نهاية المحتاج إلى شرح المنهاجصفحات 43-56

اللَّفْظِ الصَّرِيحِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ (وَوَفَى) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ (بِمَا الْتَزَمَهُ) وَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ كَثِيرًا مَا يَسْتَدْرِكُ عَلَى الْمُحَرَّرِ بِأَنَّهُ خَالَفَ الْأَكْثَرِينَ، وَعَلَى الرَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ يَجْزِمُ فِي الْمُحَرَّرِ بِشَيْءٍ وَيَكُونُ بَحْثًا لِلْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ.
وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّهُ وَفَى بِحَسَبِ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ، فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ اسْتِدْرَاكَهُ التَّصْحِيحَ عَلَيْهِ فِي الْمَوَاضِعِ الْآتِيَةِ وَبِأَنَّهُ وَفَى غَالِبًا، وَالْمَقَامُ مَقَامُ الْمُبَالَغَةِ فَنَزَّلَ الْقَلِيلَ جِدًّا مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ، وَبِأَنَّهُ يَجْزِمُ فِي الْمُحَرَّرِ بِشَيْءٍ تَبَعًا لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ لِكَوْنِهِ كَالتَّقْيِيدِ لِمَا أَطْلَقُوهُ تَسَاهُلًا بِحَيْثُ لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِمْ لَقَبِلُوهُ لِكَوْنِهِ مُرَادَهُمْ مِنْ الْإِطْلَاقِ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ تَصَانِيفِ السُّبْكِيّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ فَهِمَ عَنْ الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَنُصُّ إلَّا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ فَقَدْ أَخْطَأَ فَهْمُهُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا قَالَ فِي خُطْبَةِ الْمُحَرَّرِ: إنَّهُ نَاصٌّ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ مِنْ الْوُجُوهِ وَالْأَقَاوِيلِ، وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُ لَا يَنُصُّ إلَّا عَلَى ذَلِكَ (وَهُوَ) أَيْ مَا الْتَزَمَهُ (مِنْ أَهَمِّ) الْمَطْلُوبَاتِ (أَوْ) هُوَ (أَهَمُّ الْمَطْلُوبَاتِ) لِطَالِبِ الْفِقْهِ مِنْ الْوُقُوفِ عَلَى الْمُصَحَّحِ مِنْ الْخِلَافِ فِي مَسَائِلِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي ذِكْرِ وَجْهِ اخْتِصَارِهِ فَقَالَ (لَكِنْ فِي حَجْمِهِ) أَيْ مِقْدَارِ الْمُحَرَّرِ (كَبِرَ عَنْ حِفْظِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعَصْرِ) أَيْ زَمَانِهِ الرَّاغِبِينَ فِي حِفْظِ مُخْتَصَرٍ فِي الْفِقْهِ (إلَّا بَعْضَ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ) مِنْهُمْ فَلَا يَكْبَرُ: أَيْ يَعْظُمُ عَلَيْهِمْ حِفْظُهُ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ الْأَكْثَرِ بَعْضَ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ، وَأَمَّا الْأَقَلُّونَ فَلَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي كَلَامِهِ لَا فِي الْمُسْتَثْنَى وَلَا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَيَصِحُّ كَوْنُهُ مُنْقَطِعًا بِأَنْ يَكُونَ اسْتَثْنَى بَعْضَ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ مِنْ الْأَقَلِّينَ (فَرَأَيْت اخْتِصَارَهُ) بِأَنْ لَا يَفُوتَ شَيْءٌ مِنْ مَقَاصِدِهِ مِنْ الرَّأْيِ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ: أَيْ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ (فِي نَحْوِ نِصْفِ حَجْمِهِ) هُوَ صَادِقٌ بِمَا وَقَعَ فِي الْخَارِجِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى النِّصْفِ بِيَسِيرٍ، فَإِنَّ نَحْوَ الشَّيْءِ يُطْلَقُ عَلَى مَا سَاوَاهُ أَوْ قَارَبَهُ مَعَ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، وَالنِّصْفُ مُثَلَّثُ النُّونِ، وَيُقَالُ فِيهِ نَصِيفٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَزِيَادَةِ يَاءٍ قَبْلَ آخِرِهِ (لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ) أَيْ الْمُخْتَصَرِ عَلَى مَنْ يَرْغَبُ فِي حِفْظِ مُخْتَصَرٍ.
قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: الْكِتَابُ يُخْتَصَرُ لِيُحْفَظَ وَيُبْسَطَ لِيُفْهَمَ، وَالِاخْتِصَارُ مَمْدُوحٌ شَرْعًا، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُوتِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَاخْتُصِرَ لِي الْكَلَامُ اخْتِصَارًا» (مَعَ مَا) أَيْ مَصْحُوبًا ذَلِكَ الْمُخْتَصَرَ بِمَا (أَضُمُّهُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي أَثْنَائِهِ وَبِذَلِكَ قَرُبَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ أَصْلِهِ كَمَا قِيلَ (مِنْ النَّفَائِسِ الْمُسْتَجَادَاتِ) أَيْ الْمُسْتَحْسَنَاتِ بَيَانٌ لِمَا سَوَاءٌ أَجُعِلَتْ مَوْصُولًا اسْمِيًّا أَوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً (مِنْهَا) الضَّمِيرُ لِلنَّفَائِسِ أَوْ لِمَا فِي قَوْلِهِ مَا أَضُمُّهُ، وَاعْتُبِرَ الْمَعْنَى وَالْحَاصِلُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْبَيَانِ أَوْ لِلْمُبَيِّنِ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ وَفِيٌّ بِحَسَبِ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَفِي الْمُخْتَارِ: لِيَكُنْ عَمَلُك بِحَسَبِ ذَلِكَ بِالْفَتْحِ أَيْ عَلَى قَدْرِهِ وَعَدَدِهِ (قَوْلُهُ: مِنْ الْوُجُوهِ) بَيَانٌ لِمَا (قَوْلُهُ: أَوْ هُوَ أَهَمُّ الْمَطْلُوبَاتِ) أَيْ بَلْ هُوَ وَيَصِحُّ كَوْنُهَا لِلتَّرْدِيدِ إبْهَامًا عَلَى السَّامِعِ وَتَنْشِيطًا لَهُ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ وَلِلتَّنْوِيعِ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الرَّاجِحِ مَذْهَبٌ مِنْ الْأَهَمِّ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يُرِيدُ الْإِحَاطَةَ لمدا بارك وَهِيَ الْأَهَمُّ لِمَنْ يُرِيدُ مُجَرَّدَ الْإِفْتَاءِ أَوْ الْعَمَلَ اهـ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. (قَوْلُهُ: أَيْ مِقْدَارُ الْمُحَرَّرِ) هَذَا تَفْسِيرٌ مُرَادٌ، وَإِلَّا فَالْحَجْمُ كَمَا فِي ابْنِ حَجَرٍ: جِرْمُ الشَّيْءِ النَّاتِئُ مِنْ الْأَرْضِ اهـ وَفِي الْمُخْتَارِ: حَجْمُ الشَّيْءِ حَيْدُهُ، يُقَالُ لَيْسَ لِمِرْفَقِهِ حَجْمٌ: أَيْ نُتُوءٌ، وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ فِي نَتَأَ فَهُوَ نَاتِئٌ ارْتَفَعَ وَبَابُهُ قَطَعَ وَخَضَعَ اهـ. فَقَوْلُهُ مِنْ الْأَرْضِ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمُرَادُ حَجْمُ الشَّيْءِ النَّاتِئِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ اسْتَثْنَى بَعْضَ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِأَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ الَّذِي اسْتَثْنَاهُمْ مِنْ الْأَقَلِّ أَوْ نَفْسَ الْأَقَلِّ (قَوْلُهُ: وَاخْتُصِرَ لِي الْكَلَامُ إلَخْ) أَيْ جُعِلَ لِي قُدْرَةٌ عَلَى اخْتِصَارِ الْكَلَامِ (قَوْلُهُ مَعَ مَا إلَخْ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى سَبْقِ الْخُطْبَةِ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ أَجُعِلَتْ مَوْصُولًا) أَيْ إنْ فُرِضَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَاحَظَ نَفَائِسَ مَخْصُوصَةً

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَبِأَنَّهُ يُجْزَمُ) فِي الْمُحَرَّرِ هَذَا شُرُوعٌ فِي الْجَوَابِ عَنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الرَّافِعِيِّ الْمَارِّ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ فِيمَا مَرَّ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يُنَصَّ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ جَوَابٌ آخَرُ عَنْ هَذَا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ زَمَانِهِ) الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْمُصَنِّفِ، فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْعَصْرِ مُعَاقِبَةٌ الضَّمِيرَ (قَوْلُهُ: مِنْ الْأَقَلِّينَ) مِنْ فِيهِ بَيَانِيَّةٌ

(التَّنْبِيهُ عَلَى قُيُودٍ) جَمْعُ قَيْدٍ.
وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ مَا جِيءَ بِهِ لِجَمْعٍ أَوْ مَنْعٍ أَوْ بَيَانٍ وَاقِعٍ (فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ) بِأَنْ تُذْكَرَ فِيهَا (هِيَ مِنْ الْأَصْلِ مَحْذُوفَاتٌ) بِالْمُعْجَمَةِ: أَيْ مَتْرُوكَاتٌ اكْتِفَاءً بِذِكْرِهَا فِي الْمَبْسُوطَاتِ وَالتَّنْبِيهُ إعْلَامُ تَفْصِيلِ مَا تَقَدَّمَ إجْمَالًا فِيمَا قَبْلَهُ وَالْمَسَائِلُ جَمْعُ مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَطْلُوبٌ خَبَرِيٌّ يُبَرْهَنُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ إنْ كَانَ كَسْبِيًّا (وَمِنْهَا مَوَاضِعُ يَسِيرَةٌ) نَحْوُ خَمْسِينَ مَوْضِعًا (ذَكَرَهَا فِي الْمُحَرَّرِ عَلَى خِلَافِ الْمُخْتَارِ فِي الْمَذْهَبِ) الْآتِي ذِكْرُهُ فِيهَا مُصَحَّحًا (كَمَا سَتَرَاهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي خِلَافِهَا لَهُ نَظَرٌ لَلْمَدَارِكِ (وَاضِحَاتٍ) بِأَنْ أُبَيِّنَ فِيهَا أَنَّ الْمُخْتَارَ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافُ مَا فِيهِ فَصَارَ حَاصِلُ كَلَامِهِ، وَمِنْهَا ذِكْرُ الْمُخْتَارِ فِي الْمَذْهَبِ فِي مَوَاضِعَ يَسِيرَةٍ ذَكَرَهَا فِي الْمُحَرَّرِ عَلَى خِلَافِهِ (وَمِنْهَا إبْدَالُ مَا كَانَ مِنْ أَلْفَاظِهِ غَرِيبًا) أَيْ غَيْرَ مَأْلُوفِ الِاسْتِعْمَالِ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ ده يازده؛ لِأَنَّ وُقُوعَهَا فِي أَلْسِنَةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَخْرَجَهَا عَنْ الْغَرَابَةِ (أَوْ مُوهِمًا) أَيْ مَوْقِعًا فِي الْوَهْمِ أَيْ الذِّهْنِ (خِلَافَ الصَّوَابِ) أَيْ الْإِتْيَانَ بَدَلَ ذَلِكَ (بِأَوْضَحَ وَأَخْصَرَ مِنْهُ بِعِبَارَاتٍ جَلِيَّاتٍ) أَيْ ظَاهِرَاتٍ فِي أَدَاءِ الْمُرَادِ.
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَهُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ النَّحْوِيُّونَ وَاللُّغَوِيُّونَ أَنَّ الْبَاءَ مَعَ الْإِبْدَالِ تَدْخُلُ عَلَى الْمَتْرُوكِ لَا عَلَى الْمَأْتِيِّ بِهِ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: 108] وَقَالَ ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 61] وَقَالَ ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبأ: 16] الْآيَةَ، وَقَالَ ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: 2] وَحِينَئِذٍ فَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: وَمِنْهَا إبْدَالُ الْأَوْضَحِ وَالْأَخْصَرِ بِمَا كَانَ مِنْ أَلْفَاظِهِ غَرِيبًا أَوْ مُوهِمًا خِلَافَ الصَّوَابِ.
وَرَدَّهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الشَّمْسُ الْقَايَاتِيُّ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ مِنْ أَنَّهَا إنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى الْمَأْخُوذِ فِي الْإِبْدَالِ مُطْلَقًا وَفِي التَّبْدِيلِ إنْ لَمْ يُذْكَرْ مَعَ الْمَتْرُوكِ وَالْمَأْخُوذِ غَيْرُهُمَا، فَقَدْ نَقَلَ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ ثَعْلَبَ: أَبْدَلْت الْخَاتَمَ بِالْحَلْقَةِ إذَا نَحَّيْت هَذَا وَجَعَلْت هَذِهِ مَكَانَهُ، وَبَدَّلْت الْخَاتَمَ بِالْحَلْقَةِ إذَا أَذَبْته وَسَوَّيْته حَلْقَةً، أَمَّا إذَا ذُكِرَ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16] وَكَمَا فِي قَوْلِك بَدَّلَهُ بِخَوْفِهِ أَمْنًا فَدُخُولُهَا حِينَئِذٍ عَلَى الْمَتْرُوكِ كَمَا فِي الِاسْتِبْدَالِ وَالتَّبَدُّلِ

[حاشية الشبراملسي]

يُرِيدُ ضَمَّهَا وَمَوْصُوفَةً إنْ لَاحَظَ أَنَّهُ يَضُمُّ مَا يَجِدُهُ حَسَنًا حِينَ التَّأْلِيفِ (قَوْلُهُ: التَّنْبِيهُ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَنْ النُّبْهِ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَهِيَ الْفَطِنَةُ اهـ. وَالْمُرَادُ هُنَا تَوْقِيفُ النَّاظِرِ فِيهِ عَلَى تِلْكَ الْقُيُودِ، وَفِي الْمُخْتَارِ نَبِهَ الرَّجُلُ شَرُفَ وَاشْتَهَرَ وَبَابُهُ ظَرُفَ، ثُمَّ قَالَ: وَنَبَّهَهُ أَيْضًا عَلَى الشَّيْءِ وَقَفَهُ عَلَيْهِ فَتَنَبَّهَ هُوَ عَلَيْهِ اهـ (قَوْلُهُ: أَوْ بَيَانٍ وَاقِعٍ) وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْقُيُودِ كَمَا قَالَهُ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ (قَوْلُهُ: مَحْذُوفَاتٌ) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ هِيَ مِنْ الْأَصْلِ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ فِي الْمَبْسُوطَاتِ) أَيْ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ اهـ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: وَالتَّنْبِيهُ إعْلَامٌ) هَذَا تَعْرِيفٌ لِلتَّنْبِيهِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، لَا بِالنَّظَرِ لِمَا الْكَلَامُ فِيهِ فَإِنَّهُ هُنَا بِمَعْنَى الذِّكْرِ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ كَسْبِيًّا) أَمَّا إذَا كَانَ بَدِيهِيًّا فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ بُرْهَانٌ (قَوْلُهُ وَمِنْهَا مَوَاضِعُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِنْهَا التَّنْبِيهُ اهـ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: فَصَارَ حَاصِلُ كَلَامِهِ) أَيْ النَّوَوِيِّ (قَوْلُهُ: أَيْ الْإِتْيَانُ) تَفْسِيرٌ لِلْإِبْدَالِ وَأَخَّرَهُ لِيَرْتَبِطَ بِالْبَدَلِ اهـ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: بِأَوْضَحَ وَأَخْصَرَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ إيضَاحٌ اهـ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: بِعِبَارَاتٍ) الْبَاءُ فِي بِعِبَارَاتٍ إمَّا سَبَبِيَّةٌ أَوْ لِلْمُلَابَسَةِ اهـ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْبَاءَ مَعَ الْإِبْدَالِ تَدْخُلُ) أَيْ مَعَ مَا كَانَ مِنْ مَادَّتِهِ كَالتَّبْدِيلِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِدَلِيلِ أَمْثِلَتِهِ وَالتَّبَدُّلِ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ ذُكِرَ مَعَ الْمَتْرُوكِ وَالْمَأْخُوذِ غَيْرُهُمَا أَمْ لَا (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الِاسْتِبْدَالِ وَالتَّبَدُّلِ)

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: بِأَنْ تُذْكَرَ فِيهَا) فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ تَنْبِيهِهِ عَلَى الْقُيُودِ الْمَحْذُوفَةِ أَنْ يَقُولَ هُنَا قَيْدٌ مَحْذُوفٌ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ: وَالتَّنْبِيهُ إعْلَامُ تَفْصِيلٍ إلَخْ) هَذَا تَعْرِيفٌ لِلتَّنْبِيهِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ لَا بِالنَّظَرِ لِمَا الْكَلَامُ فِيهِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا ذِكْرُ قُيُودٍ لَيْسَتْ فِي الْمُحَرَّرِ وَلَا عُلِمَتْ مِنْهُ كَمَا قَدَّمَهُ (قَوْلُهُ: وَهِيَ مَطْلُوبٌ خَبَرِيٌّ إلَخْ) سَيَأْتِي لَهُ فِي أَوَاخِرِ الْخُطْبَةِ تَعْرِيفُهُ بِغَيْرِ هَذَا (قَوْلُهُ: فَصَارَ حَاصِلُ كَلَامِهِ وَمِنْهَا ذَكَرَ إلَخْ) قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ: يَجُوزُ كَوْنُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ مَفْهُومٍ مِنْ السِّيَاقِ: أَيْ تَحْقِيقُ مَوَاضِعَ فَيَظْهَرُ صِحَّةُ الْحَمْلِ انْتَهَى.
وَأَقُولُ: مَا الْمَانِعُ مِنْ قِرَاءَةِ مَوَاضِعَ بِالْجَرِّ بِالْفَتْحَةِ عَطْفًا عَلَى قُيُودٍ، فَيَكُونُ مِنْ مَدْخُولِ التَّنْبِيهِ وَلَا يَحْتَاجُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ إلَى تَأْوِيلٍ وَلَا تَقْدِيرٍ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، إذْ لَا خَفَاءَ أَنَّ مِنْهَا خَبَرٌ مُقَدَّمٌ فَتَحِلُّ عِبَارَتُهُ إلَى قَوْلِنَا التَّنْبِيهُ عَلَى قُيُودٍ إلَخْ فَلَا يُعْتَرَضُ (قَوْلُهُ: وَبَدَّلْنَاهُمْ الْآيَةَ)

وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ التَّبْدِيلِ وَالْإِبْدَالِ، بِأَنَّ التَّبْدِيلَ تَغْيِيرُ صُورَةٍ إلَى صُورَةٍ مَعَ بَقَاءِ الذَّاتِ، وَالْإِبْدَالُ تَغْيِيرُ الذَّاتِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَلَمَّا كَانَ حَاصِلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْجَوَابِ رَدَّ الِاعْتِرَاضِ مِنْ أَصْلِهِ لَمْ أَذْكُرْ كَلَامَ مَنْ سَلَّمَ الِاعْتِرَاضَ وَأَجَابَ عَنْهُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي ذِكْرِ اصْطِلَاحٍ حَسَنٍ ابْتَكَرَهُ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ فَقَالَ (وَمِنْهَا بَيَانُ الْقَوْلَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ وَالطَّرِيقَيْنِ وَالنَّصِّ وَمَرَاتِبِ الْخِلَافِ) قُوَّةً وَضَعْفًا فِي الْمَسَائِلِ (فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ) أَيْ حَالَةَ يُعَبِّرُ فِيهَا بِالْأَظْهَرِ أَوْ الْمَشْهُورِ أَوْ بِالْأَصَحِّ أَوْ الصَّحِيحِ فَهُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ، أَمَّا مَا عَبَّرَ فِيهِ بِالْمَذْهَبِ بِالنِّسْبَةِ لِبَيَانِ الطَّرِيقَيْنِ أَوْ الطُّرُقِ أَوْ بِقِيلٍ لِبَيَانِ أَنَّهُ وَجْهٌ ضَعِيفٌ وَأَنَّ الْأَصَحَّ أَوْ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ، أَوْ بَقِيَ قَوْلٌ لِبَيَانِ أَنَّ الرَّاجِحَ خِلَافُهُ، أَوْ بِالنَّصِّ لِبَيَانِ أَنَّهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَأَنَّ مُقَابِلَهُ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَوْ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ، أَوْ بِالْجَدِيدِ لِبَيَانِ أَنَّ الْقَدِيمَ خِلَافُهُ، أَوْ بِالْقَدِيمِ أَوْ فِي قَوْلٍ قَدِيمٍ لِبَيَانِ أَنَّ الْجَدِيدَ خِلَافُهُ، فَلَمْ يُبَيِّنْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَرَاتِبَ الْخِلَافِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا بَيَّنَ بِهِ مُرَادَهُ بَعْدُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْمُؤَلِّفَ وَفِيٌّ بِمَا الْتَزَمَهُ فِي جَمِيعِ اصْطِلَاحَاتِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ اهـ. فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّ مَا ادَّعَاهُ مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ مَرْدُودٌ، وَأَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْ مَرَاتِبِ الْخِلَافِ أَشْيَاءُ مِنْهَا مَا عَبَّرَ فِيهِ بِالْمَذْهَبِ أَوْ النَّصِّ أَوْ الْجَدِيدِ أَوْ الْقَدِيمِ أَوْ فِي قَوْلِ كَذَا أَوْ قِيلَ كَذَا.
وَمِنْ فَوَائِدِ ذِكْرِ الْمُجْتَهِدِ لِلْقَوْلَيْنِ إبْطَالُ مَا زَادَ لَا الْعَمَلِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَبَيَانُ الْمُدْرَكِ، وَأَنَّ مَنْ رَجَّحَ أَحَدَهُمَا مِنْ مُجْتَهِدِ الْمَذْهَبِ لَا يُعَدُّ خَارِجًا عَنْهُ

[حاشية الشبراملسي]

أَيْ مُطْلَقًا عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْعِبَارَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ كَمَا فِي الِاسْتِبْدَالِ إلَخْ أَنَّ فِيهِمَا التَّفْصِيلَ الَّذِي فِي التَّبْدِيلِ، فَتَدْخُلُ عَلَى الْمَأْخُوذِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمَأْخُوذِ وَالْمَتْرُوكِ غَيْرُهُمَا، وَعَلَى الْمَتْرُوكِ إنْ كَانَ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا.
وَعِبَارَةُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَلْفِيَّةِ الْحَدِيثِ فِي الْعِلَلِ مَا نَصُّهُ: فَالْبَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَتْرُوكِ تَشْبِيهًا لِلْإِبْدَالِ بِالتَّبَدُّلِ وَإِلَّا فَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ مِنْ أَنَّهَا إنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى الْمَأْخُوذِ فِي الْإِبْدَالِ كَالتَّبْدِيلِ، وَعَلَى الْمَتْرُوكِ فِي الِاسْتِبْدَالِ وَالتَّبَدُّلِ إنْ لَمْ يُذْكَرْ مَعَ الْمَتْرُوكِ وَالْمَأْخُوذِ غَيْرُهُمَا فِي الْأَرْبَعَةِ اهـ. وَفِي ابْنِ حَجَرٍ مَا نَصُّهُ: وَإِدْخَالُ الْبَاءِ فِي حَيِّزِ الْإِبْدَالِ عَلَى الْمَأْخُوذِ، وَفِي حَيِّزِ بَدَلٍ وَالتَّبَدُّلُ وَالِاسْتِبْدَالُ عَلَى الْمَتْرُوكِ هُوَ الْفَصِيحُ اهـ. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُهَا فِي حَيِّزِ كُلٍّ عَلَى الْمَأْخُوذِ وَالْمَتْرُوكِ وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَفْصَحِ فَقَطْ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُذْكَرَ مَعَ الْمَتْرُوكِ وَالْمَأْخُوذِ غَيْرُهُمَا أَوْ لَا (قَوْلُهُ: وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ التَّبْدِيلِ) وَلَمْ يُبَيِّنْ هَذَا الْفَارِقُ مَعْنَى الِاسْتِبْدَالِ وَالتَّبَدُّلِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: قُوَّةً وَضَعْفًا) رَاجِعٌ لِمَرَاتِبِ الْخِلَافِ، وَقَوْلُهُ فِي الْمَسَائِلِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الْقَوْلَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ إلَخْ اهـ عَمِيرَةُ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ: أَيْ حَالَةَ يُعَبِّرُ) أَيْ النَّوَوِيُّ (قَوْلُهُ: مُرَادُهُ بَعْدُ) أَيْ بِقَوْلِهِ فَحَيْثُ أَقُولُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ) أَيْ لِكَوْنِهِ عَامًّا مَخْصُوصًا بِقَرِينَةٍ بَيَانُهُ بَعْدُ (قَوْلُهُ: وَبَيَانُ الْمُدْرَكِ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْمُدْرَكُ بِضَمِّ الْمِيمِ يَكُونُ مَصْدَرًا وَاسْمَ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، تَقُولُ أَدْرَكْته مُدْرَكًا: أَيْ إدْرَاكًا، وَهَذَا مُدْرَكُهُ: أَيْ مَوْضِعُ إدْرَاكِهِ أَوْ زَمَنُ إدْرَاكِهِ، وَمَدَارُك الشَّرْعِ مَوَاضِعُ طَلَبِ الْأَحْكَامِ، وَهِيَ حَيْثُ يُسْتَدَلُّ بِالنُّصُوصِ وَالِاجْتِهَادِ مِنْ مَدَارِك الشَّرْعِ، وَالْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ فِي الْوَاحِدِ مَدْرَكٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَلَيْسَ لِتَخْرِيجِهِ وَجْهٌ، وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى طَرْدِ الْبَابِ فَيُقَالُ مُفْعَلٌ بِضَمِّ الْمِيمِ

[حاشية الرشيدي]

أَيْ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ مَعَهَا الْمَفْعُولَ الَّذِي هُوَ الضَّمِيرُ فِيهَا كَالَّتِي بَعْدَهَا (قَوْلُهُ: أَيْ حَالَةَ يُعَبَّرُ فِيهَا بِالْأَظْهَرِ إلَخْ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ وَمَرَاتِبُ الْخِلَافِ لَيْسَ إلَّا وَصَنِيعُ الْجَلَالِ، وَالشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمَرَاتِبِ الْخِلَافِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهُ إنْ جُعِلَ رَاجِعًا إلَيْهِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا بَيَّنَ بِهِ مُرَادَهُ بَعْدُ) أَيْ فَهُوَ الْقَرِينَةُ عَلَى التَّخْصِيصِ، إذْ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ مَجَازٌ قَطْعًا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَرِينَةٍ (قَوْلُهُ: وَمِنْ فَوَائِدِ ذِكْرِ الْمُجْتَهِدِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمُجْتَهِدِ مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ النَّاقِلِ لِأَقْوَالِ الْإِمَامِ، أَوْ أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ

ثُمَّ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا مَا نَصَّ عَلَى رُجْحَانِهِ وَإِلَّا فَمَا عُلِمَ تَأَخُّرُهُ وَإِلَّا فَمَا فَرَّعَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَإِلَّا فَمَا قَالَ عَنْ مُقَابِلِهِ مَدْخُولٌ أَوْ يَلْزَمُهُ فَسَادٌ وَإِلَّا فَمَا أَفْرَدَهُ فِي مَحَلٍّ أَوْ جَوَابٍ وَإِلَّا فَمَا وَافَقَ مَذْهَبَ مُجْتَهِدٍ لِتَقَوِّيهِ بِهِ فَإِنْ خَلَا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَهُوَ لِتَكَافُؤِ نَظَرَيْهِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ الْعِلْمِ وَشِدَّةِ الْوَرَعِ حَذَرًا مِنْ وَرْطَةِ هُجُومٍ عَلَى تَرْجِيحٍ مِنْ غَيْرِ وُضُوحِ دَلِيلٍ.
وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَخْيِيرِ الْمُقَلِّدِ بَيْنَ قَوْلَيْ إمَامِهِ: أَيْ عَلَى جِهَةِ الْبَدَلِ لَا الْجَمْعِ إذَا لَمْ يَظْهَرْ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ

[حاشية الشبراملسي]

مِنْ أَفْعَلَ، وَاسْتَثْنَيْت كَلِمَاتٍ مَسْمُوعَةٍ خَرَجَتْ عَنْ الْقِيَاسِ اهـ الْمُرَادُ مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، لَكِنْ فِي حَوَاشِي الشَّنَوَانِيِّ عَلَى شَرْحِ الشَّافِيَةِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ كَالْغَزِّيِّ عَلَى الْجَارْبُرْدِيِّ أَنَّ الْمَدْرَكَ بِفَتْحِ الْمِيمِ اهـ (قَوْلُهُ: ثُمَّ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا مَا نَصَّ) أَيْ الشَّافِعِيُّ (قَوْلُهُ: فَمَا قَالَ عَنْ مُقَابِلِهِ) أَيْ الْمَذْهَبِ (قَوْلُهُ: مَدْخُولٌ) أَيْ فِيهِ دَخْلٌ أَيْ نَظَرٌ (قَوْلُهُ: مَذْهَبُ مُجْتَهِدٍ) أَيْ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ لِتَكَافُؤِ نَظَرَيْهِ) أَيْ فَلَا يُنْسَبُ لِلْإِمَامِ تَرْجِيحٌ مِنْ ذَلِكَ الْخِلَافِ وَلَا يَقْدَحُ فِي شَأْنِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ) أَيْ ذِكْرُ الْقَوْلَيْنِ (قَوْلُهُ: مِنْ وَرْطَةِ هُجُومٍ إلَخْ) أَيْ فِي مَفْسَدَةِ هُجُومٍ، وَالْوَرْطَةُ لُغَةً الْهَلَاكُ.
قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الْوَرْطَةُ الْهَلَاكُ، وَأَوْرَطَهُ وَوَرَّطَهُ تَوْرِيطًا: أَوْقَعَهُ فِي الْوَرْطَةِ فَتَوَرَّطَ فِيهَا اهـ (قَوْلُهُ وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ) أَيْ الْمَالِكِيُّ (قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ تَرْجِيحٌ إلَخْ) أَيْ أَمَّا إذَا ظَهَرَ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَهُوَ

[حاشية الرشيدي]

مُسَامَحَةً، إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ أَعْنِي صَاحِبَ الْمَذْهَبِ يَقُولُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مَثَلًا الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَحَقُّ الْعِبَارَةِ وَمِنْ فَوَائِدِ نَقْلِ الْأَصْحَابِ لِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ مُطْلَقَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ الْآتِي الَّذِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِهِ ثُمَّ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا مَا نَصَّ عَلَى رُجْحَانِهِ إلَخْ.
وَعِبَارَةُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِيهِ: وَإِنْ نُقِلَ عَنْ مُجْتَهِدٍ قَوْلَانِ مُتَعَاقِبَانِ فَالْمُتَأَخِّرُ قَوْلُهُ: إلَخْ (قَوْلُهُ: ثُمَّ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا مَا نَصَّ عَلَى رُجْحَانِهِ وَإِلَّا فَمَا عُلِمَ تَأَخُّرُهُ) الَّذِي فِي التُّحْفَةِ شَرْحِ الْكِتَابِ لِلشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ: ثُمَّ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا مَا تَأَخَّرَ إنْ عُلِمَ، وَإِلَّا فَمَا نَصَّ عَلَى رُجْحَانِهِ انْتَهَى.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمَا نَصَّ عَلَى رُجْحَانِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الرَّاجِحَ مَا تَأَخَّرَ إنْ عُلِمَ وَإِنْ نَصَّ عَلَى رُجْحَانِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا، فَلَوْ عَكَسَ فَقَالَ: ثُمَّ الرَّاجِحُ مَا نُصَّ عَلَى رُجْحَانِهِ وَإِلَّا فَمَا تَأَخَّرَ إنْ عُلِمَ أَصَابَ.
وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَإِلَّا مَعْنَاهُ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ تَأَخُّرُهُ، وَهُوَ لَا يَخْلُصُ فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ مَرْدُودٌ نَقْلًا وَمَعْنًى؛ أَمَّا نَقْلًا، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ هُوَ مَنْقُولُ كُتُبِ الْمَذْهَبِ كَالرَّوْضَةِ لِشَيْخِهِ وَغَيْرِهَا، وَكُتُبِ الْأُصُولِ كَجَمْعِ الْجَوَامِعِ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهِمَا.
وَعِبَارَةُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: وَإِنْ نُقِلَ عَنْ مُجْتَهِدٍ قَوْلَانِ مُتَعَاقِبَانِ فَالْمُتَأَخِّرُ قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمَا ذَكَرَهُ فِيهِ يُشْعِرُ بِتَرْجِيحِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَقُولُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا، وَأَمَّا مَعْنًى فَلِأَنَّ الْمُتَأَخِّرَ أَقْوَى مِنْ التَّرْجِيحِ،؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إنَّمَا رَجَّحَ الْأَوَّلَ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ كَالنَّسْخِ لِلْأَوَّلِ بِتَرْجِيحِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ أَقْوَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ مُطْلَقًا، وَإِنْ قَالَ فِي الْمُتَقَدِّمِ إنَّهُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ، فَعُلِمَ أَنَّ الصَّوَابَ مَا صَنَعَهُ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ لَا مَا صَنَعَهُ الشَّارِحُ الْمُوَافِقُ لِاعْتِرَاضِ الشِّهَابِ ابْنِ قَاسِمٍ رَحِمَهُمْ اللَّهُ أَجْمَعِينَ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمَا قَالَ عَنْ مُقَابِلِهِ مَدْخُولٌ إلَخْ) قَضِيَّةُ هَذَا الصَّنِيعِ أَنَّهُ إذَا فَرَّعَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ إنَّهُ مَدْخُولٌ أَوْ يَلْزَمُ فَسَادُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، ثُمَّ رَأَيْت الشِّهَابَ ابْنَ قَاسِمٍ سَبَقَ إلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَظْهَرْ تَرْجِيحُ) أَمَّا إذَا ظَهَرَ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَاجِبٌ، فَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ لِنَفْسِهِ بِالْأَوْجُهِ الضَّعِيفَةِ كَمُقَابِلِ الْأَصَحِّ غَيْرُ صَحِيحٍ، هَكَذَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِيهِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ هُنَا فِي قَوْلَيْنِ لِمُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ، فَلَا يُنْتَجُ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ إذَا تَعَدَّدَ قَائِلُهُمَا كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ فَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ إلَخْ تَفْرِيعًا عَلَى مَا هُنَا فِي مَقَامِ الْمَنْعِ، وَقَوْلُهُمْ

إجْمَاعَ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ، وَإِلَّا فَمُقْتَضَى مَذْهَبِنَا كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ مَنْعُ ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ دُونَ الْعَمَلِ لِنَفْسِهِ، وَبِهِ يَجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِ الْمَاوَرْدِيِّ: يَجُوزُ عِنْدَنَا، وَانْتَصَرَ لَهُ الْغَزَالِيُّ كَمَا يَجُوزُ لِمَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى تَسَاوِي جِهَتَيْنِ: أَنْ يُصَلِّيَ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ يَمْتَنِعُ إنْ كَانَا فِي حُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ كَإِيجَابٍ وَتَحْرِيمٍ، بِخِلَافِ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، وَأَجْرَى السُّبْكِيُّ ذَلِكَ وَتَبِعُوهُ فِي الْعَمَلِ بِخِلَافِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ: أَيْ مِمَّا عَلِمْت نِسْبَتَهُ لِمَنْ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَجَمَعَ شُرُوطَهُ عِنْدَهُ، وَحَمَلَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ الصَّلَاحِ: لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ غَيْرِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ: أَيْ فِي إفْتَاءٍ أَوْ قَضَاءٍ وَمَحَلِّ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مَا لَمْ يَتَتَبَّعْ الرُّخَصَ فِي سَائِرِ صُوَرِ التَّقْلِيدِ بِحَيْثُ تَنْحَلُّ رِبْقَةُ التَّكْلِيفِ مِنْ عُنُقِهِ وَإِلَّا أَثِمَ بِهِ، بَلْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ فَسَقَ، وَالْأَوْجُهُ خِلَافُهُ.
وَقِيلَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي حَالَةِ تَتَبُّعِهَا مِنْ الْمَذَاهِبِ الْمُدَوَّنَةِ وَإِلَّا فَسَقَ قَطْعًا، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ كَالْآمِدِيِّ مَنْ عَمِلَ بِمَسْأَلَةٍ بِقَوْلِ إمَامٍ لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ فِيهَا بِقَوْلِ غَيْرِهِ اتِّفَاقًا لِتَعَيُّنِ حَمْلِهِ عَلَى مَا إذَا بَقِيَ مِنْ آثَارِ الْعَمَلِ الْأَوَّلِ مَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَعَ الثَّانِي تَرَكُّبُ حَقِيقَةٍ لَا يَقُولُ بِهَا كُلٌّ مِنْ الْإِمَامَيْنِ، كَتَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَمَالِكٍ فِي طَهَارَةِ الْكَلْبِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ السُّبْكِيُّ فِي الصَّلَاةِ فِي فَتَاوِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ مَعَ زِيَادَةِ إيضَاحٍ فِيهِ، وَتَبِعَهُ جَمْعٌ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالُوا: إنَّمَا يَمْتَنِعُ تَقْلِيدُ الْغَيْرِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بِعَيْنِهَا لَا مِثْلِهَا خِلَافًا لِلشَّارِحِ الْمَحَلِّيِّ كَأَنْ أَفْتَى شَخْصٌ بِبَيْنُونَةِ زَوْجَةٍ بِطَلَاقِهَا مُكْرَهًا ثُمَّ نَكَحَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا

[حاشية الشبراملسي]

مُوَافِقٌ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَاجِبٌ، فَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ لِنَفْسِهِ بِالْأَوْجُهِ الضَّعِيفَةِ كَمُقَابِلِ الْأَصَحِّ غَيْرُ صَحِيحِ (قَوْلُهُ: مُنِعَ ذَلِكَ) أَيْ التَّخْيِيرُ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الْإِمَامِ) أَيْ بَيْنَ قَوْلِ الْمَاوَرْدِيِّ وَقَوْلِ الْإِمَامِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَأَجْرَى السُّبْكِيُّ ذَلِكَ) أَيْ التَّفْصِيلَ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمَذَاهِبِ) أَيْ أَجْرَى التَّفْصِيلَ فِي غَيْرِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: رِبْقَةُ التَّكْلِيفِ) أَيْ عُقْدَةٌ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ) أَيْ فَلَا يَكُونُ فِسْقًا وَإِنْ كَانَ حَرَامًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُرْمَةِ الْفِسْقُ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلشَّارِحِ الْمَحَلِّيِّ) أَيْ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ (قَوْلُهُ: بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَيْدَ ابْنُ حَجَرٍ، وَزَادَهُ الشَّارِحُ إشَارَةً إلَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ لِصِحَّةِ نِكَاحِ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ بَعْدَ

[حاشية الرشيدي]

الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَاجِبٌ، إنَّمَا هُوَ فِي قَوْلَيْنِ لِإِمَامٍ وَاحِدٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ جَمْعِ الْجَوَامِعِ الَّذِي هَذِهِ عِبَارَتُهُ كَغَيْرِهِ، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ فِي قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ هُوَ خُصُوصُ الْعَمَلِ لِلنَّفْسِ، بَلْ الْمُرَادُ كَوْنُهُ الْمَعْمُولُ بِهِ مُطْلَقًا كَمَا لَا يَخْفَى الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ فَمَا اُشْتُهِرَ إلَخْ كَالتَّصْرِيحِ فِي أَنَّ هَذِهِ الشُّهْرَةَ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
فَفِي فَتَاوَى الْعَلَّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَفَعَنَا بِهِ مَا مُلَخَّصُهُ بَعْدَ كَلَامٍ أَسْلَفَهُ: ثُمَّ مُقْتَضَى قَوْلِ الرَّوْضَةِ وَإِذَا اخْتَلَفَ مُتَبَحِّرَانِ فِي مَذْهَبٍ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي قِيَاسِ أَصْلِ إمَامِهِمَا، وَمِنْ هَذَا تَتَوَلَّدُ وُجُوهُ الْأَصْحَابِ فَتَقُولُ بِأَيِّهَا يَأْخُذُ الْعَامِلُ فِيهِ مَا فِي اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ: أَيْ فَيَكُونُ الْأَصَحُّ التَّخْيِيرَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْوَجْهِ الضَّعِيفِ فِي الْعَمَلِ، يُؤَيِّدُهُ إفْتَاءُ الْبُلْقِينِيِّ بِجَوَازِ تَقْلِيدِ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي الدَّوْرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُ السُّبْكِيّ فِي الْوَقْفِ فِي فَتَاوِيهِ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْوَجْهِ الضَّعِيفِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَمَلِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا الْفَتْوَى، وَالْحُكْمِ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ انْتَهَى.
فَكَلَامُ الرَّوْضَةِ السَّابِقُ: أَيْ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الشَّرْحِ هُنَا مَعَ زِيَادَةِ التَّصْرِيحِ بِالْوَجْهَيْنِ مَحْمُولٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَمَلِ بِالْوَجْهَيْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ لِقَائِلٍ وَاحِدٍ، أَوْ شَكَّ فِي كَوْنِهِمَا لِقَائِلٍ أَوْ قَائِلَيْنِ كَمَا فِي قَوْلَيْ الْإِمَامِ،؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ مِنْهُمَا لَمْ يَتَحَرَّرْ لِلْمُقَلِّدِ بِطَرِيقٍ يَعْتَمِدُهُ، أَمَّا إذَا تَحَقَّقَ كَوْنُهُمَا مِنْ اثْنَيْنِ خَرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلتَّخْرِيجِ، فَيَجُوزُ تَقْلِيدُ أَحَدِهِمَا إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَتَأَمَّلْهُ حَقَّ التَّأَمُّلِ وَانْظُرْ إلَى فَرْقِهِ آخِرًا بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ لِقَائِلٍ وَاحِدٍ، وَالْوَجْهَيْنِ لِقَائِلَيْنِ تَعْلَمُ مَا فِي تَفْرِيعِ شَيْخِنَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ الْمَذْكُورَ بَسَطَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ

أُخْتَهَا مُقَلِّدًا أَبَا حَنِيفَةَ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ، ثُمَّ أَفْتَاهُ شَافِعِيٌّ بِعَدَمِ الْحِنْثِ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ الْأُولَى مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَنْ يَطَأَ الثَّانِيَةَ مُقَلِّدًا لِلْحَنَفِيِّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِمَامَيْنِ لَا يَقُولُ بِهِ حِينَئِذٍ كَمَا أَوْضَحَ ذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي فَتَاوِيهِ رَادًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ خِلَافَهُ مُغْتَرًّا بِظَاهِرِ مَا مَرَّ (فَحَيْثُ أَقُولُ فِي الْأَظْهَرِ أَوْ الْمَشْهُورِ فَمِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ) لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الْقَوْلَانِ جَدِيدَيْنِ أَوْ قَدِيمَيْنِ، أَوْ جَدِيدًا وَقَدِيمًا، وَقَدْ يَقُولُهُمَا فِي وَقْتَيْنِ أَوْ وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا وَقَدْ لَا يُرَجَّحُ (فَإِنْ قَوِيَ الْخِلَافُ) لِقُوَّةِ مُدْرِكِهِ (قُلْت الْأَظْهَرُ) الْمُشْعِرُ بِظُهُورِ مُقَابِلِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ ضَعُفَ الْخِلَافُ (فَالْمَشْهُورُ) الْمُشْعِرُ بِغَرَابَةِ مُقَابِلِهِ لِضَعْفِ مُدْرِكِهِ (وَحَيْثُ أَقُولُ الْأَصَحُّ أَوْ الصَّحِيحُ فَمِنْ الْوَجْهَيْنِ أَوْ الْأَوْجُهِ) لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَسْتَخْرِجُونَهَا مِنْ كَلَامِهِ وَقَدْ يَجْتَهِدُونَ فِي بَعْضِهَا وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوهُ مِنْ أَصْلِهِ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الْوَجْهَانِ لِاثْنَيْنِ وَقَدْ يَكُونَانِ لِوَاحِدٍ وَاَللَّذَانِ لِلْوَاحِدِ يَنْقَسِمَانِ كَانْقِسَامِ الْقَوْلَيْنِ (فَإِنْ قَوِيَ الْخِلَافُ) لِقُوَّةِ مُدْرِكِهِ (قُلْت الْأَصَحُّ) الْمُشْعِرُ بِصِحَّةِ مُقَابِلِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ ضَعُفَ الْخِلَافُ (فَالصَّحِيحُ) وَلَمْ يُعَبِّرْ بِذَلِكَ فِي الْأَقْوَالِ تَأَدُّبًا مَعَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ مِنْهُ مُشْعِرٌ بِفَسَادِ مُقَابِلِهِ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمَشْهُورَ

[حاشية الشبراملسي]

طَلَاقِ الْأُخْرَى انْقِضَاءَ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَمْ بَائِنًا (قَوْلُهُ: فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ الْأُولَى إلَخْ) قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذِهِ وَالصَّلَاةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ حَالَ تَلَبُّسِهِ بِهَا لَا يَقُولُ وَاحِدٌ مِنْ الْإِمَامَيْنِ بِصِحَّتِهَا وَحَالَةَ وَطْءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَقُولُ فِيهَا بِالْجَوَازِ أَحَدُ الْإِمَامَيْنِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِمَامَيْنِ) فِيهِ نَظَرٌ فِي الْأُولَى إذْ قَضِيَّةُ قَوْلِ الثَّانِي فِيهَا أَنَّ الزَّوْجَةَ الْأُولَى بَاقِيَةٌ فِي عِصْمَتِهِ فَالرُّجُوعُ لِلْأُولَى وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ إبَانَةٍ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: مُغْتَرًّا بِظَاهِرِ مَا مَرَّ) أَيْ مِنْ جَوَازِ الْعَمَلِ لِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) اسْتِعْمَالُ التَّرَضِّي فِي غَيْرِ الصَّحَابَةِ جَائِزٌ كَمَا هُنَا وَإِنْ كَانَ الْكَثِيرُ اسْتِعْمَالَ التَّرَضِّي فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّرَحُّمِ فِي غَيْرِهِمْ، ثُمَّ رَأَيْت فِي كَلَامِ الشَّارِحِ قُبَيْلَ بَابِ زَكَاةِ النَّبَاتِ مَا نَصُّهُ: وَيُسَنُّ التَّرَضِّي وَالتَّرَحُّمُ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الْأَخْيَارِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ التَّرَضِّيَ مُخْتَصٌّ بِالصَّحَابَةِ وَالتَّرَحُّمَ بِغَيْرِهِمْ ضَعِيفٌ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: فَحَيْثُ أَقُولُ) أَيْ وَإِذَا أَرَدْت مَعْرِفَةَ مَا أُبَيِّنُ فَحَيْثُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَجْتَهِدُونَ فِي بَعْضِهَا وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوهُ مِنْ أَصْلِهِ) أَيْ وَلَا بُدَّ فِي نِسْبَةِ ذَلِكَ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ كَوْنِهِ مُوَافِقًا لِأُصُولِهِ وَإِلَّا فَيُنْسَبُ إلَيْهِمْ، وَلَا يُعَدُّ مِنْ مَذْهَبِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (قَوْلُهُ كَانْقِسَامِ الْقَوْلَيْنِ) أَيْ فَيُقَالُ فِيهِمَا الْوَجْهَانِ إذَا كَانَا لِوَاحِدٍ فَقَدْ يَقُولُهُمَا فِي وَقْتَيْنِ أَوْ وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا وَقَدْ لَا يُرَجَّحُ عَلَى مِنْوَالِ مَا تَقَدَّمَ فِي انْقِسَامِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ وَقَدْ يَقُولُهُمَا فِي وَقْتَيْنِ أَوْ وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا وَقَدْ لَا يُرَجَّحُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثُمَّ إنْ كَانَتْ مِنْ وَاحِدٍ فَالتَّرْجِيحُ بِمَا مَرَّ فِي الْأَقْوَالِ أَوْ مِنْ أَكْثَرَ فَهُوَ بِتَرْجِيحِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ) أَيْ قَالَهُ

[حاشية الرشيدي]

شَرَحَهُ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ أَتَمَّ بَسْطٍ بِمَا يُوَافِقُ مَا فِي فَتَاوِيهِ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ: فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ الْأُولَى مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَنْ يَطَأَ الثَّانِيَةَ مُقَلِّدًا لِلْحَنَفِيِّ) أَيْ جَامِعًا بَيْنَهُمَا كَمَا هُوَ صَرِيحُ فَتَاوَى وَالِدِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْرَضَ عَنْ الثَّانِيَةِ، أَيْ وَإِنْ لَمْ يُبِنْهَا، فَإِنَّ لَهُ وَطْءَ الْأُولَى تَقْلِيدًا لِلشَّافِعِيِّ.
وَأَمَّا قَوْلُ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ: فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ لِلْأُولَى، وَيُعْرِضَ عَنْ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ إبَانَتِهَا: أَيْ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ فِيهِ نَظَرُ، إذْ قَضِيَّةُ قَوْلِ الثَّانِي فِيهَا أَنَّ الزَّوْجَةَ الْأُولَى بَاقِيَةٌ فِي عِصْمَتِهِ وَأَنَّ الثَّانِيَةَ لَمْ تَدْخُلْ فِي عِصْمَتِهِ، فَالرُّجُوعُ لِلْأُولَى، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ إبَانَةٍ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَجْتَهِدُونَ فِي بَعْضِهَا وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوهُ مِنْ أَصْلِهِ) وَلَا يُنْسَبُ حِينَئِذٍ لِلشَّافِعِيِّ كَمَا

أَقْوَى مِنْ الْأَظْهَرِ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ أَقْوَى مِنْ الْأَصَحِّ (وَحَيْثُ أَقُولُ الْمَذْهَبُ فَمِنْ الطَّرِيقَيْنِ أَوْ الطُّرُقِ) وَهِيَ اخْتِلَافُ الْأَصْحَابِ فِي حِكَايَةِ الْمَذْهَبِ كَأَنْ يَحْكِيَ بَعْضُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ لِمَنْ تَقَدَّمَ وَيَقْطَعَ بَعْضُهُمْ بِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ الرَّاجِحُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَذْهَبِ إمَّا طَرِيقُ الْقَطْعِ أَوْ الْمُوَافِقُ لَهَا مِنْ طَرِيقِ الْخِلَافِ أَوْ الْمُخَالِفِ لَهَا كَمَا سَيَظْهَرُ فِي الْمَسَائِلِ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ مُرَادَهُ الْأَوَّلُ وَأَنَّهُ الْأَغْلَبُ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ إنَّ الْغَالِبَ فِي الْمَسْأَلَةِ ذَاتُ الطَّرِيقَيْنِ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ فِيهَا مَا يُوَافِقُ طَرِيقَةَ الْقَطْعِ انْتَهَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ: وَقَدْ تُسَمَّى طُرُقُ الْأَصْحَابِ وُجُوهًا وَذَكَرَ مِثْلَهُ فِي مُقَدِّمَةِ الْمَجْمُوعِ فَقَالَ: وَقَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ الطَّرِيقَيْنِ بِالْوَجْهَيْنِ وَعَكْسِهِ (وَحَيْثُ أَقُولُ النَّصُّ فَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) مِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ إلَى الْإِمَامِ، أَوْ أَنَّهُ مَرْفُوعُ الْقَدْرِ لِتَنْصِيصِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ.
وَالشَّافِعِيُّ هُوَ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَسُلْطَانُ الْأَئِمَّةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شَافِعِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ جَدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ شَافِعِيٌّ لَا شَفْعَوِيٌّ، وُلِدَ بِغَزَّةَ الَّتِي تُوُفِّيَ بِهَا هَاشِمُ جَدُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ حُمِلَ إلَى مَكَّةَ وَهُوَ ابْنُ سَنَتَيْنِ، وَنَشَأَ بِهَا وَحَفِظَ الْقُرْآنَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، وَالْمَوْطَأَ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، تَفَقَّهَ بِمَكَّةَ عَلَى مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ، وَكَانَ شَدِيدَ الشُّقْرَةِ، وَأَذِنَ لَهُ مَالِكٌ فِي الْإِفْتَاءِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَرَحَلَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلَى الْيَمَنِ وَالْعِرَاقِ إلَى أَنْ أَتَى مِصْرَ فَأَقَامَ بِهَا إلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ شَهِيدًا يَوْمَ

[حاشية الشبراملسي]

فِي الْإِشَارَاتِ فِي الرَّوْضَةِ (قَوْلُهُ: وَأَنَّ الصَّحِيحَ أَقْوَى مِنْ الْأَصَحِّ) أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلتَّصْحِيحِ فَتَصْحِيحُ الْأَصَحِّ وَالْأَظْهَرِ أَقْوَى تَصْحِيحًا مِنْ الصَّحِيحِ وَالْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ قُوَّةَ مُقَابِلِهِمَا تُشْعِرُ بِصَرْفِ الْعِنَايَةِ لِلتَّصْحِيحِ صَرْفًا كُلِّيًّا، بِخِلَافِ الْمَشْهُورِ وَالصَّحِيحِ لِضَعْفِ مُقَابِلِهِمَا الْمُغْنِي عَنْ تَمَامِ صَرْفِ الْعِنَايَةِ لِلتَّصْحِيحِ انْتَهَى بَكْرِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَوْلُهُ: وَهِيَ اخْتِلَافُ الْأَصْحَابِ) قَالَ عَمِيرَةُ الظَّاهِرُ أَنَّ مُسَمَّى الطَّرِيقَةِ نَفْسُ الْحِكَايَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ جَعَلَهَا الشَّارِحُ اسْمًا لِلِاخْتِلَافِ اللَّازِمِ لِحِكَايَةِ الْأَصْحَابِ انْتَهَى (قَوْلُهُ: مُرَادُهُ الْأَوَّلُ) هُوَ قَوْلُهُ إمَّا طَرِيقُ الْقَطْعِ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ مِثْلَهُ) أَيْ النَّوَوِيُّ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ الطَّرِيقِ) أَيْ تَجَوُّزًا (قَوْلُهُ: عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ) أَيْ مَنْصُوصٌ (قَوْلُهُ: وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ شَافِعِيٌّ) أَيْ لِقَاعِدَةِ أَنَّ الْمَنْسُوبَ لِلْمَنْسُوبِ يُؤْتَى بِهِ عَلَى صُورَةِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ، لَكِنْ بَعْدَ حَذْفِ الْيَاءِ مِنْ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ وَإِثْبَاتِ بَدَلِهَا فِي الْمَنْسُوبِ (قَوْلُهُ: لَا شَفْعَوِيٌّ) أَيْ كَمَا قِيلَ بِهِ وَكَانَ الْأَوْلَى لَهُ ذِكْرُهُ (قَوْلُهُ جَدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ لَا جَدَّ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: وَكَانَ شَدِيدَ الشُّقْرَةِ) أَيْ ابْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ أَيْ فَلُقِّبَ بِضِدِّهَا فَقِيلَ لَهُ الزَّنْجِيُّ

[حاشية الرشيدي]

صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ) أَيْ الْمُوَافِقُ لِطَرِيقِ الْقَطْعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ إلَخْ هُوَ عَيْنُ هَذَا الْقِيلِ أَخَذَهُ غَايَةً فِيهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا قِيلَ مِنْ كَذَا مَمْنُوعٌ وَإِنْ قَالَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ، وَكَانَ الْمَقَامُ لِلْإِضْمَارِ كَمَا تَقَرَّرَ فَلَعَلَّهُ إنَّمَا أَظْهَرَ لِإِرَادَتِهِ حِكَايَةَ لَفْظِهَا فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ إلَخْ) أَيْ وَأَصْلُ النَّصِّ مَأْخُوذٌ مِنْ مِنَصَّةِ الْعَرُوسِ الْمُشْعِرَةِ بِالرِّفْعَةِ (قَوْلُهُ: هَاشِمٍ) هُوَ غَيْرُ هَاشِمٍ الَّذِي هُوَ أَخُو الْمُطَّلِبِ وَجَدُّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهَاشِمٌ الْمَذْكُورُ فِي نَسَبِ الشَّافِعِيِّ هُوَ ابْنُ الْمُطَّلِبِ أَخِي هَاشِمٍ جَدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ لَهُ أَخٌ اسْمُهُ هَاشِمٌ هُوَ جَدُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَابْنٌ يُسَمَّى هَاشِمًا أَيْضًا هُوَ جَدُّ الشَّافِعِيِّ، وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَبْدِ مَنَافٍ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ جَدُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصْفٌ لِعَبْدِ مَنَافٍ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْهَوَامِشِ (قَوْلُهُ: وَكَانَ شَدِيدَ الشُّقْرَةِ) يَعْنِيَ مُسْلِمَ بْنَ خَالِدٍ لُقِّبَ بِضِدِّ وَصْفِهِ

الْجُمُعَةِ سَلْخَ شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، وَفَضَائِلُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُسْتَقْصَى (وَيَكُونُ هُنَاكَ) أَيْ مُقَابِلَهُ (وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَوْ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ) مِنْ نَصٍّ لَهُ فِي نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَكَيْفِيَّةُ التَّخْرِيجِ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ أَنْ يُجِيبَ الشَّافِعِيُّ بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي صُورَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ وَلَمْ يَظْهَرْ مَا يَصْلُحُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَيَنْقُلُ الْأَصْحَابُ جَوَابَهُ مِنْ كُلِّ صُورَةٍ إلَى الْأُخْرَى فَيَحْصُلُ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْهُمَا قَوْلَانِ مَنْصُوصٌ وَمُخَرَّجٌ، الْمَنْصُوصُ فِي هَذِهِ هُوَ الْمُخَرَّجُ فِي تِلْكَ، وَالْمَنْصُوصُ فِي تِلْكَ هُوَ الْمُخَرَّجُ فِي هَذِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَقُولُونَ قَوْلَانِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ أَيْ نَقْلُ الْمَنْصُوصِ مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ إلَى تِلْكَ وَخُرِّجَ فِيهَا وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّقْلِ الرِّوَايَةَ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الصُّورَتَيْنِ قَوْلًا مَنْصُوصًا وَآخَرَ مُخَرَّجًا، ثُمَّ الْغَالِبُ فِي مِثْلِ هَذَا عَدَمُ إطْبَاقِ الْأَصْحَابِ عَلَى التَّخْرِيجِ، بَلْ يَنْقَسِمُونَ إلَى فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ يُخَرِّجُ، وَفَرِيقٌ يَمْتَنِعُ وَيَسْتَخْرِجُ فَارِقًا بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ لِيَسْتَنِدَ إلَيْهِ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْقَوْلَ الْمُخَرَّجَ لَا يُنْسَبُ لِلشَّافِعِيِّ إلَّا مُقَيَّدًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَذْكُرُ فَرْقًا ظَاهِرًا لَوْ رُوجِعَ فِيهِ (وَحَيْثُ أَقُولُ الْجَدِيدَ فَالْقَدِيمُ خِلَافُهُ، أَوْ الْقَدِيمُ أَوْ فِي قَوْلٍ قَدِيمٌ فَالْجَدِيدُ خِلَافُهُ) وَالْقَدِيمُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ بِالْعِرَاقِ أَوْ قَبْلَ انْتِقَالِهِ إلَى مِصْرَ، وَأَشْهَرُ رُوَاتِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالزَّعْفَرَانِيُّ وَالْكَرَابِيسِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَدْ رَجَعَ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ: لَا أَجْعَلُ فِي حِلٍّ مَنْ رَوَاهُ عَنِّي.
وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا يَحِلُّ عَدُّ الْقَدِيمِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الصَّدَاقِ: غَيَّرَ الشَّافِعِيُّ جَمِيعَ كُتُبِهِ الْقَدِيمَةِ فِي الْجَدِيدِ إلَّا الصَّدَاقَ فَإِنَّهُ ضَرَبَ عَلَى مَوَاضِعَ مِنْهُ وَزَادَ مَوَاضِعَ.
وَالْجَدِيدُ مَا قَالَهُ بِمِصْرَ، وَأَشْهَرُ رُوَاتِهِ الْبُوَيْطِيُّ وَالْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ وَالرَّبِيعُ الْجِيزِيُّ وَحَرْمَلَةُ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَكِّيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَبُوهُ، وَلَمْ يَقَعْ لِلْمُصَنِّفِ التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ وَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ، وَلَعَلَّهُ ظَنَّ صُدُورَ ذَلِكَ مِنْهُ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ قَدِيمٌ وَجَدِيدٌ فَالْجَدِيدُ هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ، إلَّا فِي نَحْوِ سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً أَفْتَى فِيهَا بِالْقَدِيمِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ تُتُبِّعَ مَا أَفْتَى فِيهِ بِالْقَدِيمِ فَوُجِدَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ أَيْضًا، وَقَدْ نَبَّهَ فِي الْمَجْمُوعِ عَلَى شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ إفْتَاءَ الْأَصْحَابِ بِالْقَدِيمِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ اجْتِهَادَهُمْ أَدَّاهُمْ إلَيْهِ لِظُهُورِ دَلِيلِهِ وَلَا يَلْزَمُ وَمِنْ ذَلِكَ نِسْبَتُهُ إلَى الشَّافِعِيِّ، قَالَ: وَحِينَئِذٍ فَمَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَالْفَتْوَى بِالْجَدِيدِ، وَمَنْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْمَذْهَبِ يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُ مَا اقْتَضَاهُ الدَّلِيلُ فِي الْعَمَلِ وَالْفَتْوَى مُبَيِّنًا أَنَّ هَذَا رَأْيُهُ وَأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ فِي قَدِيمٍ لَمْ يُعَضِّدْهُ حَدِيثٌ لَا مُعَارِضَ لَهُ، فَإِنْ اُعْتُضِدَ بِذَلِكَ فَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ: إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي.
الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الْقَدِيمَ مَرْجُوعٌ عَنْهُ وَلَيْسَ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مَحَلُّهُ فِي قَدِيمِ نَصٍّ فِي الْجَدِيدِ عَلَى خِلَافِهِ، أَمَّا

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ وَيَكُونُ هُنَاكَ) أَيْ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: لَا يُعْمَلُ بِهِ) أَيْ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّقْلِ الرِّوَايَةَ) أَيْ الْمَرْوِيَّ (قَوْلُهُ وَالْمَعْنَى أَنَّ فِي إلَخْ) أَيْ لِقَوْلِهِ قَالَ وَيَجُوزُ إلَخْ (قَوْلُهُ: إلَّا مُقَيَّدًا) أَيْ بِكَوْنِهِ مُخَرَّجًا (قَوْلُهُ رُبَّمَا يَذْكُرُ) أَيْ الشَّافِعِيُّ (قَوْلُهُ: وَحَيْثُ أَقُولُ الْجَدِيدَ) بِالنَّصْبِ أَيْ أَذْكُرُ الْجَدِيدَ أَوْ بِالرَّفْعِ حِكَايَةً لِأَوَّلِ أَحْوَالِهِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ لَا أَجْعَلُ فِي حِلٍّ) أَيْ لَا آذَنُ لَهُ فِي نَقْلِهِ ذَلِكَ عَنِّي بَلْ أَنْهَاهُ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْإِمَامُ) أَيْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ (قَوْلُهُ إلَّا الصَّدَاقَ) أَيْ كِتَابَ الصَّدَاقِ (قَوْلُهُ: إلَّا فِي نَحْوِ سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً) عِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ إلَّا فِي نَحْوِ عِشْرِينَ مَسْأَلَةً، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِنَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ انْتَهَى.
وَقَدْ يُقَالُ: لَا مُنَافَاةَ بِأَنْ يُرَادَ بِالنَّحْوِ مَا يَقْرَبُ مِنْ السَّبْعَةَ عَشَرَ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: أَحَدُهُمَا أَنَّ إفْتَاءَ الْأَصْحَابِ بِالْقَدِيمِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ) أَيْ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ الْمُخَالِفِ فِي الْجَدِيدِ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي فِي الشَّيْءِ الثَّانِي مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ بِالْقَدِيمِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْجَدِيدِ مَا يُخَالِفُهُ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ الْآتِي:

قَدِيمٌ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي الْجَدِيدِ لِمَا يُوَافِقُهُ وَلَا لِمَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ مَذْهَبُهُ، وَإِذَا كَانَ فِي الْجَدِيدِ قَوْلَانِ فَالْعَمَلُ بِمَا رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَبِأَحَدِهِمَا، وَإِنْ قَالَهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يُرَجِّحْ شَيْئًا وَذَلِكَ قَلِيلٌ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ قَالَهُمَا أَوْ مُرَتِّبًا لَزِمَ الْبَحْثُ عَنْ أَرْجَحِهِمَا بِشَرْطِ الْأَهْلِيَّةِ، فَإِنْ أَشْكَلَ تَوَقَّفَ فِيهِ كَمَا مَرَّ إيضَاحُهُ (وَحَيْثُ أَقُولُ وَقِيلَ كَذَا فَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ أَوْ الْأَصَحُّ خِلَافُهُ، وَحَيْثُ أَقُولُ وَفِي قَوْلِ كَذَا فَالرَّاجِحُ خِلَافُهُ) وَيَتَبَيَّنُ قُوَّةُ الْخِلَافِ وَضَعْفُهُ فِي قَوْلِهِ وَحَيْثُ أَقُول الْمَذْهَبُ إلَى هُنَا مِنْ مُدْرِكِهِ (وَمِنْهَا مَسَائِلُ) جَمْعُ مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ إثْبَاتٌ عَرْضِيٌّ ذَاتِيٌّ لِمَوْضُوعٍ، وَلَهُ اعْتِبَارَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا أَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْهُ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يُقَالُ لَهُ مَسْأَلَةٌ، وَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُطْلَبُ بِالدَّلِيلِ يُقَالُ لَهُ مَطْلُوبٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (نَفِيسَةٌ أَضُمُّهَا إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُخْتَصَرِ.
(يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْلَى الْكِتَابُ) أَيْ الْمُخْتَصَرُ وَمَا يُضَمُّ إلَيْهِ (مِنْهَا) صَرَّحَ بِوَصْفِهَا الشَّامِلِ لَهُ مَا تَقَدَّمَ، وَزَادَ عَلَيْهِ إظْهَارًا لِلْعُذْرِ فِي زِيَادَتِهَا، فَإِنَّهَا فَارِيَةٌ عَنْ التَّنْكِيتِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا، وَلَفْظَةُ يَنْبَغِي مُحْتَمِلَةٌ لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَتُحْمَلُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْقَرِينَةِ (وَأَقُولُ فِي أَوَّلِهَا قُلْت وَفِي آخِرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِتَتَمَيَّزَ عَنْ مَسَائِلِ الْمُحَرَّرِ، وَقَدْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي اسْتِدْرَاكِ التَّصْحِيحِ عَلَيْهِ، وَقَدْ زَادَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ كَقَوْلِهِ فِي فَصْلِ الْخَلَاءِ وَلَا يَتَكَلَّمُ (وَمَا وَجَدْته) أَيُّهَا النَّاظِرُ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ (مِنْ زِيَادَةِ لَفْظَةٍ وَنَحْوِهَا عَلَى مَا فِي الْمُحَرَّرِ) بِدُونِ قُلْت (فَاعْتَمِدْهَا) أَيْ اجْعَلْهَا عُمْدَةً فِي الْإِفْتَاءِ أَوْ نَحْوِهِ (فَلَا بُدَّ مِنْهَا) كَزِيَادَةِ كَثِيرٍ وَفِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ

[حاشية الشبراملسي]

قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَبِأَحَدِهِمَا) أَيْ لِنَصِّهِ دُونَ الْقَضَايَا وَالْإِفْتَاءِ كَمَا مَرَّ وَمَحَلُّهُ حَيْثُ تَكَافَآ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النُّسْخَةَ بِأَحَدِهِمَا بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَمَّا عَلَى كَوْنِهَا بِآخِرِهِمَا فَالْمَعْنَى: إنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ وَعَلِمَ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ عَمِلَ بِهِ فِي الْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ إيضَاحُهُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَلَعَلَّهُ: أَيْ الْقَرَافِيَّ أَرَادَ إجْمَاعَ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَالرَّاجِحُ خِلَافُهُ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَأَنَّهُ تَرَكَهُ لِبَيَانِ قُوَّةِ الْخِلَافِ وَضَعَّفَهُ فِيهِمَا لِعَدَمِ ظُهُورِهِ لَهُ.
أَوْ لِإِغْرَاءِ الطَّالِبِ عَلَى تَأَمُّلِهِ وَالْبَحْثِ عَنْهُ لِيَقْوَى نَظَرُهُ فِي الْمَدْرَكَ وَالْمَأْخَذِ، وَوَصَفَ الْوَجْهَ بِالضَّعْفِ دُونَ الْقَوْلِ تَأَدُّبًا انْتَهَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: الشَّامِلُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ مِنْ النَّفَائِسِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَزَادَ عَلَيْهِ) أَيْ زَاد قَوْلُهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْلَى إلَخْ، وَمَعْنَاهُ كَمَا قَالَ عَمِيرَةُ: أَنَّهُ يُطْلَبُ وَيَحْسُنُ شَرْعًا تَرْكُ خُلُوِّهِ مِنْهَا (قَوْلُهُ وَتُحْمَلُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْقَرِينَةِ) بَقِيَ مَا لَوْ لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى النَّدْبِ إنْ كَانَ التَّرَدُّدُ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَإِلَّا فَعَلَى الِاسْتِحْسَانِ وَاللِّيَاقَةِ (قَوْلُهُ: وَأَقُولُ فِي أَوَّلِهَا إلَخْ) الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ مَعْنَاهُمَا الْعُرْفِيُّ، فَيَصْدُقُ بِمَا اتَّصَلَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَقَوْلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَأَنَّهُ قَصَدَ التَّبَرِّي مِنْ دَعْوَى الْأَعْلَمِيَّةِ انْتَهَى عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ) أُجِيبُ عَنْهُ

[حاشية الرشيدي]

وَحِينَئِذٍ فَمَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَالْفَتْوَى بِالْجَدِيدِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَالْعَمَلُ بِمَا رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ فَبِآخِرِهِمَا) مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَدَّمَهُ وَقَدَّمْنَا فِيهِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْمَجْمُوعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَهِيَ إثْبَاتٌ عَرَضِيٌّ ذَاتِيٌّ إلَخْ) عَرَّفَهَا فِيمَا مَرَّ بِأَنَّهَا مَطْلُوبٌ خَبَرِيٌّ يُبَرْهَنُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ، وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَ التَّعْرِيفَيْنِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَهَا فِيمَا مَرَّ مَا يَثْبُتُ بِالْبُرْهَانِ وَهُنَا نَفْسُ الْإِثْبَاتِ، وَمِنْ حَيْثِيَّاتٍ أُخَرَ تُعْلَمُ بِالتَّأَمُّلِ.
عِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ هُنَا: وَهِيَ مَا يُبَرْهَنُ عَلَى إثْبَاتِ مَحْمُولِهِ لِمَوْضُوعِهِ فِي الْعِلْمِ (قَوْلُهُ: صَرَّحَ بِوَصْفِهَا إلَخْ) عِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ: وَوَصَفَهَا بِالنَّفَاسَةِ وَالضَّمِّ أَفَادَهُ كَلَامُهُ السَّابِقُ، لَكِنْ أَعَادَهُمَا هُنَا بِزِيَادَةِ يَنْبَغِي، وَمَعْمُولُهُ إظْهَارًا لِسَبَبِ زِيَادَتِهَا مَعَ خُلُوِّهَا عَنْ التَّنْكِيتِ بِخِلَافِ سَابِقِهَا (قَوْلُهُ: لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ) أَيْ فِي الْأَصْلِ وَإِلَّا فَالْمُرَادُ هُنَا غَيْرُهُمَا.
قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ: الْأَوْجَهُ أَنَّهَا هُنَا بِمَعْنَى يَلِيقُ، وَيَحْسُنُ، وَيَتَأَكَّدُ انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ يُطْلَبُ انْتَهَتْ، وَهِيَ قَابِلَةٌ لِمَا قَالَهُ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ بِأَنْ يُقَالَ يُطْلَبُ مِنْ الْعُرْفِ (قَوْلُهُ: كَزِيَادَةِ كَثِيرٍ وَفِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ) فَالْأَوَّلُ مِثَالٌ لِلَّفْظَةِ، وَالثَّانِي مِثَالٌ لِنَحْوِهَا، وَمَا هُنَا مِنْ أَنَّ جُمْلَةَ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ إلَخْ مَزَادٌ هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْوَاقِعِ

فِي قَوْلِهِ فِي التَّيَمُّمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِجُرْحِهِ دَمٌ كَثِيرٌ، أَوْ الشَّيْنُ الْفَاحِشُ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ، وَكَزِيَادَةِ جَامِدٍ فِي قَوْلِهِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ، وَفِي مَعْنَى الْحَجَرِ كُلُّ جَامِدٍ طَاهِرٍ، وَقَوْلُهُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا: أَيْ لَا فِرَاقَ مِنْهَا أَوْ لَا مَحَالَةَ أَوْ لَا عِوَضَ (وَكَذَا مَا وَجَدْته مِنْ الْأَذْكَارِ مُخَالِفًا لِمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ فَاعْتَمِدْهُ، فَإِنِّي حَقَّقْته مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ) فِي نَقْلِهِ كَالصَّحِيحَيْنِ وَبَقِيَّةِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ لِاعْتِنَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِلَفْظِهِ، بِخِلَافِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّمَا يَعْتَنُونَ بِمَعْنَاهُ غَالِبًا، وَإِنَّمَا خَاطَبَ النَّاظِرَ بِهَذَيْنِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّهُمَا وَقَعَا مِنْ النُّسَّاخِ أَوْ مِنْ الْمُصَنِّفِ سَهْوًا (وَقَدْ أُقَدِّمُ بَعْضَ مَسَائِلِ الْفَصْلِ لِمُنَاسَبَةٍ أَوْ اخْتِصَارٍ، وَرُبَّمَا قَدَّمْت فَصْلًا لِلْمُنَاسَبَةِ) كَتَقْدِيمِ فَصْلِ التَّخْيِيرِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى فَصْلِ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ (وَأَرْجُو إنْ تَمَّ هَذَا الْمُخْتَصَرُ) وَقَدْ تَمَّ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الشَّرْحِ لِلْمُحَرَّرِ) أَيْ لِدَقَائِقِهِ وَخَفِيِّ أَلْفَاظِهِ، وَبَيَانِ مُهْمَلِ صَحِيحِهِ وَمَرَاتِبِ خِلَافِهِ، وَمُهْمَلِ خِلَافِهِ هَلْ هُوَ قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ أَوْ طَرِيقَانِ، وَمَا يَحْتَاجُ مِنْ مَسَائِلِهِ إلَى قَيْدٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ تَصْوِيرٍ، وَمَا غَلِطَ فِيهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَمَا صَحَّحَ فِيهِ خِلَافَ الْأَصَحِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمَا أَخَلَّ بِهِ مِنْ الْفُرُوعِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ (فَإِنِّي لَا أَحْذِفُ) بِالْمُعْجَمَةِ: أَيْ أُسْقِطُ (مِنْهُ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ أَصْلًا) قَالَ بَعْضُهُمْ: لَعَلَّ الْمُرَادَ الْأُصُولُ، إذْ رُبَّمَا حَذَفَ الْمُفَرَّعَاتِ انْتَهَى.
وَيُسْتَفَادُ هَذَا مِنْ نَصْبِ قَوْلِهِ أَصْلًا عَلَى الْجَالِيَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْمَنْفِيِّ مَصْدَرًا: أَيْ مُسْتَأْصَلًا: أَيْ قَاطِعًا لِلْحَذْفِ مِنْ أَصْلِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ اسْتَأْصَلَهُ: قَطَعَهُ مِنْ أَصْلِهِ (وَلَا مِنْ الْخِلَافِ وَلَوْ كَانَ وَاهِيًا) أَيْ ضَعِيفًا جِدًّا مَجَازًا عَنْ السَّاقِطِ (مَعَ مَا) أَيْ أَتَى بِجَمِيعِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مَصْحُوبًا بِمَا (أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ النَّفَائِسِ) الْمُتَقَدِّمَةِ (وَقَدْ شَرَعْت) مَعَ الشُّرُوعِ

[حاشية الشبراملسي]

بِأَنَّ إطْلَاقَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ اسْتِقْرَاءِ كَلَامِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ لَا عِوَضَ) هِيَ أَلْفَاظٌ مُتَسَاوِيَةٌ (قَوْلُهُ مِنْ الْأَذْكَارِ) جَمْعُ ذِكْرٍ، وَهُوَ لُغَةً: كُلُّ مَذْكُورٍ، وَشَرْعًا: قَوْلٌ سِيقَ لِثَنَاءٍ أَوْ دُعَاءٍ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ شَرْعًا أَيْضًا لِكُلِّ قَوْلٍ يُثَابُ قَائِلُهُ انْتَهَى ابْنُ حَجَرٍ.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا يَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا تَبْطُلُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ إذْ الظَّاهِرُ مِنْ الْعَطْفِ التَّغَايُرُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الدُّعَاءَ فِي عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ (قَوْلُهُ إنْ تَمَّ هَذَا الْمُخْتَصَرُ) لَمْ يَقُلْ الْكِتَابَ مَعَ أَنَّهُ أَنْسَبُ، إذْ الْمَرْجُوُّ إتْمَامُ الْمُخْتَصَرِ وَمَا ضُمَّ إلَيْهِ لَا الْمُخْتَصَرُ فَقَطْ، كَمَا قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْلَى الْكِتَابُ مِنْهَا تَغْلِيبًا لِلْمُخْتَصَرِ عَلَى مَا ضُمَّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ وَضْعِ الْخُطْبَةِ عَلَى وَضْعِ الْكِتَابِ كَمَا يَأْتِي انْتَهَى بَكْرِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَوْلُهُ عَلَى وَضْعِ الْكِتَابِ: أَيْ عَلَى وَضْعِ جُمْلَةِ الْكِتَابِ لِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ بِمَا تَقَدَّمَ عَلَى وَضْعِ الْخُطْبَةِ (قَوْلُهُ: فَإِنِّي لَا أَحْذِفُ) فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ لِلْمُبَالَغَةِ) أَيْ

[حاشية الرشيدي]

كَمَا فِي الدَّقَائِقِ.
وَوَقَعَ فِي التُّحْفَةِ أَنَّ الْمُرَادَ لَفْظٌ ظَاهِرٌ فَقَطْ، وَمَثَّلَ بِهِ لِلْكَلِمَةِ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَا النَّحْوَ هُنَا عَلَى مَا فَوْقَ الْكَلِمَةِ: أَيْ مِمَّا لَيْسَ حُكْمًا مُسْتَقِلًّا حَتَّى لَا يَتَقَرَّرَ مَعَ قَوْلِ الشَّارِحِ السَّابِقِ كَقَوْلِهِ فِي فَصْلِ الْخَلَاءِ: وَلَا يَتَكَلَّمُ لِيَكُونَ الشَّيْخُ مُوفِيًا بِالتَّمْثِيلِ لِجَمِيعِ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِلَّا فَالشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ حَمَلَ النَّحْوَ عَلَى الْحَرْفِ وَمَثَّلَ لَهُ (قَوْلُهُ: أَيْ لِدَقَائِقِهِ) بَيَانٌ لِلْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِلْمُحَرَّرِ: فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي مَعْنَى الشَّرْحِ لِدَقَائِقِ الْمُحَرَّرِ إلَخْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ السِّوَادَةَ بِلَفْظِهَا هِيَ عِبَارَةُ الدَّقَائِقِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَ الشَّيْخِ: وَبَيَانُ مُهْمَلِ صَحِيحِهِ مَقْلُوبٌ عَنْ قَوْلِ الدَّقَائِقِ: وَمُهْمَلُ بَيَانِ صَحِيحِهِ.
وَمَا فِي الدَّقَائِقِ هُوَ الصَّوَابُ، إذْ لَا يَصِحُّ تَسْلِيطُ شَرْحٍ عَلَى لَفْظِ بَيَانٍ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ الَّتِي فِي نُسَخِ الشَّيْخِ، فَلَعَلَّهَا تَحْرِيفٌ مِنْ النَّاسِخِ (قَوْلُهُ: مِنْ نَصْبِ قَوْلِهِ أَصْلًا عَلَى الْحَالِيَّةِ) أَيْ مِنْ شَيْئًا فَهِيَ حَالٌ مُقَيَّدَةٌ بِخِلَافِهَا فِيمَا يَأْتِي بَعْدُ، فَإِنَّهَا مِنْ الضَّمِيرِ الْفَاعِلِ فِي أَحْذِفُ فَهِيَ مُؤَكِّدَةٌ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْمَنْفِيِّ مَصْدَرًا: أَيْ مُسْتَأْصِلًا إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْمَنْفِيِّ مَصْدَرًا أَوْ حَالًا مُؤَكِّدَةً لِلَا أَحْذِفُ: أَيْ مُسْتَأْصِلًا قَاطِعًا إلَخْ، وَقَوْلُهُ أَيْ مُسْتَأْصِلًا الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْحَالِيَّةِ، بَلْ يَبْقَى الْكَلَامُ فِي صِحَّةِ كَوْنِهِ تَفْسِيرًا لِلْمَصْدَرِ وَإِنْ

فِي الْمُخْتَصَرِ (فِي جَمْعِ جُزْءٍ لَطِيفٍ عَلَى صُورَةِ الشَّرْحِ لِدَقَائِقِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ) مِنْ جِهَةِ الِاخْتِصَارِ (وَمَقْصُودِي بِهِ التَّنْبِيهُ عَلَى الْحِكْمَةِ فِي الْعُدُولِ عَنْ عِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ، وَفِي إلْحَاقِ قَيْدٍ أَوْ حَرْفٍ) فِي الْكَلَامِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ، وَيَصِحُّ إبْقَاءُ الْحَرْفِ عَلَى بَابِهِ كَزِيَادَةِ الْهَمْزَةِ فِي " أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ " (أَوَ شَرَطَ لِلْمَسْأَلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) مِمَّا بَيَّنْته (وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا) أَيْ لَا غِنَى وَلَا مَنْدُوحَةَ عَنْهَا، وَمِنْهُ مَا لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ وَلَكِنَّهُ حَسَنٌ كَمَا قَالَهُ فِي زِيَادَةِ لَفْظَةِ الطَّلَاقِ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَيْضِ، فَإِذَا انْقَطَعَ لَمْ يَحِلَّ قَبْلَ الْغُسْلِ غَيْرُ الصَّوْمِ وَالطَّلَاقِ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يُذْكَرْ قَبْلُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ (وَعَلَى اللَّهِ الْكَرِيمِ اعْتِمَادِي) أَيْ اتِّكَالِي فِي تَمَامِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ بِأَنْ يُقْدِرَنِي عَلَى إتْمَامِهِ كَمَا أَقْدَرَنِي عَلَى ابْتِدَائِهِ بِمَا تَقَدَّمَ عَلَى وَضْعِ الْخُطْبَةِ فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ مَنْ سَأَلَهُ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ (وَإِلَيْهِ تَفْوِيضِي) وَهُوَ رَدُّ أَمْرِي إلَيْهِ وَبَرَاءَتِي مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ (وَاسْتِنَادٌ) فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخِيبُ مَنْ قَصَدَهُ وَاسْتَنَدَ إلَيْهِ، وَقَدَّمَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ، وَهَذَا الْكَلَامُ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُ خَبَرًا فَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا التَّضَرُّعُ إلَى اللَّهِ وَالِالْتِجَاءُ إلَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْجُمْلَةَ الْخَبَرِيَّةَ تُذْكَرُ لِأَغْرَاضٍ غَيْرِ إفَادَةِ مَضْمُونِهَا الَّذِي هُوَ فَائِدَةُ الْخَبَرِ وَغَيْرُ لَازِمٍ فَائِدَةُ الْخَبَرِ، ثُمَّ قُدِّرَ وُقُوعُ الْمَطْلُوبِ بِرَجَاءِ الْإِجَابَةِ فَقَالَ (وَأَسْأَلُهُ النَّفْعَ بِهِ) أَيْ بِالْمُخْتَصَرِ فِي الْآخِرَةِ (لِي) بِتَأْلِيفِهِ (وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ بَاقِيهمْ بِأَنْ يُلْهِمَهُمْ الِاعْتِنَاءَ بِهِ بَعْضَهُمْ بِالِاشْتِغَالِ بِهِ كَكِتَابَةٍ،

[حاشية الشبراملسي]

وَحَيْثُ قُصِدَتْ الْمُبَالَغَةُ فَلَا يَصِرْ حَذْفُهُ لِلْمُفَرَّعَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ عُمُومِ النَّفْيِ (قَوْلُهُ: فِي الْكَلَامِ) قُدِّرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَرْفَ لَا يَحْسُنُ تَعْلِيقُهُ بِالْمَسْأَلَةِ انْتَهَى عَمِيرَةُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهِ) أَيْ بِالْحَرْفِ (قَوْلُهُ: وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الدَّقَائِقِ النَّاشِئَةِ عَنْ الِاخْتِصَارِ انْتَهَى عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ (قَوْلُهُ: وَلَا مَنْدُوحَةَ) تَفْسِيرٌ لِلْأَغْنَى (قَوْلُهُ: وَعَلَى اللَّهِ الْكَرِيمِ اعْتِمَادِي) اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْكَرِيمِ عَلَى أَقْوَالٍ: أَحْسَنُهَا مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَقْصِدِ الْأَسْنَى أَنَّ الْكَرِيمَ هُوَ الَّذِي إذَا قَدَرَ عَفَا، وَإِذَا وَعَدَ وَفَى، وَإِذَا أَعْطَى زَادَ عَلَى مُنْتَهَى الرَّجَا، وَلَا يُبَالِي كَمْ أَعْطَى وَلَا لِمَنْ أَعْطَى، وَإِنْ رَفَعْت حَاجَتَك إلَى غَيْرِهِ لَا يَرْضَى، وَإِنْ جَافَاهُ عَاتِبٌ وَمَا اسْتَقْصَى، وَلَا يَضِيعُ مَنْ لَاذَ بِهِ وَالْتَجَأَ، وَيُغْنِيهِ عَنْ الْوَسَائِلِ وَالشُّفَعَا، فَمَنْ اجْتَمَعَ لَهُ ذَلِكَ لَا بِالتَّكَلُّفِ فَهُوَ الْكَرِيمُ الْمُطْلَقُ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الْكَرِيمُ الصَّفُوحُ عَنْ الذَّنْبِ.
وَقِيلَ الْمُرْتَفِعُ، يُقَالُ فُلَانٌ أَكْرَمُ قَوْمِهِ: أَيْ أَرْفَعُهُمْ مَنْزِلَةً وَأَعْظَمُهُمْ قَدْرًا انْتَهَى مِنْ هَامِشِ نُسْخَةٍ مِنْ شَرْحِ الدَّمِيرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الْمِنْهَاجِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يُقْدِرَنِي عَلَى إتْمَامِهِ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ مُضَارِعُ أَقْدَرَ لَا مُضَارِعَ التَّقْدِيرِ، إذْ يُقَالُ أَقْدَرَهُ اللَّهُ، وَقَوْلُهُ كَمَا أَقْدَرَنِي قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى بَكْرِيٌّ (قَوْلُهُ: وَبَرَاءَتِي مِنْ الْحَوْلِ) عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ (قَوْلُهُ وَالِالْتِجَاءُ إلَيْهِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: ثُمَّ قَدَّرَ وُقُوعَ الْمَطْلُوبِ) فِيهِ رَمْزٌ إلَى سُؤَالِ تَقْدِيرِهِ: كَيْفَ قَالَ وَأَسْأَلُهُ إلَخْ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ، وَالسُّؤَالُ فِي النَّفْعِ بِالْمَعْدُومِ لَيْسَ مِنْ أَدَبِ الْعُقَلَاءِ.
فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَمَّا قَدَّرَ وُقُوعَ الْمَطْلُوبِ بِسَبَبٍ رَجَاءَ الْإِجَابَةِ قَالَ ذَلِكَ اهـ بَكْرِيٌّ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يُلْهِمَهُمْ الِاعْتِنَاءَ بِهِ) بَيَانٌ لِتَقْدِيرِ وَجْهِ عُمُومِ النَّفْعِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
فَإِنْ قُلْت: هَلْ يُتَصَوَّرُ النَّفْعُ بِهِ لِمَنْ مَاتَ قَبْلَ النَّوَوِيِّ؟ قُلْت: نَعَمْ بِأَنْ يَشْتَغِلَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ فَتَعُودَ بَرَكَتُهُ عَلَى أَبِيهِ، أَوْ يَتَعَلَّمَ حُكْمًا مِنْهُ فَيَكُونَ كَذَلِكَ، أَوْ يَعْلَمَ مِنْهُ أَنَّ الْمَيِّتَ تَنْفَعُهُ الصَّدَقَةُ وَالدُّعَاءُ

[حاشية الرشيدي]

أَوْهَمَتْهُ عِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ قَاسِمٍ، وَعِبَارَتُهُ فِيمَا كَتَبَ عَلَى التُّحْفَةِ: قَوْلُهُ أَيْ مُسْتَأْصِلًا إلَخْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْحَالِ فَقَطْ، وَأَنَّ تَقْدِيرَ الْمَصْدَرِيَّةِ أُؤَصِّلُ عَدَمَ الْحَذْفِ أَصْلًا فَيَكُونُ أَصْلًا مَنْصُوبًا بِمَحْذُوفٍ انْتَهَتْ، فَقَوْلُهُ يَحْتَمِلُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ رُجُوعَهُ لِلْمَصْدَرِيَّةِ أَيْضًا، فَإِنْ كَانَ مُرَادًا صَحَّتْ عِبَارَةُ الشَّارِحِ هُنَا وَإِلَّا فَيَجِبُ إصْلَاحُهَا (قَوْلُهُ: فِي الْآخِرَةِ) قَدَّمَهُ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِي كَالْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ، فَاقْتَضَى أَنَّ النَّفْعَ الْحَاصِلَ بِهِ لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ أُخْرَوِيٌّ فَنَفَعَ الْمُصَنِّفَ، وَلَا يُنَاسِبُهُ قَوْلُهُ: بِأَنْ يُلْهِمَهُمْ إلَخْ وَإِنْ لَزِمَ مِنْ الْإِلْهَامِ الْمَذْكُورِ النَّفْعُ الْأُخْرَوِيُّ، وَالشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ أَخَّرَ

وَقِرَاءَةٍ وَتَفَهُّمٍ وَشَرْحٍ، وَبَعْضُهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَالْإِعَانَةِ عَلَيْهِ بِوَقْفٍ أَوْ نَقْلٍ إلَى الْبِلَادِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَنَفْعُهُمْ يَسْتَتْبِعُ نَفْعَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِيهِ.
وَقَالَ الْجَوَالِيقِيُّ وَابْنُ بَرِّيٍّ وَغَيْرُهُمَا: إنَّ سَائِرَ تُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَوْهَرِيُّ غَيْرَهُ (وَرِضْوَانُهُ عَنِّي وَعَنْ أَحِبَّائِي) بِالتَّشْدِيدِ وَالْهَمْزَةِ جَمْعُ حَبِيبٍ: أَيْ مَنْ أَحَبَّهُمْ (وَجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ) مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ كَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْعَطْفُ اللُّغَوِيُّ تَكَرُّرٌ بِهِ الدُّعَاءَ لِذَلِكَ الْبَعْضِ الَّذِي مِنْهُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

وَإِذْ تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ لِذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَمَعْرِفَةُ الْمُشْتَقِّ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ وَهُوَ هُنَا الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ فَلْنَذْكُرْهُمَا عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ، فَالْإِيمَانُ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ بِمَا عُلِمَ ضَرُورَةُ مَجِيءِ الرَّسُولِ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ وَافْتِرَاضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ، وَالْمُرَادُ

[حاشية الشبراملسي]

فَيَفْعَلُ ذَلِكَ اهـ بَكْرِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: الْبَعْضُ الَّذِي مِنْهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) قَالَ عَمِيرَةُ: مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَطْفَ عَلَى جُمْلَةِ مَا سَبَقَ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْعَطْفُ اللُّغَوِيُّ اهـ. أَقُولُ: دَفَعَ بِهِ مَا أُورِدَ عَلَى الشَّارِحِ مِنْ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ عَطْفُهُ عَلَى الْيَاءِ فِي قَوْلِهِ عَنِّي لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ تَكَرَّرَ بِهِ الدُّعَاءُ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَكَرَّرَ فِيهِ الدُّعَاءُ لِلْمُصَنِّفِ لَا لِلْبَعْضِ الَّذِي مِنْهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى أَحِبَّائِي لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ الَّذِي تَكَرَّرَ الدُّعَاءُ لَهُ هُوَ غَيْرُ الْمُصَنِّفِ لَا الَّذِي مِنْهُ الْمُصَنِّفُ

(قَوْلُهُ: وَإِذْ تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ) أَيْ وَلِأَجْلِ (قَوْلُهُ وَقَبُولُهُ لَهُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا وَمِمَّا يَأْتِي أَيْضًا جَوَابُ حَادِثَةِ وَقْعِ السُّؤَالِ عَنْهَا، وَهِيَ أَنَّ ذِمِّيًّا حَضَرَ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَذْكُرُونَ أَوْصَافَ الْإِسْلَامِ وَمَحَاسِنَهُ وَيَذُمُّونَ النَّصْرَانِيَّةَ وَيُبَيِّنُونَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، فَقَالَ الذِّمِّيُّ: إنْ كَانَ مَا تَقُولُونَ حَقًّا فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ وُجِدَ بَاقِيًا عَلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَهَلْ يَكُونُ مُرْتَدًّا بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ مَا أَتَى بِهِ لَا جَزْمَ فِيهِ، بَلْ هُوَ مُعَلِّقٌ لَهُ عَلَى شَيْءٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ بَلْ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ، وَهَذَا مَانِعٌ مِنْ الْجَزْمِ فَلَا يَصِحُّ إيمَانُهُ فَلَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَزْمِ لَا عَلَى مَا هُوَ حَقٌّ بِاعْتِبَارِ نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ الْمُؤَذِّنِ إذَا نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّ نُطْقَهُ لَمَّا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى تَعْلِيقٍ حُمِلَ مِنْهُ عَلَى الْجَزْمِ، فَاحْفَظْهُ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ

[حاشية الرشيدي]

لَفْظَ فِي الْآخِرَةِ عَنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِي فَاقْتَضَى أَنَّ النَّفْعَ الْحَاصِلَ لِلْمُصَنِّفِ أُخْرَوِيٌّ، وَهُوَ الثَّوَابُ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ دُنْيَوِيٌّ، وَهُوَ الْإِلْهَامُ الْمَذْكُورُ وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ النَّفْعُ الْأُخْرَوِيُّ، وَلَا يَخْفَى حُسْنُهُ (قَوْلُهُ: أَيْ مَنْ أُحِبُّهُمْ) هُوَ تَابِعٌ لِلْجَلَالِ فِي قَصْرِ أَحِبَّائِي عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ الَّذِي فِي التُّحْفَةِ مَنْ يُحِبُّونِي وَأُحِبُّهُمْ.
قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ: حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ يُؤَيِّدُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَلِيقُ تَخْصِيصُهُ اهْتِمَامًا بِهِ، وَأَنَّ اللَّفْظَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَالْمُشْتَرَكُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ ظَاهِرٌ فِي مَعْنَيَيْهِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمُتَابِعُوهُ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَقَطْ وَجَّهُوهُ بِأَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِالْمَحْبُوبِ أَقْوَى، وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ لَوْ أُتِيَ بِلَفْظٍ يَخُصُّهُ، أَمَّا حَيْثُ أَتَى بِمَا يَشْمَلُ الْمَعْنَيَيْنِ بِلَا قَرِينَةٍ تُخَصِّصُ أَحَدَهُمَا فَالْوَجْهُ التَّعْمِيمُ انْتَهَى (قَوْلُهُ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْعَطْفُ اللُّغَوِيُّ) أَيْ الْعَطْفُ عَلَى جُمْلَةِ مَا تَقَدَّمَهُ مِنْ مَعْطُوفٍ وَمَعْطُوفٍ عَلَيْهِ: أَعْنِي عَنِّي وَعَنْ أَحِبَّائِي بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ تَكَرَّرَ بِهِ الدُّعَاءُ لِذَلِكَ الْبَعْضِ الَّذِي هُوَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ خَاصٌّ بِالْمُصَنِّفِ، فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ: لِذَلِكَ الْبَعْضِ الَّذِي مِنْهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنَّهُ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ الْجَلَالِ، إذْ لَوْ أُرِيدَ الِاصْطِلَاحِيُّ لَكَانَ عَلَى خُصُوصِ عَنِّي الَّذِي هُوَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ خَاصٌّ بِالْمُصَنِّفِ، فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ: لِذَلِكَ الْبَعْضِ الَّذِي مِنْهُ الْمُصَنِّفُ

(قَوْلُهُ: فَالْإِيمَانُ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ إلَخْ) أَيْ الْإِيمَانُ الْمُنَجِّي عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي، بَلْ يَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي آخِرِ السِّوَادَةِ

بِتَصْدِيقِ الْقَلْبِ بِهِ إذْعَانُهُ وَقَبُولُهُ لَهُ وَالتَّكْلِيفُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ النَّفْسَانِيَّةِ دُونَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ إنَّمَا هُوَ بِالتَّكْلِيفِ بِأَسْبَابِهِ كَإِلْقَاءِ الذِّهْنِ وَصَرْفِ النَّظَرِ وَتَوْجِيهِ الْحَوَاسِّ وَرَفْعِ الْمَوَانِعِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ إلَى أَنَّ الْإِيمَانَ مَجْمُوعُ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: اعْتِقَادِ الْحَقِّ، وَالْإِقْرَارِ بِهِ، وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ.
فَمَنْ أَخَلَّ بِالِاعْتِقَادِ وَحْدَهُ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَمَنْ أَخَلَّ بِالْإِقْرَارِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ أَخَلَّ بِالْعَمَلِ فَهُوَ فَاسِقٌ وِفَاقًا، وَكَافِرٌ عِنْدَ الْخَوَارِجِ، وَخَارِجٌ عَنْ الْإِيمَانِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْكُفْرِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ التَّصْدِيقُ وَحْدَهُ أَنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ الْإِيمَانَ إلَى الْقَلْبِ فَقَالَ ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة: 22] ، ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] ، ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: 41] ، ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14] وَعَطَفَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَقَرَنَهُ بِالْمَعَاصِي فَقَالَ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: 9] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] ، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك» «وَقَالَ لِأُسَامَةَ حِينَ قَتَلَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ هَلَّا شَقَقْت عَنْ قَلْبِهِ» وَلَمَّا كَانَ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ أَمْرًا بَاطِنًا لَا اطِّلَاعَ لَنَا عَلَيْهِ جَعَلَهُ الشَّارِعُ مَنُوطًا بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنْ الْقَادِرِ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، فَيَكُونُ الْمُنَافِقُ مُؤْمِنًا فِيمَا بَيْنَنَا كَافِرًا عِنْدَ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: 145] . وَهَلْ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّوَارُثِ وَالْمُنَاكَحَةِ وَغَيْرِهَا غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ، أَوْ جُزْءٌ مِنْهُ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّاهُ قَوْلَانِ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُحَقِّقِينَ إلَى أَوَّلِهِمَا وَعَلَيْهِ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِقْرَارِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَهَذَا أَوْفَقُ بِاللُّغَةِ وَالْعُرْفِ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى ثَانِيهِمَا، وَأَلْزَمَهُمْ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ فَاخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ قَبْلَ اتِّسَاعِ وَقْتِ

[حاشية الشبراملسي]

مِنْ الْإِفْتَاءِ بِخِلَافِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ) أَيْ الْإِيمَانُ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ) أَيْ الْإِيمَانَ (قَوْلُهُ غَيْرُ دَاخِلٍ) صِفَةٌ لِشَرْطٍ أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ عَنْ قَوْلِهِ النُّطْقَ (قَوْلُهُ: إلَى أَوَّلِهِمَا) هُوَ قَوْلُهُ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ إلَخْ وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ (قَوْلُهُ: إلَى ثَانِيهمَا)

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: تَصْدِيقُ الْقَلْبِ) أَيْ إجْمَالًا فِي الْإِجْمَالِيِّ وَتَفْصِيلًا فِي التَّفْصِيلِيِّ (قَوْلُهُ: كَإِلْقَاءِ الذِّهْنِ وَصَرْفِ النَّظَرِ إلَخْ) لَا يُشْكِلُ بِأَنَّ الْإِيمَانَ ضَرُورِيٌّ ضَرُورَةَ أَنَّ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ ضَرُورِيٌّ كَمَا مَرَّ،؛ لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ أَيْضًا مُتَوَقِّفٌ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ،، وَالْفَرْقُ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّظَرِيِّ أَنَّ مُقَدِّمَاتِهِ حَاصِلَةٌ تُعْلَمُ بِمُجَرَّدِ تَوْجِيهِ النَّظَرِ، بِخِلَافِ مُقَدِّمَاتِ النَّظَرِ، فَهِيَ غَيْرُ حَاصِلَةٍ وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِالنَّظَرِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ فَاسِقٌ وِفَاقًا) فَمَعْنَى كَوْنِ الْأَعْمَالِ جُزْءًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ كَوْنُهَا جُزْءًا مِنْ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ كَمَا فِي الْإِعْلَامِ لِلشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ وَإِنْ كَانَ السِّيَاقُ يَأْبَاهُ (قَوْلُهُ: وَهَلْ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرْطٌ إلَخْ) صَرِيحُ هَذَا السِّيَاقِ كَسِيَاقِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ الْأَصْرَحُ مِنْهُ فِيمَا يَأْتِي أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ إلَّا تَصْدِيقُ الْقَلْبِ بِمَا مَرَّ، وَقَعَ خِلَافٌ بَيْنَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ حَيْثُ أَنَاطَ الشَّارِعُ أَمْرَهُ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، هَلْ النُّطْقُ الْمَذْكُورُ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الْإِيمَانِ، أَوْ جُزْءٌ فَيَكُونُ دَاخِلًا فِيهِ، فَيَنْحَلُّ الْكَلَامُ إلَى أَنَّهُمْ فَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا قَائِلٌ بِأَنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ الْمَذْكُورِ وَالنُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرْطٌ لِلْإِجْرَاءِ الْمَذْكُورِ،، وَالْفَرِيقُ الثَّانِي يَقُولُ إنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ الْمَذْكُورِ وَالنُّطْقُ جُزْءٌ مِنْهُ وَهَذَا لَا يُعْقَلُ، فَإِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِ هَذَا أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ إلَّا التَّصْدِيقُ أَنَّ النُّطْقَ الْمَذْكُورَ خَارِجٌ عَنْ مُسَمَّاهُ، وَقَضِيَّةُ كَوْنِ النُّطْقِ جُزْءًا مِنْهُ عِنْدَهُ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ فَيَكُونُ مُرَكَّبًا مِنْهُمَا لَا مُجَرَّدَ التَّصْدِيقِ، وَهَذَا خَلَفٌ فَلْيُحَرَّرْ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِقْرَارِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى) هُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَمْ يَمْتَنِعْ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ (قَوْلُهُ: وَأَلْزَمهُمْ الْأَوَّلُونَ) فِي هَذَا الْإِلْزَامِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ،؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ كَوْنَ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرْطًا أَوْ جُزْءًا إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَادِرِ كَمَا مَرَّ

الْإِقْرَارِ بِلِسَانِهِ يَكُونُ كَافِرًا، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ يُعَارِضُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ قَوْلُ الشِّفَاءِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ مُسْتَوْجِبٌ لِلْجَنَّةِ حَيْثُ أَثْبَتَ فِيهِ خِلَافًا، أَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ النُّطْقِ بِهِمَا لِخَرَسٍ أَوْ سَكْتَةٍ أَوْ اخْتِرَامِ مَنِيَّةٍ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إيمَانُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَهُوَ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ مِنْ الطَّاعَاتِ كَالتَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، «وَلِهَذَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سَأَلَهُ جِبْرِيلُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إنْ اسْتَطَعْت إلَيْهِ سَبِيلًا» وَلَكِنْ لَا تُعْتَبَرُ الْأَعْمَالُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِالْإِسْلَامِ إلَّا مَعَ الْإِيمَانِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ الْمَذْكُورُ فَهُوَ شَرْطٌ لِلِاعْتِدَادِ بِالْعِبَادَاتِ، فَلَا يَنْفَكُّ الْإِسْلَامُ الْمُعْتَبَرُ عَنْ الْإِيمَانِ وَإِنْ كَانَ الْإِيمَانُ قَدْ يَنْفَكُّ عَنْهُ، كَمَنْ اخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ قَبْلَ اتِّسَاعِ وَقْتِ التَّلَفُّظِ، هَذَا كُلُّهُ بِالنَّظَرِ إلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ، أَمَّا بِالنَّظَرِ إلَى مَا عِنْدَنَا فَالْإِسْلَامُ هُوَ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَقَطْ، فَمَنْ أَقَرَّ بِهِمَا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِكُفْرٍ إلَّا بِظُهُورِ أَمَارَاتِ التَّكْذِيبِ كَالسُّجُودِ اخْتِيَارًا لِلشَّمْسِ أَوْ الِاسْتِخْفَافِ بِنَبِيٍّ أَوْ بِالْمُصْحَفِ أَوْ بِالْكَعْبَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[حاشية الشبراملسي]

هُوَ قَوْلُهُ أَوْ جُزْءٌ مِنْهُ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّاهُ (قَوْلُهُ فَهُوَ أَعْمَالٌ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ عَمَلٍ (قَوْلُهُ: مِنْ الطَّاعَاتِ) بَيَانٌ لِلْأَعْمَالِ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ إلَخْ) أَيْ الْإِسْلَامَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[حاشية الرشيدي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

كِتَابُ الطَّهَارَةِ الْكِتَابُ لُغَةً مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَتْبِ وَهُوَ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، يُقَالُ كَتَبَ كَتْبًا وَكِتَابَةً وَكِتَابًا وَمِثْلُهُ الْكَثْبُ بِالْمُثَلَّثَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُشْتَقُّ مِنْ الْمَصْدَرِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا الِاشْتِقَاقَ الْأَصْغَرَ، وَهُوَ رَدُّ لَفْظٍ إلَى آخَرَ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى، وَالْحُرُوفُ الْأَصْلِيَّةُ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا الْأَكْبَرَ، وَهُوَ اشْتِقَاقُ الشَّيْءِ مِمَّا يُنَاسِبُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَوَافَقَتْ حُرُوفُهُ حُرُوفَهُ أَمْ لَا كَمَا فِي الثَّلْمِ وَالثَّلْبِ،

[حاشية الشبراملسي]

جارٍ التحميل