ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ بِجَوَازِ الْقِسْمَةِ، كَمَا تَجُوزُ قِسْمَةُ الْوَقْفِ عَنْ الْمِلْكِ وَذَلِكَ أَرْجَحُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَأَفْتَيْت بِهِ انْتَهَى.
وَكَلَامُهُ مُتَدَافِعٌ فِيمَا إذَا صَدَرَ مِنْ وَاحِدٍ عَلَى سَبِيلَيْنِ أَوْ عَكْسِهِ، وَالْأَقْرَبُ فِي الْأَوَّلِ بِمُقْتَضَى مَا قَالَهُ الْجَوَازُ، وَفِي الثَّانِي عَدَمُهُ، نَعَمْ لَا تَمْتَنِعُ الْمُهَايَأَةُ حَيْثُ رَضُوا بِهَا لِانْتِفَاءِ التَّغْيِيرِ بِهَا وَلِعَدَمِ لُزُومِهَا
(وَيُشْتَرَطُ فِي) قِسْمَةِ (الرَّدِّ الرِّضَا) بِاللَّفْظِ (بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ) لِأَنَّهَا بَيْعٌ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ بِالْقُرْعَةِ فَافْتَقَرَ إلَى التَّرَاضِي بَعْدَهُ (وَلَوْ تَرَاضَيَا بِقِسْمَةِ مَا لَا إجْبَارَ فِيهِ) كَقِسْمَةِ تَعْدِيلٍ وَإِفْرَازٍ (اُشْتُرِطَ) فِيمَا إذَا كَانَ هُنَاكَ قُرْعَةٌ (الرِّضَا بَعْدَ الْقُرْعَةِ فِي الْأَصَحِّ كَقَوْلِهِمَا رَضِينَا بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ) أَوْ بِهَذَا (أَوْ بِمَا أَخْرَجَتْهُ الْقُرْعَةُ) أَمَّا فِي قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ فَلِأَنَّهَا بَيْعٌ كَقِسْمَةِ الرَّدِّ.
وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَقِيَاسًا عَلَيْهَا لِأَنَّ الرِّضَا أَمْرٌ خَفِيٌّ فَوَجَبَ أَنْ يُنَاطَ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ نَحْوِ بَيْعٍ، وَإِنْ لَمْ يُحَكِّمَا الْقُرْعَةَ كَأَنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ وَالْآخَرُ الْآخَرَ، أَوْ أَحَدُهُمَا الْخَسِيسَ وَالْآخَرُ النَّفِيسَ وَيُرَدُّ زَائِدُ الْقِيمَةِ فَلَا حَاجَةَ لِتَرَاضٍ آخَرَ.
أَمَّا قِسْمَةُ مَا قُسِمَ إجْبَارًا فَلَا يُعْتَبَرُ الرِّضَا فِيهَا لَا قَبْلَ الْقُرْعَةِ وَلَا بَعْدَهَا، وَاعْتُرِضَتْ عِبَارَتُهُ بِأَنَّ فِيهَا خَلَلًا مِنْ أَوْجُهٍ إذْ مَا لَا إجْبَارَ فِيهِ قِسْمَةُ الرَّدِّ فَقَطْ وَقَدْ جَزَمَ بِاشْتِرَاطِ الرِّضَا فَلَزِمَ التَّكْرَارُ وَالْجَزْمُ أَوَّلًا وَحِكَايَةُ الْخِلَافِ ثَانِيًا وَأَنَّهُ عَبَّرَ بِالْأَصَحِّ وَفِي الرَّوْضَةِ بِالصَّحِيحِ وَأَنَّهُ عَكْسُ مَا بِأَصْلِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ هَذَا الْخِلَافَ إلَّا فِي قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ، فَكَأَنَّهُ فِي الْكِتَابِ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ مَا فِيهِ إجْبَارٌ فَكَتَبَ مَا لَا إجْبَارَ فِيهِ.
وَلَعَلَّ عِبَارَتَهُ مَا لَا إجْبَارَ فِيهِ فَحُرِّفَتْ، وَبِهَذَا يَزُولُ التَّكْرَارُ وَالتَّنَاقُضُ وَالتَّعَاكُسُ وَأَنَّهُ أَطْلَقَ الْخِلَافَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِمَا لَا إجْبَارَ فِيهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ أَنَّهُ لَا إجْبَارَ فِيهِ الْآنَ بِاعْتِبَارِ جَرَيَانِهِ بِالرِّضَا وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الْإِجْبَارَ، وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ الْقِسْمَةُ الَّتِي يُجْبَرُ عَلَيْهَا إذَا جَرَتْ بِالتَّرَاضِي، وَالْمُرَادُ بِهَا مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا، وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ دَعْوَاهُ أَصْرَحِيَّةَ عِبَارَةِ الْكِتَابِ عَلَى الْأَصْلِ مَحَلُّ نَظَرٍ لَا يَخْفَى (وَلَوْ ثَبَتَ) بِإِقْرَارٍ أَوْ عِلْمِ قَاضٍ أَوْ يَمِينِ رَدٍّ أَوْ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ إفْرَازًا) أَيْ بِأَنْ كَانَتْ مُسْتَوِيَةَ الْأَجْزَاءِ (قَوْلُهُ: تَمْتَنِعُ مُطْلَقًا) أَيْ إفْرَازًا أَوْ بَيْعًا (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَا تَمْتَنِعُ الْمُهَايَأَةُ) وَكَالْمُهَايَأَةِ مَا لَوْ كَانَ الْمَحَلُّ صَالِحًا لِسُكْنَى أَرْبَابِ الْوَقْفِ جَمِيعِهِمْ فَتَرَاضَوْا عَلَى أَنَّ كُلَّ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَإِنْ صَدَرَ مِنْ اثْنَيْنِ) صَادِقٌ بِمَا إذَا تَعَدَّدَ السَّبِيلُ وَبِمَا إذَا اتَّحَدَ، فَانْظُرْهُ مَعَ قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي إنَّ كَلَامَهُ مُتَدَافِعٌ فِي ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ أَطْلَقَ الْخِلَافَ) هُنَا سَقْطٌ مِنْ النَّسْخِ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ وَأَنَّهُ أَطْلَقَ الْخِلَافَ وَمَحَلُّهُ حَيْثُ حَكَمُوا قَاسِمًا، فَإِنْ تَوَلَّاهَا حَاكِمٌ أَوْ مَنْصُوبُهُ جَبْرًا لَمْ يُعْتَبَرْ الرِّضَا قَطْعًا، وَلَوْ نَصَّبُوا وَكِيلًا عَنْهُمْ اُشْتُرِطَ رِضَاهُمْ بَعْدَ الْقُرْعَةِ قَطْعًا، وَكَذَا لَوْ اقْتَسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ انْتَهَتْ.
وَلَمْ يَذْكُرْ هُوَ وَلَا الشَّارِحُ الْجَوَابَ عَنْ هَذَا (قَوْلُهُ: وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ الْقِسْمَةُ الَّتِي لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا) كَذَا فِي نَسْخِ الشَّارِحِ بِإِثْبَاتِ لَا قَبْلَ يُجْبَرُ، وَالصَّوَابُ حَذْفُهَا (قَوْلُهُ: غَيْرَ أَنَّ دَعْوَاهُ أَصْرَحِيَّةَ عِبَارَةِ الْأَصْلِ) صَوَابُهُ أَصْرَحِيَّةَ عِبَارَةِ الْكِتَابِ عَلَى عِبَارَةِ الْأَصْلِ إذْ هُوَ الَّذِي قَالَهُ الْجَلَالُ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ مِنْ عِبَارَتِهِ وَنَصُّهَا: وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا انْتَفَى فِيهِ الْإِجْبَارُ مِمَّا هُوَ مَحَلُّهُ، وَهُوَ أَصْرَحُ فِي الْمُرَادِ مِمَّا فِي الْمُحَرَّرِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الَّذِي فَهِمَهُ الشَّارِحُ مِنْ كَلَامِ الْجَلَالِ الْمَبْنِيِّ عَلَى أَنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ فِيهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ مُرَادَهُ إذْ لَا يَسَعُهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي بَيَانِ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ أَصْرَحُ مِمَّا فِي الْمُحَرَّرِ، وَإِنْ كَانَ مَا فِي الْمُحَرَّرِ أَصْرَحَ مِمَّا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَمَرْجِعُ الضَّمِيرِ مَا ذَكَرَهُ هُوَ لَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَتَأَمَّلْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَذْكُرْ الْجَوَابَ عَنْ كَوْنِ
(بِبَيِّنَةٍ) ذَكَرَيْنِ عَدْلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا فِيمَا يَظْهَرُ (غَلَطٌ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا (أَوْ حَيْفٌ) وَإِنْ قَلَّ (فِي قِسْمَةِ إجْبَارٍ) (نُقِضَتْ) كَمَا لَوْ ثَبَتَ ظُلْمُ قَاضٍ أَوْ كَذِبُ شَاهِدٍ، وَلَا يَحْلِفُ قَاسِمٌ كَقَاضٍ، وَاسْتِشْكَالُ ابْنِ الرِّفْعَةِ بِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلشَّيْءِ بِمِثْلِهِ وَلَا مُرَجِّحَ رُدَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْمُحَقَّقَ الشُّيُوعُ فَيُرَجَّحُ بِهِ قَوْلُ مُثْبِتِ النَّقْضِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ إجْبَارٍ مَا إذَا كَانَتْ تَعْدِيلًا أَوْ رَدًّا فَلَا نَقْضَ فِيهَا لِأَنَّهَا بَيْعٌ وَلَا أَثَرَ لِلْغَلَطِ وَالْحَيْفِ فِيهِ كَمَا لَا أَثَرَ لِلْغَبْنِ فِيهِ لِرِضَا صَاحِبِ الْحَقِّ بِتَرْكِهِ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَادَّعَاهُ) أَيْ أَحَدُهُمَا (وَاحِدٌ) مِنْ الشَّرِيكَيْنِ أَوْ الشُّرَكَاءِ عَلَى شَرِيكِهِ وَبَيَّنَ قَدْرَ مَا ادَّعَاهُ (فَلَهُ تَحْلِيفُ شَرِيكِهِ) أَنَّهُ لَا غَلَطَ وَلَا زَائِدَ مَعَهُ أَوْ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ.
فَإِنْ حَلَفَ مَضَتْ وَإِلَّا حَلَفَ الْمُدَّعِي وَنُقِضَتْ كَمَا لَوْ أَقَرَّ، وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَى الْقَاسِمِ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَمْ يُنْقَضْ، نَعَمْ بَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ سَمَاعَهَا عَلَيْهِ رَجَاءَ أَنْ يَثْبُتَ حَيْفُهُ فَيَرُدُّ الْأُجْرَةَ وَيَغْرَمُ كَمَا لَوْ قَالَ قَاضٍ غَلِطْت فِي الْحُكْمِ أَوْ تَعَمَّدْت الْحَيْفَ (وَلَوْ ادَّعَاهُ فِي قِسْمَةِ تَرَاضٍ) فِي غَيْرِ رِبَوِيٍّ بِأَنْ نَصَّبَا لَهُمَا قَاسِمًا أَوْ اقْتَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا وَرَضِيَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ (وَقُلْنَا هِيَ بَيْعٌ) بِأَنْ كَانَ تَعْدِيلًا أَوْ رَدًّا (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْغَلَطِ فَلَا فَائِدَةَ لِهَذِهِ الدَّعْوَى) وَإِنْ تَحَقَّقَ الْغَبْنُ لِرِضَا صَاحِبِ الْحَقِّ بِتَرْكِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا وَغُبِنَ فِيهِ، وَالثَّانِي أَنَّهَا تُنْقَضُ لِأَنَّهُمَا تَرَاضَيَا لِاعْتِقَادِهِمَا أَنَّهَا قِسْمَةُ عَدْلٍ، أَمَّا رِبَوِيٌّ تَحَقَّقَ الْغَلَطُ فِي وَزْنِهِ أَوْ كَيْلِهِ فَالْقِسْمَةُ بَاطِلَةٌ بِلَا شُبْهَةٍ لَلرِّبَا (قُلْت: وَإِنْ قُلْنَا إفْرَازٌ) بِأَنْ كَانَتْ بِالْأَجْزَاءِ (نُقِضَتْ إنْ ثَبَتَ) بِحُجَّةٍ لِأَنَّ الْإِفْرَازَ لَا يَتَحَقَّقُ مَعَ التَّفَاوُتِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ (فَيَحْلِفُ شَرِيكُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ (وَلَوْ اُسْتُحِقَّ بَعْضُ الْمَقْسُومِ شَائِعًا) كَالثُّلُثِ (بَطَلَتْ فِيهِ وَفِي الْبَاقِي خِلَافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ) وَالْأَظْهَرُ فِيهِ أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَتَخَيَّرُ كُلٌّ مِنْهُمْ (أَوْ) اُسْتُحِقَّ (مِنْ النَّصِيبَيْنِ) شَيْءٌ (مُعَيَّنٌ) .
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا (سَوَاءٌ بَقِيَتْ) الْقِسْمَةُ فِي الْبَاقِي لِعَدَمِ التَّرَاجُعِ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَوَاءً بِأَنْ اخْتَصَّ بِأَحَدِ النَّصِيبَيْنِ أَوْ عَمَّهُمَا لَكِنَّهُ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ (بَطَلَتْ) لِأَنَّ مَا يَبْقَى لِكُلٍّ لَيْسَ قَدْرَ حَقِّهِ بَلْ يَحْتَاجُ أَحَدُهُمَا إلَى الرُّجُوعِ عَلَى الْآخَرِ وَتَعُودُ الْإِشَاعَةُ، وَلَوْ بَانَ فَسَادُ الْقِسْمَةِ وَقَدْ أَنْفَقَ أَوْ زَرَعَ أَوْ بَنَى مَثَلًا أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا جَرَى هُنَا مَا مَرَّ فِيمَا إذَا بَانَ فَسَادُ الْبَيْعِ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، لَكِنَّ الْأَقْرَبَ عَدَمُ لُزُومِ كُلِّ شَرِيكٍ هُنَا زَائِدٌ عَلَى مَا يَخُصُّ حِصَّتَهُ مِنْ أَرْشِ نَحْوِ الْقَطْعِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا أَنَّ الْقُرْعَةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْقِسْمَةِ وَلَيْسَ مُرَادًا كَمَا يُفْهِمُهُ قَوْلُهُ السَّابِقُ فَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ فَتُعَدَّلُ السِّهَامُ إلَخْ فَلَمْ يُجْعَلْ التَّعْدِيلُ إلَّا عِنْدَ الْإِجْبَارِ.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الشَّرِيكَيْنِ لَوْ تَرَاضَيَا بِقِسْمَةِ الْمُشْتَرَكِ جَازَ وَلَوْ بِلَا قُرْعَةٍ كَمَا فِي الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرِهِمَا، فَلَوْ قَسَمَ بَعْضُهُمْ فِي غَيْبَةِ الْبَاقِينَ وَأَخَذَ قِسْطَهُ فَلَمَّا عَلِمُوا قَرَّرُوهُ صَحَّتْ: لَكِنْ مِنْ حِينِ التَّقْرِيرِ، قَالَهُ ابْنُ كَبْنٍ، فَلَوْ طَلَبَ مِنْ الْحَاكِمِ شُرَكَاءُ قِسْمَةَ مَا بِأَيْدِيهِمْ لَمْ يُجِبْهُمْ حَتَّى يُثْبِتُوا
[حاشية الشبراملسي]
وَاحِدٍ يَسْكُنُ فِي جَانِبٍ مَعَ بَقَاءِ مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ مُشْتَرَكَةً عَلَى مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ
(قَوْلُهُ: مَا إذَا كَانَتْ تَعْدِيلًا) أَيْ وَوَقَعَتْ بِالتَّرَاضِي (قَوْلُهُ: أَيْ أَحَدُهُمَا) غِلَظٌ أَوْ حَيْفٌ (قَوْلُهُ: وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ فَيُكَلَّفُ الْقَلْعَ مَجَّانًا وَلَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَهُ (قَوْلُهُ: مِنْ أَرْشٍ) مُتَعَلِّقٌ بِزَائِدٍ (قَوْلُهُ: لَكِنْ مِنْ حِينِ التَّقْرِيرِ) أَيْ فَلَوْ وَقَعَ مِنْهُ تَصَرُّفٌ فِيمَا خَصَّهُ قَبْلَ التَّقْرِيرِ كَانَ بَاطِلًا.
[حاشية الرشيدي]
الْمُصَنِّفِ عَبَّرَ هُنَا بِالْأَصَحِّ وَفِي الرَّوْضَةِ بِالصَّحِيحِ، وَأَجَابَ عَنْهُ فِي التُّحْفَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ كَثِيرًا مَا يَقَعُ لِلْمُصَنِّفِ وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ بِهِ لِأَنَّ مَنْشَأَهُ الِاجْتِهَادُ وَهُوَ يَتَغَيَّرُ (قَوْلُهُ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ إجْبَارُ مَا إذَا كَانَتْ تَعْدِيلًا إلَخْ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ عَلَى أَنَّ إطْلَاقَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْمَتْنِ الْآتِي فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: رَجَاءَ أَنْ يُثْبِتَ حَيْفَهُ) لَعَلَّ الْمُرَادَ ثُبُوتُهُ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْغُرْمُ، إذْ لَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ نُقِضَتْ الْقِسْمَةُ فَلَا غُرْمَ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا تَنْظِيرُهُ بِمَسْأَلَةِ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا أَنَّ الْقُرْعَةَ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ الْمَتْنِ
مِلْكَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُنَازِعٌ، لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْحَاكِمِ فِي قَضِيَّةٍ طُلِبَ مِنْهُ فَصْلُهَا حُكْمٌ وَهُوَ لَا يَكُونُ بِقَوْلِ ذِي الْحَقِّ وَسُمِعَتْ الْبَيِّنَةُ هُنَا وَهِيَ غَيْرُ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ دَعْوَى لِلْحَاجَةِ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مَنْعُهُمْ مِنْ الِاحْتِجَاجِ بَعْدَ تَصَرُّفِ الْحَاكِمِ، وَتَخْرِيجُ الْبُلْقِينِيِّ مِنْ هَذَا أَنَّ الْقَاضِي لَا يَحْكُمُ بِالْمُوجَبِ بِمُجَرَّدِ اعْتِرَافِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِالْبَيْعِ وَلَا بِمُجَرَّدِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِمَا لِمَا صَدَرَ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي قِيلَ هُنَا يَأْتِي هُنَاكَ مَرْدُودٌ، لِأَنَّ مَعْنَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ صَحَّ فَكَأَنَّهُ حُكْمٌ بِصِحَّةِ الصِّيغَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ جَمْعُ شَهَادَةٍ وَهِيَ إخْبَارٌ عَنْ شَيْءٍ بِلَفْظٍ خَاصٍّ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا آيَاتٌ كَآيَةِ ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: 283] وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَيْسَ لَك إلَّا شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ»
وَأَرْكَانُهَا شَاهِدٌ وَمَشْهُودٌ لَهُ وَمَشْهُودٌ بِهِ وَمَشْهُودٌ عَلَيْهِ وَصِيغَةُ وَكُلُّهَا تُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي إلَّا الصِّيغَةَ وَهِيَ لَفْظُ أَشْهَدُ لَا غَيْرَ كَمَا يَأْتِي
(شَرْطُ الشَّاهِدِ) أَوْصَافٌ تَضَمَّنَهَا قَوْلُهُ (مُسْلِمٌ حُرٌّ مُكَلَّفٌ عَدْلٌ ذُو مُرُوءَةٍ غَيْرُ مُتَّهَمٍ) نَاطِقٌ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ مُتَيَقِّظٌ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَضْدَادِ هَؤُلَاءِ كَكَافِرٍ وَلَوْ عَلَى مِثْلِهِ لِأَنَّهُ أَخَسُّ الْفُسَّاقِ، وَأَمَّا خَبَرُ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ دِينٍ عَلَى غَيْرِ دِينِهِمْ إلَّا الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ عُدُولٌ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ» فَضَعِيفٌ وقَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: 106] أَيْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ أَوْ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وَلَا مَنْ فِيهِ رِقٌّ لِنَقْصِهِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِوِلَايَةٍ مُطْلَقًا وَلَا صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا فَاسِقٍ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَقَوْلِهِ ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] وَهُوَ لَيْسَ بِعَدْلٍ وَلَا مَرْضِيٍّ، وَمَا اخْتَارَهُ جَمْعٌ كَالْأَذْرَعِيِّ وَالْغَزِّيِّ تَبَعًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إذَا فُقِدَتْ الْعَدَالَةُ وَعَمَّ الْفِسْقُ قَضَى الْحَاكِمُ بِشَهَادَةِ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ لِلضَّرُورَةِ مَرْدُودٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ مَصْلَحَتَهُ يُعَارِضُهَا مَفْسَدَةُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَلَا غَيْرِ ذِي مُرُوءَةٍ لِأَنَّهُ لَا حَيَاءَ لَهُ وَمَنْ لَا حَيَاءَ لَهُ يَصْنَعُ مَا شَاءَ لِخَبَرٍ صَحِيحٍ «إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت» وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ الْمُرُوءَةِ، وَلَا مُتَّهَمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لَا تَرْتَابُوا وَالرِّيبَةُ حَاصِلَةٌ بِالْمُتَّهَمِ، وَلَا أَخْرَسَ وَإِنْ فَهِمَ إشَارَتَهُ كُلُّ أَحَدٍ إذْ لَا يَخْلُو عَنْ احْتِمَالٍ، وَلَا مَحْجُورِ سَفَهٍ لِنَقْصِهِ.
وَمَا اُعْتُرِضَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ إذْ هُوَ إمَّا نَاقِصُ عَقْلٍ أَوْ فَاسِقٌ فَمَا مَرَّ يُغْنِي عَنْهُ رُدَّ بِأَنَّ نَقْصَ
[حاشية الشبراملسي]