الوابل الصيب من الكلم الطيبصفحات 114-153

السادسة والثلاثون: أن الذكر نور للذاكر في الدنيا،

صفحات 114-153

ونور له في قبره، ونور له في معاده، يسعى بين يديه على الصراط، فما استنارت القلوب والقبور ١ بمثل ذكر الله تعالى.

قال الله تعالى: ﴿أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فالأول هو المؤمن استنار بالإيمان بالله ومحبته ومعرفته وذكره، والآخر هو الغافل عن الله تعالى، المعرض عن ذكره ومحبته.

والشأن كل الشأن، والفلاح كل الفلاح في النور، والشقاء كل الشقاء في فواته.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبالغ في سؤاله ٢ ربه تبارك وتعالى حين يسأله أن يجعله في لحمه، وعظامه، وعصبه، وشعره، وبشره، وسمعه، وبصره، ومن فوقه، ومن تحته، وعن يمينه، وعن شماله، وخلفه، وأمامه، حتى يقول: "واجعلني نورا" ٣.

فسأل ربه تبارك وتعالى أن يجعل النور في ذاته الظاهرة والباطنة، وأن يجعله محيطا به من جميع جهاته، وأن يجعل ذاته وجملته نورا.

فدين الله عز وجل نور، وكتابه نور، وداره التي أعدها لأوليائه نور يتلألأ، وهو تبارك وتعالى نور السموات والأرض، ومن أسمائه النور، والظلمات أشرقت ١ لنور وجهه.

وفي دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الطائف: "أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة = أن يحل علي غضبك، أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك" ٢.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السموات والأرض من نور وجهه" ١.

وفي بعض ألفاظ هذا الأثر: "نور السموات والأرض من نور وجهه" ٢.
ذكره عثمان الدارمي ٣.

وقد قال تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾ [الزمر: ٦٩].

فإذا جاء تبارك وتعالى يوم القيامة للفصل بين عباده، أشرقت بنوره الأرض، وليس إشراقها يومئذ بشمس ولا قمر؛ فإن الشمس تكور، والقمر يخسف، ويذهب نورهما، وحجابه تبارك وتعالى النور.

قال أبو موسى: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخمس كلمات فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
ثم قرأ: ﴿أن بورك من في النار ومن حولها﴾ [النمل: ٨] ١.

فاستنارة ذلك الحجاب بنور وجهه، ولولاه لأحرقت سبحات وجهه ونوره ما انتهى إليه بصره ٢.

ولهذا لما تجلى تبارك وتعالى للجبل، وكشف من الحجاب شيئا يسيرا، ساخ الجبل في الأرض، وتدكدك، ولم يقم لربه تبارك وتعالى.

وهذا معنى قول ابن عباس في قوله ٣ سبحانه وتعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] قال: "ذلك الله عز وجل، إذا تجلى بنوره لم يقم له شيء" ٤.

وهذا من بديع فهمه رضي الله تعالى عنه، ودقيق فطنته، وكيف لا وقد دعا له ١ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعلمه الله التأويل؟!.

فالرب تبارك وتعالى يرى يوم القيامة بالأبصار عيانا، ولكن يستحيل إدراك الأبصار له وإن رأته؛ فالإدراك أمر وراء الرؤية، وهذه الشمس -ولله المثل الأعلى- نراها ولا ندركها كما هي عليه، ولا قريبا من ذلك؛

ولذلك قال ابن عباس لمن سأله عن الرؤية وأورد عليه ﴿لا تدركه الأبصار﴾، فقال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى، قال: أفتدركها؟ قال: لا، قال: فالله تعالى أعظم وأجل ١.

وقد ضرب الله سبحانه وتعالى لنوره في قلب عبده مثلا لا يعقله إلا العالمون، فقال سبحانه وتعالى: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].

قال أبي بن كعب: "مثل نوره في قلب المسلم" ٢.

وهذا هو النور الذي أودعه في قلبه من معرفته ومحبته والإيمان به وذكره، وهو نوره الذي أنزله إليهم، فأحياهم به، وجعلهم يمشون به بين

الناس، وأصله في قلوبهم، ثم تقوى مادته، وتتزايد ١ حتى تظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم، بل وثيابهم ودورهم، يبصره من هو من جنسهم، وسائر الخلق له منكرون ٢.

فإذا كان يوم القيامة برز ذلك النور، وصار بأيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة الجسر حتى يقطعوه، وهم فيه على حسب قوته وضعفه في قلوبهم في الدنيا، فمنهم من نوره كالشمس، وآخر كالقمر، وآخر كالنجم ٣، وآخر كالسراج، وآخر يعطى نورا على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذا كانت هذه حال نوره في الدنيا، فأعطي على الجسر بمقدار ذلك، بل هو نفس نوره ظهر له عيانا، ولما لم يكن للمنافق نور ثابت في الدنيا، بل كان نوره ظاهرا، لا باطنا = أعطي نورا ظاهرا مآله إلى الظلمة والذهاب.

وضرب الله عز وجل لهذا النور، ومحله، وحامله، ومادته مثلا بالمشكاة، وهي الكوة في الحائط، فهي مثل الصدر، وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفى الزجاج، وحتى شبهت بالكوكب الدري في بياضه وصفائه، وهي مثل القلب، وشبه بالزجاجة لأنها جمعت أوصافا هي في قلب المؤمن، وهي: الصفاء، والرقة، والصلابة، فيرى الحق والهدى

بصفائه، وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة برقته، ويجاهد أعداء الله تعالى، ويغلظ عليهم، ويشتد في الحق، ويصلب فيه بصلابته، فلا تبطل صفة منه صفة أخرى ١، ولا تعاديها، بل تساعدها وتعاضدها، ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ [التوبة: ٧٣].

وفي أثر: "القلوب آنية الله تعالى في أرضه، فأحبها إليه أرقها، وأصلبها، وأصفاها" ٢.

وبإزاء هذا القلب قلبان مذمومان في طرفي نقيض.

أحدهما: قلب حجري قاس لا رحمة فيه، ولا إحسان ولا بر، ولا له صفاء يرى به الحق، بل هو جبار جاهل، لا عالم بالحق، ولا راحم للخلق ٣.

وبإزائه قلب ضعيف مائي، لا قوة فيه، ولا استمساك، بل يقبل كل صورة، وليس له قوة حفظ تلك الصور، ولا قوة التأثير في غيره، وكل ما خالطه أثر فيه، من قوي وضعيف، وطيب وخبيث.

وفي الزجاجة مصباح، وهو النور الذي في الفتيلة، وهي حاملته، ولذلك ١ النور مادة، وهي زيت قد عصر من زيتونة في أعدل الأماكن، تصيبها الشمس أول النهار وآخره، فزيتها من أصفى الزيت وأبعده من الكدر، حتى إنه ليكاد ٢ من صفائه يضيء بلا نار، فهذه مادة نور المصباح.

وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن، هو من شجرة الوحي التي هي أعظم الأشياء بركة، وأبعدها من الانحراف، بل هي أوسط الأمور وأعدلها وأفضلها، لم تنحرف انحراف النصرانية، ولا انحراف اليهودية، بل هي وسط بين الطرفين المذمومين في كل شيء، فهذه مادة مصباح الإيمان في قلب المؤمن.

ولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه حتى كاد أن يضيء بنفسه، ثم خالط النار، فاشتدت بها إضاءته، وقويت مادة ضوء النار به = كان ذلك نورا على نور.

وهكذا المؤمن قلبه مضيء يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله، ولكن لا مادة له من ١ نفسه، فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه، وخالطت بشاشته ٢، فازداد نورا بالوحي على نوره الذي فطره الله تعالى عليه، فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة، نور على نور ٣، فيكاد ينطق بالحق وإن لم يسمع فيه أثرا، ثم يسمع الأثر مطابقا لما شهدت به فطرته، فيكون نورا على نور، فهذا شأن المؤمن يدرك الحق بفطرته مجملا، ثم يسمع الأثر جاء به مفصلا، فينشأ إيمانه عن شهادة الوحي والفطرة.

فليتأمل اللبيب هذه الآية العظيمة، ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة، فذكر سبحانه وتعالى نوره في السموات والأرض، ونوره في قلوب عباده المؤمنين، النور المعقول المشهود بالبصائر والقلوب ٤، الذي استنارت به البصائر والقلوب، والنور المحسوس المشهود بالأبصار، الذي استنارت به أقطار العالم العلوي والسفلي، فهما نوران عظيمان، وأحدهما أعظم من الآخر.

وكما أنه إذا فقد أحدهما من مكان أو موضع، لم يعش فيه آدمي ولا غيره؛ لأن الحيوان إنما يتكون حيث النور، ومواضع الظلمة التي لا

يشرق عليها نور لا يعيش فيها حيوان، ولا يتكون ألبتة = فكذلك أمة فقد منها نور الوحي والإيمان، وقلب فقد منه هذا النور ميت ولابد، لا حياة له ألبتة، كما لا حياة للحيوان في مكان لا نور فيه.

والله سبحانه وتعالى يقرن بين الحياة والنور، كما في قوله عز وجل: ﴿أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وكذلك قوله عز وجل: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ [الشورى: ٥٢].

وقد قيل: إن الضمير في "جعلناه" عائد إلى الأمر، وقيل: إلى الكتاب، وقيل: إلى الإيمان، والصواب: أنه عائد إلى الروح، أي: جعلنا ذلك الروح الذي أوحيناه إليك نورا ١، فسماه روحا لما يحصل به من الحياة، وجعله نورا لما يحصل به من الإشراق والإضاءة، وهما متلازمان، فحيث وجدت هذه الحياة بهذا الروح وجدت الإضاءة والاستنارة، وحيث وجدت الاستنارة والإضاءة وجدت الحياة، فمن لم يقبل قلبه هذا الروح فهو ميت مظلم، كما أن من فارق بدنه روح الحياة

فهو هالك مضمحل.

فلهذا يضرب سبحانه وتعالى المثلين: المائي والناري معا ١؛ لما يحصل بالماء من الحياة، وبالنار من الإشراق والنور، كما ضرب ذلك في أول سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون﴾ [البقرة: ١٧].

وقال: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ ولم يقل: بنارهم؛ لأن النار فيها الإحراق والإشراق، فذهب بما فيه الإضاءة والإشراق، وأبقى عليهم ما فيه الأذى والإحراق.

وكذلك حال المنافقين: ذهب نور إيمانهم بالنفاق، وبقي حرارة ٢ الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم، وقلوبهم قد صليت بحرها وأذاها وسمومها ووهجها في الدنيا، فأصلاها الله تعالى إياها يوم القيامة نارا موقدة تطلع على الأفئدة.

فهذا مثل من لم يصحبه نور الإيمان في الدنيا، بل خرج منه وفارقه بعد أن استضاء به، وهو حال المنافق، عرف ثم أنكر، وأقر ثم جحد، فهو في ظلمات أصم أبكم أعمى، كما قال تعالى في حق إخوانهم من

الكفار: ﴿والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات﴾ [الأنعام: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١].

وشبه تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحال مستوقد النار وذهاب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله؛ لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين، وصلاتهم معهم، وصيامهم معهم، وسماعهم القرآن، ومشاهدتهم أعلام الإسلام ومناره، قد شاهدوا الضوء، ورأوا النور عيانا؛ ولهذا قال تعالى في حقهم: ﴿فهم لا يرجعون (١٨)﴾ [البقرة: ١٨]؛ لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبسوا به، واستناروا به ١ فهم لا يرجعون إليه.

وقال تعالى في حق الكفار: ﴿فهم لا يعقلون (١٧١)﴾؛ لأنهم لم يعقلوا الإسلام، ولا دخلوا فيه، ولا استناروا به، بل لم يزالوا ٢ في ظلمات الكفر، صم بكم عمي.

فسبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافيا، وإلى الإيمان وحقائقه مناديا، وإلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم داعيا، وإلى طريق الرشاد هاديا.

لقد أسمع منادي الإيمان لو صادف آذانا واعية، وشفت مواعظ القرآن لو وافقت قلوبا من غيها خالية، ولكن عصفت على القلوب أهوية الشبهات والشهوات فأطفأت مصابيحها، وتمكنت منها أيدي الغفلة والجهالة فأغلقت أبواب رشدها، وأضاعت مفاتيحها، وران عليها كسبها فلم ينفع فيها الكلام، وسكرت بشهوات الغي وشبهات الباطل فلم تصغ بعده إلى الملام، ووعظت بمواعظ أنكى فيها من الأسنة والسهام، ولكن ماتت في بحر الجهل والغفلة، وأسر الهوى والشهوة، و"ما لجرح بميت إيلام" ١.

فصل

والمثل الثاني المائي قوله تعالى: ﴿أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (١٩)﴾ [البقرة: ١٩].

الصيب: المطر الذي يصوب من السماء، أي: ينزل منها بسرعة، وهو مثل القرآن الذي به حياة القلوب، كالمطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، فأدرك المؤمنون ذلك منه، وعلموا ما يحصل به من الحياة التي لا خطر لها، فلم يمنعهم منها ما فيه من الرعد والبرق، وهو الوعيد والتهديد، والعقوبات والمثلات التي حذر الله بها من خالف أمره ١، وأخبر أنه منزلها بمن كذب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، أو ما فيه من الأوامر الشديدة، كجهاد الأعداء، والصبر على اللأواء، والأوامر الشاقة على النفوس التي هي بخلاف إراداتها ٢، فهي كالظلمات والرعد والبرق ٣، ولكن من علم مواقع الغيث وما يحصل به من الحياة لم يستوحش لما معه من الظلمة والرعد والبرق، بل يستأنس لذلك، ويفرح به لما يرجو من الحياة والخصب.

وأما المنافق فإنه لعمى قلبه لم يجاوز بصره الظلمة، ولم ير إلا برقا يكاد يخطف البصر، ورعدا عظيما وظلمة ١، فاستوحش من ذلك وخاف منه، فوضع أصابعه في أذنيه لئلا يسمع ٢ صوت الرعد، وهاله مشاهدة ذلك البرق، وشدة لمعانه، وعظم نوره، فهو خائف أن يختطف معه بصره؛ لأن بصره أضعف من أن يثبت معه، فهو في ظلمة يسمع أصوات الرعد القاصف ٣، ويرى ذلك البرق الخاطف، فإن أضاء له ما بين يديه مشى في ضوئه، وإن فقد الضوء قام متحيرا لا يدري أين يذهب، ولجهله لا يعلم أن ذلك من لوازم الصيب الذي به حياة الأرض والنبات، وحياته هو في نفسه، بل لا يدرك إلا رعدا، وبرقا، وظلمة، ولا شعور له بما وراء ذلك، فالوحشة لازمة له، والرعب والفزع لا يفارقه.

وأما من أنس بالصيب وعلم ما يحصل به من الخيرات ٤ والحياة والنفع، وعلم أنه لابد فيه من رعد وبرق وظلمة؛ بسبب الغيم = استأنس بذلك ولم يستوحش منه، ولم يقطعه ذلك عن أخذه بنصيبه من الصيب.

فهذا مثل مطابق للصيب الذي نزل به جبريل عليه السلام من عند

رب العالمين تبارك وتعالى، على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ١؛ ليحيي به القلوب والوجود أجمع، اقتضت حكمته أن يقارنه من الغيم والرعد والبرق ما يقارن الصيب المائي ٢، حكمة بالغة، وأسبابا منتظمة نظمها العزيز الحكيم.

فكان حظ المنافق من ذلك الصيب سحابه ورعوده وبروقه فقط، لم يعلم ما وراءه، فاستوحش بما أنس به المؤمنون، وارتاب بما اطمأن به العالمون، وشك فيما تيقنه المبصرون العارفون، فبصره في المثل الناري كبصر الخفاش في نحر الظهيرة ٣، وسمعه في المثل المائي كسمع من يموت من صوت الرعد.
وقد ذكر عن بعض الحيوانات أنها تموت من صوت الرعد ٤.

وإذا صادف هذه العقول والأسماع والأبصار شبهات شيطانية، وخيالات فاسدة، وظنون كاذبة، جالت فيها وصالت، وقامت فيها وقعدت، واتسع فيها مجالها، وكثر بها قيلها وقالها، فملأت الأسماع

من هذيانها، والأرض من دويانها ١، وما أكثر المستجيبين لهؤلاء، والقابلين منهم، والقائمين بدعوتهم، والمحامين عن حوزتهم، والمقاتلين تحت ألويتهم، والمكثرين لسوادهم عددا، وما أقلهم عند الله وأوليائه قدرا ٢.

ولعموم البلية بهم، وضرر القلوب بكلامهم، هتك الله أستارهم في كتابه غاية الهتك، وكشف أسرارهم غاية الكشف، وبين علاماتهم وأعمالهم وأقوالهم، ولم يزل عز وجل يقول: "ومنهم..."، "ومنهم..."، "ومنهم..." = حتى انكشف أمرهم، وبانت حقائقهم، وظهرت أسرارهم.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة أوصاف المؤمنين والكفار والمنافقين، فذكر في أوصاف المؤمنين ثلاث آيات، وفي أوصاف الكفار آيتين، وفي أوصاف هؤلاء بضع عشرة آية؛ لعموم الابتلاء بهم، وشدة المصيبة بمخالطتهم، فإنهم من الجلدة ٣ مظهرون

الموافقة والمناصرة، بخلاف الكافر الذي قد نابذ بالعداوة، وأظهر السريرة، ودعاك -بما أظهره ١ - إلى منابذته ٢ ومفارقته.

فصل

ونظير هذين المثلين المثلان المذكوران في سورة الرعد في قوله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا﴾ [الرعد: ١٧] ١.

فهذا المثل هو المثل المائي، شبه سبحانه الوحي الذي أنزله بحياة القلوب، بالماء الذي أنزله من السماء، وشبه القلوب الحاملة له بالأودية الحاملة للسيل.

فقلب كبير يسع علما عظيما كواد كبير يسع ماء كثيرا، وقلب صغير كواد صغير يسع علما قليلا، فحملت القلوب من هذا العلم بقدرها، كما سالت الأودية بقدرها.

ولما كانت الأودية ٢ ومجاري السيول فيها الغثاء ونحوه مما يمر عليه السيل، فيحتمله ٣ السيل فيطفو على وجه الماء زبدا عاليا، يمر عليه متراكبا ٤، ولكن تحته الماء الفرات الذي به حياة الأرض، فيقذف

الوادي ذلك الغثاء إلى جنبتيه حتى لا يبقى منه شيء، ويبقى الماء الذي تحت الغثاء يسقي الله تعالى به الأرض، فيحيي به البلاد والعباد، والشجر والدواب، والغثاء يذهب جفاء يجفى، ويطرح على شفير الوادي.

فكذلك العلم والإيمان الذي أنزله من السماء ١ في القلوب، فاحتملته، فأثار منها بسبب مخالطته لها ما فيها من غثاء الشهوات وزبد الشبهات الماطلة، فطفا في أعلاها، واستقر العلم والإيمان والهدى ٢ في جذر القلب، وهو أصله ومستقره، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "نزل الإيمان في جذر قلوب الرجال" ٣.
رواه البخاري من حديث حذيفة ٤.

فلا يزال ذلك الغثاء والزبد يذهب جفاء، ويزول شيئا فشيئا، حتى يزول كله، ويبقى العلم النافع والإيمان الخالص في جذر القلب، يرده الناس، فيشربون ويسقون ويزرعون.

وفي "الصحيح" من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكان

منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى، ونفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" ١.

فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس بالنسبة إلى الهدى والعلم ثلاث طبقات ٢:

الطبقة الأولى: ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم الذين قاموا بالدين علما وعملا ودعوة ٣ إلى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فهؤلاء أتباع الرسول صلوات الله عليه وسلامه حقا، وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت، فقبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فزكت في نفسها، وزكا الناس بها.

وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوة على الدعوة، ولذلك كانوا ٤ ورثة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار﴾ [ص: ٤٥].

فالأيدي: القوة في أمر الله، والأبصار: البصائر في دين الله عز وجل، فبالبصائر يدرك الحق ويعرف، وبالقوة يتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه، فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم والفقه في الدين، والبصر بالتأويل، ففجرت من النصوص أنهار العلوم، واستنبطت منها كنوزها، ورزقت فيها فهما خاصا، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه -وقد سئل-: هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشيء دون الناس؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه ١.

فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الكثير الذي أنبتته الأرض، وهو الذي تميزت به هذه الطبقة ٢ عن:

الطبقة الثانية: فإنها حفظت النصوص، وكان همها حفظها وضبطها، فوردها الناس وتلقوها منهم، فاستنبطوا منها، واستخرجوا كنوزها،

واتجروا فيها، وبذروها في أرض قابلة للزرع والنبات، فاستخرجوا غوامضها وأسرارها ١، ووردوها كل بحسبه ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾ [البقرة: ٦٠].

وهؤلاء هم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" ٢.

وهذا عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، مقدار ما سمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يبلغ نحو العشرين حديثا الذي يقول فيه: "سمعت" و"رأيت" ٣، وسمع الكثير من الصحابة، وبورك في فهمه والاستنباط

منه حتى ملأ الدنيا علما وفقها.

قال أبو محمد بن حزم: وجمعت فتاويه في سبعة أسفار كبار ١.

وهي بحسب ما بلغ جامعها، وإلا فعلم ابن عباس كالبحر، وفقهه واستنباطه وفهمه في القرآن بالموضع الذي فاق به الناس، وقد سمع كما سمعوا، وحفظ كما حفظوا، ولكن أرضه كانت من أطيب الأراضي وأقبلها للزرع، فبذر فيها النصوص، فأنبتت من كل زوج كريم: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (٤)﴾ [الجمعة: ٤].

وأين تقع فتاوى ابن عباس، وتفسيره، واستنباطه، من فتاوى أبي هريرة وتفسيره؟! وأبو هريرة أحفظ منه، بل هو حافظ الأمة على الإطلاق، يؤدي الحديث كما سمعه، ويدرسه بالليل درسا، فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه ٢، وهمة ابن

عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط، وتفجير النصوص، وشق الأنهار منها، واستخراج كنوزها ١.

وهكذا الناس بعده قسمان:

قسم حفاظ معتنون بالضبط، والحفظ، والأداء، كما سمعوا، ولا يستنبطون ولا يستخرجون كنوز ما حفظوه.

وقسم معتنون بالاستنباط واستخراج الأحكام من النصوص، والتفقه فيها.

فالأول كأبي زرعة، وأبي حاتم، وابن وارة ٢.

وقبلهم: كبندار محمد بن بشار ١، وعمرو الناقد ٢، وعبد الرزاق.

وقبلهم: كمحمد بن جعفر غندر ٣، وسعيد بن أبي عروبة ٤، وغيرهم من أهل الحفظ والإتقان والضبط لما سمعوه، من غير استنباط وتصرف، واستخراج الأحكام من ألفاظ النصوص.

والقسم الثاني: كمالك، والليث، وسفيان، وابن المبارك ٥، والشافعي، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وأبي داود، ومحمد بن نصر المروزي، وأمثالهم ممن جمع الاستنباط والفقه إلى الرواية.

فهاتان الطائفتان هما أسعد الخلق بما بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم الذين قبلوه ورفعوا به رأسا ١.

وأما الطائفة الثالثة: وهم أشقى الخلق، الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأسا، فلا حفظ، ولا فهم، ولا رواية، ولا دراية، ولا رعاية.

فالطبقة الأولى: أهل رواية ورعاية ودراية.

والطبقة الثانية: أهل رواية ورعاية، ولهم نصيب من الدراية، بل حظهم من الرواية أوفر.

والطبقة الثالثة: الأشقياء، لا رواية، ولا دراية، ولا رعاية.
﴿إن

هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (٤٤)[الفرقان: ٤٤] فهم الذين يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، إن هم أحدهم إلا بطنه وفرجه، فإن ترقت همته فوق ذلك كان همه -مع ذلك- في لباسه وزينته، فإن ترقت همته فوق ذلك كان في داره وبستانه ومركوبه، فإن ترقت همته فوق ذلك، كان همه في الرياسة والانتصار للنفس [الكلبية، فإن ارتفعت همته عن نصرة النفس الكلبية، كان همه في نصرة النفس السبعية] ١.

وأما النفس الملكية فلم يعطها أحد من هؤلاء.

فإن النفوس ثلاثة: كلبية وسبعية، وملكية.

فالكلبية: تقنع بالعظم، والكسرة، والجيفة، والعذرة.

والسبعية: لا تقنع بذلك، بل بقهر النفوس، والاستعلاء عليها بالحق والباطل.

وأما الملكية: فقد ارتفعت عن ذلك، وشمرت إلى الرفيق الأعلى، فهمتها العلم والإيمان، ومحبة الله تعالى، والإنابة إليه، والطمأنينة به، والسكون إليه، وإيثار محبته ومرضاته، وإنما تأخذ من الدنيا ما تأخذه لتستعين به على الوصول إلى فاطرها وربها ووليها، لا لتنقطع به عنه.

فصل

ثم ضرب الله سبحانه وتعالى مثلا ثانيا، وهو المثل الناري، فقال: ﴿ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله﴾ [الرعد: ١٧]، وهذا كالحديد ١، والنحاس، والفضة، والذهب، وغيرها، فإنها تدخل الكير لتمحص وتخلص من الخبث، فيخرج خبثها فيرمى به ويطرح، ويبقى خالصها، فهو الذي ينفع الناس.

ولما ضرب الله سبحانه وتعالى هذين المثلين ذكر حكم من استجاب له ورفع بهداه رأسا، وحكم من لم يستجب له، ولم يرفع بهداه ٢ رأسا: فقال: ﴿للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد (١٨)﴾ [الرعد: ١٨].

والمقصود أن الله تعالى جعل الحياة حيث النور، والموت حيث الظلمة، فحياة الوجودين الروحي والجسمي بالنور، وهو مادة الحياة، كما أنه مادة الإضاءة، فلا حياة بدونه، كما لا إضاءة بدونه، وكما أنه به حياة القلب، فبه ٣ انفساحه وانشراحه وسعته، كما في الترمذي ٤ عن

النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح" قالوا: وما علامة ذلك؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله" ١.

ونور العبد هو الذي يصعد عمله وكلمه إلى الله تعالى، فإن الله تعالى لا يصعد إليه من الكلم إلا الطيب -وهو نور، ومصدره عن النور-، ولا من العمل إلا الصالح، ولا من الأرواح إلا الطيبة، وهي أرواح المؤمنين

التي استنارت بالنور الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ١، والملائكة الذين خلقوا من نور، كما في "صحيح مسلم" عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلقت الشياطين من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" ٢.

فلما كانت مادة الملائكة من نور كانوا هم الذين يعرجون إلى ربهم تبارك وتعالى، وكذلك أرواح المؤمنين هي التي تعرج إلى ربها وقت قبض الملائكة لها، فيفتح لها باب السماء الدنيا، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، إلى أن ينتهى بها إلى السماء السابعة، فتوقف بين يدي الله عز وجل، ثم يأمر أن يكتب كتابه في أهل عليين ٣.

فلما كانت هذه الروح روحا زاكية طيبة نيرة مشرقة صعدت إلى الله عز وجل مع الملائكة.

وأما الروح المظلمة الخبيثة الكدرة فإنها لا تفتح لها أبواب السماء، ولا تصعد إلى الله تعالى، بل ترد من السماء الدنيا إلى عالمها وعنصرها؛ لأنها أرضية سفلية، والأولى علوية سماوية، فرجعت كل روح إلى عنصرها وما هي منه، وهذا مبين في حديث البراء بن عازب الطويل الذي رواه الإمام أحمد، وأبو عوانة الإسفراييني في "صحيحه"، والحاكم،

وغيرهم، وهو حديث صحيح ١.

..................................

والمقصود: أن الله عز وجل لا يصعد إليه من الأعمال والأقوال والأرواح إلا ما كان منها نورا، وأعظم الخلق نورا أقربهم إليه، وأكرمهم عليه.

وفي "المسند" من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصاب من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل"؛ فلذلك أقول: جف القلم على علم الله تعالى ١.

وهذا الحديث العظيم أصل من أصول الإيمان، وينفتح به باب

عظيم من أبواب سر القدر وحكمته، والله تعالى الموفق.

وهذا النور الذي ألقاه عليهم سبحانه وتعالى، هو الذي أحياهم وهداهم، فأصابت الفطرة منه حظها، ولكن لما لم يستقل بتمامه وكماله أكمله لهم، وأتمه بالوحي ١ الذي ألقاه على رسله عليهم الصلاة والسلام، والنور الذي أوحاه اليهم، فأدركته الفطرة بذلك النور السابق الذي حصل لها يوم إلقاء النور، فانضاف نور الوحي والنبوة إلى نور الفطرة، نور على نور، فأشرقت منه القلوب، واستنارت به الوجوه، وحييت به الأرواح، وأذعنت به الجوارح للطاعات طوعا واختيارا، فازدادت به القلوب حياة إلى حياتها.

ثم دلها ذلك النور على نور آخر هو أعظم منه وأجل، وهو نور الصفات العليا الذي يضمحل فيه كل نور سواه، فشاهدته ببصائر الإيمان ٢ مشاهدة نسبتها إلى القلب نسبة المرئيات إلى العين؛ وذلك لاستيلاء اليقين عليها، وانكشاف حقائق الإيمان لها، حتى كأنها تنظر إلى عرش الرحمن تبارك وتعالى بارزا، وإلى استوائه عليه ٣، كما أخبر به سبحانه وتعالى في كتابه، وكما أخبر به عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يدبر أمر الممالك، ويأمر وينهى، ويخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويقضي

وينفذ، ويعز ويذل، ويقلب الليل والنهار، ويداول الأيام بين الناس، ويقلب الدول، فيذهب بدولة، ويأتي بأخرى.

والرسل من الملائكة عليهم الصلاة والسلام بين صاعد إليه بالأمر، ونازل من عنده به، وأوامره ومراسيمه متعاقبة على تعاقب الأوقات ١، نافذة بحسب إرادته ومشيئته، فما شاء كان كما شاء في الوقت الذي يشاء على الوجه الذي يشاء، من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقدم ولا تأخر، وأمره وسلطانه نافذ في السموات والأرض وأقطارها، وفي الأرض وما عليها وما تحتها، وفي البحار ٢ والجو، وفي سائر أجزاء العالم وذراته، يقلبها ويصرفها، ويحدث فيها ما يشاء، وقد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، ووسع كل شيء رحمة وحكمة، ووسع سمعه الأصوات، فلا تختلف عليه ولا تشتبه عليه، بل يسمع ضجيجها باختلاف لغاتها على تفنن حاجاتها، فلا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين ذوي الحاجات ٣.

وأحاط بصره بجميع المرئيات، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فالغيب عنده شهادة، والسر عنده علانية، يعلم السر وأخفى من السر؛ فالسر ما انطوى عليه ضمير العبد،

وخطر بقلبه، ولم تتحرك به شفتاه، وأخفى منه: ما لم يخطر بقلبه بعد، فيعلم ١ أنه سيخطر بقلبه كذا وكذا في وقت كذا وكذا.

وله الخلق والأمر، وله الملك وله الحمد، وله الدنيا والآخرة، وله النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، وله الملك كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، شملت قدرته كل شيء، ووسعت رحمته كل شيء، وسعت نعمته إلى كل حي.

﴿يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩]: يغفر ذنبا، ويفرج هما، ويكشف كربا، ويجبر كسيرا، ويغني فقيرا، ويعلم جاهلا، ويهدي ضالا، ويرشد حيرانا، ويغيث لهفانا، ويفك عانيا، ويشبع جائعا، ويكسو عاريا، ويشفي مريضا، ويعافي مبتلى، ويقبل تائبا، ويجزي محسنا، وينصر مظلوما، ويقصم جبارا، ويقيل عثرة، ويستر عورة، ويؤمن روعة، ويرفع أقواما، ويضع آخرين.

لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ٢، وعمل النهار قبل عمل الليل ٣، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.

يمينه ملأى، لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق

منذ خلق الخلق، فإنه لم يغض ما في يمينه.

قلوب العباد ونواصيهم بيده، وأزمة الأمور ١ معقودة بقضائه وقدره، الأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، يقبض سمواته كلها بيده ٢، والأرض باليد الأخرى، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك، أنا الملك، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تكن شيئا، وأنا الذي أعيدها كما بدأتها.

لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولا حاجة يسألها أن يعطيها.

لو أن أهل سمواته، وأهل أرضه، وأول خلقه وآخرهم، وإنسهم وجنهم، كانوا على أتقى قلب رجل منهم، ما زاد ذلك في ملكه شيئا، ولو أن أول خلقه وآخرهم، وإنسهم وجنهم، كانوا على أفجر قلب رجل منهم، ما نقص ذلك من ملكه شيئا، ولو أن أهل سمواته، وأهل أرضه، وإنسهم وجنهم، وحيهم وميتهم، كانوا على أفجر قلب رجل منهم، ما نقص ذلك من ملكه شيئا، ولو أن أهل سمواته، وأهل أرضه، وإنسهم وجنهم، وحيهم وميتهم، ورطبهم ويابسهم، قاموا في صعيد واحد، فسألوه فأعطى كلا منهم مسألته ٣، ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة.

ولو أن أشجار الأرض كلها ٤ -من حين وجدت إلى أن تنقضي

الدنيا- أقلام، والبحر وراءه سبعة أبحر تمده من بعده مداد، فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد، لفنيت الأقلام ونفد المداد، ولم تنفد كلمات الخالق تبارك وتعالى ١.

وكيف تفنى كلماته جل جلاله وهي لا بداية لها ولا نهاية؟! والمخلوق له بداية ونهاية، فهو أحق بالفناء والنفاد، وكيف يفني المخلوق غير المخلوق؟!

هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء.

تبارك وتعالى، أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأحق من حمد، وأولى من شكر، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأعفى من قدر، وأكرم من قصد، وأعدل من انتقم.

حكمه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن عزته، ومنعه عن حكمته، وموالاته عن إحسانه ورحمته.

ما للعباد عليه حق واجب … كلا ولا سعي لديه ضائع

إن عذبوا فبعدله، أو نعموا … فبفضله، وهو الكريم الواسع ٢

جارٍ التحميل