مثل الصائم كمثل رجل في جماعة معه صرة من مسك
لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب.
ففي الحديث الصحيح ١: "من لم يدع قول الزور والعمل به
والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه" ١، وفي الحديث: "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش" ٢.
فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده، فكذلك الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته، فتصيره بمنزلة من لم يصم.
وقد اختلف في وجود هذه الرائحة من الصائم، هل هي في الدنيا، أو في الآخرة؟ على قولين.
وقد وقع بين الشيخين الفاضلين أبي محمد بن عبد السلام وأبي عمرو بن الصلاح في ذلك تنازع ٣، فمال أبو محمد إلى أن تلك في الآخرة خاصة، وصنف فيه مصنفا ٤، ومال الشيخ ٥ أبو عمرو إلى أن
ذلك في الدنيا والآخرة، وصنف فيه مصنفا رد فيه على أبي محمد ١.
وسلك أبو عمرو في ذلك مسلك أبي حاتم بن حبان؛ فإنه في "صحيحه" بوب عليه كذلك، فقال: "ذكر البيان بأن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، ثم ساق حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، والصيام لي، وأنا أجزي به، ولخلوف ٢ فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" ٣.
ثم قال: "ذكر البيان بأن خلوف ٤ فم الصائم يكون أطيب عند الله من ريح المسك يوم القيامة"، ثم ساق حديثا من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن أبي صالح الزيات أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، فإنه لي ٥، وأنا أجزي به، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك.
للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح
بفطره، وإذا لقي الله فرح بصومه".
قال أبو حاتم: "شعار المؤمنين يوم ١ القيامة التحجيل بوضوئهم في الدنيا فرقا بينهم وبين سائر الأمم، وشعارهم في القيامة بصومهم طيب خلوف أفواههم ٢ أطيب من ريح المسك؛ ليعرفوا من بين سائر الأمم في ٣ ذلك الجمع بذلك العمل، جعلنا الله تعالى منهم" ٤.
ثم قال: "ذكر البيان بأن خلوف فم الصائم قد يكون أيضا أطيب من ريح المسك في الدنيا"، ثم ساق من حديث شعبة، عن سليمان، عن ذكوان، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، يقول الله: إلا الصوم، فهو لي، وأنا أجزي به، يدع الطعام من أجلي، والشراب من أجلي، وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه، ولخلوف فم الصائم حين يخلف من الطعام أطيب عند الله من ريح المسك" ٥.
واحتج الشيخ أبو محمد بالحديث الذي فيه تقييد الطيب بيوم
القيامة" ١.
قلت: ويشهد لقوله: الحديث المتفق عليه "والذي نفسي بيده ما من مكلوم يكلم في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى، اللون لون دم، والريح ريح مسك" ٢.
فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن رائحة كلم المكلوم في سبيل الله عز وجل بأنها كريح المسك يوم القيامة، وهو نظير إخباره عن خلوف فم الصائم؛ فإن الحس يدل على أن هذا دم في الدنيا، وهذا خلوف ٣، ولكن يجعل الله تعالى رائحة هذا وهذا مسكا يوم القيامة.
واحتج الشيخ أبو عمرو بما ذكره أبو حاتم في "صحيحه" من تقييده ذلك بوقت إخلافه، وذلك يدل على أنه في الدنيا، فلما قيد المبتدأ وهو"خلوف فم الصائم" بالظرف وهو قوله: "حين يخلف" = كان الخبر عنه -وهو قوله: "أطيب عند الله"- خبرا عنه في حال تقييده؛ فإن ٤ المبتدأ إذا تقيد بوصف أو حال أو ظرف كان الخبر عنه حال كونه مقيدا، فدل على أن طيبه عند الله تعالى ثابت حال إخلافه.
قال: وروى الحسن بن سفيان في "مسنده" عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا..." فذكر الحديث، وقال فيه: "وأما الثانية: فإنهم يمسون وريح أفواههم أطيب عند الله من ريح
المسك" ١.
ثم ذكر كلام الشراح في معنى طيبه، وتأويلهم إياه بالثناء على الصائم والرضى بفعله ٢، على عادة كثير منهم بالتأويل من غير ضرورة، حتى كأنه قد بورك له فيه ٣، فهو موكل به!.
وأي ضرورة تدعو ٤ إلى تأويل كونه أطيب عند الله من ريح المسك بالثناء على فاعله والرضى بفعله، وإخراج اللفظ عن حقيقته؟!
وكثير من هؤلاء ينشئ للفظ معنى، ثم يدعي إرادة ذلك المعنى بلفظ النص، من غير نظر منه إلى استعمال ذلك اللفظ في المعنى الذي عينه، أو احتمال اللغة له.
ومعلوم أن هذا يتضمن الشهادة على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن مراده من كلامه كيت وكيت، فإن لم يكن ذلك معلوما بوضع اللفظ لذلك المعنى، أو عرف الشارع صلى الله عليه وآله وسلم، أو عادته المطردة أو الغالبة باستعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى، أو تفسيره له به = وإلا كانت شهادة ١ باطلة، وأدنى أحوالها أن تكون شهادة بلا علم.
ومن المعلوم أن أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك، فمثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم طيب هذا الخلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا، وأعظم.
ونسبة استطابة ذلك إليه سبحانه وتعالى كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه؛ فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين، كما أن رضاه وغضبه وفرحه وكراهته وحبه وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك، كما أن ذاته سبحانه وتعالى لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته ٢ لا تشبه صفاتهم، وأفعاله لا تشبه أفعالهم، وهو سبحانه وتعالى يستطيب الكلم الطيب فيصعد إليه، والعمل الصالح فيرفعه، وليست هذه الاستطابة كاستطابتنا ٣.
ثم إن تأويله لا يرفع الإشكال؛ إذ ما استشكله هؤلاء من الاستطابة يلزم مثله في الرضى؛ فإن قالوا: رضاه ليس كرضى المخلوقين،
فقولوا: استطابته ليست كاستطابة المخلوقين، وعلى هذا جميع ما يجيء من هذا الباب.
ثم قال ١: وأما ذكر يوم القيامة في الحديث؛ فلأنه يوم الجزاء، وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا لرضى الله تعالى حيث يؤمر باجتنابها واجتلاب الرائحة الطيبة ٢، كما في المساجد والصلوات وغيرها من العبادات، فخص يوم القيامة بالذكر في بعض الروايات ٣ كما خص في قوله تعالى: ﴿إن ربهم بهم يومئذ لخبير (١١)﴾ [العاديات: ١١]، وأطلق في باقيها نظرا إلى أن أصل أفضليته ٤ ثابت في الدارين.
قلت: ومن العجب رده على أبي محمد بما لا ينكره أبو محمد ولا غيره ٥؛ فإن الذي فسر به الاستطابة المذكورة ٦ في الدنيا بثناء الله تعالى على الصائمين ورضاه بفعلهم أمر لا ينكره مسلم؛ فإن الله تعالى قد أثنى عليهم في كتابه، وفيما بلغه عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورضي بفعلهم؛ فإن كانت هذه هي ٧ الاستطابة، أفترى الشيخ أبا محمد ينكرها؟!.
والذي ذكره الشيخ أبو محمد: أن هذه الرائحة إنما يظهر طيبها على
طيب المسك في اليوم الذي يظهر فيه طيب دم الشهيد، ويكون كرائحة المسك، ولا ريب أن ذلك يوم القيامة؛ فإن الصائم في ذلك اليوم يجيء ورائحة فمه أطيب من رائحة المسك، كما يجيء المكلوم في سبيل الله عز وجل ورائحة دمه ١ كذلك، لا سيما والجهاد أفضل من الصيام؛ فإذا كان طيب رائحته إنما يظهر يوم القيامة فكذلك الصائم ٢.
وأما حديث جابر: "فإنهم يمسون وخلوف أفواههم أطيب من ريح المسك" فهذه جملة حالية لا خبرية، فإن خبر "أمسى" ٣ لا يقترن بالواو؛ لأنه خبر مبتدأ، فلا يجوز اقترانه بالواو.
وإذا كانت الجملة حالية فلأبي محمد أن يقول: هي حال مقدرة، والحال المقدرة يجوز تأخيرها عن زمن الفعل العامل فيها، ولهذا لو صرح بيوم القيامة في مثل هذا، فقال: "يمسون وخلوف أفواههم أطيب من ريح المسك يوم القيامة" لم يكن التركيب فاسدا، كأنه قال: "يمسون وهذا لهم يوم القيامة".
وأما قوله: "لخلوف فم الصائم حين يخلف" فهذا الظرف تحقيق لمعنى المبتدأ ٤، وتأكيد له، وبيان إرادة الحقيقة المفهومة منه، لا مجازه ولا استعارته ٥، وهذا كما تقول: جهاد المؤمن حين يجاهد، وصلاته حين يصلي يجزيه الله تعالى بها يوم القيامة، ويرفع بها درجته
يوم القيامة.
وهذا قريب من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" ١.
وليس المراد تقييد نفى الإيمان المطلق عنه حالة مباشرته تلك الأفعال فقط، بحيث إذا كملت مباشرته وانقطع فعله عاد إليه الإيمان، بل هذا النفي مستمر إلى حين التوبة، وإلا فما دام مصرا وإن لم يباشر الفعل ٢ فالنفي لاحق به، ولا يزول عنه اسم الذم والأحكام المترتبة على المباشرة إلا بالتوبة النصوح، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قلت ٣: و